Полный текст (4 545 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
(١٤) باب السجود وفضله
﴿الفصل الأول﴾
٨٩٤- (١) عن ابن عباس، قال: ((قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، واليدين،
ــ
الدارمي هذا الحديث عن النعمان بن مرة لا باللفظ المذكور ولا بمعناه، نعم رواه من حديث أبي قتادة في باب "الذي لا يتم الركوع والسجود"، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥: ص٣١٠) .
(باب السجود) أي كيفيته (وفضله) أي ما ورد في فضيلته؛ لأنه بانفراد عبادة بخلاف الركوع. والسجود في الأصل: تذلل مع تطامن وانحناء، وفي الشرع: عبارة عن وضع الوجه على الأرض على وجه مخصوص. وقيل: عبارة عن وضع الجبهة على الأرض على قصد العبادة.
٨٩٤- قوله: (أمرت) بضم الهمزة على صيغة المجهول، والآمر هو الله ﷻ . وفي رواية للبخاري: أمرنا –بضم الهمزة ونون الجمع- أي أنا وأمتي، وهو دال على أن الخطاب لعموم الأمة لا للنبي ﷺ خاصة، واللفظ يقتضي الوجوب، قيل: وفيه نظر؛ لأنه ليس فيه صيغة "أفعل". قال الشوكاني: هذا النظر ساقط؛ لأن لفظ "أمر" أدل على المطلوب من صيغة "افعل" كما تقرر في الأصول، وعرف ابن عباس هذا بإخبار ﷺ له أو لغيره (سبعة أعظم) جمع عظم، وفي رواية: سبعة أعضاء. قال ابن دقيق العيد: سمي كل من هذه الأعضاء عظما وإن اشتمل على عظام باعتبار الجملة، ويحتمل أن يكون ذلك من باب تسمية الجملة باسم بعضها (على الجبهة) بدل بإعادة الجار. والجبهة: مستوى ما بين الحاجبين إلى الناصية. وقيل: هي ما بين الجبينين، وهما قرنا الرأس وجانباه، وقدمها لكونها أشرف الأعضاء المذكورة، أو أشهرها في تحصيل هذا الركن. قيل: والأنف تبع للجبهة، وقد وقع في رواية لمسلم والنسائي: أمرت أن أسجد على سبع، ولا أكفت الشعر ولا الثياب: الجبهة والأنف، الخ. قال السندي: قوله: "الجبهة والأنف" لكونهما من أجزاء الوجه فعدهما بمنزلة عدتا واحدة من السبعة، وإلا يلزم الزيادة على السبعة – انتهى. وفي رواية للشيخين: على الجبهة وأشار بيده على أنفه. قال السندي: أي إلى الأنف وما يتصل به من الجبهة ليوافق الأحاديث السابقة-انتهى. وفي رواية للنسائي في آخرها: قال ابن طاووس: ووضع يده على جبهته وأمرها على أنفه، وقال: هذا واحد. وهذه رواية مفسرة. قال القرطبي: هذا يدل على أن الجبهة الأصل في السجود، والأنف تبع (واليدين) أي الكفين، فقد وقع في رواية لمسلم بلفظ: "الكفين" وقال ابن حجر: أي بطونهما لخبر البيهقي: كان رسول الله ﷺ إذا
стр. 1122
والركبتين، وأطراف القدمين،
ــ
سجد ضم أصابعه وجعل يديه حذو منكبيه، ويرفع مرفقيه، ويعتمد على راحتيه. قيل: ويندب ضم أصابع اليدين؛ لأنها لو انفرجت انحرفت رؤوس بعضها عن القبلة. (وأطراف القدمين) بأن يجعل قدميه قائمتين على بطون أصابعهما وعقباه مرتفعان فيستقبل بظهور قدميه القبلة. والحديث يدل على وجوب السجود على هذه الأعضاء السبعة جميعاً؛ لأن الأمر للوجوب، وإليه ذهب طاووس، وإسحاق، وأحمد، وزفر، والشافعي في أحد قولية. وقال مالك، وأبوحنيفة، والشافعي في القول الآخر: أنه لا يجب السجود على غير الوجه. والراجح عندي ما ذهب إليه الأولون، وهو الأصح الذي رجحه الشافعي لحديث الباب، ولحديث العباس بن عبد المطلب: أنه سمع النبي ﷺ يقول: إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب- الحديث. رواه الجماعة إلا البخاري. ولحديث البراء الآتي: إذا سجدت فضع كفيك، الخ. ولحديث ابن عمر رفعه: أن اليدين يسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه، وإذا رفعه فليرفعهما. رواه أحمد وأبوداود والنسائي. واحتج من قال: إن الواجب الجبهة دون غيرها بحديث المسيء صلاته حيث قال فيه: "ويمكن جبهته"، فكان قرينة على حمل الأمر ههنا على غير الوجوب. وأجيب عنه: بأن هذا لا يتم إلا بعد معرفة تقدم هذا على حديث المسيء صلاته ليكون قرينة على حمل الأمر على الندب، وأما لو فرض تأخره لكان في هذا زيادة شرع، ويمكن أن تتأخر شرعيته، ومع جهل التاريخ يرجح العمل بالموجب لزيادة الاحتياط. وقال ابن دقيق العيد: هذا غايته أن تكون دلالته. (أي دلالة حديث المسيء صلاته) دلالة مفهوم لقب أو غاية، والمنطوق الدال على وجوب السجود على هذه الأعضاء مقدم عليه، وليس هذا من باب تخصيص العموم بالمفهوم. قال: وأضعف من هذا استدلالهم بحديث: "سجد وجهي"، قالوا: فأضاف السجود إلى الوجه، فإنه لا يلزم من إضافة السجود إلى الوجه انحصار السجود فيه. وقال ابن قدامة: سجود الوجه لا ينفي سجود ما عداه. قال ابن دقيق العيد: وأضعف من هذا الاستدلال على عدم الوجوب بأن مسمى السجود يحصل بوضع الجبهة، فإن هذا الحديث يدل على إثبات زيادة على المسمى فلا تترك. وأضعف من هذا المعارضة بقياس شبهي ليس بقوي مثل أن يقال: أعضاء لا يجب كشفها فلا يجب وضعها كغيرها من الأعضاء سوى الجبهة. قال ابن قدامة: سقوط الكشف لا يمنع وجوب السجود، فإنا نقول كذلك في الجبهة على رواية، وعلى الرواية الأخرى فإن الجبهة هي الأصل وهي مكشوفة عادة بخلاف غيرها- انتهى. قال ابن دقيق العيد: وظاهر الحديث أنه لا يجب كشف شيء من هذه الأعضاء؛ لأن مسمى السجود يحصل بوضعها دون كشفها، ولم يختلف في أن كشف الركبتين غير واجب لما يحذر فيه من كشف العورة، وأما عدم وجوب كشف القدمين فلدليل لطيف، وهو أن الشارع وقت المسح على الخف بمدة تقع فيها الصلاة بالخف، فلو وجب كشف القدمين لوجب نزع الخف المقتضي لنقض الطهارة فتبطل الصلاة- انتهى. ويمكن أن يخص ذلك بلابس الخف لأجل الرخصة، وأما كشف اليدين والجبهة، فقيل: يجب،
стр. 1123
وقيل: لا يجب، والأحاديث من الجانبين غير ناهضة كما قال البيهقي، والأولى أن يكشف المصلي اليدين والجبهة، ويباشر بهما ليخرج من الخلاف، ويأخذ بالعزيمة. ثم إنه يجب أن يجمع الجبهة والأنف في السجود عند أحمد في رواية، وابن حبيب من المالكية، وسعيد بن جبير، وإسحاق، وأبي خيثمة، وهو قول للشافعي فلا يجوز عندهم الاقتصار على أحدهما. وقال أحمد في رواية أخرى، ومالك، والشافعي، وعطاء، وطاووس، وابن سيرين، وصاحبا أبي حنيفة: أبويوسف ومحمد: لا يجب السجود على الأنف بل يجوز الاقتصار على الجبهة، ولا يجزىء الاقتصار على الأنف. وقال أبوحنيفة: يجوز الاقتصار على الأنف وحدها. والحق ما ذهب إليه الأولون من وجوب السجود على مجموع الجبهة والأنف لما تقدم من حديث ابن عباس عند مسلم والنسائي، فإن فيه ذكر الجبهة والأنف معاً. ولما تقدم أيضاً من رواية ابن عباس بلفظ: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة، وأشار بيده على أنفه. فإن إشارته إلى أنفه تدل على أنه أراده. ولما روى عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: من لم يلزق أنفه مع جبهته بالأرض إذا سجد لم تجز صلاته. رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢: ص١٢٦) وقال: رجاله موثقون وإن كان في بعضهم اختلاف من أجل التشيع-انتهى. ولما روى أحمد من حديث وائل قال: رأيت رسول الله ﷺ يسجد على الأرض واضعاً جبهته وأنفه في سجوده. ولما روى عن أبي حميد أنه ﷺ كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من الأرض. أخرجه الترمذي، وأبوداود، وابن خزيمة في صحيحه، وصححه الترمذي. ولما روى عكرمة أن النبي ﷺ قال: لا صلاة لمن لا يصيب أنفه من الأرض ما يصيب الجبهة. رواه الأثرم والإمام أحمد، ورواه أبوبكر بن عبد العزيز، والدارقطني في الأفراد متصلاً عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، والصحيح أنه مرسل، قاله ابن قدامة في المغني (ج١: ص٥٦٠) وقال ابن حجر: هو مرسل، ورفعه لا يثبت-انتهى. قال القاري: والمرسل حجة عندنا. وهو في حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال مثل هذا بالرأي. ولما روى إسماعيل بن عبد الله المعروف بسمويه في فوائده عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: إذا سجد أحدكم فليضع أنفه على الأرض، فإنكم قد أمرتم بذلك. ولما روى عن أبي سعيد في حديث طويل، قال: حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهة رسول الله ﷺ وأرنبته تصديق رؤياه. قال الخطابي: فيه دليل على وجوب السجود عليهما، ولولا ذلك لصبانهما عن لوث الطين. واستدل للجمهور بحديث ابن عباس الذي أورده المؤلف، فإنه لم يذكر الأنف فيه. وفيه: أنه قد ذكرها في رواية مسلم والنسائي، فتحمل رواية الباب على الاختصار. وبحديث جابر، قال: رأيت النبي ﷺ سجد بأعلى جبهته على قصاص الشعر. رواه تمام في فوائده وغيره، وإذا سجد بأعلى الجبهة لم يسجد على الأنف، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد بلفظ: أن النبي ﷺ كان يسجد على جبهته مع قصاص الشعر. قال: رواه أبويعلى والطبراني في الأوسط إلا أنه قال: على جبهته على قصاص الشعر. وفيه أبوبكر
стр. 1124
ولا نكفت الثياب والشعر))
ــ
ابن عبد الله بن أبي مريم، وهو ضعيف لاختلاطه. واستدل لأبي حنيفة بما في رواية للشيخين: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة، وأشار بيده على أنفه، فإنه سمى الجبهة وأشارة إلى الأنف، والتسمية إذا تعارضت بالإشارة فالعبرة عند الحنفية بالإشارة، فإنها أبلغ في التعيين، وحينئذٍ لما كانت الإشارة إلى الأنف دلت على أن الاقتصار عليه كافٍ. وتعقب بأن قوله "على الأنف" تعبير من الراوي لا تحاد جهة الأنف والجبهة، فكيف تعين كونها إلى الأنف؟ لم لا يجوز أن يكون أشار إلى الجبهة؟ ولما كانت جهته جهة الأنف عبر عنه الراوي بما ترى. وقال ابن دقيق العيد: الحق أن الإشارة لا تعارض التصريح بالجبهة؛ لأنها قد لا تعين المشار إليه فإنها إنما تتعلق بالجهة، فإذا تقارب ما في الجهة أمكن أن لا يعين المشار إليه يقيناً، وأما اللفظ فإنه معين لما وضع له فتقديمه أولى-انتهى. وقد رأيت أن لفظ الحديث إنما عين الجبهة فلا يجزئ الأنف وحدها، وإلا لزم تقديم الأضعف دلالة وهو الإشارة على الأقوى وهي العبارة. واستدل أيضاً لأبي حنيفة بالرواية التي جمع فيها ذكر الجبهة والأنف معاً، ووجه الاستدلال أنه جعلهما كعضو واحد، فإنه لو كان كل واحد منهما عضواً مستقلاً للزم أن تكون الأعضاء ثمانية، وإذا كان كعضو واحد لزم منه أن يكتفي بالسجود على الأنف وحدها؛ لأن كل واحد منهما بعض العضو، والعضو الواحد يجزيه السجود على بعضه. وأنت خبير بأن المشي على الحقيقة هو المتحتم. والمناقشة بالمجاز بدون موجب للمصير إليه غير ضائرة، ولا شك أن الجبهة والأنف حقيقة في المجموع، ولا خلاف أن السجود على مجموع الجبهة والأنف مستحب. قال في الشرح الكبير (ج١: ص٥٦١) بعد ذكر قول أبي حنيفة: هذا قول يخالف الحديث الصحيح والإجماع الذي قبله. قال ابن المنذر: لا أعلم أحداً سبق إلى هذا القول-انتهى. وكذا قال ابن قدامة في المغني. واعلم أن ابن الهمام اختار أن وضع السبعة واجب، والمشهور في كتب الحنفية وجوب وضع الجبهة وإحدى الرجلين فقط، لكن ذكر ابن عابدين في وضع القدمين ثلاث روايات: فرضية وضعهما، وفرضية وضع إحدهما، وعدم الفرضية أي سنية الوضع، ثم ذكر بعد بسط الروايات في المذهب: الحاصل أن المشهور في كتب المذهب اعتماد الفرضية، والأرجح من حيث الدليل والقواعد عدم الفرضية. (ولا نكفت) بفتح النون وسكون الكاف وكسر الفاء، آخره مثناة فوقية، روي بالنصب عطفاً على المنصوب السابق وهو "يسجد" أي أمرت أن لا نكفت، ويجوز رفعه على أن الجملة مستأنفة. من كفت الشئ إليه، ضمه وجمعه. ومنه قوله تعالى: ﴿ألم نجعل الأرض كفاتاً﴾ [٧٧: ٢٥] أي كافتة، اسم لم يكفت أي يضم ويجمع. وفي رواية لمسلم: ولا أكف، من الكف بلفظ الواحد، وهو أنسب لقوله: أمرت أن أسجد. (الثياب والشعر) وفي بعض النسخ: ولا الشعر، بزيادة "لا" للتأكيد، والمراد شعر الرأس، والمعنى: أمرت أن نرسل الثياب والشعر، ولا نضمهما إلى أنفسنا وقاية لهما من التراب، بل نتركهما حتى يقعا على الأرض لنسجد بجميع الأعضاء والثياب. وكفتهما: أن يعقص الشعر ويعقده خلف القفا، أو يضمه تحت
стр. 1125
متفق عليه.
٨٩٥- (٢) وعن أنس، قال: ((قال رسول الله ﷺ : اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه
انبساط الكلب)
ــ
عمامته، أو يشده بشيء، وأن يشمر ثوبه، أو يشد وسطه، أو يغرز عذبته. قيل: النهي ههنا محمول على التنزيه. والحكمة فيه أن الشعر والثوب يسجدان معه، وفي رفعهما نقص الأجر الذي يترتب على سجود الثياب والشعر. وقيل: إنه إذا رفع شعره أو ثوبه عن مباشرة الأرض أشبه المتكبرين، وجاء في حكمة النهي عن ضم الشعر أن غرزة الشعر يقعد فيها الشيطان حالة الصلاة، كما في سنن أبي داود بإسناد جيد أن أبا رافع رأى الحسن بن علي يصلي قد غرز ضفيرته في قفاه فحلها، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ذلك مقعد الشيطان. وظاهر الحديث يقتضي أن النهي في حال الصلاة، وإليه مال الداوودي، ورده القاضي عياض بأنه خلاف ما عليه الجمهور، فإنهم كرهوا ذلك للمصلي سواء فعله في الصلاة أو قبل أن يدخلها. قال النووي: وهو المختار الصحيح، وهو الظاهر المنقول عن الصحابة وغيرهم-انتهى. قال الحافظ: واتفقوا على أنه لا يفسد الصلاة، لكن حكى ابن المنذر عن الحسن وجوب الإعادة. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد، وللحديث ألفاظ عند الشيخين، وأحمد، وأصحاب السنن، وفي الباب عن العباس بن عبد المطلب، وأبي هريرة، وابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهم.
٨٩٥-قوله: (اعتدلوا في السجود) يعني توسطوا بين الافتراض والقبض بوضع الكفين على الأرض، ورفع المرفقين عنها وعن الجنبين، والبطن عن الفخذ رفعاً بليغاً بحيث تظهر بواطن آباطكم إذا لم تكن مستورة، إذ هو أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، وأبعد من الكسالة. قال ابن دقيق العيد: لعل المراد بالاعتدال هنا وضع هيئة السجود على وفق الأمر؛ لأن الاعتدال الحسي المطلوب في الركوع لا يتأتى هنا، فإنه هناك استواء الظهر والعنق، والمطلوب هنا ارتفاع الأسافل على الأعالي. قال: وقد ذكر الحكم هنا مقروناً بعلته، فإن التشبه بالأشياء الخسيسة مما يناسب تركه في الصلاة-انتهى. والهيئة المنهي عنها أيضاً مشعرة بالتهاون بالصلاة وقلة الاعتناء بها، والإقبال عليها. قيل: وهذا في حق الرجل لا المرأة، فإنها تخالفة في ذلك، لما أخرجه أبوداود في مراسيله عن يزيد بن أبي حبيب: أن النبي ﷺ مر على امرأتين تصليان فقال: إذا سجدتما فضما بعض اللحم إلى الأرض، فإن المرأة في ذلك ليست كالرجل. قال البيهقي: وهذا المرسل أحسن من موصولين فيه، يعني من حديثين موصولين ذكرهما البيهقي في سننه، وضعفهما؛ لأن في كل منهما متروكاً. وارجع للتفصيل إلى فتاوى (ص١٤٨) شيخ مشائخنا خاتمة الحفاظ الشيخ حسين بن محسن الأنصاري. (ولا يبسط) بضم السين من نصر، وهي نهي، وقيل نفي. (أحدكم ذراعيه) أي لا يجعل ذراعيه على الأرض كالبساط والفراش. (انبساط الكلب) بالنصب، أي مثل انبساط الكلب، وهو وضع الكفين مع المرفقين على الأرض، والانبساط
стр. 1126
متفق عليه.
٨٩٦- (٣) وعن البراء بن عازب، قال: ((قال رسول الله ﷺ : إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مرفقيك) رواه مسلم.
٨٩٧- (٤) وعن ميمونة، قالت: ((كان النبي ﷺ إذا سجد جافى بين يديه، حتى لو أن بهمة
ــ
مصدر فعل محذوف تقديره: ولا يبسط ذراعيه فينبسط انبساط الكلب، ومثله قوله تعالى: ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتاً﴾ [٧١: ١٧] ، وقوله تعالى: ﴿وأبنتها نباتاً حسناً﴾ [٣: ٣٧] ، أي أنبتكم فنبتم نباتاً، وأنبتها فنبتت نباتاً حسناً. وروى أحمد، والترمذي، وابن خزيمة عن جابر مرفوعاً: إذا سجد أحدكم فليعتدل، ولا يفترش ذراعيه افتراش الكلب، وهو بمعنى حديث الباب. قال ابن العربي في شرح الترمذي (ج٢: ص٧٥، ٧٦) : أراد به كون السجود عدلاً باستواء الاعتماد على الرجلين والركبتين واليدين والوجه، ولا يأخذ عضو من الاعتدال أكثر من الآخر، وبهذا يكون ممتثلاً لقوله: أمرت بالسجود على سبعة أعظم. وإذا فرش ذراعيه فرش الكلب كان الاعتماد عليهما دون الوجه، فيسقط فرض الوجه- انتهى. قال ابن حجر: فيكره ذلك لقبح الهيئة المنافية للخشوع إلا لمن أطال السجود حتى شق عليه اعتماد كفيه، فله وضع ساعديه على ركبتيه لخبر: اشتكى أصحاب النبي ﷺ مشقة السجود عليهم إذا تفرجوا. (أى باعدوا اليدين عن الجنبين ورفعوا البطن عن الفخذين في السجود) فقال: استعينوا بالركب. أخرجه الترمذي، وأبوداود من حديث أبي هريرة موصولاً. وروي مرسلاً، قال البخاري والترمذي: إرساله أصح من وصله. قيل: هذا الإعلال غير قادح؛ لأنه أسنده الليث عن ابن عجلان، وهو زيادة ثقة، وتفرده غير ضائر، فتقبل زيادته. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود، والنسائي وابن ماجه.
٨٩٦- قوله: (فضع أي على الأرض. (كفيك) أي مضمومتي الأصابع، مكشوفتين حذاء المنكبين أو حيال الأذنين، معتمداً عليهما، ولا يجب كشفهما لما روي عن عبد الله بن عبد الرحمن، قال: جاءنا النبي ﷺ فصلى بنا في مسجد بني الأشهل، فرأيته واضعاً يديه في ثوبه إذا سجد. رواه أحمد وابن ماجه، وقال: على ثوبه. ففيه دليل على جواز ترك كشف اليدين، لكن الأولى والمستحب كشفهما ليخرج من الخلاف ويأخذ بالعزيمة. (وارفع) من الأرض، ومن جنيك. (مرفقيك) بكسر الميم وفتح الفاء ويعكس. والحديث دليل على وجوب هذه الهيئة للأمر بها، وحمله العلماء على الاستحباب. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد.
٨٩٧- قوله: (جافى) أي أبعد وفرق. (بين يديه) أي وما يحاذيهما، وفي رواية النسائي وابن ماجه: جافى يديه، أي نحاهما عما يليهما من الجنب. (بهمة) بفتح فسكون الموحدة، من أولاد الغنم. يقال للذكر والأنثى، والتاء للوحدة،
стр. 1127
أرادت أن تمر تحت يديه مرت. هذا لفظ أبي داود، كما صرح في شرح السنة بإسناده.
ولمسلم بمعناه: قال: كان النبي ﷺ إذا سجد لو شأت بهمة أن تمر بين يديه لمرت.
٨٩٨- (٥) وعن عبد الله بن مالك ابن بحينة، قال: ((كان النبي ﷺ إذا سجد فرج بين يديه حتى يبدوا بياض إبطيه))
ــ
والبهم بلا تاء يطلق على الجمع. قال في القاموس: البهمة أولاد الضان والمعز، وقال أبوعبيد وغيره من أهل اللغة: البهمة واحدة البهم، وهي أولاد الغنم من الذكور والإناث، وجمع البهمة بهام ـ بكسر الباء ـ وقال الجوهري: البهمة من أولاد الضان خاصة، ويطلق على الذكر والأنثى، قال: والسخال أولاد المعز. (تحت يديه) وفي رواية ابن ماجة: بين يديه. (مرت) جواب "لو". (هذا) أي هذا اللفظ. (كما صرح) أي البغوي. (ولمسلم) أي لفظ هذا الحديث لمسلم. (بمعناه) أي بمعنى لفظ أبي داود وهو (قالت) أي ميمونة. (كان النبي ﷺ إذا سجد) الخ. فالاعتراض على صاحب المصابيح واقع في الجملة حيث ذكر لفظ أبي داود في الصحاح.
٨٩٨- قوله: (عن عبد الله بن مالك) بالتنوين. (ابن بحينة) بضم الباء الموحدة وفتح الحاء المهملة بعدها ياء ساكنة، ثم نون مفتوحة وتاء تأنيث، اسم امرأة مالك بن القشب الأزدي. و"ابن بحينة" صفة "عبد الله"؛ لأن "بحينة" أم عبد الله، و"مالكاً" أبوه، ولهذا لا يحذف التنوين لفظاً، والألف كتابة، كما يحذفان في العلم الموصوف بابن. قال النووي: الصواب أن ينون "مالك" ويكتب "ابن" بالألف؛ لأن "ابن بحينة" ليس صفة لمالك بل صفة لعبد الله؛ لأن اسم أبيه" مالك" واسم أمه"بحينة" امرأة مالك. قال الحافظ: عبد الله بن مالك بن القشب ـ بكسر القاف وسكون المعجمة بعدها موحدة ـ الأزدي أبومحمد، حليف بن المطلب المعروف"بابن بحينة" وهي أمه. قال محمد بن سعد: أبوه مالك بن قشب، حالف المطلب بن عبد مناف فتزوج بحينة بنت الحارث بن عبد المطلب، فولدت له عبد الله، فأسلم قديماً، وكان ناسكاً فاضلاً، يصوم الدهر، ومات ببطن ريم على ثلاثين ميلاً من المدينة في عمل مروان بن الحكم، وكان ينزل به، وكان ولاية مروان على المدينة من سنة. (٥٤) إلى سنة. (٥٨) . (فرج) بفتح الفاء وتشديد الراء آخره جيم، أي وسع، وفرق، وباعد (بين يديه) أي بينهما وبين ما يليهما من الجنب، وإلا لا يستقيم قوله "حتى يبدو" فليس المتعدد الذي يضاف إليه "بين" لفظ "يديه" بل هو أحد طرفي المتعدد، والطرف الثاني محذوف، وهذا معنى قول الحافظ في شرح صحيح البخاري، أي نحى كل يد عن الجنب الذي يليها (حتى يبدو) أي (يظهر إبطيه) بسكون الباء وتكسر، قال القرطبي: الحكمة في استحباب هذه الهيئة في السجود أنه يخف بها اعتماده على وجهه، ولا يتأثر أنفه ولا جبهته، ولا يتأذى بملاقاة الأرض. وقال غيره: هو أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض مع مغايرته لهيئة الكسلان. وقال ابن المنير: الحكمة
стр. 1128
متفق عليه.
٨٩٩- (٦) وعن أبي هريرة، قال: ((كان النبي ﷺ يقول في سجوده: اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقة وجله،
ــ
في ذلك أن يظهر كل عضو بنفسه، ويتميز حتى يكون الإنسان الواحد في سجوده كأنه عدد، ومقتضى هذا أن يستقبل كل عضو بنفسه، ولا يعتمد بعض الأعضاء على بعض في سجوده، وهذا ضد ما ورد في الصفوف من التصاق بعضهم ببعض؛ لأن المقصود هناك إظهار اتحاد المسلمين، حتى كأنهم جسد واحد، وأخرج الطبراني وغيره من حديث ابن عمر بإسناد صحيح: أنه ﷺ قال: لا تفترش افتراش السبع، وادعم على راحتيك، وابد ضبعيك، فإذا فعلت ذلك سجد كل عضو منك. وظاهر هذا مع حديث ابن بحينة، وما تقدم من حديث ميمونة، والبراء، وأنس وما في معناه من الأحاديث الدالة على التفريج والتخوية، والنهي عن افتراش السبع، يقتضي وجوب التفريج في السجود، ولكن حمل العلماء هذه الأحاديث على الاستحباب. قلت: الظاهر أن التفريج في السجود واجب عند عدم المشقة فيه، وأما عند وجود المشقة فيه فيجوز ترك التفريج والاستعانة بالركب، أي وضع المرفقين على الركبتين، يدل على ذلك ما قدمنا من حديث أبي هريرة: اشتكى أصحاب النبي ﷺ مشقة السجود عليهم إذا تفرجوا، فقال: استعينوا بالركب. واستدل بقوله: "حتى يرى بياض إبطيه" على أنه لم يكن ﷺ لابساً لقميص. وتعقب باحتمال أن يكون القميص واسع الأكمام، وقيل: قد يبدو منه أطراف إبطيه مع كونه لابساً للقميص؛ لأنها كانت قمصان أهل ذلك العصر غير طويلة، فيمكن أن يرى الإبط من كمها. واستدل به أيضاً على أنه لم يكن على إبطيه شعر، وفيه نظر؛ لأنه يمكن أن المراد يرى أطراف إبطيه لا باطنهما حيث الشعر، فإنه لا يرى إلا بتكلف. وأيضاً لا يلزم من ذكر الراوي رؤية بياض إبطيه أن لا يكون له شعر، فإنه إذا نتف بقي المكان أبيض، وإن بقى فيه آثار الشعر، ولذلك ورد في حديث حسنه الترمذي: كنت أنظر إلى عفرتي إبطيه إذا سجد، والعفرة بياض ليس بالناصع كلون عفرة الأرض، أي وجهها، وهو يدل على أن آثار الشعر هو الذي جعل المحل أعفر، إذ لو خلا عنه جملة لم يكن أعفر. وإن صح ما قيل: إن من خصائصه أنه ليس على إبطيه شعر، فلا إشكال، لكن قال العراقي في تقريب الأسانيد: إن ذلك لم يثبت، بل لم يرد في كتاب معتمد، والخصائص لا تثبت بالاحتمال، نعم إن الذي نعتقد فيه ﵇ أنه لم يكن لإبطيه رائحة كريهة، بل كان نظيفاً طيب الرائحة. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً النسائي.
٨٩٩- قوله: (كان النبي ﷺ يقول في سجوده) أي أحياناً مع التسبيح أو بدونه. (كله) للتأكيد، وما بعده تفصيل لأنواعه، أو بيانه، ويمكن نصبه بتقدير "أعني". (دقه) بكسر الدال، أي دقيقة وصغيرة. (وجله) بكسر الجيم وقد تضم، أي جليلة وكبيرة. قيل: إنما قدم "الدق" على "الجل"؛ لأن السائل يتصاعد في مسألته، أي يترقى، ولأن الكبائر تنشأ غالباً من الإصرار على الصغائر، وعدم المبالاة بها، فكأنها وسائل إلى الكبائر، ومن حق الوسيلة أن تقدم إثباتاً ورفعاً.
стр. 1129
وأوله وآخره، وعلانيته وسره)) . رواه مسلم.
٩٠٠- (٧) وعن عائشة، ﵂، قالت: ((فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش، فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان، وهو يقول: اللهم أني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك،
ــ
(وأوله وآخره) المقصود الإحاطة. (وعلانيته) بفتح العين وكسر النون وخفة الياء، مصدر "علن" أي ظاهره. (وسره) أي عند غيره تعالى، وإلا فهما سواء عنده تعالى، فإنه يعلم السر وأخفى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أبوداود.
٩٠٠- قوله: (من الفراش) متعلق بفقدت، والمعنى: استيقظت فلم أجده على الفراش. (فالتمسته) وفي رواية للنسائي: فجعلت أطلبه بيدي. (فوقعت يدي) بالإفراد. (على بطن قدميه) بالتثنية، وفي صحيح مسلم "قدمه" بالإفراد، وفي رواية للنسائي، وفي الترمذي: على قدميه، وفي ابن ماجه "على بطن قدميه" كما في الكتاب. واستدل به على أن مس المرأة لا ينقض الوضوء، وأجاب من ذهب إلى كونه ناقضاً بأن الملموس لا يفسد وضوئه، وحمل من اختار انتقاض وضوء الملموس على أنه كان بين اللامس والملموس حائل فلا يضر، وظاهر الحديث يوافق من قال بعدم انتقاض الوضوء مطلقاً، وهو الراجح، وقد أسلفنا الكلام فيه مفصلاً. (وهو في المسجد) بفتح الجيم، أي في السجود، فهو مصدر ميمي، أو في الموضع الذي كان يصلي فيه في حجرته. وفي نسخة بكسر الجيم، وهو يحتمل مسجد البيت بمعنى معبده، والمسجد النبوي، قاله القاري. وفي رواية أبي داود: فلمست المسجد فإذا هو ساجد، وهذه الرواية تدل على أن المراد مسجد البيت أي الموضع الذي كان يصلي فيه في حجرته. (وهما) أي قدماه. (منصوبتان) أي قائمتان ثابتتان، وفيه أن السنة نصب القدمين في السجود. (أعوذ برضاك من سخطك) أي متوسلاً برضاك أن تسخط وتغضب. وقيل: أي من فعل يوجب سخطك على أو على أمتي. (وبمعافاتك) أي بعفوك، وأتى بالمغالبة للمبالغة أي بعفوك الكثير. (من عقوبتك) إذ هي أثر من آثار السخط، وإنما استعاذ بصفات الرحمة لسبقها وظهورها من صفات الغضب، (وأعوذ بك منك) ، أي بذاتك من آثار صفاتك. وقيل: أعوذ بصفات جمالك من صفات جلالك، فهذا إجمال بعد شيء من التفصيل، وتعوذ بتوسل جميع صفات الجمال عن صفات الجلال، وإلا فالتعوذ من الذات مع قطع النظر عن شيء من الصفات لا يظهر. وقيل: هذا من باب مشاهدة الحق والغيبة عن الخلق، وهذا محض المعرفة الذي لا يحيطه العباد. (لا أحصي ثناء عليك) قال الطيبي: الأصل في الإحصاء العد بالحصى، أي لا أطيق أن أثني عليك كما تستحقه، وقيل: أي لا أستطيع فرداً من ثناءك على شيء من نعمائك. وهذا بيان لكمال عجز البشر عن أداء حقوق الرب تعالى. وقال السيوطي: أي لا أطيقه، أي لا أنتهي إلى غايته، ولا أحيط بمعرفته، كما قال ﷺ في حديث الشفاعة: فأحمده بمحامد لا أقدر عليها الآن.
стр. 1130
أنت كما أثنيت على نفسك)) رواه مسلم.
٩٠١- (٨) وعن أبي هريرة، قال: ((قال رسول الله ﷺ : أقرب ما يكون العبد من ربه
ــ
وروي عن مالك، أنه قال: لا أحصى نعمتك، وإحسانك، والثناء بها عليك، وإن اجتهدت في ذلك، والأول أولى لما ذكرناه، ولقوله في الحديث: أنت كما أثنيت على نفسك. ومعنى ذلك اعتراف بالعجز عندما ظهر له من صفات جلاله تعالى، وكماله، وصمديته، وقدوسيته، وعظمته، وكبريائه، وجبروته، مالا ينتهي إلى عده، ولا يوصل إلى حده، ولا يحمله عقل، ولا يحيط به فكر، وعند الانتهاء إلى هذا المقام انتهت معرفة الأنام. وقال الجزري في النهاية: بدأ في هذا الحديث بالرضا، وفي رواية بدأ بالمعافاة ثم بالرضا، وإنما ابتدأ بالمعافاة من العقوبة؛ لأنها من صفات الأفعال كالإحياء والإماتة، والرضا والسخط من صفات الذات، وصفات الأفعال أدنى مرتبة من صفات الذات، فبدأ بالأدنى مترقياً إلى الأعلى، ثم لما ازداد يقيناً وارتقاء ترك الصفات وقصر نظره على الذات، فقال: "وأعوذ بك منك". ثم لما ازداد قربا استحيى معه من الاستعاذة على بساط القرب، فالتجأ إلى الثناء فقال: لا أحصي ثناء عليك، ثم علم أن ذلك قصور، فقال: أنت كما أثنيت على نفسك، وأما على الرواية الأولى فإنما قدم الاستعاذة بالرضا من السخط؛ لأن المعافاة من العقوبة تحصل بحصول الرضا، وإنما ذكرها لأن دلالة الأول عليها دلالة تضمن، فأراد أن يدل عليها دلالة مطابقة، فكنى عنها أولاً، ثم صرح بها ثانياً، ولأن الراضي قد يعاقب للمصلحة أو لاستيفاء حق الغير- انتهى. . (أنت كما أثنيت على نفسك) أي أنت الذي أثنيت على ذلك ثناء يليق بك، فمن يقدر على أداء حق ثنائك؟ فالكاف زائدة، والخطاب في عائد الموصول بملاحظة المعنى نحو: أنا الذي سمتني أمي حيدرة. ويحتمل أن الكاف بمعنى "على" والعائد إلى الموصول محذوف، أي أنت ثابت دائم على الأوصاف الجليلة التي أثنيت بها على نفسك. والجملة على الوجهين في موضع التعليل، وفيه إطلاق لفظ النفس على ذاته تعالى بلا مشاكلة. وقيل: "أنت" تأكيد المجرور في "عليك" فهو من استعارة المرفوع المتصل موضع المجرور المنفصل، إذ لا منفصل في المجرور، و"ما" في "كما" مصدرية، والكاف بمعنى مثل صفة ثناء، ويحتمل أن يكون ما على هذا التقدير موصولة أو موصوفة، والتقدير: مثل ثناء أثنيته، أو مثل الثناء الذي أثنيته، على أن العائد المقدر ضمير المصدر، ونصبه على كونه مفعولاً مطلقاً، وإضافة المثل إلى المعرفة لا يضر في كونه صفة نكرة؛ لأنه متوغل في الإبهام فلا يتعرف بالإضافة. وقيل: أصله ثناءك المستحق كثنائك على نفسك، فحذف المضاف من المبتدأ فصار الضمير المرفوع مجروراً. قال الخطابي: معنى الحديث الاستغفار من التقصير من بلوغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً الترمذي في الدعوات، وأبوداود، والنسائي في الصلاة، وابن ماجه في الدعاء.
٩٠١- قوله: (أقرب ما يكون العبد من ربه) الظاهر أن "ما" مصدرية و"كان" تامة والجار متعلق بأقرب،
стр. 1131
وهو ساجد فأكثروا الدعاء) رواه مسلم.
٩٠٢- (٩) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قرأ ابن آدم السجدة،
ــ
وليست من تفضيلية، والمعنى شاهد كذلك، فلا يرد أن اسم التفضيل لا يستعمل إلا بأحد أمور ثلاثة لا بأمرين كالإضافة ومن، فكيف استعمل ههنا بأمرين؟ فافهم. وخبر "أقرب" محذوف أي "حاصل له" وجملة "وهو ساجد" حال من ضمير "حاصل" أو من ضمير "له". والمعنى: أقرب أكوان العبد من ربه ﵎ حاصل له حين كونه ساجداً. ولا يرد على الأول أن الحال لابد أن يرتبط بصاحبه، ولا ارتباط ههنا؛ لأن ضمير "هو ساجد" للعبد لا لأقرب؛ لأنا نقول: يكفي في الارتباط وجود الواو من غير حاجة إلى الضمير، مثل: جاء زيد والشمس طالعة. وقال الطيبي: التركيب من الإسناد المجازي، أسند القرب إلى الوقت، وهو للعبد مبالغة، فإن قلت: أين المفضل عليه، ومتعلق أفعل في الحديث؟ قلت: محذوف، وتقديره: إن للعبد حالتين في العبادة: حال كونه ساجداً لله تعالى، وحال كونه متلبساً بغير السجود، فهو في حالة السجود أقرب إلى ربه من نفسه في غير تلك الحالة- انتهى. قيل وجه الأقربية أن العبد في السجود داع؛ لأنه أمر به، والله تعالى قريب من السائلين بقوله تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب﴾ [٢: ١٨٦] ؛ ولأن السجود غاية في الذل، والانكسار، وتعفير الوجه، وهذه الحالة أحب أحوال العبد كما رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن عن ابن مسعود، ولأن السجود أول عبادة أمر الله تعالى بها بعد خلق آدم، فالمتقرب بها أقرب، ولأن فيه مخالفة لإبليس في أول ذنب عصى الله به. وقيل: لأن العبد بقدر ما يبعد عن نفسه يقرب من ربه، والسجود غاية التواضع، وترك التكبر، وكسر النفس؛ لأنها لا تأمر الرجل بالمذلة، ولا ترضى بها، ولا بالتواضع، بل بخلاف ذلك، فإذا سجد فقد خالف نفسه، وباعد عنها، فإذا باعد عنها قرب من ربه. قال القرطبي: هذا أقرب بالرتبة، والمكانة، والكرامة، لا بالمسافة والمساحة؛ لأنه تعالى منزه عن المكان والزمان. (فأكثروا الدعاء) أي في السجود؛ لأنه حالة قرب، وحالة قرب مقبول دعاءها؛ لأن السيد يحب عبده الذي يطيعه، ويتواضع له، ويقبل منه ما يقوله، وما يسأله. وقال ابن الملك: وهذا لأن حالة السجود تدل على غاية تذلل، واعتراف عبودية نفسه وربوبية ربه، فكان مظنه الإجابة، فأمرهم بإكثار الدعاء في السجود. والحديث يدل على مشروعية الاستكثار من السجود، ومن الدعاء فيه، ولا دليل فيه لمن قال: إن السجود أفضل من القيام؛ لأنه لا يلزم من كون العبد أقرب إلى ربه حال سجوده أفضليته على القيام؛ لأن ذلك إنما هو باعتبار إجابة الدعاء. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد، وأبوداود، والنسائي.
٩٠٢- قوله: (إذا قرأ ابن آدم) ذكر تلميحاً لقصة أبيه آدم مع الشيطان التي هي سبب العداوة بينهما. (السجدة)
стр. 1132
فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويلتي! أمر ابن آدم بالسجود، فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت، فلي النار)) رواه مسلم.
٩٠٣- (١٠) وعن ربيعة بن كعب، قال: ((كنت أبيت مع رسول الله ﷺ ، فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: أو غير ذلك؟
ــ
أي آيتها. (فسجد) أي سجود التلاوة. (اعتزل) أي تباعد عنه. (الشيطان) قيل: المراد به إبليس فقط. (يبكي، يقول) قال الطيبي: هما حالان من فاعل "اعتزل" مترادفتان، أي باكياً وقائلاً، أو متداخلتان، أي باكياً قائلاً. (يا ويلتى) قال ابن الملك: أصله "يا ويلي" فقلبت ياء المتكلم تاء، وزيدت بعدها ألف للندبة. والويل الحزن والهلاك، كأنه يقول: يا حزني! ويا هلاكي! احضر، فهذا وقتك وأوانك. قال الطيبي: نداء الويل للتحسر على ما فاته من الكرامة، وحصول اللعن والخيبة للحسد على ما حصل لابن آدم بيانه. (أمر ابن آدم بالسجود فسجد) امتثالاً لأمر ربه. (فله الجنة) أي على الطاعة. (فأبيت) أي امتنعت تكبراً. (فلي النار) قال المناوي: نار جهنم خالداً فيها لعصيانه واستكباره. والحديث دليل على فضل السجود. واستدل به من قال بوجوب سجدة التلاوة. وأجيب عنه: بأن الذم والوعد متعلق بترك السجود إباء وإنكاراً واستكباراً كما يدل عليه لفظ "أبيت" صراحة فلا يخالف الحديث من يقول بسنتيه. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد، وابن ماجه.
٩٠٣- قوله: (وعن ربيعة بن كعب) بن مالك الأسلمي، يكنى أبا فراس المدني، صحابي من أهل الصفة، ويقال: كان خادماً لرسول الله ﷺ ، صحبه قديماً، وكان يلزمه سفراً وحضراً، ومنهم من فرق بين ربيعة وأبي فراس الأسلمي، وصوب الحاكم أي وأحمد وابن عبد البر تبعاً للبخاري التفريق بينهما. مات ربيعة سنة. (٦٣) بعد الحرة، وليس له في الأدب المفرد للبخاري، وصحيح مسلم، وسنن الأربعة غير هذا الحديث. (كنت أبيت) من البيتوتة أي أكون في الليل. (مع رسول الله ﷺ ) ولعل هذا وقع له في سفر. وقال ابن حجر: أي إما في السفر أو الحضر، والمراد بالمعية القرب منه بحيث يسمع نداءه إذا ناداه لقضاء حاجته. (فأتيته) وفي بعض النسخ "فآتيه" موافقاً لما في صحيح مسلم. (بوضوئه) بفتح الواو أي ماء وضوءه وطهارته. (وحاجته) أي سائر ما يحتاج إليه من نحو سواك وغيره. (فقال لي: سل) أي اطلب مني حاجة. قال ابن حجر: أتحفك به في مقابلة خدمتك لي؛ لأن هذا هو شأن الكرام، ولا أكرم منه ﷺ . وفيه جواز قول الرجل لأتباعه ومن يتولى خدمته: سلوني حوائجكم. (أسألك مرافقتك) أي كوني رفيقاً لك. (في الجنة) بأن أكون قريباً منك متمتعاً بنظرك. (أو غير ذلك) يحتمل فتح الواو، أي أتسأل ذلك وغيره أم تسأله وحده؟ وسكونها، أي تسأل ذلك أم غيره؟ وقال بعضهم: يروى بسكون الواو وبفتحها، وعلى التقدير فغير إما مرفوع أو منصوب،
стр. 1133
قلت: هو ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود)) رواه مسلم
٩٠٤- (١١) وعن معدان بن طلحة، قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة، فسكت، ثم سألته، فسكت،
ــ
والتقدير على الأول: فمسؤولك هذا أو غير ذلك؟ وعلى الثاني: أتسأل هذا وغير ذلك أنسب بحالك. وأما في صورة نصب "غير" فالمعنى على تقدير سكون الواو. تسأل ذلك أو غير ذلك؟ وقيل المعنى: سل غير ذلك. وعلى تقدير فتحها: أتسأل هذا وهو شاق وتترك ما هو أهون منه؟ (هو ذاك) أي مسئولي ذلك لا غير. (فأعني على نفسك) أي على تحصيل حاجة نفسك التي هي المرافقة. (بكثرة السجود) في الدنيا حتى ترافقني في العقبى، والمراد تعظيم تلك الحاجة وأنها تحتاج إلى معاونة منك، ومجرد السؤال مني لا يكفي فيها، أو المعنى: فوافقني بكثرة السجود قاهراً بها على نفسك. وقيل: أعني على قهر نفسك بكثرة السجود، كأنه أشار إلى أن ما ذكرت لا يحصل إلا بقهر نفسك التي هي أعدى عدوك، فلا بد لي من قهر نفسك بصرفها عن الشهوات، ولابد لك أن تعاونني فيه، ففيه تلويح إلى أن نفسه بمثابة العدو المناوئ، فاستعان بالسائل إلى قهر النفس، وكسر شهواتها بالمجاهدة والمواظبة على الصلاة، والاستعانة بكثرة السجود حسماً للطمع الفارغ عن العمل، والاتكال على مجرد التمني. وقيل المعنى: كن لي عوناً في أصلاًح نفسك، وجعلها طاهرة مستحقة لما تطلب، فإني أطلب إصلاح نفسك من الله تعالى، وأطلب منك أيضاً إصلاحها بكثرة السجود لله، فإن السجود كاسر للنفس ومذل لها، وأي نفس انكسرت وذلت استحقت الرحمة، وهذا كقول الطبيب للمريض: أعالجك بما يشفيك، ولكن أعني بالاحتماء وامتثال أمري. وفي الحديث دليل على أن السجود من أعظم القرب التي تكون بسببها ارتفاع الدرجات عند الله تعالى إلى حد لا يناله إلا المقربون، وأن مرافقة النبي ﷺ في الجنة لا تحصل إلا بقرب من الله تعالى بكثرة السجود، والمراد به السجود في الصلاة. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد، وأبوداود، والنسائي. قال المنذري: وأخرج الترمذي وابن ماجه طرفاً منه.
٩٠٤- قوله: (معدان) بفتح الميم وسكون العين المهملة. (بن طلحة) ويقال: ابن أبي طلحة اليعمري- بفتح الياء التحتية، وسكون العين المهملة، وفتح الميم- شامي ثقة من كبار التابعين. رجح الترمذي أن اسمه معدان بن أبي طلحة، وكذلك سماه ابن سعد في الطبقات (ج٧: ص١٥٤) ورجح يحيى بن معين "معدان بن طلحة" فقد قال: أهل الشام يقولون: ابن طلحة، وقتادة وهؤلاء يقولون: ابن أبي طلحة، وأهل الشام أثبت فيه. (أعمله) بالرفع على صفة العمل وكذلك. (يدخلني الله به الجنة) قال الطيبي: ويجوز أن يكون "أعمله" جوابا للأمر، و"يدخلني" بدلا منه، وذلك لأن معدان لما كان معتقدا لكون الإخبار سبباً لعمله صح ذلك. (فسكت) أي ثوبان، ولعل سكوته لامتحان حال القائل في
стр. 1134
ثم سألته الثالثة، فقال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: ((عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة، إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة)) قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء، فسألته، فقال لي مثل ما قال لي ثوبان. رواه مسلم.
﴿الفصل الثاني﴾
٩٠٥- (١٢) عن وائل بن حجر، قال: ((رأيت رسول الله ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه))
ــ
الجد، والسؤال، والطلب. (فقال: عليك بكثرة السجود) الخ. فيه دليل على أن كثرة السجود مرغب فيها، والمراد به السجود في الصلاة. وسبب الحث عليه ما تقدم في حديث أبي هريرة: أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. وهو موافق لقوله تعالى: ﴿واسجد واقترب﴾ [٩٦: ١٩] ، فإن في كل سجدة يسجدها العبد رفع درجة، فلا يزال العبد يترقى في المداومة على السجود درجة فدرجة حتى يفوز بالقدح من القرب إلى الله تعالى. ولا دليل فيه كالحديث الذي قبله لمن يقول: إن السجود أفضل من القيام؛ لأن صيغة "أفعل" الدالة على التفضيل إنما وردت في فضل طول القيام كما سبق، ولا يلزم من فضل السجود الذي دل عليه حديث ربيعة وثوبان أفضليته على طول القيام. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
٩٠٥- قوله: (إذا سجد) أي أراد السجود. (وضع ركبتيه قبل يديه) استدل به لمن قال باستحباب وضع الركبتين قبل اليدين عند الانحطاط للسجود، وهم الشافعي وأبوحنيفة، وأحمد في مشهور مذهبه، وسفيان الثوري وإسحاق، لكن الحديث ضعيف كما ستعرف، وذهب مالك، وابن حزم، وأحمد في رواية إلى استحباب وضع اليدين قبل الركبتين، وروى الحازمي عن الأوزاعي قال: أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم. قال ابن أبي داود: وهو قول أصحاب الحديث، واستدل لهم بحديث أبي هريرة التالي، وهو حديث صحيح أو حسن لذاته كما سنحققه. (وإذا نهض) أي وإذا أراد النهوض وهو القيام. (رفع يديه قبل ركبتيه) فيه دليل لمن قال برفع اليدين قبل الركبتين عند القيام من الركعة أي ركعة كانت، وهو أحمد وأبوحنيفة، واستدل لهما أيضاً بما رواه أبوداود عن ابن عمر، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة، لكن رواية أبي داود هذه شاذة، والصحيح ما رواه أبوداود عن أحمد بلفظ: نهى أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد. وقال مالك والشافعي: السنة أن يعتمد على يديه في النهوض؛ لأن مالك بن الحويرث قال في صفة صلاة رسول الله ﷺ : أنه لما رفع رأسه من السجدة الثانية استوى قاعداً، ثم اعتمد
стр. 1135
رواه أبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي.
٩٠٦- (١٣) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير،
ــ
على الأرض. رواه النسائي. وفي رواية البخاري: جلس واعتمد على الأرض، ثم قام. وعند الشافعي: واعتمد بيديه على الأرض، وقد قال ﷺ لمالك وأصحابه: صلوا كما رأيتموني أصلي. ولما روى عبد الرزاق عن ابن عمر: أنه كان يقوم إذا رفع رأسه من السجدة معتمداً على يديه قبل أن يرفعهما. ولأن ذلك أعون للمصلي كما لا يخفى. فالراجح عندنا أن يرفع الرجل ركبتيه قبل يديه ويقوم معتمداً بيديه على الأرض ولا يعتمد على ركبتيه. (رواه أبوداود) الخ وأخرجه أيضاً الدارقطني، والحاكم، وابن خزيمة، وابن حبان، وابن السكن في صحاحهم من طريق شريك، عن عاصم ابن كليب، عن أبيه، عن وائل. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. قلت: في كون هذا الحديث حسناً نظر، فإنه قد تفرد به شريك عن عاصم كما صرح به البخاري، والترمذي، وابن أبي داود، والدارقطني، والبيهقي، وشريك هو ابن عبد الله النخعي الكوفي، صدوق، يخطىء كثيراً، تغير حفظه منذ ولى القضاء بالكوفة. قال الدارقطني في سننه: لم يحدث به عن عاصم بن كليب غير شريك، وشريك ليس بالقوي فيما يتفرد به- انتهى. ولحديث وائل هذا طريقان آخران عند أبي داود: أحدهما من جهة همام، عن محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه. والثاني من جهة همام، عن شقيق أبي الليث، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن النبي ﷺ . قال النيموي بعد ذكر هذه الطرق: فالحديث لا ينحط عن درجة الحسن لكثرة طرقه. قلت: قد ظهر بما ذكرنا أن لحديث وائل بن حجر هذا ثلاث طرق: الأولى طريق شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل، وقد عرفت أنها ضعيفة لشريك القاضي، فإنه متفرد به، وهو ليس بالقوي فيما يتفرد به كما صرح به الدارقطني. والثانية طريق همام، عن محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، وهي أيضاً ضعيفة؛ لأنها منقطعة فإن عبد الجبار لم يسمع من أبيه. والثالثة طريق همام، عن شقيق، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن النبي ﷺ . وهي أيضاً ضعيفة لإرسالها، ولأن فيها شقيقاً أبا الليث، وهو مجهول كما صرح به الحافظ في التقريب، والذهبي في الميزان، والطحاوي في شرح الآثار، فهذه الطرق الثلاث كلها ضعيفة، ثم هي مختلفة في الوصل والإرسال، والمحفوظة منها على ما قال الحازمي في "كتاب الاعتبار" هي طريق همام المرسلة التي فيها الشقيق المجهول، ففي ارتقاء حديث وائل إلى درجة الحسن كلام، ولو سلم أن حديث وائل بن حجر حسن، فحديث أبي هريرة الآتي أثبت وأقوى منه كما ستعرف.
٩٠٦- قوله: (فلا يبرك) بضم الراء من باب نصر، نهي، وقيل: نفي. (كما يبرك البعير) أي لا يضع ركبتيه قبل يديه كما يبرك البعير، شبه ذلك ببروك البعير مع أنه يضع يديه قبل رجليه؛ لأن ركبة الإنسان في الرجل، وركبة الدواب في
стр. 1136
وليضع يديه قبل ركبتيه)) . رواه أبوداود والنسائي والدارمي.
ــ
اليد، وإذا وضع ركبتيه أولاً فقد شابه الإبل في البروك. (وليضع) بسكون اللام وتكسر. (يديه قبل ركبتيه) قال التوربشتي الحنفي: كيف نهى عن بروك البعير ثم أمر بوضع اليدين قبل الركبتين والبعير يضع اليدين قبل الرجلين؟ والجواب أن الركبة من الإنسان الرجلين، ومن ذوات الأربع في اليدين، كذا في المرقاة. والحديث نص في استحباب وضع اليدين قبل الركبتين، وهو قول مالك، وهو قول أصحاب الحديث. وقال الأوزاعي: أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم، وهي رواية عن أحمد، ويدل أيضاً على هذا القول ما أخرجه ابن خزيمة، وصححه، والدارقطني، والحاكم من حديث ابن عمر بلفظ: أن النبي ﷺ كان إذا سجد يضع يديه قبل ركبتيه، وقال: على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وأخرجه أيضاً البيهقي، والطحاوي، وغيرهما من طريق عبد العزيز الدراوردي، عن عبيد الله بن عمرو، عن نافع بهذا، وزاد في آخره: ويقول كان النبي ﷺ يفعل ذلك. قال الحافظ: قال مالك هذه الصفة أحسن في خشوع الصلاة. وبه قال الأوزاعي، قال: وعن مالك، وأحمد رواية بالتخيير-انتهى. وظاهر الحديث الوجوب بقوله: " لا يبرك" وهو نهي، وللأمر بقوله: "وليضع"، قيل: ولم يقل أحد بوجوبه فتعين أنه مندوب، وقد أجاب الحنفية، والشافعية، والحنابلة عن حديث أبي هريرة بوجوه كلها مخدوشة، يأتي ذكر بعضها مع بيان ما فيه من الخدشة. (رواه أبوداود، والنسائي والدارمي) وأخرجه أيضاً أحمد، والترمذي، والطحاوي، والبيهقي، والدارقطني بعضهم من طريق عبد الله بن نافع، عن محمد بن عبد الله بن الحسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة. وبعضهم من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن محمد بن عبد الله بن الحسن عن أبي الزناد، الخ. وبعضهم من الطريقين كليهما. وهذا حديث صحيح أو حسن لذاته، رجاله كلهم ثقات. أما عبد الله بن نافع فقد وثقه ابن معين، والنسائي والعجلي، وذكره ابن حبان في الثقات. وأما عبد العزيز ابن محمد الدراوردي فهو أحد مشاهير المحدثين، وثقه ابن معين، وابن المديني، وقال النسائي ليس به بأس، وروى له البخاري حديثين، قرنه فيهما بعبد العزيز بن حازم، وغيره، واحتج به مسلم، وأصحاب السنن. وأما محمد بن عبد الله بن الحسن فهو الملقب بالنفس الزكية، وهو ثقة، وأما أبوالزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فهو أصح الأسانيد، قاله البخاري كما في الخلاصة. والحديث سكت عنه أبوداود، فهو عنده صالح للاحتجاج. وقال الحازمي في كتاب "الاعتبار" بعد روايته: وهو على شرط أبي داود، والنسائي، والترمذي، أخرجوه في كتبهم. وقال القاري في المرقاة: قال ابن حجر: إسناده جيد. وقال ابن سيد الناس: أحاديث وضع اليدين قبل الركبتين أرجح، وقال: ينبغي أن يكون حديث أبي هريرة داخلاً في الحسن على رسم الترمذي لسلامة رواته عن الجرح. وقال ابن التركماني في الجوهر النقي: وحديث أبي هريرة المذكور أولاً يعني "وليضع يديه ثم ركبتيه" دلالته قولية، وقد تأيد بحديث ابن عمر، فيمكن
стр. 1137
قال أبوسليمان الخطابي: حديث وائل بن حجر أثبت من هذا،
ــ
ترجيحه على حديث وائل؛ لأن دلالته فعلية على ما هو الأرجح عند الأصوليين-انتهى. وقال الحافظ في بلوغ المرام: وهو أقوى من حديث وائل بن حجر، فإن للأول شاهداً من حديث ابن عمر، صححه ابن خزيمة، وذكره البخاري معلقاً- انتهى. ورجح ابن العربي في عارضة الأحوذى حديث أبي هريرة على حديث وائل من وجه آخر، فقال: الهيئة التي رأى مالك (وهي الهيئة المروية في حديث أبي هريرة) منقولة في صلاة أهل المدينة، فترجحت بذلك على غيره. (قال أبوسليمان) أي في معالم السنن (ج١: ص٢٠٨) واسمه حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي- بضم الباء الموحدة- نسبة إلى مدينة"بست" من بلاد "كابل" بين "هرات" و"غزنة". ولد في رجب سنة (٣١٩) وتوفي في ربيع الأول سنة (٣٨٨) كان محدثاً، فقيهاً، أديباً، شاعراً، لغوياً، حجة، صدوقاً، زاهداً، ورعاً، صاحب كتاب" غريب الحديث" و"أعلام السنن" في شرح صحيح البخاري، و"معالم السنن" في شرح سنن أبي داود وغير ذلك. والمشهور فيما بين الناس أنه كان شافعياً. والظاهر أنه كان من أهل الحديث ولم يكن مقلداً للشافعي ولا لغيره من الأئمة، يدل على اختياراته ومخالفته للأئمة كلامه في كثير من المواضع، من جملة ذلك قوله في معالم السنن (ج١: ص٢٥٢) خلافاً لشافعي "سنة رسول الله ﷺ أولى، وحديث أبي عمير صحيح، فالمصير إليه واجب،" وفي (ج١: ص٣١٣) "وقول الجماعة أولى لموافقته الحديث"، وهذا في خلاف الشافعي، وكم له مثلها. (الخطابي) بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الطاء المهملة وبعد الألف باء موحدة، هذه نسبة إلى جده الخطاب المذكور، وقيل: إنه من ذرية زيد بن الخطاب بن نفيل العدوي فنسب إليه. قال السبكي في طبقات الشافعية (ج٢: ص٣١٨) : ولم يثبت ذلك، قال: وكان إماماً في الفقه والحديث واللغة (حديث وائل بن حجر أثبت من هذا) أي فهو أولى بالعمل من حديث أبي هريرة. وفيه نظر، فإن حديث وائل ضعيف كما عرفت، ولو سلم أنه حسن كما قال الترمذي، فلا يكون هو حسناً لذاته بل لغيره لطرقه الضعاف. وأما حديث أبي هريرة فهو صحيح أو حسن لذاته، ومع هذا فله شاهد من حديث ابن عمر، صححه ابن خزيمة، وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقد تقدم قول ابن سيد الناس، وابن التركماني وابن العربي، والحافظ في ترجيح حديث أبي هريرة على حديث وائل بن حجر، فالقول الراجح أن حديث أبي هريرة أثبت وأقوى من حديث وائل. فإن قيل: إن كان لحديث أبي هريرة شاهد فلحديث وائل ثلاثة شواهد، أحدها: ما رواه ابن أبي شيبة والطحاوي في شرح الآثار من طريق عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك كبروك الفحل. وثانيها: ما رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي وابن حزم عن عاصم الأحول، عن أنس، قال: رأيت رسول الله ﷺ انحط بالتكبير فسبقت ركبتاه يديه. قال الحاكم: هو على شرطهما، ولا أعلم له علة.
стр. 1138
وقيل: هذا منسوخ.
ــ
وثالثها: ما رواه ابن خزيمة في صحيحه عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا أن نضع الركبتين قبل اليدين. أجيب بأن هذه الأحاديث كلها ضعيفة جداً، لا تصلح أن تكون شاهدة لحديث وائل. أما حديث أبي هريرة فلأن مداره على عبد الله بن سعيد المقبري وهو متروك، قال ابن معين: ليس بشيء. وقال الفلاس: منكر الحديث، متروك. وقال يحيى بن سعيد: استبان كذبه في مجلس. وقال الدارقطني: متروك ذاهب. وقال أحمد مرة: ليس بذلك، ومرة قال: متروك. وقال فيه البخاري: تركوه، كذا في الميزان. وأما حديث أنس فلأن في سنده العلاء بن إسماعيل، وقد تفرد به، وهو مجهول، قاله البيهقي. وقد أخطأ الحاكم في تصحيحه، ونقل الحافظ في لسان الميزان عن أبي حاتم أنه أنكر هذا الحديث. وحكي عن الدارقطني أنه أخرجه، وقال: إن العلاء تفرد به وهو مجهول، ثم قال الحافظ: وخالفه عمر بن حفص بن غياث وهو من أثبت الناس في أبيه، فرواه عن أبيه، عن أعمش، عن إبراهيم، عن علقمة وغيره، عن عمر موقوفاً عليه، وهذا هو المحفوظ. وأما حديث سعد بن أبي وقاص فلأن في سنده إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، وهو يرويه عن أبيه وقد تفرد به، وهما ضعيفان، إبراهيم بن إسماعيل اتهمه أبوزرعة، وأبوه إسماعيل متروك. وقال الحازمي: في سنده مقال، وأن المحفوظ عن مصعب، عن أبيه حديث نسخ التطبيق-انتهى. وقد ظهر بهذا التفصيل أن هذه الأحاديث ضعيفة جداً، فلا تصلح أن تكون شاهدة لحديث وائل فإنها لضعفها وسقوطها صارت كأن لم تكن. (وقيل: هذا) وفي معالم السنن: وزعم بعض العلماء أن هذا أي حديث أبي هريرة. (منسوخ) أي بما رواه ابن خزيمة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه. وقد ذكرنا لفظه. وفيه: أن دعوى النسخ بحديث سعد بن أبي وقاص باطلة، فإن هذا الحديث ضعيف كما عرفت، وقد عكس ابن حزم في المحلي (ج٤: ص١٣٠) فجعل حديث أبي هريرة ناسخاً لما خالفه. وقيل: إن حديث أبي هريرة ضعيف معلول أعله البخاري بأن محمد بن عبد الله بن الحسن لا يتابع عليه، وأنه لا يدري أسمع محمد من أبي الزناد أم لا. وفيه: أن قوله "لا يتابع عليه" ليس مضر؛ لأن محمد بن عبد الله ثقة، ولحديثه هذا شاهد من حديث ابن عمر، وصححه ابن خزيمة، والحاكم، ووافقه الذهبي، قال ابن التركماني في الجوهر النقي: محمد بن عبد الله وثقه النسائي، وقول البخاري "لا يتابع على حديثه" ليس بصريح في الجرح، فلا يعارض توثيق النسائي-انتهى. وأما قوله "لا يدري أسمع" الخ. ففيه أنها أيضاً ليست بعلة، وشرط البخاري معروف، خالفه فيه جمهور المحدثين، ومحمد بن عبد الله ليس بمدلس، وسماعه من أبي الزناد ممكن، فإن أبا الزناد مات سنة ثلاثين ومائة بالمدينة، ومحمد مدني أيضاً غلب على المدينة، ثم قتل في سنة خمس وأربعين ومائة وعمره ثلاث وخمسون سنة. قاله الزبير بن بكار. وقال ابن سعد وغير واحد: قتل وهو ابن خمس وأربعين، وقد أدرك أبا الزناد طويلاً، فيحمل عنعنته على السماع عند جمهور المحدثين. وقيل: إن حديث أبي هريرة مضطرب، فإنه قال بعضهم: إذا سجد أحدكم
стр. 1139
٩٠٧- (١٤) وعن ابن عباس، قال: ((كان النبي ﷺ يقول بين السجدتين: اللهم اغفرلي، وارحمني،
واهدني، وعافني، وارزقني)) .
ــ
فليبدأ بركبتيه قبل يديه. أخرجه بهذا اللفظ ابن أبي شيبة والطحاوي كما تقدم، وهذه الرواية تخالف الرواية التي رواها أبوداود، والنسائي وغيرهما بحيث لا يمكن الجمع بينهما، والاضطراب مورث للضعف. وفيه: أن رواية ابن أبي شيبة، والطحاوي هذه ضعيفة جداً كما عرفت، فلا اضطراب في حديث أبي هريرة، فإن من شرط الاضطراب استواء وجوه الاختلاف، ولا تعل الرواية الصحيحة بالرواية الضعيفة الواهية كما تقرر في موضعه. وقيل: إن في حديث أبي هريرة قلباً من الراوي حيث قال: "وليضع يديه قبل ركبتيه"، وكان أصله وليضع ركبتيه قبل يديه، ويدل عليه أول الحديث، وهو قوله: "فلا يبرك كما يبرك البعير"، فإن المعروف من البروك البعير هو تقديم اليدين على الرجلين، ذكره ابن القيم في زاد المعاد، وقال: ولما علم أصحاب هذا القول ذلك قالوا: ركبتا البعير في يديه لا في رجليه، فهو إذا برك وضع ركبتيه أولاً، فهذا هو المنهى عنه. قال: وهو فاسد من وجوه: حاصلها أن البعير إذا برك يضع يديه، ورجلاه قائمتان، وهذا هو المنهي عنه، وأن القول بأن ركبتي البعير في يديه لا يعرفه أهل اللغة. وأنه لو كان الأمر كما قالوا لقال النبي ﷺ : فليبرك كما يبرك البعير؛ لأن أول ما يمس الأرض من البعير يداه. وفيه: أن في قوله: "في حديث أبي هريرة قلب من الراوي" نظراً، إذ لو فتح هذا الباب لم يبق اعتماد على رواية راو مع كونها صحيحة، قاله القاري، وأما قوله: "كون ركبتي البعير في يديه لا يعرفه أهل اللغة" ففيه: أنه مبني على عدم اطلاعه؛ لأنه منصوص عليه في لسان العرب (ج١: ص٤١٧) وقال صاحب القاموس: "الركبة ـ بالضم ـ موصل ما بين أسافل أطراف الفخذ وأعالي الساق، أو مرفق الذراع من كل شيء، ووقع في حديث هجرة النبي ﷺ قول سراقة: ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين. رواه البخاري في صحيحه، فهذا نص صريح وبرهان قاطع على أن ركبتي البعير في يديه، وأما قوله: إنه لو كان كما قالوا لقال النبي ﷺ : "فليبرك كما يبرك البعير" الخ. ففيه: أنه لما ثبت أن ركبتي البعير تكونان في يديه ومعلوم أن ركبتي الإنسان تكونان في رجليه، وقد قال ﷺ في آخر هذا الحديث: "وليضع يديه قبل ركبتيه"، فكيف يقول في أوله: فليبرك كما يبرك البعير؟ أي فليضع ركبتيه قبل يديه، ذكره شيخنا في شرح الترمذي (ج١: ص٢٣٠) وفي أبكار المنن (ص٢٢٣) .
٩٠٧- قوله: (كان النبي ﷺ يقول بين السجدتين) أي في الفريضة والنافلة. (اللهم اغفرلي) أي ذنوبي، أو تقصيري في طاعتي. (وارحمني) أي من عندك لا بعملي، أو ارحمني بقبول عبادتي. (واهدني) لصالح الأعمال، أو ثبتني على دين الحق. (وعافني) من البلاء في الدارين، أو من الأمراض الظاهرة والباطنة. (وارزقني) رزقا حسناً أو توفيقاً في
стр. 1140
رواه أبوداود والترمذي.
٩٠٨- (١٥) وعن حذيفة، ((أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: رب اغفرلي)) .
ــ
الطاعة، أو درجة عالية في الآخرة. والحديث دليل على مشروعية الدعاء بهذه الكلمات في القعود بين السجدتين، وهو يعم الفرائض والنوافل. قال الترمذي بعد رواية الحديث: وهكذا روي عن علي، وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، يرون هذا جائزاً في المكتوبة والتطوع- انتهى. وحمله الحنفية على التطوع خاصة لما قيده ابن ماجه في روايته بصلاة الليل. وفيه: أن التقييد بصلاة الليل لا يدل على أن هذا الدعاء مخصوص بصلاة التطوع كما في دعاء الاستفتاح الذي اختاره الحنفية للفرض مع أن الترمذي وأباداود قد رويا عن أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل كبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك- الحديث. فعمم الحنفية هذا الدعاء للفرائض والنوافل مع كونه مقيداً بصلاة الليل في الحديث المذكور. (رواه أبوداود، والترمذي) إلا أنه قال فيه "واجبرني" مكان "عافني". قيل: هو من "جبرت الوهن والكسر" إذا صلحته و"جبرت المصيبة" إذا فعلت مع صاحبها ما ينساها به. وقال الجزري: واجبرني أي أغنني، من "جبر الله مصيبته"، أي رد عليه ما ذهب عنه، أو عوضه عنه. وأصله من " جبر الكسر". والحديث أخرجه أيضاً ابن ماجه، وزاد "وارفعني" ولم يقل "اهدني" ولا "عافني" وأخرجه الحاكم في المستدرك بإسنادين: الأول بلفظ أبي داود، والثاني جمع فيه هذه الألفاظ كلها إلا أنه لم يقل "وعافني". وهذا الاختلاف محمول على أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظه الآخر، والحديث سكت عنه أبوداود، وصححه الحاكم في الموضعين، ووافقه الذهبي. ونقل الحافظ في بلوغ المرام تصحيح الحاكم، وأقره، ولم ينكر عليه، قلت: في سنده أبوالعلاء كامل بن العلاء السعدي، يروي عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، وكامل هذا وثقة يحيى بن معين، وقال ابن عدي: لم أر للمتقدمين فيه كلاماً، وفي بعض رواياته أشياء أنكرتها، ومع هذا أرجو أنه لا بأس به. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال مرة: ليس به بأس. وقال الحافظ في التقريب: صدوق يخطىء، وحبيب بن أبي ثابت ثقة فقيه جليل، لكنه كثير الإرسال والتدليس، وقد روى عند الجميع بالعنعنة، قال في الزوائد: رجاله ثقات، إلا أن حبيب بن أبي ثابت كان يدلس، وقد عنعنة، وأصله في أبي داود، والترمذي- انتهى.
٩٠٨- قوله: (كان يقول بين السجدتين: رب اغفرلي) أي مكرراً. قال ابن قدامة في المغني: المستحب عند أبي عبد الله أي أحمد، أن يقول بين السجدتين: رب اغفرلي، رب اغفرلي، يكرر ذلك مراراً، والواجب منه مرة، وأدنى الكمال ثلاث، الخ. والحديث يدل على مشروعية طلب المغفرة في الاعتدال بين السجدتين، ولا يختص ذلك بالتطوع كما قيل، بل يعم الفريضة والتطوع، ويحمل هذا الحديث مع حديث ابن عباس السابق على اختلافات الأوقات،
стр. 1141
رواه النسائي والدارمي.
﴿الفصل الثالث﴾
٩٠٩- (١٦) عن عبد الرحمن بن شبل، قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن نقرة الغراب، وافتراش لسبع،
وأن يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير)) . رواه أبوداود والنسائي والدارمي.
ــ
فكان ﷺ يقول في بعض الأحيان ما رواه ابن عباس، وفي بعض الأحيان ما رواه حذيفة. (رواه النسائي) في حديث أطول منه، وأخرجه أيضاً ابن ماجه، ولفظه: كان يقول بين السجدتين: "رب اغفرلي". وهو حديث صحيح، وأصله في مسلم.
٩٠٩- قوله: (عن عبد الرحمن بن شبل) بكسر الشين المعجمة، وسكون الموحدة، ابن عمرو بن زيد الأنصاري الأوسي، أحد النقباء، المدني، وأحد علماء الصحابة، نزل حمص، له أربعة عشر حديثاً. مات في إمارة معاوية بن أبي سفيان. (عن نقرة الغراب) بفتح النون، أي عن ترك الطمأنينة، وتخفيف السجود بحيث لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد الأكل منه. قال الخطابي في المعالم: هي أن لا يتمكن الرجل من السجود فيضع جبهته على الأرض حتى يطمئن ساجداً، فإنما هو أن يمس بجبهته أو بأنفه الأرض كنقرة الطائر ثم يرفعه. (وافتراش السبع) بفتح السين المهملة، وضم الباء الموحدة، والافتراش افتعال من الفرش، أي نهى أن يبسط ذراعيه في السجود، ولا يرفعهما عن الأرض كما يبسط السبع والكلب والذئب ذراعيه. (وأن يوطن) بتشديد الطاء، ويجوز التخفيف، يقال أوطن الأرض ووطنها، واستوطنها، إذا اتخذها وطناً. (الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير) أي أن يتخذ لنفسه من المسجد مكاناً معيناً لا يصلي إلا فيه، كالبعير لا يبرك من عطنه إلا في مبرك قديم. وفي النهاية للجزري: قيل معناه: أن يألف الرجل مكاناً معلوماً من المسجد مخصوصاً به، لا يصلي إلا فيه كالبعير لا يأوي من عطنه إلا إلى مبرك دمث قد أوطنه واتخذه مناخاً، لا يبرك إلا فيه. وقيل معناه: أن يبرك على ركبتيه قيل يديه إذا أراد السجود مثل بروك البعير- انتهى. قلت: وهذا أي المعنى الثاني لا يوافق لفظ الحديث فلا يصح أن يكون مراداً. قال ابن حجر: وحكمة النهي أن ذلك يؤدي إلى الشهرة، والرياء، والسمعة، والتقيد بالعادات، والحظوظ، والشهوات، وكل هذه آفات أي آفات فتعين البعد عما أدى إليها ما أمكن. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو المنذري. (والنسائي والدارمي) وأخرجه أيضاً ابن ماجه، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما. والنهي عن نقرة كنقرة الديك، أخرجه أيضاً أحمد بإسناد حسن، وأبويعلي، والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة.
стр. 1142
٩١٠- (١٧) وعن علي، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا علي! إني أحب لك ما أحب
لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي، لا تقع بين السجدتين)) .
ــ
٩١٠- قوله: (يا علي! إني أحب لك ما أحب لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي) المقصود إظهار المحبة لوقوع النصيحة، وإلا فهو مع كل مؤمن كذلك. (لا تقع) بضم التاء من الإقعاء. (بين السجدتين) زاد ابن ماجه في رواية له: إقعاء الكلب. وفي حديث أنس عند ابن ماجه مرفوعاً: إذا رفعت رأسك من السجود فلا تقع كما يقعى الكلب- الحديث. وفي حديث أبي هريرة عند أحمد: قال نهاني رسول الله ﷺ عن ثلاث: عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، وقد فسر هذا الإقعاء المنهى عنه بنصب الساقين: ووضع الأليتين واليدين على الأرض. وروى مسلم وغيره عن ابن عباس، قال: الإقعاء بين السجدتين هي سنة نبيكم. وعن طاووس، قال: رأيت العبادلة يقعون. قال الحافظ: وأسانيدها صحيحة. وفسر هذا الإقعاء بأن ينصب القدمين، ويجلس عليهما فلا منافاة. قال البيهقي: الإقعاء ضربان: أحدهما أن يضع أليتيه على عقبيه، ويكون ركبتاه في الأرض، وهذا هو الذي رواه ابن عباس، وفعلته العبادلة ونص الشافعي في "البويطي" على استحبابه بين السجدتين، لكن الصحيح أن الافتراش أفضل منه، لكثرة الرواة له، ولأن أعون للمصلي، وأحسن في هيئة الصلاة. والثاني أن يضع أليتيه ويديه على الأرض وينصب ساقيه، وهذا هو الذي وردت الأحاديث بكراهته. وتبع البيهقي على هذا الجمع ابن الصلاح والنووي، وأنكر على من ادعى فيهما النسخ، وقالا: كيف ثبت النسخ مع عدم تعذر الجمع، وعدم العلم بالتاريخ؟ كذا في التلخيص (ص٩٩) . قال الشوكاني: وهذا الجمع لا بد منه، وأحاديث النهي والمعارض لها يرشد لما فيها من التصريح بإقعاء الكلب، ولما في أحاديث العبادلة من التصريح بالإقعاء على القدمين وعلى أطراف الأصابع، وقد روي عن ابن عباس أيضاً أنه قال: من السنة أن تمس عقبيك أليتيك، وهو مفسر للمراد، فالقول بالنسخ غفلة عن ذلك، وعما صرح به الحفاظ من جهل تاريخ هذه الأحاديث، وعن المنع من المصير إلى النسخ مع إمكان الجمع، وقد روي عن جماعة من السلف من الصحابة وغيرهم فعله كما قال النووي. ونص الشافعي في "البويطي" و"الإملاء" على استحبابه- انتهى كلام الشوكاني. قلت: الذي قاله البيهقي، وابن الصلاح، والنووي، ثم الشوكاني، هو الحق والصواب، ويؤيده كتب اللغة. قال ابن دريد في الجمهرة (ج٣: ص٢٦٣) : الإقعاء مصدر "أقعى إقعاء" وهو أن يقعد على عقبيه، وينصب صدور قدميه، ونهى عن الإقعاء في الصلاة وهو أن يقعد على صدور قدميه، ويلقى يديه على الأرض. وفي لسان العرب: أقعى الكلب إذا جلس على إسته مفترشاً رجليه، وناصباً يديه، وقد جاء في الحديث النهي عن الإقعاء في الصلاة، وفي رواية: نهى أن يقعى الرجل في الصلاة، وهو أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين. وهذا تفسير الفقهاء. قال الأزهري كما روي عن العبادلة.
стр. 1143
رواه الترمذي.
٩١١- (١٨) وعن طلق بن علي الحنفي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا ينظر الله إلى صلاة عبد لا يقيم فيها صلبه بين خشوعها وسجودها)) . رواه أحمد.
ــ
وأما أهل اللغة فالإقعاء عندهم أن يلصق الرجل أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه وفخذيه ويضع يديه على الأرض كما يقعى الكلب، وهذا هو صحيح، وهو أشبه بكلام العرب، وليس الإقعاء في السباع إلا كما قلناه- انتهى. والزمخشري حين فسر الحديث في النهي في كتابي "الفائق" و"الأساس" إنما فسر الإقعاء بما فسره به أهل اللغة فقط، واختار الجمع المذكور بعض الأئمة الحنفية أيضاً كابن الهمام وغيره. وأما عامة الحنفية فكرهوا الإقعاء مطلقاً، لكن قالوا: كراهة إقعاء الكلب تحريمية، وكراهة الثاني تنزيهه، وحملوا حديث ابن عباس على العذر، أو بيان الجواز. وفيه: أنه لو كان الإقعاء بالمعنى الثاني مكروهاً لم يقل ابن عباس: هي سنة نبيكم، ولم يفعله العبادلة وغيرهم من الصحابة. (رواه الترمذي) وأخرجه أيضاً ابن ماجه من طريق الحارث بن عبد الله الأعور، وهو ضعيف جداً، رماه الشعبي، وأبوإسحاق، وغيرهما بالكذب، ووثقه ابن معين ولم يتابعه أحد على ذلك بل الجمهور اتفقوا على تضعيفه، وكان عالماً بالفقه، والحساب، والفرائض. وفي الباب عن أنس عند ابن ماجه، وقد ذكرنا لفظه، وفيه العلاء أبومحمد، قال فيه البخاري وغيره: منكر الحديث، وقال ابن المديني: كان يضع الحديث. وعن سمرة، وأبي هريرة عند أحمد، وعن جابر بن سمرة، وأنس عند البيهقي. قال النووي: أسانيدها كلها ضعيفة.
٩١١- قوله: (الحنفي) بفتح النون نسبة إلى بني حنيفة قبيلة. (لا يقيم فيها صلبه) أي في القومة، بيانها. (بين خشوعها) أي ركوعها. (وسجودها) وإنما سمى الركوع خشوعاً، وهو هيئة الخاشع، تنبيهاً على أن القصد الأولى من تلك الهيئة الخشوع والانقياد، قاله الطيبي. قلت: وذكر الهيثمي هذا الحديث في مجمع الزوائد نقلاً عن أحمد، والطبراني بلفظ: لا ينظر الله عزوجل إلى صلاة عبد لا يقيم صلبه فيما بين ركوعها وسجودها. والحديث يدل على وجوب الطمأنينة في الاعتدال من الركوع، وإليه ذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وهو الحق. (رواه أحمد) وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير. قال الهيثمي والمنذري: رجاله ثقات، وفي الباب عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : لا ينظر الله إلى صلاة رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده. أخرجه أحمد بإسناد جيد، قاله المنذري. وقال الهيثمي: رواه أحمد من رواية عبد الله بن زيد الحنفي، عن أبي هريرة، ولم أجد من ترجمه- انتهى. قال الحافظ في تعجيل المنفعة: وهم الهيثمي في تسمية عبد الله بن زيد، وإنه عبد الله بن بدر، وهو معروف موثق، ولكنه قال: إن عبد الله بن بدر لا يروي عن أبي هريرة إلا بواسطة.
стр. 1144
٩١٢- (١٩) وعن نافع، أن ابن عمر كان يقول: ((من وضع جبهته بالأرض فليضع كفيه على الذي وضع عليه جبهته، ثم إذا رفع فليرفعهما، فإن اليدين تسجدان
ــ
٩١٢- قوله: (من وضع جبهته) أي في السجود. (فليضع كفيه) أيضاً. (على الذي وضع) بصيغة الماضي، وفي الموطأ "يضع" بلفظ المضارع. (عليه جبهته) أي على المكان الذي وضع جبهته عليه. قيل: يعني بقربه. (ثم إذا رفع) أي جبهته. (فليرفعهما) أي الكفين أيضاً. (فإن اليدين) أي الكفين. (تسجدان) تعليل لوضع الكفين على الأرض كما وضع الجبهة عليها. وقيل: تعليل لوضع الكفين والرفع كليهما، وإشارة إلى أن سجدة الوجه كما أنه لا بد لها من رفع الرأس كذلك سجدة الكفين لا بد لهما من رفعهما. واختلف فيمن لم يرفع يديه عن الأرض بين السجدتين، ففي قول للمالكية: يبطل صلاته، قال الزرقاني: لأن رفعهما فرض، إذ لا يعتدل من لم يرفعهما. وقال في شرح الكبير: والمعتمد صحة صلاة من لم يرفع يديه عن الأرض حال الجلوس بين السجدتين حيث اعتدل- انتهى. وفي قول ابن عمر هذا إشارة إلى حديث العباس: إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه، وكفاه، وركبتاه، وقدماه. أخرجه الترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه، وغيرهم. وإلى حديث ابن عباس: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم. وفيه أيضاً إشارة إلى أنه يستحب أن يستقبل بأصابعه القبلة. واعلم أنه اختلف في تعيين المقصود من قول ابن عمر هذا، فقيل: أراد بيان وجوب وضع اليدين على الأرض للسجود، وقد تقدم أن القول الراجح هو وجوب وضع الأعضاء السبعة جميعاً، وفيها اليدان فيجب وضعهما. وقيل: أراد بيان موضع اليدين في السجود، وأنهما تكونان قريباً من الوجه، وإلى هذا المعنى أشار محمد في موطئه حيث قال بعد ذكر هذا الأثر: وبهذا نأخذ، ينبغي للرجل إذا وضع جبهته ساجداً أن يضع كفيه بحذاء منكبيه- انتهى. والمسألة مختلفة فيها، فكل من ذهب إلى أن الرفع في افتتاح الصلاة إلى المنكبين، جعل وضع اليدين في السجود حيال المنكبين، ويؤيده ما روى البخاري وغيره عن أبي حميد الساعدي، أن النبي ﷺ وضع اليدين حذو المنكبين. ومن ذهب في الرفع في الافتتاح إلى حيال الأذنين جعل وضعهما في السجود حيال الأذنين، وهكذا روي في مسلم عن النبي ﷺ من فعله. قال ابن الهمام: لو قال قائل: إن السنة أن يفعل أيهما تيسر جمعاً للمرويات، بناء على أنه ﵇ كان يفعل هذا أحياناً، وهذا أحياناً، إلا أن بين الكفين أفضل؛ لأن فيه تلخيص المفاجأة المسنونة ما ليس في الآخر، كان حسنا. وقيل: أراد بيان كشف اليدين وإبرازهما في السجود، وإليه مال الزرقاني كما يظهر من شرحه، ويؤيد هذا القول ما رواه مالك قبل هذا عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان إذا سجد وضع كفيه على الذي يضع عليه وجهه. قال نافع: ولقد رأيته في يوم شديد البرد، وأنه ليخرج كفيه من تحت برنس له حتى يضعهما على الحصباء، ويؤيده أيضاً ما رواه ابن أبي شيبة عن أبي هند، قال: قال ابن عمر: إذا سجد أحدكم فليباشر بكفيه الأرض، وهذه
стр. 1145
كما يسجد الوجه)) . رواه مالك.
(١٥) باب التشهد
﴿الفصل الأول﴾
٩١٣- (١) عن ابن عمر، قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا قعد في التشهد، وضع يده اليسرى على
ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد
ــ
المسألة أيضاً مختلفة فيها كما تقدم. قال ابن رشد في البداية: واختلفوا أيضاً هل من شرط السجود أن تكون يد الساجد بارزة وموضوعة على الذي يوضع عليه الوجه، أم ليس ذلك من شرطه؟ فقال مالك: ذلك من شرط السجود، أحسبه شرط تمامه. وقالت جماعة: ليس ذلك من شرط السجود- انتهى. قلت: أقرب الأقوال في بيان الغرض من قول ابن عمر هذا هو القول الأول، ثم الثالث، وأبعدها الثاني، والله أعلم. (كما يسجد الوجه) أي الجبهة والأنف. (رواه مالك) عن نافع، عن ابن عمر موقوفاً عليه من قوله. ورواه أحمد (ج٢: ص٦) وأبوداود، والنسائي والحاكم، وصححه من طريق ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً إلى النبي ﷺ . قال: إن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه، وإذا رفعه فليرفعهما.
(باب التشهد) قال القاضي: سمي الذكر المخصوص تشهداً لاشتماله على كلمتي الشهادة، تغليباً لها على بقية أذكاره لشرفها.
٩١٣- قوله: (إذا قعد في التشهد) أي لأجله، وهو أعم من الأول والثاني. (وضع يده اليسرى) أي بطن كفها باسطا لأصابعها مستقبلاً بها القبلة كما يأتي. (على ركبته اليسرى) أي على قربها فوق فخذه اليسرى جمعاً بين الأحاديث. (ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى) وضع اليدين على الركبتين في التشهد مجمع على استحبابه، ولعل حكمة وضعهما على الركبتين المحافظة من العبث والمراعاة للأدب. (وعقد) أي اليمنى. وهذا بظاهره يدل على أن العقد من أول القعود كما هو مذهب الشافعية لا عند الإشارة، أي رفع المسبحة عند قوله: لا إله إلا الله، كما هو مختار الحنفية. قال القاري في تزيين العبارة: المعتمد عندنا لا يقعد إلا عند الإشارة، لاختلاف ألفاظ الحديث، وبما اخترنا يحصل الجمع بين الأدلة، فإن بعضها يدل على أن العقد من أول القعود، وبعضها يشير إلى أنه لا عقد أصلاً مع الاتفاق على تحقيق الإشارة- انتهى. قلت: لا اختلاف بين ألفاظ الحديث أصلاً، فإن الروايات التي فيها ذكر القبض أو العقد كلها ظاهرة في أن القبض من ابتداء الجلوس لا عند الإشارة، وأما الاقتصار في بعض الروايات على مجرد الوضع والإشارة
стр. 1146
ثلاثة وخمسين،
ــ
بدون ذكر القبض فليس فيها أدنى إشارة إلى عدم القبض، فإنها مطلقة تحمل على الروايات التي فيها التنصيص بذكر القبض، حمل المطلق على المقيد. وأما قول ابن الهمام: إن وضع الكف مع قبض الأصابع لا يتحقق حقيقة، فالمراد وضع الكف ثم قبض الأصابع بعد ذلك للإشارة، ففيه أن ذلك إنما يتم لو كان المراد بوضع الكف اليمنى بسطها، ولا دليل على ذلك، بل في قوله: "ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها" إشعار ظاهر بقبض اليمنى من أول القعود، وإشارة بينة إلى أنه لم يبسط اليمنى مطلقاً، بل كان وضعها مع عقد الأصابع وقبضها. والحاصل أن الروايات بظاهرها تدل على المعية لا البعدية. ولو سلم أن القبض كان عند الإشارة فلا يضرنا ذلك بل يوافقنا؛ لأن ظاهر الأحاديث يدل على أن الإشارة من ابتداء الجلوس، ولم أر حديثاً صحيحاً يدل عل كون الإشارة عند قوله "لا إله إلا الله" خاصة. وأما ما ورد في بعض الروايات عند أحمد، والبيهقي من قول الصحابي في بيان فعله ﷺ "ولكنه التوحيد" أو "إنما كان رسول الله ﷺ يصنع ذلك يوحد بها ربه عزوجل" أو "يشير بها إلى التوحيد" فليس فيه دليل على كون الإشارة أي رفع المسبحة عند قوله: لا إله إلا الله، بل فيه بيان حكمة الإشارة، يعني أنها للتوحيد، فإذا ثبت أن الإشارة من أول القعود وقد قالوا: إن القبض كان للإشارة ثبت أن القبض كان من ابتداء القعود وأوله، لا عند قوله: لا إله إلا الله. (ثلاثة وخمسين) وهو أن يعقد الخنصر والبنصر والوسطى، ويرسل المسبحة، ويضم الإبهام إلى أصل المسبحة مرسلة. قال الحافظ في التلخيص بعد ذكر هذا الحديث: وصورتها أن يجعل الإبهام معترضة تحت المسبحة- انتهى. وهذه هي إحدى الهيئات الواردة في وضع اليد اليمنى على الركبة اليمنى حال التشهد. والثانية: أن يقبض الأصابع كلها على الراحة، ويشير بالمسبحة، ففي رواية لمسلم من حديث ابن عمر مرفوعاً: كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام. والثالثة: أن يعقد الحنصر والبنصر، ويرسل المسبحة ويحلق الإبهام والوسطى كما هو منصوص في حديث وائل ابن حجر الآتي. والرابعة: أن يضع اليد اليمنى على الفخذ اليمنى ويشير بالسبابة، ويضع إبهامه على إصبعه الوسطى كما في حديث ابن زبير الآتي، ولا منافاة بين هذه الأحاديث لجواز وقوع الكل في الأوقات المتعددة، فيكون الكل جائزاً. قال الرافعي: الأخبار وردت بها جميعاً، وكان رسول الله ﷺ يصنع مرة هكذا، ومرة هكذا. وقال الأمير اليماني: الظاهر أنه مخير بين هذه الهيئات- انتهى. والمختار الأحسن عند الحنفية والحنابلة هو التحليق. وقال البيهقي بعد رواية حديث وائل: ونحن نجيزه ونختار ما روينا في حديث ابن عمر، ثم ما روينا في حديث ابن الزبير لثبوت خبرهما، وقوة سندهما- انتهى. وقد رام بعضهم الجمع بين حديث ابن الزبير، ورواية العقد ثلاثة وخمسين، بأن يكون المراد بقوله: "على إصبعه الوسطى" أي وضعها قريباً من أسفل الوسطى، وحينئذٍ يكون بمعنى العقد ثلاثة وخمسين، وتكون الهيئات ثلاثة لا أربعة، وهذا هو الظاهر. وأما ما ورد في الرواية الآتية من حديث ابن عمر، وبعض روايات ابن الزبير من ذكر وضع
стр. 1147
وأشار بالسبابة. وفي رواية: ((كان إذا جلس في الصلاة، وضع يديه على ركبتيه، ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام، يدعوا بها، ويده اليسرى على ركبته، باسطها عليها)) . رواه مسلم.
٩١٤- (٢) وعن عبد الله بن الزبير، قال: ((كان رسول الله ﷺ
ــ
اليدين على الركبتين، والإشارة بالمسبحة بدون ذكر القبض، فليس ذلك دليلاً على هيئة أخرى غير ما تقدم، فإنها مطلقة فتحمل بعض الروايات التي وردت مقيدة بذكر القبض، والله أعلم. (وأشار بالسبابة) قال الطيبي: أي رفعها عند قول "إلا الله" ليطابق القول الفعل على التوحيد. وقال القاري: وعندنا يرفعها عند "لا إله" ويضعها عند "إلا الله" لمناسبة الرفع للنفي، وملائمة الوضع للإثبات، ومطابقة بين القول والفعل حقيقة. وقال الأمير اليماني: موضع الإشارة عند قوله "لا إله إلا الله" لما رواه البيهقي من فعل النبي ﷺ ؛ وينوي بالإشارة التوحيد، والإخلاص فيه، فيكون جامعاً في التوحيد بين الفعل، والقول، والاعتقاد. قلت: حاصل ما رواه البيهقي وغيره في ذلك أنه ﷺ كان يشير بالمسبحة إلى التوحيد، أو يريد بها التوحيد، أو يوحد بها ربه ، وليس فيه كما ترى تصريح بالإشارة عند قوله "لا إله إلا الله" خاصة. ولا نفي الإشارة قبل ذلك من ابتداء الجلوس. ومقصود الصحابي منه إنما هو بيان حكمة الإشارة ونكتتها، لا بيان محل الإشارة ووقتها. وظاهر الأحاديث الواردة في هذه المسئلة يدل على الإشارة من ابتداء الجلوس، فالراجح عندنا أن يعقد من أول القعود مشيراً بالمسبحة، مستمراً على ذلك إلى أن يسلم، والله أعلم. قال العلماء: خصت السبابة بالإشارة لاتصالها بنياط القلب، فتحريكها سبب لحضوره. (وفي رواية: كان إذا جلس في الصلاة) أي للتشهد كما بينته الرواية الأولى. (وضع يديه على ركبتيه) لكن مع اختلاف الهيئة كما علم من الروايات السابقة والآتية. (ورفع إصبعه) ظاهره أن رفع الإصبع، أي الإشارة بها كان في ابتداء الجلوس. (اليمنى التي تلي الإبهام) وهي المسبحة. (يدعو بها) وفي مسلم "فدعا بها" أي أشار بها. قال الطيبي: إما أن يضمن "يدعو" معنى "يشير" أي يشير بها داعياً إلى وحدانية الله بالإلهية، وإما أن يكون حالاً، أي يدعو مشيراً بها. قال ابن حجر: يدعو بها، أي يتشهد بها، وإنما سمى التشهد دعاء لاشتماله عليه، إذ من جملته "السلام عليك أيها النبي" إلى "الصالحين"، وهذا كله دعاء، وإنما عبر عنه بلفظ الإخبار لمزيد التوكيد. (ويده اليسرى) قال القاري: بالنصب في النسخ المصححة، وفي نسخة بالرفع، وهو الظاهر. (باسطها) بالنصب على الحال ويجوز الرفع. (عليها) أي حال كونه باسطاً يده على الركبة من غير رفع إصبع، وفيه إشعار بكون اليمنى مقبوضة. (رواه مسلم) الرواية الثانية أخرجها أيضاً أحمد والترمذي والنسائي.
٩١٤- قوله: (وعن عبد الله بن الزبير) بن العوام القرشي الأسدي يكنى أبابكر المكي ثم المدني، وهو أول مولود في الإسلام للمهاجرين بالمدينة، هاجرت به أمه أسماء بنت أبي بكر إلى المدينة وهي حامل، فولد بعد الهجرة في السنة الأولى
стр. 1148
إذا قعد يدعوا وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بإصبعه السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى، ويلقم كفه اليسرى ركبته)) .
ــ
وأذن أبوبكر في أذنه، ولدته أمه بقباء، وأتت به إلى النبي ﷺ فوضعته في حجره، فدعا بتمرة فمضغها، ثم تفل في فيه وحنكه، فكان أول شيء دخل في جوفه ريق رسول الله ﷺ ، ثم دعا له وبرك عليه، وكان كثير الصيام والصلاة شهيما ذا أنفة، شديد البأس فصيحا لسنا، قابلا للحق، وصولا للرحم، اجتمع له ما لم يجتمع لغيره. أبوه الزبير حواري رسول الله ﷺ ، وأمه أسماء بنت الصديق، وجده لأمه الصديق، وجدته صفية عمة رسول الله ﷺ ، وخالته عائشة زوج رسول الله ﷺ . بايع رسول الله ﷺ وهو ابن ثمان سنين وحضر وقعة اليرموك. وشهد خطبة عمر بالجابية وبويع له بالخلافة عقيب موت يزيد بن معاوية سنة. (٦٤) وغلب على الحجاز والعراقيين واليمن ومصر، وأكثر الشام. وكانت ولايته تسع سنين. وقتله حجاج بن يوسف بمكة، وصلبه يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من جمادي الأخرى سنة. (٧٣) وحج بالناس ثماني حجج. ومات النبي ﷺ وهو ابن تسع سنين. ومناقبه وأخباره كثيرة جداً، وخلافته صحيحة خرج عليه مروان بعد أن بويع له بالآفاق كلها إلا بعض قرى الشام. فغلب مروان على دمشق، ثم غزا مصر فملكها. ومات بعد ذلك، فغزا بعد مدة عبد الملك بن مروان العراق، فقتل مصعب بن الزبير ثم أغزى الحجاج مكة فقتل عبد الله. وقد كان عبد الله أولاً امتنع من بيعة يزيد بن معاوية، وسمى نفسه عائذ البيت، وامتنع بالكعبة، فأغزى يزيد جيشا عظيما فعلوا بالمدينة في وقعة الحرة ما اشتهر، ثم ساروا من المدينة إلى مكة، فحاصروا ابن الزبير، ورموا البيت بالمنجنيق، وأحرقوه، فجاءهم نعى يزيد بن معاوية وهم على ذلك، فرجعوا إلى الشام، فلما غزى الحجاج مكة كما فعل أسلافه، ورمى البيت بالمنجنيق، وارتكب أمرا عظيما، وظهرت حينئذٍ شجاعة ابن الزبير فحمى المسجد وحده، وهو في عشر الثمانين بعد أن خذله عامة أصحابه حتى قتل صابرا، محتسبا، مقبلا، غير مدبر، ﵁. له ثلاثة وثلاثون حديثا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بستة، وانفرد مسلم بحديثين. روى عنه خلق كثير. (إذا قعد يدعو) أي يتشهد. قال الطيبي: سمى التشهد دعاء لاشتماله عليه، فإن قوله: سلام عليك، وسلام علينا، دعاء. (وأشار بإصبعه السبابة) أي من ابتداء القعود للتشهد. (ووضع إبهامه) أي من أول جلوسه للتشهد. (على إصبعه الوسطى) تقدم الكلام عليه. (ويلقم) من الإلقام أي أحياناً. (كفه اليسرى ركبته) أي اليسرى، أي يعطف أصابعها على الركبة. يقال: ألقمت الطعام، إذا أدخلته في فيك. أي يدخل ركبته في راحة فه اليسرى حتى صارت ركبته كاللقمة في كفه. قال ابن حجر: ولا ينافي هذا ما مر من أن السنة وضع بطن كفيه على فخذيه قريباً من ركبتيه، بحيث تسامتها رؤس الأصابع؛ لأن ذاك بيان لكمال السنة. وهذا بيان لأصل السنة- انتهى. وقال النووي: قد أجمع العلماء على استحباب وضع اليد اليسرى عند الركبة، أو على الركبة.
стр. 1149
رواه مسلم.
٩١٥- (٣) وعن عبد الله بن مسعود، قال: ((كنا إذا صلينا مع النبي ﷺ قلنا: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان. فلما انصرف النبي ﷺ ، أقبل علينا بوجهه، قال: لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام، فإذا جلس أحدكم في الصلاة، فليقل:
ــ
وبعضهم يقول بعطف أصابعها على الركبة، وهو معنى قوله: ويلقم كفه اليسرى ركبته- انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً الدارقطني.
٩١٥- قوله: (قلنا) أي في قعود التشهد قبل مشروعيته. (السلام على الله قبل عباده) في المجمع: أي قلنا هذا اللفظ قبل "السلام على عباده"- انتهى. فجعل الظرف متعلقاً بالقول، والظاهر أنه من جملة المقول، وكأنهم رأوا "السلام" من قبيل الحمد والشكر فجوزوا ثبوته لله تعالى أيضاً. (السلام على فلان) وفي رواية "السلام على فلان وفلان" مكرراً. زاد في رواية ابن ماجه "يعنون الملائكة"، وللسراج: فنعد من الملائكة ما شاء الله. والأظهر أنه ﵇ لم يسمعه إلا حين أنكره عليهم. وقوله "كنا" ليس من قبيل المرفوع حتى يكون منسوخاً بقوله "إن الله هو السلام"؛ لأن النسخ إنما يكون فيما يصح معناه، وليس تكرر ذلك منهم مظنة سماعة له منهم؛ لأنه في التشهد، والتشهد سر. (فلما انصرف النبي ﷺ ) أي فرغ من صلاته. (أقبل علينا بوجهه) يعني لا بمجرد الكلام، وقيل: إنه تأكيد، والجملة بدل من "انصرف" وجواب "لما" قوله. (قال: لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام) أي هو مالك السلامة ومعطيها، فلا يحتاج إلى أن يدعى له بالسلامة، كيف وهو المرجوع إليه بالمسائل والمدعو على الحالات، أو أنه تعالى هو السالم عن الآفات التي لأجلها يطلب السلام عليه، ولا يطلب السلام إلا على من يمكن له عروض الآفات، فلا يناسب السلام عليه تعالى. (فليقل) فيه دليل على وجوب قراءة التشهد في القعدة الأولى والثانية، وإليه ذهب أحمد وإسحاق، لكن عدا الحنابلة التشهد الأول واجباً، والثاني ركناً، وقريب منه مذهب الشافعية، فإنهم جعلوا الأول من الأبعاض والسنن التي تنجبر بالسجود، وجعلوا الآخر من الأركان. وعند الحنفية التشهد الثاني واجب، وأما الأول فقيل: واجب، وهو ظاهر الرواية، وقيل: سنة. وأما مالك فقال: بسنية التشهد مطلقاً كما قال الزرقاني. ويدل على الوجوب أيضاً قول ابن مسعود عند النسائي والدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح: كنا نقول في الصلاة قبل أن يفرض علينا التشهد. فإن ظاهره أن التشهد في محله فرض ولذلك بوب النسائي عليه بلفظ "باب إيجاد التشهد". وقيل: يحتمل أن المراد قبل أن يشرع التشهد، واستدل على الوجوب أيضاً بما في رواية لأحمد: وأمره أن يعلمه الناس. وبما روي عن عمر، أنه قال: لا تجزيء صلاة إلا بتشهد.
стр. 1150
التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي
ــ
أخرجه سعيد بن منصور في سننه، والبخاري في تاريخه. (التحيات) جميع تحية، ومعناها: السلام، وقيل: البقاء. وقيل: العظمة. وقيل: السلامة من الآفات والنقص. وقيل: الملك. وقال المحب الطبري: يحتمل أن يكون لفظ التحية مشتركاً بين هذه المعاني وكونها بمعنى السلام أنسب هنا. وقال الخطابي والبغوي: لم يكن في تحياتهم شيء يصلح للثناء على الله، فلهذا أبهمت ألفاظها، واستعمل منها معنى التعظيم، فقال، قولوا: التحيات لله، أي أنواع التعظيم له. وقال ابن قتيبة: لم يكن يحيى إلا الملك خاصة، وكان لكل ملك تحية تخصه، فلهذا جمعت، فكأن المعنى: التحيات التي كانوا يسلمون بها على الملوك كلها مستحقة لله. (والصلوات) قيل: الخمس، أو ما هو أعم من ذلك من الفرائض والنوافل في كل شريعة. وقيل: المراد العبادات كلها. وقيل: الدعوات. وقيل: المراد الرحمة. وقيل، التحيات: العبادات القولية، والصلوات: العبادات الفعلية، والطيبات: الصدقات المالية. (والطيبات) أي ما طاب من الكلام وحسن أن يثنى به على الله دون ما لا يليق بصفاته مما كان الملوك يحيون به. وقيل الطيبات ذكر الله. وقيل: الأقوال الصالحة كالدعاء والثناء. وقيل: الأعمال الصالحة، وهو أعم من القول والفعل. قال ابن دقيق العيد: إذا حمل التحية على السلام فيكون التقدير: التحيات التي تعظم بها الملوك مثلاً مستحقة لله. وإذا حمل على البقاء فلا شك في اختصاص الله به. وكذلك الملك الحقيقي والعظمة التامة، وإذا حملت الصلاة على العهد أو الجنس كان التقدير: إنها لله واجبة لا يقصد بها غيره. وإذا حملت على الرحمة فيكون معنى قوله "لله" أنه المتفضل بها؛ لأن الرحمة التامة لله يؤتيها من يشاء، وإذا حملت على الدعاء فظاهر. وأما الطيبات فقد فسرت بالأقوال، ولعل تفسيرها بما هو أعم أولى فتشمل الأقوال، والأفعال، والأوصاف، وطيب الأوصاف كونها بصيغة الكمال، وخلوصها عن شوائب النقص-انتهى. قال البيضاوي: يحتمل أن يكون الصلوات، والطيبات معطوفتين على "التحيات"، ويحتمل أن يكون "الصلوات" مبتدأ وخبرها محذوف، و"الطيبات" معطوفة عليها. والواو الأولى لعطف الجملة على الجملة التي قبلها، والثانية لعطف المفرد على الجملة. وقال العيني: كل واحد من "الصلوات والطيبات" مبتدأ حذف خبره، أي الصلوات لله، والطيبات لله، فالجملتان معطوفتان على الأولى وهي "التحيات لله". (السلام) التعريف إما للعهد التقديري، أي ذاك السلام الذي وجه إلى الرسل والأنبياء عليك، أو للجنس، والمعنى أن حقيقة السلام الذي يعرفه كل واحد، ويجوز أن يكون للعهد الخارجي إشارة إلى قوله: ﴿وسلام على عباده الذين اصطفى﴾ وقيل: معنى "السلام عليك" الدعاء، أي سلمت من المكارة، وقيل معناه اسم السلام عليك، كأنه برك عليه باسم الله عزوجل. (عليك) أمرهم أن يفردوه بالسلام عليه لشرفه، ومزيد حقه عليهم، ثم أمرهم أن يخصصوا أنفسهم أولاً؛ لأن الاهتمام بها أهم، ثم أمرهم بتعميم السلام على الصالحين، إعلاماً منه بأن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملاً لهم. (أيها النبي) قيل: الحكمة في العدول عن الوصف بالرسالة مع أن الوصف بها أعم في حق البشر وأشرف أن يجمع له الوصفين،
стр. 1151
لكونه وصفه بالرسالة في آخر التشهد وإن كان الرسول البشري يستلزم النبوة، لكن التصريح بهما أبلغ. والحكمة في تقديم الوصف بالنبوة أنها كذلك وجدت في الخارج لنزول قوله: ﴿اقرأ باسم ربك﴾ [٩٦: ١] قبل قوله ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر﴾ [٧٤: ١، ٢] . واعلم أن الأحاديث المرفوعة كلها متفقة على قوله في التشهد "السلام عليك أيها النبي" أي على لفظ الخطاب وحرف النداء، نعم ترك بعض الصحابة كابن مسعود وغيره الخطاب بعد وفاته ﷺ ، ففرقوا بين حياته ﵇ ووفاته، وقالوا "السلام على النبي" كما عند البخاري في الإستيذان، وأبي عوانة في صحيحه، والسراج والجوزقي وأبي نعيم الأصبهاني والبيهقي وعبد الرزاق، لكن جمهور الصحابة والتابعين وغيرهم من المحدثين والفقهاء مطبقون على التشهد المرفوع المروى بصيغة الخطاب والنداء، أي على عدم المغايرة بين زمانه ﷺ وما بعده، وعلى هذا فلا بد من بيان توجيه الخطاب؛ لأنه يرد عليه أنه كيف شرع هذا اللفظ وهو خطاب بشر مع كونه منهياً عنه في الصلاة؟ والجواب أن ذلك من خصائصه ﵇، فإن قيل: ما الحكمة في العدول عن الغيبة إلى الخطاب مع أن لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السياق؟ كأن يقول "السلام على النبي" فينتقل من تحية الله إلى تحية النبي، ثم إلى تحية النفس، ثم إلى تحية الصالحين. أجاب الطيبي مما محصله: نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذي كان علمه الصحابة. وقال ابن الملك: روى أنه ﷺ لما عرج به أثنى على الله تعالى بهذه الكلمات، فقال الله تعالى: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقال ﵇: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقال جبريل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله-انتهى. قال القاري: وبه يظهر وجه الخطاب، وأنه على حكاية معراجه – ﵇ – في آخر الصلاة التي هي معراج المؤمنين – انتهى. وقال في "مسك الختام" في شرح " بلوغ المرام" بالفارسية ما معربه: ووجه الخطاب إبقاء هذا الكلام على ما كان في الأصل، فإن ليلة المعراج قد خاطب الله تعالى رسوله بالسلام، فأبقاه النبي ﷺ وقت تعليم الأمة على ذلك الأصل، ليكون ذك مذكراً لتلك الحال-انتهى. وتمام بيان القصة مع شرح ألفاظ التشهد في الإمداد كذا في رد المختار. وهذا المروي لم أقف على سنده، فإن كان ثابتاً فنعم التوجيه هذا، لكن يقصد على هذا التوجيه بألفاظ التشهد معانيها مرادة له على وجه الإنشاء كأنه يحيى الله تعالى ويسلم على نبيه ﷺ ، وعلى نفسه، وأولياءه، ولا يقصد مجرد الإخبار والحكاية عما وقع في المعراج عنه ﷺ . وقد ظهر بما ذكرنا عدم صحة استدلال القبوريين بصورة النداء والخطاب في التشهد على حضوره ﷺ في كل موضع، وعلى جواز ندائه في غير التشهد، وهذا لأن كون النداء فيه نداء حقيقياً ممنوع، فإنه ليس فيه طلب شئ، بل هو نداء مجازي يطلب به استحضار المنادي في القلب فيخاطب المشهود بالقلب. قال الإمام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم: وقوله: يا محمد! يا نبي الله! هذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادى في القلب فيخاطب المشهود بالقلب كما يقول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته،
стр. 1152
ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عبد الله الصالحين – فانه إذا قال ذلك أصاب كل عبد صالح
ــ
والإنسان يفعل مثل هذا كثيراً يخاطب من يتصوره في نفسه وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب-انتهى. وعلى هذا فليس هذا النداء مما يدعيه هؤلاء القبوريون. وقال بعض شيوخ مشائخنا ما حاصله: أن تشهده ﷺ كان مثل ما علم الأمة، فكان ﵇ يقول في التشهد "السلام عليك أيها النبي" كما أمر به الأمة، كما هو مصرح في حديث عبد الله بن الزبير عند الطحاوي، والبزار، والطبراني، وفي حديث ابن مسعود عند أحمد والطبراني. قال الزرقاني في شرح المواهب نقلاً عن النووي بعد ذكر ألفاظ التشهد ما نصه: وفي هذا فائدة حسنة، وهي أن تشهده ﵇ بلفظ تشهدنا- انتهى. ومن المعلوم أن التشهد المروي في الأحاديث عام للحاضرين من الصحابة، وللغائبين والموجودين في زمنه ﷺ ، ولمن جاء بعده، إذا الخطاب في قوله: "إذا صلى أحدكم" وقوله: "ولكن قولوا" يشمل الحاضرين والغائبين، والموجودين، والمعدومين الكائنين إلى يوم القيامة مثل سائر الخطابات الواردة في الوضوء، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وغير ذلك، وليس هناك حديث يدل على أن للغائبين والمعدومين تشهداً آخر غير هذا التشهد، وأيضاً علمهم النبي ﷺ التشهد هكذا بلفظ الخطاب والنداء بدون التفريق بين الحاضرين منهم والغائبين عنه مع أن الصحابة كانوا يغيبون عنه ﷺ في الغزوات، والسرايا، وغير ذلك من الأسفار، ولا يغايرون بين الحضور عنده والغيبة عنه، ولم يثبت ما تقدم من حكاية المعراج، فهذا كله يدل على أن ذلك مما لم نؤت علمه فينبغي لنا أن لا نبحث فيه، ونكل أمره إلى الله، قال الله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [١٧: ٣٦] ، وإذا يكون هذا الخطاب معدولاً عن العقل والقياس، فيكون مقصوراً على مورده، فلا يقتضى هذا الخطاب جواز خطابه ﷺ ونداءه في غير تشهد الصلاة- انتهى. (ورحمة الله) أي إحسانه. (وبركاته) جمع بركة، أي زيادة من كل خير. (السلام) أي الذي وجه إلى الأمم السالفة من الصلحاء. (علينا) أي محشر الحاضرين، يريد به نفسه، والحاضرين من الإمام، والمأمومين، والملائكة، والجن، وفيه استحباب البداءة بالنفس في الدعاء، وفي الترمذي مصححاً عن أبيّ كعب: أن النبي ﷺ إذا ذكر أحداً فدعا له بدأ بنفسه، وأصله في صحيح مسلم. (وعلى عباد الله الصالحين) الأشهر في تفسير الصالح أنه القائم بما يجب عليه من حقوق الله، وحقوق عباده، وتتفاوت درجاته. قال الحكيم الترمذي: من أراد أن يحظى بهذا السلام الذي يسلمه الخلق في الصلاة فليكن عبداً صالحاً، وإلا حرم هذا الفضل العظيم. (فإنه) أي الشأن أو المصلي. (إذا قال ذلك) أي قوله "وعلى عباد الله الصالحين" وهو كلام معترض بين قوله "الصالحين" وبين قوله "أشهد" إلى آخره. وإنما قدمت للاهتمام بها لكونه أنكر عليهم عد الملائكة واحداً واحداً، ولا يمكن استيعابهم لهم مع ذلك فعلمهم لفظاً يشمل الجميع مع غير الملائكة من النبيين، والمرسلين، والصديقين، وغيرهم بغير مشقة، وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ ، وقد ورد في بعض طرقه سياق التشهد متوالياً، وتأخير الكلام المذكور بعد، وهو من تصرف الرواة. (أصاب) فاعله ضمير ذلك. (كل عبد صالح) قيد به؛ لأن التسليم لا يصلح للمفسد.
стр. 1153
في السماء والأرض - أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعوه)) . متفق عليه.
ــ
(أشهد أن لا إله إلا الله) زاد ابن أبي شيبة "وحده لا شريك له" وسنده ضعيف، لكن ثبتت هذه الزيادة في حديث أبي موسى عند مسلم، وفي حديث عائشة الموقوف في الموطأ. (ثم ليتخير) أي ليختر. (من الدعاء أعجبه إليه) أي أحب الدعاء وأرضاه من الدين، والدنيا، والآخرة. (فيدعوه) أي فيقرأ الدعاء الأعجب. وقيل التقدير: فيدعوا به. كما في رواية أبي داود، فهو من باب الحذف والإيصال. وقيل التقدير: فيدعوا الله به. فحذف المفعول الثاني للعلم به. وفيه دليل على مشروعية الدعاء في الصلاة قبل السلام من أمور الدنيا والآخرة ما لم يكن إثماً؛ لأن ظاهر قوله "ليتخير من الدعاء أعجبه إليه" شامل لكل دعاء مأثور وغيره مما يتعلق بالآخرة كقوله "اللهم أدخلني الجنة". أو الدنيا مما يشبه كلام الناس كقوله "اللهم ارزقني زوجة جميلة، ودراهم جزيلة". وبذلك أخذ الشافعية، والمالكية ما لم يكن إثماً. وقصر الحنفية على ما يناسب المأثور فقط مما لا يشبه كلام الناس محتجين بقوله ﵇: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس". واحتج الأولون بظاهر حديث ابن مسعود، بقوله ﵇: سلوا الله حوائجكم حتى الشسع لنعالكم، والملح لقدوركم. واستثنى بعض الشافعية من مصالح الدنيا ما فيه سوء أدب كقوله: "اللهم أعطني امرأة جميلة" ثم يذكر أوصاف أعضائها. وقال ابن المنير: الدعاء بأمور الدنيا في الصلاة حظر، وذلك أنه قد تلتبس عليه الدنيا الجائزة بالمحظورة، فيدعوا بالمحظورة فيكون عاصياً متكلماً في الصلاة، فتبطل صلاته وهو لا يشعر، ألا ترى أن العامة يلتبس عليها الحق بالباطل، فلو حكم حاكم على عامي بحق فظنه باطلاً، فدعا على الحاكم باطلا بطلت صلاته، وتمييز الحظوظ الجائزة من المحرمة عسير جداً، فالصواب أن لا يدعوا بدنياه إلا على تثبت من الجواز- انتهى. ثم ظاهر اللفظ يدل على وجوب الدعاء قبل السلام بعد التشهد؛ لأن التخيير في آحاد الشيء لا يدل على عدم وجوبه كما قال ابن رشد، وهو المتقرر في الأصول، وقد ذهب إلى الوجوب أهل الظاهر، وروي عن أبي هريرة، وادعى بعض العلماء الإجماع على عدم الوجوب. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد، والترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم. واعلم أن حديث التشهد قد رواه أربعة وعشرون صحابياً، ذكر الحافظ في التلخيص (ص ١٠٢، ١٠٣) أسماءهم مع تخريج أحاديثهم، وبيان اختلاف ألفاظهم، واقتصر المصنف على إيراد أحاديث ثلاثة منهم: ابن مسعود، وابن عباس، وجابر. والروايات في ألفاظ التشهد مختلفة جداً، ولذلك اختلف الأئمة في اختيار بعضها دون بعض، وترجيح بعضها على بعض مع القول بجواز كل ما ثبت وصح، فاختار مالك تشهد عمر الموقوف عليه، ولفظه نحو حديث ابن عباس التالي إلا أنه قال "الزاكيات" بدل "المباركات"، وإنما رجح مالك تشهد عمر؛ لأنه علمه الناس على المنبر، ولم ينازعه أحد، فكان إجماعاً،
стр. 1154
ودل على تفضيله. وفيه: أن عدم إنكار الصحابة على عمر إنما يدل على جواز تشهده وإجزائه، لا على كونه أفضل التشهدات لاختيار أكثر الصحابة غير تشهده كما تدل عليه الروايات، ولم يكونوا ينكرون على أحد في الأمور المباحة، على أن تشهد عمر موقوف عليه. قال الدارقطني: لم يختلفوا في أنه موقوف عليه. وقال ابن عبد البر: ليس عند مالك في التشهد شيء مرفوع وإن كان غيره قد رفع ذلك، ومعلوم أنه لا يقال بالرأي. ولما علم مالك أن التشهد لم يكن إلا توقيفاً اختار تشهد عمر؛ لأنه كان يعلمه الناس، وهو على المنبر من غير نكير. قال: وتسليم الصحابة لعمر ذلك مع اختلاف رواياتهم دليل الإباحة والتوسعة. وقال ابن قدامة في المغني: أما حديث عمر فلم يروه عن النبي ﷺ ، إنما هو من قوله، وأكثر أهل العلم من الصحابة على خلافه، فكيف يكون إجماعاً على أنه ليس الخلاف في إجزائه في الصلاة، إنما الخلاف في الأولى والأحسن، والأحسن تشهد النبي ﷺ الذي علمه أصحابه. وأخذوا به- انتهى. ولو سلم أن سكوت الصحابة وعدم إنكارهم على عمر دليل على إجماعهم فقد وقع إجماعهم على تشهد ابن مسعود قبل ذلك، فروى ابن أبي شيبة في مصنفه بسنده عن ابن عمر: أن أبابكر كان يعلمهم التشهد على المنبر كما يعلم الصبيان في المكتب: التحيات لله، والصلوات، والطيبات. فذكر مثل حديث ابن مسعود. قال الحافظ: ورواه أبوبكر بن مردويه في كتاب التشهد له من رواية أبي بكر مرفوعاً، وإسناده حسن. واختار الشافعي تشهد ابن عباس الآتي، وقال هو أفضل التشهد. واختار أحمد، وأبوحنفية، وجمهور الفقهاء، وأهل الحديث تشهد ابن مسعود، قال الترمذي: وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين، وهو قول الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق-انتهى. وقال الحافظ: وذهب جماعة من محدثي الشافعية كابن المنذر إلى اختيار تشهد ابن مسعود-انتهى. وذكروا لترجيحه وجوهاً كثيرة، منها: أن الأئمة الستة اتفقوا على تخريج حديثه لفظاً ومعنى، وذلك نادر، وأعلى درجات الصحة عند المحدثين ما اتفق عليه الشيخان فكيف إذا اتفق عليه الستة لفظاً ومعنى. ومنها: أنه أجمع العلماء على أن حديثه أصح ما روي في التشهد. قال الترمذي: هو أصح حديث روي عن النبي ﷺ في التشهد. وقال البزار لما سئل عن أصح حديث في التشهد قال: هو عندي حديث ابن مسعود، وروي من نيف وعشرين طريقاً، ثم سرد أكثرها وقال: لا أعلم في التشهد أثبت منه، ولا أصح أسانيد، ولا أشهر رجالاً، ولا أشد تظافراً بكثرة الأسانيد والطرق، ذكره الحافظ في التلخيص، وقال بعد ذكره في الفتح: ولا اختلاف بين أهل الحديث في ذلك، وممن جزم بذلك البغوي في شرح السنة، وقال محمد بن يحيى الذهلي: حديث ابن مسعود أصح ما روي في التشهد. وقال بريدة بن الحصيب: ما سمعت في التشهد أحسن من حديث ابن مسعود، رواه الطبراني، وقال النووي: أشدها صحة باتفاق المحدثين حديث ابن مسعود، ثم حديث ابن عباس. ومنها: أن الرواة عن ابن مسعود من الثقات لم يختلفوا في ألفاظه بخلاف غيره، قال مسلم: إنما اجتمع
стр. 1155
٩١٦- (٤) وعن عبد الله بن عباس، قال: ((كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن،
ــ
الناس على تشهد ابن مسعود؛ لأن أصحابه لا يخالف بعضهم بعضاً، وغيره قد اختلف أصحابه، ذكره الحافظ في الفتح. ومنها: أنه تلقاه عن النبي ﷺ تلقيناً؛ فروى الطحاوي من طريق الأسود بن يزيد عنه، قال: أخذت من في رسول الله ﷺ ولقننيه كلمة كلمة. ومنها: أن فيه تأكيد التعليم ما ليس في غيره؛ ففي البخاري في الاستئذان: علمني رسول الله ﷺ التشهد وكفى بين كفيه، كما يعلمني السورة من القرآن. وفي أبي داود بسنده إلى القاسم قال: أخذ علقمة بيدي فحدثني أن عبد الله بن مسعود أخذ بيده، وأن رسول الله ﷺ أخذ بيده، فعلمه التشهد في الصلاة. ومثل هذا لا يوجد في غيره. ومنها: أن أبا بكر علمه الناس على المنبر كما تقدم. ومنها: أن رواته لم يختلفوا في حرف منه بل نقلوه مرفوعاً على صفة واحدة بخلاف غيره. ومنها: أنه ورد بصيغة الأمر مثل قوله "فليقل" وقوله "قولوا" ونحو ذلك، وأقله الندب والاستحباب بخلاف غيره، فإنه مجرد حكاية. ومنها: أن رسول الله ﷺ علم ابن مسعود التشهد وأمره أن يعلمه الناس، أخرجه أحمد. قال الحافظ بعد ذكره: ولم ينقل ذلك لغيره، ففيه دليل على مزيته. ومنها: أنه اتفق على روايته جماعة من الصحابة مثل أبي بكر، ومعاوية، وسلمان، وغيرهم. قال ابن قدامة في المغني (ج١: ص٥٧٨) : وقد رواه عن النبي ﷺ معه ابن عمر، وجابر، وأبو موسى، وعائشة. وقال أيضاً (ج١: ص٥٧٩) : وقد اتفق على روايته جماعة من الصحابة فيكون أولى. ومنها: أنه أخذ به جمهور الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من الفقهاء، وأهل الحديث بخلاف تشهد غيره. ومنها: ما ذكره في المغني: قال عبد الرحمن بن الأسود: عن أبيه، قال: حدثنا عبد الله بن مسعود: أن النبي ﷺ علمه التشهد في الصلاة، قال: وكنا نتحفظه عن عبد الله كما نتحفظ حروف القرآن: الواو، والألف. (أخرجه البزار، ورجاله رجال الصحيح) قال ابن قدامة: وهذا يدل على ضبطه، فكان أولى. ومنها: ما قال الحافظ في الفتح: ورجح أيضاً بثبوت الواو في الصلوات والطيبات، وهي تقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فيكون كل جملة ثناء مستقلاً، بخلاف ما إذا حذفت، فإنها تكون صفة لما قبلها، وتعدد الثناء في الأول صريح فيكون أولى، ولو قيل: إن الواو مقدرة في الثاني- انتهى. وقد ذكروا لترجيح تشهد ابن مسعود وجوهاً أخرى وفيما ذكرناه كفاية لمن له بصيرة، فلا يشك في أن حديث ابن مسعود أرجح من جميع الأحاديث المروية في التشهد فالأخذ به أولى وأحسن، والله اعلم.
٩١٦- قوله: (يعلمنا التشهد) سمى باسم جزءه الأشرف كما هو القاعدة عند البلغاء في تسمية الكل باسم البعض. (كما يعلمنا السورة من القرآن) أي بكمال الاهتمام لتوقف الصلاة عليه إجزاء، ففيه دلالة ظاهرة على اهتمامه
стр. 1156
فكان يقول: التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله)) . رواه مسلم.
ــ
وإشارة إلى وجوبه. (التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله) المباركات جمع مباركة، وهي كثيرة الخير، وقيل: النامية، قال النووي: تقديره "والمباركات، والصلوات، والطيبات" كما في حديث ابن مسعود وغيره، لكن حذفت الواو اختصاراً، وهو جائز معروف في اللغة- انتهى. قلت: حذف واو العاطف ولو كان جائزاً لكن التقدير خلاف الظاهر؛ لأن المعنى صحيح بدون تقديرها، فيكون جملة واحدة في الثناء، ولو سلم حذف الواو ههنا فتعدد الثناء صريح في تشهد ابن مسعود لذكر الواو فيه فيكون أولى من هذا. (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا) كذا رواه مسلم وأبوداود وابن ماجه، وأحمد في رواية له بتعريف السلام في الموضعين. ورواه الترمذي والنسائي والشافعي وأحمد في طريق أخرى بتنكير السلام فيهما. قال النووي: يجوز فيهما حذف اللام وإثباتها، والإثبات أفضل، وهو الموجود في روايات الصحيحين. قال الحافظ: لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام، وإنما اختلف ذلك في حديث ابن عباس، وهو من أفراد مسلم- انتهى. (وأشهد أن محمداً رسول الله) انفرد ابن عباس بهذا اللفظ، إذ في سائر التشهدات الواردة عن عمر، وابن مسعود، وجابر، وأبي موسى، وعبد الله بن الزبير كلها بلفظ "وأشهد أن محمداً عبده ورسوله". وأما قول الرافعي المنقول أنه ﷺ كان يقول في تشهده "وأشهد أني رسول الله" فمردود بأنه لا أصل له، قاله القاري. قلت: روى النسائي وابن ماجه حديث ابن عباس هذا بلفظ: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. هذا، وقد تقدم أن الشافعي اختار تشهد ابن عباس. قال الحافظ في الفتح: قال الشافعي بعد أن أخرج حديث ابن عباس: رويت أحاديث في التشهد مختلفة، وكان أحب إلىّ؛ لأنه أكملها. وقال في موضع آخر، وقد سئل عن اختياره تشهد ابن عباس: لما رأيته واسعاً، وسمعته عن ابن عباس صحيحا، كان عندي أجمع وأكثر لفظاً من غيره، وأخذت به غير معنف لمن يأخذ بغيره مما صح، ورجحه بعضهم لكونه مناسباً للفظ القرآن في قوله تعالى: ﴿تحية من عند الله مباركة طيبة﴾ [٢٤: ٦١] ، وأما من رجحه بكون ابن عباس من أحداث الصحابة فيكون أضبط لما روى، أو بأنه أفقه من رواه، أو يكون إسناد حديثه حجازياً، وإسناد ابن مسعود كوفياً، وهو مما يرجح به، فلا طائل فيه لمن أنصف-انتهى. (رواه مسلم) قال المجد بن تيمية في المنتقى بعد ذكر الحديث بلفظ المصنف: رواه مسلم، وأبوداود بهذا اللفظ، ورواه الترمذي وصححه كذلك، لكنه ذكر السلام منكراً، ورواه ابن ماجه كمسلم، لكنه قال: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ورواه الشافعي وأحمد بتنكير السلام، وقالا فيه "وأن محمداً" ولم يذكرا "أشهد" والباقي كمسلم. ورواه أحمد من طريق آخر كذلك لكن بتعريف السلام، ورواه النسائي كمسلم، لكنه نكر السلام، وقال: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله- انتهى. والحديث
стр. 1157
ولم أجد في "الصحيحين" ولا في الجمع بين الصحيحين "سلام عليك" و"سلام علينا" بغير ألف ولام، ولكن رواه صاحب "الجامع" عن الترمذي.
﴿الفصل الثاني﴾
٩١٧- (٥) عن وائل بن حجر، عن رسول الله ﷺ قال: ((ثم جلس فافترش رجله اليسرى، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى،
ــ
أخرجه أيضاً الدارقطني في إحدى روايتيه بتعريف السلام فيهما. وأخرجه ابن حبان في صحيحه بتعريف السلام الأول وتنكير الثاني. وأخرجه الطبراني بتنكير الأول وتعريف الثاني. (ولا في الجمع) أي للحميدي. (بين الصحيحين) وكأنه لم يقل بينهما؛ لأنه علم، والعلم لا يتغير. ("سلام عليك" و"سلام علينا" بغير ألف ولام) قيل: أصل "سلام عليك" سلمت سلاماً عليك، ثم حذفت الفعل وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتداء لإفادة الثبوت والدوام، ثم زيدت "ال" للعهد الذهني، وقد تقدم توجيهه. (ولكن رواه) ابن الأثير (صاحب الجامع) أي للأصول الست. (عن الترمذي) وقد تقدم أن النسائي أيضاً رواه منكراً، وكذا الشافعي وأحمد والدارقطني في إحدى روايتيهما. ومقصود المصنف أن ذكر البغوي حديث ابن عباس بتنكير السلام في الموضعين في الصحاح مخالف لما في صحيح مسلم، ثم لا يخفى ما في قول المصنف "رواه صاحب الجامع" من التسامح، فإن الصحيح أن يقول: ذكره أو أورده صاحب الجامع؛ لأن ابن الأثير ليس من الرواة.
٩١٧- قوله: (عن رسول الله ﷺ ) أي مرفوعاً في كيفية جلسته للتشهد، والأظهر أن يقول المصنف: عن وائل بن حجر أنه قال في صفة صلاة رسول الله ﷺ : ثم جلس، الخ. (قال) أي وائل بن حجر. (ثم جلس) أي النبي ﷺ وهذا عطف على ما ترك ذكره في الكتاب من صدر الحديث، وهو أن وائل بن حجر قال، قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله ﷺ كيف يصلي، قال: فقام رسول الله ﷺ ، فاستقبل القبلة، فكبر، فرفع يديه حتى حاذتا بأذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك، قال: ثم جلس. (فافترش رجله اليسرى) أي وجلس على باطنها، ونصب اليمنى، ففي رواية الطحاوي، وسعيد بن منصور: فرش قدمه اليسرى على الأرض، وجلس عليها. واستدل به الحنفية على تفضيل الافتراش في التشهدين، وأجيب بأن هذا الحديث محمول على التشهد الأول لحديث أبي حميد المتقدم في صفة الصلاة، ولما رواه النسائي في "باب موضع اليدين عند الجلوس للتشهد الأول " عن وائل بن حجر، قال أتيت رسول الله ﷺ ، فرأيته يرفع يديه إذا افتتح الصلاة- الحديث. وفيه "وإذا جلس في الركعتين أضجع اليسرى، ونصب اليمنى" الخ. (ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى) أي ممدودة غير مقبوضة. وفي رواية للنسائي: وضع كفه اليسرى
стр. 1158
وحد مرفقه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض ثنتين، وحلق حلقة، ثم رفع إصبعه، فرأيته يحركها يدعو بها)) . رواه أبوداود والدارمي.
ــ
على فخذه وركبته اليسرى. (وحد مرفقة) بصيغة الماضي مشددة الدال، عطف على الأفعال السابقة و"على" بمعنى "عن"، أي رفع مرفقه عن فخذه، وجعل عظم مرفقه كأنه رأس وتد، أو "على" بمعناه و"الحد" المنع والفصل بين الشيئين، ومنه سمي المناهي حدود الله. والمعنى: فصل بين مرفقه وجنبه، ومنع أن يلتصقا في حال استعلائهما على الفخذ. وجوز أن يكون "حد" اسماً مرفوعاً مضافاً إلى المرفق على الابتداء، خبره "على فخذه" والجملة حال، أو اسما منصوباً عطفاً على مفعول "وضع" أي وضع يده اليسرى على فخذه اليسرى ووضع حد مرفقه اليمنى، على فخذه اليمنى، وهذا الوجه هو الموافق لما في رواية للنسائي من قوله: وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، أي جعل غاية المرفق وطرفه مستعلياً على الفخذ مرتفعاً عنه. قال الشوكاني: والمراد كما قال في شرح المصابيح: أن يجعل عظم مرفقه كأنه رأس وتد. قال ابن رسلان: يرتفع طرف مرفقه من جهة العضد عن فخذه، حتى يكون مرتفعاً عنه، كما يرتفع الوتد عن الأرض، ويضع طرفه الذي من جهة الكف على طرف فخذه الأيمن. وجوز بعضهم أنه ماض من التوحيد، أي جعل مرفقه منفرداً عن فخذه، أي رفعه، وهذا أبعد الوجوه. (وقبض ثنيتين) أي الخنصر والبنصر من أصابع يده اليمنى. (وحلق) بتشديد اللام. (حلقه) بسكون اللام وتفتح، أي جعل الإبهام والوسطى كالحلقة. (ثم رفع إصبعه) أي المسبحة كما تقدم. (فرأيته) أي النبي ﷺ . (يحركها) فيه أن تحريك المسبحة سنة، وقد أخذ به قوم. وذهب الجمهور إلى عدم التحريك لحديث ابن الزبير التالي، ولخلو غالب الروايات عن التحريك، قالوا: والمراد بالتحريك في حديث وائل هو حركة الإشارة لا حركة أخرى بعد الرفع للإشارة. قال البيهقي: يحتمل أن يكون مراده بالتحريك الإشارة بها لا تكرير تحريكها حتى لا يعارض حديث ابن الزبير. قال الشوكاني: ومما يرشد إلى ما ذكره البيهقي رواية أبي داود لحديث وائل، فإنها بلفظ: وأشار بالسبابة- انتهى. قلت: وإليه يظهر ميل النسائي حيث ترجم على رواية عبد الله بن الزبير التي فيها: أشار بالسبابة لا يجاوز بصره إشارته، بلفظ "موضع البصر عند الإشارة وتحريك السبابة" فكأنه أشار بصنيعه إلى أن المراد بتحريك السبابة حركة الإشارة، لا تكرير تحريكها؛ لأنه لم يذكر في هذا الباب رواية التحريك، بل اكتفى بذكر رواية الإشارة. وجمع بعضهم بين الروايتين بحملهما على أوقات مختلفة، فقال: كان يحركها تارة ولا يحركها أخرى. وقال بعضهم: حديث وائل أصح وأقوى من حديث ابن الزبير، وأيضاً حديث وائل مثبت وذاك ناف والمثبت مقدم على النافي فلا يجوز أن يعارض به حديث وائل. (يدعو بها) أي يشير بها، أي يرفعهما في دعائه، أي تشهده، سمي التشهد دعاء لاشتماله عليه. (رواه أبوداود) إلخ. وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة، والبيهقي. والحديث سكت عنه أبوداود، والمنذري. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
стр. 1159
٩١٨- (٦) وعن عبد الله بن الزبير. قال: ((كان النبي ﷺ يشير بإصبعه إذا دعا، ولا يحركها)) رواه أبوداود والنسائي. وزاد أبوداود: ولا يجاوز بصره إشارته.
٩١٩- (٧) وعن أبي هريرة، قال: ((إن رجلا كان يدعو بإصبعيه، فقال رسول الله ﷺ : أحد أحد)) رواه الترمذي والنسائي، والبيهقي في "الدعوات الكبير".
٩٢٠- (٨) وعن ابن عمر، قال: ((نهى رسول الله ﷺ أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده)) .
ــ
٩١٨- قوله: (إذا دعا) أي تشهد، واستدل به على استمرار الرفع إلى آخر التشهد. وقد قدمنا أن الراجح أن يديم الرفع والإشارة إلى أن ينصرف من الصلاة بالسلام، وقد صرح شيخ مشائخنا السيد نذير حسين المحدث الدهلوي في بعض فتاواه بأن المصلي يستمر على الرفع إلى آخر الدعاء بعد التشهد، وقد نقل صاحب "غاية المقصود" فتواه بتمامها. (ولا يحركها) تقدم الكلام فيه آنفاً. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري. (والنسائي) وأخرجه أيضاً أحمد، وابن حبان في صحيحه. وقال النووي: إسناده صحيح. (ولا يجاوز بصره) بضم الراء. (إشارته) بالنصب على المفعولية، أي بل كان يتبع بصره إشارته؛ لأنه الأدب الموافق للخضوع. والمعنى لا ينظر إلى السماء حين الإشارة إلى التوحيد، بل ينظر إلى إصبعه، ولا يجاوز بصره عنها. وهذه الزيادة أخرجها النسائي أيضاً.
٩١٩- قوله: (إن رجلاً) قيل هو سعد بن أبي وقاص كما في رواية أبي داود والنسائي من حديث أبي صالح عن سعد قال: مر علي النبي ﷺ ، وأنا أدعوا بإصبعي، فقال: أحد أحد، وأشار بالسبابة. (كان يدعو) أي يشير. (بإصبعيه) الظاهر أنهما المسبحتان. (أحد أحد) كرر للتأكيد في التوحيد. أي أشر بإصبع واحدة؛ لأن الذي تدعوه واحد، وهو الله تعالى، وأصله وحد أمر مخاطب من التوحيد، وهو القول بأن الله تعالى واحد، قلبت الواو همزة. وإيراد المصنف هذا الحديث في التشهد يدل على أنه حمله على الإشارة في جلسة التشهد، وعليه حمله النسائي أيضاً حيث أورد حديث أبي هريرة هذا، وحديث سعد في التشهد، وترجم عليهما "باب النهي عن الإشارة بإصبعين، وبأي إصبع يشير؟ " وأخرجه الترمذي في الدعوات كالبيهقي، وصنيعهما يدل على أنهما حملاه على الدعاء، لا على الإشارة في التشهد، بل عداه أدباً من جملة آداب الدعاء، وهو الذي فهمه أبوداود حيث أخرج حديث سعد في الدعاء. ولا شك أن الحديث يحتمل كلا المعنيين، لكن الاحتمال الثاني الذي ذهب إليه الترمذي وأبوداود والبيهقي أي حمله على أدب الدعاء أظهر. (رواه الترمذي) أي في الدعوات وحسنه. (والنسائي) في الصلاة. ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
٩٢٠- قوله: (وهو معتمد) أي متكيء. (على يده) قال القاري: وفي نسخة "على يديه" وقال ابن رسلان في شرح
стр. 1160
رواه أحمد وأبوداود. وفي رواية له: ((نهى أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة)) .
ــ
السنن: الرواية الصحيحة "يديه" يعني بل يضعهما على ركبتيه وفخذيه، فالمراد بقوله: أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده، هو أن يضع يده في التشهد على الأرض، ويتكيء عليها. وقيل: هو أن يجلس الرجل في الصلاة، ويرسل اليدين إلى الأرض من فخذيه، والأول أقرب إلى اللفظ، ووجه الكراهة أن ذلك من شأن المتكبرين، وبه يزول استواء الجلوس، وظاهر النهي التحريم، وقد تقدم شيء من الكلام فيه في شرح قول ابن عمر قبل باب التشهد. (رواه أحمد) (ج٢: ص١٤٧) . (أبوداود) وسكت عنه. (وفي رواية له) أي لأبي داود. (نهى أن يعتمد) أي يتكىء. (الرجل على يديه إذا نهض) أي قام. (في الصلاة) بل ينهض على صدور قدميه من غير اعتماد على الأرض، واحتج بهذه الرواية الحنفية ومن وافقهم على أن المصلي لا يعتمد على يديه عند قيامه، ويعتمد على ظهور القدمين، لكن هذه الرواية شاذة، والرواية الصحيحة هي الأولى، وذلك لأن حديث ابن عمر هذا في النهي عن الاعتماد على اليد في الصلاة. رواه أبوداود عن أربعة من شيوخه: الإمام أحمد بن حنبل، وأحمد بن محمد بن شبوية، ومحمد بن رافع، ومحمد ب عبد الملك الغزال، واللفظ الأول لفظ أحمد بن حنبل، والرواية الثانية لابن عبد الملك، ولفظ ابن شبوية: نهى أن يعتمد الرجل على يده في الصلاة، ولفظ ابن رافع: "نهى أن يصلي الرجل وهو معتمد على يده"، ووضعه في باب الرفع من السجود ظناً منه أن الحديث في النهي عن الاعتماد في الرفع من السجود. والفرق بين هذه الروايات أن رواية ابن شبوية وابن رافع مطلقة، يعني أنها تدل على النهي عن الاعتماد على اليد في الصلاة مطلقاً، سواء كان في الجلوس أو النهوض، وإن كان ذكر ابن رافع حديثه في "باب الرفع من السجود" يدل على أنه حمله على حالة النهوض من السجود، لكن لفظ الحديث عام، والظاهر أن المراد منه أن يضع يديه على ركبتيه بعد الرفع من السجدة، وأما رواية أحمد بن حنبل فهي مقيدة بحالة الجلوس، فإنها تدل على أن النهي عن الاعتماد على اليد في حالة الجلوس، يعني إذا جلس في الصلاة سواء كان في التشهدين أو بين السجدتين، أو في جلسة الاستراحة، فلا يعتمد على يديه، وكذا رواية ابن عبد الملك أيضاً مقيدة لكن بحالة النهوض، وهي تدل على أن النهي عن الاعتماد على اليد في حالة النهوض من السجود، فقد تعارض القيدان، والحديث واحد، ورواية ابن عبد الملك شاذة لمخالفته من هو أوثق منه، وهو الإمام أحمد بن حنبل، فإنه إمام ثقة، مشهور العدالة، ومحمد بن عبد الملك- وهو ابن زنجويه البغدادي أبوبكر الغزال- وإن وثقة النسائي لكنه دون أحمد بن حنبل بمراتب، وقد ذكر الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة عبد الملك عن ابن أبي حاتم أنه قال: وهو صدوق، وقال مسلمة: ثقة، كثير الخطأ- انتهى. فلا شك أن أحمد بن حنبل أقوى وأوثق من ابن عبد الملك، فتقدم روايته لكونها أرجح على رواية ابن عبد الملك. ويرجح رواية الإمام أحمد أيضاً ما في البخاري من حديث مالك بن الحويرث بلفظ: واعتمد على الأرض، وعند الشافعي: واعتمد بيديه على الأرض، والله أعلم. ثم رأيت الشيخ أحمد محمد شاكر قد بسط الكلام في شرح هذا
следующие страницы →