← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

على دمائهم وأموالهم)) ، رواه الترمذي والنسائي. ٣٤- (٣٣) وزاد البيهقي في شعب الإيمان برواية فضالة: ((والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب)) . ٣٥- (٣٤) وعن أنس قال: قلما خطبنا رسول الله ﷺ ــ إذا تحقق هذا الوصف تحقق الكمال في الإيمان، وإن كان مع ترك الصلاة ونحوها، لجواز عموم المحمول من الموضوع، قاله السندهي. قال الطيبي: وفي ترتب من سلم على المسلم ومن أمنه على المؤمن رعاية للمطابقة لغة – انتهى. وقال القاري: حاصل الفقرتين إنما هو التنبيه على تصحيح اشتقاق الاسمين، فمن زعم أنه متصف به ينبغي أن يطالب نفسه بما هو مشتق منه، فإن لم يوجد فيه فهو كمن زعم أنه كريم ولا كرم له – انتهى. قال المناوي: وذكر المسلم والمؤمن بمعنى واحد تأكيد أو تقرير. (رواه الترمذي) وقال: حسن صحيح، (والنسائي) كلاهما في الإيمان، وأخرجه أيضاً أحمد والحاكم وابن حبان. ٣٤- (برواية فضالة) بفتح الفاء أي ابن عبيد الأنصاري الأوسي، كنيته أبومحمد، أسلم قديماً، أول مشاهده أحد ثم شهد ما بعدها وبايع تحت الشجرة وشهد فتح مصر والشام قبلها ثم سكن الشام وولي الغزو، وولاه معاوية قضاء دمشق بعد أبي الدرداء، وكان ذلك بمشورة من أبي الدرداء، قال ابن حبان: مات في خلافة معاوية، وكان معاوية ممن حمل سريره، وكان معاوية استخلفه على دمشق في سفرة سافرها، أرّخ المدائني وغيره وفاته سنة (٥٣) ، قال الخزرجي: له خمسون حديثاً انفرد مسلم بحديثين. روى عنه جماعة. (والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله) يعني المجاهد ليس من قاتل الكفار فقط، بل المجاهد من جاهد نفسه وحملها وأكرهها على طاعة الله تعالى؛ لأن نفس الرجل أشد عداوة من الكفار؛ لأن الكفار أبعد منه، ولا يتفق التلاحق والتقاتل معهم إلا حيناً بعد حين، وأما نفسه فأبداً يلازمه ويمنعه من الخير والطاعة، ولا شك أن القتال مع العدو الذي يلزم الرجل أهم من القتال مع العدو الذي هو بعيد منه. قال الطيبي: اللام في قوله (المجاهد) للجنس أي المجاهد الحقيقي الذي ينبغي أن يسمى مجاهداً من جاهد نفسه، وكان مجاهدته مع غيره بالنسبة إليه كلا مجاهدته، ونحوه قوله ﷺ ((فذلك الرباط)) ، (والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب) قال القاري: أي ترك الصغائر والكبائر، وقيل: الذنب أعم من الخطيئة؛ لأنه يكون عن عمد بخلاف الخطيئة – انتهى. قال الطيبي: الحكمة في الهجرة أن يتمكن المؤمن من الطاعة بلا مانع، ويتخلص عن صحبة الأشرار المؤثرة بدوامها في اكتساب الأخلاق الذميمة والأفعال الشنيعة، فهي في الحقيقة التحرز عن ذلك، والمهاجر الحقيقي من يتحاشا عنها – انتهى. وحديث فضالة هذا أخرجه أيضاً أحمد في مسنده (ج٦: ص٢١، ٢٢) ، والحاكم في مستدركه بإسناد على شرط مسلم، وابن حبان في صحيحه، والطبراني في الكبير. ٣٥- قوله: (قلما خطبنا) ما مصدرية أي قل خطبة خطبنا، ويجوز أن تكون كافة، وهو يستعمل في النفي ويدل

стр. 107

إلا قال: ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)) رواه البيهقي في شعب الإيمان. (الفصل الثالث) عليه الاستثناء أي ما وعظنا (إلا قال) أي فيها، ولعل الحصر غالبي (لا إيمان لمن لا أمانة له) فإن المؤمن من أمنه الخلق على أنفسهم وأموالهم، فمن خان وجار فليس بمؤمن، أراد نفي الكمال دون الحقيقة، قاله المناوي. وقال القاري: انتفى كمال الإيمان بانتفاء الأمانة؛ لأنه يؤدي إلى استباحة الأموال والأعراض والأبضاع والنفوس، وهذه فواحش تنقص الإيمان وتقهقره إلى أن لا يبقى منه إلا أقله بل ربما أدت إلى الكفر، ومن ثم قيل: المعاصي بريد الكفر – انتهى. (ولا دين لمن لا عهد له) المراد به الزجر والردع ونفي الفضيلة والكمال دون الحقيقة، والمعنى أن من جرى بينه وبين أحد عهد وميثاق ثم غدر من غير عذر شرعي فدينه ناقص، قال الطيبي: وفي هذا الحديث إشكال، وهو أنه قد سبق أن الدين والإيمان الإسلام أسماء مترادفة، فلم فرق بينها وخص كل واحد منها بمعنى؟ والجواب: أنها وإن اختلفت لفظاً فقد اتفقا هاهنا معنى، فإن الأمانة ومراعاتها إما مع الله تعالى فهي ما كلف به من الطاعة وسمي أمانة لأنه لازم الوجود كما أن الأمانة لازم الأداء، قال الله تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان﴾ [٣٤: ٧٢] ، وإما مع الخلق فظاهر، ولأن العهد وتوثيقه إما مع الله تعالى فاثنان العهد الأول الذي أخذه على جميع ذرية آدم في الأزل، وهو الإقرار بربوبيته قبل الأجساد، مصداقه قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم ... ﴾ الآية [٧: ١٧٢] ، والثاني ما أخذه عند هبوط آدم – ﵊ – إلى الدنيا من متابعة هدى من الاعتصام بكتاب ينْزله ورسول يبعثه، مصداقه قوله تعالى: ﴿قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم مني هدى ... ﴾ [٢: ٣٨] ، وإما مع الخلق وحينئذٍ فمرجع الأمانة والعهد إلى طاعة الله بأداء حقوقه وحقوق العباد كأنه قال: لا إيمان ولا دين لمن لا يفي بعهد الله بعد ميثاقه، ولا يؤدي أمانة الله بعد حملها، وهي التكاليف من الأوامر والنواهي، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين – إلى قوله – دين القيمة﴾ [٩٨: ٥] ، والتكرير المعنوي توكيد وتقرير – انتهى. (رواه البيهقي في شعب الإيمان) وكذا رواه في السنن الكبرى (ج٦: ص٢٨٨) قال القاري: وكذا رواه محي السنة أي صاحب المصابيح في شرح السنة بإسناده – انتهى. قلت: وأخرجه أيضاً أحمد في المسند (ج٣: ص١٣٥، ١٥٤، ٢١٠، ٢٥١) ، وفي السنة (ص٩٧) ، وابن حبان وأبويعلى والبزار والطبراني في الأوسط والضياء في المختارة، قال العزيزي: إسناده قوي، وقال الهيثمي: فيه أبوهلال وثقه ابن معين وغيره، وضعفه النسائي وغيره – انتهى. وللحديث شاهدان من حديث أبي أمامة عند الطبراني في الكبير ومن حديث ابن مسعود ذكرهما الهيثمي، وقال الشيخ الألباني: رواه الضياء في الأحاديث المختارة (ق٢٣٤/٢) من طريقين عن أنس أحد إسناديه حسن وله شواهد. قوله (الفصل الثالث) المراد به الأحاديث الملحقة بالباب ألحقها صاحب المشكاة غير مقيدة بأن تكون مما أخرجها الشيخان أو غيرهما من أصحاب السنن، ولا بأن تكون عن صحابي أو تابعي.

стр. 108

٣٦- (٣٥) عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار)) رواه مسلم. ٣٧- (٣٦) وعن عثمان – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ : ((من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة، ــ ٣٦- قوله: (قال سمعت رسول الله ﷺ يقول) هذا ما يتكرر كثيراً، وقد اختلف في المنصوبين بعد سمعت، فالجمهور على أن الأول مفعول، وجملة يقول حال، أي سمعت كلامه؛ لأن السمع لا يقع على الذوات، ثم بين هذا المحذوف بالحال المذكور فهي حال مبينة لا يجوز حذفها، واختار الفارسي أن ما بعد سمعت إن كان مما يسمع كسمعت القرآن تعدت إلى مفعول واحد، وإلا كما هنا تعدت إلى مفعولين، فجملة يقول على هذا مفعول ثانٍ (من شهد أن لا إله إلا الله ... ) الخ، أي صادقاً من قلبه كما في حديث أنس في قصة معاذ، وقد تقدم الكلام على معنى الحديث هناك (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥: ص٣١٨) ، والترمذي في الإيمان. ٣٧- قوله: (وعن عثمان) أي ابن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي القرشي المدني، يكنى أباعبد الله وأباعمرو، أمير المؤمنين ومجهز جيش العسرة ومشتري بئر رومة، وأحد العشرة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين أخبر عمر أن رسول الله ﷺ مات وهو عنهم راضٍ، ولد بعد الفيل بست سنين، أسلم في أول الإسلام على يدي أبي بكر قبل دخول رسول الله ﷺ في دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين ولم يشهد بدراً لتخلفه على تمريض زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ ، وضرب له النبي ﷺ فيها بسهم، ولم يشهد بالحديبية بيعة الرضوان لأن النبي ﷺ كان بعثه إلى مكة في أمر الصلح، فلما كانت البيعة ضرب النبي ﷺ يده على يده وقال: هذه لعثمان، وسمي ذا النورين لجمعه بين بنتي رسول الله ﷺ رقية وأم كلثوم، واحدة بعد أخرى، قال ابن عمر: كنا نقول على عهد النبي ﷺ : أبوبكر ثم عمر ثم عثمان، وقال ابن سيرين: كان يحيي الليل كله بركعة، ومناقبه وفضائله كثيرة شهيرة جداً، بويع له بالخلافة بعد دفن عمر بثلاثة أيام، وذلك غرة المحرم سنة (٢٤) ، وقتل مظلوماً في ذي الحجة سنة (٣٥) وهو ابن (٨٢) سنة، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلا أياماً، له مائة وستة وأربعون حديثاً، اتفقا على ثلاثة، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بخمسة، روى عنه خلق. قال عبد الله بن سلام: لقد فتح الناس على أنفسهم بقتل عثمان باب فتنة لا يغلق إلى يوم القيامة، وترجمته مستوفاة في تاريخ دمشق (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله) هذه الكلمة علم لكلمتي الشهادة، ولذا اقتصر عليها، قال النووي: في قوله (وهو يعلم) إشارة إلى الرد على غلاة المرجئة أن مظهر الشهادتين يدخل الجنة وإن لم يعتقد ذلك بقلبه، وقد قيد ذلك في حديث آخر بقوله ((غير شاك فيهما)) ، وهذا يؤيد ما قلنا، قال القاضي: وقد يحتج به أيضاً من يرى أن مجرد

стр. 109

رواه مسلم. ٣٨- (٣٧) وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثنتان موجبتان، قال رجل: يا رسول الله ما الموجبتان؟ قال: من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار، ومن مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة)) ، رواه مسلم. ٣٩- (٣٨) وعن أبي هريرة قال: ((كنا قعوداً حول رسول الله ﷺ ، ومعنا أبوبكر وعمر – ﵄ – في نفر، فقام رسول الله ﷺ من بين أظهرنا ــ معرفة القلب نافعة دون النطق بالشهادتين لاقتصاره على العلم، ومذهب أهل السنة أن المعرفة مرتبطة بالشهادتين لا تنفع أحداًهما ولا تنجي من النار دون الأخرى إلا لمن لم يقدر على الشهادة بلسانه إذا لم تمهله المدة ليقولها بل اخترمته المنية، ولا حجة لمخالف الجماعة بهذا اللفظ، إذ قد ورد مفسراً في الحديث الآخر: ((من قال لا إله إلا الله ومن شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)) ، وقد جاء هذا الحديث وأمثاله كثيرة، في ألفاظها اختلاف ولمعانيها عند أهل التحقيق ائتلاف – انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج١: ٦٥، ٦٩) . ٣٨- قوله: (وعن جابر) هو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري الخزرجي السلمي أبوعبد الله، شهد العقبة الثانية مع أبيه وهو صغير ولم يشهد الأولى، قال ابن عبد البر: ذكره بعضهم في البدريين ولا يصح لأنه قد روي عنه أنه قال: لم أشهد بدراً ولا أحداً، منعني أبي، وذكر البخاري أنه شهد بدراً وكان ينقل لأصحابه الماء يومئذٍ ثم شهد بعدها مع النبي ﷺ ثمان عشرة غزوة، ذكر ذلك الحاكم أبوأحمد، وكان من المكثرين الحفاظ للسنن، وكف بصره في آخر عمره، روي عنه أنه قال: استغفر لي رسول الله ﷺ ليلة البعير خمساً وعشرين مرة، وقال هشام بن عروة: رأيت لجابر بن عبد الله حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه العلم، توفي بالمدينة سنة (٧٣) ، وقيل (٧٤) ، وقيل (٧٧) ، وقيل (٧٨) ، ويقال: مات وهو ابن (٩٤) سنة، وصلى عليه أبان بن عثمان، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة في قول. له ألف وخمسمائة حديث وأربعون حديثاً، اتفقا على ثمانية وخمسين حديثاً، وانفرد البخاري بستة وعشرين، ومسلم بمائة وستة وعشرين (ثنتان) صفة مبتدأ محذوف أي خصلتان (موجبتان) يقال: أوجب الرجل إذا عمل ما يجب به الجنة أو النار، ويقال للحسنة والسيئة موجبة، فالوجوب عند أهل السنة بالوعد أو الوعيد، وعند المعتزلة بالعمل (ما الموجبتان) السبباًن، فإن الموجب الحقيقي هو الله تعالى (من مات يشرك بالله ... ) الخ فالموت على الشرك سبب لدخول النار وخلودها، والموت على التوحيد سبب لدخول الجنة (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده (ج٣: ص٣٤٥، ٣٧٤، ٣٩١) ، وأخرج الطبراني في الكبير نحوه عن عمارة بن رويبة، وفيه محمد بن أبان وهو ضعيف. ٣٩- قوله: (كنا قعوداً) أي ذوي قعود أو قاعدين (في نفر) أي مع جماعة من الصحابة (من بين أظهرنا)

стр. 110

فأبطأ علينا وخشينا أن يقتطع دوننا وفزعنا فقمنا، فكنت أول من فزع، فخرجت أبتغي رسول الله ﷺ حتى أتيت حائطاً للأنصار لبني النجار، فدرت به هل أجد له باباً فلم أجد، فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجة، والربيع الجدول، قال: فاحتفزت فدخلت على رسول الله ﷺ ، فقال أبوهريرة؟ فقلت: نعم يا رسول الله، قال: ما شأنك؟ قلت: كنت بين أظهرنا فقمت فأبطأت علينا، فخشينا أن تقتطع دوننا ففزعنا فكنت أول من فزع، فأتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، وهؤلاء الناس ورائي، فقال: يا أباهريرة! ــ أظهر زائدة للتأكيد أي من بيننا (فأبطأ علينا) أي مكث وتوقف عنا كثيراً (أن يقتطع) بصيغة المجهول (دوننا) حال من الضمير المستتر في يقتطع، أي خشينا أن يصاب بمكروه من عدو أو غيره متجاوزاً عنا وبعيداً منا (وفزعنا) بكسر الزاي أي اضطربنا. قال عياض: الفزع يكون بمعنى الروع، وبمعنى الهبوب للشيء والاهتمام به، وبمعنى الإغاثة، قال فتصح هنا هذه المعاني الثلاثة أي ذعرنا لاحتباس النبي ﷺ عنا، ألا تراه كيف قال: وخشينا أن يقتطع دوننا؟ ويدل على الوجهين الآخرين قوله: فكنت أول من فزع – انتهى. وقال الطيبي: عطف أحد المترادفين على الآخر لإرادة الاستمرار كما في قوله تعالى: ﴿كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا﴾ [٥٤: ٩] ، أي كذبوه تكذيباً غب تكذيب – انتهى. (فقمنا) للتجسس والتحفص (فخرجت) أي من المجلس (أتيت حائطاً) أي بستاناً له حيطان أي جدران (لبني النجار) تخصيص بعد تعميم أو بدل بعض (فدرت به) أي بحول الحائط (فإذا ربيع) إذا للمفاجأة أي فاجأ عدم وجودي للباب روية نهر صغير (يدخل في جوف حائط) أي في جوف جداًر من جدران ذلك الحائط، مبتدأ أو مستمد ذلك النهر (من بئر) مؤنثة مهموزة يجوز تخفيف همزها (خارجة) روي على ثلاثة أوجه: أحدها بالتنوين في بئر وفي خارجة على أن خارجة صفة لبئر، والثاني بئر خارجة بتنوين بئر وبهاء في آخر خارجه مضمومة، وهي هاء الضمير للحائط أي البئر في موضع خارج عن الحائط، والثالث من بئر خارجة بإضافة بئر إلى خارجة آخره تاء التأنيث، وهو اسم رجل، والوجه الأول هو المشهور الظاهر، قال النووي: هكذا ضبطناه بالتنوين في بئر وخارجة، وكذا نقله ابن الصلاح – انتهى. وقيل: البئر هنا البستان، سمي بما فيها من الآبار، يقولون: بئر بضاعة، وبئر أريس، وبئر خارجة، وهي بساتين. (والربيع الجدول) تفسير من بعض الرواة (فاحتفزت) بالزاي المعجمة أي تضاممت ليسعني المدخل (فقال: أبوهريرة؟) أي فقال النبي ﷺ أأنت أبوهريرة؟ خبر مبتدأ محذوف، والاستفهام إما للتقرير وهو الظاهر، وإما للتعجب لاستغرابه أنه من أين دخل عليه والطرق مسدودة (ما شأنك) أي ما حالك وما سبب مأتاك واضطرابك؟ (وهؤلاء الناس ورائي) أي ينتظرون علم ما وقع لك (فقال: يا أباهريرة) يقرأ بالهمز ولا يكتب، قاله

стр. 111

وأعطاني نعليه، فقال: اذهب بنعلي هاتين فمن لقيك من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة، فكان أول من لقيت عمر فقال: ما هاتان النعلان يا أباهريرة؟ قلت: هاتان نعلا رسول الله ﷺ بعثني بهما من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه بشرته بالجنة، فضرب عمر بين ثدي فخررت لإستي ــ القاري. (وأعطاني نعليه) الجملة حال (فقال) تأكيد للأول (اذهب بنعلي هاتين) قال الطيبي: لعل فائدة النعلين أن يبلغ مع الشاهد فيصدقوه وإن كان خبره مقبولاً بغير هذا، وتخصيصهما بالإرسال إما لأنه لم يكن عنده غيرهما، وإما للإشارة إلى أن بعثته وقدومه لم يكن إلا تبشيراً وتسهيلاً على الأمة رافعاً للآصار التي كانت في الأمم السالفة، وإما للإشارة إلى الثبات بالقدم والاستقامة بعد الإقرار لقوله – ﵊: ((قل آمنت بالله ثم استقم)) – انتهى. وقال النووي: أما إعطاءه النعلين فلتكون علامة ظاهرة معلومة عندهم يعرفون بها أنه لقي النبي ﷺ ، ويكون أوقع في نفوسهم لما يخبرهم به عنه ﷺ ، ولا ينكر كون مثل هذا يفيد تأكيداً وإن كان خبره مقبولاً بغير هذا (مستيقناً بها) أي بمضمون هذه الكلمة (فبشره بالجنة) معناه أخبر أن من كانت هذه صفته فهو من أهل الجنة وإلا فأبوهريرة لا يعلم استيقان قلوبهم، وفي هذا دلالة ظاهرة لمذهب أهل الحق أن اعتقاد التوحيد لا ينفع دون النطق عند القدرة، ولا النطق دون الاعتقاد بالإجماع، بل لا بد منهما، وذكر القلب هنا للتأكيد ونفي توهم المجاز، وإلا فالاستيقان لا يكون إلا بالقلب (فكان أول من لقيت عمر) منصوب على أنه خبر كان، وقيل: مرفوع على الاسمية وأول بالعكس، قيل: وهو أولى لأنه وصف وهو بالخبرية أحرى (بعثني بهما من لقيت) بصيغة المتكلم أي بعثني بهما حال كوني قائلاً أو مبلغاً أو مأموراً بأن من لقيت يشهد ... الخ (فضرب عمر بين ثديي) تثنية يدي بفتح الثاء، هو مذكر، وقد يؤنث في لغة قليلة، أي في صدري، قال القاري: لابد هنا من تقدير يدل عليه السياق من السباق واللحاق، يعني فقال عمر: ارجع قصداً للمراجعة بناءً على رأيه الموافق للصواب، فأبيت وامتنعت عن حكمه امتثالاً لظاهر أمره – ﵇ – المقدم على أمر كل آمر، فضرب عمر بيده في صدري، فإنه يبعد كل البعد ضربه ابتداءً من غير باعث – انتهى. (فخررت) بفتح الراء (لأستي) بهمزة وصل، وهو اسم من أسماء الدبر، أي سقطت على مقعدي من شدة ضربه لي، قال النووي: أما دفع عمر – ﵁ – فلم يقصد به سقوطه وإيذاءه، بل قصد رده عما هو عليه وضرب بيده في صدره ليكون أبلغ في زجره، قال القاضي عياض وغيره من العلماء: وليس فعل عمر ومراجعته النبي ﷺ اعتراضاً عليه ورداً لأمره، إذ ليس فيما بعث به أباهريرة غير تطييب قلوب الأمة وبشراًهم، فرأى عمر أن كتم هذا عنهم أصلح لهم وأحرى أن لا يتكلوا، وأنه أعود عليهم بالخير من معجل هذه البشرى، فلما عرضه على

стр. 112

فقال: ارجع يا أباهريرة، فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأجهشت بالبكاء، وركبني عمر وإذا هو على أثري، فقال رسول الله ﷺ : ما لك يا أباهريرة؟ قلت: لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثتني به، فضرب بين ثديي ضربة خررت لإستي فقال: ارجع، فقال رسول الله ﷺ : يا عمر ما حملك على ما فعلت؟ قال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أبعثت أباهريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه بشره بالجنة؟ قال: نعم، قال: فلا تفعل، فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فخلهم يعملون، فقال رسول الله ﷺ : فخلهم)) رواه مسلم. ٤٠- (٣٩) وعن معاذ بن جبل قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((مفاتيح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله ــ النبي ﷺ صوبه فيه - انتهى. (فأجهشت بالبكاء) من الإجهاش، وروي جهشت - بكسر الهاء وغير همز - وهما صحيحان، وكلاهما بصيغة الفاعل، والجهش كالإجهاش أن يفزع الإنسان إلى إنسان ويلجأ إليه وهو متغير الوجه متهيء للبكاء ولما يبك بعد، كما يفزع الصبي إلى أمه (وركبني عمر) أي تبعني ومشى خلفي في الحال بلا مهلة، قاله النووي، وقال القاري: أي أثقلني عدو عمر من بعيد خوفاً واستشعاراً منه، كما يقال: ركبته الديون أي أثقلته يعني تبعني عمر (على أثري) فيه لغتان فصيحتان مشهورتان: فتحهما وهو الأصح، وكسر الهمزة وسكون الثاء أي عقبي (بأبي أنت وأمي) الباء متعلقة بمحذوف، قيل: هو اسم تقديره أنت مفدى بأبي، وقيل: فعل أي فديتك بأبي، وحذف هذا المقدر تخفيفاً لكثرة الاستعمال وعلم المخاطب به (بشره بالجنة) بصيغة الماضي أي من لقيه بشره بالجنة (يتكل الناس عليها) أي على هذه البشارة الإجمالية (فخلهم) أي اتركهم بغير البشارة (يعملون) حال، فإن العوام إذا بشروا يتركون الاجتهاد في العمل بخلاف الخواص فإنهم إذا بشروا يزيدون في العمل (رواه مسلم) كان المناسب لدأبه أن يقول: روى الأحاديث الأربعة مسلم. ٤٠- قوله: (مفاتيح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله) أي وأن محمداً رسول الله، قال الزين بن المنير: قول لا إله إلا الله لقب جرى على النطق بالشهادتين شرعاً - انتهى. قال الطيبي: مفاتيح الجنة مبتدأ، وشهادة خبره، وليس بينهما مطابقة من حيث الجمع والإفراد، فهو من قبيل قول الشاعر: ومعي جياعاً. جعل الناقة الضامرة من الجوع كأن كل جزء من معاها معي واحد من شدة الجوع، وكذا جعلت الشهادة المستتبعة للأعمال الصالحة التي هي كأسنان المفاتيح كل جزء منها منْزلة مفتاح واحد - انتهى. قال القاري: والأظهر أن المراد بالشهادة الجنس، فشهادة كل أحد مفتاح لدخوله الجنة إما ابتداءً أو انتهاءً، والأعمال إنما هي لرفع الدرجات، أو لأن الشهادة لما كانت مفتاح أبواب

стр. 113

رواه أحمد. ٤١- (٤٠) وعن عثمان ﵁ قال: إن رجالاً من أصحاب النبي ﷺ حين توفي حزنوا عليه حتى كاد بعضهم يوسوس، قال عثمان: وكنت منهم، فبينا أنا جالس مر علي عمر وسلم، فلم أشعر به فاشتكى عمر إلى أبي بكر ﵄ ثم أقبلا حتى سلما عليّ جميعاً، فقال أبوبكر: ما حملك أن لا ترد على أخيك عمر سلامه؟ قلت: ما فعلت، فقال عمر: بلى والله لقد فعلت، قال: قلت: والله ما شعرت أنك مررت ولا سلمت، قال أبوبكر: صدق عثمان، قد شغلك عن ذلك أمر، فقلت أجل، قال: ما هو؟ قلت: توفى الله تعالى نبيه ﷺ قبل أن نسأله ــ الجنة فكأنها مفاتيح - انتهى. وفيه استعارة لأن الكفر لما منع من دخول الجنة شبه بالغلق المانع، ولما كان الإسلام سبب دخولها شبه بالمفاتيح بجامع أن كلاً سبب للدخول ثم حذف أداة التشبيه وقلب زيادة في تحقيق معنى المشبه والمبالغة فيه (رواه أحمد) (ج٥: ص٢٤٢) من طريق إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين عن شهر بن حوشب عن معاذ، ورواية شهر عن معاذ مرسلة، وشهر مختلف في توثيقه وتضعيفه، وإسماعيل بن عياش روايته عن أهل الحجاز ضعيفة، وهذا منها، قال الهيثمي: وأخرجه البزار أيضاً، وفيه من الكلام ما في رواية أحمد. ٤١- قوله: (حين توفي) بضم التاء والواو ماضٍ مجهول (حزنوا) بكسر الزاي (عليه) أي على موته وفقدان حضرته (يوسوس) قال القاري: أي يقع في الوسوسة بأن يقع في نفسه انقضاء هذا الدين وانطفاء نور الشريعة بموته ﵊، وخطور هذا بالنفوس الكاملة مهلك لها حتى يتغير حاله ويختلط كلامه ويدهش في أمره ويختل عقله ويجيء أحوال بقيتهم في آخر الكتاب من أن بعضهم أقعد وأسكت وبعضهم أنكر موته ﵊ وأظهر الله فضل الصديق بثبات قدم صدقه - انتهى. قال الطيبي: الوسوسة حديث النفس وهو لازم، يقال: وسوس الرجل إذا أصيب في عقله وتكلم بغير نظام، ووسوس الرجل أي أصابته الوساوس فهو موسوس، ويقال لما يخطر بالقلب من شر أو لما لا خير فيه وسواس جمعه وساوس (وكنت منهم) أي من البعض الذي كاد أن يوسوس من شدة الحزن (فلم أشعر به) أي بمروره وسلامه لشدة ما أصابني من الذهول لذلك الهول، فعند أحمد في مسنده: فلم أشعر أنه مر ولا سلم (والله ما شعرت) بفتح العين ويضم أي ما علمت ولا فطنت (فقال أبوبكر) أي لعمر (صدق عثمان) في اعتذاره بعدم شعوره، وقال لي على وجه الالتفات (قد شغلك عن ذلك أمر) أي ألهاك عن الشعور أمر عظيم (توفى الله تعالى نبيه)

стр. 114

عن نجاة هذا الأمر , قال أبوبكر: قد سألته عن ذلك، فقمت إليه وقلت له: بأبي أنت وأمي أنت أحق بها، قال أبوبكر: قلت يا رسول الله ما نجاة هذا الأمر؟ فقال رسول الله ﷺ : ((من قبل مني الكلمة التي عرضت على عمي فردها فهي له نجاة، ــ أي قبض روحه (عن نجاة هذا الأمر) بفتح النون مصدر بمعنى الخلاص. قال الطيبي: يجوز أن يراد بالأمر ما عليه المؤمنون من الدين، أي نسأله عما نتخلص به من النار، وهو مختص بهذا الدين، وأن يراد ما عليه الناس من غرور الشيطان وحب الدنيا والتهالك فيها والركون إلى شهواتها وركوب المعاصي وتبعاتها، أي نسأله عن نجاة هذا الأمر الهائل - انتهى. كلام الطيبي. وتعقبه الشيخ عبد الحق الدهلوي في أشعة اللمعات بما محصله: أن في الوجه الأول نظراً فإن عثمان قد روى هو عن النبي ﷺ أنه من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة، فكيف يقول: إنه توفي ﷺ قبل أن نسأله عما نتخلص به من النار في الدين؟ ومن البعيد كل البعد أن يخفى على عثمان هذا العلم الذي هو من أول فرائض دين الإسلام، اللهم إلا أن يقال: إنه نسيه من شدة الحزن وذهل عنه من عظم المصيبة، والظاهر بل الصواب أنه أراد بقوله من نجاة هذا الأمر: النجاة من وسوسة الشيطان وحديثه كما يشير إليه سياق الحديث وسباقه، ورواية محمد بن جبير في هذه القصة صريحة في ذلك، وقد أخرج أبويعلى في مسنده عن محمد بن جبير أن عمر مر على عثمان وهو جالس في المسجد، فسلم عليه فلم يرد عليه، فدخل على أبي بكر فاشتكى ذلك إليه فقال: مررت على عثمان فسلمت عليه فلم يرد عليّ، فقال: أين هو؟ قال: هو في المسجد قاعد، فانطلقا إليه فقال له أبوبكر ﵁: ما منعك أن ترد على أخيك حين سلم عليك؟ قال: والله ما شعرت أنه مر بي وأنا أحدث نفسي ولم أشعر أنه سلم، فقال أبوبكر: فماذا تحدث نفسك؟ قال: خلا بي الشيطان فجعل يلقي في نفسي أشياء ما أحب أني تكلمت بها وأن لي ما على الأرض، قلت في نفسي حين ألقى الشيطان ذلك في نفسي: يا ليتني سألت رسول الله ﷺ ما الذي ينجينا من هذا الحديث الذي يلقي الشيطان في أنفسنا، فقال أبوبكر: فإني والله لقد اشتكيت ذلك إلى رسول الله ﷺ وسألته ما الذي ينجينا من هذا الحديث الذي يلقي الشيطان في أنفسنا؟ فقال رسول الله ﷺ : ((ينجيكم من ذلك أن تقولوا مثل الذي أمرت به عمي عند الموت فلم يفعل)) ، قال البوصيري في الزوائد العشرة: سنده حسن كذا في جمع الجوامع للسيوطي - انتهى. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١: ص٨) بعد ذكره: رواه أبويعلى، وعند أحمد طرف منه وفي إسناده أبوالحويرث عبد الرحمن بن معاوية، وثقه ابن حبان والأكثر على تضعيفه - انتهى. (أنت أحق بها) أي بالمسألة والسبق بها والبحث عنها فإنك إلى كل خير أسبق (من قبل مني) أي بطوع ورغبة من غير نفاق وريبة (على عمي) أبي طالب (فهي) أي فهذه الكلمة وهي كلمة الشهادة (له نجاة) إما في بداية أو نهاية. قال الطيبي: كأنه ﷺ يقول: النجاة في الكلمة التي عرضتها على مثل أبي طالب، وهو الذي عاش في الكفر سنين ونيف على السبعين، ولم يصدر عنه

стр. 115

رواه أحمد. ٤٢- (٤١) وعن المقداد أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعز عزيز وذل ذليل، ــ كلمة التوحيد، ولو قالها مرة كان لي حجة عند الله باستخلاصه ونجاة له من عذابه وعقابه، فكيف بالمؤمن المسلم وهي مخلوطة بلحمه ودمه، فلو صرح - صلوات الله عليه - بها في كلامه لم يفخم هذا التفخيم، وهذا الحديث رواه الصحابي عن الصحابي يعني عثمان عن أبي بكر (رواه أحمد) (ج١: ص٦) عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري قال: أخبرني رجل من الأنصار من أهل الثقة أنه سمع عثمان بن عفان يحدث: أن رجالاً من أصحاب النبي ﷺ ... الحديث، وعن يعقوب عن أبيه عن صالح عن الزهري قال: أخبرني رجل من الأنصار غير متهم أنه سمع عثمان بن عفان ... الحديث، وفيه رجل لم يسم كما ترى، وقول الزهري "رجل من أهل الثقة وغير متهم" تعديل على الإبهام، وفيه اختلاف، وعند الجمهور لا يقبل حتى يسمي، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد بعد ذكر الحديث من مسند أحمد بسنده الأول: رواه أحمد والطبراني في الأوسط باختصار وأبويعلى بتمامه والبزار نحوه، وفيه رجل لم يسم، ولكن الزهري وثقه وأبهمه - انتهى. ٤٢- قوله: (وعن المقداد) بكسر الميم، هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة البهراني الكندي حلفاً، أبوالأسود أو أبوعمرو، المعروف بالمقداد بن الأسود نسبة إلى الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف الزهري؛ لأنه كان تبناه وحالفه في الجاهلية، فقيل: المقداد بن الأسود، كان من الفضلاء النجباء الكبار الخيار من أصحاب النبي ﷺ ، كان سادساً في الإسلام وهاجر الهجرتين وشهد بدراً والمشاهد كلها، وكان فارساً يوم بدر حتى إنه لم يثبت أنه كان فيها على فرس غيره. قال النبي ﷺ : أمرني الله بحب أربعة ... فذكر منهم المقداد، ومناقبه كثيرة، شهد فتح مصر، ومات في أرضه بالجرف على ثلاثة أميال من المدينة فحمل إليها ودفن بالبقيع وصلى عليه عثمان سنة (٣٣) وهو ابن (٧٠) سنة، له اثنان وأربعون حديثاً، اتفقا على حديث، وانفرد مسلم بثلاثة، روى عنه جماعة (لا يبقى على ظهر الأرض) أي على وجهها من جزيرة العرب وما قرب منها، وقيل: هو محمول على العموم (بيت مدر ولا وبر) أي المدن والقرى والبوادي، وهو من وبر الإبل أي شعرها لأنهم كانوا يتخذون منه ومن نحوه خيامهم غالباً، والمدر جمع مدرة وهي قطعة الطين اليابس واللبنة والطين العلك أي اللزج الذي لا يخالطه رمل (كلمة الإسلام) هي مفعول أدخل، والضمير المنصوب فيه ظرف وقوله (بعز عزيز) حال أي أدخل الله تعالى كلمة الإسلام في البيت متلبسة بعز شخص عزيز، أي يعزه الله بها حيث قبلها من غير سبي وقتال (وذل) بضم الذال (ذليل) أي أو يذله الله بها حيث أباها بذل سبي أو قتال حتى ينقادون لها طوعاً أو كرهاً، أو يذعن لها ببذل الجزية، والحديث مقتبس من قوله تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ [٦١: ٩] ، ثم فسر العز والذل بقوله إما يعزهم

стр. 116

إما يعزهم الله فيجعلهم من أهلها أو يذلهم فيدينون لها، قلت: فيكون الدين كله لله)) رواه أحمد. ٤٣- (٤٢) وعن وهب بن منبه قيل له: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ــ الله أو يذلهم (فيدينون لها) بفتح الياء أي فيطيعون وينقادون لها، من دان الناس أي ذلوا وأطاعوا (قلت) القائل المقداد، والظاهر أنه قال في غير حضرته ﷺ بل عند روايته (فيكون الدين كله لله) ، قال الطيبي: أي إذا كان الأمر كذلك فتكون الغلبة لدين الله طوعاً أو كرهاً - انتهى. وقيل: في آخر الزمان، أي حين ينْزل عيسى ﵇ من السماء ويقتل الدجال، لا يبقى على وجه الأرض محل الكفر، بل جميع الخلائق يصيرون مسلمين إما بالطوع والرغبة ظاهراً وباطناً، وإما بالإكراه والجبر، وإذا كان كذلك فيكون الدين كله لله، يشير إليه ما رواه مسلم عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى، فقلت: يا رسول الله، إن كنت لأظن حين أنزل الله عزوجل: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ... ﴾ الآية, أن ذلك تام. قال: إن سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث ريحاً طيبة فيتوفى كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم)) ، ويدل له حديث أبي هريرة قال النبي ﷺ : ((وتهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام)) (رواه أحمد) (ج٦: ص١٠٣) بسند صحيح، وأخرجه أيضاً الحاكم (ج٤: ص٤٣٠، ٤٣١) ، والطبراني في الكبير والبيهقي، وأخرج أحمد (ج٤: ص١٠٣) ، والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي عن تميم الداري مرفوعاً: ((ليبغلن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر)) ، وكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافراً الذل والصغار والجزية. ٤٣- قوله: (وعن وهب بن منبه) بضم الميم وفتح النون وتشديد الباء الموحدة وكسرها، هو وهب بن منبه بن كامل اليماني الصنعاني أبوعبد الله الأنباري، من ثقات أوساط التابعين، قال مسلم بن خالد: لبث وهب أربعين سنة لم يرقد على فراشه، له في البخاري حديث واحد، رواه في كتاب العلم، مات سنة (١١٤) ، وقيل غير ذلك، وقيل: إن يوسف بن عمر ضربه حتى مات. (قيل له: أليس) كأن القائل أشار إلى ما ذكر ابن إسحاق في السيرة: أن النبي ﷺ لما أرسل العلاء بن الحضرمي قال له: ((إذا سئلت عن مفتاح الجنة فقل: مفتاحها لا إله إلا الله)) ، وروي عن معاذ بن جبل نحوه، أخرجه البيهقي في الشعب وزاد: "لكن مفتاح بلا أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك"، وهذه الزيادة نظير ما أجاب به وهب، قال الحافظ: فيحتمل أن تكون مدرجة في حديث معاذ. (لا إله إلا الله) في محل الرفع على أنه اسم ليس، وخبره (مفتاح الجنة) ، وقيل بالعكس، وقدم لشرفه (قال: بلى، ولكن) أي أقول بموجب ذلك، وإنها مفتاحها كما تقدم في الحديث السابق، ولكن لا يغتر أحد بذلك ويظن أنه بمجرد تلفظه بتلك الكلمة

стр. 117

ليس مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك)) ، رواه البخاري في ترجمة باب. ٤٤- (٤٣) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أحسن أحدكم إسلامه ــ التي هي المفتاح يفتح له الجنة حتى يدخلها مع الناجين وإن لم يعمل عملهم؛ لأنه وإن أتى بالمفتاح غير نافع له؛ لأنه (ليس مفتاح إلا وله أسنان) أي عادة هي الفاتحة (فإن جئت بمفتاح له أسنان) المراد بالأسنان: الأعمال الصالحة المنجية المتضمنة لترك الأعمال السيئة، وشبهها بأسنان المفتاح من حيث الاستعانة بها في فتح المغلقات وتيسير المستصعبات (فتح لك) أي أولاً (وإلا) بأن جئت بمفتاح لا أسنان له (لم يفتح لك) أي فتحاً تاماً أو في أول الأمر، وهذا بالنسبة إلى الغالب، وإلا فالحق أن أهل الكبائر في مشيئة الله تعالى، ولا بد من هذا التأويل ليستقيم على مذهب أهل السنة، وقيل: معنى قول وهب "إن جئت بمفتاح له أسنان" جياد، فهو من باب حذف النعت إذا دل عليه السياق؛ لأن مسمى المفتاح لا يعقل إلا بالأسنان وإلا فهو عود أو حديدة، هذا، وفي ذكر المصنف قول ابن وهب إشارة إلى أنه اختار في معنى الأحاديث التي جاءت في ترتيب دخول الجنة وحرمة النار على مجرد الشهادتين قول من قال من العلماء: إن كلمة الشهادتين سبب مقتض لدخول الجنة والنجاة من النار، لكن له شروط وهي الإتيان بالفرائض، وموانع وهي اجتناب الكبائر، قال الحسن للفرزدق: إن للا إله إلا الله شروطاً، فإياك وقذف المحصنة، وروي عنه أنه قال: هذا العمود فأين الطنب؟ يعني أن كلمة التوحيد عمود الفسطاط، ولكن لا يثبت الفسطاط بدون أطنابه، وهي فعل الواجبات وترك المحرمات، وقيل للحسن: إن ناساً يقولون: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: من قال لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة، وقد تقدم الكلام فيه مفصلاً. (رواه البخاري في ترجمة باب) من عادته أن يذكر بعد الباب حديثاً معلقاً مرفوعاً أو موقوفاً على صحابي أو تابعي بغير إسناد، فيه بيان ما يشتمل عليه أحاديث الباب ويضيف إليه الباب، وأثر وهب هذا ذكره البخاري في أول كتاب الجنائز تعليقاً، ووصله في التاريخ الكبير، وأبونعيم في الحلية، وقول المصنف "رواه البخاري" سهو منه، فإنه لم يروه البخاري في صحيحه، لا في ترجمة باب ولا في غيرها، بل ذكره معلقاً، ولا يقال في مثل هذا "رواه" بل يقال: "ذكره". ٤٤- قوله: (إذا أحسن أحدكم إسلامه) أي أجاد وأخلص، كقوله تعالى: ﴿بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن﴾ [٢: ١١٣] قاله الطيبي، ووقع في مسند إسحاق بن راهويه: ((إذا حسن إسلام أحدكم)) ، وكأنه رواه بالمعنى؛ لأنه من لازمه، والمعنى: صار إسلامه حسناً باعتقاده وإخلاصه ودخوله فيه بالباطن والظاهر، وأن يستحضر عند عمله قرب ربه منه واطلاعه عليه، كما دل عليه تفسير الإحسان في حديث سؤال جبريل، وقد تقدم، والخطاب للحاضرين، والحكم عام لهم ولغيرهم باتفاق؛ لأن حكمه ﷺ على الواحد حكم على الجماعة، ويدخل فيه النساء والعبيد لكن النِزاع فيه كيفية

стр. 118

فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب بمثلها حتى لقي الله)) متفق عليه. ٤٥- (٤٤) وعن أبي أمامة أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ ما الإيمان؟ قال: ((إذا سرتك حسنتك وساءتك سيئتك فأنت مؤمن. ــ التناول أهي حقيقة عرفية أو شرعية أو مجاز. (فكل حسنة يعملها) مبتدأ خبره (تكتب له بعشر أمثالها) فضلاً من الله ورحمة، حال كونها منتهية (إلى سبع مائة ضعف) بكسر الضاد أي مثل، قال الأزهري: والضعف في كلام العرب المثل إلى ما زاد، وليس بمقصور على المثلين بل جائز في كلام العرب أن تقول: هذا ضعفه، أي مثلاًه وثلاثة أمثاله؛ لأن الضعف في الأصل زيادة غير محصورة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فأولئك لهم جزاء الضعف بما علموا﴾ [٣٤: ٣٧] لم يرد مثلاً ولا مثلين ولكن أراد بالضعف الأضعاف، فأقل الضعف محصور وهو المثل، وأكثره غير محصور. قال الطيبي: "إلى" لانتهاء الغاية، فيكون ما بين العشرة إلى سبع مائة درجات، بحسب الأعمال والأشخاص والأحوال - انتهى. وقد أخذ بعضهم فيما حكاه الماوردي بظاهر هذه الغاية فزعم أن التضعيف لا يتجاوز سبع مائة، ورد بقوله تعالى: ﴿والله يضاعف لمن يشاء﴾ [٢: ٢٦١] ، قال الحافظ: والآية محتملة للأمرين، فيحتمل أن يكون المراد أنه يضاعف تلك المضاعفة بأن يجعلها سبع مائة، وهو الذي قاله البيضاوي، ويحتمل أنه يضاعف السبعمائة بأن يزيد عليها، والمصرح بالرد عليه حديث ابن عباس عند المصنف أي البخاري في الرقاق، ولفظه: ((كتب الله له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة)) - انتهى. فالمراد بسبع مائة: الكثرة (تكتب بمثلها) من غير زيادة، والباء للمقابلة، قال القاري: أي كمية فضلاً منه تعالى ورحمة، وإن كانت السيئات تتفاوت كيفية باختلاف الزمان والمكان وأشخاص الإنسان ومراتب العصيان (حتى لقي الله) إي إلى أن يلقى الله يوم القيامة فيجازيه أو يعفو عنه، وفي حديث أبي سعيد عند البخاري: ((والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها)) . والعدول إلى الماضي لتحقق وقوعه، كقول تعالى: ﴿أتى أمر الله﴾ [١٦: ١] ، ولا يبعد تعلق "حتى" بالجملتين، وإرادة اللقي بمعنى الموت، قال الحافظ في شرح حديث أبي سعيد بلفظ: ((إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يكفر عنه كل سيئة زلفها ... )) الخ، والحديث يرد على من أنكر الزيادة والنقص في الإيمان؛ لأن الحسن تتفاوت درجاته - انتهى. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد والبيهقي. ٤٥- قوله: (ما الإيمان) أي علامته (قال: إذا سرتك حسنتك وساءتك سيئتك) أي أحزنك ذنبك، قال الطيبي: يعني إذا صدرت منك طاعة وفرحت بها مستيقناً أنك تثاب عليها، إذا أصابتك معصية حزنت عليها، فذلك علامة الإيمان بالله واليوم والآخر (فأنت مؤمن) أي كامل الإيمان. قال المناوي: لفرحك بما يرضى الله وحزنك بما يغضبه، وفي

стр. 119

قال: يا رسول الله، فما الإثم؟ قال: إذا حاك في نفسك شيء فدعه)) رواه أحمد. ٤٦- (٤٥) وعن عمرو بن عبسة قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله من معك على هذا الأمر؟ قال: حر وعبد، قلت: ما الإسلام؟ قال: طيب الكلام وإطعام الطعام، قلت: ما الإيمان؟ قال: الصبر ــ الحزن عليها إشعار بالندم الذي هو أعظم أركان التوبة (فما الإثم) أي ما علامته إذا لم يكن نص صريح أو نقل صحيح واشتبه أمره والتبس حكمه (إذا حاك في نفسك شيء) أي تردد ولم يطمئن به قلبك وأثر فيه تأثيراً يديم تنفيراً (فدعه) أي اتركه، وهو كقوله: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) ، وهذا بالنسبة إلى أرباب البواطن الصافية والقلوب الزاكية لا العوام الذين قلوبهم مظلمة بالمعاصي، فإنهم ربما يحسبون الإثم براً والبر إثماً (رواه أحمد) (ج٥: ص٢٥١، ٢٥٢، ٢٥٦) ، وفي سنده يحيى بن أبي كثير، وهو مدلس، وأخرجه أيضاً الطبراني في الأوسط. قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح، إلا أن فيه يحيى بن أبي كثير، وهو مدلس وإن كان من رجال الصحيح - انتهى. وأخرجه أيضاً ابن حبان والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان والضياء في المختارة كذا في الجامع الصغير، وأخرج أحمد والبزار والطبراني في الكبير عن أبي موسى نحوه. ٤٦- قوله: (عن عمرو بن عبسة) بعين مهملة وموحدة وسين مهملة مفتوحات، ابن عامر بن خالد السلمي، كنيته أبونجيح، كان أخاً أبي ذر لأمه، أسلم قديماً بمكة، قال ابن سعد: يقولون: إنه رابع أو خامس في الإسلام، ثم رجع إلى بلاد قومه فأقام بها إلى أن هاجر بعد خيبر وقبل الفتح فشهدها، قال أبونعيم: كان قبل أن يسلم يعتزل عبادة الأصنام ويراها باطلاً وضلالاً، وكان يرعى فتظله غمامة، روى عنه ابن مسعود مع تقدمه وأبوأمامة الباهلي وسهل بن سعد، له ثمانية وأربعون حديثاً، انفرد له مسلم بحديث يأتي في باب أوقات النهي، قال الحافظ في الإصابة (ج٣: ص٦) وتهذيب التهذيب (ج٨: ص٦٩) : كانت وفاته في أواخر خلافة عثمان، فإني ما وجدت له ذكراً في الفتنة ولا في خلافة معاوية. (من معك على هذا الأمر) أي من يوافقك على ما أنت عليه من أمر الدين (قال: حر وعبد) قال القاري: أي كل حر وعبد، يعني مأمور بالموافقة، وقيل: أبوبكر وزيد، وقيل: أبوبكر وبلال، ويؤيده ما في إحدى روايات مسلم: ومعه يومئذٍ أبوبكر وبلال، ولعل علياً لم يذكر لصغره، وكذا خديجة لسترها وعدم ظهورها - انتهى. قلت: وكذا وقع في رواية لعمرو بن عبسة عند أحمد: ومعه أبوبكر وبلال، وفي أخرى عنده: من تابعك على أمرك هذا؟ قال: حر وعبد، يعني أبابكر وبلالاً (ما الإسلام) أي علامته أو شعبه أو كماله (طيب الكلام وإطعام الطعام) ذكر الإطعام ليدخل فيه الضيافة وغيرها، وفيهما إشارة إلى الحث على مكارم الأخلاق وبذل الإحسان ولو بحلاوة اللسان. (ما الإيمان) أي ثمرته ونتيجته، أو خصاله وشعبه (قال) محصل خصال الإيمان أو ثمرة الإيمان (الصبر) أي على

стр. 120

والسماحة. قال: قلت: أي الإسلام أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده. قال: قلت: أي الإيمان أفضل؟ قال: خلق حسن، قال: قلت: أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت. قال: قلت: أي الهجرة أفضل؟ قال: أن تهجر ما كره ربك. قال: قلت: فأي الجهاد أفضل؟ قال: من عقر جواده وأهريق دمه. قال: قلت: أي الساعات أفضل؟ قال: جوف الليل الآخر)) . ــ الطاعة وعن المعصية وفي المعصية (والسماحة) أي السخاوة بالزهد في الدنيا والإحسان والكرم للفقراء، وقال الطيبي: فسر الإيمان بالصبر والسماحة لأن الأول يدل على ترك المنهيات، والثاني يدل على فعل المأمورات، كما فسره الحسن البصري بقوله: الصبر عن معصية الله، والسماحة على أداء فرائض الله، ثم جمع هاتين الخصلتين بالخلق الحسن، بناءً على ما قالت الصديقة: ((كان خلقه القرآن)) ، أي يأتمر بما أمره الله، وينتهي عما نهى الله عنه، ويجوز أن يحملا على الإطلاق، ويكون قوله ((خلق حسن)) بعد ذكرهما كالتفسير له؛ لأن الصبر على أذى الناس والسماحة بالموجود يجمعهما الخلق الحسن - انتهى. (أي الإسلام أفضل) أي أيّ ذوي الإسلام وأهله أكثر ثواباً (أي الإيمان) أي أخلاقه أو خصاله أو شعبه (خلق حسن) بضم اللام وتسكن، وهو صفة جامعة للخصال السنية والشمائل البهية، والخلق: ملكة تصدر بها الأفعال عن النفس بسهولة من غير سبق روية، وتنقسم إلى فضيلة وهي الوسط، ورذيلة وهي الأطراف. (أي الصلاة أفضل) أي أركانها أو كيفياتها (قال: طول القنوت) أي القيام أو القراءة أو الخشوع، والأول أظهر. واختلف العلماء في أن طول القيام أفضل أو كثرة السجود، ويأتي الكلام فيه في الصلاة (أي الهجرة) أي أفرادها (أفضل) فإن الهجرة أنواع، إلى الحبشة عند إيذاء الكفارة للصحابة، ومن مكة إلى المدينة، وفي معناه الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، وهجرة القبائل لتعلم المسائل من النبي ﷺ ، والهجرة عما نهى الله عنه (أن تهجر ما كره ربك) فهذا النوع هو الأفضل؛ لأنه الأعم الأشمل (فأي الجهاد أفضل) أي أنواعه أو أهله، وهو الظاهر (من عقر) بصيغة المجهول (جواده) أي قتل فرسه (وأهريق دمه) بضم الهمزة وسكون الهاء، أي صب وسكب، يقال: أراق يريق، وهراق يهريق، بقلب الهمزة هاء، وأهراق يهريق بزيادتها، كما زيدت السين في استطاع، والهاء في مضارع الأول محركة وفي مضارع الثاني ساكنة، كذا قاله صاحب الفائق. وإنما كان هذا الجهاد أفضل لجمعه بين الإنفاق في سبيل الله، والشهادة في مرضاة الله (جوف الليل الآخر) صفة جوف أي النصف الأخير من الليل، وقيل: المراد به وسط النصف الثاني، وهو السدس الخامس من أسداس الليل، وهو الوقت الذي ورد فيه النُزول الإلهي، وفي رواية لأحمد (ج٤: ص١٨٧) : ((جوف الليل الآخر أجوبه دعوة)) ، وروى الترمذي عن عمرو بن عبسة مرفوعاً: ((أقرب ما يكون الرب من العبد في

стр. 121

رواه أحمد. ٤٧- (٤٦) وعن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من لقي الله لا يشرك به شيئاً، ويصلي الخمس، ويصوم رمضان، غفر له، قلت: أفلا أبشرهم يا رسول الله؟ قال: دعهم يعملوا)) رواه أحمد. ٤٨- (٤٧) وعنه أنه سأل النبي ﷺ عن أفضل الإيمان، قال: ((أن تحب لله، وتبغض لله، وتعمل لسانك في ذكر الله، قال: وماذا يا رسول الله؟ قال: وأن تحب للناس ما تحب لنفسك، وتكره لهم ما تكره لنفسك، ــ جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله تلك الساعة فكن. (رواه أحمد) (ج٤: ص٣٨٥) ، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير، وفي إسنادهما شهر بن حوشب، وقد وثق على ضعف فيه، وأخرجه الطبراني في الكبير مختصراً من حديث أبي موسى ورجاله موثوقون. ٤٧- قوله: (من لقي الله) أي مات (لا يشرك به شيئاً) أي حال كونه غير مشرك (ويصلي الخمس، ويصوم رمضان) ترك ذكر الزكاة والحج لأنهما مختصان بالأغنياء، وخص الصلاة والصوم بالذكر لكونهما أفضل وأشهر وأعم (غفر له) أي غفر الله ذنوبه الصغائر والكبائر التي بينه وبين الله تعالى إن شاء، وأما حقوق العباد فيمكن أن يرضيهم الله تعالى من فضله (يعملوا) مجزوم على جواب الأمر، أي يجتهدوا في زيادة العبادة من السنن والنوافل، ولا يتكلوا على الشهادة والفرائض (رواه أحمد) (ج٥: ص٢٣٢) بسند صحيح. ٤٨- قوله: (عن أفضل الإيمان) أي عن شعبه ومراتبه وأحواله أو خصال أهله (أن تحب) أي كل ما تحبه (لله) لا لغرض سواه (وتبغض) أي مبغوضك (لله) لا لطبع وهوى (وتعمل) من الإعمال بمعنى الاستعمال والإشغال (لسانك في ذكر الله) بأن لا يزال رطباً به بشرط الحضور. (وماذا يا رسول الله) أي وماذا أصنع بعد ذلك؟ "وماذا" إما منصوب بأصنع، أو مرفوع، أي أيّ شيء أصنعه؟ فعلى الأول مقول قال (وأن تحب) يكون منصوباً، وعلى الثاني مرفوعاً، والواو للعطف على مقدر، والتقدير: أن تستقيم على ما قلنا وأن تحب (للناس) يحتمل التعميم ويحتمل التخصيص بالمؤمنين (ما تحب لنفسك) أي تحب لهم من الطاعات والمباحات الدنيوية والأخروية مثل الذي تحب لنفسك، والمراد أن تحب أن يحصل لهم مثل ما حصل لك لا عينه، سواء كان ذلك في الأمور المحسوسة أو المعنوية، وليس المراد أنك تحب أن ما عندك ينتقل إليهم، أو أنه بذاته يكون عندهم، إذ الجسم الواحد لا يكون في

стр. 122

رواه أحمد. ــ مكانين؛ لأن قيام الجوهر أو العرض بمحلين محال، وهذا في عوام الناس، أما أهل الخصوص فلا يكمل إيمان أحدهم إلا إذا أحب أن يكون كل مسلم فوقه، ولذا قال الفضيل بن عياض لابن عيينة: إنك لا تكون ناصحاً أتم النصح للناس إلا إذا كنت تحب أن كل مسلم يكون فوقك. وقال العلقمى: فإن قيل: ظاهر الحديث طلب المساواة، وكل أحد يحب أن يكون أفضل من غيره. يجاب بأن المراد الحث على التواضح، فلا يحب أن يكون أفضل من غيره ليرى عليه مزية. ويستفاد ذلك من قوله تعالى: ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين﴾ [٢٨: ٨٣] ، ولا يتم ذلك إلا بترك الحسد والحقد والغش، وكلها خصال مذمومة - انتهى. (رواه أحمد) (ج٥: ص٢٤٧) من طريقين، في أحداًهما رشدين، وفي الأخرى ابن لهيعة، وكلاهما يرويان عن زبان، والثلاثة مضعّفون، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير، وفي سنده أيضاً ابن لهيعة.

стр. 123

(١) باب الكبائر وعلامات النفاق ﴿الفصل الأول﴾ ٤٩- (١) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ((قال رجل: يا رسول الله، أي الذنب ــ (باب الكبائر) جمع كبيرة، اعلم أنه ذهب الجمهور من السلف والخلف من جميع الطوائف إلى أن من الذنوب كبائر ومنها صغائر، وقد تظاهر على ذلك دلائل من الكتاب كقوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ [٤:٣١] ، وقوله تعالى: ﴿والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم﴾ [٥٣:٣٢] وغير ذلك من الآيات، والسنة الصحيحة كالأحاديث التي دلت على انقسام المعاصي إلى ما تكفره الصلوات الخمس أو صوم رمضان أو الحج أو العمرة أو الوضوء أو صوم عرفة أو صوم عاشوراء أو فعل الحسنة أو غير ذلك مما جاءت به الأحاديث الصحيحة الثابتة، وإلى ما لا يكفره ذلك كما ثبت في الصحيح: ((ما لم يغش كبيرة)) . وشذت طائفة فقالت: ليس في الذنوب صغيرة، بل كل ما نهى الله عنه كبيرة، ثم اختلف الجمهور في ضبط الكبيرة اختلافاً كثيراً، فقيل كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب، روي ذلك عن ابن عباس. وقيل ما وجبت فيه الحدود في الدنيا أو توجه إليها الوعيد بالنار في الآخرة، ومراد قائله: ضبط ما لم يرد فيه نص بكونه كبيرة. وقيل الأولى ضبطها بما يشعر بتهاون مرتكبها بدينه إشعاراً دون الكبائر المنصوص عليها. والراجح أن كل ذنب نص على كبره أو عظمه أو توعد عليه بالعقاب في الآخرة أو ختم بالغضب أو اللعنة أو علق عليه حد أو شدد النكير عليه أو وصف فاعلها بالفسق فهو كبيرة. وذهب جماعة إلى أن الذنوب التي لم ينص على كونها كبيرة مع كونها كبيرة لا ضابط لها. قال الواحدى: ما لم ينص الشارع على كونه كبيرة فالحكمة في إخفاء أن يمتنع العبد من الوقوع فيه خشية أن يكون كبيرة كإخفاء ليلة القدر وساعة الجمعة والاسم الأعظم. هذا، وارجع للتفصيل إلى شرح مسلم للنووي في باب الكبائر من كتاب الإيمان، والفتح (ج٥: ص٥٢٦) في شرح باب عقوق الوالدين من الكبائر من أبواب الأدب، وفي شرح باب رمى المحصنات من كتاب المحاربين (ج٦: ص٣٨٣) والزواجر للهيتمي، والإحياء للغزالي (وعلامات النفاق) تخصيص بعد تعميم. ٤٩-قوله: (عن عبد الله بن مسعود) بن غافل بن حبيب الهذلي، يكنى أباعبد الرحمن، أسلم قديماً في أول الإسلام قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم وقبل عمر بزمان، وقيل: كان سادساً في الإسلام، ثم ضمه إليه رسول الله ﷺ فكان من خواصه، وكان يعرف في الصحابة بصاحب النعلين والسواك والسواد والطهور، هاجر الهجرتين وشهد بدراً والمشاهد كلها، وصح عنه أنه قال: أخذت من في رسول الله ﷺ سبعين سورة. وكان يشبه بالنبي ﷺ في سمته ودله وهديه، وشهد له رسول الله ﷺ بالجنة فيما ذكر في حديث العشرة بإسناد حسن جيد. كان من كبار العلماء من الصحابة شهد فتوح الشام وولي القضاة بالكوفة وبيت مالها لعمر وصدراً من خلافة عثمان، ثم صار إلى المدينة فمات بها

стр. 124

أكبر عند الله؟ قال: ((أن تدعو لله نداً وهو خلقك. قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قال: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك)) . ــ سنة (٣٢) ودفن بالبقيع، وله بضع وستون سنة. مناقبه وفضائله كثيرة جداً، بسط ترجمته الحافظ في الإصابة (ج٢ ص٣٧٠، ٣٦٨) وابن عبد البر في الاستيعاب. روى ثمان مائة حديث وثمانية وأربعين حديثاً، اتفقا على أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين. روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين. (أي الذنب أكبر) وفي رواية أعظم (أن تدعو) أي تجعل كما في رواية وكقوله تعالى: ﴿لا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون﴾ [٢:٢٢] (نداً) بكسر النون أي شريكا ونظيراً، والند في اللغة: المثل المناوي: أي المماثل المخالف المضاد المعادي، من ند ندوداً إذا نفرا، وناددت الرجل أي خالفته، خص بالمخالف في الأفعال والأحكام المماثل في الذات والصفات، كما خص المساوي للمماثل في القدر والشكل فيما يشارك في القدر والمساحة، والشبه فيما يشارك في الكيفية، والمثل عام في جميع ذلك، والضد أحد المتقابلين لا يمكن اجتماعها (وهو خلقك) أي وغيره لا يستطيع خلق شيء، فوجود الخلق يدل على الخالق، واستقامة الخلق تدل على توحيده، إذ لو كان المدبر اثنين لم يكن على الاستقامة. والجملة حال من الله أو من فاعل " أن تدعو"، أي والحال أنه انفرد بخلقك ولم يخلقك غيره، ولم يقدر على أن يدفع السوء والمكاره منك غيره، بل لله عليك الأنعام بما لا تقدر على عده. وفي الخطاب إشارة إلى أن الشرك من العالم بحقيقة التوحيد أقبح منه من غيره، (قال ثم أي) استفهام بالتنوين بدل من المضاف إليه لكن يحذف التنوين وقفاً بمعنى: أي شيء من الذنوب أكبر بعد الشرك، فثم لتراخي الرتبة (أن تقتل ولدك) أي الذي هو أحب الأشياء عند الإنسان عادة، ثم الحامل على قتله خوف أن يأكل معك، وهو في نفسه من أخس الأشياء، فإذا قارن القتل سيما قتل الولد سيما من العالم بحقيقة الأمر كما يدل عليه الخطاب زاد قبحاً على قبح. (خشية) منصوب على أنه مفعول له (أن يطعم) بنصب أوله (معك) بخلا مع الوجداًن أو إيثاراً لنفسه عليه عند الفقد، ولا اعتبار بمفهومه لأنه خرج مخرج الغالب لأنهم كانوا يقتلونهم لأجل ذلك، وهو معنى قوله: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾ [١٧:٣١] أي فقر. (أن تزاني حليلة جارك) الحليلة بالحاء المهملة، وهي زوجته من حل يحل بالكسر، لأنها تحل له، فهي فعيلة بمعنى فاعلة، أو من حل يحل بالضم حلولاً؛ لأنها تحل معه في فراش واحد. قال النووي: ومعنى "تزاني" أي تزني بها برضاها، وذلك يتضمن الزنا وإفسادها على زوجها واستمالة قلبها إلى الزاني، وذلك أفحش، وهو مع امرأة الجار أشد قبحاً وأعظم جرماً؛ لأن الجار يتوقع من جاره الذب عنه وعن حريمه، ويأمن بوائقه ويطمئن إليه، وقد أمر بإكرامه والإحسان إليه، فإذا قابل هذا كله بالزنا بامرأته وإفسادها عليه مع تمكنه منهما على وجه لا يتمكن غيره منه كان في غاية من القبح - انتهى. والحاصل أن هذه الذنوب أي الإشراك بالله والقتل

стр. 125

فأنزل الله تصديقها ((والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون - الآية)) متفق عليه. ٥٠- (٢) وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، ــ والزنا في ذاتها قبائح أي قبائح، وقد قارنها من الأحوال ما جعلها في القبح بحيث لا يحيطها الوصف. وقال القاري: حاصل القيود من الند والولد والجار كمال تقبيح هذه الأصناف من هذه الأنواع لا أنها قيود احترازية. (فأنزل الله تصديقها) أي تصديق هذه المسألة أو الأحكام، ونصبه على أنه مفعول له أي أنزل الله هذه الآية تصديقاً لها ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر﴾ هذا من جملة الأخبار عن المبتدأ المتقدم وهو "عباد الرحمن" ﴿ولا يقتلون النفس التي حرم الله﴾ أي قتلها (إلا بالحق) كالرجم والردة والقصاص، والمعنى: لا يقتلون نفس غير الحربي بوجه من الوجوه إلا بالحق، فهو استثناء مفرغ (الآية) وهي بتمامها في سورة الفرقان. فإن قلت: القتل والزنا في الآية مطلقان، وفي الحديث مقيدان. قلت: لأنها بالقيد أعظم وأفحش، ولا ما نع من الاستدلال لذلك بالآية. وقال القاري: في كون هذه الآية مصدقة للحديث دليل واضح لما تقدم من أن المقصود من الحديث إنما هو بيان مطلق الزنا والقتل، وأن ذكر الولد والخشية وحليلة الجار لبيان زيادة الفحش والتشنيع والتفضيح أو رعاية لحال السائل لا للتقييد، وإلا لم تكن الآية الدالة على أكبرية القتل والزنا لا بقيد مطابقة للحديث حتى تصدقه، بل كان الحديث مقيداً لها. والحديث أخرجه البخاري في تفسير سورة البقرة والفرقان وفي الأدب وفي المحاربة وفي التوحيد، ومسلم في الإيمان، والترمذي في تفسير سورة الفرقان، والنسائي في المحاربة. واعلم أنه لم يقع في كثير من النسخ المطبوعة في الهند، وفي النسخة التي طبعت على حاشية المرقاة عزو الحديث لأحد من مخرجيه من أئمة الحديث. والظاهر أنه سقط لفظ " متفق عليه" من تلك النسخ أو لم يكن موجوداً في أصولها، والصواب وجود هذه اللفظة لوقوعها في النسخ المخطوطة التي ذكرها الشيخ أبوبكر زهير شاويش في مقدمته، ولما أنها ضبطها القاري في شرحه للمشكاة، وكانت عنده عدة نسخ مصححة مقروءة مسموعة معتمدة، أخذ من مجموعها أصلاً وصححه منها، وضبط في شرحه على ما ذكره في أول الشرح. ٥٠-قوله: (الكبائر) المراد به أكبر الكبائر لما في رواية عند أحمد: من أكبر الكبائر، ولحديث عبد الله بن أنيس عند الترمذي بسند حسن مرفوعاً قال: من أكبر الكبائر ... فذكر منها: اليمين الغموس، ولحديث ابن مسعود المتقدم، فإنه جعل فيه الشرك بالله أكبر الذنوب، ولحديث أنس عند البخاري في الديات وفيه: أكبر الكبائر ... الحديث. (الإشراك بالله) أي اتخاذ إله غير الله، المراد به مطلق الكفر، وتخصيص الشرك بالذكر لغلبته في الوجود لاسيما في بلاد العرب، فذكر تنبيهاً على غيره من أصناف الكفر (وعقوق الوالدين) بضم العين المهملة أي عصيان أمرهما وترك

стр. 126

وقتل النفس. واليمين الغموس)) ، رواه البخاري. ٥١- (٣) وفي رواية أنس ((وشهادة الزور)) بدل اليمين الغموس، متفق عليه. ٥٢- (٤) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((اجتنبوا السبع الموبقات، ــ خدمتها، مشتق من العق وهو الشق والقطع، والمراد به: صدور ما يتأذى به الوالد من ولده من قول أو فعل إلا في الشرك أو معصية ما لم يتعنت الوالد. وضبطه ابن عطية بوجوب طاعتهما في المباحات فعلاً وتركاً، واستحبابها في المندوبات وفروض الكفاية كذلك، ومنه تقديمها عند تعارض الأمرين. ثم اقترانه بالإشراك لما بينهما من المناسبة، إذ في كل قطع حقوق السبب في الإيجاد والإمداد، وإن كان ذلك لله حقيقة وللوالدين صورة، ونظيره قوله تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً﴾ [٤:٣٦] . وقوله: ﴿أن أشكر لي ولوالديك﴾ [١٤:٣١] . (وقتل النفس) أي بغير حق (واليمين الغموس) أي الكاذبة، بفتح الغين المعجمة وضم الميم الخفيفة، وهو الحلف على ماضٍ متعمداً للكذب، بأن يقول: والله ما فعلت كذا أو فعلت كذا، وهو يعلم أنه ما فعله، أو أنه فعله، أو أن يحلف كاذباً متعمداً ليذهب مال غيره، سمي غموساً لأنه يغمس أي يدخل صاحبه في الإثم ثم في النار. وقيل في الكفارة بناءً على مذهب الشافعية (رواه البخاري) في الإيمان والنذور وفي الديات وفي استتابة المعاندين والمرتدين، وأخرجه أيضاً أحمد، والترمذي في التفسير، والنسائي في المحاربة. ٥١-قوله: (وفي رواية أنس) خبر مقدم، والمبتدأ قوله (وشهادة الزور) بضم الزاي أي الكذب، وسمي زوراً لميلانه عن جهة الحق. قال الحافظ: ضابط الزور وصف الشيء على خلاف ما هو به، وقد يضاف إلى القول فيشمل الكذب والباطل، وقد يضاف إلى الشهادة فيختص بها، وقد يضاف إلى الفعل ومنه "لابس ثوبي زور"، ومنه تسمية الشعر الموصول زوراً. (بدل اليمين الغموس) منصوب على الظرفية، وعامله معنى الفعل الذي في "وفي رواية أنس"، "واليمين" بالرفع حكاية، وبالجر عملاً بالإضافة. قيل: ولعل اختلاف أنس لابن عمرو لاختلاف المجلس، أو نيسان كل منهما، والله أعلم. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الشهادات والأدب والديات، ومسلم في الإيمان، وأخرجه أيضاً الترمذي، والنسائي. ٥٢-قوله: (اجتنبوا السبع) أي احذروا فعلها وابعدوا عنها (الموبقات) بموحدة مكسورة وقاف، أي المهلكات جمع موبقة. سميت بذلك لأنها سبب لإهلاك مرتكبها في الدنيا بما يترتب عليها من العقوبات وفي الآخرة من العذاب، والمراد بها الكبائر، كما ثبت في روايات وأحاديث أخرى، ذكرها الحافظ في شرح باب رمي المحصنات، وفي أواخر المحاربين. والتنصيص على عدد لا ينفي غيره وإلا فهي إلى السبعين أقرب، روي ذلك عن ابن عباس، وهو محمول على المبالغة بالنسبة إلى من اقتصر على سبع. وقيل في الجواب عن الحكمة في الاقتصار على سبع أنه علم أولاً

стр. 127

قالوا: يارسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق. وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)) ، متفق عليه. ٥٣- (٥) وعنه قال: قال رسول الله ﷺ ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) . ــ بالمذكورات ثم علم بما زاد، فيجب الأخذ بالزائد، أو أن الاقتصار وقع بحسب المقام بالنسبة إلى السائل أو من وقعت له واقعة، ونحو ذلك. (الشرك بالله) أي جعل أحد شريكا لله تعالى، قال المناوي: أكبر الكبائر وأعظمها: الشرك ثم القتل ظلماً، وما عدا ذلك يحتمل أنه في مرتبة واحدة، فإن الواو لا تقتضي الترتيب، ويقال في كل واحدة: إنها من أكبر الكبائر - انتهى. بزيادة يسيرة. (والسحر) بكسر السين وسكون الحاء المهملتين، وهو أمر خارق للعادة صادر عن نفس شريرة، والذي عليه الجمهور أن له حقيقة تؤثر بحيث تغير المزاج. قال النووى: عمل السحر حرام، ومنه ما يكون كفراً ومنه ما لا يكون كفراً بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كفر وإلا فلا، وأما تعلمه وتعليمه فحرام، وفي حكم السحر ومتعلقاته اختلاف كثير وتفاصيل ومباحث ارجع لها إلى تفسير الفخر الرازي، وأحكام القرآن للجصاص الرازي، والفتح للحافظ. (إلا بالحق) أي بفعل موجب للقتل شرعاً. (وأكل الربا) أي تناوله بأي وجه كان (وأكل مال اليتيم) أي بغير حق (والتولي) بكسر اللام أي الإدبار للفرار (يوم الزحف) أي يوم القتال في الجهاد، و"الزحف" بفتح الزاي وسكون الحاء اسم للجماعة التي يزحفون إلى العدو أي يمشون إليهم بمشقة، من زحف الصبي إذا دب على إسته. وقيل: سمي به لكثرته وثقل حركته كأنه يزحف. وقيل: اسم لجيش الكفار سموا بذلك لكثرة زحفهم على المسلمين، سموا بالمصدر للمبالغة. وإنما يكون التولي كبيرة إذا لم يزد عدد الكفار على مثلى المسلمين إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة. (وقذف المحصنات) أي الحرائر العفيفات، يعني رميهن بالزنا، جمع محصنة بفتح الصاد أي التي أحصنها الله من الزنا، وبكسر الصاد أي التي حفظت فرجها من الزنا (المؤمنات) احتراز عن قذف الكافرات، فإن قذفهن ليس من الكبائر، فإن كانت ذمية فقذفها من الصغائر ولا يوجب الحد، وفي قذف الأمة المسلمة التعزير دون الحد، وإذا كان المقذوف رجلاً يكون القذف أيضاً من الكبائر، ويجب الحد أيضاً، فتخصيصهن لمراعاة الآية والعادة (الغافلات) عن الفواحش وما قذفن به، كناية عن البريئات؛ لأن البريء غافل عما بهت به من الزنا، وأما غير الغافلات عن الفواحش فلا يحرم قذفهن إن كن معلنات. قال القاري: والغافلات مؤخر عن المؤمنات في الحديث عكس الآية على ما في النسخ المصححة، ووقع في شرح ابن حجر بالعكس وفق الآية (متفق عليه) . وأخرجه أيضاً أبوداود، والنسائي. ٥٣- قوله: (لايزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) الواو للحال، وظاهره دليل على أن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن كما قالت الخوارج والمعتزلة، خلافاً لأهل السنة فأوله بوجوه جمعاً بينه وبين الدلائل من الكتاب والسنة.

стр. 128

ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن، ولا يغل أحدكم حين يغل وهو مؤمن، فإياكم وإياكم)) ، ــ الصحيحة التي تدل على أن أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك، بل هم المؤمنون ناقصوا الإيمان، إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في المشيئة. فمن الوجوه التي أول أهل الحق الحديث بها أن المراد المؤمن الكامل في إيمانه. ومنها أن معني نفي الإيمان نفي الأمان من عذاب الله؛ لأن الإيمان مشتق من الأمن. ومنها أن المراد بالمؤمن المطيع لله، يقال: آمن له، إذا انقاد وأطاع. ومنها أنه محمول على الزجر والوعيد للتنفير عنه. ومنها أنه محمول على الإنذار لمرتكب هذه الكبائر بسوء عاقبة الأمر، إذ مرتكبها لا يؤمن عليه أن يقع في الكفر الذي هو ضد الإيمان. ومنها أن المراد أن الإيمان إذ زنى الرجل خرج منه، وكان فوق رأسه مثل الظلة، فإذا انقطع رجع إليه. ومنها أن معنى مؤمن مستحي من الله؛ لأن الحياء شعبة من الإيمان، فلو استحى منه واعتقد أنه ناظر لم يرتكب هذا الفعل الشنيع، قاله الطيبي. ومنها أن صيغ الأفعال وإن كانت واردة على طريق الإخبار فالمراد منها النهي، ويشهد له أنه روي " لا يزن" بحذف الياء " ولا يشرب" بكسر الباء. ومنها أنه محمول على من فعله مستحلاً مع عمله بتحريمه. ومنها أن معنى نفي كونه مؤمنا: أنه شابه الكافر في عمله، وموقع التشبيه أنه مثله في جواز قتاله في تلك الحالة ليكف عن المعصية، ولو أدى إلى قتله، فإنه لو قتل في تلك الحالة يكون دمه هدراً، فانتفت فائدة الإيمان في حقه بالنسبة إلى زوال عصمته في تلك الحالة. ومنها أن معناه ليس بمستحضر في حالة تلبسه بالكبيرة جلال من آمن به، فهو كناية عن الغفلة التي جلبتها له غلبة الشهوة. ومنها أن معنى " وهو مؤمن" أي مصدق بالعقاب عليه، إذ لو كان معه تصديق بالعقاب ما وقع في الذنب. وارجع لمزيد البسط والتوضيح إلى الفتح في أول الحدود. (ولاينتهب) انتهب ونهب إذا أغار على أحد وأخذ ماله قهراً (نهبة) بالضم. المال الذي ينهب جهراً قهراً ظلماً لغيره، فهو مفعول به، وبالفتح مصدر (يرفع الناس) صفة "نهبة" (إليه) أي إلى الناهب (فيها) أي لسببها ولأجلها أو في حال فعلها أو أخذها (أبصارهم) أي تعجباً من جرأته أو خوفاً من سطوته، أي يتضرعون لديه ولا يقدرون على دفعه، أو هو كناية عن عدم التستر بذلك فيكون صفة لازمة للنهب بخلاف السرقة فإنه يكون خفية، والانتهاب أشد لما فيه من مزيد الجرأة وعدم المبالات، ولم يذكر الفاعل في الشرب وما بعده ففيه كما قال ابن مالك: حذف الفاعل لدلالة الكلام عليه، والتقدير: لا يشرب الشارب ... الخ، كقوله تعالى: ﴿ولا يحسبن الذين قتلوا﴾ [٣:١٦٨] في قراءة هشام أي حاسب - انتهى. ولا يرجع الضمير إلى الزاني لئلا يختص به، بل هو عام في كل من شرب وكذا في الباقي، ويجوز أن يكون في كل منهما ضمير مستتر يعود إلى مؤمن (ولا يغل أحدكم) الغلول الخيانة أو الخيانة في الغنيمة، والغل الحقد، ومضارع الأول بالضم، وهو المراد، والثاني بالكسر (حين يغل) أي يسرق شيئاً من غنيمة أو يخون في أمانة (فإياكم إياكم) نصبه على التحذير،

стр. 129

متفق عليه. ٥٤- (٦) وفي رواية ابن عباس: ((ولا يقتل حين يقتل وهو مؤمن)) . قال عكرمة: قلت لابن عباس: كيف ينزع الإيمان منه؟ قال: هكذا، وشبك بين أصابعه ثم أخرجها، فإن تاب عاد إليه هكذا، وشبك بين أصابعه، وقال أبوعبد الله: لا يكون هذا مؤمناً تاماً، ولا يكون له نور الإيمان، هذا لفظ البخاري. ــ والتكرير للتوكيد والمبالغة، أي أحذركم من فعل هذه الأشياء المذكورة. (متفق عليه) إلا قوله: ((ولا يغل)) فإنه من إفراد مسلم، والحديث أخرجه البخاري في المطاعم والأشربة والحدود والمحاربين، ومسلم في الإيمان، وأخرجه أيضاً الترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وفي الباب عن جماعة من الصحابة، ذكر أحاديثهم الهيثمي في مجمع الزوائد. ٥٤- (وفي رواية ابن عباس) أي في حديثه زيادة، وحديث ابن عباس هذا، أخرجه البخاري في المحاربين وفي الحدود (ولا يقتل) أي القاتل مؤمناً بغير حق (قال عكرمة) بكسر أوله وسكون الكاف وكسر الراء المهملة، هو عكرمة أبوعبد الله المدني مولى ابن عباس، أصله بربري، وهو أحد الأئمة الأعلام وأحد فقهاء مكة وتابعيها. قال في التقريب: ثقة، ثبت، عالم بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبت عنه بدعة، من أوساط التابعين، مات بالمدينة سنة (١٠٧) وقيل غير ذلك، وله ثمانون سنة، روى عنه خلق كثير. وبسط ترجمته الحافظ في تهذيب التهذيب (ج٧: ص٢٦٣،٢٧٣) من أحب البسط والتفصيل رجع إليه. (كيف ينزع) بضم الياء وفتح الزاي المعجمة (الإيمان منه) عند ارتكابه هذه الكبائر (قال: هكذا) أي تفسيره (وشبك) أو قال هكذا وفعل التشبيك، يعني جمع بين قوله "هكذا" وفعل التشبيك (ثم أخرجها) تعبير للأمر المعنوي بالمدرك الحسي تقريباً للفهم (فإن تاب) أي رجع المرتكب عن ذلك وأقلع (عاد إليه) الايمان، قيل: أي كماله ونوره، وجاء مثل ما قاله ابن عباس مرفوعاً، فقد أخرج أبوداود، والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة: ((إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان فكان عليه كالظلة، فإذا أقلع رجع إليه الإيمان)) . وعند الحاكم عنه أيضاً مرفوعاً: ((من زنى أو شرب الخمر نزع الله منه الإيمان كما يخلع الإنسان قميصه عن رأسه)) . وأخرج الطبري عن ابن عباس مرفوعاً: ((من زنى نزع الله منه نور الإيمان من قلبه، فإن شاء أن يرد إليه رده)) ، (وقال أبوعبد الله) أي الإمام البخاري في تأويل الحديث: (لايكون هذا مؤمناً تاماً) أي كامل الإيمان (ولايكون له نور الإيمان) أي كماله، بل يقع في إيمانه نقصان أي نقصان، والحاصل أن الإيمان: تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان. ونوره أي كماله الأعمال الصالحة واجتناب المنهيات، فإذا أخلَّ بالعمل أو ارتكب معصية مثل الزنا وشرب الخمر والسرقة ذهب نوره، وزال كماله، وبقي صاحبه في الظلمة. (هذا لفظ البخاري) أي هذا التأويل الذي ذكرناه نقلاً عن البخاري هو عن لفظ البخاري لا معناه. لكن لم نجد هذا القول في النسخ الموجودة الحاضرة عندنا من صحيحه، ولعله

стр. 130

٥٥- (٧) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((آية المنافق ثلاث - زاد مسلم: ((وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم)) ثم اتفقا - إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان)) . ــ في نسخة أخرى منه، أو في تصنيف آخر له، والله أعلم. قال ميرك: في قول المصنف " وفي رواية" وقوله: "وقال" وكذا في قوله: "وهذا لفظ البخاري" سماجة لا تخفى - انتهى. فتأمل. ٥٥-قوله: (آية المنافق) الآية العلامة، واللام للجنس، وكان القياس جمع المبتدأ الذي هو" الآية" ليطابق الخير الذي هو (ثلاث) أي خصال، وأجيب بأن الثلاث اسم جمع، ولفظه مفرد على أن التقدير: آية المنافق معدودة بالثلاث. وقال الحافظ: الإفراد على إرادة الجنس، أي كل واحد منها آية. وقد روى أبوعوانه في صحيحه بلفظ ((علامات المنافق)) ، وأجيب أيضاً بأنه مفرد مضاف فيعم، كأنه قال: آياته ثلاث. والنفاق لغة: مخالفة الباطن للظاهر، فإن كان في اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر، ويقال النفاق الأكبر، وإلا فهو نفاق العمل، ويدخل فيه الفعل والترك، وتفاوت مراتبه، ويقال له: النفاق الأصغر، وهو ترك المحافظة على أمور الدين سراً، ومراعاتها علناً، وهو نفاق دون نفاق. (وإن صام وصلى) أي وإن عمل أعمال المسلمين من الصوم والصلاة وغيرهما من العبادات، وهذا الشرط اعتراض وارد للمبالغة لا يستدعى الجواب. (وزعم) أي ادعى (أنه مسلم) أي كامل (ثم اتفقا) أي البخاري ومسلم (إذا حدث) في كل شيء (كذب) بالتخفيف أي أخبر عنه بخلاف ما هو به قاصداً للكذب. (وإذا وعد) أي بالخير في المستقبل؛ لأن الشر يستحب إخلافه، بل قد يجيب. وقال العلقمي: الوعد يستعمل في الخير والشر، يقال: وعدته خيراً ووعدته شراً. فإذا أسقطوا الخير والشر قالوا في الخير: الوعد والعدة، وفي الشر: الإبعاد والوعيد. قال الشاعر: وإني إذا أوعدته أو وعدته لمخلف إبعادي ومنجز موعدي (أخلف) أي لم يف بوعده، والاسم منه الخلف، ووجه المغايرة بين هذه وما قبلها: أن الإخلاف الذي هو لازم الوعد قد يكون بالفعل، وهو غير لازم التحديث الذي هو الكذب الذي لا يكون فعلاً. وخلف الوعد لا يقدح إلا إذا كان العزم عليه مقارناً للوعد، أما لو كان عازماً ثم عرض له مانع أو بدا له رأي فهذا لم يوجد منه صورة النفاق، قاله الغزالي. فخلف الوعد إن كان مقصوداً حال الوعد أثم فاعله، وإلا فإن كان بلا عذر كره له ذلك أو بعذر فلا كراهة. وفي الطبراني من حديث سلمان يشهد له حيث قال: ((إذا وعد وهو يحدث نفسه أنه يخلف)) ، وكذا قال في باقي الخصال. وإسناده لا بأس به، ليس فيهم من أجمع على تركه، وهو عند أبي داود، والترمذي من حديث زيد بن أرقم بلفظ: ((إذا وعد الرجل أخاه، ومن نيته أن يفي له فلم يف فلا إثم عليه)) ، (وإذا أؤتمن) بصيغة المجهول، أي جعل أميناً على شيء (خان) بأن تصرف فيه على خلاف الشرع. وإنما خص هذه الثلاث بالذكر لاشتمالها على المخالفة التي هي مبنى النفاق من مخالفة السر العلن، فالكذب هو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به، والأمانة حقها أن تؤدى إلى

стр. 131

٥٦- (٨) وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : ((أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، ــ أهلها، فالخيانة مخالفة لها، والخلاف في الوعد ظاهر، ولذا صرح بأخلف، قاله الطيبي. فإن قلت إذا وجدت هذه الخصال في مسلم فهل يكون منافقاً؟ أجيب بأنها خصال نفاق، لا نفاق، فهو على سبيل المجاز، أي صاحب هذه الخصال كالمنافق، وهو بناء على أن المراد بالنفاق نفاق الكفر. أو المراد الاعتياد، ولذا قيد هذا بإذا المقتصية للتكرار، يعني أن المتصف بذلك هو من اجتمعت فيه هذه الخصال، واعتادها وصارت له ديدناً وعادة، واستمر عليها حتى رسخت فيه، بحيث لم يبق للصدق فيه مذهب، ولا للأمانة ممكن، ومن كان كذلك فهو بالحري أن يسمى منافقاً، فإنه لا يوجد على هذه الصفة إلا من طبع على قلبه وختم على سمعه وبصره، فأما المؤمن المقترن بتلك الخصال فإنه إن فعلها مرة تركها أخرى، وإن أسر عليها زماناً أقلع عنها زماناً آخر، وإن وجدت فيه خلة عدمت منه أخرى، فمجموع الخصال الخمس على وجه الاعتياد لا يوجد في غير المنافق بنفاق الكفر. أو المراد الإنذار والتحذير من أن يعتاد هذه الخصال فتفضي به إلى النفاق الحقيقي، أي نفاق الاعتقاد والكفر. أو المراد بالنفاق هو النفاق العملي لا النفاق الإيماني أي الاعتقادي، وهذا ارتضاه القرطبي، وهذه الأجوبة كلها مبنية على أن اللام في المنافق للجنس، وقيل: إنها للعهد إما منافقي زمن رسول الله ﷺ ، وإما منافق خاص شخص بعينه. وكان ﷺ لا يواجههم بصريح القول فيقول منافق، وإنما يشير إشارة. قال الحافظ: تمسك هؤلاء بأحاديث ضعيفة جاءت في ذلك لو ثبت شيء منها لتعين المصير إليه، وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي - انتهى. قال شيخنا في شرح الترمذي: الأمر كما قال الحافظ من أن أحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي، وقد نقل الترمذي هذا القول عن أهل العلم مطلقاً - انتهى. والحديث أخرجه البخاري في الإيمان والوصايا والشهادات والأدب، ومسلم، والترمذي، والنسائي في الإيمان. ٥٦- قوله: (أربع) أي خصال أربع، أو أربع من الخصال مبتدأ، خبره (من كن فيه كان منافقاً خالصاً) أي في هذه الخصال فقط لا في غيرها، أو شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال، أو المراد اجتمعن فيه على وجه الاعتياد والاستمرار والرسوخ كما تقدم، وقيل وصفه بالخلوص، يؤيد قول من قال: إن المراد النفاق العملي لا الإيماني، أو النفاق العرفي لا الشرعي؛ لأن الخلوص بهذين المعنيين لا يستلزم الكفر الملقي في الدرك الأسفل من النار. (حتى يدعها) أي يتركها (وإذا حدث كذب) قيل: ومن حدث عن عيش له سلف فبالغ فهذا لا يضر، وإنما يضر من حدث عن الأشياء بخلاف ما هي عليه قاصداً للكذب. (وإذا عاهد غدر) أي نقض العهد ابتدأ وترك الوفاء لما عاهد عليه

стр. 132

وإذا خاصم فجر)) ، متفق عليه. ٥٧- (٩) وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل المنافق كالشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة)) ، رواه مسلم. ــ (وإذا خاصم فجر) أي في خصومته، أي مال عن الحق وقال الباطل والكذب. قال أهل اللغة: أصل الفجور الميل عن القصد. وقال القاري: أي شتم ورمى بالأشياء القبيحة. فإن قيل: ظاهر الحديث المتقدم يقتضي الحصر في ثلاث، فكيف جاء في هذا الحديث أربع، أجاب القرطبي باحتمال أنه استجد له ﷺ من العلم بخصالهم ما لم يكن عنده. وأجيب أيضاً بأن في رواية لمسلم ما يدل على عدم الحصر، فإن لفظها: ((من علامة المنافق ثلاث)) ، فيكون قد أخبر ببعض العلامات في وقت وبعضها في وقت آخر. وقيل: التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد، وقد تحصل من الحديثين خمس خصال، الثلاثة السابقة في الأول، والغدر في المعاهدة، والفجور في الخصومة، فهي متغايرة باعتبار تغاير الأوصاف واللوازم. ووجه الحصر فيها أن إظهار خلاف ما في الباطن إما في الماليات وهو ما إذا أؤتمن، وإما في غيرها، وهو إما في حالة الكدورة فهو إذا خاصم، وإما في حالة الصفاء، فهو إما مؤكد باليمين فهو إذا عاهد، أو لا فهو إما بالنظر إلى المستقبل فهو إذا وعد، وإما بالنظر إلى الحال فهو إذا حدث، لكن هذه الخمسة في الحقيقة ترجع إلى الثلاث؛ لأن الغدر بالعهد منطوٍ تحت الخيانة في الأمانة، والفجور في الخصومة داخل تحت الكذب في الحديث، كذا في شرح القسطلاني (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد، والترمذي، والنسائي، وأبوداود. ٥٧-قوله: (كالشاة العائرة) أي المترددة (بين الغنمين) أي قطيعين وثلثين من الغنم لا تدري أيهما تتبع، فإن الغنم اسم جنس يقع على الواحد والجمع. وقال السندهي: الغنم جمع، ففي الحديث تثنية الجمع بتأويله بالجماعة. نقل السيوطي عن الزمخشري أنه قال في المفصل: قد يثنى الجمع على تأويل الجماعتين والفرقتين، ومنه هذا الحديث - انتهى. والعائرة هي التي تطلب الفحل فتردد بين قطيعين ولا تستقر مع أحداًهما، والمنافق مع المؤمنين بظاهره ومع المشركين بباطنه، تبعاً لهواه وغرضه الفاسد، وميلاً إلى ما يتبعه من شهواته، فصار بمنزلة تلك الشاة، وبذلك وصفهم الله تعالى في قوله: ﴿مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء﴾ [٤:١٤٣] ، قال الطيبي: وخص الشاة العائرة بالذكر إيماءً بمعنى سلب الرجولية عن المنافقين من طلب الفحل للضراب (تعير) بفتح أوله، أي تردد وتذهب، من عار الفرس عياراً انفلت وذهب هنا وهنا من مرجه (إلى هذه) أي القطيعة (مرة وإلى هذه) أي القطيعة الأخرى (مرة) أخرى ليضربها فحلها، فلا ثبات لها على حالة واحدة، وإنما هي أسير شهوتها (رواه مسلم) في صفات المنافقين قبل صفة القيامة من أواخر صحيحه، وأخرجه أيضاً أحمد، والنسائي، وزاد: ((لا تدري أيهما تتبع)) .

стр. 133

﴿الفصل الثاني﴾ ٥٨- (١٠) عن صفوان بن عسال قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي، فقال له صاحبه: لا تقل نبي، إنه لو سمعك لكان له أربع أعين، فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن تسع آيات بينات. ــ ٥٨-قوله: (صفوان) بفتح الصاد وسكون الفاء (ابن عسال) بالمهملة وتشديد الثانية، المرادي الجملى، غزا مع النبي ﷺ اثنتي عشرة غزوة، وسكن الكوفة. له عشرون حديثاً، روى عنه ابن مسعود مع جلالته وزر بن حبيش وعبد الله بن سلمة المرادي وغيرهم. (قال يهودي لصاحبه) أي من اليهود (اذهب بنا) الباء للمصاحبة أو التعدية (لا تقل نبي) مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو نبي. وهو مقولة القول كما في قوله تعالى: ﴿يقال له إبراهيم﴾ [٢١:٦٠] أي هو إبراهيم. (إنه) بكسر الهمزة استئناف، فيه معني التعليل أي لأنه (لو سمعك) أي سمع قولك "إلى هذا النبي" (لكان له أربع أعين) قال التوربشتي: أي يسر بقولك "هذا النبي" سروراً يمد الباصرة فيزداد به نوراً على نور، كذي عينين أصبح يبصر بأربع، فإن الفرح يمد الباصرة، كما أن الهم والحزن يخل بها، ولذا يقال لمن أحاطت به الهموم: أظلمت عليه الدنيا. وبذلك شهد التنزيل: ﴿وابيضت عيناه من الحزن﴾ - انتهى. قال السندهي: هو كناية عن زيادة الفرح وفرط السرور، إذ الفرح يوجب قوة الأعضاء، وتضاعف القوى يشبه تضاعف الأعضاء الحاملة لها. (فسألاه) أي امتحاناً (عن تسع آيات بينات) أي واضحات، والآية العلامة الظاهرة تستعمل في المحسوسات كعلامة الطريق، والمعقولات كالحكم الواضح والمسألة الواضحة، والمراد في الحديث إما المعجزات التسع كما هو المراد في قوله تعالى: ﴿أدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات﴾ [٢٧:١١] ، وبقية التسع هي العصا والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والسنون ونقص من الثمرات. وعلى هذا فالجواب في الحديث متروك، ترك ذكره الراوي استغناءً بما في القرآن أو بغيره، وقوله: ((لا تشركوا..الخ)) كلام مستأنف ذكره عقب الجواب، وإما الأحكام العامة الشاملة للملل كلها كما جوز ذلك في قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات﴾ [١٧:١٠١] الخ. وعلى هذا فالمذكور في الحديث هو الجواب، لكن زيد فيه ذكر "وعليكم خاصة يهود" استئنافاً لزيادة الإفادة، ولذا غير السياق وذهب المظهر والنور التوربشتي من شراح المصابيح إلى أن الآيات المذكورة في قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات﴾ هي الأحكام التي تعبّد بها قوم موسى، وهي التي سئل عنها رسول الله ﷺ فأجاب عنها لا المعجزات، وقالا: إن هذا الحديث من أظهر الدلائل على ذلك، فإنه رواه الترمذي في سننه وقال: وفي رواية فسألاه عن قول الله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات﴾ فعلم أن الحديث وإن كان في جواب اليهود بين فإنه مشتمل على بيان الآية. وقال ابن كثير في تفسيره: ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ... ﴾ الآية، يخبر تعالى أنه بعث موسى بتسع آيات بينات، وهي الدلائل القاطعة

стр. 134

فقال رسول الله ﷺ : لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرفوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تولوا للفرار يوم الزحف، وعليكم خاصة اليهود ــ على صحة نبوته وصدقة فيما أخبره به عمن أرسله إلى فرعون، وهي العصا واليد والسنون والبحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، آيات مفصلات. قال ابن عباس: فهذه الآيات التسع هي المرادة هنا، وهي المعنية في قوله تعالى: ﴿وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جانٌّ ولى مدبراً ولم يعقب يا موسى لا تخف ... - إلى قوله -: في تسع آيات إلى فرعون وقومه، إنهم كانوا قوما فاسقين﴾ [٢٧:١٠-١٢] فذكر هاتين الآيتين العصا واليد، وبين الآيات الباقية في سورة الأعراف وفصلها، وقد أوتي موسى ﵇ آيات أخر كثيرة، منها ضربه الحجر بالعصا، وخروج الماء منه، ومنها تظليلهم بالغمام، وإنزال المن والسلوى، وغير ذلك مما أوتوه بنو إسرائيل بعد مفارقتهم بلاد مصر، ولكن ذكر ههنا التسع الآيات التي شاهدها فرعون وقومه من أهل مصر، فكانت حجة عليهم، فخالفوها وعاندوها كفراً وجحوداً، وأما الحديث الذي رواه أحمد وفيه: حتى نسأله عن هذه الآية ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات﴾ ... الحديث، فهو حديث مشكل، وعبد الله بن سلمة (يعني راوي هذا الحديث عن صفوان) في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات، فإنها وصايا في التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون، فإن هذه الوصايا ليس فيها حجج على فرعون وقومه، وأي مناسبة بين هذا وبين إقامة البراهين على فرعون؟ وما جاء هذا الوهم إلا من قبل عبد الله بن سلمة، فإن له بعض ما ينكر- انتهى مختصراً. (ولا تمشوا ببريء) بهمزة وإدغام، أي بمتبرئ من الإثم، والباء للتعدية، أي لا تسعوا ولا تتكلموا بسوء فيمن ليس له ذنب (إلى ذي سلطان) أي صاحب سلطنة وقوة وحكم وغلبة وشوكة (ليقتله) يعني كي لا يقتله مثلاً. (ولا تسحروا) بفتح الحاء المهملة، فإن بعض أنواعها كفر وبعضها فسق. (ولا تأكلوا الربا) أي لا تعاملوا بالربا ولا تأخذوه. (ولا تقذفوا) بكسر الذال (محصنة) بفتح الصاد وكسرها، أي لا ترموا بالزنا عفيفة. قال ثعلب: كل امرأة عفيفة فهي محصنة ومحصنة، وكل امرأة متزوجة فهي محصنة بالفتح لا غير. (ولا تولوا) بضم التاء واللام، من ولى يولي تولية إذا أدبر، أي ولا تولوا أدباركم، ويجوز أن تكون بفتح التاء واللام من التولي وهو الإعراض والإدبار، أصله تتولوا فحذف إحدى التائين. (للفرار) أي لأجله. وفي بعض النسخ الفرار بلا لام العلة منصوباً على أنه مفعول له، قاله القاري. (يوم الزحف) أي يوم لقاء العدو في الحرب، والزحف الجيش يزحفون إلى العدو، أي يمشون (وعليكم) ظرف وقع خبراً مقدماً (خاصة) منوناً حال والمستتر في الظرف عائد إلى المبتدأ أي مخصوصين بهذه العاشرة، أو حال كون عدم الاعتداء مختصا بكم دون غيركم من الملل أو تمييز، والخاصة ضد العامة (اليهود) نصب على التخصيص والتفسير أي أعني اليهود، ويجوز أن تكون خاصة بمعنى خصوصاً، ويكون اليهود

стр. 135

أن لا تعتدوا في السبت)) ، قال فقبلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنك نبي. قال فما يمنعكم أن تتبعوني؟ قالا: إن داود ﵇ دعا ربه أن لا يزال من ذريته نبي، وإنا نخاف إن تبعناك أن يقتلنا اليهود، رواه الترمذي وأبوداود والنسائي. ٥٩- (١١) وعن أنس قال: (قال رسول الله ﷺ : ((ثلاث من أصل الإيمان، الكف عمن قال ــ معمولاً لفعله المحذوف، أي أخص اليهود خصوصاً. (ألا تعتدوا) بتأويل المصدر في محل الرفع على أنه مبتدأ من الاعتداء (في السبت) أي لا تتجاوزوا أمر الله في تعظيم السبت، بأن لا تصيدوا السمك فيه، وقيل "عليكم" اسم فعل بمعنى خذوا، و"أن لا تعتدوا" مفعوله أي الزموا ترك الاعتداء. (نشهد أنك نبي) إذ هذا العلم من الأمي معجزة، لكن نشهد أنك نبي إلى العرب (أن تتبعوني) بتشديد التاء، وقيل بالتخفيف أي من أن تقبلوا نبوتي وتتبعوني في الأحكام الشرعية (دعا أن لا يزال من ذريته نبي) أي فنحن ننتظر ذلك النبي لنتبعه. وهذا منهم تكذيب لقولهم نشهد أنك نبي، وأنهم ما قالوا عن صدق اعتقاد ضرورة أنه ﷺ كان يدعى ختم النبوة به ﷺ ، فالقول بأنه نبي يستلزم صدقه فيه، وانتظار نبي آخر ينافيه، فانظر إلى تناقضهم وكذبهم، قاله السندهي. وقال الطيبي: يعني دعا داود ﵇ أن لا ينقطع النبوة عن ذريته إلى يوم القيامة، فيكون دعاءه مستجاباً البتة؛ لأنه لا يرد الله تعالى دعاء نبي، فإذا كان كذلك فيكون نبي في ذريته ويتبعه اليهود، وربما يكون لهم الغلبة والشوكة، فإن تركنا دينهم واتبعناك لقتلنا اليهود إذا ظهر لهم نبي وقوة، وهذا كذب منهم وافتراء على داود ﵇؛ لأنه لم يدع بهذا الدعاء، ولا يجوز لأحد أن يعتقد في داود ﵇ هذا الدعاء؛ لأنه قرأ في التوراة والزبور بعث محمد ﷺ وأنه خاتم النبيين وأنه ينسخ به جميع الأديان والكتب، فكيف يدعو على خلاف ما أخبره الله تعالى به من شأن محمد ﷺ انتهى. ولئن سلم فعيسى من ذرية داود وهو نبي باقٍ إلى يوم الدين، ظهرت المعجزات على يده أيضاً فلم يصدقوه، فعلم أن التكذيب عادة لهم، وعذرهم هذا كذب وافتراء. والحديث يدل على جواز تقبيل اليد والرجل، ويأتي الكلام عليه في باب المصافحة والمعانقة (رواه الترمذي) في آخر الاستئذان والأدب وفي تفسير سورة بني إسرائيل، وقال: حديث حسن صحيح. (وأبو داود) لم أجده في سننه. وقال الحافظ في الدراية: رواه الأربعة إلا أبا داود. وهذا يدل على أن أبا داود لم يخرجه في سننه، ويدل عليه أيضاً أنه لم يعز هذا الحديث أحد لأبي داود (والنسائي) في المحاربة، وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده (ج٤ ص٢٣٩،٢٤٠) ، وابن ماجة في الأدب مختصراً، والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح لا نعرف له علة بوجه من الوجوه ووافقه الذهبي، وأخرجه أيضاً الطيالسي، وأبونعيم، والبيهقي، والطبراني، وابن جرير وغيرهم. ٥٩-قوله: (ثلاث) خصال (من أصل الإيمان) أي أساسه وقاعدته، أحداًها أو منها (الكف عمن قال

стр. 136

لا إله إلا الله لا تكفره بذنب ولا تخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماضٍ مذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار)) ، رواه أبو داود. ــ لا إله إلا الله) أي وأن محمداً رسول الله ﷺ ، فمن قال كلمتي الشهادة وجب الامتناع عن التعرض بنفسه وماله (لا تكفره) بالتاء نهى وبالنون نفي، وكلاهما مروي وهو بيان للكف ولذا قطعه عنه، والتكفير والإكفار نسبة أحد إلى الكفر (بذنب) أي سوى الكفر ولو كبيرة، وفيه رد على الخوارج لأنهم يكفرون من يصدر منه ذنب (ولا تخرجه) بوجهين (من الإسلام بعمل) ولو كبيرة سوى الكفر، خلافاً للمعتزلة في إخراج صاحب الكبيرة إلى منزلة بين المنزلتين (والجهاد ماضٍ) أي الخصلة الثانية اعتقاد كون الجهاد ماضياً أو ثانيتها الجهاد أو الجهاد من أصل الإيمان، وماضٍ خبر مبتدأ محذوف أي هو ماضٍ ونافذ وجارٍ ومستمر (مذ) وفي نسخة منذ (بعثني الله) أي من ابتدأ زمان بعثني الله إلى المدينة أو بالجهاد (إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة) أي عيسى أو المهدي (الدجال) مفعول له. قال القاري: وبعد قتل الدجال لا يكون الجهاد باقياً، أما على يأجوج ومأجوج فلعدم القدرة عليهم. وعند ذلك لا وجوب عليهم بنص آية الأنفال، وأما بعد إهلاك الله إياهم لا يبقى على وجه الأرض كافر ما دام عيسى ﵊ حياً في الأرض، وأما على من كفر من المسلمين بعد عيسى ﵊ فلموت المسلمين كلهم عن قريب بريح طيبة، وبقاء الكفار إلى قيام الساعة، وتجيء هذه الحكاية في ذكر الدجال (لا يبطله) بضم أوله (جور جائر ولا عدل عادل) أي لا يسقط الجهاد كون الإمام ظالماً أو عادلاً. وفيه رد على المنافقين وبعض الكفرة، فإنهم زعموا أن دولة الإسلام تنقرض بعد أيام قلائل، كأنه قيل الجهاد ماضٍ، أي أعلام دولته منشورة، وأولياء أمته منصورة، وأعداء ملته مقهورة إلى يوم الدين. وقال المظهر: يعني لا يجوز ترك الجهاد بأن يكون الإمام ظالماً بل يجب عليهم موافقته، ولا بأن يكون الإمام عادلاً بحيث يحصل سكون المسلمين وتقويتهم، فلا يخافون من الكفار ولا يحتاجون إلى الغنائم؛ لأن القصد من الجهاد هو إعلاء كلمة الله، فاحتيج لهذا نفياً إلى هذا التوهم، وإن كان من شأن عدل العادل أنه لا يتوهم فيه إبطال الجهاد بل تقويته. فعلى هذا يكون النفي بمعنى النهى. قال الطيب: ويمكن أن يجرى على ظاهر الإخبار كما هو عليه، ويكون تأكيداً للجملة السابقة، أي لا يبطله أحد إلى خروج الدجال. (والإيمان بالأقدار) أي الخصلة الثالثة، أو الإيمان بالأقدار من أصل الإيمان، يعني بأن جميع ما يجري في العالم هو من قضاء الله وقدره. وفيه رد على المعتزلة لإثباتهم للعباد القدرة المستقلة (رواه أبوداود) في الجهاد، وسكت عليه هو والمنذري، لكن في سنده يزيد بن أبي نشبة - بضم النون وسكون الشين المعجمة -، وهو مجهول، كما في التقريب. واعلم أن بعض العلماء قد أجاز العمل والاحتجاج بكل ما سكت عنه أبوداود؛ لما روي عنه أنه قال: ما كان في كتابي هذا من حديث فيه وهن شديد بينته، وما لم أذكر

стр. 137

فيه شيئاً فهو صالح، وبعضها أصح من بعض. قال: وذكرت فيه الصحيح وما يشبهه وما يقاربه. قال النووي في التقريب وابن الصلاح في مقدمته بعد نقل كلام أبي داود هذا: فعلى هذا ما وجدنا في كتابه مذكوراً مطلقاً وليس في واحد من الصحيحين، ولا نص على صحته أحد ممن يميز بين الصحيح والضعيف والحسن ولا ضعفه، عرفنا أنه من الحسن عند أبي داود. زاد ابن الصلاح: وقد يكون في ذلك ما ليس بحسن عند غيره ولا مندرج في حد الحسن-انتهى. والحق عندي أن لا يعتمد على مجرد سكوت أبي داود، وأن لا يطلق القول بجواز الاحتجاج والعمل بما سكت عنه، لما يجري في كلامه المتقدم من احتمالات تضعف بل تبطل المذهب المذكور: (١) مثل أن يتكلم على وهن إسناد مثلاً في مقام، فإذا عاد لم يبينه اكتفاءً بما تقدم، ويكون كأنه قد بينه. (٢) ومثل أن يكون سكوته هنا لوجود شاهد أو متابع، أو يكون ذلك لكونه من صحيح حديث المختلط أو المدلس، أو لكونه في الفضائل. (٣) ومثل ما أشار إليه شيخ الإسلام زكريا الأنصاري من أنه قد يقع البيان في بعض النسخ دون بعض، ولا سيما رواية أبي الحسن بن العبد، فإن فيها من كلام أبي داود شيئاً زائداً على رواية أبي على اللؤلؤي. قال السخاوي في شرح ألفية العراقي (ص٢٩) وسبقه ابن كثير وقال: الروايات عن أبي داود لكتابه كثيرة جداً، ويوجد في بعضها من الكلام بل والأحاديث ما ليس في الأخرى، قال: وأبي عبيد الآجري عنه أسئلة في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل، ومن ذلك أحاديث ورجال قد ذكرها في سننه. قال السخاوي: فينبغي عدم المبادرة لنسبة السكوت إلا بعد جمع الروايات واعتماد ما اتفقت عليه لما تقدم -انتهى. (٤) ومثل ما يشير إليه حصره التبيين في الوهن الشديد حيث قال: ما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بيّنته، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح وبعضها أصح من بعض - انتهى. إذ مفهومه أن غير الشديد لا يبينه. (٥) ومثل أن الصلاحية في كلامه أعم من أن تكون للاحتجاج أو للاستشهاد، فما ارتقى إلى درجة الصحة أو الحسن فهو بالمعنى الأول، وما عداهما فهو بالمعنى الثاني، وما قصر عن ذلك فهو الذي فيه وهن شديد، وقد التزم بيانه. (٦) ومثل أن تكون الصلاحية على ظاهرها في الاحتجاج، ولا ينافيه وجود الضعيف؛ لأنه يخرج الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره، وهو أقوى عنده من آراء الرجال. قال العراقي في ألفيته: كان أبو داود أقوى ما وجد ... يرويه والضعيف (١) حيث لا يجد في الباب غيره فذاك عنده ... من رأي أقوى قاله ابن منده (٧) ومثل أن يكون استعمال "أصح" في كلام أبي داود المتقدم بالمعنى اللغوي، بل استعمله كذلك غير واحد، منهم الترمذي، فإنه يورد الحديث من جهة الضعيف ثم من جهة غيره. ويقول عقب الثاني: إنه أصح من حديث فلان الضعيف، وصنيع أبي داود يقتضيه لما في المسكوت عليه من الضعيف بالاستقراء، كما في حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سمع المنادي فلم يمنع من اتباعه عذر - قالوا: وما العذر؟ قال: حزن أو مرض - لم تقبل منه الصلاة التي صلى)) . فان أباداود رواه وسكت عليه. وقد قال المنذري في مختصره: في إسناده أبوجناب يحيى بن أبي حية الكلبي، وهو ضعيف. وقد يكون هو ضعيفاً عند أبي داود نفسه،

стр. 138

كما يؤخذ من كلام العماد بن كثير. (٨) ومثل ما ذكره ابن الصلاح في مقدمته (ص١٨) بعد نقل كلام أبي داود الذي قدمناه: فعلى هذا ما وجدنا في كتابه مذكوراً مطلقاً، وليس في واحد من الصحيحين، ولا نص على صحته أحد ممن يميز بين الصحيح والحسن عرفناه بأنه من الحسن عند أبي داود، وقد يكون في ذلك ما ليس بحسن عند غيره ولا مندرج فيما حققنا ضبط الحسن به على ما سبق ... الخ. قال العلامة الأمير اليماني في تلقيح الأفكار شرح تنقيح الأنظار في مصطلح الآثار - بعد نقل كلام أبي داود المتقدم عن ابن الصلاح ما لفظه: فإن قلت: أجاز ابن الصلاح والنووي وغيرهما من الحفاظ العمل بما سكت عنه أبوداود لأجل هذا الكلام المروي عنه وأمثاله، قلت: قال الحافظ ابن حجر: إن قول أبي داود "وما فيه وهن شديد بيّنته" يفهم منه أن الذي يكون فيه وهن غير شديد لا يبيّنه، ومن هنا تبين لك أن جميع ما سكت عنه أبوداود لا يكون من قبيل الحسن الاصطلاحي، بل هو على أقسام، منها: ما هو صحيح أو على شرط الصحة. ومنها: ما هو من قبيل الحسن لذاته. ومنها: ما هو من قبيل الحسن إذا اعتضد، وهذان القسمان كثير في كتابه جداً. وفيه ما هو ضعيف لكنه من رواية من لم يجمع على تركه غالباً، وكل من هذه الأقسام عنده تصلح للاحتجاج بها كما نقل ابن مندة عنه أنه يخرج الحديث الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره، وأنه أقوى عنده من رأي الرجال. وكذا قال ابن عبد البر: كل ما سكت عليه أبوداود فهو صحيح عنه، لاسيما إن كان لم يذكر في الباب غيره، ونحو هذا ما روينا عن الإمام أحمد فيما نقله ابن المنذر وغيره أنه كان يحتج بعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا لم يكن في الباب غيره. ثم ذكر الحافظ قولاً عن الإمام أحمد أصرح مما تقدم في تقديم الحديث الضعيف على الرأي، ثم قال: فهذا نحو مما يحكى عن أبي داود، ولا عجب فإنه من تلامذة الإمام أحمد، فغير مستنكر أن يقول بقوله، بل حكى النجم الطوخي عن العلامة تقي الدين ابن تيمية أنه قال: اعتبرت مسند أحمد فوجدته موافقاً لشرط أبي داود. ومن هنا يظهر لك طريق من يحتج بكل ما سكت عنه أبوداود، فإنه يخرج أحاديث جماعة من الضعفاء في الاحتجاج ويسكت عليها، مثل ابن لهيعة وصالح مولى التوأمة وعبد الله بن محمد بن عقيل وموسى بن وردان وسلمة بن الفضل ودلهم بن صالح وغيرهم، فلا ينبغي للناقد أن يقلده في السكوت على أحاديثهم، ويتابعه في الاحتجاج بهم، بل طريقه أن ينظر هل لذلك الحديث متابع يعتضد به، أو هو غريب فيتوقف فيه، لاسيما إن كان مخالفاً لرواية من هو أوثق منه فإنه ينحط إلى قبيل المنكر، وقد يخرج أحاديث من هو أضعف من هؤلاء بكثير كالحارث ابن وجيه وصدقة الدقيقي وعمرو بن واقد العمري ومحمد بن عبد الرحمن البيلماني وأبي حيان الكلبي وسليمان بن أرقم وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة وأمثالهم في المتروكين، وكذلك ما فيه من الأسانيد المنقطعة، وأحاديث المدلسين بالعنعنة، والأحاديث التي فيها أبهمت أسماؤهم فلا يتجه الحكم بأحاديث هؤلاء بالحسن من أجل سكوت أبي داود؛ لأن سكوته تارة اكتفاءً بما تقدم من الكلام في ذلك الراوي في نفس كتابة، وتارة يكون لذهول منه، وتارة يكون لظهور شدة ضعف ذلك الراوي، أو لاتفاق الأئمة على طرح روايته كأبي حدير

стр. 139

٦٠- (١٢) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا زنى العبد خرج منه الإيمان ــ ويحي بن العلاء وغيرهما، وتارة يكون من اختلاف الرواة عنه، وهو الأكثر، فإن في رواية أبي الحسن بن العبد عنه من الكلام على جماعة من الرواة والأسانيد ما ليس في رواية اللؤلؤي، وإن كانت روايته عنه أشهر. ثم عدّ أمثلة من أحاديث السنن تؤيد ما قاله، ثم قال: والصواب عدم الاعتماد على مجرد سكوته لما وصفنا من أنه يحتج بالأحاديث الضعيفة ويقدمها على القياس إن ثبت ذلك عنه. والمعتمد أن مجرد سكوته لا يدل على ذلك، فكيف يقلده فيه، هذا جميعه إن حملنا قوله "وما لم أقل فيه بشيء فهو صالح" على أن مراده صالحة للحجة، وهو الظاهر. وإن حملناه على ما هو أعم من ذلك وهو الصلاحية للحجية وللاستشهاد والمتابعة فلا يلزم منه أنه يحتج بالضعيف. ويحتاج إلى تأمل تلك المواضع التي سكت عليها وهي ضعيفة هل منها إفراد أو لا، إن وجد فيها إفراد تعين الحمل على الأول، وإلا حمل على الثاني، وعلى كل تقدير فلا يصلح ما سكت عليه للاحتجاج مطلقا - انتهى. وقال النووي: إلا أن يظهر في بعضها أمر يقدح في الصحة أو الحسن وجب ترك ذلك، أو كما قال. ولفظ الحافظ ابن حجر نقلاً عن النووي أنه قال: في سنن أبي داود أحاديث ظاهرها الضعف لم يبيّنها مع أنه متفق على ضعفها، فلا بد من تأويل كلامه. قال: والحق أن ما وجدناه في سننه مما لم ينبّه عليه ولم ينص على صحته أو حسنه من يعتمد عليه فهو حسن، وإن نص على ضعفه من يعتمد عليه أو رأي العارف في سنده ما يقتضي الضعف، ولا جابر له حكم بضعفه، ولا يلتفت إلى سكوت أبي داود. قال الأمير اليماني: وهو الحق، لكن خالف ذلك في مواضع كثيرة في شرح المهذب وفي غيره من تصانيفه، فاحتج بأحاديث كثيرة من أجل سكوت أبي داود عليها، فلا يغتر بذلك، انتهى كلام الأمير اليماني في تلقيح الأفكار. هذا وقد اعتنى الحافظ المنذري في مختصره بنقد الأحاديث المذكورة في سنن أبي داود بيّن ضعف كثير مما سكت عنه، فيكون ذلك خارجاً عما يجوز العمل به، وما سكتا عليه جميعاً فلا شك أنه صالح للاحتجاج إلا في مواضع يسيرة قد نبهت على بعضها في هذا الشرح، ومنها حديث أنس هذا، فقد سكتا عنه جميعاً مع أن فيه يزيد بن أبي نشبة، وهو مجهول. ٦٠- قوله: (إذا زنى) أي أخذ وشرع في الزنا (العبد) أي المؤمن (خرج منه الإيمان) حمله بعضهم على ظاهرة وقال: يسلب الإيمان حال تلبس الرجل بالزنا، فإذا فارقه وتاب عاد إليه. وقيل: المراد نور الإيمان وكماله. وقد تقدم أن الإيمان اسم لمجموع الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح. ونور الإيمان وكماله هي الأعمال الصالحة واجتناب المناهي، فإذا زنى ذهب منه نوره وبقي صاحبه في الظلمة. وقيل: معناه خرج منه أعظم شعب الإيمان، وهو الحياء من الله تعالى. أو يصير كأنه خرج، إذ لا يمنع إيمانه عن ذلك كما لا يمنع من خرج منه الإيمان. وقال التوربشتي: هذا من باب الزجر والتهديد، وهو كقول القائل لمن اشتهر بالرجولية والمروءة ثم فعل ما ينافي شيمته: عدم عند الرجولية والمروءة، تعييراً أو تنكيراً لينتهي عما صنع، واعتباراً وزجراً للسامعين لطفا بهم، وتنبيهاً على أن

стр. 140

وكان فوق رأسه كالظلة، فإذا خرج من ذلك العمل رجع إليه الإيمان)) ، رواه الترمذي وأبو داود. ﴿الفصل الثالث﴾ ٦١- (١٣) عن معاذ قال: أوصاني رسول الله ﷺ بعشر كلمات، قال: ((لا تشرك بالله شيئاً وإن قتلت وحرقت، ولا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك، ــ الزنا من شيم أهل الكفر وأعمالهم، فالجمع بينه وبين الإيمان كالجمع بين المتنافيين. (وكان) وفي بعض النسخ "فكان" وهكذا وقع عند الترمذي (فوق رأسه كالظلة) بضم الظاء وتشديد اللام، هو أول سحابة تظلل. وفيه إشارة إلى أنه وإن خالف حكم الإيمان فإنه تحت ظله لا يزول عنه حكم الإيمان ولا يرتفع عنه اسمه. (فإذا خرج من ذلك العمل) قيل: أي بالتوبة الصحيحة (رجع إليه الإيمان) أي نوره وكماله، ويؤيده ما تقدم من حديث ابن عباس أخرجه أبوجعفر الطبري من طريق مجاهد عنه مرفوعاً: ((من زنى نزع الله نور الإيمان من قلبه، فإن شاء أن يرده إليه رده)) . ولا يخفى مناسبة الحديث للباب على المتأمل. (رواه الترمذي) لم يروه الترمذي بل ذكره معلقاً في الإيمان من جامعه. (وأبوداود) في السنة، وسكت عليه هو والمنذري، واللفظ للترمذي، وأخرجه أيضاً البيهقي والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، ووافقه الذهبي. ٦١-قوله: (أوصاني) أي أمرني (بعشر كلمات) أي بعشرة أحكام من الأوامر والنواهي. (لا تشرك بالله شيئاً) أي بقلبك أو بلسانك أيضاً، فإنه أفضل عند الإكراه. (وإن قتلت وحرقت) من التحريق، وكلاهما بالبناء للمفعول، أي وإن عرضت للقتل والتحريق. شرط جيء به للمبالغة فلا يطلب جواباً. قال ابن حجر المكي الهيتمي: شرط للمبالغة باعتبار الأكمل من صبر المكره على الكفر على ما هدد به، وهذا فيمن لم يحصل بموته وهن الإسلام، وإلا كعالم وشجاع يحصل بموته ذلك فالأولى له أن يأتي بما أكره عليه ولا يصبر على ما هدد، ولو بنحو ضرب شديد أو أخذ مال له وقع كما أفاد ذلك قوله تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان﴾ الآية [١٦:١٠٦] . (ولا تعقن) بضم العين وفتح القاف المشددة وتشديد النون، أي لا تخالفنّهما أو أحدهما في ما لم يكن معصية. (من أهلك) أي امرأتك أو جاريتك أو عبدك بالطلاق أو البيع أو العتق أو غيرهما (ومالك) بالتصرف في مرضاتهما. قال ابن حجر: شرط للمبالغة باعتبار الأكمل أيضاً، أي لا تخالف وأحداً منهما وإن غلا في شيء أمرك به، وإن كان فراق زوجة أو هبة مال. أما باعتبار أصل الجواز فلا يلزمه طلاق زوجة أمره بفراقها وإن تأذيا ببقائها إيذاءً شديداً؛ لأنه قد يحصل له ضرر بها، فلا يكلفه لأجلها، إذ من شأن شفقتهما أنهما لو تحققا ذلك لم يأمراه به، فإلزامهما له به مع ذلك حمق منهما، ولا يلتفت إليه.

стр. 141

ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمداً، فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله، ولا تشربن خمراً، فإنه رأس كل فاحشة، وإياك والمعصية، فإن بالمعصية حل سخط الله، وإياك والفرار من الزحف وإن هلك الناس، وإذا أصاب الناس موت وأنت فيهم فاثبت، وأنفق على عيالك من طولك، ولا ترفع عنهم عصاك أدباً، وأخفهم في الله)) ، رواه أحمد. ــ وكذا إخراج ماله (متعمداً) احتراز من السهو والنسيان والضرورة (فقد برئت منه ذمة الله) بكسر الراء أي لا يبقى في أمن من الله في الدنيا والآخرة. قال ابن حجر: كناية عن سقوط احترامه؛ لأنه بذلك الترك عرض نفسه بالعقوبة بالحبس عند جماعة من العلماء، ولقتله حداً لا كفراً بشرط إخراجها عن وقتها الضروري، وأمره بها في الوقت عند أئمتنا الشافعية، ولقتله كفراً فلا يصلى عليه ولا يكفن بمقابر المسلمين عند أحمد وآخرين. (فإنه) أي شربها (رأس كل فاحشة) أي قبيحة؛ لأن المانع من الفواحش هو العقل، ولذا سمي عقلاً لأنه يعقل صاحبه عن القبائح، فيزاوله عن الإنسان يقع في كل فاحشة عرضت له، ولذا سميت أم الخبائث. وورد في رواية "الخمر جماع الإثم" كما سميت الصلاة أم العبادات؛ لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر. (وإياك والمعصية) تحذير وتعميم بعد تخصيص، وإيذان بأن المعاصي السابقة أعظمها ضرراً. (فإن بالمعصية حل سخط الله) أي نزل وثبت على فاعلها، واسم إن ضمير الشان المحذوف أي فإنه (وإياك والفرار من الزحف) تخصيص بعد تعميم (وإن هلك الناس) أي بالفرار أو القتل، وإن وصلية. قال ابن حجر: شرط للمبالغة باعتبار الأكمل أيضاً، وإلا فقد علم من قوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾ الآية [٨:٦٦] أن الكفار حيث زادوا على المثلين جاز الانصراف. (وإذا أصاب الناس موت) أي طاعون ووباء (وأنت فيهم) الجملة حالية (فاثبت) لقوله ﷺ : ((إذا وقع الطاعون ببلد وأنتم فيهم فلا تخرجوا منه، وإذا وقع ببلد ولستم فيه فلا تدخلوا إليه)) . ومحل الأمرين حيث لا ضرورة إلى الخروج أو الدخول، وإلا فلا إثم كما هو الظاهر. (على عيالك) بكسر العين أي من تجب عليك نفقته شرعاً (من طولك) بفتح أوله أي فضل مالك، وفي معناه الكسب بقدر الوسع والطاقة على طريق الاقتصاد. (ولا ترفع عنهم عصاك أدباً) مفعول له أي للتأديب لا للتعذيب. والمعنى إذا استحقوا الأدب بالضرب فلا تسامحهم. (وأخفهم في الله) أي أنذرهم في مخالفة أوامر الله بالنصيحة والتعليم، وبالحمل على مكارم الأخلاق. (رواه أحمد) (ج٥ ص٢٣٨) وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير. قال المنذري: وإسناد أحمد صحيح لو سلم من الانقطاع، فإن عبد الرحمن بن جبير بن نفير لم يسمع من معاذ - انتهى. وأخرجه الطبراني في الأوسط عنه قال: أتى رسول الله ﷺ رجل فقال: يارسول الله ﷺ علمنى عملاً إذا عملته دخلت الجنة. فقال رسول الله ﷺ : ((لا تشرك بالله وإن قتلت أو حرقت ... )) الحديث، وفيه عمر بن واقد، ضعفه البخاري وجماعة، وقال الثوري: كان صدوقاً. كذا في مجمع الزوائد.

стр. 142

٦٢- (١٤) وعن حذيفة قال: إنما النفاق كان على عهد رسول الله ﷺ ، فأما اليوم فإنما هو الكفر أو الإيمان، رواه البخاري. (٢) باب في الوسوسة ــ ٦٢- قوله: (وعن حذيفة) أي موقوفاً. وهو حذيفة بن اليمان بن حسيل - مصغراً -، ويقال: حسل بكسر فسكون -، ابن جابر العبسى أو عبد الله الكوفي، حليف بني عبد الأشهل من الأنصار، صحابي جليل من السابقين، أسلم هو وأبوه وأراد حضور بدر فأخذهما المشركون فاستحلفوهما فحلفا لهم أن لا يشهدا، فقال لهما النبي ﷺ : ((نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم)) . وشهدا أحداً، فقتل أباه اليمان يومئذٍ بعض المسلمين وهو يحسبه من المشركين، وشهد حذيفة الخندق وله بها ذكر حسن وما بعدها، وكان عمر يسأله عن المنافقين، وهو معروف في الصحابة بصاحب سِرِّ رسول الله ﷺ ، وأسَرَّ إليه بعض أسماء المنافقين، وكان عمر ينظر إليه عند موت من مات منهم، فإن لم يشهد جنازته حذيفة لم يشهدها عمر. وصح في مسلم عنه أن رسول الله ﷺ أعلمه بما كان وما يكون حتى تقوم الساعة (يعني من الفتن والحوادث) . ومناقبه كثيرة مشهورة استعمله عمر على المدائن فلم يزل بها حتى مات بعد قتل عثمان بأربعين يوماً سنة (٣٦) في أول خلافة علي. وكانت له فتوحات سنة (٢٢) في الدينور وماسبذان وهمدان والري وغيرها. له مائة حديث وأحاديث، اتفقا على اثني عشر، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بسبعة عشر. روي عنه جماعة من الصحابة والتابعين. (إنما النفاق كان على عهد رسول الله ﷺ ) أي حكم النفاق بعدم التعرض لأهله والستر عليهم كان على عهد رسول الله ﷺ لمصالح كانت مقتصرة على ذلك الزمان، منها أن المؤمنين إذا ستروا على المنافقين أحوالهم خفي على المخالفين حالهم، وحسبوا أنهم من جملة المسلمين فيجتنبوا عن مخاشنتهم لكثرتهم، بل أدى ذلك إلى أن يخافوا وتقل شوكتهم. ومنها أن الكفار إذا سمعوا مخاشنة المسلمين مع من يصحبهم كان ذلك سبباً لنفرتهم منه. ومنها أن من شاهد حسن خلقه ﵇ مع مخالفه رغب في صحبته ووافق معه سراً وعلانية ودخل في دين الله بوفور ونشاط. (فأما اليوم) أي بعد وفاة النبي ﷺ (فإنما هو) أي الأمر والحكم، يدل عليه سياق الكلام. أي الشأن الذي استقر عليه الشرح (الكفر أو الإيمان) والضمير المبهم يفسره ما بعده، وأو للتنويع، يعني فأما اليوم فلم تبق تلك المصالح، فنحن إن علمنا أنه كافر سراً أجرينا عليه أحكام الكافرين وقتلناه. قال الحافظ في الفتح: مراد حذيفة نفي اتفاق الحكم لا نفي الوقوع؛ لأن النفاق إظهار الإيمان وإخفاء الكفر، ووجود ذلك ممكن في كل عصر، وإنما اختلف الحكم لأن النبي ﷺ كان يتألفهم ويقبل ما أظهروه من الإسلام ولو ظهر منهم احتمال خلافه، وأما بعده فمن أظهر شيئاً فإنما يؤاخذ به ولا يترك لمصلحة التألف؛ لعدم الاحتياج إلى ذلك - انتهى. (رواه البخاري) في الفتن. (باب في الوسوسة) الوسوسة الصوت الخفي، ومنه: وسواس الحلي لأصواتها، وقيل: ما يظهر في القلب من الخواطر

стр. 143

﴿الفصل الأول﴾ ٦٣- (١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل به أو تتكلم، ــ إن كانت تدعو إلى الرذائل والمعاصي تسمى وسوسة، وإن كانت تدعو إلى الخصائل المرضية والطاعات تسمى إلهاما، ولا تكون الوسوسة إلا مع التردد والتزلزل من غير أن يطمئن إليه أو يستقر عنده ٦٣-قوله: (إن الله تجاوز) أي عفا (عن أمتي) أي امة الإجابة. وفي رواية "تجاوز لي عن أمتي" أي لم يؤاخذهم بذلك لأجلي. وفيه إشارة إلى عظم قدر الأمة المحمدية لأجل نبيها ﷺ ، فله المنة العظمى التي لا منتهى لها علينا. وفيه إشعار بإختصاصها بذلك، بل صرح بعضهم بأنه من خصائص هذه الأمة (ما وسوست به صدورها) الجملة في محل النصب على المفعولية، و"ما" موصول، و"وسوست" صلته، و"به" عائد إلى الموصول، و"صدورها" بالرفع فاعل وسوست، أي ما خطر في قلوبهم من الخواطر الردية. وروي بالنصب على الظرفية. وقيل على أنه مفعول به بناء على أن وسوست بمعنى حدثت، ووقع فيه التجريد بأن يجرد شخصاً من نفسه ويحدثها (مالم تعمل) أي ما دام لم يتعلق به العمل في العمليات بالجوارح (أو تتكلم) أي ما لم تتكلم به في القوليات باللسان على وفق ذلك. قال الطيبي: الوسوة ضرورية إختيارية، فالضرورية: ما يجري في الصدر من الخواطر ابتداء ولا يقدر الإنسان على دفعه، فهو معفو عنه عن جميع الأمم، قال تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [٢: ٢٨٦] والاختيارية: هي التي تجري في القلب وتستمر وهو يقصد أن يعمل به ويتلذذ منه، كما يجري في القلب حب امرأة ويدوم إليه ويقصد الوصول إليه، وما أشبه ذلك من المعاصي، فهذا النوع عفا الله عن هذه الأمة تشريفاً وتكريماً لنبينا ﷺ وأمته، وإليه ينظر قوله تعالى: ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا﴾ [٢: ٢٨٦] . وأما العقائد الفاسدة ومساوي الأخلاق وما ينضم إلى ذلك فإنها بمعزل عن الدخول في جملة ما وسوست به الصدور- انتهى. قال القاري: هو كلام حسن، ولذا قيده النبي ﷺ بقوله: "ما لم تعمل به أو تكلم" إشارة إلى أن وسوسة الأعمال والأقوال معفوة قبل ارتكابها. وأما الوسوسة التي لا تعلق لها بالعمل والكلام من الأخلاق والعقائد فهي ذنوب بالاستقرار - انتهى. وقال الحافظ في الفتح في شرح باب من هم بحسنة أو سيئة من الرقاق: قسم بعضهم ما يقع في النفس أقساماً، أضعفها أن يخطر له ثم يذهب في الحال، وهذا من الوسوسة، وهو معفو عنها، وهو دون التردد، وفوقه أن يتردد فيه فيهم به ثم ينفر عنه فيتركه ثم يهم به ثم يترك كذلك ولا يستمر على قصده، وهذا هو التردد، فيعفي عنه أيضاً. وفوقه أن يميل إليه ولا ينفر عنه لكن لا يصمم على فعله، وهذا هو الهم، فيعفي عنه أيضاً. وفوقه أن يميل إليه ولا ينفر منه بل يصمم على فعله، فهذا هو العزم، وهو منتهى الهم، وهو على قسمين: الأول أن يكون من أعمال القلوب صرفاً كالشك في الوحدانية أو النبوة، فهذا كفر، ويعاقب عليه جزماً، ودونه المعصية التي لا تصل إلى الكفر كمن يحب ما يبغضه الله، ويبغض

стр. 144

متفق عليه. ٦٤- (٢) وعنه قال: ((جاء ناس من أصحاب رسول الله ﷺ إلى النبي ﷺ فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ــ يحبه الله، فهذا يأثم به، ويلتحق بذلك الكبر والبغي ونحوهما. ولم يقع البحث والنزاع في هذا القسم. والقسم الثاني أن يكون من أعمال الجوارح كالزنا والسرقة. وهو الذي وقع النزاع فيه، فذهب طائفة إلى عدم المؤاخذة بذلك أصلاً، وذهب كثير من العلماء إلى المؤاخذة بالعزم المصمم. قلت: وهو الراجح المعمول عليه. قال الحافظ: واستدلوا بقوله: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ [٢: ٢٢٥] وحملوا حديث أبي هريرة هذا على الخطرات، ثم افترق هؤلاء فقالت طائفة: يعاقب عليه صاحبه في الدنيا خاصة بنحو الهم والغم. وقالت طائفة: بل يعاقب عليه يوم القيامة لكن بالعتاب لا بالعذاب - انتهى. كلام الحافظ ملخصاً. وقال الحفني ملخصاً لكلام السبكي الكبير في الحلبات: إن المراتب خمسة: هاجس وخاطر وحديث نفس وهم وعزم، فالشيء إذا وقع في القلب ابتداء ولم يحل في النفس سمي هاجساً، فإذا كان موفقاً ودفعه من أول الأمر لم يحتج إلى المراتب التي بعدها: فإذا جال أي تردد في نفسه بعد وقوعه ابتداء ولم يتحدث بفعل ولا عدمه سمى خاطراً، فإذا حدثته نفسه بأن يفعل أو لا يفعل على حد سواء من غير ترجيح لأحدهما على الآخر سمي حديث نفس، فهذه الثلاثة لا عقاب عليها إن كانت في الشر، ولا ثواب عليها إن كانت في الخير، فإذا فعل ذلك عوقب أو أثيب على الفعل لا على الهاجس والخاطر وحديث النفس، فإذا حدثته نفسه بالفعل وعدمه مع ترجيح الفعل لكن ليس ترجيحاً قوياً بل هو مرجوح كالوهم سمي هماً، فهذا يثاب عليه إن كان في الخير، ولا يعاقب عليه إن كان في الشر، فإذا قوي ترجح الفعل حتى صار جازماً مصمماً بحيث لا يقدر على الترك سمي عزماً، فهذا يثاب عليه إن كان في الخير، ويعاقب عليه إن كان في الشر. وقوله " ما لم تعمل به أو تكلم" ظاهره أنه إذا فعل ذلك عوقب على نفس حديث النفس بزيادة على عقاب الفعل، وليس مراداً، بل المراد أنه إذا حصل الفعل عوقب على نفس الفعل لا على ما قبله، فهو كالاستثناء المنقطع. وقال السبكي الكبير في شرح المنهاج وولده في منع الموانع ما حاصله: أن عدم المؤاخذة بحديث النفس والهم إنما هو بشرط عدم التكلم والعمل، حتى إذا عمل يؤاخذ بشيئين همه وعمله ولا يكون همه مغفوراً وحديث نفسه إلا إذا لم يتعقبه العمل، كما هو ظاهر الحديث. وارجع لمزيد البحث والتفصيل إلى الإحياء للغزالي. وفي الحديث من الفقه أن حديث النفس وما يوسوس به قلب الإنسان لا حكم له في شيء من الدين، فلا يقع الطلاق ولا يلزم الظهار ولا يكون قاذفاً ولا يحكم بالعتاق إذا حدث نفسه بالطلاق والظهار والقذف والعتاق ما لم يتكلم بذلك، ولا يؤمر بإعادة الصلاة إذا حدث نفسه فيها (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد وأصحاب السنن. ٦٤- قوله: (إنا نجد) واقع موقع الحال، أي سألوه مخبرين أنا نجد، أو قائلين على احتمال فتح الهمزة والكسرة.

стр. 145

ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. قال: أو قد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال: ذاك صريح الإيمان)) ، رواه مسلم. ٦٥- (٣) وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا، من خلق كذا، حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه ــ وقيل: على الفتح مفعول ثان لسألوه، ثم الكسر أوجه حتى يكون بياناً للمسئول عنه (ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به) أي نجد في قلوبنا أشياء قبيحة نحو من خلق الله؟ وكيف هو؟ ومن أي شيء هو؟ وما أشبه ذلك ما نتعاظم به؛ لعلمنا أنه لا يليق شيء منها أن نعتقده، ونعلم أنه قديم خالق الأشياء كلها ليس بمخلوق، فما حكم جريان هذه الأشياء في خواطرنا؟ وتعاظم تفاعل بمعنى المبالغ؛ لأن زيادة المبنى لزيادة المعنى، أي نستعظم غاية الاستعظام، وقوله "أحدنا" بالرفع ومعناه: يجد أحدنا التكلم به عظيماً لقبحه (أو قد وجدتموه) الهمزة للاستفهام، والواو للعطف على مقدر، أي أحصل ذلك وقد وجدتموه؟ والضمير لما يتعاظم أي ذلك الخاطر في أنفسكم تقريراً وتوكيداً، فالوجداًن بمعنى المصادقة، أو المعنى أحصلَ ذلك الخاطر القبيح وعلمتم أن ذلك مذموم غير مرضي؟ فالوجداًن بمعنى العلم (قال: ذاك) وفي بعض النسخ "ذلك"، وهو إشارة إلى مصدر يتعاظم (صريح الإيمان) أي خالصه. قال النووي: معناه استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان، فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه ومن النطق به فضلاً عن اعتقاده إنما يكون ممن استكمل الإيمان استكمالاً محققاً، وانتفت عنه الريبة والشكوك. وقيل: معناه أن الشيطان إنما يوسوس لمن أيس من إغوائه، فينكد عليه بالوسوسة لعجزه عن إغوائه، وأما الكافر فإنه يأتيه من حيث شاء، ولا يقتصر في حقه على الوسوسة بل يتلاعب به كيف أراد، فعلى هذا معنى الحديث: سبب الوسوسة محض الإيمان أو الوسوسة علامة محض الإيمان - انتهى. أي لأن اللص لا يدخل البيت الخالي. قال محدث الهند الشاه ولي الله الدهلوي في حجة الله البالغة (ج١: ص١٣٢) : اعلم أن تأثير وسوسة الشيطان يكون مختلفاً بحسب استعداد الموسوس إليه، فأعظم تأثيره الكفر والخروج من الملة، فإذا عصم الله من ذلك بقوة اليقين انقلب تأثيره في صورة أخرى، وهي المقاتلات وفساد تدبير المنزل والتحريش بين أهل البيت وأهل المدينة، ثم إذا عصم الله من ذلك أيضاً صار خاطراً يجيء ويذهب ولا يبعث النفس إلى عمل لضعف أثره، وهذا لا يضر، بل إذا اقترن باعتقاد قبح ذلك كان ذلك دليلاً على صراحة الإيمان، نعم أصحاب القوة القدسية لا يجدون شيئاً من ذلك، وهو قوله ﷺ : ((إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير)) انتهى (رواه مسلم) في الإيمان، وأخرجه أيضاً أبوداود، وفي الباب عن عائشة وأنس وابن عباس وابن مسعود، ذكر أحاديثهم الهيثمي في مجمع الزوائد في باب الوسوسة من كتاب الإيمان. ٦٥-قوله: (يأتي الشيطان أحدكم) أي يوسوس في صدره إبليس أو أحد أعوانه من شياطين الإنس والجن. (فيقول من خلق كذا) يعني السماء مثلاً (من خلق كذا) أي الأرض، وغرضه أن يوقعه في الغلط والكفر (فإذا بلغه)
следующие страницы →