Полный текст (4 545 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
فكان يقول: التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله)) . رواه مسلم.
ــ
وإشارة إلى وجوبه. (التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله) المباركات جمع مباركة، وهي كثيرة الخير، وقيل: النامية، قال النووي: تقديره "والمباركات، والصلوات، والطيبات" كما في حديث ابن مسعود وغيره، لكن حذفت الواو اختصاراً، وهو جائز معروف في اللغة- انتهى. قلت: حذف واو العاطف ولو كان جائزاً لكن التقدير خلاف الظاهر؛ لأن المعنى صحيح بدون تقديرها، فيكون جملة واحدة في الثناء، ولو سلم حذف الواو ههنا فتعدد الثناء صريح في تشهد ابن مسعود لذكر الواو فيه فيكون أولى من هذا. (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا) كذا رواه مسلم وأبوداود وابن ماجه، وأحمد في رواية له بتعريف السلام في الموضعين. ورواه الترمذي والنسائي والشافعي وأحمد في طريق أخرى بتنكير السلام فيهما. قال النووي: يجوز فيهما حذف اللام وإثباتها، والإثبات أفضل، وهو الموجود في روايات الصحيحين. قال الحافظ: لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام، وإنما اختلف ذلك في حديث ابن عباس، وهو من أفراد مسلم- انتهى. (وأشهد أن محمداً رسول الله) انفرد ابن عباس بهذا اللفظ، إذ في سائر التشهدات الواردة عن عمر، وابن مسعود، وجابر، وأبي موسى، وعبد الله بن الزبير كلها بلفظ "وأشهد أن محمداً عبده ورسوله". وأما قول الرافعي المنقول أنه ﷺ كان يقول في تشهده "وأشهد أني رسول الله" فمردود بأنه لا أصل له، قاله القاري. قلت: روى النسائي وابن ماجه حديث ابن عباس هذا بلفظ: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. هذا، وقد تقدم أن الشافعي اختار تشهد ابن عباس. قال الحافظ في الفتح: قال الشافعي بعد أن أخرج حديث ابن عباس: رويت أحاديث في التشهد مختلفة، وكان أحب إلىّ؛ لأنه أكملها. وقال في موضع آخر، وقد سئل عن اختياره تشهد ابن عباس: لما رأيته واسعاً، وسمعته عن ابن عباس صحيحا، كان عندي أجمع وأكثر لفظاً من غيره، وأخذت به غير معنف لمن يأخذ بغيره مما صح، ورجحه بعضهم لكونه مناسباً للفظ القرآن في قوله تعالى: ﴿تحية من عند الله مباركة طيبة﴾ [٢٤: ٦١] ، وأما من رجحه بكون ابن عباس من أحداث الصحابة فيكون أضبط لما روى، أو بأنه أفقه من رواه، أو يكون إسناد حديثه حجازياً، وإسناد ابن مسعود كوفياً، وهو مما يرجح به، فلا طائل فيه لمن أنصف-انتهى. (رواه مسلم) قال المجد بن تيمية في المنتقى بعد ذكر الحديث بلفظ المصنف: رواه مسلم، وأبوداود بهذا اللفظ، ورواه الترمذي وصححه كذلك، لكنه ذكر السلام منكراً، ورواه ابن ماجه كمسلم، لكنه قال: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ورواه الشافعي وأحمد بتنكير السلام، وقالا فيه "وأن محمداً" ولم يذكرا "أشهد" والباقي كمسلم. ورواه أحمد من طريق آخر كذلك لكن بتعريف السلام، ورواه النسائي كمسلم، لكنه نكر السلام، وقال: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله- انتهى. والحديث
стр. 1157
ولم أجد في "الصحيحين" ولا في الجمع بين الصحيحين "سلام عليك" و"سلام علينا" بغير ألف ولام، ولكن رواه صاحب "الجامع" عن الترمذي.
﴿الفصل الثاني﴾
٩١٧- (٥) عن وائل بن حجر، عن رسول الله ﷺ قال: ((ثم جلس فافترش رجله اليسرى، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى،
ــ
أخرجه أيضاً الدارقطني في إحدى روايتيه بتعريف السلام فيهما. وأخرجه ابن حبان في صحيحه بتعريف السلام الأول وتنكير الثاني. وأخرجه الطبراني بتنكير الأول وتعريف الثاني. (ولا في الجمع) أي للحميدي. (بين الصحيحين) وكأنه لم يقل بينهما؛ لأنه علم، والعلم لا يتغير. ("سلام عليك" و"سلام علينا" بغير ألف ولام) قيل: أصل "سلام عليك" سلمت سلاماً عليك، ثم حذفت الفعل وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتداء لإفادة الثبوت والدوام، ثم زيدت "ال" للعهد الذهني، وقد تقدم توجيهه. (ولكن رواه) ابن الأثير (صاحب الجامع) أي للأصول الست. (عن الترمذي) وقد تقدم أن النسائي أيضاً رواه منكراً، وكذا الشافعي وأحمد والدارقطني في إحدى روايتيهما. ومقصود المصنف أن ذكر البغوي حديث ابن عباس بتنكير السلام في الموضعين في الصحاح مخالف لما في صحيح مسلم، ثم لا يخفى ما في قول المصنف "رواه صاحب الجامع" من التسامح، فإن الصحيح أن يقول: ذكره أو أورده صاحب الجامع؛ لأن ابن الأثير ليس من الرواة.
٩١٧- قوله: (عن رسول الله ﷺ ) أي مرفوعاً في كيفية جلسته للتشهد، والأظهر أن يقول المصنف: عن وائل بن حجر أنه قال في صفة صلاة رسول الله ﷺ : ثم جلس، الخ. (قال) أي وائل بن حجر. (ثم جلس) أي النبي ﷺ وهذا عطف على ما ترك ذكره في الكتاب من صدر الحديث، وهو أن وائل بن حجر قال، قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله ﷺ كيف يصلي، قال: فقام رسول الله ﷺ ، فاستقبل القبلة، فكبر، فرفع يديه حتى حاذتا بأذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك، قال: ثم جلس. (فافترش رجله اليسرى) أي وجلس على باطنها، ونصب اليمنى، ففي رواية الطحاوي، وسعيد بن منصور: فرش قدمه اليسرى على الأرض، وجلس عليها. واستدل به الحنفية على تفضيل الافتراش في التشهدين، وأجيب بأن هذا الحديث محمول على التشهد الأول لحديث أبي حميد المتقدم في صفة الصلاة، ولما رواه النسائي في "باب موضع اليدين عند الجلوس للتشهد الأول " عن وائل بن حجر، قال أتيت رسول الله ﷺ ، فرأيته يرفع يديه إذا افتتح الصلاة- الحديث. وفيه "وإذا جلس في الركعتين أضجع اليسرى، ونصب اليمنى" الخ. (ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى) أي ممدودة غير مقبوضة. وفي رواية للنسائي: وضع كفه اليسرى
стр. 1158
وحد مرفقه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض ثنتين، وحلق حلقة، ثم رفع إصبعه، فرأيته يحركها يدعو بها)) . رواه أبوداود والدارمي.
ــ
على فخذه وركبته اليسرى. (وحد مرفقة) بصيغة الماضي مشددة الدال، عطف على الأفعال السابقة و"على" بمعنى "عن"، أي رفع مرفقه عن فخذه، وجعل عظم مرفقه كأنه رأس وتد، أو "على" بمعناه و"الحد" المنع والفصل بين الشيئين، ومنه سمي المناهي حدود الله. والمعنى: فصل بين مرفقه وجنبه، ومنع أن يلتصقا في حال استعلائهما على الفخذ. وجوز أن يكون "حد" اسماً مرفوعاً مضافاً إلى المرفق على الابتداء، خبره "على فخذه" والجملة حال، أو اسما منصوباً عطفاً على مفعول "وضع" أي وضع يده اليسرى على فخذه اليسرى ووضع حد مرفقه اليمنى، على فخذه اليمنى، وهذا الوجه هو الموافق لما في رواية للنسائي من قوله: وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، أي جعل غاية المرفق وطرفه مستعلياً على الفخذ مرتفعاً عنه. قال الشوكاني: والمراد كما قال في شرح المصابيح: أن يجعل عظم مرفقه كأنه رأس وتد. قال ابن رسلان: يرتفع طرف مرفقه من جهة العضد عن فخذه، حتى يكون مرتفعاً عنه، كما يرتفع الوتد عن الأرض، ويضع طرفه الذي من جهة الكف على طرف فخذه الأيمن. وجوز بعضهم أنه ماض من التوحيد، أي جعل مرفقه منفرداً عن فخذه، أي رفعه، وهذا أبعد الوجوه. (وقبض ثنيتين) أي الخنصر والبنصر من أصابع يده اليمنى. (وحلق) بتشديد اللام. (حلقه) بسكون اللام وتفتح، أي جعل الإبهام والوسطى كالحلقة. (ثم رفع إصبعه) أي المسبحة كما تقدم. (فرأيته) أي النبي ﷺ . (يحركها) فيه أن تحريك المسبحة سنة، وقد أخذ به قوم. وذهب الجمهور إلى عدم التحريك لحديث ابن الزبير التالي، ولخلو غالب الروايات عن التحريك، قالوا: والمراد بالتحريك في حديث وائل هو حركة الإشارة لا حركة أخرى بعد الرفع للإشارة. قال البيهقي: يحتمل أن يكون مراده بالتحريك الإشارة بها لا تكرير تحريكها حتى لا يعارض حديث ابن الزبير. قال الشوكاني: ومما يرشد إلى ما ذكره البيهقي رواية أبي داود لحديث وائل، فإنها بلفظ: وأشار بالسبابة- انتهى. قلت: وإليه يظهر ميل النسائي حيث ترجم على رواية عبد الله بن الزبير التي فيها: أشار بالسبابة لا يجاوز بصره إشارته، بلفظ "موضع البصر عند الإشارة وتحريك السبابة" فكأنه أشار بصنيعه إلى أن المراد بتحريك السبابة حركة الإشارة، لا تكرير تحريكها؛ لأنه لم يذكر في هذا الباب رواية التحريك، بل اكتفى بذكر رواية الإشارة. وجمع بعضهم بين الروايتين بحملهما على أوقات مختلفة، فقال: كان يحركها تارة ولا يحركها أخرى. وقال بعضهم: حديث وائل أصح وأقوى من حديث ابن الزبير، وأيضاً حديث وائل مثبت وذاك ناف والمثبت مقدم على النافي فلا يجوز أن يعارض به حديث وائل. (يدعو بها) أي يشير بها، أي يرفعهما في دعائه، أي تشهده، سمي التشهد دعاء لاشتماله عليه. (رواه أبوداود) إلخ. وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة، والبيهقي. والحديث سكت عنه أبوداود، والمنذري. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
стр. 1159
٩١٨- (٦) وعن عبد الله بن الزبير. قال: ((كان النبي ﷺ يشير بإصبعه إذا دعا، ولا يحركها)) رواه أبوداود والنسائي. وزاد أبوداود: ولا يجاوز بصره إشارته.
٩١٩- (٧) وعن أبي هريرة، قال: ((إن رجلا كان يدعو بإصبعيه، فقال رسول الله ﷺ : أحد أحد)) رواه الترمذي والنسائي، والبيهقي في "الدعوات الكبير".
٩٢٠- (٨) وعن ابن عمر، قال: ((نهى رسول الله ﷺ أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده)) .
ــ
٩١٨- قوله: (إذا دعا) أي تشهد، واستدل به على استمرار الرفع إلى آخر التشهد. وقد قدمنا أن الراجح أن يديم الرفع والإشارة إلى أن ينصرف من الصلاة بالسلام، وقد صرح شيخ مشائخنا السيد نذير حسين المحدث الدهلوي في بعض فتاواه بأن المصلي يستمر على الرفع إلى آخر الدعاء بعد التشهد، وقد نقل صاحب "غاية المقصود" فتواه بتمامها. (ولا يحركها) تقدم الكلام فيه آنفاً. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري. (والنسائي) وأخرجه أيضاً أحمد، وابن حبان في صحيحه. وقال النووي: إسناده صحيح. (ولا يجاوز بصره) بضم الراء. (إشارته) بالنصب على المفعولية، أي بل كان يتبع بصره إشارته؛ لأنه الأدب الموافق للخضوع. والمعنى لا ينظر إلى السماء حين الإشارة إلى التوحيد، بل ينظر إلى إصبعه، ولا يجاوز بصره عنها. وهذه الزيادة أخرجها النسائي أيضاً.
٩١٩- قوله: (إن رجلاً) قيل هو سعد بن أبي وقاص كما في رواية أبي داود والنسائي من حديث أبي صالح عن سعد قال: مر علي النبي ﷺ ، وأنا أدعوا بإصبعي، فقال: أحد أحد، وأشار بالسبابة. (كان يدعو) أي يشير. (بإصبعيه) الظاهر أنهما المسبحتان. (أحد أحد) كرر للتأكيد في التوحيد. أي أشر بإصبع واحدة؛ لأن الذي تدعوه واحد، وهو الله تعالى، وأصله وحد أمر مخاطب من التوحيد، وهو القول بأن الله تعالى واحد، قلبت الواو همزة. وإيراد المصنف هذا الحديث في التشهد يدل على أنه حمله على الإشارة في جلسة التشهد، وعليه حمله النسائي أيضاً حيث أورد حديث أبي هريرة هذا، وحديث سعد في التشهد، وترجم عليهما "باب النهي عن الإشارة بإصبعين، وبأي إصبع يشير؟ " وأخرجه الترمذي في الدعوات كالبيهقي، وصنيعهما يدل على أنهما حملاه على الدعاء، لا على الإشارة في التشهد، بل عداه أدباً من جملة آداب الدعاء، وهو الذي فهمه أبوداود حيث أخرج حديث سعد في الدعاء. ولا شك أن الحديث يحتمل كلا المعنيين، لكن الاحتمال الثاني الذي ذهب إليه الترمذي وأبوداود والبيهقي أي حمله على أدب الدعاء أظهر. (رواه الترمذي) أي في الدعوات وحسنه. (والنسائي) في الصلاة. ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
٩٢٠- قوله: (وهو معتمد) أي متكيء. (على يده) قال القاري: وفي نسخة "على يديه" وقال ابن رسلان في شرح
стр. 1160
رواه أحمد وأبوداود. وفي رواية له: ((نهى أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة)) .
ــ
السنن: الرواية الصحيحة "يديه" يعني بل يضعهما على ركبتيه وفخذيه، فالمراد بقوله: أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده، هو أن يضع يده في التشهد على الأرض، ويتكيء عليها. وقيل: هو أن يجلس الرجل في الصلاة، ويرسل اليدين إلى الأرض من فخذيه، والأول أقرب إلى اللفظ، ووجه الكراهة أن ذلك من شأن المتكبرين، وبه يزول استواء الجلوس، وظاهر النهي التحريم، وقد تقدم شيء من الكلام فيه في شرح قول ابن عمر قبل باب التشهد. (رواه أحمد) (ج٢: ص١٤٧) . (أبوداود) وسكت عنه. (وفي رواية له) أي لأبي داود. (نهى أن يعتمد) أي يتكىء. (الرجل على يديه إذا نهض) أي قام. (في الصلاة) بل ينهض على صدور قدميه من غير اعتماد على الأرض، واحتج بهذه الرواية الحنفية ومن وافقهم على أن المصلي لا يعتمد على يديه عند قيامه، ويعتمد على ظهور القدمين، لكن هذه الرواية شاذة، والرواية الصحيحة هي الأولى، وذلك لأن حديث ابن عمر هذا في النهي عن الاعتماد على اليد في الصلاة. رواه أبوداود عن أربعة من شيوخه: الإمام أحمد بن حنبل، وأحمد بن محمد بن شبوية، ومحمد بن رافع، ومحمد ب عبد الملك الغزال، واللفظ الأول لفظ أحمد بن حنبل، والرواية الثانية لابن عبد الملك، ولفظ ابن شبوية: نهى أن يعتمد الرجل على يده في الصلاة، ولفظ ابن رافع: "نهى أن يصلي الرجل وهو معتمد على يده"، ووضعه في باب الرفع من السجود ظناً منه أن الحديث في النهي عن الاعتماد في الرفع من السجود. والفرق بين هذه الروايات أن رواية ابن شبوية وابن رافع مطلقة، يعني أنها تدل على النهي عن الاعتماد على اليد في الصلاة مطلقاً، سواء كان في الجلوس أو النهوض، وإن كان ذكر ابن رافع حديثه في "باب الرفع من السجود" يدل على أنه حمله على حالة النهوض من السجود، لكن لفظ الحديث عام، والظاهر أن المراد منه أن يضع يديه على ركبتيه بعد الرفع من السجدة، وأما رواية أحمد بن حنبل فهي مقيدة بحالة الجلوس، فإنها تدل على أن النهي عن الاعتماد على اليد في حالة الجلوس، يعني إذا جلس في الصلاة سواء كان في التشهدين أو بين السجدتين، أو في جلسة الاستراحة، فلا يعتمد على يديه، وكذا رواية ابن عبد الملك أيضاً مقيدة لكن بحالة النهوض، وهي تدل على أن النهي عن الاعتماد على اليد في حالة النهوض من السجود، فقد تعارض القيدان، والحديث واحد، ورواية ابن عبد الملك شاذة لمخالفته من هو أوثق منه، وهو الإمام أحمد بن حنبل، فإنه إمام ثقة، مشهور العدالة، ومحمد بن عبد الملك- وهو ابن زنجويه البغدادي أبوبكر الغزال- وإن وثقة النسائي لكنه دون أحمد بن حنبل بمراتب، وقد ذكر الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة عبد الملك عن ابن أبي حاتم أنه قال: وهو صدوق، وقال مسلمة: ثقة، كثير الخطأ- انتهى. فلا شك أن أحمد بن حنبل أقوى وأوثق من ابن عبد الملك، فتقدم روايته لكونها أرجح على رواية ابن عبد الملك. ويرجح رواية الإمام أحمد أيضاً ما في البخاري من حديث مالك بن الحويرث بلفظ: واعتمد على الأرض، وعند الشافعي: واعتمد بيديه على الأرض، والله أعلم. ثم رأيت الشيخ أحمد محمد شاكر قد بسط الكلام في شرح هذا
стр. 1161
٩٢١- (٩) وعن عبد الله بن مسعود، قال: ((كان النبي ﷺ في الركعتين الأوليين كأنه على الرضف حتى يقوم)) رواه الترمذي وأبوداود والنسائي.
ــ
الحديث في شرحه للمسند (ج٩: ص١٥٧- ١٦٢) ورجح لفظ رواية الإمام أحمد، وقد أجاد وأصاب، فعليك أن تراجعه.
٩٢١- قوله: (كان النبي ﷺ في الركعتين الأوليين) أي فيما بعدهما وهو التشهد الأول من صلاة ذات أربع أو ثلاث، وهذا لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي: كان إذا جلس في الركعتين الأوليين. ولفظ النسائي: كان النبي ﷺ في الركعتين. قال السندي: المراد في جلوس الركعتين في غير الثنائية، يدل عليه قوله: حتى يقوم. (كأنه) جالس. (على الرضف) بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة بعدها فاء، الحجارة التي حميت بالشمس أو النار، واحدتها رضفة، وهذا كناية عن تخفيف الجلوس. قال المظهر: أراد به تخفيف التشهد الأول وسرعة القيام في الثلاثية والرباعية، يعني لا يلبث في التشهد الأول كثيراً بل يخففه ويقوم مسرعاً كمن هو قاعد على حجر حار، فيكون مكتفيا بالتشهد دون الصلاة والدعاء. (حتى يقوم) وفي رواية النسائي: قلت: حتى يقوم؟ قال: ذاك يريد. قال السندي: "حتى" للتعليل بقرينة الجواب بقوله: ذاك يريد، ولا يناسب هذا الجواب كون "حتى" للغاية فليتأمل- انتهى. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم، يختارون أن لا يطيل الرجل القعود في الركعتين الأوليين، ولا يزيد على التشهد شيئاً في الركعتين الأوليين، وقالوا: إن زاد على التشهد فعليه سجدتا السهو، هكذا روى عن الشعبي وغيره- انتهى. وهو الذي اختاره أبوحنيفة، وقال الشافعي: لا بأس أن يصلي على النبي ﷺ ، قلت: الظاهر أن لا يزيد على التشهد، لكن لو زاد لا يجب عليه سجدتا السهو؛ لأنه لم يقم دليل شرعي على وجوب سجدة السهو على من زاد على التشهد في القعدة الأولى. (رواه الترمذي وأبوداود والنسائي) وأخرجه أيضاً أحمد والشافعي والحاكم من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه. قال الترمذي: هذا حديث حسن، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه- انتهى. فالحديث منقطع، وإنما حسنه الترمذي مع انقطاعه لشواهده. قال الحافظ في التلخيص (ص١٠١) بعد عزو الحديث إلى الشافعي وأحمد والأربعة، والحاكم: هو منقطع؛ لأن أباعبيدة لم يسمع من أبيه. قال شعبة عن عمرو بن مرة: سألت أباعبيدة هل تذكر من عبد الله شيئا؟ قال: لا. رواه مسلم وغيره. وروى ابن أبي شيبة من طريق تميم بن سلمة: كان أبوبكر إذا جلس في الركعتين كأنه على الرضف. إسناده صحيح. وعن ابن عمر نحوه، ثم قال: وروى أحمد وابن خزيمة من حديث ابن مسعود: علمه التشهد، فكان يقول إذا جلس في وسط الصلاة، وفي آخرها على وركه اليسرى "التحيات" إلى قوله "عبده ورسوله" قال: ثم إن كان في وسط الصلاة نهض حين يفرغ من تشهده، وإن كان في آخرها دعا بعد تشهده بما شاء الله أن يدعو ثم يسلم- انتهى. فهذه الروايات شواهد لحديث الباب حديث ابن مسعود.
стр. 1162
﴿الفصل الثالث﴾
٩٢٢- (١٠) عن جابر، قال: ((كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن: بسم الله، وبالله، التحيات لله الصلوات الطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أسأل الله الجنة، وأعوذ بالله من النار)) .
ــ
٩٢٢- قوله: (بسم الله، وبالله) قد تفرد بهذه الزيادة أيمن بن نابل الراوي للحديث عن أبي الزبير، عن جابر، وقد رواه الليث وعمرو بن الحارث وغيرهما عن أبي الزبير بدون هذا، وقال حمزة الكناني: لا أعلم أحداً قال في التشهد "بسم الله، وبالله" إلا أيمن- انتهى. قلت: ووقع التسمية في حديث عمر عند عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وغيرهما، وصححه الحاكم مع كونه موقوفاً، وعورض برواية مالك عن الزهري، فإنها ليست فيها هذه الزيادة، نعم ثبتت في الموطأ عن ابن عمر موقوفاً، قال البيهقي: الرواية الموصولة المشهورة عن الزهري، عن عبد الرحمن القاري، عن عمر ليس فيها ذكر التسمية، وأما الرواية التي فيها عن ابن عمر، فهي وإن كانت صحيحة، فيحتمل أن تكون زيادة من جهة ابن عمر، فقد روينا عنه، عن النبي ﷺ حديث التشهد ليس فيه ذكر التسمية- انتهى. وورد التسمية أيضاً في حديث ابن الزبير عند الطبراني في الكبير والأوسط من طريق ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن أبي الورد، عن عبد الله بن الزبير، قال الطبراني: تفرد به ابن لهيعة، وهو ضعيف ولا سيما وقد خالف، كذا في التلخيص. وقال في الفتح: وفي الجملة لم تصح هذه الزيادة، وقد ترجم البيهقي عليها "من استحب أو أباح التسمية قبل التحية" وهو وجه لبعض الشافعية، وضعف. ويدل على عدم اعتبارها أنه ثبت في حديث أبي موسى المرفوع في التشهد وغيره: فإذا قعد أحدكم فليكن أول قوله: التحيات لله- الحديث. كذا رواه عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة بسنده. وأخرج مسلم من طريق عبد الرزاق هذه، وقد أنكر ابن مسعود وابن عباس وغيرهما على من زادها. أخرجه البيهقي وغيره_ انتهى. وقال السخاوي في المقاصد لحسنة: زيادة التسمية في التشهد ليس بصحيح، وقال أبومحمد البغوي، والشيخ في المهذب: ذكر التسمية في التشهد غير صحيح. وقال ابن قدامة في المغني (ج١: ص٥٨٠) : سمع ابن عباس رجلا يقول "بسم الله" فانتهره، وبه قال مالك وأهل المدينة وابن المنذر والشافعي وهو الصحيح؛ لأن الصحيح من التشهدات ليس فيه تسمية فيقتصر عليها، ولم تصح التسمية عند أصحاب الحديث، ولا غيرها مما وقع الخلاف فيه، وإن فعله جاز؛ لأنه ذكر- انتهى. وقال الباجي: ليس من سنة التشهد عند مالك البسملة في أول التشهد؛ لأنا قد بينا أن السنة هو تشهد عمر، وليس فيه
стр. 1163
رواه النسائي.
٩٢٣- (١١) وعن نافع، قال: كان عبد الله بن عمر إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، وأشار بإصبعه وأتبعها بصره، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : ((لهي أشد على الشيطان من الحديد، يعني السبابة))
ــ
كذلك- انتهى. (رواه النسائي) وأخرجه أيضاً ابن ماجه، والترمذي في العلل، والحاكم من طريق أيمن بن نابل، عن أبي الزبير عن جابر، قال الحافظ في التلخيص: رجاله ثقات، إلا أن أيمن بن نابل أخطأ في إسناده، وخالفه الليث، وهو من أوثق الناس في أبي الزبير فقال: عن أبي الزبير، عن طاووس، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال حمزة الكناني: قوله "عن جابر" خطأ ولا أعلم أحداً قال في التشهد "بسم الله وبالله" إلا أيمن. وقال الدارقطني: ليس بالقوي خالف الناس. وقال يعقوب بن شيبة: فيه ضعف. وقال الترمذي: سألت البخاري عنه فقال: خطأ. وقال الترمذي: وهو غير محفوظ. وقال النسائي: لا أعلم أحداً تابع أيمن بن نابل على هذه الرواية، وأيمن عندنا لا بأس به، لكن الحديث خطأ. وقال البيهقي هو ضعيف، وأورد الحاكم في المستدرك حديثاً ظاهره أن أيمن توبع عن أبي الزبير، فقال: حدثنا أبوعلي الحافظ: ثنا عبد الله بن قحطبة: ثنا محمد بن عبد الأعلى: ثنا معتمر: ثنا أبي، عن أبي الزبير به. قال الحاكم: سمعت أبا علي يوثق ابن قحطبة إلا أنه أخطأ فيه؛ لأن المعمر لم يسمعه من أبيه، إنما سمعه من أيمن-انتهى. كذا في التلخيص. وقال في الفتح: تفرد به أيمن بن نافل، وحكم الحافظ: البخاري وغيره على أنه أخطأ في إسناده، وأن الصواب رواية أبي الزبير عن طاؤس. وغيره عن ابن عباس. وفي الجملة لم تصح هذه للزيادة إلى آخر ما نقلنا من كلامه. وقال السيوطي في شرح سنن النسائي: قال الحاكم: أيمن ثقة تخرج حديثه في صحيح البخاري، ولم يخرج هذا الحديث، إذا ليس له متابع عن أبي الزبير من وجه يصح. وقال الدارقطني في علله: قد تابع أيمن الثوري وابن جريج، عن أبي الزبير-انتهى. قلت: لم يذكر السيوطي سند هذه المتابعة حتى ينظر فيه هل يصلح للمتابعة أم لا؟ فما لم يعلم سندها لا يحكم باعتبارها وكونها مصححة لحديث أيمن.
٩٢٣- قوله: (وعن نافع) مولى ابن عمر. (إذا جلس في الصلاة) أي للتشهد. (وضع يديه على ركبتيه) بقبض اليمنى وبسط اليسرى. (وأشار بإصبعه) أي مسبحة اليمنى. (وأتبعها) أي الإشارة أو الإصبع. (بصره) حين الإشارة. (لهي) أي الإشارة إلى الوحدانية. (أشد على الشيطان من الحديد) المعنى: أن هذه الإشارة أشد على الشيطان من السيف والسهم، لما فيه من التوحيد، فيقطع طمع الشيطان من وقوع المصلي في الإشراك والكفر. (يعني) هذا كلام الراوي أي يريد النبي ﷺ بالضمير في "لهي". (السبابة) أي الإشارة بها، فعالة من السب،
стр. 1164
رواه أحمد.
٩٢٤- (١٢) وعن ابن مسعود، كان يقول: من السنة إخفاء التشهد. روا أبوداود والترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب.
(١٦) باب الصلاة على النبي ﷺ وفضلها
ــ
وهو الشتم، وسبه أيضاً قطعه، والحمل على المعنى الثاني أنسب لذكر الحديد، كأنه بالإشارة بها يقطع طمع الشيطان من إضلاله، قاله الطيبي. (رواه أحمد) (ج٢: ص١١٩) ونسبه الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢: ص١٤٠) إلى البزار أيضاً، وقال: فيه كثير بن زيد، وثقه بن حبان، وضعفه غيره- انتهى. وروى البيهقي في السنن الكبرى عن ابن عمر مرفوعاً: تحريك الإصبع في الصلاة مذعرة للشيطان. قال ابن حجر وغيره: سنده ضعيف.
٩٢٤- قوله: (من السنة) قال الطيبي: إذا قال الصحابي "من السنة كذا، أو السنة كذا" فهو في الحكم كقوله، قال رسول الله ﷺ . هذا مذهب الجمهور من المحدثين والفقهاء، وجعله بعضهم موقوفاً، وليس بشيء-انتهى. (إخفاء التشهد) كذا في جميع النسخ بلفظ المصدر، وفي جامع الترمذي وسنن أبي داود "أن يخفى التشهد" وهو يحتمل أن يكون مبنياً للفاعل، ولما لم يسم فاعله، وفي رواية الحاكم "تخفى" فيكون مبنياً للفاعل فقط. والحديث دليل على أن السنة في التشهد أن يقرأ سراً. قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم. (رواه أبوداود والترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب) وسكت عنه أبوداود، وأخرجه الحاكم (ج١: ص٢٦٧) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي. والحديث في سنده عند الثلاثة يونس بن بكير بن واصل الشيباني الكوفي. قال الحافظ: صدوق يخطىء. وقال الخزرجي: قال ابن معين: ثقة، وضعفه النسائي. وقال أبوداود: ليس بحجة، يأخذ كلام ابن إسحاق فيوصله أي بالأحاديث، روى له مسلم متابعة، وفيه أيضاً محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد رواه معنعناً لكنهما لم ينفردا بهذا الحديث، فقد رواه أيضاً الحاكم في المستدرك (ج١: ص٢٣٠) من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الحسن بن عبيد الله، عن عبد الرحمن بن الأسود بإسناده، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي. وعلى هذا فالحديث لا ينحط عن درجة الحسن.
(باب الصلاة على النبي ﷺ ) أي باب حكم الصلاة وصفتها ومحلها. (وفضلها) أي ثوابها. قال المجد الفيروز آبادي: الصلاة: الدعاء والرحمة والاستغفار وحسن الثناء من الله عزوجل على رسوله ﷺ ، وعبادة فيها ركوع وسجود، اسم يوضع موضع المصدر، صلى صلاة لا تصليه، دعا- انتهى. وقال الحافظ في الفتح بعد ذكر أقوال القوم في معنى الصلاة: وأولى الأقوال ما تقدم عن أبي العالية أن معنى صلاة الله على نبيه، ثناءه عليه. وتعظيمه. وصلاة الملائكة وغيرهم عليه، طلب
стр. 1165
ذلك من الله تعالى. والمراد طلب الزيادة لا طلب أصل الصلاة، وقيل: صلاة الله على خلقه تكون خاصة، وتكون عامة. فصلاته على أنبيائه هي ما تقدم من الثناء والتعظيم، وصلاته على غيرهم الرحمة، فهي التي وسعت كل شيء. قال: وقال الحليمي: معنى الصلاة على النبي ﷺ تعظيمه، فمعنى قولنا: اللهم صل على محمد: عظم محمداً، والمراد تعظيمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دينه، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بإجزال مثوبته، وتشفيعه في أمته، وإبداء فضيلته بالمقام المحمود. وعلى هذا فالمراد بقوله: "صلوا عليه" ادعوا ربكم بالصلاة عليه- انتهى. ولا يعكر عليه عطف "آله وأزواجه، وذريته" عليه، فإنه لا يمتنع أن يدعى لهم بالتعظيم، إذ تعظيم كل أحد بحسب ما يليق به. وما تقدم عن أبي العالية أظهر، فإنه يحصل به استعمال لفظ الصلاة بالنسبة إلى الله، وإلى ملائكته، وإلى المؤمنين المأمورين بذلك بمعنى واحد- انتهى كلام الحافظ مختصراً. واعلم أنهم اختلفوا في أن الأمر في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً﴾ [٣٣: ٥٦] هل هو للندب أو للوجوب؟ ثم هل الصلاة عليه فرض عين أو فرض كفاية؟ ثم هل تتكرر كلما سمع ذكره أم لا؟ وإذا تكرر هل تتداخل في المجلس أم لا؟ فذهب ابن جرير الطبري إلى أن الصلاة عليه من المستحبات. وقيل: إنها تجب في العمر مرة في صلاة أو في غيرها، وهي مثل كلمة التوحيد، قاله أبوبكر الرازي من الحنفية، وابن حزم، وغيرهما، فهي عندهم فرض بالجملة، ولا تتعين في الصلاة، ولا في وقت من الأوقات، ومن صلى عليه مرة واحدة في عمره فقد سقط فرض ذلك عنه، وبقي مندوباً إليه في سائر عمره مقدار ما يمكنه، وبهذا عرف أن الصلاة عليه في التشهد الأخير من الصلاة سنة مستحبة عندهم، وإليه ذهب أبوحنفية ومالك والثوري. وقيل: تجب في القعود آخر الصلاة بين قول التشهد وسلام التحلل، قاله الشافعي وأحمد ومن تبعهما، فهي عندهم من فرائض الصلاة وأركانها. والفرض منها عندهم متعين في الصلاة. وقيل: تجب في الصلاة من غير تعيين المحل، نقل ذلك عن أبي جعفر الباقر. وقيل: يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد، قاله أبوبكر بن بكير من المالكية. وقيل: كلما ذكر، قاله الطحاوي، وجماعة من الحنفية، والحليمي، وجماعة من الشافعية. وقال ابن العربي من المالكية: إنه الأحوط، وكذا قال الزمخشري. وقال في الدر المختار: اختلف الطحاوي والكرخي في وجوبها على السامع والذاكر كلما ذكر، والمختار عند الطحاوي تكرار الوجوب كلما ذكر، ولو اتحد المجلس في الأصح، لا لأن الأمر يقتضى التكرار، بل؛ لأنه تعلق وجوبها بسبب متكرر، وهو الذكر فيتكرر بذكره، وتصير ديناً بالترك فتقضي؛ لأنها حق عبدكالتشميت، بخلاف ذكر الله تعالى. والمذهب استحباب التكرار، وعليه الفتوى، والمعتمد قول الطحاوي، كذا ذكره الباقاني تبعاً لما صححه الحلبى وغيره، ورجحه في البحر بأحاديث الوعيد كرغم، وإبعاد، وشقاء، وبخل، وجفاء- انتهى. وقيل: تجب في مجلس مرة، ولو تكرر ذكره مراراً، حكاه الزمخشري. وقيل: في كل دعاء، حكاه أيضاً. هذا إجمال الكلام في معنى الصلاة على
стр. 1166
﴿الفصل الأول﴾
٩٢٥- (١) عن عبد الرحمن بن أبي ليلي، قال: لقيني كعب بن عجرة،
ــ
النبي ﷺ وحكمها. ويؤخذ مما أوردنا من بيان الآراء في حكمها بيان محلها وحكمها في الصلاة خاصة. ومن المواطن التي اختلف في وجوب الصلاة عليه فيها: التشهد الأول، وخطبة الجمعة، وغيرها من الخطب، وصلاة الجنازة. ومما يتأكد ووردت فيه أخبار خاصة أكثرها بأسانيد جيدة: عقب إجابة المؤذن وأول الدعاء ووسطه وآخره، وفي أوله آكد، وفي آخر القنوت وفي أثناء تكبيرات العيد وعند دخول المسجد والخروج منه. وعند الاجتماع والتفرق وعند السفر والقدوم، وعند القيام لصلاة الليل وعند ختم القرآن وعند الهمّ والكرب وعند التوبة من الذنب وعند قراءة الحديث العلم والذكر وعند نسيان الشيء، وورد ذلك أيضاً في أحاديث ضعيفة، وعند استلام الحجر وعند طنين الأذن وعند التلبية وعقب الوضوء وعند الذبح والعطاس، وورد المنع منها عندهما أيضاً، وورد الأمر بالإكثار منها يوم الجمعة في حديث صحيح، كذا في الفتح. وأما صفتها، فقال ابن قدامة في المغني (ج١: ص٥٨٥) : الأولى أن يأتي بالصلاة على النبي ﷺ على الصفة التي ذكر الخرقي؛ لأن ذلك حديث كعب بن عجزة، وهو أصح حديث روي فيها. وعلى أي صفة أتى بالصلاة عليه مما ورد في الأخبار أي الصحيحة جاز، كقولنا في التشهد، وظاهره أنه إذا أخل بلفظ ساقط في بعض الأخبار جاز؛ لأنه لو كان واجباً لما أغفله النبي ﷺ . قال القاضي أبويعلي: ظاهر كلام أحمد أن الصلاة واجبة على النبي ﷺ حسب لقوله في خبر أبي زرعة: الصلاة على النبي ﷺ أمر، من تركها أعاد الصلاة، ولم يذكر الصلاة على آله، وهذا مذهب الشافعي، ولهم في وجوب الصلاة على آله وجهان. وقال بعض أصحابنا: تجب الصلاة على الوجه الذي في خبر كعب؛ لأنه أمر به، والأمر يقتضي الوجوب، والأول أولى، والنبي ﷺ إنما أمرهم بهذا حين سألوه تعليمهم، ولم يبتدءهم-انتهى. وسيأتي مزيد الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى. وقد أطال الكلام في مسألة الصلاة عليه فأجاد، وأحسن العلامة الخفاجي في "نسيم الرياض" شرح "شفاء القاضي عياض"، والإمام ابن القيم في "جلاء الأفهام"، والسخاوي في "القول البديع في الصلاة على الشفيع" والقسطلاني في "المواهب اللدنية" من أحب رجع إلى هذه الكتب.
٩٢٥-قوله: (عن عبد الرحمن بن أبي ليلي) الأنصاري المدني ثم الكوفي، ثقة من كبار التابعين، اختلف في سماعه من عمر، مات بوقعة الجماجم سنة ست وثمانين. وقيل: إنه غرق بدجيل. ووالده أبوليلي الأنصاري صحابي، اسمه بلال، أو بليل- بالتصغير- ويقال: داود، وقيل: يسار- بالتحتانية- وقيل: أوس. شهد أحداً وما بعدها، وعاش إلى خلافة علي. (لقيني كعب) وعند الطبري: إن ذلك كان وهو يطوف بالبيت الحرام. (بن عجرة) بضم العين
стр. 1167
فقال: ألا أهدى لك هدية سمعتها من النبي ﷺ ؟ فقلت: بلى، فأهدها لي. فقال: سألنا رسول الله ﷺ ، فقلنا: يارسول الله! كيف الصلاة عليكم
ــ
المهملة وسكون الجيم، بعدها راء مفتوحة فهاء تانيث، البلوى حليف الأنصار، أبومحمد المدني، صحابي مشهور، نزل الكوفة قال الواقدي: استأخر إسلامه، ثم أسلم وشهد المشاهد، وهو الذي نزلت فيه بالحديبية الرخصة في حلق رأس المحرم والفدية. روى سبعة وأربعين حديثاً، اتفقا على حديثين، وانفرد مسلم بمثلهما، روى عنه جماعة. مات بالمدينة سنة إحدى، وقيل: ثنتين، وقيل: ثلاث وخمسين. قال بعضهم: وهو ابن خمس، وقيل: سبع وسبعين سنة. (فقال) لي. (ألا) الهمزة للاستفهام. (أهدى) بضم الهمزة. (هدية) بتشديد الياء، وهي اسم مصدر، والمصدر إهداء؛ لأنه من "أهدى" والهدية ما يتقرب به إلى المهدى إليه توددا وإكراما. وزاد فيه بعضهم "من غير قصد نفع عوض دنيوي، بل لقصد ثواب الآخرة" وأكثر ما يستعمل في الأجسام لا سيما والهدية فيها نقل من مكان إلى آخر، وقد يستعمل في المعاني كالعلوم والأدعية مجازاً لما يشتركان فيه من قصد المواددة والتواصل في إيصال ذلك إليه. (فأهدها) بقطع الهمزة. (فقال: سألنا) بسكون اللام. والفاء للتفسير، إذ التقدير: أردنا السؤال. (فقلنا) أراد بإيراد صيغة الجمع نفسه وغيره من الصحابة ممن كان حاضراً. قال في الفتح: وقد وقفت من تعيين من باشر السؤال على جماعة، وهم كعب بن عجرة عند الطبراني، وبشير بن سعد والد النعمان في حديث أبي مسعود عند مالك، ومسلم، وزيد بن خارجة الأنصاري عند النسائي، وطلحة بن عبيد الله عند الطبري، وأبو هريرة عند الشافعي، وعبد الرحمن بن بشير عند إسماعيل القاضي في كتاب الصلاة، فإن ثبت أن السائل كان متعدداً فواضح، وإن ثبت أنه كان واحدا فالحكمة بالتعبير بصيغة الجمع الإشارة إلى أن السؤال لا يختص به بل يريد نفسه، ومن يوافقه على ذلك، ولا يقال هو من باب التعبير عن البعض بالكل، بل حمله على ظاهره هو المعتمد لما ذكر. وعند البيهقي والخلعي عن كعب بن عجرة، قال: لما نزلت: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ [٣٣: ٥٦] الآية، قلنا: يا رسول الله! قد علمنا- الحديث. (كيف الصلاة؟) أي كيف لفظ الصلاة في الصلاة بعد التشهد؟ قال القاضي: يحتمل أن يكون سؤالهم عن كيفية الصلاة في غير الصلاة، ويحتمل أن يكون في الصلاة. قال: وهو الأظهر. قال النووي: وهذا اختيار مسلم، ولهذا ذكر هذا الحديث في هذا الموضع أي بعد أحاديث التشهد. (عليكم) فيه تغليب، ويدل عليه الحديث الآتي: كيف نصلي عليك؟ قاله القاري. وقال الحافظ: أما إتيانه بصيغة الجمع في قوله "عليكم" فقد بين مراده بقوله "أهل البيت"؛ لأنه لو اقتصر عليها لاحتمل أن يريد بها التعظيم، وبها تحصل مطابقة الجواب للسؤال حيث قال "على محمد وعلى آل محمد"، وبهذا يستغنى عن قول من قال: في الجواب زيادة على السؤال؛ لأن السؤال وقع عن كيفية الصلاة عليه، فوقع الجواب عن ذلك بزيادة
стр. 1168
أهل البيت؟ فإن الله قد علمنا كيف نسلم عليك.
ــ
كيفية الصلاة على آله- انتهى. وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي: المقصود السؤال عن كيفية الصلاة عليه ﷺ ، وذكر أهل البيت تبعاً واستطراداً. وقيل: أهل البيت كناية عن ذاته ﷺ ، والأهل بمعنى الآل، وقد يقال: آل فلان، ويراد به نفسه وذاته فقط. كما قيل في آل داود ونحوه. وفي قوله "أهل البيت" تلميح إلى قوله تعالى: ﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت﴾ [١١: ٧٣] والقرينة على إرادة هذا المعنى قوله الآتي: فإن الله قد علمنا، الخ. (أهل البيت) بالنصب على المدح والاختصاص، أو على أنه منادى مضاف، ويجوز جره لكونه عطف بيان لضمير المخاطب. (فإن الله قد علمنا كيف نسلم عليك) يعني في التشهد، وهو قول المصلي "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته". والمعنى: علمنا الله كيفية السلام عليك على لسانك، وبواسطة بيانك، وفي رواية للبخاري: قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ وفي أخرى: أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ أي إن الله تعالى أمرنا بالصلاة والسلام عليك بقوله: ﴿صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ [٣٣: ٥٦] ، وقد عرفنا كيفية السلام عليك بما علمتنا في التحيات من أن نقول: السلام عليك أيها النبي، الخ. فعلمنا كيف اللفظ الذي به نصلي عليك كما علمتنا السلام؟ فالمراد بعدم علمهم الصلاة عدم معرفة تأديتها بلفظ لائق به ﵊، ولذا وقع بلفظ "كيف" التي يسأل بها عن الصفة. قال القرطبي: هذا سؤال من أشكلت عليه كيفية ما فهم أصله، وذلك أنهم عرفوا المراد بالصلاة فسألوا عن الصفة التي تليق بها ليستعملوها-انتهى. والحامل لهم على ذلك أن السلام لما تقدم بلفظ مخصوص وهو "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" فهموا منه أن الصلاة أيضاً تقع بلفظ مخصوص، وعدلوا عن القياس لإمكان الوقوف على النص، ولاسيما في ألفاظ الأذكار، فإنها تجيء خارجة عن القياس غالبا، فوقع الأمر كما فهموا، فإنه لم يقل لهم: قولوا الصلاة عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ولا قولوا: الصلاة والسلام عليك، الخ. بل علمهم صيغة أخرى. وفي حديث أبي مسعود البدري عند أحمد في مسنده، وابن خزيمة في صحيحه، والدارقطني في سننه، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، والبيهقي في سننه: أنهم قالوا، يارسول الله! أما السلام فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا؟ وفي رواية: كيف نصلي في صلاتنا؟ قال الدارقطني: إسناده حسن متصل- وقال البيهقي: إسناده حسن، صحيح، وصححه الحاكم أيضاً. واستدل به جماعة من الشافعية كابن خزيمة، والبيهقي على إيجاب الصلاة على النبي ﷺ في كل صلاة في القعود آخر الصلاة بين التشهد والسلام. وتعقب بأنه لا دلالة فيه على ذلك، بل إنما يفيد إيجاب الإتيان بهذه الألفاظ على من صلى على النبي ﷺ في التشهد. وعلى تقدير أن يدل على إيجاب أصل الصلاة فلا يدل على هذا المحل المخصوص، ولكن قرب البيهقي ذلك بأن الآية لما نزلت وكان النبي ﷺ قد علمهم كيفية السلام عليه في التشهد، والتشهد داخل الصلاة، فسألوا عن كيفية الصلاة، فعلمهم، فدل على أن المراد بذلك
стр. 1169
قال: قولوا: اللهم صل على محمد
ــ
إيقاع الصلاة عليه في التشهد بعد الفراغ من التشهد الذي تقدم تعليمه لهم، وأما احتمال أن يكون ذلك خارج الصلاة فهو بعيد كما قال عياض وغيره. (قولوا) قال القسطلاني: الأمر ههنا للوجوب اتفاقاً، نعم اختلف هل يتعدد أم لا؟ فقيل: في العمر مرة واحدة، وقيل: في كل تشهد يعقبه سلام، قاله الشافعي. وقال الشوكاني في النيل: قوله في الحديث "قولوا" استدل بذلك على وجوب الصلاة عليه ﷺ بعد التشهد، وإلى ذلك ذهب عمر، وابنه، وابن مسعود، وجابر بن زيد، والشعبي، ومحمد بن كعب القرظي، وأبوجعفر الباقر، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وابن المواز. واختار القاضي أبوبكر ابن العربي، وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب، منهم مالك، وأبوحنيفة، وأصحابه، والثوري، والأوزاعي، وآخرون. قال: ويمكن الاعتذار عنه بأن الأمر المذكور تعليم كيفية، وهو لا يفيد الوجوب، فإنه لا يشك من له ذوق أن من قال لغيره: إذا أعطيتك درهماً فكيف أعطيك أياه أسراً أم جهراً؟ فقال له: أعطيته سراً، كان ذلك أمرا بالكيفية التي هي السرية، لا أمرا بالإعطاء. وتبادر هذا المعنى لغة وشرعاً وعرفاً لا يدفع، وقد تكرر في السنة وكثر، فمنه: إذا قام أحدكم الليل فليفتتح الصلاة بركعتين خفيفتين-الحديث. وقد أطال الكلام على دلائل القائلين بوجوب الصلاة عليه ﷺ في القعود آخر الصلاة، والاعتذار عنها. ومال إلى عدم وجوبها في الصلاة. والأحوط عندي هو وجوبها لما تقدم من تقرير البيهقي في الاحتجاج لذلك، ولما سيأتي. وقد ألزم العراقي من قال من الحنفية بوجوب الصلاة عليه كلما ذكر، كالطحاوي، ونقله السروجي في شرح الهداية عن أصحاب المحيط، والعقد، والتحفة، والمغيث، من كتبهم أن يقولوا بوجوبها في التشهد، لتقدم ذكره في آخر التشهد، لكن لهم أن يلتزموا ذلك، لكن لا يجعلونه شرطاً في صحة الصلاة. (اللهم) هذه كلمة كثر إستعمالها في الدعاء، وهو بمعنى ياالله، والميم عوض عن حرف النداء، ولا يدخلها حرف النداء إلا في نادر، كقول الراجز:
إني إذا مات حادث ألما ... ... أقول: يا اللهم يا اللهما
واختص هذا الاسم بقطع الهمزة عند النداء ووجوب تفخيم لامه، وبدخول حرف النداء عليه مع التعريف، وبالباء في القسم، وذهب الفراء من تبعه من الكوفيين إلى أن أصله ياالله! وحذف حرف النداء تخفيفاً، والميم مأخوذة من جملة محذوفة مثل أمنا بخير، وقيل: بل زائدة كما "زرقم" للشديد الزرقة، وزيدت في الاسم العظيم تفخيماً، وقيل: غير ذلك (صلى على محمد) قال الجزري في النهاية معناه: عظمه في الدنيا بإلا ذكره، وإظهار دعوته، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته، وتضعيف أجره ومثوبته. وقيل، المعنى: لما أمر الله سبحانه بالصلاة عليه ولم نبلغ قدر الواجب من ذلك أحلناه على الله، وقلنا: اللهم صل أنت على محمد؛ لأنك أعلم بما يليق به. وهذا الدعاء قد اختلف هل يجوز إطلاقه على غير النبي ﷺ أم لا؟ والصحيح أنه خاص به فلا يقال لغيره. وقال الخطابي: الصلاة التي بمعنى التكريم
стр. 1170
وعلى آل محمد،
ــ
والتعظيم لا تقال لغيره، والتي بمعنى الدعاء والتبرك تقال لغيره، ومنه الحديث: اللهم صلى على آل أبي أوفى، أي ترحم وبرك. وقيل فيه: إن هذا خاص له لكنه هو آثر به غيره، وأما سواه فلا يجوز له أن يخص به أحداً-انتهى كلام الجزري. وأرجح للتفصيل إلى الفتح، والعمدة، وزاد المعاد، والقول البديع، قال الحليمي: المقصود بالصلاة على النبي ﷺ التقرب إلى الله بامتثال أمره، وكذا حق النبي ﷺ علينا، وتبعه ابن عبد السلام فقال: ليست صلاتنا على النبي ﷺ شفاعته له، فإن مثلنا لا يشفع لمثله، ولكن الله لما أمرنا بمكافأة من أحسن إلينا فإن عجزنا عنها كافأناه بالدعاء فأرشدنا الله لما علم عجزنا عن مكافأة نبينا إلى الصلاة عليه. وقال ابن العربي: فائدة الصلاة عليه ترجع إلى الذي يصلي عليه لدلالة ذلك على نصوع العقيدة، وخلوص النية، وإظهار المحبة، والمداومة على الطاعة، والاحترام للواسطة الكريمة ﷺ . واختلف في زيادة لفظ السيادة قبل محمد فجعله ابن عبد السلام من باب سلوك الأدب، ومال الشوكاني في النيل إلى أوليته. وقال الأسنوي: قد اشتهر زيادة "سيدنا" قبل "محمد" عند أكثر المصلين وفي كون ذلك أفضل نظر-انتهى. قلت: أما في الصلاة فالظاهر هو تركه وعدم زيادته امتثالاً للأمر، واتباعاً لللفظ المأثور، وأما في غير الصلاة فلا بأس بزيادته. قال السيوطي في الدر المنثور: أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد وابن ماجه وابن مردوية عن ابن مسعود، قال: إذا صليتم على النبي ﷺ فأحسنوا الصلاة، قالوا: فعلمنا. قال: قولوا: اللهم اجعل صلواتك، ورحمتك، وبركاتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين-الحديث. قال السخاوي: إن كثيراً من الناس يقولون: اللهم صل على سيدنا محمد، وأتى في ذلك بحثاً: أما في الصلاة فالظاهر أنه لا يقال اتباعاً لللفظ المأثور، وأما في غير الصلاة فقد أنكر ﷺ على مخاطبة بذلك كما في الحديث المشهور، وإنكاره يحتمل تواضعا، أو كراهة منه أن يحمد مشافهة، أو لأن ذلك كان في تحية الجاهلية، أو لمبالغتهم في المدح، وقد صح قوله ﷺ : أنا سيد ولد آدم، وقوله للحسن: إن ابني هذا سيد، وقوله لسعد: قوموا إلى سيدكم. وورد قول سهل بن حنيف للنبي ﷺ : يا سيدي، في حديث عند النسائي، وقول ابن مسعود: اللهم صل على سيد المرسلين. وفي كل هذا دلالة واضحة على جواز ذلك، والمانع يحتاج إلى دليل سوى ما تقدم؛ لأنه لا ينهض دليلاً مع الاحتمالات المتقدمة-انتهى. (وعلى آل محمد) قد اختلف في المراد بالآل في هذا الحديث، فقيل: الراجح أنهم من حرمت عليهم الزكاة، فإنه بذلك فسرهم زيد بن أرقم، والصحابي أعرف بمراده ﷺ ، فتفسيره قرينة على تعين المراد من اللفظ المشترك، وقد فسرهم بآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل العباس. وقيل: المراد بآل محمد، أزواجه وذريته؛ لأن أكثر طرق هذا الحديث جاء بلفظ "وآل محمد"، وجاء في حديث أبي حميد التالي موضعه "وأزواجه وذريته" فدل على أن المراد بالآل الأزواج والذرية. وتعقب بأنه ثبت الجمع بين الثلاثة كما في حديث أبي هريرة الآتي في الفصل الثالث، فيحمل على أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ غيره، فالمراد بالآل في التشهد
стр. 1171
كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم،
ــ
الأزواج، ومن حرمت عليهم الصدقة. وتدخل فيهم الذرية، فبذلك يجمع بين الأحاديث. وقد أطلق على أزواجه ﷺ آل محمد كما في حديث عائشة: ماشبع آل محمد من خبز مأدوم ثلاثاً، وفي حديث أبي هريرة: اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً، وكأن الأزواج أفردوا بالذكر تنويهاً بهم وكذا الذرية. وقيل: المراد بالآل جميع أمة الإجابة. قال ابن العربي: مال إلى ذلك مالك. وقال النووي في شرح مسلم: هو أظهر الأقوال، قال: وهو اختيار الأزهري وغيره من المحققين-انتهى. وقيده القاضي حسين، والراغب، بالأتقياء منهم. وعليه يحمل كلام من أطلق، ويؤيده قوله تعالى: ﴿إن أولياءه إلا المتقون﴾ [٨: ٣٤] . وقوله ﷺ : "إن أوليائي منكم المتقون"، وإلى حمله على أمة الإجابة ذهب نشوان الحميري إمام اللغة، ومن شعره في ذلك:
... آل النبي هم أتباع ملته من الأعاجم والسودان والعرب
... لو لم يكن آله إلا قرابته صلى المصلي على الطاغي أبي لهب
ويدل على ذلك أيضاً قول عبد المطلب من أبيات:
... وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك
والمراد بآل الصليب أتباعه. ومن الأدلة على ذلك قول الله تعالى: ﴿أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ [٤٠: ٤٦] ؛ لأن المراد بآله أتباعه، وقد احتج لهذا القول بحديث أنس رفعه: آل محمد كل تقي. أخرجه الطبراني، ولكن سنده واه جداً. وأخرج البيهقي عن جابر نحوه من قوله بسند ضعيف، ويؤيد ذلك معنى الآل لغة. قال في القاموس: الآل أهل الرجل وأتباعه، وأولياؤه، ولا يستعمل إلا فيما فيه شرف غالباً، فلا يقال آل الإسكاف، كما يقال أهله- انتهى. وفي تفسيره أقوال أخرى كلها مرجوحة ضعيفة، فلا حاجة إلى ذكرها، ولولا ضعف حديث أنس وكون سنده واهياً جداً لتعين تفسير آل محمد في التشهد بأتقياء أمته، ثم لعل وجه إظهار محمد في قوله "وآل محمد" مع تقدم ذكره هو أن استحقاق الآل بالإتباع لمحمد، فالتنصيص على اسمه آكد في الدلالة على استحقاقهم، والله تعالى أعلم. (كما صليت على إبراهيم) ذكر في وجه تخصيصه من بين الأنبياء وجوه، أظهرها كونه جد النبي ﷺ ، وقد أمرنا بمتابعته في أصول الدين أو في التوحيد المطلق والانقياد المحقق، قاله القاري. (وعلى آل إبراهيم) هم ذريته من إسماعيل وإسحاق كما جزم به جماعة من الشراح، وإن ثبت أن إبراهيم كان له أولاد من غير سارة وهاجرة، فهم داخلون لا محالة. ثم إن المراد المسلمون منهم بل المتقون فيدخل فيهم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون دون من عداهم. وفيه ما تقدم في آل محمد، قاله الحافظ. وقال الباجي: "وآل إبراهيم" أتباعه، وهذا يحتمل أن يريد به أتباعه من ذريته، ويحتمل أن يريد أتباعه من كل اتبعه، أي من غير تخصيص بذريته، قال: والأظهر عندي أن الآل الأتباع والعشيرة. واستشكل هذا التشبيه؛ لأن المقرر كون
стр. 1172
المشبه دون المشبه به، والواقع ههنا عكسه؛ لأن محمداً ﷺ وحده أفضل من إبراهيم وآله. وأجيب عن لك بأجوبة، منها: أن التشبيه إنما هو لأصل الصلاة بأصل الصلاة لا للقدر بالقدر، فهو كقوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح﴾ [٤: ١٦٣] وقوله: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ [٢: ١٨٣] وهو كقول القائل: "أحسن إلى ولدك كما أحسنت إلى فلان"، ويريد بذلك أصل الإحسان لا قدره. ومنه قوله تعالى: ﴿وأحسن كما أحسن الله إليك﴾ [٢٨: ٧٧] ورجح هذا الجواب القرطبي في المفهم. ومنها: أن الكاف للتعليل كما في قوله تعالى: ﴿كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم﴾ [٢: ١٥١] وفي قوله: ﴿واذكروه كما هداكم﴾ [٢: ١٩٨] . ومنها: أن قوله: اللهم صل على محمد، مقطوع عن التشبيه فيكون التشبيه متعلقاً بقوله: "وعلى آل محمد". يعني أنه تم الكلام بقوله" اللهم صل على محمد" ثم استأنف"وعلى آل محمد" أي وصل على آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، والمسؤل له مثل إبراهيم وآله، هم آل محمد ﷺ لا لنفسه. وفيه أن هذا الجواب وإن نقله أبوحامد عن نص الشافعي، لكنه خلاف الظامر. وتعقب أيضاً بأن غير الأنبياء لا يمكن أن يساووا الأنبياء، فكيف تطلب لهم صلاة مثل صلاة التي وقعت لإبراهيم والأنبياء من آله؟ ويمكن الجواب عن ذلك بأن المطلوب الثواب الحاصل لهم لا جميع الصفات التي كانت سبباً للثواب. ومنها: أن المسؤول مقابلة الجملة بالجملة، ويدخل في "آل إبراهيم" خلائق لا يحصون من الأنبياء، ولا يدخل في "آل محمد" نبي، وطلب إلحاق هذه الجملة التي فيها نبي واحد بتلك الجملة التي فيها خلائق من الأنبياء. ومنها: أن التشبيه لمحمد وآل محمد من صلاة كل فرد فرد فيحصل من مجموع صلاة المصلين من أول التعليم إلى آخر الزمان أضعاف ما كان لآل إبراهيم. وعبر ابن العربي عن هذا بقوله: المراد دوام ذلك واستمراره. ومنها: دفع المقدمة المذكورة أولاً وهي أن المشبه به يكون أرفع من المشبه، وأن ذلك ليس بمطرد، بل قد يكون التشبيه بالمثل بل وبالدون كما في قوله تعالى: ﴿مثل نوره كمشكاة﴾ [٢٤: ٣٥] . وأين يقع نور المشكاة من نوره تعالى؟ ولكن لما كان المراد من المشبه به أن يكون شيئاً ظاهراً واضحاً للسامع حسن تشبيه النور بالمشكاة، وكذا ههنا لما كان تعظيم إبراهيم وآل إبراهيم بالصلاة عليهم مشهوراً واضحاً عند جميع الطوائف حسن أن يطلب لمحمد وآل محمد بالصلاة عليهم مثل ما حصل لإبراهيم وآل إبراهيم، ويؤيد ذلك ختم الطلب المذكور بقوله "في العالمين"، أي كما أظهرت الصلاة على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، ولذا لم يقع قوله "في العالمين" إلا في ذكر آل إبراهيم، دون ذكر آل محمد على ما وقع في الحديث الذي ورد فيه، وهو حديث أبي مسعود عند مالك ومسلم وغيرهما. وعبر الطيبي عن ذلك بقوله: ليس التشبيه المذكور من باب إلحاق الناقص بالكامل، بل من باب إلحاق ما لم يشتهر بما اشتهر. ومنها: ما قال السندي: أما تشبيه صلاته ﷺ بصلاة إبراهيم فلعله بالنظر إلى ما يفيده واو العطف من الجمع والمشاركة، وعموم الصلاة المطلوبة له ولأهل بيته ﷺ ، أي شارك أهل بيته معه في الصلاة، واجعل الصلاة عليه عامة له ولأهل بيته كما صليت على إبراهيم كذلك، فكأنه ﷺ لما رأى أن
стр. 1173
إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد،
ــ
الصلاة عليه من الله تعالى ثابتة على الدوام كما هو مفاد صيغة المضارع المفيد للاستمرار التجددي في قوله: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ [٣٣: ٥٦] فدعاء المؤمنين بمجرد الصلاة عليه قليل الجدوى، بين لهم أن يدعوا له بعموم صلاته له ولأهل بيته ليكون دعاءهم مستجلباً لفائدة جديدة، وهذا هو الموافق لما ذكره علماء المعاني في القيود أن محط الفائدة في الكلام هو القيد الزائد، وكأنه لهذا خص إبراهيم؛ لأنه كان معلوماً بعموم الصلاة له ولأهل بيته على لسان الملائكة، ولذا ختم بقوله: "إنك حميد مجيد"، كما ختمت الملائكة صلاتهم على أهل بيت إبراهيم بذلك. ومنها: ما قال بعض المحققين: وجه الشبه هو كون كل من الصلاتين أفضل وأولى وأتم من صلاة من قبله، أي كما صليت على إبراهيم صلاة هي أتم، وأفضل من صلاة من قبله، كذلك صل على محمد صلاة هي أفضل وأتم من صلاة من قبله. قال السندي بعد ذكره: ويمكن أن تجعل وجه الشبه مجموع الأمرين من العموم والأفضلية. (إنك حميد) فعيل من الحمد بمعنى محمود وأبلغ منه، وهو من حصل له من صفات الحمد أكملها. وقيل: هو بمعنى الحامد أي إنك حامد من يستحق أن يحمد من عبادك، وقيل: هو بمعنى المستحق لجميع المحامد لما في الصيغة من المبالغة. (مجيد) مبالغة ماجد من المجد وهو الشرف، والمجيد صفة من كمل في الشرف، وهذا تذييل الكلام السابق وتقرير له سبيل العموم، أي إنك حميد، فاعل ما تستوجب به الحمد من النعم المتكاثرة والآلاء المتعاقبة المتوالية، مجيد، كريم الإحسان إلى جميع عبادك الصالحين، ومن محامدك وإحسانك أن توجه صلواتك، وبركاتك، وترحمك على حبيبك نبي الرحمة وآله، أو إنك حامد من يستحق أن يحمد، ومحمد من أحق عبادك بحمدك، وقبول دعاء من يدعوا له ولآله. (اللهم بارك على محمد) أي أثبت له وأدم له ما أعطيته من الشرف والكرامة، وزده من الكمالات ما يليق بك وبه. قال الحافظ: المراد بالبركة هنا الزيادة من الخير والكرامة. وقيل: المراد التطهير من الذنوب والتزكية. وقيل: المراد إثبات ذلك واستمراره من قوله: بركت الإبل أي ثبتت على الأرض، وبه سميت بركة ماء- بكسر أوله وسكون الثانية- لإقامة الماء فيها. والحاصل أن المطلوب أن يُعطوا من الخير أوفاه وأن يثبت ذلك ويستمر دائماً-انتهى. قال القاري: وهذا زيادة على أصل السؤال ووقع تتميماً للكمال. واستدل بهذا الحديث على تعين هذا اللفظ الذي علمه النبي ﷺ لأصحابه في امتثال الأمر، سواء قلنا بالوجوب مطلقاً أو مقيداً بالصلاة، وأما تعينه في الصلاة فعن أحمد في رواية، والأصح عند أتباعه لا تجب. واختلف في الأفضل فعن أحمد أكمل ما ورد وعنه يتخير، وأما الشافعية فقالوا: يكفي أن يقول: اللهم صل على محمد، واختلفوا هل يكفي الإتيان بما يدل على ذلك كأن يقوله بلفظ الخبر فيقول: "صلى الله على محمد" مثلاً؟ والأصح إجزاءه، وذلك أن الدعاء بلفظ الخبر آكد فيكون جائزاً بطريق الأولى. ومن منع وقف عند التعبد، وهو الذي رجحه ابن العربي، بل كلامه يدل على أن الثواب الوارد لمن صلى على النبي ﷺ إنما يحصل لمن صلى عليه بالكيفية المذكورة. قال الحافظ في الفتح: واتفق
стр. 1174
كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
ــ
أصحابنا على أنه لا يجزئ أن يقتصر على الخبر كأن يقول: الصلاة على محمد، إذ ليس فيه إسناد الصلاة إلى الله تعالى، واختلفوا في تعين لفظ محمد، لكن جوزوا الاكتفاء بالوصف دون الاسم، كالنبي، ورسول الله؛ لأن لفظ "محمد" وقع التعبد به، فلا يجزئ عنه إلا ما كان أعلى منه. وذهب الجمهور إلى الاجتراء بكل لفظ أدى المراد بالصلاة عليه ﷺ ، وعمدتهم في ذلك أن الوجوب ثبت بنص القرآن بقوله تعالى: ﴿صلوا عليه وسلموا تسليماً﴾ [٣٣: ٥٦] . فلما سأل الصحابة عن الكيفية وعلمها لهم النبي ﷺ ، واختلف النقل لتلك الألفاظ اقتصر على ما اتفقت عليه الروايات، وترك ما زاد على ذلك كما في التشهد، إذ لو كان المتروك واجباً لما سكت عنه. وقد استشكل ذلك ابن الفركاح في الاقليد فقال: جعلهم هذا هو الأقل، يحتاج إلى دليل على الاكتفاء بمسمى الصلاة، فإن الأحاديث الصحيحة ليس فيها الاقتصار والأحاديث التي فيها الأمر بمطلق الصلاة ليس فيها ما يشير إلى ما يجب من ذلك في الصلاة، وأقل ما وقع في الروايات: اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم، ومن ثم حكى الفوراني عن صاحب الفروع في إبحاب ذكر إبراهيم وجهين، واحتج لمن لم يوجبه بأنه ورد بدون ذكره في حديث زيد بن خارجة عند النسائي بسند قوي، ولفظه: "صلوا عليّ، وقولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد"، وفيه نظر؛ لأنه من اختصار بعض الرواة، فإن النسائي أخرجه من هذا الوجه بتمامه، وكذا الطحاوي. واختلف في إبحاب الصلاة على الآل، ففي تعيينها أيضاً عند الشافعية والحنابلة روايتان، والمشهور عندهم لا، وهو قول الجمهور، وادعى كثير منهم فيه الإجماع. ونقل البيهقي في الشعب عن أبي إسحاق المروزي، وهو من كبار الشافعية، قال: أنا اعتقد وجوبها. قال البيهقي: وفي الأحاديث الثابتة دلالة على صحة ما قال-انتهى كلام الحافظ. وقال الأمير اليماني في شرح حديث أبي مسعود البدري عند مالك وأحمد ومسلم وغيرهم: الحديث يقتضى أيضاً وجوب الصلاة على الآل، ولا عذر لمن قال بوجوب الصلاة عليه ﷺ مستدلاً بهذا الحديث من القول بوجوبها على الآل، إذ المأمور به واحد، ودعوى النووي وغيره الإجماع على أن الصلاة على الآل مندوبة غير مسلمة، بل نقول: الصلاة عليه ﷺ لا تتم، ولا يكون العبد ممتثلاً بها، حتى يأتي بهذا اللفظ النبوي الذي فيه ذكر الآل؛ لأنه قال السائل: كيف نصلي عليك؟ فأجابه بالكيفية أنها الصلاة عليه وعلى آله، فمن لم يأت بالآل فما صلى بالكيفية التي أمر بها، فلا يكون ممتثلاً للأمر، فلا يكون مصلياً عليه ﷺ ، وكذلك بقية الحديث من قوله: كما صليت، إلى آخره يجب، إذ هو من الكيفية المأمور بها، ومن فرق بين ألفاظ هذه الكيفية بإيجاب بعضها وندب بعضها فلا دليل له على ذلك- انتهى. وقال الشوكاني في تحفة الذاكرين بعد ذكر حديث أبي مسعود البدري: فيه تقييد الصلاة عليه ﷺ بالصلاة فيفيد ذلك أن هذه الألفاظ المروية مختصة بالصلاة، وأما خارج الصلاة فيحصل الامتثال بما يفيده قوله : ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً﴾ [٣٣: ٥٦] ، فإذا قال القائل "اللهم صل وسلم على محمد" فقد امتثل الأمر القرآني، وقد جاءت أحاديث في تعليمه ﷺ لصفة الصلاة عليه
стр. 1175
متفق عليه. إلا أن مسلماً لم يذكر: على إبراهيم، في الموضعين.
٩٢٦- (٢) وعن أبي حميد الساعدي، قال: ((قالوا: يا رسول الله!
ــ
فيجزئ المصلي أن يأتي بواحد منها إذا كان صحيحاً كما قلناه في التشهد والتوجه، ولكنه ينبغي أن يأتي بما هو أعلى صحة وأقوى سندا كحديث كعب، وأبي مسعود، ومثل ذلك حديث أبي حميد الساعدي يعني الذي يأتي، ومثل ذلك حديث أبي سعيد الخدري عند البخاري والنسائي وابن ماجه-انتهى. قال الحافظ: واستدل بالحديث على أن إفراد الصلاة عن التسليم لا يكره، وكذا العكس؛ لأن تعليم التسليم تقدم قبل تعليم الصلاة كما تقدم، فأفرد التسليم مدة في التشهد قبل الصلاة عليه، وقد صرح النووي بالكراهة، واستدل بورود الأمر بهما معاً في الآية، وفيه نظر نعم يكره أن يفرد الصلاة، ولا يسلم أصلاً. وأما لو صلى في وقت، وسلم في وقت آخر فإنه يكون ممتثلاً-انتهى. قال القاري في شرح الشفاء: الواو تفيد الجمعية لا المعية كما عليه الأصولية، فلا دلالة في الآية على كراهية إفراد الصلاة عن السلام، وعكسه كما ذهب إليه النووي وأتباعه من الشافعية، وقد أوضحت ذلك في رسالة مستقلة-انتهى. (متفق عليه) ولفظه للبخاري في ترجمة إبراهيم ﵇ في كتاب الأنبياء. والحديث أخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وغيرهم. (إلا أن مسلماً لم يذكر "على إبراهيم" في الموضعين) أي في قوله " كما باركت" أي واقتصر فيهما على قوله "على آل إبراهيم" وقد ظهر من سياق البخاري المذكور أن ذكر محمد وإبراهيم، وذكر آل محمد وآل إبراهيم ثابت في أصل الخبر فيحمل على أن بعض الرواة حفظ مالم يحفظ الآخر. قال الحافظ: لما اختلفت ألفاظ الحديث في الإتيان بهما معاً وفي إفراد أحدهما كان أولى المحامل أن يحمل على أنه ﷺ قال ذلك كله، ويكون بعض الرواة حفظ مالم يحفظ الآخر، وأما التعدد فبعيد؛ لأن غالب الطرق تصرح بأنه وقع جواباً عن قولهم كيف نصلي عليك؟ ويحتمل أن يكون بعض من اقتصر على "آل إبراهيم" بدون ذكر إبراهيم، رواه بالمعنى، بناء على دخول إبراهيم في قوله "آل إبراهيم". تنبيه: ادعى ابن القيم أن أكثر الأحاديث بل كلها مصرحة بذكر "محمد وآل محمد وبذكر "آل إبراهيم" فقط أو بذكر "إبراهيم" فقط. قال: ولم يجيء في حديث صحيح بلفظ "إبراهيم وآل إبراهيم" معاً. وإنما أخرجه البيهقي من طريق يحيى بن السباق، عن رجل من بني الحارث، عن ابن مسعود، ويحيى مجهول، وشيخه مبهم، فهو سند ضعيف، وأخرجه ابن ماجه من وجه آخر قوي، لكنه موقوف على ابن مسعود، وأخرجه النسائي، والدارقطني من حديث طلحة، قال الحافظ بعد ذكر كلام ابن القيم هذا: وغفل أي ابن القيم عما وقع في صحيح البخاري كما تقدم في أحاديث الأنبياء في ترجمة إبراهيم ﵇، وكذا وقع في حديث أبي مسعود البدري، أخرجه الطبري، إلى آخر ما بسط الكلام في ذكر الطرق لأحاديث من ذكر اللفظين معاً.
٩٢٦-قوله: (قالوا) أي الصحابة، ووقع عند السراج والطبراني في حديث كعب بن عجرة: أن أصحاب رسول الله
стр. 1176
كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله ﷺ : قولوا: اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم،
ــ
ﷺ قالوا. (كيف نصلي عليك؟) . أي كيف اللفظ اللائق بالصلاة عليك. (صل على محمد) صلاة تليق به. (وأزواجه) أمهات المؤمنين كما ورد التقييد بذلك في حديث أبي هريرة الآتي. (وذريته) أي نسله أولاد بنته فاطمة ﵂. قال الباجي: أما الأزواج فهن معروفات. وأما الذرية فمن كانت للنبي ﷺ ولادة من ولده، وولده ممن تبع النبي ﷺ وأطاعه- انتهى. وقال الحافظ: الذرية- بضم المعجمة وحكى كسرها- هي النسل، وقد يختص بالنساء والأطفال، وقد يطلق على الأصل، وهي من ذرأ- بالهمزة- أي خلق الإنسان، إلا أن الهمزة سهلت لكثرة الاستعمال. وقيل: بل هي من الذر، أي خلقوا أمثال الذر، وعليه فليس مهموز الأصل- انتهى. قال السخاوي: فالذرية الأولاد وأولادهم، وهل يدخل أولاد البنات. فمذهب الشافعي ومالك، وهو رواية عن أحمد أنهم يدخلون لإجماع المسلمين على دخول أولاد فاطمة في ذرية النبي ﷺ ، وحكى ابن الحاجب الاتفاق على دخول ولد البنات. قال: لأن عيسى من ذرية إبراهيم ﵉، وسامحه الشراح في نقل الاتفاق. ومذهب أبي حنيفة ورواية أخرى عن أحمد أنهم لا يدخلون، واستثنوا أولاد فاطمة ﵂ لشرف هذا الأصل العظيم-انتهى. والحديث قد استدل على أن المراد بآل محمد أزواجه وذريته كما تقدم البحث فيه في الكلام على آل محمد. واستدل به على أن الصلاة على الآل لا تجب لسقوطها في هذا الحديث وهو ضعيف؛ لأنه لا يخلو أن يكون المراد بالآل غير أزواجه وذريته، أو أزواجه وذريته، وعلى تقدير كل منهما لا ينهض الاستدلال على عدم الوجوب، أما على الأول فلثبوت الأمر بذلك في غير هذا الحديث، وليس في هذا الحديث المنع منه، بل أخرج عبد الرزاق من طريق ابن طاووس، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن رجل من الصحابة الحديث المذكور بلفظ: صل على محمد، وأهل بيته، وأزواجه، وذريته. وأما على الثاني فواضح. واستدل به البيهقي على أن الأزواج من أهل البيت، وأيده بقوله تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت﴾ [٣٣: ٣٣] . كذا في الفتح. (على آل إبراهيم) بذكر لفظ الآل في الموضعين. وبحذف "على إبراهيم" فيهما، وقد تقدم أن ذكر إبراهيم ثابت في أصل الخبر، وإنما حفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخر، ويحتمل أن يكون بعض من اقتصر على إبراهيم بدون ذكر إبراهيم رواه بالمعنى بناء على دخول إبراهيم في قوله "آل إبراهيم"؛ لأنه قد يطلق "آل فلان" على نفسه وعليه، وعلى من يضاف إليه جميعاً، كقوله ﷺ للحسن بن علي: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة، وكقوله تعالى: ﴿أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ [٤٠: ٤٦] . ومعلوم أن فرعون داخل معهم. قال النووي في شرح المهذب: ينبغي أن يجمع ما في الأحاديث الصحيحة فيقول: اللهم صل على محمد النبي الأمي، وعلى آل محمد، وأزواجه، وذريته، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. قال العراقي: بقي عليه مما في الأحاديث الصحيحة ألفاظ أخر، وهي خمسة يجمعها قولك: اللهم
стр. 1177
وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد)) . متفق عليه.
٩٢٧- (٣) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلى علي واحدة، صلى الله عليه عشراً))
ــ
صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي، وعلى آل محمد، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته، وأهل بيته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد النبي الأمي، وعلى آل محمد، وأزواجه، وذريته، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد- انتهى. قال الشوكاني في النيل: وهذه الزيادات التي ذكرها العراقي ثابتة في أحاديث الباب التي ذكرها ابن تيمية في المنتقى، وذكرناها، وقد وردت زيادات غير هذه في أحاديث أخر عن علي، وابن مسعود، وغيرهما ولكن فيها مقال-انتهى. وقال الحافظ: قد تعقب الأسنوي ما قال النووي فقال: لم يستوعب ما ثبت في الأحاديث مع اختلاف كلامه، وقال الأزرعي: لم يسبق إلى ما قال، والذي يظهر أن الأفضل لمن تشهد أن يأتي بأكمل الروايات، ويقول: كل ما ثبت هذا مرة، وهذا مرة، وأما التلفيق فإنه يستلزم إحداث صفة في التشهد لم ترد مجموعة في حديث واحد-انتهى. وكأنه أخذ من كلام ابن القيم فإنه قال: إن هذه الكيفية لم ترد مجموعة في طريق من الطرق. والأولى أن يستعمل كل لفظ ثبت على حدة، فبذلك يحصل الإتيان بجميع ما ورد، بخلاف ما إذا قال الجميع دفعة واحدة، فإن الغالب على الظن أنه ﷺ لم يقله كذلك، قال: وقد نص الشافعي على أن الاختلاف في ألفاظ التشهد ونحوه كالاختلاف في القراءات، ولم يقل أحد من الأئمة باستحباب التلاوة بجميع الألفاظ المختلفة في الحرف الواحد من القرآن، وإن كان بعضهم أجاز ذلك عند التعليم للتمرين. قال الحافظ: والذي يظهر أن اللفظ إن كان بمعنى اللفظ الآخر سواء كما في "أزواجه، وأمهات المؤمنين" فالأولى الاقتصار في كل مرة على أحدهما، وإن كان اللفظ يستقل بزيادة معنى ليس في اللفظ الآخر ألبتة فالأولى الإتيان به، ويحمل على أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر، وإن كان يزيد على الآخر في المعنى شيئاً فلا بأس بالإتيان به احتياطاً. وقالت طائفة منهم الطبري: إن ذلك من الاختلاف المباح، فأي لفظ ذكره المرء أجزأ، والأفضل أن يستعمل أكمله وأبلغه. واستدل على ذلك بالاختلاف النقل عن الصحابة، فذكر ما نقل عن علي وهو حديث طويل موقوف أخرجه الطبري، وسعيد بن منصور، والطبراني، وابن فارس، وعن ابن مسعود أخرجه ابن ماجه، والطبري-انتهى كلام الحافظ مختصراً. (متفق عليه) واللفظ للبخاري في ترجمة إبراهيم من كتاب الأنبياء، وفي الدعوات، وأخرجه أيضاً أحمد، ومالك، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه.
٩٢٧-قوله: (من صلى علي واحدة) أي صلاة واحدة (صلى الله عليه عشراً) أي عشر صلوات، وكلما زاد زاده بتلك النسبة. قال الشوكاني: المراد بالصلاة من الله الرحمة لعباده، وأنه يرحمهم رحمة بعد رحمة حتى تبلغ رحمته ذلك العدد، وقيل: المراد بصلاته عليهم إقباله عليهم بعطفه، وإخراجهم من ظلمة إلى رفعة ونور كما قال سبحانه: ﴿هو
стр. 1178
رواه مسلم.
﴿الفصل الثاني﴾
٩٢٨- (٤) عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلى علي صلاة واحدة، صلى الله عليه عشر صلوات، وحطت عنه عشر خطيئات، ورفعت له عشر درجات.
ــ
الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور﴾ [٣٣: ٤٣] انتهى. وقال عياض، معناه: رحمه وضاعف أجره، كقوله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [٦: ١٦٠] . قال القاري: والظاهر أن هذا أقل المضاعفة. قال عياض: ويجوز أن تكون الصلاة على وجهها، وظاهرها كلاماً يسمعه الملائكة تشريفاً للمصلي وتكريماً له، كما جاء: وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم-انتهى. وقد يستشكل بأنه كيف يجوز أن يكون الصلاة على النبي ﷺ واحدة وعلى المصلي عشرا؟ وأجيب بأن الواحدة صفة فعل المصلي، وجزاءها عشر صلوات من الله عليه على ما قال تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [٦: ١٦٠] . ولا يفهم منه أن الصلاة على النبي ﷺ من الله تكون واحدة، فإن فضل الله واسع، ولو سلمنا أن الصلاة على النبي ﷺ من الله تكون واحدة، فلعل هذه الصلاة الواحدة من الله تساوي في الشرف مائة ألف صلاة، أو تزيد في الشرف والكرامة بمائة ألف مرة، كما أن الجوهرة الواحدة الثمينة النفيسة تساوي في الثمن مائة ألف فلس، والله أعلم. والجمع بين هذا الحديث وبين ما يأتي من حديث عبد الله بن عمرو، قال: من صلى على النبي ﷺ واحدة صلى الله عليه وملائكته سبعين صلاة، بأنه ﷺ كان يعلم بهذا الثواب شيئاً فشيئاً، فكلما علم بشيء قاله، فعلم ﷺ بأن ثواب من صلى عليه هو ما في الحديث الأول، وما ورد في معناه، فأخبر به، ثم علم بأن ثوابه هو ما جاء في الحديث الثاني فأخبر به. قال ابن العربي في عارضة الأحوذى (ج٢: ص٢٧٣) : الذي أعتقده - والله أعلم - أن قوله: من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشراً، ليست لمن قال: كان رسول الله ﷺ ، وإنما هي لمن صلى عليه كما علم بما نصصناه عنه، والله أعلم-انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد، والترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن حبان في صحيحه، وفي بعض ألفاظ الترمذي: من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً، وكتب له بها عشر حسنات. لكن رواية الترمذي هذه لم أجدها، وقد أشار إليها المنذري في الترغيب وذكر أنها رواية عند الترمذي، فكأنه لم يجدها في كتاب آخر.
٩٢٨-قوله. (وحطت عنه عشر خطيئات) أي غفرت، وسترت، ووضعت، ولعله اختير لفظ "حطت" لمقابلة قوله: (ورفعت له عشر درجات) في الدنيا بتوفيق الطاعات، وفي القيامة بتثقيل الحسنات، وفي الجنة بزيادة الكرامات. قال الطيبي: الصلاة من العبد طلب التعظيم والتبجيل لجناب رسول الله ﷺ ، والصلاة من الله تعالى أي
стр. 1179
رواه النسائي.
٩٢٩- (٥) وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة)) . رواه الترمذي.
ــ
في الجزاء إن كانت بمعنى الغفران فيكون من باب المشاكلة من حيث اللفظ، وإن كانت بمعنى التعظيم فيكون من الموافقة لفظاً ومعنى، وهذا هو الوجه لئلا يتكرر معنى الغفران، أي مع الحط. ومعنى الأعداد المخصوصة محمول على المزيد والفضل في المعنى المطلوب، كذا في المرقاة. قال ابن العربي: إن قيل قد قال الله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [٦: ١٦٠] فما فائدة هذا الحديث؟ قلنا: أعظم فائدة، وذلك أن القرآن اقتضى أن من جاء بحسنة تضاعف عشرة، والصلاة على النبي ﷺ حسنة، فمقتضى القرآن أن يعطي عشر درجات في الجنة، فأخبر أن الله تعالى يصلي على من صلى على رسوله عشراً، وذكر الله العبد أعظم من الحسنة مضاعفة، قال: ويحقق ذلك أن الله تعالى لم يجعل جزاء ذكره إلا ذكره وكذلك جعل جزاء ذكر نبيه ذكره لمن ذكره. قال العراقي: ولم يقتصر على ذلك حتى زاده كتابة عشر حسنات، وحط عنه عشر سيئات، ورفعه عشر درجات كما ورد في الأحاديث. (رواه النسائي) وأخرجه أيضاً أحمد، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه (ج١: ص٥٥٠) وقال صحيح الإسناد. وأقره الذهبي، وله شواهد من حديث سعيد بن عمر الأنصاري عند أبي نعيم في الحلية، ومن حديث أبي بردة بن نيار، وأبي طلحة، كلاهما عند النسائي، ورواتهما ثقات، ومن حديث البراء بن عازب عند ابن أبي عاصم في كتاب الصلاة عن مولى للبراء لم يسمه عنه.
٩٢٩- قوله: (أولى الناس بي يوم القيامة) أي أقربهم مني في القيامة، وأحراهم باللحوق بي، وأحقهم بالفوز بشفاعتي. قال الطيبي: يعني أخص أمتي، وأقربهم مني، وأحقهم بشفاعتي، من الولى بمعنى القرب، وضمن معنى الاختصاص فعدى بالباء. (أكثرهم على صلاة) أي في الدنيا، وذلك؛ لأن الاستكثار من الصلاة عليه ﷺ يورث المحبة وهي تورث الاتحاد، وقال المناوي: لأن كثرة الصلاة عليه تدل على صدق المحبة وكمال الوصلة، فتكون منازلهم في الآخرة منه بحسب تفاوتهم في ذلك-انتهى. قال ابن حبان في صحيحه عقب هذا الحديث: فيه بيان أن أولاهم به ﷺ في القيامة أصحاب الحديث، إذ ليس من هذه الأمة قوم أكثر صلاة عليه منهم. وقال الخطيب البغدادي: قال لنا أبونعيم: هذه منقبة شريفة يختص بها رواة الآثار ونقلتها؛ لأنه لا يعرف لعصابة من العلماء من الصلاة على النبي ﷺ أكثر مما يعرف لهذه العصابة نسخاً وذكراً، يعني كتابة وقولاً. (رواه الترمذي) وقال هذا حديث حسن غريب، وأخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه كلاهما من رواية موسى بن يعقوب الزمعي عن عبد الله بن كيسان الزهري، وموسى هذا وثقة ابن معين وابن القطان، وقال الآجري عن أبي داود: هو صالح، وقال ابن عدي: لا بأس به عندي ولا برواياته.
стр. 1180
٩٣٠- (٦) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام)) رواه النسائي، والدارمي.
٩٣١- (٧) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من أحد يسلم علي
ــ
وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن المديني: ضعيف، منكر الحديث. وقال النسائي: ليس بالقوي، كذا في تهذيب التهذيب (ج١: ص٣٧٨) ، والميزان (ج٣: ص٢٢١) وقال الحافظ في التقريب: صدوق، سيء الحفظ-انتهى. وأما عبد الله بن كيسان فقال عنه ابن القطان: لا يعرف حاله، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ: هو مقبول، وللحديث شاهد من حديث أبي أمامة بلفظ: صلاة أمتي تعرض علي في كل جمعة، فمن كان أكثرهم علي صلاة كان أقربهم مني منزلة، أخرجه البيهقي. قال الحافظ في الفتح: لا بأس بسنده.
٩٣٠- قوله: (إن لله ملائكة) أي جماعة، منهم. (سياحين) صفة الملائكة، بالسين المهملة من السياحة وهي السير، يقال: ساح في الأرض يسيح سياحة إذا ذهب فيها، وأصله من السيح وهو الماء الجاري المنبسط على الأرض، في القاموس: ساح الماء، جرى على وجه الأرض، والسياح- بالتشديد- كالعلام مبالغة منها. (يبلغوني) من الإبلاغ أو التبليغ، قال القاري: وروي بتخفيف النون على حذف إحدى النونين. وقيل بتشديدها على الإدغام. (من أمتي السلام) أي يبلغوني سلام من سلم علي منهم قليلاً أو كثيراً وإن بعد قطره، أي فيرد عليه بسماعه منهم، وفيه حث على الصلاة والسلام عليه، وتعظيم له ﷺ ، وإجلال لمنزلته، حيث سخر الملائكة الكرام لهذا الشأن الفخم. قال الشوكاني: في الحديث الترغيب العظيم للاستكثار من الصلاة عليه ﷺ ، فإنه إذا كانت صلاة واحدة من صلاة من صلى عليه تبلغه كان ذلك منشطاً له أعظم تنشيط، والاقتصار في الحديث على السلام لا ينافي إبلاغ الصلاة عليه ﷺ ، فحكمهما واحد كما يدل عليه حديث الحسن بن علي، وحديث أنس كلاهما عند الطبراني، وسنذكر لفظهما. (رواه النسائي والدارمي) وأخرجه أيضاً أحمد، وابن حبان في صحيحه، والحاكم (ج٢: ص٤٢١) وقال صحيح، وأقره الذهبي. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وأخرج الطبراني في الكبير بإسناد حسن من حديث الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: حيثما كنتم فصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني، وأخرج الطبراني في الأوسط بإسناد لا بأس به من حديث أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : من صلى علي بلغتني صلاته، وصليت عليه، وكتب له سوى ذلك عشر حسنات.
٩٣١- قوله: (ما من أحد يسلم علي) ظاهره الإطلاق الشامل لكل مكان وزمان، فيكون فيه دليل على حصول فضيلة رد السلام لكل مسلم قريباً كان أو بعيداً، وعلى أنه ﷺ يرد السلام على من يسلم عليه من جميع الآفاق من جميع أمته على بُعد شقته، لكن فهم عامة العلماء منه أن المراد السلام عليه عند قبره، فيدل على تخصيص رد السلام بالقريب من
стр. 1181
القبر. قال الحفني: قوله ما من أحد أي مؤمن يسلم، الخ. ظاهره ولو بعيداً عن القبر، لكن خصه بعض الأئمة بالقريب منه، أما البعيد فيبلغه الملك-انتهى. وقال الحافظ العلامة محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي في "الصارم المنكي في الرد على التقي السبكي" (ص١٧٢) : قوله: "ما من أحد يسلم" يحتمل أن يكون المراد به عند قبره كما فهمه جماعة من الأئمة، ويحتمل أن يكون معناه على العموم، وأنه لا فرق في ذلك بين القريب والبعيد، وهذا هو ظاهر الحديث، وهو الموافق للأحاديث المشهورة التي فيها "فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم، وإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم" يشير بذلك ﷺ إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبُعدكم منه، فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيداً. والأحاديث عنه بأن صلاتنا وسلامنا تبلغه، وتعرض عليه، كثيرة-انتهى. وقال الشوكاني: ليس في الحديث ما يدل علىاعتبار كون المسلّم عليه على قبره، بل ظاهره أعم من ذلك-انتهى. قلت: إن كان المراد بالسلام في قوله: ما من أحد يسلم، الخ. ما هو بمنزلة سلام التحية الموجب للرد الذي هو حق المسلم، ولا يختص بالمؤمن، فإن الصحيح أن المراد في الحديث السلام عليه عند قبره كما فهمه كثير من العلماء؛ لأن سلام التحية على الميت يكون عند القبر لكن السلام المشروع عند القبر الذي هو سلام تحية ليس من خصائصه ﷺ ، ولهذا روي أن الميت يرد السلام مطلقاً. فقد أخرج ابن عبد البر في الاستذكار والتمهيد عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه، ورد ﵇، صححه أبومحمد عبد الحق، قال: وهذا نص في أنه يعرفه بعينه، ويرد ﵇، وروى ابن أي الدنيا في كتاب القبور بسنده عن زيد بن أسلم، عن أبي هريرة، قال: إذا مر الرجل بقبر يعرفه فسلم عليه رد ﵇، وعرفه، وإذا مر بقبر لا يعرفه فسلم عليه رد عليه. وعلى هذا فالحديث يكون مختصاً بالحاضر عند قبره. وأما الغائب فلا يحصل له ذلك. وإن كان المراد بالسلام في الحديث ما أمر الله به في القرآن، أعني الذي يسلم على صاحبه كما يصلي على من صلى عليه، والذي يختص بالمؤمن ولا يوجب الرد ولا يستدعيه، بل هو بمنزلة دعاء المؤمن للمؤمنين والاستغفار لهم، وله فيه الأجر والثواب من الله ليس على المدعو لهم مثل ذلك الدعاء، خلافاً لسلام التحية، فحمله على العموم هو الظاهر بل هو المتعين؛ لأنه ليس في الحديث ما يدل على اعتبار كون المسلم عليه حاضراً عند قبره، ولأن السلام مأمور به في القرآن مع الصلاة عليه بقوله: ﴿صلوا عليه وسلموا تسليماً﴾ [٣٣: ٥٦] مشروع له في جميع الأمكنة، لا يختص بمكان دون مكان، ولا مزية للسلام عليه عند قبره، كما لا مزية للصلاة عليه عند قبره، بل قد نهى عن تخصيص قبره بهذا كما روى: لا تتخذوا قبري عيداً، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم. والراجح عندي أن المراد بالسلام في الحديث سلام دعاء لا سلام تحية، فيتعين حمل الحديث على العموم، ولا يكون في ذلك فرق بين القريب والبعيد، كما قال في "الصارم المنكي": ولا يكون الحديث مختصاً بالزائر للقبر، الحاضر
стр. 1182
عنده، بل يحصل ذلك لكل مسلم قريباً كان أو بعيداً، وحينئذٍ تحصل فضيلة رد النبي ﷺ السلام على المسلّم من غير زيارة وحضور عند قبره. قال القاري في شرح الشفاء: ظاهر حديث أبي هريرة الإطلاق الشامل لكل مكان وزمان، ومن خص الرد بوقت الزيارة فعليه البيان-انتهى. وسيأتي من حديث أبي هريرة ما يدل على أن سلام الغائب عن قبره يبلغه ويعرض عليه، وأما الحاضر عند القبر، الزائر له إن كانت الزيارة المعهودة ممكنة مقدورة فهل يكون كذلك أو يسمعه ﷺ بغير واسطة؟ فقال القاري: الزائر إذا صلى وسلم عند قبره سمعه سماعاً حقيقياً بخلاف من يصلي ويسلم عليه من بعيد، فإن ذلك لا يبلغه إلا بواسطة لما جاء عنه بسند جيد: من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي من بعيداً علمته-انتهى. قلت: أخرج هذا الحديث أبوبكر بن أبي شيبة، والبيهقي، والعقيلي من طريق العلاء بن عمرو الحنفي، عن محمد بن مروان السدي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : من صلى عليّ عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائياً عن قبري بلغته. قال العقيلي: لا أصل له من حديث الأعمش، وليس بمحفوظ-انتهى. قلت: قد تكلم ابن حبان، والأزدي في العلاء بن عمرو، فقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به بحال، وقال الأزدي: لا يكتب عنه بحال. ومحمد بن مروان السدي متروك الحديث، متهم بالكذب، ورواه الطبراني من طريق العلاء أيضاً، ولفظه: من صلى علي من قريب سمعته، ومن صلى علي من بعيد أبلغته. وقد رواه أبوالشيخ في كتاب الثواب بلفظ الطبراني من رواية أبي معاوية عن الأعمش، قال في الصارم: وهو خطأ فاحش، وإنما هو محمد بن مروان السدي، وهو متروك الحديث، متهم بالكذب. وقال ابن القيم في جلاء الأفهام: هذا الحديث غريب جداً، وقد ظهر بهذا أن قول القاري "بسند جيد" ليس بجيد، وكذا ما قال الحافظ في الفتح في رواية أبي الشيخ "أنه أخرجها بسند جيد" لا يخلو عن نظر وإشكال. وهذا، وقد ورد ما يدل على عدم السماع عند القبر، وهو ما روى البيهقي في الشعب بسند فيه محمد بن موسى الكديمي البصري، ومحمد بن مروان السدي، والكديمي متهم بالكذب، ووضع الحديث، والسدي متهم بالكذب، متروك الحديث عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعاً: ما من عبد يسلم علي عند قبري إلا وكّل الله به ملكاً يبلغني. وفي رواية: من صلى علي عند قبري وكل الله به ملكا يبلغني، الخ. واعلم أن الذي استحبوا سلام التحية في المسجد خارج الحجرة - وهم أحمد وأبوداود، وابن حبيب والبيهقي، وغيرهم - قد ذهبوا إلى أن المراد بالسلام في الحديث السلام عند قبره، وأنه ﷺ لا يرد على كل مسلّم عليه في صلاته في شرق الأرض وغربها، واحتجوا لما اختاروه بهذا الحديث، واعتمدوا عليه في مسألة الزيارة، لكن في الاستدلال به على استحباب سلام التحية في المسجد خارج الحجرة نظر. قال محمد بن عبد الهادي المقدسي في "الصارم المنكي" (ص١٠٥) : إن كان المراد السلام عليه عند قبره كما فهمه عامة العلماء فهل يدخل فيه من سلّم من خارج الحجرة، هذا مما
стр. 1183
تنازع فيه الناس، وقد نوزعوا في دلالته، فمن الناس من يقول: هذا إنما يتناول من سلم عليه عند قبره كما كانوا يدخلون الحجرة على زمن عائشة فيسلمون على النبي ﷺ ، وكان يرد عليهم، فأولئك سلموا عليه عند قبره، وكان يرد عليهم، وهذا قد جاء عموماً في حق المؤمنين: ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇، قالوا: فأما من كان في المسجد فهؤلاء لم يسلموا عليه عند قبره، بل سلامهم عليه كالسلام عليه في الصلاة، وكالسلام عليه إذا دخل المسجد وخرج، هذا هو السلام الذي أمر الله به في حقه بقوله: ﴿صلوا عليه وسلموا تسليماً﴾ [٣٣: ٥٦] . وهذا السلام قد ورد أنه من سلم مرة سلم الله عليه عشراً، كما أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشراً. وقال في (ص١٠٧) : وسلام الزائر للقبر على الميت المؤمن من باب سلام التحية. ولهذا روي أن الميت يرد السلام مطلقاً، فالصلاة والسلام عليه ﷺ في مسجده، وسائر المساجد، وسائر البقاع مشروع بالكتاب والسنة والإجماع. وأما السلام عند قبره من داخل الحجرة فهذا كان مشروعاً لما كان ممكنناً بدخول من يدخل على عائشة. وأما تخصيص هذا السلام والصلاة بالمكان القريب من الحجرة فهذا محل النزاع، وللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: منهم من ذكر استحباب السلام والصلاة عليه إذا دخل المسجد، ثم بعد أن يصلي في المسجد استحب أيضاً أن يأتي إلى القبر، ويصلي ويسلم، كما ذكر ذلك طائفة من أصحاب مالك، والشافعي، وأحمد. ومنهم من لم يذكر إلا الثاني فقط، وكثير من السلف لم يذكروا إلا النوع الأول فقط، فأما النوع الأول فهو المشروع لأهل البلد، وللغرباء في هذا المسجد، وغير هذا المسجد. وأما النوع الثاني فهو الذي فرق من استحبه بين أهل البلاد والغرباء، سواء فعله مع الأول أو مجرداً عنه، كما ذكر ذلك ابن حبيب وغيره. وقال في (ص١٢٦) : وإنما كان نزاعهم في الوقوف للدعاء له، والسلام عليه عند الحجرة. فبعضهم رأى هذا من السلام الداخل في قوله ﷺ : ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇، واستحبه لذلك. وبعضهم لم يستحبه إما لعدم دخوله، وإما لأن السلام المأمور به في القرآن مع الصلاة وهو السلام الذي لا يوجب الرد أفضل من السلام الموجب للرد، فإن هذا مما دل عليه الكتاب والسنة، واتفق عليه السلف، فإن السلام المأمور به في القرآن كالصلاة المأمور بها في القرآن كلاهما لا يوجب عليه الرد، بل الله يصلي على من يصلي عليه، ويسلم على من يسلم عليه، ولأن السلام الذي يوجب الرد هو حق للمسلم، ولهذا يرد السلام على من سلم وإن كان كافراً، وكان اليهود إذا سلموا يقول: عليكم، وأمر أمته بذلك. قال: ولا يجوز أن الكفار إذا سلموا عليه سلام التحية فإن الله يسلم عليهم عشراً، بل كان النبي ﷺ يجيبهم على ذلك فيوفيهم، كما لو كان لهم دَين فقضاه، وأما ما يختص بالمؤمنين فإذا صلوا عليه صلى الله على من صلى عليه عشراً، وإذا سلم عليه سلم الله عيه عشراً، وهذا الصلاة والسلام عليه هو المشروع في كل مكان بالكتاب، والسنة، والإجماع، بل هو مأمور به من الله
стр. 1184
سبحانه وتعالى، لا فرق في هذا بين الغرباء وأهل المدينة عند القبر. وأما السلام عليه عند القبر فقد عرف أن الصحابة، والتابعين المقيمين بالمدينة لم يكونوا يفعلونه إذا دخلوا المسجد، وخرجوا منه، ولو كان هذا كالسلام عليه لو كان حياً لكانوا يفعلونه كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه، كما لو دخلوا المسجد في حياته وهو فيه، فإنه مشروع لهم كلما رأوه أن يسلموا عليه، فهو لما كان حياً كان أحدهم إذا أتى يسلم، وإذا قام يسلم، ومثل هذا لا يشرع عند القبر باتفاق المسلمين، وهو معلوم بالاضطرار من عادة الصحابة، ولو كان سلام التحية خارج الحجرة لكان مستحباً لكل أحد، ولهذا كان أكثر السلف لا يفرقون بين الغرباء وأهل المدينة، ولا بين حال السفر وغيره، فإن استحباب هذا لهؤلاء وكراهته لهؤلاء حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي، ولا يمكن أحداً أن ينقل عن النبي ﷺ أنه شرع لأهل المدينة الإتيان عند الوداع للقبر. وشرع لهم ولغيرهم ذلك عند القدوم من سفر، وشرع للغرباء تكرير ذلك كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه، ولم يشرع ذلك لأهل المدينة. فمثل هذه الشريعة ليس منقولاً عن النبي ﷺ ولا عن خلفائه، ولا هو معروف من عمل الصحابة، وإنما نقل عن ابن عمر السلام عند القدوم من السفر، وليس هذا من عمل الخلفاء وأكابر الصحابة، فقد روى عبد الرزاق عن معمر: ذكرت ذلك أي عمل ابن عمر لعبيد الله بن عمر فقال: ما نعلم أحداً من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلا ابن عمر، هكذا قال عبيد الله بن عمر العمري الكبير، وهو أعلم آل عمر في زمانه، وأحفظهم، وأثبتهم. قال الشيخ أي ابن تيمية: كما كان ابن عمر يتحرى الصلاة، والنزول والمرور حيث حل ونزل وغير ذلك في السفر، وجمهور الصحابة لم يكونوا يصنعون ذلك، بل أبوه عمر كان ينهى عن مثل ذلك كما روى سعيد بن منصور في سننه. وقال في (ص١٢٩) : ومما اتفق عليه الصحابة، ابن عمر وغيره من أنه لا يستحب لأهل المدينة الوقوف عند القبر للسلام إذا دخلوا المسجد وخرجوا، بل يكره ذلك، يبين ضعف حجة من احتج بقوله: "ما من رجل يسلم إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇"، فإن هذا لو دل على استحباب السلام من المسجد لما اتفق الصحابة على ترك ذلك، ولم يفرق بين القادم من السفر وغيره، فلما اتفقوا على ترك ذلك مع تيسره علم أنه غير مستحب، بل لو كان جائزاً لفعله بعضهم، فدل على أنه كان من المنهي عنه كما دلت عليه سائر الأحاديث، وعلى هذا فالجواب عن الحديث: إما بتضعيفه على قول من يضعفه، وإما بأن ذلك يوجب فضيلة الرسول ﷺ لا فضيلة المسلم بالرد عليه. إذا كان هذا من باب المكافأة والجزاء حتى أنه يشرع للبر والفاجر التحية، بخلاف ما يقصد به الدعاء المجرد، وهو السلام المأمور به. وإما بأن يقال هذا مما هو في من سلم عليه من قريب، والقريب أن يكون في بيته، فإنه إن لم يحد بذلك لم يبق له حد محدود من جهة الشرع، ثم بسط الوجه الثاني، ثم ذكر في (ص١٣١) كلام ابن تيمية في الرد على حجة من فرق بين الصادر من المدينة والوارد عليها، والوارد على مسجده من الغرباء، والصادر عنه. ثم قال في
стр. 1185
(ص١٣٦) : والمقصود أن الصحابة كانوا في زمن الخلفاء الراشدين يدخلون المسجد ويصلون فيه الصلوات الخمس، ويصلون على النبي ﷺ ويسلمون عليه عند دخول المسجد وبعد دخوله، ولم يكونوا يذهبون ويقفون إلى جانب الحجرة ويسلمون عليه هناك، وكان على عهد الخلفاء الراشدين والصحابة حجرته خارجة عن المسجد، ولم يكن بينهم وبينه إلا الجدار. ثم إنه إنما أدخلت الحجرة في المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك بعد موت عامة الصحابة الذي كانوا بالمدينة، والوليد تولى سنة ست وثمانين، وتوفي سنة ست وتسعين. فكان بناء المسجد وإدخال الحجرة فيه فيما بين ذلك، وكان الذي تولى ذلك عمر بن عبد العزيز نائب الوليد على المدينة فسد باب الحجرة، وبنوا حائطاً آخر عليها غير الحائط القديم، فصار المسلم عليه من وراء الجدار أبعد من المسلم عليه لما كان جداًرا واحداً. قال هؤلاء: لو كان سلام التحية الذي يرده على صاحبه مشروعاً في المسجد لكان له حد، ذراع أو ذراعان، أو ثلاثة، فلا يعرف الفرق بين المكان الذي استحب فيه هذا. ولمكان الذي لا يستحب فيه. فإن قيل: من سلم عليه عند الحائط الغربي رد عليه. قيل: وكذلك من كان خارج المسجد، وإلا فما الفرق؟ وحينئذٍ يلزم أن يرد على جميع أهل الأرض، وعلى كل مصل في صلاة كما ظنه بعض الغالطين، ومعلوم بطلان ذلك. وإن قيل: يختص بقدر بين المسلم وبين الحجرة. قيل: فما حد ذلك؟ ولهم قولان: منهم من يستحب القرب من الحجرة كما استحب ذلك مالك وغيره، ولكن يقال: فما حد ذلك القرب؟ وإذا جعل له حد فهل يكون من خرج عن الحد فعل المستحب؟ وآخرون من المتأخرين يستحبون التباعد عن الحجرة كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أبي حنيفة والشافعي فهل هو بذراع أو باع أو أكثر؟ وقدره من قدره من أصحاب أبي حنيفة بأربعة أذرع فإنهم قالوا: يكون حين يسلم عليه مستقبل القبلة، ويجعل الحجرة عن يساره، ولا يدنوا أكثر من ذلك، وهذا والله أعلم، قاله المتقدمون؛ لأن المقصود به السلام المأمور به في القرآن، كالصلاة عليه ليس المقصود به سلام التحية الذي يرد جوابه المسلم عليه، فإن هذا لا يشرع فيه هذا البعد، ولا يستقبل به القبلة، ولا يسمع إذا كان بالصوت المعتاد. وبالجملة فمن قال: إنه يسلم سلام التحية الذي يقصد به الرد فلا بد من تحديد مكان ذلك، فإن قال إلى أن يسمع ويرد السلام، فإن حد في ذلك ذراعاً، أو ذراعين أو عشرة أذرع، أو قال: إن ذلك في المسجد كله أو خارج المسجد فلا بد له من دليل، والأحاديث الثابتة عنه فيها أن الملائكة يبلغونه صلاة من صلى عليه، وسلام من سلم عليه، ليس في شيء منها أنه يسمع بنفسه ذلك، فمن زعم أنه يسمع ويرد من خارج الحجرة من مكان دون مكان فلا بد له من حد. ومعلوم أنه ليس في ذلك حد شرعي، وما أحد يحد في ذلك حداً إلا عورض بمن يزيده أو ينقصه ولا فرق، وأيضاً فذلك يختلف باختلاف ارتفاع الأصوات، وانخفاضها والسنة للمسلم في السلام عليه خفض الصوت، ورفع الصوت في مسجده منهي عنه بالسلام والصلاة وغير ذلك بخلاف المسلّم من الحجرة، فإنه فرق ظاهر بينه وبين المسلّم عليه من المسجد، ثم السنة لمن دخل مسجده أن يخفض صوته، فالمسلّم عليه إن رفع الصوت
стр. 1186
أساء الأدب برفع الصوت في المسجد، وإن لم يرفع لم يصل الصوت إلى داخل الحجرة، وهذا بخلاف السلام الذي أمر الله به ورسوله الذي يسلم الله على صاحبه كما يصلي على من صلى عليه، فإن هذا مشروع في كل مكان لا يختص بالقبر. وبالجملة فهذا الموضع فيه نزاع قديم بين العلماء، وعلى كل تقدير فلم يكن عند أحد من العلماء الذين استحبوا سلام التحية في المسجد حديث في استحباب زيارة قبره يحتجون به، فعلم أن هذه الأحاديث. (يعني التي يوردها المبتدعون من القبوريين وغيرهم للاحتجاج لاستحباب السفر لمجرد زيارة قبره من غير قصد الصلاة في مسجد ﷺ ، وقد بين ما فيها من الكلام في "الصارم المنكي" مفصلاً) ليست مما يعرفه أهل العلم، ولهذا لما تتبعت وجدت رواتها إما كذاب، أو ضعيف سيء الحفظ، ونحو ذلك. وهذا الحديث الذي فيه "ما من مسلم يسلّم إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇" قد احتج به أحمد وغيره من العلماء، فلو قدر أن هذا مخالف لما هو أصح منه، وجب تقديم ذلك عليه، ولكن السلام على الميت ورده السلام على من سلم عليه قد جاء في غير هذا الحديث، ولو أريد إثبات سنة رسول الله ﷺ بمثل هذا الحديث لكان هذا مختلفاً فيه للنزاع في إسناده وفي دلالته متنه. وقال في (ص١٤٥) بعد ذكر الأحاديث التي فيها تبليغ صلاة أمته وسلامهم عليه: فهذه الأحاديث المعروفة عند أهل العلم التي جاءت من وجوه حسان فصدق بعضها بعضاً، وهي متفقة على أن من صلى عليه وسلم من أمته فإن ذلك يبلغه ويعرض عليه، وليس في شيء منها أنه يسمع صوت المصلي عليه والمسلّم بنفسه، إنما فيها أن ذلك يعرض عليه ويبلغه ﷺ تسليماً، ومعلوم أنه أراد بذلك الصلاة والسلام الذي أمر الله به سواء صلى عليه وسلم في مسجده، أو مدينته، أو مكان آخر، فعلم أن ما أمر الله به من ذلك فإنه يبلغه، وأما من سلم عليه عند قبره فإنه يرد عليه، وذلك كالسلام على سائر المؤمنين ليس هو من خصائصه، ولا هو السلام المأمور به الذي يسلم الله على صاحبه عشراً، كما يصلي على من صلى عليه عشراً، فإن هذا هو الذي أمر الله به في القرآن، وهو لا يختص بمكان دون مكان، وقد تقدم حديث أبي هريرة أنه يرد السلام على من سلم عليه، والمراد عند قبره، لكن النزاع في معنى كونه عند القبر هل المراد في بيته كما يراد مثل ذلك في سائر ما أخبر به من سماع الموتى إنما هو لمن كان عند قبورهم قريباً منها، أو يراد به من كان في الحجرة كما قاله طائفة من السلف والخلف، وهل يستحب ذلك عند الحجرة لمن قدم من سفر أو لمن أراده من أهل المدينة أو لا يستحب بحال؟ وليس الاعتماد في سماعه ما يبلغه من صلاة أمته وسلامهم إلا على هذه الأحاديث الثابتة، فأما ذاك الحديث. (يعني ما روي عن أبي هريرة بلفظ: من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيا بلغته) وإن كان معناه صحيحاً، فإسناده لا يحتج به، وإنما يثبت معناه بأحاديث أخر، فإنه لا يعرف إلا من حديث محمد بن مروان السدي الصغير عن الأعمش، وهو عندهم موضوع على الأعمش، وهو لو كان صحيحاً فإنما فيه أنه يبلغ صلاة من صلى نائياً، ليس فيه أنه يسمع ذلك، فإن هذا لم يقله أحد من أهل العلم، ولا يعرف في شيء من الحديث، إنما يقوله بعض الجهال،
стр. 1187
إلا رد الله عليّ روحي، حتى أرد ﵇.
ــ
يقولون: إنه يوم الجمعة وليلة الجمعة يسمع بأذنيه صلاة من صلى عليه، فالقول بأنه يسمع ذلك من نفس المصلي باطل، وإنما في الأحاديث المعروفة أنه يبلغ ذلك ويعرض عليه، وكذلك تبلغه إياه الملائكة، وقول القائل: إنه يسمع الصلاة من بعيد، ممتنع فإنه إن أراد وصول صوت المصلي إليه فهذه مكابرة، وإن أراد أنه هو بحيث يسمع أصوات الخلائق من البعد فليس هذا إلا لله رب العالمين الذي يسمع أصوات العباد كلهم-انتهى. وقال العلامة الشيخ محمد بشير السهسواني في "صيانة الإنسان" (ص٢١-٢٤) : إن زيارة قبره ﷺ المعهودة في زماننا هل يرفع فيها الصوت ويجهر له بالقول أم لا؟ والأول منهي عنه لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾ [٤٩: ٢] . وقال: في هذا الشق يلزم ثلاث محذورات، الأول: رفع الصوت في المسجد. والثاني: رفع الصوت في مسجد رسول الله ﷺ . والثالث: رفع الصوت عند رسول الله ﷺ . قال: والشق الثاني أيضاً باطل، فإن السلام المشروع عند القبر سلام تحية لا سلام دعاء، وسلام التحية لا بد فيه من أن يفعل بحيث يسمعه المسلّم عليه حتى يرده على المسلّم. قال في المواهب وشرحه للزرقاني: ويكثر من الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ بحضرته الشريفة حيث يسمعه ويرد عليه، بأن يقف بمكان قريب منه، ويرفع صوته إلى حد لو كان حياً مخاطباً لسمعه عادة-انتهى. وقال الزرقاني: والظاهر أن المراد بالعندية قرب القبر بحيث يصدق عليه عرفاً أنه عنده، وبالبُعد ما عداه وإن كان بالمسجد-انتهى. ولما سدت حجرة عائشة التي هي مدفن رسول الله ﷺ ، وبنيت على القبر حيطان مرتفعة مستديرة حوله، ثم بنى عليه جدران من ركني القبر الشمالين، تعذر الوصول إلى قرب القبر، فالزائرون اليوم إنما يسلمون من مسافة لو سلم على حي من تلك المسافة لما سمعه فكيف يسمعه النبي ﷺ ويرده عليه ولو سلم حياته ﷺ في القبر؟ فإن قيل: إن رسول الله ﷺ بعد الممات يمكن أن يزداد قوة سمعه فيسمع من تلك المسافة. فيقال: أي دليل على هذا من كتاب وسنة. ومجرد الإمكان العقلي لا يغني عن شيء، علا أنه هل لذلك تحديد أم لا؟ على الثاني يستوي المسلم من بعيد والمسلم عند القبر، وهذا باطل عند من يقول بقربة الزيارة، فإنهم فضلوا السلام عند القبر على السلام من بعيد كالسبكي، وابن حجر المكي. وعلى الأول فلا بد من بيانه بدليل شرعي وأنى له ذلك؟. (إلا رد الله على روحي حتى أرد ﵇ هذا مشكل على من ذهب إلى أن الأنبياء بعد ما قبضوا ردت إليهم أرواحهم، فهم أحياء عند ربهم كالشهداء، ووجه الإشكال فيه أن عود الروح إلى الجسد يقتضي انفصالها عنه، وهو الموت، وهو لا يلتئم مع كونه حياً دائماً، بل رد روحه يلزمه تعدد حياته ووفاته في أقل من ساعة، إذ الكون لا يخلو من أن يسلم عليه بل قد يتعدد في آن واحد كثيراً، وقد أجابوا عنه بأجوبة، أحدها: أن المراد بقوله: "رد الله على روحي"، أن رد روحه كانت سابقة عقب دفنه، لا أنها تعاد ثم تنزع. قال السيوطي في تأليفه الذي أفرده للجواب عن هذا الإشكال سماه "انتباه الأذكياء بحياة
стр. 1188
الأنبياء" ما نصه: أن قوله " رد الله روحي" جملة حالية، وقاعدة العربية أن جملة الحال إذا صدرت بفعل ماض قدرت فيه "قد" كقوله تعالى: ﴿أو جاءوكم حصرت صدورهم﴾ [٤: ٩٠] أي قد حصرت، وكذا ههنا يقدر "قد" والجملة ماضية سابقة على السلام الواقع من كل أحد، و"حتى" ليست للتعليل بل لمجرد العطف بمعنى الواو، فصار تقدير الحديث: ما من أحد يسلم علي إلا قد رد الله علي روحي قبل ذل: وأرد عليه، وإنما جاء الإشكال من أن جملة "رد الله علي روحي" بمعنى حال أو استقبال، وظن أن "حتى" تعليلية ولا يصح ذلك كله، وبهذا الذي قدرناه ارتفع الإشكال من أصله، ويؤيده من حيث المعنى أن الرد لو أخذ بمعنى حال أو استقبال للزم تكرره عند تكرار المسلمين، وتكرر الرد يستلزم تكرر المفارقة، وتكرر المفارقة يلزم منه محذورات، منها: تألم الجسد الشريف بتكرار خروج روحه وعوده، أو نوع ما من مخالفة تكرير إن لم يتألم، ومنها: مخالف سائر الناس من الشهداء وغيرهم، إذ لم يثبت لأحدهم أنه يتكرر له مفارقة روحه وعوده بالبرزخ، وهو ﷺ أولى بالاستمرار الذي هو أعلى رتبة، ومنها: مخالفة القرآن إذ دل أنه ليس إلا موتتان وحياتتان، وهذا التكرار يستلزم موتات كثيرة وهو باطل. ومنها: مخالفة الأحاديث المتواترة الدالة على حياة الأنبياء. وما خالف القرآن والسنة المتواترة وجب تأويله-انتهى. وهذا الجواب هو أحسن الأجوبة وأقواها عند السيوطي كما صرح به في رسالته، وقد تلقى هذا الجواب عن البيهقي وسيأتي ما فيه من الكلام. الثاني: أنه يستغرق في أمور الملأ الأعلى، فإذا سلم عليه رجع إليه فهمه ليجيب من سلم عليه، قال السيوطي: لفظ الرد قد لا يدل على المفارقة، بل كنى به عن مطلق الصيرورة، وحسنه هنا مراعاة المناسبة اللفظية بينه وبين قوله: حتى أرد ﵇، فجاء لفظ الرد في صدر الحديث لمناسبة ذكره بآخره، وليس المراد بردها عودها بعد مفارقة بدنها، وإنما النبي ﷺ بالبرزخ مشغول بأحوال الملكوت، مستغرق في مشاهدته تعالى كما هو في الدنيا بحالة الوحي، فعبر عن أفاقته من تلك الحالة برد الروح. وقال البيهقي: ويحتمل أن يكون رداً معنوياً، وأن تكون روحه الشريفة مشتغلة بشهود الحضرة الإلهية، والملأ الأعلى عن هذا العالم، فإذا سلم عليه أقبلت روحه الشريفة على هذا العالم لتدرك سلام من يسلم عليه ويرد عليه-انتهى. وقد نظر في هذين الجوابين الحافظ أبوعبد الله بن محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي في "الصارم المنكي (ص ١٧٩، ٢٠٣) فقال: في كل منهما نظر، أما الأول فمضمونه رد روحه ﷺ بعد موته إلى جسده، واستمرارها فيه قبل سلام من يسلم عليه، وليس هذا المعنى مذكور في الحديث، ولا هو ظاهره، بل هو مخالف لظاهره، فإن قوله "إلا رد الله علي روحي" بعد قوله "ما من أحد يسلم على "يقتضي رد الروح بعد السلام، ولا يقتضي استمرارها في الجسد، وليعلم أن رد الروح بعد السلام للبدن وعودها إلى الجسد بعد الموت لا يقتضي استمرارها فيه، ولا يستلزم حياة أخرى قبل يوم النشور نظير الحياة المعهودة، بل إعادة الروح إلى الجسد في البرزخ إعادة برزخية لا تزيل عن الميت اسم الموت، وقد ثبت في حديث البراء بن عازب
стр. 1189
الطويل المشهور في عذاب القبر ونعيمه، وفي بيان الميت وحاله، أن روحه تعاد إلى جسده مع العلم بأنها غير مستمرة فيه وأن هذه الإعادة ليست مستلزمة لإثبات حياة مزيلة لاسم الموت، بل هي نوع حياة برزخية، والحياة جنس تحته أنواع، وكذلك الموت، فإثبات بعض أنواع الموت لا ينافي الحياة كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : أنه كان إذا استيقظ من النوم قال: الحمد لله الذي أحياناً بعد ما أماتنا وإليه النشور، وتعلق الروح بالبدن واتصالها به يتنوع أنواعاً، أحدها: تعلقها به في هذا العالم يقظة ومناماً. الثاني: تعلقها به في البرزخ، والأموات متفاوتون في ذلك، فالذي للرسل والأنبياء أكمل مما للشهداء، ولهذا لا تبلى أجسادهم، والذي للشهداء أكمل مما لغيرهم من المؤمنين الذين ليسوا بشهداء. والثالث: تعلقها به يوم البعث الآخر، ورد الروح إلى البدن في البرزخ لا يستلزم الحياة المعهودة، ومن زعم استلزمه لها لزمه ارتكاب أمور باطلة مخالفة للحس، والشرع، والعقل، وهذا المعنى المذكور في حديث أبي هريرة من رده ﷺ السلام على من يسلم عليه قد ورد نحوه في الرجل يمر بقبر أخيه، فذكر ما رواه ابن عبد البر من حديث ابن عباس مرفوعاً: ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه. حتى يرد ﵇، ثم قال: ولم يقل أحد إن هذا الرد يقتضي استمرار الروح في الجسد، ولا قال إنه يستلزم حياة نظير الحياة المعهودة، ثم ذكر آثاراً عن أبي هريرة، وعائشة بمعناه، وقال: قد روي في هذا الباب آثار كثيرة، وفي الجملة رد الروح على الميت في البرزخ، ورد السلام على من يسلم عليه لا يستلزم الحياة التي يظنها بعض الغالطين، وإن كانت نوع حياة برزخية، وقول من زعم أنها نظير الحياة المعهودة، مخالف للمنقول والمعقول، ويلزم منه مفارقته الروح للرفيق الأعلى، وحصولها تحت التراب قرناً بعد قرن والبدن حي مدرك سميع بصير تحت أطباق التراب والحجارة، ولوازم هذا الباطلة مما لا يخفى على العقلاء وبهذا يعلم بطلان تأويل قوله "إلا رد الله على روحي" بأن معناه: إلا وقد رد الله علي روحي، وأن ذلك مستمر وأحياه الله قبل يوم النشور، وأقره تحت التراب واللبن، فيا ليت شعري هل فارقت روحه الكريمة الرفيق الأعلى واتخذت بييت تحت الأرض مع البدن أم في الحال الواحد هي في المكانين؟ قال: وأما الجواب الثاني: وهو أن هذا رد معنوي، ففيه نوع من الحق، لكن صاحبه قصر فيه غاية التقصير، وهو إنما يصح ويجيء على قول أهل السنة من الفقهاء والمحدثين وغيرهم أن الروح ذات قائمة بنفسها لها صفات تقوم بها، وأنها تقارن البدن، وتصعد وتنزل، وتقبض، وتنعم، وتعذب، وتدخل، وتخرج، وتذهب، وتجيء، وتسأل، وتحاسب، ويقبضها الملك، ويعرج بها إلى السماء، ويشيعها ملائكة السموات إن كانت طيبة، وإن كانت خبيثة طرحت طرحاً، وأنه تحس، وتدرك، وتأكل، وتشرب في البرزخ من الجنة، كما دلت عليه السنة الصحيحة في أرواح الشهداء خصوصاً، والمؤمنين عموماً، ومع هذا فلها شأن آخر غير شأن البدن، فإنها تكون في الملأ الأعلى فوق السموات، وقد تعلقت بالبدن تعلقاً يقتضي رد السلام
стр. 1190
على من سلم، وهي في مستقرها في عليين مع الرفيق الأعلى، وقد مر النبي ﷺ ليلة الإسراء على موسى قائماً يصلي في قبره، ثم رآه في السماء السادسة، ولا ريب أن موسى لم يرفع من قبره تلك الليلة لا هو ولا غيره من الأنبياء الذين رآهم في السموات، بل لم تزل تلك منازلهم من السموات، وإنما رآهم النبي ﷺ ليلة الإسراء في منازلهم التي كانوا فيها من حين رفعهم الله سبحانه إليها، ولم تكن صلاة موسى بقبره بموجبه مفارقة روحه للسماء السادسة، وحلولها في القبر بل هي مستقرها، ولها تعلق بالبدن قوي، حتى حمله على الصلاة، وإذا كان النائم تقوى نفسه وفعلها في حال النوم حتى تحرك البدن، وتقيمه وتوثر فيه فما ظن بأرواح الأنبياء، وقد ثبت في الصحيح: أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر، تأكل من ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها، وتسرح فيها حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، وهذا شأنها حتى يبعثها الله سبحانه إلى أجسادها، ومع هذا فإذا زارهم المسلم وسلم عليهم عرفوا به وردوا ﵇، بل ونسمة المؤمن كذلك مع كونها طائراً تعلق في شجر الجنة ترد على صاحبها، وتشعر به إذا سلم عليه المسلم، وقد قال أبوالدرداء: إذا نام العبد عرج بروحه حتى يؤتى بها إلى العرش، فإن كان طاهراً أذن لها بالسجود. ذكره ابن مندة في كتاب الروح. قال: فهذه روح النائم متعلقة ببدنه، وهي في السماء تحت العرش، وترد إلى البدن في أكثر وقت، فروح النائم مستقرها البدن، تصعد حتى تبلغ السماء، وترى ما هنالك، ولم تفارق البدن فراقاً كلياً، وعكسه أرواح الأنبياء، والصديقين والشهداء، مستقرها في عليين، وترد إلى البدن أحياناً، ولم تفارق مستقرها، ومن لم ينشرح صدره لفهم هذا والتصديق به فلا يبادر إلى رده وإنكاره بغير علم، فإن للأرواح شأناً آخر غير شأن الأبدان، ولا يلتفت إلى كثافة طبع الجهمى، وغلظ قلبه، ورقة إيمانه، ومبادرته إلى تكذيب ما لم يحط بعلمه-انتهى. الجواب الثالث: أن المراد بالروح الملك المؤكل بإبلاغه السلام. الرابع: أن المراد بالروح هنا النطق من إطلاق اللازم وإرادته الملزوم، أي فهو ﷺ في البرزخ مشغول بالمشاهدة كما كان في الدنيا، إلا أنه تعالى أعطاه قوة في الدنيا على تبليغ الأحكام: والاشتغال بالخلق ظاهراً مع شغل باطنه بشهود مولاه، وفي البرزخ لا شغل له بالخلق أصلاً بل بالشهود، فلا ينطق بالكلام إلا إذا سلم عليه شخص، فيرد عليه إكراماً له، فنطقه ﷺ موجود بالقوة؛ فلما لم يوجد بالفعل لشغله بحضرة القدس صار كالممنوع من النطق، فلذا قال "رد الله علي روحي " أي نطقي. قال الخفاجي: استعارة رد الروح للنطق بعيدة وغير معروفة، وكون المراد بالروح "الملك" تأباه الإضافة لضمير، إلا أنه ملك موكل كان ملازماً له فاختص به، على أنه أقرب الأجوبة، وقد ورد إطلاق الروح على الملك في القرآن. الخامس: أن الأنبياء والشهداء أحياء، وحياة الأنبياء أقوى، وإذا لم يسلط عليهم الأرض فهم كالنائمين، والنائم لا يسمع ولا ينطق حتى ينتبه كما قال تعالى: ﴿والتي لم تمت في منامها﴾ [٣٩: ٤٢] الآية، فالمراد بالرد الإرسال الذي في الآية، وحينئذٍ فمعناه أنه إذا سمع الصلاة والسلام بواسطة أو بدونها تيقظ ورد، لا أن روحه
стр. 1191
رواه أبوداود والبيهقي في "الدعوات الكبير".
ــ
قبض قبض الممات، ثم ينفخ وتعاد كموت الدنيا وحياتها؛ لأن روحه مجردة نورانية، وهذا لمن زاره. ومن بعُد عنه تبلغه الملائكة سلامه، ذكره الخفاجي. وقد استشكل هذا الحديث من جهة أخرى. وهو أنه يستلزم استغراق الزمان كله في ذلك لاتصال الصلاة والسلام عليه في أقطار الأرض ممن لا يحصى كثرة. وأجيب بأن أمور لا تدرك بالعقل، وأحوال البرزخ أشبه بأحوال الآخرة. قلت: هذا الجواب هو الجواب الحق الصحيح عن كل إشكال يرد على هذا الحديث، فنؤمن بظاهر الحديث، ونصدق به؟ ونكل علمه إلى الله ورسوله، ولا نقيس أمر البرزخ على ما نشاهده في الدنيا فإن هذا من قياس الغائب على الشاهد. وهو غاية الجهل والغباوة والظلم والضلال. (رواه أبوداود) في آخر الحج. (والبيهقي في الدعوات الكبير) وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده كلهم من طريق أبي صخر حميد بن زياد. عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة. وقد سكت عنه أبوداود، وقال المنذري: أبوصخر حميد بن زياد قد أخرج له مسلم في صحيحه، وقد أنكر عليه شيء من حديثه، وضعفه يحيى بن معين مرة، ووثقه أخرى-انتهى. قلت: وضعفه النسائي أيضاً، لكن الظاهر توثيقه؛ لأنه وثقه أحمد، أبوحاتم والدارقطني وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن عدى بعد أن روى عنه ثلاثة أحاديث: وهو عندي صالح الحديث، وإنما أنكر عليه هذان الحديثان: المؤمن يألف. وفي القدرية، وسائر حديثه أرجو أن يكون مستقيماً. وبهذا ظهر تعيين ما أنكر على حميد بن صخر، وليس منه هذا الحديث. ومقتضى هذا أن لا ينحط هذا الحديث عن درجة الحسن، وقد صرح الحافظ في الفتح بأن رواته ثقات. وقال النووي في الأذكار: إسناده صحيح. وكذا قال في الرياض. وقال الإمام تقي الدين ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم: هذا الحديث على شرط مسلم. قال المقدسي في الصارم (ص١٦٩) : وفي ذلك نظر، فإن ابن قسيط وإن كان مسلم قد روى في صحيحه من رواية أبي صخر عنه لكنه لم يخرج من روايته عن أبي هريرة شيئاً. فلو كان قد أخرج في الأصول حديثاً من رواية أبي صخر، عن ابن قسيط، عن أبي هريرة أمكن أن يقال في هذا الحديث أنه على شرطه. واعلم أن كثيراً ما يروي أصحاب الصحيح حديث الرجل عن شيخ معين لخصوصيته به، ومعرفته بحديثه. وضبطه له، ولا يخرجون حديثه عن غيره لكونه غير مشهور بالرواية عنه، ولا معروف بضبط حديثه، أو لغير ذلك. فيجيء من لا تحقيق عنده فيرى ذلك المخرج له في الصحيح قد روى حديثاً عمن خرج له في الصحيح من غير طريق ذلك الرجل، فيقول: هذا على شرط الشيخين، أو على شرط البخاري، أو على شرط مسلم؛ لأنهما احتجا بذلك الرجل في الجملة، وهذا فيه نوع تساهل. فإن صاحبي الصحيح لم يحتجا به إلا في شيخ معين لا في غيره فلا يكون على شرطهما، ثم ذكر لذلك نظائر من الصحيحين ثم قال: وهكذا عادة مسلم غالباً، إذا روى لرجل قد تكلم فيه، ونسب إلى ضعف لسوء حفظه، وقلة ضبطه، إنما يروي له في الشواهد والمتابعات، ولا يخرج له شيئاً انفرد به، ولم يتابع عليه، فعلم أن هذا الحديث الذي تفرد به أبوصخر،
стр. 1192
٩٣٢- (٨) وعنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم))
ــ
عن ابن قسيط عن أبي هريرة، لا ينبغي أن يقال: هو على شرط مسلم، وإنما هو حديث إسناده مقارب، وهو صالح أن يكون متابعاً لغيره، وعاضداً له - انتهى.
٩٣٢- قوله: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً) أي كالقبور في خلوها عن الصلاة والذكر والعبادة، بل اشغلوها بذلك. قيل: المراد منه كراهة الصلاة في المقابر، والمعنى: أعطوا البيوت حظها من الصلاة والعبادة. ولا تجعلوها كالمقابر حيث لا يعبد ولا يصلي فيها، فأحال على المقابر لكونها معهودة معروفة بهذه الصفة حساً وشرعاً. وقيل: المراد الحث على الصلاة والعبادة في البيت، فإن الموتى لا يصلون في بيوتهم، وكأنه قال: لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلون في بيوتهم وهي القبور، أو لا تتركوا الصلاة في بيوتكم حتى تصيروا كالموتى، وتصير هي كالقبور، فشبه المكان الخالي عن العبادة بالقبر، والغافل عنها بالميت، ثم أطلق القبر على المقبرة، ولا يبعد أن يكون المراد منه المعنيين كليهما، أعني النهي عن العبادة في المقابر، والندب إلى العبادة في البيوت. (ولا تجعلوا قبري عيداً) العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائد إما يعود السنة، أو يعود الأسبوع أو الشهر، ونحو ذلك. وقال ابن القيم: العيد ما يعتاد مجيئة وقصده من زمان ومكان، مأخوذ من المعاودة والاعتياد، فإذا كان اسماً للمكان فهو المكان الذي يقصد فيه الاجتماع والانتياب للعبادة عنده ولغير العبادة، كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر، جعلها الله تعالى عيداً للحنفاء ومثابة للناس، كما جعل أيام العيد منها عيداً، وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية، فلما جاء الله بالإسلام أبطلها، وعوض الحنفاء منها عيد الفطر وعيد النحر، كما عوضهم عن أعياد المشركين المكانية بكعبة ومنى ومزدلفة وسائر المشاعر-انتهى. قيل: المراد بالعيد ههنا أحد الأعياد. أي لا تجعلوا زيارة قبري عيداً، والمعنى: لا تجتمعوا للزيارة اجتماعكم للعيد، فإنه يوم لهو وسرور وزينة وحال الزيارة مخالفة لتلك الحالة. قال المناوي: معناه النهي عن الاجتماع لزيارته. اجتماعهم للعيد إما لدفع المشقة، أو كراهة أن يتجاوزا حد التعظيم. وقيل: العيد ما يعاد إليه، أي لا تجعلوا قبري عيداً تعودون إليه متى أردتم أن تصلوا علي، فظاهره النهي عن المعاودة، والمراد المنع عما يوجبه، وهو ظنهم بأن دعاء الغائب لا يصل إليه. ويؤيده قوله: (صلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) أي لا تتكلفوا المعاودة إلىّ، فقد استغنيتم بالصلاة عليّ. قال المناوي: ويؤخذ منه أن اجتماع العامة في بعض أضرحة الأولياء في يوم أو شهر مخصوص من السنة، ويقولون هذا يوم مولد الشيخ، ويأكلون ويشربون، وربما يرقصون فيه، منهي عنه شرعاً، وعلى ولي الشرع ردعهم على ذلك، وإنكاره عليهم، وإبطاله. وقال الإمام ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم": معنى الحديث: أي لا تعطلوا البيوت
стр. 1193
رواه النسائي.
ــ
من الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحرى العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم من هذه الأمة، ثم إنه ﷺ أعقب النهي عن اتخاذها عيداً بقوله: "وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم"، وفي الحديث: "فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم"، يشير بذلك ﷺ إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم منه، فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيداً. قال: وهذا أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين ﵄ نهى ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره ﷺ . واستدل بالحديث (كما سيأتي) وهو راوي الحديث الذي سمعه من أبيه الحسين، عن جده علي، وأعلم بمعناه من غيره، فبين أن قصده للدعاء ونحوه اتخاذ له عيداً. وكذلك ابن عمه حسن بن حسن شيخ أهل بيته كره أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ونحوه عند غير دخول المسجد. ورأى أن ذلك من اتخاذه عيداً، فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت ﵃ الذين لهم مع رسول الله ﷺ قرب النسب الدار، لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا أضبط-انتهى. والحديث قد استدل به على منع السفر لزيارة قبره ﷺ ، لأن المقصود من زيارة قبره هو الصلاة والسلام عليه والدعاء له ﷺ ، وهذا يحصل من بُعد كما يحصل من قرب. ولأن من سافر إليه وحضر مع ناس آخرين فقد اتخذه عيداً، وهو منهي عنه بنص الحديث، فثبت المنع من شد الرحل لأجل ذلك بإشارة النص، كما ثبت النهي عن جعله عيداً بدلالة النص، وهاتان الدلالتان معمول بهما عند علماء الأصول، ووجه هذه الدلالة على المراد قوله "تبلغني حيث كنتم"، فإنه يشير إلى البُعد، والبعيد عنه ﷺ لا يحصل له القرب إلا باختيار السفر إليه، ففيه النهي عن السفر للزيارة. قال الإمام ابن تيمية: في الحديث دليل على منع شد الرحل إلى قبره ﷺ ، وإلى قبر غيره من القبور والمشاهد، لأن ذلك من اتخاذها عيداً -انتهى. وهذه المسألة أي السفر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والأولياء والصلحاء هي التي أفتى فيها ابن تيمية، وذكر اختلاف العلماء فيها، فمن مبيح لذلك كالغزالي، وأبي محمد المقدسي، ومن مانع لذلك كابن بطة، وابن عقيل، وأبي محمد الجويني، والقاضي عياض، وهو قول الجمهور، نص عليه مالك، ولم يخالفه أحد من الأئمة، وهو الصواب لحديث النهي عن شد الرحل إلا إلى ثلاثة مساجد، كما في الصحيحين، كذا في "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد". وارجع للتفصيل في هذه المسألة إلى "اقتضاء الصراط المستقيم" لابن تيمية، و"جلاء الأفهام" لابن القيم، و"الصارم المنكي" لمحمد بن عبد الهادي المقدسي، و"أحسن الأقوال في شرح حديث لا تشد الرحال"، و"الرد على منتهى المقال" للعلامة القاضي بشير الدين القنوجي. (رواه النسائي) هذا من أوهام المصنف، فإن حديث أبي هريرة هذا لم يروه النسائي، اللهم إلا أن يكون المراد روايته في السنن الكبرى. والحديث رواه أبوداود في باب زيارة القبور في آخر المناسك، وقد تفرد بروايته من بين أصحاب الكتب الستة كما يظهر من "ذخائر المواريث" و"الصارم المنكي". وأخرجه أيضا أحمد، وقد سكت عنه
стр. 1194
٩٣٣- (٩) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((رغم
ــ
أبوداود، وصححه النووي في الأذكار، وقال الإمام ابن تيمية: هذا إسناد حسن، فإن رواته كلهم ثقات مشاهير. لكن عبد الله بن نافع الصائغ المدني صاحب مالك فيه لين لا يقدح في حديثه. قال يحيى بن معين: هو ثقة. وحسبك بابن معين موثقاً. وقال أبوزرعة: لا بأس به. وقال أبوحاتم الرازي: ليس بالحافظ هو لين تعرف من حفظه وتنكر، فإن هذه العبارات منهم تنزل حديثه إلى مرتبة الحسن، إذ لا خلاف في عدالته وفقهه، وأن الغالب عليه الضبط، لكن قد يغلط أحياناً، ثم هذا الحديث مما يعرف من حفظه ليس مما ينكر، لأنه سنة مدنية هو محتاج إليها في فقهه، ومثل هذا يضبط الفقيه. وللحديث شواهد من غير طريقه، منها: ما روى عن علي بن الحسن أنه رأى رجلاً يجئ إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو فنهاه، وقال: ألا أحدثكم سمعته من أبي، عن جدي، عن رسول الله ﷺ قال: لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم. ومنها: ما روي عن الحسن بن علي بن أبي طالب. قال: قال رسول الله ﷺ : صلوا في بيوتكم، ولا تتخذوها قبوراً، ولا تتخذوا بيتي عيداً، وصلوا عليّ وسلموا، فإن صلاتكم وسلامكم يبلغني أينما كنتم. روى هذين الحديثين من طريق أبي يعلى الموصلى، الحافظ الضياء المقدسي فيما اختاره من الأحاديث الجياد الزائدة على الصحيحين، وهو أعلى مرتبة من تصحيح الحاكم، وهو قريب من تصحيح الترمذي وأبي حاتم البستي، ونحوهما، فإن الغلط في هذا قليل، ليس هو مثل صحيح للحاكم، فإن فيها أحاديث كثيرة، يظهر أنها كذب موضوعة، فلهذا انحطت درجته عن درجة غيره. وقال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا عبد العزيز بن محمد: أخبرني سهل بن سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر، فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى. فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لا أريده، فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ . فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: لا تتخذوا قبري عيداً، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، وصلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم، لعن الله اليهود النصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء. وقال سعيد بن منصور أيضا بسنده: عن أبي سعيد مولى المهرى، قال: قال رسول الله ﷺ : لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني. قال ابن تيمية: فهذان المرسلان: مرسل أبي سعيد مولى المهري أحد ثقات التابعين، ومرسل الحسن بن الحسن، من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث. لا سيما وقد احتج به من أرسله، وذلك يقتضي ثبوته عنده، هذا لو لم يرو من وجوه مسندة غير هذين. فكيف وقد تقدم مسنداً-انتهى.
٩٣٣- قوله: (رغم) بكسر الغين وتفتح، أي لصق بالرغام، وهو تراب مختلط برمل كناية عن الذل والهلاك والخزي، رغِم يرغَم ورَغَم يَرغَم رَغْماً ورِغماً ورُغْماً، وأرغم الله أنفه، أي ألصقه بالرغام وهو التراب، هذا
стр. 1195
أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة)) رواه الترمذي.
ــ
هو الأصل، ثم استعمل في الذل والعجز عن الانتصاف والانقياد على كره-انتهى. وهذا إخبار أو ادعاء. (أنف رجل) ذكر الرجل وصف طردي فإن المرأة مثل الرجل في ذلك. (ذكرت عنده) بالبناء للمفعول. (فلم يصل علي) قال الطيبي: الفاء استبعادية، وقيل: إنها للتعقيب فتقيد به ذم التراخي عن الصلاة عليه عند ذكره ﷺ . قال الشوكاني في تحفة الذاكرين (ص٢٥) : في الحديث دليل على وجوب الصلاة عليه ﷺ عند ذكره؛ لأنه لا يدعو بالذل والهوان على من ترك ذلك إلا وهو واجب عليه-انتهى. (ثم انسلخ) أي انقضى. قال ابن حجر: وجه الإتيان بثم هنا أن بين ابتداء رمضان وانقضائه مهلة طويلة بخلاف سماع ذكره ﵇ والصلاة عليه، فإنها تطلب عقب السماع من غير مهلة، وكذا بر الوالدين فإنه يتأكد عقب إحتياجهما المكنى عنه بالكبر. وقال الطيبي: "ثم" هذه استبعادية كما في قولك لصاحبك: بئس ما فعلت، وجدت مثل هذه الفرصة ثم لم تنتهزها. وكذلك الفاء في قوله "فلم يصل علي" و"فلم يدخلاه الجنة" ونظير وقوع الفاء موقع "ثم" الاستبعادية قوله تعالى. ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها﴾ [٥٧:١٨] في سورة الكهف، و ﴿ثم أعرض عنها﴾ [٢٢:٣٢] في السجدة. وقد تقرر أن قوله "رغم أنف فلان" كناية عن غاية الذل والهوان، وأن الصلاة على النبي ﷺ عبارة عن تعظيمه وتبجيله، فمن عظم رسول الله ﷺ عظمه الله ورفع قدره في الدارين، ومن لم يعظمه أذله الله وأهانه، فالمعنى بعيد من العاقل بل من المؤمن المعتقد أن يتمكن من إجراء كلمات معدودة على لسانه، فيفوز بعشر صلوات من الله عزوجل، ويرفع عشر درجات له، ويحط عشر خطيئات عنه، ثم لم يغنمه حتى يفوت عنه، فحقيق بأن يحقره الله تعالى. ويضرب عليه الذلة والمسكنة، وكذا شهر رمضان، شهر الله المعظم الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمن وجد فيه فرصة تعظيمه بأن قام فيه إيماناً واحتساباً عظمه الله، ومن لم يعظمه يحقره الله، وتعظيم الوالدين مستلزم لتعظيم الله تعالى، ولذلك قرن الله الإحسان إليهما، وبرهما بتوحيده وعبادته في قوله: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً﴾ [٢٣:١٧] ، فمستبعد ممن منح ووفق للإحسان إليهما لا سيما في حال كبرهما، وأنهما عنده في بيته كلحم على وضم، ولا كافل لهما سواه إن لم يغتنم هذه الفرصة، فجدير بأن يهان ويحقر شأنه-انتهى. (قبل أن يغفر له) قال الطيبي: الظاهر "ولم يغفر له" وإنما عدل تنبيهاً على أن تراخي الغفران من تقصيره، وكان حقه أن يغفر له قبل انسلاخه. (فلم يدخلاه) أي أو لم يدخله. (الجنة) لما كان دخول الجنة من الله تعالى بواسطة برهما والإحسان إليهما، أسند إليهما إسناداً مجازياً كما في قولك "أنبتت الربيع البقل" مبالغة، قاله الطيبي. (رواه الترمذي) في الدعوات وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه،
следующие страницы →