Полный текст (452 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ (٥) وهو كثير.
فكون صلاة الفذّ جزءاً واحداً من سبعة وعشرين جزءاً من صلاة الجميع، لا يستلزم إسقاط فرض الجماعة، ولزوم كونها ندباً بوجهٍ من الوجوه، وغايتها أن يتأدّى الواجب بهما، وبينهما من الفضل ما بينهما، فإن الرجلين يكون مقامُهما في الصّفّ واحداً، وبين صلاتهما في الفضل كما بين السماء والأرض)) (١) .
ولعل القارىء يجد في بعض ما ذكرناه من أدلة على وجوب صلاة الجماعة، ودفعنا للشُبَهِ على هذا الحكم، بيانَ عظم الخطر عليه في التخلّف عنها، وأن يقلع عن الصلاة في البيت متوجّهاً إلى المسجد، ((والواجب على أئمة المساجد أن ينصحوا المتخلّفين ويذكرهم ويحذرهم غضب الله وعقابه)) (٢) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((من اعتقد أنّ الصّلاة في بيته أفضل من صلاة الجماعة في مسجد المسلمين، فهو ضال مبتدع، باتّفاق المسلمين. فإن صلاة الجماعة إما فرض على الأعيان، وإما على الكفاية، واللازم من الكتاب والسنّة أنّها واجبة على الأعيان)) (٣) .
((واعلم أخي المصلّي ـ بصّرك الله بالحقّ ـ أن للشيطان طرقاً كثيراً لصدّك عن الصّلاة، وعن مناجاة ربّك، فأوّل الطّرق ترك الجماعة، ويليه ترك التسبيح عقب الصلاة، ويليه ترك الصلاة كما شاهدنا.
فكيف تسوغ لنفسك ـ بربك ـ ترك أجر سبع وعشرين درجة، والاكتفاء بدرجةٍ واحدةٍ؟! أبَلَغَ بك أن استغنيتَ عن الأجر والحسنات!! إن للحسنات سوقاً كبيراً
стр. 282
غداً عند ربّ العالمين.
فتدبّر هذا واعقله، ولا يغرنّك كثرة المتقاعسين، الذين عقد الشّيطان عليهم، فلا يقومون لصلاة إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان، يقومون إليها كسالى،فحذار أن يجرّك الشيطان لصفّه.
واعلم أن السكينة لا تدرك في البيت، وإنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر، ألست منهم أنت؟ !.
واعلم أنه جاء في ((صحيح البخاري)) : ((أن من غدا إلى المسجد أو راح، أعدّ الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح، فهل استغنيت عن هذا؟؟ وفي هذا بيان لمن وفّق للخير، وهدي إليه)) (٤) .
والعجب من قول بعضهم: ((لا تتم مروءةُ الرَّجل حتى يترك الصّلاة في الجماعة!! وتعقب هذه المقولة الخاطئة الإمام الذهبي، فقال في ((السير)) : (٧ /٧٢) : ((قلت: لعن الله هذه المروءَةَ، ما هي إلا الحُمْقُ والكِبْر، كيلا يُزاحِمًه السُّوْقة! وكذلك تَجِدُ رؤساء وعُلماء يُصلّون في جماعةٍ في غير صَفّ، أو تُبْسَطُ له
سَجَّادةٌ كبيرة حتى لا يلتصق به مُسلم. فإنا لله!)) .
وتجدر الإشارة ـ في الختام ـ إلى بيان ضعف بعض الأحاديث التي يتداولها كثير من الدّعاة، الذين كرسوا جهْدهم في حثّ النّاس على الصّلاة، وتذكيرهم بها ـ جزاهم الله خيراً ـ ولكن فاتهم تمحيص الصحيح، وفصله عن الضعيف، منها:
[٢/٤٧] ((إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد، فاشهدوا له بالإيمان)) .
стр. 283
وهو من طريق دَرَّاج أبي السَّمْح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد.
ودراج هذا، قال الحافظ فيه في ((التقريب)) : (١/٢٣٥) : ((صدوق في حديثه عن أبي الهيثم ضعف)) .
ولذلك تعقّب الذّهبيُّ الحاكم، بقوله: ((قلت: درّاج كثير المناكير)) (١) .
[٣/٤٧] ومنها: الدّعاء بالمغفرة عند الدخول إلى المسجد، وهو مع أنه منقطع كما بيّنه مخرّجُه التّرمذي، فإن الدّعاء بـ ((اللهم اغفر لي ذنبي)) تفرّد بذكره في الحديث ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف. وقد تابعه على رواية أصل الحديث ـ وفيه الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ عند الدخول إلى المسجد فحسب ـ إسماعيل بن عليّة، وهو ثقة جليل، ولكنه لم يذكر فيه هذا الدّعاء، فدلّ ذلك كله على أنه لا يصح فيه، وأنه منكر.
ولذلك فإني أرى أنه لا يشرع التزامه مع الأدعية الصحيحة، ولا إيراده فيها، ولاسيما مع القطع بأنه من السنة! فتأمل (٢) .
[٤/٤٧] ومنها: ((جنّبوا مساجدكم صبيانكم)) وهذا حديث لا يصح عن النبي ﷺ ، قال البزّار فيه: لا أصل له (٣) .
وبنى كثير من العوام عليه: اعتقاد منع دخول الصّبيان بيوت الله !!
سئل الإمام مالك ﵀ عن الرّجل يأتي بالصّبي إلى المسجد،
стр. 284
أيستحب ذلك؟ قال: إن كان قد بلغ موضع الأدب، وعرف ذلك، ولا يعبث في المسجد، فلا أرى بأساً، وإن كان صغيراً، لا يقرّ فيه، فلا أحبّ ذلك.
قال ابن رشد: ((المعنى في هذه المسألة مكشوف، لا يفتقر إلى بيان، إذ لا إشكال في إباحة دخول الولد إلى المساجد، قال الله : ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ....﴾ (١) .
وكان رسول الله ﷺ يسمع بكاء الصّبي في الصّلاة، فيتجوّز في الصّلاة، مخافة أن تفتن أمّه (٢) .
وإلا فالكراهة في إدخالهم فيه، إذا كانوا لا يقرّون فيه ويعبثون، لأن المسجد ليس موضع العبث واللعب، وبالله التوفيق)) (٣) .
هذا، وقد شهدتُ خطر هذا الحديث الواهي عندما رأيتُ بعض العامة من الجهلة يطردون النّاشئة من بيوت الله محتجّين بهذا الحديث، فينفّرونهم من الدين، على حين تفتح المؤسسات التبشيرية صدرها وذراعيها لأبناء المسلمين مع أبنائهم.
[٥/٤٧] ومنها: قصة ثعلبة بن حاطب، التي يزعم واضعها ـ قبحه الله ـ أنه كان ملازماً للمسجد، حتى سمّي (حمامة المسجد) ، ومن ثم أغراه كثرة ماله، المتمثل بالغنم، على ترك صلاة الجمعة، ومن ثم الجماعة، ومن ثم على منع الزكاة، ثم تذكر، فجاء إلى النبي ﷺ تائباً، فلم يقبله رسول الله ﷺ ولا أبو بكر وعمر!! وتتردد هذه القصة على ألسنة الكثيرين من الخطباء والوعّاظ، من غير أن
стр. 285
يتنبهوا أنهم يحكمون بنفاق صحابي جليل شهد بدراً، ومن غير أن يتفطنوا إلى أنهم ينسفون مبدأ
إسلامياً عظيماً، وهو إجبار مانعي الزكاة على دفعها، حتى لو أدى ذلك إلى حربهم (٤) .
ورحم الله ابن حزم، فإنه قال في هذه القصة: ((فلا يخلو ثعلبة من أن يكون مسلماً،
ففرض على أبي بكر وعمر قبض زكاته، ولا بُدّ، ولا فسحة في ذلك. وإن كان كافراً، فلا يقرّ في جزيرة العرب، فسقط هذا الأثر بلا شك.
وفي رواية: معان بن رفاعة والقاسم بن عبد الرحمن وعلي بن يزيد وهو أبو عبد الملك الألهاني، وكلهم ضعفاء)) (١)
стр. 286
الفصل الخامس
جماع أخطاء المصلّين بعد الصلاة: جماعة كانت أم منفردة
* أخطاء المصلّين في السّلام والمصافحة.
* أخطاء المصلّين في التّسبيح.
(ترك التسبيح دبر الصّلوات والاشتغال بالدعاء، خروج المأموم وانصرافه قبل انتقال الإمام عن القبلة، الوصل بين الفريضة والنفل، التسبيح بالشمال
والسبحة) .
* السجود للدّعاء بعد الفراغ من الصّلاة.
* السّمر بعد صلاة العشاء.
* التسبيح الجماعي والتشويش على المصلّين.
* المرور بين يدي المصلِّين.
стр. 287
[٤٨] * أخطاء المصلّين في السّلام والمصافحة:
[١/٤٨] عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: إذا لقي أحدكم أخاه، فليسلّم عليه، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر، ثم لقيه، فليسلم عليه أيضاً (١) .
في هذا الحديث: أمره ﷺ للمسلمين، بأن يسلّم أحدهم على أخيه المسلم، إذا لقيه، لما فيه من جَمْع الشْمل، ونفي البُغْض، وجلب المحبة.
والأمر في هذا الحديث إنما هو للاستحباب، بمعنى أنه للحثّ، والنَّدب، وليس بواجب (٢) .
ولا فرق في ذلك بين مَنْ في المسجد أو خارجه، بل دلّت السنّة الصحيحة
стр. 288
على مشروعية السلام على مَنْ في المسجد، سواء كان في صلاة أم لا.
عن ابن عمر ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ إلى قباء يصلّي فيه فجاءته الأنصار، فسلّموا عليه وهو يصلّي، قال: فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله ﷺ يردّ عليهم، حين كانوا يسلّمون عليه، وهو يصلّي؟
قال: يقول هكذا وبسط كفّه، وبسط جعفر بن عون كفّه، وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إلى فوق (٣) .
وقد ذهب إلى الحديث الإمامان أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، فقال المروزي: ((قلت (يعني لأحمد) : يسلّم على القوم، وهم في الصّلاة؟
قال: نعم، فذكر قصة بلال حين سأله ابن عمر، كيف كان يردّ؟
قال: كان يشير، قال إسحاق: كما قال)) (٤) .
واختار هذا القاضي ابن العربي، فقال: ((قد تكون الإشارة في الصّلاة لردّ السلام، لأمر ينزل بالصلاة، وقد تكون في الحاجة تعرض للمصلي. فإن كانت لردّ السلام، ففيها الآثار الصحيحة، كفعل
стр. 289
النبي ﷺ في قُباء وغيره)) (١) .
والدليل على مشروعية السلام دبر الصَّلاة في المسجد: حديث المسيء صلاته المشهور عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل فصلى، ثم جاء، فسلّم على رسول الله ﷺ ، فردّ رسول الله ﷺ السلام، قال، ارجع فصلّ، فإنك لم تصل، فرجع الرجل، فصلى كما كان صلى، ثم جاء إلى النبي ﷺ . (فعل ذلك ثلاث مرات) . أخرجه الشيخان وغيرهما (٢) .
قال الألباني: ((وبه استدل صديق حسن خان في ((نزل الأبرار)) (٣) على أنه ((إذا سلّم عليه إنسان ثم لقيه عن قرب، يسنّ له، أن يسلم عليه ثانياً وثالثاً)) )) .
وقال أيضاً: ((وفيه دليل أيضاً على مشروعية السلام على مَنْ في المسجد، وقد دلّ على ذلك حديث سلام الأنصار على النبي ﷺ في مسجد قُباء، كما تقدّم، ومع هذا كله، نجد بعض المتعصبين لا يعبؤون بهذه السنّة فيدخل أحدهم المسجد، ولا يسلّم على مَنّ فيه، زاعمين أنه مكروه، فلعلّ فيما كتبناه، ذكرى لهم ولغيرهم، والذكرى تنفع
المؤمنين)) (٤) .
والحاصل: أن الصلاة والمصافحة تكون عند القدوم، وحال الافتراق، ولو كان يسيراً،
стр. 290
سواء كان في المسجد أو خارجه.
[٢/٤٨] ولكن الأمر الذي يؤسف له أنك تسلم على الرجل عند لقائك بعد الصلاة، قائلاً ((السلام عليكم ورحمة الله)) فيبادرك قائلاً ((تقبل الله)) ويحسب أنه قد قام بما أوجب الله عليه من ردّ السّلام، وكأنه لم يسمع قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ (٥) .
وبعض ألئك يبادرك بدلاً من السّلام، بقوله ((تقبل الله)) والله يقول: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ
يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ (١) .
ويقول ﷺ : ((أفشوا السلام بينكم)) (٢) .
ولم يقل: قولوا: ((تقبل الله)) !!
ولم نعلم عن أحد من الصحابة أو السلف الصالح ﵃ أنهم كانوا إذا فرغوا من صلاتهم التفت أحدهم عن يمينه وشماله، مصافحاً مَنْ حوله، مباركاً له بقبول الصّلاة، ولو فعل ذلك أحد منهم، لنقل إلينا، ولو بسندٍ ضعيف، ولنقله لنا أهل العلم، الذين خاضوا في كل بحر، فغاصوا في أعماقه، واستخرجوا منه أحكامه الكثيرة، ولم يفرّطوا في سنّة قولية أو فعلية أو تقريرية أو صفة (٣) .
стр. 291
كيف، وقد نقل المحققون من أهل العلم، أن المصافحة المذكورة، بالهيئة السابقة، بدعة؟ !
قال العزّ بن عبد السلام: ((المصافحة عقب الصبح والعصر من البِدّع، إلا لقادمٍ يجتمع بمن يصافحه قبل الصلاة، فإن المصافحة مشروعة عند القدوم، وكان النبي ﷺ يأتي بعد الصّلاة بالأذكار المشروعة، ويستغفر ثلاثاً، ثم ينصرف!! وروي أنه قال: ((ربّ قٍني عذابك يوم تبعث عبادك)) (٤) والخير في إتباع الرسول)) (٥) .
وإذا كانت هذه البدعة محصورةً زمن المصنّف بعد صلاتين، فقد صارت في زماننا بعد كلّ صلاة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقال اللكنوي: ((قد شاع في عصرنا هذا، في أكثر البلاد، وخصوصاً في بلاد الدكن، التي هي منبع البدع والفتن، أمران، ينبغي تركهما:
أحدهما: أنهم لا يسلّمون عند دخول المسجد، وقت صلاة الفجر، بل يدخلون ويصلون السنّة، ثم يصلّون الفرض، ويسلّمون بعضهم على بعض بعد الفراغ منه، ومن توابعه، وهذا أمر قبيح، فإن السلام إنما هو سنّة عند الملاقاة، كما ثبت ذلك في الأخبار، لا في أثناء المجالسة.
وثانيهما: أنهم يصافحون بعد الفراغ من صلاة الفجر والعصر، وصلاة
стр. 292
العيدين والجمعة، مع أن مشروعية المصافحة أيضاً، أنما هي عند أوّل الملاقاة)) (١) .
وقال بعد أن ذكر الخلاف في المصافحة دبر الصلاة: ((وممن منعه ابن حجر الهيتمي الشافعي وقطب الدين بن علاء الدين المكي الحنفي، وجعله الفاضل الرومي في ((مجالس الأبرار)) من البدع الشنيعة، حيث قال: المصافحة حسنة في حال الملاقاة، وأما في غير حال الملاقاة، مثل كونها عقب صلاة الجمعة والعيدين، كما هو العادة في زماننا، فالحديث سكت عنه، فيبقى بلا دليل وقد
تقرر في موضعه: أن ما لا دليل عليه مردود، ولا يجوز التقليد فيه)) (٢) .
وقال أبضاً: ((على أن الفقهاء من الحنيفّة والشافعيّة والمالكيّة صرحوا بكراهتها، وكونها بدعة. قال في ((الملتقط)) : يكره المصافحة بعد الصّلاة بكل حال، لأن الصحابة ما صافحوا بعد الصلاة، ولأنها من سنن الروافض. وقال ابن حجر من علماء الشافعيّة: ما يفعله الناس من المصافحة عقيب الصلوات الخمس مكروهة، لا أصل لها في الشرع)) (٣) .
وأفصح رحمه الله تعالى عن اجتهاده واختياره، فقال: ((والذي أقول:
стр. 293
إنهم قد اتفقوا على هذه المصافحة ليس لها أصل في الشرع، ثم اختلفوا في الكراهة والإباحة، والأمر إذا دار بين الكراهة الإباحة، ينبغي الإفتاء بالمنع فيه، لإن دفع مضرّة أولى من جلب مصلحة، فكيف لايكون أولى من فعل أمر مباح، على أن المصافحين في زماننا يظنونه أمراً حسناً، ويشنعون على مانعه تشنيعاً بليغاً، ويصرون عليه إصراراً شديداً، وقد مر أن الإِصرار على المندوب يبلغه إلى حدّ الكراهة، فكيف إصرار البدعية التي لا أصل لها في الشرع،
وعلى هذا فلا شك في الكراهة، وهذا هو غرض مَنْ أفتى بالكراهة، مع أن الكراهة إنما نقلها مِنْ نقلها مِنْ عبارات المتقدمين والمفتين، فلا يوازيها روايات مثل صاحب ((جمع البركات)) و ((السراج المنير)) و ((مطالب المؤمنين)) من تساهل مصنفيها في تحقيق الروايات، أمر مشهود وجمعهم كل رطب ويابس، معلوم عند الجمهور.
والعجب من صاحب ((خزانة الرواية)) حيث قال فيها في عقد اللآليء، قال ﵇: ((صافحوا بعد صلاة الفجر، يكتب الله لكم بها عشراً)) وقال ﵊: ((صافحوا بعد العصر، تؤجروا بالرحمة والغفران)) ولم يتفطن أن هذين الحديثين وأمثالهما موضوعان، وضعهما المصافحون، فإنا لله وإنا إليه راجعون)) (١) .
[٣/٤٨] وأخيراً، لابد من التنبيه على أنه لا يجوز للمسلم أن يقطع تسبيح أخيه المسلم، إلا بسبب شرعي، وما نشاهده من تأذي كثير من المسلمين، عند قيامهم بالأذكار المسنونة بعد الصلوات المكتوبات، عندما يفاجأون بأيدٍ تمدّ لمصافحتهم عن اليمين وعن الشمال وبكثرة، مما يصطرهم إلى التضجر والتأذي، لا من أجل المصافحة، بل من أجل قطع تسبيحهم وإشغالهم عن ذكر الله بهذه المصافحة، التي لا سبب لها من لقاء ونحوه، وإذا كان الأمر كذلك، فليس من الحكمة أن تنزع يديك من يدي جارك، وأن ترد اليد التي مدّت إليك، فإن
هذا جفاء، لا يعرفه الإسلام، بل تأخذ بيده برفق ولين، وتبّين له بدعية هذه المصافحة، التي أحدثها الناس، فكم من رجل اتّعظ بالموعظة، وكان أهلاً للنصيحة، وإنما أوقعه الجهل في مخالفة السنة، فعلى أهل العلم وطلاّبه البيان
стр. 294
بالحسنى، وربما أراد الرجل أو طالب العلم، إنكار منكر، فلم يحسن اخنيار الأسلوب السليم، فوقع في منكر أشد مما أراد إنكار من قبل، فالرّفق الرّفق، يا دعاة الإسلام، وحببّوا الناس فيكم بحسن أخلاقكم، تملكون قلوبهم، وتجدون منهم الآذان الصاغية، والقلوب الواعية، فإن طباع البشر
تنفر من العنف والشدّة (٢) .
[٤٩] * أخطاء المصلين في التّسبيح:
[١/٤٩] التسبيح والتكبير عقب الصلوات مستحب، ليس بواجب، ومن أراد أن يقوم قبل ذلك، فله ذلك، ولكن الأفضل الإتيان بالوارد عنه ﷺ ، وخصوصاً أن الثابت عنه ـ أحيانا ـ أنه كان يسبح عشراً، ويحمد عشراً، ويكبر عشراً، وكان يقول كل واحدة ـ أحياناً أُخرى ـ إحدى
عشر مرّة (١) .
فعندما يتعرض المسلم لظرفٍ طارىء، يشغله عن تمام التّسبيح، فلْيأت بعشر تسبيحات، ومثلها من التحميدات والتكبيرات، ويكون بذلك قد أصاب عين السنّة، ولم ينشغل عما أصابه.
واعلم ـ علمني الله وإياك ـ أن تنوع الأذكار من نعمة الله سبحانه على الإنسان، ذلك لأنه يحصل له بها عدّة فوائد، منها: أن تنوّع العبادات يؤدّي إلى استحضار الإنسان ما يقول من الذّكر، فإن الإنسان إذا دام على ذكر واحداً، صار يأتي به ـ كما يقولون آليّاً ـ بدون أن يحضر قلبه، فإذا تعمد وتقصد تنويعها، فإنه بذلك يحصل له حضور القلب.
ومنها: أن الإنسان يختار الأيسر منها، فالأيسر لسبب من الأسباب، فيكون بذلك تسهيلاً عليه، ومنها: أن في كل جزء ما ليس في الآخر، فيكون بذلك زيادة ثناء على الله .
والحاصل: أن بعض الأذكار الواردة بعد الصلوات متنوّعة، فبأيّ واحد
стр. 295
منها أتى فقد أحسن، والأفضل أن يأتي بهذا مرة، وبهذا مرة.
[٢/٤٩] فإن أبى إلا الخروج، فلا ينبغي أن ينصرف قبل انتقال الإمام عن القبلة.
قال شيخ الإسلام: ((ينبغي للمأموم، أن لا يقوم حتى ينصرف الإمام، أي ينتقل عن القبلة، ولا ينبغي للإمام أن يقعد بعد السلام مستقبل القبلة، إلا مقدار ما يستغفر ثلاثاً، ويقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الإجلال والإِكرام.
وإذا انتقل الإمام، فمن أراد أن يقوم قام، ومَنْ أحبّ أن يقعد يذكر الله فعل)) (٢) .
ودليل ذلك: ما رواه مسلم في ((الصحيح)) من حديث أنس ﵁ رفعه: ((أيها الناس إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف)) (٣) .
[٣/٤٩] فإن قعد يذكر الله تعالى، فعليه بالاكتفاء بالمأثور، فالأحاديث المعروفة في
الصحاح والسنن والمسانيد، تدل على أن النبي ﷺ ، كان يدعو دبر صلاته، قبل الخروج منها، وكان يأمر أصحابه بذلك، ويعلّهم ذلك.
ولا يخفى أن الدّعاء مباشرة بعد الانصراف من الصلاة، من مناجاة الله وخطابه، غير مناسب، ولهذا فإن دعاءه ﷺ كان في صلب الصّلاة، وإن المصلّي
стр. 296
يناجي ربه، فإذا دعا حال مناجاته له، كان مناسباً (١) .
قال الشيخ ابن باز: ((لم يصح عن النبي ﷺ ، أنه كان يرفع يديه بعد صلاة الفريضة، ولم يصح ذلك أيضاً عن أصحابه ﵃ فيما نعلم، وما يفعله بعض الناس من رفع أيديهم بعد صلاة الفريضة بدعة لا أصل لها)) (٢) .
[٤/٤٩] وكان ﷺ يعقد التسبيح والتهليل بالأنامل.
قال عبد الله بن عمرو: ((رأيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح بيمينه)) (٣) .
فالتسبيح باليمين أفضل من التسبيح بالشمال وباليدين معاً، عملاً بهذا الحديث الصحيح، وهو أفضل من التسبيح بالسّبحة أيضاً، بل التسبيح بها مخالف لأمره ﷺ حيث قال لبعض النّسوة:
((عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس، ولا تغفلن، فتنسين التوحيد ـ وفي رواية: والرحمة ـ واعقدن في الأنامل، فإنهن مسؤولات ومستنطقات)) (٤) .
قال الشيخ ابن باز مجيباً على سؤال في حكم التسبيح بالمسبحة:
((تركها أولى، وقد كرهها بعض أهل العلم، والأفضل التسبيح بالأصابع، كما كان يفعل ذلك النبي ﷺ )) (٥)
قلت: لاسيما بعد الصّلاة، فقد جاء الأمر بعقد الأنامل، وأنهن مسؤولات ومستنطقات.
стр. 297
قال الشيخ الألباني: ((ولو لم يكن في السبحة إلا سيئة واحدة، وهي أنها قضت على سنّة
العدّ بالأصابع، أو كادت، مع اتفاقهم على أنها أفضل، لكفى!!)) (١) .
[٥/٤٩] وقد وقع التصريح في حديث كعب بن عجرة عند مسلم في ((الصحيح)) (٢) أن التسبيح والأذكار المطلوبة دبر الصلاة تكون بعد المكتوبة. ومنه تعلم خطأ من يوصل النوافل بالمكتوبة، دون أن يجلس للذكر، وهل يكون التشاغل بعد المكتوبة بالراتبة بعدها، فاصلاً بين المكتوبة والذكر أو لا؟ محل نظر، قاله الحافظ بن حجر (٣) .
[٥٠] * السجود للدّعاء بعد الفراغ من الصّلاة:
جرت عادة بعض الناس بالسجود، بعد الفراغ من الصّلاة، يدعو فيه، وتلك سجدة لا يعرف لها أصل، ولا نقلت عن رسول الله ﷺ ، ولا أصحابه، والأولى أن يدعو في الصلاة، للأخبار الثابتة في ذلك، قاله صاحب ((التتمة)) وعلق عليه أبو شامة، فقال: قلت: ولا يلزم من كون السجود قربة في الصّلاة، أن تكون قربة خارج
стр. 298
الصَّلاة، كالركوع (٤) .
وقال العزّ بن عبد السلام: ((لم ترد الشريعة بالتقرّب إلى الله بسجدةٍ منفردةٍ، ولا سبب لها فإن القرب لها أسباب وشرائط وأوقاف وأركان، لا تصح بدونها، فكما لا يتقرب إلى الله بالوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار، والسعي بين الصّفا والمروة، من غير نسك واقع في وقته، بأسبابه وشرائطه، فكذلك لا يتقرّب إلى الله تعالى بسجدةٍ منفردة، وإن كانت قربة، إذا كان لها سبب صحيح، وكذلك لا يتقرب إلى الله تعالى بالصّلاة والصّيام، في كل وقت وأوان، وربما تقرب الجاهلون إلى الله تعالى، بما هو مبعد عنه من حيث لا
يشعرون (٥) .
والحاصل: أن الشريعة لم ترد بالتقرب إلى الله تعالى بالسجود إلا في الصلاة، أو لسبب
خاص من سهوٍ أو شكرٍ أو قراءة سجدة.
وقد أنكر أبو المعالي إمام الحرمين والغزالي وغيرهما هاتين السجدتين، بل قال الغزالي: لم يذهب أحد إلى أن السجدة وحدها تلزم بالنّذر، فعلى وجه: عليه ركعة. وعلى وجه: يلغو (١) .
وأصل هذه البدعة: ما ذهب إليه بعض الصوفية من أنه يستحب لكل مصلّ أن يفعلها، جبراً للسهو القلبي، إذ لا يخلو أن يغيب ولو لحظة واحدة في نفس صلاته عن كونه مصلّياً والسهو غالبه من الشيطان، فلا يجبر إلا بصفةٍ لا يتمكن الشيطان أن يدنو من العبد فيها ... !!
ولا شك أن الشيطان هو الذي وسوس لهؤلاء هذه البدعة، بتحبيبه لهم الابتداع في الدّين، ولما كانت الصلاة سبيلها الاتباع، حكم عليها الأئمة ـ كما
стр. 299
مضى ـ بالابتداع.
[٥١] * السّمر بعد صلاة العشاء:
عن أبي بَرْزة ﵁: أن الرسول ـ ﷺ ـ كان يكره النوم قبل العشاء، والحديث بعدها (٢) ، وعن عبد الله بن مسعود ﵁: عن النبي ﷺ قال: لاسمر بع العشاء، إلا لأحد رجلين: مصلّ ومسافر (٣) ، فالسمر بعد صلاة العشاء مكروه، إذا لم يكن في أمر مطلوب.
والحكمة من ذلك:
أولاً: لئلا يكون سبباً في ترك قيام الليل.
قال ابن خزيمة: ((ويخطر ببالي أن كراهته ﷺ الاشتغال بالسمر، لأن ذلك يثبط عن قيام الليل، لأنه إذا اشتغل أول الليل بالسمر، ثقل عليه النوم آخر الليل، فلم يستيقظ، وإن استيقظ لم ينشط للقيام)) (٤) .
ثانياً: خشية للاستغراق في الحديث، ثم يستغرق في النوم، فيخرج وقت الصبح (٥) أو تفوته جماعة في المسجد، وفي كلا الأمرين خطر عظيم عليه، لأن ذلك من خصال أهل النّفاق، فالواجب على كل مسلم أن يحافظ على صلاة الصبح
стр. 300
في الجماعة، وأن يحذر التخلف عنها، والواجب على أئمة المساجد أن ينصحوا المتخلّفين، ويذكروهم ويحذروهم غضب الله وعقابه.
قال فضيلة الشيخ ابن باز: ((لا يجوز للمسلم أن يسهر سهراً، يترتّب عليه إضاعته لصلاة الفجر في الجماعة، أو في وقتها، ولو كان ذلك في قراءة القرآن، أو طلب العلم، فكيف إذا كان سهره على التلفاز أو لعب الورق أو ما أشبه ذلك؟ ! وهو بهذا العمل آثم، ومستحق لعقوبة الله سبحانه، كما أنه مستحق للعقوبة من ولاة الأمر بما يردعه وأمثاله)) (١) .
ثالثاً: وقال بعض أهل العلم: إنما نهى عن السمر بعد العشاء الآخرة، لأن مصلّي العشاء الآخرة، قد كفرت عنه ذنوبه لصلاته، فنهي أن يسمر في الحديث مع النّاس، خوفاً أن يكون له في كلامه، ما يدنّس نفسه في بالذّنب بعد طهارة، لينام بطهارته (٢) .
قال سفيان بن عيينة: تكلّمت بشيء بعد العشاء الآخرة، فقلت: ما ينبغي لي أن أنام على هذا، فقمتُ فتوضأتُ، وصلّيتُ ركعتين، واستغفرتُ، وما قلتُ هذا لأزكي نفسي، ولكن ليعمل به بعضكم (٣) .
وقال القاسم بن أبي أيوب: كان سعيد بن جبير يصلّي، بعد العشاء الآخرة، أربع ركعات فأكلّمه وأنا معه في البيت، فما يراجعني الكلام (٤) .
وعن خيثمة قال: كانو يحبون إذا أوتر الرّجلُ أن ينام (٥) .
стр. 301
[٥٢] * التّسبيح والدّعاء الجماعي والتّشويش على المصلّين:
[١/٥٢] ليس من السنّة أن يجلس النَّاسُ بعد الصَّلاة لقراءة شيء من الأذكار والأدعية المأثورة ولا غير المأثورة، برفع الصّوت وهيئة الاجتماع، كما اعتادوا في بعض الأقطار. وإن هذه العادة صارت عند النّاس من قبيل شعائر الدّين، التي ينكر على تاركها والنّاهي عنها، وإنكار تركها هو المنكر.
قال صاحب ((السنن والمبتدعات)) : والاستغفار جماعة على صوت واحدٍ بعد التّسليم من الصّلاة بدعة، وقولهم بعد الاستغفار: يا أرحم الراحمين ارحمنا، جماعة أيضاً بدعة، ووصل السنة بالفرض من غير فصل بينهما، منهي عنه، كما في حديث مسلم.
وقراءة الفاتحة زيادة في شرف النبي ﷺ بدعة، واجتماعهم بعد التسليم من الصبح على ((اللهم أجرني من النار)) سبعاً، بدعة. وزيادتهم بعد ((اللهم أجرني من النار)) : ((ومن عذاب النار، بفضلك يا عزيز يا غفار)) بدعة (١) .
قال الشاطبي: ((لم يكن ﷺ يجهر بالدّعاء والذكر على إثر الصلاة دائماً ولا يظهرها للناس في غير مواطن التعليم، إذ لو كانت على الدوام وعلى الإظهار لكانت سنّة، ولم يسع العلماء أن يقولوا فيها بغير السنّة، إذ خاصيته ـ حسبما ذكروه ـ الدّوام والإظهار في مجامع النّاس. ولا يُقال: لو كان دعاؤه ﵊ سرّاً لم يؤخذ عنه.
لأنا نقول: من كانت عادته الإسرار فلا بد أن يظهر منه، إما بحكم العادة، وإما بقصد التنبيه على التشريع)) (٢) كما ثبت في ((صحيح البخاري)) عن ابن عباس قال: إن رفع الصّوت بالذّكر ـ حين ينصرف النّاسُ من المكتوبة ـ كان على عهد
стр. 302
النبي ﷺ (٣) .
قال النووي: حمل الشّافعي هذا الحديث على أنهم جهروا به وقتاً يسيراً، لأجل تعظيم صفة الذّكر، لا أنهم داوموا على الجهر به، والمختار أن الإمام والمأموم يخفيان الذّكر إلا إن احتيج إلى التعليم (٤) .
وقال ابن بطال: وفي ((العتبية)) عن مالك أن ذلك محدث (٥) .
وقال الشاطبي: ((فقد حصل أن الدعاء بهيئة الاجتماع دائماً لم يكن من فعل رسول الله ﷺ كما لم يكن قوله ولا إقراره)) (٦) .
[٢/٥٢] وقال ابن القيم: ((وأما الدّعاء بعد السلاّم من الصّلاة مستقبل القبلة أو المأمومين فلم يكن ذلك من هديه ﷺ ، أصلاً، ولا روي عنه بإسنادٍ صحيح ولا حسن.
وأما تخصيص ذلك بصلاتي الفجر والعصر فلم يفعل ذلك هو ولا أحد من خلفائه، ولا أرشد إليه أمته، وإنما هو استحسان رآه مَنْ رآه عوضاً من السنة بعدهما، والله أعلم.
وعامة الأدعية المتعلّقة بالصّلاة، إنما فعلها فيها، وأمر بها فيها، وهذا هو اللائق بحال المصلّي، فإنه مقبل على ربّه يناجيه ما دام في الصّلاة، فإذا سلّم منها انقطعت تلك المناجاة، وزال ذلك الموقف بين يديه والقرب منه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته، والقرب منه، والإقبال عليه، ثم يسأل إذا انصرف عنه؟!
стр. 303
ولا ريب أن عكس هذا الحال هو
الأولى بالمصلّى)) (١) .
ويكون الاستغفار ـ ثلاثاً ـ والتسبيح والتحميد والتكبير ـ كل منها ثلاث وثلاثون مرّة ـ وختمها بالتهليل، عقب الصّلاة، سراً في أيّ حالة يكون عليها المصلّون بعد الصلاة من قيام وقعود ومشي، وإن الاجتماع لذلك والاشتراك فيه ورفع الصوت بدع، هوّنها على الناس التعوّد، ولو دعاهم أحد إلى مثل هذه الصّفات في عبادة أُخرى ـ كصلاة تحية المسجد مثلاً ـ لأنكروا عليه أشد الإنكار (٢) .
[٣/٥٢] ومن هذا القبيل:
ما أُحدث من الذّكر بعد كلّ تسليمتين من صلاة قيام رمضان، ومن رفع أصواتهم بذلك، والمشي على صوتٍ واحدٍ، فإن ذلك من البدع.
[٥٣] * المرور بين يدي المصلِّين:
عن أبي عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لاتصلّ إلاَّ إلى سترة، ولا تدع أحداً يمرّ بين يديك، فإن أبى فلتقاتله، فإن معه القرين)) (٣) .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: قال رسول الله ﷺ : ((إذا صلّى أحدكم فليصلّ إلى سترة، وليدن منها، ولا يدع أحداً يمرّ بينه وبينها، فإنْ جاء أحدٌ يمرّ فليقاتله، فإنه شيطان)) (٤) .
ولهذا الحديث سبب إيراد، هو:
стр. 304
عن أبي صالح قال: رأيت أبا سعيد في يوم الجمعة يصلي إلى شيء، يستره من النّاس، فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه، فدفع أبو سعيد في صدره، فنظر الشابّ فلم يجد مساغاً إلا بين يديه، فعاد ليجتاز، فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى، فنال من أبي سعيد، ثم دخل على مروان فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان، فقال: مالك ولا بن أخيك يا أبا سعيد؟ قال: سمعت النبي ﷺ ، وذكره (١) .
في هذين الحديثين: مشروعية ردّ المار بين يدي المصلّي، وقرر الفقهاء: أن الرد يكون بأسهل الوجوه، فإن أبى فبأشدّها، وإن أدى إلى قتله فلا شيء عليه، كالصّائل عليه لأخذ نفسه أو ماله، وقد أباح له الشرع مقاتلته، والمقاتلة المباحة لاضمان فيها (٢) .
وقال القاضي عياض: ((وأجمعوا على أنه لا يلزمه مقاتلته بالسلاح، ولا يؤدّي إلى هلاكه، فإن دفعه بما يجوز فهلك من ذلك، فلا قود عليه باتفاق العلماء.
وهل يجب ديته أم يكون هدراً؟
فيه مذهبان للعلماء، وهما قولان في مذهب مالك ﵁.
وكذا اتفقوا على أنه لا يجوز له المشي إليه من موضعه ليردّه، وإنما يدفعه ويردّه من موقفه، لأن مفسدة المشي في صلاته أعظم من مروره من بعيد بين يديه، وإنما أبيح له قدر ما تناله يده من موقفه، ولهذا أمر بالقرب من سترته، وإنما يرده
стр. 305
إذا كان بعيداً منه بالإِشارة والتسبيح.
وكذلك اتفقوا على أنه إذا مر لا يردّه، لئلا يصير مروراً ثانياً، إلا شيئاً روي عن بعض السّلف أنه يرده، وتأوله بعضهم)) (٣) .
وقد بين ﷺ إثم المارّ بين يدي المصلّي، فقال: ((لو يعلم المارُّ بين يدي المصلّي، فقال: لو يعلم المارُّبين يدي المصلّي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمُرَّ بين يديه)) .
قال أبو النّضر ـ أحد رواة الحديث ـ: لا أدري أقال أربعين يوماً أو شهراً أو سنة (٤) .
معناه: لو يعلم ما عليه من الإِثم لاختار الوقوف أربعين على ارتكاب ذلك الإِثم، وفيه:
النهي الأكيد، والوعيد الشديد في ذلك (١) .
وقد استعظم الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ ومن بعدهم من السلف الصالح إثم المرور بين يدي المصلي، حتى إن بعضهم تمثّل فيه بآيةٍ وردت في عبادة الأصنام!!
عن عبد الله بن بريدة قال: رأى أبي أُناساً يمرّون بعضهم بين يدي بعض في الصّلاة، فقال: ترى أبناء هؤلاء إذا أدركوا يقولون: إنا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون (٢) .
стр. 306
وعن وبرة قال: ما رأيت أحداً أشدّ عليه أن يمرّ بين يديه في الصّلاة من إبراهيم النّخعي وعبد الرحمن بن الأسود (٣) .
[١/٥٣] وظاهر الأحاديث المنع من المرور بين يدي المصلّي، سواء اتّخذ سترة أم لا، إذ لم يفرق النبي ﷺ فيها بين مستتر وغيره، بل قال: بين يدي المصلّي.
((وذهب البعض إلى أن المرور لا بأس به، إذا كان المصلّي مقصّراً، بأن صلى في الطّريق أو في الباب، وهذا لا دليل عليه إطلاقاً، ولا مستند له من قول أحد من سلف الأمة، بل فيه محادّة للحديث المصّرح بأن يقف المارّ أربعين سنة ولا يمر، خير له من ذلك المرور، فبالله هل هناك مصلّ يعطل المارّين أربعين دقيقة حتى تستثنى هذه الحالة،
بالرأي في الدين الله ، وتخرجها من كونها كبيرة من الكبائر؟ اللهم إنا نبرأ إليك من مثل هذا الإطلاق في إعمال الرأي في دينك، ونسألك الوقوف في التمسك بشرائعك، والوقوف عند حدودك)) (٤) .
[٢/٥٣] والحرمة مقيّدة في الأحاديث السابقة ب ((بين يدي المصلي)) :
أي أمامه بالقرب منه، وعبر باليدين لكون أكثر الشغل يقع بهما، واختلف في تحديد ذلك، فقيل: إذا مرّ بينه وبين مقدار سجوده، وقيل: بينه وبين قدر ثلاثة أذرع. وقيل: بينه وبين قدر رميه بحجر (٥) .
ومتى بَعُد المارّ عما بين يدي المصلّي إذا لم يلق بين يديه سترة، سَلِمَ من الإِثم، لأنه إذا بعد عنه عرفاً لا يسمى ماراً بين يديه، كالذي يمر من وراء السّترة (١) .
стр. 307
قال ابن حزم: ((من مرّ أمام المصلّي وجعل بينه وبينه أكثر من ثلاثة أذرع، فلا إثم على المارّ، وليس على المصلّي دفعه، فإن مرّ أمامه على ثلاثة أذرع فأقلّ، فهو آثم إلا أن تكون سترة المصلّي أقل من ثلاثة أذرع، فلا حرج على المار في المرور وراءها أو عليها)) (٢) .
وقال: ((لم نجد في البعد عن السّترة أكثر من هذا، فكان هذا حدّ البيان في أقصى الواجب من ذلك)) (٣) .
والثلاثة أذرع مقدار محدد لا اختلاف فيه، فهو جدير بالاعتماد، ذلك لأن من حدده بمقدار الركوع والسجود سيختلف باختلاف أطول الناس وكيفية أدائهم للركوع والسجود وأما ذاك فهو منضبط، وقد ثبت ـ كما قدمنا ـ أن يجعل المصلي بين يديه سترة، ولا يجوز للمصلي أن يبتعد عنها بل أقصى ما يمكن في ذلك أن يكون بينه وبين سترته ثلاثة أذرع، فكان هذا بياناً لضابط قوله ((بين يديه)) .
وقد أمرنا برد المارّ بين أيدينا ونحن في الصلاة، والله لا يكلفنا إلا بما نستطيع، وفي حالة الجلوس لا نتمكن من ردّ مَنْ مرّ على مسافة هي أبعد من ثلاثة أذرع من قدمه، فهذا يقوّي الضابط المذكور، فضلاً على أنه قول الأكثر من أهل العلم (٤) .
ومن الجدير بالذكر:
[٣/٥٣] أن المرور بين يدي المصلي ينقص ثواب الصّلاة.
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: من استطاع منكم أن لا يمر بين يديه وهو يصلّي، فليفعل، فإن المارّ بين
стр. 308
يدي المصلّي أنقص أجراً من الممر عليه (٥) .
وروي أنه كان إذا مرّ أحد بين يديه وهو يصلّي التزمه، حتى يردّه، ويقول: أنه ليقطع
نصف صلاة المرء مرور المرء بين يديه (٦) .
وعن عمر قال: لو يعلم المصلّي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه ما صلّى إلا إلى شيء يستره من النّاس (١) .
قال الحافظ ابن حجر معلقاً على أثري ابن مسعود وعمر ﵄: ((فهذان الأثران مقتضاهما: أن الدفع لخللٍ يتعلّق بصلاة المصلّي، ولا يختص بالمارّ، وهما وإن كانا موقوفين فحكمهما حكم الرفع، لأن مثلهما لا يُقال بالرأي)) (٢) .
[٤/٥٣] بل قد يصل إلى بطلانها، كما في بعض الحالات.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يقطع الصلاة: المرأة والحمار والكلب، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرَّحْل (٣) .
وعن أبن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال:
стр. 309
يقطع الصلاة الكلب الأسود والمرأة الحائض (٤) .
فالتنصيص على هؤلاء الثلاثة لا بد أن يكون لوجود مزية فيها ليست في غيرها، وقد سبق أن بيّنا أن الصلاة ينقص أجرها بمرور غير هؤلاء الثلاثة، فكان التنصيص عليها لبيان ما زاد عن النّقصان وهو البطلان (٥) .
فاحذر يا أخي أن تجازف بصلاتك، بأن تدع أحداً من الأصناف المذكورة (المرأة البالغة والكلب الأسود والحمار) يمر بينك وبين سترتك في الصّلاة.
[٥/٥٣] و ((يستبيح البعض المرور بين يدي المصلّين إذا كان يحمل جنازة، وهذا لم يقل به أحد من أهل العلم فيما علمت، ولا دليل يدّل عليه على الإطلاق، ولا يتفيهق متفيهق بأن يقول: هذا من باب الإسراع بالجنازة!! لأنا نقول له: أسرع بها من غير مرور بين يدي المصلّين، والجنازة يصلّى عليها في أيّ مكان، لا يطلب لها مسجد أو غيره، والسنّة أن يصلّى عليها في مصلّى خاص بل إن بعض أهل العلم يرى عدم جواز الصّلاة عليها في المسجد، ولا مجال للردّ عليهم هنا، وهناك أمور كثيرة، تتأخر لها الجنازة، الفترات
الطويلة، ما أنزل الله بها من سلطان، وعندما جئنا لحدود الله ـ ما شاء الله ـ أسرعنا إلى الإسراع بالجنازة. ولو سلّم أن هناك تعارضاً بين المرور بين يدي المصلّي وبين الإسراع بالجنازة ـ وهيهات!! لقدّم عدم المرور لأن المرور من الكبائر، وترك الإسراع ـ عند التشدد وفي أقصى غاياته ـ من الصّغائر)) (١) .
стр. 310
الفصل السادس
جماع أخطاء المصلّين في صلاة الجمعة والتّشديد في حقّ مَنْ تركها
* تمهيد. . .
* تخلّف آلاف من مشاهدي كرة القدم عن صلاة الجمعة.
* تخلّف حرس الملوك والسّلاطين عن صلاة الجمعة، ووقوفهم على أبواب المسجد، حاملي السلاح، حراسة عليهم.
* تخلّف العروس عن صلاة الجمعة والجماعة.
* التخلّف عن صلاة الجمعة لتنزّه.
* جملة من الأخطاء تفوّت على أصحابها ثواب الجمعة أو بعضه.
(ترك التبكير لصلاة الجمعة، ترك الاغتسال والتطيّب والتسوّك لصلاة الجمعة، الكلام وعدم الاستماع لخطيب الجمعة، وفيه: [الدوران على الناس بالماء وبصندوق لجمع التبرعات والإمام يخطب، تحدث الرجلين مع بعضهما والإمام يخطب، التسبيح وقراءة القرآن ورد السلام وتشميت العاطس والإِمام يخطب، النوم والإمام يخطب، استدبار الإمام والقبلة والإِمام يخطب، العبث بالحصى والسبحة ونحوهما والإِمام يخطب] ، تخطّي الرّقاب وإيذاء النّاس) .
стр. 311
* سنّة الجمعة القبليّة.
* أخطاء المصلّين في صلاة تحية المسجد يوم الجمعة.
(تركها عند الدخول والإِمام يخطب، حثّ الخطيب للداخل على تركها، الجلوس وصلاتها عند قعود الخطيب بين الخطبتين، تأخيرها لإِجابة المؤذن والشروع فيها عند بدء الخطيب للخطبة) .
* جملة من أخطاء الخطباء.
(تمهيد، أخطاء الخطباء القوليّة، أخطاء الخطباء الفعليّة، أخطاء الخطباء في صلاة الجمعة) .
* أخطاء المصلّين في سنّة الجمعة البعديّة.
стр. 312
* تمهيد:
١ ـ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا هل عسى أحدكم أن يتّخذ الصُّبَّة من الغنم على رأس ميل أو ميلين، فيتعذَّر عليه الكلأُ، فيرتفعَ، ثم تجيء الجمعةُ، فلا يجيء ولا يشهدها، وتجيء الجمعة، فلا يشهدها، وتجيء الجمعة فلا يشهدها، حتى يطبع على قلبه)) (١) .
فهذا وعيد شديد في حقّ تارك صلاة الجمعة، بسبب الصُّبَّة من الغنم أو الإِبل، يخرج يرعى بها، فيبتعد عن المسجد، فتفوته الصلاة.
والصُّبَّة: السِّرْبَة، إما من الخيل أو الإِبل أو الغنم، ما بين العشرين إلى
стр. 313
الثلاثين، تضاف إلى ما كانت منه. وقيل: هي ما بين العشرة إلى الأربعين (٢) .
٢ ـ عن أبي هريرة وابن عمر ﵃ أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره: ((لينتهنّ أقوامٌ عن وَدْعهم الجمعات، أو ليختمنّ الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين)) (٣) .
٣ ـ وعن ابن مسعود ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لقومٍ يتخلفون عن الجمعة: ((لقد هممتُ أن آمر رجُلاً، يصلّي بالنّاس، ثم أُحرِّق على رجالٍ يتخلّفون عن الجمعة بيوتهم)) (٤) .
٤ ـ وعن محمد بن عبد الرحمن بن زرارة قال: سمعتُ عمي ـ ولم أرَ رجلاً منّا به شبيهاً ـ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سمع النّداء يوم الجمعة، فلم يأتها، ثم سمعه، فلم يأتها، ثم سمعه، فلم يأتها، طبع الله على قلبه، وجعل قلبه قلب منافق)) (١) .
стр. 314
٥ ـ وعن ابن عباس ﵄ قال: ((من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات، فقد نبذ الإسلام وراء ظهره)) (٢) .
٦ ـ وعن أبي الجَعد الضَّمْري ـ وكانت له صحبَة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من ترك ثلاث جُمَعٍ تهاوناً بها، طبع الله على قلبه)) (٣) .
ومعنى: ((تهاوناً بها)) أي: لقلة الاهتمام بأمرها، لأن الاستخفاف بفرائض الله تعالى كفر، ونصب على أنه مفعول لأجله، أو حال، أي: متهاوناً.
فلعلّ تاركي صلاة الجمعة ـ وما أكثرهم هذه الأيام ـ ينتبهون، ويفيقون مِنْ غيّهم الذي هم فيه سادرون، وأخصّ منهم الأصناف التّالية: مشاهدي كرة القدم، والحرس على الملوك والسلاطين، والعروس، ومن تخلّف عنها للنّزهة.
стр. 315
[٥٤] * تخلّف آلاف من مشاهدي كرة القدم عن صلاة الجمعة:
جمهور ((الكرة)) ، الذي يصل عددهم إلى مئات الألوف، يجتمعون في وقت صلاة الجمعة في المدرجات، ويناديهم منادي السّماء، ولكن ... أنّى لهم أن يستجيبوا له، وقد تعطّلت عقولهم، وماتت أحاسيسهم، مقابل ماذا؟! مقابل التعصب المقيت للفرق الرياضية المختلفة، فهذا يشجع فريقاً، وذاك يشجع فريقاً آخر، بل أن أهل البيت الواحد، ينقسمون على أنفسهم، هذا يتبع فريقاً، وذاك يتبع فريقاً آخر، ولم يقف الأمر عند حدّ التشجيع، بل تعداه إلى سخرية أتباع الفريق المنتصر واستهزائهم من أتباع المنهزمين، وفي نهاية المطاف
، يكون هناك الشجار والعراك، الذي يدور بين مشجعي الفريقين، وسقوط الجرحى والقتلى بالمئات، من ضحايا كرة القدم. ومقابل إشغال الأمة الإسلامية من التفكير في جهاد أعدائها، وقضاياها المصيريّة الكبرى.
ومقابل القضاء على معاني العزّة والكرامة في الأُمة، حيث بددت الأمة أموالاً طائلة، وأضاعت أوقاتاً طويلة، لو استغلتها الأمة في الأعمال النافعة، والصناعات المفيدة، لأصبحت الأمة في مقام الدول المتقدّمة، في المجالات المختلفة.
ومقابل قلب الموازين، حيث أصبح البطل في هذا الزّمان، هو لاعب الكرة (!!) لا المجاهد المدافع عن كرامة الأمة وعزّتها، بالإِضافة إلى بذل الأموال الضخمة للاعبين، والإِسلام لا يقرّ قلب الموازين، بل يعرف لكل إنسان قيمته، بلا إفراط ولا تفريط.
والخلاصة: إن كرة القدم الآن، أصبحت من المعاول الهدّامة، التي استخدمها أعداء الأمة الإِسلاميّة، وشجعوا عليها، ومما يؤكد ذلك:
ما جاء في البروتوكول الثالث عشر من ((بروتوكولات حكماء صهيون)) .
((. . . ولكي تبقى الجماهير في ضلال، لا تدري ما وراءها، وما أمامها، ولا ما يراد منها فإننا سنعمل على زيادة صرف أذهانها، بإنشاء وسائل المباهج
стр. 316
والمسلّيات، والألعاب الفكهة، وضروب أشكال الرياضة واللهو، وما به الغذاء لملذّاتها وشهواتها، والإِكثار من القصور المزوّقة والمباني المزركشة، ثم نجعل الصحف تدعو إلى مباريات فنيّة ورياضيّة ... )) (١) .
أسمعت ـ أخي المسلم ـ ما يريد بك أعداؤك، إنهم يريدون بك أن تبقى في ضلال، فلا ترى النّور أبداً.
وإنك ـ إنْ فعلت ما حذّرتُك منه، من ترك صلاتك يوم الجمعة، فمصيرك الطبع على قلبك، فلا تغشاه الألطاف، ولا رحمة الله تعالى، بل يبقى دنساً وسخاً، مستعملاً في الآثام والقبائح، والعياذ بالله تعالى، إذ الطبع: الختم، فيكون ذا جفاء، لا يصل إليه شيء من الخير.
وظاهرة الأحاديث السابقة: أن من ترك ثلاث جمع تهاوناً ـ أي بلا عذر ـ يطبع على قلبه، ويكون من
стр. 317
الغافلين والمنافقين، ولو كان الترك متفرّقاً، وبه قال بعضهم، حتى لو ترك كل سنة جمعة، لطبع على قلبه بعد الثّالثة.
ويحتمل أن يكون المراد: ثلاث جمع متواليات.
ويؤّيده: أثر ابن عباس السابق.
واعتبار الثّلاث: إمهال من الله ـ تعالى ـ للعبد، ورحمة به، لعلّه يتوب من ذنبه، ويثوب إلى رشده، ويؤدّي الجمعة، ولا يتركها بلا عذر.
وأفاد الحديث الثالث: أن مَنْ وجبت عليه الجمعة، وتركها لغير عذر، فهو آثم إثماً كبيراً، يستحق مرتكبه العذاب الأليم.
وذهب بعض أهل العلم ـ مالك وأحمد والشافعي في الجديد ـ أن مَنْ لزمتهم الجمعة، ولا عذر لهم في التخلّف عنها ـ كمشاهدي ((الكرة)) ولاعبيها وقت الجمعة هذه الأيام ـ فلا تصح لهم صلاة الظهر قبل صلاة الإِمام، ويلزمهم السعي إن ظنوا أنهم لا يدركونها، لأنها المفروضة عليهم فإن أدركوها مع الإمام صلوها، وإن ظنوا أنهم يدركونها، لأنها المفروضة عليهم، فإن أدركوها صلوها، وإن فاتتهم فعليهم الظهر، وإن ظنوا أنهم لا يدركونها، انتظروا حتى يتيقنوا أن الإِمام قد صلى ثم يصلّون الظهر (١) .
ودليل ذلك: ما قاله عبد الله بن مسعود: ((ومن فاتته الركعتان، فليصل أربعاً)) (٢) .
стр. 318
ويطلب ممن وجبت عليه الجمعة، وتركها لغير عذر، أن يصلي الظهر، ويتّصدّق بدينارٍ، فإن لم يجد فبنصف دينار.
عن سمرة بن جندب أنّ النبي ﷺ قال: ((مَنْ ترك الجمعة متعمّداً، فليتصدق بدينار، فإن لم يجد فبنصف دينار)) (١) .
قال بعضهم: الأمر هنا للاستحباب، لأن الجمعة لها بدل، وهو الظهر.
والظّاهر: أن الأمر هنا للوجوب، كما هو الأصل فيه، وكون الجمعة لها بدل لا يدلّ على صرفه عن الوجوب، لاحتمال أن يكون وجوب الكفارة مع صلاة الظهر، عقاباً له عن تخلّفه عن الجمعة بلا عذر،
стр. 319
ورحم الله ابن الإِخوة فإنه قال في حق تارك صلاة الجمعة: ((فمن شغل عنها بتثمير مكسبه، أو لها عنها بالإِقبال على لهوه ولعبه، فحدّه بالآلة العمريّة، التي تضع من قدره، وتذيقه وبال أمره، ولا يمنعك من ذي شيبة شيبته، ولا من ذي هيئة هيئته، فإنما هلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم
الضعيف، أقاموا عليه الحد)) (٢) .
[٥٥] * تخلّف حرس الملوك والسّلاطين عن صلاة الجمعة، ووقوفهم على أبواب المسجد، حاملي السّلاح، حراسة عليهم:
ومن أفظع المنكرات: قيام الحرس ـ حال الأمير أو السلطان أو الرئيس أو الملك الجمعة ـ حاملي السلاح يحرسونه، ولا يصلّون مع المصلّين، كأنهم ما خلقوا إلا لحراسة عبد من العبيد، وما كلفوا بطاعة الرّب المجيد، ولم يسمعوا قول النبي ﷺ : ((لا طاعة لأحد في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف)) (١) .
فليتق الملوك والرؤساء ربّهم في رعيتهم، وليقفوا بهم عند حدود الواحد المعبود، وليتذكروا يوم العرض على العزيز الجبّار، يوم ينادى المنادي: لمن الملك اليوم؟ فيقال لله الواحد القهّار.
وإن أول من أحدث هذه البدعة المماليك، ولازالت في بعض البلدان الإِسلامية، ولكن ـ ولله الحمد ـ صار الحرس ـ في بلدانٍ إسلاميّة أخرى ـ عند أمر الله ـ في هذه المسألة ـ لا عند أمر غيره، فإن المساجد لله، فيصلّون مع المصلين، ويعبدون مع العابدين، ويتضرّعون مع المتضرعين، إن هذا لهو الفوز
стр. 320
العظيم، ولمثل هذا فليعمل
العاملون (٢) .
[٥٦] * تخلّف العروس (٣) عن صلاة الجمعة والجماعة:
ومن الأخطاء الشّائعة عند بعض الناس: قولهم بجواز تخلّف العروس عن صلاة الجمعة والجماعة في المسجد.
ويستدلّ بعضهم على ذلك، بقوله ﷺ : ((للبكر سبعٌ، ولثيّب ثلاث)) (٤) .
وهذا استدلال فاسد، لأن هذا الحديث لا دليل فيه على جواز التخلف، مع أنه وارد فيمن له زوجة قبل زوجته الجديدة مع ملاحظة أنه لا دليل لهذا أيضاً.
следующие страницы →