← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 8855

القول المبين في أخطاء المصلين

مشهور آل سلمان

Полный текст (452 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الإمامُ قمتُ في مقامي، فصلَّيتُ، فلما دخل أرسل إليَّ، فقال: لا تَعُدْ لما فَعَلْتَ، إذا صلَّيتَ الجمعة فلا تَصِلْهَا بصلاةٍ حتى تكلَّم أو تخرج، فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك، أن لا تُوصَلَ صلاةً بصلاةٍ حتى نتكلم أو نخرج (١) . ووصف عبد الله بن عمر ﵄ تطوُّع رسول الله ﷺ ، قال: فكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف , فيصلِّي ركعتين في بيته (٢) . ففي هذين الحدثين: [١/٦٢] الحثّ على الفصل بين الفرض النّفل، وعدم صلاتهما عقب بعضها البعض، حتى لو كان الكلام أو الحركة من المكان، هو الفاصل بينهما. وأفضل الحركة: التحوّل إلى البيت، إذ كان هذا هو هدي النبي ﷺ . عن نافع أن ابن عمر رأى رجلاً يصلّي ركعتين يوم الجمعة في مقامه

стр. 387

ـ أي: في المقام الذي صلى به صلاة الجمعة ـ فدفعه، وقال: أتصلّي الجمعة أربعاً (٣) ؟! . وقد جاء الحثّ على صلاة النّوافل في البيوت في غير حديث من مثل: عن جابر بن عبد الله ﵄ قال رسول الله ﷺ : إذا قضى أحدُكم الصّلاة في مسجده، فليجعل لبيته نصيباً من صلاته، فإن الله جاعلُ في بيته من صلاته خيراً (٤) . وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتّخذوها قبوراً)) (٥) . معنى الحديث: صلوا فيها، ولا تجعلوها كالقبور مهجورة من الصّلاة، والمراد به: صلاة النّافلة. وعن عبد الله بن سعد ﵁ قال: سألتُ رسول الله ﷺ : أيُّما أفضل الصّلاة في المسجد؟ قال: ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد! فلأنْ أصلى في بيتي أحبُّ إليّ من أن

стр. 388

أُصلي في المسجد، إلا أن تكون صلاةً مكتوبة (١) . وقد وقع التصريح بهذا في رواية من روايات حديث زيد بن ثابت الصحيح، فوقع في ((سنن أبي داود)) بإسنادٍ صحيح: ((صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا، إلا المكتوبة)) (٢) . والمقصود من سردنا للأحاديث السابقة: أن ندلّل أن هدي النبي ﷺ ، فعْلُ عامة السّنن والتطوّع في بيته. وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ((والسنة أن يفصل بين الفرض والنّفل في الجمعة وغيرها، كما ثبت في ((الصحيح)) عنه أنه ﷺ نهى أن توصل صلاة بصلاة، حتى يفصل بينهما بقيامٍ أو كلام فلا تفعل ما يفعله كثير من الناس يَصِلُ السّلام بركعتي السنة، فإن في هذا ارتكاباً لنهي النبي ﷺ ، وفي هذا من الحكمة: التمييز بين الفرض وغير الفرض، كما يميز بين العبادة وغير العبادة، ولهذا استحب تعجيل الفطور وتأخير السحور، والأكل يوم الفطر قبل الصلاة، ونهى عن استقبال رمضان بيوم أو يومين. فهذا كله للفصل بين المأمور به من الصيام، وغير المأمور به، والفصل بين العبادة وغيرها. وهكذا تمييز الجمعة التي أوجبها الله من غيرها، وأيضاً كثير من أهل البدع ـ كالرافضة وغيرهم ـ لا ينوون الجمعة، بل ينوون الظهر، ويظهرون أنهم سلّموا وما سلّموا، فَيُصَلُّون ظهراً، وظنّ ظان أنهم يصلون السنة. فإذا حصل تمييز بين الفرض والنفل؛ كان في هذا منع لهذه البدعة، وهذا له نظائر كثيرة، والله سبحانه أعلم)) (٣) .

стр. 389

[٢/٦٢] وتجدر الإِشارة هنا إلى أنّ القائلين بالتّفصيل في سنة الجمعة البعدية: إنْ صلّى في المسجد أربعاً، وإنْ صلى في بيته صلى ركعتين، لا دليل عليه، والصحيح: الحديث المعروف الذي في ((الصحيحين)) : ((أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)) . فإذا صلى بعد الجمعة ركعتين أو أربعاً في المسجد جاز، أو في البيت فهو أفضل، لهذا الحديث الصحيح (١) .

стр. 390

الفصل السّابع جماع أخطاء المصلّين في صلوات خاصّة وصلاة أهل الأعذار وأُمور أُخرى متفرّقة * أخطاء المصلّين في صلاة الاستخارة. * أخطاء المصلّين في صلاة العيدين. * أخطاء المصلّين في الجمع بين الصّلاتين في الحضر. * أخطاء المصلّين في صلاتهم في السَّفر. * نفي بعضهم مشروعية صلاة الخوف وسجود الشكر وترك صلاة الكسوف. * التّنبيه على صلوات خاصّة موضوعة، وعلى أحاديث مشتهرة غير صحيحة في الصّلاة.

стр. 391

[٦٣] * أخطاء المصلّين في صلاة الاستخارة: لم يطلب الشّرع ممن صلّى الاستخارة شيئاً، كي يفعل ما عزم عليه أو يتركه، سوى الصّلاة والدّعاء المأثور. والشّأن في ذلك، شأن أي دعاء يدعو به المسلم. ومن هنا: قرر العلماء، أنه يفعل ما ينشرح له صدره بدون توقّف على رؤيا منام ولا أن يلجأ لأحدٍ، يدعو له بها، وإنما هي دعاء، بأن يختار الله له من الأمر الخير، فيمضي فيه، إنْ شرح اللهُ له صدرَه، فإن تيسّر كان الخيرُ في ذلك، ورضي وفرح، وإن لم يُقضَ علم أن الخير في ذلك أيضاً، ورضي به، وسيحمد عاقبته (١) . [١/٦٣] ومن الخطأ الشائع عند بعض النّاس: أنّ الاستخارة لا تكون معتبرةً إلا إذا دعا بها بعضُ النّاس، وأنّه لابُدّ فيها من الرؤيا المنامية، فهذا غلوُّ وجمود، لم يأمر به الله، ولا هدت إليه سنّةُ رسول الله ﷺ ، وإنما نشأ عن التكلّف الذي لا ينبغي للمسلمين فعله، حتى جرّهم ذلك إلى أن عطّلوا سنّةً عظيمةً من سنن النبي ﷺ ، وحرموا أنفسهم مثوبة هذه السنّة وبركاتها، والتعرّض لنفحاتها. فهيا ـ أخي المسلم ـ استخر ربّك في أُمورك، بهدك، وافزع إليه واسترشده، يرشدك، وقد يسَّر لك استخارته وسهلها، فادع بها عقب السّنن والنّوافل، أو اركع ركعتين لأجلها، تزدد مثوبة وقربى. ولا تلتفت إلى ما اعتاده النّاس من التّشدد أو الاتّكال على غيرهم فيها، واعتصم بسنّة النّبيّ ﷺ ، يصلح أمرك، وتفلح في دنياك وآخرتك، فطوبى لمن عمل بها، وأحياها في النّاس (٢) .

стр. 392

[٢/٦٣] وافعل ـ أخي المسلم ـ ما ينشرح صدرُك له بعد الاستخارة، وإيّاك أن تعتمد على انشراحٍ كان لك فيه هوى قبلها بل ينبغي لك ترك اختيارك هذا رأساً، وإلا فلا تكون مستخير الله، بل تكون ـ والعياذ بالله ـ مستخير هواك. وعليك أن تكون صادقاً في طلب الخيرة وفي التبري من العلم والقدرة، وإثباتهما لله تعالى ، فإذا صدقت في ذلك، تبرّأتَ من الحول والقوّة. ومن اختيارك لنفسك (١) . هذا، وقد جهل كثير من الناس الاستخارة الشرعية، المرغّب فيها، وهجروها، وابتدعوا لها أنواعاً كثيرة، لم يرد شيء منها في الكتاب، ولا في السنّة، ولم تنقل عن أحد من السّلف الصّالح، وعكفوا على هذه المحدثات التي أُلصقت بالدّين، ولو قدر لعاقل أن ينكر عليهم، سالكاً طريق الرسول ﷺ ، سلقوه بألسنٍة حداد، واعتبروه خارجاً على الدّين، بل عدّوه متنطّعاً مشدداً جامداً ـ زعموا ـ فلا حول ولا قوة إلا بالله. ومن هذه الاستخارات المبتدعة: [٣/٦٣] ما قدمنا من اشتراط الرؤيا المناميّة، كأن يشترط فيها: أن يرى المستخيرُ في منامه ما نواه أو يرى خضرة أو بياضاً، إن كان ما يقصده خيراً. ويرى حمرةً أو سواداً إن كان ما يقصده لا خير فيه. ومنها: [٤/٦٣] استخارة السبحة، يعملها صاحب الحاجة أو تعمل له، وطريقتها: أن يأخذ الشخص مسبحة فيتمتم عليها بحاجته، ثم يحصر بعض حباًتهاْ بين يديه، ويعدّها، فإن كانت فرديّة عدل عما نواه. وإن كانت زوجية، اعتبر ما نواه خيراً، وسار فيه. ولعمري، ما الفرق بين هذه الطريقة، وما كان يتّبع في الجاهليّة الأُولى،

стр. 393

من إطلاق الطّير في الجوّ، وهو ما سمّاه الشّرع بالطّيَرةِ، ونهى عنها. ومنها: [٥/٦٣] استخارة الفنجان، يعملها عادة غيرُ صاحب الحاجة، ويقوم بعملها رجل أو امرأة، وطريقتها: أن يشرب صاحبُ الحاجة القهوة المقدّمة إليه، ثم يكفئ الفنجان، وبعد قليل، يقدّمه لقارئه، فينظر فيه، بعد أن أحدثت فضلاتُ القهوة به رسوماً وأشكالاً مختلفة، شأنها في ذلك شأن كل راسب في أيّ إناء إذا انكفأ، فيتخيّّّّّل ما يريد، ثم يأخذ في سرد حكايات كثيرة لصاحب الحاجة، فلا يقوم من عنده إلا وقد امتلأت رأسُه بهذه الأسطورة! ومنها. [٦/٦٣] استخارة المندل، وطريقته: أن يوضع الفنجان مملوءاً ماء على كفّ شخص مخصوص في كفّه تقاطيع مخصوصة، ويكون ذلك في يومٍ معلومٍ من أيام الأسبوع، ثم يأخذ صاحب المندل (العرّاف) في الّتعزيم والهمهمة بكلامٍ غير مفهوم، وينادي بعض الجنّ، ليأتوا بالمتّهم السّارق! ومنها: [٧/٦٣] استخارة الرّمل، وطريقتها: أن يخطط الشّخصُ في الرّمل خطوطاً متقطّعة، ثم يعدّها بطريقةٍ حسابيّةٍ معروفةٍ لديهم، فينتهي منها إلى استخراج برج الشخص، فيكشف عنه في كتاب استحضره لهذا الغرض، فيسرد عليه حياته الماضية والمستقبلة بزعمه، وهذا الكلام بعينه الذي قيل له، يُقال لغيره، مادام برجاهما قد اتّفقا. ومنها: [٨/٦٣] استخارة الكفّ، وهي لا تخرج عما مضى، فيعمل قارىء الكف مستعملاً قوّة فراسته، مستعيناً ـ بزعمه ـ باختلاف خطوط باطن الكفّ، على سرد حياة الشخص المستقبليّة! ولا شك عند العقلاء أن جميع هذه الطرق من نوع العرافة المنهي عنها، وقد

стр. 394

ذكر العلماء أن تصديق العرّاف والكاهن والمنجّم من الكبائر (١) . وقد قال ﷺ في النهي عن ذلك: من أتى عرّافاً أو كاهناً فصدّقه بما يقول: فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ (٢) . وقال ﷺ : من أتى عرّافاً فسأله عن شيء، لم تُقبلْ له صلاة أربعين يوماً (٣) . ولا أدري بعد ذلك، كيف يعكف النّاسُ على أمثال تلك التّرهات والخزعبلات والأباطيل، معرضين عن هدي المعصوم ﷺ وما جاء به؟ ! [٦٤] * أخطاء المصلّين في صلاة العيدين: النّاس في فهم العيد صنفان: صنف لا يفهمون منه إلا بطالة؟، يأخذ النّاسُ فيها نصيبهم، من اللهو واللعب، والمتعة بطيب الطّعام وحسن الثّياب، وهؤلاء تراهم، يدّخرون للعيد ويعدّون له العدّة، قبل حلوله بأشهر. وصنف يفهم في العيد ما هو أسمى من ذلك وارفع وأجلّ. فأما الصّنف الأول:

стр. 395

فإذا لم يواتهم الزّمان، في إقامة العيد، على ما اشتهوا وفهموا من العيد، لم يعدّوا العيدّ عيداً، بل يزدادوا حزناً وحسرةً وألماً. أما الصّنف الثّاني: فإن العيد عندهم، عيد على كلّ حال، إذ كان معنى العيد عندهم هو: ما لحظة الدّينُ فيه، وهذا موجودٌ في حالتي الشدّة والرّخاء، والسرّاء والضّراء، والمؤمن مغتبط وراض وصابر في الشدّة والبلاء، لأنه يؤمن بأن ما أصابه في حظّه من الدّنيا، ليس بمصيبةٍ على الحقيقة. وعنده أن المصيبة إنما هي في الدّين، ودين المؤمن سالم ما دام مؤمناً، ولأن المؤمن يعتقد أنّ ما أصابه إنما هو: بقضاء الله وقدره، وإنه لراض بذلك، ومفوّض أمره إلى الله، ومؤمل خيراً في العاقبة، وراج ثواباً على صبره في الآخرة. [١/٦٤] وليس في الإسلام سوى عيدين، هما: عيد الفطر وعيد الأضحى وقد ابتلى المسلمون باتّخاذ كثير من أعياد زمانية ومكانية ما أنزل الله بها من سلطان. فأما الزّمانيّة فكثيرة، منها: يوم المولد النبوي وليلة المعراج وليلة النّصف من شعبان، ومنها: ما يجعل لميلاد صالح أو مَنْ يظنّ صلاحه، ومنها: ما يجعل لولاية بعض الملوك، ويسمى (عيد الجلوس) وهو مأخوذ من (عيد النيروز) عند العجم. ومنها: ما يجعل لثورة المنازعين للملوك وانتصار بعضهم على بعض، وهو مأخوذ من (عيد المهرجان) عند العجم. ومن الأعياد المبتدعة أيضاً: عيد الجلاء وعيد الاستقلال، إلى غير ذلك من الأعياد المبتدعة (١) لأيّام السّرور والأفراح، مما لم يأذن به الله.

стр. 396

وأما المكانيّة: فهي ما أحدثه الهمج الرّعاع من الاجتماعات عند القبور، واعتياد المجيء إليها، إما مطلقاً، وإما في أوقاتٍ مخصوصة، ولا سيما ما يفعل عند القبر المنسوب إلى البدوي بمصر، وعند القبر المنسوب إلى الحسين بكربلاء، وعند قبر الشيخ عبد القادر الجيلاني ببغداد. فكل واحد من هذه القبور الثّلاثة قد جعله أشباهُ الأنعام عيداً لهم، يضاهئون به ما شرعه الله للحنفاء من الاجتماع عند الكعبة وفي عرفات ومزدلفة ومنى في أيّام الحج. والقبور التي قد افتتن بها الضّلالُ، واتّخذوها أعياداً، أكثر من أن تحصر، ولا حاجة إلى ذكرها وتعدادها، إذ لا فائدة في ذلك، وإنما المقصود ههنا التحذير من مشابهة المشركين في أعيادهم الزّمانية والمكانيّة (١) . وبعد: [٢/٦٤] فالمنكرات في حياة المسلمين في الأعياد كثيرة، وقسم منها موجود في حياتهم في غير العيد، ولكنها تكثر وتزداد في الأعياد، من مثل: التزين بحلق اللحية، ومصافحة النّساء الأجنبيات (غير المحرّمات حرمة مؤبّدة) ، وتبرج النساء وخروجهن إلى الأسواق وغيرها، والتشبه بالكفار والغربيين في الملابس (٢) واستماع المعازف وغيرها، وتخصيص زيارة القبور يوم العيد، وتوزيع الحلويات والمأكولات فيها، والجلوس على القبور، والاختلاط، والسّفور الماجن، والنّياحة على الأموات، والدّخول على النّساء غير المحارم، والإسراف والتّبذير بما لا طائل

стр. 397

تحته، ولا مصلحة فيه، وغيرها من المنكرات (٣) . والذي يهمّنا منها في مبحثنا هذا، ما يتعلّق بالصّلاة، حيث يفعلها أصحابُها بدعوى التقرّب إلى الله! ويمكن أن نحصر أخطاء المصلّين في صلاة العيدين بالنّقاط التّالية: [٣/٦٤] * تساهل بعضهم فيها، والقول بسنيّتها، وترك صلاتها في المصلّى. قال الشوكاني: اعلم أنّ النبي ﷺ لازم هذه الصّلاة في العيدين، ولم يتركها في عيدٍ من الأعياد، وأمر الناس بالخروج إليها، حتى أمر بخروج النّساء العواتق وذوات الخدور والحيَّض. وأمر الحيَّض أن يعتزلن الصّلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، حتى أمر مَنْ لا جلباب لها أن تلبسها صاحبتُها من جلبابها، وهذا كله يدلّ على أن هذه الصَّلاة واجبةٌ وجوباً مؤكّداً على الأعيان لا على الكفاية (٤) . قلت: يشير الشوكاني ـ رحمه الله تعالى ـ إلى حديث أم عطيّة ﵂ قالت: أمرنا رسول ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق والحيَّض وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصّلاة. وفي لفظ: المصلّى، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين. قلت: يا رسول الله! إحدانا لا يكون لها جلباب!

стр. 398

قال: لتلبسها أختها من جلبابها (١) . والأمر بالخروج يستلزم الأمر بالصّلاة لمن لا عذر له، بفحوى الخطاب، لأنّ الخروج وسيلة إليها، ووجوب الوسيلة يستلزم وجوب المتوسل إليه، والرّجال أولى من النّساء بذلك (٢) . ومن الأدلة على وجوب صلاة العيدين: أنها مسقطة للجمعة إذا اتفقتا في يوم واحد، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال عندما اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد: ((اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون)) (٣) . ومن المعلوم: أن ما ليس بواجب لا يُسْقِطُ ما كان واجباً، وقد ثبت أنه ﷺ لازمها جماعة منذ شُرِعت إلى أن مات، وانضمّ إلى هذه الملازمة الدّائمة أمره للناس بان يخرجوا إلى الصّلاة (٤) . وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. قال رحمه الله تعالى:

стр. 399

((رجحنا أن صلاة العيد واجبة على الأعيان، كقول أبي حنيفة (٥) وغيره، وهو أحد أقوال الشّافعي، وأحد القولين في مذهب أحمد. وقول مَنْ قال: لا تجب، في غاية البُعْدِ، فإنها من أعظم شعائر الإسلام، والنّاس يجتمعونَ لها أعظم من الجمعة، وقد شُرع فيها التكبير، وقولُ مَنْ قال: هي فرضٌ على الكفاية، لا ينضبط)) (٦) . ومن المفيد هنا أن نقف على أمر رسول الله ﷺ في حديث أم عطيّة السابق الذي فيه خروج النساء حتى الحيّض والعواتْق (١) منهنّ لـ ((يشهدن الخير ودعوة المسلمين)) مستفيدين حُكْمَين فقهيين: الأول: مشروعيّة خروّج النّساء لصلاة العيدين. هذا ونحن نحضّ النّساء على حضور جماعة المسلمين تحقيقاً لأمر سيّد المرسلين ﷺ ، فلا يفوتنا أن نلفت نظرهن ونظر المسؤولين عنهن إلى وجوب تقيّدهن بالحجاب الشّرعي. وقد يستغرب البعض القول بمشروعية خروج النّساء إلى المصلّى لصلاة العيدين، فليعلم: أن هذا هو الحق الذي لا ريب فيه، لكثرة الأحاديث الواردة. في ذلك، وحسبنا الآن حديث أم عطيّة المتقدّم، فإنه ليس دليلاً على المشروعية فقط، بل وعلى وجوب ذلك عليهن لأمره ﷺ به، والأصل في الأمر الوجوب، ويؤيّده: ما روى ابن أبي شيبة عن أبي بكر الصّديق قال:

стр. 400

حق على كلّ ذات نطاق (٢) الخروج إلى العيدين (٣) . وقد ادّعى بعضهم النسخ في حديث أم عطيّة، قال الطحاوي: وأمره ﵊ بخروج الحيض وذوات الخدور إلى العيد، يحتمل أن يكون في أوّل الإسلام، والمسلمون قليل، فأريد التّكثير بحضورهنّ إرهاباً للعدو، وأما اليوم فلا يحتاج إلى ذلك!! وتعقب بأن النسخ لا يثيب بالاحتمال. قال الكرماني: تاريخ الوقت لا يعرف. وتعقب بدلالة حديث ابن عباس: أنه شهده وهو صغير، وكان ذلك بعد فتح مكة، فلم يتم مراد الطحاوي، وقد صرح في حديث أم عطيّة بعليّة الحكم، وهو: ((شهودهن الخير ودعوة المسلمين)) ورجاء بركة ذلك اليوم وطهرته، وقد أفتت به أم عطيّة بعد النبي ﷺ ، ولم يثبت عن أحدٍ من الصّحابة مخالفتها في ذلك. وفي قول الطحاوي: ((إرهاباً للعدو)) نظر، لأن الاستنصار بالنّساء، والتكثر بهن في الحرب، دال على الضّعف (٤) . وبهذه المناسبة أُذكّر بأن صلاة النساء في المساجد سنّة ثابتة متّبعة، لم يختلف في صحتها أحدٌ من المسلمين، وإطلاق حكم الحرمة عليها ـ كما سمعتُه غير مرة من غير واحد من العوامِ ـ جهلٌ فاضح، نعم، ورد أن صلاة النّساء في بيوتهن أفضل من صلاتهنّ في المسجد، وإنْ عُلِمَ أن خروجهن إلى المسجد، يكون سبباً للفتنة، جاز أو وجب منع مَنْ يعلم أو يظن الافتتان بهنّ فقط، مع إزالة سبب الفتنة، ولكن لا يصح أن يُقال: أن خروجهن إلى المسجد، وصلاتهن فيه، محرّمة عليهن، ولا أن يجعل حكماً عاماً مطلقاً (١) .

стр. 401

والآخر: أن صلاة العيدين محلّها المصلّى لا المسجد، مع جوازها فيه. ووجه ذلك: أنّ النّبيَّ ﷺ حثّ على حضور الحيَّض صلاة العيد، والمسجد لا يصلح لحضورهن، فلم يَبْقَ إلا أن يكون حضورهن للمصلّى. وهذا ما وقع التّصريحُ به في غير حديث، مثل: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلّى، فأوّل شيء يبدأ به الصّلاة (٢) . قال ابنُ الحاجّ المالكي: والسنّة الماضية في صلاة العيدين أن تكون في المصلّى، لأنّ النّبيَّ ﷺ قال: ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)) (٣) . ثم هو مع هذه الفضيلة العظيمة، خرج ﷺ وتركه (٤) . وقد استمرّ العملُ على هذه السنّة في الصَّدر الأوّل، إلا إذا كانت ضرورة من مطر ونحوه. وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم.

стр. 402

ففي ((الفتاوى الهنديّة)) (٥) : ((الخروج إلى الجبّاية (٦) في صلاة العيد سنة، وإن كان يسعهم المسجد الجامع، على هذا عامة المشايخ، وهو الصحيح)) . وفي ((المدونة)) (١) : ((وقال مالك: لا يصلى في العيدين في موضعين، ولا يصلّون في مسجدهم، ولكن يخرجون كما خرج النّبيُّ ﷺ ) . وقال ابن قدامة: ((السنّة أن يصلي العيد في المصلَّى، أمر بذلك عليّ ﵁، واستحسنه الأوزاعي وأصحاب الرأي، وهو قول ابن المنذر)) (٢) . ثم إن هذه السنّة ـ سنّة الصّلاة في الصّحراء ـ لها حكمة عظيمة بالغة: أن يكون للمسلمين يومان في السنة، يجتمع فيهما أهلُ كلّ بلدة، رجالاً ونساءَّ وصبياناً، يتوجّهون إلى الله بقلوبهم، تجمعهم كلمةّ واحدة، ويصلّون خلف إمامٍ واحدٍ، يكبّرون ويهللون، ويدعون الله مخلصين، كأنهم على قلب رجل واحد، فرحين مستبشرين بنعمة الله عليهم، فيكون العيد عندهم عيداً. فعسى أن يستجيب المسلمون لا تّباع سنة نبيّهم، ولإحياء شعائر دينهم، الذي هو معتقد عزهم وفلاحهم (٣) .

стр. 403

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٤) . [٤/٦٤] * ترك التكبير جهراً في الطّريق إلى المصلّى. عن الزّهري: أن رسول الله ﷺ كان يخرج يوم الفطر، فيكبّر، حتى يأتي المصلّى، وحتى يقضي الصّلاة، فإذا قضى الصّلاة قطع التكبير (٥) . ((في هذا الحديث دليل على مشروعية ما جرى عليه عمل المسلمين، من التكبير جهراً في الطّريق إلى المصلّى، وإن كان كثير منهم بدأوا يتساهلون بهذه السنّة، حتى كادت أن تصبح في خبر كان، وذلك لضعف الوازع الدّيني منهم، وخجلهم من الصّدع بالسنّة والجهر بها. ومن المؤسف أن فيهم مَنْ يتولّى إرشاد النّاس وتعليمهم، فكأن الإرشاد عندهم محصور بتعليم النّاس ما يعلمون!! وأما ما هم بأمس الحاجة إلى معرفته، فذلك مما لا يلتفتون إليه، بل يعتبرون البحث فيه، والتّذكير به، قولاً وعملاً، من الأمور التّافهة، التي لا يحسن العناية بها عملاً وتعليماً، فإنّا لله وإنا إليه راجعون. ومما يحسن التّذكير به بهذه المناسبة: [٥/٦٤] أنّ الجهر بالتّكبير هنا لا يشرع فيه الاجتماع عليه بصوتٍ واحد كما يفعله البعض، وكذلك كلُّ ذكر يشرع فيه رفع الصّوت أو لا يشرع، فلا يشرع فيه الاجتماع المذكور، ومثله الأذان من الجماعة المعروف في دمشق بـ ((أذان الجوق)) ، وكثيراً ما يكون هذا الاجتماع سبباً لقطع الكلمة أو الجملة في مكان لا يجوز الوقف عنده، مثل ((لا إله)) في تهليل فرض الصبح والمغرب،كما سمعنا ذلك مراراً.

стр. 404

فلنكن في حذٍر من ذلك، ولنذكر دائماً قوله ﷺ : ((وخير الهدي هدي محمد ﷺ ) (١) . * رفع اليدين في تكبيرات صلاة العيدين. [٦/٦٤] لم يثبت عن النبي ﷺ أنه كان يرفع يديه مع تكبيرات العيد. لكن قال ابنُ القيم: وكان ابن عمر ـ مع تحريه للاتّباع ـ يرفع يديه مع كلّ تكبيرة (٢) . وخير الهدي هدي النبي ﷺ ، وكونه مروياً عن ابن عمر وأبيه ﵄ لا يجعله سنّة، لا سيما أن رواية عمر وابنه لا تصح (٣) . وقد قال مالك في رفع اليدين في تكبير صلاة العيدين: ((لم اسمع فيه شيئاً)) (٤) . وهذا مذهبه، كما في ((المدونة)) : (١/١٦٩) ونقله عنه النووي في ((المجموع)) : (٥/٢٦) . إلا أن ابن المنذر قال: ((قال مالك: ليس في ذلك سنّة لازمة، فمن شاء رفع يديه فيها كلها، وفي الأولى أحبّ إليّ)) (٥) . * صلاة سنّة قبليّة للعيد والقول: الصّلاة جامعة قبل قيام الناس للصّلاة.

стр. 405

[٧/٦٤] المشاهد في أغلب بلاد المسلمين: أن الحاضرين لصلاة العيد في المصلّى يصلّون ركعتين قبل جلوسهم في أماكنهم، منتظرين قيام الإمام للصّلاة. وهاتان الرّكعتان لم تردا عن النبي ﷺ ، بل الوارد عنه تركهما. عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ صلى يوم الفطر ركعتين، لم يُصل قبلها ولا بعدها (١) . قال الحافظ ابن حجر: والحاصل أن صلاة العيد لم يثبت لها سنّة قبلها ولا بعدها، خلافاً لمن قاسها على الجمعة (٢) . وقال الإمام أحمد: ليس قبل العيد، ولا بعده، صلاة قط (٣) . وقال أيضاً: لا صلاة قبل ولا بعد، خرج النبي ﷺ إلى العيد، فلم يُصلّ قبل ولا بعد، وأهل البصرة يصلّي بعضهم قبل، وأهل الكوفة بعضهم يصلّي بعد (٤) . وقال ابن القيم:

стр. 406

ولم يكن هو ﷺ ولا أصحابُه يُصلّون إذا انتهوا إلى المصلّى قبل الصَّلاة ولا بعدها (٥) . وكان ﷺ إذا انتهى إلى المصلّى أخذ في الصّلاة من غير أذان، ولا إقامة، ولا قول: الصّلاة جامعة، والسنّة أنه لا يُفعل شيء من ذلك (٦) . بل صرح المحققون من العلماء أن فعلها بدعة (٧) . *إحياء ليلتي العيد: [٨/٦٤] إن كثيراً من الخطباء والوعّاظ يلهجون بحثّ النّاس على التقرّب إلى الله سبحانه بإحياء ليلتي العيد، ولا يوجد لهم مستند صحيح في قولهم هذا. ولا يكتفي هؤلاء المتمشيخون بحثّ الناس على ذلك، بل ينسبونه لرسول الله ﷺ ؛ فيرفعون إليه قوله: ((من أحيى ليلة الفطر والأضحى، لم يمت قلبُه يوم تموت القلوب)) (١) . وهذا حديث موضوع، لا تجوز نسبته لرسول الله ﷺ ، فضلاً عن مشروعية العمل به، ودعوة النّاس إلى تطبيقه. * أخطاء الخطباء: [٩/٦٤] من أخطاء الخطباء لصلاة العيد: افتتاحهم الخطبة بالتّكبير، وتكبيرهم بين أضعاف الخطبة. قال ابن القيّم ـ رحمه الله تعالى ـ: وكان ﷺ يفتتح خُطَبَه كلَّها بالحمد لله، ولم يُحفظ عنه في حديثٍ واحد أنه

стр. 407

كان يفتتح خطبتي العيدين بالتكبير، وإنما روى ابن ماجه في ((سننه)) (٢) عن سعد القرظ مؤذّن النبي ﷺ أنه كان يكثر التكبير بين أضعاف الخطبة، ويكثر التكبير في خطبتي العيدين. وهذا لا يدل على أنه كان يفتتحها به. وقد اختلف النّاسُ في افتتاح خُطبة العيدين والاستسقاء، فقيل: يُفْتتحان بالتّكبير، وقيل: تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار، وقيل: يُفتتحان بالحمد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو الصّواب (٣) . قلت: والحديث السّابق ضعيف، في إسناده رجل ضعيف، وهو (عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد المؤذّن) ، وآخر مجهول، وهو (سعد بن عمار) . فلا يجوز الاحتجاج به على سنية التكبير في أثناء الخطبة (٤) . ومن أخطائهم أيضاً: جعلهم للعيد خطبتين، يفصلون بينهما بجلوس، وكل ما ورد في ذلك ضعيف. قال النووي: لم يثبت في تكرير الخطبة شيء (٥) . [٦٥] * أخطاء المصلّين في الجمع بين الصّلاتين في الحضر: القاعدة العامة عند أهل السنّة والجماعة: أن تصلَّى كلُّ صلاةٍ في وقتها المخصوص المنصوص عليه في الأحاديث النبويّة، دون تقديم ولا تأخير، إلا لسبب من الأسباب المذكورة في كتب الفقه، وقام الدّليل الشّرعي على اعتباره.

стр. 408

وعليه: فلا يجوز للمسلّم أن يقدّم الصّلاة ـ كلَّها أو بعضها ـ قبل دخول وقتها، لأن ذلك من تعدّي حدود الله، والاستهزاء بآياته. ومن الأخطاء في هذا الباب: [١/٦٥] ما يفعله الشّيعة ومذهبهم الثّابت عنهم: جواز الجمع بين الصّلاتين: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، مطلقاً، أعني: سفراً وحضراً، لعذرٍ أو لغير عذر، جمع تقديم أو جمع تأخير، وتبعهم في مذهبهم هذا شيعتُهم في كلّ عصر ومصر، ولذا تراهم يجمعون غالباً بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في سفرهم وحضرهم، لعذر أو لغير عذر (١) !! هذا، وقد وقع بعضُهم في خلطٍ شديدٍ، فنقل عن جماعة من علماء السنّة، أنهم جوّزوا الجمع بين الصلاتين من غير عذر (٢) !! نعم، يجوز الجمع بين الصّلاتين للحرج والمشقة، ما لم يتّخذ عادة، على الراجح عند المحققين من العلماء (٣) . وهذا مخالف لمذهب الشّيعة، القائلين

стр. 409

باشتراك أوقات كلّ صلاتين، وتختص الأولى منها بمقدار أدائها! من أول الوقت، وتختص الثانية بمقدار أربع ركعات! من آخره (٤) . ورحم الله الشوكاني، فإنه صوّر لنا حال أهل زمانه، وبيَّن الدافع من تقديم الصلاة عن وقتها عند جماعة من الجهّال، فقال: ((وقد ابتلي زمننا من بين الأزمنة، وديارنا من بين ديار أهل الأرض؛ بقوم جهلوا الشّر ع، وشاركوا في بعض فروع الفقه، فوسّعوا دائرة الأوقات، وسوّغوا للعامّة أن يصلّوا في غير أوقات الصّلاة، فظنّوا أن فعل الصّلاة في غير أوقاتها شعبة من شعب التّشيع، وخصلة من خصال المحبة لأهل البيت، فضلّوا وأضلوا، وأهل البيت ﵏ براء من هذه المقالة، مصونون من القول بشيء منها)) (١) . قلت: ذكر الحافظ الذّهبي ﵀ أن سبب خروج القرّاء ـ وهم أهل القرآن والصّلاح ـ بالعراق على الحجاج، لظلمه وتأخيره الصّلاة والجمع في الحضر (٢) . والظاهر أن جمعه دون عذر، وإلا فهو مشروع عند الجمهور، فأين مذهب أهل البيت، من القول السابق؟ ! حقاً إنهم منه براء. وقال الشوكاني أيضاً: ((ولقد صارت الجماعات الآن تقام في جوامع صنعاء للعصر بعد الفراغ من صلاة الظّهر، وللعشاء في وقت المغرب، وصار غالبُ العوامّ لا يصلّي الظهر والعصر إلا عند اصفرار الشمس، فيا لله وللمسلمين من هذه الفواقر في الدّين)) (٣) . [٢/٦٥] وبهذه المناسبة لا بُدّ أن أُشير إلى أن جماعة من الفقهاء قد منعوا

стр. 410

الجمع بين الصلاتين في الحضر، وقد صنّف الشوكاني في نصرة هذا الرأي رسالة، أسماها ((تشنيف السمع بإبطال أدلة الجمع)) (٤) ، وقد اعتمد على زيادةٍ وردت في حديث ابن عباس: ((جمع رسولُ الله ﷺ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر)) (٥) . وهذه الزّيادة هي ((أخّر الظّهر وعجّل العصر، وأخّر المغرب وعجّل العشاء)) ، فقال: إن الجمع بين الصلاتين في الحضر جمع صوري أو جمع في الفعل، حيث تؤدّى الصلاة الأولى في آخر وقتها، والثّانية في أول وقتها، لا في الوقت. وقد ضعّف غيرُ واحد من العلماء المحققين الجمع الصّوري، منهم:النّووي، وتعبقه الشوكاني في ((نيل الأوطار)) : (٣/٢٦٥) وتبعه صديق حسن خان في ((فتح العلام)) : (١/١٩٥) فقالا: ((والعجب من النووي، كيف يضعّف هذا التّأويل ـ أي الجمع الصوري ـ وغفل عن رواية النسائي ـ التي فيها الزّيادة السّابقة ـ والمطلق في رواية يحمل على المقيد، إذا كان في قصة واحدة كما في هذا)) (١) !! قلت: والعجب من عجبها! فهذه الزّيادة مدرجة في الحديث عند النسائي، ووهم بعض الرواة فيها، وهي في ((صحيح مسلم)) وغيره من كلام بعض الرواة على الاحتمال والظنّ، وليست في متن الحديث (٢) .

стр. 411

والصحيح، الذي عليه الدّليل الصّريح: مشروعية الجمع بين الصّلاتين في الحضر للعذر والحاجة، كما قدّمنا. قال القاضي ابن العربي المالكي: ((لا يطمئنّ إلى الجمع ولا يفعله إلا جماعة مطمئنّة النّفوس بالسنّة كما لا يكع (٢) عنه إلا أهل الجفاء والبداوة)) (٣) . وبعد بيان الفرق الجوهري بيننا ـ معشر أهل السنّة والجماعة ـ والشّيعة في مشروعية الجمع، والإِلماع إلى الرّد على مانعي الجمع في الحضر، نبيِّنُ أخطاء المصلّين، علماً بأن كثيراً منها أقوال مرجوحة لبعض الفقهاء، وقد استوفيتُ الآراء والرّد على المخالف منها للسنّة في كتابي ((الجمع بين الصّلاتين في الحضر بعذر المطر)) ، وسأكتفي هنا بالتّنبيه على الخطأ، وبيان الأدلة. * اشتراط نية الجمع عند تكبيرة الإِحرام أو قبل التحلّل من الصّلاة الأُولى. [٣/٦٥] الصحيح عند المحققين من العلماء: أن نية الجمع تكفي بعد التحلل من الصّلاة الأُولى قبل الإِحرام بالثّانية. وهذا مخالف لمن يشترط لمشروعية الجمع النّية عند تكبيرة الإحرام الأولى. أو قبل التحلل من الصلاة الأولى! وذلك لأن المجموعتين ـ عندهم ـ عبادة واحدة، فتجب لهما نيّة واحدة، قبل ـ أو في ـ الأولى منهما. والظّاهر أن المجموعتين عبادتان مختلفتان، ولذلك يجوز الفصل اليسير بينهما، عند جمهور القائلين بمشروعيّة الجمع بين الصلاتين. والجمع هو ضم الثانية إلى الأولى، فإذا تقدّمت النيّة على حالة الضّم،

стр. 412

حصل الغرض، وإلى هذا ذهب: المزني وخرّجه قولاً للشافعي (١) ، وبه قال بعض أصحاب الشافعي، وقوّاه النووي (٢) ، ورجَحه السّراج البُلْقيني، وتبعه تلميذه ابن حجر العسقلاني (٣) . وهذا ما رجّحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (٤) . والأدلة على رجحان هذا الرأي ما يلي: أولاً: لما جمع رسول الله ﷺ بأصحابه لم يعلمهم أنه سيجمع قبل الدخول، بل لم يكونوا يعلمون أنه يجمع حتى يقضي الصّلاة الأولى، فعلم أن الجمع لا يفتقر إلى أن ينوي حين الشروع في الأولى. قال ابن تيمية: ((إن النبي ﷺ لما كان يصلي بأصحابه جمعاً وقصراً لم يكن يأمر أحداً منهم بنية الجمع والقصر، بل خرج من المدينة إلى مكة يصلّي ركعتين من غير جمع، ثم صلى بهم الظهر بعرفة، ولم يعلمهم أنه يريد أن يصلي العصر بعدها، ثم صلى بهم العصر، ولم يكونوا نووا الجمع، وهذا جمع تقديم، وكذلك لما خرج من المدينة، صلّى بهم بذي الحليفة ركعتين، لم يأمرهم بنية القصر)) (٥) . وقال أيضاً: ((إن النبي ﷺ لما خرج في خرج في حجّته، صلّى بهم الظّهر بالمدينة أربعاً، وصلّى

стр. 413

بهم العصر بذي الحليفة ركعتين، وخلفه أمم لا يحصي عددهم إلا الله، كلهم خرجوا يحجّون معه، وكثير منهم لا يعرف صلاة السفر، إما لحدوث عهده بالإسلام، أما لكونه لم يسافر بعد، لاسيّما النّساء، صلوا معه، ولم يأمرهم بنية القصر، وكذلك جمع بهم بعرفة، ولم يقل لهم: إني أريد أن أصلي العصر بعد الظهر، حين صلاها)) (٦) . وقال ابن حجر العسقلاني: ((ويقوّي ذلك: أنه ﵊ جمع في غزوة تبوك ، ولم يذكر ذلك للمأمومين الذين معه، ولو كان شرطاً لأعلمهم به)) (١) . ثانياً: في ((الصحيحين)) : أنه ﷺ لما صلّى إحدى صلاتي العشي، وسلّم في اثنتين، قال له ذو اليدين: أقصرت الصّلاة أم نسيت؟ قال: لم أنس ولم تقصر. قال: بلى، قد نسيت. قال: أكما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم، فأتمَّ الصّلاة (٢) . فلوا كان القصر لا يجوز إلا إذا نووه، لبيّن ذلك، ولكانوا يعلمون ذلك (٣) ، والجمع مثل القصر في هذا الجانب.

стр. 414

ثالثاً: ويستدلّ بهذا الحديث على جواز نية الجمع عند الإحرام بالثّانية من وجه آخر. قال المزني رحمه الله تعالى. ((والقياس عندي إن سلّم ولم ينو الجمع، فجمع في قرب ما سلّم، بقدر ما لو أراد الجمع، كأن ذلك فصلاً قريباً بينهما، أن له الجمع، لأنه لا يكون جمع الصّلاتين إلا وبينها انفصال، فكذلك كل جمع، وكذلك كل مَنْ سها، فسلّم من اثنين، فلم يطل فصل ما بينهما، أنه يتم كما أتمّ النبي ﷺ وقد فصل، ولم يكن ذلك قطعاً لاتّصال الصّلاة في الحكم، فكذلك عندي: إيصال جمع الصّلاتين، أن لا يكون التّفريق بينهما إلا بمقدار مالا يطول)) (٤) . رابعاً: ولم يعلم عن أحد من الصّحابة والتّابعين لهم بإحسان أنه اشتراط نيةّ، لا في قصر ولا في جمع. قال ابن تيمية: ((ولم ينقل قط أحد عن النبي ﷺ أنه أمر أصحابه لا بنية قصر، ولا بنية جمع، ولا كان خلفاؤه وأصحابه يأمرون بذلك مَنْ يصلّي خلفهم)) (٥) . يعلم مما تقدّم: [٤/٦٥] خطأ مانعي المسبوق من الجمع، إن جاء للصّلاة، ولم يعلم أن الإمام سيجمع بين الصّلاتين أم لا، لأنه لم ينو الجمع عند تكبيرة الإحرام للصلاة الأولى، أو قبل التحلل منها وكذلك خطأ من يكتبون على لوحة تعلق على باب المسجد أو على مكان فيه، عبارة ((سيجمع الإمام)) أو نحوها كما رأيته في بعض المساجد، وكذلك اشتراط إعلام الإمام المأمومين الجمع، كقوله إذا نوى: الجمع بين الصلاتين! وكل ما مضى ينافي رخصة الجمع، التي تتجلى فيها رحمة الله

стр. 415

سبحانه بخلفه، إذا أدخل اليسر عليهم فيها، ولكن يأبى نفرّ من النّاس إلا الحرج والتضييق والمشقة!! * منع الجمع بين صلاتي الظهر والعصر في الحضر: [٥/٦٥] ذهب بعض الفقهاء إلى مشروعية الجمع بين الصلاتين بين المغرب والعشاء فحسب، ومنعوه بين الظهر والعصر لعدم صحة قياسه عليهما، لما في المغرب والعشاء من المشقة لأجل الظّلمة والمطر، ولعدم صحة قياسه أيضاً على السفر لأن مشقته لأجل السير وفوات الرّفقة، وهو غير موجود فيه، وتعجّل بعضهم حين قال: لأن مستند الجمع لم يرد إلا في المغرب والعشاء!! وذهب إلى مشروعية الجمع بين الظهر والعصر الإمام الشافعي، وعدّل الإمام مالكاً في تفريقه بين صلاة النّهار في ذلك وصلاة الليل، لأنه روى الحديث وتأوّله ـ أي خصص عمومه من جهة القياس ـ وذلك أنه قال في قول ابن عباس: ((جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف وسفر)) : أُرى (١) ذلك كان في المطر (٢) . فقال الشافعي: فلم يأخذ مالك بعموم الحديث ولا بتأويله ـ أعني: تخصيصه ـ بل ردَّ بعضه وتأوّل، وذلك شيء لا يجوز بإجماع، وذلك أنه لم يأخذ بقوله فيه ((جمع بين الظهر والعصر)) وأخذ بقوله: ((والمغرب والعشاء)) وتأوّله (٣) . قال السبكي: ((مع تفسير مالك: يقتضي إباحة الجمع بين الظّهر والعصر وبين المغرب

стр. 416

والعشاء لضرورة المطر)) (٤) . وإذا ثبت هذا الجمع في حديث ابن عباس السابق، فلسنا بحاجةٍ إلى قياس، إذ لا اجتهاد في مورد النّص،كما هو مقرر عند الأصوليين. واختار مشروعية الجمع بين الظهر والعصر في الحضر من الحنابلة: القاضي وأبو الخطاب وابن تيمية، ولم يذكر ابنُ هبيرة عن أحمد غيره، وجزم به في ((نهاية ابن رزين)) و ((نظمها)) و ((التسهيل)) وصححه في المذهب، وقدّمه في ((الخلاصة)) و ((إدراك الغاية)) و ((مسبوك الذهب)) و ((المستوعب)) و ((التلخيص)) و ((البلغة)) و ((خصال ابن البنا)) والطوفي في ((شرح الخرقي)) و ((الحاويين)) (١) . * منع الجمع بين الصلاتين في الحضر إلا عند نزول المطر: [٦/٦٥] نسمع كثيراً عند همّ الإمام بالجمع بين الصلاتين في الليالي الباردة من كثير من المصلّين، تلك العبارة التي يعتبرونها فبصلاً بين الحالات التي يشرع فيها الجمع ويمنع، وهي: ((إذا كانت السماء منهلة، والأرض مبتلّة، جاز الجمع)) ففي هذه العبارة: حصر مشروعية الجمع في حالة نزول المطر. واعتمد القائلون بهذا على رواية مالك عن أبي الزّبير المكي عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف ولا سفر. قال مالك: أُرى ذلك كان في مطر (٢) .

стр. 417

ولكن تابع مالكاً: زهير، وزاد: ((بالمدينة. قال أبو الزبير: فسألت سعيداً: لم فعل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألتني؟ فقال: أردا أن لا يحرج أحداً من أُمته)) (٣) . وتابع أبا الزّبير: حبيب بن أبي ثابت، إلا أنه قال: ((مطر)) بدل ((سفر)) (٤) . وتابعه عمرو بن هرم عن سعيد بلفظ: أن ابن عباس جمع بين الظهر والعصر من شغل، وزعم ابن عباس أنه صلى مع رسول الله ﷺ بالمدينة الظهر والعصر جميعاً (١) . ورواه قتادة قال: سمعت جابر بن زيد عن ابن عباس قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر قيل لابن عباس: وما أراد لذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أُمته (٢) .

стр. 418

ورواه عن جابر بن زيد ـ وكنيته أبو الشعثاء ـ عمرو بن دينار مختصراً، بلفظ: ((أن النبي ﷺ صلّى بالمدينة سبعاً وثمانياً، الظهر والعصر، المغرب والعشاء)) (٣) . ورواية قتادة عن أبي الشّعثاء ترجّح رواية حبيب بن أبي ثابت، بلفظ (مطر) بدل (سفر) ولم تقع هذه الرواية للبيهقي، فرجّح رواية أبي الزّبير المخالفة لها بلفظ (سفر) برواية عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء هذه التي ليس فيها لفظ من اللفظين!! وتقديم رواية أبي الزبير على رواية حبيب بن أبي ثابت لا وجه له، فإن حبيباً من رجال الصحيحين، كما في ((الجمع بين رجال الصحيحين)) (١/٩٧) فهو أحقّ بالتقديم من أبي الزبير، وأبو الزبير من أفراد مسلم، كما في ((تهذيب التهذيب)) : (٩/٣٩٠) . وأيضاً فأبو الزبير اختلف عنه عن سعيد بن جبير في المتن، تارة يجعل ذلك في السفر، كما رواه عنه قرة موافقة لحديث أبي الزبير عن أبي الطفيل، وتارة يجعل ذلك في المدينة، كما رواه الأكثر ون عنه عن سعيد (٤) . وعلية: فالراجح رواية ((في غير خوف ولا مطر)) . ويتأيّد ذلك برواية (المدينة) فإن هذا اللفظ معناه (في غير سفر) فذكر هذه العبارة مرة أخرى، لا فائدة منها، بل هو تحصيل حاصل، بخلاف قوله (في غير مطر) ففيه تنبيه إلى معنى لا يستفاد إلا به، فتأمّل. قال ابن تيمية:

стр. 419

((وقوله (بالمدينة) يدل على أنه لم يكن في السفر، فقوله (جمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر) أولى من أن يُقال: (من غير خوف ولاسفر)) ) (١) . والظّاهر من سياق الحديث أن الجمع المرفوع إلى النبي ﷺ إنما كان في الحضر، وإلا لم يصح احتجاج ابن عباس به على الرجل، كما في رواية عبد الله بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس بالبصرة يوماً بعد العصر، حتى غربت الشمس، وبدت النّجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة. قال: فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني: الصلاة الصلاة. فقال ابن عباس: أتعلمني السنّة، لا أمّ لك؟! ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيتُ أبا هريرة، فسألتُه، فصدّق مقالته (٢) . ويؤكّد ذلك أيضاً: جواب ابن عباس: ((أراد أن لا يحرج أحداً من أُمته)) ولو كان ثم مطر من أجله جمع بينهما رسول الله ﷺ ، لذكره ابن عباس عن السبب الذي جمع بينهما، فلما لم يذكره، وأخبر بأنه أراد أن لا يحرج أُمته، دلّ على أن جمعه كان في غير حال المطر، وغير جائز دفع يقين ابن عباس مع حضوره، بشك مالك (٣) . وعليه: فيجوز الجمع من أجل المطر والخوف، لأن قول ابن عباس: جمع

стр. 420

من غير كذا ولا كذا، ليس نفياً منه للجمع بتلك الأسباب، بل إثبات منه، لأنه جمع بدونها، وإن كان قد جمع بها أيضاً، ولو لم ينقل إلينا أنه جمع بها، فجمعه بما هو دونها دليل على الجمع بها بطريق الأولى، فيدل ذلك على الجمع للخوف والمطر، وقد جمع بعرفة ومزدلفة من غير خوف ولا مطر (٤) . ولكن مشروعية الجمع بين الصلاتين ليست محصورةً في هذين العذرين، فهي تشمل الجمع للوحَل (١) والبرد والثلج والمرض والريح الشديدة، بل لمطلق العذر والحاجة، وهذا مذهب جماعة من المحققين ـ كما قدمنا ـ وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل. قال ابن تيمية: ((وأوسع المذاهب في الجمع بين الصلاتين مذهب الإمام أحمد فإنه نص على أنه يجوز للحرج والشغل)) . وقيّد هذا الشغل بكلام القاضي أبي يعلى، فقال ﵀: ((قال القاضي أبو يعلى وغيره من أصحابنا: يعني إذا كان هناك شغل يبيح له ترك الجمعة والجماعة جاز له ذلك)) (٢) . ومنه: تعلم خطأ مَنْ يصرّون على فتح نوافذ المسجد فبل إحرام الإمام بالجمع بين الصلاتين، ليعلموا هل ينزل المطر أم لا، بناء على شرط بعض الفقهاء: أن الجمع لا يشرع إلا عند قيام المطر، وقت افتتاح الصّلاتين المجموعتين!! . * منع مَنْ كان بيُته قريباً من المسجد من الجمع بين الصلاتين في الحضر.

стр. 421

[٧/٦٥] نصّ بعض أصحاب الشافعي أن الجمع بين الصلاتين في الحضر مخصوص لمن يصلّي في مسجد يأتيه من بُعْدٍ، ويتأذّى بالمطر من إتيانه، وأما من مشى إلى المسجد في كِنّ (٣) ، أو كان المسجدُ في باب داره، فلا يصح الجمع لهم. واستثنوا من ذلك الإمام الراتب، لأنه يلزم من عدم إمامته تعطيل الجماعة (٤) . والصّواب: أنه يجوز ـ للإمام ولغير الإمام ـ الجمعُ في هذه الحالة. سئل الإمام مالك عن القوم يكون بعضُهم قريبَ المنزل من المسجد، إذا خرج منه دخل إلى المسجد من ساعته، وإذا خرج من المسجد إلى منزله مثل ذلك، يدخل منزله مكانه، ومنهم البعيد المنزل من المسجد، أترى أن يجمعوا بين الصلاتين كلهم في المطر؟ فقال: ما رأيتُ الناس إذا جمعوا إلا القريب والبعيد، فهم سواء يجمعون. قيل: ماذا. فقال: إذا جمعوا جمع القريب منهم والبعيد (٥) . قال محمد بن رشد، معقباً عليه: ((وهذا كما قال، لأن الجمع إذا جاز من أجل المشقة التي تدخل على مَنْ بَعُد، دخل معهم مَنْ قَرُب، إذ لا يصح لهم أن ينفردوا دونهم، فيصلّوا كل صلاة في وقتها جماعة، لما في ذلك من تفريق الجماعة، ولا أن يتركوا الصلاة في جماعة)) (١) . وهذا مذهب الحنابلة، فقد نصوا على جواز الجمع لمن يصلّي في مسجد

стр. 422

طريقة تحت ساباط (٢) ، أو بينه وبينه خطرات يسيرة، وهذا ظاهر كلام الإمام أحمد، قاله القاضي،لأن الرخصة العامة يستوي فيها حال وجود المشقة وعدمها، كالسفر، ولأنه قد روي أن النبي ﷺ جمع في المطر، وليس بين حجرته والمسجد شيء (٣) . وأجاب المانعون عن جمع النبي ﷺ في بيوت أزواجه، وهي قريبة من المسجد: بأن بيوت أزواجه ﷺ تسعة، وكانت مختلفة، منها بيت عائشة، بابه إلى المسجد، ومعظمها بخلاف ذلك، فلعلّه ﷺ في حال جمعه لم يكن في بيت عائشة، وهذا ظاهر، فإن احتمال كونه ﷺ في الباقي أظهر من كونه في بيت عائشة ﵂ (٤) . وتعقب ابن حجر هذا الرأي، فقال: ((وهذا يحتاج إلى نقل، وقد وجد النّقل بخلافه، ففي ((الموطاً)) عن الثقة عنده: أن الناس كانوا يدخلون حجر أزواج النبي ﷺ بعد وفاته، يصلّون فيها الجمعة، وكان المسجد يضيق عن أهله، وحجر أزواج النبي ﷺ ليست من المسجد، ولكن أبوابها شارعة في المسجد)) (٥) . قلت: ويؤيّد كلام الحافظ ابن حجر حديثُ أم سلمة: أن رسول الله ﷺ استيقظ ليلة فزعاً، وقال:

стр. 423

(( ... من يوقظ أصحاب الحجرات)) (٦) يريد أزواجه، وهو ظاهر. ويرجّح ما ذهبنا إليه أيضاً: أولاً: أن لازم شرط المشي إلى المسجد، والتأذي فيه، منع مَنْ خرج إليه قبل وجود العذر، كالمطر ونحوه. وهذا لم يقل به أحد من الفقهاء، فيما أعلم. ثانياً: أن الإمام الشافعي قال: ((ويجمع من قليل المطر وكثيره، ولا يجمع إلا مَنْ خرج مِنْ بيته إلى المسجد، يجمع فيه، قرب المسجد أو كثر أهله أو قلوا أو بعدوا، ولا يجمع أحد في بيته، لأن النبي ﷺ جمع في المسجد، والمصلّي في بيته مخالف المصلي في المسجد)) (١) . فهذا النص مخالف لما عليه أصحابه، وهو نصه في ((الإملاء)) أيضاً (٢) . ثالثاً: الأصل في العبادات أن يجتمع المصلّون عليها ولا يتفرّقوا، حتى قال بعضهم: ((والجمع هو الأصل في العبادات، فمتى حصلت العبادة، ولم يحصل معها الجمع، فإنما هو عدم صدق، أو مرض في القلب، أو بدعة، أو عدم أدب، أو عجب ورياء، أو كبر)) (٣) . وفي منع القريبين من المسجد من الجمع، تفريق للعبادة، وعدم اجتماع عليها، ويقع بعضهم في جنس هذا الغلط في صور أخرى حال الجمع بين الصّلاتين، أذكر منها صورتين: * الجمع بعد جمع الإمام الراتب:

стр. 424

[٨/٦٥] يتأخر فريق من المصلّين عن صلاة الجماعة، وعند حضورهم المسجد، وعلمهم بأن الإمام قد جمع بين الصلاتين، فيجتمعون ليجمعوا بعد جمع الإمام الراتب. وقد سبق أن ذكرنا في مبحث ((جماع أخطاء المصلّين في المسجد وصلاة الجماعة)) خطأ صلاة الجماعة الثانية، وما قلناه هناك، يُقال هنا، إلا أنا نضيف هنا نصوص العلماء في هذا الخطأ، فنقول، وعلى الله الاعتماد والتّكلان: قال الشيخ علي العدوي: ((والحاصل أنه إذا وجدهم فرغوا، فلا يجوز أن يجمع لنفسه، ولا مع جماعة بإمام، لأن فيه إعادة جماعة بعد الرّاتب، فلو جمعوا فلا إعادة عليهم)) (٤) . وقال الدسوقي: ((اعلم أنه إذا وجدهم فرغوا من صلاة العشاء، فكما لا يجوز له أن يجمع لنفسه، لا يجوز له أن يجمع مع جماعة أخرى في ذلك المسجد، لما فيه من إعادة جماعة بعد الراتب، فلو جمعوا فلا إعادة عليهم)) (٥) . وقال الونشريسي: سألت الشيخ أبا عبد الله محمد بن قاسم القوري ﵀ عن جماعةٍ جمعت في مسجدٍ بعد جمع إمامه الراتب، هل جمعهما صحيح؟ فأجابني ما نصُّهُ: الجمع صحيح، ولا خلل فيه، ولا موجب إعادة، وغاية ما يُقال: الكراهة على المشهور (١) . وهذا مقتضى مذهب المانعين للجماعة الثانية، وهو مذهب الجمهور، كما قدمنا.

стр. 425

* المكث في المسجد حتى دخول وقت الصلاة الثانية وصلاة الناس ـ الذين لم يجمعوا ـ جماعة، وعدم القيام للصلاة معهم بحجّة الجمع بين الصّلاتين. [٩/٦٥] يجمع بعضُ المصلّين بين الصَّلاتين، ويمكثون في المسجد، حتى يدخل وقتُ الصّلاة الثانية، ويُنادى لها، ويجتمع المصلّون ـ الذين لم يجمعوا مع الإمام الراتب ـ ويصلّون جماعة، وهم جلوس، يتحدّثون، ولا يقومون لصلاة الجماعة معهم، ولئن سألتهم: لم لا تصلّون؟ قالوا: جمعنا مع الإمام!! وهذا الصِّنف من المصلّين، يقع في ثلاثة أخطاء: الأوّل: التشويش على المصلين. الثاني: عدم الانصراف من المسجد بعد انتهاء الجمع بين الصّلاتين. الثالث: تركهم الصّلاة جماعة. وقد صح عن يزيد بن الأسود: أنه صلى مع رسول الله ﷺ ، وهو غلام شاب، فلما صلّى، فإذا رجلان لم يصلّيا في ناحية المسجد، فدعا بهما، فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصلّيا معنا؟ قالا: قد صلّينا في رحالنا. فقال: لا تفعلوا، إذا صلّى أحدًكم في رحله، ثم أدرك الإمام ولم يصلّ، فليصلّ معه، فإنّها له نافلة (٢) . [١٠/٦٥] وبعضهم يضيف خطأ آخر إلى الأخطاء السابقة، إذ يقوم وينصرف
следующие страницы →