ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمداً، فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله، ولا تشربن خمراً، فإنه رأس كل فاحشة، وإياك والمعصية، فإن بالمعصية حل سخط الله، وإياك والفرار من الزحف وإن هلك الناس، وإذا أصاب الناس موت وأنت فيهم فاثبت، وأنفق على عيالك من طولك، ولا ترفع عنهم عصاك أدباً، وأخفهم في الله)) ، رواه أحمد.
ــ
وكذا إخراج ماله (متعمداً) احتراز من السهو والنسيان والضرورة (فقد برئت منه ذمة الله) بكسر الراء أي لا يبقى في أمن من الله في الدنيا والآخرة. قال ابن حجر: كناية عن سقوط احترامه؛ لأنه بذلك الترك عرض نفسه بالعقوبة بالحبس عند جماعة من العلماء، ولقتله حداً لا كفراً بشرط إخراجها عن وقتها الضروري، وأمره بها في الوقت عند أئمتنا الشافعية، ولقتله كفراً فلا يصلى عليه ولا يكفن بمقابر المسلمين عند أحمد وآخرين. (فإنه) أي شربها (رأس كل فاحشة) أي قبيحة؛ لأن المانع من الفواحش هو العقل، ولذا سمي عقلاً لأنه يعقل صاحبه عن القبائح، فيزاوله عن الإنسان يقع في كل فاحشة عرضت له، ولذا سميت أم الخبائث. وورد في رواية "الخمر جماع الإثم" كما سميت الصلاة أم العبادات؛ لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر. (وإياك والمعصية) تحذير وتعميم بعد تخصيص، وإيذان بأن المعاصي السابقة أعظمها ضرراً. (فإن بالمعصية حل سخط الله) أي نزل وثبت على فاعلها، واسم إن ضمير الشان المحذوف أي فإنه (وإياك والفرار من الزحف) تخصيص بعد تعميم (وإن هلك الناس) أي بالفرار أو القتل، وإن وصلية. قال ابن حجر: شرط للمبالغة باعتبار الأكمل أيضاً، وإلا فقد علم من قوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾ الآية [٨:٦٦] أن الكفار حيث زادوا على المثلين جاز الانصراف. (وإذا أصاب الناس موت) أي طاعون ووباء (وأنت فيهم) الجملة حالية (فاثبت) لقوله ﷺ : ((إذا وقع الطاعون ببلد وأنتم فيهم فلا تخرجوا منه، وإذا وقع ببلد ولستم فيه فلا تدخلوا إليه)) . ومحل الأمرين حيث لا ضرورة إلى الخروج أو الدخول، وإلا فلا إثم كما هو الظاهر. (على عيالك) بكسر العين أي من تجب عليك نفقته شرعاً (من طولك) بفتح أوله أي فضل مالك، وفي معناه الكسب بقدر الوسع والطاقة على طريق الاقتصاد. (ولا ترفع عنهم عصاك أدباً) مفعول له أي للتأديب لا للتعذيب. والمعنى إذا استحقوا الأدب بالضرب فلا تسامحهم. (وأخفهم في الله) أي أنذرهم في مخالفة أوامر الله بالنصيحة والتعليم، وبالحمل على مكارم الأخلاق. (رواه أحمد) (ج٥ ص٢٣٨) وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير. قال المنذري: وإسناد أحمد صحيح لو سلم من الانقطاع، فإن عبد الرحمن بن جبير بن نفير لم يسمع من معاذ - انتهى. وأخرجه الطبراني في الأوسط عنه قال: أتى رسول الله ﷺ رجل فقال: يارسول الله ﷺ علمنى عملاً إذا عملته دخلت الجنة. فقال رسول الله ﷺ : ((لا تشرك بالله وإن قتلت أو حرقت ... )) الحديث، وفيه عمر بن واقد، ضعفه البخاري وجماعة، وقال الثوري: كان صدوقاً. كذا في مجمع الزوائد.
стр. 142
٦٢- (١٤) وعن حذيفة قال: إنما النفاق كان على عهد رسول الله ﷺ ، فأما اليوم فإنما هو الكفر أو الإيمان، رواه البخاري.
(٢) باب في الوسوسة
ــ
٦٢- قوله: (وعن حذيفة) أي موقوفاً. وهو حذيفة بن اليمان بن حسيل - مصغراً -، ويقال: حسل بكسر فسكون -، ابن جابر العبسى أو عبد الله الكوفي، حليف بني عبد الأشهل من الأنصار، صحابي جليل من السابقين، أسلم هو وأبوه وأراد حضور بدر فأخذهما المشركون فاستحلفوهما فحلفا لهم أن لا يشهدا، فقال لهما النبي ﷺ : ((نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم)) . وشهدا أحداً، فقتل أباه اليمان يومئذٍ بعض المسلمين وهو يحسبه من المشركين، وشهد حذيفة الخندق وله بها ذكر حسن وما بعدها، وكان عمر يسأله عن المنافقين، وهو معروف في الصحابة بصاحب سِرِّ رسول الله ﷺ ، وأسَرَّ إليه بعض أسماء المنافقين، وكان عمر ينظر إليه عند موت من مات منهم، فإن لم يشهد جنازته حذيفة لم يشهدها عمر. وصح في مسلم عنه أن رسول الله ﷺ أعلمه بما كان وما يكون حتى تقوم الساعة (يعني من الفتن والحوادث) . ومناقبه كثيرة مشهورة استعمله عمر على المدائن فلم يزل بها حتى مات بعد قتل عثمان بأربعين يوماً سنة (٣٦) في أول خلافة علي. وكانت له فتوحات سنة (٢٢) في الدينور وماسبذان وهمدان والري وغيرها. له مائة حديث وأحاديث، اتفقا على اثني عشر، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بسبعة عشر. روي عنه جماعة من الصحابة والتابعين. (إنما النفاق كان على عهد رسول الله ﷺ ) أي حكم النفاق بعدم التعرض لأهله والستر عليهم كان على عهد رسول الله ﷺ لمصالح كانت مقتصرة على ذلك الزمان، منها أن المؤمنين إذا ستروا على المنافقين أحوالهم خفي على المخالفين حالهم، وحسبوا أنهم من جملة المسلمين فيجتنبوا عن مخاشنتهم لكثرتهم، بل أدى ذلك إلى أن يخافوا وتقل شوكتهم. ومنها أن الكفار إذا سمعوا مخاشنة المسلمين مع من يصحبهم كان ذلك سبباً لنفرتهم منه. ومنها أن من شاهد حسن خلقه ﵇ مع مخالفه رغب في صحبته ووافق معه سراً وعلانية ودخل في دين الله بوفور ونشاط. (فأما اليوم) أي بعد وفاة النبي ﷺ (فإنما هو) أي الأمر والحكم، يدل عليه سياق الكلام. أي الشأن الذي استقر عليه الشرح (الكفر أو الإيمان) والضمير المبهم يفسره ما بعده، وأو للتنويع، يعني فأما اليوم فلم تبق تلك المصالح، فنحن إن علمنا أنه كافر سراً أجرينا عليه أحكام الكافرين وقتلناه. قال الحافظ في الفتح: مراد حذيفة نفي اتفاق الحكم لا نفي الوقوع؛ لأن النفاق إظهار الإيمان وإخفاء الكفر، ووجود ذلك ممكن في كل عصر، وإنما اختلف الحكم لأن النبي ﷺ كان يتألفهم ويقبل ما أظهروه من الإسلام ولو ظهر منهم احتمال خلافه، وأما بعده فمن أظهر شيئاً فإنما يؤاخذ به ولا يترك لمصلحة التألف؛ لعدم الاحتياج إلى ذلك - انتهى. (رواه البخاري) في الفتن.
(باب في الوسوسة) الوسوسة الصوت الخفي، ومنه: وسواس الحلي لأصواتها، وقيل: ما يظهر في القلب من الخواطر
стр. 143
﴿الفصل الأول﴾
٦٣- (١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل به أو تتكلم،
ــ
إن كانت تدعو إلى الرذائل والمعاصي تسمى وسوسة، وإن كانت تدعو إلى الخصائل المرضية والطاعات تسمى إلهاما، ولا تكون الوسوسة إلا مع التردد والتزلزل من غير أن يطمئن إليه أو يستقر عنده
٦٣-قوله: (إن الله تجاوز) أي عفا (عن أمتي) أي امة الإجابة. وفي رواية "تجاوز لي عن أمتي" أي لم يؤاخذهم بذلك لأجلي. وفيه إشارة إلى عظم قدر الأمة المحمدية لأجل نبيها ﷺ ، فله المنة العظمى التي لا منتهى لها علينا. وفيه إشعار بإختصاصها بذلك، بل صرح بعضهم بأنه من خصائص هذه الأمة (ما وسوست به صدورها) الجملة في محل النصب على المفعولية، و"ما" موصول، و"وسوست" صلته، و"به" عائد إلى الموصول، و"صدورها" بالرفع فاعل وسوست، أي ما خطر في قلوبهم من الخواطر الردية. وروي بالنصب على الظرفية. وقيل على أنه مفعول به بناء على أن وسوست بمعنى حدثت، ووقع فيه التجريد بأن يجرد شخصاً من نفسه ويحدثها (مالم تعمل) أي ما دام لم يتعلق به العمل في العمليات بالجوارح (أو تتكلم) أي ما لم تتكلم به في القوليات باللسان على وفق ذلك. قال الطيبي: الوسوة ضرورية إختيارية، فالضرورية: ما يجري في الصدر من الخواطر ابتداء ولا يقدر الإنسان على دفعه، فهو معفو عنه عن جميع الأمم، قال تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [٢: ٢٨٦] والاختيارية: هي التي تجري في القلب وتستمر وهو يقصد أن يعمل به ويتلذذ منه، كما يجري في القلب حب امرأة ويدوم إليه ويقصد الوصول إليه، وما أشبه ذلك من المعاصي، فهذا النوع عفا الله عن هذه الأمة تشريفاً وتكريماً لنبينا ﷺ وأمته، وإليه ينظر قوله تعالى: ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا﴾ [٢: ٢٨٦] . وأما العقائد الفاسدة ومساوي الأخلاق وما ينضم إلى ذلك فإنها بمعزل عن الدخول في جملة ما وسوست به الصدور- انتهى. قال القاري: هو كلام حسن، ولذا قيده النبي ﷺ بقوله: "ما لم تعمل به أو تكلم" إشارة إلى أن وسوسة الأعمال والأقوال معفوة قبل ارتكابها. وأما الوسوسة التي لا تعلق لها بالعمل والكلام من الأخلاق والعقائد فهي ذنوب بالاستقرار - انتهى. وقال الحافظ في الفتح في شرح باب من هم بحسنة أو سيئة من الرقاق: قسم بعضهم ما يقع في النفس أقساماً، أضعفها أن يخطر له ثم يذهب في الحال، وهذا من الوسوسة، وهو معفو عنها، وهو دون التردد، وفوقه أن يتردد فيه فيهم به ثم ينفر عنه فيتركه ثم يهم به ثم يترك كذلك ولا يستمر على قصده، وهذا هو التردد، فيعفي عنه أيضاً. وفوقه أن يميل إليه ولا ينفر عنه لكن لا يصمم على فعله، وهذا هو الهم، فيعفي عنه أيضاً. وفوقه أن يميل إليه ولا ينفر منه بل يصمم على فعله، فهذا هو العزم، وهو منتهى الهم، وهو على قسمين: الأول أن يكون من أعمال القلوب صرفاً كالشك في الوحدانية أو النبوة، فهذا كفر، ويعاقب عليه جزماً، ودونه المعصية التي لا تصل إلى الكفر كمن يحب ما يبغضه الله، ويبغض
стр. 144
متفق عليه.
٦٤- (٢) وعنه قال: ((جاء ناس من أصحاب رسول الله ﷺ إلى النبي ﷺ فسألوه: إنا نجد في أنفسنا
ــ
يحبه الله، فهذا يأثم به، ويلتحق بذلك الكبر والبغي ونحوهما. ولم يقع البحث والنزاع في هذا القسم. والقسم الثاني أن يكون من أعمال الجوارح كالزنا والسرقة. وهو الذي وقع النزاع فيه، فذهب طائفة إلى عدم المؤاخذة بذلك أصلاً، وذهب كثير من العلماء إلى المؤاخذة بالعزم المصمم. قلت: وهو الراجح المعمول عليه. قال الحافظ: واستدلوا بقوله: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ [٢: ٢٢٥] وحملوا حديث أبي هريرة هذا على الخطرات، ثم افترق هؤلاء فقالت طائفة: يعاقب عليه صاحبه في الدنيا خاصة بنحو الهم والغم. وقالت طائفة: بل يعاقب عليه يوم القيامة لكن بالعتاب لا بالعذاب - انتهى. كلام الحافظ ملخصاً. وقال الحفني ملخصاً لكلام السبكي الكبير في الحلبات: إن المراتب خمسة: هاجس وخاطر وحديث نفس وهم وعزم، فالشيء إذا وقع في القلب ابتداء ولم يحل في النفس سمي هاجساً، فإذا كان موفقاً ودفعه من أول الأمر لم يحتج إلى المراتب التي بعدها: فإذا جال أي تردد في نفسه بعد وقوعه ابتداء ولم يتحدث بفعل ولا عدمه سمى خاطراً، فإذا حدثته نفسه بأن يفعل أو لا يفعل على حد سواء من غير ترجيح لأحدهما على الآخر سمي حديث نفس، فهذه الثلاثة لا عقاب عليها إن كانت في الشر، ولا ثواب عليها إن كانت في الخير، فإذا فعل ذلك عوقب أو أثيب على الفعل لا على الهاجس والخاطر وحديث النفس، فإذا حدثته نفسه بالفعل وعدمه مع ترجيح الفعل لكن ليس ترجيحاً قوياً بل هو مرجوح كالوهم سمي هماً، فهذا يثاب عليه إن كان في الخير، ولا يعاقب عليه إن كان في الشر، فإذا قوي ترجح الفعل حتى صار جازماً مصمماً بحيث لا يقدر على الترك سمي عزماً، فهذا يثاب عليه إن كان في الخير، ويعاقب عليه إن كان في الشر. وقوله " ما لم تعمل به أو تكلم" ظاهره أنه إذا فعل ذلك عوقب على نفس حديث النفس بزيادة على عقاب الفعل، وليس مراداً، بل المراد أنه إذا حصل الفعل عوقب على نفس الفعل لا على ما قبله، فهو كالاستثناء المنقطع. وقال السبكي الكبير في شرح المنهاج وولده في منع الموانع ما حاصله: أن عدم المؤاخذة بحديث النفس والهم إنما هو بشرط عدم التكلم والعمل، حتى إذا عمل يؤاخذ بشيئين همه وعمله ولا يكون همه مغفوراً وحديث نفسه إلا إذا لم يتعقبه العمل، كما هو ظاهر الحديث. وارجع لمزيد البحث والتفصيل إلى الإحياء للغزالي. وفي الحديث من الفقه أن حديث النفس وما يوسوس به قلب الإنسان لا حكم له في شيء من الدين، فلا يقع الطلاق ولا يلزم الظهار ولا يكون قاذفاً ولا يحكم بالعتاق إذا حدث نفسه بالطلاق والظهار والقذف والعتاق ما لم يتكلم بذلك، ولا يؤمر بإعادة الصلاة إذا حدث نفسه فيها (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد وأصحاب السنن.
٦٤- قوله: (إنا نجد) واقع موقع الحال، أي سألوه مخبرين أنا نجد، أو قائلين على احتمال فتح الهمزة والكسرة.
стр. 145
ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. قال: أو قد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال: ذاك صريح الإيمان)) ،
رواه مسلم.
٦٥- (٣) وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا، من خلق كذا، حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه
ــ
وقيل: على الفتح مفعول ثان لسألوه، ثم الكسر أوجه حتى يكون بياناً للمسئول عنه (ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به) أي نجد في قلوبنا أشياء قبيحة نحو من خلق الله؟ وكيف هو؟ ومن أي شيء هو؟ وما أشبه ذلك ما نتعاظم به؛ لعلمنا أنه لا يليق شيء منها أن نعتقده، ونعلم أنه قديم خالق الأشياء كلها ليس بمخلوق، فما حكم جريان هذه الأشياء في خواطرنا؟ وتعاظم تفاعل بمعنى المبالغ؛ لأن زيادة المبنى لزيادة المعنى، أي نستعظم غاية الاستعظام، وقوله "أحدنا" بالرفع ومعناه: يجد أحدنا التكلم به عظيماً لقبحه (أو قد وجدتموه) الهمزة للاستفهام، والواو للعطف على مقدر، أي أحصل ذلك وقد وجدتموه؟ والضمير لما يتعاظم أي ذلك الخاطر في أنفسكم تقريراً وتوكيداً، فالوجداًن بمعنى المصادقة، أو المعنى أحصلَ ذلك الخاطر القبيح وعلمتم أن ذلك مذموم غير مرضي؟ فالوجداًن بمعنى العلم (قال: ذاك) وفي بعض النسخ "ذلك"، وهو إشارة إلى مصدر يتعاظم (صريح الإيمان) أي خالصه. قال النووي: معناه استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان، فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه ومن النطق به فضلاً عن اعتقاده إنما يكون ممن استكمل الإيمان استكمالاً محققاً، وانتفت عنه الريبة والشكوك. وقيل: معناه أن الشيطان إنما يوسوس لمن أيس من إغوائه، فينكد عليه بالوسوسة لعجزه عن إغوائه، وأما الكافر فإنه يأتيه من حيث شاء، ولا يقتصر في حقه على الوسوسة بل يتلاعب به كيف أراد، فعلى هذا معنى الحديث: سبب الوسوسة محض الإيمان أو الوسوسة علامة محض الإيمان - انتهى. أي لأن اللص لا يدخل البيت الخالي. قال محدث الهند الشاه ولي الله الدهلوي في حجة الله البالغة (ج١: ص١٣٢) : اعلم أن تأثير وسوسة الشيطان يكون مختلفاً بحسب استعداد الموسوس إليه، فأعظم تأثيره الكفر والخروج من الملة، فإذا عصم الله من ذلك بقوة اليقين انقلب تأثيره في صورة أخرى، وهي المقاتلات وفساد تدبير المنزل والتحريش بين أهل البيت وأهل المدينة، ثم إذا عصم الله من ذلك أيضاً صار خاطراً يجيء ويذهب ولا يبعث النفس إلى عمل لضعف أثره، وهذا لا يضر، بل إذا اقترن باعتقاد قبح ذلك كان ذلك دليلاً على صراحة الإيمان، نعم أصحاب القوة القدسية لا يجدون شيئاً من ذلك، وهو قوله ﷺ : ((إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير)) انتهى (رواه مسلم) في الإيمان، وأخرجه أيضاً أبوداود، وفي الباب عن عائشة وأنس وابن عباس وابن مسعود، ذكر أحاديثهم الهيثمي في مجمع الزوائد في باب الوسوسة من كتاب الإيمان.
٦٥-قوله: (يأتي الشيطان أحدكم) أي يوسوس في صدره إبليس أو أحد أعوانه من شياطين الإنس والجن. (فيقول من خلق كذا) يعني السماء مثلاً (من خلق كذا) أي الأرض، وغرضه أن يوقعه في الغلط والكفر (فإذا بلغه)
стр. 146
فليستعذ بالله ولينته)) متفق عليه.
٦٦- (٤) وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلق الله الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئاً
ــ
ضمير الفاعل لأحدكم، وضمير المفعول راجع إلى مصدر يقول، أي إذا بلغ أحدكم هذا القول، يعني من خلق ربك، أو التقدير: بلغ الشيطان هذا القول. (فليستعذ بالله) طرداً للشيطان الذي أوقعه في هذا الخاطر الذي لا أقبح منه، فيقول بلسانه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم﴾ [٧: ١٩٩] . (ولينته) بسكون اللام وتكسر، أي عن الاسترسال معه في ذلك، بل يلجأ إلى الله في دفعه، ويعلم أنه يريد إفساد دينه وعقله بهذه الوسوسة، فينبغي أن يجتهد في دفعها بالاشتغال بغيرها، ويبادر إلى قطعها بالإعراض عنها، فإنه تندفع الوسوسة عنه بذلك؛ لأن الأمر الطارئ بغير أصل يدفع بغير نظر في دليل، إذ لا أصل له ينظر فيه، قال الخطابي: لو أذن ﷺ في محاجته لكان الجواب سهلاً على كل موحد، ولكان الجواب مأخوذاً من فحوى كلامه، فإن أول كلامه يناقض آخره؛ لأن جميع المخلوقات من ملك وإنس وجن وحيوان وجماد داخل تحت اسم الخلق، ولو فتح هذا الباب الذي ذكره للزم منه أن يقال: ومن خلق ذلك الشيء؟ ويمتد القول في ذلك إلى ما لا يتناهى، والقول بما لا يتناهى فاسد، فسقط السؤال من أصله، وقال الطيبي: لينته، أي ليترك التفكر في هذا الخاطر، وليستعذ بالله من وسوسة الشيطان، فإن لم يزل التفكر بالاستعاذة فليقم وليشتغل بأمر آخر، وإنما أمره بالاستعاذة والاشتغال بأمر آخر، ولم يأمر بالتأمل والاحتجاج؛ لأن العلم باستغناء الله عزوجل عن الموجد أمر ضروري لا يقبل المناظرة له وعليه، ولأن الاسترسال في الفكر في ذلك لا يزيد المرء إلى حيرة، ومن هذا حاله فلا علاج له إلا الملجأ إلى الله تعالى والاعتصام به. (متفق عليه) أخرجه البخاري في بدء الخلق، ومسلم في الإيمان، وأخرجه أيضاً أبوداود في السنة، والنسائي في اليوم والليلة، وفي روايتهما من الزيادة ((فقولوا الله أحد، الله الصمد ... )) إلى آخر السورة، ثم يتفل عن يساره، كما سيأتي في الفصل الثاني.
٦٦- قوله: (لا يزال الناس يتساءلون) أي يسأل بعضهم بعضاً، والتساؤل جريان السؤال بين الاثنين فصاعداً، ويجوز أن يكون بين العبد والشيطان أو النفس أو إنسان آخر، أي يجري بينهما السؤال في كل نوع. (حتى) يبلغ السؤال إلى أن (يقال: هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله) قيل: لفظ هذا مع عطف بيانه المحذوف، وهو المقول مفعول، يقال: أقيم مقام الفاعل، وخلق الله تفسير لهذا أو بيان أو بدل، وقيل: مبتدأ حذف خبره، أي هذا القول أو قولك هذا خلق الله الخلق معلوم مشهور، فمن خلق الله؟ والجملة أقيمت مقام فاعل يقال (فمن وجد من ذلك شيئاً) إشارة إلى القول المذكور و"من ذلك" حال من "شيئاً" أي من صادف شيئاً من ذلك القول والسؤال أو وجد في خاطره شيئاً من جنس ذلك المقال
стр. 147
فيقل آمنت بالله ورسله)) ، متفق عليه.
٦٧- (٥) وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة. قالوا: وإياك يا رسول الله؟ وإياي، ولكن الله أعاني عليه فأسلم
ــ
(فليقل آمنت بالله ورسله) أي آمنت بالذي قال الله ورسله من وصفه تعالى بالتوحيد والقدم، وقوله سبحانه وإجماع الرسل هو الصدق والحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال. (متفق عليه) أي اتفق الشيخان على أصل الحديث، فإن السياق المذكور هنا إنما هو سياق مسلم، وسياق الحديث عند البخاري قد ذكره المصنف قبل ذلك، فكان الأولى بعد ذكر حديث أبي هريرة الذي فيه الأمر بالاستعاذة وعزوه للشيخين أن يعزو حديثه الثاني لمسلم فقط كما لا يخفى، وأخرجه أيضاً أبوداود في السنة، والنسائي في اليوم والليلة، وفي الباب عن خزيمة بن ثابت وعائشة وعبد الله بن عمر، وذكر أحاديثهم الهيثمي في مجمع الزوائد.
٦٧-قوله: (ما منكم من أحد) ما نافية، ومن زائدة لاستغراق النفي لجميع الأفراد، ومن في "منكم" تبعيضية، أي ما أحد منكم (إلا وقد وكل) على بناء المجهول من التوكيل بمعنى التسليط (قرينه من الجن) أي صاحبه منهم ليأمره بالشر، واسمه الوسواس (وقرينه من الملائكة) أي ليأمره بالخير واسمه الملهم. وليس هذا في المصابيح، وكذا ليس في رواية جرير عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أبيه عن ابن مسعود عند مسلم، ووقع في رواية سفيان عن منصور عن جرير عنده: وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة. فاختار صاحب المشكاة هذه الرواية الجامعة (قالوا: وإياك يا رسول الله؟) أي لك قرين من الجن؟ والقياس وأنت يا رسول الله بالضمير المرفوع المنفصل، وكذا في الجواب يعني. (قال: وإياي) أي ولي ذلك، والقياس أن يقول: وأنا، فأقام الضمير المنصوب مقام المرفوع المنفصل وهو سائغ شائع، ويحتمل أن يكون المعنى: وإياك نعني في هذا الخطاب. فقال: نعم وإياي؛ لأن الخطاب في منكم عام لا يخص المخاطبين من الصحابة، بل كل من يصح أن يخاطب به داخل فيه، كأنه قيل: ما منكم يا بني آدم من أحد. وهذا إن قلنا: إن المتكلم لا يدخل في عموم الخطاب. وقيل: عطف على محل الضمير المجرور المقدر، تقديره: قالوا: وقد وكل به وإياك. قال: وكل به وإياي، كذا في المرقاة (ولكن) بالتشديد ويخفف (أعانني عليه) أي بالعصمة أو بالخصوصية (فأسلم) برفع الميم على بناء المضارع من السلامة، وفتحها على بناء الماضي من الإسلام، وهما روايتان مشهورتان، فمن رفع قال معناه: أسلم أنا من شره وفتنته؛ لأن القرين من الجن إنما هو الشيطان، والشيطان هو المصر على العتو والتمرد والمطبوع على الكفر، فأنى يتصور منه الإسلام. ومن فتح قال: إن القرين أسلم وصار مؤمناً. واختلفوا في الأرجح منهما، فقال الخطابي: الصحيح
стр. 148
فلا يأمرني إلا بخير)) ، رواه مسلم.
٦٨- (٦) وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم،
ــ
المختار الرفع. ورجح القاضي عياض الفتح. قال النووي: هو المختار لقول النبي ﷺ (فلا يأمرني إلا بخير) وقال التوربشتي: إذا صحت رواية الفتح فلا عبرة بهذا التعليل، أي الذي ذكره أصحاب القول الأول فإن الله هو القادر على كل شيء، ولا يستبعد من فضله أن يخص نبيه ﷺ بأمثال هذه الكرامة وبما هو فوقها - انتهى. واختلفوا على رواية الفتح فقيل: أسلم بمعنى استسلم وذل وانقاد، وقد جاء هكذا في غير صحيح مسلم فاستسلم، وقيل: معناه صار مسلما مؤمنا. قال النووي: وهذا هو الظاهر. قال القاضي: إن الأمة مجتمعة على عصمة النبي ﷺ من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه. وفي هذا الحديث إشارة إلى التحذير من فتنة القرين ووسوسته وإغواءه، فأعلمنا بأنه معنا لنحترز منه بحسب الإمكان (رواه مسلم) في صفة القيامة قبل صفة الجنة، وأخرجه أيضاً أحمد، وفي الباب عن عائشة عند مسلم والنسائي.
٦٨-قوله: (إن الشيطان يجري) أي يسري (من الإنسان) أي فيه (مجرى الدم) أي في عروقه. وقال الطيبي: عدى " يجري" بمن على تضمين معنى التمكن، أي يتمكن من الإنسان في جريانه في عروقه مجرى الدم، فالمجرى يجوز أن يكون مصدراً ميمياً وأن يكون اسم مكان، وعلى الأول تشبيه شبه سريان كيد الشيطان وجريان وساوسه في الإنسان يجريان دمه في عروقه وجميع أعضائه، والمعنى أن الشيطان يتمكن من إغواء الإنسان وإضلاله تمكناً تاماً، ويتصرف فيه تصرفاً لا مزيد عليه، وعلى الثاني يجوز أن يكون حقيقة فإن الله تعالى قادر على أن يخلق أجساماً لطيفة تسري في بدن الإنسان سريان الدم، فإن الشيطان مخلوقه من نار السموم، والإنسان من صلصال من حمأ مسنون، والصلصال فيه نارية وبه يتمكن من الجريان في أعضائه، ويجوز أن يكون مجازا، أي إن كيد الشيطان ووساوسه تجري في الإنسان حيث يجري فيه الدم، فالشيطان إنما يستحوذ على النفوس، وينفث وساوسه في القلوب بواسطة النفس الأمارة بالسوء، ومركبها الدم ومنشأ قواها منه، فعلاجه سد المجاري بالجوع والصوم؛ لأنه يقمع الهوى والشهوات التي هي من أسلحة الشيطان، فالشبع مجلبة للآثام منقصة للإيمان - انتهى. وفي الحديث الاستعداد للتحفظ من مكائد الشيطان فإنه يجري من الإنسان مجرى الدم، ولا يفارقه كما لا يفارقه دمه، فيتأهب الإنسان للاحتراز من وساوسه وشره. وسبب الحديث أن النبي ﷺ أتته صفية وهو معتكف في المسجد، فلما رجعت انطلق معها، فمر به رجلان من الأنصار، فدعاهما فقال: إنما هي صفية، قالا سبحان الله، فذكره وأشار بذلك إلى أنه ينبغي التباعد من محل التهم، فما يفعله بعض من ادعى التصوف من مخالطة النساء والحدثان، ويقولون لا بأس علينا ولا يظن بنا أحد سوء من الجهل إذا كان رسول الله ﷺ أولى بذلك، وارجع لمزيد التفصيل إلى شرح البخاري للقسطلاني في شرح حديث صفية بنت حي في صفة إبليس من
стр. 149
متفق عليه.
٦٩- (٧) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان
ــ
بدء الخلق (متفق عليه) لم أجد حديث أنس هذا في صحيح البخاري، والظاهر أنه من إفراد مسلم، أخرجه في الاستيذان، يدل على ذلك قول الحافظ في شرح حديث صفية في باب: هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد من كتاب الصوم، نعم رواه مسلم من وجه آخر من حديث أنس الخ، ويدل عيه أيضاً أن الشيخ عبد الغني النابلسي عزاه في ذخائر المواريث (ج١:ص٦١) لمسلم فقط، ويدل عليه أيضاً أن المنذري سكت في مختصره عن عزو حديث أنس هذا إلى البخاري، وقال: أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة من حديث صفية بنت حي عن رسول الله ﷺ ، وقد تقدم في كتاب الصيام - انتهى. وحديث أنس هذا أخرجه أيضاً أحمد وأبوداود في السنة.
٦٩- قوله: (ما من بني آدم) أي ما من أولاده، والمراد هذا الجنس (مولود إلا يمسه الشيطان) رفع مولود على أنه فاعل الظرف لاعتماده على حرف النفي، والمستثنى منه أعم عام الوصف فالاستثناء مفرغ، يعني ما وجد من بني آدم مولود متصف بشيء من الأوصاف حال ولادته إلا بهذا الوصف أي مس الشيطان له، والمراد بالمس الحقيقي أي الحسي لقوله ﷺ في رواية للبخاري: ((كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه بإصبعيه حين يولد غير عيسى بن مريم، ذهب يطعن فطعن في الحجاب)) . قال القرطبي: هذا الطعن من الشيطان هو ابتداء التسليط، فحفظ الله مريم وابنها ببركة دعوة أمها. (فيستهل) أي يصيح (صارخاً) رافعاً صوته بالبكاء، وهو حال مؤكدة، أو مؤسسة أي مبالغة في رفعه، أو المراد بالاستهلال مجرد رفع الصوت وبالصراخ البكاء (من مس الشيطان) أي لأجله، يعني سبب صراخ الصبي أول ما يولد الألم من مس الشيطان إياه. قال الطيبي: وفي التصريح بالصراخ إشارة إلى أن المس عبارة عن الإصابة بما يؤذيه لا كما قالت المعتزلة من أن مس الشيطان تخييل، واستهلاله صارخاً من مسه تصوير لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول: هذا ممن أغويه - انتهى. قال الحافظ: قد طعن صاحب الكشاف أي الزمخشري في معنى هذا الحديث وتوقف في صحته، فقال: إن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها فإنهما كانا معصومين، وكذلك كل من كان في صفتهما لقوله تعالى: ﴿إلا عبادك منهم المخلصين﴾ [١٥:٤٠] قال واستهلال الصبي صارخاً من مس الشيطان تخييل لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه، ويقول هذا ممن أغويه. وأما صفة النخس كما يتوهمه أهل الحشو فلا، ولو ملك إبليس على الناس نخسهم لامتلأت الدنيا صراخاً - انتهى. وكلامه متعقب من وجوه، والذي يقتضيه لفظ الحديث لا إشكال في معناه، ولا مخالفة لما ثبت من عصمة الأنبياء، بل ظاهر الخير أن إبليس ممكن من مس كل مولود عند ولادته، لكن من كان من عباد الله المخلصين لم يضره ذلك المس أصلاً، واستثنى من المخلصين مريم
стр. 150
غير مريم وابنها)) ، متفق عليه.
٧٠- (٨) وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((صياح المولود حين يقع نزغة من الشيطان)) ، متفق عليه) .
ــ
وابنها فإنه ذهب يمس على عادته فحيل بينه وبين ذلك، فهذا وجه الاختصاص، ولا يلزم منه تسلطه على غيرهما من المخلصين. وأما قوله "لو ملك إبليس" ... الخ فلا يلزم من كونه جعل له ذلك عند ابتداء الوضع أن يستمر ذلك في حق كل أحد. قال الحافظ: والجواب عن إشكال الإغواء يعرف مما قدمنا أيضاً، وحاصله أن ذلك جعل علامة في الابتداء على من يتمكن من إغوائه - انتهى. وقال المولى سعد الدين: طعن أي الزمخشري أولاً في الحديث بمجرد أنه لم يوافق هواه، وإلا فأي امتناع من أن يمس الشيطان المولود حين يولد بحيث يصرخ كما ترى وتسمع، ولا يكون ذلك في جميع الأوقات حتى يلزم امتلاء الدنيا بالصراخ، ولا تلك المسة للإغواء، وكفى بصحة هذا الحديث رواية الثقات وتصحيح الشيخين له من غير قدح من غيرهما - انتهى. (غير مريم وابنها) حال من مفعول يمس، قاله ابن حجر. واستثناءهما لإجابة دعوة حنة: امرأة عمران، أم مريم العذراًء البتول حيث قالت: ﴿إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾ [٣: ٣٥] ، وتفرد عيسى وأمه بالعصمة عن المس لا يدل على فضلهما على نبينا ﷺ ، إذ له فضائل ومعجزات لم تكن لأحد من النبيين، ولا يلزم أن يكون في الفاضل جميع صفات المفضول، قاله الطيبي. وقال النووي: ظاهر الحديث اختصاص هذه الفضيلة بعيسى وأمه، وأشار القاضي عياض أن جميع الأنبياء يشاركون فيها، أي لعصمتهم من الشيطان، وإنما نص على مريم وعيسى فقط لدعوة حنة، وغيرهما من بقية الأنبياء ملحق بهما. وقال صاحب اللمعات: الظاهر أن نبينا ﷺ مستثنى من هذا العموم، وأنه يخبر عن أحوال عامة بني آدم سوى نفسه الكريمة، إذ شأنه أرفع وأعلى من أن يدخل في مثل هذا الحكم، إذا هو الطاهر المطهر من كل دنس، والمعصوم من آفات الشيطان وإفساده خصوصاً في أول خلقه وحين ولادته. وقد قيل: إن المتكلم لا يدخل في عموم ما يخبر به الناس - انتهى. (متفق عليه) أخرجه البخاري في صفة إبليس وجنوده من بدء الخلق، وفي الأنبياء، وفي تفسير آل عمران، ومسلم في الأنبياء واللفظ المذكور للبخاري في الأنبياء.
٧٠- قوله: (صياح المولود) أي سبب صيحته في بكاء (حين يقع) ، أي يسقط وينفصل عن أمه (نزعة من الشيطان) بفتح النون وسكون الزاي، أي إصابة ما يؤذيه أو نخسة وطعنة منه يريد بها إيذاءه وإفساد ما ولد عليه من الفطرة الإسلامية، فإن النزغ هو النخس بالعود والدخول في أمر لإفساده (متفق عليه) اختلفت النسخ المطبوعة في الهند في ذكر هذا اللفظ فلم يقع في بعضها، وكذا لم يقع في النسخة التي على حاشية المرقاة، وهو موجود في الأصل الذي أخذه القاري في شرحه. قال القاري: المذكور في الجامع الصغير أنه من إفراد البخاري - انتهى. يعني فقوله " متفق عليه" محل نظر. قلت: هذا الحديث من إفراد مسلم، رواه في الأنبياء ولم يروه البخاري في صحيحه، وعزاه
стр. 151
٧١- (٩) وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه يفتنون الناس، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئاً. قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته. قال فيدنيه منه ويقول: نعم أنت)) . قال الأعمش
ــ
السيوطي في الجامع الصغير لمسلم فقط، وهو الصواب.
٧١- قوله: (إن إبليس يضع عرشه) أي سرير ملكه (على الماء) وفي رواية على البحر، ومعناه أن مركزه البحر، ومنه يبعث سراياه في نواحي الأرض، فالصحيح حمله على ظاهره، ويكون من جملة تمرده وطغيانه وضع عرضه على الماء، يعني جعله الله تعالى قادراً عليه استدراجاً ليغتر بأن له عرشاً كعرش الرحمن كما في قوله تعالى: ﴿وكان عرشه على الماء﴾ [١١: ٧] ، ويغر بعض السالكين الجاهلين بالله أنه الرحمن كما وقع لبعض الصوفية على ما ذكر في النفحات الإنسية، ويؤيده قصة ابن صياد حيث قال لرسول الله ﷺ : ((أرى عرشاً على الماء. فقال له ﷺ : ترى عرش إبليس)) . وقيل عبر عن استيلائه على إغوائه الخلق وتسلطه على إضلالهم بهذه العبارة، كذا في المرقاة. (ثم يبعث) أي يرسل (سراياه) جمع سرية وهي قطعة من الجيش توجه نحو العدو لتنال منه، والمراد جنوده وأعوانه (يفتنون الناس) بفتح الياء وكسر التاء، أي يضلونهم أو يمتحنونهم بتزيين المعاصي إليهم حتى يقعوا فيها (فأدناهم) أي أقربهم (منه) أي من إبليس (منزلة) أي مرتبة (أعظمهم فتنة) أي أكبرهم إضلالاً (فعلت كذا وكذا) أي أمرت بشرب الخمر والسرقة مثلاً (فيقول ما صنعت شيئا) أي عظيماً أو معتداً به (ما تركته) أي فلاناً (حتى فرقت بينه وبين امرأته) أي وسوسته، وأوقعت البغض والعداوة بينه وبين زوجته حتى فارقها (فيدنيه منه) أي فيقرب إبليس ذلك المغوي من نفسه، من الإدنا (نعم أنت) بكسر النون وسكون العين المهملة أي نعم الولد أنت، على أنه فعل مدح وفاعله مضمر على خلاف القياس، يعني يمدح إبليس صنيعه ويشكر فعله لإعجابه بصنيعه وبلوغ الغاية التي أرادها. وقيل حرف إيجاب، وأنت مبتدأ وخبره محذوف، أي أنت صنعت شيئاً عظيماً. (قال الأعمش) وهو أحد رواة الحديث، اسمه سليمان بن مهران - بكسر الميم - الأسدي الكاهلي مولاهم أبو محمد الكوفي، أحد الأعلام الحفاظ والقراء. رأى أنس بن مالك. وقيل رآه رؤية بمكة يصلي خلف المقام. وروى عنه وعن عبد الله بن أبي أوفى ولم يسمع منهما. وذكر أبونعيم الأصفهاني: أن الأعمش رأى أنس بن مالك وابن أبي أوفى، وسمع منهما. والأول هو المشهور، وهو الصحيح. قال ابن المديني: له نحو ألف وثلثمائة حديث. قال ابن عيينة: كان أقرأ أصحابه وأحفظهم وأعلمهم، وكان يسمى المصحف لصدقه. قال الحافظ في التقريب في ترجمته: ثقة حافظ عارف بالقراءة ورع لكنه يدلس، من الخامسة، وهم الطبقة الصغرى من التابعين الذين
стр. 152
أراه قال: " فيلتزمه"، رواه مسلم.
٧٢- (١٠) وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الشيطان قد أيس من أن يعبده المصلون في جزية العرب
ــ
رأوا الواحد والاثنين من الصحابة، ولم يثبت لبعضهم السماع من الصحابة. مات سنة (٤٧) أو (٤٨) وكان مولده أول سنة (٦١) . (أراه) بضم أوله أي أظن أبا سفيان طلحة بن نافع الراوي عن جابر. وقيل: ضمير المفعول لجابر (قال فيلتزمه) أي فيعانقه ويضمه إلى نفسه من غاية حبه التفريق بين الزوجين، وذلك لأن النكاح عقد شرعي يستحل به الزوج، وهو يريد حل ما عقده الشرع، ليستبيح ما حرمه فيكثر الزنا وأولاد الزنا، فيفسدوا في الأرض، ويهتكوا حدود الشرع، ويتعدوا حدود الله تعالى، قاله الطيبي. والقصد بسياق الحديث التحذير من التسبب في الفراق بين الزوجين؛ لما فيه من توقع وقوع الزنا وانقطاع النسل. (رواه مسلم) في صفة القيامة، وأخرجه أيضاً أحمد، وفي الباب عن أبي موسى الأشعري وأبي ريحانة عند الطبراني في الكبير، وفي الأول عطاء بن السائب اختلط، وبقية رجاله ثقات، وفي الثاني يحيى بن طلحة اليربوعي ضعفه النسائي، وذكره ابن حبان في الثقات.
٧٢-قوله: (إن الشيطان) أي إبليس رئيس الشياطين (قد أيس) وفي رواية يئس (من أن يعبده المصلون) قيل: المراد بعبادة الشيطان عبادة الصنم؛ لأنه الآمر به والداعي إليه بدليل قوله: ﴿يا أبت لا تعبد الشيطان﴾ [١٩: ٤٤] إذ المراد الأصنام، والمراد بالمصلين المؤمنون كما في قوله ﵊: ((نهيتكم عن قتل المصلين)) . سموا بذلك لأنها أشهر الأعمال وأظهر الأفعال الدالة على الإيمان؛ ولأن الصلاة هي الفارقة بين الكفر والإيمان. (في جزيرة العرب) الجزيرة هي كل أرض حولها الماء، فعليه بمعنى مفعوله من جزر عنها الماء أي ذهب، وقد اكتنفت تلك الجزيرة البحار والأنهار، كبحر البصرة وعمان وعدن إلى بركة بني إسرائيل التي أهلك الله فرعون بها وبحر الشام والنيل، أضيفت إلى العرب لأنها مسكنهم، ونقل عن مالك أن جزيرة العرب مكة والمدينة واليمن. قيل إنما خص جزيرة العرب لأنها معدن العبادة ومهبط الوحي، قاله القاري. وفي القاموس: جزيرة العرب ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات وما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولاً ومن جدة إلى ريف العراق عرضاً - انتهى. وعلى هذا هي شبه الجزيرة لا الجزيرة، فتسميتها بالجزيرة مجاز، ومعنى الحديث أن الشيطان قد أيس من أن يعود أحد من المؤمنين إلى عبادة الصنم، ويرتد إلى شركه في جزيرة العرب، والمراد الإخبار بأنه تعالى حفظ هذا المكان عن وقوع عبادة الصنم فيه، ولا يرد على ذلك ارتداد أصحاب مسيلمة والعنسي وغيرهما ممن ارتد بعد النبي ﷺ في العرب؛ لأنهم لم يعبدوا الصنم. قال القاري: وفيه أن دعوة الشيطان عامة إلى أنواع الكفر غير مختص بعبادة الصنم، فالأولى أن يقال: إن المراد المصلين لا يجمعون بين الصلاة وعبادة الشيطان كما فعلته اليهود والنصارى - انتهى. وقال التوربشتي
стр. 153
ولكن في التحريش بينهم)) ، رواه مسلم.
﴿الفصل الثاني﴾
٧٣- (١١) عن ابن عباس أن النبي ﷺ جاءه رجل فقال: ((إني أحدث نفسي بالشيء لأن أكون حممة أحب إلي من أن أتكلم به. قال: الحمد لله الذي رد أمره إلى الوسوسة،
ــ
في الجواب: إن النبي ﷺ لم يخبر عنهم أنهم لا يفعلون ذلك، وإنما أخبر عن اليأس الذي استشعر بالشيطان عنهم أن يعودوا في طاعته لما رآى من كثرتهم وعزتهم واجتماعهم وقوتهم، لكنه وقع ذلك مع يأسه منه، فلا تضاد بين هذا الحديث وبين القضية التي ذكرت، يعني أن قصده ﷺ بسياق هذا الحديث هو الإخبار عن بلوغ أمر المسلمين ودولتهم حداً أيس الشيطان أن يقع الارتداد بعده، وليس غرضه ﵊ الإخبار من عدم وقوع الارتداد البتة. قال صاحب اللمعات: وفيه بُعد أيضاً لأن الظاهر من يأسه هو عدم الوقوع، فهو كناية عنه. قال: ويمكن أن يقال: إن معني الحديث: أن الشيطان أيس من أن يستبدل دين الإسلام، وينهدم أساس الدين، ويظهر الإشراك ويستمر، ويسير الأمر كما كان من قبل، ولا ينافيه ارتداد من ارتد بل لو عبد الأصنام أيضاً لم يضر في المقصود. (ولكن في التحريش) خبر لمبتدأ محذوف، أي هو في التحريش، أو ظرف لمقدر أي يسعى في التحريش (بينهم) أي في إغراء بعضهم على بعض، والتحريض بالشر بين الناس من قبل وخصومة، فهو لإيذائهم بالمرصاد. قيل: ولعله ﷺ أخبر عما جرى فيما بعده من التحريش الذي وقع بين أصحابه، أي لكن الشيطان غير آيس من إغراء المؤمنين الساكنين فيها وحملهم على الفتن، بل له مطمع في ذلك، وكان كما أخبر فكان معجزة له ﷺ . (رواه مسلم) في صفة القيامة، وأخرجه أيضاً أحمد، والترمذي في أبواب البر والصلة.
٧٣- قوله: (إني أحدث نفسي) أي أكلمها بالسر أي توسوسني (بالشيء) هو في قوة النكرة معنى وإن كان معرفة لفظاً؛ لأن "ال" فيه للجنس مثل قول الشاعر:
ولقد أمر على اللئيم يسبني
والجملة الاسمية بعده صفة له، وهي قوله: (لأن أكون حممة) بضم ففتح أي فحما (أحب إلي من أن أتكلم به) أي أحدث نفسي بشيء لكوني حممة أحب إلي من التكلم بذلك الشيء من غاية قبحه لتعلقه بالخوض في ذات الله تعالى، وما لا يليق به سبحانه من تجسيم وتشبيه وتعطيل ونحوها، واللام للقسم أو للابتداء (قال) ﷺ (الحمد لله) شكراً لما أنعم الله عليه وعلى أمته (الذي رد أمره إلى الوسوسة) قال القاري: الضمير فيه يحتمل أن يكون للشيطان وإن لم يجر له ذكر لدلالة السياق عليه، ويحتمل أن يكون للرجل، والأمر يحتمل أن يكون واحد الأوامر وأن يكون بمعنى الشأن، يعني كان
стр. 154
رواه أبو داود.
٧٤- (١٢) وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله
ــ
الشيطان يأمر الناس بالكفر قبل هذا، وأما الآن فلا سبيل له إليهم سوى الوسوسة، ولا بأس بها مع العلم بأنها قبيحة والتعوذ بالله منها، أو المعنى: الحمد لله الذي رد شأن هذا الرجل من الكفر إلى الوسوسة، وهي معفوة - انتهى. (رواه أبوداود) في الأدب، وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي وابن أبي شيبه، وصححه ابن حبان.
٧٤- قوله: (إن للشيطان) أي إبليس أو بعض جنده (لمة) أي قرباً أي وساوس، يوصلها إلى قلب العبد المكلف بحيث يقربه إلى المعاصي، واللمة بفتح اللام وشدة الميم من الإلمام ومعناه النزول والقرب والإصابة، والمراد بها ما يقع في القلب بواسطة الشيطان من خطرات الشر (بابن آدم) أي بهذا الجنس، فالمراد به الإنسان (وللملك لمة) المراد بها ما يقع في القلب من خطرات الخير، ولمة الشيطان تسمى وسوسة ولمة الملك إلهامًا (فأما لمة الشيطان) أي وسوسته (فإبعاد) أي منه (بالشر) كالكفر والفسق والظلم (وتكذيب بالحق) أي في حق الله أو حق الخلق، أو بالأمر الثابت كالتوحيد والنبوة والبعث والقيامة والجنة والنار. قال المناوي: كان القياس مقابلة الشر بالخير أو الحق بالباطل، لكنه أتى بما يدل على أن كل ما جر إلى الشر باطل أو إلى الخير حق، فأثبت كلا ضمنياً (فإيعاد بالخير) كالصلاة والصوم (وتصديق بالحق) ككتب الله ورسله، والإيعاد في اللمتين من باب الإفعال، والوعيد في الاشتقاق كالوعد، إلا أن الإيعاد اختص بالشر عرفاً، يقال: أوعد إذا وعد بالشر، إلا أنه استعمله في الخير للازدواج والأمر من عن الاشتباه بذكر الخير بعده. قال القاري: إن هذا التفصيل عند الإطلاق كما قال الشاعر:
وإني وإن أوعدته أو وعدته لملخف إيعادي ومنجز موعدي
وأما عند التقييد فالأولى أن يقال بالتجريد فيهما أو بأصل اللغة، واختيار الزيادة لاختيار المبالغة - انتهى. وقال الشاه ولي الله الدهلوي: الحاصل أن صورة تأثير الملائكة في نشأة الخواطر الأنس والرغبة في الخير، وتأثير الشياطين فيها الوحشة وقلق النفس والرغبة في الشر (فمن وجد) أي في نفسه أو أدرك وعرف (ذلك) أي لمة الملك على تأويل الإلمام أو المذكور (فليعلم أنه من الله) أي منة جسيمة ونعمة عظيمة واصلة إليه ونازلة عليه، إذ أمر الملك بأن يلهمه، أو فليعلم أنه مما يحبه الله ويرضاه (فليحمد الله) أي على هذه النعمة الجليلة حيث أهله لهداية الملك ودلالته على ذلك الخير (ومن وجد الأخرى) أي لمة الشيطان، ولم يصرح به كراهة لتوالي ذكره على اللسان، أو استهجاناًَ لذكره (فليتعوذ بالله
стр. 155
من الشيطان الرجيم ثم قرأ: ﴿الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء﴾ ، رواه الترمذي. وقال هذا حديث غريب.
ــ
من الشيطان الرجيم) وليخالفه، وفيه إيماء إلى أن الكل من الله، وإنما الشيطان عبد مسخر أعطي له التسليط على بعض أفراد الإنسان كما قال الله تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [١٥: ٤٢] ، وإنما لم يقل هنا فليعلم أنه من الله تأدباً معه، إذ لا يضاف إليه إلا الخير (ثم قرأ) أي النبي ﷺ استشهاداً: ﴿الشيطان يعدكم الفقر﴾ أي يخوفكم به ﴿ويأمركم بالفحشاء﴾ أي البخل والحرص وسائر المعاصي، والمعنى الشيطان يعدكم الفقر ليمنعكم عن الإنفاق في وجوه الخيرات، ويخوفكم الحاجة لكم أو لأولادكم في ثاني الحال سيما في كبر السن وكثرة العيال، ويأمركم بالفحشاء أي المعاصي، وهذا الوعد والأمر هما المرادان في الحديث (رواه الترمذي) في تفسير البقرة، وأخرجه أيضاً النسائي في التفسير، وابن حبان في صحيحه، وابن أبي حاتم، كلهم من طريق هناد بن السري عن أبي الأحوص عن عطاء بن السائب عن مرة الهمداني عن ابن مسعود. قال العزيزي: قال الشيخ: حديث صحيح (وقال هذا حديث غريب) وفي النسخ الموجودة للترمذي عندنا هذا حديث حسن غريب، وكذلك نقله الحافظ ابن كثير في تفسيره، والمناوي في الفيض عن الترمذي، فلعل نسخ السنن مختلفة، ويعني الترمذي بقوله غريب أنه تفرد أبو الأحوص سلام بن سليم برفعه في روايته عن عطاء بن السائب عن مرة الهمداني عن ابن مسعود، لكن قال الحافظ ابن كثير بعد نقل قول الترمذي: "لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث أبي الأحوص": كذا قال الترمذي وقد رواه أبوبكر بن مردويه في تفسيره عن محمد بن أحمد عن محمد بن عبد الله بن مسعود مرفوعاً نحوه، لكن رواه مسعر عن عطاء بن السائب عن أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة عن ابن مسعود فجعله من قوله - انتهى. قال الألباني: وسند الحديث عندي ضعيف؛ لأن فيه عطاء بن السائب وقد اختلط - انتهى. وتعريف الغرابة وتفصيل أنواعها بالنظر إلى السند والمتن مذكور في أصول الحديث. وقد استشكلوا اجتماع الغرابة والحسن بأن الترمذي اعتبر في الحسن تعدد الطرق كما صرح به في كتاب العلل، فكيف يكون غريبا؟ وأجيب بأن اعتبار تعدد الطرق في الحسن ليس على الإطلاق بل في قسم منه، وحيث حكم باجتماع الحسن والغرابة المراد قسم آخر. وقال بعضهم: أشار بذلك إلى اختلاف الطرق بأن جاء في بعض الطرق غريباً وفي بعضها حسناً. وقيل: حذف منه حرف أو فيشك الترمذي ويتردد في أنه غريب أو حسن لعدم معرفة جزماً. وقيل: المراد بالحسن ههنا ليس معناه الاصطلاحي بل اللغوي بمعنى ما يميل إليه الطبع، وهذا القول بعيد جداً، قاله الشيخ عبد الحق الدهلوي في مقدمة شرحه للمشكاة. وقال الحافظ في شرح النخبة: الجواب (أي عن هذا الإشكال) أن الترمذي لم يعرف الحسن مطلقاً، وإنما عرف بنوع خاص منه وقع في كتابه، وهو ما يقول فيه حسن من غير صفة أخرى، وذلك أنه يقول في بعض الأحاديث حسن وفي بعضها صحيح وفي بعضها غريب وفي بعضها حسن غريب وفي بعضها صحيح غريب وفي بعضها حسن صحيح غريب، وتعريفه إنما
стр. 156
٧٥- (١٣) وعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: ((لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله؟ فإذا قالوا ذلك فقولوا: الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، ثم ليتفل عن يساره ثلاثاً، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم)) ،
ــ
وقع على الأول فقط، وعبارته ترشد إلى ذلك حيث قال في آخر كتابه: وما قلنا في كتابنا حديث حسن إنما أردنا به حسن إسناده عندنا، إذ كل حديث يروي لا يكون رواية متهماً بكذب، ويروى من غير وجه نحو ذلك، ولا يكون شاذاً فهو عندنا حديث حسن. فعرف بهذا أنه إنما عرف الذي يقول فيه حسن فقط، أما ما يقول فيه حسن صحيح، أو حسن غريب، أو حسن صحيح غريب فلم يعرج على تعريف ما يقول فيه صحيح فقط أو غريب فقط، وكأنه ترك ذلك استغناء لشهرته عند أهل الفن، واقتصر على تعريف ما يقول في كتابه حسن فقط إما لغموضه، وإما لأنه اصطلاح جديد ولذلك قيده بقوله "عندنا"، ولم ينسبه إلى أهل الحديث كما فعل الخطابي - انتهى. وقال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية في فتوى له: الذين طعنوا على الترمذي لم يفهموا مراده في كثير مما قاله فإن أهل الحديث قد يقولون هذا الحديث غريب أي من هذا الوجه، وقد يصرحون بذلك فيقولون غريب من هذا الوجه فيكون الحديث عندهم صحيحاً معروفاً من طريق واحد، فإذا روي من طريق آخر كان غريباً من ذلك الوجه وإن كان المتن صحيحاً معروفاً، فالترمذي إذا قال: حسن غريب، قد يعني به أنه غريب من ذلك الطريق لكن المتن له شواهد صار بها من جملة الحسن - انتهى.
٧٥-قوله: (لا يزال الناس يتساءلون) أي لا ينقطعون عن سؤال بعضهم بعضًا في أشياء (حتى يقال هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله) تقدم الكلام فيه، وقيل: المراد بالتساؤل حكاية النفس وحديثها ووسوستها، وهذا هو الظاهر من التفل والاستعاذة، ويؤيد الأول قوله: (فإذا قالوا ذلك فقولوا الله أحد) يعني قولوا في رد هذه المقالة أو الوسوسة: الله تعالى ليس مخلوقاً بل هو أحد والأحد هو الذي لا ثاني له ولا مثل له في الذات والصفة. (الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) تقدم شرحه. قال الطيبي: الصفات الثلاث منبهة على أن الله تعالى لا يجوز أن يكون مخلوقاً، أما أحد فمعناه الذي لا ثاني له ولا مثل، فإذا جعل مخلوقاً لم يكن أحداً على الإطلاق؛ لأن خالقه أولى بالأحدية، والصمد هو السيد الذي يرجع الناس في أمورهم وحوائجهم إليه فيكون ذلك الخالق أولى منه، ولم يولد تصريح في النفي، ولم يلد ولم يكن له كفواً أحد يناديان بأنه إذا لم يكن له كفو وهو المساوي والولد الذي هو دونه في الإلهية فأحرى بأن لا يكون فوقه أحد - انتهى. (ثم ليتفل) بسكون اللام الأولى وتكسر وبضم الفاء وتكسر أي لييصق أحدكم أو هذا الرجل يعني الموسوس (عن يساره) كرامة لليمين، وقيل: اللمة الشيطانية عن يسار القلب والرحمانية عن يمينه. (ثلاثاً) أي ليلق البزاق من الفم ثلاث مرات، وهو عبارة عن كراهة الشيء والنفور عنه مراغمة للشيطان وتبعيداً له. (وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم) الاستعاذة طلب المعونة من الله تعالى في دفع الشيطان. وفي الحديث استجاب التعوذ من الشيطان
стр. 157
رواه أبو داود، وسنذكر حديث عمرو بن الأحوص في باب خطبة يوم النحر إن شاءالله تعالى.
﴿الفصل الثالث﴾
٧٦- (١٤) عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : ((لن يبرح الناس يتسألون حتى يقولوا
ــ
عند وسوسته مع التفل عن اليسار ثلاثاً (رواه أبو داود) في السنة، وأخرجه أيضاً النسائي في اليوم والليلة. قال المنذري: وفي سند الحديث سلمة بن الفضل قاضي الرى ولا يحتج به.
قوله (وسنذكر حديث عمرو بن الأحوص) أي المذكور هنا في المصابيح وهو ألا لا يجني جان إلا على نفسه، ألا لا يجني جان على ولد، ولا مولود على والده، ألا إن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلادكم هذه أبدا، ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم فسيرضى به.
٧٦-قوله: (لن يبرح الناس) بالموحدة والحاء المهملة أي لن يزاولوا ولن ينقطعوا (يتساءلون) أي متسائلين، يسأل بعضهم بعضا أو تحدثهم أنفسهم بالوسوسة، ويؤيد الأول رواية مسلم الآتية، ويجري بينهم السؤال في كل نوع (حتى يقولوا) أي حتى أن يقولوا (هذا الله خلق كل شيء) وفي أصل الحافظ والعيني والقسطلاني: "هذا الله خالق كل شيء"، قيل: إنه يحتمل أن يكون "هذا" مفعولاً، والمعنى حتى يقولوا هذا القول، ويكون "الله خلق كل شيء الخ" تفسيراً لهذا أو بدلاً أو بياناً، وأن يكون مبتدأ حذف خبره، أي هذا مسلم، وهو أن الله خلق كل شيء، وهو شيء، وكل شيء مخلوق، فمن خلقه؟ ويحتمل أن يكون ((هذا الله)) مبتدأ وخبراً، و ((خلق كل شيء)) استئناف أو حال، وقد مقدرة، والعامل معنى اسم الإشارة، ويحتمل أن يكون هذا مبتدأ والله عطف بيان، وخلق كل شيء خبره (فمن خلق الله) قاسوا القديم على الحادث فإنه يحتاج إلى محدث، ويتسلسل إلى أن ينتهي إلى خالق قديم واجب الوجود لذاته، وفي الحديث إشارة إلى ذم كثرة السؤال لأنها تفضي إلى المحذور كالسؤال المذكور فإنه لا ينشأ إلا عن جهل مفرط. (رواه البخاري) أي في الاعتصام من طريق شبابة عن ورقاء عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أنس، قال العيني: الحديث من إفراد البخاري من هذا الوجه (ولمسلم) أي في الإيمان من طريق محمد بن فضيل عن المختار بن فلفل عن أنس (قال) أي النبي ﷺ (قال الله عزوجل) فيكون من الأحاديث الربانية أي القدسية (إن أمتك) أي أمة الدعوة أو بعض أمة الإجابة بطريق الجهالة والوسوسة (لا يزالون يقولون) أي بعضهم لبعض أو في خواطرهم من غير اختيار، والأول هو الظاهر (ما كذا ما كذا) كناية عن كثرة السؤال، وقيل: وقال أي ما شأنه ومن خلقه (حتى يقولوا) أي حتى يتجاوزوا الحد
стр. 158
هذا الله خلق كل شيء، فمن خلق الله عزوجل؟)) رواه البخاري، ولمسلم قال: قال الله عزوجل: إن أمتك لا يزالون يقولون: ما كذا ما كذا حتى يقولوا هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله عزوجل؟)) .
٧٧- (١٥) وعن عثمان بن أبي العاص قال: قلت: ((يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وبين قرأتي يلبسها علي. فقال رسول الله ﷺ : ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل على يسارك ثلاثاً، ففعلت ذلك فأذهبه الله عني)) ، رواه مسلم.
٧٨- (١٦) وعن القاسم بن محمد أن رجلاً سأله فقال:
ــ
وينتهوا إلى أن يقولوا (هذا لله خلق الخلق فمن خلق الله عزوجل) والمقصود من الحديث إعلامه تعالى لنبيه ﷺ بما سيقع من أمته ليحذرهم منه.
٧٧- قوله: (وعن عثمان بن أبي العاص) هو أبوعبد الله عثمان بن أبي العاص الثقفي الطائفي نزيل البصرة الصحابي الشهير، أسلم في وفد ثقيف فاستعمله النبي ﷺ على الطائف وأقره أبوبكر ثم عمر، ثم استعمله عمر على عمان وبحرين سنة خمس عشرة، ثم سكن البصرة حتى مات بها في خلافة معاوية، قيل سنة (٥٥) وقيل سنة (٥١) ، وكان هو الذي منع ثقيفاً عن الردة خطبهم فقال: كنتم آخر الناس أسلاماً فلا تكونوا أولهم ارتدادا. له تسعة وعشرون حديثاً، انفرد له مسلم بثلاثة، روى عنه جماعة من التابعين (إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وبين قرأتي) أي نكدني فيها ومنعني لذتها والفراغ للخشوع فيها بالوساوس الذميمة والخطرات الرديئة (يلبسها علي) بالتشديد للمبالغة. قال القاري: وفي نسخه صحيحة ظاهرة بفتح أوله وكسر ثالثه أي يخلطها ويشككني فيها أي في كل واحدة من الصلاة والقراءة، والجملة بيان لقوله حال وما يتصل به (ذاك شيطان) أي الملبس أي خاص من الشياطين لا رئيسهم (يقال له خنزب) بخاء معجمة مكسورة ثم نون ساكنة ثم زاى مكسورة ومفتوحة كذا في النسخ المصححة، وهو من الأوزان الرباعية كزبرج ودرهم، ويقال أيضاً بفتح الخاء والزاى حكاه القاضي عياض، ونظيره جعفر، ويقال أيضاً: بضم الخاء وفتح الزاى حكاه ابن الأثير في النهاية وهو غريب، وهو في اللغة الجري على الفجور على ما يفهم من القاموس (واتفل) بضم الفاء وبكسر (على يسارك) أي عن يسارك، إشارة إلى كراهة الوسوسة والتنفر عنها (ثلاثاً) أي ثلاث مرات لزيادة المبالغة في التنفر والتباعد (ففعلت ذلك) أي ما ذكره من التعوذ والتفل (فأذهبه الله) أي الوسواس. وفي الحديث أن التفل في الصلاة للضرورة لا يفسدها. وفي الباب أحاديث أخرى (رواه مسلم) في الطب، وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده (ج٤:ص٢١٦) .
٧٨-قوله: (عن القاسم بن محمد) أي ابن أبي بكر الصديق التيمي أبي محمد المدني أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة من أكابر التابعين، وكان أفضل أهل زمانه. قال أيوب: ما رأيت أفضل منه. وقال يحيى بن سعيد:
стр. 159
إني أهم في صلاتي فيكثر ذلك علي. فقال له: أمض في صلاتك فإنه لن يذهب ذلك عنك حتى تنصرف وأنت تقول ما أتممت صلاتي)) ، رواه مالك.
ــ
ما أدركنا أحداً بالمدينة نفضله على القاسم بن محمد. روى عن جماعة من الصحابة منهم عائشة ومعاوية وأبوهريرة وابن عباس وابن عمر، وعنه خلق كثير. قال ابن المديني: له مائتا حديث. مات سنة ستة ومائة وقيل غير ذلك (إني أهم في صلاتي) بكسر الهاء وتخفيف الميم، يقال: وهمت في الشيء بالفتح أهم وهمًا إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره، ويقال: وهمت في الحساب أوهم وهمًا إذا غلطت فيه وسهوت (فيكثر) بالمثلثة معلومًا ومجهولاً من الكثرة أي يقع كثيراً، وروي "يكبر" بالموحدة المضمومة أي يعظم (ذلك) أي الوهم (على) بتشديد الياء (أمض في صلاتك) أي لا تلتفت إلى هذا الوهم ولا تعمل به ولا تقطع صلاتك (فإنه لن يذهب ذلك عنك) الضمير للشأن، والجملة تفسير له، وذلك إشارة للوهم المعنى به الوسوسة، والمعني لا يذهب عنك تلك الخطرات الشيطانية (حتى تنصرف) أي تفرغ من الصلاة وأنت تقول للوسواس أي الشيطان صدقت (ما أتممت صلاتي) لكن لا أقبل قولك ولا أتمها إرغاماً لك ونقضاً لما أردته مني، وهذا أصل عظيم لدفع الوساوس وقمع هواجس الشيطان في سائر الطاعات، بأن لا يلتفت إليها أصلاً، ومعنى الأثر أن من يكثر عليه السهو في صلاته ويغلب على ظنه أنه قد أتمها لكن الشيطان يوسوس له فيبني على ظنه. وقال الباجي: هذا القول من القاسم للذي يستنكحه الوهم والسهو أي يغلبه ولا ينفك عنه فلا يكاد يثبت له يقين - انتهى. (رواه مالك) في باب العمل في السهو من موطئه ففيه عن مالك أنه بلغه أن رجلاً سأل القاسم بن محمد فقال إني أهم ... الخ، فالأثر من بلاغات مالك. قال القاري عن سفيان: إذا قال مالك بلغني فهو إسناد قوي. وحكى ابن فرحون عن أبي داود أنه قال: مراسيل مالك أصح من مراسيل سعيد بن المسيب ومن مراسيل الحسن. ومالك أصح الناس مرسلاً. وصنف ابن عبد البر كتاباً في وصل ما في الموطأ من المرسل والمنقطع والمعضل، قال: وجميع ما فيه من قوله "بلغني" ومن قوله "عن الثقة عنده" مما لم يسنده أحد وستون حديثاً، كلها مسندة من غير طريق مالك إلا أربعة أحاديث ثم ذكرها. قال السيوطي في التدريب (٧٣) : قيل إن قول الراوي "بلغني" كقول مالك في الموطأ بلغني عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((للملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل إلا ما يطبق)) ، يسمى معضلاً عند أصحاب الحديث، نقله ابن الصلاح عن الحافظ أبي نصر السجزى. قال العراقي: وقد استشكل لجواز أن يكون الساقط وأحداً، فقد سمع مالك عن جماعة من أصحاب أبي هريرة كسعيد المقبري ونعيم المجمر ومحمد بن المنكدر. والجواب أن مالكاً وصله خارج الموطأ عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة، فعرفنا بذلك سقوط اثنين منه. قال السيوطي: بل ذكر النسائي في التمييز أن محمد بن عجلان لم يسمعه من أبيه، بل رواه عن بكير عن عجلان - انتهى.
стр. 160
(٣) باب الإيمان بالقدر
ــ
(باب الإيمان بالقدر) هذا نوع تخصيص بعد تعميم، أو ذكر جزئي بعد الكلي اهتماماً لما وقع فيه من الاختلاف الناشئ عن التحير في هذا الأمر. والقدر بفتحتين وهو المشهور، وقد تسكن داله. قال الراغب: القدر بوضعه يدل على القدرة وعلى المقدور الكائن بالعلم يتضمن الإرادة عقلاً والقول نقلاً، وحاصله وجود شيء في وقت وعلى حال يوفق العلم والإرادة والقول. وقدر الله الشيء بالتشديد قضاه، ويجوز بالتخفيف. وقال الجزري: القدر ما قضاه الله وحكم به من الأمور. وقال في القاموس: القدر محركة القضاء والحكم - انتهى. وهذا يدل على أن القدر والقضاء بمعنى واحد، وقد يفرق بينهما فقيل: القضاء الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل، والقدر الحكم بوقوع الجزئيات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل فيما لا يزال. قال تعالى: ﴿وإن من شيء إلا عندنا خزائنه، وما ننزل إلا بقدر معلوم﴾ [١٥: ٢١] وقيل: القضاء الإرادة الأزلية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص، والقدر تعلق تلك الإرادة بالأشياء في أوقاتها، وعلى هذا يكون القضاء سابقاً على القدر، قال تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء وثبت، وعنده أم الكتاب﴾ [١٣: ٣٩] ، فالمحو والإثبات عبارة عن القدر، وفي قوله تعالى: ﴿وعنده أم الكتاب﴾ إشارة إلى القضاء، وأرجع لتوضيح الآية إلى حاشية الجلالين للشيخ سليمان الجمل، فإنه أطال الكلام فيها وأجاد. وقال بعضهم: القدر هو التقدير، والقضاء هو الخلق بوفق التقدير نحو: ﴿فقضاهن سبع سموات﴾ أي خلقهن، فيكون القدر سابقا على القضاء وعلى هذا المعنى جف القلم بما هو كائن عبارة عن التقدير. وفي قوله تعالى: ﴿كل يوم هو في شأن﴾ [٥٥: ٢٩] إشارة إلى القضاء. وقيل: القضاء أخص من القدر لأنه الفصل من التقدير، والقدر هو التقدير والقضاء هو الفصل والقطع. وذكر بعضهم أن القدر بمنزلة المعد للكيل، والقضاء بمنزلة الكيل. وفي قول عمر لأبي عبيدة: "أفر من قضاء الله إلى قدر الله" تنبيه على أن القدر ما لم يكن قضاء فمرجو أن يدفعه الله، فإذا قضى فلا مدفع له، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وكان أمرا مقضياً﴾ [١٩: ٢١] ، ﴿وكان على ربك حتما مقضياً﴾ [١٩: ٧١] تنبيهاً على أنه صار بحيث لا يمكن تلافيه. وقال الغزالي في المقصد الأسنى في شرح الأسماء الحسنى: ههنا ثلاثة أشياء، الحكم والقضاء والقدر. ثم بين الفرق بينها بالتفصيل فارجع إليه. والإيمان بالقدر هو أن يعتقد أن كل ما يوجد في العالم من الخير والشر والضر والنفع حتى إن أفعال العباد من الإيمان والكفر والطاعة والعصيان والغواية والرشد بقضاء الله وقدره وإرادته ومشيئته وخلقه وتأثيره، غير أنه يرضى الإيمان والطاعة ووعد عليهما الثواب، ولا يرضى الكفر والمعصية وأوعد عليهما العقاب. قال أهل السنة: إن الله تعالى قدر الأشياء أي علم مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في عمله، فلا محدث في العالم العلوي والسفلي إلا وهو صادر عن علمه وقدرته وإرادته دون خلقه، وإن الخلق ليس لهم فيها إلا نوع اكتساب ومحاولة ونسبة وإضافة وإن ذلك كله إنما حصل لهم بتيسير الله وبقدرة الله وإلهامه
стр. 161
﴿الفصل الأول﴾
٧٩- (١) عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : ((كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال وكان عرشه على الماء)) ، رواه مسلم.
٨٠- (٢) وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((كل شيء بقدر حتى العجز والكيس،
ــ
لا إله إلا هو ولا خالق غيره كما نص عليه القرآن والسنة، وقال ابن السمعاني: سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة دون محض القياس والعقل، فمن عدل عن التوقيف فيه ضل وتاه في بحار الحيرة، ولم يبلغ شفاء ولا ما يطمئن به القلب؛ لأن القدر سر من أسرار الله، اختص العليم الخبير به، وضرب دونه الأستار، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من الحكمة، فلم يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب. قيل: إن القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة، ولا ينكشف قبل دخولها، وارجع إلى كتاب الأسماء والصفات للبيهقي، وخلق أفعال العباد للإمام البخاري، ومدارج السالكين للإمام ابن القيم، وشرح الإحياء للعلامة الزبيدي، والجزء السادس من طبقات الشافعية الكبرى للعلامة السبكي، وحجة الله للشيخ ولي الله الدهلوى وغيرها من الكتب الكلامية.
٧٩-قوله: (كتب الله مقادير الخلائق) جمع مقدار، وهو الشيء الذي يعرف به قدر الشيء وكميته كالمكيال والميزان، وقد يستعمل بمعنى القدر نفسه، وهو الكمية والكيفية أي أمر الله القلم أن يثبت في اللوح المحفوظ ما سيوجد من الخلائق ذاتاً وصفة وفعلاً وخيراً وشراً على ما تعلقت به إرادته الأزلية. قال النووي: قال العلماء المراد تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو غيره لا أصل التقدير فإن ذلك أزلي لا أول له – انتهى. (قال) أي النبي ﷺ (وعرشه على الماء) وفي بعض النسخ وكان عرشه على الماء، أي بزيادة لفظ "كان" وكذا في المصابيح، ووقع في صحيح مسلم وعرشه على الماء بغير لفظ كان، وذكر الحافظ حديث عبد الله هذا نقلاً عن مسلم بلفظ: "وكان عرشه على الماء" فليحرر، والمعنى كان عرشه قبل أن يخلق السموات والأرض على وجه الماء، وفيه إشارة إلى أن الماء والعرش كانا مبدأ هذا العالم، لكونهما خلقا قبل خلق السماوات والأرض، وقد روى أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي رزين العقيلي مرفوعاً: أن الماء خلق قبل العرش. وروى السدى في تفسيره بأسانيد متعددة: أن الله لم يخلق شيئاً مما خلق قبل الماء. وأما حديث: أول ما خلق الله القلم. فسيأتي الكلام عليه في الفصل الثاني من هذا الباب (رواه مسلم) وأخرج أحمد والترمذي أول الحديث أي بدون قوله: وعرشه على الماء.
٨٠-قوله: (كل شيء بقدر) بفتح الدال أي كل شيء لا يقع في الوجود إلا وقد سبق به علم الله ومشيئته وتقديره (حتى العجز والكيس) بفتح الكاف روي برفعهما عطفا على "كل" أو على أنه مبتدأ حذف خبره أي حتى العجز
стр. 162
رواه مسلم.
٨١- (٣) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((احتج آدم وموسى عند ربهما فحج آدم موسى، قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه،
ــ
والكيس كذلك أي كائنان بتقدير الله تعالى، وبجرهما عطفاً على "شيء". قيل: والأوجه أن يكون حتى هنا جارة بمعنى إلى؛ لأن معنى الحديث يقتضي الغاية لأنه أراد بذلك أن اكتساب العباد وأفعالهم وإن كانت معلومة لهم ومرادة منهم فلا تقع مع ذلك منهم إلا بمشيئة الله تعالى، فكلها بتقدير خالقهم حتى الكيس الذي يتوسل صاحبه به إلى البغية، والعجز الذي يتأخر به عنها. قال عياض: يحتمل أن العجز ههنا على ظاهره، وهو عدم القدرة. وقيل: هو ترك ما يجب فعله والتسويف به وتأخيره عن وقته. قال: ويحتمل العجز عن الطاعات، ويحتمل العموم في أمور الدنيا والآخرة. والكيس ضد العجز وهو النشاط والحذق بالأمور، ومعناه أن العاجز قد قدرة عجزه، والكيس قد قدر كيسه - انتهى. وفي الحديث إثبات للقدر، وأنه عام في كل شيء، وأن جميع ذلك مقدر في الأزل، معلوم لله تعالى مراد له. (رواه مسلم) في القدر، وأخرجه أيضاً مالك وأحمد (ج٢: ص١١٠) والبخاري في خلق أفعال العباد.
٨١-قوله: (احتج آدم وموسى) أي تحاجا وتناظرا (عند ربهما) هذه العندية عندية اختصاص وتشريف، لا عندية مكان فيحتمل وقوع ذلك في كل من الدارين الدنيا والآخرة، فقد اختلف في وقت هذه المحاجة، فقيل: وقعت في زمان موسى فأحي الله له آدم معجزة له فكلمه، أو كشف له عن قبره فتحدثا أو أراه الله روحه كما أرى النبي ﷺ ليلة المعراج أرواح الأنبياء أو أراه الله له في المنام ورؤياء الأنبياء وحي. وقيل كانت تلك المحاجة بعد وفاة موسى فالتقيا في البرزخ أو ما مات موسى فالتقت أرواحهما في السماء، وبذلك جزم ابن عبد البر والقابسي (فحج آدم موسى) أي غلب عليه بالحجة بأن ألزمه أن جملة ما صدر عنه لم يكن هو مستقلاً بها متمكناً من تركها بل كان أمرا مقضياً، وما كان كذلك لا يحسن اللوم عليه عقلاً، وأما اللوم شرعاً فكان منتفياً بالضرورة، إذ ما شرع لموسى أن يلوم آدم في تلك الحال، وأيضاً هو في عالم البرزخ وهو غير عالم التكليف ولا يتوجه فيه اللوم شرعاً، وأيضاً لا لوم على تائب معفو عنه (قال موسى) الخ جملة مبنية لمعنى فحج آدم وموسى ومفسره للجملة، وقوله في آخر الحديث "فحج آدم موسى" فذلك للتفصيل تقريراً وتثبيتاً للأنفس على توطين هذا الاعتقاد، ويحتمل أن يقال: أن قوله "فحج" أولاً تحرير للدعوى، وثانياً إثبات لها، فالفاء في الأولى للعطف، وفي الثاني للنتيجة، وهما متغايران في المعنى (أنت آدم) استفهام تقرير (خلقك الله بيده) هي محمولة على ظاهرها فنؤمن بها من غير تكييف وتشبيه وتعطيل ولا تتعرض لتأويلها مع اعتقاد أن الجارحة غير مرادة (ونفخ فيك) خصه بالذكر إكراماً وتشريفاً له، وأنه خلق إبداعاً من غير واسطة أب وأم (من روحه) من زائدة على رأي، والنفخ بمعنى الخلق، والإضافة للتشريف أي خلق فيك الروح أو نفخ فيك من الروح الذي هو مخلوق
стр. 163
وأسجد لك ملائكته وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض. قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالة وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نجياً، فبكم وجدت الله
ــ
ولا يد فيه لأحد (وأسجد لك ملائكته) أي أمرهم أن يسجدوا لك، والسجود في الأصل التذلل والتواضع مع التطامن، وفي الشرع وضع الجبهة وغيرها من أعضاء السجود على الأرض على قصد العبادة، والمراد هنا المعنى الشرعي، والدليل عليه ما رواه أحمد ومسلم مرفوعاً من حديث أبي هريرة: إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي ويقول يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار. قيل: كانت هذه السجدة لآدم تحية وسلاماً وإكراماً واحتراماً وإ عظاماً، وهي طاعة لله عزوجل لأنها امتثال لأمره، وقد كان هذا مشروعاً في الأمم الماضية، ولكنه نسخ في ملتنا. وقد قواه الرازي في تفسيره ورجحه وضعف ما عداه. وقيل: إن المسجود له في الحقيقة هو الله تعالى وجعل آدم قبلة تفخيماً لشأنه، واللام في لك حينئذ بمعنى إلى. وقيل: المراد به المعنى اللغوي أي التواضع والتذلل لآدم تحية وتعظيماً كسجود إخوة يوسف. قال البغوي: هذا القول أصح، قال ولم يكن فيه وضع الوجه على الأرض، إنما كان انحناء، فلما جاء الإسلام أبطل ذلك بالسلام – انتهى. (في جتنه) الخاصة به، والمراد بها جنة الخلد التي هي دار الجزاء في الآخرة، وهي وجودة من قبل آدم، هذا هو الحق (أهبطت الناس) أي كنت سبباً لإهباط الناس وإنزالهم، فإنهم وإن لم يكونوا موجودين لكنهم كانوا على شرف الوجود، فكأنه جعلهم مهبطين منها (بخطيئتك) أي التي صدرت عنك غير لائقة بعلو مقامك، وهي أكله من الشجرة وإن كان نسياناً أو خطأ في الاجتهاد؛ لأن الكمل يعاتبون ويؤاخذون بما لا يؤاخذ به غيرهم، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين، وليس فيه ما يخل بالأدب مع الأب لأنه يغتفر في بعض الأحوال ما لا يغتفر في بعض، كحالة الغضب والأسف والاحتجاج والمناظرة، وخصوصاً ممن طبع على حدة الخلق وشدة الغضب، ولذلك لك لم يجترئ على هذا السؤال والاحتجاج من أولاد آدم غير موسى فإنه كان في طبعه شدة وحدة، وهذا من اختلاف الطبائع والأحوال (اصطفاك) أي اختارك (برسالته) بالإفراد لإرادة الجنس، وفي بعض النسخ برسالاته بالجمع لإرادته الأنواع، وليس فيه ما ينفي رسالة آدم لأن كلاً ذكر ما هو الأشرف من صفات صاحبه، وتخصيص الشيء بالذكر لا ينفي ما عداه (وبكلامه) اختص بذلك لأنه لم يسمع كلام الله من غير واسطة أحد في الأرض غيره (وأعطاك الألواح) أي ألواح التوراة (فيها تبيان كل شيء) أي بيان كل شيء مما يحتاج إليه في أمر الدين، وهذا مستمد من قوله: ﴿وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء﴾ [٧: ١٤٥] ، (وقربك نجياً) النجي المناجي، يستوي فيه الواحد والجمع، وهو حال من الفاعل أو المفعول أي وكلمك الله من غير واسطة ملك، أو المعنى وخصك بالنجوى (فبكم) مميزة محذوف أي فبكم زماناً (وجدت الله) أي علمته
стр. 164
كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عاماً. قال آدم: فهل وجدت فيها ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ ؟ قال نعم. قال: أفتلومني على أن عملت عملاً كتبه الله على أن أعمله
ــ
(كتب التوراة) أي أمر بكتب التوراة في الألواح (قبل أن أخلق) بصيغة المجهول (وعصى آدم ربه) أي فعل خلاف ما أمر به ربه (فغوى) أي فخرج بالعصيان من أن يكون راشداً في فعله، والغي ضد الرشد، ويطلق على مجرد الخطأ أيضاً أي أخطأ صواب ما أمر به، وليس المراد أن لفظه بهذا التركيب بل معناه بالعبرية (أفتلومني) أي تجد هذا في التوراة فتلومني (كتبه الله علي) أي في الألواح (أن أعمله) بدل من ضمير كتبه المنصوب. قال التوربشتي: ليس معناه أنه ألزمه إياي وأوجبه علي فلم يكن لي في تناول الشجرة كسب واختيار، وإنما المعنى أن الله حكم قبل كوني بأنه كائن لا محالة، فهل يمكن أن يصدر عني خلاف علم الله، فكيف تغفل عن العلم السابق وتذكر الكسب الذي هو السبب وتنسى الأصل الذي هو القدر وأنت من المصطفين الذين يشاهدون سر الله؟ ولا يجوز للعاصي أن يعتذر بمثل هذا وبتمسك بالتقدير لأنه باق في دار التكليف وعالم الأسباب الذي لا يجوز فيه قطع النظر وصرفه عن الوسائط والأسباب، جار عليه أحكام المكلفين من العقوبة واللوم والتوبيخ وغيرها، وفي لومه وعقوبته زجر له ولغيره عن مثل هذا الفعل، وأما آدم فهو خارج عن هذا العالم المشهود وعن الحاجة إلى الزجر، فلم يبق في لومه سوى الإيذاء والتخجيل، ولأن الاحتجاج بالتقدير يكون على طريقين" الأول للاجتراء على المعاصي ودفع العار عن نفسه والتشجيع على الفواحش، ولا شك أنه وقاحة، والدليل لعدم استحياء العاصي من ربه ﵎، وذلك لا يجوز عقلاً ولا شرعاً. والثاني ما يكون لتسلية النفس ودفع اضطرابها وقلقها الحاصل بسبب ارتكاب الخطيئة، ولا قبح فيه شرعاً ولا عقلاً، فلا بأس به، فمن أذنب وظلم على نفسه فاضطربت نفسه وانزعجت، فجعل يكشف همه ويزيل حزنه بتذكر القدر، فهذا التمسك بالقدر ليس لعدم المبالاة بالمعاصي، بل لتسلية النفس. واحتجاج آدم بالقدر كان من القسم الثاني. وتمسك العصاة بالقدر يكون من القسم الأول غالباً. قال الإمام ابن القيم في مدارج السالكين (ج١:ص١٨٩، ١٩٠، ١٩١) : اعلم أنه لا عذر لأحد البتة في معصية الله تعالى ومخالفة أمره مع علمه بذلك وتمكنه من الفعل والترك، ولو كان له عذر لما استحق العقوبة واللوم لا في الدنيا ولا في العقبى، فالاعتذار بالقدر غير مقبول ولا يعذر به أحد، بل يزيد في ذنب الجاني ويغضب الرب عليه، ثم إن الاعتذار بالقدر يتضمن تنزيه الجاني نفسه وتنزيه ساحته وهو الظالم الجاهل، والجهل على القدر نسبة الذنب إليه، وتظليمه بلسان الحال أو القال بتحسين العبارة وتلطيفها كما قيل:
... ... ... ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
وقال آخر: ... ...
... ... ... أصبحت منفعلاً لما تختاره ... مني ففعلي كله طاعات
стр. 165
قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول الله ﷺ : ((فحج آدم موسى،
ــ
وقال آخر شاكياً متظلماً:
... ... ... إذا كان المحب قليل حظ فما حسناته إلا ذنوب
ولخصماًء الله هناك تظلمات وشكايات، ولو فتشوا زوايا قلوبهم لوجدوا هناك خصماً متظلماً شاكياً يقول: لا أقدر أن أقول شيئا وإني في صورة ظالم، ويقول بحرفة وتنفس الصعداء مسكن بن آدم لا قادر ولا معذور، وقال آخر: ابن آدم كرة تحت صولجانات الأقدار يضربها واحد ويردها الآخر، وهل تستطيع الكرة الانتصاف من الصولجان؟ ومن له أدنى فهم وبصيرة يعلم أن هذا كله تظلم وشكاية وعتب، فتباً له ظالماً في صورة مظلوم، وشاكياً والجناية منه، وقد جد في الإعراض وهو ينادي طردوني وأبعدوني، ولي ظهره الباب بل أغلقه على نفسه وأضاع مفاتيحه وكسرها ويقول:
دعاني وسد الباب دوني فهل إلى دخولي سبيل بينوا لي قضيتي
يأخذ الشفيق حجزته عن النار، وهو يجاذبه ثوبه ويغلبه ويقتحهما ويستغيث: ما حيلتي وقد قدموني إلى الحفيرة وقذفوني فيها. والله كم صاح به الناصح: الحذر الحذر إياك إياك، وكم أمسك بثوبه وكم أراه مصارع المقتحمين وهو يأبى إلا الاقتحام:
وكم سقت في آثاركم من نصيحة وقد يستفيد البغضة المتنصح
ياويله ظهيراً للشيطان على ربه، خصماً لله على نفسه، جبري المعاصي قدري الطاعات، عاجز الرأي مضياع لفرصته، قاعد عن مصالحه معاتب لأقدار ربه، يحتج على ربه بما لا يقبله من عبده وامرأته وأمته إذا احتجوا به في التهاون في بعض أمره، فلو أمر أحدهم بأمر ففرط فيه أو نهاه عن شيء فارتكبه وقال: القدر ساقني إلى ذلك لما قيل منه هذه الحجة ولبادر إلى عقوبته، فإن كان القدر حجة لك أيها الظالم الجاهل في ترك حق ربك، فهلا كان حجة لعبدك وأمتك في ترك بعض حقك؟ بل إذا أساء إليك مسيء وجنى عليك جان واحتج بالقدر لاشتد غضبك عليه وتضاعف جرمه عندك ورأيت حجته داحضة، ثم تحتج على ربك به وتراه عذراً لنفسك، فمن أولى بالظلم والجهل ممن هذه حالة؟ (إلى آخر ما قال) (قبل أن يخلقني بأربعين سنة) قيل المراد بالأربعين سنة ما بين قوله تعالى: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ إلى نفخ الروح فيه، أو هي مدة لبثه طيناً إلى أن نفخت فيه الروح، والأظهر أن ابتداء المدة وقت الكتابة في الألواح وآخرها ابتداء خلق آدم (فحج آدم موسى) تقدم بيان وجه غلبة آدم على موسى. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: لم يعذر الله أحداً قط بالقدر، ولو عذره به لكان أولياؤه وأنبياؤه أحق بذلك، وآدم إنما حج موسى لأنه لامه على المصيبة التي أصابت الذرية، فقال له: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة، كما في بعض الروايات، وما أصاب العبد من المصائب فعليه أن يسلم فيها لله تعالى ويعلم أنها مقدرة عليه، والحاصل أنه حصل من موسى ملام على المصيبة التي أصابت الذرية
стр. 166
رواه مسلم.
٨٢- (٤) وعن ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: ((إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك،
ــ
بخروجهم من الجنة ونزولهم إلى دار المشقة والبلوى بسبب خطيئة أبيهم، فذكر موسى الخطيئة تنبيهاً على سبب المصيبة، فاحتج آدم بالقدر على المصيبة، وقال إن هذه البلية التي أصابت ذريتي بسبب خطيئتي كانت مكتوبة علي بقدره قبل أن أخلق بكذا وكذا سنة. والقدر يحتج به في المصائب والبلايا دون القبائح والمعاصي، وارجع لتوضيح هذا الجواب إلى شفاء العليل لابن القيم. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٢: ص٢٤٩، ٢٦٥، ٢٦٩، ٢٨٨) والبخاري والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجه بألفاظ مختلفة مختصراً ومطولاً. ولعله لم يعزه المصنف إلى البخاري لكونه رواه مختصراً وإن كان الأحسن العزو مع التنبيه، وفي الباب عن عمر عند أبي داود وأبي عوانة وغيرهما، وجندب بن عبد الله عند النسائي، وأبي سعيد عند البزار.
٨٢-قوله: (وهو الصادق) الأولى أن تجعل هذه الجملة اعتراضية لا حالية لتعم الأحوال كلها، وأن يكون من عادته ذلك فما أحسن موقعه ههنا، ومعناه الصادق في أقواله المتحري للصدق في جميع أفعاله، والمراد أنه الكامل في الصدق، أو الظاهر كونه صادقا بشهادة المعجزات الباهرة، وذكر ذلك تبركاً وتلذذاً وافتخاراً. (المصدوق) في جميع ما أتاه من الوحي، يقال: صدقه زيد راست كفت باوزيد. قال النبي ﷺ في أبي العاص بن الربيع: ((فصدقني)) ، وقال في حديث أبي هريرة: ((صدقك وهو كذوب)) ، وقال علي في حديث الإفك: ((سل الجارية تصدقك)) ونظائره كثيرة، وكذا قال السيد جمال الدين. (إن خلق أحدكم) بكسر الهمزة على الحكاية، ويجوز فتحها أي مادة خلق أحدكم أو ما يخلق منه أحدكم وهو الماء (يجمع في بطن أمه أربعين يوماً) أي يتم جمعه في الرحم في هذه المدة، وهذا يقتضي التفرق (نطفة) حال من فاعل يجمع، أي النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد الله أن يخلق منها بشراً طارت في جسم المرأة تحت كل ظفر وشعر، ثم تمكث أربعين ليلة ثم تنزل دماً في الرحم، فذلك جمعها، كذا فسره ابن مسعود فيما رواه ابن أبي حاتم وغيره، ويجوز أن يريد الجمع مكث النطفة في الرحم أربعين يوماً يتخمر فيه حتى يتهيأ للخلق والتصوير، ثم يخلق بعد الأربعين، كذا في النهاية (ثم يكون عقله) بفتح العين واللام أي دماً غليظاً جامداً (مثل ذلك) إشارة إلى محذوف، أي مثل ذلك الزمان يعني أربعين يوماً أي ثم يبقى ويمكث دماً أربعين يوماً (مضغة) أي قطعة لحم قدر ما يمضغ (مثل ذلك) ويظهر التصوير في هذه الأربعين. قال المظهر: في هذا التحويل مع قدرته على خلقه في لمحة فوائد وعبر، منها أنه لو خلقه لشق على الأم لعدم اعتيادها، وربما تظن علة فجعل أولاً نطفة لتعتاد بها مدة، وهكذا إلى الولادة. ومنها إظهار قدرته ونعمته ليعبدوه ويشكروه حيث قلبهم من تلك الأطوار إلى كونهم إنساناً حسن الصور متحلياً بالعقل والشهامة.
стр. 167
ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات، فيكتب عمله
ــ
ومنها إرشاد الناس وتنبيههم على كمال قدرته على الحشر؛ لأن من قدر على خلق الإنسان من ماء مهين ثم من علقة ثم من مضغة مهيأة لنفخ الروح فيه، يقدر على حشره ونفخ الروح فيه. ومنها تعليم العباد في تدريج الأمور وعدم تعجيلهم فيها، فإنه تعالى مع كمال قدرته وقوته على خلقه دفعة حيث خلقه مدرجاً، فإن الإنسان أولى به التأني في فعله. ومنها تنبيههم وتفهيمهم أصلهم وفرعهم، فلا يغتروا بقوة أبدانهم وأعضائهم وحواسهم، ويعرفوا أنها كلها عطايا وهدايا، بل على وجه العارية موجودة عندهم لينظروا إلى مبدئهم (ثم يبعث الله إليه ملكاً) أي يرسل، أي في الطور الرابع حين يتكامل بنيانه ويتشكل أعضاؤه، والمراد بالبعث والإرسال بهذه الأشياء أمره بها وبالتصرف فيها بهذه الأفعال، وإلا فقد صرح في الحديث بأنه مؤكل بالرحم، وأنه يقول: يا رب نطفة يا رب علقة. وقيل: ذلك ملك آخر غير ملك الرحم (بأربع كلمات) أي بكتابتها (بيكتب) أي بين عينيه كما ورد مرفوعاً عن ابن عمر في مسند البزار وفي صحيفته أيضاً كما تدل عليه حديث حذيفة بن أسيد عند مسلم في باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه من كتاب القدر. وورد في رواية أخرى لحذيفة عند مسلم أيضاً أنه إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يارب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك – الحديث. وظاهر هذا أن تصوير الجنين وخلق سمعه وبصره وجلده ولحمه وعظامه، وكتابة الملك يكون في أول الأربعين الثانية، وهو مخالف لحديث ابن مسعود هذا. ولعل ذلك يختلف باختلاف الأجنة، فبعضهم يصور ويكتب له ذلك بعد الأربعين الأولى، وبعضهم بعد الأربعين الثالثة. وقال النووي: لتصرف الملك أوقات: أحدها حين يخلقها الله نطفة ثم ينقله علقة، وهو أول علم الملك بأنه ولد وذلك عقب الأربعين الأولى، وحينئذٍ يكتب رزقه وأجله وعمله وشقاوته أو سعادته وخلقته وصورته، ثم للملك فيه تصرف آخر في وقت آخر وهو تصويره وخلق سمعه وبصره وجلده ولحمه وعظمه وكونه ذكراً أو أنثى، وذلك إنما يكون في الأربعين الثالثة، وهي مدة المضغة وقبل انقضاء هذه الأربعين وقبل نفخ الروح، فالمراد بتصويرها وخلق سمعها بعد الأربعين الأولى أي في أول الأربعين الثانية أنه يكتب ذلك ثم يفعله في وقت آخر؛ لأن التصوير عقب الأربعين الأولى غير موجودة في العادة، وإنما يقع في الأربعين الثالثة، وهي مدة المضغة، ثم يكون للملك فيه تصرف آخر وهو وقت نفخ الروح عقب الأربعين الثالثة حين يكمل له أربعة أشهر- انتهى مختصراً. وأما الاختلاف في وقت الكتابة كما هو ظاهر من ملاحظة الروايات، فقال بعض العلماء في دفعه: إنه يكتب ذلك مرتين: أحدهما في السماء والآخرة في بطن الأم. وقد يقال: إن لفظة "ثم" في حديث ابن مسعود إنما يراد به ترتيب الأخبار لا ترتيب المخبر عنه في نفسه. وقال بعضهم: قوله: "ثم يبعث الله ملكاً فيكتب عمله ... " الخ عطف على "يجمع في بطن أمه" لا على "ثم يكون مضغة"، وإنما أخر ذكرها إلى ما بعد ذكر المضغة لئلا ينقطع ذكر الأطوار الثلاثة التي يتقلب فيها الجنين، فإن ذكر هذه الثلاثة على نسق واحد أعجب وأحسن، والأظهر
стр. 168
وأجله ورزقه وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)) ، متفق عليه.
٨٣- (٥) وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن العبد
ــ
هو الأول. (وأجله) أي مدة حياته وانتهاء عمره (وشقي أو سعيد) خبر مبتدأ محذوف، أي ويكتب هو شقي أو سعيد، والظاهر أن يقال: ويكتب سعادته وشقاوته، فعدل إلى الصفة حكاية لعين ما يكتب، أو التقدير: يعلم للملك أن المقضي في الأزل هكذا، حتى يكتب على جبهته مثلاً، ثم الترديد في الحكاية لا في المحكي، وإنما جاءت الحكاية على لفظ الترديد نظراً إلى التوزيع والتقسيم على آحاد المولود، فمنهم شقي وسعيد، والأمر بكتابة الأمور الأربعة لا ينفي كتابة شيء آخر مما قدر له فيه. (ثم ينفخ) على البناء للمجهول، وقيل: إنه معلوم (فيه الروح) على الوجهين أي ثم بعد هذا البعث لا قبله (وإن أحدكم) وفي المصابيح: وإن الرجل أي الشخص (حتى ما يكون) بالنصب بـ"حتى"، وما نافية غير مانعة من العمل، وجوز بعضهم كون حتى ابتدائية فيكون بالرفع. قال ابن الملك: الأوجه أنها عاطفة، ويكون بالرفع عطف على ما قبله (إلا ذراع) تمثيل لغاية قربها (فيسبق عليه الكتاب) أي يغلب عليه، والكتاب بمعنى المكتوب أي المقدر أو التقدير (فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) المعنى أنه يتعارض عمله في اقتضاء السعادة، والمكتوب المقدر في الأزل في اقتضاء الشقاوة فيتحقق مقتضى المكتوب، فعبر عن ذلك بالسبق؛ لأن السابق يحصل مراده دون المسبوق (فيعمل بعمل أهل الجنة) بأن يستغفر ويتوب، وفي الحديث تصريح بإثبات القدر، وأن التوبة تهدم الذنوب، وأن من مات على شيء حكم له بذلك من خير أو شر، إلا أن أصحاب المعاصي غير الكفر في المشيئة. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجة. قال الحافظ في شرح حديث ابن مسعود في أول القدر: رواه عن النبي ﷺ مع ابن مسعود جماعة من الصحابة. ثم ذكر أحاديثهم.
٨٣-قوله: (وعن سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاري الساعدي المدني، يكنى أباالعباس، وكان اسمه حزناً، فسماه النبي ﷺ سهلاً، وهو من مشاهير الصحابة. مات النبي ﷺ وهو ابن خمس عشر سنة. له مائة حديث وثمانية وثمانون حديثاً، اتفقا على ثمانية وعشرون، وانفرد البخاري بأحد عشر. روى عنه جماعة من التابعين، مات سنة (٨٨) وقيل: بعدها وقد جاوز المائة. ويقال: إنه آخر من بقي بالمدينة من أصحاب الرسول الله ﷺ . (إن العبد) أي عبد من
стр. 169
ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل الجنة، ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار، وإنما الأعمال بالخواتيم)) ، متفق عليه.
٨٤- (٦) وعن عائشة ﵂ قالت: ((دعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار
ــ
عبيد الله (ليعمل عمل أهل النار) أي ظاهراً وصورة أو أولاً أو في نظر الخلق (وإنه من أهل الجنة) أي باطناً ومعنى أو آخراً أو في علم الله، والواو حالية وإن مكسورة بعدها (ويعمل) أي عبد آخر (إنما الأعمال بالخواتيم) أي اعتبار الأعمال بالعواقب والأواخر، وهو جمع خاتمة، وهذا تذييل للكلام السابق مشتمل على معناه لمزيد التقرير، يعني أن العمل السابق ليس بمعتبر، وإنما المعتبر العمل الذي ختم به كما لوح به حديث ابن مسعود حيث قال "فيسبق عليه الكتاب الخ"، وفيه حث على المواظبة بالطاعات ومحافظة الأوقات عن المعاصي خوفاً من أن يكون ذلك آخر عمله، وفيه زجر عن العجب والتفرح بالأعمال فإنه لا يدري ماذا يصيبه في العاقبة، وفيه أنه لا يجوز الشهادة لأحد بالجنة ولا بالنار، فإن أمور العبد بمشيئة الله وقدره السابق، وفيه أيضاً أن الله يتصرف في ملكه ما يشاء وكيف يشاء. وكل ذلك عدل وصواب، وليس لأحد اعتراض عليه، لأنه مالك والمخلوق مملوك، واعتراض المملوك على المالك قبيح موجب للتعذيب، قال تعالى: ﴿لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون﴾ [٢١: ٢٣] ، وفيه حجة قاطعة على القدرية في قولهم: إن الإنسان يملك أمر نفسه ويختار لها الخير والشر. وهذه القطعة من الحديث لم يروها مسلم من حديث سهل بل روي معناها من حديث أبي هريرة (متفق عليه) أي على أصل الحديث وإلا فقوله: "وإنما الأعمال بالخواتيم" ليس عند مسلم، وكذا أخرجه أحمد (ج٥: ص٣٣٢) بغير هذه الزيادة، وفي الباب عن أبي هريرة عند مسلم، وعائشة عند أحمد وابن حبان، وابن عمر والعرس بن عميرة عند البزار، وعمرو بن العاص وأكتم بن أبي الجون عند الطبراني، وأنس عند أحمد، وصححه ابن حبان، وعبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد والنسائي والترمذي، وعلي عند الطبراني، ومعاوية عند ابن حبان.
٨٤-قوله: (وعن عائشة) هي أم المؤمنين الصديقة بنت أبي بكر الصديق التيمية، تكنى أم عبد الله، وأمها أم رومان بنت عامر بن عويمر، أفقه النساء مطلقا وأفضل أزواج النبي ﷺ إلا خديجة، ففيها خلاف شهير. خطبها النبي ﷺ وتزوجها بمكة في شوال سنة (١٠) من النبوة، وقبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل غير ذلك، وبني بها بالمدينة في شوال سنة (٢) من الهجرة على رأس ثمانية عشر شهرا، ولها تسع سنين. وبقيت معه تسع سنين، ومات عنها ولها ثماني عشر سنة، ولم يتزوج غيرها بكراً. وكانت فقيهة عالمة فصيحة فاضلة كثيرة الحديث عن رسول الله ﷺ ، عارفة بأيام العرب وأشعارها. روى عنها جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين. وماتت بالمدينة سنة (٥٧) ليلة الثلاثاًء لسبع عشرة خلت من رمضان، وأمرت أن تدفن ليلاً فدفنت بالبقيع، وصلى عليها أبو هريرة، وكان يومئذٍ خليفة مروان على المدينة في أيام معاوية قال الخزرجي: لها ألفان ومائتان وعشرة أحاديث، اتفقا على مائة وأربعة وسبعين،
стр. 170
فقلت: يا رسول الله ﷺ طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه. فقال أو غير ذلك يا عائشة؟ إن الله خلق للجنة أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آباءهم)) ، رواه مسلم.
٨٥- (٧) وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
ــ
وانفرد البخاري بأربعة وخمسين، ومسلم بثمانية وستين. ومناقبها وفضائلها كثيرة جداً، بسط ترجمتها الحافظ في الإصابة (ج٤:ص٣٥٩،٣٦١) وابن عبد البر في الاستيعاب. (طوبى لهذا) طوبى فعلى من طاب يطيب طيباً، قلبت الياء واوا للضمة قبلها، واختلفوا في معناه فقيل: هو اسم الجنة، وقيل: اسم شجرة فيها، وقيل: معناه أطيب معيشة له، وقيل: فرح له وقرة عين، وقيل: معناه أصيب خيراً؛ لأن إصابة الخير مستلزمة لطيب العيش، فأطلق اللازم وأراد الملزوم. (عصفور من عصافير الجنة) يعني هو مثلها من حيث أنه لا ذنب عليه، وينزل في الجنة حيث يشاء. قال ابن الملك: شبهته بالعصفور كما هو صغير لكونه خالياً من الذنوب من عدم كونه مكلفاً، (ولم يدركه) أي أوانه بالبلوغ لموته قبل التكليف فضلاً عن عمله. (أو غير ذلك) بفتح الواو وضم الراء وكسر الكاف، هو الصحيح المشهور من الروايات، والتقدير: أتعتقدين ما قلت؟ والحق غير ذلك، وهو عدم الجزم بكونه من أهل الجنة، فالواو للحال، قاله القاري. وقيل: الهمزة للاستفهام الإنكاري والواو عاطفة، و"غير" مرفوع بعامل مضمر تقديره: أقلت هذا؟ ووقع غير ذلك، وقيل: يجوز أن يكون أو بسكون الواو التي لأحد الأمرين أي الواقع هذا أو غير ذلك، ويجوز نصب غير أي أو يكون غير ذلك، وقيل: يجوز أن يكون أو بمعنى بل، أي بل غير ذلك أحسن وأولى وهو التوقف. قال التوربشتي: وكأنه ﵇ لم يرتض قولها؛ لما فيه من الحكم بالغيب والقطع بإيمان أبوي الصبي أو أحدهما، إذ هو تبع لهما. وفيه إرشاد الأمة إلى التوقف عند الأمور المبهمة، والسكوت عما لا علم لهم به، وحسن الأدب بين يدي علام الغيوب. قلت: الصواب أن النبي ﷺ قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة، وقد أجمع من يعتد به من علماء المسلمين أن من مات من أطفال المسلمين فهو في الجنة، ودل عليه الكتاب والسنة الصحيحة الثابتة، فلا معنى للتوقف فيه، وإنما نهى عائشة عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عندها دليل قاطع. (وهم في أصحاب آبائهم) قيل: عين أهل الجنة من أهل النار في الأزل، فعبر عن الأزل بأصلاب الآباء تقريباً لأفهام العامة. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
٨٥-قوله: (وعن علي) هو أمير المؤمنين على بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، أبوالحسن الهاشمي القرشي ابن عم رسول الله ﷺ وزوج ابنته فاطمة، كناه رسول الله ﷺ أبا تراب، والخبر في ذلك مشهور. وأمه فاطمة بنت أسد
стр. 171
ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة. قالوا: يا رسول الله ﷺ أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له)) ،
ــ
ابن هاشم، أسلمت وماتت في حياة رسول الله ﷺ ، وصلى عليها ونزل في قبرها. وهو أول من أسلم من الصبيان، جمعاً بين الأقوال. وأحد العشرة. وقد اختلف في سنة يوم إسلامه فقيل كان له (١٥) سنة، وقيل (٨) سنة، وقيل (١٠) سنين، وقيل (١٣) سنة. صلى القبلتين وشهد بدراً وسائر المشاهد، وأبلى ببدر وأحد والخندق وخيبر البلاء العظيم، وكان لواء رسول الله ﷺ بيده في مواطن كثيرة، ولم يتخلف إلا في تبوك فإنه خلفه في أهله، وفيها قال له: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي)) ، مناقبة وفضائله شهيرة كثيرة جداً، وقد روي عن أحمد بن حنبل أنه قال: لم يرو لأحد من الصحابة من الفضائل ما روى لعلي (١) . وكذا قال النسائي وغير واحد، وفي هذا كفاية. استخلف يوم قتل عثمان، وهو يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة (٣٥) . قال ابن عبد البر: بويع لعلي يوم قتل عثمان، فاجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار إلا نفراً منهم لم يهجهم علي. وقال: أولئك قوم قعدوا عن الحق، ولم يقوموا مع الباطل. وتخلف عنه معاوية في أهل الشام، فكان منهم في صفين بعد الجمل ما كان، ثم خرجت عليه الخوارج وكفروه بسبب التحكيم، ثم اجتمعوا وشقوا عصى المسلمين وقطعوا السبيل، فخرج إليهم بمن معه فقاتلهم بالنهروان، فقتلهم واستأصل جمهورهم، فانتدب لهم من بقاياهم عبد الرحمن بن ملجم المرادي وكان فاتكاً فقتله (بالكوفة) ليلة الجمعة لثلاث عشرة خلت، وقيل: بقيت من رمضان سنة (٤٠) وله من العمر (٦٣) سنة، وهو يومئذٍ أفضل الأحياء من بني آدم بالأرض بإجماع أهل السنة. وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر وأياماً. روى عنه خلائق من الصحابة والتابعين. قال الخزرجي: له خمس مائة حديث وستة وثمانون حديثاً، اتفقا على عشرين، وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر. (ما منكم من أحد) من مزيدة لاستغراق النفي (إلا وقد كتب) الواو للحال والاستثناء مفرغ أي ما وجد أحد منكم في حال من الأحوال إلا في هذه الحالة، أي إلا وقد قدر مقعده من النار. (مقعده من النار ومقعده من الجنة) أي موضع قعوده، كنى عن كونه من أهل الجنة أو النار باستقراره فيها، والواو المتوسطة بينها بمعنى أو التي تكون للتنويع، وقد ورد في بعض الروايات بلفظ "أو" وهي قرينة لحمل الواو على معنى أو وهي أوفق بالمقصود (أفلا نتكل على كتابنا) المقدر لنا في الأزل، قيل: الفاء جواب الشرط أي إذا كان الأمر كذلك أفلا نعتمد على ما كتب لنا في الأزل (وندع العمل) أي نترك السعي في العمل، يعني إذا سبق القضاء لكل أحد منا بالجنة أو النار فأي فائدة في السعي، فإنه لا يرد قضاء الله وقدره (اعلموا فكل) الفاء للسببية، والنوين عوض عن المضاف إليه (ميسر لما خلق له) يعني من خلق للجنة مثلاً يسر عليه عملها البتة، فالتيسر علامة كونه من أهلها، فمن لم ييسر على عملها فليعلم أنه ليس من أهلها بل من أهل النار. قال السندي: نبه ﷺ على الجواب عن قولهم بأن الله تعالى دبر الأشياء على ما أراد، وربط بعضها
стр. 172
أما من كان أهل السعادة فسييسر لعمل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل الشقاوة، قم قرأ ﴿فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى﴾ الآية)) . متفق عليه.
ــ
ببعض وجعلها أسباباً ومسبباًت، ومن قدره من أهل الجنة قدر له ما يقربه إليها من الأعمال ووفقه لذلك بأقداره ويمكنه منه ويحرضه عليه بالترغيب والترهيب، ومن قدر له أنه من أهل النار قدر له خلاف ذلك وخذله حتى اتبع هواه وترك أمر مولاه، والحاصل أنه جعل الأعمال طريقاً إلى نيل ما قدره له من جنة أو نار، فلا بد من المشي في الطريق، وبواسطة التقدير السابق يتيسر له ذلك المشي، لكل في طريقه ويسهل عليه - انتهى. وقال القاري ملخصاً لكلام الخطابي والتوربشتي والطيبي: لم يرخص لهم النبي ﷺ في الاتكال وترك العمل بل أمرهم بالتزام ما يجب على العبد من امتثال أمر مولاه عن العبودية آجلاً، وتفويض الأمر إليه بحكم الربوبية آجلاً وأعلمهم بأن ههنا أمرين لا يبطل أحدهما الآخر، باطن وهو حكم الربوبية، وظاهر وهو سمة العبودية، فأمر بكليهما ليتعلق الخوف بالباطن المغيب والرجاء بالظاهر البادي ليستكمل العبد بذلك صفات الإيمان ومراتب الإحسان، يعني أنتم عبيد ولا بد لكم من العبودية فعليكم التزام ما أمرتم واجتناب ما نهيتم من التكاليف الشرعية بمقتضى العبودية، وإياكم والتصرف في أمور الربوبية، ولا تجعلوا الأعمال أسباباً مستقلة للسعادة والشقاوة بل أمارات لهما وعلامات، فكل مهيأ وموفق لأمر قدر ذلك الأمر له من الخير والشر، والحاصل أن الأمر المبهم الذي ورد عليه البيان من هذا الحديث عنه ﷺ هو أنه بين أن القدر في حق العباد واقع على تدبير الربوبية، وذلك لا يبطل تكليفهم العمل بحق العبودية. فكل من الخلق ميسر ما دبر له في الغيب، فيسوقه العمل إلى ما كتب له في الأزل من سعادة وشقاوة، فمعنى العمل التعرض للثواب والعقاب -انتهى. قال الخطابي: ونظيره الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب، والأجل المضروب مع التعالج بالطب المأمور به، فإنك تجد الباطن منها على موجبه والظاهر سبباً مخيلاً، وقد اصطلح الناس خاصتهم وعامتهم على أن الظاهر منهما لا يترك بسبب الباطن - انتهى. وهذا الحديث أصل لأهل السنة أن السعادة والشقاوة بتقدير الله القديم وخلقه، بخلاف القدرية الذين يقولون إن الشر ليس بخلق الله وتقديره، وفيه رد على الجبرية لأن التيسير ضد الجبر، لأن الجبر لا يكون إلا عن كره، ولا يأتي الإنسان الشيء بطريق التيسير إلا وهو غير كاره (أما من كان) تفصيل لما أجمل قبله (من أهل السعادة) أي في علم الله أو في كتابه أو في آخر أمره وخاتمة عمله (فسييسر) أي يسهل ويوفق ويهيأ (من أهل الشقاوة) . وفي المصابيح بلفظ "الشقوة" بكسر الشين وهو مصدر بمعنى الشقاوة (ثم قرأ) أي النبي ﷺ استشهادا على أن التيسير منه تعالى: ﴿فأما من أعطى والتقى وصدق بالحسنى﴾ الآية. أي من كان متصفاً بهذا الصفات في علمنا وقدرنا فسنيسره لتلك الأعمال في الخارج، وبهذا التوجيه ينطبق عليه الحديث (متفق عليه) . وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي في الكبرى وابن ماجة وغيرهم مطولاً ومختصراً بألفاظ متقاربة.
стр. 173
٨٦- (٨) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر وزنا اللسان المنطق، والنفس تمنى وتشتهى، والفرج يصدق ذلك ويكذبه)) ، متفق عليه. وفي رواية لمسلم قال: ((كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك
ــ
٨٦-قوله: (إن الله كتب) أي أثبت في اللوح المحفوظ. (على ابن آدم) أي هذا الجنس أو كل فرد من أفراده، واستثنى الأنبياء (حظه) أي نصيبه (من الزنا) من بيانية، وما يتصل بها حال من حظه، وقيل: تبعيضية. وقال التوربشتي: أي أثبت عليه ذلك بأن خلق له الحواس التي يجد بها لذة ذلك الشيء، وأعطاه القوى التي بها يقدر على ذلك الفعل، فبالعينين بما ركب فيهما من القوة الباصرة تجد لذة النظر، وعلى هذا ليس المعنى أن ألجأه وأجبره عليه، بل ركز في جبلته حب الشهوات، ثم إنه تعالى برحمته وفضله يعصم من يشاء. وقال الطيبي: يحتمل أن يراد بقوله "كتب" أثبت، أي أثبت فيه الشهوة والميل إلى النساء، وخلق فيه العينين والأذن والقلب والفرج، وهي التي تجد لذة الزنا، وأن يراد به قدر أي قدر في الأزل أن يجري عليه الزنا في الجملة، فإذا قدر في الأزل أدرك ذلك لا محالة (أدرك) أي أصاب (ذلك) أي المكتوب عليه المقدر له أو حظه (لا محالة) بفتح الميم ويضم، أي لابد له ولا احتيال منه، فهو واقع البتة (فزنا العين النظر) إلى ما لا يحل للناظر (وزنا اللسان المنطق) أي الحرام كالمواعدة، وفي بعض النسخ النطق، بضم النون بغير ميم في أوله (والنفس) أي القلب كما في الرواية الآتية، ولعل النفس إذا طلبت تبعها القلب (تمنى) بحذف إحدى التائين (وتشتهي) لعله عدل عن السنن السابق لإفادة التجدد، أي زنا النفس تمنيها واشتهائها الزنا الحقيقي، والتمني أعم من الاشتهاء؛ لأنه قد يكون في الممتنعات دونه (والفرج يصدق ذلك) أي عمل الفرج يصدق ذلك النظر والتمني بأن يقع في الزنا بالوطء. (ويكذبه) بأن يمتنع من ذلك خوفاً من ربه، سمى هذه الأشياء باسم الزنا لأنها من دواعيه، فهو من إطلاق المسبب على السبب. وقال الطيبي: لأنها مقدمات له مؤذنة بوقوعه، ونسب التصديق والتكذيب إلى الفرج لأنه منشأه ومكانه أي يصدقه الفرج بالإتيان بما هو المراد منه ويكذبه بالكف عنه والترك، وقيل: ذلك إشارة إلى ما اشتهته النفس ورأته العين وتكلم به اللسان، يعني إن رآها بالعين واشتهتها النفس وتكلم اللسان بذكرها وعمل بها فعلاً بالفرج، فقد صار الفرج مصدقاً لتلك الأعضاء، وصار الزنا الصغير كبيراً، وإن لم يفعل شيئاً بالفرج فقد كذب الفرج تلك الأعضاء ولم يصر الزنا كبيراً، ويرفع بالاستغفار والوضوء والصلاة. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الاستئذان وفي القدر، ومسلم في القدر، وأخرجه أيضاً أبوداود والنسائي. (وفي رواية) أخرى (لمسلم) تفرد بها (كتب) بصيغة المجهول (مدرك) بالتنوين ويجوز الإضافة (ذلك) يعني هو أي ابن آدم واصله حظه ونصيبه أو نصيبه المقدر يدركه
стр. 174
لا محالة، العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطى، والقلب يهوي ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه)) .
٨٧- (٩) وعن عمران بن حصين أن رجلين من مزينة قالا: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر سبق، أو فيما يستقبلون به
ــ
ويصيبه (لا محالة) لأنه ما كتبه الله لابد أن يقع. (الاستماع) أي إلى كلام الزانية أو الواسطة أو صوت الأجنبية بشرط الشهوة. (زناها البطش) أي الأخذ واللمس، ويدخل فيها الكتابة إليها ورمي الحصاة إليها ونحوهما. (زناها الخطى) بضم المعجمة، جمع خطوة، وهي ما بين القدمين، يعني زناهما نقل الخطى، أي المشي أو الركوب إلى ما فيه الزنا. (يهوى) من سمع بوزن يرضى، أي يحب ويشتهي، وفي الحديث دليل على أن الزنا ودواعيه مكتوبة مقدرة على العبد غير خارجة عن سابق القدر، وأن الإنسان لا يستطيع أن يدفع ذلك عن نفسه، إلا أنه يلام إذا وقع ما نهي عنه بحجب ذلك عنه وتمكينه من التمسك بالطاعة، فبذلك يندفع قول القدرية والمجبرة، ويؤيده قوله: "والنفس تمنى وتشتهي"؛ لأن المشتهى بخلاف الملجأ.
٨٧- قوله: (وعن عمران بن حصين) مصغراً - ابن عبيد بن خلف الخزاعي الكعبي، يكنى أبانجيد بنون وجيم مصغراً، أسلم أيام خيبر، سكن البصرة إلى أن مات بها سنة (٥٢) ، وقيل: سنة (٥٣) كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم، يقول عنه أهل البصرة: إنه كان يرى الحفظة وكانت تكلمه حتى اكتوى، وقال ابن سعد: كانت الملائكة تصافحه قبل أن يكتوي، وفي الخلاصة: وكانت الملائكة تسلم عليه. وهو ممن اعتزل الفتنة، كان الحسن البصري يحلف بالله: ما قدمها - أي البصرة - راكب خير من عمران بن حصين، وكذا قال ابن سيرين نحوه. له مائة وثلاثون حديثاً، اتفق على ثمانية وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بتسعة. روى عنه جماعة من التابعين. (من مزينة) بالتصغير، اسم قبيلة. (أرأيت) أي أخبرني من إطلاق السبب على المسبب؛ لأن مشاهدة الأشياء طريق إلى الإخبار عنها، والهمزة فيه مقررة، أي قد رأيت ذلك فأخبرني به. (ما يعمل الناس) من الخير والشر (اليوم) أي في الدنيا (ويكدحون فيه) أي يسعون في تحصيله بجهد وكد، يقال: كدح في العمل أي جهد نفسه فيه وكد حتى يؤثر فيه. (أشيء) خبر مبتدأ محذوف، أي هو شيء (قضي عليهم) بصيغة المجهول، أي قدر فعله عليهم. (ومضى فيهم) بصيغة المعلوم، أي نفذ في حقهم. (من قدر سبق) أي في الأزل. قال القاري: من بيانية لشيء، ويكون القضاء والقدر شيئاً واحداً، كما قاله بعضهم، وإما تعليلية متعلقة بقضي عليهم لأجل قدر سبق، وإما ابتدائية أي القضاء نشأ وابتدأ من خلق مقدر، فيكون القدر سابقاً على القضاء - انتهى. (أو) كذا في صحيح مسلم ومسند أحمد، ووقع في تفسير ابن جرير ونسخ المصابيح "أم"، قيل: على كلتا الروايتين ليس السؤال عن أحد الأمرين، فـ"أم" منقطعة و"أو" بمعنى "بل"، أي للإضراب. (فيما يستقبلون به) قال
стр. 175
مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: لا بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله عزوجل: ﴿ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها﴾ )) رواه مسلم.
٨٨- (١٠) وعن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله، إني رجل شاب، وأنا أخاف على نفسي العنت
ــ
السيد جمال الدين: كذا وقع بصيغة المجهول في أصل سماعنا من صحيح مسلم، وهو الأرجح معنىً أيضاً، لكن وقع في أكثر نسخ المشكاة بصيغة المعروف - انتهى. والمعنى: أخبرنا أن ما يعمله الناس من الخير والشر أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من الأزل، ويجري فيهم في وقت معلوم، أم شيء لم يقض عليهم في الأزل، بل يجري عليهم كل فعل في الوقت الذي يستقبله الرجل ويقصده من غير أن يجري عليه التقدير؟ والحاصل أن ما يفعله الإنسان من الشر والخير أهو مبني على قضاء وقدر سابق، أي مقدر ومقضي سابقاً في الأزل، أم هو أمر مستأنف ليس مبنياً على قدر وقضاء سابق، وشيء أنف لم يقض ولم يقدر عليهم في الأزل، بل هو كائن فيما يستقبلون من الزمان فيه يتوجهون إلى العمل ويقصدون بقدرتهم الحقيقية واختيارهم المستقل من غير سبق تقدير قبل ذلك، فقوله: "فيما يستقبلون" في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هو كائن في الزمان الذي يستقبلونه، معطوف على قوله: "شيء قضي عليهم". (مما أتاهم به نبيهم) الباء للتعدية، ولفظ "من" في "مما أتاهم" بيان لما في قوله "ما يعمل الناس"، أو بيان لما في قوله: "ما يستقبلون"، والأول أولى كما قال السيد جمال الدين. (وثبتت الحجة عليهم) بظهور صدق نبيهم بالمعجزات، وفي تفسير ابن جرير: أم شيء مما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم ﷺ وأكدت به عليهم الحجة. (فقال) ﷺ (لا) أي ليس الأمر أنفاً في المستقبل (بل) هو (شيء قضي عليهم) في الأزل، أو المعنى لا تردد فإن الأمر مبني على قدر وقضاء سابق جزماً، وزاد في رواية ابن جرير وغيره: "قال: فلم يعملون إذن؟ قال: من كان الله خلقه لواحدة من المنزلتين يهيئه لعملها". (وتصديق ذلك) إشارة إلى ما ذكر أنه قضي عليهم. ﴿ونفس﴾ بالجر على الحكاية، والمراد بها جميع النفوس، والتنوين للتنكير أو التكثير، وقيل: المراد نفس آدم. ﴿وما سواها﴾ ما مصدرية أو موصولة، ورجحه ابن جرير، ومعنى سواها: أي خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة، وقيل: عدلها على هذا القانون الأحكم في أعضائها وما فيها من الجواهر والأعراض والمعاني، وغير ذلك. ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾ أي أرشدها إلى فجورها وتقواها، أي بين لها طريقي الخير والشر، وهداها إلى ما قدر لها في الأزل. قال الواحدي: هذا صريح في أن الله خلق في المؤمن تقواه وفي الكافر فجوره. قال القاري: وجه الاستدلال بالآية أن ألهمها بلفظ الماضي يدل على أن ما يعملونه من الخير والشر قدر جرى في الأزل. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤:ص٤٣٨) وابن جرير وغيرهما.
٨٨- قوله: (وأنا أخاف) وعند الكشمهيني "وإني أخاف" (العنت) بفتحتين - الفساد والإثم والهلاك ودخول
стр. 176
ولا أجد ما أتزوج به النساء، كأنه يستأذنه في الاختصاء، قال: فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك، فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك، فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك، فقال النبي ﷺ : ((يا أباهريرة جف القلم بما أنت لاق، فاختص على ذلك أو ذر)) رواه البخاري.
٨٩- (١١) وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن
ــ
المشقة على الإنسان واكتساب المأثم والزنا، والمراد هنا: الوقوع في الهلاك بالزنا. (كأنه يستأذنه في الاختصاء) هذا كلام أحد الرواة، وقيل: هو قول الراوي عن أبي هريرة، وليس هذا في البخاري. وعند أبي نعيم "فأذن لي أختص"، والاختصاء - بالمد - هو الشق على الأنثيين وانتزاعهما. (فسكت عني) أي عن جوابي. (ثم قلت مثل ذلك) أي في الرابعة إلحاحاً ومبالغة. (جف القلم) قال التوربشتي: هو كناية عن جريان القلم بالمقادير وإمضائها والفراغ منها. قال الطيبي: هذا من باب إطلاق اللازم على الملزوم؛ لأن الفراغ يستلزم جفاف القلم عن مداده، والمعنى: أن ما كان وما يكون قدر في الأزل، ونفذ المقدور بما كتب في اللوح المحفوظ، فبقي القلم الذي كتب به جافاً لا مداد فيه لفراغ ما كتب به. قال عياض: كتابة الله ولوحه وقلمه من غيب علمه الذي نؤمن به ونكل علمه إليه. (بما أنت لاقٍ) أي جف القلم بالفراغ من كتابة ما هو كائن في حقك، أي قد كتب عليك وقضي ما تلقاه في حياتك، والمقدر لا يتبدل بالأسباب، فلا يجوز ارتكاب الأسباب المحرمة لأجله، نعم إذا شرع الله تعالى سبباً أو أوجبه فالمباشرة به شيء آخر. (فاختص) أمر من الاختصاء (على ذلك) في موضع الحال، يعني إذا علمت أن كل شيء مقدر فاختص حال كون فعلك وتركك واقعاً على ما جف القلم، فالجار والمجرور متعلق بمحذوف، أي اختص على حال استعلائك على العلم بأن كل شيء بقضائه وقدره. (أو ذر) أي إن شئت اختصيت بلا فائدة، وإن شئت تركته، وليس هو من باب التخيير والإذن في الخصاء، بل توبيخ وتهديد، كقوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ [١٨: ٢٩] ، والمعني إن فعلت أو لم تفعل فلابد من نفوذ القدر، ومحصل الجواب أن جميع الأمور بتقدير الله في الأزل، فالخصاء وتركه سواء، فإن الذي قدر لابد أن يقع فلا فائدة في الاختصاء، فـ"أو" للتسوية، ووقع في أكثر نسخ المصابيح "فاختصر" بزيادة الراء، بمعنى أن الاختصار على ما ذكرت لك من التقدير والتسليم له، وتركه والإعراض عنه سواء، فإن ما قدر لك فهو لا محالة لاقيك وما لا فلا. (رواه البخاري) في النكاح، وأخرجه أيضاً النسائي.
٨٩- قوله: (بين إصبعين من أصابع الرحمن) هذا من أحاديث الصفات التي نؤمن بها ونعتقد أنها حق من غير تعرض لتأويل ولا لمعرفة المعنى، فالإيمان بها فرض، والامتناع عن الخوض فيها واجب، فالمهتدي من سلك فيها طريق
стр. 177
كقلب واحد يصرفه كيف شاء، ثم قال رسول الله ﷺ : ((اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك)) ، رواه مسلم.
٩٠- (١٢) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة
ــ
التسليم، والخائض فيها زائغ، والمنكر معطل، والمكيف مشبه، قال الله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [٤٢: ١١] ، وقيل: هذا الحديث من أحاديث الصفات التي تقبل التأويل، فيتأول حسب ما يليق بجلاله الأقدس وكماله الأنفس، فعلى هذا إطلاق الإصبع عليه تعالى مجاز، وهو كما يقال: "فلان في قبضتي"، أي في كفي، لا يراد به أنه حال في كفه، بل المراد تحت قدرتي، ويقال: "فلان بين إصبعي أقلبه كيف شئت"، أي إنه هين علي قهره والتصرف فيه كيف شئت، ومعنى الحديث: أن تقليب القلوب في قدرته يسير، يعني أنه تعالى متصرف في قلوب عباده وغيرها كيف شاء، ولا يمتنع عليها منها شيء ولا يفوته ما أراده، كما لا يمتنع على الإنسان ما كان بين إصبعيه، فخاطب العرب بما يفهمونه، ومثله بالمعاني الحسية تأكيداً له في نفوسهم، وقيل غير ذلك في تأويله، وعندنا التفويض هو المتعين. قال النووي: فإن قيل: فقدرة الله واحدة والإصبعان لتثنية؟ فالجواب: أنه قد سبق أن هذا مجاز واستعارة، فوقع التمثيل بحسب ما اعتادوه غير مقصود به التثنية والجمع - انتهى. وقال في المجمع: هو تمثيل عن سرعة تقلبها، وأنه معقود بمشيئة الله، وتخصيص الأصابع كناية عن أجزاء القدرة والبطش؛ لأنه باليد، والأصابع أجزاءها. (كقلب واحد) بالوصف، يعني كما أن أحدكم يقدر على شيء واحد، الله تعالى يقدر على جميع الأشياء دفعة واحدة لا يشغله شأن، ونظيره قوله تعالى: ﴿ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة﴾ [٣١: ٢٨] ، وليس المراد أن التصرف في القلب الواحد أسهل بالقياس إليه تعالى، إذ لا صعوبة بالقياس إليه تعالى، بل ذلك راجع إلى العباد وإلى ما عرفوه فيما بينهم. (يصرفه) بالتشديد أي يقلب القلب الواحد أو جنس القلب. وفي بعض نسخ المصابيح بتأنيث الضمير أي القلوب. (كيف يشاء) حال عن تأويل هيناً سهلاً لا يمنعه مانع، أو مصدر أي تقليباً سريعاً سهلاً، وفي بعض نسخ صحيح مسلم "حيث يشاء". (صرف قلوبنا على طاعتك) أي إليها أو ضمن معنى التثبيت. ويؤيده ما ورد "ثبت قلبي على دينك". وفيه إرشاد للأمة وإعلام بأن نفسه القدسية الطاهرة المطهرة إذا كانت مفتقرة إلى اللجوء إليه كان غيره أولى وأحرى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي.
٩٠- قوله: (ما من مولود) أي من بني آدم، كما في رواية (إلا يولد) قيل: مولود مبتدأ، ويولد خبره، أي ما من مولود يوجد على أمر من الأمور إلى على هذا الأمر. (على الفطرة) الفطر الابتداء والاختراع. والفطرة الحالة والهيئة منه. واختلف السلف في المراد بالفطرة في الحديث على أقوال كثيرة، أشهرها: أن المراد بها الإسلام، وبه جزم البخاري ورجحه كثير من السلف، ويؤيده ما في رواية "الملة"، بدل الفطرة؛ لأن ما صدقهما واحد، وحديث عياض بن حمار مرفوعاً من الحديث القدسي: ((إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم ... )) الحديث. وقد رواه غيره.
стр. 178
فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة
ــ
فزاد فيه "حنفاء مسلمين"، ويدل عليه استشهاد أبي هريرة بقوله تعالى: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ [٣٠: ٣٠] ، فقد أجمع أهل التأويل أن المراد بالفطرة في الآية الإسلام. والحديث سبق لبيان ما هو في نفس الأمر لا لبيان أحكام الدنيا، فلا عبرة للإيمان الفطري في أحكام الدنيا، وإنما يعتبر الإيمان الشرعي المكتسب بالإرادة، ألا ترى أنه يقول: "فأبواه يهودانه" في حكم الدنيا، فهو مع وجود الإيمان الفطري فيه محكوم له بحكم أبويه الكافرين، ومعنى قوله ﵇: "طبع كافراً" في حديث موسى والخضر: أي خلق وقدر وجبل أنه لو عاش يصير كافراً، وأن الله علم أنه لو بلغ لكان كافراً، لا أنه كافر في الحال، ولا أنه يجري عليه في الحال أحكام الكفار، وقوله تعالى: ﴿لا تبديل لخلق الله﴾ يؤول بأنه من شأنه أو الغالب فيه أنه لا يبدل، أو يقال: الخبر بمعنى النهي، ولا يجوز أن يكون إخباراً محضاً لحصول التبديل. وقيل: المراد بالفطرة في الحديث وكذا في الآية ما فطر الله الخلق عليه من الهيئة مستعدة لمعرفة الخالق. ومتهيأة لقبول الدين، ومتمكنة من الهدى، ومتأهلة لقبول الحق والتمييز بين حسن الأمر وقبيحه، فلو ترك المولود على ما فطر عليه من التمكن على الهدى والتأهل لقبول الحق والتهيؤ لقبول الدين في أصل الجبلة، ولم يتعرضه آفة من قبل الأبوين وغيرهما لاستمر على لزومه ولم يفارقه إلى غيره، ولم يختر غير هذا الدين الذي حسنه ظاهر عند ذوي العقول وثابت في النفوس. والفطرة بهذا المعنى لا يتهيأ لأحد تبديلها؛ لأن هذا الاستعداد والتهيؤ لا يتبدل، وإن ذهب ذاهب إلى خلاف مقتضاها كانت بحالها حجة عليه، وليس هذا تبديلاً له بل عدم ظهور أثره بالفعل. وهذا أرجح الأقوال عندي وأولاها. ولا يخالفه لفظ "الملة" ولا حديث عياض بن حمار كما لا يخفى على المتأمل. وإلى هذا القول مال القرطبي في المفهم فقال: المعنى أن الله خلق قلوب بني آدم مؤهلة لقبول الحق كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات، فمادامت باقية على ذلك القبول وعلى تلك الأهلية أدركت الحق ودين الإسلام، وهو الدين الحق، وقد دل على هذا المعنى بقية الحديث، حيث قال: "كما تنتج البهيمة ... "الخ، يعني أن البهيمة تلد الولد كامل الخلقة، فلو ترك كذلك كان بريئاً من العيب. لكنهم تصرفوا فيه بقطع أذنه مثلاً، فيخرج عن الأصل، وهو تشبيه واقع وجهه واضح، وهو الذي رجحه التوربشتي في شرح المصابيح، واختاره الطيبي في شرح المشكاة، والشاة ولي الله الدهلوي في حجة الله، وقال في شرح الموطأ: إنه أصح ما قيل في هذا الحديث. (يهودانه) بتشديد الواو، أي يعلمانه اليهودية ويجعلانه يهودياً إذا كانا من اليهود. وذلك بتقدير الله وقضائه لا بخلقهما، فلا حجة فيه للقدرية. وكذا ينصرانه ويمجسان، والفاء في "فأبواه" إما للتعقيب وهو ظاهر، أو للتسبيب، أي إذا تقرر ذلك فمن تغير كان بسبب أبويه غالباً. (كما تنتج) أي تلد (البهيمة) بالرفع، وقوله: "كما" إما حال من الضمير المنصوب في يهودانه مثلاً، أي يهودان المولود بعد أن خلق على الفطرة مشبهاً بالبهيمة التي جدعت بعد أن خلقت سليمة. أو من الضمير المرفوع في "يولد"، شبه ولادته على الفطرة بودلاة البهيمة السليمة، غير أن السلامة حسية ومعنوية،
стр. 179
بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾ )) متفق عليه.
٩١- (١٣) وعن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال: ((إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه،
ــ
أو صفة مصدر محذوف، وما مصدرية، أي يولد على الفطرة ولادة مثل نتاج البهيمة، أو يغيرانه تغييراً كتغييرهم البهيمة، وعلى التقديرين فالأفعال الثلاثة - أعني يهودانه وما عطف عليه - تنازعت في "كما"، وتنتج يروى على بناء الفاعل وبناء المفعول، يقال: نتج الناقة ينتجها: إذا تولى نتاجها حتى وضعت فهو ناتج، وهو للبهائم كالقابلة للنساء. والأصل نتجها أهلها ولداً، ولذا يتعدى إلى مفعولين، فإذا بني للمفعول الأول قيل: نتجت ولداً، إذا وضعته وولدته، وإذا بني للمفعول الثاني قيل: نتج الولد، أي وضع وأنتجت البهيمة ولداً أي وضعته وولدته، والجمعاء التي لم يذهب من بدنها شيء، سميت بذلك لاجتماع سلامة أجزائها من نحو جدع وكي، والجدعاء التي قطعت أذنها أو غيرها من الأعضاء، زاد في المصابيح "حتى تكونوا أنتم تجدعونها"، وكذا في رواية البخاري. (بهيمة) بالنصب على أنه مفعول ثانٍ لتنتج، والأول أقيم مقام فاعله، وقيل: إنه منصوب على الحال بتقدير كون تنتج مجهولاً، أي ولدت في حالة كونها بهيمة، أو على أنه مفعول إذا كان معروفاً من نتج إذا ولد. (هل تحسون) أي تدركون وهو بضم التاء وكسر الحاء (فيها) أي في البهيمة الجمعاء، والمراد بها الجنس، والجملة في موضع الحال، أي بهيمة سليمة مقولاً في حقها هذا القول. (ثم يقول) أي أبوهريرة - كما في رواية - استشهاداً بقوله تعالى: ﴿فطرة الله﴾ أي ألزموها (ذلك) أي التوحيد الذي هو معنى الفطرة، وهو ﴿الدين القيم﴾ أي المستقيم الذي لا عوج له ولا ميل إلى تشبيه وتعطيل ولا جبر ولا قدر. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أبوداود والترمذي، وفي معنى الحديث عن جماعة من الصحابة ذكر أحاديثهم الحافظ ابن كثير في تفسيره.
٩١- قوله: (قام فينا بخمس كلمات) أي بخمس فصول، والكلمة لغة تطلق على الجملة المركبة المفيدة، أي قام فيما بيننا بتبليغ خمس كلمات، أي بسببه، فالجاران متعلقان بالقيام، وقيل: المعنى قام خطيباً فينا مذكراً بخمس كلمات لنا، فقوله: "فينا" و"بخمس" حالان مترادفان أو متداخلان، ويحتمل أن يكون "فينا" متعلقاً بقام على تضمين معنى خطب، و"بخمس" حال، أي خطب قائماً مذكراً بخمس كلمات، وقيل غير ذلك. (إن الله لا ينام) إذ النوم لاستراحة القوى والحواس، وهي على الله تعالى محال. (ولا ينبغي له أن ينام) أي لا يصح ولا يستقيم ولا يمكن له النوم، فالكلمة الأولى دالة على عدم صدور النوم، والثانية للدلالة على استحالته عليه تعالى، ولا يلزم من عدم الصدور استحالته، فلذلك ذكرت الكلمة الثانية بعد الأولى. (يخفض القسط ويرفعه) هذه هي الكلمة الثالثة، قيل: أريد بالقسط الميزان، وسمي الميزان قسطاً لأنه يقع به
стр. 180
يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)) رواه مسلم.
ــ
العدل في القسمة وغيرها، وهو الموافق لحديث أبي هريرة الآتي: ((يرفع الميزان ويخفضه)) ، والمعنى أن الله يخفض الميزان ويرفعه بما يوزن من أعمال العباد المرتفعة إليه وأرزاقهم النازلة من عنده، كما يرفع الوزان يده ويخفضها عند الوزن، فهو تمثيل وتصوير لما يقدر الله تعالى وينزل، ويحتمل أنه أشار إلى قوله تعالى: ﴿كل يوم هو في شأن﴾ [٥٥: ٢٩] ، أي إنه يحكم بين خلقه بميزان العدل، فأمره كأمر الوزان الذي يزن فيخفض يده ويرفعها، وهذا المعنى أنسب بما قبله، كأنه قيل: كيف كان يجوز عليه النوم وهو الذي يتصرف أبداً في ملكه بميزان العدل، وقيل: أريد بالقسط الرزق؛ لأنه قسط كل مخلوق ونصيبه، وخفضه تقليله ورفعه تكثيره، يخفضه تارة بتقتير الرزق والخذلان بالمعصية، ويرفعه أخرى يتوسيع الرزق والتوفيق للطاعة، ففيه رد على القدرية. (يرفع إليه) أي للعرض عليه، وإن كان هو تعالى أعلم به ليأمر الملائكة بإمضاء ما قضي لفاعله جزاء له على فعله، أو يرفع إلى خزائنه ليحفظ إلى يوم الجزاء. (قبل عمل النهار) أي قبل رفع عمل النهار (وعمل النهار) عطف على عمل الليل (قبل عمل الليل) أي قبل أن يشرع العبد في عمل الليل، أو قبل أن يرفع العمل بالليل، والأول أبلغ؛ لأن الزمن أقصر، ولما فيه من الدلالة على مسارعة الملائكة المؤكلة إلى رفع الأعمال وسرعة عروجهم إلى ما فوق السماوات. (حجابه النور) هذه هي الكلمة الخامسة، وأصل الحجاب هو الستر الحائل بين الرائي والمرئي، والمراد ههنا هو المانع للخلق عن إبصاره في دار الفناء، والكلام في دار البقاء، فلا يرد أن الحديث يدل على امتناع الرؤية في الآخرة، وكذا لا يرد أنه ليس له مانع عن الإدراك فكيف قيل: حجابه النور؟ يريد أن حجابه خلاف الحجب المعهودة، فهو محتجب عن الخلق بأنوار عزه وجلاله وسعة عظمته وكبريائه، وذلك هو الحجاب الذي تدهش دونه العقول وتذهب الأبصار وتتحير البصائر. (لو كشفه) أي رفع ذلك الحجاب وأزاله، هذا هو المتبادر من كشف الحجاب، وقيل: المراد لو أظهره. (سبحات وجهه) بضمتين جمع سبحة - بالضم كغرفة وغرفات، وفسر سبحات الوجه بجلاله وأنواره وبهائه، وقيل: محاسنه؛ لأنك إذا رأيت الوجه الحسن قلت سبحان الله. (ما انتهى) أي وصل (إليه) الضمير لما (بصره) أي بصر الله تعالى، والمعنى لأحرقت سبحات ذاته كل مخلوق انتهى إلى ذلك المخلوق بصره تعالى، ومعلوم أن بصره محيط لجميع الكائنات، فكيف إذا كشف، فهذا كناية عن هلاك المخلوق أجمع، وقيل: الضمير في "بصره" راجع إلى "ما"، وهو موصول مفعول به لأحرقت، وضمير "إليه" راجع إلى وجهه تعالى، والمراد ما انتهى بصره إلى الله تعالى أي كل من يراه يهلك، فكأنهم راعوا أن الحجاب مانع عن إبصارهم، فعند الرفع ينبغي أن يعتبر إبصارهم وإلا فإبصاره تعالى دائم. (من خلقه) بيان لما في قوله "ما انتهى" والمعنى لو أزال المانع من رؤيته وهو الحجاب المسمى نوراً فتجلى لما وراءه من حقائق الصفات وعظمة الذات لأحرق جلال ذاته ونور وجهه جميع مخلوقاته. (رواه مسلم) في الإيمان وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤:ص٣٩٥، ٤٠٥)