← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

والحمد لله كثيراً، والحمد لله كثيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، ثلاثاً، أعوذ بالله من الشيطان، من نفخه ونفثه وهمزه)) . رواه أبوداود، وابن ماجه، إلا أنه لم يذكر: والحمد لله كثيراً. وذكر في آخره: من الشيطان الرجيم. وقال عمر: ــ إثبات الزيادة في صفته بالنسبة إلى غيره بعد المشاركة؛ لأنه لا يساويه أحد في أصل الكبرياء. (كثيراً) صفة لمحذوف مقدر، أي حمدا كثيراً. (بكرة وأصيلاً) أي في أول النهار وآخره، منصوبان على الظرفية، والعامل: "سبحان" وخص هذين الوقتين لاجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما، كذا ذكره الأبهري وصاحب المفاتيح. ويمكن أن يكون وجه التخصيص تنزيه الله تعالى عن التغير في أوقات تغير الكون. وقال الطيبي: الأظهر أن يراد بها الدوام كما في قوله تعالى: ﴿ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً﴾ [١٩: ٦٢] . (ثلاثاً) كالذي قبله. (من نفخه) بدل اشتمال أي من تكبره يعني مما يأمر الناس به من التكبر. (ونفثه) أي مما يأمر الناس به من إنشاء الشعر المذموم مما فيه هجو مسلم أو كفر أو فسق. والنفث في اللغة قذف الريق، وهو أقل من التفل. والنفخ في اللغة إخراج الريح من الفم ونفخها في الشيء. (وهمزه) أي من جعله أحداً مجنوناً بنخسه وغمزه. كل من الثلاثة بفتح فسكون. قال التوربشتي: النفخ كناية عما يسوله الشيطان للإنسان من الاستكبار والخيلاء، فيتعاظم في نفسه كالذي نفخ فيه، ولهذا قال- ﵇ للذي رآه قد استطار غضبا: نفخ فيه الشيطان. قال: ولعل المراد من النفث السحر، فإنه أشبه لما شهد له التنزيل قال تعالى: ﴿ومن شر النفاثات في العقد﴾ [١١٣: ٤] وأما الهمز، فالأشبه أن يراد به ما يوسوس به، قال تعالى: ﴿وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين﴾ [٢٣: ٩٧] وهمزاته: خطراته التي يخطرها بقلب الإنسان. وقيل في معنى الآية: إن الشياطين يحثون أولياءهم على المعاصي ويغرونهم عليها، كما يهمز الركضة الدواب بالمهماز حثاً على المشي- انتهى مختصراً. (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً أحمد وابن حبان والحاكم، وابن حزم في المحلى. والحديث سكت عنه أبوداود، والمنذري. (وابن ماجه إلا أنه) أي ابن ماجه. (لم يذكر والحمد لله كثيراً) ولا يضر؛ لأنه زيادة ثقة لا تعارض المزيد عليه فتقبل، قاله القاري، لكن في النسخ الموجودة في سنن ابن ماجه الحاضرة عندنا هذه الزيادة موجودة. (وذكر في آخره من الشيطان الرجيم) أي المرجوم. وهي زيادة يعمل بها كذلك بأن يجمع بين الروايات بلحوق الزيادات، أو باعتبار التارات. قال الحافظ في التلخيص. (ص٨٦) بعد ذكر الحديث بلفظ ابن حبان مع هذه الزيادة: ولفظ الحاكم نحوه، وحكى ابن خزيمة الاختلاف فيه، وقد أوضحت طرقه في المدرج- انتهى. (وقال عمر) صوابه: "عمرو" بالواو كما صرح به صريحاً في رواية ابن ماجه، وهو عمرو بن مرة أحد رواة إسناد هذا الحديث. وروى ابن ماجه أيضاً نحو حديث أبي سعيد مختصراً من حديث ابن مسعود، وفي آخر هذا التفسير أيضاً مصدراً بلفظ: "قال" ولم يبين القائل، والظاهر أنه أحد رواة الإسناد.

стр. 1017

نفخه الكبر، ونفثه الشعر، وهمزه المؤتة. ٨٢٤- (٧) وعن سمرة بن جندب: ((أنه حفظ عن رسول الله ﷺ سكتتين: سكتة إذا كبر، ــ وعمرو بن مرة هو عمرو بن مرة بن عبد الله بن طارق الجملي- بفتح الجيم والميم- المرادي، أبوعبد الله الكوفي الأعمى، ثقة عابد، كان لا يدلس، ورمي بالإرجاء، من رواة الكتب الستة. مات سنة (١١٠) وقيل قبلها. (نفخه) بالرفع على الإعراب، وبالجر على الحكاية. (الكبر) بكسر فسكون، أي التكبر، وهو أن يصير الإنسان معظماً كبيراً عند نفسه، ولا حقيقة له إلا مثل الشيطان نفخ فيه فانتفخ فرأى انتفاخه مما يستحق به التعظيم مع أنه على العكس. قال الزمخشري في الفائق: إنما سمي الكبر نفخاً لما يوسوس إليه الشيطان في نفسه فيعظمها ويحقر الناس في عينه. (ونفثه الشعر) فإنه ينفثه من فيه كالرقية. والمراد الشعر المذموم وإلا فقد جاء: "إن من الشعر لحكمة". وقيل: إنما كان الشعر من نفثة الشيطان؛ لأنه يدعو الشعراء المداحين الهجائين المعظمين المحقرين إلى ذلك. (وهمزه المؤتة) بضم الميم وهمزة ساكنة، وقيل: بلا همز، بعدها مثناة فوقية، نوع من الجنون والصرع يعتري الإنسان، فإذا أفاق عاد عليه كمال عقله. وقال أبوعبيدة: المؤتة الجنون، سماه همزاً؛ لأنه جعله من النخس والغمز، وكل شيء دفعته فقد همزته. قال ابن سيد الناس: وتفسير الثلاثة بذلك من باب المجاز- انتهى. والحديث يدل على مشروعية الافتتاح بما ذكر فيه. وفيه أيضاً مشروعية التعوذ من الشيطان من نفخه ونفثه وهمزه، وقد ورد في التعوذ أحاديث أخرى: منها حديث أبي سعيد، وقد ذكرنا لفظه، ومنها حديث أبي أمامة أخرجه أحمد بنحو حديث أبي سعيد. ومنها حديث ابن مسعود أخرجه ابن ماجه وابن خزيمة والحاكم والبيهقي. ومنها حديث أنس أخرجه الدارقطني. ومنها ما روي عن عمر موقوفاً عند الدارقطني أيضاً، هذا مع ما يؤيد ثبوت هذه السنة من عموم قوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾ [١٦: ٩٨] . ثم إن حديث أبي سعيد مصرح بأن التعوذ المذكور يكون بعد الافتتاح بالدعاء المذكور في الحديث. قال الشوكاني: الأحاديث الواردة في التعوذ ليس فيها إلا أنه فعل ذلك في الركعة الأولى. وقد ذهب الحسن وعطاء وإبراهيم إلى استحبابه في كل ركعة، محتجين بعموم قوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾ ولا شك أن الآية تدل على مشروعية الاستعاذة قبل قراءة القرآن، وهي أعم من أن يكون القاري خارج الصلاة أو داخلها. وأحاديث النهي عن الكلام في الصلاة تدل على المنع منه حال الصلاة من غير فرق بين الاستعاذة وغيرها مما لم يرد به دليل يخصه، ولا وقع الإذن بخسه، فالأحوط الاقتصار على ما وردت به السنة، وهو الاستعاذة قبل قراءة الركعة الأولى فقط. وسيأتي حديث أبي هريرة الدال على ذلك. ٨٢٤- قوله: (سكتة إذا كبر) أي للإحرام، وكانت هذه السكتة لدعاء الاستفتاح كما وقع بيانها في حديث أبي هريرة السابق أنه ﷺ كان يسكت بيت التكبير والقراءة، يقول: اللهم باعد بيني، الخ. فالمراد من السكتة ههنا

стр. 1018

وسكتة إذا فرغ من قراءة. ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فصدقه أبي بن كعب. رواه أبوداود، وروى الترمذي، وابن ماجه، والدارمي نحوه. ــ السكوت عن الجهر وترك رفع الصوت؛ لأنها لم تكن مجردة خالية عن الذكر. (وسكتة إذا فرغ من قراءة غير المغضوب عليهم ولا الضالين) هذه السكتة الثانية كانت ليتراد إليه نفسه وليعلم المأمومون أن لفظة آمين ليست من القرآن، أي للتمييز بين الفاتحة وآمين لئلا يشتبه غير القرآن بالقرآن، وهي أخف من السكتة الأولى. واستدل بعض الحنفية بهذا الحديث على الإسرار بالتأمين والإخفاء به. قال: الأظهر أن السكتة الثانية كانت للتأمين سرا. والجواب عنه بأن السكتة الثانية لم تكن للتأمين سراً؛ لأنه ﷺ كان يجهر بالتأمين ويرفع صوته بآمين، ولم يثبت عنه ﷺ الإسرار بالتأمين، فكيف يقال إنها كانت للتأمين سراً، بل السكتة الثانية كانت ليتراد إليه نفسه وليستريح، وليعلم المأموم أن لفظة آمين ليست من القرآن. قال زين العرب: الغرض من هذه السكتة أن يقرأ المأموم الفاتحة ويرجع الإمام إلى التنفس والاستراحة- انتهى. وقال ابن حزم في المحلي. (ج٤: ص٩٧) : يقرأ المأموم في السكتة الأولى أم القرآن فمن فاتته قرأ في السكتة الثانية. وفي رواية لأبي داود: أنه كان يسكت سكتتين: إذا استفتح الصلاة، وإذا فرغ من القراءة كلها. وفي أخرى: إذا فرغ من فاتحة الكتاب وسورة عند الركوع، أي قبل الركوع عند الفراغ من القراءة كلها. ولا مخالفة بينهما، بل يحصل من مجموعهما ثلاث سكتات: بعد الإحرام، وبعد الفاتحة، وبعد السورة عند الركوع، أي ليتراد إليه نفسه. قيل: والثالثة أخف من السكتتين اللتين قبلهما، وذلك بمقدار ما تنفصل القراءة عن التكبير، فقد نهى رسول الله ﷺ عن الوصل فيه. وقال القاري: وكأن المراد بالسكتات الزيادة على حد التنفس في أواخر الآيات، إذ ثبت عنه- ﵇ -كان يقرأ الحمد لله رب العالمين فيقف، وهكذا على رؤس الآي. وأما إطلاق القراء السكتة على الوقف بلا تنفس فمبني على اصطلاحهم- انتهى. وهذه السكتات الثلاث قد ذهب إلى مشروعيتها الشافعي وأحمد وإسحاق والأوزاعي، وعند أبي حنيفة ومالك لا سكتة إلا الأولى. (فصدقه) من التصديق. (أبي بن كعب) الأنصاري الخزرجي سيد القراء، كتب الوحي، وشهد بدراً وما بعدها، وكان ممن جمع القرآن، أي وافق أبي سمرة، وقال صدق سمرة، - بالتخفيف- وحاصل القصة أنه وقع الاختلاف بين سمرة وعمران بن حصين في سكتتي الصلاة، قال سمرة: حفظت سكتتين، وأنكر ذلك عمران، وقال حفظت سكتة، وكانا إذ ذاك بالبصرة، فكتبا في ذلك إلى أبيّ بن كعب بالمدينة، فكتب أبيّ أن حفظ سمرة. (رواه أبوداود) أي بهذا اللفظ. (وروى الترمذي وابن ماجه والدارمي نحوه) أي معناه، وأخرجه أيضاً أحمد، وابن حبان في صحيحه، والبيهقي والحاكم كلهم من طريق الحسن البصري عن سمرة. وقد اختلف في سماع الحسن من سمرة، وقد تقدم في باب الغسل المسنون أن رواية الحسن عن سمرة محمولة على الاتصال عند

стр. 1019

٨٢٥- (٨) وعن أبي هريرة، قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين، ولم يسكت)) هكذا في صحيح مسلم، وذكره الحميدى في أفراده. وكذا صاحب الجامع عن مسلم وحده. ﴿الفصل الثالث﴾ ٨٢٦- (٩) عن جابر، قال: ((كان النبي ﷺ إذا استفتح الصلاة كبر، ثم قال: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت ــ ابن المديني كما نقله عنه البخاري، وما ذكر في هذا الحديث من الاختلاف بين سمرة وعمران في السكتتين هو حكاية من الحسن عن سمرة سماعاً منه، لا أنه كان حاضراً حينما جرى بين سمرة وعمران هذا الاختلاف. والحديث قد حسنه الترمذي. قال الشوكاني: وقد صحح الترمذي حديث الحسن عن سمرة في مواضع من سننه، منها حديث: (نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسئة) ، وحديث: (جار الدار أحق بدار الجار) ، وحديث: (لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضب الله ولا بالنار) ، وحديث: (الصلاة الوسطى صلاة العصر) ، فكان هذا الحديث على مقتضى تصرفه جديراً بالتصحيح، وقد قال الدارقطني: رواة الحديث كلهم ثقات- انتهى. وقيل: إنما حسنه الترمذي للخلاف في سماع الحسن من سمرة، والله أعلم. ٨٢٠- قوله: (إذا نهض) أي قام. (من الركعة الثانية) أي من أجلها. (استفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين) المراد السورة المختصة، فلا يدل على أن البسملة ليست منها، قاله الطيبي. (ولم يسكت) أي للثناء ودعاء الاستفتاح والتعوذ. قال الشوكاني: الحديث يدل على عدم مشروعية السكتة قبل القراءة في الركعة الثانية، وكذلك عدم مشروعية التعوذ فيها، وحكم ما بعدها من الركعات حكمها، فتكون السكتة قبل القراءة مختصة بالركعة الأولى، وكذلك التعوذ قبلها، وقد رجح صاحب الهدي الاقتصار على التعوذ في الأولى لهذا الحديث واستدل لذلك بأدلة فليراجع. (هكذا في صحيح مسلم، وذكره الحميدي في إفراده) أي في مفردات مسلم ومختصاته. (وكذا صاحب الجامع) أي للأصول وهو ابن الأثير. (عن مسلم وحده) فإيراد صاحب المصابيح هذا الحديث في الفصل الثاني دون الفصل الأول غير مناسب لقاعدته. قال ميرك: والعجب أن الحاكم أخرجه في مستدركه (ج١: ص٢١٥، ٢١٦) وقال: على شرطهما، وأقره الذهبي فلم يستدركه. قال القاري: لعل الحاكم رواه بسند غير سند مسلم، وكان رجاله على شرطهما- انتهى. وأخرج النسائي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كانت له سكتة إذا افتتح الصلاة، وفيه إشارة إلى أن السكتة إنما هي في الركعة الأولى عند افتتاحها. ٨٢٦- قوله: (إذا استفتح الصلاة كبر) أي للتحريمة. (ومحياي ومماتي) أي أحوالي فيهما. (وبذلك) أي

стр. 1020

وأنا أول المسلمين. اللهم اهدني لأحسن الأعمال، وأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وقني سيء الأعمال، وسيء الأخلاق، لا يقي سيئها إلا أنت)) رواه النسائي. ٨٢٧- (١٠) وعن محمد بن مسلمة: ((أن رسول الله ﷺ كان إذا قام يصلي تطوعاً، قال: الله أكبر، وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً، وما أنا من المشركين)) . وذكر الحديث مثل حديث جابر، إلا أنه ــ الإخلاص. (وأنا أول المسلمين) كذا في جميع النسخ الموجودة عندنا. وفي النسائي: "وأنا من المسلمين"، وأما ما هنا "أول المسلمين" فهي رواية الدارقطني، وهي الصواب. قال الطيبي: هذا أي: "أنا أول المسلمين" لفظ التنزيل حكاية عن قول إبراهيم ﵊، وإنما قال: "لأن إسلام كل نبي مقدم على إسلام أمته- انتهى. والظاهر من القرآن أن نبينا ﵊ مأمور بهذا القول، فإنه تعالى قال له: ﴿قل إن صلاتي ونسكي﴾ [٦: ١٦٢] الآية، لكن كان يقول هذا تارة، و"أنا من المسلمين" أخرى تواضعاً حيث عد نفسه واحداً منهم، كما قال: احشرني في زمرة المساكين، قال القاري. (لا يهدي لأحسنها) أي المذكورات من النوعين. (وقني) بكسر القاف، أمر من وقى يقي. (سيء الأعمال) الخ. في العدول عن الأسوء المقابل للأحسن إلى السيء نكتة لا تخفى. (رواه النسائي) وأخرجه أيضاً الدارقطني. (ص١١٢) وسنده صحيح. ٨٢٧- قوله: (وعن محمد بن مسلمة) بفتح الميم واللام، ابن سلمة الأنصاري الحارثي الدوسي، أبوعبد الله المدني صحابي مشهور. قال ابن عبد البر: كان من أفضل الصحابة، وهو أحد الثلاثة الذين قتلوا كعب بن الأشرف، شهد المشاهد كلها إلا تبوك، واستخلفه النبي ﷺ في بعض غزواته على المدينة، ولم يشهد الجمل ولا صفين. وكان من الذين أسلموا على يد مصعب بن عمير، وهو أكبر من اسمه محمد من الصحابة، له ستة عشر حديثاً، انفرد له البخاري بحديث. مات بالمدينة سنة (٤٣) وقيل غير ذلك، وهو ابن (٧٧) سنة. وقال ابن شاهين عن أبي داود: قتله أهل الشام لكونه اعتزل عن معاوية في حروبه. (إذا قام يصلي تطوعاً) قال القاري: ظاهره يؤيد مذهبنا المختار أنه يقرأ: "بوجهت وجهي" في النوافل والسنن. وقال صاحب اللمعات: هو دليل على المخصوصية بالتطوع كما هو مذهبنا- انتهى. قلت: قد تقدم الجواب عن هذا الاستدلال فتذكر. قال شيخنا في أبكار المنن (ص١١٦) : ليس فيه دليل على المخصوصية بالتطوع، كيف وقد ثبت في أكثر روايات على أنه ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة قال وجهت وجهي، الخ. وقد تقدم ذكر هذه الروايات، على أنه لو كان في هذا دليل على المخصوصية بالتطوع لكان الدعاء الذي اختاره الحنفية للفرض أيضاً مخصوصاً بالتطوع، فإن الترمذي وأبا داود قد رويا عن أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل كبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك- الحديث. (وذكر) أي محمد بن مسلمة. (الحديث مثل حديث جابر، إلا أنه) أي محمداً.

стр. 1021

قال: وأنا من المسلمين. ثم قال: ((اللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك. ثم يقرأ)) رواه النسائي. (١٢) باب القراءة في الصلاة ﴿الفصل الأول﴾ ٨٢٨- (١) عن عبادة بن الصامت، قال: ((قال رسول الله ﷺ : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) ــ (قال: وأنا من المسلمين) بدل: "وأنا أول المسلمين" وفيه نظر؛ لأن النسخ الموجودة عندنا من سنن النسائي من طبعة الهند ومصر كلها مطبقة على عكس ما ذكره المصنف، فقوله: "وأنا من المسلمين" إنما هو في حديث جابر، لا في حديث محمد بن مسلمة، ولفظ ابن مسلمة: "وأنا أول المسلمين"، وهذا عكس ما قال المصنف، ولا أدري هل وقع الخطأ في نسخ سنن النسائي الموجودة الحاضرة عندنا أو زاغ بصر المصنف فأخطأ وسها في بيان الفرق بين الروايتين، الله أعلم. (ثم قال) أي رسول الله ﷺ (سبحانك وبحمدك) قال في اللمعات: اعلم أن: "سبحانك" مصدر مضاف مفعول مطلق للنوع أي أسبحك تسبيحاً لائقاً بجنابك الأقدس، والباء في: "بحمدك" للملابسة، والواو للعطف، والتقدير"وأسبحك تسبيحاً متلبساً بحمدك" فيكون المجموع في معنى: "سبحان الله والحمد لله" وهو أظهر الوجوه- انتهى. (رواه النسائي) . (باب القراءة في الصلاة) اعلم أن القراءة في الصلاة فرض عند جمهور علماء الأمة، فعند الشافعي ومالك وأحمد في المشهور، والصحيح من مذهبه في كلها، وعند الحنفية في الركعتين فقط. والحق ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة كما سيأتي. ثم الفرض عند الحنفية مطلق القراءة، والفاتحة ليست بفرض بل هي واجبة، يأثم من يتركها، وتجزئ الصلاة بدونها، وقالت الأئمة الثلاثة بتعيين الفاتحة، فهي فرض عندهم، لا تصح الصلاة بدونها، وهو الحق. قال ابن قدامة في المغني (ج١: ص٥٢٨) : يجب قراءة الفاتحة في كل ركعة في الصحيح من المذهب، وهذا مذهب مالك والأوزاعي والشافعي، وقال ابن حزم في المحلي (ج٣: ص٢٣٦) : وقراءة أم القرآن فرض في كل ركعة من كل صلاة إماماً كان أو مأموماً أو منفرداً، والفرض والتطوع سواء، والرجال والنساء سواء- انتهى. ٨٢٨- قوله. (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) أي فيها كما في مسند الحميدى ورواية البيهقي والإسماعيلي وأبي نعيم، وهذا يعين أن المراد قراءة الفاتحة في نفس الصلاة، وسميت فاتحة الكتاب؛ لأنه يبدأ بكتابتها في المصاحف، ويبدأ بقراءتها في الصلاة، وفاتحة كل شيء مبدأه الذي يفتح به ما بعده، افتتح فلان كذا ابتدأ به. قال ابن جرير في تفسيره (ج١: ص٣٥) : وسميت فاتحة الكتاب؛ لأنها يفتتح بكتابتها المصاحف ويقرأ بها في الصلاة فهي فواتح لما يتلوها من سور القرآن في الكتابة والقراءة، وسميت أم القرآن لتقدمها على سائر سور القرآن غيرها، وتأخر ما سواها خلفها ف القراءة والكتابة

стр. 1022

وذلك من معناها شبيه بمعنى فاتحة الكتاب، وإنما قيل لها لكونها كذلك أم القرآن تسمية العرب كل جامع أمراً أو مقدماً لأمر إذا كانت له توابع تتبعه، هو لها إمام جامع أماً – انتهى. وقال ابن منظور في لسان العرب. (ج١: ص٢٩٧) : وأم الكتاب فاتحة؛ لأنه يبتدأ بها في كل صلاة، قال: وجاء في الحديث أن أم الكتاب هي فاتحة الكتاب؛ لأنها هي المقدمة أمام كل سورة في جميع الصلوات، وابتدئ بها في المصحف فقدمت– انتهى. والحديث دليل على أن قراءة الفاتحة في الصلاة ركن من أركانها وفرض من فروضها، وأنه لا تصح صلاة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب فيها. قال الشاه ولي الله في حجته. (ج٢: ص٤) تحت قوله: الأمور التي لا بد منها في الصلاة: وما ذكره النبي ﷺ بلفظ الركنية كقوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وقوله: "لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود" وما سمي الشارع الصلاة به، فإنه تنبيه بليغ على كونه ركنا في الصلاة- انتهى. وحديث عبادة هذا رواه الدارقطني وابن خزيمة وابن حبان، وغيرهم بإسناد صحيح بلفظ: لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب. وهذه الرواية نص صريح في ركنية الفاتحة لا تحتمل تأويلاً. وأجاب من قال بعدم فرضية الفاتحة وهو الحنفية عن حديث الباب بأن المراد بالنفي في قوله: "لا صلاة" نفى الكمال، أي لا صلاة كاملة. ورد هذا الجواب بوجهين: الأول: أن رواية الدارقطني وغيره بلفظ: "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" لا تحتمل تأويلاً، بل هي تبطل تأويلهم هذا إبطالاً صريحاً؛ لأن النفي فيها نفي الإجزاء أي نفي الكفاية فلا يصح حملها على الكفاية مع نفى الكمال. والثاني: أن النفي في قوله: "لا صلاة" إما أن يراد به نفي الحقيقة، أو نفي الصحة أو نفى الكمال، فالأول حقيقة والثاني والثالث مجاز، والثاني أعني نفي الصحة أقرب المجازين إلى الحقيقة، والثالث أعني نفى الكمال أبعدهما، فحمل النفى على الحقيقة واجب إن أمكن، وإلا فحمله على أقرب المجازين واجب ومتعين، ومع إمكان الحقيقة أو أقرب المجازين، لا يجوز حمله على أبعد المجازين. قال الشوكاني: الحديث يدل على تعيين الفاتحة في الصلاة، وأنه لا يجزئ غيرها؛ لأن النفي المذكور في الحديث يتوجه إلى الذات إن أمكن انتفاءها، وإلا توجه إلى ما هو أقرب إلى الذات وهو الصحة، لا إلى الكمال؛ لأن الصحة أقرب المجازين، والكمال أبعدهما، والحمل على أقرب المجازين واجب، وتوجه النفي ههنا إلى الذات ممكن كما قال الحافظ في الفتح، لأن المراد بالصلاة معناها الشرعي لا اللغوي، لما تقرر من أن ألفاظ الشارع محمولة على عرفه لكونه بعث لتعريف الشرعيات لا لتعريف الموضوعات اللغوية، وإذا كان المنفي الصلاة الشرعية استقام نفي الذات؛ لأن المركب كما ينتفي بانتفاء جميع أجزائه ينتفي بانتفاء بعضها، فلا يحتاج إلى إضمار الصحة ولا الإجزاء ولا الكمال كما روى عن جماعة؛ لأنه إنما يحتاج إليه عند الضرورة، وهي عدم إمكان انتفاء الذات، ولو سلم أن المراد هنا الصلاة اللغوية فلا يمكن توجه النفي إلى الذات؛ لأنها قد وجدت في الخارج كما قاله البعض، لكان المتعين توجيه النفي إلى الصحة أو الإجزاء لا إلى الكمال، أما أولاً فلما ذكرناه، وأما ثانياً فرواية

стр. 1023

الدارقطني المذكورة في الحديث، فإنها مصرحة بالأجزاء فتعين تقديره- انتهى. وقال الحافظ: إن سلمنا تعذر الحمل على الحقيقة، فالحمل على أقرب المجازين إلى الحقيقة أولى من الحمل على أبعدهما، ونفي الإجزاء أقرب إلى نفي الحقيقة وهو السابق إلى الفهم، ولأنه يستلزم نفي الكمال من غير عكس، فيكون أولى ويؤيده رواية الإسماعيلي بلفظ: "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب"، وأخرجه الدارقطني أيضاً بهذا اللفظ، وله شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعاً بهذا اللفظ أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان وغيرهما. ولأحمد من طريق عبد الله بن سوادة القشيري، عن رجل، عن أبيه مرفوعاً: لا تقبل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن. وقال ابن الهمام في فتح القدير. (ج١: ص١٢٠) : وفيه أي في تقدير: "كاملة" نظر؛ لأن متعلق المجرور الواقع خبراً استقرار عام، فالحاصل: "لا صلاة كائنة" وعدم الوجود شرعاً هو عدم الصحة هذا هو الأصل، بخلاف: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" الخ.: "لا صلاة للعبد الآبق" فإن قيام الدليل على الصحة أوجب كون المراد كوناً خاصاً أي كاملة، وعلى هذا فيكون من حذف الخبر لا من وقوع الجار والمجرور خبراً، فلذا عدل المصنف عنه إلى الظنية في الثبوت، وبه لا يثبت الركن؛ لأن لازمه نسخ الإطلاق بخبر الواحد، وهو يستلزم تقديم الظني على القاطع، وهو لا يحل، فيثبت به الوجوب، فيأثم بترك الفاتحة ولا تفسد– انتهى. وقال الشيخ الآلوسي في تفسيره روح المعاني. (ج٩: ص٢١٠) : ومنها قوله ﷺ : "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وهو ظاهر في المقصود. إذ التقدير: "لا صلاة صحيحة إلا بها" واعترض بجواز أن يكون التقدير: "لا صلاة كاملة" فإنه لما امتنع نفي مسمى الصلاة لثبوته دون الفاتحة لم يكن بد من صرفه إلى حكم من أحكامها، وليس الصرف إلى الصحة أولى من الصرف إلى الكمال. وأجيب بأنا لا نسلم امتناع دخول النفي على مسماها؛ لأن الفاتحة إذا كانت جزأ من ماهية الصلاة تنتفي الماهية عند عدم قراءتها فيصح دخوله على مسماها، وإنما يمتنع لو ثبت أنها ليست جزءاً منها، وهو أول المسئلة سلمناه لكن لا نسلم أن صرفه إلى الصحة ليس أولى من صرفه إلى الكمال، بل هو أولى؛ لأن الحمل على المجاز الأقرب عند تعذر الحمل على الحقيقة أولى بل واجب بالإجماع، ولا شك أن الموجود الذي لا يكون صحيحاً أقرب إلى المعدوم من الموجود الذي لا يكون كاملاً- انتهى. وقال الشيخ أبوالحسن السندي في حاشية النسائي. (ج٢: ص١٣٧) وابن ماجه. (ج١: ص٢٧٧) : ثم قد قرروا أن النفي لا يعقل إلا مع نسبته بين أمرين فيقتضي نفى الجنس أمراً مستنداً إلى الجنس ليستقل النفي مع نسبته، فإن كان ذلك الأمر مذكور في الكلام فذلك، وإلا يقدر من الأمور العامة كالكون والوجود، وأما الكمال فقد حقق الكمال ضعفه؛ لأنه مخالف لا يصار إليه إلا بدليل، والوجود في كلام الشارع يحمل على الوجود الشرعي دون الحسي، فمؤدي الحديث نفى الوجود الشرعي للصلاة التي لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فتعين نفى الصحة، وما قاله أصحابنا: أنه من أحاديث الآحاد وهو ظني لا يفيد العلم، وإنما يوجب الفعل فلا يلزم منه الافتراض، ففيه أنه يكفي في المطلوب أنه يوجب العمل بمدلوله لا بشيء آخر، ومدلوله عدم صحة صلاة لم يقرأ فيها

стр. 1024

بفاتحة الكتاب، فوجوب العمل به يوجب القول بفساد تلك الصلاة وهو المطلوب، فالحق أن الحديث يفيد بطلان الصلاة إذا لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب- انتهى. واعلم أنه قد تأول بعض الحنفية رواية الدارقطني المذكورة بأن المراد نفي الأجزاء الكاملة. قال القاري: هو محمول على الأجزاء الكاملة. وقال الشيخ محمد أنور: لم لا يجوز أن يكون المراد من نفي الإجزاء نفي كمال الإجزاء كما في قوله: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان. عند البخاري في الجهاد وفي المغازي من حديث سهل بن سعد قال: ليجعله نظيراً لقوله ﷺ : لا تجزئ صلاة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب. قلت: حمل الإجزاء في رواية الدارقطني على الإجزاء الكامل تحكم صريح، وإدعاء محض، وتعصب بحت، بل هو تحريف للحديث؛ لأنه ليس بعد الإجزاء إلا البطلان، فلا جوز حمله على نفي كمال الإجزاء، ولا يصح أن يجعل قول القائل: "ما أجزأ منا اليوم أحد" الخ. في حديث سهل نظيرة لما في رواية الدارقطني؛ لأن قوله: "كما أجزأ فلان" قرينة صريحة على أن المراد بنفي الإجزاء فيه نفي إجزاء مخصوص، أي إجزاء يشبه إجزاء فلان، لا نفي الإجزاء رأساً، بخلاف رواية الدارقطني فإنه ليس فيها شيء يشير إلى حمله على الإجزاء المخصوص، بل فيها نفي الإجزاء مطلقاً من غير تقييد وتخصيص فحمله على الإجزاء الكامل تحكم محض ليس عليه آثارة من علم فهو مردود على قائله. تنبيه: قد تقدم أن مذهب الحنفية أن قراءة الفاتحة ليست بفرض بل هي واجبة. قالوا: الفرض عندنا مطلق القرآن لقوله تعالى: ﴿فاقرؤا ما تيسر من القرآن﴾ [٧٣: ٢٠] . فقد أمر الله تعالى بقراءة ما تيسر من القرآن مطلقاً، وتقييده بالفاتحة بالسنة زيادة على النص القرآني، وذا لا يجوز؛ لأنه نسخ فعملنا بالكتاب والسنة فقلنا: إن أدنى ما يطلق عليه القرآن فرض لكونه مأموراً به، وقراءة الفاتحة واجبة يأثم من يتركها، وتجزأ الصلاة بدونها ولا تفسد وأجاب عنه شيخنا في شرح الترمذي: بأن إثبات فريضة مطلق القرآن بهذه الآية مبني على أن المراد من قوله تعالى: ﴿فاقرؤا﴾ قراءة القرآن بعينها وهو ليس بمتفق عليه بل فيه قولان. قال الرازي في تفسيره. (ج٨: ص٣٤٥) : فيه قولان: الأول أن المراد من هذه القراءة الصلاة، أي فصلوا ما تيسر عليكم. والقول الثاني: أن المراد قراءة القرآن بعينها- انتهى. وهكذا في عامة كتب التفسير، والقول الثاني فيه بُعد عن مقتضى السياق. قال الشيخ الآلوسي البغدادي في تفسيره. (ج٩: ص٢٠٩) : أي فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل، عبر عن الصلاة بالقراءة كما عبر عنها بسائر أركانها. وقيل: الكلام على حقيقته من طلب قراءة القرآن بعينها، وفيه بُعد عن مقتضى الساق – انتهى كلامه. فلما ظهر أن في قوله تعالى: ﴿فاقرؤا ما تيسر من القرآن﴾ [٧٣: ٢٠] القولين المذكورين، وأن القول الثاني فيه بُعد، لاح لك أن الاستدلال به على فريضة مطلق القراءة غير صحيح، ولو سلمنا أن المراد هو القول الثاني أعني قراءة القرآن بعينها فحديث الباب مشهور بل متواتر، قال الإمام البخاري في جزء القراءة (ص٤) : تواتر الخبر عن رسول الله ﷺ : لا صلاة إلا بقراءة أم القرآن. والزيادة بالحديث المشهور جائز عند الحنفية. على أن قوله تعالى: ﴿فاقرؤا ما تيسر من القرآن﴾ عام مخصوص منه البعض فهو ظني، فلا يدل على فرضية مطلق القراءة، ويجوز تخصيصه ولو بالآحاد. قال الملاجيون في تفسيره. () :

стр. 1025

ثم أقل القراءة فرضاً عندنا آية واحدة طويلة كآية الكرسي وغيرها، أو ثلاث آيات قصيرة كـ ﴿مدهامتان﴾ ، وهذا هو الأصح. وقيل: إنه واحدة، طويلة كانت أو قصيرة، وذلك مما لا يعتد به، ينادي عليه كتب الفقه. وعلى كل تقدير يكون ما دون الآية مخصوصاً من هذا العام، فيكون العام ظنياً، فينبغي أن لا يدل على فرضية القراءة، وأن يعارضه الحديث حجة للشافعي_انتهى كلامه. وأما ما قيل: من أن ما دون الآية لا يسمى قراءة القرآن عرفاً، والعرف قاض على الحقيقة اللغوية فهذا دعوى لا دليل عليها، ويلزم أن يكون ﴿مدهامتان﴾ [٥٥: ٦٤] التي هي كلمة واحدة قراءة القرآن، ولا يكون أكثر آية المداينة التي هي كلمات كثيرة قراءة القرآن، وهذا كما ترى، وأيضاً يلزم منها أنه لو قرأ أحد نصف آية المداينة في الصلاة لا تجوز، وعامة الحنفية على جوازها. قال ابن الهمام في فتح القدير: ولو قرأ نصف آية المداينة قيل: لا يجوز لعدم الآية، وعامتهم على الجواز- انتهى. قلت: وقد رد أيضاً الشيخ محمد أنور استدلال الحنفية بقوله: ﴿فاقرؤا ما تيسر من القرآن﴾ على فرضية مطلق القرآن حيث قال: ما زعمه الحنفية من أن المراد من النص أي قوله تعالى: ﴿فاقرؤا ما تيسر من القرآن﴾ القراءة مطلقاً ولو بآية مرجوح، لأن المراد منه ما تفعله الأمة الآن أي الفاتحة مع السورة، وإلا يلزم حمل القرآن على الكراهة ودرجها في النظم، نعم كون هذا المراد مراداً بالنص ظني، ولذا كانت قراءة الفاتحة مع السورة واجبة. وقال: إن الله تعالى لما علم الاستثقال عليه في القيام بالليل رخص لهم أن لا يطولوه كما كانوا يفعلونه في الليل كله أو أكثره، بل لهم أن يقوموه حسب ما تيسر لهم فهذا تيسير في حصص الليل لا في الفاتحة كما فهموه –انتهى. تنبيه آخر: قد استدل بحديث عبادة على فرضية قراءة الفاتحة على المقتدي، وهو استدلال صحيح لأن لفظ: "من" فيه من ألفاظ العموم فهو شامل للمأموم قطعاً كما هو شامل للإمام والمنفرد، ولم يرد دليل على تخصيصه بمصل دون مصل. قال ابن عبد البر في التمهيد: وقال آخرون: لا يترك أحد من المأمومين قراءة فاتحة الكتاب فيما جهر الإمام بالقراءة، لأن قول رسول الله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" عام لا يخصه شيء، لأن رسول الله ﷺ لم يخص بقوله ذلك مصلياً من مصل-انتهى. وقال الكرماني في شرح صحيح البخاري: وفي الحديث دليل على أن قراءة الفاتحة واجبة على الإمام والمنفرد والمأموم في الصلوات كلها-انتهى. ولأن لفظ صلاة في قوله: "لا صلاة" عام فيشمل كل صلاة فرضاً كانا أو نفلاً، سرية كانت أو جهرية، صلاة الإمام كانت أو صلاة المأموم أو صلاة المنفرد. قال الحافظ في الفتح تحت حديث عبادة: واستدل به على وجوب قراءة الفاتحة على المأموم سوى أسر الإمام أم جهر؛ لأن صلاته صلاة حقيقة فتنتفي عند انتفاء القراءة-انتهى. وتخصيص من خص هذا الحديث بالإمام والمنفرد مما لا يلتفت إليه؛ لأن لا دليل على هذا التخصيص لا من كتاب ولا من سنة، وقول رسول الله ﷺ لا يخص إلا بدليل من الكتاب والسنة، ولا يجوز تخصيصه بقول أحد كائناً من كان. قال الخطابي بعد ذكر ما رواه أبوداود عن عبادة يبلغ به النبي ﷺ قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعداً. قال سفيان لمن يصلي وحده

стр. 1026

متفق عليه. وفي رواية لمسلم: ((لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعداً)) . ــ ما لفظه: قلت هذا عموم لا يجوز تخصيصه إلا بدليل-انتهى. وقيل: أراد سفيان بذلك قوله: "فصاعدا" كأنه خص ما يفهم منه من قراءة ما زاد على الفاتحة بالفذ والمنفرد، ويؤيده الأحاديث التي فيها المنع للمأموم من قراءة غير الفاتحة. وأما الاستدلال على التخصيص بقوله تعالى: ﴿إذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ [٧: ٢٠٤] وبقوله ﵇: وإذا قرئ فأنصتوا، وبما روي: "من كان له إمام فإن قراءته له قراءة" فسيأتي الجواب عنه. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وغيرهم. وأخرجه البيهقي في كتاب القراءة بلفظ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب خلف الإمام" قال: إسناده صحيح، والزيادة التي فيه صحيحة مشهورة من أوجه كثيرة. (وفي رواية لمسلم) والنسائي من طريق معمر عن الزهري. (لمن لم يقرأ بأم القرآن) سميت بها لكونها أصلاً ومنشأ له، إما لمبدئيتها له وإما لاشتمالها على ما فيه من الثناء على الله عزوجل والتعبد بأمره ونهيه، وبيان وعده ووعيده، أو على جملة معانيه من الحكم النظرية والأحكام العملية. (فصاعداً) من الصعود وهو الارتفاع من سفل إلى علو، والصاعد اسم فاعل منه، ومعنى الصاعد هنا الزائد، وهو منصوب على الحال بفعل واجب الإضمار، أي فصعد القراءة صاعداً، يقال: أخذته بدرهم فصاعداً، نصب صاعدا في قولهم هذا على الحال، وحذف صاحب الحال والعامل فيه تخفيفا لكثرة الاستعمال، والتقدير: أخذته بدرهم فذهب الثمن صاعداً، فالثمن صاحب للحال، والفعل الذي هو"ذهب" العامل في الحال. قال في الحاشية العصامية على الفوائد الضيائية قوله: ويجب حذف العامل، الخ. وكذا في حال تبين ازدياد ثمن أو غيره مما دخله الفاء أو ثم نحو: بعته بدرهم فصاعداً، وقرأت جزأ من القرآن فصاعداً، أي فذهب القراءة في الصعود يعنى ذهبت القراءة الزائدة، وبنحوه ذكر الرضي في شرح الكافية. (ص١٥٣) ، وسيبوية في الكتاب. (ج١: ص١٤٧) وهذا اللفظ لا يتغير سواء كان حالاً من مذكر أو مؤنث، وتقدير الكلام: لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فقط أو بأم القرآن في حال كون قراءته زائدة على أم القرآن. والمراد أن أقل ما تجزئ به الصلاة وأدنى ما يترتب عليه الجواز الفاتحة فإن زاد فهو حسن. وقيل: صاعداً صفة وقعت مقام المصدر. كما تقول: قم قائماً، وقع قائماً موضع قياماً، وعلى هذا فصاعدا منصوب على أنه مفعول مطلق لفعل مقدر، أي اصعد صاعداً، أي إلى ما عدا أم القرآن، يعني اقرأ قراءة زائدة على الفاتحة لكن الأمر بقراءة ما زاد على الفاتحة ليس للوجوب لما سيأتي من الأحاديث الدالة على عدم وجوب ما زاد، والفاء في الصورة زائدة لكنها لازمة؛ لأنه لم ترد هذه الكلمة في لغة العرب إلا بالفاء أو بثم، وفي الصورة الأولى عاطفة، والعطف لا يقتضي التشريك من كل الوجوه فهو من عطف غير الواجب على الواجب، والمقصود حصر صحة الصلاة في الفاتحة سواء كان معها سورة أخرى أو لا. وقيل: تقدير الكلام فما كان صاعداً فهو أحسن وعلى هذا"صاعداً" خبر لكان المحذوف. قال بعض الحنفية: قوله: "فصاعداً" يدل على أن قراءة ما زاد على الفاتحة من السورة واجبة في الصلاة، وعند الجمهور ليس هذا الحكم إلا لمن كان إماماً أو يصلي وحده، لا على المأموم. فكذلك يحمل حكم قراءة الفاتحة عليهما لا على المأموم، ويؤيد ما روى أحمد وغيره عن أبي هريرة أن

стр. 1027

النبي ﷺ أمره أن يخرج فينادي: لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب وما زاد. وأخرج أبوداود وغيره عن أبي سعيد، قال: أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر-انتهى. قلت: الاستدلال بقوله:: "فصاعداً" على وجوب ما زاد على الفاتحة وجعله قرينة لحمل قوله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" على الإمام والمنفرد خاصة دون المقتدي، ليس بصحيح، فإن هذه الزيادة معلولة. قال في التلخيص (ص٨٧) : قال ابن حبان: تفرد بها معمر عن الزهري وأعلها البخاري في جزء القراءة- انتهى. قلت: قال البخاري في جزء القراءة (ص٢) : عامة الثقات لم يتابع معمراً في قوله: "فصاعداً" وقوله: "فصاعداً" غير معروف. ويقال: إن عبد الرحمن بن إسحاق تابع معمراً، وأن عبد الرحمن ربما روى عن الزهري ثم أدخل بينه وبين الزهري غيره، ولا نعلم أن هذا من صحيح حديثه أم لا. وقال (ص١٧) : وليس هذا يعني عبد الرحمن بن إسحاق ممن يعتمد على حفظه إذا خالف من ليس بدونه، وقال إسماعيل بن إبراهيم: سألت أهل المدينة عن عبد الرحمن فلم يحمد مع أنه لا يعرف له بالمدينة تلميذاً إلا أن موسى الزمعي روى عنه أشياء في عدة منها اضطراب – انتهى. وأما ما ذكر من متابعة سفيان بن عيينة عن الزهري عن أبي داود، ففيه أن هذا الحديث من هذا الطريق أعنى من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري أخرجها البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني وابن أبي شبة وأبوعوانة وغيرهم، لكن ليس في رواية واحد منهم هذه الزيادة، وأيضاً قد روى البخاري في جزء القراءة حديث عبادة من طريق سفيان، ثم ذكر زيادة معمر هذه، وقال: عامة الثقات لم يتابع معمراً في قوله: "فصاعداً"، فهذا يدل على أن هذه الزيادة لم يعرفها البخاري في رواية سفيان، فالظاهر أن زيادة قوله: "فصاعداً" في رواية سفيان وهم من أبي داود أو ممن فوقه بأن أدرج زيادة معمر في رواية سفيان، ولا بُعد فيه فإن الثقة قد يهم. وأما ما قيل من أن زيادة قوله: "فصاعداً" زيادة ثقة غير منافية لمن هو أوثق منه فتقبل، ففيه أن قبول الزيادة من الثقة ليس مجمعاً عليه بل فيه خلاف مشهور، فمن الناس من يقبل زيادة الثقة مطلقاً، ومنهم من لا يقبلها. قال الزيلعي في نصب الراية. (ج١: ص٣٣٦) : والصحيح التفصيل، وهو أنها تقبل في موضع دون موضع، ومن حكم في ذلك حكماً عاماً فقد غلط، بل كل زيادة لها حكم يخصها، ففي موضع يجزم بصحتها، وفي موضع يغلب على الظن صحتها، وفي موضع يجزم بخطأها كزيادة معمر ومن وافقه قوله: "وإن كان مائعاً فلا تقربوه" وإن كان معمر ثقة، فإن الثقة قد يغلط، وفي موضع يغلب على الظن خطأها كزيادة معمر في حديث ماعز الصلاة عليه، رواها البخاري في صحيحه، وسئل هل رواها غير معمر؟ فقال: لا. وقد رواه أصحاب السنن الأربعة عن معمر: وقال فيه: "ولم يصل عليه" فقد اختلف على معمر في ذلك، والراوي عن معمر هو عبد الرزاق، وقد اختلف عليه أيضاً، والصواب أنه قال: "ولم يصل عليه". وفي موضع يتوقف في الزيادة كما في أحاديث كثيرة – انتهى كلام الزيلعي مختصراً. ومما يجب التنبه عليه أن الإطلاع على وهم الثقة وخطئه، والحكم بكون

стр. 1028

الزيادة من الثقة صحيحة في موضع، وخطأ ووهماً في موضع، وكذا التوقف في أمرها في موضع، ليس إلا من شأن البخاري وأمثاله ممن رزقهم الله فهما ثاقباً، وحفظاً واسعاً، ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وملكة قوية بالأسانيد والمتون، فلا يقبل في ذلك إلا قول البخاري، ومن كان من أهل هذا الشأن كعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، وأبي زرعة، والدارقطني وأبي حاتم وأمثالهم. وإذا كان الأمر كذلك فكون زيادة قوله: "فصاعداً" معلولة غير صحيحة، هو الراجح بل هو المتعين. ولو سلم صحتها فليست فيها دلالة على أن قراءة ما زاد على الفاتحة واجبة. قال الحافظ في الفتح: استدل به على وجوب قدر زائد، وتعقب بأنه ورد لدفع توهم قصر الحكم على الفاتحة. قال البخاري في جزء القراءة: هو نظير قوله: تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا- انتهى. يعني أن قوله: "فصاعداً" لبيان أدنى ما يترتب عليه الحكم مع شموله على فائدة أخرى وهي دفع توهم قصر الحكم على ما قبله، فكما أن ربع الدينار أدنى ما تقطع به اليد كذلك قراءة الفاتحة أدنى ما تجزئ به الصلاة، ولا يقتصر حكم صحة الصلاة على الفاتحة، بل تصح الصلاة في صورة الزيادة على الفاتحة أيضاً. وقال المظهر: قوله: "فصاعداً" أي فزائدا، وهو منصوب على الحال أي لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فقط، أو بأم القرآن حال كون قراءته زائدة على أم القرآن- انتهى. وهذا يدل على أنه فهم منه التخيير فيما زاد على الفاتحة. وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في أشعة اللمعات في تفسير قوله: "فصاعداً": بس بخواند فوق فاتحة وزيادة برآن، يعني فاتحة البتة مي بايد خواند، ومقتصر بر فاتحة هم نيست، واكر جيزبـ زيادة كند نيز درست است-انتهى. وقال السندي في حاشية النسائي: لعلهم أي الذين ذهبوا إلى عدم وجوب ما زاد على الفاتحة يحملونه على معنى: "فما كان صاعداً فهو أحسن" والله أعلم. وقال صاحب العرف الشذى (ص١٤٥) : زعم الأحناف مراد الحديث وجوب الفاتحة ووجوب ضم السورة، ولكنه يخالف اللغة، فإن أرباب اللغة متفقون على أن ما بعد الفاء يكون غير ضروري، وصرح به سيبوية في باب الإضافة-انتهى. ومما يدل على كون قوله: "فصاعداً" لدفع توهم قصر الحكم وعدم وجوب ما زاد، ما روى ابن أبي شيبة عن عائشة مرفوعاً: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب وآيتين فصاعداً". وعن عمران بن حصين قال: "لا يجوز صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وآيتين فصاعداً. وروى ابن عدي عن ابن عمر: "لا تجزئ المكتوبة إلا بفاتحة الكتاب وثلاث آيات فصاعداً" كذا في كنز العمال. (ج٤: ص٩٦) وهذه الروايات وإن كانت ضعيفة لكنها تؤيد ما تقدم من أن قوله: "فصاعداً" لدفع توهم قصر الحكم على ما قبله، وأنه ليس فيه دلالة على وجوب ما زاد على الفاتحة. وأما حديث أبي هريرة بلفظ: "لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب وما زاد" فهو ضعيف، فإن مداره على جعفر بن ميمون، وقال أحمد فيه: ليس بقوي في الحديث. وقال ابن معين: ليس بذلك. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال البخاري: ليس بشيء. وذكره يعقوب بن سفيان في باب من يرغب عن الرواية عنهم. وقال العقيلي في روايته عن أبي عثمان،

стр. 1029

٨٢٩- (٢) وعن أبي هريرة، قال ((قال رسول الله ﷺ : من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ــ عن أبي هريرة في الفاتحة: لا يتابع عليه. وأما حديث أبي سعيد بلفظ: "أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر". فقد صحح الحافظ سنده في الفتح والتلخيص لكن فيه نظر؛ لأن فيه قتادة وهو مدلس، وهو روى الحديث عن أبي نضرة بالعنعنة، فإن كان روايته عنه عند غير أبي داود بالتحديث فهي صحيحة، وإلا ففي صحتها نظر. قال البخاري في جزء القراءة: روى همام، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: أمرنا نبينا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر، ولم يذكر قتادة سماعاً من أبي نضرة في هذا-انتهى. وأيضاً قد عارض حديثي أبي هريرة وأبي سعيد ما رواه الحاكم عن عبادة مرفوعاً: أم القرآن عوض عن غيرها وليس غيرها عوضاً منها. ذكره الحافظ في التلخيص. قال: وله شواهد فساقها. وما رواه ابن خزيمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قام فصلى ركعتين، لم يقرأ فيهما إلا بفاتحة الكتاب. ذكره الحافظ في الفتح. وما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة يقول: في كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا رسول الله ﷺ أسمعناكم وما أخفى عنا أخفينا عنكم، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت وإن زدت فهو خير-انتهى. وعلى هذا فلا يصح الاستدلال بقوله: "وما زاد وما تيسر" على وجوب قراءة ما زاد على الفاتحة، ولا يكون هو قرينة لحمل حكم قراءة الفاتحة للإمام والمنفرد دون المقتدي. واعلم أنه ضم السورة مع الفاتحة ليس بواجب عند الجمهور بل هو مستحب. قال الشيخ سلام الله الدهلوي في المحلى شرح المؤطا: قال الجمهور: إن ضم السورة بعد الفاتحة سنة، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد-انتهى. وقال الحافظ في الفتح: وفيه. (أى في حديث أبي هريرة: وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت، الخ) استحباب السورة أو الآيات مع الفاتحة، وهو قول الجمهور في الصبح والجمعة والأوليين من غيرهما، وصح إيجاب ذلك عن بعض الصحابة وهو عثمان بن أبي العاص، الخ. وبهذا ظهر أن ما تقدم من بعض الحنفية نسبة القول بوجوب ما زاد على الفاتحة من السورة إلى الجمهور ليس بصحيح. ٨٢٩- قوله: (من صلى) إماماً كان، أو مأموماً، أو منفرداً (صلاة) جهرية كانت أوسرية، فريضة أو نافلة. (لم يقرأ فيها بأم القرآن) أي فاتحة الكتاب. (فهي) أي صلاته. (خداج) بكسر الخاء المعجمة، أي ناقص نقص فساد وبطلان. قال المناوي في شرح الجامع الصغير: أي ذات خداج- بكسر الخاء- مصدر خدجت الناقة إذا ألقت ولدها ناقصاً فلا تصح، فاستعير للناقص، أي فصلاته ذات نقصان، أو خديجة: ناقصة نقص فساد وبطلان – انتهى. وقال العزيزي: فهي خداج – بكسر المعجمة -، أي فصلاته ذات نقصان نقص فساد وبطلان، فلا تصحح الصلاة بدونها ولو لمقتد عند الشافعي وجمهور العلماء. وقال الزمخشري في أساس البلاغة: ومن المجاز خدج الرجل فهو خادج إذا نقص عضو منه، وأخدجه الله فهو مخدج، وكان ذو الثدية مخدج اليد، وأخدج صلاته نقص بعض أركانها، وصلاتي مخدجة

стр. 1030

- ثلاثاً- غير تمام. فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام. قال: اقرأ بها في نفسك، ــ وخادجة وخداج وصفاً بالمصدر-انتهى. وقال الخطابي في معالم السنن (ج١: ص٢٠٣) : فهي خداج معناه ناقصة نقص فساد وبطلان، تقول العرب: أخدجت الناقة إذا ألقت ولدها وهو دم لم يستبن خلقه فهي مخدج، والخداج اسم مبني منه-انتهى. وقال البخاري في جزء القراءة: قال أبوعبيد: أخدجت الناقة إذا أسقطت، والسقط ميت لا ينتفع به-انتهى. وقال الجزري: الخداج النقصان، يقال: خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوانه وإن كان تام الخلق، وأخدجته إذا ولدته ناقص الخلق، وإن كان لتمام الحمل-انتهى. وقال جماعة من أهل اللغة: خدجب (كنصر وضرب) وأخدجت إذا ألقت ولدها قبل أوانه لغير تمام أيام الحمل وإن كان تام الخلق. قلت: والمراد من إلقاء الناقة ولدها لغير تمام الحمل وإن تم خلقه إسقاطها، والسقط ميت لا ينتفع به كما عرفت، فظهر من هذا كله أن المراد من قوله: "خداج" نقصان الذات أعني نقصان الفساد والبطلان، ويدل عليه ما رواه البيهقي في كتاب القراءة عن أبي هريرة مرفوعاً: لا يجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، قلت: فإن كنت خلف الإمام؟ قال: فأخذ بيدي وقال: اقرأ في نفسك يا فارسي!. قال البيهقي: رواه ابن خزيمة عن محمد بن يحيى محتجاً به على أن قوله في سائر الروايات: "فهي خداج" المراد به النقصان الذي لا تجزئ معه-انتهى. قال ابن عبد البر في الاستذكار: في حديث أبي هريرة هذا من الفقة إيجاب القراءة بالفاتحة في كل صلاة، وأن الصلاة إذا لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، والخداج النقصان والفساد، من ذلك قولهم أخدجت الناقة إذا ولدت قبل تمام وقتها وقبل تمام الخلقة، وذلك نتاج فاسد. وقال الأخفش: خدجت الناقة إذا ألقت ولدها لغير تمام، وأخدجت إذا قذفت به قبل وقت الولادة وإن كان تام الخلق، وقد زعم من لم يوجب قراءة الفاتحة في الصلاة أن قوله: "خداج" يدل على جواز الصلاة؛ لأنه النقصان، والصلاة الناقصة جائزة، وهذا تحكم فاسد، والنظر يوجب في النقصان أن لا تجوز معه الصلاة؛ لأنها صلاة لم تتم، ومن خرج من صلاته قبل أن يتمها فعليه إعادتها تامة كما أمر، ومن ادعى أنها تجوز مع إقرار بنقصها فعليه الدليل ولا سبيل له إليه من وجه يلزم-انتهى. (ثلاثاً) أي قالها ثلاثاً. (غير تمام) بيان خداج أو بدل منه، وقيل تأكيد. قال الزرقاني: فهو حجة قوية على وجوب قراءتها في كل الصلاة _انتهى. قلت: قوله غير تمام يدل على تعين الفاتحة في الصلاة، وأنها لا يجزئ غيرها، ولا يقوم مقامها قراءة غيرها من القرآن لأن لفظ التمام يستعمل في الإجزاء، ويطلق بحسب الوضع على بعض ما لا تتم الحقيقة إلا به، ففيه دليل على كون الفاتحة من أجزاء الصلاة وأركانها. (فقيل لأبي هريرة) القائل هو أبوالسائب عبد الله بن السائب الأنصاري الراوي للحديث عن أبي هريرة، ففي رواية قال أي أبوالسائب: قلت: يأبا هريرة! (إنا نكون وراء الإمام) أي فهل نقرأ أم لا؟. (اقرأ بها في نفسك) أي سراً غير جهر، قاله القاري. وقال الباجي: أي بتحريك اللسان بالتكلم وإن لم يسمع نفسه. رواه سحنون عن ابن القاسم، قال: ولو أسمع نفسه يسيراً لكان أحب

стр. 1031

فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة ــ إلى –انتهى. وقال البيهقي في كتاب القراءة (ص١٧) : المراد بقوله: "اقرأ بها في نفسك" أن يتلفظ بها سراً دون الجهر بها، ولا يجوز حمله على ذكرها بقلبه دون التلفظ بها لإجماع أهل اللسان على أن ذلك لا يسمى قراءة، ولإجماع أهل العلم على أن ذكرها بقلبه دون التلفظ بها ليس بشرط ولا مسنون، فلا يجوز حمل الخبر على ما لا يقول به أحد، ولا يساعده لسان العرب- انتهى. وقال النووي: معناه اقرأ سراً بحيث يسمع نفسك، وأما ما حمله بعض المالكية وغيرهم أن المراد تدبر ذلك وتذكره فلا يقبل؛ لأن القراءة لا تطلق إلا على حركة اللسان بحيث يسمع نفسه، ولهذا اتفقوا على أن الجنب لو تدبر القرآن بقلبه من غير حركة لسانه لا يكون قارئاً مرتكباً لقراءة الجنب المحرمة-انتهى. وقال الشيخ عبد الحق الدهلوى في أشعة اللمعات: اقرأ بها في نفسك بخواني فاتحة را بس أمام نيز، أما آهسته جنانجه بشنوائي خودرا-انتهى. قلت: حقيقة القراءة في النفس هي القراءة سراً من غير جهر، قال تعالى: ﴿اذكر ربك في نفسك﴾ [٧: ٢٠٥] . قال السويطي: أي سراً. قال الجمل: أي أسمع نفسك. وقال في الهداية: إلا أن يقرأ الخطيب قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه﴾ [٣٣: ٥٦] الآية، فيصلي السامع في نفسه-انتهى. قال في الكفاية: قوله: "فيصلي السامع في نفسه" أي فيصلي بلسانه خفيا-انتهى. واعلم أنه قال بعض الحنفية: أن المراد بالقراءة في النفس: أن يقرأ على وجهه وعلى حياله، لا معاملة له مع غيره، ولا يقصد إسماعه، ويكون أمير نفسه، يقرأ لنفسه يعني يقرأ حال كونه منفرداً وفذاً لا مأموماً. وتعقب بأن حقيقة القراءة في النفس إنما هي الإسرار بالقراءة لا غير، وهو الذي فهمه مالك كما يظهر من تبويبة في المؤطا على هذا الحديث، وأما ما ذكره هذا البعض فهو معنى لنفسه لا في نفسه، ولذلك لم يخطر ما قاله هذا البعض ببال أحد ممن تقدم قبله من شراح الحديث وأصحاب المذاهب مع تداول الحديث وشهرته فيما بينهم، قال النووي: قول أبي هريرة هذا يؤيد وجوب الفاتحة على المأموم-انتهى وقال شيخنا في أبكار المنن (ص١٣٩) : وفي رواية أبي عوانة: "فقلت لأبي هريرة: فإني أسمع قراءة القرآن. فغمزني بيده فقال: يا فارسي أو ابن الفارسي! اقرأ بها في نفسك. وفي رواية للبخاري في جزء القراءة قلت: يا أبا هريرة! كيف أصنع إذا كنت مع الإمام وهو يجهر بالقراءة؟ قال ويلك يا فارسي! اقرأ بها في نفسك. وكذلك في رواية للبيهقي في جزء القراءة؛ فظهر بهذه الروايات أن أبا هريرة كان يفتي بعد وفاة النبي ﷺ بقراءة الفاتحة خلف الإمام في جميع الصلوات سرية كانت أو جهرية، وفي إفتاء بهذا دلالة واضحة على أن حديثه: "من صلى صلاة لم يقرأ بأم القرآن فهي خداج" باق على عمومة، شامل للإمام والمأموم والمنفرد، لأن راوي الحديث أعرف بالمراد منه من غيره-انتهى.. (فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول) هذا استدلال من أبي هريرة على ما أفتى به من القراءة للمأموم، وعدول إلى الحديث الآتي لبيان دليل آخر على وجوب الفاتحة. (قال الله تعالى: قسمت) بصيغة المتكلم. (الصلاة) بالنصب على المفعولية، قال العلماء: المراد بالصلاة هنا الفاتحة، سميت بذلك؛ لأنها لا تصح إلا بها كقوله ﷺ : "الحج عرفة"، ففيه دليل على وجوبها

стр. 1032

بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: ((الحمد لله رب العالمين)) قال الله تعالى: حمدني عبدي. وإذا قال: ((الرحمن الرحيم)) قال تعالى: أثنى علي عبدي. وإذا قال: ((مالك يوم الدين)) قال: مجدني عبدي. ــ بعينها في الصلاة، والمراد قسمتها من جهة المعنى؛ لأن نصفها الأول تحميد لله تعالى وتمجيده، وثناء عليه، وتفويض إليه، والنصف الثاني سؤال وطلب وتضرع وافتقار، قاله النووي. وقال السندي: وجه الاستدلال أي على افتراض قراءة الفاتحة هو أن قسمة الفاتحة جعلت قسمة للصلاة، واعتبرت الصلاة مقسومة باعتبارها، ولا يظهر ذلك إلا عند لزوم الفاتحة فيها-انتهى. وقال الخطابي في المعالم (ج١: ص٢٠٣) : المراد بالصلاة القراءة، يدل على ذلك قوله عند التفسير له والتفصيل للمراد منه إذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، يقول الله: حمدني عبدي، إلى آخر السورة، وقد تسمى القراءة صلاة لوقوعها في الصلاة وكونها جزءاً من أجزائها، كقوله تعالى: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ [١٧: ١١٠] قيل: معناه القراءة. وقال: ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾ [٧٨: ١٧] أراد صلاة الفجر فسمى الصلاة مرة قرآناً والقرآن مرة صلاة، لانتظام أحدهما الآخر، يدل على صحة ما قلناه قوله: "بيني وبين عبدي نصفين" والصلاة خالصة لله لا شرك فيها لأحد، فعقل أن المراد به القراءة، وحقيقة هذه القسمة منصرفة إلى المعنى، لا إلى متلو اللفظ، وذلك أن السورة من جهة المعنى نصفها ثناء ونصفها مسألة ودعاء، وقسم الثناء ينتهي إلى قوله تعالى: ﴿إياك نعبد﴾ وهو تمام الشطر الأول من السورة، وباقي الآية وهو قوله: ﴿وإياك نستعين﴾ من قسم الدعاء والمسألة، ولذلك قال: وهذه الآية بيني وبين عبدي. ولو كان المراد به قسم الألفاظ والحروف لكان نصف الآخر يزيد على الأول زيادة بينه فيرتفع معنى التعديل والتنصيف، وإنما هو قسمة المعاني كما ذكرته لك-انتهى. وقيل: التنصيف ينصرف إلى آيات السورة؛ لأنها سبع آيات، ثلاث ثناء وثلاث سؤال، والآية المتوسطة نصفها ثناء ونصفها دعاء. (ولعبدي ما سأل) أي بعينه إن كان وقوعه معلقاً على السؤال، وإلا فمثله من رفع درجة ودفع مضرة ونحوهما. وقيل المعنى: لعبدي ما سأل من أحد النصفين، فهو وعد من الله تعالى بإعطاء النصف الذي للعبد، ويحتمل أن يكون هذا وعداً لما وراء النصف الذي للعبد، يعني آذن لعبدي أن يسأل ما شاء غير النصف الذي له. (حمدني عبدي) الحمد هو الثناء على الجميل الاختياري نعمة كان أو غيرها. (أثنى على عبدي) الثناء هو ذكر الخير باللسان على جهة التعظيم. (مالك يوم الدين) أي الحساب. وقيل: الجزاء، وخص بالذكر لأن الله تعالى هو المنفرد بالملك ذلك اليوم، ويجزاء العباد وحسابهم، ولا دعوى لأحد ذلك اليوم حقيقة ولا مجازا. وأما في الدنيا فلبعض العباد ملك مجازي، ويدعى بعضهم دعوى باطلة وكل هذا ينقطع في ذلك اليوم. (مجدني) أي عظمني، والتمجيد نسبة إلى المجد وهو العظمة، أي ذكرني بالعظمة والجلال. قال النووي: قوله: "حمدني عبدي" وأثنى على ومجدني" إنما قاله؛ لأن التحميد الثناء بجميل الفعال، والتمجيد الثناء بصفات الجلال، ويقال:

стр. 1033

وإذا قال: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال: ﴿اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل)) ــ "أثنى عليه" في ذلك كله، ولهذا جاء جواباً للرحمن الرحيم لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية والفعلية-انتهى. قيل: الرحمة رحمتان: رحمة ذاتية مطلقة امتنانية، وهي التي وسعت كل شيء لا سبب لها ولا موجب، وليست بمقابلة شيء، والأخرى هي الفائضة عن الرحمة الذاتية، مقيدة بشروط موجبه لها من أعمال وأحوال وغيرهما، ومتعلق طمع إبليس هو الأول. (إياك نعبد) أي نخصك للعبادة. وقدم المعمول للاختصاص والحصر. (وإياك نستعين) أي نخصك بالاستعانة على العبادة وغيرها. (هذا بيني وبين عبدي) قال القرطبي: إنما قال الله تعالى هذا لأن في ذلك تذلل العبد لله تعالى وطلبه الاستعانة منه، وذلك يتضمن تعظيم الله وقدرته على ما طلب منه. وقال الباجي: معناه أن بعض الآية تعظيم للباري، وبعضها استعانة على أمر دينه ودنياه من العبد به. (ولعبدي ما سأل) من العون وغيره. وقيل: كرره تأكيداً، والمراد هو ما ذكره أولاً. (فإذا قال) العبد. (اهدنا الصراط المستقيم) قيل: هو بيان للمعونة المطلوبة، وقيل: إفراد لما هو أعظم مقصودا، أي ثبتناً على دين الإسلام أو طريق متابعة الحبيب ﵊ (صراط الذين أنعمت عليهم) من النبي ين والصديقين والشهداء والصالحين. (غير المغضوب عليهم) أي اليهود. (ولا الضالين) أي غير النصارى. (هذا لعبدي) أي مختص بالعبد؛ لأنه دعاء وسؤال يعود نفعه إلى العبد. (ولعبدي ما سأل) أي غير هذا، والمعنى: هذا متحقق وثابت لعبدي، وغيره مما يسأله موعود إجابته. والحديث قد استدل به على أن البسملة ليست من الفاتحة؛ لأن الفاتحة سبع آيات بالإجماع فثلاث في أولها ثناء، أولها: ﴿الحمدلله﴾ وثلاث دعاء، أولها: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ والرابعة متوسطة، وهي: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ ؛ ولأنه لم يذكر البسملة في ما عددها ولو كانت منها لذكرها. ولأنه بدأ القراءة بالحمد لله رب العالمين، ولو كانت البسملة منها لابتدأ بها؛ لأن هذا محل بيان واستقصاء لآيات السورة، والحاجة إلى قراءة البسملة أمس. وأجيب: بأن التنصيف عائد إلى ما يختص بالفاتحة من الآيات الكاملة، وبأن معناه: فإذا انتهى العبد في قراءته إلى: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ فحينئذٍ تكون القسمة، وبأنه جاء في بعض الروايات عنه ذكر التسمية كما أخرجه الدارقطني عن أبي هريرة مرفوعاً، وهذه الرواية وإن كان فيها ضعف ولكنها مفسرة لحديث مسلم أنه أراد السورة لا الآية. قلت: رواية الدارقطني هذه ضعيفة جداً، بل زيادة البسملة فيها باطلة قطعاً، فإن مدارها على عبد الله بن زياد بن لمعان، وهو متروك الحديث، متهم بالكذب، مجمع على ضعفه. قال مالك وابن معين: كان كذاباً. وقال أبوداود: متروك الحديث كان من الكذابين. وقد ذكر الدارقطني هذه الرواية في علله، وأطال فيها الكلام، ولخصه الزيلعي في

стр. 1034

رواه مسلم. ٨٣٠- (٣) وعن أنس ((أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر، ﵄، كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين)) . ــ نصب الراية (ج١: ص٣٤٠) فارجع إليه. (رواه مسلم) وأخرجه أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وأخرجه ابن ماجه مختصراً. ٨٣٠- قوله: (كانوا يفتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين) بضم الدال على الحكاية، واختلف في المراد بذلك فقيل: المعنى كانوا يبتدؤن الصلاة بقراءة الفاتحة قبل السورة، وهذا قول من أثبت البسملة في أول الفاتحة. قال الشافعي في الأم بعد رواية الحديث: يعني يبدؤن بقراءة أم القرآن قبل ما يقرأ بعدها، والله تعالى أعلم، لا يعني أنهم يتركون: "بسم الله الرحمن الرحيم". وإلى هذا المعنى أشار النسائي حيث عقد على هذا الحديث: باب البداءة بفاتحة الكتاب قبل السورة. وتعقب: بأنها إنما تسمى الحمد فقط. وأجيب: بمنع الحصر ومستنده ثبوت تسميتها بهذه الجملة وهي: "الحمدلله رب العالمين" في صحيح البخاري. أخرجه في فضائل القرآن من حديث أبي سعيد بن المعلى: أن النبي ﷺ قال له: ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن ... فذكر الحديث، وفيه قال: "الحمد لله رب العالمين" هي السبع المثاني، وقيل: المعنى كانوا يفتتحون بهذا اللفظ تمسكاً بظاهر الحديث، وهذا قول من نفى قراءة البسملة لكن لا يلزم من قوله: "كانوا يفتتحون بالحمد" أنهم لم يقرؤا: "بسم الله الرحمن الرحيم"سرا. وقد أطلق أبوهريرة السكوت على القراءة سراً. واعلم أنهم اختلفوا في قراءة البسملة في الصلاة بعد دعاء الافتتاح، فعن الشافعي: تجب وجوب الفاتحة، وعن مالك: يكره، وعن أبي حنيفة: تستحب، وهو المشهور عن أحمد. ثم اختلفوا، فعن الشافعي يسن الجهر، وعن أبي حنيفة لا يسن، وعن إسحق بن راهوية مخير بينهما، وإليه ذهب ابن حزم، وهو المرجح عندنا. وسبب هذا الاختلاف ما روي من الأحاديث المختلفة في هذا وحديث الباب قد استدل بظاهره من نفي التسمية أصلاً سراً وجهراً، وقد أسلفنا ما في هذا الاستدلال من الخدشة، وهي أنه لا يلزم منه نفي قراءة البسملة سراً؛ لأنه يشمل نفي الجهر أيضاً فافهم. وأيضاً قد كثرت الروايات عن أنس في هذا واضطربت نفياً وإثباتاً في الجهر بالتسمية، أو الإسرار، أو القراءة، أو نفيها. وفي بعضها: أن أنساً أخبر سائلة بأنه نسي ذلك، ولا شك أن روايات الإثبات أرجح وأقوى فهي المعتمد. وقد بسط العلماء الكلام في بيان الاضطراب ونفيه في حديث أنس إن شئت الوقوف عليه فارجع إلى نصب الراية، والفتح، وشرح المؤطا للزرقاني، وتنوي الحوالك، وتدريب الراوي للسيوطي. وقد أعله بعضهم بهذا الاضطراب كابن عبد البر حيث قال: اختلفت ألفاظها اختلافاً كثيراً مضطرباً، ثم ذكر الاختلاف وقال بعد بسطه: وهذا اضطراب لا تقوم معه حجة لأحد من الفقهاء، وحاول بعضهم الجمع، وسلك بعضهم مسلك الترجيح. قال الحافظ: والذي يمكن أن يجمع به مختلف ما نقل عنه

стр. 1035

أنه ﷺ كان لا يجهر بها، فحيث جاء عن أنس، أنه كان لا يقرأها، مراده نفي الجهر، وحيث جاء عنه إثبات القراءة فمراده السر، وقد ورد نفي الجهر عنه صريحاً فهو المعتمد. وقول أنس في رواية مسلم: لا يذكرون: "بسم الله الرحمن الرحيم" في أول قراءة ولا في آخرها. محمول على نفي الجهر أيضاً؛ لأنه الذي يمكن نفيه، واعتماد من نفي مطلقاً بقول: "كانوا يفتتحون القراءة بالحمد" لا يدل على ذلك؛ لأنه ثبت أنه كان يفتتح بالتوجه، وسبحانك اللهم، وباعد بيني وبين خطاياي، وبأنه كان يستعيذ، وغير ذلك من الأخبار الدالة على أنه قدم على قراءة الفاتحة شيئاً بعد التكبير، فيحمل قوله: "يفتتحون" أى الجهر، لتأتلف الأخبار-انتهى. وقال من سلك مسلك الترجيح: أن رواية الباب أصح الروايات عن أنس، قال الدارقطني: هو المحفوظ عن قتادة وغيره عن أنس، وقد اتفق البخاري ومسلم على إخراج هذه الرواية لسلامتها من الاضطراب. قال الزيلعي: وهذا اللفظ هو الذي صححه الخطيب وضعف ما سواه لرواية الحافظ له عن قتادة، ولمتابعة غير قتادة له عن أنس فيه، وجعله اللفظ المحكم عن أنس، وجعل غير متشابهاً، وحمله على الافتتاح بالسورة لا بالآية-انتهى. وأما ما روى مسلم عنه بلفظ: "صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم". وفي أخرى له: كانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون: "بسم الله الرحمن الرحيم" في أول قراءة ولا في آخرها. فقد اضطرب أكثرهم فيه، ولذلك امتنع البخاري من إخراجه وهو من مفاريد مسلم. وأجاب بعض الشافعية عن روايتي مسلم بأن كلاً منهما رواية للفظ الأول بالمعنى الذي عبر عنه الراوي بما ذكر بحسب فهمه ولو بلغ الخبر بلفظه كما في البخاري لأصاب، ويؤيده ما قال العراقي في ألفيته: وعلة المتن كنفي البسملة ... ... إذ ظن راوٍ نفيه فنقله قال السخاوي في فتح المغيث (ص٩٥) : قوله: "فنقله" مصرحاً بما ظنه فقال: لا يذكرون: "بسم الله الرحمن الرحيم" في أول قراءة ولا في آخرها. وفي لفظ: "فلم يكونوا يفتتحون ببسم الله"، وصار بمقتضى ذلك حديثاً مرفوعاً. والراوي لذلك مخطئ في ظنه-انتهى. تنبيه: اعلم أنهم اختلفوا في أن: "بسم الله الرحمن الرحيم" آية من الفاتحة فقط، أو آية من كل سورة من سور القرآن سوى براءة، أو هي جزء من آية، أو هي آية مستقلة نزلت مع كل سورة سوى براءة لافتتاحها وللفصل بينها وبين غيرها، أو ليست آية أصلاً لا من الفاتحة ولا من كل سورة، قيل: إن من رأى أنها آية من الفاتحة أوجب قراءتها بوجوب قراءة الفاتحة عنده في الصلاة، ومن رأى أنها آية من أول لكل سورة وجب عنده أن يقرأها مع السورة. وقيل مسألة الجهر بالبسملة في الصلاة ليست مرتبة على مسألة إثبات البسملة من الفاتحة. قال اليعمري: إن جماعة ممن يرى الجهر بها لا يعتقدونها قرآناً، بل هي من السنن عندهم كالتعوذ والتأمين، وجماعة ممن يرى الإسرار بها يعتقدونها قرآناً. ولهذا قال النووي: إن مسألة الجهر ليست مرتبة على مسألة إثبات البسملة، وهذه المسألة من أهم مسائل الخلاف بين القراء

стр. 1036

والمحدثين والفقهاء، وألف فيها الكثيرون كتبا خاصة، وأفردوها بتصانيف مستقلة، فمن ذلك كتاب: "الإنصاف فيما بين العلماء من الاختلاف" لابن عبد البر المالكي، وهو جزء في. (٤٢) صفحة، وقد طبع في مصر، وكتاب لعبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي، ذكره النووي في المجموع، وقال: إنه مجلد كبير، ولخص أهم ما فيه، وألف فيها أيضاً ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والبيهقي والخطيب، وقد جمع الزيلعي في نصب الراية أكثر ما ورد فيها من الآثار والأقاويل في مقدار يصلح كتاباً مستقلاً (ج١: ص٣٢٣-٣٦٣) من طبعة مصر، وكذلك النووي في المجموع، كتب فيها مقدارا وافياً. وكذلك الشوكاني في شرح المنتقي، بسط الكلام فيها. (ج٢: ص٨٩-١٠١) والذي تحصل لنا من الأقوال في البسملة أربعة: أحدها أنها ليست من القرآن أصلاً إلا في سورة النمل، نقل هذا عن مالك والأوزاعي، وحكاه الطحاوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وهو رواية عن أحمد وهو قول لبعض أصحابه، واختاره ابن قدامة في المغني. والثاني أنها آية من كل سورة سوى براءة أو بعض آياته، وهو المشهور عن الشافعي وأصحابه، وهو رواية عن أحمد. والثالث أنها آية في أول الفاتحة، وليست قرآناً في أوائل باقي السور، وهو قول أحمد وإسحق وأبي عبيد وأهل الكوفة، وأهل مكة، وأهل العراق، وهو أيضاً رواية عن الشافعي. والرابع أنها آية مستقلة من القرآن في كل موضع كتبت فيه في المصحف وليست من الفاتحة ولا من غيرها، وإنما أنزلت لافتتاح القراءة بها، وللفصل بين كل سورتين سوى ما بين الأنفال وبراءة ذهب إليه أبوبكر الرازي الجصاص، وهو المختار عند الحنفية. قال محمد بن الحسن: ما بين دفتي المصحف قرآن، وهو قول ابن المبارك، ورواية عن أحمد وداود، وقال الزيلعي في نصب الراية: وهذا قول المحققين من أهل العلم، ونسبة هذا القول إلى الحنفية استنباط فقط كما يظهر من أحكام القرآن. (ج١: ص٨) لأبي بكر الجصاص. وقال شمس الأئمة السرخسي في المبسوط. (ج١: ص١٦) : وعن معلى قال: قلت لمحمد يعني ابن الحسن: التسمية آية من القرآن أم لا؟ قال: ما بين الدفتين كله قرآن. قلت: فلم لم تجهر؟ فلم يجبنى، فهذا عن محمد بيان أنها أنزلت للفصل بين السور، لا من أوائل السور، ولهذا كتبت بخط على حدة، وهو اختيار أبي بكر الرازي، حتى قال محمد: يكره للحائض والجنب قراءة التسمية على وجه قراءة القرآن؛ لأن من ضرورة كونها قرآناً حرمة قراءتها على الحائض والجنب، وليس من ضرورة كونها قرآنا الجهر بها كالفاتحة في الأخريين-انتهى. وقد استدل كل فريق لقوله بأحاديث، منها الصحيح المقبول، ومنها الضعيف المردود، إن شئت الوقوف عليها فارجع إلى نصب الراية للزيلعي، ونيل الأوطار للشوكاني، والسنن للدارقطني والراجح عندنا أنها آية من القرآن في كل موضع كتب فيه، والدليل على ذلك الإجماع على أن ما بين الدفتين كلام الله تعالى، والوفاق على إثباتها في المصاحف مع المبالغة في تجريد القرآن عما ليس منه حتى لم يكتب: "آمين". قال النووي في شرح مسلم. (ج١: ص١٧٢) : اعتمد أصحابنا ومن قال بأنها آية من الفاتحة أنها كتبت في المصحف بخط

стр. 1037

رواه مسلم. ٨٣١- (٤) وعن أبي هريرة، قال ((قال رسول الله ﷺ : إذا أمن الإمام فأمنوا، ــ المصحف وكان هذا باتفاق الصحابة وإجماعهم على أن لا يثبتوا فيه بخط القرآن غير القرآن، وأجمع بعدهم المسلمون كلهم في كل الإعصار إلى يومنا وأجمعوا على أنها ليست في أول براءة، وأنها لا تكتب فيها. وهذا يؤكد ما قلناه-انتهى. وقد أوضح هذا الدليل مع ذكر المذاهب العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على الترمذي. (ج٢: ص٢١، ٢٢) فارجع إليه. وقد رجح هو كونها آية من كل سورة كتب في أولها أي من جميع سور القرآن سوى براءة. قال: لا يجوز لقارئ أن يقرأ أية سورة من القرآن سوى براءة من غير أن يبدأها بالتسمية التي هي آية منها في أولها، سواء قراءها ابتداء أم وصلها بما قبلها. وهذا الذي اختاره الشافعي ﵁-انتهى. (رواه مسلم) فيه أن حديث أنس هذا أخرجه البخاري في باب ما يقول بعد التكبير بهذا اللفظ بلا تفاوت حرف، فالأولى للمصنف أن يقول في آخره: "متفق عليه واللفظ للبخاري". وحديث أنس هذا أخرجه أيضاً مالك، والشافعي، وأحمد، والترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه وغيرهم. ٨٣١- قوله: (إذا أمن الإمام) أي قال آمين. فيه مشروعية التأمين للإمام، والمشهور عن مالك وهي رواية عن أبي حنيفة: أنه لا يؤمّن، وهي رواية ابن القاسم عن مالك، وهي المعتمد عند المالكية، وفي رواية عنه أنه لا يؤمن في الجهرية ويؤمن في السرية، وأحاديث الباب ترد عليهم جميعاً. (فأمنوا) أي فقولوا آمين. والحديث قد استدل به الإمام البخاري والنسائي وابن ماجه وغيرهم على أن الإمام يجهر بالتأمين. وجه الاستدلال أنه لو لم يكن تأمين الإمام مسموعاً للمأموم لم يعلم به، وقد علق تأمينه بتأمينه. وأجيب: بأن موضعه معلوم فلا يستلزم الجهر بة. وفيه نظر لاحتمال أنه يخل به فلا يستلزم علم المأموم به. وقد روى روح بن عبادة عن مالك في هذا الحديث عن ابن شهاب: وكان رسول الله ﷺ إذا قال: ((ولا الضالين)) جهر بآمين. أخرجه السراج، ولابن حبان في هذا الحديث قال ابن شهاب: كان إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته وقال: آمين. قاله الحافظ. وقال الخطابي في المعالم. (ج١: ص٢٢٣) : فيه دليل على أن رسول الله ﷺ كان يجهر بآمين، ولولا جهره لم يكن لمن يتحرى متابعته في التأمين على سبيل المداركة طريق إلى معرفة، فدل أنه كان يجهر به جهرا يسمعه من وراءه، وقد روى وائل بن حجر أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأ: ((ولا الضالين)) قال آمين ورفع بها صوته –انتهى. وقال السندي في حاشية النسائي وابن ماجه: قوله: "إذا أمن القارئ" أخذ منه المصنف الجهر بآمين، إذ لو أسر الإمام بآمين لما علم القوم بتأمين الإمام، فلا يحسن الأمر إياهم بالتأمين عند تأمينه، وهذا استنباط دقيق يرجحه ما جاء من التصريح بالجهر، وهذا هو الظاهر المتبادر، نعم قد يقال: يكفي في الأمر معرفتهم لتأمين الإمام بالسكوت عن القراءة، لكن تلك معرفة ضعيفة، بل كثيراً ما يسكت الإمام عن القراءة ثم يقول بآمين، بل الفضل بين القراءة والتأمين هو

стр. 1038

فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه)) متفق عليه. وفي رواية، قال: ((إذا قال الإمام ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين. ــ اللائق فيتقدم تأمين المقتدي على تأمين الإمام إذا اعتمد على هذه الأمارة-انتهى. وقال شيخنا في أبكار المنن (ص١٧٠) : إذا أسر الإمام التأمين لا يعلم المأموم تأمينه، فكيف يوقع المأموم تأمينه مع تأمين الإمام؟ وكيف يتوافق تأمينهما معاً؟ وليس من اللازم حينئذٍ أن يقع تأمينه مع تأمينه، بل يمكن أن يقع معه أو قبله أو بعده، وأما إذا جهر الإمام بالتأمين فيعلم المأموم تأمينه، فحينئذٍ يوقع تأمينه مع تأمينه، فيوافق تأمينهما معاً قطعاً-انتهى. واستدل بقوله: "فأمنوا" على تأخير تأمين المأموم عن تأمين الإمام؛ لأنه رتب عليه بالفاء، لكن المراد عند الجمهور المقارنة لما سيأتي. والمعنى: أمنوا مقارنين له. وعلله إمام الحرمين بأن التأمين لقراءة الإمام لا لتأمينه، فلذلك لا يتأخر عنه. وظاهر سياق الأمر أن المأموم إنما يؤمن إذا أمن الإمام لا إذا ترك. ونص الشافعي في الأم على أن المأموم يؤمن، ولو تركه الإمام سهواً أو عمداً، وهذا هو الحق للرواية التالية. ثم إن هذا الأمر عند الجمهور للندب، وحكى ابن بزيزة عن بعض أهل العلم وجوبه على المأموم عملاً بظاهر الأمر، قال: وأوجبه الظاهرية على كل مصل، ثم في مطلق أمر المأموم بالتأمين أنه يؤمن ولو كان مشتغلاً بقراءة الفاتحة. (فإنه من وافق) المراد بالموافقة الموافقة في القول والزمان، يدل عليه الرواية الآتية: "من وافق قوله قول الملائكة" خلافاً لمن قال: المراد الموافقة في الإخلاص والخشوع، كابن حبان وغيره. (تأمينه تأمين الملائكة) قيل: المراد بالملائكة الحفظة، وقيل: الذين يتعاقبون منهم، إذا قلنا إنهم غير الحفظة. وقيل: من يشهد تلك الصلاة من الملائكة ممن في الأرض أو في السماء. وقيل: الأولى حمله على الأعم؛ لأن اللام للاستغراق فيقولها الحاضرون ومن فوقهم إلى الملأ الأعلى. (غفر له ما تقدم من ذنبه) ظاهره غفران جميع الذنوب الماضية، وهو محمول عند العلماء على الصغائر، وقيل: إن المكفر ليس التأمين الذي هو فعل المؤمن، بل وفاق الملائكة، وليس ذلك إلى صنعه، بل فضل من الله بمجرد وفاق، فيعم الكبائر والصغائر، لكن خص منها حقوق الناس. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً مالك وأحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وغيرهم. (وفي رواية) أي متفق عليها. (قال) أي النبي ﷺ . (إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا: آمين) استدل به المالكية على أن الإمام لا يؤمن؛ لأن القسمة تنافي الشركة، وفيه أن هذه الرواية لا تدل على أن الإمام لا يؤمن، بل هي ساكتة عنه نفياً وإثباتاً، والرواية المتقدمة نص في معناه، وزاد في رواية أحمد والنسائي وابن حبان: أن الإمام يقول آمين، وهو نص لا يحتمل التأويل. ثم إن ظاهر الرواية الأولى من الحديث أن المؤتم يوقع التأمين عند تأمين الإمام، وظاهر الرواية منه أنه يوقعه عند قول الإمام: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ [١: ٧] وجمع الجمهور بين الروايتين بأن المراد بقوله: "إذا أمن" أي أراد التأمين ليقع تأمين الإمام والمأموم

стр. 1039

معاً، فإنه يستحب فيه المقارنة، يدل على هذا ما رواه أحمد والنسائي والسراج بلفظ: "إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين، فإن الملائكة تقول: آمين، وإن الإمام يقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه". وقيل: الأول لمن قرب عن الإمام، والثاني لمن تباعد عنه؛ لأن جهر الإمام بالتأمين أخفض من جهره بالقراءة. وقيل: يؤخذ من الروايتين تخيير المأموم في قولها مع الإمام أو بعده، قاله الطبري. وقيل: لا حاجة إلى الجمع بين الروايتين؛ لأن الجمع والتوفيق فرع التعارض والتخالف، ولا تخالف بين الروايتين، فإن المراد بقوله: "إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين" أي وقال: آمين فقولوا آمين، أي مع تأمين الإمام، يدل عليه قوله ﷺ : فإن الملائكة تقول: آمين، وإن الإمام يقول آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه. قال الحافظ: وهو دال على أن المراد الموافقة في القول والزمان- انتهى. وهذا هو المراد بقوله: "إذا أمن الإمام فأمنوا، أي فقولوا آمين مقارنين بتأمينه. قال الخطابي في المعالم. (ج١: ص٢٢٤) : معنى قوله: "إذا قال الإمام ولا الضالين، فقولوا آمين" أي مع الإمام، حتى يقع تأمينكم وتأمينه معاً، فأما قوله: إذا أمن الإمام فأمنوا. فإنه لا يخالفه ولا يدل على أنهم يؤخرونه عن وقت تأمينه، وإنما هو كقول القائل: إذا رحل الأمير فارحلوا، يريد إذا أخذ الأمير في الرحيل فتهيئوا للإرتحال، ليكون رحيلكم مع رحيله، وبيان هذا في الحديث الآخر أن الإمام يقول آمين والملائكة تقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه، فأحب أن يجتمع التأمينان في وقت واحد رجاء المغفرة. قال: وقد احتج بقوله: "إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا آمين" من ذهب إلى أنه لا يجهر بآمين، وقال ألا ترى أنه جعل وقت فراغ الإمام من قوله: "ولا الضالين" وقتاً لتأمين القوم فلو كان الإمام يقوله جهراً لا ستغنى بسماع قوله عن التحين له مراعاة وقته. قال: وهذا قد كان يجوز أن يستدل به لو لم يكن ذلك مذكوراً في حديث وائل بن حجر الذي تقدم ذكره، وإذا كان كذلك لم يكن فيما استدلوا به طائل، وقد يكون معناه: الأمر به والحض عليه إذا نسيه الإمام، يقول لا تغفلوه إذا أغفله الإمام ولا تتركوا إن نسيه، وأمنوا لأنفسكم لتحرزوا به الأجر- انتهى. وقال السندي: الأقرب أن أحد اللفظين من تصرفات الرواة وحينئذٍ فرواية: "إذا أمن" أشهر وأصح، فهي أشبه أن تكون هي الأصل، والله أعلم- انتهى. وقوله: "آمين" بالمد والتخفيف في جميع الروايات، وعن جميع القراء، وحكى الواحدي عن حمزة والكسائي الإمالة، وفيها لغات أخرى شاذة. وهي من أسماء الأفعال، وتفتح في الوصل؛ لأنها مبنية بالاتفاق، مثل كيف، ومعناه: اللهم استجب. عند الجمهور، وقيل: غير ذلك مما يرجع جميعه إلى هذا المعنى، مثل: ليكن كذلك، وأقبل، ولا تخيب رجاءنا، ولا يقدر على هذا غيرك. وقيل: هو اسم من أسماء الله تعالى. تنبيه: اعلم أنه استدل البخاري بقوله: "إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا: آمين" على الجهر بالتأمين للمأمومين، حيث ترجم عليه: "باب جهر المأموم

стр. 1040

فإنه من وافق قوله قول الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه)) . هذا لفظ البخاري، ولمسلم نحوه. وفي أخرى للبخاري، قال: ((إذا أمن القاري فأمنوا، فإن الملائكة تؤمن، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه)) . ــ بالتأمين" ووجه الأخذ منه على ما قال الزين بن المنير: إن في الحديث الأمر بقول آمين والقول إذا وقع به الخطاب مطلقاً حمل على الجهر، ومتى أريد به الإسرار وحديث النفس قيد بذلك. وقال ابن الرشيد: تؤخذ مناسبة الحديث للترجمة من جهات: منها أنه قال: "إذا قال الإمام فقولوا" فقابل القول بالقول، والإمام إنما قال ذلك جهراً، فكان الظاهر الاتفاق في الصفة. ومنها أنه قال: "فقولوا" ولم يقيده بجهر ولا غيره، وهو مطلق في سياق الإثبات، وقد عمل به في الجهر بدليل ما تقدم، يعني في مسألة الإمام، والمطلق إذا عمل به صورة لم يكن حجة في غيرها باتفاق. ومنها أنه تقدم أن المأموم مأمور بالإقتداء بالإمام، وقد تقدم أن الإمام يجهر فلزم جهره بجهره- انتهى. وتعقب بأنه يستلزم أن يجهر المأموم بالقراءة لأن الإمام جهر بها، لكن يمكن أن ينفصل عنه بأن الجهر بالقراءة خلف الإمام قد نهي عنه فبقى التأمين داخلاً تحت عموم الأمر بإتباع الإمام، ويتقوى ذلك بما تقدم عن عطاء: أن من خلف ابن الزبير كانوا يؤمنون جهراً، وروى البيهقي من وجه آخر عن عطاء، قال: أدركت مائتين من أصحاب رسول الله ﷺ في هذا المسجد إذا قال الإمام: (. (ولا الضالين)) سمعت لهم رجة بآمين، كذا في الفتح. (هذا لفظ للبخاري) ، وأخرجه أيضاً بهذا اللفظ مالك وأبوداود والنسائي. (ولمسلم نحوه) بمعناه. (وفي أخرى للبخاري) في باب التأمين من كتاب الدعوات. (قال) أي النبي ﷺ . (إذا أمن القارئ) قال الحافظ: المراد بالقارئ هنا الإمام إذا قرأ في الصلاة، ويحتمل أن يكون المراد بالقارئ أعم من ذلك- انتهى. قلت: الظاهر أن المراد به هو الإمام إذا قرأ في الصلاة؛ لأن الحديث واحد اختلفت ألفاظه من تصرف الرواة. قيل: الحديث يدل على أن الإمام هو القارئ دون المأموم. وأن المأموم إنما ينتظر فراغه من الفاتحة حتى يقول آمين. وتعقب: بأن الأصح الأشهر رواية: "إذا أمن الإمام، والرواية الأخرى من تصرف الراوي، فالأولى هي العمدة، وبأن إطلاق القارئ على الإمام إنما هو لأنه يجهر بالقراءة بخلاف المقتدي. لا لأن القراءة مختصة بالإمام، وهذا لا يقتضي في القراءة السرية عن المأموم، والمعنى: إذا أمن الإمام بعد الفراغ عن قراءة الفاتحة فأمنوا، وهذا هو معنى قوله: "إذا قال الإمام: (. (غير المغضوب عليهم ولا الضالين)) فقولوا آمين"، ولم يقل أحد: إن هذا يدل على نفي القراءة عن المأموم وحصرها في الإمام، ويمكن أن تحمل هذه الرواية الأخرى على معنى: أن القارئ أي الإمام إذا مر بآية مشتملة على الدعاء بعد الفاتحة وأمن فقولوا آمين، فأطلق لفظ القارئ من حيث أنه ينفرد بقراءة ما فوق الفاتحة دون المقتدي. ورواية البخاري هذه أخرجها أيضاً النسائي وابن ماجه، وفي رواية لأبي داود وابن ماجه عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ -

стр. 1041

٨٣٢- (٥) وعن أبي موسى الأشعري، قال: ((قال رسول الله ﷺ : إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا: آمين؛ يحبكم الله. فإذا كبر وركع، فكبروا واركعوا، فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم، فقال رسول الله ﷺ : فتلك بتلك)) . ــ إذا قال: (. (غير المغضوب عليهم ولا الضالين)) قال آمين. حتى يسمع من يليه من الصف الأول. وزاد ابن ماجه: فيرتج بها المسجد. وأخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه. ٨٣٢- قوله: (إذا صليتم) أي أردتم الصلاة. (فأقيموا صفوفكم) أي عدلوها، وسووها، وتراصوا فيها بحيث لا يكون فيها اعوجاج ولا فرج. فالمراد بإقامة الصفوف تسويتها واعتدال القائمين فيها على خط مستقيم وسمت واحد، والتراص فيها، وتتميمها الأول فالأول، وسد الخلل الذي في الصف، وعدم الفرج. قال العيني: وهي أي تسوية الصف من سنة الصلاة عند أبي حنيفة والشافعي ومالك، وزعم ابن حزم أنه فرض، فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة، وإقامة الصلاة فرض، وما كان من الفرض فهو فرض. (ثم ليؤمكم أحدكم) فيه الأمر بالجماعة في المكتوبات، ولا خلاف في ذلك، ولا ينافي هذا ما صح عنه ﷺ : يؤم القوم أقرأهم، الخ.؛ لأنه لبيان الأفضل، وذلك لبيان حصول أصل الجماعة، أو محمول على استواء الجميع في السن والفضيلة. (فإذا كبر فكبروا) فيه أمر المأموم بأن يكون تكبيرة عقب تكبير الإمام فلا يكبر قبل الإمام ولا معه بل بعده؛ لأن الفاء للتعقيب. (وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين) أي وقال: آمين. (فقولوا: آمين) أي مع تأمينه ليتوافق التأمينان معاً. واستدل بهذا الحديث بعض الحنفية على ترك الفاتحة خلف الإمام؛ لأنه ﷺ لم يأمرهم بقراءتها والمقام مقام التعليم، وقال بعضهم: في قوله: "إذا قال: غير المغضوب عليهم" الخ. إشارة إلى السكوت والاستماع. قلت: قد أمرهم النبي ﷺ بقراءة الفاتحة غير مرة فترك ههنا لظهور أمرها وشهرة شأنها، واعتماداً على ما أكد الأمر فيها فلم يكن حاجة إلى أن يذكرها كل مرة، كيف ولم يذكر ههنا دعاء الاستفتاح، والتعوذ، ووضع اليدين، وغير ذلك من السنن وبعض الواجبات، والمقام مقام التعليم، ومع ذلك اتفقوا على مشروعيتها لكونها ثابتة من أحاديث أخرى، فليكن هكذا أمر الفاتحة خلف الإمام، ولا عبرة بالإشارة والمفهوم في مقابلة النص الصريح والمنطوق. (يحبكم الله) بالجزم جواب الأمر، أي يستجب لكم، وهذا حث عظيم على التأمين فيتأكد الاهتمام به. (فإذا كبر وركع، فكبروا واركعوا، فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم) معناه: اجعلوا تكبيركم للركوع وركوعكم بعد تكبيره وركوعه، وكذلك رفعكم من الركوع يكون بعد رفعه. (فتلك بتلك) أي فتلك اللحظة التي تقدمكم إمامكم مجبورة بتلك اللحظة التي تأخرتم عنه. قال النووي: معناه أي تلك اللحظة التي سبقكم الإمام بها في تقدمه إلى الركوع ينجبر لكم بتأخركم في الركوع بعد رفعه لحظة،

стр. 1042

قال: ((وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، يسمع الله لكم)) رواه مسلم. ٨٣٣- (٦) وفي رواية له عن أبي هريرة وقتادة: ــ فتلك اللحظة بتلك اللحظة، وصار قدر ركوعكم كقدر ركوعه، وكذلك في السجود. وقال الخطابي في المعالم. (ج١: ص٢٣٠) : فيه وجهان: أحدهما أن يكون ذلك مردوداً إلى قوله: "وإذا قرأ الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا: آمين، يحبكم الله" يريد أن كلمة آمين يستجاب بها الدعاء الذي تضمنه السورة أو الآية، كأنه قال: فتلك الدعوة مضمنة بتلك الكلمة أو معلقة بها، أو ما أشبه ذلك من الكلام. والوجه الآخر أن يكون ذلك معطوفاً على ما يليه من الكلام: "وإذا كبر وركع فكبروا واركعوا" يريد أن صلاتكم متعلقة بصلاة إمامكم فاتبعوه، وائتموا به، ولا تختلفوا عليه، فتلك إنما تصح وتثبت بتلك. (وإذا قال) أي الإمام. (سمع الله لمن حمده) أي استجاب الله دعاء من حمده. (يسمع الله لكم) بكسر العين، أي يستجيب لكم ويقبله، وكان مجزوماً لجواب الأمر فحرك بالكسر. وفيه دلالة على استحباب الجهر من الإمام بالتسميع ليسمعوه فيقولون. واستدل به من يقول: إن الإمام يقول: سمع الله لمن حمده فقط، والمأموم: اللهم ربنا لك الحمد فقط؛ لأن القسمة بين الذكرين تقطع الشركة. ويجاب: بأن أمر المؤتم بالحمد عند تسميع الإمام لا ينافي فعله له، كما أنه لا ينافي قوله ﷺ : "إذا قال الإمام ولا الضالين، فقولوا: آمين" قراءة المؤتم للفاتحة. وكذلك أمر المؤتم بالتحميد لا ينافي مشروعية للإمام، كما لا ينافي أمر المؤتم بالتأمين، تأمين الإمام. وقد استفيد التحميد للإمام والتسميع للمؤتم من أدلة أخرى، قاله الشوكاني. وقال شيخنا في أبكار المنن (ص٢٢٠) : ورد هذا الاستدلال بأن غرضه ﷺ من هذا القول ليس للقسمة بين الإمام والمقتدي. بل ذكر وقت تحميد المقتدي أنه عند قول الإمام: "سمع الله لمن حمده" وهو ساكت عن تحميد الإمام إثباتاً ونفياً- انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي. ٨٣٣- قوله: (وفي رواية له) أي لمسلم، وكذا لأبي داود، وابن ماجه أيضاً. (عن أبي هريرة وقتادة) أي وعن قتادة، فيكون أثرا موقوفاً على قتادة لا حديثاً مرفوعاً، وإليه أشار النووي بقوله: لاسيما لم يروها مسندة في صحيحه، فكأن المصنف وافق النووي في جعل هذه الزيادة غير مسندة. وفيه نظر: فإن هذه الزيادة ليست موقوفة على قتادة من قوله، بل هي مرفوعة متصلة رواها مسلم مسنده في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري من طريق جرير، عن سليمان التيمي، عن قتادة، عن يونس بن جبير أبي غلاب، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن أبي موسى الأشعري، وهذا ظاهر غير خفي لمن يتأمل في سياق الحديث عند مسلم. والظاهر عندي: أن معنى قول المصنف: وقتادة، أي وعن قتادة عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله، عن أبي موسى، فيكون إشارة إلى أن هذه الزيادة رواها مسلم من حديث أبي هريرة، ومن حديث أبي موسى أيضاً لكن من طريق جرير، عن سليمان التيمي، عن قتادة، عن يونس بن جبير، الخ. تنبيه:

стр. 1043

((وإذا قرأ فأنصتوا)) . ــ ظاهر عبارة المصنف يقتضي أن هذه الزيادة أخرجها مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة، وليس كذلك، بل يفهم من كلام مسلم أنه لم يخرج حديث أبي هريرة هذا أصلاً، فإن في كتابه بعد إيراد حديث أبي موسى وذكر هذه الزيادة من رواية جرير عن سليمان التيمي عن قتادة: "قال أبوبكر بن أخت أبي النضر: فحديث أبي هريرة يعني: وإذا قرأ فأنصتوا؟ فقال مسلم: هو عندي صحيح، فقال: لِم لم تضعه ههنا؟ فقال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ههنا ما اجتمعوا عليه" انتهى. وحديث أبي هريرة هذا قد ذكره المصنف في الفصل الثاني، ويأتي الكلام عليه هناك. (وإذا قرأ فأنصتوا) أي اسكتوا للاستماع، وهذا لا يكون إلا حالة الجهر، قاله السندي. وقد احتج بذلك القائلون عن المؤتم لا يقرأ خلف الإمام في الصلاة الجهرية، وهم إسحاق بن راهويه وأحمد ومالك والحنفية، لكن الحنفية قالوا: لا يقرأ خلف الإمام لا في سرية ولا جهرية. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ [٧: ٢٠٤] قال ابن الهمام في فتح القدير: حاصل الاستدلال بالآية أن المطلوب أمران: الاستماع والسكوت، فيعمل بكل منهما، والأول يخص الجهرية والثاني لا، فيجري على إطلاقه، فيجب السكوت عند القراءة مطلقاً- انتهى. وبقوله: إذا قرأ فأنصتوا، في حديث أبي موسى، وفي حديث أبي هريرة الآتي في الفصل الثاني، قال العيني: هذا حجة صريحة في أن المقتدي لا يجب عليه أن يقرأ خلف الإمام أصلاً على الشافعي في جميع الصلوات، وعلى مالك في الظهر والعصر- انتهى. قلت: الاستدلال بالآية وبقوله: "إذا قرأ فأنصتوا" على منع القراءة خلف الإمام في الصلوات الجهرية أو مطلقاً غير صحيح. أما الآية فلأن صحة الاستدلال بها موقوفة على أن يكون الخطاب فيها مع المسلمين وهو ممنوع، بل الظاهر أن الخطاب فيها مع الكفار، قال الفخر الرازي في تفسيره: لا شك أن قوله: ﴿فاستمعوا له وأنصتوا﴾ أمر، وظاهر الأمر للوجوب، فمقتضاه أن يكون الاستماع والسكوت واجباً، وللناس فيه أقوال. (إلى أن قال) : وفي الآية قول خامس: وهو أنه خطاب مع الكفار في ابتداء التبليغ وليس خطاباً مع المسلمين، وهذا قول حسن مناسب- انتهى. ثم ذكر الرازي تقرير هذا القول، من شاء الوقوف عليه فليرجع إلى تفسيره. وما قيل: أنه أجمع الناس على أن هذه الآية نزلت في الصلاة، فهو ادعاء محض، لم يقم عليه دليل صحيح. ويرده: أن في سبب نزولها أقوالاً وروايات مختلفة عن الصحابة ومن بعدهم: منها أنها نزلت في السكوت عند الخطبة. ويرده أيضاً: أن الصحابة قد اختلفوا في القراءة خلف الإمام، وقد قال بها أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم كما صرح به الترمذي. ويرده أيضاً: قول ابن المبارك: أنا أقرأ خلف الإمام، والناس يقرأون إلا قوم من الكوفيين. ويرده أيضاً أن أحمد اختار القراءة خلف الإمام، وأن لا يترك الرجل فاتحة الكتاب وإن كان خلف الإمام، كما ذكره الترمذي. وأما ما قيل: أن الخطاب في هذه الآية وإن كان مع الكفار لكن قد تقرر في مقره

стр. 1044

أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، فيجري لفظ الآية على عمومه، ويشمل حكمه المورد وغيره، فتدل هذه الآية بعمومها على وجوب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن مطلقاً ففيه: أنه لا شك في أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، لكن قد تقرر أيضاً في مقره أن اللفظ لو يحمل على عمومه يلزم التعارض والتناقض، ولو يحمل على خصوص السبب يندفع التعارض، فحينئذٍ يحمل على خصوص السبب. قال ابن الهمام في فتح القدير: قوله ﷺ : ليس من البر الصيام في السفر، محمول على أنهم استضروا به، بدليل ما ورد في صحيح مسلم في لفظ: إن الناس قد شق عليهم الصوم، والعبرة وإن كان لعموم اللفظ لا لخصوص السبب لكن يحمل عليه دفعاً للمعارضة بين الأحاديث، الخ. فإذا عرفت هذا فاعلم أنه لو يحمل قوله: ﴿وإذا قرئ القرآن﴾ على عمومه لزم التعارض والتناقض بينه وبين قوله تعالى: ﴿فاقرؤا ما تيسر من القرآن﴾ [٧٣: ٢٠] وأحاديث القراءة خلف الإمام، ولو يحمل على خصوص السبب يندفع التعارض، فحينئذٍ يحمل على خصوص السبب. ولو تنزلنا واعتبرنا عموم لفظها بل سلمنا أن فيها الخطاب مع المسلمين فعلى هذا التقدير أيضاً الاستدلال بها على منع القراءة خلف الإمام في الجهرية أو مطلقاً ليس بصحيح لوجوه كثيرة: منها أن هذه الآية ساقطة عن الاستدلال عند الحنفية كما صرحوا به في كتب الأصول، ففي نور الأنوار (ص١٩١) : وحكمها بين الآيتين المصير إلى السنة؛ لأن الآيتين إذا تعارضتا تساقطتا فلا بد للعمل من المصير إلى ما هو بعده وهو السنة، ولا يمكن المصير إلى الآية الثالثة؛ لأنه يفضي إلى الترجيح بكثرة الأدلة وذلك لا يجوز، ومثاله قوله تعالى: ﴿فاقرؤا ما تيسر من القرآن﴾ مع قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ فإن الأول بعمومه يوجب القراءة على المقتدي، والثاني بخصوصه ينفيه، وقد وردا في الصلاة جميعاً فتساقطا، فيصار إلى حديث بعده، وهو قوله ﵇: من كان له إمام فقرأه الإمام له قراءة- انتهى. وقال مسعود بن عمر سعد الدين التفتازاني- الذي جعله طائفة حنفياً كابن نجيم وعلي القاري، وجعله بعضهم شافعياً كصاحب كشف الظنون والكفوي والسيوطي- في التلويح حاشية التوضيح شرح التنقيح، في باب المعارضة والترجيح: مثال المصير إلى السنة عند تعارض الآيتين قوله تعالى: ﴿فاقرؤا ما تيسر من القرآن﴾ وقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ تعارضنا فصرنا إلى قول النبي ﷺ : من كان له إمام فقراءه الإمام له قراءة- انتهى. ومنها أن الآية إنما أمرت باستماع القرآن والإنصات له، وهذا لا يقتضي وجوب سكوت المقتدي مطلقاً بأن لا يقرأ في نفسه أيضاً، فإن الإنصات هو ترك الجهر، والعرب يسمى تارك الجهر منصتاً وإن كان يقرأ في نفسه وسرا إذا لم يسمع أحد قراءته، وقد حقق ذلك البيهقي في كتاب القراءة، وعلى هذا فالدليل غير مثبت للمرام، والتقريب غير تام، وقد يقرر هذا الوجه بأن قوله: ﴿وإذا قرئ القرآن﴾ الخ، إنما ينفي القراءة خلف الإمام جهرا ويرفع الصوت، فإنها تشغل عن استماع القرآن، وأما القراءة خلفه في النفس وبالسر فلا ينفيها، فإنها لا تشغل عن الاستماع فنحن نقرأ الفاتحة خلف الإمام عملاً بأحاديث القراءة خلف

стр. 1045

الإمام في النفس وسراً، ونستمع القرآن عملاً بقوله: ﴿وإذا قرئ القرآن﴾ والإشغال بأحدهما لا يفوت الآخر، ألا ترى أن الفقهاء الحنفية يقولون: إن استماع الخطبة يوم الجمعة واجب لقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن﴾ ومع هذا يقولون إذا قرأ الخطيب: ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً﴾ [٣٣: ٥٦] فيصلي السامع في النفس وسراً. ومنها أن كتب المذاهب الثلاثة الشافعية والمالكية والحنابلة قد صرحت بجواز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد عند الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة كما في المحصول، والمختصر، وشرحه للعضد، وشرح الأسنوي على المنهاج للقاضي البيضاوي، والمستصفى، وروضة الناظر، وإرشاد الفحول، وغيرها، فلو سلمنا أن قوله: ﴿وإذا قرئ القرآن﴾ عام فحديث عبادة أخص منه، فيخص به عموم الآية، وتحمل على ما عدا الفاتحة، أو على غير المقتدي. قال الرازي في تفسيره: السؤال الثالث وهو المعتمد أن تقول: الفقهاء أجمعوا على أنه يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، فهب أن عموم قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ يوجب سكوت المأموم عند قراءة الإمام إلا أن قوله ﵇: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. وقوله: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب. أخص من ذلك العموم، وثبت أن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لازم فوجب تخصيص هذه الآية بهذا الخبر، وهذا السؤال حسن انتهى. وفي تفسير النيسابوري: وقد سلم كثير من الفقهاء عموم اللفظ. إلا أنهم جوزوا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وذلك ههنا قوله ﷺ : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب- انتهى. ومنها أن الآية لا تدل إلا على وجوب الاستماع والإنصات أي السكوت له، وهذا مختص بالجهرية لا يتعدى إلى غيرها، فإن الاستماع والسكوت له لا يكون في السرية، فلو سلم أن هذه الآية تدل على منع القراءة خلف الإمام فإنما تدل على المنع في الجهرية دون السرية فيكون المدعى عاماً والدليل خاصاً. ومنها أن الآية لا تدل إلا على وجوب الإنصات حال قراءة الإمام لاستماعه، لا على السكوت مطلقاً؛ لأن المأمور في الآية الاستماع والإنصات، والاستماع لا يمكن وجوده إلا حال القراءة، والإنصات ليس عبارة عن السكوت مطلقاً بل عن سكوت مستمع. قال الرازي في تفسيره: الإنصات سكوت مع استماع، ومتى انفك أحدهما عن الآخر لا يقال له إنصات. قال تعالى: ﴿فاستمعوا له وأنصتوا﴾ . وقال العيني في شرح البخاري: الإنصات هو السكوت مع الإصغاء. وقال محمد بن أبي بكر الرازي في جواهر القرآن: "أنصتوا" اسكتوا سكوت مستمعين. يقال: نصت وأنصت وأنصت له، كله بمعنى واحد، أي سكت مستمعاً. وقال الجزري في النهاية: قد تكرر ذكر الإنصات في الحديث، يقال أنصت ينصت إنصاتاً. إذا سكت سكوت مستمع. وقال الفتني في مجمع البحار: باب الإنصات للعلماء، أي السكوت والاستماع لأجل ما يقولون- انتهى. ومثله كثير في كتب اللغة، وغريب القرآن، والحديث، وشروح الحديث، فلا وجود للإنصات أيضاً إلا حال القراءة، فالقول بأن الاستماع في الجهرية والإنصات بمعنى السكوت في السرية باطل،

стр. 1046

فيقرأ المأموم الفاتحة في سكتات الإمام في الجهرية، وينصت عند القراءة، ويكون عاملاً بالقرآن والسنة جميعاً. قال الإمام البخاري في جزء القراءة: قيل له احتجاجك بقول الله تعالى: ﴿فاستمعوا له وأنصتوا﴾ أرأيت إذا لم يجهر الإمام يقرأ خلفه؟ فإن قال: لا. بطل دعواه؛ لأن الله تعالى قال: (. (فاستمعوا له وأنصتوا﴾ وإنما يستمع لما يجهر، مع أنا نستعمل قول الله: ﴿فاستمعوا له﴾ نقول: يقرأ خلف الإمام عند السكتات- انتهى. وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي في إمام الكلام (ص١٠٧) : الإنصاف الذي يقبله من لا يميل إلى الاعتساف أن الآية المذكورة التي استدل بها أصحابنا على مذهبهم لا تدل على عدم جواز القراءة في السرية، ولا على عدم جواز القراءة في حال الجهرية عند السكتة، وقال: الاستدلال بها على وجوب الإنصات مطلقاً سرية كانت أو جهرية في حال السكتة وفي حال القراءة غير تام إلا بتأويلات ركيكة، لا يقبلها ذو الفهم التام- انتهى. وههنا وجوه أخرى تدل كلها على أن استدلال الحنفية بها على مطلوبهم المذكور ليس بصحيح، ولا يثبت بها مدعاهم. وقد ذكرها شيخنا في كتابه: "تحقيق الكلام في وجوب القراءة خلف الإمام". وأما قوله ﷺ : إذا قرأ فأنصتوا، فقد أجمع أكثر الحفاظ على أنه وهم من الراوي، وأنه ليس بصحيح، منهم البخاري وأبوداود وأبوحاتم وابن معين والحاكم والدارقطني وابن خزيمة ومحمد بن يحيى الذهلي، والحافظ أبوعلى النيسابوري والحافظ على بن عمرو البيهقي، وصححه أحمد ومسلم، ولا شك أن عدد المضعفين أكثر من عدد من صححه بأضعاف، فيقدم تضعيفهم على تصحيح مسلم ومن وافقه، وقد حقق وقرر شيخنا في أبكار المنن (ص١٥٠-١٥٣) وتحقيق الكلام. (ج٢: ص٨١-٩٤) كون هذه اللفظة غير صحيحة، وأشبع الكلام في ذلك فارجع إلى هذين الكتابين. ولو سلم أن هذه اللفظة في حديث أبي موسى وأبي هريرة صحيحة محفوظة فالاستدلال بها على منع القراءة خلف الإمام ليس بصحيح، كما أن الاستدلال على هذا المطلوب بقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن﴾ ليس بصحيح كما عرفت، وعلى عدم صحة الاستدلال بها على المنع وجوه أخرى مذكورة في: "تحقيق الكلام". منها أن قوله وإذا قرأ فأنصتوا محمول على ما عدا الفاتحة جمعاً بين الأحاديث. قال الحافظ في الفتح: واستدل من أسقطها عنه في الجهرية كالمالكية بحديث: وإذا قرأ فأنصتوا، ولا دلالة فيه لإمكان الجمع بين الأمرين فينصت فيما عدا الفاتحة، أو ينصت إذا قرأ الإمام ويقرأ إذا سكت. وقال الإمام البخاري في جزء القراءة: ولو صح لكان يحتمل سوى الفاتحة، وأن قرأ فيما سكت الإمام، ويؤيد هذا أن أبا هريرة كان يفتي بعد وفاة رسول الله ﷺ بقراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام في جميع الصلوات جهرية كانت أو سرية، وهو راوي حديث: وإذا قرأ فأنصتوا، أيضاً. وارجع إلى المحلي. (ج٣: ص٢٤١) لابن حزم فقد أوضح ذلك الجواب فيه. واستدل أيضاً ــ ١- هو كتاب مبسوط في اللغة الأردية، مفرد في هذه المسألة، عديم النظير، قد تم في جزئين كبيرين: الجزء الأول في ذكر وجوب خلف الإمام من الأحاديث وآثار الصحابة والتابعين، والجزء الثاني في ذكر مستدلات من ذهب إلى عدم الوجوب، أو المنع والكراهة في الجهرية، أو مطلقاً مع الجواب عن كل دليل بعدة وجوه، فعليك أن ترجع إليه.

стр. 1047

الحنفية بحديث جابر: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة. أخرجه الطحاوي والدارقطني وغيرهما. والجواب عنه أن هذا الحديث بجميع طرقه ضعيف كما بينه شيخنا في أبكار المنن وتحقيق الكلام. قال الحافظ في الفتح: واستدل من أسقطها عن المأموم مطلقاً كالحنفية بحديث: من صلى خلف الإمام فقراءة الإمام له قراءة، لكنه ضعيف عند الحفاظ، وقد استوعب طرقه، وعلله الدارقطني وغيره- انتهى. وقال في التلخيص: حديث: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" مشهور من حديث جابر، وله طرق عن جماعة من الصحابة وكلها معلولة- انتهى. وقال ابن كثير في تفسيره بعد ما ذكره عن مسند أحمد بن حنبل: في إسناد ضعف، ورواه مالك، عن وهب بن كيسان، عن جابر من كلامه، وقد روي هذا الحديث من طرق لا يصح شيء منها عن النبي ﷺ انتهى. وقال البخاري في جزء القراءة: هذا الخبر لم يثبت عند أهل العلم من أهل الحجاز وأهل العراق وغيرهم لإرساله وانقطاعه- انتهى. ولو سلم أن هذا الحديث صحيح فقد أجيب عنه بوجوه كثيرة ذكرها شيخنا في: "تحقيق الكلام" من شاء الوقوف عليها رجع إليه. فمنها أن هذا الحديث معارض بقوله تعالى: ﴿فاقرؤا ما تيسر من القرآن﴾ ، فإنه بعمومه نص صريح في أن المقتدى لا بد له من قراءة حقيقية خلف الإمام، وهذا الحديث يدل على منع القراءة الحقيقية خلف الإمام على قول أكثرهم، أو يدل على أن المقتدي لا حاجة له أن يقرأ خلف الإمام قراءة حقيقية، بل قراءة إمامه تكفيه، فلا يجوز تركه بخبر الواحد، وأما قول العيني: جعل المقتدي قارئا بقراءة الإمام، فلا يلزم الترك، فمبني على عدم التدبر، فإنه ليس المراد بقوله: من كان له إمام، الخ. إلا أن قراءة الإمام تكفي المقتدى، ولا حاجة له إلى القراءة الحقيقية، فلو يقبل هذا الحديث ويعمل به يلزم الترك بلا شبه. ومنها ما قال البخاري في جزء القراءة: فلو ثبت الخبران كلاهما لكان هذا مستثنى من الأول لقوله: لا يقرأن إلا بأم الكتاب. وقوله: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة، جملة، وقوله: "إلا بأم القرآن" مستثنى من الجملة كقول النبي ﷺ : جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، ثم قال في أحاديث أخر: إلا المقبرة، وما استثناه من الأرض، والمستثنى خارج من الجملة، وكذلك فاتحة الكتاب خارج من قوله: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة، مع انقطاعه- انتهى. ومنها أن هذا الحديث وارد فيما عدا الفاتحة، قال الشيخ عبد الحي اللكنوى في إمام الكلام (ص١٥٠) : قد يقال: إن مورد هذا الحديث هو قراءة رجل خلف النبي ﷺ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [٨٧: ١] في الظهر أو العصر كما مر من طرق عن جابر، فهو شاهد لكونه وارداً فيما عدا الفاتحة- انتهى. والعبرة وإن كانت لعموم اللفظ لا لخصوص المورد لكن قد يحمل الحديث على خصوص مورده إذا حصل بذلك الجمع بين الأحاديث المتعارضة دفعاً للتعارض، فحديث جابر هذا يحمل على خصوص مورده أي ما عدا الفاتحة؛ لأنه يحصل بذلك الجمع بين الأحاديث ويندفع التعارض. وقال الزيلعي في نصب الراية: وحمل البيهقي هذا الأحاديث على ما عدا الفاتحة، واستدل بحديث عبادة أن

стр. 1048

النبي ﷺ صلى الفجر ثم قال: لعلكم تقرأون خلف إمامكم، قلنا: نعم. قال: فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب. وأخرجه أبوداود بإسناد رجاله ثقات، وبهذا يجمع بين الأدلة المثبتة للقراءة والنافية- انتهى. ومنها ما قال الشيخ عبد الحي اللكنوي في إمام الكلام (ص٥٠) : إن هذا الحديث يعني حديث من كان له إمام، الخ. ليس بنص على ترك الفاتحة بل يحتملها ويحتمل قراءة ما عداها، وتلك الروايات يعني روايات عبادة وغيره في القراءة خلف الإمام تدل على وجوب قراءة الفاتحة أو استحسانها نصاً، فينبغي تقديمها عليه قطعاً-انتهى. وقال فيه أيضاً: حديث عبادة نص في قراءة الفاتحة خلف الإمام، وأحاديث النهي والترك لا تدل على تركها نصاً بل ظاهراً، وتقديم النص على الظاهر عند تعارضهما منصوص في كتب الأعلام- انتهى. وقال الحازمي في كتاب الاعتبار: الوجه الثالث والثلاثون أن يكون الحكم الذي تضمنه أحد الحديثين منطوقاً به، وما تضمنه الحديث الآخر يكون محتملاً، يعني فيقدم الأول على الثاني. ومنها: أن هذا الحديث منسوخ عند الحنفية فلا يصح الاستدلال به على منع القراءة خلف الإمام، وتقرير النسخ أن جابراً راوي هذا الحديث كان يقرأ خلف الإمام كما روي ابن ماجه بسند صحيح عنه، وكذلك روى هذا الحديث أبوهريرة، وأنس، وأبوسعيد، وابن عباس، وعلي، وعمران بن حصين ﵃، وكان كل من هؤلاء يقرأ الفاتحة خلف الإمام ويفتي بعد وفاة رسول الله ﷺ بقراءتها، بعضهم في جميع الصلوات، وبعضهم في السرية فقط. وقد تقرر عند الحنفية أن عمل الصحابي وفتواه على خلاف حديثه يدل على نسخه، فهذا الحديث عند الحنفية منسوخ، وإن شئت الاطلاع على الأجوبة الأخرى فعليك أن تطالع تحقيق الكلام. تنبيه: قال شيخنا في شرح الترمذي: أعلم أن الحنفية قد استدلوا على منع القراءة خلف الإمام ببعض آثار الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -، كأثر زيد بن ثابت، قال: لا قراءة مع الإمام في شيء. رواه مسلم، وأخرج الطحاوي عن زيد، وجابر، وابن عمر، أنهم قالوا: لا يقرأ خلف الإمام في شيء من الصلوات. قلت: احتجاجهم بهذه الآثار ليس بشيء، فإن الأئمة الحنفية كالشيخ ابن الهمام وغيره قد صرحوا بأن قول الصحابي حجة ما لم ينفه شيء من السنة، وقد عرفت أن الأحاديث المرفوعة الصحيحة الصريحة دالة على وجوب القراءة خلف الإمام، فهي تنفي هذه الآثار فكيف يصح الاحتجاج بها. قال صاحب إمام الكلام: صرح ابن الهمام وغيره أن قول الصحابي حجة ما لم ينفح شيء من السنة، ومن المعلوم أن الأحاديث المرفوعة دالة على إجازة قراءة الفاتحة خلف الإمام، فكيف يؤخذ بالآثار وتترك السنة- انتهى. وأيضاً قد صرحوا بأن حجية آثار الصحابة إنما تكون مفيدة إذا لم يكن الأمر مختلفاً فيه بينهم كما في التوضيح، ونور الأنوار، والأمر فيما نحن فيه ليس كذلك، بل فيه إختلاف الصحابة، فكيف يصح احتجاجهم بهذه الآثار، فلا بد أن تحمل على قراءة السورة التي بعد الفاتحة، أو على الجهر بالقراءة مع الإمام؛ لئلا تخالف الأحاديث المرفوعة الصحيحة. قال النووي في شرح مسلم: والثاني أنه أي قول زيد بن ثابت محمول على قراءة السورة

стр. 1049

٨٣٤- (٧) وعن أبي قتادة، قال: ((كان النبي ﷺ يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب، ــ التي بعد الفاتحة في الصلاة الجهرية، فإن المأموم لا يشرع له قراءتها، وهذا التأويل متعين ليحمل قوله على موافقة الأحاديث الصحيحة-انتهى. وقال البيهقي في كتاب القراءة: وهو أي قول زيد محمول عندنا الجهر بالقراءة مع الإمام، وما من أحد من الصحابة وغيرهم من التابعين قال في هذه المسألة قولاً يحتج به من لم ير القراءة خلف الإمام إلا وهو يحتمل أن يكون المراد به ترك الجهر بالقراءة-انتهى. ٨٣٤- قوله: (في الأوليين) بيائين وضم الهمزة، تثنية الأولى وكذا الأخريين. (بأم الكتاب) أي في كل ركعة منهما. (وسورتين) أي في كل ركعة سورة، ويدل على ذلك ما ثبت من حديث أبي قتادة في رواية للبخاري بلفظ: كان النبي ﷺ يقرأ في الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة سورة. واستدل به على أن قراءة سورة أفضل من قراءة قدرها من طويلة، وكأنه مأخوذ من قوله: كان يفعل؛ لأنها تدل على الدوام أو الغالب. (وفي الركعتن الأخريين بأم الكتاب) ظاهره أنه لا يزيد على أم الكتاب في الأخريين، ويدل حديث أبي سعيد الآتي على أنه كان يقرأ في الأخريين من الظهر غيرها معها، ويزيده دلالة على ذلك ما وقع في رواية لمسلم من هذا الحديث أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية، أو قال نصف ذلك. قال الأمير اليماني: ولعل حديث أبي قتادة أرجح من حديث أبي سعيد من حيث الرواية؛ لأنه اتفق عليه الشيخان، ومن حيث الدراية؛ لأنه إخبار مجزوم به، وخبر أبي سعيد انفرد به مسلم، ولأنه خبر عن حزر وتقدير وتظنن. ويحتمل أن يجمع بينهما بأنه ﷺ كان يصنع هذا تارة فيقرأ في الأخريين غير الفاتحة معها، ويقتصر فيهما أحياناً فتكون الزيادة عليها فيهما سنة تفعل أحياناً وتترك أحياناً-انتهى. قلت: الجمع بينهما عندي أولى من الترجيح، فالظاهر أنه يجوز الزيادة على الفاتحة في الأخريين من غير كراهة، ويؤيده ما رواه مالك في المؤطا عن أبي عبد الله الصنابحي: أنه سمع أبى بكر يقرأ في الثالثة في المغرب: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا﴾ [٣: ٨] الآية. وحمل الباجي وابن قدامة فعل أبي بكر هذا على أنه كان على معنى الدعاء لا على معنى أنه قرن قراءته على حسب ما تقرن بها السورة. وفيه: أن هذا الحمل يحتاج إلى دليل، وهو مفقود فلا يصغى إليه، ويؤيد أيضاً ما تقدم من كون الزيادة على الفاتحة في غير الأوليين جائزة من غير كراهة بل سنة ما رواه مالك أيضاً عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان يقرأ في الأربع جميعاً، في كل ركعة بأم القرآن وسورة من القرآن. والظاهر أن الصلاة كانت فريضة لما في رواية محمد في هذا الأثر في الأربع جميعاً من الظهر والعصر. قال النووي: استحسن الشافعي قراءة السورة مع الفاتحة في الأخريين في الجديد دون القديم، والقديم هنا أصح، وهو مذهب مالك. قلت: وهو قول

стр. 1050

ويسمعنا الآية أحيانا، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطيل في الركعة الثانية، ــ أحمد. وعند الحنفية فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن ضم السورة يوجب سجدة السهو. والثاني: أنه لا يوجب لكن يكره. والثالث: أنه لا يسن ولا يكره. وهو قول فخر الإسلام، وحقق الشامي أنه لو زاد على الفاتحة يكون خلاف الأفضل. (ويسمعنا الآية) من الإسماع أي يقرأ بحيث تسمع الآية من جملة ما يقرأ. وللنسائي من حديث البراء: كنا نصلي خلف النبي ﷺ الظهر فنسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان والذاريات. ولابن خزيمة من حديث أنس نحوه، لكن قال: بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية. وهذه الأحاديث دليل على أنه لا يجب الإسرار في السرية، وأن الجهر بالشيء اليسير من الآيات في الصلاة السرية جائز مغتفر لا يوجب سهواً يقتضي السجود. واختلف الحنفية في وجوب سجدة السهو إذا جهر في السرية، فقيل: تجب ولو بكلمة، وقيل بآياته تامة، وقيل بأكثر من الآية، وأحاديث الباب ترد هذه الأقوال كلها سواء. قلنا: كان يفعل ذلك عمداً لبيان الجواز كما هو الظاهر من لفظ الإسماع، أو بغير قصد للاستغراق في التدبر، أو ليعلمهم أنه يقرأ، أو يقرأ سورة كذا ليتأسوا به. واعلم أن الجهر في مواضع الجهر والإسرار في مواضع الإسرار في الجهرية، والإسرار في السرية سنة عند الشافعي وأحمد، فإن فعل خلاف ذلك، أي جهر فيما يسر فيه، أو أسر فيما يجهر فيه كره ذلك، وأجزأه، وتمت صلاته، ولا سجود سهو فيه. وهو قول الظاهرية، وهو الحق. والدليل على ذلك أن الجهر فيما يجهر فيه، والإسرار فيما يسر فيه إنما هما فعل رسول الله ﷺ ، وليسا أمراً منه، وأفعاله- ﵇ على الإتساء، لا على الوجوب، وإنما كره خلاف ذلك لأن الجمهور من فعله- ﵇ -كان الجهر في الجهرية، والإسرار في السرية، ولا سجود سهو في ذلك، لحديث أبي قتادة، وحديث البراء وأنس، وما أبيح تعمد فعله أو تركه فلا سهو فيه؛ لأنه فعل ما هو مباح له، ولم يقم دليل على وجوب الجهر في الجهرية، والإسرار في السرية، لا من كتاب ولا من سنة، وقد اعترف بذلك بعض العلماء الحنفية حيث قال: هو سنة عند الجمهور، وواجب عندنا. ولا دليل له عندي-انتهى. وحكم المنفرد كحكم الإمام، فيسن له أيضاً الجهر عند الشافعي، وظاهر كلام أحمد أنه يخير، وكذلك من فاته بعض الصلاة فقام ليقضيه قال أحمد: إنما الجهر للجماعة. (أحياناً) أي في أحيان جمع حين، وهو يدل على تكرر ذلك منه ﷺ . وفيه دليل على جواز أن يخبر الإنسان بالظن، وإلا فمعرفة القراءة بالسورة في السرية لا طريق فيه إلى القين، وإسماع الآية أحياناً لا يدل على قراءة كل السورة، وإنما يفيد يقين ذلك لو كان في الجهرية، وكأنه أخذ من سماع بعضها مع قيام القرينة على قراءة باقيها، ولو كانوا يعلمون قراءة السورتين بخبر عنه ﷺ عقب الصلاة دائماً أو غالباً لذكروه. (ويطول) بالتشديد من التطويل. (في الركعة الأولى) أي يجعل السورة فيها أطول من التي في الثانية؛ لأن النشاط في الأولى يكون أكثر فناسب التخفيف في الثانية حذراً من الملل، وأيضاً ليدركها الناس كما صرح به راوي الحديث عند أبي داود، وابن خزيمة: فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى. (ما لا يطيل في الركعة الثانية)

стр. 1051

وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح)) . متفق عليه. ٨٣٥- (٨) وعن أبي سعيد الخدري، قال: ((كنا نحزر ــ كلمة ما يحتمل أن تكون نكرة موصوفة، أي تطويلاً لا يطلبه في الثانية، وأن تكون مصدرية أي غير إطالته في الثانية، فتكون هي مع ما في حيزها صفة لمصدر محذوف. (وهكذا) يقرأ في الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفي الأخريين بها فقط، ويطول في الأولى، ويسمع الآية أحياناً. (في العصر) أي في صلاة العصر. (وهكذا) أي يطيل في الركعة الأولى في صلاة الصبح، فالتشبيه في تطويل المقروء في الأولى فقط، بخلاف التشبيه في العصر، فإنه أعم منه. والحديث يدل على استحباب تطويل الركعة الأولى بالنسبة إلى الثانية، وهذا هو مذهب أحمد، ومحمد بن الحسن في جميع الصلوات، وبه قال بعض الشافعية لهذا الحديث المصرح به في الظهر والعصر والفجر، وقياس غيرها عليها. وعند أبي حنيفة، وأبي يوسف يسوى بين الركعتين إلا في الفجر، فإنه يطول الأولى على الثانية، وبه قال بعض الشافعية، ويدل عليه حديث أبي سعيد الآتي: كان يقرأ في الظهر في الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية. وفي رواية لابن ماجه: إن الذين حزروا ذلك كانوا ثلاثين من الصحابة. وأجيب لهما عن حديث أبي قتادة بأن تطويل الأولى كان بدعاء الاستفتاح والتعوذ لا في القراءة. وادعى ابن حبان أن الأولى إنما طالت على الثانية بالزيادة في الترتيل فيها مع استواء المقروء فيهما. وقد روى مسلم من حديث حفصة: أنه ﷺ كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها. قلت: والراجح عندي هو ما ذهب إليه أحمد ومحمد من أنه يستحب تطويل الركعة الأولى على الثانية في الصلوات كلها، وأن تطويل الأولى في الظهر والعصر كان في القراءة لا بدعاء الاستفتاح والتعوذ، أو بالزيادة في الترتيل؛ لأن المذكور في الحديث هو القراءة لا غير، فالظاهر أن التطويل والتقصير راجعان إلى ما ذكر فيه وهو القراءة. ولما روى أبوداود عن عبد الله بن أبي أوفي: أن النبي ﷺ كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم. وتقديم حديث أبي قتادة على حديث أبي سعيد أولى؛ لأنه أصح، ويتضمن زيادة، وهي ضبط التفريق بين الركعتين. أو يجمع بينهما بأنه ﷺ كان يطول الأولى تارة ويسوى بين الركعتين أخرى. وقال الحافظ في الفتح: وقال البيهقي في الجمع بين الأحاديث: يطول في الأولى إن كان ينتظر أحداً، وإلا فليسو بين الأوليين. وروى عبد الرزاق نحوه عن ابن جريج عن عطاء قال: إني أحب أن يطول الإمام الأولى من كل صلاة حتى يكثر الناس، فإذا صليت لنفسي فإني أحرص على أن أجعل الأوليين سواء. وذهب بعض الأئمة إلى استحباب تطويل الأولى من الصبح دائماً، وأما غيرها فإن كان يترجى كثرة المأمومين ويبادر هو أول الوقت فينتظر، وإلا فلا، وذكر في حكمة اختصاص الصبح بذلك أنها تكون عقب النوم والراحة، وفي ذلك الوقت يواطئ السمع واللسان القلب لفراغه، وعدم تمكن الاشتغال بأمور المعاش وغيرها منه. والعلم عند الله. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أبوداود والنسائي وابن ماجه. ٨٣٥- قوله: (كنا نحزر) بفتح النون وسكون الحاء المهملة وضم الزاي بعدها راء، من الحزر، أي نخرص

стр. 1052

قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة الم تنزيل السجدة، وفي رواية: في كل ركعة قدر ثلاثين آية. وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر، وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك)) رواه مسلم. ــ ونقدر. وفي قوله: "كنا نحزر" ما يدل على أن المقدرين بذلك جماعة، وقد أخرج ابن ماجه أن الخارصين ثلاثون رجلاً من الصحابة. (قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر) أي مقدار طول قيامه في الصلاتين. (الم تنزيل) بالرفع على الحكاية، قال القاري: ويجوز جره على البدل، ونصبه بتقدير: "أعني". (السجدة) قال النووي: يجوز جر: "السجدة" على البدل، ونصبها بأعني. ورفعها على خبر مبتدأ محذوف، ولا يخفى أن هذه الوجوه الثلاثة كلها مبنية على رفع: "تنزيل" حكاية، وأما على إعرابه فيتعين جر: "السجدة" على الإضافة قاله القاري. (وفي رواية في كل ركعة قدر ثلاثين آية) . أول هذه الرواية عند مسلم: أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية. فيحمل الرواية المطلقة المتقدمة على هذه المقيدة بقوله: "في كل ركعة". (قيامه في الأخريين) أي من الظهر. (قدر النصف من ذلك) فيه دلالة على أنه ﷺ كان يقرأ غير الفاتحة معها في الأخريين من الظهر، ويزيده دلالة على ذلك قوله: (وحزرنا) كذا في جميع النسخ من غير زيادة لفظ: "قيامه" وفي مسلم: وحزرنا قيامه. (في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر) ومعلوم أنه كان يقرأ في الأوليين من العصر سورة غير الفاتحة. (وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك) أي من الأوليين منه. وفي رواية لمسلم: وفي الأخريين. (أى من الظهر) قدر قراءة خمس عشرة آية، أو قال: نصف ذلك، وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك. وفيه دليل على أنه لا يقرأ في الأخريين من العصر إلا الفاتحة، وأنه يقرأ في الأخريين من الظهر غيرها معها. وقد تقدم الكلام في هذا. وحديث أبي سعيد هذا يدل على تخفيف الأخريين من الظهر والعصر من الأوليين منهما. ويدل أيضاً على استحباب التخفيف في صلاة العصر وجعلها على النصف من صلاة الظهر، والحكمة في إطالة الظهر أنها في وقت غفلة بالنوم في القائلة فطولت ليدركها المتأخر، والعصر ليست كذلك، بل تفعل في وقت تعب أهل الأعمال فخففت. وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يطول في صلاة الظهر تطويلاً زائداً على هذا المقدار كما في حديث أبي سعيد عند مسلم، والنسائي: أن صلاة الظهر كانت تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يتوضأ، ثم يأتي ورسول الله ﷺ في الركعة الأولى مما يطولها. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود وأخرجه ابن ماجه بسند ضعيف بألفاظ أخرى.

стр. 1053

٨٣٦- (٩) وعن جابر بن سمرة، قال. ((كان النبي ﷺ يقرأ في الظهر: بـ ﴿الليل إذا يغشى﴾ وفي رواية بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ وفي العصر نحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك)) رواه مسلم. ٨٣٧- (١٠) وعن جبير بن مطعم، قال. ((سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بـ ﴿الطور﴾ ــ ٨٣٦- قوله: (كان يقرأ في الظهر: بـ ﴿الليل إذا يغشى﴾ وفي رواية بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ وفي العصر نحو ذلك) أي يقرأ قريباً مما ذكر من السورتين. (وفي الصبح أطول من ذلك) أي من جميع ما ذكر؛ لأنها تفعل في وقت الغفلة بالنوم في آخر الليل، فيكون في التطويل انتظار للمتأخر، وإعانة له على إدراكها. وقوله: "كان يقرأ في الظهر" يفيد الاستمرار وعموم الأزمان كما تقرر في الأصول من أن لفظ: "كان" يفيد ذلك، فينبغي أن يحمل قوله: "كان يقرأ في الظهر" الخ. على الغالب من حاله ﷺ ، أو تحمل: "كان" على أنها لمجرد وقوع الفعل؛ لأنها قد تستعمل لذلك كما قال ابن دقيق العيد؛ لأنه قد ثبت: أنه ﷺ كان يقرأ في الظهر والعصر بـ ﴿السماء والطارق﴾ و ﴿السماء ذات البروج﴾ ونحوهما من السور، أخرجه أبوداود، والترمذي، وصححه من حديث جابر بن سمرة، وتقدم: أنه قرأ في الظهر سورة لقمان، والذاريات، وأنه كان يقرأ في الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية. وفي رواية قدر: "الم تنزيل السجدة". وفي الباب أحاديث كثيرة مختلفة. قال الحافظ: وجمع بينهما بوقوع ذلك في أحوال متغايرة إما لبيان الجواز، أو لغير ذلك من الأسباب. واستدل ابن العربي باختلافها على عدم مشروعية سورة معينة في صلاة معينة، وهو واضح فيما اختلف، لا فيما لم يختلف، كتنزيل وهل أتى، في صبح الجمعة – انتهى. (رواه مسلم) ، وأخرجه أيضاً أحمد، وأخرجه أبوداود بلفظ: كان إذا دحضت الشمس صلى الظهر وقرأ بنحو من ﴿والليل إذا يغشى﴾ والعصر كذلك، والصلوات كذلك إلا الصبح، فإنه كان يطيلها. ٨٣٧- قوله: (سمعت رسول الله ﷺ ) كان سماعه لذلك قبل إسلامه لما جاء في فداء أسارى بدر، واستبدل به على صحة أداء ما تحمله الراوي في حال الكفر، وكذا الفسق إذا أداه في حال العدالة. (يقرأ في المغرب بـ ﴿الطور﴾ ) أي بسورة الطور. وفيه دليل على أن المغرب لا يختص بقصار المفصل، وقد ورد أنه ﷺ قرأ في المغرب بسورة. (الأعراف) وأنه قرأ فيها بحم، والدخان، وأنه قرأ فيها بالمرسلات، وأنه قرأ فيها بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ وأنه قرأ فيها بـ ﴿التين والزيتون﴾ وأنه قرأ فيها بـ ﴿الكافرون﴾ و ((الإخلاص)) . وقال رافع بن خديج: كنا نصلي المغرب مع النبي ﷺ ، فينصرف أحدنا وإنه يبصر مواقع نبله. قال الحافظ: طريق الجمع بين هذه الأحاديث أنه ﷺ كان أحياناً يطيل القراءة في المغرب إما لبيان الجواز، وإما لعلمه بعدم المشقة على المأمومين. وليس في حديث جبير بن مطعم دليل على أن ذلك تكرر منه. وأما حديث زيد بن ثابت يعني الذي رواه البخاري وغيره عن مروان بن الحكم قال: قال لي

стр. 1054

زيد بن ثابت: ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل وقد سمعت النبي ﷺ يقرأ بطولى الطوليين؟. ففيه إشعار بذلك لكونه أنكر على مروان المواظبة على القراءة بقصار المفصل، ولو كان مروان يعلم أن النبي ﷺ واظب على ذلك لاحتج به على زيد، لكن لم يرو زيد منه فيما يظهر المواظبة على القراءة بالطوال، وإنما أراد منه أن يتعاهد ذلك كما رآه من النبي ﷺ . وفي حديث أم الفضل. (يعني ما أخرجه البخاري عن ابن عباس: أن أم الفضل سمعته وهو يقرأ ﴿والمرسلات عرفاً﴾ فقالت: يا بني! لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة إنها لآخر سمعت من رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب. زاد في رواية: "ثم ما صلى لنا بعد حتى قبضه الله عزوجل" إشعار بأنه ﷺ كان يقرأ في الصحة بأطول من المرسلات لكونه كان في حال شدة مرضه وهو مظنة التخفيف. وقال ابن خزيمة: هذا من الاختلاف المباح، فجائز للمصلي أن يقرأ في المغرب وفي الصلوات كلها بما أحب، إلا أنه إذا كان إماماً استحب له أن يخفف في القراءة كما تقدم-انتهى. واعلم أنه ذهب الجمهور إلى استحباب قراءة قصار المفصل في المغرب، حتى ذكر الترمذي عن مالك أنه كره أن يقرأ في المغرب بالسور الطوال نحو الطور والمرسلات. وقال الشافعي: لا أكره ذلك، بل أستحب أن يقرأ بهذه السور في الصلاة للمغرب، وكذا نقله البغوي في شرح السنة عن الشافعي. والمعروف عند الشافعية أنه لا كراهة في ذلك، ولا استحباب. وأما مالك فاعتمد العمل بالمدينة بل وبغيرها. قال ابن دقيق العيد: استمر العمل من الناس على التطويل في الصبح، والقصر في المغرب، والصحيح عندنا أن ما صح في ذلك عن النبي ﷺ مما لم يكثر مواظبته عليه فهو جائز من غير كراهة، وما صحت المواظبة عليه فهو في درجة الرحجان في الاستحباب- انتهى. واستدل للجمهور بحديث رافع بن خديج الذي تقدم في باب تعجيل الصلاة: أنهم كانوا ينتضلون بعد صلاة المغرب، فإنه يدل على تخفيف القراءة فيها؛ لكن ليس فيه التنصيص على القراءة بشئ من قصار المفصل. وبحديث ابن عمر قال: كان النبي ﷺ يقرأ في المغرب ﴿قل يأيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾ ، أخرجه ابن ماجه. قال الحافظ: ومثله لابن حبان عن جابر بن سمرة. فأما حديث ابن عمر فظاهر إسناده الصحة إلا أنه معلول، قال الدارقطني: أخطأ فيه بعض رواته. وأما حديث جابر ابن سمرة ففيه سعيد بن سماك، وهو متروك، والمحفوظ أنه قرأ بهما في الركعتين بعد المغرب. وبحديث سليمان بن يسار عن أبي هريرة الآتي في الفصل الثاني، فإنه يشعر بالمواظبة على قراءة قصار المفصل في المغرب، لكن في الاستدلال به نظر. وبما روى الطحاوي وغيره عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى: أن اقرأ في المغرب بقصار المفصل. وبما روى مالك عن الصنابحي: أنه صلى المغرب خلف أبي بكر فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن، وسورة سورة من قصار المفصل، وبما روى أبوداود عن أبي عثمان النهدى أنه صلى خلف ابن مسعود المغرب فقرأ بـ ﴿قل هوالله أحد﴾ . وبما روى أبوداود أيضاً عن عروة: أنه كان يقرأ في المغرب بالعاديات، ونحوها من السور. وقد ظهر بما ذكرنا أنه ليس فيما ذهب إليه

стр. 1055

الجمهور حديث مرفوع صحيح صريح نص فيه على القراءة في المغرب بشيء من قصار المفصل، قال الحافظ: لم أرَ حديثاً مرفوعاً فيه التنصيص على القراءة فيها بشيء من قصار المفصل، إلا حديثاً في ابن ماجه عن ابن عمر نص فيه (الكافرون) و (الاخلاص) ، ومثله لابن حبان عن جابر بن سمرة- انتهى. وقد تقدم ما فيهما من الكلام عن الحافظ. وأجاب الجمهور عن الأحاديث التي تدل على تطويل القراءة في المغرب بوجوه: أحدها: أن هذا كان شيئاً فترك، قاله محمد في مؤطاه. وقال أبوداود بعد ذكر أثر عروة المتقدم. هذا يدل على أن ذاك- أى حديث زيد- منسوخ. وفيه: أن النسخ لا يثبت بالادعاء والاحتمال، بل لا بد لمن يدعى أن تطويل القراءة في المغرب كان أولاً ثم ترك، أن يأتي بالحديث الناسخ الصحيح الصريح، ولا يثبت النسخ بمجرد قول محمد ولا غيره كائناً من كان، ولم يبين أبوداود وجه الدلالة على النسخ. وكأنه لما رأى عروة راوي الخبر عمل بخلافه، حمله على أنه اطلع على ناسخه، ولا يخفى بُعد هذا الحمل، وكيف يصح دعوى النسخ وأم الفضل تقول: إن آخر صلاة صلاها بهم قرأ بـ (المرسلات) . وقال صاحب التعليق الممجد: هذا الجواب مخدوش؛ لأن مبناه على احتمال النسخ، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، ولأن كونه متروكاً إنما يثبت لو ثبت تأخر قراءة القصار على قراءة الطوال من حيث التاريخ، وهو ليس بثابت، ولأن حديث أم الفضل صريح في أن آخر ما سمعت من رسول الله ﷺ هو سور المرسلات في المغرب، فحينئذٍ إن سلك مسلك النسخ يثبت نسخ قراءة القصار لا العكس. وثانيها: أنه لعله كان يقرأ بعض السورة ثم يركع، ذكره أيضاً محمد في مؤطاه. وفيه: أن إثبات التفريق في جمع ما ورد في قراءة الطوال مشكل، وأيضاً قد ورد في رواية البخاري وغيره ما يدل على أن جبير بن مطعم سمع ﴿الطور﴾ بتمامه قراءة رسول الله ﷺ في المغرب، فلا يفيد حينئذٍ ليت ولعل. وأيضاً قد ورد: أن رسول الله ﷺ قرأ بسورة (الأعراف) في المغرب، فرقها في ركعتين، كما سيأتي، ومن المعلوم أن نصف ﴿الأعراف﴾ لا يبلغ مبلغ القصار، فلا يفيد التفريق لإثبات القصار، كذا في التعليق الممجد. وقال الحافظ: ادعى الطحاوي أنه لا دلالة في شيء من الأحاديث على تطويل القراءة، لاحتمال أن يكون المراد أنه قرأ بعض السورة، ثم استدل لذلك بما رواه من طريق هشيم عن الزهري في حديث جبير بلفظ: سمعته يقرأ ﴿إن عذاب ربك لواقع﴾ [٥٢: ٧] قال: فأخبر أن الذي سمعه من هذه السورة هي هذه الآية خاصة –انتهى. وليس في السياق ما يقتضي قوله: "خاصة" مع كون رواية هشيم عن الزهري بخصوصها مضعفة، ورواية البخاري في التفسير بلفظ: "سمعته يقرأ في المغرب بـ ﴿الطور﴾ فلما بلغ هذه الآية: ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾ [٥٢: ٣٥] الآيات إلى قوله: ﴿المصيطرون﴾ [٥٢: ٣٧] كاد قلبي يطير" تبطل هذه الدعوى. وفي رواية ابن حبان والطبراني: سمعته يقرأ ﴿والطور وكتاب مسطور﴾ [٥٢: ١، ٢)) ومثله لابن سعد، وزاد في أخرى: فاستمعت قراءته حتى خرجت من المسجد. ثم ادعى الطحاوي أن الاحتمال المذكور يأتي في حديث زيد بن ثابت، وفيه نظر؛
следующие страницы →