Полный текст (452 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
أننا نرى أن يكتفي بالأذان المحمّدي، وأن يكون عند خروج الإمام، وصعوده على المنبر، لزوال السبب المبرر لزيادة عثمان، واتّباعاً لسنّة النبي ﷺ (٣) .
إذا تقرر لك هذا، وعلمت أنّ أذان عثمان لم يكن في المسجد، وإنما نقله هشام بن عبد الملك إلى المشرفة، ومن ثم بين يديه، وتبعه على ذلك مَنْ بعده مِنْ الخلفاء إلى زماننا هذا ـ كما بسطه الشاطبي وغيره (٤) ـ تبيّن لك بوضوحٍ أنه لا مكان لسنّة الجمعة القبليّة، اللهم إلا أن يُقال: إن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ كانوا يصلونها
، عندما يشرع النبي ﷺ في الخطبة!! ولو فعلوا لنُقل إلينا.
فإن قُلْتَ: إن النبي ﷺ أمر الدّاخل إلى المسجد، وهو يخطب، أن يصلي ركعتين.
قُلتُ: هما تحية المسجد،لأنه لم يأتِ بهما، فقال له: ((قم، فَصَلّ ركعتين)) (١) .
ووقع في ((سنن ابن ماجه)) (٢) من حديث أبي هريرة وجابر قالا: جاء سُلَيْك الغَطَفَانيّ، ورسول الله ﷺ يخطب فقال له النبي ﷺ : أصلّيت ركعتين، قبل أن تجيء؟ قال: لا. قال فَصَلَّ ركعتين وتجوّز فيهما.
стр. 352
قال أبو شامة: ((قال بعض مَنْ صنّف في عصرنا: قوله: ((قبل أن تجيء)) يدلّ على أن هاتين الرّكعتين، سنة للجمعة قبلها، وليستا تحية للمسجد (٣) .
كأنه توهم أن معنى قوله: ((قبل أن تجيء)) قبل أن تدخل المسجد، أنه صلاحهما في بيته، وليس الأمر كذلك، فقد أخرج هذا الحديث في ((الصحيحين)) (٤) وغيرهما (٥) ، وليس في واحد منها هذا اللفظ، وهو قوله: ((قبل أن تجيء)) .
وفي ((صحيح البخاري)) عن جابر قال: جاء رجل والنبي ﷺ يخطب الناس، يوم الجمعة، فقال: صلَّيت يا فلان؟ قال: لا.
стр. 353
قال: قُمْ، فاركع (٦) .
وفي ((صحيح مسلم)) عن جابر قال: جاء سُلَيْكٌ الغَطَفَانيّ يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ قاعدٌ على المنبر، فقعد سليك قبل أن يصلّي، فقال له: ((يا سليك! قُمْ فاركع ركعتين، وتجوَّز فيهما)) (٧) .
فقول النبي ﷺ : ((قم)) دليل على أنه لم يشعر به، إلا وهو قد تهيّأ للجلوس، فجلس قبل أن يصلي، فكلمه حينئذ، وأمره بالقيام، وجوّز أن يكون صلّى الركعتين عند أوّل دخوله إلى المسجد، قريباً من الباب، ثم اقترب من رسول الله ﷺ ، ليسمع الخطبة، فسأله: ((أصلّيت)) قال: لا.
فقوله ـ فيما أخرجه ابن ماجه ـ ((قبل أن تجيء)) يحتمل أن تكون معناه: قبل أن تقترب مني، لسماع الخطبة، وليس المراد: قبل أن تدخل المسجد، فإن صلاته قبل دخول المسجد غير مشروعة، فكيف يسأل عنها!! وذلك أن المأمور به، بعد دخول وقت الجمعة، إنما هو السعي إلى مكان الصّلاة فلا يشتغل بغير ذلك، وقبل دخول الوقت، لا يصح فعل السنّة، على تقدير أن تكون مشروعة)) (١) .
стр. 354
ويؤيّد صحة الكلام السابق:
أولاً: قال الحافظ المزي في لفظة ابن ماجه ((قبل أن تجيء)) : ((هذا تصحيف من الرواة. إنما هو ((أصليت قبل أن تجلس)) فغلط فيها الناسخ)) وقال أيضاً: ((و ((كتاب ابن ماجه)) إنما تداولته الشيوخ، لم يعتنوا به، بخلاف صحيحي البخاري ومسلم، فإن الحفّاظ تداولوهما، واعتنوا بضبتهما وتصحيحهما)) قال: ((ولذلك وقع فيه أغلاط وتصحيف)) (٢) .
ثانياً: أن الذي اعتنوا بضبط سنن قبلها وبعدها، وصنّفوا في ذلك من أهل الأحكام والسنن وغيرها، لم يذكر واحد منهم هذا الحديث في سنّة الجمعة قبلها، وإنما ذكروه في استحباب فعل تحيّة المسجد، والإمام على المنبر، واحتجّوا به على مَنْ منع مِنْ فعلها في هذه الحال، فلو كانت في سنّة الجمعة، لكان ذكرُها هناك، والترجمةُ عليها، وحفظها، وشهرتها، أولى من تحية المسجد (٣) .
ثالثاً: أن النبي ﷺ لم يأمر يهاتين الركعتين، إلا الداخل، لأجل أنها تحية المسجد، ولو كانت سنة الجمعة، لأمر بها القاعدين أيضاً، ولم يخص بها الدّاخل وحده (١) .
فإن قُلْتَ: لعله ﷺ صلّى السنّة في بيته، بعد زوال الشمس، ثم خرج؟ قلتُ لو جرى ذلك لنقله أزواجه ﵅ كما نَقَلْنَ سائر صلواته في بيته، ليلاً ونهاراً، وكيفية تهجّده، وقيامه بالليل، وحيث لم يصح شيء من ذلك،
стр. 355
والأصل عدمه، دلّ على أنه لم يقع، وأنه غير مشروع.
وأما الحديث الذي رواه أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن ياسر في ((حديث أبي القاسم
علي بن يعقوب)) : (١٠٨) عن إسحاق بن إدريس ثنا أبان ثنا عاصم الأحوال عن نافع عن عائشة مرفوعاً بلفظ: ((كان يصلّي قبل الجمعة، ركعتين في أهله)) .
فهو باطل موضوع، وآفته إسحاق هذا، وهو الأسواري البصري، قال ابن معين: ((كذّاب يضع)) (٢) .
وتفرّد هذا الكذّاب، برواية هذا الحديث من الأدلة الظّاهرة على ما قلناه.
فإن قُلْتَ: إن الجمعة ظهرٌ مقصورة، فلها سنة قبلها، مثلها.
قُلتُ: هذا الكلام بمعزلٍ عن التحقيق من وجوه:
الأول: لا يجوز القياس في شرعية الصّلوات (٣) .
الثاني: أن السنة ما كان ثابتاً عن النبي ﷺ من قول أو فعلٍ، أو سنّة خلفائه الراشدين، وليس في مسألتنا شيء من ذلك (٤) ، ولا يجوز إثباتُ السنن في مثل
стр. 356
هذا بالقياس، لأن هذا مما انعقد سببُ فعله في عهد النّبيّ ﷺ ، فإذ لم يفعله، ولم يشرعه، كان تركه هو السنة.
الثّالث: أن الجمعة صلاةٌ مستقلّة، تخالف الظّهر في الجهر والعدد والخطبة، والشروط المعتبرة لها، وتوافقها في الوقت، وليس إلحاق مسألة بموارد الاتفاق أولى من إلحاقها بموارد الافتراق، بل إلحاقها بموارد الافتراق أولى،لأنها أكثر مما اتّفقا فيه (١) .
الرابع: أخرج البخاري في ((صحيحه)) عن ابن عمر قال: صليت مع النبي ﷺ سجدتين قبل الظهر وسجدتين بعد الظهر، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء، وسجدتين بعد الجمعة (٢) .
وهذا دليل على أن الجمعة عندهم غير الظهر، وإلا ما كان يحتاج إلى ذكرها لدخولها تحت اسم الظهر، ثم لم يذكر لها سنة إلا بعدها، فدلّ هذا على أنه لا سنّة قبلها (٣) .
الخامس: هب أن الجمعة ظهر مقصورة، فالنبي ﷺ ، لم يكن يصلى في سفره سنة للظهر المقصورة، لا قبلها ولا بعدها، وإنما كان يصليها إذا أتم الظهر،
стр. 357
فصلى أربعاً، فإذا كانت سنته التي قبلها في الظهر المقصود، خلاف التامة؛ كان ما ذكروه حجة عليهم لا لهم، وكان السبب المقتضي لحذف بعض الفريضة، أولى بحذف السنة الراتبة، كما قال
بعض الصحابة: لو كنت متطوعاً لأتممت الفريضة (٤) .
فإن قُلت: فما معنى قول البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ في ((صحيحه)) : باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها:
حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن الرسول الله ﷺ كان يصلّي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته،
وبعد العشاء ركعتين وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلّي ركعتين (١) ؟
قُلتُ: مراده من هذه الترجمة: أنه هل ورد قبلها وبعدها شيء، ثم ذكر هذا الحديث، أي: أنه لم يرد إلا بعدها، ولم يرد قبلها شيء، والدليل على أن هذا مراده: أنه قال في ((كتاب العيد)) : باب الصّلاة قبل العيد وبعدها (٢) .
فترجم البخاري للعيد. مثل ما ترجم للجمعة، ولم يذكر للعيد إلا حديثاً دالاً على أنه لا تشرع الصّلاة قبلها وبعدها، فدلّ ذلك على أن مراده من الجمعة ما ذكرناه (٣) .
((ولهذا كان جماهير الأئمة، متّفقين على أنه ليس قبل الجمعة سنة موقتة بوقت، مقدّرة بعدد، لأن ذلك إنما يثبت بقول النبي ﷺ أو فعله، وهو لم يسن في
стр. 358
ذلك شيئاً، لا بقوله ولا بفعله، وهذا مذهب مالك والشافعي وأكثر أصحابه، وهو المشهور في مذهب أحمد)) (٤) .
وقال العراقي: ((ولم أر للائمة الثلاثة ندب سنة قبلها)) .
وعلّق عليه المحدّث الألباني بقوله: ولذلك لم يرد لهذه السنّة المزعومة ذكر في ((كتاب الأم)) للإِمام الشافعي، ولا في ((المسائل)) للإِمام أحمد، ولا عند غيرهم من الأئمة المتقدّمين فيما علمت.
ولهذا فإني أقول: إن الذين يصلّون هذه السنّة، لا ﷺ الرسول اتّبعوا، ولا الأئمة قلّدوا، بل قلدوا المتأخرين، الذين هم مثلهم في كونهم مقلّدين غير مجتهدين، فاعجب لمقلّد يقلّد مقلّداً (٥) .
مما تقدّم: تبيّن لك خطأ من يصلّون بين الأذانين يوم الجمعة، ركعتين أو أربعاً، ونحو ذلك، معتقدين أن ذلك سنّة للجمعة قبلها، كما يصلّون السنّة قبل الظهر، ويصرّحون في نيّتهم، بأنها سنّة الجمعة!! لأن النصوص صريحة في أنّ الحقّ أن الجمعة لا سنة قبليّة لها، وليس بعد الحقّ إلا الضَّلال، نسأله تعالى أن يهدينا
стр. 359
جميعاً إلى معرفة الدّين، وأن يوفقنا للعمل به، مخلصين له الدّين، متعبين سنّة سيّد الأولين والآخرين، اللهم آمين.
[٦٠] * أخطاء المصلّين في صلاة تحية المسجد يوم الجمعة:
[١/٦٠] تتعدّد أخطاءُ النّاس أوّل دخولهم المسجد يوم الجمعة، فترى بعضهم يجلس تحية المسجد، خصوصاً إنْ جاء متأخّراً، والإِمام يخطب.
ومضى: أن النبي ﷺ لما رأى رجلاً قد جلس، ولم يفعل ما هو مشروع من تحية المسجد، أمره بركعتين، فقال: ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فَلْيَرْكع ركعتين، وَلْيَتَجوَّزْ فيهما)) (١) .
أي: إنَّ خطبة الإمام، والاستماع لها، غير مانعين من تحيّة المسجد
ولعل هذا الفريق يستدل بما روي عن ابن عمرو مرفوعاً: ((إذا صعد الخطيب المنبر، فلا صلاة ولا كلام)) !!
ولكنه حديث باطل، أخرجه الطبراني في ((الكبير)) وفيه ((أيوب بن نهيك)) (٢) .
وهو ـ مع ضعف إسناده ـ يخالف الحديث السابق، إذ هو (صريح بتأكد أداء
стр. 360
الرّكعتين، بعد خروج الإِمام، بينما هذا الحديث ينهى عنهما!!
[٢/٦٠] فمن الجهل البالغ أن ينهى بعضُ الخطباء عنهما مَنْ أراد أن يصليهما، وقد دخل، والإِمام يخطب، خلافاً لأمره ﷺ ، وأني لأخشى على مثله أن يدخل في وعيد قوله تعالى:
﴿أَرَءَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ (٣) .
وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤) .
ولهذا قال النووي ﵀: ((هذا نص لا يتطرق إليه التأويل، ولا أظن عالماً يبلغه
ويعتقده صحيحاً، فيخالفه)) (١) .
والحديث السابق يدلّ بمفهوم قوله: ((والإمام يخطب)) أن الكلام والإمام لا يخطب، لا مانع منه. ويؤيّده: جريانُ العمل عليه في عهد عمر ﵁ كما قال ثعلبة بن أبي مالك: ((إنهم كانوا يتحدّثون حين يجلس عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر، حتى يسكت المؤذّن، فإذا قام عمر على المنبر، لم يتكلم أحد حتى يقضي خطبتيه كلتيهما)) (٢) .
стр. 361
فثبت بهذا أن كلام الإمام هو الذي يقطع الكلام، لا مجرّد صعوده على المنبر، وأن خروجه عليه، لا يمنع من تحية المسجد، فظهر بطلان حديث الباب، والله تعالى الهادي للصّواب)) (٣) .
قال الحافظ ابن حجر: ((قال شخنا الحافظ أبو الفضل في ((شرح الترمذي)) : كل مَنْ نقل عنه ـ يعني من الصحابة ـ منع الصّلاة، والإمام يخطب، محمول على مَنْ كان داخل المسجد، لأنه لم يقع عن أحد منهم التصريح بمنع التحيّة، وقد ورد فيها حديثٌ يخصّها، فلا تترك بالاحتمال)) (٤) .
قال الإِمام الشافعي: ((نقول ونأمر مَنْ دخل المسجد، والإِمام يخطب، والمؤذّن يؤذّن، ولم يصلّ ركعتين، أن يصليهما، ونأمره أن يخففهما، فإنه روي في الحديث أن النبي ﷺ أمر بتخفيفهما)) (٥) .
وقال أيضاً:
стр. 362
((وسواء كان في الخطبة الأولى أم في الآخرة، فإذا دخل، والإمام في آخر الكلام، ولا يمكنه أن يصلّي ركعتين خفيفتين، قبل دخول الإِمام في الصلاة، فلا عليه أن يصلّيهما، لأنه أمر بصلاتهما حيث يمكنانه، وحيث يمكنانه مخالف لحيث لا يمكنانه. وأرى للإِمام أن يأمره بصلاتهما، ويزيد في كلامه، بقدر ما يكملهما، فإن لم يفعل الإِمام كرهت ذلك له، ولا شيء عليه)) (١) .
[٣/٦٠] وبعضهم يجلس عند دخوله المسجد، حال الخطبة الأولى، فإذا جلس الخطيب، قبل شروعه في الثّانية، قام، وصلّى التحيّة، وهذا جهل ومخالف لقوله ﷺ : ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإِمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما)) (٢) .
[٤/٦٠] وبعضهم يأتي، بعد جلوس الخطيب، على المنبر، والمؤذّن يؤذّن الأَذان الثاني، فلا يدخل في صلاة التحية مباشرة، وإنما ينتظر حتى ينهي المؤذّن الأذان، ويشرع الخطيب في خطبة الجمعة، فيحرم بصلاة التحيّة. وهذا خطأ، لأن الاستماع إلى الخطبة فرض، وإجابة المؤذّن سنة.
عن ثعلبة ابن أبي مالك القرظي: ((أدركت عمر وعثمان، فكان الإِمام إذا خرج يوم الجمعة، تركنا الصّلاة، فإذا تكلّم تركنا الكلام)) (٣) .
((في هذا الأثر دليل على عدم وجوب إجابة المؤذّن، لجريان العمل في عهد عمر على التحدّث في أثناء الأذان، وسكوت عمر عليه. وكثيراً ما سئلت عن
стр. 363
الدليل الصّارف للأمر بإجابة المؤذّن عن الوجوب؟ فأجبتُ بهذا، والله أعلم)) (٤) .
[٥/٦٠] نعم، حكى النووي عن المحققين: أن المختار إن لم يصلّ تحية المسجد، أن يقف حتى تقام الصّلاة، لئلا يكون جالساً بغير تحية، أو متنفّلاً حال إقامة الصّلاة (٥) .
ولكن هذا في غير الحالة السّابقة، اذ جاء الأثر على الأمر به كما هو ظاهرٌ بيِّن. نعم لو دخل المسجد، ووجد الخطيب قد انتهى من خطبته، فله الانتظار، حتى لا يكون متنفّلاً حال الإِقامة، والله أعلم.
[٦١] * جملة من أخطاء الخطباء:
* تمهيد:
[١/٦١] ينبغي أن يكون الخطيب:
أولاً: عالماً بالعقائد الصحيحة، حتى لا يزيغ، ولا يضل الناس بسوء عقيدته.
ثانياً: عالماً بما تصح به الصّلاة، مُلمّاً بأحكام الفقه، ليتمكّن من إجابة مَنْ يسأله عن بيّنةٍ، ويرشده بنور الشريعة، إلى الصراط المستقيم، ولا يخبط خبط عشواء في أمور الدّين، كما يفعل كثير من خطباء هذا الزّمان.
ثالثاً: مُلمّاً باللغة العربية، خصوصاً علم الإِنشاء، ليقتدر على تأليف كلامٍ بليغٍ، ينير به أفئدة السّامعين، وأن يكون نبيهاً، لا تغرب عنه شاردةٌ ولا واردةٌ، لَسِناً فصيحاً، معبراً عما يخطر بباله من المعاني والأسرار.
رابعاً: مراعياً أحوال النّاس، بتحذيرهم مما هم فيه، من البدع
стр. 364
والمخالفات (١) .
خامساً: صالحاً ورعاً مهيباً قنوعاً، غير مجاهر بمعصية، ولا مرتكباً مخالفة، عاملاً بما يقول، حتى تهابه القلوب، وتعظّمه النّفوس، وحتى يكون لكلامه تأثير فيها، ويجد له سميعاً، يعي ما يُقال، ويعمل بما يسمع، لأن ذلك أدعى إلى قبول موعظته، والعمل بها (٢) .
قال الأسود الدؤلي:
يا أيها الرجل المعلِّم غيره هلا لنفسك كان ذا التّعليم
تصف الدّواء لذي السقام وذي العنا كيما يصح به وأنت سقيم
ونراك تصلح بالرّشاد عقولنا أبداً وأنت من الرشاد عديم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
وهناك يقبل ما تقول ويشتفى بالقول منك وينفع التعليم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
ولخطبة الجمعة أهمية كبرى، لذا فقد أُلزم المصلون الإنصات لها، ومن لم ينصت فلا جمعة له، وأمر الله المسلمين في وقتها أن يدعوا كل عمل سواها، بل حرم في وقتها البيع والشراء وكل المعاملات ... !!
فهل يصلح لخطبة هذا شأنها، ومنبر هذه مكانته، أن يتولاها من لا يحسن شيئاً، يتولاها من يردد كلاماً مُمِلاًّ لغيره، لا يعالج مشاكل المصلّين،
стр. 365
ويعيد خطباً قيلت مرات، والقيت في مجتمعات غير مجتمعه، ويتطرق إلى مشاكل غير واردة، ويطيل في غير ما يهمّ، ويحوم حول الحمى ولا يكاد ينطق بالحق الذي أمرنا الله سبحانه أن نعلي صوته ولو على أنفسنا ...
إنني لا أزعم أن ساحة المسجد خلت من الخير كله، وأن الخطب المنبرية اندثرت، ولا يوجد خطباء، بل أقول: أن الخير كثير، ولا تخلو منه الجماعة الإسلامية، ولكنني أريد أن أشير إلى النقص، لئلا يزداد، وتعمّ مصيبته، ويسود سلطانه (١) .
[٢/٦١] وقد صارت الخطبة في أكثر البلاد الإسلاميّة، رسوماً تقليديّة، ووظيفة رسميّة، تؤدّى بعبارة، تحفظ من ورقة، فتلقى على المنبر، ككنس المسجد، يقوم بها أيُّ رجلٍ!! وفي نظر طلاّبها، حرفة، ينال بها الرّزق!! ونسوا ـ أو تناسوا ـ أن مقامها هو مقام النبي ﷺ ، ومقام خلفائه ونوّابهم، وقد أُهين هذا المقام في هذا العصر، فصار يعهد به كثيراً إلى أجهل النّاس، وأقلّهم احتراماً في نفوس العوام فضلاً عن طلبة العلم وأهله.
فهؤلاء الخطباء، شرّ فتنة، وذنوبهم لا تحصى، إلا إذا أمكن إحصاء تأثير خطبهم الضّارّ في الأُمّة !! وأنّى يحصى، وهو من الأمور المعنويّة التي لا تعرف بالعدّ والحساب!!
ومن سيّئات هؤلاء الخطباء، وآفاتهم في الأُمّة: أنْ كانوا علّةً من عِلَلِ فقرها وضعفها، في دينها ودنياها، وضياع ممالكها من أيديها، فهم أضرَ على المسلمين من الأعداء المحاربين، ومن دعاة الضّلال الكافرين، ومثلهم كمثل الطبيب الجاهل، يقتل العليل، وليس هذا محلّ شرح سيّئاتهم بالتفصيل، ولكن لا بدّ من التنبيه إلى جملة من أخطاء
الخطباء، فنقول، وعلى الله سبحانه الاعتماد والتكلان، ومنه التّوفيق والسداد والإِحسان:
[٣/٦١] * تطويل الخطبة وتقصير الصَّلاة:
стр. 366
عن عمار بن ياسر قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((إنّ طول صلاة الرّجل، وقصر خطبته، مَئِنَّةٌ (٢) مِنْ فِقْهِهِ، فأطيلوا الصّلاة، واقْصُروا الخطبة، وإنَّ من البيان سحراً)) (٣) .
وليس هذا الحديث مخالفاً للأحاديث المشهورة بتخفيف الصلاة، لقول جابر بن سَمُرة ﵁: ((كنتُ أُصلّي مع رسول الله ﷺ ، فكانت صلاتُه قصداً، وخطبته قصداً)) (١) .
لأن المراد بالحديث الذي نحن فيه: أن الصلاة تكون طويلة بالنّسبة إلى الخطبة، لا تطويلاً يشق على المأمومين، وهي حينئذ قصد، أي معتدلة، والخطبة قصد، بالنّسبة إلى وضعها (٢) .
وإنما كان قصر الخطبة علامة على فقه الخطيب، لأن الفقيه المطّلع على حقائق المعاني،
وجوامع الألفاظ، يتمكّن من التعبير بالعبارة الجزلة المفيدة، ولذلك كان من تمام رواية هذا الحديث: ((فأطيلوا الصّلاة، واقصروا الخطبة، وإن من البيان لسحراً)) (٣) .
وقد كان ﷺ يصلي الجمعة بسورتي ((الجمعة)) و ((المنافقون)) تارة، وبـ ((سبح اسم ربك الأعلى)) و ((هل أتاك حديث الغاشية)) تارة أُخرى.
عن ابن أبي رافعٍ قال:
стр. 367
استخلف مروان أبا هريرة على المدينة، وخرج إلى مكّة، فصلّى لنا أبو هريرة الجمعة، فقرأ بعد سورة الجمعة في الرّكعة الآخرة: إذا جاءك المنافقون ـ وفي رواية: فقرأ بسورة الجمعة في السّجدة الأولى، وفي الآخرة: إذا جاءك المنافقون ـ قال: فأدركتُ أبا هريرة حين انصرف، فقلت له: إنك قرأت بسورتين، كان عليّ بن أبي طالب يقرأ بهما في الكوفة. فقال أبو هريرة: إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقرأ بهما يوم الجمعة (٤) .
وعن النعمان بن بشير قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة: بـ ((سبح اسم ربّك الأعلى)) و ((هل أتاك حديث الغاشية)) . قال وإذا اجتمع العيد والجمعة، في يومٍ واحدٍ، يقرأ بهما أيضاً في الصّلاتين (٥) .
[٤/٦١] * أخطاء الخطباء القوليّة:
ولا يستحب أن يقرأ من كلّ سورة بعضها، أو يقرأ إحداهما في الركعتين، فإنّه خلافُ
السنّة، وجُهَّال الأئمّة يُداومون على ذلك (١) .
تبيّن مما مضى: خطأ ما يفعله عوامّ الخطباء، من إطالتهم الخطبة، وتقصيرهم الصّلاة، ويا ليتهم يطيلون الخطبة في أمور تناسب هذا المقام العظيم، والارتقاء الكريم، فيأمرون فيه بالمعروف، وينهون فيه عن المنكر ويحذّرون من أحوال الموت، ويوم
стр. 368
المحشر، فإن هذا المقام جدير أن يزهّد فيه الناس بالدنيا، ويرغّب في الآخرة، ويكثر فيه المواعظ المتظاهرة، فهو أولى المقامات، باجتناب البدع وأحراها بإظهار السنن لمتّبعيها (٢) .
قال العزّ بن عبد السلام: ((ولا ينبغي للخطيب أن يذكر في الخطبة إلا ما يوافق مقاصدها
في الثّناء والدّعاء، والترغيب والترهيب، بذكر الوعد والوعيد، وكل ما يحث على طاعة، أو يزجر عن معصية، وكذلك تلاوة القرآن، وكان النبي ﷺ يخطب بسورة (ق) في كثير من الأوقات (٤) ، لاشتمالها على ذكر الله، والثّناء عليه، ثم على علمه بما
стр. 369
توسوس به النفوس، وبما تكتبه الملائكة على الإنسان من طاعة وعصيان، ثم تذكر الموت وسكراته ثم تذكر القيامة وأهوالها، والشهادة على الخلائق بأعمالها، ثم تذكر الجنة والنار، ثم تذكر النّشور والخروج من القبور، ثم بالوصيّة في الصلوات.
فما خرج عن هذه المقاصد فهو مُبتَدَع، ولا ينبغي أن يذكر فيها الخلفاء ولا الملوك ولا الأمراء (١) ، لأن هذا موطن مختصّ بالله ورسوله، بما يحث على طاعته، ويزجر عن معصيته ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٢) ، ولو حدث بالمسلمين حادثٌ، فلا بأس بالتحدّث فيما يتعلّق بذلك الحادث، مما حثّ الشّرع عليه، وندب إليه، كعدو يحضر، ويحثّ الخطيب على جهاده، والتأهّب للقائه.
كذلك ما يحدث من الجدب، الذي يستسقى لمثله، فيدعوا الخطيب بكشفه، وعلى الخطيب: اجتناب الألفاظ، التي لا يعرفها إلا الخواص، فإن المقصود نفع الحاضرين بالتّرغيب والترهيب، وهذا من البدع القبيحة، ونظير ذلك: أن يخطب للعرب بألفاظٍ أعجميّة، لا يفهمونها، والله أعلم)) (٣) .
قال ابن القيم في هديه ﷺ في خطبة الجمعة:
стр. 370
((كان يعلّم أصحابه في خُطبته قواعد الإِسلام، وشرائعه، ويأمرهم، وينهاهم في خطبته، إذا عرض له أمر أو نهي)) (٤) .
والحاصل: أن روح الخطبة: هو الموعظة الحسنة، من قرآن أو غيره، بأسلوب فيه بسط وإيضاح، بعيد عن الإِشارات والرُّموز، والسّجع المتكلّف.
والظّاهر من محافظته ﷺ في خطبة الجمعة على الأمر بتقوى الله، والتحذير من غضبه، والترغيب في موجبات رضاه، وقراءة القرآن، وجوب ذلك، لأن فعله ﷺ بيان لما أجمل في آية الجمعة، وقد قال ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أُصلي)) وقد ذهب إلى هذا الشافعي.
وقال بعضهم: مواظبته ﷺ دليل الوجوب، قال في ((البدر التّمام)) : وهو الأظهر، والله أعلم (١) ، ووصف جابر بن سمرة خطبة النبي ﷺ ، وما كان موضوعها ومحتواها، وأوجز، قال ﵁: ((كانت لنبي ﷺ خطبتان، يجلس بينهما، يقرأ القرآن، ويُذَكّرُ الناس)) (٢) .
* ومن أخطاء الخطباء القوليّة:
* اشتغال الإمام بالدّعاء إذا صعد المنبر، مستقبل القبلة، قبل الإقبال على الناس والسلام عليهم (٣) ، وكذا قيامه عند أسفل المنبر يدعو.
قال شيخ الإسلام: ((دعاء الإِمام بعد صعوده المنبر، لا أصل له)) (٤) .
стр. 371
وقال النووي: يكره في الخطبة أُمور، ابتدعها الجهلة، منها: ... والدّعاء إذا انتهى صعوده قبل أن يجلس)) (٥) .
* ترك الخطيب السّلام على الناس إذا خرج عليهم (٦) .
* إعراض الخطباء عن خطبة الحاجة ((إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره،..)) وعن قوله ﷺ في خطبه: ((أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله، ... )) (٧) .
* إعراضهم عن التذكير بسورة (ق) في خطبهم، مع مواظبة النبي ﷺ عليه، كما نبهنا إليه سابقاً.
* مواظبة الخطباء يوم الجمعة على قراءة حديث في آخر الخطبة دائماً، كحديث: ((التّائب من الذّنب، كمن لا ذنب له)) (٨) .
* تسليم بعض الخطباء في هذا العصر بعد الفراغ من الخطبة الأولى (٩) .
* مبالغتهم في الإِسراع في الخطبة الثانية (١) .
* جعل الخطبة الثانية عارية من الوعظ والإِرشاد والتّذكير والترغيب، وتخصيصها بالصلاة على النبي ﷺ والدّعاء (٢) .
* تكلّف الخطيب رفع الصّوت بالصّلاة على النبي ﷺ فوق المعتاد في باقي الخطبة.
قال أبو شامة:
стр. 372
((وهو على مخالفة الشّريعة، وموافق لمذهب العامّة في ذلك، فإنهم يرون إزعاج الأعضاء، يرفع الصّوت بالصلاة على النبي ﷺ ، وذلك جهل، فإن الصلاة على النبي ﷺ ، إنما هي دعاء له، وجميع الأدعية المأمور بها، السنّة فيها الإسرار، دون الجهر بها غالباً، وحيث سنّ الجهر في بعضها لمصلحة، كدعاء القنوت، لم يكن برفع الصّوت، فأما الصلاة على النبي - صلى
الله عليه وسلم - في الخطبة، فلها حكم جميع ألفاظ الخطبة، من الثناء على الله سبحانه وغيره. وكان النبي ﷺ ، يرفع صوته عند الموعظة، لأنّها معظم المقصود من الخطبة، وصفه الراوي بـ ((أنه كان كأنه مُنْذر جيش يقول: صبّحكم ومسّاكم)) (٣) .
وقد أُمرنا بالصلاة على النبي ﷺ في الصلاة، ولم يشرع لنا الجهر، وإن كانت الصّلاة جهريّة القراءة)) (٤) .
* صياح بعض الخطباء في أثناء الخطبة باسم الله أو أسماء بعض الصالحين، والعياذ بالله تعالى (٥) .
* التزام ختم الخطبة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ آللَّهَ يَأْمُرُ بِآلْْعَدْلِ وَآلإِحسان﴾ ... (٦) .
أو بقولهم: اذكروا الله يذكركم (٧) .
* التزام ذكر الخطباء الخلفاء والملوك والسلاطين في الخطبة الثانية بالتنغيم (٨) .
стр. 373
قال الإمام علي بن سلطان محمد القاري: ((وأصل هذا الفساد إنما وقع بين العباد، بسآمة ترك السنة وفعل البدعة، حيث اختار بعضُ السَّلاطين والأمراء أَنْ يُذكرَ اسمُه فوق المنبر على ألسنة الخطباء، فقيل لهم: لم يُتصوّر ذلك إلا بأن يُذْكر الخلفاء الأربعة أوّلاً هناك، ثم أحدث بنو أمية سبَّ عليّ ﵁ وأتباعه في الخطبة مدة معينة، إلى أن أظهر الله سبحانه عمر بن عبد العزيز، وأعزّ الله الإسلام به انتهاءً، كما أعزّه الله بعمر بن الخطاب ابتداءً، فأظهر غاية العدالة، ونهاية الرعاية في الرعية
والجمالة.
فأوّل ما خطب عمر على هذا المنبر، حَمِدَ الله سبحانه، وأنثى وشكر،ووعظ ونصح لمن اعتبر، ثم لما وصل إلى موضع سب الخطباء لخاتم الخلفاء، وحاتم الحنفاء، قرأ هذه الآية: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ أوصيكم عباد الله بتقوى الله، ونزل عن المنبر)) (١) .
هذه بعض أخطاء الخطباء القوليّة، التي يقومون بها بأنفسهم، وهناك أخطاء يقوم بها غيرهم بين أيديهم، أحببت أن أذكرها هنا، وألحقها بأخطاء الخطباء، إذ لولا سكوتهم عنها، ما قام بها أصحابُها من العوام الجهال، وشبه العوام، الذين استداموا على أخطائهم فأوهموا المسلمين أن ما يقومون به من الشّرع، وهو ليس منه فنقول وبالله التّوفيق:
من ذلك: ما يفعله المؤذّنون، حال الخطبة من التّرضي ونحوه، وكذا ما يكون منهم عند ذكر السلطان، من قولهم بصوتٍ مرتفعٍ: آمين آمين، نصره الله وأدامه، وغير ذلك، فهو بدعة سيّئة وحرام. وكذا قولهم بين يدي الخطيب إذا جلس من الخطبة الأولى: غفر الله لك، ولوالديك، ولنا، ولوالدينا والحاضرين.... الخ.
وكذ جهرهم بحديث ((إذا قلت لصاحبك ... )) وتلاوة آية: ﴿إن الله وملائكته يصلّون على النبي ... ﴾ عند خروج الخطيب حتى يصل المنبر (٢) .
стр. 374
كل ذلك منكر، يلزم إنكاره، لأنه ذكر غير مشروع في وقت، هو وقت الصّمت، أو
التّفكّر القلبي للاتّعاظ، فتقريق جمعية قلوب الحاضرين برفع الصّوت بذلك، والجراءة على الجهر به في هذا الموضع الرّهيب، لا يختلف فقيه في نكارته، فذلك يلزم للخطيب، ومَنْ قدر على إزالته أن ينهى عنه، أسوة بكل منكر.
[٥/٦١] * أخطاء الخطباء الفعليّة:
ومن أخطاء الخطباء الفعليّة في الخطبة أشياء، فمن ذلك:
* تباطؤهم في الصعود على المنبر (١) .
*الالتفات يميناً وشمالاً، عند قوله: آمركم وأنهاكم، وعند الصلاة على النبي ﷺ مع زيادة ارتقاء درجة من المنبر عند ذلك، ثم نزوله عند الفراغ منها، ولا أصل لشيء من ذلك، بل السنّة الإقبال على الناس بوجهه من أوّل الخطبة إلى آخرها (٢) .
قال الإمام الشافعي: ((ويقبل ـ يعني الخطيب ـ بوجهه، قصد وجهه، ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً)) (٣) .
وقال الحافظ بن حجر:
стр. 375
((ونقل في ((شرح المهذب)) أن الالتفات يميناً وشمالاً مكروه اتّفاقاً)) (٤) .
وقال الماوردي في ((الحاوي)) : ((ولا يفعل ما يفعله أئمة هذا الوقت من الالتفات يميناً وشمالاً، في الصلاة على النبي ﷺ ليكون متّبعاً لسنّته، آخذاً بحسن الأدب)) (٥) .
* رفع الخطيب يديه عند الدّعاء.
عن حصين بن عبد الرحمن قال: رأى كمارة بن رؤيبة بِشْرَ بن مروان على المنبر، وهو يدعو في يوم الجمعة رافعاً يديه، فقال: قبَّح الله هاتين اليدين، لقد رأيتُ رسول الله ﷺ وهو على المنبر، ما يزيد على هذه، يعني السّبابة التي تلي الإبهام (٦) .
هذا فيه، أن السنّة أن لا يرفع اليد في الخطبة، وهو قول مالك وأصحاب الشافعي وغيرهم (١) .
وقول عمارة: ((قبح الله هاتين اليدين)) أي: اللتين يشير بهما بشر عند الخطبة، ودعا بالتقبيح، لأن هذه الإِشارة، كانت على خلاف السنّة، وما خالف السنّة فهو مردود مقبوح (٢) .
والمقصود في رفع اليدين، الرفع الذي يكون عند الدّعاء ومخاطبة الناس في الخطبة للتنبيه، كما هو عادة الخطباء والوعّاظ، لا الرّفع الذي يكون عند التحريمة (٣) .
قال شيخ الإِسلام:
стр. 376
((ويكره للإمام رفع يديه حال الدّعاء في الخطبة، لأن النبي ﷺ إنما كان يشير بأصبعه إذا دعا)) (٤) .
وقال أبو شامة وتبعه السيوطي في رفع الأئمة أيديهم في الخطبة: ((وأما رفع أيديهم عند الدّعاء، فبدعة قديمة)) (٥) .
ونص ابن عابدين على كراهة ذلك، يعني كراهة تحريم (٦) .
ومثّل اللكنوي على بدعة الضّلالة بفعل بشر بن مروان، فقال: ((وكذلك: رفع اليدين للدعاء في خطبة الجمعة، فعله بشر بن مروان، وأنكره عليه عمارة)) (٧) .
قال السفاريني الحنبلي: ((قال علماؤنا وغيرهم: يكزه للإِمام رفع يديه حال الدّعاء في الخطبة. قال المجد: هو بدعة. وفاقاً للمالكية، والشافعية، وغيرهم، ولا بأس أن يشير بأصبعه فيها)) (٨) .
ولهذا لم يستحب كثير من العلماء والمحدثين لمن كان يأمرهم برفع اليدين في خطبة الجمعة، فقد روى أبو زرعة الدمشقي في ((تاريخه)) : (١/٦٠٣ ـ ٦٠٤) رقم (١٧١٢) بسنده الصحيح إلى حبيب بن عبيد قال: إن عبد الملك سأل غضيف بن الحارث الثمالي أن يرفع يديه على المنبر، فقال: أما أنا فلا أُجيبك إليها.
وروى أبو زرعة في ((تاريخه)) برقم (١٧١٣) وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) : (٥/٢٤٤/أـ ب) عن ابن جابر قال: أمر عبد الملك أبا إدريس الخولاني أن يرفع يديه، فأبى.
стр. 377
ومن الجدير بالذكر هنا أمور:
أولاً: إن أول من رفع يديه في الجمعة عبيد الله بن معمر، كما في ((تعجيل المنفعة)) : (٢٧٤) .
ثانياً:إن هذا المنع من رفع اليدين في الدعاء هو في حال الخطبة خاصة، فلا معنى للتمسك به في منع رفع اليدين في الدعاء عامة، مع ثبوت الأخبار بمشروعيتها (١) .
ثالثاً: إن حديث عمارة السابق ليس على إطلاقه، ولكنه مقيد حال الاستسقاء في الخطبة
يوم الجمعة.
أخرج البخاري في ((صحيحه)) : (٢/٤١٣) رقم (٩٣٣) وغيره عن أنس بن مالك قال: ((أصابت النّاسَ سنةٌ على عهد النبي ﷺ ، فبينا النبيُّ ﷺ يخطبُ في يوم الجمعة، قام أعرابي فقال: يا رسول الله! هلك المال، وجاع العيال، فادعُ الله لنا.
فرفع يديه ـ وما نرى في السماء قَزَعةً ـ، فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السّحابُ أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادرُ على لحيته ﷺ ، ... )) .
ومن أخطاء المصلّين في هذا المقام: رفعهم أيديهم تأمبناً على دعاء الإِمام، وذكر ابن عابدين أنهم إذا فعلوا ذلك أثموا على الصحيح (٢) .
وكذلك رفع أيديهم عند جلوس الإِمام بين الخطبتين، عند قوله في آخر الخطبة الأولى: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإِجابة.
ومداومة الخطيب على هذه المقولة أمر غير مشروع، وإن عليها رفع أصوات المأمونين بالذّكر، فهو محرّم.
قال الدردير:
стр. 378
((ومن البدع المذمومة: أن يقول الخطيب الجهول، في آخر الخطبة الأولى: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإِجابة، ثم يجلس، فتسمع من الجالسين ضجّة عظيمة)) .
وعلق الصاوي على قوله: ((الخطيب الجهول)) بما نصّه: ((الجهول: صيغة مبالغة، لأن جهله مركّب، لزعمه أنه يأمر بالمعروف، وهو يأمر بالمنكر، لأن أصل قراءة الحديث (١) لم يكن مأموراً بها في الخطبة، فهو من البدع، والإِنصات ولو بين الخطبتين واجب، ورفع الأصوات الكثيرة، ولو بالذّكر حرام، فهذا الخطيب، ضلّ في نفسه، وأضلّ غيره)) (٢) .
ومن هذا الباب: ضجيج المأمونين، عند انهاء الخطيب خطبته بقوله: اذكروا الله يذكركم، ونحو هذا، كما سبقت الإِشارة إليه.
قال محمد رشيد رضا: ((أما رفع اليدين والأصوات بالدّعاء عند جلوس الخطيب بين الخطبتين، فلا نعرف له سنّةً تؤيّدهُ، ولا بأس به، لولا التّشويش وأنّهم جعلوه سنّةً متَّبعةً بغير دليل. والمأثور طلب السكوت للسّماع، ولكن يدعو خفية لا يؤذي غيره بدعائه، ولا يرفع كلّ الناس أيديهم، فيكون ذلك شعاراً من شعار الجمعة بغير هداية من السنّة فيه، بل إنهم يخالفون صريح السنّة إذ يقوم الإمام ويشرع في الخطبة الثّانية وهم مستمرون على دعائهم، فأولى لهم سماعٌ وتدبُّرٌ وقت الخطبة، وفِكْرٌ وتأثّرٌ وقت الاستراحة،
وأهون فعلهم هذا أن يكون بدعة مكروهة، والله أعلم)) (٣) .
[٦/٦١] * أخطاء الخطباء في صلاة الجمعة.
ومن الأخطاء الخاصّة في صلاة الجمعة، عدا تقصير الصّلاة، الذي أشرنا إليه سابقاً، أمور، منها:
стр. 379
* دخول الإمام في الصلاة قبل استواء الصفوف (٤) .
* المبلِّغ الذي لا حاجة له، لوصول الصوت لجميع المأمونين: التبليغ في الصلاة، هو:رفع المؤذّنين أصواتهم بالتكبير للإحرام وأذكار الانتقال لإِعلام من لم يسمع صوت الإِمام. وله أصل في السنة بما كان من صلاة رسول الله ﷺ ، في مرض موته، آخر جماعة، إذ صلى قاعداً، وأبو بكر ﵁ يبلّغهم تكبيره.
وقد صرّح علماء المذاهب المشهورة بجواز التبليغ، إذا احتيج إليه، فإن لم يحتج إليه، كان بدعةً منكرة. على أن للمؤذّنين فيه بدعاً كثيرة، خصوصاً يوم الجمعة: كفعل المؤذّنين في المسجد الأموي له جماعة، ورفعهم أصواتهم أكثر مما ينبغي، متحرين فيها حسن النّغم، وإطالتهم المدّ، حتى يضطر الإِمام إلى انتظارهم أو سبقهم، فينتقل إلى السّجدة الثّانية قبل فراغهم من تكبير السجدة الأولى مثلاً (١) .
قال ابن عابدين معدِّداً أخطاء المبلّغين: ((ومن ذلك رفع الصّوت، زيادة على قدر الحاجة، بل قد يكون المقتدون قليلين، يكتفون بصوت الإِمام، فيرفع المبلّغ صوته، يسمعه مَنْ هو خارج المسجد، وقد صرّح في ((السّراج)) بأن الإمام إذا جهر فوق حاجة الناس، فقد أساء)) (٢) .
قال الأعمش معلقاً على ما جاء في صلاة الرسول ﷺ في مرض موته: ((والناس يصلون بصلاة أبي بكر ﵁) يعني: أنه كان يسمع الناس تكبيره ﷺ .
стр. 380
وفي ((الدارية)) : وبه يعرف جواز رفع المؤذنين أصواتهم في الجمعة والعيدين وغيرهما.
انتهى.
وعقب عليه ابن الهمام بقوله: ((ليس مقصوده خصوص الرفع الكائن في زماننا، بل أصل الرفع لإِبلاغ الانتقالات، أما خصوص هذا الذي تعارفوه في هذه البلاد، فلا يبعد أنه مفسد، فإنه غالباً يشتمل على مد الهمزة (الله) أو (أكبر) أو بائه، وذلك مفسد، وإن لم يشتمل، فلأنهم يبالغون في الصّياح زيادة على حالة الإِبلاغ والاشتغال بتحريرات النغم إظهاراً للصناعة النغمية لا إقامة للعبادة)) (٣) ثم قال معلقاً على التّنغيم: ((ولا
أرى ذلك يصدر ممن فهم معنى الصّلاة والدّعاء، كما لا أرى تحرير النغم في الدّعاء، كما يفعله القراء في هذا الزّمان يصدر ممن فهم معنى الدعاء والسؤال، وما ذلك إلا نوع لعب، فإنه لو قدّر في الشاهد: سائل حاجة من مَلِكٍ أدّى سؤاله وطلبه، تحرير النغم فيه من الرفع والخفض، والتغريب والرجوع، كالتغني، نسب البتة إلى السخرية واللعب، إذ مقام طلب الحاجة التضرّع لا التغني)) (٤) .
فكيف بمن لا حاجة له أصلاً!! خصوصاً مع وجود مكبّرات الصّوت هذه الأيّام.
وفي ((السيرة الحلبية)) : اتفق الأئمة الأربعة على أن التبليغ حينئذ ـ أي عند عدم الحاجة إليه ـ بدعة منكرة، أي مكروهة، وأما عند الاحتياج إليه فمستحب.
وكم من مسجد، يكفيه صوت الإِمام، ومع ذلك فترى وراءهُ مبلّغاً، يزعج النّاس بصوته، ويشوش عليهم بصيحته، وقد قرأتَ ما قال العلماء فيه، فليكن
стр. 381
المبلغ على حذرٍ من التعرّض، لإِفساد عبادته، من حيث لا يعلم، أو يعلم ولا يعمل (١) .
[٧/٦١] * صلاة الظّهر بعد الجمعة.
لا تجوز صلاة الظهر بعد صلاة الجمعة، إذ من المعلوم في دين الإسلام بالضرورة: أن الله ـ تعالى ـ لم يفرض على عباده صلاتي فريضة في وقت واحدٍ، فمن كان في مكان فيه مسجد، تقام فيه الجمعة، يجب عليه أن يصلّيها مع الجماعة، إلا إذا كان يعتقد أن صلاة الجمعة فيها باطلة شرعاً، لفَقْد بعض شروطها، وحينئذ لا يجوز له أن يصلّيها،لأنه شروع في عبادةٍ باطلة، غير مشروعة في اعتقاده، وإن كان مخطئاً، وهو عصيان لله تعالى، وإذا عصى وصلاها معتقداً بطلانها، تبقى صلاة الظهر متعلّقة بذمّته، فعليه أن يصلّيها،
وليس له أن يقيم مع غيره جماعة أخرى، لأنه تفريق بين هؤلاء، وبين إخوانهم المسلمين، الذي أقاموا الجمعة قبلهم.
وأما إذا صلاها معتقداً صحتها، فلا يجوز له أن يصلي بعدها ظهراً، لا منفرداً ولا جماعة، لأنه يكون بهذا مخالفاً للمعلوم من الدّين بالضرورة، وهو قطعي، بظنّ بعض الفقهاء!!
ولم ينقل لنا أن أحداً من الصحابة، أو علماء السّلف المجتهدين، صلى الظهر بعد الجمعة. وقد جاء الشّافعيُّ بغداد، وفيها عدّة مساجد، ولم ينقل عنه أنه كان يصلّي الظهر، بعد الجمعة، ولو فعل لم يكن فعلُه شرعاً يتّبع.
ولا يتوهمن الذين يصلّون الظهر بعد الجمعة، أن الخطب في ذلك سهل، لأنه زيادة في الخير، الذي هو الصلاة، فإن فيه خطراً عظيماً، من حيث أنه شرع عبادة، لم يأذن بها الله والشارع هو الله سبحانه، فمن أحدث في الشّرع شيئاً، فقد جعل نفسه شريكاً لله في ألوهيته أو ربوبيته، ومَنْ وافقه فقد اتّخذه شريكاً، كما قال تعالى:
стр. 382
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِنَ اْلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اْللَّهُ﴾ (١) .
وقد بيّن رسول الله ﷺ معنى اتخاذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله بـ ((أنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلّوا لهم شيئاً، استحلّوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرّموه)) (٢) .
وهم ما كانوا يضعون تلك الأحكام، إلا بمثل الشبهات، التي حدثت بها البدع الدينية في الإسلام، من حيث إنها زيادة في الخير أو العبادة.
كتب البُجَيْرَمي على قول الشيخ زكريا الأنصاري في ((المنهج)) : ((وألا يسبقها بتحرم، ولا يقارنها فيه جمعة بمحلها، إلا إنْ كثر أهله، وعسر اجْتماعهم بمكان)) ما نصه:
((أي كثروا، بحيث يعسر اجتماعهم، أي بأن يحصل لهم مشقة من الاجتماع لا يحتمل، أي: اجتماع مَنْ يجوز له حضور الجمعة، وإنْ لم تلزمه، فيدخل فيه الأرقاء والصّبيان والنّساء. فعلى هذا القول يكون التعدد في مصر كله لحاجة فلا تجب الظهر حينئذ،كما نقل عن ابن عبد الحق)) (٣) .
ومَنْ قال مِنَ المتأخرين: إنه يسن إقامة ظهر بعد الجمعة!! خروجاً مَنْ خلاف مَنْ يمنع التعدد مطلقاً، فقوله غير صحيح.
والحاصل أن المنع من جمعتين في مصر واحد، إن كان لأن: مِنْ شرط
стр. 383
صلاة الجمعة، أن لا يقع مثلها في موضعٍ واحدٍ، أو أكثر، فمن أين هذا؟ ! وما الذي دلّ عليه؟ !
فإنْ قُلْتَ: حديث ((الجمعة لمن سبق))
قلتُ: هذا ليس بحديث، ولا أصل له من السنة، وإنما هو رأى لبعض متأخري الشافعية، ظنّة مَنْ لا علم عنده حديثاً نبويّاً (٤) !
فإنْ قُلْتَ: إن النبي ﷺ لم يأذن بإقامة جمعة غير جمعتة في المدينة، وما كان يتصل بها من القرى.
قلت: هذا لا يصح الاستدلال به على الشرطية المقتضية للبطلان، بل ولا على الوجوب، الذي هو دونها.
وعلى فرض صحة الكلام السابق: يستلزم أن يكون الحكم هكذا في سائر الصلوات الخمس، فلا تصح الصلاة جماعة في موضع لم يأذن النبي ﷺ بإقامة الجماعة فيه، وهذا مِنْ أبطل الباطلات.
وإن كان الحكم ببطلان المتأخّرة من الجمعتين، إنْ عُلِمَتْ ـ وكلتاهما مع اللبس ـ لأجل حدوث مانع، فما هو؟ فإن الأصل صحة الأحكام التعبديّه في كل مكان وزمان، إلا أن يدل الدليل على المنع، وليس ههنا من ذلك شيء البتة (١) .
نعم، تعدد الجمعة بدون ضرورة خلاف السنّة، فيبغي الحيلولة دون تكثير
стр. 384
الجمع، والحرص على توحيدها ما أمكن، وبذلك تتحقق الحكمة من مشروعية صلاة الجمعة وفوائدها أتم تحقق، ويقضى على التفرّق الحاصل بسبب إقامتها في كل المساجد: كبيرها وصغيرها، حتى إن بعضها ليكاد يكون متلاصقاً، الأمر الذى لا يمكن أن يقول بجوازه مَنْ شمّ رائحة الفقه الصحيح (٢) .
وذكر صاحب ((المبدع)) أنه لا خلاف في منع إقامة الجمعة والعيد بأكثر من موضع من البلد لغير حاجة إلا عن عطاء (٣) .
قال السبكي: ((تعدد صلاة الجمعة عند عدم الحاجة: منكر، معروف بالضّرورة في دين الإسلام)) (٤) . .
وقد انتهى القاسمي في مبحث له بعنوان ((خروج الجمعة عن موضوعها بكثرة تعددها)) إلى أنه ينبغي ((أن يترك التجميع في كل مسجدٍ صغير، سواء كان بين البيوت أم في الشوارع، وفي كل مسجد كبير أيضاً، يستغنى عنه بغيره، وأن ينضمّ كلُّ أهل محلّة كبرى إلى جامعها الأكبر، ولنفرض كل محلّة كبرى كقرية على حدة، فيستغنى بذلك عن كثير من زوائد المساجد، ويظهر الشّعار في تلك الجوامع الجامعة في أبدع حال، فيخرج من عهدة
التعدد)) (٥) .
وعلق عليه الألباني بقوله: ((وهذا هو الحق، الذي يفهمه كلُّ مَنْ تفقّه بالسنّة، وتأمل في واقع الجمعة والجماعة في عهد النبي ﷺ )) (١) .
وخلاصة القول وصفوته:
стр. 385
أنّ مسند القائلين بإعادة الظهر بعد الجمعة، حديث لا أصل له من السنّة، وزادوا عليه شروطاً اشترطوها بلا دليل ولا شبهة دليل.
فيا أيها المسلمون: لا تغلوا في دينكم، وإن لكم في الفرائض والمندوبات الثّابتة في الكتاب والسنّة، بالنّص الصّريح، غنية عن سواها، وقد قال النبي ﷺ في الأعرابي الذي حلف أنه لا يزيد عن المكتوبات الخمس، وسائر الفرائض من أركان الإِسلام، ولا ينقص: ((أفلح إنْ صدق)) و ((دخل الجنة إن صدق)) .
ويا ليت السواد الأعظم من المسلمين، يأتون جميع الفرائض القطعيّة، ويتركون المحرَّمات، وفي النوافل المشروعة ما يستغرق العمر (٢) .
[٦٢] * أخطاء المصلّين في سنّة الجمعة البعديّة:
عن عمر بن عطاء أبي الخُوار: أن نافع بن جُبير أرسله إلى السائب ـ ابن أُختِ نَمر ـ يسأله عن شيء رآه منه معاويةُ في الصّلاة، فقال: نعم، صليت الجمعة في المقصورة (٣) ، فلما سلَّم
стр. 386
الإمامُ قمتُ في مقامي، فصلَّيتُ، فلما دخل أرسل إليَّ، فقال: لا تَعُدْ لما فَعَلْتَ، إذا صلَّيتَ الجمعة فلا تَصِلْهَا بصلاةٍ حتى تكلَّم أو تخرج، فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك، أن لا تُوصَلَ صلاةً بصلاةٍ حتى نتكلم أو نخرج (١) .
ووصف عبد الله بن عمر ﵄ تطوُّع رسول الله ﷺ ، قال: فكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف , فيصلِّي ركعتين في بيته (٢) .
ففي هذين الحدثين:
[١/٦٢] الحثّ على الفصل بين الفرض النّفل، وعدم صلاتهما عقب بعضها البعض، حتى لو كان الكلام أو الحركة من المكان، هو الفاصل بينهما.
وأفضل الحركة: التحوّل إلى البيت، إذ كان هذا هو هدي النبي ﷺ .
عن نافع أن ابن عمر رأى رجلاً يصلّي ركعتين يوم الجمعة في مقامه
стр. 387
ـ أي: في المقام الذي صلى به صلاة الجمعة ـ فدفعه، وقال: أتصلّي الجمعة أربعاً (٣) ؟! .
وقد جاء الحثّ على صلاة النّوافل في البيوت في غير حديث من مثل:
عن جابر بن عبد الله ﵄ قال رسول الله ﷺ : إذا قضى أحدُكم الصّلاة في مسجده، فليجعل لبيته نصيباً من صلاته، فإن الله جاعلُ في بيته من صلاته خيراً (٤) .
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتّخذوها قبوراً)) (٥) .
معنى الحديث: صلوا فيها، ولا تجعلوها كالقبور مهجورة من الصّلاة، والمراد به: صلاة النّافلة.
وعن عبد الله بن سعد ﵁ قال: سألتُ رسول الله ﷺ : أيُّما أفضل الصّلاة في
المسجد؟ قال: ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد! فلأنْ أصلى في بيتي أحبُّ إليّ من أن
стр. 388
أُصلي في المسجد، إلا أن تكون صلاةً مكتوبة (١) .
وقد وقع التصريح بهذا في رواية من روايات حديث زيد بن ثابت الصحيح، فوقع في ((سنن أبي داود)) بإسنادٍ صحيح: ((صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا، إلا المكتوبة)) (٢) .
والمقصود من سردنا للأحاديث السابقة:
أن ندلّل أن هدي النبي ﷺ ، فعْلُ عامة السّنن والتطوّع في بيته.
وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ((والسنة أن يفصل بين الفرض والنّفل في الجمعة وغيرها، كما ثبت في ((الصحيح)) عنه أنه ﷺ نهى أن توصل صلاة بصلاة، حتى يفصل بينهما بقيامٍ أو كلام فلا تفعل ما يفعله كثير من الناس يَصِلُ السّلام بركعتي السنة، فإن في هذا ارتكاباً لنهي النبي ﷺ ، وفي هذا من الحكمة: التمييز بين الفرض وغير الفرض، كما يميز بين العبادة وغير العبادة، ولهذا استحب تعجيل الفطور وتأخير السحور، والأكل يوم الفطر قبل الصلاة، ونهى عن
استقبال رمضان بيوم أو يومين.
فهذا كله للفصل بين المأمور به من الصيام، وغير المأمور به، والفصل بين العبادة وغيرها. وهكذا تمييز الجمعة التي أوجبها الله من غيرها، وأيضاً كثير من أهل البدع ـ كالرافضة وغيرهم ـ لا ينوون الجمعة، بل ينوون الظهر، ويظهرون أنهم سلّموا وما سلّموا، فَيُصَلُّون ظهراً، وظنّ ظان أنهم يصلون السنة. فإذا حصل تمييز بين الفرض والنفل؛ كان في هذا منع لهذه البدعة، وهذا له نظائر كثيرة، والله سبحانه أعلم)) (٣) .
стр. 389
[٢/٦٢] وتجدر الإِشارة هنا إلى أنّ القائلين بالتّفصيل في سنة الجمعة البعدية: إنْ صلّى في المسجد أربعاً، وإنْ صلى في بيته صلى ركعتين، لا دليل عليه، والصحيح: الحديث المعروف الذي في ((الصحيحين)) : ((أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)) .
فإذا صلى بعد الجمعة ركعتين أو أربعاً في المسجد جاز، أو في البيت فهو أفضل، لهذا الحديث الصحيح (١) .
стр. 390
الفصل السّابع
جماع أخطاء المصلّين في صلوات خاصّة وصلاة أهل الأعذار وأُمور أُخرى متفرّقة
* أخطاء المصلّين في صلاة الاستخارة.
* أخطاء المصلّين في صلاة العيدين.
* أخطاء المصلّين في الجمع بين الصّلاتين في الحضر.
* أخطاء المصلّين في صلاتهم في السَّفر.
* نفي بعضهم مشروعية صلاة الخوف وسجود الشكر وترك صلاة الكسوف.
* التّنبيه على صلوات خاصّة موضوعة، وعلى أحاديث مشتهرة غير صحيحة
في الصّلاة.
следующие страницы →