Полный текст (4 545 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح)) . متفق عليه.
٨٣٥- (٨) وعن أبي سعيد الخدري، قال: ((كنا نحزر
ــ
كلمة ما يحتمل أن تكون نكرة موصوفة، أي تطويلاً لا يطلبه في الثانية، وأن تكون مصدرية أي غير إطالته في الثانية، فتكون هي مع ما في حيزها صفة لمصدر محذوف. (وهكذا) يقرأ في الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفي الأخريين بها فقط، ويطول في الأولى، ويسمع الآية أحياناً. (في العصر) أي في صلاة العصر. (وهكذا) أي يطيل في الركعة الأولى في صلاة الصبح، فالتشبيه في تطويل المقروء في الأولى فقط، بخلاف التشبيه في العصر، فإنه أعم منه. والحديث يدل على استحباب تطويل الركعة الأولى بالنسبة إلى الثانية، وهذا هو مذهب أحمد، ومحمد بن الحسن في جميع الصلوات، وبه قال بعض الشافعية لهذا الحديث المصرح به في الظهر والعصر والفجر، وقياس غيرها عليها. وعند أبي حنيفة، وأبي يوسف يسوى بين الركعتين إلا في الفجر، فإنه يطول الأولى على الثانية، وبه قال بعض الشافعية، ويدل عليه حديث أبي سعيد الآتي: كان يقرأ في الظهر في الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية. وفي رواية لابن ماجه: إن الذين حزروا ذلك كانوا ثلاثين من الصحابة. وأجيب لهما عن حديث أبي قتادة بأن تطويل الأولى كان بدعاء الاستفتاح والتعوذ لا في القراءة. وادعى ابن حبان أن الأولى إنما طالت على الثانية بالزيادة في الترتيل فيها مع استواء المقروء فيهما. وقد روى مسلم من حديث حفصة: أنه ﷺ كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها. قلت: والراجح عندي هو ما ذهب إليه أحمد ومحمد من أنه يستحب تطويل الركعة الأولى على الثانية في الصلوات كلها، وأن تطويل الأولى في الظهر والعصر كان في القراءة لا بدعاء الاستفتاح والتعوذ، أو بالزيادة في الترتيل؛ لأن المذكور في الحديث هو القراءة لا غير، فالظاهر أن التطويل والتقصير راجعان إلى ما ذكر فيه وهو القراءة. ولما روى أبوداود عن عبد الله بن أبي أوفي: أن النبي ﷺ كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم. وتقديم حديث أبي قتادة على حديث أبي سعيد أولى؛ لأنه أصح، ويتضمن زيادة، وهي ضبط التفريق بين الركعتين. أو يجمع بينهما بأنه ﷺ كان يطول الأولى تارة ويسوى بين الركعتين أخرى. وقال الحافظ في الفتح: وقال البيهقي في الجمع بين الأحاديث: يطول في الأولى إن كان ينتظر أحداً، وإلا فليسو بين الأوليين. وروى عبد الرزاق نحوه عن ابن جريج عن عطاء قال: إني أحب أن يطول الإمام الأولى من كل صلاة حتى يكثر الناس، فإذا صليت لنفسي فإني أحرص على أن أجعل الأوليين سواء. وذهب بعض الأئمة إلى استحباب تطويل الأولى من الصبح دائماً، وأما غيرها فإن كان يترجى كثرة المأمومين ويبادر هو أول الوقت فينتظر، وإلا فلا، وذكر في حكمة اختصاص الصبح بذلك أنها تكون عقب النوم والراحة، وفي ذلك الوقت يواطئ السمع واللسان القلب لفراغه، وعدم تمكن الاشتغال بأمور المعاش وغيرها منه. والعلم عند الله. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أبوداود والنسائي وابن ماجه.
٨٣٥- قوله: (كنا نحزر) بفتح النون وسكون الحاء المهملة وضم الزاي بعدها راء، من الحزر، أي نخرص
стр. 1052
قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة الم تنزيل السجدة، وفي رواية: في كل ركعة قدر ثلاثين آية. وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر، وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك)) رواه مسلم.
ــ
ونقدر. وفي قوله: "كنا نحزر" ما يدل على أن المقدرين بذلك جماعة، وقد أخرج ابن ماجه أن الخارصين ثلاثون رجلاً من الصحابة. (قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر) أي مقدار طول قيامه في الصلاتين. (الم تنزيل) بالرفع على الحكاية، قال القاري: ويجوز جره على البدل، ونصبه بتقدير: "أعني". (السجدة) قال النووي: يجوز جر: "السجدة" على البدل، ونصبها بأعني. ورفعها على خبر مبتدأ محذوف، ولا يخفى أن هذه الوجوه الثلاثة كلها مبنية على رفع: "تنزيل" حكاية، وأما على إعرابه فيتعين جر: "السجدة" على الإضافة قاله القاري. (وفي رواية في كل ركعة قدر ثلاثين آية) . أول هذه الرواية عند مسلم: أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية. فيحمل الرواية المطلقة المتقدمة على هذه المقيدة بقوله: "في كل ركعة". (قيامه في الأخريين) أي من الظهر. (قدر النصف من ذلك) فيه دلالة على أنه ﷺ كان يقرأ غير الفاتحة معها في الأخريين من الظهر، ويزيده دلالة على ذلك قوله: (وحزرنا) كذا في جميع النسخ من غير زيادة لفظ: "قيامه" وفي مسلم: وحزرنا قيامه. (في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر) ومعلوم أنه كان يقرأ في الأوليين من العصر سورة غير الفاتحة. (وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك) أي من الأوليين منه. وفي رواية لمسلم: وفي الأخريين. (أى من الظهر) قدر قراءة خمس عشرة آية، أو قال: نصف ذلك، وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك. وفيه دليل على أنه لا يقرأ في الأخريين من العصر إلا الفاتحة، وأنه يقرأ في الأخريين من الظهر غيرها معها. وقد تقدم الكلام في هذا. وحديث أبي سعيد هذا يدل على تخفيف الأخريين من الظهر والعصر من الأوليين منهما. ويدل أيضاً على استحباب التخفيف في صلاة العصر وجعلها على النصف من صلاة الظهر، والحكمة في إطالة الظهر أنها في وقت غفلة بالنوم في القائلة فطولت ليدركها المتأخر، والعصر ليست كذلك، بل تفعل في وقت تعب أهل الأعمال فخففت. وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يطول في صلاة الظهر تطويلاً زائداً على هذا المقدار كما في حديث أبي سعيد عند مسلم، والنسائي: أن صلاة الظهر كانت تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يتوضأ، ثم يأتي ورسول الله ﷺ في الركعة الأولى مما يطولها. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود وأخرجه ابن ماجه بسند ضعيف بألفاظ أخرى.
стр. 1053
٨٣٦- (٩) وعن جابر بن سمرة، قال. ((كان النبي ﷺ يقرأ في الظهر: بـ ﴿الليل إذا يغشى﴾ وفي رواية بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ وفي العصر نحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك)) رواه مسلم.
٨٣٧- (١٠) وعن جبير بن مطعم، قال. ((سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بـ ﴿الطور﴾
ــ
٨٣٦- قوله: (كان يقرأ في الظهر: بـ ﴿الليل إذا يغشى﴾ وفي رواية بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ وفي العصر نحو ذلك) أي يقرأ قريباً مما ذكر من السورتين. (وفي الصبح أطول من ذلك) أي من جميع ما ذكر؛ لأنها تفعل في وقت الغفلة بالنوم في آخر الليل، فيكون في التطويل انتظار للمتأخر، وإعانة له على إدراكها. وقوله: "كان يقرأ في الظهر" يفيد الاستمرار وعموم الأزمان كما تقرر في الأصول من أن لفظ: "كان" يفيد ذلك، فينبغي أن يحمل قوله: "كان يقرأ في الظهر" الخ. على الغالب من حاله ﷺ ، أو تحمل: "كان" على أنها لمجرد وقوع الفعل؛ لأنها قد تستعمل لذلك كما قال ابن دقيق العيد؛ لأنه قد ثبت: أنه ﷺ كان يقرأ في الظهر والعصر بـ ﴿السماء والطارق﴾ و ﴿السماء ذات البروج﴾ ونحوهما من السور، أخرجه أبوداود، والترمذي، وصححه من حديث جابر بن سمرة، وتقدم: أنه قرأ في الظهر سورة لقمان، والذاريات، وأنه كان يقرأ في الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية. وفي رواية قدر: "الم تنزيل السجدة". وفي الباب أحاديث كثيرة مختلفة. قال الحافظ: وجمع بينهما بوقوع ذلك في أحوال متغايرة إما لبيان الجواز، أو لغير ذلك من الأسباب. واستدل ابن العربي باختلافها على عدم مشروعية سورة معينة في صلاة معينة، وهو واضح فيما اختلف، لا فيما لم يختلف، كتنزيل وهل أتى، في صبح الجمعة – انتهى. (رواه مسلم) ، وأخرجه أيضاً أحمد، وأخرجه أبوداود بلفظ: كان إذا دحضت الشمس صلى الظهر وقرأ بنحو من ﴿والليل إذا يغشى﴾ والعصر كذلك، والصلوات كذلك إلا الصبح، فإنه كان يطيلها.
٨٣٧- قوله: (سمعت رسول الله ﷺ ) كان سماعه لذلك قبل إسلامه لما جاء في فداء أسارى بدر، واستبدل به على صحة أداء ما تحمله الراوي في حال الكفر، وكذا الفسق إذا أداه في حال العدالة. (يقرأ في المغرب بـ ﴿الطور﴾ ) أي بسورة الطور. وفيه دليل على أن المغرب لا يختص بقصار المفصل، وقد ورد أنه ﷺ قرأ في المغرب بسورة. (الأعراف) وأنه قرأ فيها بحم، والدخان، وأنه قرأ فيها بالمرسلات، وأنه قرأ فيها بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ وأنه قرأ فيها بـ ﴿التين والزيتون﴾ وأنه قرأ فيها بـ ﴿الكافرون﴾ و ((الإخلاص)) . وقال رافع بن خديج: كنا نصلي المغرب مع النبي ﷺ ، فينصرف أحدنا وإنه يبصر مواقع نبله. قال الحافظ: طريق الجمع بين هذه الأحاديث أنه ﷺ كان أحياناً يطيل القراءة في المغرب إما لبيان الجواز، وإما لعلمه بعدم المشقة على المأمومين. وليس في حديث جبير بن مطعم دليل على أن ذلك تكرر منه. وأما حديث زيد بن ثابت يعني الذي رواه البخاري وغيره عن مروان بن الحكم قال: قال لي
стр. 1054
زيد بن ثابت: ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل وقد سمعت النبي ﷺ يقرأ بطولى الطوليين؟. ففيه إشعار بذلك لكونه أنكر على مروان المواظبة على القراءة بقصار المفصل، ولو كان مروان يعلم أن النبي ﷺ واظب على ذلك لاحتج به على زيد، لكن لم يرو زيد منه فيما يظهر المواظبة على القراءة بالطوال، وإنما أراد منه أن يتعاهد ذلك كما رآه من النبي ﷺ . وفي حديث أم الفضل. (يعني ما أخرجه البخاري عن ابن عباس: أن أم الفضل سمعته وهو يقرأ ﴿والمرسلات عرفاً﴾ فقالت: يا بني! لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة إنها لآخر سمعت من رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب. زاد في رواية: "ثم ما صلى لنا بعد حتى قبضه الله عزوجل" إشعار بأنه ﷺ كان يقرأ في الصحة بأطول من المرسلات لكونه كان في حال شدة مرضه وهو مظنة التخفيف. وقال ابن خزيمة: هذا من الاختلاف المباح، فجائز للمصلي أن يقرأ في المغرب وفي الصلوات كلها بما أحب، إلا أنه إذا كان إماماً استحب له أن يخفف في القراءة كما تقدم-انتهى. واعلم أنه ذهب الجمهور إلى استحباب قراءة قصار المفصل في المغرب، حتى ذكر الترمذي عن مالك أنه كره أن يقرأ في المغرب بالسور الطوال نحو الطور والمرسلات. وقال الشافعي: لا أكره ذلك، بل أستحب أن يقرأ بهذه السور في الصلاة للمغرب، وكذا نقله البغوي في شرح السنة عن الشافعي. والمعروف عند الشافعية أنه لا كراهة في ذلك، ولا استحباب. وأما مالك فاعتمد العمل بالمدينة بل وبغيرها. قال ابن دقيق العيد: استمر العمل من الناس على التطويل في الصبح، والقصر في المغرب، والصحيح عندنا أن ما صح في ذلك عن النبي ﷺ مما لم يكثر مواظبته عليه فهو جائز من غير كراهة، وما صحت المواظبة عليه فهو في درجة الرحجان في الاستحباب- انتهى. واستدل للجمهور بحديث رافع بن خديج الذي تقدم في باب تعجيل الصلاة: أنهم كانوا ينتضلون بعد صلاة المغرب، فإنه يدل على تخفيف القراءة فيها؛ لكن ليس فيه التنصيص على القراءة بشئ من قصار المفصل. وبحديث ابن عمر قال: كان النبي ﷺ يقرأ في المغرب ﴿قل يأيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾ ، أخرجه ابن ماجه. قال الحافظ: ومثله لابن حبان عن جابر بن سمرة. فأما حديث ابن عمر فظاهر إسناده الصحة إلا أنه معلول، قال الدارقطني: أخطأ فيه بعض رواته. وأما حديث جابر ابن سمرة ففيه سعيد بن سماك، وهو متروك، والمحفوظ أنه قرأ بهما في الركعتين بعد المغرب. وبحديث سليمان بن يسار عن أبي هريرة الآتي في الفصل الثاني، فإنه يشعر بالمواظبة على قراءة قصار المفصل في المغرب، لكن في الاستدلال به نظر. وبما روى الطحاوي وغيره عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى: أن اقرأ في المغرب بقصار المفصل. وبما روى مالك عن الصنابحي: أنه صلى المغرب خلف أبي بكر فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن، وسورة سورة من قصار المفصل، وبما روى أبوداود عن أبي عثمان النهدى أنه صلى خلف ابن مسعود المغرب فقرأ بـ ﴿قل هوالله أحد﴾ . وبما روى أبوداود أيضاً عن عروة: أنه كان يقرأ في المغرب بالعاديات، ونحوها من السور. وقد ظهر بما ذكرنا أنه ليس فيما ذهب إليه
стр. 1055
الجمهور حديث مرفوع صحيح صريح نص فيه على القراءة في المغرب بشيء من قصار المفصل، قال الحافظ: لم أرَ حديثاً مرفوعاً فيه التنصيص على القراءة فيها بشيء من قصار المفصل، إلا حديثاً في ابن ماجه عن ابن عمر نص فيه (الكافرون) و (الاخلاص) ، ومثله لابن حبان عن جابر بن سمرة- انتهى. وقد تقدم ما فيهما من الكلام عن الحافظ. وأجاب الجمهور عن الأحاديث التي تدل على تطويل القراءة في المغرب بوجوه: أحدها: أن هذا كان شيئاً فترك، قاله محمد في مؤطاه. وقال أبوداود بعد ذكر أثر عروة المتقدم. هذا يدل على أن ذاك- أى حديث زيد- منسوخ. وفيه: أن النسخ لا يثبت بالادعاء والاحتمال، بل لا بد لمن يدعى أن تطويل القراءة في المغرب كان أولاً ثم ترك، أن يأتي بالحديث الناسخ الصحيح الصريح، ولا يثبت النسخ بمجرد قول محمد ولا غيره كائناً من كان، ولم يبين أبوداود وجه الدلالة على النسخ. وكأنه لما رأى عروة راوي الخبر عمل بخلافه، حمله على أنه اطلع على ناسخه، ولا يخفى بُعد هذا الحمل، وكيف يصح دعوى النسخ وأم الفضل تقول: إن آخر صلاة صلاها بهم قرأ بـ (المرسلات) . وقال صاحب التعليق الممجد: هذا الجواب مخدوش؛ لأن مبناه على احتمال النسخ، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، ولأن كونه متروكاً إنما يثبت لو ثبت تأخر قراءة القصار على قراءة الطوال من حيث التاريخ، وهو ليس بثابت، ولأن حديث أم الفضل صريح في أن آخر ما سمعت من رسول الله ﷺ هو سور المرسلات في المغرب، فحينئذٍ إن سلك مسلك النسخ يثبت نسخ قراءة القصار لا العكس. وثانيها: أنه لعله كان يقرأ بعض السورة ثم يركع، ذكره أيضاً محمد في مؤطاه. وفيه: أن إثبات التفريق في جمع ما ورد في قراءة الطوال مشكل، وأيضاً قد ورد في رواية البخاري وغيره ما يدل على أن جبير بن مطعم سمع ﴿الطور﴾ بتمامه قراءة رسول الله ﷺ في المغرب، فلا يفيد حينئذٍ ليت ولعل. وأيضاً قد ورد: أن رسول الله ﷺ قرأ بسورة (الأعراف) في المغرب، فرقها في ركعتين، كما سيأتي، ومن المعلوم أن نصف ﴿الأعراف﴾ لا يبلغ مبلغ القصار، فلا يفيد التفريق لإثبات القصار، كذا في التعليق الممجد. وقال الحافظ: ادعى الطحاوي أنه لا دلالة في شيء من الأحاديث على تطويل القراءة، لاحتمال أن يكون المراد أنه قرأ بعض السورة، ثم استدل لذلك بما رواه من طريق هشيم عن الزهري في حديث جبير بلفظ: سمعته يقرأ ﴿إن عذاب ربك لواقع﴾ [٥٢: ٧] قال: فأخبر أن الذي سمعه من هذه السورة هي هذه الآية خاصة –انتهى. وليس في السياق ما يقتضي قوله: "خاصة" مع كون رواية هشيم عن الزهري بخصوصها مضعفة، ورواية البخاري في التفسير بلفظ: "سمعته يقرأ في المغرب بـ ﴿الطور﴾ فلما بلغ هذه الآية: ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾ [٥٢: ٣٥] الآيات إلى قوله: ﴿المصيطرون﴾ [٥٢: ٣٧] كاد قلبي يطير" تبطل هذه الدعوى. وفي رواية ابن حبان والطبراني: سمعته يقرأ ﴿والطور وكتاب مسطور﴾ [٥٢: ١، ٢)) ومثله لابن سعد، وزاد في أخرى: فاستمعت قراءته حتى خرجت من المسجد. ثم ادعى الطحاوي أن الاحتمال المذكور يأتي في حديث زيد بن ثابت، وفيه نظر؛
стр. 1056
متفق عليه.
٨٣٨- (١١) وعن أم الفضل بنت الحارث، قالت: ((سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب: بـ ﴿المرسلات عرفاً﴾ متفق عليه.
٨٣٩- (١٢) وعن جابر، قال: ((كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي ﷺ ، ثم يأتي فيؤم قومه، فصلى
ليلة مع النبي ﷺ العشاء ثم أتى قومه
ــ
لأنه لو كان قرأ بشيء منها يكون قدر سورة من قصار المفصل لما كان لإنكار زيد معنى، وقد روي أن زيداً قال لمروان: إنك لتخفف القراءة في الركعتين من المغرب، فوالله لقد كان رسول الله ﷺ يقرأ فيها بسورة الأعراف في الركعتين جميعاً. أخرجه ابن خزيمة-انتهى كلام الحافظ باختصار وتغيير يسير. وثالثها: أن هذا بحسب اختلاف الأحوال قرأ بالطوال لتعليم الجواز. وفيه: أنه لو كانت قراءته ﷺ السور الطوال في المغرب لبيان الجواز لما كان ما فعله مروان من المواظبة على قصار المفصل إلا محض السنة، ولم يحسن من زيد بن ثابت إنكار ما سنه رسول الله ﷺ ، ولم يفعل غيره إلا لبيان الجواز، ولو كان الأمر كذلك لما سكت مروان عن الاحتجاج بمواظبته ﷺ على ذلك في مقام الإنكار عليه، وأيضاً بيان الجواز لا يحتاج له إلى تكرير الفعل، وقد عرفت أنه ﷺ قرأ السور الطويلة في المغرب مرات متعددة، فالظاهر أن القراءة في المغرب بطوال المفصل وقصاره وسائر السور سنة، لكن ينبغي أن يكثر من قراءة قصار المفصل، وأما الاقتصار على نوع من ذلك فهو إن انضم إليه اعتقاد أنه السنة دون غيره، مخالف لهديه ﷺ ، والله اعلم. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً مالك، وأحمد، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه.
٨٣٨- قوله: (يقرأ في المغرب بـ ﴿المرسلات عرفاً﴾ ) أي سورة ﴿والمرسلات﴾ وفي الجلالين: ﴿والمرسلات﴾ [٧٧: ١] . أي الرياح متتابعة كعرف الفرس يتلو بعضه بعضاً، ونصب"عرفاً" على الحال-انتهى. والعرف- بضم العين المهملة- شعر عنق الفرس. قال سليمان الجمل: أقسم تعالى بصفات خمسة، موصوفها محذوف، فجعله بعضهم"الرياح" في الكل، وبعضهم: "الملائكة" في الكل، وبعضهم غاير-انتهى. والحديث يرد على من قال: التطويل في صلاة المغرب منسوخ. كما تقدم. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً مالك، والشافعي، وأحمد، والترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه.
٨٣٩- قوله: (يصلي مع النبي ﷺ ) زاد مسلم في رواية: "عشاء الآخرة" فكان العشاء هي التي كان يواظب فيها على الصلاة مرتين. (ثم يأتي) أي مسجد الحي. (فيؤم قومه) وفي رواية مسلم المذكورة: فيصلي بهم تلك الصلاة. وللبخاري في الأدب: "فيصلي بهم الصلاة" أي المذكورة. وفي هذا رد على من زعم أن المراد أن الصلاة التي كان يصليها مع النبي ﷺ غير الصلاة التي كان يصليها بقومه. (فصلى) أي معاذ (ليلة مع النبي ﷺ العشاء) أي الآخرة. (ثم أتى قومه)
стр. 1057
فأمهم، فافتح بسورة البقرة، فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده وانصرف، فقالوا له: أنافقت يا فلان؟ قال: لا والله، ولآتينّ رسول الله فلأخبرنه، فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إنا أصحاب النوازح، نعمل بالنهار، وإنما معاذاً صلى معك العشاء، ثم أتى قومه، فافتتح بسورة البقرة، فأقبل رسول الله ﷺ على معاذ، فقال: يا معاذ! أفتان أنت؟ اقرأ ﴿والشمس وضحاها﴾ ،
ــ
أي بني سلمة، بكسر اللام. (فأمهم) أي في العشاء. (فافتح بسورة البقرة) أي بعد الفاتحة. وفي رواية للبخاري: فصلى العشاء، فقرأ بالبقرة. قال الحافظ: كذا في معظم الروايات، ووقع في رواية لأبي عوانة والطحاوي من طريق محارب: صلى بأصحابه المغرب، فإن حمل على تعدد القصة، أو على أن المراد بالمغرب العشاء مجازاً وإلا فما في الصحيح أصح-انتهى. (فانحرف رجل) أي مال عن الصف فخرج منه، أو انحراف من صلاته عن القبلة. والرجل هو حزم بن أبي بن كعب، كما في رواية أبي داود الطيالسي في مسنده. وقيل: سليم، كما في رواية لأحمد. وجمع بعضهم بين هذا الاختلاف بأنهما واقعتان، لكن وقوع هذه القضية مرتين بعيد كما لا يخفى، إلا أن يقال يحتمل أنه وقع من معاذ مرتين، ثم رفع الواقعتان إلى النبي ﷺ مرة. ووقع في رواية لمسلم: فانطلق رجل منا. وهذا يدل على أنه كان من بني سلمة، ويقوي رواية من سماه سليماً. (فسلم) أي قطع صلاته. قال النووي: قوله: "سلم" دليل على أنه قطع الصلاة من أصلها، ثم أستأنفها، فيدل على جواز قطع الصلاة وإبطالها لعذر. (ثم صلى وحده) أي استأنف الصلاة منفرداً؛ لأنه لم يعلم أنه لو فارق بالنية وانفرد وأتم بلا استئناف لجاز فيه ذلك، ذكره ابن الملك. (وانصرف) أي خرج من المسجد. (فقالوا) أي أصحاب معاذ. (أنافقت يا فلان؟) أي أفعلت ما يفعله المنافق من الميل والانحراف عن الجماعة، والتخفيف في الصلاة؟ قالوه تشديداً له، قاله الطيبي. (قال: لا والله، ولآتين) هو إما معطوف على الجواب، أي والله لا أنافق، ولآتين، وإما إنشاء قسم آخر والمقسم به مقدر. (إنا أصحاب نواضح) جمع ناضحة أنثى ناضح، وهو- بالنون والضاد المعجمة والحاء المهملة- ما استعمل من الإبل في سقى النخل والزرع. (نعمل بالنهار) أي نكد فيه بعمل الزراعة لأجل أمر المعاش. (فافتح بسورة البقرة) يحتمل أنه أراد معاذ أن يقرأ بعضها ويركع، فتوهم المقتدي أنه أراد إتمامها فقطع صلاته، فعاتب رسول الله ﷺ على إبهامه ذلك، فإنه سبب للتنفير، قاله القاري. (فقال: يا معاذ!) خطاب عتاب. (أفتان) أي منفر عن الدين، وصاد عنه، وموقع للناس في الفتنة. قال الحافظ: معنى الفتنة ههنا أن التطويل يكون سبباً لخروجهم من الصلاة، وللنكرة للصلاة في الجماعة. وقال الداودي: يحتمل أن يريد بقوله: "فتان" أي معذب؛ لأنه عذبهم بالتطويل. ومنه قوله تعالى: ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين﴾ [٨٥: ١٠] قيل: معناه عذبوهم. (اقرأ والشمس وضحاها) الخ. أي
стр. 1058
﴿والضحى﴾ و ﴿والليل إذا يغشى﴾ و ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾
ــ
إقرأ هذه السورة وأمثالها. وفي الحديث استحباب تخفيف الصلاة مراعاة لحال المأمومين، وفيه جواز خروج المأموم من الصلاة بعذر، وغير ذلك من الفوائد. واستدل بهذا الحديث للشافعي، وأحمد، وإسحاق على صحة إقتداء المفترض خلف المتنفل؛ لأن الظاهر منه أن معاذاً كان يصلي مع النبي ﷺ فريضة، إذ بعيد من فقاهة معاذ - وهو أفقه الصحابة - أن يدرك الفرض خلف أفضل الأئمة في مسجده الذي هو أفضل المساجد بعد المسجد الحرام فيتركه، ويضيع حظه منه، ويقنع من ذلك بالنفل. قال الخطابي: لا يجوز على معاذ مع فقهه أن يترك فضيلة الصلاة مع رسول الله ﷺ إلى فعل نفسه-انتهى. قلت: وقد جاء في الحديث رواية كأنها صريحة في كون معاذ كان ينوي بالأولى الفرض، وبالثانية النفل، ذكرها الدارقطني وغيره بلفظ: هي له تطوع ولهم فريضة. قال الحافظ: ويدل عليه ما رواه عبد الرزاق، والشافعي والطحاوي، والدارقطني وغيرهم من طريق ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن جابر في حديث الباب زاد: هي له تطوع، ولهم فريضة. وهو حديث صحيح، وقد صرح ابن جريج في رواية عبد الرزاق بسماعه فيه، فانتفت تهمة تدليسه، فقول ابن الجوزي: "أنه لا يصح" مردود. وتعليل الطحاوي بأن ابن عيينة ساقه عن عمرو أتم من سياق ابن جريج ولم يذكر هذه الزيادة، ليس بقادح في صحته؛ لأن ابن جريج أسن وأجل من ابن عيينة، وأقدم أخذاً عن عمرو منه، ولو لم يكن كذلك فهي زيادة من ثقة حافظ، ليست منافية لرواية من هو أحفظ منه، ولا أكثر عدداً، فلا معنى للتوقف في الحكم بصحتها. وأما رد الطحاوي لها باحتمال أن تكون مدرجة. (أى من قول ابن جريج أو من قول عمرو بن دينار) فجوابه: أن الأصل عدم الإدراج حتى يثبت التفصيل، فمهما كان مضموماً إلى الحديث فهو منه، ولا سيما إذا روى من وجهين، والأمر هنا كذلك، فإن الشافعي أخرجها من وجه آخر عن جابر متابعاً لعمرو بن دينار عنه. وقول الطحاوي: "هو ظن من جابر". (أى على تسليم كونها من قول جابر) مردود: لأن جابراً كان ممن يصلي مع معاذ، فهو محمول على أنه سمع ذلك منه، ولا يظن بجابر أنه يخير عن شخص بأمر غير مشاهد إلا بأن يكون ذلك الشخص أطلعه عليه. وأما قول الطحاوي: لا حجة فيها؛ لأنها لم تكن بأمر النبي ﷺ ولا تقريره، فجوابه: أنهم لا يختلفون في أن رأي الصحابي إذا لم يخالفه غيره حجة، والواقع هنا كذلك، فإن الذين كان يصلي بهم معاذ كلهم صحابة، وفيهم ثلاثون عقبياً، وأربعون بدرياً، قاله ابن حزم، قال: ولا يحفظ عن غيرهم من الصحابة امتناع ذلك، بل قال معهم بالجواز عمر، وابن عمر، وأبوالدرداء، وأنس وغيرهم. وأما قول الطحاوي: لو سلمنا جميع ذلك لم يكن فيه حجة لاحتمال أن ذلك كان في الوقت الذي كانت الفريضة فيه تصلى مرتين، أي فيكون منسوخاً بما روى عن عمر: أن رسول الله ﷺ نهى أن تصلى فريضة في يوم مرتين. فجوابه: أنه يتضمن إثبات النسخ بالاحتمال وهو لا يسوغ. وأما حديث ابن عمر ففي الاستدلال به نظر، لاحتمال أن يكون النهي عن أن يصلوها مرتين على أنها فريضة في كل مرة، وبذلك جزم البيهقي جمعاً
стр. 1059
بين الحديثين، بل لو قال قائل: هذا النهي منسوخ بحديث معاذ لم يكن بعيداً. وأما تقوية بعضهم بكون حديث معاذ منسوخاً بأن صلاة الخوف وقعت مراراً على صفة فيها مخالفة بالأفعال المنافية في حال الأمن، فلو جازت صلاة المفترض خلف المتنفل لصلى النبي ﷺ بهم مرتين على وجه لا تقع فيه منافاة، فلما لم يفعل ذلك دل على المنع. فجوابه: أنه ثبت أنه ﷺ صلى بهم صلاة الخوف مرتين كما أخرجه أبوداود عن أبي بكرة صريحاً، وصرح فيه أنه سلم على الركعتين الأوليين، ولمسلم عن جابر نحوه، لكن ليس في روايته تصريح بالسلام على الركعتين، وأما صلاته بهم على نوع من المخالفة فلبيان الجواز. وأما قول بعضهم: كان فعل معاذ للضرورة لقلة القراءة ذلك الوقت. فهو ضعيف كما قال ابن دقيق العيد؛ لأن القدر المجزئ من القراءة في الصلاة كان حافظوه كثيراً، وما زاد لا يكون سبباً لارتكاب أمر ممنوع منه شرعاً في الصلاة-انتهى. وأما ما رواه أحمد، والطحاوي، وابن عبد البر، عن معاذ بن رفاعة، عن سليم رجل من بني سلمة: أنه أتى النبي ﷺ فقال: يارسول الله ﷺ ! إن معاذ بن جبل يأتينا-الحديث. وفي آخره:: "يا معاذ! لا تكن فتاناً، إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف على قومك". واستدل به الطحاوي على أنه ﷺ نهى معاذاً عن ذلك، وادعى أن قوله: "إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف على قومك" معناه: إما أن تصلي معي، ولا تصلي بقومك وإما أن تخفف بقومك، أي ولا تصلي معي. ففيه: أن في صحة هذه الرواية كلاماً، قال ابن حزم في المحلى (ج٤: ص٢٣٠) : هذا خبر لا يصح؛ لأنه منقطع؛ لأن معاذ بن رفاعة لم يدرك النبي ﷺ ، ولا أدرك هذا الذي شكا إلى رسول الله ﷺ بمعاذ؛ لأن هذا الشاكي – أي سليماً صاحب القصة – قتل يوم أحد. ثم في صحة ما ذكره الطحاوي في معنى قوله: "إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف على قومك" كلام أيضاً. قال الحافظ في الفتح: وأما دعوى الطحاوي أن معناه: إما أن تصلي معي ولا تصل بقومك، وإما أن تخفف بقومك ولا تصل معي، ففيه نظر؛ لأن لمخالفه أن يقول: بل التقدير: "إما أن تصلي معي فقط إذا لم تخفف، وإما أن تخفف بقومك فتصلي معي". وهو أولى من تقديره لما فيه من مقابلة التخفيف بترك التخفيف؛ لأن هو المسؤل عنه المتنازع فيه-انتهى. قلت: ورواية عبد الرزاق والشافعي وغيرهما بزيادة: "هي له تطوع ولهم فريضة" تؤيد المعنى الذي بيّنه الحافظ، وتوهن المعنى الذي بينه الطحاوي. واستدل الحنفية على عدم جواز اقتداء المفترض بالمتنفل بما روي مرفوعاً: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه. قالوا: لا اختلاف أشد من الاختلاف في النيات في صلاة فرضين، أو تنفل الإمام وافتراض المقتدي. وأجيب: بأن الاختلاف المنهي عنه مقصور على الاختلاف في الأفعال الظاهرة؛ لأن الاختلاف في النيات لا يظهر به مخالفة الإمام عند الناس، ولأن رسول الله ﷺ قد بين في هذا الحديث نفسه المواضع التي يلزم الائتمام بالإمام فيها، ويحرم الاختلاف عليه فيها، وهي قوله ﵇: فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعودا. فههنا أمر- ﵇ -بالائتمام
стр. 1060
متفق عليه.
٨٤٠- (١٣) وعن البراء، قال: ((سمعت النبي ﷺ يقرأ في العشاء: ﴿والتين والزيتون﴾ وما سمعت
أحداً أحسن صوتا منه)) متفق عليه.
٨٤١- (١٤) وعن جابر بن سمرة، قال: ((كان النبي ﷺ يقرأ في الفجر: بـ ﴿ق والقرآن المجيد﴾ ونحوها،
ــ
فيه، وعدم الاختلاف عليه لا في النية. وأيضاً: لو عمم هذا الاختلاف المنهي عنه للزم عدم جواز اقتداء المتنفل بالمفترض لوجود الاختلاف في النيات، فظهر أن الحديث ليس بمحمول على العموم عندهم أيضاً. ولو سلمنا: أنه يعم كل الاختلاف لكان حديث معاذ أو نحوه مخصصاً له. واستدلوا أيضاً بقوله ﷺ : "الإمام ضامن" بمعنى يضمنها صحة وفساداً، والمفترض أقوى حالاً من المتنفل فلا يتضمنه ما هو دونه. وفيه: أن معنى الضمان هنا هو الحفظ والرعاية في الأفعال الظاهرة لا التكفل في الصحة والفساد، والمعنى أن الإمام يحفظ ويراعي الصلاة وعدد الركعات وغير ذلك من الأفعال الظاهرة على القوم، والله أعلم. (متفق عليه) واللفظ لمسلم، وأخرجه البخاري مطولاً في غير موضع بألفاظ مختلفة، وأخرجه أيضاً أحمد، وأبوداود، والنسائي وغيرهم.
٨٤٠- قوله: (سمعت النبي ﷺ يقرأ في العشاء) أي في الركعة الأولى من صلاة العشاء، كما في رواية النسائي ﴿والتين والزيتون﴾ وقرأ في الثانية ﴿إنا أنزلناه﴾ وهما من قصار أوساط المفصل، وإنما قرأ في العشاء بقصار الأوساط لكونه مسافراً، ففي رواية للبخاري: أن النبي ﷺ كان في سفره، فقرأ في العشاء في إحدى الركعتين بـ ﴿التين والزيتون﴾ . والسفر يطلب فيه التخفيف، وقصة معاذ كانت في الحضر، فلذلك أمر فيها بقراءة أوساط المفصل، وهذا يدل على أن القراءة في صلاة السفر ليست كالقراءة في صلاة الحضر. والمفصل: من (الحجرات) إلى آخر القرآن على القول الراجح، وطواله: من سورة (الحجرات) إلى (البروج) . وأوساطه: من (البروج) إلى سورة (لم يكن) . وقصاره: من سورة (لم يكن) إلى آخر القرآن. وسمى مفصلاً لكثرة الفصل بين سورة بالبسملة. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه.
٨٤١- قوله: (كان يقرأ في الفجر بـ ﴿ق والقرآن المجيد﴾ ونحوها) بالجر، وهو ظاهر، وقيل بالنصب عطفاً على محل الجار والمجرور، وقوله: "كان يقرأ" الخ. ينبغي أن يحمل على الغالب من حاله ﷺ ، أو تحمل: "كان" على أنها لمجرد وقوع الفصل لا للاستمرار والدوام؛ لأنه قد ثبت أنه قرأ في الفجر ﴿إذا الشمس كورت﴾ وثبت أنه ﷺ صلى بمكة الصبح فاستفتح سورة (المؤمنين) كما سيأتي. وأنه قرأ بـ ﴿الطور﴾ . ذكره البخاري تعليقاً من حديث أم سلمة، وأنه كان يقرأ في ركعتي الفجر أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة. أخرجه الشيخان من حديث أبي برزة، وأنه قرأ (الروم)
стр. 1061
وكانت صلاته بعد تخفيفاً)) رواه مسلم.
٨٤٢- (١٥) وعن عمرو بن حريث ((أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في الفجر ﴿والليل إذا عسعس﴾ رواه مسلم
٨٤٣- (١٦) وعن عبد الله بن السائب، قال: ((صلى لنا رسول الله ﷺ الصبح
ــ
أخرجه النسائي. وأنه قرأ (المعوذتين) أخرجه النسائي أيضاً، وأنه قرأ ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبيناً﴾ [٤٨: ١] ، أخرجه عبد الرزاق عن أبي بردة، وأنه قرأ (الواقعة) أخرجه عبد الرزاق أيضاً، وأنه قرأ بـ (يونس وهود) أخرجه ابن شيبة في مسنده، وأنه قرأ ﴿إذا زلزلت﴾ أخرجه أبوداود، وأنه قرأ (الم تنزيل السجدة) و ﴿هل أتى على الإنسان﴾ كما سيأتي. والجمع بين هذه الروايات أنه وقع ذلك منه ﷺ باختلاف الحالات والأوقات والأشغال عدماً ووجودا. ً (وكانت صلاته بعد) أي بعد صلاة الفجر. (تخفيفاً) يعني أن قراءته في بقية الصلوات الخمس كانت أخف من قراءته في صلاة الفجر. وقيل: أي بعد ذلك الزمان، فإنه- ﵇ -كان يطول أو الهجرة لقلة أصحابه، ثم لما كثر الناس وشق عليهم التطويل لكونهم أهل أعمال من تجارة وزراعة خفف رفقاً بهم، قاله القاري. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد.
٨٤٢- قوله: (وعن عمرو بن حريث) مصغراً، ابن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمر مخزوم القرشي أبوسعيد المخزومي الكوفي، صحابي صغير. له ثمانية عشر حديثاً، انفرد له مسلم بحديثين. قال ابن عبد البر: رأى النبي ﷺ ، وسمع منه، ومسح برأسه، ودعا له بالبركة. قيل قبض النبي ﷺ وهو ابن ثنتي عشرة سنة. نزل الكوفة وابتنى بها داراً، وسكنها، وولده بها. وكان قد ولى إمارة الكوفة لزياد، ولابنه عبيد الله بن زياد، مات بها سنة (٨٥) . روى عنه ابنه جعفر وغيره. (يقرأ في الفجر: ﴿والليل إذا عسعس﴾ ) أي يقرأ بالسورة التي فيها ﴿والليل إذا عسعس﴾ [٨١: ١٧] لا أنه اقتصر على هذه الآية واكتفى بها. ذكر في شرح السنة أن الشافعي قال: يعني به ﴿إذا الشمس كورت﴾ بناء على أن قراءة السورة بتمامها وإن قصرت أفضل من بعضها وإن طال، قاله الطيبي. فالمعنى: قرأ سورة هذه الآية فيها، والغالب من قراءته- ﵇ -السورة التامة، بل قال بعضهم: لم ينقل عنه- ﵇ قراءته السورة في الفرائض إلا كاملة، ولم ينقل عنه التفريق إلا في المغرب، قرأ فيها (الأعراف) في ركعتين. وسيأتي مزيد الكلام في شرح حديث عبد الله بن السائب. ومعنى: "عسعس" أدبر. وقيل: أقبل ظلامه. وقيل: هو من الأضداد. ويقال: إذا أقبل وإذا أدبر. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أبوداود والنسائي وابن ماجه.
٨٤٣- قوله: (وعن عبد الله بن السائب) بن أبي السائب صيفي بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المكي، له ولأبيه صحبة، وكان أبوه شريك النبي ﷺ ، وكان ابنه عبد الله قارئ أهل مكة، أخذ عنه أهل مكة القراءة، قرأ عليه
стр. 1062
بمكة. فاستفتح سورة المؤمنين، حتى جاء ذكر موسى وهارون – أو ذكر عيسى – أخذت
النبي ﷺ سعلة فركع)) .
ــ
مجاهد وغيره. مات بمكة سنة بضع وستين قبل قتل عبد الله بن الزبير، وهو عبد الله بن السائب قائد ابن عباس، أفرده صاحب الكمال بالذكر وهو هو، وله سبعة أحاديث، انفرد له مسلم بحديث، روى عنه عطاء وغيره. (بمكة) أي في فتحها كما في رواية النسائي. (فاستفتح سورة المؤمنين) أراد به ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ . (حتى جاء ذكر موسى) بالرفع، قال القاري: وفي نسخة بالنصب، أي حتى وصله النبي ﷺ . (وهارون) أي قوله تعالى: ﴿ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون﴾ [٢٣: ٤٥] . (أو عيسى) أي ﴿وجعلنا ابن مريم وأمه آية﴾ [٢٣: ٥٠] . و: "أو" للشك من محمد بن عباد بن جعفر الراوي. (سعلة) بفتح السين، ويجوز الضم، أي سعال، وهي حركة تدفع بها الطبيعة أذى عن الرئة والأعضاء التي تتصل بها. قال الطيبي: السعلة فعلة من السعال، وإنما أخذته من البكاء يعني عند تدبر تلك القصص بكى حتى غلب عليه السعال ولم يتمكن من إتمام السورة. وفي رواية ابن ماجه: فلما أتى على ذكر عيسى أصابته شرقة. قال السندي: أي شرق بدمعه يعني للقراءة. وقيل: شرق بريقه. وفي القاموس: شرق بريقه كفرح غص-انتهى. واستدل بالحديث على أن السعال لا يبطل الصلاة، وهو واضح فيما إذا غلبه، ويؤخذ منه أن قطع القراءة لعارض السعال ونحوه أولى من التمادي في القراءة مع السعال أو التنحنح، ولو استلزم تخفيف القراءة فيما استحب فيه تطويلها. واستدل به على جواز قراءة بعض السورة في الفريضة. وفيه: أن الاقتصار على بعض السورة ههنا للضرورة، فالاستدلال به على الاقتصار بلا ضرورة لا يتم، فالأولى الاستدلال بقراءته ﷺ بسورة الأعراف في المغرب حيث فرقها في ركعتين، فإنه لم يذكر ضرورة، ففيه القراءة بالأول وبالأخير، وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أبي بكر الصديق: أنه أم الصحابة في صلاة الصبح بسورة البقرة فقرأها في الركعتين. وهذا إجماع منهم. وروى محمد بن عبد السلام الخشني من طريق الحسن البصري قال: غزونا خراسان ومعنا ثلاث مائة من الصحابة، فكان الرجل منهم يصلي بنا فيقرأ آيات من السورة ثم يركع. أخرجه ابن حزم محتجاً به. وروى الدارقطني بإسناد قوي عن ابن عباس: أنه قرأ الفاتحة وآية من البقرة في كل ركعة، كذا في الفتح. قال شمس الدين أبوالفرج ابن قدامة في الشرح الكبير على متن المقنع (ج١: ص٦١٨) : المشهور عن أحمد أنه لا يكره قراءة أواخر السورة وأوساطها في الصلاة، نقلها عنه جماعة لقول الله تعالى ﴿فاقرؤوا ما تيسر منه﴾ [٧٣: ٢٠] ؛ ولأن أبا سعيد قال: أمرنا أن نقرأ فاتحة الكتاب وما تيسر. رواه أبوداود، وروى الخلال بإسناده: أن ابن مسعود كان يقرأ في الآخر من صلاة الصبح آخر (آل عمران) وآخر (الفرقان) وقال أبوبرزة: كان رسول الله ﷺ يقرأ بالستين إلى المائة. ففيه دليل على أنه لم يكن يقتصر على قراءة سورة. ولأن آخرها أحد طرفي السورة فلم يكره كأولها. وعن أحمد: أنه يكره في الفرض. نقلها عنه المروذي وقال: سورة أعجب إلى، وقال المروذي: وكان
стр. 1063
رواه مسلم.
٨٤٤- (١٧) وعن أبي هريرة، قال: ((كان النبي ﷺ يقرأ في الفجر يوم الجمعة بـ ﴿الم تنزيل﴾ في
الركعة الأولى، وفي الثانية ﴿هل أتى على الإنسان﴾ .
ــ
لأبي عبد الله قرابة يصلي به فكان يقرأ في الثانية من الفجر بآخر السورة، فلما أكثر قال أبوعبد الله: تقدم أنت فصل، فقلت: هذا يصلي بكم منذ كم؟ قال: دعنا منه يجيء بآخر السور، وكرهه. قال شيخنا: ولعل أحمد إنما أحب إتباع النبي ﷺ فيما نقل عنه، وكره المداومة على خلاف ذلك، فإن المنقول عن النبي ﷺ قراءة السورة، أو بعض السورة من أولها، ونقل عنه رواية ثالثة أنه يكره قراءة أوسط السورة دون آخرها لما روينا في آخر السور عن عبد الله بن مسعود، ولم ينقل مثل ذلك في وسطها. قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: الرجل يقرأ آخر السورة في الركعة، فقال: أليس قد روي في هذا رخصة عن عبد الرحمن بن يزيد وغيره؟ قال: فأما قراءة أوائل السور فلا خلاف في أنه غير مكروه، فإن النبي ﷺ قرأ من سورة المؤمنين إلى ذكر موسى وهارون، ثم أخذته سعلة فركع، وقرأ سورة الأعراف في المغرب فرقها مرتين. رواه النسائي- انتهى. قلت: لا شك أنه يجوز القراءة في لفريضة من أوائل السورة وأواخرها وأوساطها؛ لأن الكل كتاب الله، لكن الأولى والأفضل قراءة السورة كاملة، فإنه الغالب من فعله ﷺ . (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً النسائي، وابن ماجه. وذكره البخاري في صحيحه معلقاً بقوله: ويذكر عن عبد الله بن السائب، للاختلاف في سنده مع كونه مما تقوم به الحجة.
٨٤٤- قوله: (كان النبي ﷺ يقرأ في الفجر) أي في صلاة الفجر. (يوم الجمعة) لعل السر في قراءة هاتين السورتين في صلاة فجر يوم الجمعة أنهما تضمنتا ما كان وما يكون في يومها، فإنهما اشتملتا على خلق آدم، وعلى ذكر المبدأ والمعاد، وحشر العباد، وأحوال يوم القيامة، وكل ذلك كان، وسيقع يوم القيامة، ففي قراءتها تذكير للعباد ليعتبروا بذكر ما كان ويستعدوا لما يكون. (بـ ﴿الم تنزيل﴾ ) بضم اللام على الحكاية، وزاد في رواية: "السجدة" بالنصب عطف بيان. ﴿هل أتى على الإنسان﴾ أي بكمالها ويسجد فيها كما في المعجم الصغير للطبراني من حديث علي: أنه ﷺ سجد في صلاة الصبح في: "تنزيل السجدة". لكن في إسناده ضعف. قال الحافظ: في الحديث دليل على استحباب قراءة هاتين السورتين في هذه الصلاة من هذا اليوم لما تشعر الصيغة به من مواظبته ﷺ على ذلك، أو إكثاره منه، بل ورد من حديث ابن مسعود التصريح بمداومته ﷺ على ذلك. أخرجه الطبراني، ولفظه: يديم ذلك. وأصله في ابن ماجه بدون هذه الزيادة، ورجاله ثقات، لكن صوب أبوحاتم إرساله- انتهى. قال ابن حجر: تصويب أبي حاتم إرساله لا ينافي الاحتجاج به، فإن المرسل يعمل به في مثل ذلك إجماعاً، على أن له شاهداً أخرجه الطبراني أيضاً في الكبير عن ابن عباس بلفظ:
стр. 1064
متفق عليه.
٨٤٥- (١٨) وعن عبيد الله بن أبي رافع، قال: ((استخلف مروان أباهريرة على المدينة، وخرج إلى مكة، فصلى لنا أبوهريرة الجمعة، فقرأ سورة الجمعة في السجدة الأولى، وفي الآخرة ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بهما يوم الجمعة)) رواه مسلم.
٨٤٦- (١٩) وعن النعمان بن بشير، قال: ((كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين، وفي الجمعة: بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ و ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ .
ــ
كل جمعة- انتهى. وبالجملة فالزيادة المذكورة نص في ذلك، فدل على السنية. وبه أخذ الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقال به أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، كما نقله ابن المنذر وغيره. وقال صاحب المحيط من الحنفية: يستحب قراءة هاتين السورتين في صبح يوم الجمعة بشرط أن يقرأ غير ذلك أحياناً لئلا يظن الجاهل أنه لا يجزئ غيره. وقريب منه قول الطحاوي فإنه خص الكراهة بمن يراه حتماً لا يجزئ غيره، أو يرى القراءة بغيره مكروهة. وأما صاحب الهداية منهم فذكر أن علة الكراهة هجران الباقي وإيهام التفضيل. قلت: كل ما ذكره الحنفية والمالكية في تعليل الكراهة مردود لكونه في مقابلة النص، والحق أن قراءة هاتين السورتين في صبح يوم الجمعة والمداومة عليهما مع اعتقاد جواز غيرهما سنة، ولله در السندي فقد باح بالحق حيث قال: على كل تقدير المداومة عليهما خير من المداومة على تركهما. (متفق عليه) واللفظ لمسلم، وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي، وابن ماجه، وفي الباب عن ابن عباس أخرجه أحمد، ومسلم، والترمذي، وأبوداود، والنسائي. وابن مسعود أخرجه ابن ماجه، والطبراني. وسعد بن أبي وقاص أخرجه ابن ماجه. وعلي أخرجه الطبراني في الصغير والأوسط.
٨٤٥- قوله: (وعن عبيد الله بن أبي رافع) المدني مولى النبي ﷺ روى عن أبيه وأمه سلمى، وعن علي، وكان كاتبه، وأبي هريرة. وهو ثقة، من الطبقة الوسطى من التابعين. (استخلف مروان أباهريرة على المدينة) أي جعله خليفته ونائبه عليها. (وخرج) أي مروان. (الجمعة) أي صلاتها. (في السجدة الأولى) أي الركعة الأولى. (إذا جاءك المنافقون) أي سورتها، أو إلى آخرها. (فقال) أي أبوهريرة. (يقرأ بهما) أي تينك السورتين. (يوم الجمعة) أي في صلاة الجمعة. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد، والترمذي، وأبوداود، وابن ماجه.
٨٤٦- قوله: (بـ ﴿سبح اسم ربك﴾ ) أي في الركعة الأولى. (و ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ ) أي في الركعة الثانية. وروى مالك، وأحمد، ومسلم، وغيرهم عن النعمان بن بشير: وسأله الضحاك ما كان رسول الله ﷺ يقرأ يوم الجمعة على
стр. 1065
قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد قرأ بهما في الصلاتين. رواه مسلم.
٨٤٧- (٢٠) وعن عبيد الله:
ــ
أثر سورة الجمعة؟ قال كان يقرأ: ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ فتحصل من أحاديث الباب أن السنة أن يقرأ الإمام في صلاة الجمعة في الركعة الأولى بالجمعة، وفي الثانية بالمنافقين، أو في الأولى بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ وفي الثانية بـ ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ . قال السندي: الاختلاف محمول على جواز الكل واستنانه، وأنه فعل تارة هذا وتارة ذاك، فلا تعارض في أحاديث الباب- انتهى. وإنما خص هذه السور بالجمعة لما في سورة الجمعة من الحث على حضورها، والسعي إليها، وفي سورة المنافقين من توبيخ أهل النفاق وحثهم على التوبة، فإن المنافقين يكثر اجتماعهم في صلاتها، وفي سورة الأعلى والغاشية من التذكير بأحوال الآخرة والوعد والوعيد ما يناسب قراءتها في تلك الصلاة الجامعة. (قال) أي النعمان. (قرأ بهما) أي بالسورتين. (في الصلاتين) قال النووي: فيه استحباب القراءة في العيدين والجمعة بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ و ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ . وفي الحديث الآخر- يعني حديث أبي واقد الآتي- القراءة في العيد بقاف واقتربت، وكلاهما صحيح، فكان ﷺ في وقت يقرأ في الجمعة (الجمعة) و (المنافقين) . وفي وقت (سبح) و (هل أتاك) . وفي وقت يقرأ في العيد (قاف) و (اقتربت) وفي وقت. (سبح) و (هل أتاك) - انتهى. وقال أبوحنيفة وأصحابه: يقرأ الإمام في الجمعة والعيدين بعد الفاتحة أي سورة شاء، ولو قرأ هذه السور في أغلب الأحوال تبركاً بالإقتداء برسول الله ﷺ فحسن، ولكن لا يواظب على قراءتها، بل يقرأ غيرها في بعض الأوقات كيلا يؤدي إلى هجر الباقي، ولا يظنه العامة حتماً، كذا في البدائع وغيره من كتب الحنفية. وهذا يدل على أن قراءة هذه السور في الجمعة والعيدين ليست بسنة عند الحنفية، خلافاً لما ذهب إليه الجمهور. وقول الجمهور هو الحق والصواب؛ لأنه تواترت الروايات بذلك عن النبي ﷺ كما قال ابن رشد وابن عبد البر ولم يصح عنه غير ذلك فلا شك في كونها سنة. وتعليل الحنفية بأن المواظبة على قراءتها تؤدي إلى هجران الباقي، وظن العامة واعتقادهم قراءتها فيها حتماً، باطل؛ لأنه لو صح هذا التعليل لزم أن لا يكون قراءة قصار المفصل في المغرب سنة؛ لإفضاء المواظبة عليها إلى هجران بقية القرآن، واعتقاد العامة قراءة القصار فيها حتماً. وأيضاً على فرض حصول هذه المفسدة الأخيرة على ما زعموا تدفع بالتنبيه والتعليم كما هي عادة الرسول ﷺ لا بالترك والهجران. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد، والترمذي، وأبوداود، والنسائي.
٨٤٧- قوله: (وعن عبيد الله) هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي المدني الإمام التابعي الأعمى، أحد فقهاء المدينة السبعة، ثقة، فقيه، ثبت، مأمون، شاعر مجيد، جامع للعلم. قال ابن عبد البر: كان أحد الفقهاء
стр. 1066
أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي: ((ما كان يقرأ به رسول الله ﷺ في الأضحى والفطر؟ فقال: يقرأ فيهما بـ ﴿ق والقرآن المجيد﴾ و ﴿اقتربت الساعة﴾ رواه مسلم.
ــ
العشرة ثم السبعة الذين يدور عليهم الفتوى، وكان عالماً فاضلاً مقدماً في الفقه، تقياً، شاعراً محسناً، لم يكن بعد الصحابة إلى يومنا فيما علمت فقيه أشهر منه، ولا شاعر أفقه منه. مات سنة (٩٤) وقيل: (٩٨) وقيل: (٩٩) . (أن عمر بن الخطاب) هذه الرواية منقطعة، فإن عبيد الله لم يدرك عمر ﵁، لكن الحديث صحيح متصل بلا شك، فإنه وقع في رواية أخرى لمسلم عن عبيد الله عن أبي واقد، قال: سألني عمر بن الخطاب. فإنه أدرك أباواقد بلا شك، وسمع منه بلا خلاف. (سأل أباواقد الليثى) صحابي قديم الإسلام، مختلف في اسمه؛ فقيل: الحارث بن مالك، وقيل: ابن عوف، وقيل: عوف بن الحارث. عداده في أهل المدينة، وجاور بمكة سنة، ومات بها سنة (٦٨) وهو ابن (٨٥) سنة. له سبعة وعشرون حديثاً، اتفقا على حديث، وانفرد مسلم بآخر. وسأله عمر ﵁ اختباراً له هل حفظ ذلك أم لا؟ أو لزيادة التوثيق، ويحتمل أنه نسي. وأما الاحتمال أنه ما علم بذلك أصلاً، فيأباه قرب عمر منه ﷺ . قال القاضي وغيرهم: يحتمل أن عمر شك في ذلك فاشتبه عليه، أو أراد إعلام الناس بذلك، أو نازعه غيره ممن سمعه يقرأ في ذلك بـ (سبح) و (هل أتاك) فأراد عمر الاستشهاد عليه بما سمعه أيضاً أبوواقد، أو نحو ذلك. قال العراقي: ويحتمل أن عمر كان غائباً في بعض الأعياد عن شهوده، وأن ذلك الذي شهده أبوواقد كان في عيد واحد أو أكثر. قال: ولا عجب أن يخفى على الصاحب الملازم بعض ما وقع من مصحوبة كما في قصة الاستئذان ثلاثاً، وقول عمر: خفي علي هذا من رسول الله ﷺ ، ألهاني الصفق بالأسواق- انتهى. (ما كان يقرأ به رسول الله ﷺ في الأضحى والفطر؟) أي شيء كان يقرأ في ركعتيهما. (فقال) أي أبوواقد. (يقرأ أي رسول الله ﷺ . (فيهما بـ ﴿ق والقرآن المجيد﴾ ) في الركعة الأولى. (و ﴿اقتربت الساعة﴾ ) في الركعة الثانية. فيه دليل للشافعي وموافقيه أنه تسن القراءة بهما في العيدين. والحكمة في قراءتهما لما اشتملتا عليه من الإخبار بالبعث، والإخبار عن القرون الماضية، وإهلاك المكذبين، وتشبيه بروز الناس للعيد ببروزهم لبعث، وخروجهم من الأجداث كأنهم جراد منتشر، وأما سورة (سبح) و (هل أتاك) فقيل: إن ذلك لما في سورة (سبح) من الحث على الصلاة، وزكاة الفطر على ما قال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز في تفسير قوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى﴾ فاختصت الفضيلة بها كاختصاص الجمعة بسورتها. وأما: "الغاشية" فللموالاة بين (سبح) وبينا كما بين (الجمعة) و (المنافقين) والله أعلم. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً مالك، والشافعي، وأحمد، والترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه.
стр. 1067
٨٤٨- (٢١) وعن أبي هريرة، قال: ((إن رسول الله ﷺ قرأ في ركعتي الفجر: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾ رواه مسلم.
٨٤٩- (٢٢) وعن ابن عباس، قال: ((كان رسول الله ﷺ يقرأ في ركعتي الفجر: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾ والتي في آل عمران ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء
ــ
٨٤٨- قوله: (قرأ في ركعتي الفجر) أي في سنة الفجر وهي المشهورة. بهذا الاسم ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾ أي كل سورة بعد الفاتحة إلا أنه تركها الراوي لظهورها، وهذا شائع كثير في الأحاديث المرفوعة القولية والفعلية ذكر فيها السور دون الفاتحة لظهورها وشهرتها، وهذا يدل على تأكد وجوب الفاتحة. وفي الحديث دليل على استحباب قراءة سورتي (الإخلاص) في ركعتي الفجر. ويدل عليه أيضاً ما رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، وابن عدي، والطحاوي عن ابن عمر، قال: رمقت النبي ﷺ شهراً فكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر بـ ﴿قل يأيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾ ورواه الطبراني في الكبير، وأبويعلى الموصلي بلفظ آخر. وللترمذي عن ابن مسعود، أنه قال: ما أحصى ما سمعت من رسول الله ﷺ يصلي في الركعتين- الحديث. وسيأتي. ولابن ماجه، والدارمي، وابن أبي شيبة عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتين قبل الفجر، وكان يقول: نعم السورتان هما يقرأ بهما في ركعتي الفجر ﴿قل هو الله أحد﴾ و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ . وأخرج البزار والطحاوي، عن أنس: أن النبي ﷺ كان يقرأ في ركعتي الفجر بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾ وأخرج ابن حبان في صحيحه، والطحاوي عن جابر في قراءة سورتي. (الإخلاص) حديثاً تقريرياً، ذكره الحافظ في الفتح. وهذه الأحاديث دليل صريح لمذهب الجمهور أنه يستحب أن يقرأ فيهما بعد الفاتحة سورة، ويستحب أن تكون هاتان السورتان أو الآيات المذكورة في حديث ابن عباس، وحديث أبي هريرة الآتيين كلها سنة، فالمصلي مخير إن شاء قرأ مع فاتحة الكتاب في كل ركعة ما في هذه الأحاديث، وإن شاء قرأ ما في حديث ابن عباس وحديث أبي هريرة الآتيين. وقال مالك وجمهور أصحابه: لا يقرأ فيهما غير الفاتحة. وقال بعض السلف: لا يقرأ فيهما شيئاً، وكلاهما خلاف هذه الأحاديث التي لا معارض لها. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أبوداود، والنسائي، وابن ماجه.
٨٤٩- قوله: (قولوا آمنا بالله وما أنزل علينا) أي يقرأ في الأولى منهما الآية التي في البقرة وتمامها ﴿وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون﴾ [٢: ١٣٦] . (والتي في آل عمران) في الركعة الثانية ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء
стр. 1068
بيننا وبينكم﴾ . رواه مسلم.
﴿الفصل الثاني﴾
٨٥٠- (٢٣) عن ابن عباس، قال: ((كان رسول الله ﷺ يفتتح صلاته بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ . رواه الترمذي، وقال: هذا حديث ليس إسناده بذاك.
ــ
أي مستوية. (بيننا وبينكم) أي لا يختلف فيها القرآن، والتوراة، والإنجيل: وقيل: إنما خاطبهم بهذا باعتبار مزعومهم ودعواهم، فإن النصارى أيضاً يدعون التوحيد مع شركهم الجلي، وكذلك اليهود، وكذلك أكثر المشركين لا يؤمنون بالله إلا وهم مشركون، ولكن هؤلاء كلهم يدعون التوحيد بأفواههم وألسنتهم، فدعاهم في هذه الآية إلى التوحيد الصحيح الخالص بعد اشتراكهم فيه بحسب الصورة، وبقية الآية ﴿ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾ [٣: ٦٤] . وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود: أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في ركعتي الفجر: ﴿قل آمنا بالله وما أنزل علينا﴾ [٣: ٨٤] في الركعة الأولى، وفي الركعة الأخرى بهذه الآية: ﴿ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين﴾ [٣: ٥٣] ، أو ﴿إنا أرسلنك بالحق بشيراً ونذيراً ولا تسئل عن أصحاب الجحيم﴾ [٢: ١١٩] شك الدراوردي أي عبد العزيز بن محمد. والحديث دليل على جواز قراءة بعض السورة بل أوسطها لكن في النافلة. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أبوداود، والنسائي.
٨٥٠- قوله: (يفتتح صلاته بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ) ظاهره يدل على أن رسول الله ﷺ كان يجهر بالبسملة، ولذلك بوب الترمذي عليه: "باب من رأى الجهر بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ لكن الحديث ضعيف كما سيأتي. (رواه الترمذي) وأخرجه أيضاً الحاكم، والدارقطني وابن عدي. (ليس إسناده بذاك) أي بذاك القوى. قال الطيبي: المشار إليه: "بذاك" ما في ذهن من يعتني بعلم الحديث، ويعتد بالإسناد القوي- انتهى. قلت: في سنده إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان عن أبي خالد، وإسماعيل بن حماد هذا وثقه ابن معين. وقال أبوحاتم: شيخ يكتب حديثه. وقال العقيلي: ضعيف، حديثه غير محفوظ، ويحكيه عن مجهول. وقال البزار: إسماعيل لم يكن بالقوي. وقال الأزدي: يتكلمون فيه. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الحافظ في التقريب: صدوق. وأبوخالد هو الوالبي، واسمه هرمز، وقيل: هرم، كوفي. قال ابن عدي: هو مجهول، والحديث غير محفوظ، وقال أبوزرعة: لا أعرف أباخالد، وقال العقيلي: مجهول، وقال الذهبي: أبوخالد عن ابن عباس لا يعرف. وقال أبوحاتم: صالح الحديث. وقال الحافظ في التقريب: مقبول من كبار التابعين، وفد على عمر. وقيل: حديثه عنه مرسل، فيكون من أوساط التابعين. وقال أبوداود: هو حديث ضعيف. وللحديث طريق أخرى عن ابن عباس، رواها الحاكم بلفظ: كان يجهر في الصلاة بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ .
стр. 1069
٨٥١- (٢٤) وعن وائل بن حجر، قال: ((سمعت رسول الله ﷺ قرأ ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فقال: آمين، مد بها صوته)) .
ــ
وصححها الحاكم هذه الطريق، وخطأه الحافظ في ذلك؛ لأن في إسنادها عبد الله بن عمرو بن حسان، وقد نسبه ابن المديني إلى الوضع للحديث. وقد رواه الدارقطني وإسحاق بن راهوية في مسنده، عن يحيى بن آدم، عن شريك. ولم يذكر ابن عباس في إسناده بل أرسله، وهو الصواب من هذا الوجه، قاله الحافظ في التلخيص (ص٨٨) ، وقال أبوعمر: الصحيح في هذا الحديث أنه روى عن ابن عباس من فعله، لا مرفوعاً إلى النبي ﷺ .
٨٥١- قوله: (وعن وائل بن حجر) بتقديم الحاء المهملة المضمومة على الجيم الساكنة، صحابي جليل، كان من ملوك اليمن من بقية أولاد الملوك بحضر موت، قدم على النبي ﷺ فأنزله، وأصعده معه على المنبر، وأقطعه القطائع، وكتب له عهداً، وقال: هذا وائل بن حجر سيد الأقيال، جاءكم حباً لله ولرسوله. ثم سكن الكوفة، ومات في خلافة معاوية، وتقدم ترجمته بأبسط من هذا. (فقال: آمين) فيه دليل على أن الإمام يقول آمين، خلافاً لما رواه ابن القاسم عن مالك: أن الإمام لا يقول آمين، وإنما يقول ذلك من خلفه، وهو قول المصريين من أصحاب مالك، وقال جمهور أهل العلم: يقولها الإمام كما يقولها المنفرد والمأموم، وهو قول مالك في رواية المدنيين، وقول الجمهور هو الحق. (مد بها صوته) أي رفع بكلمة آمين صوته وجهر، ورواه أبوداود بإسناد صحيح بلفظ: فجهر بآمين. ورواه أيضاً بإسناد صحيح بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ ﴿ولا الضالين﴾ [٧:١] . قال: آمين، ورفع بها صوته. فظهر أن المراد من قوله: "ومد بها صوته" جهر بها ورفع صوته بها، فإن الروايات يفسر بعضها بعضاً، ولهذا قال الترمذي عقب رواية الحديث بلفظ: "مد بها صوته"، وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين، ومن بعدهم، يرون أن يرفع الرجل صوته بالتأمين ولا يخفيها. وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في اللمعات: قوله: "مد بها صوته" أي بكلمة آمين، يحتمل الجهر بها، ويحتمل مد الألف على اللغة الفصيحة. والظاهر هو الأول بقرينة الروايات الأخر، ففي بعضها: يرفع بها صوته. هذا صريح في معنى الجهر- انتهى. قلت: حمل هذا اللفظ على رفع الصوت والجهر متعين للروايات الأخر لهذا الحديث، ولأن لفظ المد مع الصوت لا يطلق إلا على رفع الصوت والجهر كما لا يخفى على من تتبع مظان استعمال هذا اللفظ وموارده. فالحديث حجة قوية لمن قال باستنان الجهر بالتأمين ورفع الصوت به. وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق، وهو القول الأرجح القوي المعول عليه، لأنه لم يثبت في الإسرار بالتأمين وترك الجهر به شيء، لا عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من الصحابة كما ستعرف. وقد ورد في الجهر به أحاديث كثيرة أكثرها صحيحة، فمنها: حديث وائل هذا. ومنها: حديث أبي هريرة السابق: "إذا أمن الإمام فأمنوا" وقد تقدم تقريره.
стр. 1070
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين: قال الربيع: سئل الشافعي عن الإمام هل يرفع صوته بآمين؟ قال: نعم، ويرفع بها من خلفه أصواتهم. فقلت: ما الحجة؟ قال: أنا مالك، وذكر حديث أبي هريرة المتفق على صحته، ثم قال: ففي قول رسول الله ﷺ : "إذا أمن الإمام فأمنوا" دلالة على أنه أمر الإمام أن يجهر بآمين، لأن من خلفه لا يعرفون وقت تأمينه إلا أن يسمع تأمينه، ثم بيّنه ابن شهاب فقال: وكان رسول الله ﷺ يقول: "آمين"، فقلت للشافعي: فإنا نكره للإمام أن يرفع صوته بآمين، فقال: هذا خلاف ما روى صاحبنا وصاحبكم عن رسول الله ﷺ ، ولو لم يكن عندنا وعندهم علم إلا هذا الحديث الذي ذكرناه عن مالك فينبغي أن يستدل على أن النبي ﷺ كان يجهر بآمين، وأنه أمر الإمام أن يجهر بها، فكيف ولم يزل أهل العلم عليه، وروى وائل بن حجر أن النبي ﷺ كان يقول: آمين، يرفع بها صوته، ويحكي مده إياها- انتهى. ومنها: حديث آخر لأبي هريرة أخرجه الدارقطني (ص١٢٧) والحاكم (ج١:ص٢٢٣) عنه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته وقال آمين. قال الحافظ في التلخيص بعد ذكر هذا الحديث: قال الدارقطني: إسناده حسن. والحاكم: صحيح على شرطهما. والبيهقي: حسن صحيح- انتهى. وقال ابن القيم في إعلام الموقعين: رواه الحاكم بإسناد صحيح- انتهى. قلت: في سنده إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي، قال أبوحاتم: شيخ لا بأس به، ولكنهم يحسدونه، سمعت ابن معين أثنى عليه خيراً، وقال النسائي ليس بثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وأخرجه أبوداود وابن ماجه من طريق بشر بن رافع، عن أبي عبد الله بن عم أبي هريرة، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا تلا: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ قال: آمين، حتى يسمع من يليه من الصف الأول. ولفظ ابن ماجه: إذا قال: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ قال: آمين، حتى يسمعها أهل الصف الأول فيرتج بها المسجد. وبشر بن رافع وثقه ابن معين، وابن عدي كما في الخلاصة للخزرجى، وضعفه غير واحد، وأبوعبد الله بن عم أبي هريرة مقبول كما في التقريب. قال النيموي في رسالته الحبل المتين (ص١٧) : حديث أبي داود هذا حسن لغيره، وأخرجه الحميدى من طريق سفيان، عن سعيد المقبري، وقد صرح النيموي في تلك الرسالة (ص١٦) بصحة هذا الطريق حيث قال بعد ذكره: هذا حديث مرفوع، صحيح الإسناد- انتهى. ولأبي هريرة حديث ثالث في الجهر بالتأمين أخرجه النسائي وغيره عن نعيم المجمر، قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن حتى إذا بلغ ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فقال: آمين، فقال الناس آمين- الحديث. وفي آخره: وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ . وإسناده صحيح، ويثبت من هذا الحديث الصحيح أنه ﷺ كان يجهر بالتأمين، ويثبت منه أيضاً أن الصحابة والتابعين كانوا يجهرون بالتأمين خلف أبي هريرة. ومنها: حديث أم الحصين أخرجه إسحاق بن راهوية في مسنده: أنها صلت خلف رسول الله ﷺ فلما قال:
стр. 1071
﴿ولا الضالين﴾ قال: آمين، فسمعته وهي في صف النساء، ذكره الحافظ في الدراية، والزيلعي في نصب الراية (ج١:ص٣٧١) وسكتا عنه. وذكره العيني في شرح البخاري عن كتاب المعرفة للبيهقي. وسكت هو أيضاً عليه، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢:ص١١٤) وقال بعد ذكره: رواه الطبراني في الكبير. وفيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف- انتهى. قلت: إسماعيل بن مسلم المكي اثنان: أحدهما إسماعيل بن مسلم المكي أبوإسحاق، كان من البصرة، ثم سكن مكة، وهو ضعيف الحديث. والثاني إسماعيل بن مسلم المخزومي مولاهم المكي، وهو صدوق. والظاهر أن في سند حديث ابن راهوية والطبراني إسماعيل بن مسلم المخزومي، يدل على ذلك سكوت الزيلعي، والحافظ، والعيني عن الكلام على هذا الحديث. ومنها: حديث علي أخرجه الحاكم بلفظ: قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: آمين، إذا قرأ ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ . وأخرج أيضاً عنه أن النبي ﷺ كان إذا قرأ ﴿ولا الضالين﴾ رفع صوته بآمين. وأخرج ابن ماجه من حديث علي، قال: سمعت رسول الله ﷺ إذا قال: ﴿ولا الضالين﴾ قال: آمين. قال السندي: والسماع يدل على الجهر. وفي سنده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلي ضعفه الجمهور. وقال أبوحاتم: محله الصدق، وباقي رجاله ثقات. وقال أبوحاتم: هو خطأ من ابن أبي ليلي. واعلم أنه قد ثبت إجماع الصحابة على الجهر بالتأمين على طريق الحنفية فقد أخرج عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: قلت له: أكان ابن الزبير يؤمن على أثر أم القرآن؟ قال: نعم ويؤمن من وراءه حتى أن للمسجد للجة. وروى البيهقي من وجه آخر عن عطاء، قال أدركت مائتين من أصحاب رسول الله ﷺ في هذا المسجد إذا قال الإمام: ﴿ولا الضالين﴾ سمعت لهم رجة بآمين- انتهى. فلما ثبت أن ابن الزبير كان يؤمن بالجهر، وكذلك يؤمن بالجهر كل من يصلي وراءه من الصحابة حتى يكون للمسجد للجة، ولم ينكر عليهم أحد، ثبت إجماع الصحابة على الجهر بالتأمين على طريق الحنفية، فإنهم قالوا: إن ابن الزبير أفتى في زنجي وقع في بئر زمزم بنزح ماءها، وذلك بمحضر من الصحابة، ولم ينكر عليه أحد فكان إجماعاً، فكذلك يقال: إن ابن الزبير أمن بالجهر في المسجد بمحضر من الصحابة، ولم ينكر عليه أحد، بل وافقوه، فكانوا يجهرون معه بآمين حتى يكون للمسجد للجة، فكان إجماعاً منهم على الجهر بالتأمين. قلت: ويدل على إجماع الصحابة على ذلك حديث نعيم المجمر المتقدم أيضاً، فإنه يدل على جهر الصحابة والتابعين بآمين خلف أبي هريرة، ولم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ما ثبت عن هؤلاء الصحابة، وكذا لم يثبت عن أحد منهم الإنكار على من جهر به. واعلم أيضاً أن الحنفية استدلوا على ما ذهبوا إليه من الإسرار بالتأمين بحديث وائل بن حجر: أنه ﷺ صلى فلما بلغ ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ قال: آمين، وأخفى بها صوته. أخرجه أحمد، وأبوداود الطيالسي، وأبويعلي في مسانيدهم، والطبراني في معجمة والدارقطني في سننه، والحاكم في المستدرك، كلهم من طريق شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس، عن علقمة بن وائل،
стр. 1072
عن أبيه. وأخرجه الحاكم في أوائل التفسير (ج٢: ص٢٣٢) ولفظه: ويخفض بها صوته. والجواب: أن حديث وائل هذا لا يصلح للاستدلال، فإن الشعبة قد تفرد بهذا اللفظ، وهو مضطرب من جهة المتن ومن جهة الإسناد أيضاً، لأن شعبة لم يضبط إسناده ولا متنه، بل اضطرب فيهما، أما اضطرابه في الإسناد فظاهر لمن تأمل في طرقه، وأما اضطرابه في المتن فقال مرة: رافعاً صوته، كما في رواية البيهقي في سننه، وقال مرة: أخفى بها صوته، وقال مرة خفض بها صوته، كما تقدم. وهذه الألفاظ متباينة المفاهيم، متخالفة المعاني. ولو سلم أن حديث شعبة سالم عن الاضطراب في الإسناد والمتن فلفظ "أخفى بها صوته" أو "خفض بها صوته" فيه شاذ، فإنه قد تفرد بهذا اللفظ شعبة، عن سلمة بن كهيل، ولم يتابعه عليه أحد لا ثقة ولا ضعيف، ومع ذلك قد خالف فيه ثلاثة ثقات وضعيفاً من أصحاب سلمة بن كهيل، أما الثقات فالأول منهم سفيان الثوري، وهو أحفظ من شعبة، فإنه رواه عن سلمة بن كهيل بلفظ: "رفع بها صوته"، وقد تقدم التنبيه عليه. والثاني علي بن صالح، فإنه رواه عن سلمة بن كهيل بلفظ: فجهر بآمين، وروايته في سنن أبي داود، وعلي ابن صالح هذا ثقة. والثالث العلاء بن الصالح، قال الترمذي في جامعه: روى العلاء بن صالح الأسدي عن سلمة بن كهيل نحو رواية سفيان، والعلاء بن صالح ثقة. قال الخزرجي في الخلاصة: وثقه ابن معين. وأما الضعيف فمحمد بن سلمة بن كهيل. قال الدارقطني بعد رواية حديث شعبة: هكذا قال شعبة: وأخفى بها صوته. ويقال: إنه وهم، لأن سفيان الثوري، ومحمد بن سلمة، وغيرهما رووه عن سلمة بن كهيل فقالوا: ورفع بها صوته- انتهى. وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي في "عمدة الرعاية" اتفق الحافظ – وإليهم المرجع في تنقيد الأسانيد – على أن في سنده (أى في سند حديث شعبة) خدشة وخطأ من شعبة- أحد رواته – والصحيح "فجهر بها" انتهى. وقال بحر العلوم اللكنوي: وأما الإسرار بالتأمين فهو مذهبنا، ولم يرو فيه إلا ما روى الحاكم، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، أنه صلى مع رسول الله ﷺ فإذا بلغ ﴿ولا الضالين﴾ قال: آمين، وأخفى بها صوته، وهو ضعيف. وقد بيّن في "فتح القدير" وجه ضعفه-انتهى. وقال البيهقي قد أجمع الحافظ: البخاري وغيره على أن شعبة أخطأ في هذا الحديث، فقد روى من أوجه "فجهر بها" انتهى. واستدلوا أيضاً بما تقدم من حديث سمرة بن جندب: أنه حفظ عن رسول الله ﷺ سكتتين: سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من قراءة (غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ قالوا: الأظهر أن السكتة الثانية كانت للتأمين سراً والجواب: أن السكتة الثانية لم تكن للتأمين سراً، لأنه ﷺ كان يجهر صوته بالتأمين، ولم يثبت عنه ﷺ الإسرار بالتأمين أصلاً، فكيف يقال: إنها كانت للتأمين سراً؟ بل السكتة الثانية كانت لأن يتراد إليه نفسه، كما صرح به قتادة في بعض رواياته. واستدلوا أيضاً بقوله ﵇: لا تبادروا الإمام، إذا كبر فكبروا، وإذا قال: ﴿ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين. أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة. قالوا: يستفاد منه أن الإمام لا يجهر بآمين،
стр. 1073
لأن تأمين الإمام لو كان مشروعاً بالجهر لما علق النبي ﷺ تأمينهم بقوله: ﴿ولا الضالين﴾ قالوا: ويؤيد ما قلنا من أنه يستفاد منه أن الإمام لا يجهر بآمين ما رواه أحمد، والدارمي، والنسائي من حديث أبي هريرة مرفوعاً: إذا قال الإمام: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول: آمين، وإن الإمام يقول: آمين- الحديث: فإن قوله: "وإن الإمام يقول، آمين" يدل على أن الإمام يقولها سراً، وإلا لا يبقى لهذا القول فائدة. والجواب: أنه علق النبي ﷺ تأمينهم بتأمين الإمام كما تقدم من حديث أبي هريرة بلفظ: إذا أمن الإمام فأمنوا، وهو أصح الروايات وأشهرها في حديث أبي هريرة، فهو الأصل. والمعنى: إذا قال الإمام آمين، فقولوا: آمين، وهذا هو المراد بقوله: إذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين. فإن المراد به إذا قال: ولا الضالين، وقال: آمين، فقولوا: آمين مع تأمينه، لأن الروايات يفسر بعضها بعضاً. ومعية الإمام في التأمين على سبيل اليقين لا تكون إلا إذا جهر بالتأمين كما تقدم. وأما قوله: إن الإمام يقول آمين، فهو بيان للواقع لا لإعلامهم بأن الإمام يقول: آمين، حتى يدل على الإسرار، بل كانوا يسمعونها منه حين يجهر بها كما ورد في الروايات السابقة الصحيحة، ومقصوده ﷺ عنه ترغيبهم في موافقة الإمام في التأمين في الزمان، أي كما أن الإمام يقول: آمين، فقولوا أنتم أيضاً لتوافقوه فيها. واستدلوا أيضاً بأثر عمر، وعلي، روى الطحاوي وابن جرير عن أبي وائل، قال: كان عمر وعلي لا يجهران ببسم الله الرحمن الرحيم، ولا بالتعوذ، ولا بآمين. والجواب: أن هذا الأثر ضعيف جداً، فإن في سنده سعيد بن المرزبان البقال، وقد تركه الفلاس، وقال ابن معين: لا يكتب حديثه. وقال البخاري: منكر الحديث. ونقل ابن القطان أن البخاري قال: كل من قلت فيه: منكر الحديث، فلا تحل الرواية عنه. كذا في الميزان للذهبي. واستدلوا أيضاً بقول إبراهيم النخعي: خمس يخفيهن الإمام: سبحانك اللهم وبحمدك، والتعوذ، وبسم الله الرحمن الرحيم، وآمين، واللهم ربنا لك الحمد. رواه عبد الرزاق. والجواب: أن قول إبراهيم النخعي هذا مخالف للأحاديث الصحيحة فلا عبرة به. قال الشيخ عبد الحي اللكنوي في السعاية: أما أثر النخعي ونحوه فلا يوازي الروايات المرفوعة-انتهى. وأجاب الحنفية عن أحاديث الجهر بوجوه: منها: الكلام فيها سنداً ومعنى كما صنعه النيموي في "آثار السنن". وقد رد عليه شيخنا في "أبكار المنن" رداً حسناً وأجاب عن كل ما أورد النيموي على هذه الأحاديث بما لا مزيد عليه، فعليك أن ترجع إليه. ومنها: أن آمين دعاء، والأصل في الدعاء الإخفاء لقوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية﴾ [٧: ٥٥] ، فعند التعارض يرجح الإخفاء بذلك. وفيه: أنه لم يثبت عن النبي ﷺ الإسرار بالتأمين أصلاً كما تقدم، فدعوى التعارض باطلة. ثم لا نسلم أن "آمين" دعاء بل نقول: إنها كالطابع والخاتم للدعاء كما في حديث أبي زهير النميري عند أبي داود: أن "آمين" مثل الطابع على الصحيفة، ثم ذكر قوله ﷺ : إن ختم بآمين فقد أوجب. ولو سلم أن "آمين" دعاء فنقول: إنها ليست بدعاء مستقل بالأصالة بل
стр. 1074
رواه الترمذي وأبوداود والدارمي وابن ماجه.
ــ
هي من توابع الدعاء، ولذلك لا يدعى بآمين وحدها، بل يدعى بدعاء أولاً ثم تقال هي عقيبه، فالظاهر أن يكون الجهر بها والإخفاء بها تابعاً لأصل الدعاء، إن جهرا فجهراً، وإن سرا فسراً. ولو سلم أن "آمين" دعاء بالأصالة فنقول: إن الجهر بالتأمين مخصوص منه لأحاديث الجهر بالتأمين، كما خص منه قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ [١: ٧] فإنه دعاء، ويقرأ في الصلاة الجهرية، وكذلك كثير من الأدعية قد ثبت الجهر بها بالاتفاق، فهذا الاعتذار من الحنفية مما لا يلتفت إليه. ومنها: أن الجهر كان أحياناً للتعليم كما جهر عمر بن الخطاب بالثناء عند الافتتاح كذلك كان الجهر بالتأمين تعليماً. وفيه: أن القول بأن جهره ﷺ بالتأمين كان للتعليم باطل، فإنه ادعاء محض لا دليل عليه، ويدل على بطلانه أن الصحابة كانوا يجهرون خلف الإمام حتى كان للمسجد رجة، فلو كان جهره ﷺ بالتأمين للتعليم لم يجهروا بالتأمين خلف إمامهم، وأيضاً لو كان جهره به للتعليم كان أحياناً لا على الدوام. وقد روى أبوداود وغيره بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ ﴿ولا الضالين﴾ قال "آمين" ورفع بها صوته. فهذا يدل على أنه ﷺ كان يداوم على الجهر. ومنها: أن الجهر بآمين كان في ابتداء الأمر ثم ترك. وفيه: أن هذا أيضاً ادعاء محض فلا يلتفت إليه. ومما يدل على بطلانه أن الجهر روي من حديث وائل بن حجر وهو إنما أسلم في أواخر الأمر كما ذكره الحافظ في الفتح وغيره. قال الشيخ عبد الحي اللكنوي في السعاية: وجدنا بعد التأمل والإمعان أن القول بالجهر بآمين هو الأصح لكونه مطابقاً لما روي عن سيد بني عدنان، ورواية الخفض عنه ﷺ ضعيفة لا توازي روايات الجهر، ولو صحت وجب أن تحمل على عدم القرع العنيف. وأي ضرورة داعية إلى حمل روايات الجهر على بعض الأحيان، أو الجهر للتعليم مع عدم ورود شيء من ذلك في رواية. والقول بأنه كان في ابتداء الأمر أضعف، لأن الحاكم قد صححه من رواية وائل بن حجر، وهو إنما أسلم في أواخر الأمر كما ذكره ابن حجر في فتح الباري-انتهى. وقد ظهر بهذا كله أن القول برفع الصوت بالتأمين والجهر به هو الراجح القوي، وقد اعترف بذلك الشيخ عبد الحي حيث قال في التعليق الممجد: الإنصاف أن الجهر قوي من حيث الدليل-انتهى. (رواه الترمذي) وحسنه. (وأبوداود) وسكت عليه، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره. (والدارمي وابن ماجه) وأخرجه أيضاً الدارقطني وابن حبان كلهم من طريق سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر. قال الحافظ في التلخيص: سنده صحيح، وصححه الدارقطني-انتهى. وقد اعترف غير واحد من العلماء الحنفية بأن حديث وائل هذا صحيح كالشيخ عبد الحق الدهلوي في ترجمة المشكاة، والشيخ أبي الطيب السندي، والشيخ سراج أحمد السرهندي في شرحيهما للترمذي، وقد تقدم أن شعبة روى هذا الحديث فقال فيه: وأخفى بها صوته. وفي رواية: خفض بها صوته. وقد أسلفنا أنه اتفق الحفاظ على غلطه فيها، وأن الصواب المعروف: مد ورفع بها صوته. وارجع لتفصيل الكلام وبسطه إلى تحفة
стр. 1075
٨٥٢- (٢٥) وعن أبي زهير النميري، قال: ((خرجنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، فأتينا على رجل
قد ألح في المسألة، فقال النبي ﷺ : أوجب إن ختم. فقال رجل من القوم: بأي شيء يختم؟
قال: بآمين) رواه أبوداود.
ــ
الأحوذي (ج١: ص٢٠٩-٢١٢) وأبكار المنن (ص١٨٥-١٩٣) .
٨٥٢- قوله: (عن أبي زهير النميري) بالتصغير فيهما، قيل: هو أبوزهير الأنماري الذي يقال له أبوالأزهر، والراجح أنه غير، وهو صحابي سكن الشام. قال المنذري: قيل: اسمه فلان بن شرجيل. وقال أبوحاتم الرازي: إنه غير معروف بكنيته فكيف يعرف اسمه. وذكر له أبوعمر النمري هذا الحديث وقال: ليس إسناد حديثه بالقائم، يقال: اسمه فلان بن شرحبيل. (فأتينا) أي مررنا. (قد ألح في المسألة) أي بالغ في السؤال والدعاء من الله. (أوجب) أي الجنة لنفسه، أو الإجابة لدعاءه، يقال "أوجب الرجل" إذا فعل فعلاً قد وجبت له به الجنة أو النار، أو المغفرة لذنبه، أو الإجابة لدعاءه. وقد تقرر في موضعه أنه لا يجب على الله شيء فذلك إنما هو لمحض الفضل والوعد الذي لا يخلف كما أخبر تعالى به، كذا في المرقاة. (إن ختم) أي المسألة. (قال: بآمين) وتمام الحديث: فإنه إن ختم بآمين فقد أوجب. فانصرف الرجل الذي سأل النبي ﷺ فأتى الرجل فقال: اختم يا فلان بآمين وأبشر. وفي الحديث دلالة على أن من دعا يستحب له أن يقول بعده دعاءه "آمين". وفيه أن ختم الدعاء بآمين موجب لإجابة الدعاء، سواء كان المؤمن الداعي نفسه أو غيره. وقد أخرج الحاكم عن حبيب بن مسلمة الفهري: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يجتمع ملأ فيدعو بعضهم ويؤمن بعضهم إلا أجابهم الله تعالى. وأخرج ابن عدي عن أبي هريرة مرفوعاً: إذا دعا أحدكم فليؤمن على دعاء نفسه. ومناسبة الحديث للباب من حيث أن فاتحة الكتاب تشتمل على الدعاء، فمن قرأها إماماً أو مأموماً أو منفرداً داخل الصلاة أو خارجها يؤمن عقبها ويختمها بآمين. (رواه أبوداود) من طريق الفريابي، عن صبيح بن محرز، عن أبي مصبح المقرئي، قال: كنا نجلس إلى أبي زهير النميري - وكان من الصحابة - فيتحدث أحسن الحديث، فإذا دعا الرجل منا بدعاء قال: اختمه بآمين، فإن آمين مثل الطابع على الصحيفة. قال أبوزهير: أخبركم عن ذلك: خرجنا مع رسول الله ﷺ ، الخ. والحديث سكت عنه أبوداود، وأخرجه ابن مندة. وقال: هذا حديث غريب، تفرد به الفريابي عن صبيح، كذا في الإصابة (ج٤: ص٧٨) وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (ج٢: ص٦٥٢) : أبوزهير الأنماري- وقيل: النميري – حديثه عن النبي ﷺ في الدعاء، وفيه: إذا دعا أحدكم فليختم بآمين فإن آمين في الدعاء مثل الطابع على الصحيفة، وليس إسناد حديثه بالقائم-انتهى. وذكر المنذري كلام ابن عبد البر وسكت عليه، والظاهر أن هذا الحديث لا ينحط عن درجة الحسن، فإن محمد بن يوسف الفريابي ثقة فاضل، وصبيح بن محرز مقبول، ذكره ابن حبان في الثقات، وأبومصبح المقرئي أيضاً ثقة.
стр. 1076
٨٥٣- (٢٦) وعن عائشة، ﵂، قالت: ((إن رسول الله ﷺ صلى المغرب بسورة الأعراف فرقها في ركعتين) رواه النسائي.
٨٥٤- (٢٧) وعن عقبة بن عامر، قال: ((كنت أقود لرسول الله ﷺ ناقته في السفر، فقال لي: يا عقبة! ألا أعلمك خير سورتين قرئتا؟ فعلمني ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ قال: فلم يرني سررت بهما جداً، فلما نزل لصلاة الصبح صلى بهما صلاة الصبح للناس
ــ
٨٥٣- قوله: (صلى المغرب بسورة "الأعراف" فرقها) من التفريق. (في ركعتين) فيه دليل على جواز أن يقسم المصلي سورة بين ركعتين في الفريضة من غير كراهة. قال الزرقاني: وكره مالك أن يقسم المصلى سورة بين ركعتين في الفريضة، لأنه لم يبلغه أن النبي ﷺ فعله. ذكره ابن عبد البر. أو بلغه وحمله على بيان الجواز-انتهى. قلت: الظاهر هو ما قاله ابن عبد البر، وقد أخرج أحمد، والطبراني عن أبي أيوب أو عن زيد بن ثابت: أن النبي ﷺ قرأ في المغرب بالأعراف في الركعتين. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢: ص١١٨) : رجال أحمد رجال الصحيح، وأخرج الطبراني في الكبير عن أبي أيوب أن النبي ﷺ كان يقرأ في المغرب سورة (الأنفال) قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وفي هذه الأحاديث رد على مالك في كراهة قراءة السور الطوال في المغرب. (رواه النسائي) بسند حسن. قال الشوكاني: وقد أخرج نحوه ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي أيوب. وأخرج نحوه ابن خزيمة عن زيد بن ثابت. ويشهد لصحته ما أخرجه البخاري وأبوداود والترمذي من حديث زيد بن ثابت أن النبي ﷺ قرأ في المغرب بطولي الطوليين. زاد أبوداود: قلت ما طولي الطوليين؟ قال: الأعراف.
٨٥٤- قوله: (كنت أقود لرسول الله ﷺ ناقته) أي أجرها من قدامها لصعوبة تلك الطريق، أو صعوبة رأسها، أو شدة الظلام. (ألا أعلمك خير سورتين قرئتا) أي في باب التعوذ مع سهولة حفظهما. قال الطيبي: أي إذا تقصيت القرآن المجيد إلى آخره سورتين سورتين ما وجدت في باب الاستعاذة خيراً منهما – انتهى. (فلم يرني) أي النبي ﷺ . (سررت) على بناء المفعول، أي جعلت مسروراً. (بهما) أي بهاتين السورتين (جداً) أي سروراً كثيراً، لعله لكونهما قصيرتين، وأراد أن يعلمه النبي ﷺ سورة طويلة. وقيل: لأنه ما رأى النبي ﷺ قط أنه اعتنى بهما وصلى بهما في صلاة. وقال السندي: أي ما حصل لي السرور الكامل، كأن القلب كان مشغولاً بما كان في الوقت من الظلمة وغيرها، فما ظهر في القلب السرور على أكمل وجه بذلك كما هو حال الحزين-انتهى. ونصب "جداً" على المصدر. (صلى بهما صلاة الصبح للناس) أي أم الناس بهاتين السورتين في صلاة الفجر لكونه مسافراً، والسفر يطلب فيه التخفيف، وليبين بذلك
стр. 1077
فلما فرغ، التفت إلي، فقال: يا عقبة! كيف رأيت؟)) رواه أحمد وأبوداود والنسائي.
٨٥٥- (٢٨) وعن جابر بن سمرة قال: كان النبي يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ ، و ﴿قل هو الله أحد﴾ )) ، رواه في شرح السنة.
ــ
أنهما عظيمتان تقومان مقام سورتين عظيمتين كما هو المعتاد في صلاة الفجر. (كيف رأيت؟) أى علمت ووجدت عظمة هاتين السورتين المشتملتين على التعوذ من الشرور كلها حيث أقيمتا مقام الطويلتين، يعني لو لم تكونا عظيمتي القدر لما قرأتهما في الصلاة، ولم تسدا مسد الطول. قال التوربشتي: أشار ﷺ بقوله: "خير سورتين" إلى الخيرية في الحالة التي كان عقبة عليها، وذلك أنه كان في سفر، وقد أظلم عليه الليل، ورآه مفتقراً إلى تعلم ما يدفع به شر الليل، وشر ما أظلم عليه الليل، فعين السورتين لما فيهما من وجازة اللفظ، والاشتمال على المعنى الجامع مع سهولة حفظهما، ولم يفهم عقبة المعنى الذي أراده النبي ﷺ من التخصيص فظن أن الخيرية إنما تقع على مقدار طول السورة وقصرها، ولذلك قال: فلم يرني سررت بهما جداً، وإنما صلى النبي ﷺ بهما ليعرفه أن قراءتهما في الحال المتصف عليها أمثل من قراءة غيرهما. وتبين له أنهما يسدان مسد الطويلتين-انتهى. (رواه أحمد) (ج٤: ص١٤٩، ١٥٠، ١٥٣) . (وأبوداود، والنسائي) من حديث القاسم مولى معاوية عن عقبة، والسياق لأبي داود وقد سكت عنه هو، ورواه أيضاً الحاكم (ج١: ص٥٦٧) وصححه ووافقه الذهبي. وقال المنذري: القاسم هو أبوعبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن القرشي الأموي مولاهم الشامي. وثقه يحيى بن معين وعدة، وتكلم فيه غير واحد – انتهى. قلت: أصل الحديث أي في فضل هاتين السورتين قد روي عن عقبة بن عامر من طرق بعضها في صحيح مسلم، وزاد ابن حبان فيه من وجه آخر عن عقبة بن عامر: فإن استطعت أن لا تفوتك قراءتهما في صلاة فافعل، ورواية مسلم تقوي هذا الحديث وتشهد لصحته، ويؤيده أيضاً ما رواه أحمد من طريق أبي العلاء بن الشخير عن رجل من الصحابة: أن النبي ﷺ أقرأه المعوذتين، وقال له: إذا أنت صليت فاقرأ بهما. وإسناده صحيح، ولسعيد بن منصور من حديث معاذ بن جبل: أن النبي ﷺ صلى الصبح فقرأ فيهما بالمعوذتين.
٨٥٥- قوله: (يقرأ في صلاة المغرب) أي في فرضه. ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ في الركعة الأولى. ﴿وقل هو الله أحد﴾ في الركعة الثانية. (رواه) البغوي صاحب المصابيح. (في شرح السنة) أي بإسناده، وأخرجه أيضاً ابن حبان، وفي سنده سعيد بن سماك، وهو متروك. وقال الشيخ الألباني: رواه ابن حبان في الثقات (ج٢: ص١٠٤) والبيهقي (ج٢: ص٣٩١) من طريق سعيد بن سماك بن حرب عن أبيه، قال: لا أعلمه إلا عن جابر بن سمرة، فذكره، وقال ابن حبان: والمحفوظ عن سماك أن النبي ﷺ فذكره، يعني أن الصواب فيه مرسل، ليس فيه ذكر جابر، والذي ذكره إنما هو سعيد هذا، وهو وإن أورده ابن حبان في الثقات، فقد قال فيه ابن أبي حاتم. (٢/١/٣٢) عن أبيه: متروك الحديث، واعتمده الحافظ في الفتح،
стр. 1078
٨٥٦- (٢٩) ورواه ابن ماجه عن ابن عمر إلا أنه لم يذكر "ليلة الجمعة".
٨٥٧- (٣٠) وعن عبد الله بن مسعود، قال: ((ما أحصي ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين بعد المغرب، وفي الركعتين قبل صلاة الفجر بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾ رواه الترمذي.
٨٥٨- (٣١) ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة إلا أنه لم يذكر "بعد المغرب".
٨٥٩- (٣٢) وعن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة، قال: ((ما صليت وراء أحد أشبه صلاة
ــ
وقال: والمحفوظ أنه قرأ بهما في الركعتين بعد المغرب. قلت: أخرجه أبوداود وغيره من حديث ابن عمر بسند صحيح وحسنه الترمذي-انتهى.
٨٥٦- قوله: (ورواه ابن ماجه عن ابن عمر) قال الحافظ: إن ظاهر إسناده الصحة إلا أنه معلول. قال الدارقطني: أخطأ بعض رواته فيه، والمحفوظ أنه قرأ بهما في الركعتين بعد المغرب.
٨٥٧- قوله: (ما أحصي) من الإحصاء وما نافية، أي ما أطيق أن أعد. (ما سمعت) ما موصولة، وقيل مصدرية، أي سماعي. (رسول الله ﷺ يقرأ) أي لا أقدر أن أعد المرات التي كان يقرأ هما فيها، أو مدة سمعت فيها رسول الله ﷺ يقرأ، وهو كناية عن الكثرة. قال الطيبي: حال عن العائد إلى ما "وكان الأصل: ما سمعت قراءته" فأزيل المفعول به عن مقره، وجعل حالاً كما في قوله تعالى: ﴿ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي﴾ [٣: ١٩٣﴾ أي نداء المنادي-انتهى. (بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾ ) فيه استحباب قراءة هاتين السورتين في الركعتين بعد المغرب، وفي الركعتين قبل الفجر. (رواه الترمذي) وفي سنده عبد الملك بن الوليد بن معدان، وقد تفرد بروايته، وهو ضعيف ضعفه أبوحاتم. وقال البخاري: فيه نظر. وقال النسائي ليس بالقوي. وقال الحافظ في التقريب: ضعيف-، فحديث ابن مسعود هذا ضعيف.
٨٥٨- قوله: (ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة إلا أنه) أي ابن ماجه أو أباهريرة. (لم يذكر بعد المغرب) أي لم يذكر في الركعتين بعد المغرب. وفيه: أن حديث أبي هريرة في قراءة سورتي الإخلاص في ركعتي الفجر رواه مسلم، وأبوداود، والنسائي أيضاً كما تقدم، فعزوه إلى ابن ماجه فقط ليس بجيد. وأيضاً الظاهر من عبارة المصنف أن ابن ماجه لم يرو حديث ابن مسعود هذا، وفيه أيضاً نظر، لأن ابن ماجه قد روى هذا الحديث عن ابن مسعود في باب ما يقرأ في الركعتين بعد المغرب، وفيه أيضاً عبد الملك بن الوليد المذكور، لكنه ليس في روايته في الركعتين قبل صلاة الفجر.
٨٥٩- قوله: (عن سليمان بن يسار) مولى ميمونة أم المؤمنين كان فقيهاً، فاضلاً، ثقة، عابداً، ورعاً، حجة، وهو أحد الفقهاء المدينة السبعة من كبار التابعين. مات قبل المائة. وقيل: بعدها. وتقدم ترجمته في تطهير النجاسات.
стр. 1079
برسول الله ﷺ من فلان. قال سليمان: صليت خلفه فكان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطول المفصل)) رواه النسائي وروى ابن ماجه إلى "ويخفف العصر".
٨٦٠- (٣٣) وعن عبادة بن الصامت، قال: ((كنا خلف النبي ﷺ في صلاة الفجر، فقرأ، فثقلت عليه القراءة. فلما فرغ قال: لعلكم تقرءون خلف إمامكم.
ــ
(من فلان) زاد أحمد في روايته "لإمام كان بالمدينة" وفي شرح السنة للبغوي "إن فلانا" يريد به أميراً كان على المدينة، قيل اسمه عمرو بن سلمة، وليس هو عمر بن عبد العزيز كما قيل، لأن ولادة عمر بن عبد العزيز كانت بعد وفاة أبي هريرة، والحديث مصرح بأن أبا هريرة صلى خلف فلان. (قال سليمان صليت خلفه) أي خلف ذلك الفلان، وهذا لفظ أحمد، ولفظ النسائي من رواية: فصلينا وراء ذلك الإنسان. (ويخفف العصر) أي بالنسبة إلى الظهر. (في المغرب) أي في الأوليين منه، وكذا في العشاء. (بوسط المفصل) بفتح الواو والسين المهملة، والمفصل عبارة عن السبع الأخير من القرآن، أوله سورة (الحجرات) . سمى مفصلاً لأن سوره قصار، كل سورة كفصل من الكلام. (بطول المفصل) بضم الطاء المهملة وفتح الواو جمع الطولي، كالكبر في الكبرى. وقيل: بضم الطاء وسكون الواو، مصدر بمعنى الوصف. وفي بعض النسخ بطوال المفصل – بكسر الطاء جمع الطويلة – والحديث قد استدل به على استحباب قراءة قصار المفصل في المغرب لما عرفت من إشعار لفظ "كان" بالمداومة. قيل: في الاستدلال به على ذلك نظر، لأن قوله "أشبه صلاة" يحتمل أن يكون في معظم الصلاة لا في جميع أجزاءها، ويمكن أن يقال في جوابه: إن الخبر ظاهر في المشابهة في جميع الأجزاء فيحمل على عمومه حتى يثبت ما يخصصه. وقد تقدم الكلام في القراءة في صلاة المغرب مفصلاً، وأن القول الراجح هو أن القراءة فيها بطوال المفصل وقصاره سنة، والاقتصار على نوع من ذلك إن انضم إليه اعتقاد أنه السنة دون غيره مخالف لهديه ﷺ . (رواه النسائي) قال الحافظ في الفتح: وصححه ابن خزيمة وغيره، وقال في بلوغ المرام: إسناده صحيح-انتهى. والحديث أخرجه أيضاً أحمد.
٨٦٠- قوله: (فقرأ) أي النبي ﷺ . (فثقلت عليه القراءة) أي شق عليه التلفظ والجهر بالقراءة، ويحتمل أن يراد به أنها التبست عليه القراء بدليل ما في رواية لأبي داود من حديث عبادة بلفظ: فالتبست عليه القراءة. قال المظهر: عسرت القراءة على النبي ﷺ لكثرة أصوات المأمومين بالقراءة. والسنة أن يقرأ المأموم سراً بحيث يسمع كل واحد نفسه. (فلما فرغ) أي من الصلاة. (لعلكم تقرءون خلف إمامكم) قيل: هو سؤال فيه معنى الاستفهام للتقرير لا لطلب
стр. 1080
قلنا: نعم، يا رسول الله! قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها)) .
ــ
التصديق، ويؤيده رواية الترمذي بلفظ: إن أراكم تقرؤن وراء إمامكم. وإنما قال: خلف إمامكم، وحق الظاهر "خلفي" ليؤذن بأن تلك الفعلة غير مناسبة لمن يقتدي بالإمام. (قلنا: نعم) زاد أبوداود في روايته "هذا" قال الخطابي في المعالم (ج١: ص٢٠٥) "الهذ" سرد القراءة ومداركتها في سرعة واستعجال. وقيل: أراد بالهذ الجهر بالقراءة، وكانوا يلبسون عليه قراءته بالجهر، وقد روي ذلك في حديث عبادة من غير هذا الطريق-انتهى. (لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب) قال الخطابي: قوله "لا تفعلوا" يحتمل أن يكون المراد به الهذ من القراءة، وهو الجهر بها. ويحتمل أن يكون أراد بالنهي ما زاد من القراءة على فاتحة الكتاب-انتهى. قلت: على الاحتمال الأول يكون الحديث بظاهره دليلاً على الإذن بقراء الفاتحة جهراً لأنه استثنى من النهي عن الجهر خلفه، لكن أخرج البخاري في جزء القراءة، وابن حبان، والبيهقي في كتاب القراءة، وأبويعلى، والطبراني في الأوسط من حديث أنس أن النبي ﷺ صلى بأصحابه، فلما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه، فقال: أتقرؤن في صلاتكم والإمام يقرأ؟ فسكتوا، فقالها ثلاث مرات، فقال قائل- أو قائلون- إنا لنفعل. قال فلا تفعلوا، وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه. هذا لفظ البخاري. (فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها) قال الخطابي في المعالم (ج١: ص٢٠٥) : هذا الحديث نص بأن قراءة فاتحة الكتاب واجبة على من صلى خلف الإمام، سواء جهر الإمام بالقراءة أو خافت بها. وإسناده جيد لا طعن فيه. قلت: الأمر كما قال الخطابي، لا شك في أن هذا الحديث نص صريح في أن قراءة فاتحة الكتاب واجبة على المأموم في جميع الصلوات سرية كانت أو جهرية، لأن الاستثناء من النفي عند الجمهور إثبات، فيكون ظاهر الحديث مفيداً لإباحة القراءة بالفاتحة خلف الإمام، لا الوجوب، لكنه ههنا يحمل على إفادة الوجوب، لا الإباحة، والإذن، والرخصة فقط، ولقوله: ﷺ "فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها"، فقوله هذا دليل واضح وحجة صريحة لحمل الاستثناء السابق على إفادته الوجوب، قال الشيخ عبد الحي اللكنوي في السعاية: قد ثبت بحديث عبادة وهو حديث صحيح قوي السند: أمره ﷺ بقراءة الفاتحة للمقتدي-انتهى. وقال الطحاوي في شرح معاني الآثار: أما حديث عبادة فقد بين الأمر، وأخبر عن رسول الله ﷺ أنه أمر المأمومين بالقراءة خلفه بفاتحة الكتاب. قلت: وقد ورد الأمر بقراءة الفاتحة خلف الإمام صريحاً في حديث أنس، وقد تقدم لفظه. وفي حديث عبادة عند الطبراني في الكبير ولفظه: من صلى خلف الإمام فليقرأ بفاتحة الكتاب، كذا في كنز العمال (ج٤: ص٩٦) ووقع هذا الحديث في مجمع الزوائد (ج٢: ص١١١) . (طبعة مصر القاهرة) بلفظ: من قرأ خلف الإمام. بدل "من صلى" الخ. والظاهر أنه خطأ من النساخ، فقد ذكره السيوطي في الجامع الصغير بلفظ "من صلى" كما في الكنز. قال الهيثمي: رجاله موثقون. وقال العلقمي في شرحه: بجانبه علامة الحسن. وفي حديث أبي هريرة عند البيهقي في كتاب القراءة بعد ذكر
стр. 1081
رواه أبوداود، والترمذي. وللنسائي معناه، وفي رواية لأبي داود، قال: ((وأنا أقول: ما لي ينازعني القرآن؟ فلا تقرؤوا بشيء من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن)) .
ــ
مثل هذه القصة: اقرؤوا بفاتحة الكتاب. فهذه الروايات صريحة في الأمر بقراءة الفاتحة للمقتدي. وقد أجاب الحنفية عن حديث عبادة هذا بوجوه كلها مخدوشة مردودة، ذكر هذه الوجوه الشيخ اللكنوي في "إمام الكلام" وحاشيته "غيث الغمام" مع بيان ما فيها من الخدشات. وقد رد على هذه الوجوه شيخنا أيضاً رداً حسناً في "أبكار المنن" وفي "تحقيق الكلام" وللعلامة المحدث الفقيه الشيخ عبد الله الأمر تسري كتاب نفيس في هذه المسئلة سماه "الكتاب المستطاب في جواب فصل الخطاب" قد رد فيه على ما جمعه الشيخ محمد أنور من تقريراته المنتشرة في هذه المسألة، فعليك أن تراجعه أيضاً لتقف على تشغيبات الحنفية ومراوغاتهم الجدلة، ودسائسهم الخبيثة الواهية، وتمويهاتهم الباطلة المزخرفة. (رواه أبوداود) وسكت عنه. (والترمذي) وحسنه. ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره. وقال الحافظ في التلخيص بعد ذكر هذا الحديث: أخرجه أحمد والبخاري في جزء القراءة. وصححه أبوداود، والترمذي، والدارقطني، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي من طريق ابن إسحاق: حدثني مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة. وتابعه زيد بن واقد وغيره عن مكحول. وقال في الدراية: أخرجه أبوداود بإسناد رجاله ثقات. وقال في نتائج الأفكار لتخريج أحاديث الأذكار: هذا حديث حسن. وقال القاري: قال ميرك نقلاً عن ابن الملقن: حديث عبادة بن الصامت رواه أبوداود والترمذي، والدارقطني، وابن حبان، والبيهقي، والحاكم. وقال الترمذي: حسن. وقال الدارقطني: إسناده حسن رجاله ثقات. وقال الخطابي: إسناده جيد لا مطعن فيه. وقال الحاكم: إسناده مستقيم. وقال البيهقي صحيح- انتهى. (وفي رواية لأبي داود: قال) أي النبي ﷺ (وأنا أقول) أي في نفسي. (ما لي ينازعني) أي يعالجني ولا يتيسر (القرآن) بالرفع، أي لا يتأتى لي، فكأني أجاذبه فيعصى ويثقل علي، قاله الطيبي. وبالنصب، أي ينازعني من ورائي فيه بقراءتهم على التغالب، يعني تشوش قراءتهم على قراءتي. (فلا تقرؤوا بشيء من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن) أي سراً. قال المنذري: وأخرجه النسائي. قلت: وإلى هذه الرواية أشار المصنف بقوله: وللنسائي معناه. ولحديث عبادة هذا شواهد: منها حديث أنس وقد ذكرنا لفظه ومن خرجه من الأئمة. ومنها: حديث محمد بن عائشة عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، قال: قال رسول الله ﷺ : لعلكم تقرؤن والإمام يقرأ. قالوا: إنا لنفعل، قال: لا، إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب. أخرجه أحمد، والبخاري في جزء القراءة، والبيهقي. وفي رواية البخاري: إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه. ونحوه في رواية البيهقي. قال الحافظ في التلخيص: إسناده حسن. وقال البيهقي في معرفة السنن بعد روايته: هذا إسناد صحيح. وأصحاب النبي ﷺ كلهم ثقة، فترك ذكر أسمائهم في الإسناد لا يضر إذا لم يعارضه ما هو أصح منه. وقال في كتاب القراءة: هذا حديث صحيح، احتج به محمد بن إسحاق بن خزيمة في جملة ما احتج به في هذا الباب. ومنها: حديث عمرو
стр. 1082
٨٦١- (٣٤) وعن أبي هريرة، ((أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ معي أحد منكم آنفاً؟ فقال رجل: نعم، يا رسول الله! قال: إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟ قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه بالقراءة من الصلوات
ــ
ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : أتقرؤون خلفي؟ قالو: نعم يا رسول الله! إنا لنهذه هذا. قال: فلا تفعلوا إلا بأم القرآن، أخرجه البخاري في جزء القراءة. والبيهقي في كتاب القراءة. وإسناده حسن، رجاله ثقات. ومنها: حديث أبي قتادة قال: قال النبي ﷺ أتقرؤون خلفي؟ قلنا، نعم قال فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب. أخرجه البيهقي في كتاب القراءة. ومنها: حديث عبادة، قال: قال رسول الله ﷺ : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب خلف الإمام. أخرجه أيضاً البيهقي في كتاب القراءة، وقال: إسناده صحيح، والزيادة التي فيه صحيحة مشهورة من أوجه كثيرة، كذا في كنز العمال (ج٤: ص٢٠٨) .
٨٦١- قوله: (انصرف) أي فرغ. (من صلاة جهر فيها بالقراءة) وعند ابن عبد البر: صلى رسول الله ﷺ صلاة الصبح، وفي رواية لأبي داود: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة نظن أنها الصبح. (هل قرأ معي أحدكم آنفاً؟) بمد أوله وكسر النون. يعني الآن، وأراد به قريباً. والمد هو المشهور، وقد يقصر، والاستفهام للتقرير لا لطلب التصديق، لأن قراءة من قرأ خلفه كانت بالجهر فكانت مسموعة له ﷺ . والدليل عليه ما رواه البيهقي في جزء القراءة (ص١٣) قال: حدثنا محمود: ثنا البخاري قال: ثنا أبوالوليد قال: ثنا الليث، عن الزهري، عن ابن أكيمة، عن أبي هريرة، قال: صلى النبي ﷺ صلاة تجهر فيها، فلما قضى الصلاة قال: من قرأ معي؟ قال رجل: أنا. قال: إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟ فهذه الرواية صريحة في أن السؤال ليس عن نفس القراءة وأصلها، لأنها كانت بالجهر لا بالسر، بل عن تعيين القاري، فلا بد أن يحمل قوله ههنا: "هل قرأ أحد منكم" على ذلك أي يجعل محط السؤال قوله " أحد منكم". (فقال رجل: نعم) وفي رواية "فقال رجل نعم أنا"، وهذا أيضاً يدل على أن السؤال كان عن تعيين القاري لا عن نفس القراءة. (إني أقول) في نفسي. (ما لي أنازع القرآن) بفتح الزاي بالبناء لما لم يسم فاعله، ونصب القرآن على أنه مفعول ثان بتقدير "في القرآن"، أي أجاذب في قراءته كأني أجذبه إلى من غيري، وغيري يجذبه إليه منى. والظاهر أنه أخبرهم بهذا المعنى نهياً لهم عن ذلك، وإنكاراً لفعلهم. والظاهر أيضاً بل المتعين أن الرجل جهر بالقراءة خلفه، فهو بمعنى التثريب واللوم له على ذلك، فيكون المنع مخصوصاً بالجهر خلفه. قال الخطابي في المعالم (ج١: ص٢٠٦) : معناه أداخل في القراءة، وأغالب عليها. وقال الجزري في النهاية: أي أجاذب في قراءته، كأنهم جهروا بالقراءة خلفه فشغلوه فالتبست عليه القراءة. وأصل النزع الجذب، ومنه نزع الميت بروحه. (قال) أي الزهري. (فانتهى الناس عن القراءة) أي تركوها. (فيما جهر) رسول الله ﷺ . (فيه بالقراءة من الصلوات) بيان لما
стр. 1083
حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ )) .
ــ
الموصولة. قال القاري مفهومه: أنهم كانوا يسرون بالقراءة فيما كان يخفى فيه رسول الله ﷺ ، وهو مذهب الأكثر، وعليه الإمام محمد من أئمتنا. (حين سمعوا ذلك) أي ما ذكر من التثريب واللوم. زاد البخاري والبيهقي في جزء القراءة لهما: وقرؤوا في أنفسهم سراً فيما لا يجهر فيه الإمام. واعلم أن قوله: فانتهى الناس، الخ. ليس من رواية أبي هريرة في الحديث بل هو مدرج من قول الزهري، وقد بين ذلك أبوداود في سننه، قال: ورواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري. وانتهى حديثه إلى قوله" ما لي أنازع القرآن". ورواه الأوزاعي عن الزهري، قال فيه: قال الزهري: فاتعظ المسلمون بذلك، فلم يكونوا يقرؤون معه فيمه يجهر به. قال أبوداود: وسمعت محمد بن يحيى بن فارس قال: قوله: "فانتهي الناس" من كلام الزهري. وقال البيهقي في معرفة السنن: قوله "فانتهي الناس عن القراءة" من قول الزهري. قاله محمد بن يحيى الذهلي صاحب الزهريات، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وأبوداود، استدلوا على ذلك برواية الأوزاعي حين ميزه من الحديث، وجعله من قول الزهري. وكيف يصح ذلك عن أبي هريرة وأبوهريرة يأمر بالقراءة خلف الإمام فيما جهر به وفيما خافت-انتهى. وقال في جزء القراءة: رواية ابن عيينة عن معمر دالة على كونه من قول الزهري. وكذلك انتهاء الليث بن سعد وهو من الحفاظ الأثبات الفقهاء مع ابن جريج برواية الحديث من الزهري إلى قوله "مالي أنازع القرآن" دليل على أن ما بعده ليس في الحديث، وأنه من قول الزهري، ففصل كلام الزهري من الحديث بفصل ظاهر. وقال الحافظ في التلخيص: قوله "فانتهى الناس" إلى آخره، مدرج في الخبر من كلام الزهري، بيّنه الخطيب، واتفق عليه البخاري في التاريخ، وأبوداود ويعقوب بن سفيان والذهلي والخطابي، وغيرهم-انتهى. وانظر السنن الكبرى للبيهقي (ج٢: ص١٥٧-١٥٩) وإذا ثبت أن قوله "فانتهى الناس"الخ. من كلام الزهري التابعي فلا يصح الاستدلال به لأن قول التابعي ليس بحجة بالاتفاق. علا أنه إن كان المراد بقوله: فانتهى الناس، الخ. أن جميع الصحابة تركوا القراءة خلفه في الصلوات الجهرية فهو كذب محض، لأن الصحابة اختلفوا في ذلك، وقد ذهب أكثرهم إلى قراءة الفاتحة خلف الإمام في جميع الصلوات الجهرية والسرية وجوباً أو ندباً، وإن كان المراد فانتهى الناس أي الذين حضروا هذه الصلاة معه ﷺ لا جميع الصحابة، فهو أيضاً ليس بصحيح، لأن أباهريرة قد شهد هذه الصلاة والقصة، وهو لم يترك قراءة الفاتحة خلف الإمام، بل كان يفتى بها في جميع الصلوات سرية كانت أو جهرية. ولو سلم أن قول الزهري هذا صحيح، وأن قول التابعي حجة، فلا يثبت به ما ذهب إليه الحنفية من كراهة قراءة الفاتحة خلف الإمام في جميع الصلوات، ومنعها مطلقاً، بل قول الزهري هذا يبطل دعواهم، لأنه يدل على أنهم كانوا يقرؤن سراً فيما لا يجهر فيه الإمام كما تقدم. وأما ما قيل: من أن قوله "فانتهي الناس"الخ. ليس مما قاله الزهري من عند نفسه لأنه لم يشهد هذه القصة، والظاهر بل المتعين أن هذا قول بعض الصحابة الذين حضروا هذه الصلاة وسمعوا قوله ﷺ : مالي أنازع القرآن، وقد علم هذا الصحابي ترك قراءتهم خلفه في الجهرية بإطلاعهم إياه على ذلك فلا محالة من أن يقال أنه سمع الزهري هذا الكلام من هذا الصحابي، ومن المعلوم أن مثل هذا الكلام من الصحابي يكون في حكم المرفوع، فيكون قول الزهري هذا أيضاً مرفوعاً حكماً غاية ما فيه أنه مرسل
стр. 1084
لأنه لم يذكر الصحابي الذي سمعه منه هذا القول ولا حرج. ففيه: أنه لا نسلم أن الزهري سمع هذا القول ممن شهد هذه القصة قطعاً، فإنه يحتمل أن يكون سمع ذلك من تابعي، ولا يدري أن التابعي الذي سمعه منه ثقة أو ضعيف، مقبول أو مردود. وأيضاً قد تقدم أن هذا القول كذب لاختلاف الصحابة في ذلك. ولو صرفنا النظر عن جميع ذلك فلا شك أنه مرسل، ومرسل الزهري كالريح ليس بشيء. قال الذهبي في التذكرة (ج١:ص٩٨) : قال قدامة السرجسي: قال يحيى بن سعيد: مرسل الزهري شر من مرسل غيره، لأنه حافظ، وكلما قدر أن يسمي سمى، وإنما يترك من لا يستجيز أن يسمى. وقال ابن أبي حاتم في "كتاب المراسيل" (ص٢) : حدثنا أحمد بن سنان قال: كان يحيى بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئاً، ويقول هو بمنزلة الريح. وقال السيوطي في التدريب (ص٧٠) : مراسيل الزهري قال ابن معين ويحيى بن سعيد القطان: ليس بشئ. وكذا قال الشافعي، قال: لأنا نجده يروي عن سليمان بن الأرقم. وروى البيهقي عن يحيى بن سعيد قال: مرسل الزهري شر من مرسل غيره، لأنه حافظ كلما قدر أن يسمي سمى، وإنما يترك من لا يستحب أن يسميه-انتهى. واستدلال المالكية بقوله ﷺ "مالي أنازع القرآن" على منع القراءة خلف الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة. وفي الاستدلال به على هذا المطلوب نظر ظاهر، لأنه لا يدل على منع القراءة خلف الإمام المتنازع فيها، وهي القراءة في النفس وبالسر بحيث لا يفضي إلى المنازعة بقراءة الإمام، نعم يدل على منع القراءة بالجهر خلفه، وهي ممنوعة بالاتفاق. قال القرطبي: والمعنى في حديث. (أى حديث أبي هريرة هذا) : لا تجهروا إذا جهرت، فإن ذلك تجاذب وتخالج، اقرؤوا في أنفسكم. بينه حديث عبادة. وأفتى الفاروق برأي أبي هريرة الراوي الحديثين، فلو فهم المعنى جملة من قوله لما أفتى بخلافه-انتهى. وقال ابن عبد البر في التمهيد: لا تكون المنازعة إلا فيما جهر فيه المأموم وراء الإمام. ويدل على ذلك قول أبي هريرة: اقرأ بها في نفسك يا فارسي. وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي في غيث الغمام (ص٣٠) : غاية ما فيه أن النبي ﷺ قال: مالي أنازع القرآن. فهو إن دل على النهي، فإنما يدل على نهي القراءة المفضية إلى المنازعة في الجهرية-انتهى. وقال الشوكاني في النيل: استدل به القائلون بأنه لا يقرأ المؤتم خلف الإمام في الجهرية، وهو خارج عن محل النزاع لأن محل النزاع هو القراءة خلف الإمام سراً، والمنازعة إنما تكون مع جهر المؤتم لا مع إسراره. وقد حاول بعض الحنفية الاستدلال بقوله "مالي أنازع القرآن" على ترك القراءة خلف الإمام بالسر وفي السرية، قائلاً بأن المنازعة مع الإمام في القراءة تتحقق مع قراءة المأموم بالسر وفي الصلاة السرية أيضاً، لأن معنى المنازعة: هو أن يشارك المأموم الإمام في القراءة ويشتغل بالقراءة حال قراءة الإمام ولا يترك الإمام أن ينفرد بالقراءة. وفيه: أن الاستدلال به على ذلك باطل لأنه لو كان معنى المنازعة ما بيّنه هذا البعض لما كان يقرأ الصحابة خلف الإمام سراً في الصلوات السرية كما يدل عليه قول الزهري وهو في حكم المرفوع عند الحنفية. وقد تقدمت رواية البيهقي والبخاري بلفظ: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه الإمام، وقرؤوا في أنفسهم سراً فيما لا يجهر فيه الإمام. ويبطله أيضاً فيه حديث عبادة عند أبي داود والدارقطني بلفظ: وأنا أقول: مالي أنازع القرآن فلا يقرأنّ أحد منكم شيئاً من القرآن إذا جهرت
стр. 1085
رواه مالك وأحمد وأبوداود والترمذي والنسائي. وروى ابن ماجه نحوه.
٨٦٢،٨٦٣- (٣٥،٣٦) وعن ابن عمر والبياضي قالا: قال رسول الله ﷺ : ((إن المصلي يناجي ربه،
ــ
بالقراءة إلا بأم القرآن؛ لأنه لو كان معنى المنازعة ما ذكره هذا المستدل لما أمرهم ﷺ بقراءة الفاتحة خلف الإمام بالسر بعد ما أنكر عليهم المنازعة بقوله: مالي أنازع القرآن. ويبطله أيضاً أن أباهريرة، وعبادة، وعمر ﵃ كانوا يفتون بقراءة الفاتحة خلف الإمام في جميع الصلوات، وهم ممن رووا حديث المنازعة، فظهر بذلك أن معنى المنازعة ليس كما ذكره هذا البعض. قال الشيخ اللكنوي في غيث الغمام: ومن الناس من توهم أن معنى المنازعة هو أن يقرأ المؤتم حال قراءة الإمام، وهو متحقق في السرية أيضاً مطلقاً، وهو مبني على الغفلة عن كتب اللغة وشروح الحديث للأئمة- انتهى. ولو سلم أن حديث أبي هريرة هذا يدل على ترك القراءة خلف الإمام بالسر أيضاً، فهو محمول على ما عدا الفاتحة، جمعاً بين الأحاديث، ويدل عليه حديث عبادة بن الصامت: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها. ويدل عليه أيضاً فتوى أبي هريرة: اقرأ بها في نفسك يا فارسي. وانظر كتاب القراءة (ص٩٩) للبيهقي، وكتاب الاعتبار للحازمي (ص١٠١) . وعن الاستدلال بهذا الحديث على ترك القراءة خلف الإمام في الجهرية أو مطلقاً أجوبة أخرى ذكرها الشيخ في "تحقيق الكلام" فارجع إليه. (رواه مالك وأحمد وأبوداود والترمذي) وحسنه. ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره، وصححه أبوحاتم الرازي وابن حبان وابن القيم. (والنسائي) وأخرجه أيضاً الشافعي والبيهقي والطحاوي وابن حبان. (وروى ابن ماجه نحوه) أي معناه.
٨٦٢، ٨٦٣- قوله: (عن ابن عمر، والبياضى) الواو عاطفة، والبياضى- بفتح الباء الموحدة والياء المنقوطة بالاثنتين من تحت، والضاد المعجمة- منسوب إلى بياضة بن عامر بن زريق، بطن من الأنصار، اسمه فروة- بفتح الفاء وسكون الراء- ابن عمرو- بفتح العين- ابن ودقة- بفتح الواو وسكون الدال- ابن عبيد بن عامر بن بياضة، شهد العقبة وبدراً وما بعدها مع رسول الله ﷺ ، آخى رسول الله ﷺ بينه وبين عبد الله بن مخرمة العامري، وكان يبعثه النبي ﷺ لخرص النخل، وكان ممن قاد مع رسول الله ﷺ فرسين في سبيل الله، وكان يتصدق في كل عام من نخلة بألف وسق، وكان من أصحاب علي يوم الجمل. (قال رسول الله ﷺ : إن المصلي) وسبب هذا القول أن رسول الله ﷺ كان معتكفاً في العشر الأواخر من رمضان في قبة على بابها حصير، والناس يصلون عصباً عصباً، فأخرج منها رأسه ذات ليلة، وقد علت أصواتهم بالقراءة بالجهر، فقال: إن المصلي إذا صلى. (يناجي ربه) أي يحادثه ويكالمه، وهو كناية عن كمال قربه المعنوي. وقيل: هي عبارة عن إحضار القلب والخشوع في الصلاة. وقيل: هي إخلاص القلب، وتفريغ السر بذكره. وقيل مناجاة العبد: أداء الأفعال والأقوال المطلوبة في الصلاة، ومناجاة الرب لعبده: إقباله عليه بالرحمة
стр. 1086
فلينظر ما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن)) رواه أحمد.
٨٦٤- (٣٧) وعن أبي هريرة قال: ((قال رسول الله ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا) .
ــ
والرضوان. والمقصود التنبيه على الخشوع في الصلاة. (فلينظر) أي فليتفكر وليتأمل. (ما يناجيه به) ما استفهامية والضمير المنصوب في "يناجيه" راجع إلى الرب، وفي "به" إلى "ما" و"ما" مفعول "فلينظر". قال القاري: وفي نسخة "ما يناجي بن" ما استفهامية أو موصولة. أي ما يناجي الرب تعالى من الذكر، والقرآن، والحضور، والخشوع، والخضوع- انتهى. والمقصود التنبيه على تحصيل الخشوع بمواطاة القلب اللسان، والإقبال إلى الله بشرا شره، وذلك إنما يحصل إذا لم ينازعه صاحبه بالقراءة، ولم يجهر بعضهم على بعض بالقرآن، لأن المنازعة وجهر بعض على بعض بالقراءة مفوت للخشوع، ومن ثم عقبه بقوله: (ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن) فإن ذلك يؤذي ويمنع من الإقبال على الصلاة، والنهي يتناول من هو داخل الصلاة وخارجها. قال الطيبي: عدى بعلى لإرادة معنى الغلبة، أي لا يغلب ولا يشوش بعضكم على بعض جاهراً بالقراءة- انتهى. (رواه أحمد) أما حديث ابن عمر فأخرجه (ج٢: ص٣٦، ٦٧، ١٢٩) وسنده صحيح، وأخرجه أيضاً البزار والطبراني في الكبير. قال الهيثمي: وفيه محمد بن أبي ليلى، وفيه كلام. وأما حديث البياضي فأخرجه (ج٤: ص٣٤٤) وأخرجه أيضاً مالك في المؤطا عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي حازم التمار، عن البياضي. ومن طريق مالك أخرجه أحمد، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح- انتهى. فلو عزاه المؤلف إلى الموطأ كان أولى. وللحديث شاهد من حديث أبي سعيد عند النسائي. قال ابن عبد البر: حديث البياضي وأبي سعيد صحيحان ثابتان- انتهى. وفي الباب عن على عند أحمد وأبي يعلى، وعن أبي هريرة، وعائشة عند الطبراني في الأوسط، ذكرهما الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢: ص٢٦٥، ٢٦٦) .
٨٦٤- قوله: (إنما جعل) ببناء المجهول، وكلمة "إنما" للحصر للمبالغة والاهتمام. (الإمام) أي إماماً، فالمفعول الثاني لقوله "جعل" محذوف، والتقدير "إنما جعل الإمام إماماً"، والمفعول الأول قام مقام الفاعل، أو "جعل" بمعنى "نصب" و"اتخذ" فلا حاجة إلى التقدير. (ليؤتم به) أي ليقتدي به. والمعنى: أن الإئتمام يقتضي متابعة المأموم لإمامه، فلا يجوز له المقارنة والمسابقة والمخالفة إلا ما دل الدليل الشرعي عليه، كصلاة القاعد خلف القائم ونحوها، وقد ورد النهي عن الاختلاف بخصوصه بقوله: لا تختلفوا عليه. (فإذا كبر) أي للإحرام أو مطلقاً، فيشمل تكبير النقل. (فكبروا) زاد في رواية "ولا تكبروا حتى يكبر"، أي حتى يفرغ منه. وقيل: حتى يأخذ في التكبير. (وإذا قرأ فأنصتوا) احتج به القائلون أن المؤتم لا يقرأ خلف الإمام في الصلاة الجهرية. قلت: الاستدلال بذلك على هذا المطلوب موقوف على
стр. 1087
أن تكون هذه اللفظة ثابتة محفوظة صحيحة، وقد اختلفوا في ذلك فصححها مسلم، ومال إليه المنذري، وصححها ابن حزم أيضاً. وضعفها البخاري وأبوداود وأبو حاتم وابن معين وابن خزيمة والحاكم والدارقطني. واجتماع هؤلاء الحفاظ النقاد على تضعيفها مقدم على تصحيح مسلم. قال البيهقي في المعرفة: قد أجمع الحفاظ على خطأ هذه اللفظة في الحديث: أبوداود وأبوحاتم وابن معين والحاكم والدارقطني، وقالوا: إنها ليست بمحفوظة- انتهى. وروى في كتاب القراءة بإسناده عن ابن أبي حاتم، قال: سمعت أبي، وذكر حديث أبي خالد الأحمر عن ابن عجلان. (يعني حديث أبي هريرة هذا) فقال أبي: ليست هذه الكلمة محفوظة، هي من تخاليط ابن عجلان-انتهى. قلت: محمد ابن عجلان هذا مدلس، وروي هذا الحديث عن زيد بن أسلم معنعناً، فلا يجوز الحكم بصحته حتى يثبت سماعه من زيد بن أسلم لهذا الحديث. وأيضاً ابن عجلان ليس بحافظ، بل هو سيء الحفظ، وقد تفرد بهذه الزيادة، ولم يتابعه عليها أحد من الثقات، وقد روي حديث أبي هريرة هذا بالأسانيد الصحيحة الكثيرة، ليس في واحد منها هذه الزيادة. أما كونه مدلساً فقد صرح به برهان الدين الحلبي في"التبيين لأسماء المدلسين". وقال الحافظ في"طبقات المدلسين": محمد بن عجلان المدني تابعي صغير مشهور، من شيوخ مالك، وصفه ابن حبان بالتدليس. وأما كونه سيء الحفظ فقال الحافظ في مقدمة الفتح: فيه مقال من قبل حفظه. وقال الذهبي في الكاشف: وثقة أحمد، وابن معين، وقال غيرهما سيء الحفظ. وقال في الميزان: وقد تكلم المتأخرون من أئمتنا في سوء حفظه-انتهى. ولعل الشيخين لم يحتجا به لأجل ذلك. قال الذهبي في التذكرة: لم يحتج الشيخان بحديث محمد-انتهى. وأما كونه متفرداً بهذه الزيادة في هذا الحديث فهو ظاهر لمن تتبع طرق الحديث. قال البيهقي في كتاب القراءة (ص٩١) : قال ابن خزيمة: قال محمد بن يحيى الذهلي: خبر الليث أصح متناً من رواية أبي خالد يعني عن ابن عجلان، ليس في هذه القصة عن النبي ﷺ "وإذا قرأ فأنصتوا" بمحفوظ، لأن الأخبار متواترة عن أبي هريرة بالأسانيد الصحيحة الثابتة المتصلة بهذه القصة، ليس في شيء منها: وإذا قرأ فأنصتوا. إلا خبر أبي خالد ومن لا يعتد أهل الحديث بروايته. ثم رواها ابن خزيمة من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. ومن حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة. ومن حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة. وليس في شيء منها هذه الزيادة، وهي في الصحيح من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، ومن حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. ومن حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. ومن حديث همام بن منبه وأبي علقمة الهاشمي، وأبي يونس مولى أبي هريرة كلهم، عن أبي هريرة، ليس في شيء من هذه الروايات: وإذا قرأ فأنصتوا-انتهى. فإن قلت: قال ابن التركماني في الجوهر النقي (ص١٥٣) : قد تابعه عليها خارجة بن مصعب ويحيى ابن العلاء كما ذكره البيهقي فيما بعد-انتهى. وكذلك قال العيني في شرح البخاري (ج٦: ص١٥) قلت: لا اعتداد بمتابعتها.
стр. 1088
رواه أبوداود.
ــ
قال الحافظ في التقريب في ترجمة خارجة بن مصعب: متروك وكان يدلس عن الكذابين، ويقال: إن ابن معين كذبه-انتهى. وقال الذهبي في الميزان في ترجمة يحيى بن العلاء: قال الدارقطني: متروك، وقال أحمد بن حنبل: كذاب يضع الحديث. وقال الخزرجي في الخلاصة في ترجمته: كذبه وكيع وأحمد-انتهى. وقال البيهقي في كتاب القراءة: وقد رواه يحيى بن العلاء الرازي، عن زيد بن أسلم. ويحيى بن العلاء متروك، جرحه يحيى بن معين وغيره من أهل العلم بالحديث. وروي بإسناد ضعيف عن عمرو بن هارون، عن خارجة بن مصعب، عن زيد بن أسلم. ولا يفرح بمتابعة هؤلاء في خلاف أهل الثقة والحفظ –انتهى. تنبيه: ذكر العيني في شرح البخاري والبناية شرح الهداية: أن ابن خزيمة أيضاً صحح حديث ابن عجلان، يعني زيادة "وإذا قرأ فأنصتوا"، وقد نقله عنه الشيخ اللكنوي في "إمام الكلام"، والنيموي في "آثار السنن" وغيرهما من العلماء الحنفية في تصانيفهم، وهذا خطأ فاحش ووهم قبيح، فإن ابن خزيمة لم يصحح هذه الزيادة أبداً بل هو ممن ضعفها جداً. قال البيهقي في كتاب القراءة (ص٩١) : قال أبوبكر محمد بن إسحاق بن خزيمة: هذا خبر، ذكر قوله: "وإذا قرأ فأنصتوا" فيه وهم. وقد روى الليث بن سعد – وهو عالم أهل مصر وفقيههم، أحد علماء زمانه، غير مدافع، صاحب حفظ وإتقان وكتاب صحيح – هذا الخبر عن ابن عجلان، فذكر الرواية التي ذكرها البخاري، وليس في شيء منها "وإذا قرأ فأنصتوا". قال ابن خزيمة: قال محمد بن يحيى الذهلي: خير الليث أصح متناً من رواية أبي خالد، يعني ابن عجلان، ليس في هذه القصة عن النبي ﷺ "إذا قرأ فأنصتوا" بمحفوظ، الخ. وقد ذكر ابن خزيمة فصلاً مستقلاً لإثبات أن هذه الزيادة غير محفوظة، كما قال البيهقي في كتاب القراءة (ص٩٥) فارجع إليه. ولو سلم أن زيادة "وإذا قرأ فأنصتوا" في حديث أبي هريرة صحيحة ثابتة محفوظة، فقد ذكرنا عنها أجوبة في شرح حديث أبي موسى الأشعري فتذكر. (رواه أبوداود) وقال: هذه الزيادة "وإذا قرأ فأنصتوا" ليست بمحفوظة. الوهم عندنا من أبي خالد، وتقدم أن أباحاتم قال: هي من تخاليط ابن عجلان، يعني أن الوهم عنده من ابن عجلان، ولم يبين بعض الحفاظ الذين صرحوا بكونها غير محفوظة، أن الوهم ممن هو؟ فإن قلت: إختلافهما في نسبة الوهم، وسكوت بعضهم عن تعيين الواهم يؤدي إلى طرح القولين، والرجوع إلى صحة هذه الزيادة، قلت: إن الحفاظ النقاد إذا حكموا على حديث بأنه غير محفوظ، واختلفوا في نسبة الوهم فبعض نسبوه إلى أحد، وبعضهم إلى آخر، فهذا الاختلاف لا يؤدي إلى طرح القولين، ولم يقل به أحد، كيف؟ وقد تقرر في موضعه أن المحدثين المعللين القائمين بمعرفة فن المعلول الذي هو من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقها إذا اتفقوا على حديث أنه معلول فدعواهم مقبولة، وإن اختلفوا في توجيه التعليل، بل وإن أخطأ بعضهم في توجيه، فإنه قد يقصر عبارة المعلل عن إقامة الحجة على دعواه، كالصيرفي في نقد الدينار والدرهم، وهذا الجواب على تقدير تسليم كون أبي خالد وابن عجلان ثقتين، حافظين، لكن قد تقدم أن ابن عجلان مدلس، وقد روى هذا الحديث عن زيد بن أسلم معنعناً، ومع كونه
стр. 1089
والنسائي وابن ماجه.
٨٦٥- (٣٨) وعن عبد الله بن أبي أوفى، قال: ((جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً، فعلمني ما يجزئني. قال: قل: سبحان الله، والحمدلله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: يارسول الله! هذا لله، فماذا لي؟ قال، قل: اللهم ارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني. فقال هكذا بيديه وقبضهما.
ــ
مدلساً ليس بحافظ، بل هو سيئ الحفظ. وقد تفرد بهذه الزيادة، ولم يتابعه عليها أحد من الثقات. وأما أبوخالد الأحمر سليمان بن حيان الأزدي فهو أيضاً سيء الحفظ. قال الحافظ في مقدمة الفتح: قال ابن معين: أبوخالد صدوق، ليس بحجة. وقال ابن عدي: وإنما أتى من سوء حفظه فيغلط، ويخطئ. وقال أبوبكر البزار: اتفق أهل العلم بالنقل أنه لم يكن حافظاً. وقال الحافظ في التقريب: صدوق يخطئ. (والنسائي وابن ماجه) وأخرجه أيضاً أحمد.
٨٦٥- قوله: (وعن عبد الله بن أبي أوفى) هو عبد الله بن أبي أوفى، علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي أبوإبراهيم، أو أبومحمد أو أبومعاوية، صحابي ابن صحابي، شهد عبد الله بيعة الرضوان، وخيبر، وما بعد ذلك من المشاهد، ولم يزل بالمدينة حتى قبض رسول الله ﷺ ، ثم تحول إلى الكوفة، وهو آخر من بقي بالكوفة من الصحابة، مات سنة. (٨٧) بالكوفة، وكان قد كف بصره، روى خمسة وتسعين حديثاً، اتفقا على عشرة، وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بواحد، روى عنه جماعة. (أن آخذ من القرآن شيئاً) أي أتعلم وأحفظ من القرآن شيئاً أقرأه في الصلاة، أو آخذ شيئاً من القرآن ورداً. (ما يجزئني) أي يكفيني عن القراء في الصلاة، أو عن ورد القرآن. (قال) وفي بعض النسخ "فقال" وكذا وقع في أبي داود. (قل سبحان الله) الخ. فإن هذه الكلمات أحب الكلام إلى الله وأفضل الذكر بعد كلام الله. (هذا لله) أي ما ذكر من الكلمات ذكر لله، مختص له، أذكره به. (فماذا لي؟) وفي أبي داود: فما لي؟ أي علمني شيئاً يكون لي فيه دعاء واستغفار أذكره لي عند بي. (اللهم ارحمني) أي بترك المعصي أبداً، أو بغفرانها وعفوها. (وعافني) من آفات الدارين. (واهدني) أي ثبتني على دين الإسلام، أو دلني على متابعة الأحكام. (وارزقني) أي رزقاً حلالاً طيباً، كافياً مغنياً عن الأنام، أو التوفيق والقبول وحسن الاختتام. (فقال) أى فعل الرجل. (هكذا) قال الطيبي: أي أشار إشارة مثل هذه الإشارة المحسوسة. (بيديه) تفسير وبيان. (وقبضهما) قال القاري: وفي نسخة "فقضبهما، فقيل" أي عد تلك الكلمات بأنامله وقبض كل أنملة بعدد كل كلمة. وقال ابن حجر: ثم بين الراوي المراد بالإشارة بهما فقال: وقبضهما أي إشارة إلى أنه يحفظ ما أمر به كما يحفظ الشيء النفيس بقبض اليد عليه. وظاهر السياق أن المشير هو المأمور، أي حفظت ما قلت لي
стр. 1090
فقال رسول الله ﷺ : أما هذا فقد ملأ يديه من الخير.
ــ
وقبضت عليه، فلا أضعيه. ويؤيده قول الراوي. (فقال رسول الله ﷺ : أما هذا) أي الرجل. (فقد ملأ يديه من الخير) . قال ابن حجر: كناية عن أخذه مجامع الخير بامتثاله لما أمر به. قلت: وقع في رواية لأحمد (ج٤: ص٣٥٣) : ثم أدبر وهو ممسك كفيه، بدل قوله: فقال هكذا بيديه وقبضهما. ورواية أحمد هذه ظاهرة في أن الإشارة باليدين كانت من هذا الرجل لا من الرسول ﷺ ، فالمأمور هو المشير. واعلم: أنهم اختلفوا في تعيين محمل الحديث، فقال الطيبي: الظاهر أنه أراد أنى لا أستطيع أن أحفظ شيئاً من القرآن واتخذه ورداً لي فعلمني ما أجعله ورداً لي، فأقوم به آناء الليل وأطراف النهار، فلما علمه ما فيه تعظيم لله تعالى طلب ما يحتاج إليه من الرحمة والعافية والهداية والرزق. ويؤيد ما ذكرنا من أن مطلوبه ما يجعله ورداً له لا يفارقه أبداً، قبضه بيديه. أي أنى لا أفارقه ما دمت حياً. وتوهم بعضهم من إيراد هذا الحديث في هذا الباب أن هذه القصة في الصلاة، فقال: لا يجوز ذلك في جميع الأزمنة؛ لأن من قدر على تعلم هذه الكلمات يقدر على تعلم فاتحة الكتاب لا محالة، بل تأويله أني لا أستطيع أن أتعلم شيئاً من القرآن في هذه الساعة وقد دخل علي وقت الصلاة فقال له رسول الله ﷺ : قل سبحان الله، الخ. فمن دخل عليه وقت صلاة مفروضة ولم يعلم الفاتحة، وعلم شيئاً من القرآن، لزمه أن يقرأ بقدر الفاتحة عدد آيات وحروف، فإن لم يعلم شيئاً منه يقول هذه الكلمات، فإذا فرغ من تلك الصلاة لزمه أن يتعلم. وفيه: بُعد، لأن عجز العربي المتكلم بمثل هذا الكلام عن تعلم ما تصح به صلاته من القرآن مستبعد جداً، وأنى كان رسول الله ﷺ يرخص في الاكتفاء بالتسبيح على الإطلاق من غير أن يبين ماله وما عليه-انتهى. ونقل ميرك عن زيد بن العرب أنه قال: وكل هذا خلاف الظاهر، بل قوله "فعلمني ما يجزئني" مع إيراد المحدثين لهذا الحديث في هذا الباب يدل أيضاً على أن المراد القدر المجزئ في الصلاة وإلا لكان إيراده في باب التسبيح أليق، وما ذكره من الاستبعاد فغير بعيد، لأنه كما أن من العرب من هو في غاية الفصاحة والبلاغة فمنهم من هو في غاية الجلافة والبلادة-انتهى. قلت: الظاهر أن الحديث وارد في الصلاة لما مر من حديث رفاعة للترمذي في باب صفة الصلاة. قال: إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله به، ثم تشهد، فإن كان معك قرآن فاقرأ، وإلا فاحمد الله، وكبره، وهلله، ثم اركع. فإنه يدل على أن من لم يحفظ القرآن يجزئه الحمد والتكبير والتهليل، وهو مع حديث الباب دليل على أن هذه الأذكار قائمة مقام الفاتحة وغيرها لمن لا يستطيع أن لا يتعلم القرآن، وليس فيه ما يقتضي التكرار، فظاهره أنها تكفي مرة. وقد ذهب البعض إلى أنه يقولها ثلاث مرات. قال الخطابي في المعالم (ج١: ص٢٠٧) : الأصل أن الصلاة لا تجزئ إلا بقراءة فاتحة الكتاب، لقوله ﷺ : "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، ومعقول أن وجوب قراءة فاتحة الكتاب إنما هو على من أحسنها دون من لا يحسنها، فإذا كان المصلي لا يحسنها، وكان يحسن شيئاً من القرآن غيرها، كان عليه أن يقرأ منه قدر سبع آيات، لأن أولى الذكر بعد فاتحة الكتاب ما كان مثلاً
следующие страницы →