Полный текст (4 545 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
فلينظر ما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن)) رواه أحمد.
٨٦٤- (٣٧) وعن أبي هريرة قال: ((قال رسول الله ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا) .
ــ
والرضوان. والمقصود التنبيه على الخشوع في الصلاة. (فلينظر) أي فليتفكر وليتأمل. (ما يناجيه به) ما استفهامية والضمير المنصوب في "يناجيه" راجع إلى الرب، وفي "به" إلى "ما" و"ما" مفعول "فلينظر". قال القاري: وفي نسخة "ما يناجي بن" ما استفهامية أو موصولة. أي ما يناجي الرب تعالى من الذكر، والقرآن، والحضور، والخشوع، والخضوع- انتهى. والمقصود التنبيه على تحصيل الخشوع بمواطاة القلب اللسان، والإقبال إلى الله بشرا شره، وذلك إنما يحصل إذا لم ينازعه صاحبه بالقراءة، ولم يجهر بعضهم على بعض بالقرآن، لأن المنازعة وجهر بعض على بعض بالقراءة مفوت للخشوع، ومن ثم عقبه بقوله: (ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن) فإن ذلك يؤذي ويمنع من الإقبال على الصلاة، والنهي يتناول من هو داخل الصلاة وخارجها. قال الطيبي: عدى بعلى لإرادة معنى الغلبة، أي لا يغلب ولا يشوش بعضكم على بعض جاهراً بالقراءة- انتهى. (رواه أحمد) أما حديث ابن عمر فأخرجه (ج٢: ص٣٦، ٦٧، ١٢٩) وسنده صحيح، وأخرجه أيضاً البزار والطبراني في الكبير. قال الهيثمي: وفيه محمد بن أبي ليلى، وفيه كلام. وأما حديث البياضي فأخرجه (ج٤: ص٣٤٤) وأخرجه أيضاً مالك في المؤطا عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي حازم التمار، عن البياضي. ومن طريق مالك أخرجه أحمد، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح- انتهى. فلو عزاه المؤلف إلى الموطأ كان أولى. وللحديث شاهد من حديث أبي سعيد عند النسائي. قال ابن عبد البر: حديث البياضي وأبي سعيد صحيحان ثابتان- انتهى. وفي الباب عن على عند أحمد وأبي يعلى، وعن أبي هريرة، وعائشة عند الطبراني في الأوسط، ذكرهما الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢: ص٢٦٥، ٢٦٦) .
٨٦٤- قوله: (إنما جعل) ببناء المجهول، وكلمة "إنما" للحصر للمبالغة والاهتمام. (الإمام) أي إماماً، فالمفعول الثاني لقوله "جعل" محذوف، والتقدير "إنما جعل الإمام إماماً"، والمفعول الأول قام مقام الفاعل، أو "جعل" بمعنى "نصب" و"اتخذ" فلا حاجة إلى التقدير. (ليؤتم به) أي ليقتدي به. والمعنى: أن الإئتمام يقتضي متابعة المأموم لإمامه، فلا يجوز له المقارنة والمسابقة والمخالفة إلا ما دل الدليل الشرعي عليه، كصلاة القاعد خلف القائم ونحوها، وقد ورد النهي عن الاختلاف بخصوصه بقوله: لا تختلفوا عليه. (فإذا كبر) أي للإحرام أو مطلقاً، فيشمل تكبير النقل. (فكبروا) زاد في رواية "ولا تكبروا حتى يكبر"، أي حتى يفرغ منه. وقيل: حتى يأخذ في التكبير. (وإذا قرأ فأنصتوا) احتج به القائلون أن المؤتم لا يقرأ خلف الإمام في الصلاة الجهرية. قلت: الاستدلال بذلك على هذا المطلوب موقوف على
стр. 1087
أن تكون هذه اللفظة ثابتة محفوظة صحيحة، وقد اختلفوا في ذلك فصححها مسلم، ومال إليه المنذري، وصححها ابن حزم أيضاً. وضعفها البخاري وأبوداود وأبو حاتم وابن معين وابن خزيمة والحاكم والدارقطني. واجتماع هؤلاء الحفاظ النقاد على تضعيفها مقدم على تصحيح مسلم. قال البيهقي في المعرفة: قد أجمع الحفاظ على خطأ هذه اللفظة في الحديث: أبوداود وأبوحاتم وابن معين والحاكم والدارقطني، وقالوا: إنها ليست بمحفوظة- انتهى. وروى في كتاب القراءة بإسناده عن ابن أبي حاتم، قال: سمعت أبي، وذكر حديث أبي خالد الأحمر عن ابن عجلان. (يعني حديث أبي هريرة هذا) فقال أبي: ليست هذه الكلمة محفوظة، هي من تخاليط ابن عجلان-انتهى. قلت: محمد ابن عجلان هذا مدلس، وروي هذا الحديث عن زيد بن أسلم معنعناً، فلا يجوز الحكم بصحته حتى يثبت سماعه من زيد بن أسلم لهذا الحديث. وأيضاً ابن عجلان ليس بحافظ، بل هو سيء الحفظ، وقد تفرد بهذه الزيادة، ولم يتابعه عليها أحد من الثقات، وقد روي حديث أبي هريرة هذا بالأسانيد الصحيحة الكثيرة، ليس في واحد منها هذه الزيادة. أما كونه مدلساً فقد صرح به برهان الدين الحلبي في"التبيين لأسماء المدلسين". وقال الحافظ في"طبقات المدلسين": محمد بن عجلان المدني تابعي صغير مشهور، من شيوخ مالك، وصفه ابن حبان بالتدليس. وأما كونه سيء الحفظ فقال الحافظ في مقدمة الفتح: فيه مقال من قبل حفظه. وقال الذهبي في الكاشف: وثقة أحمد، وابن معين، وقال غيرهما سيء الحفظ. وقال في الميزان: وقد تكلم المتأخرون من أئمتنا في سوء حفظه-انتهى. ولعل الشيخين لم يحتجا به لأجل ذلك. قال الذهبي في التذكرة: لم يحتج الشيخان بحديث محمد-انتهى. وأما كونه متفرداً بهذه الزيادة في هذا الحديث فهو ظاهر لمن تتبع طرق الحديث. قال البيهقي في كتاب القراءة (ص٩١) : قال ابن خزيمة: قال محمد بن يحيى الذهلي: خبر الليث أصح متناً من رواية أبي خالد يعني عن ابن عجلان، ليس في هذه القصة عن النبي ﷺ "وإذا قرأ فأنصتوا" بمحفوظ، لأن الأخبار متواترة عن أبي هريرة بالأسانيد الصحيحة الثابتة المتصلة بهذه القصة، ليس في شيء منها: وإذا قرأ فأنصتوا. إلا خبر أبي خالد ومن لا يعتد أهل الحديث بروايته. ثم رواها ابن خزيمة من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. ومن حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة. ومن حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة. وليس في شيء منها هذه الزيادة، وهي في الصحيح من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، ومن حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. ومن حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. ومن حديث همام بن منبه وأبي علقمة الهاشمي، وأبي يونس مولى أبي هريرة كلهم، عن أبي هريرة، ليس في شيء من هذه الروايات: وإذا قرأ فأنصتوا-انتهى. فإن قلت: قال ابن التركماني في الجوهر النقي (ص١٥٣) : قد تابعه عليها خارجة بن مصعب ويحيى ابن العلاء كما ذكره البيهقي فيما بعد-انتهى. وكذلك قال العيني في شرح البخاري (ج٦: ص١٥) قلت: لا اعتداد بمتابعتها.
стр. 1088
رواه أبوداود.
ــ
قال الحافظ في التقريب في ترجمة خارجة بن مصعب: متروك وكان يدلس عن الكذابين، ويقال: إن ابن معين كذبه-انتهى. وقال الذهبي في الميزان في ترجمة يحيى بن العلاء: قال الدارقطني: متروك، وقال أحمد بن حنبل: كذاب يضع الحديث. وقال الخزرجي في الخلاصة في ترجمته: كذبه وكيع وأحمد-انتهى. وقال البيهقي في كتاب القراءة: وقد رواه يحيى بن العلاء الرازي، عن زيد بن أسلم. ويحيى بن العلاء متروك، جرحه يحيى بن معين وغيره من أهل العلم بالحديث. وروي بإسناد ضعيف عن عمرو بن هارون، عن خارجة بن مصعب، عن زيد بن أسلم. ولا يفرح بمتابعة هؤلاء في خلاف أهل الثقة والحفظ –انتهى. تنبيه: ذكر العيني في شرح البخاري والبناية شرح الهداية: أن ابن خزيمة أيضاً صحح حديث ابن عجلان، يعني زيادة "وإذا قرأ فأنصتوا"، وقد نقله عنه الشيخ اللكنوي في "إمام الكلام"، والنيموي في "آثار السنن" وغيرهما من العلماء الحنفية في تصانيفهم، وهذا خطأ فاحش ووهم قبيح، فإن ابن خزيمة لم يصحح هذه الزيادة أبداً بل هو ممن ضعفها جداً. قال البيهقي في كتاب القراءة (ص٩١) : قال أبوبكر محمد بن إسحاق بن خزيمة: هذا خبر، ذكر قوله: "وإذا قرأ فأنصتوا" فيه وهم. وقد روى الليث بن سعد – وهو عالم أهل مصر وفقيههم، أحد علماء زمانه، غير مدافع، صاحب حفظ وإتقان وكتاب صحيح – هذا الخبر عن ابن عجلان، فذكر الرواية التي ذكرها البخاري، وليس في شيء منها "وإذا قرأ فأنصتوا". قال ابن خزيمة: قال محمد بن يحيى الذهلي: خير الليث أصح متناً من رواية أبي خالد، يعني ابن عجلان، ليس في هذه القصة عن النبي ﷺ "إذا قرأ فأنصتوا" بمحفوظ، الخ. وقد ذكر ابن خزيمة فصلاً مستقلاً لإثبات أن هذه الزيادة غير محفوظة، كما قال البيهقي في كتاب القراءة (ص٩٥) فارجع إليه. ولو سلم أن زيادة "وإذا قرأ فأنصتوا" في حديث أبي هريرة صحيحة ثابتة محفوظة، فقد ذكرنا عنها أجوبة في شرح حديث أبي موسى الأشعري فتذكر. (رواه أبوداود) وقال: هذه الزيادة "وإذا قرأ فأنصتوا" ليست بمحفوظة. الوهم عندنا من أبي خالد، وتقدم أن أباحاتم قال: هي من تخاليط ابن عجلان، يعني أن الوهم عنده من ابن عجلان، ولم يبين بعض الحفاظ الذين صرحوا بكونها غير محفوظة، أن الوهم ممن هو؟ فإن قلت: إختلافهما في نسبة الوهم، وسكوت بعضهم عن تعيين الواهم يؤدي إلى طرح القولين، والرجوع إلى صحة هذه الزيادة، قلت: إن الحفاظ النقاد إذا حكموا على حديث بأنه غير محفوظ، واختلفوا في نسبة الوهم فبعض نسبوه إلى أحد، وبعضهم إلى آخر، فهذا الاختلاف لا يؤدي إلى طرح القولين، ولم يقل به أحد، كيف؟ وقد تقرر في موضعه أن المحدثين المعللين القائمين بمعرفة فن المعلول الذي هو من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقها إذا اتفقوا على حديث أنه معلول فدعواهم مقبولة، وإن اختلفوا في توجيه التعليل، بل وإن أخطأ بعضهم في توجيه، فإنه قد يقصر عبارة المعلل عن إقامة الحجة على دعواه، كالصيرفي في نقد الدينار والدرهم، وهذا الجواب على تقدير تسليم كون أبي خالد وابن عجلان ثقتين، حافظين، لكن قد تقدم أن ابن عجلان مدلس، وقد روى هذا الحديث عن زيد بن أسلم معنعناً، ومع كونه
стр. 1089
والنسائي وابن ماجه.
٨٦٥- (٣٨) وعن عبد الله بن أبي أوفى، قال: ((جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً، فعلمني ما يجزئني. قال: قل: سبحان الله، والحمدلله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: يارسول الله! هذا لله، فماذا لي؟ قال، قل: اللهم ارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني. فقال هكذا بيديه وقبضهما.
ــ
مدلساً ليس بحافظ، بل هو سيئ الحفظ. وقد تفرد بهذه الزيادة، ولم يتابعه عليها أحد من الثقات. وأما أبوخالد الأحمر سليمان بن حيان الأزدي فهو أيضاً سيء الحفظ. قال الحافظ في مقدمة الفتح: قال ابن معين: أبوخالد صدوق، ليس بحجة. وقال ابن عدي: وإنما أتى من سوء حفظه فيغلط، ويخطئ. وقال أبوبكر البزار: اتفق أهل العلم بالنقل أنه لم يكن حافظاً. وقال الحافظ في التقريب: صدوق يخطئ. (والنسائي وابن ماجه) وأخرجه أيضاً أحمد.
٨٦٥- قوله: (وعن عبد الله بن أبي أوفى) هو عبد الله بن أبي أوفى، علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي أبوإبراهيم، أو أبومحمد أو أبومعاوية، صحابي ابن صحابي، شهد عبد الله بيعة الرضوان، وخيبر، وما بعد ذلك من المشاهد، ولم يزل بالمدينة حتى قبض رسول الله ﷺ ، ثم تحول إلى الكوفة، وهو آخر من بقي بالكوفة من الصحابة، مات سنة. (٨٧) بالكوفة، وكان قد كف بصره، روى خمسة وتسعين حديثاً، اتفقا على عشرة، وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بواحد، روى عنه جماعة. (أن آخذ من القرآن شيئاً) أي أتعلم وأحفظ من القرآن شيئاً أقرأه في الصلاة، أو آخذ شيئاً من القرآن ورداً. (ما يجزئني) أي يكفيني عن القراء في الصلاة، أو عن ورد القرآن. (قال) وفي بعض النسخ "فقال" وكذا وقع في أبي داود. (قل سبحان الله) الخ. فإن هذه الكلمات أحب الكلام إلى الله وأفضل الذكر بعد كلام الله. (هذا لله) أي ما ذكر من الكلمات ذكر لله، مختص له، أذكره به. (فماذا لي؟) وفي أبي داود: فما لي؟ أي علمني شيئاً يكون لي فيه دعاء واستغفار أذكره لي عند بي. (اللهم ارحمني) أي بترك المعصي أبداً، أو بغفرانها وعفوها. (وعافني) من آفات الدارين. (واهدني) أي ثبتني على دين الإسلام، أو دلني على متابعة الأحكام. (وارزقني) أي رزقاً حلالاً طيباً، كافياً مغنياً عن الأنام، أو التوفيق والقبول وحسن الاختتام. (فقال) أى فعل الرجل. (هكذا) قال الطيبي: أي أشار إشارة مثل هذه الإشارة المحسوسة. (بيديه) تفسير وبيان. (وقبضهما) قال القاري: وفي نسخة "فقضبهما، فقيل" أي عد تلك الكلمات بأنامله وقبض كل أنملة بعدد كل كلمة. وقال ابن حجر: ثم بين الراوي المراد بالإشارة بهما فقال: وقبضهما أي إشارة إلى أنه يحفظ ما أمر به كما يحفظ الشيء النفيس بقبض اليد عليه. وظاهر السياق أن المشير هو المأمور، أي حفظت ما قلت لي
стр. 1090
فقال رسول الله ﷺ : أما هذا فقد ملأ يديه من الخير.
ــ
وقبضت عليه، فلا أضعيه. ويؤيده قول الراوي. (فقال رسول الله ﷺ : أما هذا) أي الرجل. (فقد ملأ يديه من الخير) . قال ابن حجر: كناية عن أخذه مجامع الخير بامتثاله لما أمر به. قلت: وقع في رواية لأحمد (ج٤: ص٣٥٣) : ثم أدبر وهو ممسك كفيه، بدل قوله: فقال هكذا بيديه وقبضهما. ورواية أحمد هذه ظاهرة في أن الإشارة باليدين كانت من هذا الرجل لا من الرسول ﷺ ، فالمأمور هو المشير. واعلم: أنهم اختلفوا في تعيين محمل الحديث، فقال الطيبي: الظاهر أنه أراد أنى لا أستطيع أن أحفظ شيئاً من القرآن واتخذه ورداً لي فعلمني ما أجعله ورداً لي، فأقوم به آناء الليل وأطراف النهار، فلما علمه ما فيه تعظيم لله تعالى طلب ما يحتاج إليه من الرحمة والعافية والهداية والرزق. ويؤيد ما ذكرنا من أن مطلوبه ما يجعله ورداً له لا يفارقه أبداً، قبضه بيديه. أي أنى لا أفارقه ما دمت حياً. وتوهم بعضهم من إيراد هذا الحديث في هذا الباب أن هذه القصة في الصلاة، فقال: لا يجوز ذلك في جميع الأزمنة؛ لأن من قدر على تعلم هذه الكلمات يقدر على تعلم فاتحة الكتاب لا محالة، بل تأويله أني لا أستطيع أن أتعلم شيئاً من القرآن في هذه الساعة وقد دخل علي وقت الصلاة فقال له رسول الله ﷺ : قل سبحان الله، الخ. فمن دخل عليه وقت صلاة مفروضة ولم يعلم الفاتحة، وعلم شيئاً من القرآن، لزمه أن يقرأ بقدر الفاتحة عدد آيات وحروف، فإن لم يعلم شيئاً منه يقول هذه الكلمات، فإذا فرغ من تلك الصلاة لزمه أن يتعلم. وفيه: بُعد، لأن عجز العربي المتكلم بمثل هذا الكلام عن تعلم ما تصح به صلاته من القرآن مستبعد جداً، وأنى كان رسول الله ﷺ يرخص في الاكتفاء بالتسبيح على الإطلاق من غير أن يبين ماله وما عليه-انتهى. ونقل ميرك عن زيد بن العرب أنه قال: وكل هذا خلاف الظاهر، بل قوله "فعلمني ما يجزئني" مع إيراد المحدثين لهذا الحديث في هذا الباب يدل أيضاً على أن المراد القدر المجزئ في الصلاة وإلا لكان إيراده في باب التسبيح أليق، وما ذكره من الاستبعاد فغير بعيد، لأنه كما أن من العرب من هو في غاية الفصاحة والبلاغة فمنهم من هو في غاية الجلافة والبلادة-انتهى. قلت: الظاهر أن الحديث وارد في الصلاة لما مر من حديث رفاعة للترمذي في باب صفة الصلاة. قال: إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله به، ثم تشهد، فإن كان معك قرآن فاقرأ، وإلا فاحمد الله، وكبره، وهلله، ثم اركع. فإنه يدل على أن من لم يحفظ القرآن يجزئه الحمد والتكبير والتهليل، وهو مع حديث الباب دليل على أن هذه الأذكار قائمة مقام الفاتحة وغيرها لمن لا يستطيع أن لا يتعلم القرآن، وليس فيه ما يقتضي التكرار، فظاهره أنها تكفي مرة. وقد ذهب البعض إلى أنه يقولها ثلاث مرات. قال الخطابي في المعالم (ج١: ص٢٠٧) : الأصل أن الصلاة لا تجزئ إلا بقراءة فاتحة الكتاب، لقوله ﷺ : "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، ومعقول أن وجوب قراءة فاتحة الكتاب إنما هو على من أحسنها دون من لا يحسنها، فإذا كان المصلي لا يحسنها، وكان يحسن شيئاً من القرآن غيرها، كان عليه أن يقرأ منه قدر سبع آيات، لأن أولى الذكر بعد فاتحة الكتاب ما كان مثلاً
стр. 1091
رواه أبوداود. وانتهت رواية النسائي عند قوله: إلا بالله.
٨٦٦- (٣٩) وعن ابن عباس ﵁ ((أن النبي ﷺ كان إذا قرأ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ قال: سبحان ربي الأعلى.
ــ
لها من القرآن، فإن كان رجل ليس في وسعه أن يتعلم شيئاً من القرآن؛ لعجز في طبعه أو سوء حفظه أو عجمة لسان، أو آفة تعرض له، كان أولى الذكر بعد القرآن ما علمه النبي ﷺ من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير. وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: أفضل الذكر بعد كلام الله عزوجل سبحان الله، والحمدلله، ولا إله إلا الله، والله أكبر-انتهى. (رواه أبوداود) وسكت عليه، وأخرجه أيضاً أحمد وابن الجارود وصححه ابن حبان، والحاكم والدارقطني. ومدار الحديث على إبراهيم بن عبد الرحمن بن إسماعيل السكسكي أبي إسماعيل الكوفي مولى صخير. قال الحافظ في التلخيص (ص٨٩) : هو من رجال البخاري، لكن عيب عليه إخراج حديثه، وضعفه النسائي. وقال ابن القطان: ضعفه قوم لم يأتوا بحجة. وذكره النووي في الخلاصة في فصل الضعيف. وقال في شرح المهذب: رواه أبوداود والنسائي بإسناد ضعيف، وكان سببه كلامهم في إبراهيم. وقال ابن عدي: لم أجد له حديثاً منكر المتن-انتهى. ولم ينفرد به بل رواه الطبراني وابن حبان في صحيحه أيضاً من طريق طلحة بن مصرف عن ابن أبي أوفى، ولكن في سنده الفضل بن موفق ضعفه أبوحاتم-انتهى كلام الحافظ. قلت: إبراهيم السكسكي هذا ضعفه أحمد، وقال ابن القطان: كان شعبة يضعفه، كان يقول لا يحسن يتكلم. وقال النسائي: ليس بالقوي، يكتب حديثه. وقال ابن عدي: لم أجد له حديثاً منكر المتن، وهو إلى الصدق أقرب منه إلى غيره، ويكتب حديثه كما قال النسائي، وذكره العقيلي في الضعفاء وابن حبان في الثقات. وهذا يدل على أنه صدوق ثقة عند البخاري وابن القطان وابن عدي وابن حبان، وليس ممن لا يحتج بأحاديثهم، وهو الراجح، والله أعلم.
٨٦٦- قوله: (كان إذا قرأ: سبح اسم ربك الأعلى) في الصلاة أو غيرها، فريضة كانت الصلاة أو نافلة. ففيه دليل على أن للقارئ في الصلاة أو غيرها إذا مر بآياته فيها تسبيح أن يسبح. وإليه ذهب الشافعي، وهو الحق، لأن قوله "كان إذا قرأ" عام يشمل الصلاة وغيرها، ويؤيده ما روي عن علي بن أبي طالب: قرأ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [٨٧: ١] فقال: سبحان ربي الأعلى. وهو في الصلاة. فقيل له: أتزيد في القرآن، فقال: لا، إنما أمرنا بشيء فقلته. وروى البيهقي عنه أنه قرأ في الصبح بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ فقال: سبحان ربي الأعلى-الحديث. وعن أبي موسى الأشعري: أنه قرأ في الجمعة ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ فقال: سبحان ربي الأعلى. وعن سعيد بن جبير، قال سمعت ابن عمر يقرأ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ فقال: سبحان ربي الأعلى. وعن عمر مثله. وعن ابن الزبير أنه قرأ
стр. 1092
رواه أحمد، وأبوداود.
٨٦٧- (٤٠) وعن أبي هريرة، قال: ((قال رسول الله ﷺ : من قرأ منكم بـ ﴿التين والزيتون﴾ فانتهى إلى ﴿أليس الله بأحكم الحاكمين﴾ فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين.
ــ
﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ فقال: سبحان ربي الأعلى، وهو في الصلاة. وحديث ابن عمر رواه الحاكم أيضاً (ج٢: ص٥٢١) : صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. ولا دليل لمن حمل حديث ابن عباس هذا على خارج الصلاة أو خصه بصلاة النافلة، بل يرد قوله ما تقدم من آثار الصحابة. ثم إنه قيل: يستحب أيضاً للسامع أن يقول سبحان ربي الأعلى إذا سمع من القارئ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ ؛ لأنه دليل في الحديث على اختصاص هذا القول بالقارئ أو بالإمام، ولم يقل رسول الله ﷺ هذا القول لكونه إماماً أو قارئاً، بل لأن مقتضي هذه الآية أن يقول كل من قرأها أو سمعها في جوابها: سبحان ربي الأعلى، امتثالاً للأمر. قال المناوي في شرح الجامع الصغير: أخذ من ذلك أن للقارئ أو السامع كلما مر بآية تنزيه أن ينزه الله، أو تحميد أن يحمده، أو تكبير أن يكبره، وقس عليه. (رواه أحمد وأبوداود) من طريق وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وأخرجه أيضاً الحاكم (ج١: ص٢٦٤) والطبراني وابن مردويه والبيهقي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وقال العزيزي: هو حديث صحيح. وقال أبوداود: خولف وكيع في هذا الحديث. رواه أبووكيع. (يعني الجراح بن مليح وائد وكيع المذكور) وشعبة عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفا-انتهى. وأخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير عنه: أنه كان إذا قرأ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ قال: سبحان ربي الأعلى. وفي لفظ لعبد بن حميد عنه، قال: إذا قرأت ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ فقل سبحان ربي الأعلى. قيل: الموقوف له حكم المرفوع لأنه لا مسرح للاجتهاد فيه. والرفع زيادة ثقة فتقبل.
٨٦٧- قوله: (من قرأ) أي في الصلاة أو خارجها. (بـ ﴿التين والزيتون﴾ ) أي بهذه السورة. (فانتهى إلى "أليس الله بأحكم الحاكمين") أي أقضى القاضين يحكم بينك وبين أهل التكذيب بك يا محمد!. (فليقل: بلى) أي نعم. قال المناوي: لأنه قول بمنزلة السؤال فيحتاج إلى الجواب. ومن حق الخطاب أن لا يترك المخاطب جوابه فيكون السامع كهيئة الغافل، أو كمن لا يسمح إلا دعاء ونداء من الناعق به، صم بكم عمي فهم لا يعقلون، فهذه هيئة سيئة. ومن ثم ندبوا لمن مر بآية رحمة أن يسأل الله الرحمة، أو عذاب أن يتعوذ من النار، أو يذكر الجنة بأن يرغب إلى الله فيها، أو النار أن يستعيذ به منها-انتهى. (وأنا على ذلك) أي كونك أحكم الحاكمين. (من الشاهدين) أي أنتظم في سلك من له مشافهة في الشهادتين من أنبياء الله وأوليائه. قال ابن حجر: وهذا أبلغ من أنا شاهد. ومن ثم قالوا في ﴿وكانت من
стр. 1093
ومن قرأ ﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾ فانتهى إلى ﴿أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى﴾ فليقل: بلى. ومن قرأ ﴿والمرسلات﴾ فبلغ ﴿فبأي حديث بعده يؤمنون﴾ فليقل: آمنا بالله)) رواه أبوداود، والترمذي إلى قوله: ((وأنا على ذلك من الشاهدين)) .
ــ
القانتين﴾ [٦٦: ١٢] وفي ﴿إنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ [٢: ١٣٠] أبلغ من "وكانت قانتة" ومن "أنه في الآخرة صالح" لأن من دخل في عداد الكامل وساهم معهم الفضائل ليس كمن انفرد عنهم. (أليس ذلك) أي الذي جعل خلق الإنسان من نطفة تمنى في الرحم. (فليقل: بلى) قال القاري: وفي رواية "بلى إنه على كل شيء قدير"-انتهى. وأخرج ابن النجار في تاريخه عن أبي أمامة: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عند قراءته لهذه الآية: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين. (فبأي حديث بعده) أي بعد القرآن، لأنه آية مبصرة، ومعجزة باهرة، فحين لم يؤمنوا به فبأي كتاب بعده يؤمنون؟. (فليقل: آمنا بالله) أي به وبكلامه. ولعموم هذا لم يقل: آمنا بالقرآن. وقال الطيبي: أي قل: أخالف أعداء الله المعاندين-انتهى. والحديث يدل على أن من يقرأ هذه الآيات يستحب له أن يقول تلك الكلمات سواء كان في الصلاة أو خارجها. وأما قولها للسامع المقتدي أو غير المقتدي فلم أقف على حديث مرفوع صريح يدل على ذلك، لكن قد تقدم أن هذه الآيات بمنزلة السؤال فتحتاج إلى الجواب، ومن حق الخطاب أن لا يترك المخاطب جوابه فيستحب الجواب عند تلاوة هذه الآيات للقارئ والسامع كليهما إماماً أو مأموماً أو منفرداً. قال ابن عباس: من قرأ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ إماماً كان أو غيره فليقل: سبحان ربي الأعلى، ومن قرأ ﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾ [٧٥: ١] إلى آخرها، فليقل: سبحانك اللهم بلى، إماماً كان أو غيره، ذكره الخطيب. قال الحفناوي: قوله "إماماً كان أو غيره" يقتضي أن هذه الكلمة وهي "بلى" لا تبطل الصلاة، وهو كذلك، لأنها ذكر تقديس وتنزيه لله تعالى، كذا في فتح البيان (ج١: ص١٣٠) . (رواه أبوداود) من طريق ابن عيينة عن إسماعيل بن أمية، قال: سمعت أعرابياً يقول: سمعت أباهريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : من قرأ، الخ. وأخرجه أيضاً أحمد (ج٢: ص٢٤٩) وابن المنذر وابن مردوية، والبيهقي. وفي إسناده رجل مجهول، فالحديث ضعيف. (والترمذي) أي ورواه الترمذي. وفي نسخة "وللترمذي" وهو الظاهر، قال الترمذي بعد ما أخرجه مختصراً: إنما يروي بهذا الإسناد، عن هذا الأعرابي، عن أبي هريرة، ولا يسمى-انتهى. قال في فتح الودود: وهذا الأعرابي لا يعرف. وفي الإسناد جهالة. وقال الحافظ في المبهمات من التقريب: إسماعيل بن أمية عن أعرابي عن أبي هريرة لا يعرف. وسماه كما في المستدرك (ج٢: ص٥٩٠) يزيد بن عياض أحد المتروكين أبا اليسع، وهو معدود فيمن لا يعرف. وقال الذهبي في الميزان (ج٣: ص٣٨٨) والحافظ في اللسان (ج٦: ص٤٥٤) : أبواليسع لا يدرى من هو، والسند بذلك مضطرب-انتهى. والعجب من الذهبي أنه وافق الحاكم في التلخيص في تصحيح الحديث فقال: صحيح.
стр. 1094
٨٦٨- (٤١) وعن جابر، قال: ((خرج رسول الله ﷺ على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها، فسكتوا. فقال: لقد قرأتها على الجن ليلة الجن، فكانوا أحسن مردوداً منكم، كنت كلما أتيت على قوله ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبون﴾ قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد) رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب.
﴿الفصل الثالث﴾
٨٦٩- (٤٢) عن معاذ بن عبد الله الجهني، قال: ((إن رجلاً من جهنية أخبره
ــ
٨٦٨- قوله: (فسكتوا) أي الصحابة مستمعين. (ليلة الجن) أي ليلة اجتماعهم به. (فكانوا) أي الجن. (أحسن مردوداً) أي أحسن رداً وجواباً لما تضمنه الاستفهام التقريري المتكرر فيها بأي. (منكم) أيها الصحابة. قال الطيبي: المردود بمعنى الرد كالمخلوق والمعقول، نزل سكوتهم وإنصاتهم للاستماع منزلة حسن الرد، فجاء بأفعل التفضيل. ويوضحه كلام ابن الملك حيث قال: نزل سكوتهم من حيث اعترافهم بأن في الجن والإنس من هو مكذب بآلاء الله، وكذلك في الجن من يعترف بذلك أيضاً، لكن نفيهم التكذيب عن أنفسهم باللفظ أيضاً أدل على الإجابة، وقبول ما جاء به الرسول من سكوت الصحابة أجمعين، ذكره القاري. (كنت) أي تلك الليلة. (على قوله) أي على قراءة قوله تعالى: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) الخطاب للإنس والجن، أي بأي نعمة مما أنعم الله به عليكم تكذبون وتجحدون نعمه بترك شكره، وتكذيب رسله، وعصيان أمره. (لا بشيء) متعلق بنكذب الآتي. (ربنا) بالنصب على حذف حرف النداء. (نكذب) أي لا نكذب بشيء منها. (فلك الحمد) أي على نعمك الظاهرة والباطنة، ومن أتمها نعمة الإيمان والقرآن. (رواه الترمذي) وأخرجه أيضاً البزار وابن المنذر والحاكم وصححه، والبيهقي. (وقال: هذا حديث غريب) لا نعرفه إلا من حديث الوليد بني مسلم عن زهير بن محمد ثم حكى عن الإمام أحمد أنه كان لا يعرفه، وينكر رواية أهل الشام عن زهير بن محمد هذا. قلت: حديث جابر هذا رواه الوليد بن مسلم، وهو من أهل الشام عن زهير بن محمد، ففي الحديث ضعف لكن له شاهد من حديث ابن عمر، أخرجه ابن جرير والخطيب في تاريخه، والبزار والدارقطني في الأفراد وغيرهم، وصحح السيوطي إسناده، كما في فتح البيان (ج٩: ص١٦٧) قيل: أورد المصنف حديث ابن عباس وأبي هريرة لاحتمالها داخل الصلاة وخارجها، وذكر حديث جابر هذا تبعاً لهما واطراداً في حكمهما.
٨٦٩- قوله: (عن معاذ بن عبد الله الجهني) بضم الجيم وفتح الهاء، المدني تابعي صدوق، ربما وهم، قاله الحافظ. ووثقه ابن معين وأبوداود. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الدارقطني ليس بذلك. (أخبره) الضمير المستتر راجع إلى
стр. 1095
أنه سمع رسول الله ﷺ قرأ في الصبح ﴿إذا زلزلت﴾ في الركعتين كلتيهما، فلا أدري أنسي أم قرأ ذلك عمداً)) رواه أبوداود.
٨٧٠- (٤٣) وعن عروة، قال: ((إن أبا بكر الصديق، ﵁، صلى الصبح، فقرأ فيهما بسورة البقرة في الركعتين كلتيهما))
ــ
الرجل، والبارز إلى "معاذ" ولا يضر الجهل به لأنه صحابي، والصحابة كلهم عدول. (أنه) أي الرجل. (في الركعتين كلتيهما) تأكيد لدفع توهم التبعيض، أي قرأ في كل من ركعتيها ﴿إذا زلزلت﴾ [٩٩: ١] لكمالها. (أنسي؟) بهمزة الاستفهام، أي أنه قرأ في الأولى ﴿إذا زلزلت﴾ (أم قرأ ذلك عمداً) تردد الصحابي في أن إعادة النبي ﷺ للسورة هل كان نسياناً لكون المعتاد من قراءته أن يقرأ في الركعة الثانية غير ما قرأ به في الأولى، فلا يكون مشروعاً لأمته، أو فعله عمداً لبيان الجواز، فتكون الإعادة مترددة بين المشروعية وعدمها، وإذا دار الأمر بين أن يكون مشروعاً وغير مشروع فحمل فعله ﷺ على المشروعية أولى. لأن الأصل في أفعاله التشريع، والنسيان خلاف الأصل. ونظيره ما ذكره الأصوليون فيما إذا تردد فعله ﷺ بين أن يكون جبلياً أو لبيان الشرع، والأكثر على التأسي به. كذا في النيل. وقال ابن حجر: الظاهر أنه فعل عمداً ليبين به حصول أصل السنة بتكرير السورة الواحدة من قصار المفصل في الركعتين. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري. قال الشوكاني: ليس في إسناده مطعن، بل رجاله رجال الصحيح.
٨٧٠- قوله: (وعن عروة) أي ابن الزبير التابعي المشهور. (فقرأ فيهما) أي في ركعتي الصبح. وفي نسخة "فيها" كما في الموطأ، وهو الظاهر. أي في صلاة الصبح، والمراد بعد فاتحة الكتاب، واستغنى عن ذكرها لشهرتها بين الناس ولعلم الناس بذلك. (بسورة البقرة في الركعتين كلتيهما) يعني على توزيع السورة وتقسيمها. وفي حديث أنس، قال: صلى بنا أبوبكر صلاة الفجر، فافتح سورة البقرة، فقرأ بها في ركعتين، فلما سلم قام إليه عمر، فقال: ما كدت تفرغ حتى تطلع الشمس. قال: لو طلعت لألفتنا غير غافلين. وهذا إجماع منهم. وفيه رد على من قال باستحباب الإسفار، وأفضلية تأخير صلاة الفجر إلى الإسفار، وتائيد لما ذكرنا في معنى "أسفروا بالفجر" نقلاً عن الطحاوي وابن القيم من أن المراد به الإسفار دواماً لا ابتداء فيدخل فيها مغلساً، ويطول القراءة، فيخرج منها مسفراً جداً. قال الحافظ: روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أبي بكر الصديق أنه أم الصحابة في صلاة الصبح بسورة البقرة فقرأها في الركعتين، وهذا إجماع منهم-انتهى. وفيه دليل على جواز قسم السورة الواحدة بين الركعتين في الفريضة من غير كراهة.
стр. 1096
رواه مالك.
٨٧١- (٤٤) وعن الفرافصة بن عمير الحنفي، قال: ((ما أخذت سورة يوسف إلا من قراءة عثمان
ابن عفان إياها في الصبح، من كثرة ما كان يرددها)) رواه مالك.
٨٧٢- (٤٥) وعن عامر بن ربيعة، قال: ((صلينا وراء عمر بن الخطاب الصبح،
ــ
(رواه مالك) وهو منقطع؛ لأن عروة ولد في أوائل خلافة عثمان، لكنه ورد برواية أنس أخرجه الخلال كما في المغني والبيهقي (ج٢: ص٣٨٩) وعبد الرزاق بسند صحيح.
٨٧١- قوله: (عن الفرافصة) بضم الفاء الأولى، فراء، فألف، ففاء ثانية مكسورة، فصاد مهملة، على ما ضبطه الزرقاني. وفي المغني لمحمد طاهر الفتني: هو عند المحدثين بفتح الفاء الأولى. وقال الطيبي: الفاء الأولى مفتوحة عند المحدثين، وأهل اللغة لا يعرفون إلا الضم. (بن عمير) بضم العين المهملة مصغراً. (الحنفي) نسبة إلى قبيلة بن حنيفة، من الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة في الدرجة العالية. وثقه العجلي وابن حبان. وهو غير الفرافصة بن الأحوص بن عمرو بن ثعلبة الكلبي. (ما أخذت) أي ما حفظت وتعلمت. (إلا من قراءة عثمان بن عفان) لا ينصرف، وقد ينصرف، قاله القاري. (إياها) أي تلك السورة كلها. (في الصبح) أي في صلاته. (من كثرة ما كان يرددها) أي يكررها في صلوات الصبح. ومن تعليل لأخذت. وفيه أن المواظبة في أكثر الأحوال على سورة واحدة لا محذور فيها. ويحتمل أن ذلك لما بشره ﷺ بالجنة على بلوى تصيبه، كما ورد: إيذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه. وسورة يوسف فيها ذكر البلوى على يوسف ﵇، فكان فيها مناسبة به. قيل: المداومة على قراءة سورة يوسف مورثة لسعادة الشهادة وهي مجربة، والله أعلم. (رواه مالك) عن يحيى بن سعيد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن الرأي، عن القاسم بن محمد، عن الفرافصة بن عمير، وأخرجه أيضاً الشافعي والبيهقي.
٨٧٢- قوله: (عن عامر بن ربيعة) كذا في نسخ المشكاة الموجودة عندنا بلفظ "عامر بن ربيعة"، وكذا ذكره ابن الدبيع في تيسير الوصول (ج٢: ص٢٢٤) عن مالك. وهكذا أورده محمد بن سليمان المغربي في جمع الفوائد عن رزين، أي بلفظ عامر بن ربيعة، ووقع في نسخ الموطأ الحاضرة عندنا: عبد الله بن عامر بن ربيعة، وبه جزم الزرقاني حيث قال في شرحه للموطأ: وثقه العجلي، وأبوه أي عامر بن ربيعة صحابي شهير، وكذا وقع في رواية البيهقي من طريق مالك، وكذا ذكره ابن التركماني في الجوهر النقي عنه. وهكذا في رواية الطحاوي عن مالك. قيل: هذا هو الصواب. وأما ما وقع في نسخ المشكاة وتيسير الوصول فهو غلط، وليس هو من خطأ النساخ بل من المصنفين بأنفسهما؛ لأنهما
ــ
١- هو عبد الرحمن بن علي بن محمد بن يوسف الشيباني، الزبيدي الشافعي، المعروف بابن الدبيع – بكسر الدال المهملة، وسكون الياء المثناة من تحت، وفتح الموحدة، وفي آخره مهملة – ومعناه بلغة النوبة الأبيض، لقب جده على بن يوسف، وضبطه قطب الدين الحنفي في كتابه "البرق اليماني في الفتح العثماني" بفتح الدال المهملة، وبالياء المثناة التحتية الساكنة، فالباء الموحدة المفتوحة آخره عين.
стр. 1097
وقرأ فيهما بسورة يوسف وسورة الحج قراءة بطيئة، قيل له:
ــ
اقتصرا على ذكر ترجمة عامر بن ربيعة في أسماء رجال المشكاة، وجامع الأصول، ولم يذكرا ترجمة ولده عبد الله بن عامر، ولم ينتبه لذلك الخطأ القاري، بل تبعهما حيث قال: عامر بن ربيعة يكنى أباعبد الله العنزي، هاجر الهجرتين، وشهد بدراً والمشاهد كلها، وكان أسلم قديماً. وقيل: كلتا النسختين صحيحتان، وأن هذا الأثر رواه عبد الله بن عامر وأبوه كلاهما إلا أن هشاماً (شيخ مالك) أخذه عن عبد الله بن عامر بن ربيعة بلا واسطة أبيه عروة، ورواه عن عامر بن ربيعة (والد عبد الله) بواسطة أبيه، قلت: وعدم ذكر الواسطة بين هشام وعبد الله هو الصواب عند مسلم والبيهقي؛ لأن أصحاب هشام: أبا أسامة ووكيعاً وحاتماً لم يقولوا فيه لفظ "عن أبيه" وقالوا: عن هشام، قال: أخبرني عبد الله بن عامر، ووهم مالك فقال: عن هشام عن أبيه، فزاد لفظ "عن أبيه" ذكره ابن التركماني في "الجوهر النقي" نقلاً عن الاستذكار، ومعرفة السنن. وعلى هذا فالصحيح هو ما وقع في نسخ الموطأ، ورواية البيهقي والطحاوي من قوله: عبد الله بن عامر بن ربيعة، لا ما وقع في نسخ المشكاة، وتيسير الوصول من قوله: عامر بن ربيعة؛ لأن رواية هشام بلفظ الإخبار لا يمكن أن يكون عن عامر بن ربيعة؛ لأن عامراً أكثر ما قيل في وفاته سنة. (٣٧) ومولد هشام سنة مقتل الحسين أي سنة. (٦١) والله أعلم. ثم رأيت جامع الأصول للجزري قد وقع فيه (ج٦: ص٢٢٨) عامر بن ربيعة، كما وقع في تيسير الأصول. وعبد الله هذا هو عبد الله بن عامر بن ربيعة الأصغر، ولد على عهد رسول الله ﷺ ، وقيل في سنة ست من الهجرة، وتوفي رسول الله ﷺ وهو ابن أربع أو خمس سنين. وثقه أبوزرعة. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة من كبار التابعين. وقال أبوحاتم: رأى النبي ﷺ لما دخل على أمه وهو صغير. وقال ابن حبان في الصحابة أتاهم النبي ﷺ في بيتهم وهو غلام، وروايته عن الصحابة. مات سنة بضع وثمانين. وليس هو عبد الله بن عامر بن ربيعة الأكبر، الصحابي الذي استشهد بالطائف مع النبي ﷺ . وأما أبوهما عامر، فهو عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك العنزي- بسكون النون – حليف بني عدي، ثم الخطاب والد عمر. كان أحد السابقين الأولين. أسلم قبل عمر، وهاجر الهجرتين، وشهد بدراً والمشاهد كلها. وكان صاحب لواء عمر لما قدم الجابية. واستخلفه عثمان على المدينة لما حج، وقام عامر يصلي من الليل وذلك حين نشب الناس في الطعن على عثمان، فصلى من الليل ثم نام، فأتي في منامه، فقيل له قم فسل الله أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده، فقام فصلى، ثم اشتكى، فما خرج بعد إلا بجنازته، رواه مالك في الموطأ. واختلف سنة وفاته، فقيل: مات سنة. (٣٢) وقيل: (٣٣) وقيل: ٣٤) وقيل: (٣٦) وقيل: (٣٧) ، وقال في التقريب مات ليالي قتل عثمان. له اثنان وعشرون حديثاً، اتفقا على حديثين. (فقرأ فيهما) أي في ركعتيه، وفي نسخة "فيها" كما في الموطأ. أى في صلاته. (بسورة يوسف) أي كلها في الركعة الأولى. (وسورة الحج) كلها في الثانية. (قراءة بطيئة) بالهمزة ويشدد، أي قراءة مجودة مرتلة مبيّنة بدون الإسراع. (قيل له) أي لعامر أو لعبد الله ابن عامر، على ما في نسخ الموطأ. وفي الموطأ "فقلت" وهو قول هشام على رواية الجماعة. أى قال هشام: فقلت:
стр. 1098
إذا لقد كان يقوم حين يطلع الفجر. قال: أجل)) . رواه مالك.
٨٧٣- (٤٦) وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: ((ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا قد سمعت رسول الله ﷺ يؤم بها الناس في الصلاة المكتوبة)) رواه مالك.
٨٧٤- (٤٧) وعن عبد الله بن عتبة بن مسعود، قال: ((قرأ رسول الله ﷺ
ــ
لعبد الله بن عامر، أو قول أبيه عروة على رواية مالك، أي قال عروة: قلت لعامر بن ربيعة. (إذا لقد كان يقوم) أي يبتدئ بصلاة الفجر. (حين يطلع الفجر) بضم اللام، أي أول ما يظهر الصبح. قال الطيبي "إذا" جواب وجزاء، يعني إذا كان الأمر على ما ذكرت إذا والله لقام في الصلاة أول الوقت حين الغلس. (قال: أجل) أي نعم، يقوم إذ ذاك، قيل: إن تطويل الخلفاء الراشدين كما يدل عليه الآثار المتقدمة كان لعلمهم برضا من خلفهم، وبحرصهم على التطويل، وأما اليوم فالتخفيف أولى هو واجب لقوله ﷺ : من أم الناس فليخفف. وسيأتي تفصيل الكلام فيه. (رواه مالك) عن هشام ابن عروة عن أبيه: أنه سمع عبد الله بن عامر بن ربيعة يقول: صلينا، الخ. وكذا أخرجه الطحاوي والبيهقي. قال في الاستذكار: زعم مسلم بن الحجاج أن مالكاً وهم فيه؛ لأن أصحاب هشام لم يقولوا فيه لفظ "عن أبيه" وإنما قالوا: عن هشام قال: أخبرني عبد الله بن عامر. وذكر البيهقي في المعرفة أنه بدون ذكر "أبيه" هو الصواب – انتهى. وذكر ابن حزم في المحلي (ج٤: ص١٠٤) عن سفيانين كلاهما، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن حسين بن سبرة: أن عمر بن الخطاب قرأ في الفجر يوسف ثم قرأ في الثانية. (والنجم) فسجد، ثم قام فقرأ ﴿إذا زلزلت)) . وأخرجه عبد الرزاق عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير، قال: كان عمر يقرأ في الفجر بيوسف، الخ.
٨٧٣- قوله: (يؤم بها الناس في الصلاة المكتوبة) أي المفروضة على الأعيان، وهي الخمس. وقد تقدم وجه الجمع بين الروايات المختلفة في القراءة أنها باختلاف الأحوال والأوقات. (رواه مالك) لم أجده في الموطأ مع الفحص الشديد ويمكن أن يكون في غير رواية المصمودي، والظاهر أن المصنف قلد في ذلك الجزري، فقد نسبه في جامع الأصول إلى الموطأ. والحديث أخرجه أبوداود في باب من رأى التخفيف في القرآن في المغرب، وسكت عنه هو والمنذري، وفي إسناده محمد بن إسحاق، ورواه عمرو بن شعيب بالعنعنة وكذلك رواه البيهقي (ج٢: ص٣٨٨) وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢: ص١١٤) من حديث ابن عمر أنه قال: ما من سورة من المفصل الصغيرة ولا كبيرة إلا وقد سمعت رسول الله ﷺ يقرأها كلها في الصلاة. رواه الطبراني من رواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين، وهي ضعيفة – انتهى.
٨٧٤- قوله: (وعن عبد الله بن عتبة) بضم العين وسكون الفوقية بعدها موحدة. (بن مسعود) الهذلي، ابن أخي عبد الله بن مسعود، مدني الأصل، سكن الكوفة، أدرك النبي ﷺ ورآه، وهو من كبار التابعين. وثقه العجلي
стр. 1099
في صلاة المغرب بـ"حم الدخان")) رواه النسائي مرسلاً.
(١٣) باب الركوع
﴿الفصل الأول﴾
٨٧٥- (١) عن أنس، قال: ((قال رسول الله ﷺ : أقيموا الركوع والسجود، فوالله إني لأراكم من
بعدي) .
ــ
وجماعة. قال ابن سعيد: كان ثقة رفيعاً، كثير الحديث والفتيا، فقيهاً. مات في ولاية بشر في العراق سنة (٧٤) ، وقيل: (٧٣) . قال ابن عبد البر: ذكره العقيلي في الصحابة فغلط، إنما هو تابعي من كبار التابعين بالكوفة، هو والد عبيد الله بن عبد الله بن عتبة الفقيه المدني الشاعر، شيخ ابن شهاب. استعمله عمر بن الخطاب على السوق. قال: وولد في حياة النبي ﷺ ، وأتى به فمسحه بيده ودعا له. (بـ"حم الدخان") أي كلها في الركعتين. قال القاري: وفي أصل السيد جمال الدين ضبط بكسر ميم. (حم) وجر "الدخان" ووجه الأول تحريكه بالكسر لالتقاء الساكنين، ووجه الثاني أنه مضاف إليه، أو بدل؛ أو بيان. وفي نسخة بفتح الميم؛ لأن الفتحة أخف الحركات. وفي أخرى بنصب "الدخان" بتقدير أعني. (رواه النسائي مرسلاً) ؛ لأن الراوي تابعي وحذف الصحابي، كلنه اعتضد بما تقدم من قراءة السور الطويلة كالأعراف والطور والمرسلات في المغرب.
(باب الركوع) هو ركن بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. وهو لغة: الانحناء، وقد يراد به الخضوع. قيل: هو من خصائص هذه الأمة لقول بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿واركعوا مع الراكعين﴾ [٢: ٤٣] إنما قال لهم ذلك؛ لأن صلاة اليهود والنصارى لا ركوع فيها. والراكعون محمد ﷺ وأمته، ومعنى قوله تعالى: ﴿واركعي مع الراكعين﴾ [٣: ٤٣] صلي مع المصلين. قيل: حكمة تكرير السجود دونه، أنه وسيلة ومقدمة للسجود الذي هو الخضوع الأعظم، لما فيه من مباشرة أشرف ما في الإنسان لمواطئ الأقدام والنعال، فناسب تكريره؛ لأنه لمتكفل بالمقصود حيث ورد: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. وقيل غير ذلك. والأظهر أنه تعبد محض.
٨٧٥- قوله: (أقيموا الركوع والسجود) أي أكملوها، من أقام العود، إذا قومه. وفي رواية "أتموا" بدل "أقيموا". (لأراكم) بفتح اللام المؤكدة والهمزة، أي أبصركم. (من بعدي) أي من خلفي إذا ركعتم وسجدتم. قال الحافظ في الفتح: الصواب أنه محمول على ظاهره، وأن هذا الإبصار إدراك حقيقي خاص به ﷺ انخرقت له العادة. وعلى
стр. 1100
متفق عليه.
٨٧٦- (٢) وعن البراء، قال: ((كان ركوع النبي ﷺ ، وسجوده، وبين السجدتين، وإذا رفع من الركوع، وما خلا القيام والقعود، قريباً من السواء)) .
ــ
هذا عمل البخاري، فأخرج هذا الحديث في علامات النبوة، وكذا نقل عن الإمام أحمد وغيره، ثم ذلك الإدراك يجوز أن يكون برؤية عينه، انخرقت له العادة فيه أيضاً فكان يرى بها من غير مقابلة؛ لأن الحق عند أهل السنة أن الرؤية لا يشترط لها عقلاً عضو مخصوص ولا مقابلة ولا قرب، وإنما تلك أمور عادية يجوز حصول الإدراك مع عدمها عقلاً، ولذلك حكموا بجواز رؤية الله تعالى في الدار الآخرة، خلافاً لأهل البدع لوقوفهم مع العادة. وقيل كانت له عين خلف ظهره يرى بها من ورائه دائماً. وقيل: كان بين كفيه عينان مثل سم الخياط يبصر بهما لا يحجبهما ثوب ولا غير-انتهى. وظاهر الحديث أن ذلك يختص بحالة الصلاة، ويحتمل أن يكون ذلك واقعاً في جميع أحواله. وقد نقل ذلك عن مجاهد. وحكى بقي بن مخلد أنه ﷺ كان يبصر في الظلمة كما يبصر في الضوء. وسبب هذه المقالة كما تدل عليه الروايات أنهم قصروا في الصلاة وأساءوها بتفويت الخشوع، ونقصان الركوع والسجود، وعدم إحسان الصلاة، ففي الحديث الحث على الخشوع في الصلاة، والمحافظة على إتمام أركانها وأبعاضها، وأنه ينبغي للإمام أن ينبه الناس على ما يتعلق بأحوال الصلاة، ولا سيما إن رأى منهم ما يخالف الأولى. وقد سئل عن الحكمة في تحذيرهم من النقص في الصلاة برؤيته أياهم دون تحذيرهم برؤية الله تعالى لهم، وهو مقام الإحسان المبين في سؤال جبريل كما تقدم في كتاب الإيمان: اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. فأجيب: بأن في التعليل برؤيته ﷺ لهم تنبيهاً على رؤية الله تعالى لهم؛ فإنهم إذا أحسنوا الصلاة لكون النبي ﷺ يراهم، أيقظهم ذلك إلى مراقبة الله تعالى، مع ما تضمنه الحديث من المعجزة له ﷺ بذلك، ولكونه يبعث شهيداً عليهم يوم القيامة، فإذا علموا أنه يراهم يحفظوا في عبادتهم، ليشهد لهم بحسن عبادتهم. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً النسائي.
٨٧٦- قوله: (كان ركوع النبي ﷺ ) اسم كان. (وسجوده) عطف عليه. (وبين السجدتين) أي وجلوسه بينهما. (وإذا رفع) أي اعتدل، وفي رواية: وإذا رفع رأسه. (من الركوع) أي قيامه وقت رفع رأسه من الركوع؛ لأن "إذا" إذا انسلخت عن معنى الاستقبال تكون للوقت المجرد. وقال الطيبي: قوله "وبين السجدتين" و"إذا رفع" معطوفان على اسم كان، أي ركوع النبي ﷺ ، على تقدير المضاف، أي زمان ركوعه وسجوده، وبين السجدتين، ووقت رفع رأسه من الركوع. (ما خلا) بمعنى إلا. (القيام القعود) بالنصب فيهما لا غير. (قريباً) خبر كان. (من السواء) بفتح السين والمد. أي كان قريباً من المساواة والمماثلة، ولاستثناء ههنا من المعنى فإن مفهوم ذلك: كانت أفعال صلاته
стр. 1101
متفق عليه.
ــ
كلها قريبة من السواء، ما خلا القيام الذي هو للقراءة، والقعود الذي هو للتشهد، فإنه كان يطولهما. وفيه إشعار بأن فيها تفاوتاً لكنه لم يعينه، وهو دال على الطمأنينة في الاعتدال وبين السجدتين، لما علم من عاداته من تطويل الركوع والسجود. قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث يدل على أن الاعتدال ركن طويل، وحديث أنس يعني الذي بعده أصرح في الدلالة على ذلك، بل هو نص فيه، فلا ينبغي العدول عنه لدليل ضعيف ذكر في أنه ركن قصير، وهو ما قيل: إنه لم يسن فيه تكرار التسبيحات على الاسترسال، كما سنة القراءة في القيام، والتسبيحات في الركوع والسجود مطلقاً. ووجه ضعفه: أنه قياس في مقابلة النص وهو فاسد، وأيضاً فالذكر المشروع في الاعتدال أطول من الذكر المشروع في الركوع، فتكرير "سبحان ربي العظيم" ثلاثا يجيء قدر قوله: اللهم ربنا لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. وقد شرع في الاعتدال ذكر أطول كما أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفي، وأبي سعيد الخدري، وابن عباس بعد قوله: حمداً كثيراً طيباً "ملأ السموات وملأ الأرض، وملأ ما شئت من شيء بعد" زاد في حديث ابن أبي أوفي: اللهم طهرني بالثلج، الخ، وزاد في حديث الآخرين: أهل الثناء والمجد، الخ. كذا في الفتح. وفي رواية لمسلم: رمقت الصلاة مع محمد ﷺ ، فوجدت قيامه، فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدت، فجلسته بين السجدتين، فسجدته، فجلسته ما بين التسليم والانصراف، قريباً من السواء. وهذه الرواية تدل على عدم خروج حالة القيام والقعود عن بقية حالات أركان الصلاة خلافاً لرواية الباب، فقيل في وجه الجمع: إن رواية مسلم هذه محمولة على بعض الأحوال والأوقات، فكان فعل النبي ﷺ في ذلك مختلفا فتارة يستوي الجميع، وفي أكثر الأحوال يستوي ما عدا القيام والقعود. وقيل: ليس المراد بقوله قريباً من السواء أنه كان يركع بقدر قيامه، وكذا السجود والاعتدال، بل المراد أن صلاته كانت قريباً معتدلة، فكان إذا أطال القراءة أطال بقية الأركان، وإذا أخفها أخف بقية الأركان، فقد ثبت أنه قرأ في الصبح بـ (الصافات) وثبت في السنن عن أنس: أنهم حزروا في السجود قدر عشر تسبيحات، فيحمل على أنه إذا قرأ بدون (الصافات) اقتصر على دون العشر، وأقله كما ورد في السنن أيضاً ثلاث تسبيحات. ولا يخفى ما في هذا الجمع من التكلف، ويزيفه بل يرده حديث عوف بن مالك الآتي في الفصل الثالث بلفظ: فلما ركع مكث قدر سورة البقرة، الخ. وحديث حذيفة في مسلم: أنه ﷺ قرأ في ركعة بـ. (البقرة) أو غيرها، ثم ركع نحو مما قرأ، ثم قام بعد أن قال"ربنا ولك الحمد" قياماً طويلاً قريباً مما ركع. فالراجح في الجمع هو الوجه الأول، وهو أن تحمل رواية مسلم المتقدمة على بعض الأحيان والحالات، والله أعلم. (متفق عليه) أي على أصل الحديث وإلا فقوله "ما خلا القيام والقعود" من أفراد البخاري. والحديث أخرجه أيضاً الترمذي وأبوداود والنسائي.
стр. 1102
٨٧٧- (٣) وعن أنس، قال: كان النبي ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده، قام حتى نقول: قد أوهم،
ــ
٨٧٧- قوله: (حتى نقول) بالنصب على أن "حتى" بمعنى "إلى" و"أن" مضمرة، أي إلى أن نقول. و"حتى" إنما ينصب بعدها المضارع إذا كان مستقبلاً، وهذا قد وقع ومضى. والجواب أنه على حكاية الحال. وقيل بالرفع على أن يكون التقدير: قام. (أي أطال القيام) فقلنا، فإطالة القيام سبب القول، وكلا الفعلين ماض، فلم تعمل فيه حتى. وقيل: الرفع على أن الفعل بعدها حال مقارن لما قبلها، والحال لا ينصب بعد حتى ولا غيرها؛ لأن الناصب مخلص للاستقبال فتنافيا. و"حتى" المرفوع بعدها الفعل ابتدائية لا جارة؛ لأنها إنما تدخل على مفرد أو مؤول به. قال التوربشتي: نصب "نقول" بـ"حتى" وهو الأكثر. ومنهم من لا يعمل "حتى" إذا حسن "فعل" موضع "يفعل" كما يحسن في هذا الحديث: حتى قلنا قد أوهم. وأكثر الرواة على ما علمنا على النصب، وكان تركه من حيث المعنى أتم وأبلغ- انتهى. واعلم أن "حتى" إذا وقع بعدها فعل فإما أن يكون حالاً أو مستقبلاً أو ماضياً، فإن وقع حالاً رفع، نحو: مرض زيد حتى لا يرجونه، أي في الحال. وإن كان مستقبلاً نصب نحو: سرت حتى أدخل البلد وأنت لم تدخلها. وإن كان ماضياً فتحكيه، ثم حكايتك له إما أن تكون بحسب كونه حالاً بأن يقدر أنه حال فترفعه على حكاية هذا الحال، وإما أن تكون بحسب كونه مستقبلاً فتنصبه على حكاية الحال المستقبلة، فالرفع والنصب على حكاية الحال بمعنيين مختلفين، قال ابن هشام: لا ينتصب الفعل بعد "حتى" إلا إذا كان مستقبلاً، ثم إن كان استقباله بالنظر إلى زمن التكلم فالنصب واجب نحو: ﴿لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى﴾ [٢٠: ٩١] . وإن كان بالنسبة إلى ما قبلها خاصة فالوجهان نحو: ﴿وزلزلوا حتى يقول الرسول﴾ [٢: ٢١٤] الآية. فإن قولهم "إنما هو مستقبل" بالنظر إلى الزلزال، لا بالنظر إلى زمن قص ذلك علينا. وكذلك لا يرتفع الفعل بعد حتى إلا إذا كان حالاً، ثم إن كانت حاليته بالنسبة إلى زمن التكلم فالرفع واجب كقولك: سرت حتى أدخلها، إذا قلت ذلك وأنت في حالة الدخول. وإن كانت حاليته ليست حقيقية بل كانت محكية رفع، وجاز نصبه إذا لم تقدر الحكاية نحو: ﴿وزلزلوا حتى يقول الرسول﴾ قراءة نافع بالرفع بتقدير: حتى حالتهم حينئذٍ أن الرسول والذين آمنوا معه يقولون كذا وكذا. واعلم أنه لا يرتفع الفعل بعد "حتى" إلا بثلاثة شروط: أحدها أن يكون حالاً أو مؤولاً بالحال كما مثلنا. والثاني أن يكون مسبباً عما قبلها. والثالث أن يكون فضله- انتهى. ومعنى الحديث: يطيل القيام، أو إطالة حتى نظن، إذا القول قد جاء بمعناه. (قد أوهم) بفتح الهمزة والهاء، فعل ماض مبني للفاعل. قال الجزري: "أوهم في صلاته" أي أسقط منها شيئاً. يقال أوهمت الشيء إذا تركته، وأوهمت في الكلام والكتاب، إذا أسقطت منه شيئاً. ووهم ـ يعني بكسر الهاء ـ يوهم وهما ـ بالتحريك ـ إذا غلط. يعني كان يلبث في حال الاستواء من الركوع زمانا نظن أنه أسقط الركعة التي ركعها، وعاد إلى ما كان عليه من القيام. قال ابن الملك: ويقال: أوهمته، إذا أوقعته في الغلط. وعلى هذا يكون أوهم على صيغة المجهول، أي
стр. 1103
ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم)) . رواه مسلم.
٨٧٨- (٤) وعن عائشة، ﵂، قالت: ((كان النبي ﷺ يكثر أن يقول
ــ
أوقع عليه الغلط ووقف سهواً – انتهى. قيل: ويحتمل أن يكون معناه: نسى وجوب الهوى إلى السجود، أو نسى أنه في صلاة، أو ظن أنه وقت القنوت حيث كان معتدلاً، أو وقت التشهد حيث كان جالسا. ويؤيد التفسير بالنسيان التصريح به في الرواية الأخرى كما سنذكرها. (يقعد بين السجدتين) أي يطيل القعود بينهما. (حتى نقول: قد أوهم) أي نظن أنه أسقط السجدة الثانية. والحديث نص صريح في تطويل الاعتدال والجلوس بين السجدتين. وقد ترك الشافعية والحنفية هذه السنة الثابتة بالأحاديث الصحيحة من عالم، وفقيه، وإمام، ومنفرد، وصغير، وكبير، والأعظم من ذلك أنهم إذا رأوا من يطيل الاعتدال من الركوع والجلوس بين السجدتين شغبوا عليه، وجهلوه، وسفهوه، وتركوا الاقتداء به. قال بعض الحنفية معتذرا عن أمثال هذا الحديث: إن فيها مبالغة الراوي. قلت: قال شيخنا رداً عليه: كلا، ثم كلا، فإن الصحابة ﵃ كانوا لا يبالغون من عند أنفسهم في وصف صلاته، وحكاية أفعاله في الصلاة وغيرها، ولا يقصرون بل يحكون على حسب ما يرون، فحمله على مبالغة الراوي باطل مردود عليه. وحمل بعضهم حديث أنس على ابتداء الأمر حين كان يطول صلاته، قال: ثم أمر بالتخفيف بعده. وهذا ادعاء محض لا دليل على كون ما في هذا الحديث حكاية لابتداء الأمر فلا يلتفت إليه. وقال بعضهم: كانت هذه الإطالة في صلاة النافلة. وهذا الحمل أيضاً يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك، بل يرده إطلاق ما روي عن ثابت، قال: كان أنس ينعت لنا صلاة النبي ﷺ ، فكان يصلي، فإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول: قد نسي، أخرجه البخاري. وقال بعضهم: لم يذكر هذه الصفة إلا أنس من بين الصحابة الذين رووا صفة صلاته. وفيه: أنه لم يتفرد بذلك أنس، بل وافقه البراء وحذيفة كما تقدم. ولو سلم أنه لم يذكر هذه الصفة غير أنس، لا يضر من قال بمشروعيتها، فكم من صفة من صفات الصلاة تفرد بذكرها بعض الصحابة وقد أخذها الأئمة وعملوا بها وعدوها من سنن الصلاة. وقال بعضهم: فعله في الفرائض أحياناً لبيان الجواز، ولفظه "كان" للرابطة، لا لبيان المواظبة. قلت: لا مانع من حملها على التكرار، فالظاهر أن حاله ﷺ كان مختلفا، فتارة كان يطيل، وتارة كان يخفف. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أبوداود، وأخرج الشيخان عن ثابت، عن أنس، قال: إني لا آلو أن أصلي بكم كما رأيت رسول الله ﷺ يصلي بنا. قال ثابت: فكان أنس يصنع شيئاً لا أراكم تصنعوه، وكان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائماً حتى يقول القائل: قد نسى، وإذا رفع رأسه من السجدة مكث حتى يقول القائل: قد نسي.
٨٧٨- قوله: (يكثر) من الإكثار. (أن يقول) قد ورد في رواية البخاري في التفسير بيان ابتداء هذا الفعل.
стр. 1104
في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي. يتأول القرآن. متفق عليه.
٨٧٩- (٥) وعنها، ((أن النبي ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: سبوح، قدوس، رب الملائكة
والروح)) .
ــ
وأنه واظب عليه ﷺ ، ولفظها: ما صلى النبي ﷺ صلاة بعد أن نزلت عليه ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ إلا يقول فيها: سبحانك- الحديث. قيل: اختار النبي ﷺ الصلاة لهذا القول مع أنه لم يقيد بحال من الأحوال؛ لأن حالها أفضل من غيرها، فاختار أفضل الأحوال لأداء هذا الواجب، ليكون أكمل وأبلغ في الامتثال. قال الحافظ: وليس في الحديث أنه لم يكن يقول ذلك خارج الصلاة أيضاً، بل في بعض طرقه عند مسلم ما يشعر بأنه ﷺ كان يواظب على ذلك داخل الصلاة وخارجها. (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك) تقدم الكلام فيه. (يتأول القرآن) أي يعمل بما أمر به فيه. وقد تبين من الرواية المذكورة أن المراد بالقرآن بعضه، وهو السورة المذكورة، والذكر المذكور، وقوله "يتأول" حال من فاعل "يقول" أي يكثر قول ذلك حال كونه متأولاً للقرآن، أي مبنياً ما هو المراد من قوله: ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره﴾ [١١٠: ٣] آتياً بمقتضاه. وأصل الأول الرجوع والانصراف، والمآل ما يرجع إليه الأمر. وقال القرطبي، معناه: يمتثل ما آل إليه معنى القرآن في قوله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ [١١٠: ١] الخ. والحديث يؤخذ منه إباحة الدعاء في الركوع، وإباحة التسبيح في السجود، ولا يعارضه قوله الآتي ﷺ : "أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه من الدعاء"؛ لأنه لا مفهوم له، فلا يمتنع الدعاء في الركوع كما لا يمتنع التعظيم في السجود؛ لأن تعظيم الرب فيه لا ينافي الدعاء كما أن الدعاء في السجود لا ينافي التعظيم. قال ابن دقيق العيد: ويمكن أن يحمل حديث الباب على الجواز، وذلك على الأولوية، ويحتمل أن يكون أمر في السجود بتكثير الدعاء لإشارة قوله فاجتهدوا، والذي وقع في الركوع من قوله: اللهم اغفر لي، ليس كثيراً، فلا يعارض ما أمر به في السجود- انتهى. وأراد بنفي الكثرة عدم الزيادة على قوله: اللهم اغفر لي، في الركوع الواحد، فهو قليل بالنسبة إلى السجود المأمور فيه بالاجتهاد في الدعاء المشعر بتكثير الدعاء. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه.
٨٧٩- قوله: (سبوح قدوس) بضم أولهما وفتحهما، والضم أكثر استعمالاً وأفصح. قال ثعلب: كل اسم على "فعول" فهو مفتوح الأول إلا السبوح والقدوس، فإن الضم فيهما أكثر، وهما من صفات الله تعالى، والمراد المسبح والمقدس، فعول لمبالغة المفعول، فكأنه يقول مسبح مقدس. ومعنى "سبوح" المبرأ من النقائص والشريك، وكل ما لا يليق بالإلهية، و"قدوس" المطهر من كل ما لا يليق بالخالق، ولعل التكرير للتأكيد، أو أحدهما لتنزيه الذات، والآخر لتنزيه الصفات. وهما خبران مبتدءهما محذوف تقديره: ركوعي وسجودي لمن هو سبوح قدوس، أي منزه عن أوصاف المخلوقات، أو أنت سبوح أو هو سبوح. (رب الملائكة والروح) هو من عطف الخاص على العام؛ لأن
стр. 1105
رواه مسلم.
٨٨٠- (٦) وعن ابن عباس، قال: ((قال رسول الله ﷺ : ألا إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم))
ــ
الروح من الملائكة، وهو ملك عظيم يكون إذا وقف كجميع الملائكة. وقيل المراد به "جبريل" لقوله تعالى: ﴿يوم يقوم الروح والملائكة صفاً﴾ [٧٨: ٣٨] ، وقوله تعالى: ﴿نزل به الروح الأمين﴾ [٢٦: ١٩٣] وقوله تعالى: ﴿تنزل الملائكة والروح فيها﴾ [٩٧: ٤] وغير ذلك، خص بالذكر تفضيلا. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أبوداود والنسائي.
٨٨٠- قوله: (ألا) كلمة تنبيه. (إني نهيت) بضم النون وكسر الهاء على بناء المجهول. (أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً) أي عن قراءة القرآن في هاتين الحالتين. والنهي له ﷺ نهي لأمته كما يشعر بذلك قوله في الحديث "فأما الركوع" الخ. قال الطيبي: أمره إياهم بالتعظيم للرب في الركوع، وبالدعاء في السجود، يدل على أن النهي عن القراءة ليس مخصوصاً به ﵇، بل الأمة داخلون معه فيه. قلت: ويشعر به أيضاً ما في صحيح مسلم وغيره أن علياً قال: نهاني رسول الله ﷺ أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً. وهذا النهي يدل على تحريم قراءة القرآن في الركوع والسجود؛ لأن الأصل في النهي التحريم. وفي بطلان الصلاة بالقراءة حال الركوع والسجود خلاف. وحكمة النهي أن الركوع والسجود حالان دالان على غاية الذل والخضوع، ويناسبهما الدعاء والتسبيح، فنهي عن القراءة فيهما تعظيماً للقرآن الكريم؛ لأن كلام الله لكونه في غاية العظمة والجلالة لا يناسب قراءته في حالة الذلة والاستكانة، والله اعلم. (فأما الركوع) كأنه قيل: فماذا نقول فيهما؟ فقال: فأما الركوع. (فعظموا فيه الرب) أي سبحوه، ونزهوه، ومجدوه، وقد بين ﷺ كيفية هذا التعظيم، واللفظ الذي يقع به هذا التعظيم في حديثي عائشة قبل هذا، وفي أحاديث عقبة بن عامر، وابن مسعود، وحذيفة، وعوف بن مالك الآتية في هذا الباب، وفي حديث أبي هريرة، وعائشة في باب السجود وفضله. (وأما السجود فاجتهدوا) أي بالغوا. (في الدعاء) قال السندي: قوله: "فعظموا فيه الرب" أي اللائق به في تعظيم الرب، فهو أولى من الدعاء، وإن كان الدعاء جائزاً أيضاً، فلا ينافي أنه كان يقول في ركوعه: اللهم اغفرلي، وقوله فاجتهدوا في الدعاء، أي أنه محل لاجتهاد الدعاء، وأن الاجتهاد فيه جائز بلا ترك أولوية، وكذلك التسبيح فإنه محل له أيضاً- انتهى. والحديث دليل على مشروعية الدعاء حال السجود بأي دعاء كان من طلب خير الدنيا والآخرة، والاستعاذة من شرهما. وقد بين بعض الأدعية ما أفاده حديث عائشة السابق. (فقمن) هو بفتح القاف وفتح الميم وكسرها، لغتان مشهورتان، فمن فتح فهو عنده مصدره لا يؤنث، ولا يثنى، ولا يجمع، ومن كسر فهو وصف يؤنث ويثنى ويجمع، وفيه لغة ثالثة "قمين" – بزيادة الياء وفتح القاف وكسر الميم – وهو مثل القمن – بكسر الميم – في كونه وصفاً، ومعناه: جدير وحقيق. (أن يستجاب لكم) ؛
стр. 1106
رواه مسلم.
٨٨١- (٧) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا:
اللهم ربنا ولك الحمد،
ــ
لأن السجود أقرب ما يكون العبد فيه إلى ربه، فيكون الدعاء في تلك الحالة أقرب إلى الإجابة. وفي الحديث الحث على الدعاء في السجود، وأنه محل الإجابة، وقد ورد الأمر بالإكثار من الدعاء فيه في حديث أبي هريرة الآتي في باب السجود وفضله. قال الحافظ: الأمر بإكثار الدعاء في السجود يشمل الحث على تكثير الطلب لكل حاجة، كما جاء في حديث أنس: ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله، أخرجه الترمذي. ويشمل التكرار للسؤال الواحد، والاستجابة تشمل استجابة الداعي بإعطاء سؤله واستجابة المثنى بتعظيم ثوابه-انتهى. وظاهر الحديث وجوب تسبيح الركوع، ووجوب الدعاء في السجود للأمر بهما. وقد ذهب إلى ذلك أحمد بن حنبل، وطائفة من المحدثين. وقال الجمهور: إنه مستحب لحديث المسيء صلاته، فإنه لم يعلمه النبي ﷺ ذلك، ولو كان واجباً لأمره به. وفيه نظر لا يخفى على المتأمل. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي.
٨٨١- قوله: (إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد) قال القسطلاني: وللأصيلي "ولك الحمد" بالواو-انتهى. قال ابن القيم: لم يرد الجمع بين لفظ "اللهم" وبين "الواو" في حديث صحيح. قال الشوكاني: قد ثبت الجمع بينهما في صحيح البخاري من حديث أنس بلفظ: وإذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد. وقد تطابقت على هذا اللفظ النسخ الصحيحة من صحيح البخاري-انتهى. واستدل بهذا الحديث وما في معناه لمالك وأبي حنيفة على أن الإمام يكتفي بالتسميع ولا يقول "ربنا لك الحمد"، وأن المأموم يكتفي بالتحميد ولا يقول "سمع الله لمن حمده" لكون ذلك لم يذكر في هذه الرواية، وأنه ﵇ قسم التسميع والتحميد، فجعل التسميع الذي هو طلب التحميد للإمام، والتحميد الذي هو طلب الإجابة للمأموم، والتقسيم ينافي الشركة. ورد هذا الاستدلال بأنه ليس المقصود منه التقسيم، بل ذكر وقت تحميد المقتدي أنه عند قول الإمام "سمع الله لمن حمده"، وهو ساكت عن تحميد الإمام إثباتاً نفياً. قال الحافظ في الفتح: وفي الاستدلال به على ذلك نظر؛ لأنه ليس فيه ما يدل على النفي، بل فيه أن قول المأموم "ربنا لك الحمد" يكون عقب قول الإمام "سمع الله لمن حمده"، والواقع في التصوير ذلك؛ لأن الإمام يقوله في حال انتقاله، والمأموم يقول التحميد في حال اعتداله، فقوله يقع عقب قول الإمام كما في الخبر، وهذا الموضع يقرب من مسألة التأمين كما تقدم من أنه لا يلزم من قوله: إذا قال الإمام ﴿ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين. أن الإمام لا يؤمن بعد قوله ﴿ولا الضالين)) . وليس فيه أن الإمام يؤمن، كما أنه ليس في هذا أنه يقول "ربنا لك الحمد"، لكنها مستفادان من أدلة أخرى صحيحة صريحة-انتهى. وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي في السعاية
стр. 1107
(ص١٨٦) : فإن قلت آخذاً من فتح التقدير: السكوت في معرض البيان بيان، فلو كان التحميد أيضاً مشروعاً للإمام لبينه، فلما سكت عنه علم أنه ليس مشروعاً له. قلت: هذا إنما يستقيم لو كان الموضع موضع بيان أذكار الإمام والمؤتم، وهو ممنوع، فإن الظاهر من التعليق أنه موضع بيان وقت ذكر المقتدي أنه حين قول الإمام: سمع الله لمن حمده، فلا ينافيه مشروعية الذكر الآخر بعده للإمام، على أن اعتبار السكوت في موضع البيان إنما هو إذا لم يوجد حكم المتنازع فيه من موضع آخر، وأما إذا وجد حكمه صريحاً موافقاً أو مخالفاً فلا اعتبار له، كما صرحوا به في مواضع، وههنا قد وجدت مشروعية التحميد بدليل آخر، وهو ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، والبخاري من حديث ابن عمر، ومسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى، ومن حديث علي بن أبي طالب أنهم قالوا في وصف صلاة رسول الله ﷺ : أنه كان حين يرفع رأسه من الركوع يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد. فهذا صريح في مشروعية التحميد للإمام. فإن قلت: آخذاً من فتح القدير: إن أحاديث الجمع فعلية، وحديث القسمة قولي، والقول النبوي مقدم على فعله كما هو مقرر في مقره. قلت: هذا إذا كان القول دالاً صراحة على خلاف الفعل، وههنا ليس كذلك. وأي ضرورة دعت إلى حمل الحديث السابق على القسمة حتى ينافي حديث الفعل. فإن قلت: لعل زيادة التحميد كانت في النوافل. قلت: هذا مقام لا يكفي فيه ليت ولعل. والحمل بمجرد الاحتمال مستبعد جداً مع كون غالب أحوال رسول الله ﷺ الإمامة. وبالجملة فالاكتفاء بالتسميع وإن كان مشى عليه أرباب المتون لكونه قول أبي حنيفة، لكن الدليل يساعد الجمع، فهو الأحق بالاختيار خصوصاً إذا وجد اختياره من جماعة من المتأخرين. وذهب إليه الصاحبان، وروي مثله عن الإمام-انتهى كلام الشيخ اللكنوي. قلت: ذهب أحمد، والشافعي، وأبويوسف، ومحمد، والجمهور إلى أن الإمام يقول: ربنا لك الحمد، بعد التسميع كالمنفرد، واختاره الفضلي، والطحاوي، والشرنبلاني، وصاحب المنية، وعامة المتأخرين من الحنفية، وهو الأصح الموافق لما ثبت عنه ﷺ أنه كان يأتي بالتحميد بعد قوله: سمع الله لمن حمده. قال الحافظ في الفتح: الأحاديث الصحيحة تشهد له. وأما المنفرد فحكى الطحاوي، وابن عبد البر الإجماع على أنه يجمع بينهما، وجعله الطحاوي حجة لكون الإمام يجمع بينهما؛ للاتفاق على إتحاد حكم الإمام والمنفرد، لكن أشار صاحب الهداية إلى خلافه عندهم في المنفرد. وأما المأموم فقال الشافعي، وإسحاق، وعطاء، وابن سيرين، وغيرهم: هو كالإمام والمنفرد، يجمع بينهما، وذهب أحمد، ومالك، وأبوحنيفة، وصاحباه إلى أنه لا يأتي بالتسميع. واستدل الشافعي ومن وافقه بما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة: "كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة" وفيه "ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة. ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد" بانضمام قوله ﷺ "صلوا كما رأيتموني أصلي". وبما رواه الدارقطني عن أبي هريرة، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ فقال: سمع الله لمن حمده،
стр. 1108
فإنه من وافق قوله قول الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه)) متفق عليه.
٨٨٢- (٨) وعن عبد الله بن أبي أوفى، قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا رفع ظهره من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد))
ــ
قال من وراءه: سمع الله لمن حمده. لكن صرح الدارقطني بأن المحفوظ لفظ: إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فليقل من وراءه: ربنا ولك الحمد. وبما رواه الدارقطني أيضاً عن بريدة، قال: قال رسول الله ﷺ : يا بريدة! إذا رفعت رأسك من الركوع فقل: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد. وظاهره عدم الفرق بين كونه إماماً، أو منفرداً، أو مأموماً. ولكن سنده ضعيف. وليس في جمع المأموم بين التسميع والتحميد حديث صحيح صريح. قال الحافظ: زاد الشافعي: أن المأموم يجمعهما أيضاً، لكن لم يصح في ذلك شيء. (فإنه) أي الشأن. (من وافق قوله) وهو قوله: ربنا لك الحمد، بعد قول الإمام: سمع الله لمن حمده،. (قول الملائكة) أي في الزمان. (غفر له ما تقدم من ذنبه) أي من الصغائر. قال الخطابي: في هذا دلالة على أن الملائكة يقولون مع المصلي هذا القول، ويستغفرون ويحضرون بالدعاء والذكر. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً مالك، والترمذي، وأبوداود، والنسائي.
٨٨٢- قوله: (إذا رفع ظهره) أي حيث شرع في رفعه. (من الركوع قال: سمع الله لمن حمده) أي وإذا انتهى إلى الاعتدال قال قبل أن يميل إلى السجود. (اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات) بكسر الميم وبنصب الهمزة بعد اللام، وهو الأكثر والأشهر على أنه صفة مصدر محذوف. وقيل على أنه حال، أي مالئاً. وقيل على نزع الخافض، أي بملء السموات، وبرفع الهمزة على أنه صفة الحمد، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، والملء اسم ما يأخذه الإناء إذا امتلأ، وهو مجاز عن الكثرة، قال المظهر: هذا تمثيل وتقريب، إذا الكلام لا يقدر بالمكائيل ولا تسعه الأوعية، وإنما المراد منه تكثير العدد حتى لو قدر أن تلك الكلمات تكون أجساماً تملأ الأماكن لبلغت من كثرتها ما تملأ السموات والأرضين. وقيل: المراد بذلك تعظيم القدر كما يقال: هذه الكلمة تملأ طباق الأرض. وقيل: المراد بذلك أجرها وثوابها. (وملء ما شئت من شيء بعد) أي بعد ذلك، أو غير ما ذكر كالعرش والكرسي ونحوهما مما في مقدور الله تعالى. قال التوربشتي: هذا أي "ملء ما شئت" يشير إلى الاعتراف بالعجز عن أداء حق الحمد بعد استفراغ الجهد، فإنه حمده ملء السموات والأرض، وهذا نهاية إقدام السابقين، ثم ارتفع وترقى فأحال الأمر فيه على المشيئة، إذ ليس وراء ذلك للحمد منتهي، ولهذه الرتبة التي لم يبلغها أحد من خلق الله استحق ﵊ أن يسمى أحمد-انتهى. وفي هذا الحديث وحديثي أبي سعيد ورفاعة الآتيين دليل على مشروعية تطويل الاعتدال من الركوع، والذكر
стр. 1109
رواه مسلم.
٨٨٣- (٩) وعن أبي سعيد الخدري، قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد))
ــ
المذكور في هذه الأحاديث، ولا دليل لمن حملها على النافلة. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أبوداود، وابن ماجه.
٨٨٣- قوله: (اللهم) لم أجد هذا اللفظ في مسلم في رواية أبي سعيد، ووجدتها في رواية ابن عباس. (أهل الثناء والمجد) بالنصب على الاختصاص أو المدح، أو بتقدير: يا أهل الثناء، أو بالرفع بتقدير: أنت أهل الثناء. والثناء: الوصف الجميل، والمدح. والمجد: العظمة، ونهاية الشرف. (أحق ما قال العبد) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وما موصولة، أو موصوفة، أو مصدرية، و"ال" للجنس، أو للعهد، والمعهود النبي ﷺ ، أي أنت أحق بما قال العبد لك من المدح من غيرك، أو يكون التقدير: هذا الكلام، أي ما سبق من قوله: ربنا لك الحمد، الخ. أحق ما قاله العبد، أو أحق قول العبد. قال الأمير اليماني: وإنما لم يجعل "لا مانع لما أعطيت" خبراً و"أحق" مبتدأ؛ لأنه محذوف في بعض الروايات، فجعلناه جملة استئنافية إذا حذف تم الكلام من دون ذكره-انتهى. وقيل: الأظهر والأولى أن يجعل "أحق" مبتدأ وخبره "لا مانع لما أعطيت"، و"كلنا لك عبد" اعتراض بين المبتدأ والخبر، ومثل هذا الاعتراض كثير في القرآن وأشعار العرب، وإنما يعترض ما يعترض من هذا الباب للاهتمام به، وارتباطه بالكلام السابق، وتقديره هنا: أحق قول العبد: لا مانع لما أعطيت، وكلنا لك عبد، فينبغي لنا أن نقوله. وإنما كان أحق ما قاله العبد، لما فيه من التفويض إلى الله تعالى والإذعان له، والاعتراف بوحدانيته، والتصريح بأنه لا حول ولا قوة إلا به، وأن الخير والشر منه، والحث على الزهادة في الدنيا، والإقبال على الأعمال الصالحة. (لا مانع) من أحد. (لما أعطيت) أي لعبد شيئاً من العطاء. (ولا معطي) من أحد. (لما منعت) أي للشيء الذي منعته من الأشياء، أو من الإعطاء أحد، وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده﴾ [٣٥: ٢] . (ولا ينفع ذا الجد) المشهور فيه فتح الجيم، ومعناه الحظ والغنى والعظمة والسلطان، منك بمعنى عند، والمعنى: لا ينفع ذا الحظ في الدنيا بالمال والولد والعظمة والسلطان والغنى منك، أي عندك حظه وغناه، وإنما ينفعه وينجيه العمل الصالح. وقيل: المعنى: لا يسلمه من عذابك غناه، أي لا يمنع عظمة الرجل وغناه عذابك إن شئت عذابه. وقيل:
стр. 1110
رواه مسلم.
٨٨٤- (١٠) وعن رفاعة بن رافع، قال: ((كنا نصلي وراء النبي ﷺ ، فلما رفع رأسه من الركعة، قال: سمع الله لمن حمده. فقال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. فلما انصرف قال: من المتكلم آنفاً؟ قال: أنا.
ــ
"من" بمعنى بدل، أي لا ينفع ذا الحظ والإقبال بذلك- أي بدل طاعتك وتوفيقك- حفظه وإقباله. وروى الجد- بالكسر للجيم-، أي لا ينفع ذا الاجتهاد منك جده واجتهاده، وعمله، وإنما ينفعه رحمتك، وفضلك، والقبول منك بعمله. وقد ضعفت رواية الكسر. والحديث دليل على مشروعية هذا الذكر في هذا الركن لكل مصل. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أبوداود، والنسائي، وأخرج مسلم، والنسائي نحوه عن ابن عباس أيضاً.
٨٨٤- قوله: (كنا نصلي وراء النبي ﷺ ) أي في يوم من الأيام. وظاهر السياق يدل على أنه كان في صلاة الجماعة، ومن المعلوم أن المعتاد في الصلاة جماعة هو الفرض لا النفل. ونقل الحافظ في الفتح أن في رواية بشر بن عمران الزهراني، عن رفاعة بن يحيى: أن تلك الصلاة كانت المغرب، وهي صريحة في الرد على من زعم أنه التطوع. (فلما رفع رأسه) أي فلما شرع في رفع رأسه. (من الركعة) أي الركوع. (قال: سمع الله لمن حمده) وأتمه في الاعتدال. (فقال رجل) هو رفاعة بن رافع راوي الخبر، قاله ابن بشكوال، وبه جزم الحافظ. واستدل على ذلك بما رواه الترمذي وغيره عن قتيبة عن رفاعة بن يحيى الزرقي عن عم أبيه معاذ بن رفاعة، قال: صليت خلف النبي ﷺ فعطست، فقلت: الحمد لله- الحديث. قيل: هذا التفسير فيه نظر لاختلاف سياق السبب والقصة. وأجب: بأنه لا تعارض بينهما لاحتمال أنه وقع عطاسه عند رفع رأس النبي ﷺ ، ولم يذكر نفسه في حديث الباب، بل كنى عنها لقصد إخفاء عمله وطريق التجريد. ويجوز أن يكون بعض الرواة نسي اسمه وذكره بلفظ "الرجل"، وأما ما عدا ذلك من الاختلاف فلا يتضمن إلا زيادة لعل الراوي اختصرها، فلا يضر ذلك. (وراءه) أي وراء النبي ﷺ . (ولك الحمد) أي لك النعمة، ولك الحمد. (حمداً) منصوب بفعل مضمر دل عليه قوله: لك الحمد. (طيباً) أي خالصا عن الرياء والسمعة. (مباركاً فيه) أي كثير الخير. وأما قوله في رواية رفاعة بن يحيى عند الترمذي "مباركاً عليه" فالظاهر أنه تأكيد للأول. وقيل: الأول بمعنى الزيادة، والثاني بمعنى البقاء، وزاد أيضاً في الرواية المذكورة "كما يحب ربنا ويرضى"، وفيه من حسن التفويض إلى الله تعالى ما هو الغاية في القصد. (فلما انصرف) أي النبي ﷺ من صلاته. (من المتكلم؟) زاد في رواية رفاعة بن يحيى: في الصلاة، فلم يتكلم أحد، ثم قالها الثانية: من المتكلم في الصلاة؟ فلم يتكلم أحد، ثم قالها الثالثة: من المتكلم في الصلاة؟ فقال رفاعة بن رافع: أنا يا رسول الله! قال: كيف قلت؟ فذكره، فقال: والذي نفسي بيده- الحديث. (قال: أنا) أي قال الرجل: أنا المتكلم
стр. 1111
قال: رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدونها أيهم يكتبها أول)) رواه البخاري.
ــ
بذلك، أرجو الخير. فإن قلت: لم أخر رفاعة إجابة الرسول ﷺ حتى كرر سؤاله ثلاثا؟ مع وجوب إجابته عليه؛ بل وعلى غيره ممن سمع، فإنه ﵊ عم السؤال حيث قال: من المتكلم؟ أجيب: بأنه لما يعين واحدا بعينه لم تتعين المبادرة بالجواب من المتكلم، ولا من واحد بعينه، وكأنهم انتظروا بعضهم ليجيب، وحملهم على ذلك خشية أن يبدو في حقه شيء، ظناً منهم أنه أخطأ فيما فعل، ورجوا أن يقع العفو عنه، ويدل له ما في رواية سفيان، عن عبد الجبار، عن رفاعة بن يحيى عند ابن قانع: قال رفاعة: فوددت أني خرجت من مالي، وأني لم أشهد مع النبي ﷺ تلك الصلاة، وكأنه ﷺ لما رأى سكوتهم فهم ذلك، فعرفهم أنه لم يقل بأساً، ويدل لذلك حديث مالك بن ربيعة عند أبي داود: قال: من القائل الكلمة؟ فإنه لم يقل بأساً، فقال: أنا قلتها، لم أرد بها إلا خيرا. والحكمة في سؤاله ﷺ له عمن قال، أن يتعلم السامعون كلامه فيقولوا مثله. (بضعة) بكسر الباء وتاء التأنيث، وهي من الثلاث إلى تسع. (يبتدرونها) أي يسارعون في كتابة هذه الكلمات. (أيهم) بالرفع على أنه مبتدأ، وخبره هو قوله "يكتبها" قاله الطيبي وغيره. و"أي" استفهامية، وتعلقت هذه الجملة الاستفهامية بمحذوف دل عليه "يبتدرونها" والتقدير: يبتدرونها ليعلموا أيهم يكتبها أول. ويجوز في "أيهم" النصب بأن يقدر المحذوف أي فينظرون أيهم. (يكتبها) أي هذه الكلمات، وأي موصولة عند سيبويه، والتقدير: يبتدرون الذي هو يكتبها أول. وأنكر جماعة من البصريين ذلك. (أول) مبني على الضم؛ لأنه ظرف قطع عن الإضافة لفظاً لا معنى، أي أولهم، والمعنى: أن كل واحد منهم يسرع ليكتب هذه الكلمات قبل الآخر ويصعد بها إلى حضرة الله تعالى لعظم قدرها. ويروى "أول" بالفتح، ويكون حالاً وهو غير منصرف. وقال ابن الملك: أول بالنصب هو الأوجه، أي أول مرة. قال في المفاتيح: نصبه على الحال أو الظرف. وفي رواية رفاعة بن يحيى عند الترمذي: أيهم يصعد بها، ولا تعارض بين الروايتين؛ لأنه يحمل على أنهم يكتبونها ثم يصعدون بها. وأورد المصنف هذا الحديث في باب الركوع ليستدل به على مشروعية الذكر المذكور فيه الاعتدال من الركوع، وعلى جواز تطويل الاعتدال، ورفع الصوت به ما لم يشوش على من معه. لكن لا يتم هذا الاستدلال إلا إذا قيل: إن القصة المذكورة فيه غير قصة العطاس المذكورة في رواية رفاعة بن يحيى عند الترمذي. وأما إذا قيل باتحاد القصة والواقعة كما جزم به الحافظ وابن بشكوال، يكون الذكر المذكور ذكر العطاس الذي اتفق وقوعه عند رفع الرأس من الركوع، لا ذكر الاعتدال، ويكون الحديث دليلاً على أن العاطس في الصلاة يحمد الله بغير كراهة، وأن المتلبس بالصلاة لا يتعين عليه تشميت العاطس. (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً أبوداود، والنسائي. والعجب أن الحاكم روى حديث رفاعة بن رافع هذا في مستدركه على الصحيحين، وهو في البخاري، ورجال الحاكم رجاله، إلا أن في المستدرك من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن مالك، وفي البخاري، عن القعنبي، عن مالك، وقيل: إنه يكفي هذه المغايرة بينهما للاستدراك.
стр. 1112
﴿الفصل الثاني﴾
٨٨٥- (١١) عن أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود)) رواه أبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
ــ
٨٨٥- قوله: (عن أبي مسعود الأنصاري) قال ابن سعد في الطبقات (ج٦: ص٩) في ترجمته: شهد ليلة العقبة وهو صغير، ولم يشهد بدراً، وشهد أحداً. وفي التهذيب: قال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: لم يشهد بدراً، وهو قول ابن إسحاق، ونقل بعضهم أنه علل نسبة البدري بأنه نزل ماء ببدر، فنسب إليه، ثم رد الحافظ ذلك في التهذيب والإصابة بأنه ثبت في أحاديث صحاح أنه شهد بدراً، وأن هذه الأقوال لا ترد الأحاديث الصحيحة، ولذلك عده البخاري ومسلم وأبوعبيدة والحاكم أبوأحمد فيمن شهد بدراً، وانظر فتح الباري، كذا في تعليق الترمذي للشيخ أحمد محمد شاكر. (لا تجزئ) من أجزأ بهمزة في آخره، أي لا تجوز، ولا تصح، ولا تكفي (صلاة الجل) وفي حكمه المرأة. (حتى يقيم) أي يعدل ويسوي. (ظهره في الركوع والسجود) هذا لفظ أبي داود، ولفظ البقية "لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود"، قال في المجمع: أي لا يجوز صلاة من لا يسوي ظهره في الركوع والسجود، والمراد الطمأنينة- انتهى. والحديث دليل على فرضية الطمأنينة في الركوع والسجود، فإنه نص صريح في أن من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود لا تجوز صلاته، وهو المراد بفرضية الطمأنينة في الركوع والسجود، وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأحمد والجمهور، وهو مذهب أبي يوسف، وهو الحق لحديث الباب، ولحديث المسيء في صلاته، وقد تقدم. ولحديث حذيفة وأبي قتادة في الفصل الثالث. ولحديث أنس المتقدم بلفظ: أقيموا الركوع والسجود. ولحديث علي بن شيبان مرفوعاً: "يا معشر المسلمين! لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود" أخرجه أحمد وابن ماجه، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما. قال في الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات. قال السندي في حاشية النسائي، وابن ماجه: المقصود - أي من حديث الباب- الطمأنينة في الركوع والسجود، ولذلك قال الجمهور بافتراض الطمأنينة، والمشهور من مذهب أبي حنيفة ومحمد عدم الافتراض، لكن نص الطحاوي في آثاره أن مذهب أبي حنيفة وصاحبيه افتراض الطمأنينة في الركوع والسجود، وهو أقرب للأحاديث- انتهى. وقد أسلفنا الكلام فيه مفصلاً في شرح حديث المسيء في أول صفة الصلاة فتذكر. (رواه أبوداود) وسكت عنه. (والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي) وأخرجه أيضاً أحمد. (وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح) وقال الشوكاني: إسناده صحيح، ونقل المنذري كلام الترمذي وأقره.
стр. 1113
٨٨٦- (١٢) وعن عقبة بن عامر، قال: ((لما نزلت ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ قال رسول الله ﷺ : اجعلوها في ركوعكم. فلما نزلت ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ قال رسول الله ﷺ : اجعلوها في سجودكم)) رواه أبوداود وابن ماجه والدارمي.
ــ
٨٨٦- قوله: (اجعلوها) أي مضمونها ومحصولها. (في ركوعكم) يعني قولوا: سبحان ربي العظيم. (اجعلوها في سجودكم) أي قولوا: سبحان ربي الأعلى، كما يدل عليه حديث ابن مسعود، وحديث حذيفة بعد هذا، ففيهما بيان كيفية هذا الجعل. والحكمة في تخصيص الركوع بالعظيم، والسجود بالأعلى، أن السجود لما كان فيه غاية التواضع لما فيه من وضع الجبهة التي هي أشرف الأعضاء على مواطئ الأقدام، كان أفضل وأبلغ في التواضع من الركوع، فحسن تخصيصه بما فيه صيغة أفعل التفضيل وهو الأعلى، بخلاف التعظيم، جعلاً للأبلغ مع الأبلغ، والمطلق مع المطلق، وأيضاً قد صح: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"، فربما يتوهم قرب المسافة فندب "سجان ربي الأعلى" دفعاً لذلك التوهم، وأيضاً في السجود غاية انحطاط من العبد فيناسبه أن يصف فيه ربه بالعلو. والحديث يصلح متمسكاً للقائلين بوجوب تسبيح الركوع والسجود، وقد تقدم جواب الجمهور عنه. قال الطيبي: الاسم ههنا صلة بدليل أنه ﵇ كان يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، فحذف الاسم، وهذا على قول من زعم أن الاسم غير المسمى، وقيل: الاسم يجوز أن يكون غير صلة، والمعنى تنزيه اسمه عن أن يبتذل، وأن لا يذكر على وجه التعظيم، قال الرازي: كما يجب تنزيه ذاته عن النقائص، يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن الرفث وسوء الأدب. وقال السندي في حاشية ابن ماجه: قوله: "اجعلوها في ركوعكم"، أي اجعلوا التسبيح المستفاد منها، وجاء بيان ذلك التسبيح "سبحان ربي العظيم"، وهذا يفيد أن لفظ الاسم في قوله: ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ [٥٦: ٧٤] مقحم، وكذا قوله "اجعلوها في سجودكم". وقد يقال: بيان الآية بهذا التسبيح مبني على أن مفعول "سبح" محذوف أي سبحه، وقوله "باسم ربك" حال، أي حال كونه متلبساً باسمه، و"العظيم" هو بيان الاسم، وهذا أقرب إلى تطبيق الآية بالبيان فليفهم، إلا أنه لا يوافق آية السجود- انتهى. (رواه أبوداود، وابن ماجه، والدارمي) وأخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وقال: صحيح. قال الذهبي: في إسناده أياس بن عامر، وليس بالمعروف، وفي تهذيب التهذيب (ج١: ص٣٨٩) : ومن خط الذهبي في تلخيص المستدرك: ليس بالقوي- انتهى. قلت: أياس هذا قال العجلي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، وصحح له ابن خزيمة. وقال الحافظ في التقريب: صدوق. وسكت على حديثه هذا أبوداود، والمنذري، وقال النووي: إسناده حسن.
стр. 1114
٨٨٧- (١٣) وعن عون بن عبد الله، عن ابن مسعود، قال: ((قال رسول الله ﷺ : إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم، ثلاث مرات، فقد تم ركوعه، وذلك أدناه. وإذا سجد فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى، ثلاث مرات، فقد تم سجوده، وذلك أدناه)) .
ــ
٨٨٧- قوله: (وعن عون بن عبد الله) أي ابن عتبة بن مسعود، ثقة، سمع جماعة من الصحابة، وكان كثير الإرسال. وعبد الله بن مسعود عم أبيه. (سبحان ربي العظيم) بفتح ياء "ربي" ويسكن. (فقد تم ركوعه) أي كمل. (وذلك) أي المذكور من الذكر. (أدناه) في الموضعين، أي أدنى التمام، وهذا المعنى هو المتبادر من هذا السوق، قال ابن الملك: أي أدنى الكمال في العدد وأكمله سبع مرات. قال: فالأوسط خمس مرات. وقال الماوردي: إن الكمال إحدى عشرة، أو تسع، وأوسطه خمس، ولو سبح مرة حصل التسبيح- انتهى. وقيل: إن الكمال عشر تسبيحات، ويدل عليه حديث ابن جبير عن أنس في الفصل الثالث بلفظ: "فحرزنا ركوعه عشر تسبيحات، وسجوده عشر تسبيحات". وقال ابن المبارك، وإسحاق بن راهويه: يستحب خمس تسبيحات للإمام. وقال الشوكاني: لا دليل على تقييد الكمال بعدد معلوم، بل ينبغي الاستكثار من التسبيح على مقدار تطويل الصلاة من غير تقييد بعدد- انتهى. وسيأتي مزيد الكلام في شرح حديث ابن جبير في الفصل الثالث. وحديث ابن مسعود هذا قد استدل به على استحباب أن لا ينقص الرجل في الركوع والسجود من ثلاث تسبيحات، ويدل عليه أيضاً حديث حذيفة: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا ركع "سبحان ربي العظيم" ثلاث مرات، وإذا سجد "سبحان ربي الأعلى" ثلاث مرات. أخرجه ابن ماجه، وفي سنده ابن لهيعة. وحديث أبي بكرة: أن رسول الله ﷺ كان يسبح في ركوعه "سبحان ربي العظيم" ثلاثاً، وفي سجوده "سبحان ربي الأعلى" ثلاثاً. رواه البزار، والطبراني في الكبير. وقال البزار: لا نعلمه يروى عن أبي بكرة إلا بهذا الإسناد، وعبد الرحمن بن أبي بكرة صالح الحديث. وحديث جبير بن مطعم: أن النبي ﷺ كان يقول في ركوعه "سبحان ربي العظيم" ثلاثاً، وفي سجوده "سبحان ربي الأعلى" ثلاثاً. رواه البزار، والطبراني في الكبير. قال البزار: لا يروى عن جبير إلا بهذا الإسناد، وعبد العزيز بن عبيد الله صالح، ليس بالقوي. وحديث أبي مالك الأشعري: أن رسول الله ﷺ صلى، فلما ركع قال: "سبحان الله وبحمده" ثلاث مرات، ثم رفع رأسه. رواه الطبراني في الكبير. وفيه شهر بن حوشب، وفيه بعض كلام، وقد وثقه غير واحد. وحديث عبد الله بن مسعود، قال: إن من السنة أن يقول الرجل في ركوعه "سبحان ربي العظيم" ثلاثاً، وفي سجوده "سبحان ربي الأعلى" ثلاثاً. رواه البزار. وفيه السري بن إسماعيل، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ذكر هذه الأحاديث الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢: ص١٢٨) . وهذه الأحاديث وإن كان كل واحد منها لا يخلو عن كلام، إلا أن بعضها يشد بعضاً، وبمجموعها تصلح للاحتجاج بها على
стр. 1115
رواه الترمذي وأبوداود وابن ماجه. وقال الترمذي: ليس إسناده بمتصل؛ لأن عوناً لم يلق ابن مسعود.
٨٨٨- (١٤) وعن حذيفة، ((أنه صلى مع النبي ﷺ ، وكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى. وما أتى على آية رحمة إلا وقف وسأل، وما أتى على آية عذاب إلا وقف وتعوذ)) رواه الترمذي وأبوداود والدارمي. وروى النسائي وابن ماجه إلى قوله "الأعلى" وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
ــ
ذلك المطلوب. (رواه الترمذي، وأبوداود، وابن ماجه) وأخرجه أيضاً الشافعي. (وقال الترمذي: ليس إسناده بمتصل؛ لأن عوناً لم يلق ابن مسعود) وقال أبوداود: هذا مرسل، أي منقطع، عون لم يدرك عبد الله، وذكره البخاري في تاريخه الكبير، وقال: مرسل. والحديث مع انقطاعه، وعدم اتصال سنده، فيه إسحاق بن يزيد الهذلي راويه عن عون، وهو مجهول، كما صرح به في التقريب. وقال الشوكاني: قال ابن سيد الناس: لا نعلمه وثق، ولا عرف إلا برواية ابن أبي ذئب عنه خاصة، فلم ترتفع عنه الجهالة العينية ولا الحالية.
٨٨٨- قوله: (أنه صلى مع النبي ﷺ ) وفي رواية مسلم: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح (البقرة) فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتح (النساء) فقرأها، ثم افتتح (آل عمران) فقرأها، يقرأ مترسلاً، الخ. فظهر بهذه الرواية أن هذه الصلاة التي صلى بها حذيفة معه ﷺ كانت صلاة الليل. (إلا وقف وسأل) أي الرحمة. (إلا وقف وتعوذ) أي بالله من العذاب. قال القاري: حمله أصحابنا والمالكية على أن صلاته كانت نافلة، لعدم تجويزهم التعوذ والسؤال أثناء القراءة في صلاة الفرض، ويمكن حمله على الجواز؛ لأنه يصح معه الصلاة إجماعاً، ويدل عليه ندرة وقوعه- انتهى. قلت: رواية مسلم المتقدمة صريحة في أن ذلك كان في صلاة الليل، ولم نقف على نص يدل صريحاً على وقوع ذلك في صلاة الفريضة. (رواه الترمذي، وأبوداود، والدارمي) أي الحديث بكماله. وأخرجه أيضاً أحمد، وأبوداود الطيالسي، ومسلم في صحيحه. (وروى النسائي، وابن ماجه إلى قوله: الأعلى) فيه أنه أخرجه النسائي بنحوه مطولاً أيضاً. قال الجزري: حديث حذيفة هذا رواه مسلم، والترمذي والنسائي، وابن ماجه نحوه. وإيراد محي السنة له في الحسان يدل على أنه ليس في واحد من الصحيحين لاسيما وقد قال: صحيح كعادته في تصحيح ما لم يكن في واحد منهما، فكان ينبغي أن يقدمه في الصحاح؛ لأنه في صحيح مسلم، كذا نقله ميرك ولم أجده في جامع الأصول. ويمكن على بُعد أنه حمل حديث حذيفة عند مسلم وحديثه عند الترمذي، وأبي داود، وابن ماجه على قضيتين مختلفتين: الأولى في صلاة الليل، والثانية في الفريضة، أي جعلهما حديثين مختلفتين لا حديثاً واحداً، وعلى هذا فلا اعتراض عليه في إيراده لحديث حذيفة الثاني في الحسان لكونه قد ذكره في محله، والله أعلم.
стр. 1116
﴿الفصل الثالث﴾
٨٨٩- (١٥) عن عوف بن مالك، قال: ((قمت مع رسول الله ﷺ ، فلما ركع مكث قدر سورة (البقرة) ويقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة)) رواه النسائي.
٨٩٠- (١٦) وعن ابن جبير، قال: ((سمعت أنس بن مالك يقول: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاة بصلاة رسول الله ﷺ
ــ
٨٨٩- قوله: (قمت) أي مصلياً. (مع رسول الله ﷺ ) أي ليلة. (فلما ركع مكث) بضم الكاف وفتحها، أي لبث في ركوعه. قال في القاموس: المكث- مثلثاً، ويحرك- اللبث، والفعل كنصر وكرم. (قدر سورة البقرة) وفي رواية أبي داود: قمت مع رسول الله ﷺ ليلة؛ فقام فقرأ سورة البقرة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ، قال: ثم ركع بقدر قيامه. وكذا في رواية للنسائي. (سبحان ذي الجبروت والملكوت) هما مبالغة الجبر، وهو القهر، والغلبة. والملك، وهو التصرف، أي صاحب القهر والتصرف البالغ كل منهما غايته. (والكبرياء) من الكبر- بكسر الكاف- وهو العظمة، فيكون على هذا عطفها عليه في الحديث عطف تفسير، وقيل: الكبرياء عبارة عن كمال الذات وكمال الوجود قولان، ولا يوصف بها إلا الله تعالى. وقيل: الكبرياء عبارة عن كمال الذات، والعظمة عن كمال الصفات. وقيل: الكبرياء الترفع والتنزه عن كل نقص، والعظمة تجاوز القدر عن الإحاطة. ويدل على الفرق بينهما الحديث القدسي في الصحيح: ((الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني فيهما قصمته)) . أي كسرته وأهلكته. (والعظمة) زاد أبوداود في روايته: ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك، الخ. ورواية النسائي: ثم سجد بقدر ركوعه، يقول في سجوده، الخ. والحديث يدل على مشروعية هذا الذكر في الركوع والسجود، وتطويلهما بقدر القيام للقراءة، وكان فعله ﷺ في ذلك مختلفاً، فتارة يمكث فيهما بقدر قيامه للقراءة؛ فيستوي القيام والركوع والسجود، وفي أكثر الأحيان يكون القيام أطول من الركوع والسجود. وقيل: كان إذا طول القيام طول الذكر فيهما. وكان إذا خفف القيام خفف الذكر فيهما، والله أعلم. (رواه النسائي) أخرج النسائي هذا الحديث مختصراً ومطولاً، وأخرجه أيضاً أحمد، وأبوداود، لكن مطولاً فقط. وسكت عنه أبوداود، والمنذري، وقال الشوكاني: رجال إسناده ثقات.
٨٩٠- قوله: (وعن ابن جبير) هو سعيد بن جبير- بضم الجيم وفتح الموحدة وسكون الياء- ابن هشام الأزدي الوالبي مولاهم، أبومحمد، ويقال: أبوعبد الله الكوفي أحد الأعلام، كان فقيهاً، عابداً، فاضلاً، ورعاً، إماماً، حجة
стр. 1117
من هذا الفتى- يعني عمر بن عبد العزيز- قال: قال: فحزرنا ركوعه عشر تسبيحات، وسجوده عشر تسبيحات)) رواه أبوداود، والنسائي.
ــ
على المسلمين. قال الحافظ: هو ثقة، ثبت، فقيه، من أوساط التابعين، قتل بين يدي الحجاج في شعبان سنة خمس وتسعين بواسط، ولم يكمل الخمسين، ثم مات الحجاج بعده في رمضان من السنة المذكورة، ولم يسلط بعده على قتل أحد لدعاء سعيد بعد ما قال الحجاج له: اختر يا سعيد! اختر أي قتلة أقتلك؟ قال: اختر لنفسك يا حجاج! والله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة، إلى آخر ما جرى الكلام بينهما. حتى قال سعيد بعد أن كب على وجهه للذبح وشهد بالشهادتين: اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي. وقد بسط قصة قتله ابن خلكان فارجع إليه. (من هذا الفتى يعني عمر ابن عبد العزيز) أي ابن مروان بن الحكم بن العاص الأموي أمير المؤمنين، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب. ولي امرأة المدينة للوليد، وكان مع سليمان كالوزير، وولى الخلافة بعده، فعد مع الخلفاء الراشدين. مات في رجب سنة إحدى ومائة، وله أربعون سنة. ومدة خلافته سنتان ونصف، كذا في التقريب. قال ابن حجر: وعمر بن عبد العزيز أدرك أنساً، وأخذ عنه؛ لأنه ولد سنة إحدى وستين، وأنس توفي سنة إحدى وتسعين. (قال) أي ابن جبير (قال) أي أنس (فحزرنا) بحاء مهملة ثم زاي معجمة مفتوحتين، ثم راء مهملة، أي قدرنا وخمنا. (ركوعه) وفي أبي داود والنسائي"في ركوعه" أي بزيادة "في" قبل "ركوعه" يعني ركوع عمر. (عشر تسبيحات) المراد بالتسبيح هنا هو التسبيح المعروف، أي سبحان ربي العظيم، وسبحان ربي الأعلى. قيل: فيه حجة لمن قال: إن كمال التسبيح عشر تسبيحات فلا يزيد الإمام على هذا القدر، ولا ينقص من ثلاث تسبيحات، كما تقدم. قال الشوكاني: والأصح أن المنفرد يزيد في التسبيح ما أراد، وكلما زاد كان أولى. والأحاديث الصحيحة في تطويله ﷺ ناطقة بهذا. وكذلك إذا كان المؤتمون لا يتأذون بالتطويل-انتهى. قلت: الأولى للإمام بل المتعين أن يخفف في التسبيح في تمام، أي لا يطول في الركوع والسجود ما شاء، وإن كان المؤتمون لا يتآذون بالتطويل؛ لأمره ﷺ بالتخفيف مطلقاً، ولأنه لا يدري ما يطرأ عليهم. قال ابن عبد البر: ينبغي لكل إمام أن يخفف لأمره ﷺ ، وإن علم قوة من خلفه؛ فإنه لا يدري ما يحدث عليهم من حادث، وشغل وعارض وحاجة وحدث، وغيره-انتهى. (رواه أبوداود، والنسائي) وأخرجه أيضاً أحمد. قال الشوكاني: الحديث رجال إسناده كلهم ثقات إلا عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كيسان أبويزيد الصنعاني، قال أبوحاتم: صالح الحديث. وقال النسائي: ليس به بأس، وليس له عند أبي داود، والنسائي إلا هذا الحديث- انتهى. قلت: وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الحافظ في التقريب: صدوق، وسكت على حديثه أبوداود، والمنذري. قلت: وفي سنده أيضاً وهب بن ماوس وهو مستور كما في التقريب وذكره ابن حبان في الثقات.
стр. 1118
٨٩١- (١٧) وعن شقيق، قال: ((إن حذيفة رأى رجلاً لا يتم ركوعه ولا سجوده، فلما قضى صلاته دعاه، فقال له حذيفة: ما صليت. قال: وأحسبه قال: ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمداً ﷺ )) . رواه البخاري.
٨٩٢- (١٨) وعن أبي قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أسوأ الناس سرقة
ــ
٨٩١- قوله: (عن شقيق) أي ابن سلمة التابعي أبي وائل الكوفي مخضرم، روى عن الخلفاء، وحذيفة وغيرهم، اتفقوا على توثيقه وجلالته، وقد تقدم ترجمته أبسط من هذا. (رأى رجلاً) لم يعرف اسمه لكن عند ابن خزيمة، وابن حبان أنه كندي (لا يتم ركوعه ولا سجوده) جملة وقعت صفة لرجلاً، وفي رواية عبد الرزاق: فجعل ينقر ولا يتم ركوعه. (فلما قضى) أي أدى الرجل (صلاته) الناقصة الركوع والسجود (دعاه) لم أجد هذا اللفظ في البخاري. (فقال) وفي البخاري: فلما قضى صلاته قال (له) أي للرجل (ما صليت) أي صلاة صحيحة، وما نافية. وقال القسطلاني: نفي للحقيقة كقوله ﷺ للمسيء صلاته: فإنك لم تصل. وقال أيضاً: نفي عنه الصلاة؛ لأن الكل ينتفي بانتفاء الجزء، فانتفاء تمام الركوع والسجود يلزم منه انتفاء الركوع والسجود المستلزم؛ لانتفاء الصلاة (قال) أي شقيق (وأحسبه) أي أظن حذيفة. (قال) للرجل (ولو مت) أي على هذه الحالة وميم "مت" مضمومة، ويجوز كسرها على لغة من يقول: مات يمات، كخاف يخاف. والأصل موت ـ بكسر العين ـ كخوف، فجاء مضارعه على يفعل ـ بفتح العين ـ فعلى هذه الحالة يلزم أن يقال في الماضي المسند إلى التاء مت، بكسر الميم (مت على غير الفطرة) أي الطريقة، أو السنة أو الملة (التي فطر الله) أي خلق عليها (محمداً ﷺ ) الحديث دليل على افتراض الطمأنينة في الركوع والسجود، وعلى أن الإخلال بها مبطل لصلاة، وعلى تكفير تارك الصلاة؛ لأن ظاهره أن حذيفة نفى الإسلام عمن أخل ببعض أركانها فيكون نفيه عمن أخل بها كلها أولى، وهذا بناء على أن المراد بالفطرة الدين، وقد أطلق الكفر على من لم يصل، كما رواه مسلم، وهو إما على حقيقته عند قوم، وإما على المبالغة في الزجر عند آخرين. وقال الخطابي: الفطرة الملة والدين، أراد بهذا الكلام توبيخه على سوء فعله ليرتدع في المستقبل من صلاته عن مثل فعله، ولم يرد به أن تركه لذلك مخرج له من دين الإسلام. وقد تكون الفطرة بمعنى السنة كما جاء: خمس من الفطرة: السواك - الحديث. قال الحافظ: ويرجحه وروي من وجه آخر عند البخاري بلفظ "سنة محمد ﷺ ". وهذه الزيادة تدل على أن حديث حذيفة المذكور مرفوع،؛ لأن قول الصحابي: "سنة محمد ﷺ " يفيد ذلك، وقد مال إليه قوم، وخالفه آخرون، والأول هو الراجح. (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي.
٨٩٢- قوله: (أسوأ الناس) أي أقبحهم وأشرهم (سرقة) بكسر الراء وتفتح أيضاً على ما في القاموس، وهو
стр. 1119
الذي يسرق من صلاته. قالوا: يا رسول الله! وكيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها)) . رواه أحمد.
٨٩٣- (١٩) وعن النعمان بن مرة، ((أن رسول الله ﷺ قال: ما ترون في الشارب
ــ
مصدر منصوب على التمييز، قال الراغب: السرقة: أخذ ما ليس له أخذه في خفاء، وصار ذلك في الشرع لتناول الشيء من موضع مخصوص وقدر مخصوص. (الذي يسرق من صلاته) خبر أسوأ (وكيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها) زاد في المسند (ج٥: ص٣١٠) : أو قال لا يقيم صلبه في الركوع والسجود. قال الطيبي: جعل جنس السرقة نوعين متعارفاً وغير متعارف، وهو ما ينقص من هذا الركن الطمأنينة، ثم جعل غير المتعارف أسوأ من المتعارف، وإنما كان أسوأ؛ لأن السارق إذا أخذ مال الغير ربما ينتفع به في الدنيا، ويستحل من صاحبه، أو تقطع يده فيتخلص من العقاب في الآخرة، بخلاف هذا السارق، فإنه سرق حق نفسه من الثواب، وأبدل منه العقاب في العقبى، وليس في يده سوى الضرر والتعقب-انتهى. والحديث يدل على افتراض الطمأنينة في الركوع والسجود؛ لأنه ﷺ جعل ترك إقامة الصلب في الركوع والسجود، وعدم إتمامهما أقبح أنواع السرق، وجعل الفاعل لذلك أسوأ من تلبس بهذه الوظيفية الخسيسة التي لا أوضع ولا أخبث منها، تنفيراً عن ذلك، وتنبيهاً على تحريمه، وقد صرح ﷺ بعدم إجزاء صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، ونفي حقيقة الصلاة عمن لم يتم ركوعه وسجوده كما تقدم، والأحاديث في هذا الباب كثيرة، كلها ترد على من لم يقل بافتراض الطمأنينة فيهما. (رواه أحمد) (ج٥: ص٣١٠) وأخرجه أيضاً الدارمي وابن خزيمة والحاكم، وقال صحيح الإسناد. والطبراني في الكبير والأوسط. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢: ص١٢٠) : رجاله رجال الصحيح، وأخرج نحوه أحمد والبزار وأبويعلى عن أبي سعيد الخدري، والطبراني في الكبير والأوسط، وابن حبان في صحيحه، والحاكم، وصححه عن أبي هريرة، والطبراني في الثلاثة بإسناد جيد عن عبد الله بن مغفل.
٨٩٣- قوله: (عن النعمان بن مرة) الأنصاري الزرقي المدني ثقة من كبار التابعين، ووهم من عده في الصحابة. قال العسكري: لا صحبة له، وذكره البخاري ومسلم في التابعين. وقال أبوحاتم، حديثه مرسل. قال ابن عبد البر: ليس للنعمان عند مالك غير هذا الحديث. (أن رسول الله ﷺ ) قال ابن عبد البر: هكذا الرواية عن مالك مرسلاً، والحديث يتصل ويستند من وجوه صحاح من حديث أبي سعيد وأبي هريرة-انتهى. (ما ترون) بفتح التاء، أي تعتقدون وفي نسخة بضمها، أي تظنون، وهذا اختبار منه ﷺ بمسائل العلم على حسب ما يختبر به العالم أصحابه، ويحتمل أنه أراد به تقريب التعليم عليهم فقرر معهم حكم قضايا يسهل عليهم ما أراد تعليمهم إياه؛ لأنه ﷺ إنما قصد أن يعلمهم أن الإخلال بإتمام الركوع والسجود كبيرة، وهي أسوأ حالاً مما تقرر عندهم أنه فاحشة، قاله الباجي. (في الشارب) أي للخمر.
стр. 1120
والزاني، والسارق وذلك قبل أن تنزل فيهم الحدود- قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هن فواحش وفيهن عقوبة، وأسوأ السرقة الذي يسرق من صلاته. قالوا: وكيف يسرق من صلاته يا رسول الله؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها)) رواه مالك وأحمد. وروى الدارمي نحوه.
ــ
(وذلك) أي قال النعمان: وذلك السؤال. (قبل أن تنزل) بصيغة المجهول. (فيهم الحدود) أي آياتها. والمراد غير الشارب؛ لأنه لم ينزل فيه شيء، قاله أبوعبد الملك. (قالوا) أي الصحابة. (الله ورسوله أعلم) هذا كمال تأدب منهم حيث ردوا العلم إلى الله عزوجل ورسوله ﷺ . (قال) ﷺ . (هن) أي تلك المعاصي. (فواحش) جمع فاحشة، وهي ما فحش أي اشتد وكبر قبحه من الذنوب، والمعنى أنها ذنوب كبائر. (وفيهن عقوبة) تطلق على ما يعاقب به المعتدي، ولا تختص بجنس ولا قدر، أي فيهن عقوبة أخروية، أو ستنزل، والتنوين للتعظيم. (وأسوأ السرقة) قال ابن عبد البر: رواية الموطأ بكسر الراء، والمعنى: أسوأ السرقة سرقة من يسرق صلاته، وقد جاء في القرآن ﴿ولكن البر من آمن بالله﴾ [٢: ١٧٧] ، أي ولكن البر بر من آمن بالله، ومن روى بفتح الراء فالسرقة جمع سارق كالكفرة والفسقة – انتهى. وعلى هذا قوله: (الذي يسرق من صلاته) خبر بلا تأويل، وأما على الرواية الأولى فيحتاج إلى حذف المضاف كما بينه ابن عبد البر. قال الطيبي: قوله: "أسوأ السرقة" مبتدأ، و"الذي يسرق" خبره على حذف مضاف، أي سرقة الذي يسرق، ويجوز أن يكون السرقة - بفتح الراء- جمع سارق كفاجر وفجرة، ويؤيده حديث أبي قتادة: أسوأ الناس سرقة- انتهى. (وكيف يسرق) أحد (صلاته) وفي بعض النسخ "صلاته" بالنصب. (لا يتم ركوعها ولا سجودها) خصهما بالذكر؛ لأن الإخلال يقع فيهما غالباً. وسماه سرقة باعتبار أنه خيانة فيما أؤتمن به. قال الباجي: ويحتمل أن يقال: إنه يسرقها من الحفظة المؤكلين بحفظه-انتهى. . (رواه مالك) عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن النعمان بن مرة مرسلاً. قال ابن عبد البر: لم يختلف رواة مالك في إرسال هذا الحديث عن النعمان، وقال الحافظ في الإصابة (ج٣: ص٥٩٠) في القسم الرابع من حرف النون: ليس للنعمان عند مالك غير هذا الحديث. واختلف فيه على مالك وغيره، وللمتن شاهد من حديث الحسن عن عمران بن حصين أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وآخر من حديث أبي سعيد الخدري، أخرجه أبوداود الطيالسي في مسنده، وآخر عن أبي هريرة بمعناه. وروى النعمان هذا الحديث عن علي وجرير وأنس-انتهى. (وأحمد) كذا في النسخ الحاضرة عندنا، ويظهر من كلام القاري: أنه لم تتفق النسخ الموجودة عنده على ذكر لفظ "أحمد"، بل لم يجده إلا في نسخة صحيحة عنده. والظاهر أن ذكره خطأ من الناسخ، والقرينة على هذا أنه لم يعز هذا الحديث الحافظ في الإصابة، والمنذري في الترغيب إلى أحمد، ولا ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد. وهذا يدل على أنه ليس من زوائد مسند أحمد لكونه مروياً في الموطأ، والله أعلم،. (وروى الدارمي نحوه) أي معناه دون لفظه. والظاهر أن هذا وهم من المصنف؛ لأنه لم يرو
стр. 1121
(١٤) باب السجود وفضله
﴿الفصل الأول﴾
٨٩٤- (١) عن ابن عباس، قال: ((قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، واليدين،
ــ
الدارمي هذا الحديث عن النعمان بن مرة لا باللفظ المذكور ولا بمعناه، نعم رواه من حديث أبي قتادة في باب "الذي لا يتم الركوع والسجود"، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥: ص٣١٠) .
(باب السجود) أي كيفيته (وفضله) أي ما ورد في فضيلته؛ لأنه بانفراد عبادة بخلاف الركوع. والسجود في الأصل: تذلل مع تطامن وانحناء، وفي الشرع: عبارة عن وضع الوجه على الأرض على وجه مخصوص. وقيل: عبارة عن وضع الجبهة على الأرض على قصد العبادة.
٨٩٤- قوله: (أمرت) بضم الهمزة على صيغة المجهول، والآمر هو الله ﷻ . وفي رواية للبخاري: أمرنا –بضم الهمزة ونون الجمع- أي أنا وأمتي، وهو دال على أن الخطاب لعموم الأمة لا للنبي ﷺ خاصة، واللفظ يقتضي الوجوب، قيل: وفيه نظر؛ لأنه ليس فيه صيغة "أفعل". قال الشوكاني: هذا النظر ساقط؛ لأن لفظ "أمر" أدل على المطلوب من صيغة "افعل" كما تقرر في الأصول، وعرف ابن عباس هذا بإخبار ﷺ له أو لغيره (سبعة أعظم) جمع عظم، وفي رواية: سبعة أعضاء. قال ابن دقيق العيد: سمي كل من هذه الأعضاء عظما وإن اشتمل على عظام باعتبار الجملة، ويحتمل أن يكون ذلك من باب تسمية الجملة باسم بعضها (على الجبهة) بدل بإعادة الجار. والجبهة: مستوى ما بين الحاجبين إلى الناصية. وقيل: هي ما بين الجبينين، وهما قرنا الرأس وجانباه، وقدمها لكونها أشرف الأعضاء المذكورة، أو أشهرها في تحصيل هذا الركن. قيل: والأنف تبع للجبهة، وقد وقع في رواية لمسلم والنسائي: أمرت أن أسجد على سبع، ولا أكفت الشعر ولا الثياب: الجبهة والأنف، الخ. قال السندي: قوله: "الجبهة والأنف" لكونهما من أجزاء الوجه فعدهما بمنزلة عدتا واحدة من السبعة، وإلا يلزم الزيادة على السبعة – انتهى. وفي رواية للشيخين: على الجبهة وأشار بيده على أنفه. قال السندي: أي إلى الأنف وما يتصل به من الجبهة ليوافق الأحاديث السابقة-انتهى. وفي رواية للنسائي في آخرها: قال ابن طاووس: ووضع يده على جبهته وأمرها على أنفه، وقال: هذا واحد. وهذه رواية مفسرة. قال القرطبي: هذا يدل على أن الجبهة الأصل في السجود، والأنف تبع (واليدين) أي الكفين، فقد وقع في رواية لمسلم بلفظ: "الكفين" وقال ابن حجر: أي بطونهما لخبر البيهقي: كان رسول الله ﷺ إذا
стр. 1122
والركبتين، وأطراف القدمين،
ــ
سجد ضم أصابعه وجعل يديه حذو منكبيه، ويرفع مرفقيه، ويعتمد على راحتيه. قيل: ويندب ضم أصابع اليدين؛ لأنها لو انفرجت انحرفت رؤوس بعضها عن القبلة. (وأطراف القدمين) بأن يجعل قدميه قائمتين على بطون أصابعهما وعقباه مرتفعان فيستقبل بظهور قدميه القبلة. والحديث يدل على وجوب السجود على هذه الأعضاء السبعة جميعاً؛ لأن الأمر للوجوب، وإليه ذهب طاووس، وإسحاق، وأحمد، وزفر، والشافعي في أحد قولية. وقال مالك، وأبوحنيفة، والشافعي في القول الآخر: أنه لا يجب السجود على غير الوجه. والراجح عندي ما ذهب إليه الأولون، وهو الأصح الذي رجحه الشافعي لحديث الباب، ولحديث العباس بن عبد المطلب: أنه سمع النبي ﷺ يقول: إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب- الحديث. رواه الجماعة إلا البخاري. ولحديث البراء الآتي: إذا سجدت فضع كفيك، الخ. ولحديث ابن عمر رفعه: أن اليدين يسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه، وإذا رفعه فليرفعهما. رواه أحمد وأبوداود والنسائي. واحتج من قال: إن الواجب الجبهة دون غيرها بحديث المسيء صلاته حيث قال فيه: "ويمكن جبهته"، فكان قرينة على حمل الأمر ههنا على غير الوجوب. وأجيب عنه: بأن هذا لا يتم إلا بعد معرفة تقدم هذا على حديث المسيء صلاته ليكون قرينة على حمل الأمر على الندب، وأما لو فرض تأخره لكان في هذا زيادة شرع، ويمكن أن تتأخر شرعيته، ومع جهل التاريخ يرجح العمل بالموجب لزيادة الاحتياط. وقال ابن دقيق العيد: هذا غايته أن تكون دلالته. (أي دلالة حديث المسيء صلاته) دلالة مفهوم لقب أو غاية، والمنطوق الدال على وجوب السجود على هذه الأعضاء مقدم عليه، وليس هذا من باب تخصيص العموم بالمفهوم. قال: وأضعف من هذا استدلالهم بحديث: "سجد وجهي"، قالوا: فأضاف السجود إلى الوجه، فإنه لا يلزم من إضافة السجود إلى الوجه انحصار السجود فيه. وقال ابن قدامة: سجود الوجه لا ينفي سجود ما عداه. قال ابن دقيق العيد: وأضعف من هذا الاستدلال على عدم الوجوب بأن مسمى السجود يحصل بوضع الجبهة، فإن هذا الحديث يدل على إثبات زيادة على المسمى فلا تترك. وأضعف من هذا المعارضة بقياس شبهي ليس بقوي مثل أن يقال: أعضاء لا يجب كشفها فلا يجب وضعها كغيرها من الأعضاء سوى الجبهة. قال ابن قدامة: سقوط الكشف لا يمنع وجوب السجود، فإنا نقول كذلك في الجبهة على رواية، وعلى الرواية الأخرى فإن الجبهة هي الأصل وهي مكشوفة عادة بخلاف غيرها- انتهى. قال ابن دقيق العيد: وظاهر الحديث أنه لا يجب كشف شيء من هذه الأعضاء؛ لأن مسمى السجود يحصل بوضعها دون كشفها، ولم يختلف في أن كشف الركبتين غير واجب لما يحذر فيه من كشف العورة، وأما عدم وجوب كشف القدمين فلدليل لطيف، وهو أن الشارع وقت المسح على الخف بمدة تقع فيها الصلاة بالخف، فلو وجب كشف القدمين لوجب نزع الخف المقتضي لنقض الطهارة فتبطل الصلاة- انتهى. ويمكن أن يخص ذلك بلابس الخف لأجل الرخصة، وأما كشف اليدين والجبهة، فقيل: يجب،
стр. 1123
وقيل: لا يجب، والأحاديث من الجانبين غير ناهضة كما قال البيهقي، والأولى أن يكشف المصلي اليدين والجبهة، ويباشر بهما ليخرج من الخلاف، ويأخذ بالعزيمة. ثم إنه يجب أن يجمع الجبهة والأنف في السجود عند أحمد في رواية، وابن حبيب من المالكية، وسعيد بن جبير، وإسحاق، وأبي خيثمة، وهو قول للشافعي فلا يجوز عندهم الاقتصار على أحدهما. وقال أحمد في رواية أخرى، ومالك، والشافعي، وعطاء، وطاووس، وابن سيرين، وصاحبا أبي حنيفة: أبويوسف ومحمد: لا يجب السجود على الأنف بل يجوز الاقتصار على الجبهة، ولا يجزىء الاقتصار على الأنف. وقال أبوحنيفة: يجوز الاقتصار على الأنف وحدها. والحق ما ذهب إليه الأولون من وجوب السجود على مجموع الجبهة والأنف لما تقدم من حديث ابن عباس عند مسلم والنسائي، فإن فيه ذكر الجبهة والأنف معاً. ولما تقدم أيضاً من رواية ابن عباس بلفظ: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة، وأشار بيده على أنفه. فإن إشارته إلى أنفه تدل على أنه أراده. ولما روى عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: من لم يلزق أنفه مع جبهته بالأرض إذا سجد لم تجز صلاته. رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢: ص١٢٦) وقال: رجاله موثقون وإن كان في بعضهم اختلاف من أجل التشيع-انتهى. ولما روى أحمد من حديث وائل قال: رأيت رسول الله ﷺ يسجد على الأرض واضعاً جبهته وأنفه في سجوده. ولما روى عن أبي حميد أنه ﷺ كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من الأرض. أخرجه الترمذي، وأبوداود، وابن خزيمة في صحيحه، وصححه الترمذي. ولما روى عكرمة أن النبي ﷺ قال: لا صلاة لمن لا يصيب أنفه من الأرض ما يصيب الجبهة. رواه الأثرم والإمام أحمد، ورواه أبوبكر بن عبد العزيز، والدارقطني في الأفراد متصلاً عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، والصحيح أنه مرسل، قاله ابن قدامة في المغني (ج١: ص٥٦٠) وقال ابن حجر: هو مرسل، ورفعه لا يثبت-انتهى. قال القاري: والمرسل حجة عندنا. وهو في حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال مثل هذا بالرأي. ولما روى إسماعيل بن عبد الله المعروف بسمويه في فوائده عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: إذا سجد أحدكم فليضع أنفه على الأرض، فإنكم قد أمرتم بذلك. ولما روى عن أبي سعيد في حديث طويل، قال: حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهة رسول الله ﷺ وأرنبته تصديق رؤياه. قال الخطابي: فيه دليل على وجوب السجود عليهما، ولولا ذلك لصبانهما عن لوث الطين. واستدل للجمهور بحديث ابن عباس الذي أورده المؤلف، فإنه لم يذكر الأنف فيه. وفيه: أنه قد ذكرها في رواية مسلم والنسائي، فتحمل رواية الباب على الاختصار. وبحديث جابر، قال: رأيت النبي ﷺ سجد بأعلى جبهته على قصاص الشعر. رواه تمام في فوائده وغيره، وإذا سجد بأعلى الجبهة لم يسجد على الأنف، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد بلفظ: أن النبي ﷺ كان يسجد على جبهته مع قصاص الشعر. قال: رواه أبويعلى والطبراني في الأوسط إلا أنه قال: على جبهته على قصاص الشعر. وفيه أبوبكر
стр. 1124
ولا نكفت الثياب والشعر))
ــ
ابن عبد الله بن أبي مريم، وهو ضعيف لاختلاطه. واستدل لأبي حنيفة بما في رواية للشيخين: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة، وأشار بيده على أنفه، فإنه سمى الجبهة وأشارة إلى الأنف، والتسمية إذا تعارضت بالإشارة فالعبرة عند الحنفية بالإشارة، فإنها أبلغ في التعيين، وحينئذٍ لما كانت الإشارة إلى الأنف دلت على أن الاقتصار عليه كافٍ. وتعقب بأن قوله "على الأنف" تعبير من الراوي لا تحاد جهة الأنف والجبهة، فكيف تعين كونها إلى الأنف؟ لم لا يجوز أن يكون أشار إلى الجبهة؟ ولما كانت جهته جهة الأنف عبر عنه الراوي بما ترى. وقال ابن دقيق العيد: الحق أن الإشارة لا تعارض التصريح بالجبهة؛ لأنها قد لا تعين المشار إليه فإنها إنما تتعلق بالجهة، فإذا تقارب ما في الجهة أمكن أن لا يعين المشار إليه يقيناً، وأما اللفظ فإنه معين لما وضع له فتقديمه أولى-انتهى. وقد رأيت أن لفظ الحديث إنما عين الجبهة فلا يجزئ الأنف وحدها، وإلا لزم تقديم الأضعف دلالة وهو الإشارة على الأقوى وهي العبارة. واستدل أيضاً لأبي حنيفة بالرواية التي جمع فيها ذكر الجبهة والأنف معاً، ووجه الاستدلال أنه جعلهما كعضو واحد، فإنه لو كان كل واحد منهما عضواً مستقلاً للزم أن تكون الأعضاء ثمانية، وإذا كان كعضو واحد لزم منه أن يكتفي بالسجود على الأنف وحدها؛ لأن كل واحد منهما بعض العضو، والعضو الواحد يجزيه السجود على بعضه. وأنت خبير بأن المشي على الحقيقة هو المتحتم. والمناقشة بالمجاز بدون موجب للمصير إليه غير ضائرة، ولا شك أن الجبهة والأنف حقيقة في المجموع، ولا خلاف أن السجود على مجموع الجبهة والأنف مستحب. قال في الشرح الكبير (ج١: ص٥٦١) بعد ذكر قول أبي حنيفة: هذا قول يخالف الحديث الصحيح والإجماع الذي قبله. قال ابن المنذر: لا أعلم أحداً سبق إلى هذا القول-انتهى. وكذا قال ابن قدامة في المغني. واعلم أن ابن الهمام اختار أن وضع السبعة واجب، والمشهور في كتب الحنفية وجوب وضع الجبهة وإحدى الرجلين فقط، لكن ذكر ابن عابدين في وضع القدمين ثلاث روايات: فرضية وضعهما، وفرضية وضع إحدهما، وعدم الفرضية أي سنية الوضع، ثم ذكر بعد بسط الروايات في المذهب: الحاصل أن المشهور في كتب المذهب اعتماد الفرضية، والأرجح من حيث الدليل والقواعد عدم الفرضية. (ولا نكفت) بفتح النون وسكون الكاف وكسر الفاء، آخره مثناة فوقية، روي بالنصب عطفاً على المنصوب السابق وهو "يسجد" أي أمرت أن لا نكفت، ويجوز رفعه على أن الجملة مستأنفة. من كفت الشئ إليه، ضمه وجمعه. ومنه قوله تعالى: ﴿ألم نجعل الأرض كفاتاً﴾ [٧٧: ٢٥] أي كافتة، اسم لم يكفت أي يضم ويجمع. وفي رواية لمسلم: ولا أكف، من الكف بلفظ الواحد، وهو أنسب لقوله: أمرت أن أسجد. (الثياب والشعر) وفي بعض النسخ: ولا الشعر، بزيادة "لا" للتأكيد، والمراد شعر الرأس، والمعنى: أمرت أن نرسل الثياب والشعر، ولا نضمهما إلى أنفسنا وقاية لهما من التراب، بل نتركهما حتى يقعا على الأرض لنسجد بجميع الأعضاء والثياب. وكفتهما: أن يعقص الشعر ويعقده خلف القفا، أو يضمه تحت
стр. 1125
متفق عليه.
٨٩٥- (٢) وعن أنس، قال: ((قال رسول الله ﷺ : اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه
انبساط الكلب)
ــ
عمامته، أو يشده بشيء، وأن يشمر ثوبه، أو يشد وسطه، أو يغرز عذبته. قيل: النهي ههنا محمول على التنزيه. والحكمة فيه أن الشعر والثوب يسجدان معه، وفي رفعهما نقص الأجر الذي يترتب على سجود الثياب والشعر. وقيل: إنه إذا رفع شعره أو ثوبه عن مباشرة الأرض أشبه المتكبرين، وجاء في حكمة النهي عن ضم الشعر أن غرزة الشعر يقعد فيها الشيطان حالة الصلاة، كما في سنن أبي داود بإسناد جيد أن أبا رافع رأى الحسن بن علي يصلي قد غرز ضفيرته في قفاه فحلها، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ذلك مقعد الشيطان. وظاهر الحديث يقتضي أن النهي في حال الصلاة، وإليه مال الداوودي، ورده القاضي عياض بأنه خلاف ما عليه الجمهور، فإنهم كرهوا ذلك للمصلي سواء فعله في الصلاة أو قبل أن يدخلها. قال النووي: وهو المختار الصحيح، وهو الظاهر المنقول عن الصحابة وغيرهم-انتهى. قال الحافظ: واتفقوا على أنه لا يفسد الصلاة، لكن حكى ابن المنذر عن الحسن وجوب الإعادة. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد، وللحديث ألفاظ عند الشيخين، وأحمد، وأصحاب السنن، وفي الباب عن العباس بن عبد المطلب، وأبي هريرة، وابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهم.
٨٩٥-قوله: (اعتدلوا في السجود) يعني توسطوا بين الافتراض والقبض بوضع الكفين على الأرض، ورفع المرفقين عنها وعن الجنبين، والبطن عن الفخذ رفعاً بليغاً بحيث تظهر بواطن آباطكم إذا لم تكن مستورة، إذ هو أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، وأبعد من الكسالة. قال ابن دقيق العيد: لعل المراد بالاعتدال هنا وضع هيئة السجود على وفق الأمر؛ لأن الاعتدال الحسي المطلوب في الركوع لا يتأتى هنا، فإنه هناك استواء الظهر والعنق، والمطلوب هنا ارتفاع الأسافل على الأعالي. قال: وقد ذكر الحكم هنا مقروناً بعلته، فإن التشبه بالأشياء الخسيسة مما يناسب تركه في الصلاة-انتهى. والهيئة المنهي عنها أيضاً مشعرة بالتهاون بالصلاة وقلة الاعتناء بها، والإقبال عليها. قيل: وهذا في حق الرجل لا المرأة، فإنها تخالفة في ذلك، لما أخرجه أبوداود في مراسيله عن يزيد بن أبي حبيب: أن النبي ﷺ مر على امرأتين تصليان فقال: إذا سجدتما فضما بعض اللحم إلى الأرض، فإن المرأة في ذلك ليست كالرجل. قال البيهقي: وهذا المرسل أحسن من موصولين فيه، يعني من حديثين موصولين ذكرهما البيهقي في سننه، وضعفهما؛ لأن في كل منهما متروكاً. وارجع للتفصيل إلى فتاوى (ص١٤٨) شيخ مشائخنا خاتمة الحفاظ الشيخ حسين بن محسن الأنصاري. (ولا يبسط) بضم السين من نصر، وهي نهي، وقيل نفي. (أحدكم ذراعيه) أي لا يجعل ذراعيه على الأرض كالبساط والفراش. (انبساط الكلب) بالنصب، أي مثل انبساط الكلب، وهو وضع الكفين مع المرفقين على الأرض، والانبساط
следующие страницы →