← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

في الصلاة)) رواه البخاري. ــ الضبي أنه قال: رأيت علياً يمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرة. وأصل علمائنا إذا خالف الصحابي مرويه فهو يدل على نسخه، وهذا الفعل وإن لم يكن أقوى من القول فلا أقل أن يكون مثله-انتهى. قلت: إسناد أثر علي هذا أعني الذي رواه أبوداود عن جرير الضبي صحيح أو حسن كما عرفت. ومنها حديث أبي هريرة رواه أبوداود عن أبي وائل، قال: قال أبوهريرة: أخذ الأكف على الأكف في الصلاة تحت السرة. وفيه أن في إسناد حديث أبي هريرة أيضاً عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، فهذا الحديث أيضاً لا يصلح للاحتجاج ولا للاستشهاد ولا للاعتبار. ومنها حديث أنس ذكره ابن حزم في المحلي تعليقاً بلفظ "ثلاث من أخلاق النبوة تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة تحت السرة". وفه أن سنده غير معلوم لينظر فيه هل رجالهم مقبولون أم لا، وما لم يعلم سنده لا يصلح للاحتجاج ولا للاستشهاد ولا للاعتبار، وإيراد ابن حزم هذا الحديث في المحلي من غير أن يذكر سنده، وكذا إيراد غيره من الحنفية في تصانيفهم بغير سند لا يدل على كونه قابلاً للاحتجاج. فهذه الأحاديث الأربعة هي كل ما احتج به الحنفية على وضع اليدين في الصلاة، وقد عرفت أنه لا يصلح واحد منها للاحتجاج، ويذكرون أثرين: أحدهما أثر أبي المجلز التابعي رواه ابن أبي شيبة عن الحجاج بن حسان، قال: سمعت أبا مجلز أو سألته قال: قلت: كيف أضع؟ قال: يضع باطن كف يمينه على ظاهر كف شماله، ويجعلهما أسفل من السرة. وفيه أن هذا قول تابعي ينفيه الحديث المرفوع فلا يلتفت إليه، وقد روي عنه وضع اليدين فوق السرة أيضاً. والثاني ما رواه ابن أبي شيبة أيضاً عن إبراهيم النخعي، قال: يضع يمينه على شماله في الصلاة تحت السرة. وفيه أن هذا قول رجل من صغار التابعين مخالف للحديث المرفوع فلا يعبأ به. واعلم أنه لم يرد ما يدل على الفرق بين الرجل والمرأة في محل الوضع، ومذهب الحنفية أن الرجل يضع اليدين تحت السرة والمرأة تضعهما على الصدر؛ لأنه أستر لها. ولا دليل على هذا الفرق من السنة ولا من قول الصحابي. (في الصلاة) ومحل الوضع منها كل قيام هو قبل الركوع لأن الأصل هو الإرسال كما هو وضع الإنسان خارج الصلاة، فلا يترك هذا الأصل إلا فيما ورد النص على خلافه، وهو القيام قبل الركوع، وأما القومة أي الاعتدال بعد رفع الرأس من الركوع فلم يرد حديث مرفوع صريح صحيح يدل على الوضع فيه، فيكون فيه العمل على الأصل، والأحاديث المطلقة تحمل على المقيدة. (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً مالك وأحمد كلهم من طريق أبي حازم عن سهل بن سعد، وزادوا في آخره "قال أبوحازم: لا أعلمه إلا ينمي أي يرفع ويسند ويضيف ذلك إلى النبي ﷺ ". واعترض الداني في أطراف الموطأ فقال: هذا معلول؛ لأنه ظن من أبي حازم. ورد بأن أبا حازم لو لم يقل: "لا أعمله" الخ. لكان في حكم المرفوع؛ لأن قول الصحابي "كنا نؤمر بكذا" يصرف بظاهره إلى النبي ﷺ كما تقدم. قبل: لو كان مرفوعاً ما احتاج أبوحازم إلى قوله: "لا أعمله" والجواب أنه أراد الانتقال إلى التصريح، فالأول لا يقال له مرفوع، وإنما يقال "له حكم الرفع" قاله الحافظ.

стр. 982

٨٠٥- (١٠) وعن أبي هريرة، قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: "سمع الله لمن حمده" حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد، ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ــ ٨٠٥- قوله: (إذا قام إلى الصلاة يكبر) أي للدوام (حين يقوم) فيه أنه لا يتوجه ولا يصنع قبل التكبير شيئاً، وأن التكبير يكون مقارناً لحال القيام، وأنه لا يجزئ من قعود. قال ابن دقيق العيد: هذا يقتضي إيقاع التكبير في حال القيام، ولا شك أن القيام واجب في الفرائض للتكبير مع القدرة، فكل انحنا يمنع اسم القيام عند التكبير يبطل التحريم، ويقتضي عدم انعقاد الصلاة فرضاً. (ثم يكبر) أي تكبيرة النقل (حتى يركع) قال الأمير اليماني: ظاهر قوله: "يكبر حين كذا وحين كذا" أن التكبير يقارن هذه الحركات، فيشرع في التكبير عند ابتداءه للركن، وأما القول بأنه يمد التكبير حتى يتم الحركة فلا وجه له، بل يأتي باللفظ من غير زيادة على أدائه ونقصان منه. (ثم يقول: "سمع الله لمن حمده" حين يرفع صلبه) أي حين يشرع في رفعه (من الركعة) أي من الركوع يعني يقول ذلك في حال أخذه في رفع صلبه من هويه للقيام. (ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد) بحذف الواو، وفي رواية بإثباتها. وقد تقدم أن الرواية بثبوت الواو أرجح، وهي عاطفة على مقدر. أي ربنا أطعناك، وحمدناك، ولك الحمد. وقيل: زائدة. قال الأصمعي: سألت أبا عمرو عنها فقال: زائدة. تقول العرب: بعني هذا، فيقول المخاطب: نعم، وهو لك بدرهم، فالواو زائدة. وقيل: هي واو الحال، قاله ابن الأثير وضعف ما عداه. وفيه أن التسميع ذكر النهوض والرفع، والتحميد ذكر الاعتدال، واستدل به على أنه يشرع الجمع بين التسميع والتحميد لكل مصل من إمام، ومنفرد، ومؤتم، إذ هو حكاية لمطلق صلاته ﷺ ، وإن كان يحتمل أنه حكاية لصلاته ﷺ إماماً لكون ذلك هو الأكثر الأغلب من أحواله إلا أنه لو فرض هذا فإن قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" أمر لكل مصل أن يصلي كصلاته ﷺ من إمام ومنفرد ومؤتم، ثم إن هذا الحديث مفسر للأحاديث التي فيها "كان يكبر في كل خفض ورفع". (ثم يكبر حين يهوي) بفتح أوله وكسر ثالثه، أي حين يسقط ساجداً. وفيه أن التكبير ذكر الهوي فيبتدئ به من حين يشرع في الهوي بعد الاعتدال. (ثم يفعل ذلك) أي جميع ما ذكر ما عدا التكبيرة الأولى التي للإحرام (في الصلاة كلها) أي جميع ركعاتها (حتى يقضيها) أي يتمها ويؤديها. والحديث يدل على إتمام التكبير بأن يوقع في كل خفض ورفع مع التسميع في الرفع من الركوع، وقد كان وقع من بعض أمراء بني أمية تركه تساهلاً، فقد روى أحمد عن مطرف، قال: قلنا: يعني لعمران

стр. 983

ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس)) متفق عليه. ٨٠٦- (١١) وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ((أفضل الصلاة طول القنوت)) ــ ابن حصين يا أيا نجيد! من أول من ترك التكبير؟ قال: عثمان بن عفان حين كبر وضعف صوته. وهذا يحتمل إرادة ترك الجهر. وروى الطبراني عن أبي هريرة أن أول من ترك التكبير معاوية. وروى أبوعبيد أن أول من تركه زياد. وهذا لا ينافي الذي قبله؛ لأن زياداً تركه بترك معاوية، وكان معاوية تركه بترك عثمان. وقد حمل ذلك جماعة من أهل العلم على الإخفاء، لكن حكى الطحاوي أن قوما كانوا يتركون التكبير في الخفض دون الرفع. قال: وكذلك كانت بنوأمية تفعل، ثم استقر العمل من الأمة على فعله في كل ركعة خمس تكبيرات كما عرفته من لفظ هذا الحديث، ويزيد في الرباعية والثلاثية تكبير النهوض من التشهد الأوسط، فيتحصل في المكتوبات الخمس بتكبيرة الإحرام أربع وتسعون تكبيرة، ومن دونها تسع وثمانون تكبيرة. قال البغوي في شرح السنة: اتفقت الأمة على هذه التكبيرات، فقال النووي: هذا مجمع عليه اليوم، وقد كان فيه خلاف من زمن أبي هريرة. واختلف العلماء في حكم تكبير النقل. فقيل: واجب، وهو المشهور عن أحمد، وإليه ذهب داود وإسحاق، وابن حزم؛ لأنه ﷺ داوم عليه، وقد قال: صلوا كما رأيتموني أصلي، ولأنه ورد تعليم ذلك في حديث المسيء في صلاته عند أبي داود وغيره كما سلف منا. واستدل لمن قال بندب تكبير الانتقال- وهم الجمهور- بما رواه أحمد وأبوداود، عن ابن أبزى عن أبيه أنه صلى مع النبي ﷺ ، فكان لا يتم التكبير. وفي لفظ لأحمد: إذا خفض ورفع. وفي رواية: فكان لا يكبر إذا خفض يعني بين السجدتين. قيل: هذا يدل على عدم الوجوب؛ لأن تركه ﷺ له في بعض الحالات لبيان الجواز والإشعار بعدم الوجوب. وأجيب عنه بأن في إسناده الحسن بن عمران. قال أبوزرعة: شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات. ونقل البخاري في التاريخ عن أبي داود الطيالسي أنه قال: هذا عندنا باطل. وقال الطبري في تهذيب الآثار، والبزار: تفرد به الحسن، وهو مجهول. وهذا لا يعارض الأحاديث فيها تكبيرات النقل لكثرتها وصحتها وكونها مثبتة ومشتملة على الزيادة، وكون بعضها دالة على الوجوب. وقيل: المراد في حديث ابن أبزى "لم يتم الجهر أو لم يمده". (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أبوداود والنسائي. ٨٠٦- قوله: (أفضل الصلاة طول القنوت) أي أفضل أركان الصلاة وأفعالها طول القنوت، أو أفضل الصلاة صلاة فيه طول القنوت، أو صلاة ذات طول القنوت. والقنوت يجئ لمعان كثيرة، والمراد هنا طول القيام. قال النووي باتفاق العلماء فيما علمت. وقال ابن العربي في شرح الترمذي (ج١: ص١٧٩، ١٧٨) : تتبعت موارد القنوت فوجدتها عشرة: الطاعة، العبادة، دوام الطاعة، الصلاة، القيام، طول القيام، الدعاء، الخشوع، السكوت، ترك الالتفات.

стр. 984

رواه مسلم. ﴿الفصل الثاني﴾ ٨٠٧- (١٢) عن أبي حميد الساعدي، قال في عشرة من أصحاب النبي ﷺ : ((أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ــ وكلها محتملة أولاها السكوت والخشوع والقيام، وأحدها في هذا الحديث القيام-انتهى. ويدل على ذلك تصريح أبي داود في حديث عبد الله بن حبشي: أن النبي ﷺ سئل أي الأعمال أفضل؟ قال طول القيام. والحديث فيه دليل على أن القيام أفضل من الركوع والسجود وغيرهما. واختلف العلماء في أن القيام أفضل أو السجود. فقالت طائفة ومنهم الشافعي: إن القيام أفضل، فيكون تكميله وتطويله أهم لحديث جابر هذا وما في معناه، ولأنه أدخل في الخدمة والمشقة، ولأنه ﷺ كان في صلاة الليل يطول قيامه، ولو كان السجود أفضل لكان طوله، ولأن الذكر الذي شرع في القيام أفضل الأذكار-وهو القرآن- فيكون هذا الركن أفضل الأركان. وقالت طائفة: السجود أفضل؛ لأنه أدل على الذلة والخضوع، ولأنه روى عن أبي هريرة مرفوعاً: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، أخرجه أحمد ومسلم وأبوداود والنسائي. ولقوله ﷺ لم سأل مرافقته في الجنة: أعني بكثرة السجود، ولحديث "ما تقرب العبد إلى الله بأفضل من سجود خفي". ولا يخفى أن هذه الأحاديث لا تعارض حديث جابر ومن وافقه. أما الحديث الأول فلأنه لا يلزم من كون العبد أقر إلى ربه حال سجوده أفضليته على القيام لأن تلك الأقربة في حال السجود إنما هي باعتبار استحبابه الدعاء كما يقتضيه قوله "فأكثروا الدعاء" وهو لا ينافي أفضلية القيام. وأما الحديث الثاني فلأن غاية ما فيه أنه يدل على فضل السجود، ولا يلزم من فضل السجود أفضليته على طول القيام. وأما الحديث الثالث فلأنه لا يصح لإرساله كما قال العراقي. لأن في إسناده أبا بكر بن أبي مريم وهو ضعيف. وقيل: هما متساويان. وتوقف أحمد في المسألة ولم يقض فيها بشئ. وقال إسحق بن راهوية: أما في النهار فتكثير الركوع والسجود أفضل؛ لأنه يقرأ جزءه، ويربح كثرة الركوع والسجود. قال ابن عدي: إنما قال إسحق هذا؛ لأنهم وصفوا صلاة النبي ﷺ في الليل بطول القيام، ولم يوصف من تطويله بالنهار ما وصف من تطويله بالليل-انتهى. قال العراقي: الظاهر أن حديث أفضلية طول القيام محمولة على صلاة النفل التي لا تشرع فيها الجماعة، وعلى صلاة المنفرد، فأما الإمام في الفرائض والنوافل فهو مأمور بالتخفيف المشروع إلا إذا علم من حال المأمومين المحصورين إيثار التطويل، ولم يحدث ما يقتضي التخفيف من بكاء صبي ونحوه، فلا بأس بالتطويل، وعليه يحمل صلاته في المغرب بالأعراف-انتهى (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وابن ماجه. ٨٠٧- قوله: (في عشرة) أي في محضر عشرة، يعني بين عشرة أنفس وحضرتهم (أنا أعلمكم بصلاة رسول الله

стр. 985

- ﷺ ، قالوا: فاعرض. قال: كان النبي ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر، ثم يقرأ، ثم يكبر ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل فلا يصبي رأسه ولا يقنع، ثم يرفع رأسه فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلاً، ثم يقول: الله أكبر، ثم يهوي ــ ﷺ ) فيه مدح الإنسان لنفسه لمن يأخذ عنه ليكون كلامه أوقع وأثبت عند السامع. قال الحافظ: في الحديث جواز وصف الرجل نفسه بكونه أعلم من غيره إذا أمن الإعجاب، وأراد تأكيد ذلك عند من سمعه، لما في التعليم والأخذ عن الأعلم من الفضل. وزاد في رواية: قالوا: فلِم؟ فوالله ما كنت أكثرنا له تبعة ولا أقدمنا له صحبة، وللطحاوي "قالوا: من أين؟ قال: رقبت ذلك منه حتى حفظت صلاته". (فأعرض) بهمزة وصل، أي إذا كنت أعلمنا فاعرض علينا ما تعلم، لنرى هل أصبت أو لا. قال في النهاية: يقال عرضت عليه أمر كذا، أو عرضت له الشيء: أظهرته وأبرزته إليه. اعرض بالكسر لا غير، أي بين علمك بصلاته ﷺ إن كنت صادقاً لنوافقك إن حفظناه وإلا استفدناه. (قال كان النبي ﷺ ) الخ. هذا يدل على أن أباحميد حكي صلاته ﷺ بالقول، وروى عنه أنه وصف صلاته بالفعل كما في رواية الطحاوي وابن حبان. قال الحافظ: ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون وصفها مرة بالقول مرة بالفعل (حتى يحاذي بهما) أي بكفيه (منكبيه) ويكون رؤس الأصابع بحذاء أذنيه (ثم يكبر) قال ابن حجر: "ثم" ههنا بمعنى الواو لرواية البخاري السابقة "حين يكبر" وقدمت؛ لأنها أصح وأشهر. وفيه دليل على وجوب وقوع جميع تكبيرة الإحرام في القيام كما مرّ. (ثم يقرأ) قال القاري: لعل القراءة ههنا تعم التسبيح ودعاء الاستفتاح، أو التقدير: ثم يأتي بدعاء الافتتاح والتعوذ كما ثبت من روايات أخر، ثم يقرأ الفاتحة، ثم السورة كما ثبت من روايات أخر أيضاً (ويضع راحتيه على ركبتيه) أي ويفرج أصابعه، ففي رواية لأبي داود: وفرج بين أصابعه (ثم يعتدل) أي في الركوع بأن يسوي رأسه وظهره حتى يصيرا كالصفحة، وتفسيره قوله: (فلا يصبى) بالتشديد، أي لا ينزل (رأسه) أي عن ظهره. يقال: صبى الرجل رأسه يصيبه إذا خفضه جداً. قال في المجمع: وفيه أنه لا يصبي رأسه أي لا يخفضه كثيراً، ولا يميله إلى الأرض، من صبا إليه يصبو، إذا مال، وصبى رأسه تصيبه، شدد للتكثير. وقيل: هو مهموز من صبأ إذا خرج من دين. ويروي لا يصب-انتهى. ويروي أيضاً لا يصوب من التصويب، وكل من التصبية والصب والتصويب بمعنى. وقال القاري: الظاهر أن التشديد في التصبية للتعدية (ولا يقنع) من أقنع رأسه إذا رفع ونصب. أى لا يرفع رأسه حتى يكون أعلى من ظهره. (ثم يرفع رأسه) أي بالقومة إلى الاعتدال (معتدلاً) حال من فاعل يرفع (ثم يهوي) أي

стр. 986

إلى الأرض ساجداً، فيجافي يديه عن جنبيه، ويفتخ أصابع رجليه، ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها، ثم يعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه معتدلاً، ثم يسجد، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها، ثم يعتدل حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم ينهض، ثم يصنع في الركعة الثانية مثل ذلك، ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما كبر عند افتتاح الصلاة، ثم يصنع ذلك في بقية صلاته، حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخّر رجله اليسرى، وقعد متوركاً على شقه الأيسر، ــ ينحط وينزل بعد شروعه في التكبير. والهوى السقوط من علو إلى سفل (ساجداً) أي قاصداً للسجود. (فيجافى) أي يباعد في سجوده (يديه) أي مرفقيه (ويفتح أصابع رجليه) بالخاء المعجمة المفتوحة أي يثنيها ويلينها فيوجهها إلى القبلة وأصل الفتخ الكسر واللين، والمراد أنه ينصبها مع الاعتماد على بطونها، ويجعل رؤسها للقبلة لخبر البخاري: أنه- ﵇ سجد واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة. ومن لازمها الاستقبال ببطونها والاعتماد عليها. (ثم يرفع رأسه) أي مكبراً (ويثنى) بفتح الياء الأولى، أي يعطف (ثم يعتدل) أي جالساً (حتى يرجع كل عظم في موضعه) أي يستقر فيه (معتدلاً) أي في الجلوس. وهو حال مؤكدة، وفيه الجلوس بين السجدتين والطمأنينة فيه (ثم يسجد) أي بعد التكبير (ثم يقول: الله أكبر ويرفع) أي رأسه من السجدة الثانية (ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها ثم يعتدل) الخ. فيه ندب جلسة الاستراحة في كل ركعة لا تشهد فيها، وقد تقدم بيانها مفصلاً. (مثل ذلك) أي مثل ما صنع في الركعة الأولى إلا ما استثني. (ثم إذا قام) أي شرع في القيام، أو أراده (من الركعتين كبر ورفع يديه) الخ. فيه استحباب رفع اليدين في القيام من الركعتين بعد التشهد، وهو الموطن الرابع من المواطن الأربعة التي شرع فيها الرفع. (ثم يصنع ذلك) أي ما ذكر من الكيفيات (حتى إذا كانت السجدة التي فيها) أي عقبها (التسليم أخر) أي أخرج (رجله اليسرى) أي من تحت مقعدته إلى الأيمن (وقعد متوركاً على شقه الأيسر) أي مفضياً بوركه اليسرى إلى الأرض غير قاعد على رجليه. فيه سنية التورك في القعدة الأخيرة، وأن هيئة الجلوس في التشهد الأخير مغايرة لهيئة غيره من الجلسات. وإليه ذهب الشافعي، وأحمد. وعند الحنفية يفترش في الكل. وعند المالكية يتورك في الكل. واستدل به الشافعية أيضاً على أن تشهد الصبح والجمعة وغيرهما من الثنائية كالتشهد الأخير في غير الثنائية؛ لعموم قوله "إذا كانت السجدة التي فيها التسليم" ولقوله "إذا جلس في الركعة الآخرة" عند البخاري. وفي هذا الاستدلال عندي نظر قوي، لا يخفى على المتأمل، واختلف فيه قول أحمد، والمشهور عنه اختصاص التورك بالصلاة التي فيها تشهدان. قيل: الاختلاف بين الشافعي وأحمد

стр. 987

ثم سلم. قالوا: صدقت هكذا كان يصلي)) رواه أبوداود، والدارمي. وروى الترمذي وابن ماجه معناه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ــ مبني على علة التورك؛ فهي تطويل التشهد عند الشافعي، والتفريق بين التشهدين عند أحمد، فما ليس فيه إلا تشهد واحد لا حاجة فيه إلى التفريق. وقيل: مدار التورك عند الشافعي تعقيب السلام، كما يظهر من كلام النووي في شرح مسلم، حيث قال: قال الشافعي: السنة أن يجلس كل الجلسات مفترشاً إلا التي يعقبها السلام، فلو كان مسبوقاً وجلس إمامه متوركاً جلس المسبوق مفترشاً؛ لأن جلوسه لا يعقبه بسلام- انتهى. قلت: ويؤيد ذلك قوله: "إذا كانت السجدة التي فيها التسليم". وقوله "الركعة الآخرة" (قالوا) أي العشرة من الصحابة (صدقت) أي فيما قلت. (رواه أبوداود والدارمي) قال القاري: أي بهذا اللفظ، وفيه نظر؛ لأن بين السياق الذي ذكره المصنف تبعاً للبغوي وبين سياق أبي داود والدارمي فرقاً في عدة مواضع. والحديث أخرجه أيضاً أحمد (ج٥: ص٤٢٤) وابن حبان، والبيهقي، وابن خزيمة. (وروى الترمذي وابن ماجه معناه) وهو عندهم جميعاً من طريق عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن عمرو بن عطاء، سمعت أباحميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم أبوقتادة، قال أبوحميد: أنا أعلمكم، الخ. (وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح) وقال النووي: إسناده على شرط مسلم. وقال أبوحاتم في علله (ج١: ص١٦٣) : أصله صحيح. وقال الحافظ في الفتح (ج٣: ص٤٠٥) : صححه ابن خزيمة وابن حبان. وأخرجه البخاري في صحيحه مختصراً، وقد تقدم. وضعفه ابن التركماني بثلاثة وجوه: الأول أن في سنده عبد الحميد بن جعفر، قال ابن التركماني: وهو مطعون في حديثه كذا قال يحيى بن سعيد، وهو إمام الناس في هذا الباب. والجواب عنه أن عبد الحميد هذا ثقة، صدوق، صالح للاحتجاج، من رجال مسلم، ولا وجه لطعن من طعن فيه. قد وثقه أحمد، وابن معين، وابن المديني، وابن سعد، وابن حبان. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عدي: أرجوا أنه لا بأس به وهو ممن يكتب حديثه، وقال أبوحاتم: محله الصدق. وقال الساجي: ثقة صدوق. واختلفت الرواية فيه عن يحيى بن سعيد؛ ففي تهذيب التهذيب (ج٦: ص١١٢) : قال الدوري عن ابن معين: ثقة ليس به بأس كان يحيى بن سعيد يضعفه. قلت ليحيى: فقد روى عنه، قال: قد روى عنه وكان يضعفه، وكان يرى القدر. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: كان يحيى بن سعيد يوثقه، وكان الثوري يضعفه. قلت ما تقول أنت فيه؟ قال: ليس بحديثه بأس وهو صالح- انتهى. والظاهر أن تضعيفه إياه إنما هو لأنه كان يرى القدر، والطعن في حديثه لذلك ليس بشيء كما لا يخفى، وضعفه الثوري؛ لأنه كان ممن خرج مع محمد بن عبد الله بن حسن. قال الذهبي في الميزان (ج٢: ص٩٤) : وقد نقم عليه الثوري خروجه مع محمد بن عبد الله- انتهى. وهذا

стр. 988

أيضاً ليس مما يطعن في حديثه لأجله. قال البيهقي في كتاب المعرفة: أما تضعيف الطحاوي لعبد الحميد فمردود بأن يحيى بن معين وثقه في جميع الروايات عنه. وكذلك أحمد بن حنبل، واحتج به مسلم في صحيحه- انتهى. فقد ظهر بهذا كله أن توثيق عبد الحميد بن جعفر هو الحق والصواب؛ لأنه اتفق أئمة الجرح والتعديل كأحمد، وابن معين، وابن المديني، وابن سعد، وغيرهم على توثيقه إلا الثوري، ولا وجه لطعنه فيه. واختلف فيه قول يحيى بن سعيد القطان. الوجه الثاني أن الحديث منقطع؛ لأنه لم يسمعه محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي حميد، ولا من أحد ذكر مع أبي حميد. وذكر محمد بن عمرو في الحديث أنه حضر أبا قتادة، وسنه لا يحتمل ذلك، فإن أبا قتادة قتل مع علي وصلى عليه علي. قال الحافظ في الفتح (ج٤: ص٤٤٩) : زعم ابن القطان تبعاً للطحاوي أنه غير متصل لأمرين: أحدهما أن عيسى بن عبد الله رواه عن محمد بن عمرو بن عطاء فأدخل بينه وبين الصحابة عباس بن سهل. أخرجه أبوداود وغيره. وثانيهما أن في بعض طرقه تسمية أبي قتادة في الصحابة المذكورين، وأبوقتادة قديم الموت يصغر سن محمد بن عمرو بن عطاء عن إدراكه. والجواب عن ذلك: أما الأول فلا يضر الثقة المصرح بسماعه أن يدخل بينه وبين شيخه واسطة إما لزيادة في الحديث وإما ليثبت فيه. وقد صرح محمد بن عمرو المذكور بسماعه، فتكون رواية عيسى عنه من المزيد في متصل الأسانيد. وأما الثاني فالمعتمد فيه قول بعض أهل التاريخ إن أبا قتادة مات في خلافة علي، وصلى عليه علي، وكان قتل على سنة أربعين، وإن محمد بن عمرو بن عطاء مات بعد سنة عشرين ومائة، وله نيف وثمانون سنة، فعلى هذا لم يدرك أبا قتادة. والجواب أن أبا قتادة اختلف في وقت موته، فقيل: مات سنة أربع وخمسين، وعلى هذا فلقاء محمد له ممكن، وعلى الأول فلعل من ذكر مقدار عمره ووقت وفاته وهم، أو الذي سمى أبا قتادة في الصحابة المذكورين وهِمَ في تسميته، ولا يلزم من ذلك أن يكون الحديث الذي رواه غلطاً؛ لأن غيره ممن رواه معه عن محمد بن عمرو بن عطاء أو عن عباس ابن سهل قد وافقه- انتهى. وقال البيهقي: أما ما ذكر من انقطاعه فليس كذلك، فقد حكم البخاري في تاريخه بأنه سمع أباحميد، وأبا قتادة، وابن عباس. وقوله: "إن أبا قتادة قتل مع على" رواية شاذة رواها الشعبي، والصحيح الذي أجمع أهل التاريخ أنه بقي إلى سنة أربع وخمسين، ونقله عن الترمذي، والواقدي، والليث، وابن مندة في الصحابة، وأطال فيه، كذا في نصب الراية (ج١: ص٤١٢، ٤١١) ولفظ البيهقي في معرفة السنن: واستشهاده على ذلك بوفاة أبي قتادة قبله خطأ؛ لأنه إنما رواه موسى بن عبد الله بن يزيد أن علياً صلى على أبي قتادة فكبر عليه سبعاً، وكان بدرياً. ورواه أيضاً الشعبي منقطعاً، وقال: فكبر عليه ستاً. وهو غلط لإجماع التواريخ على أباقتادة الحارث بن ربعي بقي إلى سنة أربع وخمسين، وقيل: بعدها، إلخ. وفي تهذيب التهذيب (ج١٢: ص٢٠٤) : قال الواقدي: توفي أبوقتادة بالكوفة سنة أربع وخمسين، وهو ابن سبعين سنة. ولم أر بين علمائنا اختلافاً في ذاك. قال وروى أهل الكوفة أنه مات بالكوفة

стр. 989

وعلي بها وصلى عليه. وحكى خليفة: أن ذلك كان سنة ثمان وثلاثين وهو شاذ، والأكثر على أنه مات سنة أربع وخمسين. قال الحافظ: ومما يؤيد ذلك أن البخاري ذكره في الأوسط في فصل من مات بعد الخمسين إلى الستين، ثم روى بإسناده إلى مروان بن الحكم قال: كان والياً على المدينة من قبل معاوية، أرسل إلى أبي قتادة ليريه مواقف النبي ﷺ وأصحابه، فانطلق معه فأراه. وقال في الإصابة (ج٤: ص١٥٩) : ويدل على تأخره أيضاً ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أن معاوية لما قدم المدينة تلقاه الناس، فقال لأبي قتادة تلقاني الناس كلهم غيركم يا معشر الأنصار- انتهى. وقال في التقريب في ترجمة أبي قتادة: مات سنة أربع وخمسين. وقيل: سنة ثمان وثلاثين. والأول أصح وأشهر. وهذا كله يدل على أن الراجح في سنة وفاة أبي قتادة هو أنه توفي سنة أربع وخمسين، وهو أيضاً يدل على رجوع الحافظ مما ذكر في التلخيص (ص١٦٠) : أن الراجح عنده هو أن أبا قتادة مات في خلافة علي، والله أعلم. الوجه الثالث أن الحديث مضطرب والمتن، أما الأول فلأنه رواه عطاف بن خالد عن محمد بن عمرو بن عطاء، فجعل بينه وبين أبي حميد رجلاً مجهولاً. ورواه عيسى بن عبد الله، عن محمد بن عمرو، عن عباس بن سهل، أنه كان في مجلس فيه أبوه سهل بن سعد وأبوهريرة وأبوأسيد وأبوحميد، وفي رواية عن عباس أو عياش ابن سهل، وفي رواية أن عيسى بن عبد الله رواه عن عباس بن سهل عن أبي حميد، فلم يذكر محمداً في سنده. وأما الثاني فقد وقع الاختلاف في ذكر التورك في روايات الحديث، فإن عبد الحميد بن جعفر ومحمد بن عمرو بن حلحلة ذكر التورك في الجلسة الأخيرة في روايتهما عن محمد بن عمرو بن عطاء. وأما عيسى بن عبد الله فذكر التورك في الجلسة بين السجدتين ولم يذكره في غيرها من القعدة الأخيرة والأولى. ولم يذكر جلسة الاستراحة؛ لأنه قال: ولم يتورك أي مثل توركه بين السجدتين. وهذا في رواية الحسن بن الحر عن عيسى، وأما عتبة بن حكيم عن عيسى، وفليح عن عباس بن سهل فلم يذكر التورك أصلاً لا في الجلسة الأولى والثانية، ولا بين السجدتين، ولا في جلسة الاستراحة. والجواب عن ذلك أن هذا الاختلاف ليس بموجب للاضطراب القادح في صحة الحديث؛ لأن الجمع أو الترجيح ممكن بل متحقق، فإن رواية عيسى بواسطة العباس بن سهل محمولة، على أنها من المزيد في متصل الأسانيد كما تقدم، ورواية الجزم قاضية على رواية الشك، والرجل المبهم هو عباس بن سهل، ورواية الحسن بن الحر عن عيسى عن محمد بن عمرو بن عطاء عن عباس أقوى وأرجح من رواية عتبة عن عيسى، عن عباس؛ لأن عتبة وإن كان صدوقًا لكنه يخطئ كثيرًا. وأما الحسن بن الحر فهو ثقة فاضل ويمكن أن عيسى سمعه أولاً من محمد بن عمرو عن عباس ثم لقي عباساً فسمع منه بلا واسطة، ويحتمل عكسه، وهذا ليس ببعيد، بل يؤيده قول ابن المبارك: أرى فليحًا ذكر عيسى بن عبد الله أنه سمعه من عباس بن سهل قال: حضرت أبا حميد. وأما الاختلاف في ذكر التورك فالجواب عنه أن رواية عبد الحميد أرجح وأصح من جميع الروايات, وأيضاً

стр. 990

وفي رواية لأبي داود من حديث أبي حميد: ((ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، ووتر يديه فنحاهما عن جنبيه، وقال: ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته الأرض، ونحى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه، وفرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه حتى فرغ، ثم جلس، فافترش رجله اليسرى، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته، ووضع كفه اليمنى على ركبته اليمنى، وكفه اليسرى على ركبته اليسرى، وأشار بإصبعه- يعني السبابة- وفي أخرى له: ــ المثبت مقدم على النافي، وأيضاً السكوت لا يعارض الذكر. (وفي رواية لأبي داود من حديث أبي حميد) الخ. أخرجها أبوداود من طريق عبد الملك بن عمرو أخبرني فليح، حدثني عباس بن سهل قال: اجتمع أبوحميد وأبوأسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة فذكروا صلاة رسول الله ﷺ فقال أبوحميد: أنا أعلمكم، الخ. (ووتر يديه) أي عوجهما، من التوتير وهو جعل الوتر على القوس. (فنحاهما عن جنبيه) من نحى ينحي تنحية إذا أبعد، وفي أبي داود "فتجافى عن جنبيه" يعني أبعد مرفقيه عن جنبيه حتى كان يده كالوتر وجنبه كالقوس. وفي النهاية أي جعلهما كالقوس من قولك: وترت القوس وأوترته، شبه يد الراكع إذا مدها قابضاً على ركبتيه بالقوس إذا أوترت (فأمكن أنفه وجبهته الأرض) بنزع الخافض أي منها، أي وضعهما على الأرض مع الطمأنينة وتحامل عليهما (ووضع كفيه حذو منكبيه) قد تقدم حديث وائل بلفظ: "سجد بين كفيه" ومن يصنع كذلك يكون يداه حذاء أذنيه، ورواية النسائي بلفظ: "جعل كفيه بحذاء أذنيه" صريحة في ذلك فيعارض حديث أبي حميد هذا، فقيل: السنة أن يفعل أيهما تيسر جمعاً للمرويات، بناء على أنه كان- ﵇ يفعل هذا أحيانا وهذا أحياناً إلا أن بين الكفين أفضل لأن فيه من تخليص المجافاة المسنونة ما ليس في الآخر. وقد أسلفنا الكلام في المسئلة بأزيد من هذا. (وفرج) بتشديد الراء، أي فرق (غير حامل) أي غير واضع (بطنه) بالنصب مفعول حامل (حتى فرغ) أي من سجوده (ثم جلس) أي في التشهد الأول (فافترش رجله اليسرى) أي وجلس على بطنها (وأقبل بصدر اليمنى على قبلته) أي وجه أطراف أصابع رجله اليمنى إلى القبلة، قاله الطيبي. ونقل ميرك عن الأزهار: أي جعل صدر الرجل اليمنى مقابلاً للقبلة، وذلك بوضع باطن الأصابع على الأرض مقابل القبلة مع تحامل قليل في نصب الرجل (وأشار بإصبعه) فيه دليل على مشروعية الإشارة في التشهد، ويجيء الكلام فيها مفصلاً في باب التشهد (يعني السبابة) الظاهر أن هذا التفسير من المصنف وهي فعالة من السبّ، فإن عادة العرب كانت عند السب والشتم والإشارة بالإصبع الذي يلي الإبهام. (وفي أخرى له) أي في رواية أخرى لأبي داود وقد أخرجها من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو العامري، قال: كنت في مجلس من

стр. 991

وإذا قعد في الركعتين قعد على بطن قدمه اليسرى، ونصب اليمنى. وإذا كان في الرابعة أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض، وأخرج قدميه من ناحية واحدة)) . ٨٠٨- (١٣) وعن وائل بن حجر: أنه أبصر النبي ﷺ حين قام إلى الصلاة رفع يديه حتى كانتا بحيال منكبيه، وحاذى إبهاميه أذنيه، ثم كبر)) رواه أبوداود. وفي رواية له: ((يرفع إبهاميه إلى شحمة أذنيه)) . ــ أصحاب رسول الله ﷺ فتذاكروا صلاته ﷺ ، فقال أبوحميد:.. الخ. (وإذا قعد في الركعتين) أي الأوليين يعني بعدهما (قعد على بطن قدمه اليسرى) هذا هو الافتراش. (أفضى بوركه اليسرى) أي أوصلها (إلى الأرض) أي مس بأليته اليسرى الأرض. قال الجوهري: أفضى بيده إلى الأرض إذا مسها ببطن راحته (وأخرج قدميه من ناحية واحدة) وهي ناحية اليمنى، وإطلاق الإخراج على اليمنى تغليب؛ لأن المخرج حقيقة هو اليسرى لا غير. كذا في المرقاة. واعلم أن للحديث طرقاً كثيرة وألفاظاً متقاربة تستفاد من سنن أبي داود ومن الجزء الثاني من السنن الكبرى للبيهقي، ذكرت مواضعها في فهرسة مفصلة. ٨٠٨- قوله: (رفع يديه) حال بتقدير "قد" وقوله: "حين قام" ظرف له، أي رآه حال كونه رافعاً يديه حين قام إلى الصلاة (حتى كانتا) أي كفاه (بحيال منكبيه) بكسر مهملة وفتح تحتية خفيفة، أي إزائهما ومقابلهما (وحاذى) عطف على كانتا، أي قابل النبي ﷺ (إبهاميه أذنيه) أي جعل إبهاميه محاذيين لأذنيه، والمراد شحمتيهما لما يأتي صريحاً. (ثم كبر) ثم بمعنى الواو، أو معنى "كبر" انتهى التكبير، فيكون ابتداء التكبير والرفع متقاربين. (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً النسائي كلاهما من حديث عبد الجبار بن وائل عن أبيه، وعبد الجبار ولد في حياة أبيه لكن لم يسمع منه شيئاً، فالحديث منقطع. قال ابن معين والبخاري: لم يسمع عبد الجبار من أبيه شيئاً. وقال ابن حبان في الثقات: من زعم أنه سمع أباه فقد وهم. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله قليل الحديث، ويتكلمون في روايته عن أبيه، ويقولون لم يلقه، وبمعنى هذا قال أبوحاتم وابن جرير الطبري والجريري ويعقوب بن سفيان ويعقوب بن شيبة والدارقطني والحاكم، وقبلهم ابن المديني وآخرون. وقال المزي والذهبي: قد صح (أي عند أبي داود وقال حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة الجشمي: ثنا عبد الوارث بن سعيد: ثنا محمد بن جحادة: حدثني عبد الجبار بن وائل) عن عبد الجبار؛ أنه قال: كنت غلاماً لا أعقل صلاة أبي، كذا في تهذيب التهذيب. (وفي رواية له) أي لأبي داود (يرفع إبهاميه إلى شحمة أذنيه) أي شحمتيهما. وهي ما لان من أسفلهما. وفي رواية للنسائي "رفع يديه حتى تكاد إبهاماه تحاذى شحمة أذنيه" وحديث

стр. 992

٨٠٩- (١٤) وعن قبيصة بن هلب، عن أبيه، قال: ((كان رسول الله ﷺ يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه. ــ وائل هذا يؤيد ما تقدم من الشافعي في الجمع بين الروايات، وقد مر كلام السندي أنه لا حاجة إلى الجمع لعدم التناقض والمنافاة بين الأفعال المختلفة، لجواز وقوع الكل في أوقات متعددة، فيكون الكل سنة. ٨٠٩- قوله: (وعن قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة (بن هلب) بضم الهاء وسكون اللام، هكذا ضبط المحدثون. وضبط اللغويون بفتح الهاء وكسر اللام بوزن كتف، وهو الذي نص عليه ابن دريد في الاشتقاق (ص٢٧٣) وعلله بأن الهلب- بالضم- هو الشعر. وقال: الهلب رجل كان أصلع فمسح النبي ﷺ يده على رأسه فنبت شعره، فسمي الهلب. وقول اللغويين هو الذي صوبه الفيروز آبادي (صاحب القاموس) ورجح شارحه ما قاله المحدثون. وقال: لأنه من باب تسمية العادل بالعدل مبالغة خصوصاً، وقد ثبت النقل وهم العمدة. قال الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على الترمذي (ج٢: ص٣٢) : وهذا هو الصحيح- انتهى. وقبيصة هذا طائي كوفي. قال ابن المديني والنسائي: مجهول. وذكر مسلم في الوحدان، وابن المدني أنه لم يرو عنه غير سماك بن حرب. وقال العجلي: تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الحافظ في التقريب: مقبول من أوساط التابعين. (عن أبيه) أي هلب الطائي. ويقال إن هلبا لقب غلب عليه، واسمه يزيد بن عدي بن قنافة الطائي، صحابي وفد على النبي ﷺ وهو أقرع فمسح رأسه فنبت شعره، سكن الكوفة، وذكره ابن سعد في طبقة مسلمة الفتح. قال ابن دريد: كان أقرع فصار أفرع يعني كان بالقاف فصار بالفاء، والأهلب الكثير الشعر. له هذا الحديث فقط. (فيأخذ شماله بيمينه) أي ويضعهما على صدره، فعند أحمد من طريق يحيى بن سعيد القطان عن سفيان عن سماك عن قبيصة بن هلب عن أبيه: ورأيته يضع هذه على صدره، وصف يحيى (بن سعيد) اليمنى على اليسرى فوق المفصل. وهذا إسناد حسن، وزيادة "على صدره" زيادة ثقة، فيجب قبولها. قال شيخنا في أبكار المنن: يحيى بن سعيد القطان ثقة حافظ متقن، وزيادته "على صدره" ليست منافية لرواية غيره من أصحاب سفيان عن سماك، فهي مقبولة عند المحققين. قال السندي في حاشية ابن ماجه: قوله: "فيأخذ شماله بيمينه" وقد جاء حديث قبيصة بن هلب في مسند أحمد قال: رأيت رسول الله ﷺ يضع يده على صدره ويأخذ شماله بيمينه. وقد جاء في صحيح ابن خزيمة عن وائل بن حجر، قال: صليت مع رسول الله ﷺ ، فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره. وقد روى أبوداود عن طاؤس، قال: كان رسول الله ﷺ يضع يده اليمنى على يده اليسرى ثم يشد بهما على صدره وهو في الصلاة. وهذا الحديث وإن كان مرسلاً لكن المرسل حجة عند الكل. وبالجملة فكما صح أن الوضع هو السنة دون الإرسال ثبت أن محله الصدر لا غير. وأما حديث "إن من السنة وضع الأكف على الأكف في الصلاة تحت السرة" فقد اتفقوا على ضعفه. كذا ذكره ابن الهمام نقلاً عن النووي، وسكت عليه- انتهى

стр. 993

رواه الترمذي وابن ماجه. ٨١٠- (١٥) وعن رفاعة بن رافع، قال: ((جاء رجل فصلى في المسجد، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : أعد صلاتك، فإنك لم تصل. فقال: علمني يا رسول الله! كيف أصلي؟ قال: إذا توجهت إلى القبلة فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن وما شاء الله أن تقرأ، فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك ومكّن ركوعك، ــ كلام السندي. (رواه الترمذي وابن ماجه) ، وأخرجه أيضاً أحمد والدارقطني. وقال الترمذي: حديث هلب حديث حسن. ٨١٠- قوله: (وعن رفاعة) بكسر راء وخفة فاء وإهمال عين (بن رافع) بن مالك بن العجلان أبومعاذ الزرقي الأنصاري المدني، بدري جليل، له أحاديث، انفرد له البخاري بثلاثة أحاديث. قال ابن عبد البر: شهد رفاعة مع علي الجمل وصفين. مات في أول خلافة معاوية، وأبو أول من أسلم من الأنصار, وشهد هو وابنه رفاعة العقبة (جاء رجل) هو أخوه خلاد بن رافع كما تقدم الكلام عليه في أول الباب (فصلي) صلاة خفيفة لم يتم ركوعها ولا سجودها (في المسجد، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ ) فرد النبي ﷺ وقال: وعليك السلام، وفي رواية لأحمد: جاء رجل ورسول الله ﷺ جالس في المسجد، فصلى قريباً منه، ثم انصرف إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : أعد صلاتك (أعد) أمر من الإعادة (صلاتك، فإنك لم تصل) أي صلاة صحيحة، وفيه دلالة واضحة على فريضة التعديل؛ لأنه أمره بالإعادة، ومطلق الأمر للفريضة، ولأن الإعادة لا تجب إلا عند فساد الصلاة، وفسادها بفوات الركن، ولأنه نفى كون المؤدي صلاة. (فقال) أي الرجل في المرة الرابعة (كيف أصلي؟) وفي رواية أحمد؛ كيف أصنع؟ (إذا توجهت إلى القبلة) وفي رواية أحمد: إذا استقبلت القبلة (فكبر) للتحريمة (ثم اقرأ بأم القرآن) أي الفاتحة، وقراءة الفاتحة فرض عند الجمهور، وهو الحق خلافا للحنفية (وما شاء الله أن تقرأ) أي ما رزقك الله من القرآن بعد الفاتحة. وفيه أنه يجب قراءة ما زاد على الفاتحة كما هو مذهب الحنفية خلافا للشافعي، فإن ضم السورة وما قام مقامها سنة عنده. قال ابن حجر: ويجاب بحمل ذلك على التأكيد لا الوجوب للخبر الصحيح وهو قوله ﵇: أم القرآن عوض عن غيرها، وليس غيرها عوضا عنها- انتهى. قال الطيبي: وضع "ما شاء الله" موضع "ما شئت"؛ لأن مشيئته مسبوقة بمشيئة الله، كما قال تعالى: ﴿وما تشاؤن إلا أن يشاء الله﴾ [٨١: ٢٩] انتهى. قلت: وفي رواية أحمد: ثم اقرأ بما شئت. (فاجعل راحتيك) تثنية راحة وهي الكف. (على ركبتيك) فيه رد على أهل التطبيق (ومكن) من التمكين (ركوعك) أي من أعضائك، يعني تمم بجميع أعضائك، قاله الطيبي. وقال ابن الملك: أي اركع ركوعاً تاما مع الطمأنينة. وفي

стр. 994

وامدد ظهرك. فإذا رفعت فأقم صلبك، وارفع رأسك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها. فإذا سجدت فمكن للسجود. فإذا رفعت فاجلس على فخذك اليسرى. ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة حتى تطمئن)) . هذا لفظ المصابيح. ورواه أبوداود مع تغيير يسير. وروى الترمذي والنسائي معناه. وفي رواية للترمذي، قال: ((إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله به، ثم تشهد، فأقم ــ رواية لأحمد: مكن لركوعك. ونقل الحافظ هذه الرواية من أحمد بلفظ: تمكن لركوعك. يقال: مكنته من الشيء وأمكنته منه أي جعلت له عليه سلطاناً وقدره. وتمكن من الأمر، واستمكن منه أي قدر وقوي عليه، أو ظفر به (وامدد) بضم الدال من باب نصر، أي ابسط (فإذا رفعت) أي رأسك من الركوع (فأقم صلبك) أي سو ظهرك (حتى ترجع العظام) برفعها وتنصب بناء على أنه لازم ومتعد، أي تعود أو ترد أنت (فمكن) أي يديك (للسجود) أي اسجد سجوداً تاماً مع الطمأنينة، قاله ابن الملك. ووضع اليدين في السجود سنة عند الحنفية، وفرض عند الشافعي، وقال ابن حجر: معناه فمكن جبهتك من مسجدك فيجب تمكينها بأن يتحامل علها بحيث لو كان تحتها قطن انكبس (فإذا رفعت) أي رأسك من السجود (فاجلس على فخذك اليسرى) أي ناصباً قدمك اليمنى وهو الافتراش المسنون في غير الجلسة الأخيرة. (ثم اصنع ذلك) أي جميع ما ذكر (في كل ركعة وسجدة) أي ركوع وسجود (حتى تطمئن) قال ابن الملك: يريد به الجلوس في آخر الصلاة فإنه موضع الاستقرار، يعني حتى يفرغ. وقال ابن حجر: راجع إلى جميع ما مرّ، فيفيد وجوب الطمأنينة في الركوع، والاعتدال، والسجود، والجلوس بين السجدتين. قلت: اقتصر أحمد في روايته على قوله "ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة" بدون ذكر قوله "تطمئن" (هذا لفظ المصابيح) قلت: أخرجه أحمد (ج٤: ص٣٤٠) بهذا اللفظ إلا ما تقدم من الاختلاف في بعض الألفاظ كما نبهنا على ذلك. (وروى الترمذي والنسائي معناه) وقال الترمذي: حديث رفاعة حديث حسن. وقال ابن عبد البر: هذا حديث ثابت. وقال الحاكم بعد روايته إياه من طريق همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد عن أبيه عن عمه رفاعة بن رافع: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، بعد أن أقام همام بن يحيى إسناده، فإنه حافظ ثقة، ووافقه الذهبي. والحديث أخرجه أيضاً الشافعي في الأم والدارمي وابن الجارود وابن حزم في المحلى والحاكم والبيهقي. (وفي رواية للترمذي) فيه نظر، فإن هذه الرواية ليست للترمذي خاصة بل أخرجها أبوداود أيضاً (إذا قمت إلى الصلاة) أي أردت القيام فوضع المسبب موضع السبب (كما أمرك الله به) أي في سورة المائدة (ثم تشهد) أي قل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، بعد الوضوء (فأقم) أي الصلاة. وقيل: معنى تشهد أذن؛ لأنه مشتمل على كلمتي الشهادة، فأقم على هذا يراد به الإقامة للصلاة، كذا نقله ميرك عن الأزهار، قلت: الظاهر أن المراد بقوله "ثم تشهد فأقم" الأذان والإقامة، يدل

стр. 995

فإن كان معك قرآن فاقرأ، وإلا فاحمد الله، وكبره، وهلله، ثم اركع)) . ٨١١- (١٦) وعن الفضل بن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الصلاة مثنى مثنى، تشهد في كل ركعتين، ــ عليه ما زاده الترمذي في روايته من لفظ "أيضا" بعد قوله "فأقم" (فإن كان معك قرآن فاقرأ) أي ما تيسر. وقد تقدم أن تمسك الحنفية على عدم ركنية الفاتحة ليس بصحيح؛ لأن الفاتحة وإن لم تكن ركناً لكنها واجبة عندهم أيضاً، والسياق سياق التعليم، فلو فرضنا أنه لم يعلمه يلزم درجة كراهة التحريم في سياق التعليم، ولا يجوز أصلاً مع أنها مذكورة في حديث رفاعة صراحة (كما تقدم آنفاً) وإن كانت مجملة في حديث أبي هريرة (وكذا في بعض طرق حديث رفاعة) . ثم أقول: إن قوله هذا كان لكون الرجل بدوياً أعرابياً لا يدري أنه كان عنده شيء من القرآن أم لا، وحينئذٍ ينبغي أن يكون التعبير هكذا، ولذا قال "وإلا فاحمد الله وكبره" فدل على أنه كان ممن لا يستبعد منه أن لا يكون عنده قرآن أصلاً. وإذن لا يلائمه أن يأمره بالفاتحة والسورة تفصيلاً، وإنما أليق بحاله الإجمال، فيقرأ بما يقدر، قاله الشيخ محمد أنور الكشميري. (وإلا) أي وإن لم يكن معك قرآن (فاحمد الله) أي قل: الحمد لله (وكبره) أي قل: الله أكبر (وهلله) أي قل: لا إله إلا الله. وفيه دليل على أن الذكر المذكور يجزئ من لم يكن معه شيء من القرآن، وليس فيه ما يقتضي التكرار فظاهره أنها تكفي مرة، وسيأتي الكلام فيه مفصلا ًفي باب القراءة في الصلاة. ٨١١- قوله: (الصلاة مثنى مثنى) قيل: الصلاة مبتدأ ومثنى مثنى خبره، والأول تكرير والثاني توكيد، وقوله: (تشهد في كل ركعتين) خبر بعد خبر كالبيان لمثنى مثنى، أي ذات تشهد، وكذا المعطوفات، ولو جعلت أوامر اختل النظم، وذهبت الطراوة والطلاوة، قاله الطيبي. وقال التور بشتي: وجدنا الرواية فيهن بالتنوين لا غير، وكثير ممن لا علم له بالرواية يسردونها على الأمر ونراها تصحيفاً- انتهى. ونقل السيوطي في قوت المغتذي عن الحافظ العراقي في شرحه على الترمذي: المشهور في هذه الرواية أنها أفعال مضارعة حذف منها إحدى التائين، ويدل عليه قوله في رواية أبي داود "وأن تتشهد"، ووقع في بعض الروايات بالتنوين فيها على الاسمية، وهو تصحيف من بعض الرواة- انتهى. ونحو ذلك نقل السندي في حاشية ابن ماجه عن العراقي وزاد: قال أبوموسى المديني: ويجوز أن يكون أمراً أو خبراً- انتهى. قال العراقي: فعلى الاحتمال الأول يكون تشهد وما بعده مجزوماً على الأمر، وفيه بُعد لقوله بعد ذلك "وتقنع" فالظاهر أنه خبر- انتهى. وقد ظهر من هذا كله أنهم اختلفوا في ضبط هذه الكلمات. (أي غير قوله "تقنع" فإنه مضارع من الإقناع جزماً لا يحتمل وجها آخر) فضبطها بعضهم على المصدرية بالتنوين "تشهد" الخ. ورجحه التوربشتي والطيبي. وضبطها بعضهم أفعال أمر "تشهد" الخ. وضبطها بعضهم أفعالاً مضارعة "تشهد" الخ. وهذا رجحه العراقي وهو الراجح عندي لما في رواية لأحمد

стр. 996

وتخشع وتضرع وتمسكن، ثم تقنع يديك- يقول: ترفعهما- إلى ربك ــ (ج٤: ص١٦٧) من حديث المطلب: الصلاة مثنى مثنى، وتشهد، وتسلم في كل ركعتين، الخ. فقوله: "تسلم" فعل مضارع جزما لا يحتمل أن يكون أمراً أو مصدراً فكذا قوله "تشهد" والمعطوفات بعده. ورواية أحمد هذه تدل على أن المراد من قوله "مثنى مثنى" أنه يسلم من كل ركعتين، فيكون المقصود بيان الأفضل. والمعنى أفضل الصلاة النافلة أن تكون ركعتين ركعتين أي بالليل، لما وقع في حديث المطلب بن ربيعة عند أحمد "صلاة الليل مثنى مثنى" إلا أن في سنده يزيد بن عياض الليثي وهو منكر الحديث متروك كذبه مالك وغيره. وفي قوله: "تسلم في كل ركعتين" رد على ابن الهمام حيث قال: إن "مثنى" معدول من"اثنين اثنين" فصار بالتكرار أربعاً، فمعنى قوله"الصلاة مثنى مثنى" أي أربع أربع، وهو مذهب الحنفية في النافلة. وفيه أنه قد صرح الزمخشري في الفائق أن مثنى ههنا مجرد عن التكرار، ومعناه اثنين فقط، ولذا احتيج إلى تكريره على أن ما ذكره ابن الهمام وإن كان نافعاً لهم في مسألة التطوع لكن يضرهم في مسألة الوتر جداً لأن صلاة الليل إذا كانت أربعاً فبإيتارها بواحدة يحصل الوتر خمس ركعات، بخلاف ما إذا كانت مثنى، فإنها بعد الإيتار تحصل ثلاث ركعات وهي ركعات الوتر عند الحنفية. (وتخشع) التخشع هو السكون والتذلل، وقيل الخشوع قريب المعنى من الخضوع إلا أن الخضوع في البدن والخشوع في البصر والبدن والصوت. وقيل: الخضوع في الظاهر، والخشوع في الباطن. وقال الحافظ: الخشوع تارة يكون من فعل القلب كالخشية، وتارة من فعل البدن كالسكون. وقيل: لابد من إعتبارهما حكاه الفخر الرازي في تفسيره. وقال غيره: هو معنى يقوم بالنفس، يظهر عنه سكون في الأطراف يلائم مقصود العبادة، ويدل على أنه من عمل القلب حديث علي: "الخشوع في القلب" أخرجه الحاكم. وأما حديث: "لو خشع هذا خشعت جواره" ففيه إشارة إلى أن الظاهر عنوان الباطن- انتهى. قال القاري: والخشوع من كمال الصلاة. قلت: بل هو روحها وسرها ومقصودها. وفي قوله: "تخشع" إشارة إلى أنه إن لم يكن له خشوع فيتكلف، ويطلب من نفسه الخشوع، ويتشبه بالخاشعين. (وتضرع) قال الجزري: التضرع التذلل، والمبالغة في السؤال، والرغبة. يقال ضرع يضرع- بالكسر والفتح - والتضرع إذا خضع وذل. (وتمسكن) قال ابن الملك: التمسكن إظهار الرجل المسكنة من نفسه. وقال الجزري: أي تذل وتخضع، وهو تمفعل من السكون، والقياس أن يقال: تسكن، وهو الأكثر الأفصح، وقد جاء على الأول أحرف قليلة. قالوا: تمدرع وتمنطق وتمندل- انتهى. (ثم تقنع يديك) من إقناع اليدين رفعهما في الدعاء ومنه قوله تعالى: ﴿مقنعي رؤوسهم﴾ [١٤: ٤٣] أي ترفع يديك للدعاء بعد الصلاة لا فيها. وقيل: بل يجوز أن يرفع اليدين فيها في قنوت الصبح والوتر، وهو عطف على محذوف، أي إذا فرغت منها فسلم ثم ارفع يديك سائلاً حاجتك، فوضع الخبر موضع الطلب (يقول) أي الراوي معناه (ترفعهما) أي لطلب الحاجة (إلى ربك) متعلق بقوله

стр. 997

مستقبلاً ببطونهما وجهك، وتقول: يا رب! يا رب! ومن لم يفعل ذلك فهو كذا وكذا)) . وفي رواية: ((فهو خداج)) . رواه الترمذي. ﴿الفصل الثالث﴾ ٨١٢- (١٧) عن سعيد بن الحارث بن المعلى، قال: ((صلى لنا أبوسعيد الخدري، فجهر بالتكبير حين رفع رأسه من السجود، وحين سجد، وحين رفع من الركعتين. ــ تقنع. وقيل "يقول" فاعله النبي ﷺ و"ترفعهما" يكون تفسيرا لقوله" ثم تقنع يديك" والظاهر أن الفاعل هو عبدربه ابن سعيد أحد رواة الحديث، ففي مسند أحمد (ج٤: ص١٦٧) من طريق شعبة أنه قال في آخر الحديث: فقلت له ما الإقناع؟ فبسط يديه كأنه يدعو (يا رب! يا رب) الظاهر أن المراد بالتكرير التكثير (ومن لم يفعل ذلك) أي ما ذكر من الأشياء في الصلاة فهو أي فعل صلاته (كذا وكذا) قال الطيبي: كناية عن أن صلاته ناقصة غير تامة يبين ذلك الرواية الأخرى أعني قوله "فهو خداج" قلت: وفي رواية أحمد في المسند (ج١: ص٢١١) من طريق ابن المبارك "فمن لم يفعل ذلك فقال فيه قولاً شديداً" (فهو خداج) بكسر الخاء المعجمة، أي ناقص. قيل: تقديره "فهو ذات خداج" أي صلاته ذات نقصان، فحذف المضاف. أو وصفها بالمصدر نفسه للمبالغة، والمعنى: أنها ناقصة، قال الزمخشري في أساس البلاغة: أخدج صلاته، نقص بعض أركانها، وصلاتي مخدجة وخادجة وخداج وصفا بالمصدر- انتهى. وقال أبوعبيد: أخدجت الناقة إذا أسقطت، والسقط ميت لا ينتفع به، ذكره البخاري في جزء القراءة. وقال الخطابي: تقول العرب: أخدجت الناقة إذا ألقت ولدها وهو دم لم يستبن خلقه فهي مخدج، والخداج اسم مبني منه- انتهى. وقال المنذري في الترغيب: والخداج معناه ههنا الناقص في الأجر والفضيلة – انتهى. (رواه الترمذي) وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي وابن خزيمة في صحيحه وتردد في ثبوته. وأخرجه أبوداود الطيالسي وأبوداود السجستاني وابن ماجه وأحمد أيضاً من حديث المطلب. والظاهر أنه المطلب بالربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، ويقال له: عبد الطلب أيضاً، وهو صحابي معروف. ومدار الروايتين على عبد الله بن نافع بن العمياء، وهو مجهول على ما قال الحافظ في التقريب. وقال البخاري: لا يصح حديثه. وذكره ابن حبان في الثقات. ٨١٢- قوله: (عن سعيد بن الحارث بن المعلى) بضم الميم وفتح اللام المشددة اسم مفعول من التعلية، هو سعيد ابن الحارث بن أبي سعيد المعلى الأنصاري المدني القاص، من ثقات الطبقة الوسطى من التابعين (صلى لنا أبوسعيد الخدري) أي بالمدينة لما اشتكى أبوهريرة أو غاب، وكان يصلي بالناس في إمارة مروان على المدينة، وكان مروان وغيره من بني أمية يسرون بالتكبير (فجهر) أي أبوسعيد (بالتكبير) لكونه إماماً. زاد الإسماعيلي "حين افتتح، وحين ركع، وحين سجد" (حين رفع رأسه من السجود) ليعلم ويتابع عليه (وحين سجد) أي ثانياً (وحين رفع) أي رأسه (من الركعتين) أي

стр. 998

وقال: هكذا رأيت النبي ﷺ )) . رواه البخاري. ٨١٣- (١٨) وعن عكرمة، قال: صليت خلف شيخ بمكة، فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة. فقلت لابن عباس: إنه أحمق. فقال: ثكلتك أمك، سنة أبي القاسم ﷺ )) . ــ الأولين. وفي البخاري "وحين رفع وحين قام من الركعتين" زاد الإسماعيلي: فلما انصرف قيل له: قد اختلف الناس على صلاتك، فقام عند المنبر فقال: إني والله ما أبالي اختلفت صلاتكم أو لم تختلف. (وقال: هكذا رأيت النبي ﷺ ) قال الحافظ: والذي يظهر أن الاختلاف بينهم كان في الجهر بالتكبير والإسرار به، وكان مروان وغيره من بني أمية يسرون به- انتهى. والحديث يدل على مشروعية الجهر بالتكبير وقد عرفت مما أسلفنا أن أول من ترك تكبير النقل أي الجهر به عثمان ثم معاوية ثم زياد ثم مروان وغيره من بني أمية. وفيه أن التكبير للقيام من الركعتين يكون مقارناً للفعل، وهو مذهب الجمهور خلافاً لمالك حيث قال"يكبر بعد الإستواء" وكأنه شبه بأول الصلاة من حيث أنها فرضت ركعتين، ثم زيدت الرباعية فيكون افتتاح المزيد كافتتاح المزيد عليه، كذا قاله بعض أتباعه، لكن كان ينبغي أن يستحب رفع اليدين حينئذٍ لتكمل المناسبة ولا قائل به منهم. (رواه البخاري) تفرد به البخاري عن أصحاب الكتب الستة، وأخرجه أحمد بأطول من هذا. وقال الهيثمي (ج٢: ص١٠٤) : رجاله رجال الصحيح_ انتهى. وأخرجه أيضاً البيهقي في سننه (ج٢: ص١٨) والحاكم في المستدرك (ج٢: ٢٢٣) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذا السياق. ٨١٣- قوله: (صليت خلف شيخ) هو أبوهريرة كما جاء مسمى في رواية أحمد والطحاوي والطبراني (بمكة) أي عند المقام صلاة الظهر كما في مستخرج أبي نعيم والإسماعيلي (فكبر) أي جهر بالتكبير فيها (ثنتين وعشرين تكبيرة) أي في الرباعية مع تكبير الافتتاح والقيام عند التشهد؛ لأن في كل ركعة خمس تكبيرات فيحصل في كل رباعية عشرون تكبيرة سوى تكبيرة الإحرام وتكبيرة القيام من التشهد الأول، وفي الثلاثية سبع عشرة، وفي الثنائية إحدى عشرة، وفي الخمس أربع وتسعون تكبيرة. (إنه) أي الشيخ (أحمق) أي جاهل أو قليل العقل. (ثكلتك) بالمثلثة المفتوحة وكسر الكاف أي فقدتك (أمك) وهي كلمة تقولها العرب عند الزجر, فكأنه دعا عليه أن يفقد أمه، أو أن تفقده أمه, لكنهم قد يطلقون ذلك ولا يريدون حقيقته. واستحق عكرمة ذلك عند ابن عباس لكونه نسب ذلك الرجل الجليل إلى الحمق الذي هو غابة الجهل، وهو برىء من ذلك. (سنة أبي القاسم ﷺ ) بالرفع، خبر مبتدأ محذوف، أي هذا الذي فعله الشيخ من التكبير المعدود طريقة أبي القاسم ﷺ . تنبيه: الحديث قد استدل به الحنفية على نفي جلسة الاستراحة. قال النيموي: يستفاد من الحديث ترك جلسة الاستراحة وإلا لكانت التكبيرات أربعاً وعشرين مرة، لأنه قد ثبت أن النبي ﷺ كان يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود. وفيه أن جلسة الاستراحة جلسة خفيفة جداً ولذلك لم يشرع فيها ذكر، فهي

стр. 999

رواه البخاري. ٨١٤- (١٩) وعن علي بن الحسين مرسلاً، قال: ((كان الرسول الله ﷺ يكبر في الصلاة كلما خفض ورفع، فلم يزل تلك صلاته ﷺ حتى لقي الله تعالى)) . رواه مالك. ــ ليست بجلسة مستقلة، بل هي من جملة النهوض إلى القيام؛ فكيف يستفاد من هذا الحديث ترك جلسة الاستراحة، ولو سلم فدلالته على الترك ليس إلا بالإشارة، وحديث مالك بن الحويرث المتقدم يدل على ثبوتها بالعبارة، ومن المعلوم أن العبارة مقدمة على الإشارة. (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً أحمد والطحاوي والطبراني. ٨١٤- قوله: (وعن علي بن الحسين) هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بزين العابدين الهاشمي أبوالحسن. ويقال: أبوالحسين المدني، من أكابر سادات أهل البيت وجلة التابعين وعلامهم. قال الحافظ: ثقة، ثبت، عابد، فقيه، فاضل، مشهور. قال الزهري: ما رأيت قرشياً أفضل منه، وما رأيت أفقه منه. وقال سعيد بن المسيب: ما رأيت أورع منه، وكان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة إلى أن مات، وكان يسمى زين العابدين لعبادته، وكان مع أبيه يوم قتل وهو مريض فسلم. فقال ابن عيينة: حج علي بن الحسين، فلما أحرم أصفر، وانتفض، وارتعد، ولم يستطع أن يلبى، فقيل: ما لك لا تلبى؟ فقال: أخشى أن أقول لبيك، فيقول لا لبيك. فقيل له: لابد من هذا. فلما لبى غشى عليه، وسقط من راحلته، فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجه. ومناقبه كثيرة، مات سنة (٩٤) وهو ابن (٥٨) سنة، ودفن بالبقيع في القبر الذي فيه عمه الحسن. (مرسلاً) ؛ لأنه لم يدرك النبي ﷺ . قال ابن حجر: "مرسلاً" حال متقدمة على صاحبها –انتهى. قال القاري: وهو موافق لما في النسخ المصححة المضبوطة على صيغة المفعول (كلما خفض) أي أراد الخفض إلى الركوع والسجود (ورفع) أي رأسه من السجود، فإنه إذا رفع رأسه من الركوع يسمع ويحمد، ثم يكبر للخفض، فذكر الرفع من الركوع التسميع والتحميد لا التكبير. قال الحافظ: هو عام في جميع الانتقالات في الصلاة، لكن خص منه الرفع من الركوع بالإجماع، فإنه شرع فيه التحميد – انتهى. ويؤيده الروايات المفصلة المفسرة مثل حديث أبي هريرة وحديث أبي حميد السابقين وغيرهما. (فلم يزل) بالتذكير، وقيل: بالتأنيث (تلك) أي تلك الصلاة المقترنة بذلك التكبير (صلاته) بالرفع، وقيل: بالنصب، قال الطيبي: يحتمل أن يكون اسم "لم يزل" مستكناً عائداً إلى النبي ﷺ ، والجملة الاسمية خبرها، وأن يكون "تلك" اسمها و"صلاته" خبرها إذا رويت منصوبة، وبالعكس إذا رويت مرفوعة (حتى لقي الله) قد تقدم سبب إثبات تكبيرات النقل، وأنه استقر الأمر على مشروعيتها لكل مصل. (رواه مالك) في الموطأ عن ابن شهاب الزهري، عن علي بن الحسين مرسلاً. قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافاً بين رواة الموطأ في إرسال هذا الحديث. ورواه عبد الوهاب، عن مالك، عن الزهري، عن علي، عن أبيه. ورواه عبد الرحمن بن خالد بن نجيح عن أبيه، عن مالك، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن علي بن

стр. 1000

٨١٥- (٢٠) وعن علقمة، قال: قال لنا ابن مسعود: ((ألا أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ ؟ فصلى، ولم يرفع يديه إلا مرة واحدة مع تكبير الافتتاح. ــ أبي طالب. ولا يصح في الموطأ مرسلاً. وأخطأ فيه ابن مصعب، فرواه عن مالك، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، ولا يصح. والصواب عندهم ما في الموطأ – انتهى. قلت: الحديث وإن كان مرسلاً لكنه قد تعاضد بما جاء في الباب من الأحاديث المسندة باللفظ العام كحديث عمران بن حصين وأبي هريرة عند البخاري ومسلم، وحديث أبي موسى عند أحمد، وحديث ابن مسعود عند أحمد والنسائي والدارمي والترمذي والطحاوي، وحديث ابن عباس عند البخاري، وحديث ابن عمر عند أحمد والنسائي، وحديث عبد الله بن زيد عند سعيد بن منصور، وحديث وائل بن حجر عند ابن حبان، وحديث جابر عند البزار. ٨١٥- قوله: (فصلى ولم يرفع يديه إلا مرة واحدة) هذا لفظ النسائي في رواية، وفي أخرى له: "فقام فرفع يديه أول مرة، ثم لم يعد" ولفظ الترمذي: "فصلى فلم يرفع يديه إلا في أول مرة" ولفظ أبي داود في رواية: "فصلى فلم يرفع يديه إلا مرة" وفي أخرى له: "فرفع يديه في أول مرة" قال أبوداود: وقال بعضهم: مرة واحدة. (مع تكبير الافتتاح) ليست هذه اللفظة في النسخ موجودة عندنا للترمذي وأبي داود والنسائي. والحديث قد استدل به من قال من الحنفية بعدم استحباب رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام. وأجيب عنه بوجوه، أحدها: أنه حديث ضعيف غير صالح للاحتجاج، قد ضعفه الأئمة الحفاظ النقاد وعللوه كما ستعرف. ثانيها: أن مدار هذا الحديث على عاصم بن كليب، وهو قد انفرد به، وقال ابن المديني: لا يحتج بما انفرد به. وقال ابن عبد البر في التمهيد: أما حديث ابن مسعود فانفرد به عاصم بن كليب واضطرب فيه، وليس ممن يحتج بما انفرد به. ثالثها: وهو على تقدير كونه صحيحاً أو حسناً أنه قد نسي ابن مسعود رفع اليدين في غير التحريمة كما قد نسي أمورا كثيرة، وقد تقدم بيانها. قال الخطابي في معالم السنن: قد يجوز أن يذهب ذلك على ابن مسعود كما ذهب عليه الأخذ بالركبة في الركوع وكان يطبق على الأمر الأول، وخالفه الصحابة كلهم في ذلك – انتهى. وقد أوضح ذلك شيخنا الأجل المباركفوري في أبكار المنن (ص٢٠٥) فارجع إليه. رابعها: أنه نفي الأحاديث الدالة على الرفع إثبات، والإثبات مقدم. قال الخطابي: الأحاديث الصحيحة التي جاءت في رفع اليدين عند الركوع، وبعد رفع الرأس منه أولى من حديث ابن مسعود، والإثبات أولى من النفي. خامسها: أن أحاديث الرفع في المواضع الثلاثة متضمنة لزيادة غير منافية وهي مقبولة بالإجماع، لا سيما وقد نقلها جماعة من الصحابة، واتفق على إخراجها الجماعة. سادسها: أن أحاديث الرفع مقدمة على حديث ابن مسعود؛ لأنها قد رويت عن عدد كثير من الصحابة حتى قال السيوطي: إن حديث الرفع متواتر عن النبي ﷺ كما عرفت فيما سلف. وقال العيني في شرح

стр. 1001

البخاري: إن جملة أسباب الترجيح كثرة عدد الرواة وشهرة المروي، حتى إذا كان أحد الخبرين يرويه واحد، والآخر يرويه اثنان، فالذي يرويه اثنان أولى بالعمل به – انتهى. وقال الحازمي في كتاب الاعتبار: ومما يرجح به أحد الحديثين على الآخر كثرة العدد في أحد الجانبين، وهي مؤثرة في باب الرواية؛ لأنها تقرب مما يوجب العلم، وهو التواتر- انتهى. سابعها: يحتمل أن الاقتصار على الرفع في الافتتاح كان في الابتداء ثم زيد الرفع في المواضع الثلاثة لكونه عبادة وفعلاً تعظيما, لكن خفي ذلك على ابن مسعود كما خفي عليه نسخ التطبيق والأمر بأخذ الركبة، والحاصل أنه يحتمل أن يكون ابن مسعود حكى الصلاة الأولى كما حكى التطبيق في الركوع وهو منسوخ. قال البيهقي في معرفة السنن: وقد يكون ذلك في ابتداء قبل أن يشرع رفع اليدين في الركوع ثم صار التطبيق منسوخاً، وصار الأمر في السنة إلى رفع اليدين عند الركوع ورفع الرأس منه جميعاً، وخفيا جميعا على عبد الله بن مسعود-انتهى. ثامنها: أن هذا الحديث ليس بنص في أنه ﷺ لم يرفع يديه إلا مرة واحدة مع تكبيرة الافتتاح، نعم هو يدل بظاهره على ذلك, بخلاف الأحاديث المثبتة للرفع في المواضع الثلاثة، فإنها نص في الرفع في غير الافتتاح. قال الشيخ الإمام ابن تيمية في فتاواه (ج٢: ص٣٧٦) : وابن مسعود لم يصرح بأن النبي ﷺ لم يرفع إلا أول مرة، لكنهم رأوه يصلي ولا يرفع إلا أول مرة -انتهى. ومن المعلوم أن النص مقدم على الظاهر عند التعارض. تاسعها: أنه يحتمل أن يكون معنى قوله: لم يرفع يديه إلا مرة واحدة، أي لم يبالغ في الرفع إلا أول مرة، وأما بعد ذلك فكان يرفع دون ذلك، فالمراد من نفي الرفع في غير الافتتاح نفي المبالغة في الرفع في غير الافتتاح لا نفي نفس الرفع، فقد روي عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مداً. رواه أحمد والترمذي وغيرهما. وقد فسر ابن عبد البر المد المذكور بمد اليدين فوق الأذنين مع الرأس، ومعنى قوله: "ثم لا يعود" أي إلى المبالغة في الرفع. عاشرها: أن معنى قوله: "لم يرفع يديه إلا مرة واحدة" أي لم يكرر الرفع عند الإحرام، بل اقتصر عند التحريمة على الرفع مرة. قال الشيخ الأكبر المعروف بابن عربي: وغاية المفهوم من حديث ابن مسعود والبراء أنه كان ﵇ يرفع يديه عند الإحرام مرة واحدة لا يزيد عليها، أي أنه رفع مرة واحدة، ولم يصنع ذلك مرتين، ذكره في الفتوحات. ومعنى قوله: "ثم لم يعد" أو"لا يعود" أي إلى الرفع عند ابتداء الركعة الثانية. قال صاحب الفتوحات: معنى: "لا يعود" عدم الرفع في ابتداء الركعة الثانية كما كان في الأول. الحادي عشر: أن الرفع سنة وقد يتركها مرة أو مراراً، ولكن الفعل الأغلب والأكثر هو السنة، وهو الرفع عند الركوع وعند الرفع منه. قال السندي في حاشية النسائي: يكفي في إضافة الصلاة إلى رسول الله ﷺ كونه صلى هذه الصلاة أحيانا. وإن كان المتبادر الاعتياد والدوام فيجب الحمل على كونها كانت أحياناً، توفيقاً بين الأدلة ودفعاً للتعارض. وعلى هذا فيجوز أنه ﷺ ترك الرفع عند الركوع وعند الرفع منه إما لكون الترك سنة كالفعل، أو لبيان

стр. 1002

رواه الترمذي، وأبوداود، والنسائي. وقال أبوداود: ليس هو بصحيح على هذا المعنى. ــ الجواز، فالسنة هي الرفع لا الترك -انتهى. قلت: هذا كله على تقدير التنزل وتسليم كون حديث ابن مسعود صحيحاً أو حسناً، وإلا فهو حديث ضعيف لا يقوم بمثله حجة كما عرفت، وكما ستعرف. (رواه الترمذي) وقال: حديث ابن مسعود حديث حسن. وقال ابن حزم في المحلى (ج٤: ص٨٨) : إن هذا الخبر صحيح. (وأبو داود والنسائي) وأخرجه أيضاً أحمد وابن حزم (وقال أبوداود: ليس هو بصحيح على هذا المعنى) قال أبوداود في سنته بعد رواية هذا الحديث: هذا حديث مختصر من حديث طويل ليس هو بصحيح على هذا اللفظ –انتهى. يعني أن الراوي اختصر هذا الحديث من حديث طويل. (رواه أبوداود قبل ذلك ويأتي لفظه) فأداه بالمعنى وأخطأ في اختصاره. قال ابن أبي حاتم في كتاب العلل (ص٩٦) : سألت أبي عن حديث رواه الثوري عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن عبد الله: أن النبي ﷺ قام فكبر فرفع يديه ثم لم يعد. قال أبي: هذا خطأ، يقال: وهم فيه الثوري. روى هذا الحديث عن عاصم جماعة فقالوا كلهم: إن النبي ﷺ افتتح الصلاة فرفع يديه، ثم ركع فطبق وجعلهما بين ركبتيه. ولم يقل أحد ما روى الثوري –انتهى. وقال البخاري في جزء رفع اليدين (ص٩) بعد ذكر هذا الحديث: قال أحمد بن حنبل: عن يحيى بن آدم، قال نظرت في حديث عبد الله بن إدريس عن عاصم بن كليب ليس فيه: "ثم لم يعد" فهذا أصح؛ لأن الكتاب أحفظ عند أهل العلم؛ لأن الرجل يحدث بشيء ثم يرجع إلى الكتاب، فيكون كما في الكتاب: حدثنا الحسن بن الربيع: ثنا ابن إدريس عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود: ثنا علقمة أن عبد الله قال: علمنا رسول الله ﷺ الصلاة فقام فكبر ورفع يديه، ثم ركع وطبق يديه فجعلهما بين ركبتيه، فبلغ ذلك سعداً، فقال: صدق أخي، ألا بل قد نفعل ذلك في أول الإسلام ثم أمرنا بهذا. قال البخاري: هذا هو المحفوظ عند أهل النظر من حديث عبد الله بن مسعود –انتهى. وقال الحافظ في التلخيص (ص٨٣) : وهذا الحديث حسنه الترمذي وصححه ابن حزم. وقال ابن المبارك: لم يثبت عندي. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: هذا خطأ. وقال أحمد بن حنبل وشيخه يحيى بن آدم: هو ضعيف، نقله البخاري عنهما وتابعهما على ذلك. وقال أبوداود: ليس هو بصحيح. وقال الدارقطني: لم يثبت. وقال ابن حبان في الصلاة: هذا أحسن خبر روي لأهل الكوفة في نفي رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه، وهو في الحقيقة أضعف شيء يعول عليه؛ لأن له عللا تبطله –انتهى. وقال البزار: لا يثبت ولا يحتج بمثله. وقال ابن عبد البر: هو من آثار معلولة ضعيفة عند أهل العلم، وهؤلاء الأئمة كلهم إنما طعنوا في طريق عاصم بن كليب، كما قاله الحافظ. وقال النووي في الخلاصة: اتفقوا على تضعيف هذا الحديث. وقال البيهقي في سننه (ج٢: ص٧٩) : لم يثبت عندي حديث ابن مسعود- انتهى. فثبت بهذا كله أن حديث ابن مسعود ليس بصحيح ولا بحسن، بل هو ضعيف لا يقوم بمثله حجة، وأين يقع تحسين الترمذي مع ما فيه من التساهل وتصحيح ابن حزم من طعن أولئك الأئمة

стр. 1003

٨١٦- (٢١) وعن أبي حميد الساعدي قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة استقبل القبلة، ــ الحفاظ النقاد القائمين بمعرفة فن المعلول؟ ولو تم ما قالا لا يخرج الحديث عن الاختلاف فيه جرحاً وتعديلاً، وقد اجتمع أهل الحديث والأصول على أن الجرح مقدم على التعديل. قال الشيخ محمد معين السندي في دراساته (ص١٧٦) : والترمذي وإن حسنه حكى قبل ذلك عن ابن المبارك عدم ثبوت هذا الحديث من غير قيد بطريق معين، وظاهره الإطلاق. قال: فلم يتأت أن يحكم على هذا الحديث بأزيد من أنه اختلف في كونه حسناً أوضعيفاً. وهذا يوجب انحطاطه مما سلم من هذا الاختلاف واتفقت الأمة على حسنه فضلاً عما حكم بصحته عموماً، فكيف عما اتفق عليه الشيخان خصوصاً، فما ظنك بما رواه الخمسون من الصحابة، وحكم عليه بالتواتر، ووردت في معناه أربعمائة حديث بين أثر ومرفوع؟ فقول ابن الهمام وجوابه- أي جواب حديث الرفعات المعارضة بما في أبي داود والترمذي- مما يقضي منه العجب، مع أن الصحيح من السنن لا يعارض المتفق عليه، والإمام ابن الهمام إذا تأيد مذهبه بحديث الصحيحين لا يبالي في كتابه هذا- أي فتح القدير- إلى تمسك الخصم بحديث غيرهما هذا إذا لم يكن حديث الغير معلولاً، وأما إذا اتسم بعلة من حكم إمام حافظ فليت شعري ما معنى معارضة بحديث الصحيحين بمجرد وصف إخراجها له من غير زيادة أخرى توجد في حديث الرفعات فكيف به معها-انتهى. وأما ما روي عن البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ كان إذا افتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لا يعود. أخرجه أبوداود والدارقطني وغيرهما، ففيه أنه من رواية يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف، كبر فتغير، فصار يتلقن. واتفق الحفاظ على أن قوله: "ثم لا يعود" مدرج في الخبر من قول يزيد بن أبي زياد، قال الحميدي: إنما روى هذه الزيادة يزيد، ويزيد يزيد. وقال عثمان الدارمي عن أحمد بن حنبل: لا يصح. وكذا ضعفه البخاري وأحمد بن حنبل وأبوداود ويحيى والدارمي والحميدي وغير واحد. وقال السندي في حاشية النسائي: التحقيق عدم ثبوت الحديث من رواية البراء. وارجع لتفصيل الكلام فيه إلى جزء رفع اليدين للبخاري (ص٩) ، والسنن الكبرى للبيهقي (ج٢: ص٧٦-٧٩) ، ونصب الراية للزيلعي (ج١: ص٤٠٤، ٤٠٣) ، والتلخيص (ص٨٢) هذا، ولبعض شيوخنا تأليف مفرد مستقل في مسألة رفع اليدين سماه "التحقيق الراسخ في أن أحاديث الرفع ليس لها ناسخ". ٨١٦- قوله: (استقبل القبلة) فيه مشروعية استقبال في الصلاة. واتفقوا على وجوبه إلا في حالة العجز ــ ١- كتاب كبير باللغة الأردوية كمل في ٢٠٠ صفحة، مرتب على مبادي ومقاصد وخاتمة. المبادي في تعريفات بعض مصطلحات أهل الحديث مما يحتاج إليه في تحقيق هذه المسألة، وفي ذكر مراتب كتب الحديث نقلاً عن حجة الله، وفي البحث عن شروط الشيخين. والمقاصد في ذكر اختلاف الروايات في مواضع الرفع، وذكر تعامل الصحابة والتابعين وغيرهم، وبسط الأحاديث المثبتة للرفع، والجواب عما يعترضها الحنفية، وذكر دلائلهم مع الرد عليها دليلاً دليلاً. والخاتمة في إبطال أصول اخترعها الحنفية لرد الأحاديث الصحيحة وتزييفها، وتنقييد ما يذكرونه من بعض المناظرات في هذه المسألة عقلاً ونقلاً.

стр. 1004

ورفع يديه، وقال: الله أكبر)) رواه ابن ماجه. ٨١٧- (٢٢) وعن أبي هريرة، قال: ((صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر، وفي مؤخر الصفوف رجل، فأساء الصلاة، فلما سلم ناداه رسول الله ﷺ : يا فلان! ألا تتقى الله؟ ألا ترى كيف تصلي؟ إنكم ترون ــ والخوف، قال القاري: وفيه إشارة إلى اعتبار الجهة حيث لم يقل "استقبل الكعبة". (ورفع يديه) أي حذو منكبيه (وقال) لا دلالة فيه على تقديم الرفع على التكبير، ولا على تأخيره. وروى الترمذي وابن ماجه هذا الحديث مطولاً في باب "رفع اليدين إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع" بلفظ "ثم قال" وهو يدل على تقديم الرفع. وقد تقدم الكلام فيه (الله أكبر) فيه بيان المراد بالتكبير وهو قول "الله أكبر" وهو حجة الجمهور على تعين لفظ "الله أكبر" دون غيره من ألفاظ التكبير والتعظيم. قال السندي: الحديث ظاهر في أنه ما كان ينوي باللسان، ولذلك عند كثير من العلماء النية باللسان بدعة، لكن غالبهم على أنها مستحبة ليتوافق اللسان والقلب-انتهى. قلت: استحب مشائخ الحنفية النطق بالنية والتلفظ بها للاستعانة على استحضار النية لمن احتاج إليه. وقالت الشافعية باستحباب التلفظ بها مطلقاً. واتفق الفريقان على أن الجهر بالنية غير مشروع سواء يكون إماماً أو مأموما أو منفردا. وقالت المالكية بكراهة التلفظ بالنية. والحنابلة نصوا على أنه بدعة. وهذا هو الحق والصواب عندنا. فلا شك في كونه بدعة؛ إذ لم يثبت عن رسول الله ﷺ بطريق صحيح، ولا ضعيف، ولا مسند، ولا مرسل أنه كان يتلفظ بالنية كأن يقول: أصلي لله صلاة كذا مستقبل القبلة. وغير ذلك مما يتلفظ به الحنفية والشافعية عند افتتاح الصلاة. ولا عن أحد من الصحابة والتابعين، وقد ثبت أنه ﷺ قام إلى الصلاة فكبر فلو نطق بشيء آخر لنقلوه، وورد في حديث المسيء في صلاته أنه قال له: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر" فدل على عدم وجود التلفظ، وقد أطنب الإمام الحافظ ابن القيم في زاد المعاد في رد الاستحباب، وأكثر من الاستدلال على ذلك، فعليك أن تراجعه. (رواه ابن ماجه) وإسناده صحيح. وقال الحافظ في الفتح (ج٣: ص٤٠٢) بعد ذكره بلفظ: "إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائماً ورفع يديه، ثم قال: الله أكبر". أخرجه ابن ماجه وصححه ابن خزيمة، وابن حبان-انتهى. قلت: وأخرجه الترمذي أيضاً باللفظ الذي ذكره الحافظ كما يظهر من تصريح الزيلعي في نصف الراية (ج١: ص٣١١) . ٨١٧- قوله: (فأساء الصلاة) قال ابن حجر: أي أتى فيها بما يبطلها، كما يدل عليه قوله: "ألا تتقى الله"، والفاء هنا الظاهرة أنها زائدة لتزين اللفظ-انتهى. قال القاري: والأظهر أنه للتعقيب، والتقدير: وفي مؤخر الصفوف رجل صلى معنا فأساء الصلاة. (ألا تتقى الله) أي مخالفته أو معاقبته. (ألا ترى) أي تنظر وتتأمل (إنكم ترون) بضم التاء أي

стр. 1005

أنه يخفى على شيء مما تصنعون، والله إني لأرى من خلفي كما أرى من بين يدي)) رواه أحمد. (١١) باب ما يقرأ بعد التكبير ﴿الفصل الأول﴾ ٨١٨- (١) عن أبي هريرة، قال: ((كان رسول الله ﷺ يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة. فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ــ تظنون (مما تصنعون) أي في صلاتكم (إني لأرى) أي أيصر، أي في حال الصلاة (من خلفي) بحرف الجر. قال القاري: وفي نسخة بمن الموصولة. (كما أرى من بين يدي) بكسر "من" وجر "بين" وفي نسخة بفتح "من" ونصب "بين يدي" على الظرفية، قال القاري. قيل: هذه رؤية قلب، وقيل: وحي أو إلهام. والصواب أنه رؤية مشاهدة بالبصر. قال الشيخ عبد الحق الدهلوي في اللمعات: الصواب أنه محمول على ظاهره، وأن هذا الإبصار إدراك حقيقي بحاسة العين: خاص به ﷺ على خرق العادة، فكان يرى من غير مقابلة -انتهى. وفي معنى هذا خبر الصحيحين عن أبي هريرة أيضاً: هل ترون قبلتي ههنا، فوالله ما يخفى على ركوعكم ولا سجودكم، إني لأراكم من وراء ظهري. وفيه أيضاً رواية لمسلم عن أنس: أيها الناس! إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، فإني أراكم من أمامي ومن خلفي. قال النووي: قال العلماء: معناه أن الله تعالى خلق له ﷺ إدراكاً في قفاه يبصر به من ورائه، وقد انخرقت العادة له ﷺ بأكثر من هذا، وليس يمنع من هذا عقل ولا شرع، بل ورد الشرع بظاهره فوجب القول به. قال القاضي: قال أحمد بن حنبل وجمهور العلماء: هذه الرؤية رؤية عين حقيقة-انتهى. (رواه أحمد) وأخرجه أيضاً ابن خزيمة في صحيحه والحاكم في المستدرك (ج١: ص٢٣٦) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. (باب ما يقرأ بعد التكبير) الأولى باب ما يقول أو يقال بعد التكبير ليشمل دعاء الافتتاح، ولعله أراد به التغليب، والمراد التكبير الذي للاحرام، قاله القاري. ٨١٨- قوله: (يسكت) قال التوربشتي: ضبطناه بفتح أوله وضم ثالثه، من السكوت. وحكى الكرماني عن بعض الروايات بضم أوله من الإسكات. قال الجوهري: تكلم الرجل ثم سكت - بغير ألف- إذا انقطع كلامه فلم يتكلم، قلت أسكت (إسكاته) بكسر الهمزة بوزن إفعالة من السكوت، وهو من المصادر الشاذة إذ القياس سكوتاً، وهو منصوب مفعولاً مطلقاً، والمراد به ههنا السكوت عن الجهر لا عن مطلق القول، أو عن قراءة القرآن لا عن الذكر، وإلا فالسكوت الحقيقي ينافي القول، فلا يصح السؤال بقوله: "ما تقول" أي في سكوتك. (بأبي أنت وأمي) الباء متعلقة بمحذوف.

стр. 1006

إسكاتك بين التكبير وبين القراءة ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياى كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطاياى كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم أغسل خطاياى بالماء والثلج والبرد)) متفق عليه. ــ قيل: هو اسم فيكون ما بعده مرفوعاً تقديره "أنت مفدى" بأبي وأمي"، وقيل: هو فعل أي فديتك بهما، وما بعده منصوب وحذف هذا المقدر تخفيفاً لكثرة الاستعمال وعلم المخاطب. (إسكاتك) بكسر أوله (ما تقول؟) أي في سكوتك عن الجهر. قال المظهر: قوله: "إسكاتك" بالنصب مفعول فعل مقدر أي أسألك إسكاتك ما تقول فيه؟ أو في إسكاتك ما تقول؟ بنزع الخافض، وقال الحافظ: والذي في روايتنا بالرفع للأكثر، وأعربه مبتدأ لكنه لم يذكر خبره، وروي بفتح الهمزة وضم السين على الاستفهام، وقوله "ما تقول" يشعر أنه فهم هناك قولاً فإن السؤال وقع بقوله "ما تقول" ولم يقع بقوله "هل تقول" والسؤال "بهل" مقدم على السؤال "بما". ولعله استدل على أصل القول بحركة الفم كما ورد في استدلالهم على القراءة في السر باضطراب لحيته، قاله ابن دقيق العيد (اللهم باعد بيني وبين خطاياى) أي بين أفعال لو فعلتها تصير خطايا، فالمطلوب الحفظ وتوفيق الترك، أو بين ما فعلتها من الخطايا والمطلوب المغفرة. قال ابن دقيق العيد: المراد بالمباعدة محو ما حصل منها وترك المؤاخذة بها، أو المنع من وقوعها والعصمة منها. وفيه مجازان: أحدهما استعمال المباعدة في ترك المؤاخذة أو في العصمة منها، وحقيقة المباعدة إنما هي في الزمان والمكان. الثاني استعمال المباعدة في الإزالة بالكلية مع أن أصلها لا يقتضي الزوال، وليس المراد ههنا البقاء مع البعد ولا ما يطابقه من المجاز. (كما باعدت) أي كتبعيدك (بين المشرق والمغرب) أخرجه مخرج المبالغة؛ لأن المفاعلة إذا لم تكن للمغالبة فهي للمبالغة، وموقع التشبيه أن التقاء المشرق والمغرب مستحيل، فكأنه أراد أن لا يقع منها اقتراب بالكلية، والمعنى أمح ما حصل من خطاياى، وحل بيني وبين ما يخاف من وقوعه حتى لا يبقى لها منى اقتراب بالكلية. (نقني) بتشديد القاف من التنقية (كما ينقى) بصيغة المجهول (الثوب الأبيض من الدنس) بفتح الدال والنون فسين مهملة، أي الدرن والوسخ، وهذا مجاز عن إزالة الذنوب ومحو أثرها بالكلية، أي طهرني منها بأتم وجه وأوكدها. وشبه بالثوب الأبيض لأن الدنس فيه أظهر من غيره من الألوان. (اللهم اغسل خطاياى بالماء والثلج) بسكون اللام (والبرد) بفتحتين جمع بردة، ماء الغمام يتجمد في الهواء البارد ويسقط على الأرض حبوباً. قال الخطابي: هذه أمثال ولم يرد أعيان هذه المسميات، وإنما أراد بها التأكيد في التطهير والمبالغة في محوها عنه. وقيل: خص الثلج والبرد بالذكر؛ لأنهما ماءان مفطوران على خلقتهما لم يستعملا ولم تنلهما الأيدي، ولم تخضهما الأرجل كسائر المياه التي خالطت التراب، وجرت في الأنهار، وجمعت في الحياض، فهما أحق بكمال الطهارة. وقال ابن دقيق العيد: عبر بذلك عن غاية المحو أعنى بالمجموع، فإن الثوب الذي تكرر عليه

стр. 1007

٨١٩- (٢) وعن علي ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ إذا قام إلى الصلاة- ــ التنقية بثلاثة أشياء منقية يكون في غاية النقاء. قال: ويحتمل أن يكون المراد أن كل واحد من هذه الأشياء مجاز عن صفة يقع بها المحو. ولعل ذلك كقوله تعالى: ﴿واعف عنا واغفر لنا وارحمنا﴾ [٢: ٢٨٦] فكل واحدة من هذه الصفات أعني العفو والمغفرة والرحمة لها أثر في محو الذنب، فعلى هذا الوجه ينظر إلى الأفراد ويجعل كل فرد من أفراد الحقيقة دالاً على معنى فرد مجازي، وفي الوجه الأول لا ينظر إلى أفراد الألفاظ بل يجعل جملة اللفظ دالة على غاية المحو للذنب-انتهى. وقال الطيبي: يمكن أن يكون المطلوب من ذكر الثلج والبرد بعد الماء شمول أنواع الرحمة والمغفرة بعد العفو؛ لإطفاء حرارة عذاب النار التي هي في غاية الحرارة، ومنه قولهم: برد الله مضجعه، أي رحمه ووقاه عذاب النار-انتهى. ويؤيده ورود وصف الماء بالبرودة في حديث عبد الله بن أبي أوفى عند مسلم، وكأنه جعل الخطايا بمنزلة نار جهنم لكونها مسببة عنها، فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل، وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقياً عن الماء إلى أبرد منه. وقال الكرماني: يحتمل أن يكون الدعوات الثلاث إشارة إلى الأزمنة الثلاثة، فالمباعدة للمستقبل، والتنقية للحال، والغسل للماضي-انتهى. وكان تقديم المستقبل للاهتمام بدفع ما سيأتي قبل رفع ما حصل. ثم إن أمثال هذا السؤال منه ﷺ من باب إظهار العبودية وتعظيم الربوبية، وإلا فهو مع عصمته مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر لو كان هناك ذنب. وقيل: إن الاستغفار له زيادة خير، والمغفرة حاصلة بدون ذلك لو كان هناك ذنب. وفيه إرشاد للأمة إلى الاستغفار، وقد ورد الأمر بذلك الدعاء في حديث سمرة عند البزار. والحديث يدل على مشروعية دعاء الافتتاح بعد التحريم قبل القراءة بالفرض والنفل خلاف للمشهور عن مالك، وورد فيه أيضاً حديث: "وجهت وجهي" إلى أخره، وهو عند مسلم من حديث علي، قيل: يخير العبد بين هذا الدعاء والدعاء الذي في حديث علي، وسيأتي الكلام فيه في الفصل الثاني. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه. ٨١٩- قوله: (إذا قام إلى الصلاة) أي مكتوبة كانت أو نافلة، فإنه ليس فيه ما يدل على كون هذا الذكر مخصوصاً بالنوافل دون الفرض. وقد روى أيضاً هذا الحديث الترمذي وأبوداود والنسائي وابن حبان والدارقطني والشافعي، وليس في رواية لهؤلاء المخرجين أنه كان في صلاة الليل، بل وقع في رواية للترمذي وأبي داود: "إذا قام إلى الصلاة المكتوبة" ووقع في رواية للدارقطني: "إذا ابتدأ الصلاة المكتوبة". وقال الشوكاني: وأخرجه أيضاً ابن حبان وزاد: "إذا قام إلى الصلاة المكتوبة" وكذلك رواه الشافعي وقيده أيضاً بالمكتوبة وكذا غيرهما، فالقول بأن هذا الذكر مخصوص بصلاة التطوع ولا يكون مشروعاً في الفريضة كما هو مذهب الحنفية باطل جداً. وإيراد مسلم هذا الحديث في صحيحه في صلاة الليل لا يدل على أنه ﷺ كان يقوله في التهجد دون الفرض ما لم يدل الحديث على ذلك كما لا يخفى

стр. 1008

وفي رواية: كان إذا افتتح الصلاة- كبر، ثم قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين. ــ وأما ما وقع في حديث محمد بن مسلمة عند النسائي: "كان إذا قام يصلي تطوعا قال: الله أكبر، "وجهت وجهي" الخ. فليس فيه دليل على كونه مخصوصا بالتطوع لوجود التقييد بالمكتوبة في أكثر روايات علي ﵁، ولا منافاة بينهما؛ لأنه ﷺ كان يقول هذا الذكر في الفريضة وصلاة الليل كلتيهما، فقال علي في روايته: "إذا قام إلى الصلاة المكتوبة" وقال محمد بن سلمة: "إذا قام يصلي تطوعا" وأجاب بعض الحنفية عن الروايات التي فيها التقييد بالمكتوبة بأنه كان في أول الأمر كما في شرح المنية لابن أمير الحاج، وفيه أن هذا ادعاء محض لا دليل عليه، فهو مردود على قائله. (وفي رواية: كان إذا افتتح الصلاة كبر ثم قال: وجهت) هذا صريح في أن هذا الذكر بعد تكبير التحريمة لا كما ذهب إليه المتأخرون من الحنفية وغيرهم من أنه قبل التكبير ليكون أبلغ في إحضار القلب وجمع العزيمة، وقولهم هذا مما لا أصل له في السنة، بل هو منابذ للسنة الصحيحة الثابتة. لأن الثابت في الأحاديث التوجيه في الصلاة أي بعد التحريمة لا قبلها. (وجهي) بسكون الياء وفتحها أي توجهت بالعبادة بمعنى أخلصت عبادتي لله، وقيل: صرفت وجهي وعملي ونيتي، أو أخلصت وجهتي وقصدي. (للذي فطر السموات والأرض) أي ابتدأ خلقهما من غير مثال سبق (حنيفاً) حال من ضمير "وجهت" أي مائلاً إلى الدين الحق ثابتا عليه، قال الجزري: الحنيف المائل إلى الإسلام، الثابت عليه، والحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم ﵇، وأصل الحنف الميل. (وما أنا من المشركين) بيان للحنيف وإيضاح لمعناه. والمشرك يطلق على كل كافر من عابد وثن وصنم، ويهودي ونصراني ومجوسي ومرتد وزنديق وغيرهم. (إن صلاتي ونسكي) النسك - بضم النون والمهملة - الطاعة والعبادة وكل ما تقرب به إلى الله تعالى، وعطفه على الصلاة من عطف العام على الخاص (ومحياي ومماتي) أي حياتي ومماتي، ويجوز فتح الياء فيهما وإسكانهما، والأكثرون على فتح ياء محياي، وإسكان مماتي (لله) أي هو خالقهما ومقدرهما، أو هو المالك لهما والمختص بهما لا تصرف لغيره فيهما. وقيل: طاعات الحياة والخيرات المضافة إلى الممات كالوصية والتدبير، أو ما أنا عليه من العبادة في حياتي وما أموت عليه خالصة لوجه الله. (رب العالمين) بدل أو عطف بيان؛ أي مالكهم ومربيهم وهم ما سوى الله على الأصح. (لا شريك له) هو تأكيد لقوله: "رب العالمين" المفهوم منه الاختصاص. (وبذلك) أي بالتوحيد الكامل الشامل للإخلاص قولاً واعتقاداً. (وأنا من المسلمين) قال السندي: كأنه كان يقول أحياناً كذلك لإرشاد الأمة إلى ذلك ولإقتدائهم به فيه، وإلا فاللائق به ﷺ "وأنا أول المسلمين" كما جاء في كثير من الروايات – انتهى. قلت: وقع في رواية أبي داود وكذا في رواية لمسلم. "وأنا أول المسلمين" أي من هذه الأمة؛ لأنه ﷺ كان أول مسلمي هذه الأمة. قال في الانتصار: إن غير النبي إنما يقول: "وأنا من المسلمين" وهو وهم

стр. 1009

اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفرلي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت. لبيك وسعديك والخير كله في يديك، والشر ليس إليك. ــ منشأه توهم أن معنى "وأنا أول المسلمين" إني أول شخص اتصف بذلك بعد أن كان الناس بمعزل عنه، وليس كذلك، بل معناه بيان المسارعة في الامتثال لما أمر به، ونظيره ﴿قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين﴾ [٤٣: ٨١] وظاهر الإطلاق أنه لا فرق في قوله: "وأنا من المسلمين"، وقوله: "أنا من المشركين" بين الرجل والمرأة، وهو صحيح على إرادة الشخص. وفي المستدرك للحاكم من رواية عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال لفاطمة: قومي فاشهدي أضحيتك وقولي إن صلاتي ونسكي، إلى قوله "وأنا من المسلمين" فدل على ما ذكرناه (اللهم) أي يا الله! والميم بدل عن حرف النداء ولذا لا يجمع بينهما إلا في الشعر (أنت الملك) أي القادر على كل شيء، المالك الحقيقي لجميع المخلوقات (وأنا عبدك) أي معترف بأنك مالكي ومدبري وحكمك نافذ في (ظلمت نفسي) أي اعترفت بالتقصير. قدمه على سؤال المغفرة أدباً كما قال آدم وحواء ﵉: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفرلنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ [٧: ٢٣] . (فاغفر لي ذنوبي) أي تقصيراتي (إنه) بالكسر استئناف فيه معنى التعليل والضمير للشأن (لا يغفر الذنوب) أي جميعها (واهدني لأحسن الأخلاق) أي أرشدني لأكملها وأفضلها، ووفقني للتخلق بها، وثبتني عليها (واصرف عني سيئها) أي قبيحها (لبيك) أي أقيم على طاعتك وامتثال أمرك إقامة متكررة. يقال: لب بالمكان لباً وألب إلباباً أي أقام به. وثنى هذا المصدر مضافا إلى الكاف، وأصل "لبيك" لبين حذفت النون للإضافة وأريد بالتثنية التكرير من غير نهاية (وسعديك) أي أسعد أمرك واتبعه إسعاداً متكرراً (والخير كله في يديك) معناه الإقرار بأن كل خير واصل إلى العباد ومرجو وصوله فهو في يديه تعالى (والشر ليس إليك) أي لا يضاف إليك على انفراده، فلا يقال: يا رب الشر، ويا خالق القردة والخنازير، ونحو هذا، وإن كان خالق كل شيء ورب كل شيء، ففيه الإرشاد إلى الأدب في الثناء على الله ومدحه بأن يضاف إليه محاسن الأمور دون مساوئها على جهة الأدب، وليس المقصود نفي شيء عن قدرته، أو إثبات شيء لغيره. وقيل: معنا الشر ليس مما يتقرب به إليك، بل هو سبب إبعاد، والتقدير: والشر ليس مقربا إليك. ولا بد من حذف لأجل خبر ليس فيقدر هنا خاصاً. وقيل: معناه: الشر لا يصعد إليك، فإنه إنما يصعد إليه الكلم الطيب والعمل الصالح. وقيل: معناه الشر ليس شراً بالنسبة إليك، فإنك خلقته لحكمة بالغة، وإنما هو شر بالنسبة إلى المخلوقين. وقيل: هذا كقول القائل: "فلان إلى بني تميم" إذا كان عداده فيهم أو صفوه معهم، حكى هذه الأقوال النووي. وقال:

стр. 1010

أنا بك، وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك. وإذا ركع قال: اللهم لك ركعت، وبك أمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي. فإذا رفع رأسه قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات والأرض وما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد. وإذا سجد قال: اللهم لك سجدت، وبك آمنت ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين. ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: اللهم اغفرلي ما قدمت وما أخرت، ــ إنه مما يجب تأويله؛ لأن مذهب أهل الحق أن كل المحدثات فعل الله تعالى وخلقه سواء خيرها وشرها. (أنا بك وإليك) أى توفيقي بك والتجائي وانتمائي إليك، أو وجودي بإيجادك، ورجوعي إليك، أو بك أعتمد، وإليك ألتجئ، أو نحو هذا الكلام (تباركت) أي أستحققت الثناء. وقيل: ثبت الخير عندك. وقال ابن الأنباري: تبارك العباد بتوحيدك. وقيل: تكاثر خيرك. وأصل الكلمة للدوام والثبوت (وتعاليت) أي ارتفع عظمتك وظهر قهرك وقدرتك على من في الكونين. وقيل: أي عن مشابهة كل شيء (لك ركعت، وبك آمنت) في تقديم الجار إشارة إلى التخصيص (ولك أسلمت) أي لك ذللت وانقدت، أو لك أخلصت وجهي (خشع) أي خضع وتواضع، وأقبل عليك أو سكن من قولهم: خشعت الأرض إذا سكنت واطمأنت (لك سمعي وبصري) خصهما من بين الحواس؛ لأن أكثر الآفات بهما، فإذا خشعتا قلت الوساوس (ومخي) بضم الميم وتشديد المعجمة. قال ابن رسلان: المراد به هنا الدماغ، وأصله الودك الذي في العظم وخالص كل شيء (وعصبي) العصب بفتحتين طنب المفاصل، وهو ألطف من العظم (فإذا رفع رأسه) أي من الركوع قال أي بعد قوله: "سمع الله لمن حمده" كما في رواية للترمذي (ملء السموات) بكسر الميم ونصب الهمزة بعد اللام ورفعها، والنصب أشهر صفة مصدر محذوف، وقيل: حال، أي حال كونه مالئاً لتلك الأجرام على تقدير تجسمه، والرفع على أنه صفة الحمد (وملء ما شئت من شيء بعد) بالبناء على الضم، أي بعد السموات والأرض وما بينهما كالكرسي والعرش وغيرهما مما لم يعلمه إلا الله. والمراد الاعتناء في تكثير الحمد (سجد وجهي) أي خضع وذل وانقاد (وصوره) زاد مسلم في رواية وأبوداود: "فأحسن صوره" وهو الموافق لقوله تعالى: ﴿فأحسن صوركم﴾ [٤٠: ٦٤] . (أحسن الخالقين) أي المصورين والمقدرين، فإنه الخالق الحقيقي المنفرد بالإيجاد والإمداد وغيره إنما يوجد صوراً مموهة ليس فيها شيء من حقيقة الخلق مع أنه تعالى خالق كل صانع وصنعته. ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ ﴿والله خالق كل شيء﴾ . (ثم يكون) أي بعد فراغه من ركوعه وسجوده (ما قدمت) من سيئة (وما أخرت) من عمل

стр. 1011

وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني. أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت)) رواه مسلم. وفي رواية للشافعي: ((والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، أنا بك وإليك، لا منجا منك ولا ملجأ إلا إليك، تباركت)) . ٨٢٠- (٣) وعن أنس ((أن رجلاً جاء فدخل الصف، وقد حفزه النفس، فقال: الله أكبر، الحمدلله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: ــ أي جميع ما فرط مني، قاله الطيبي: وقيل: ما قدمت قبل النبوة وما أخرت بعدها. وقيل: ما أخرته في علمك مما قضيته علي. وقيل: معناه إن وقع مني في المستقبل ذنب فاجعله مقروناً بمغفرتك. فالمراد من طلب المغفرة قبل الوقوع أن يغفر إذا وقع. (وما أسررت، وما أعلنت) أي جميع الذنوب؛ لأنها إما سر أو علن (وما أسرفت) أي جاوزت الحد (وما أنت أعلم به مني) أي من ذنوبي التي لا أعلمها عدداً وحكماً (أنت المقدم وأنت المؤخر) قال البيهقي: قدم من شاء التوفيق إلى مقامات السابقين، وأخر من شاء عن مراتبهم. وقيل: قدم من أحب من أوليائه على غيرهم من عبيده وأخر من أبعده عن غيره، فلا مقدم لما أخر، ولا مؤخر لما قدم. وقيل: أنت الرافع والخافض، والمعز المذل على ما تقتضيه حكمتك. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي مطولاً وابن ماجه مختصراً وابن حبان والدارقطني والشافعي. (والمهدي من هديت) أي لا مهدي إلا من هديته، وترك مقابله وهو لا ضال إلا من أضللته لما تقدم من مراعاة الأدب، أو هو من باب الاكتفاء بمقابله كقوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [١٦: ٨١] (لا منجا) بالقصر لا غير. وهو مصدر ميمي أو اسم مكان، أي لا موضع ينجو به اللائذ (منك) أي من عذابك (ولا ملجأ) الأصل فيه الهمز، ومنهم من يلين همزته ليزدوج مع منجا، أي لا ملاذ عند نزول النوائب وحصول المصائب (إلا إليك) فإنك المفرج عن المهمومين، والمعيذ للمستعيذين. أو المراد "لا مهرب ولا مخلص ولا ملاذ لمن طالبته إلا إليك" والحديث يدل على مشروعية الاستفتاح بما في هذا الحديث. قال النووي: إلا أن يكون إماماً لقوم لا يرون التطويل. وفيه استحباب الذكر في الركوع، والسجود، والاعتدال، والدعاء قبل السلام. ٨٢٠- قوله: (وقد حفزه) بفتح الحاء المهملة والفاء والزاي المعجمة (النفس) بفتحتين، أي جهده النفس من شدة السعي إلى الصلاة. وأصل الحفز الدفع العنيف، قاله الخطابي. وقال النووي: أي ضغطه لسرعته (حمداً كثيراً) قال الطيبي: منصوب بمضمر يدل عليه الحمد، ويحتمل أن يكون بدلاً منه جارياً على محله. وقوله: (طيباً) وصف له، أي خالصاً عن الرياء والسمعة. وقوله: (مباركاً فيه) يقتضي بركة وخيراً كثيراً يترادف إرفاده، ويتضاعف إمداده. قال

стр. 1012

أيّكم المتكلم بالكلمات؟ فأرم القوم. فقال: أيكم المتكلم بالكلمات؟. فأرم القوم. فقال: أيكم المتكلم بها؟ فإنه لم يقل بأساً. فقال رجل: جئت وقد حفزني النفس فقلتها. فقال: لقد رأيت اثنى عشر ملك يبتدرونها، أيهم يرفعها)) رواه مسلم. ﴿الفصل الثاني﴾ ٨٢١- (٤) عن عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك، ــ ابن الملك: أى حمداً جعلت البركة فيه، يعني حمداً كثيراً غاية الكثرة (أيكم المتكلم بالكلمات) أي المذكورات المسموعة آنفاً. (فأرم القوم) بفتح الراء المهملة وتشديد الميم، أي سكتوا. ويحتمل إعجام الزاي وتخفيف الميم من الأزم وهو الامساك، أي أمسكوا عن الكلام، والأول أشهر رواية، أي سكت القائل خوفاً من الناس، قاله السندي (فقال: أيكم المتكلم بالكلمات؟ فأرم القوم) كذا وقع مكررا في بعض نسخ المشكاة، ووقع في بعضها مرة واحدة موافقاً لما في صحيح مسلم (فإنه لم يقل بأساً) قال الطيبي: يجوز أن يكون مفعولاً به، أي لم يتفوّه بما يؤخذ عليه، وأن يكون مفعولاً مطلقاً، أي ما قال قولاً يشدد عليه. (فقال رجل) الظاهر "فقال الرجل" كما في رواية أبي داود. (يبتدرونها) أي كل منهم يريد أن يسبق على غيره في رفعها إلى محل العرض أو القبول. وقال ابن الملك: يعني يسبق بعضهم بعضاً في كتب هذه الكلمات ورفعها إلى حضرة الله لعظمها وعظم قدرها. وتخصيص المقدار يؤمن به ويفوض إلى علمه تعالى. (أيهم يرفعها) هذه الجملة حال، أي قاصدين ظهور أيهم يرفعها. قال القاري: مبتدأ وخبر، والجملة في موضع نصب أي يبتدرونها ويستعجلون أيهم يرفعها. قال أبوالبقاء: في قوله تعالى: ﴿إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾ [٣: ٤٤] "أيهم" مبتدأ وخبر في موضع نصب أي يقترعون أيهم، فالعامل فيه ما دل عليه "يلقون" كذا ذكره الطيبي. وقيل: المراد أيهم يرفعها أول. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أبوداود والنسائي ولم يخرج البخاري في هذا عن أنس شيئاً، إنما أخرج عن رفاعة في فضل هذه الكلمات وسيأتي في باب الركوع، وقال أبوداود بعد رواية هذا الحديث: زاد حميد فيه أي عن أنس: "وإذا جاء أحكم فليمش نحو ما كان يمشى، فليصل ما أدرك وليقض ما سبقه". ٨٢١- قوله: (إذا افتتح الصلاة) أي بالتكبير. (سبحانك اللهم) قال ابن الملك: "سبحان" اسم أقيم مقام المصدر وهو التسبيح، منصوب بفعل مضمر تقديره: "أسبحك تسبيحاً" أي أنزهك تنزيهاً من كل السوء والنقائص، يعني اعتقدت براءتك من السوء ونزاهتك عما لا ينبغي لجلال ذاتك وكمال صفاتك. (وبحمدك) قيل: الواو للحال والباء إلصاقية والتقدير

стр. 1013

وتبارك إسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)) ــ أسبحك تسبيحاً وأنا متلبس بحمدك. وقيل: الواو زائدة، والجار والمجرور حال، أي أسبحك تسبيحاً حال كوني متلبساً ومقترناً بحمدك، فالباء للملابسة والواو زائدة، وعلى التقديرين هو حال من فاعل: "أسبح" المفهوم من: "سبحانك اللهم"، وقيل: الواو بمعنى مع، أي أسبحك مع التلبس بحمدك. وقيل: الواو عاطفة عطف جملة فعلية على مثلها والباء سببية، أي أنزهك تنزيهاً واعتقدت نزاهتك بسبب الثناء الجميل عليك. ويصح أن يكون صفة لمصدر محذوف، أي أسبحك تسبيحاً مقروناً بشرك إذ كل حمد من المكلف يستجلب نعمة متجددة ويستصحب توفيقاً إلهياً. قال الخطابي في معالم السنن. (ج١: ص١٩٧) أخبرني ابن الخلاد قال: سألت الزجاج عن الواو في: "وبحمدك" فقال: معناه سبحانك اللهم وبحمدك سبحتك. قال الطيبي: قول الزجاج يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون الواو للحال، وثانيهما أن يكون عطف جملة فعلية على مثلها، إذ التقدير: أنزهك تنزيهاً وأسبحك تسبيحاً مقيداً بشكرك، وعلى التقديرين: "اللهم" معترضة، والجار والمجرور أعني: "بحمدك" إما متصل بفعل مقدر والباء سببية، أو حال من فاعل؛ والباء إلصاقية، أو صفة لمصدر محذوف كقوله: ﴿ونحن نسبح بحمدك﴾ [٢: ٣٠] أي نسبح بالثناء عليك، أو نسبح متلبسين بشكرك، أو نسبح تسبيحاً مقيداً بشكرك. (وتبارك اسمك) أي كثرت بركة اسمك إذ وجد كل خير من ذكر اسمك. وقيل: تعاظم ذاتك، أو هو على حقيقته لأن التعاظم إذا ثبت لأسمائه تعالى فأولى لذاته، ونظيره. ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ . (وتعالى جدك) الجد العظمة و"تعالى" تفاعل من العلو أي على جلالك وعظمتك على عظمة غيرك غاية العلو. وقيل: تعالى غنائك أن ينقصه إنفاق أو يحتاج إلى معين ونصير. والحديث يدل على مشروعية الاستفتاح بهذه الكلمات، وقد اختلف العلماء فيما يستفتح به الصلاة من الذكر بعد التكبير، فذهب الشافعي إلى ما رواه علي وهو حديث: "وجهت وجهي" إلى آخره. وذهب أحمد وأبوحنيفة إلى حديث عائشة، وكان مالك لا يقول شيئاً من ذلك، إنما يكبر ويقرأ: "الحمد لله رب العالمين" وأحاديث الباب ترد عليه فيما ذهب إليه من عدم استحباب الافتتاح بشئ. وقد روي عن النبي ﷺ أنواع من الذكر في استفتاح الصلاة، ذكر المصنف خمسة منها، وترك بعضاً آخر وهو من الاختلاف المباح فبأيها استفتح الصلاة كان جائزاً، لكن الأولى بالاختيار عندنا حديث أبي هريرة الذي جاء فيه دعاء الافتتاح بلفظ: "اللهم باعد بيني" الخ.؛ لأنه أصح ما ورد في ذلك. قال ابن الهمام في فتح القدير بعد ذكر هذا الحديث: وهو أصح من الكل؛ لأنه متفق عليه- انتهى. ثم بعد ذلك أولى بالاختيار حديث علي؛ لأنه رواه مسلم، ثم بعد ذلك ما روي عن أبي سعيد، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك. ثم يقول: الله أكبر كبيراً، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزة، ونفخه، ونفثه. أخرجه أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي. وهو حديث صحيح أو حسن، وسيأتي في باب ما يقول إذا قام من الليل. تنبيه قال المجد بن تيمية في المنتقى بعد ذكر حديث عائشة، والإشارة إلى حديث أبي سعيد

стр. 1014

رواه الترمذي وأبوداود. ٨٢٢- (٥) ورواه ابن ماجه عن أبي سعيد. وقال الترمذي. (هذا حديث لا نعرفه إلا من حارثة، ــ هذا: وأخرج مسلم في صحيحه أن عمر كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. وروى سعيد بن منصور في سننه عن أبي بكر الصديق أنه كان يستفتح بذلك، وكذلك رواه الدارقطني عن عثمان بن عفان، وابن منذر عن عبد الله بن مسعود، وقال الأسود: كان عمر إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، يسمعنا ذلك ويعلمنا. رواه الدارقطني. ثم قال ابن تيمية: واختيار هؤلاء وجهر عمر به أحياناً بمحضر من الصحابة ليتعلمه الناس مع أن السنة إخفاءه يدل على أنه الأفضل وأنه الذي كان النبي ﷺ يداوم عليه غالباً، وإن استفتح بما رواه علي أو أبوهريرة فحسن لصحة الرواية- انتهى. قال الشوكاني بعد ذكر كلام ابن تيمية هذا: ولا يخفى أن ما صح عن النبي ﷺ أولى بالإيثار والاختيار، وأصح ما ورد في الاستفتاح حديث أبي هريرة ثم حديث علي. (إلى أن قال) : وقال ابن خزيمة: لا نعلم في الافتتاح: "بسبحانك اللهم" خبراً ثابتاً، وأحسن أسانيده حديث أبي سعيد، ثم قال: لا نعلم أحداً ولا سمعنا به استعمل هذا الحديث على وجهه- انتهى. (رواه الترمذي وأبوداود) وأخرجه أيضاً ابن ماجه والدارقطني والحاكم. ٨٢٢- قوله: (ورواه ابن ماجه عن أبي سعيد) أي مختصراً مثل حديث عائشة، وأخرجه النسائي أيضاً مختصراً، وأخرجه أحمد والترمذي وأبوداود مطولاً كما ذكرنا لفظه. (وقال الترمذي: هذا) أي حديث عائشة (حديث لا نعرفه إلا من حارثة) أي ابن أبي الرجال. وقوله: "إلا من حارثة" كذا وقع في جميع نسخ المشكاة، والذي في جامع الترمذي: (إلا من حديث حارثة) والظاهر أنه سقط لفظ: "حديث" من نسخ المشكاة. حديث عائشة هذا قد روى من غير طريق حارثة وإن لم يعرفه الترمذي. قال أبوداود في سننه: حدثنا حسين بن عيسى: حدثنا طلق بن غنام: حدثنا عبد السلام ابن حرب الملائي، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. قال أبوداود: هذا الحديث ليس بالمشهور عن عبد السلام بن حرب لم يروه عنه إلا طلق بن غنام، وقد روى قصة الصلاة عن بديل جماعة لم يذكر فيه شيئاً من هذا يعني دعاء الاستفتاح. وأجيب عنه بأن طلق بن غنام ثقة صدوق أخرج عنه البخاري في الصحيح، وعبد السلام بن حرب أخرج له الشيخان، وقد زاد في قصة الصلاة ما رواه أبوداود، والزيادة من الثقة المقبولة، وقد روى هذه الزيادة أيضاً حارثة بن أبي الرجال عن جدته عمرة، عن عائشة، ثم قد تأيدت روايتهما أعني حارثة وطلقاً بحديث أبي سعيد، وقد صح الحاكم حديث عائشة من طريق ابن غنام وأورد له شاهدا ووافقه الذهبي، وقال الحافظ في

стр. 1015

وقد تكلم فيه من قبل حفظه. ٨٢٣- (٦) وعن جبير بن مطعم ((أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي صلاة قال: الله أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً، ــ التلخيص. (ص٨٦) : رجال إسناده ثقات، لكن فيه انقطاع – انتهى. لأن أبا الجوزاء لم يسمع من عائشة، قاله ابن عبد البر، وقال البخاري: في إسناد أبي الجوزاء نظر، يريد أنه لم يسمع من مثل ابن مسعود وعائشة، لأنه ضعيف عنده، وأحاديثه مستقيمة. قلت: قال الحافظ في تهذيب التهذيب. (ج١: ص٣٨٤) : قال جعفر الفريابي في كتاب الصلاة: حدثنا مزاحم بن سعيد: ثنا ابن المبارك: ثنا إبراهيم بن طهمان: ثنا بديل العقبلي، عن أبي الجوزاء، قال: أرسلت رسولاً إلى عائشة يسألها. فذكر الحديث، فهذا ظاهره أنه لم يشافهها، لكن لا مانع من جواز كونه توجه إليها بعد ذلك فشافهها على مذهب مسلم في إمكان اللقاء- انتهى. وظهر من هذا كله أن حديث عائشة من طريق طلق بن غنام أعلوه بثلاثة وجوه: أولها أنه ليس بالمشهور عن عبد السلام بن حرب. ثانيها أن جماعة رووا قصة الصلاة عن بديل بن ميسرة ولم يذكروا ذلك فيه. ثالثها أن فيه انقطاعاً، وهذه العلل الثلاث كلها مدفوعة كما بينا. فالظاهر أن حديث عائشة من طريق طلق بن غنام ليس بضعيف. (وقد تكلم فيه من قبل حفظه) قال الحافظ في تهذيب التهذيب. (ج٢: ص١٦٦) : وقال ابن حبان: كان ممن كثر وهمه وفحش خطأه، تركه أحمد ويحيى. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال أبوحاتم والبخاري: منكر الحديث. وقال أبوزرعة: واهي الحديث ضعيف. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه منكر. وقال ابن خزيمة: حارثة ليس يحتج أهل الحديث بحديثه. وقال ابن عدي: بلغني أن أحمد نظر في جامع إسحاق فإذا أول حديث فيه حديث حارثة في استفتاح الصلاة فقال: منكر جداً- انتهى. ٨٢٣- قوله: (وعن جبير) بمضمومة فمفتوحة وسكون ياء. (بن مطعم) بضم الميم، ابن عدي بن نوفل بن عبدمناف القرشي النوفلي المدني أبومحمد، قدم على النبي ﷺ في فداء أسارى بدر، ثم أسلم بعد ذلك عام خيبر، وقيل: يوم الفتح. ذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ أعطاه مائة من الإبل، كان حليماً، وقوراً، عارفاً بالنسب. وكان أخذ النسب عن أبي بكر. وسلحه عمر سيف النعمان بن المنذر. له ستون حديثاً، اتفقا على ستة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بآخر. توفي بالمدينة سنة. (٥٨) أو. (٥٩) . (رأى رسول الله ﷺ يصلي صلاة) قال عمرو بن مرة الراوي للحديث: لا أدري أي صلاة هي؟ ولفظ ابن حبان: كان رسول الله ﷺ إذا دخل في الصلاة. (قال) أي عقب تكبيرة الإحرام، قاله ابن حجر. والظاهر أنه هو عين التحريمة مع الزيادة، والله أعلم. (الله أكبر) بالسكون ويضم. (كبيراً) أي كبرت كبيراً، ويجوز أن يكون حالاً مؤكدة، أو صفة لمصدر محذوف بتقدير: "تكبيراً كبيراً" وأفعل لمجرد المبالغة، أو معناه: أعظم من أن يعرف عظمته. قال ابن الهمام: إن أفعل وفعيلاً في صفاته تعالى سواء؛ لأنه لا يراد: "بأكبر"

стр. 1016

والحمد لله كثيراً، والحمد لله كثيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، ثلاثاً، أعوذ بالله من الشيطان، من نفخه ونفثه وهمزه)) . رواه أبوداود، وابن ماجه، إلا أنه لم يذكر: والحمد لله كثيراً. وذكر في آخره: من الشيطان الرجيم. وقال عمر: ــ إثبات الزيادة في صفته بالنسبة إلى غيره بعد المشاركة؛ لأنه لا يساويه أحد في أصل الكبرياء. (كثيراً) صفة لمحذوف مقدر، أي حمدا كثيراً. (بكرة وأصيلاً) أي في أول النهار وآخره، منصوبان على الظرفية، والعامل: "سبحان" وخص هذين الوقتين لاجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما، كذا ذكره الأبهري وصاحب المفاتيح. ويمكن أن يكون وجه التخصيص تنزيه الله تعالى عن التغير في أوقات تغير الكون. وقال الطيبي: الأظهر أن يراد بها الدوام كما في قوله تعالى: ﴿ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً﴾ [١٩: ٦٢] . (ثلاثاً) كالذي قبله. (من نفخه) بدل اشتمال أي من تكبره يعني مما يأمر الناس به من التكبر. (ونفثه) أي مما يأمر الناس به من إنشاء الشعر المذموم مما فيه هجو مسلم أو كفر أو فسق. والنفث في اللغة قذف الريق، وهو أقل من التفل. والنفخ في اللغة إخراج الريح من الفم ونفخها في الشيء. (وهمزه) أي من جعله أحداً مجنوناً بنخسه وغمزه. كل من الثلاثة بفتح فسكون. قال التوربشتي: النفخ كناية عما يسوله الشيطان للإنسان من الاستكبار والخيلاء، فيتعاظم في نفسه كالذي نفخ فيه، ولهذا قال- ﵇ للذي رآه قد استطار غضبا: نفخ فيه الشيطان. قال: ولعل المراد من النفث السحر، فإنه أشبه لما شهد له التنزيل قال تعالى: ﴿ومن شر النفاثات في العقد﴾ [١١٣: ٤] وأما الهمز، فالأشبه أن يراد به ما يوسوس به، قال تعالى: ﴿وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين﴾ [٢٣: ٩٧] وهمزاته: خطراته التي يخطرها بقلب الإنسان. وقيل في معنى الآية: إن الشياطين يحثون أولياءهم على المعاصي ويغرونهم عليها، كما يهمز الركضة الدواب بالمهماز حثاً على المشي- انتهى مختصراً. (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً أحمد وابن حبان والحاكم، وابن حزم في المحلى. والحديث سكت عنه أبوداود، والمنذري. (وابن ماجه إلا أنه) أي ابن ماجه. (لم يذكر والحمد لله كثيراً) ولا يضر؛ لأنه زيادة ثقة لا تعارض المزيد عليه فتقبل، قاله القاري، لكن في النسخ الموجودة في سنن ابن ماجه الحاضرة عندنا هذه الزيادة موجودة. (وذكر في آخره من الشيطان الرجيم) أي المرجوم. وهي زيادة يعمل بها كذلك بأن يجمع بين الروايات بلحوق الزيادات، أو باعتبار التارات. قال الحافظ في التلخيص. (ص٨٦) بعد ذكر الحديث بلفظ ابن حبان مع هذه الزيادة: ولفظ الحاكم نحوه، وحكى ابن خزيمة الاختلاف فيه، وقد أوضحت طرقه في المدرج- انتهى. (وقال عمر) صوابه: "عمرو" بالواو كما صرح به صريحاً في رواية ابن ماجه، وهو عمرو بن مرة أحد رواة إسناد هذا الحديث. وروى ابن ماجه أيضاً نحو حديث أبي سعيد مختصراً من حديث ابن مسعود، وفي آخر هذا التفسير أيضاً مصدراً بلفظ: "قال" ولم يبين القائل، والظاهر أنه أحد رواة الإسناد.

стр. 1017

نفخه الكبر، ونفثه الشعر، وهمزه المؤتة. ٨٢٤- (٧) وعن سمرة بن جندب: ((أنه حفظ عن رسول الله ﷺ سكتتين: سكتة إذا كبر، ــ وعمرو بن مرة هو عمرو بن مرة بن عبد الله بن طارق الجملي- بفتح الجيم والميم- المرادي، أبوعبد الله الكوفي الأعمى، ثقة عابد، كان لا يدلس، ورمي بالإرجاء، من رواة الكتب الستة. مات سنة (١١٠) وقيل قبلها. (نفخه) بالرفع على الإعراب، وبالجر على الحكاية. (الكبر) بكسر فسكون، أي التكبر، وهو أن يصير الإنسان معظماً كبيراً عند نفسه، ولا حقيقة له إلا مثل الشيطان نفخ فيه فانتفخ فرأى انتفاخه مما يستحق به التعظيم مع أنه على العكس. قال الزمخشري في الفائق: إنما سمي الكبر نفخاً لما يوسوس إليه الشيطان في نفسه فيعظمها ويحقر الناس في عينه. (ونفثه الشعر) فإنه ينفثه من فيه كالرقية. والمراد الشعر المذموم وإلا فقد جاء: "إن من الشعر لحكمة". وقيل: إنما كان الشعر من نفثة الشيطان؛ لأنه يدعو الشعراء المداحين الهجائين المعظمين المحقرين إلى ذلك. (وهمزه المؤتة) بضم الميم وهمزة ساكنة، وقيل: بلا همز، بعدها مثناة فوقية، نوع من الجنون والصرع يعتري الإنسان، فإذا أفاق عاد عليه كمال عقله. وقال أبوعبيدة: المؤتة الجنون، سماه همزاً؛ لأنه جعله من النخس والغمز، وكل شيء دفعته فقد همزته. قال ابن سيد الناس: وتفسير الثلاثة بذلك من باب المجاز- انتهى. والحديث يدل على مشروعية الافتتاح بما ذكر فيه. وفيه أيضاً مشروعية التعوذ من الشيطان من نفخه ونفثه وهمزه، وقد ورد في التعوذ أحاديث أخرى: منها حديث أبي سعيد، وقد ذكرنا لفظه، ومنها حديث أبي أمامة أخرجه أحمد بنحو حديث أبي سعيد. ومنها حديث ابن مسعود أخرجه ابن ماجه وابن خزيمة والحاكم والبيهقي. ومنها حديث أنس أخرجه الدارقطني. ومنها ما روي عن عمر موقوفاً عند الدارقطني أيضاً، هذا مع ما يؤيد ثبوت هذه السنة من عموم قوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾ [١٦: ٩٨] . ثم إن حديث أبي سعيد مصرح بأن التعوذ المذكور يكون بعد الافتتاح بالدعاء المذكور في الحديث. قال الشوكاني: الأحاديث الواردة في التعوذ ليس فيها إلا أنه فعل ذلك في الركعة الأولى. وقد ذهب الحسن وعطاء وإبراهيم إلى استحبابه في كل ركعة، محتجين بعموم قوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾ ولا شك أن الآية تدل على مشروعية الاستعاذة قبل قراءة القرآن، وهي أعم من أن يكون القاري خارج الصلاة أو داخلها. وأحاديث النهي عن الكلام في الصلاة تدل على المنع منه حال الصلاة من غير فرق بين الاستعاذة وغيرها مما لم يرد به دليل يخصه، ولا وقع الإذن بخسه، فالأحوط الاقتصار على ما وردت به السنة، وهو الاستعاذة قبل قراءة الركعة الأولى فقط. وسيأتي حديث أبي هريرة الدال على ذلك. ٨٢٤- قوله: (سكتة إذا كبر) أي للإحرام، وكانت هذه السكتة لدعاء الاستفتاح كما وقع بيانها في حديث أبي هريرة السابق أنه ﷺ كان يسكت بيت التكبير والقراءة، يقول: اللهم باعد بيني، الخ. فالمراد من السكتة ههنا

стр. 1018

وسكتة إذا فرغ من قراءة. ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فصدقه أبي بن كعب. رواه أبوداود، وروى الترمذي، وابن ماجه، والدارمي نحوه. ــ السكوت عن الجهر وترك رفع الصوت؛ لأنها لم تكن مجردة خالية عن الذكر. (وسكتة إذا فرغ من قراءة غير المغضوب عليهم ولا الضالين) هذه السكتة الثانية كانت ليتراد إليه نفسه وليعلم المأمومون أن لفظة آمين ليست من القرآن، أي للتمييز بين الفاتحة وآمين لئلا يشتبه غير القرآن بالقرآن، وهي أخف من السكتة الأولى. واستدل بعض الحنفية بهذا الحديث على الإسرار بالتأمين والإخفاء به. قال: الأظهر أن السكتة الثانية كانت للتأمين سرا. والجواب عنه بأن السكتة الثانية لم تكن للتأمين سراً؛ لأنه ﷺ كان يجهر بالتأمين ويرفع صوته بآمين، ولم يثبت عنه ﷺ الإسرار بالتأمين، فكيف يقال إنها كانت للتأمين سراً، بل السكتة الثانية كانت ليتراد إليه نفسه وليستريح، وليعلم المأموم أن لفظة آمين ليست من القرآن. قال زين العرب: الغرض من هذه السكتة أن يقرأ المأموم الفاتحة ويرجع الإمام إلى التنفس والاستراحة- انتهى. وقال ابن حزم في المحلي. (ج٤: ص٩٧) : يقرأ المأموم في السكتة الأولى أم القرآن فمن فاتته قرأ في السكتة الثانية. وفي رواية لأبي داود: أنه كان يسكت سكتتين: إذا استفتح الصلاة، وإذا فرغ من القراءة كلها. وفي أخرى: إذا فرغ من فاتحة الكتاب وسورة عند الركوع، أي قبل الركوع عند الفراغ من القراءة كلها. ولا مخالفة بينهما، بل يحصل من مجموعهما ثلاث سكتات: بعد الإحرام، وبعد الفاتحة، وبعد السورة عند الركوع، أي ليتراد إليه نفسه. قيل: والثالثة أخف من السكتتين اللتين قبلهما، وذلك بمقدار ما تنفصل القراءة عن التكبير، فقد نهى رسول الله ﷺ عن الوصل فيه. وقال القاري: وكأن المراد بالسكتات الزيادة على حد التنفس في أواخر الآيات، إذ ثبت عنه- ﵇ -كان يقرأ الحمد لله رب العالمين فيقف، وهكذا على رؤس الآي. وأما إطلاق القراء السكتة على الوقف بلا تنفس فمبني على اصطلاحهم- انتهى. وهذه السكتات الثلاث قد ذهب إلى مشروعيتها الشافعي وأحمد وإسحاق والأوزاعي، وعند أبي حنيفة ومالك لا سكتة إلا الأولى. (فصدقه) من التصديق. (أبي بن كعب) الأنصاري الخزرجي سيد القراء، كتب الوحي، وشهد بدراً وما بعدها، وكان ممن جمع القرآن، أي وافق أبي سمرة، وقال صدق سمرة، - بالتخفيف- وحاصل القصة أنه وقع الاختلاف بين سمرة وعمران بن حصين في سكتتي الصلاة، قال سمرة: حفظت سكتتين، وأنكر ذلك عمران، وقال حفظت سكتة، وكانا إذ ذاك بالبصرة، فكتبا في ذلك إلى أبيّ بن كعب بالمدينة، فكتب أبيّ أن حفظ سمرة. (رواه أبوداود) أي بهذا اللفظ. (وروى الترمذي وابن ماجه والدارمي نحوه) أي معناه، وأخرجه أيضاً أحمد، وابن حبان في صحيحه، والبيهقي والحاكم كلهم من طريق الحسن البصري عن سمرة. وقد اختلف في سماع الحسن من سمرة، وقد تقدم في باب الغسل المسنون أن رواية الحسن عن سمرة محمولة على الاتصال عند

стр. 1019

٨٢٥- (٨) وعن أبي هريرة، قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين، ولم يسكت)) هكذا في صحيح مسلم، وذكره الحميدى في أفراده. وكذا صاحب الجامع عن مسلم وحده. ﴿الفصل الثالث﴾ ٨٢٦- (٩) عن جابر، قال: ((كان النبي ﷺ إذا استفتح الصلاة كبر، ثم قال: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت ــ ابن المديني كما نقله عنه البخاري، وما ذكر في هذا الحديث من الاختلاف بين سمرة وعمران في السكتتين هو حكاية من الحسن عن سمرة سماعاً منه، لا أنه كان حاضراً حينما جرى بين سمرة وعمران هذا الاختلاف. والحديث قد حسنه الترمذي. قال الشوكاني: وقد صحح الترمذي حديث الحسن عن سمرة في مواضع من سننه، منها حديث: (نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسئة) ، وحديث: (جار الدار أحق بدار الجار) ، وحديث: (لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضب الله ولا بالنار) ، وحديث: (الصلاة الوسطى صلاة العصر) ، فكان هذا الحديث على مقتضى تصرفه جديراً بالتصحيح، وقد قال الدارقطني: رواة الحديث كلهم ثقات- انتهى. وقيل: إنما حسنه الترمذي للخلاف في سماع الحسن من سمرة، والله أعلم. ٨٢٠- قوله: (إذا نهض) أي قام. (من الركعة الثانية) أي من أجلها. (استفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين) المراد السورة المختصة، فلا يدل على أن البسملة ليست منها، قاله الطيبي. (ولم يسكت) أي للثناء ودعاء الاستفتاح والتعوذ. قال الشوكاني: الحديث يدل على عدم مشروعية السكتة قبل القراءة في الركعة الثانية، وكذلك عدم مشروعية التعوذ فيها، وحكم ما بعدها من الركعات حكمها، فتكون السكتة قبل القراءة مختصة بالركعة الأولى، وكذلك التعوذ قبلها، وقد رجح صاحب الهدي الاقتصار على التعوذ في الأولى لهذا الحديث واستدل لذلك بأدلة فليراجع. (هكذا في صحيح مسلم، وذكره الحميدي في إفراده) أي في مفردات مسلم ومختصاته. (وكذا صاحب الجامع) أي للأصول وهو ابن الأثير. (عن مسلم وحده) فإيراد صاحب المصابيح هذا الحديث في الفصل الثاني دون الفصل الأول غير مناسب لقاعدته. قال ميرك: والعجب أن الحاكم أخرجه في مستدركه (ج١: ص٢١٥، ٢١٦) وقال: على شرطهما، وأقره الذهبي فلم يستدركه. قال القاري: لعل الحاكم رواه بسند غير سند مسلم، وكان رجاله على شرطهما- انتهى. وأخرج النسائي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كانت له سكتة إذا افتتح الصلاة، وفيه إشارة إلى أن السكتة إنما هي في الركعة الأولى عند افتتاحها. ٨٢٦- قوله: (إذا استفتح الصلاة كبر) أي للتحريمة. (ومحياي ومماتي) أي أحوالي فيهما. (وبذلك) أي

стр. 1020

وأنا أول المسلمين. اللهم اهدني لأحسن الأعمال، وأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وقني سيء الأعمال، وسيء الأخلاق، لا يقي سيئها إلا أنت)) رواه النسائي. ٨٢٧- (١٠) وعن محمد بن مسلمة: ((أن رسول الله ﷺ كان إذا قام يصلي تطوعاً، قال: الله أكبر، وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً، وما أنا من المشركين)) . وذكر الحديث مثل حديث جابر، إلا أنه ــ الإخلاص. (وأنا أول المسلمين) كذا في جميع النسخ الموجودة عندنا. وفي النسائي: "وأنا من المسلمين"، وأما ما هنا "أول المسلمين" فهي رواية الدارقطني، وهي الصواب. قال الطيبي: هذا أي: "أنا أول المسلمين" لفظ التنزيل حكاية عن قول إبراهيم ﵊، وإنما قال: "لأن إسلام كل نبي مقدم على إسلام أمته- انتهى. والظاهر من القرآن أن نبينا ﵊ مأمور بهذا القول، فإنه تعالى قال له: ﴿قل إن صلاتي ونسكي﴾ [٦: ١٦٢] الآية، لكن كان يقول هذا تارة، و"أنا من المسلمين" أخرى تواضعاً حيث عد نفسه واحداً منهم، كما قال: احشرني في زمرة المساكين، قال القاري. (لا يهدي لأحسنها) أي المذكورات من النوعين. (وقني) بكسر القاف، أمر من وقى يقي. (سيء الأعمال) الخ. في العدول عن الأسوء المقابل للأحسن إلى السيء نكتة لا تخفى. (رواه النسائي) وأخرجه أيضاً الدارقطني. (ص١١٢) وسنده صحيح. ٨٢٧- قوله: (وعن محمد بن مسلمة) بفتح الميم واللام، ابن سلمة الأنصاري الحارثي الدوسي، أبوعبد الله المدني صحابي مشهور. قال ابن عبد البر: كان من أفضل الصحابة، وهو أحد الثلاثة الذين قتلوا كعب بن الأشرف، شهد المشاهد كلها إلا تبوك، واستخلفه النبي ﷺ في بعض غزواته على المدينة، ولم يشهد الجمل ولا صفين. وكان من الذين أسلموا على يد مصعب بن عمير، وهو أكبر من اسمه محمد من الصحابة، له ستة عشر حديثاً، انفرد له البخاري بحديث. مات بالمدينة سنة (٤٣) وقيل غير ذلك، وهو ابن (٧٧) سنة. وقال ابن شاهين عن أبي داود: قتله أهل الشام لكونه اعتزل عن معاوية في حروبه. (إذا قام يصلي تطوعاً) قال القاري: ظاهره يؤيد مذهبنا المختار أنه يقرأ: "بوجهت وجهي" في النوافل والسنن. وقال صاحب اللمعات: هو دليل على المخصوصية بالتطوع كما هو مذهبنا- انتهى. قلت: قد تقدم الجواب عن هذا الاستدلال فتذكر. قال شيخنا في أبكار المنن (ص١١٦) : ليس فيه دليل على المخصوصية بالتطوع، كيف وقد ثبت في أكثر روايات على أنه ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة قال وجهت وجهي، الخ. وقد تقدم ذكر هذه الروايات، على أنه لو كان في هذا دليل على المخصوصية بالتطوع لكان الدعاء الذي اختاره الحنفية للفرض أيضاً مخصوصاً بالتطوع، فإن الترمذي وأبا داود قد رويا عن أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل كبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك- الحديث. (وذكر) أي محمد بن مسلمة. (الحديث مثل حديث جابر، إلا أنه) أي محمداً.
следующие страницы →