Полный текст (4 545 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
رواه أبوداود والبيهقي في "الدعوات الكبير".
ــ
قبض قبض الممات، ثم ينفخ وتعاد كموت الدنيا وحياتها؛ لأن روحه مجردة نورانية، وهذا لمن زاره. ومن بعُد عنه تبلغه الملائكة سلامه، ذكره الخفاجي. وقد استشكل هذا الحديث من جهة أخرى. وهو أنه يستلزم استغراق الزمان كله في ذلك لاتصال الصلاة والسلام عليه في أقطار الأرض ممن لا يحصى كثرة. وأجيب بأن أمور لا تدرك بالعقل، وأحوال البرزخ أشبه بأحوال الآخرة. قلت: هذا الجواب هو الجواب الحق الصحيح عن كل إشكال يرد على هذا الحديث، فنؤمن بظاهر الحديث، ونصدق به؟ ونكل علمه إلى الله ورسوله، ولا نقيس أمر البرزخ على ما نشاهده في الدنيا فإن هذا من قياس الغائب على الشاهد. وهو غاية الجهل والغباوة والظلم والضلال. (رواه أبوداود) في آخر الحج. (والبيهقي في الدعوات الكبير) وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده كلهم من طريق أبي صخر حميد بن زياد. عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة. وقد سكت عنه أبوداود، وقال المنذري: أبوصخر حميد بن زياد قد أخرج له مسلم في صحيحه، وقد أنكر عليه شيء من حديثه، وضعفه يحيى بن معين مرة، ووثقه أخرى-انتهى. قلت: وضعفه النسائي أيضاً، لكن الظاهر توثيقه؛ لأنه وثقه أحمد، أبوحاتم والدارقطني وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن عدى بعد أن روى عنه ثلاثة أحاديث: وهو عندي صالح الحديث، وإنما أنكر عليه هذان الحديثان: المؤمن يألف. وفي القدرية، وسائر حديثه أرجو أن يكون مستقيماً. وبهذا ظهر تعيين ما أنكر على حميد بن صخر، وليس منه هذا الحديث. ومقتضى هذا أن لا ينحط هذا الحديث عن درجة الحسن، وقد صرح الحافظ في الفتح بأن رواته ثقات. وقال النووي في الأذكار: إسناده صحيح. وكذا قال في الرياض. وقال الإمام تقي الدين ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم: هذا الحديث على شرط مسلم. قال المقدسي في الصارم (ص١٦٩) : وفي ذلك نظر، فإن ابن قسيط وإن كان مسلم قد روى في صحيحه من رواية أبي صخر عنه لكنه لم يخرج من روايته عن أبي هريرة شيئاً. فلو كان قد أخرج في الأصول حديثاً من رواية أبي صخر، عن ابن قسيط، عن أبي هريرة أمكن أن يقال في هذا الحديث أنه على شرطه. واعلم أن كثيراً ما يروي أصحاب الصحيح حديث الرجل عن شيخ معين لخصوصيته به، ومعرفته بحديثه. وضبطه له، ولا يخرجون حديثه عن غيره لكونه غير مشهور بالرواية عنه، ولا معروف بضبط حديثه، أو لغير ذلك. فيجيء من لا تحقيق عنده فيرى ذلك المخرج له في الصحيح قد روى حديثاً عمن خرج له في الصحيح من غير طريق ذلك الرجل، فيقول: هذا على شرط الشيخين، أو على شرط البخاري، أو على شرط مسلم؛ لأنهما احتجا بذلك الرجل في الجملة، وهذا فيه نوع تساهل. فإن صاحبي الصحيح لم يحتجا به إلا في شيخ معين لا في غيره فلا يكون على شرطهما، ثم ذكر لذلك نظائر من الصحيحين ثم قال: وهكذا عادة مسلم غالباً، إذا روى لرجل قد تكلم فيه، ونسب إلى ضعف لسوء حفظه، وقلة ضبطه، إنما يروي له في الشواهد والمتابعات، ولا يخرج له شيئاً انفرد به، ولم يتابع عليه، فعلم أن هذا الحديث الذي تفرد به أبوصخر،
стр. 1192
٩٣٢- (٨) وعنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم))
ــ
عن ابن قسيط عن أبي هريرة، لا ينبغي أن يقال: هو على شرط مسلم، وإنما هو حديث إسناده مقارب، وهو صالح أن يكون متابعاً لغيره، وعاضداً له - انتهى.
٩٣٢- قوله: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً) أي كالقبور في خلوها عن الصلاة والذكر والعبادة، بل اشغلوها بذلك. قيل: المراد منه كراهة الصلاة في المقابر، والمعنى: أعطوا البيوت حظها من الصلاة والعبادة. ولا تجعلوها كالمقابر حيث لا يعبد ولا يصلي فيها، فأحال على المقابر لكونها معهودة معروفة بهذه الصفة حساً وشرعاً. وقيل: المراد الحث على الصلاة والعبادة في البيت، فإن الموتى لا يصلون في بيوتهم، وكأنه قال: لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلون في بيوتهم وهي القبور، أو لا تتركوا الصلاة في بيوتكم حتى تصيروا كالموتى، وتصير هي كالقبور، فشبه المكان الخالي عن العبادة بالقبر، والغافل عنها بالميت، ثم أطلق القبر على المقبرة، ولا يبعد أن يكون المراد منه المعنيين كليهما، أعني النهي عن العبادة في المقابر، والندب إلى العبادة في البيوت. (ولا تجعلوا قبري عيداً) العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائد إما يعود السنة، أو يعود الأسبوع أو الشهر، ونحو ذلك. وقال ابن القيم: العيد ما يعتاد مجيئة وقصده من زمان ومكان، مأخوذ من المعاودة والاعتياد، فإذا كان اسماً للمكان فهو المكان الذي يقصد فيه الاجتماع والانتياب للعبادة عنده ولغير العبادة، كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر، جعلها الله تعالى عيداً للحنفاء ومثابة للناس، كما جعل أيام العيد منها عيداً، وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية، فلما جاء الله بالإسلام أبطلها، وعوض الحنفاء منها عيد الفطر وعيد النحر، كما عوضهم عن أعياد المشركين المكانية بكعبة ومنى ومزدلفة وسائر المشاعر-انتهى. قيل: المراد بالعيد ههنا أحد الأعياد. أي لا تجعلوا زيارة قبري عيداً، والمعنى: لا تجتمعوا للزيارة اجتماعكم للعيد، فإنه يوم لهو وسرور وزينة وحال الزيارة مخالفة لتلك الحالة. قال المناوي: معناه النهي عن الاجتماع لزيارته. اجتماعهم للعيد إما لدفع المشقة، أو كراهة أن يتجاوزا حد التعظيم. وقيل: العيد ما يعاد إليه، أي لا تجعلوا قبري عيداً تعودون إليه متى أردتم أن تصلوا علي، فظاهره النهي عن المعاودة، والمراد المنع عما يوجبه، وهو ظنهم بأن دعاء الغائب لا يصل إليه. ويؤيده قوله: (صلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) أي لا تتكلفوا المعاودة إلىّ، فقد استغنيتم بالصلاة عليّ. قال المناوي: ويؤخذ منه أن اجتماع العامة في بعض أضرحة الأولياء في يوم أو شهر مخصوص من السنة، ويقولون هذا يوم مولد الشيخ، ويأكلون ويشربون، وربما يرقصون فيه، منهي عنه شرعاً، وعلى ولي الشرع ردعهم على ذلك، وإنكاره عليهم، وإبطاله. وقال الإمام ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم": معنى الحديث: أي لا تعطلوا البيوت
стр. 1193
رواه النسائي.
ــ
من الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحرى العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم من هذه الأمة، ثم إنه ﷺ أعقب النهي عن اتخاذها عيداً بقوله: "وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم"، وفي الحديث: "فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم"، يشير بذلك ﷺ إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم منه، فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيداً. قال: وهذا أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين ﵄ نهى ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره ﷺ . واستدل بالحديث (كما سيأتي) وهو راوي الحديث الذي سمعه من أبيه الحسين، عن جده علي، وأعلم بمعناه من غيره، فبين أن قصده للدعاء ونحوه اتخاذ له عيداً. وكذلك ابن عمه حسن بن حسن شيخ أهل بيته كره أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ونحوه عند غير دخول المسجد. ورأى أن ذلك من اتخاذه عيداً، فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت ﵃ الذين لهم مع رسول الله ﷺ قرب النسب الدار، لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا أضبط-انتهى. والحديث قد استدل به على منع السفر لزيارة قبره ﷺ ، لأن المقصود من زيارة قبره هو الصلاة والسلام عليه والدعاء له ﷺ ، وهذا يحصل من بُعد كما يحصل من قرب. ولأن من سافر إليه وحضر مع ناس آخرين فقد اتخذه عيداً، وهو منهي عنه بنص الحديث، فثبت المنع من شد الرحل لأجل ذلك بإشارة النص، كما ثبت النهي عن جعله عيداً بدلالة النص، وهاتان الدلالتان معمول بهما عند علماء الأصول، ووجه هذه الدلالة على المراد قوله "تبلغني حيث كنتم"، فإنه يشير إلى البُعد، والبعيد عنه ﷺ لا يحصل له القرب إلا باختيار السفر إليه، ففيه النهي عن السفر للزيارة. قال الإمام ابن تيمية: في الحديث دليل على منع شد الرحل إلى قبره ﷺ ، وإلى قبر غيره من القبور والمشاهد، لأن ذلك من اتخاذها عيداً -انتهى. وهذه المسألة أي السفر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والأولياء والصلحاء هي التي أفتى فيها ابن تيمية، وذكر اختلاف العلماء فيها، فمن مبيح لذلك كالغزالي، وأبي محمد المقدسي، ومن مانع لذلك كابن بطة، وابن عقيل، وأبي محمد الجويني، والقاضي عياض، وهو قول الجمهور، نص عليه مالك، ولم يخالفه أحد من الأئمة، وهو الصواب لحديث النهي عن شد الرحل إلا إلى ثلاثة مساجد، كما في الصحيحين، كذا في "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد". وارجع للتفصيل في هذه المسألة إلى "اقتضاء الصراط المستقيم" لابن تيمية، و"جلاء الأفهام" لابن القيم، و"الصارم المنكي" لمحمد بن عبد الهادي المقدسي، و"أحسن الأقوال في شرح حديث لا تشد الرحال"، و"الرد على منتهى المقال" للعلامة القاضي بشير الدين القنوجي. (رواه النسائي) هذا من أوهام المصنف، فإن حديث أبي هريرة هذا لم يروه النسائي، اللهم إلا أن يكون المراد روايته في السنن الكبرى. والحديث رواه أبوداود في باب زيارة القبور في آخر المناسك، وقد تفرد بروايته من بين أصحاب الكتب الستة كما يظهر من "ذخائر المواريث" و"الصارم المنكي". وأخرجه أيضا أحمد، وقد سكت عنه
стр. 1194
٩٣٣- (٩) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((رغم
ــ
أبوداود، وصححه النووي في الأذكار، وقال الإمام ابن تيمية: هذا إسناد حسن، فإن رواته كلهم ثقات مشاهير. لكن عبد الله بن نافع الصائغ المدني صاحب مالك فيه لين لا يقدح في حديثه. قال يحيى بن معين: هو ثقة. وحسبك بابن معين موثقاً. وقال أبوزرعة: لا بأس به. وقال أبوحاتم الرازي: ليس بالحافظ هو لين تعرف من حفظه وتنكر، فإن هذه العبارات منهم تنزل حديثه إلى مرتبة الحسن، إذ لا خلاف في عدالته وفقهه، وأن الغالب عليه الضبط، لكن قد يغلط أحياناً، ثم هذا الحديث مما يعرف من حفظه ليس مما ينكر، لأنه سنة مدنية هو محتاج إليها في فقهه، ومثل هذا يضبط الفقيه. وللحديث شواهد من غير طريقه، منها: ما روى عن علي بن الحسن أنه رأى رجلاً يجئ إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو فنهاه، وقال: ألا أحدثكم سمعته من أبي، عن جدي، عن رسول الله ﷺ قال: لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم. ومنها: ما روي عن الحسن بن علي بن أبي طالب. قال: قال رسول الله ﷺ : صلوا في بيوتكم، ولا تتخذوها قبوراً، ولا تتخذوا بيتي عيداً، وصلوا عليّ وسلموا، فإن صلاتكم وسلامكم يبلغني أينما كنتم. روى هذين الحديثين من طريق أبي يعلى الموصلى، الحافظ الضياء المقدسي فيما اختاره من الأحاديث الجياد الزائدة على الصحيحين، وهو أعلى مرتبة من تصحيح الحاكم، وهو قريب من تصحيح الترمذي وأبي حاتم البستي، ونحوهما، فإن الغلط في هذا قليل، ليس هو مثل صحيح للحاكم، فإن فيها أحاديث كثيرة، يظهر أنها كذب موضوعة، فلهذا انحطت درجته عن درجة غيره. وقال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا عبد العزيز بن محمد: أخبرني سهل بن سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر، فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى. فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لا أريده، فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ . فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: لا تتخذوا قبري عيداً، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، وصلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم، لعن الله اليهود النصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء. وقال سعيد بن منصور أيضا بسنده: عن أبي سعيد مولى المهرى، قال: قال رسول الله ﷺ : لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني. قال ابن تيمية: فهذان المرسلان: مرسل أبي سعيد مولى المهري أحد ثقات التابعين، ومرسل الحسن بن الحسن، من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث. لا سيما وقد احتج به من أرسله، وذلك يقتضي ثبوته عنده، هذا لو لم يرو من وجوه مسندة غير هذين. فكيف وقد تقدم مسنداً-انتهى.
٩٣٣- قوله: (رغم) بكسر الغين وتفتح، أي لصق بالرغام، وهو تراب مختلط برمل كناية عن الذل والهلاك والخزي، رغِم يرغَم ورَغَم يَرغَم رَغْماً ورِغماً ورُغْماً، وأرغم الله أنفه، أي ألصقه بالرغام وهو التراب، هذا
стр. 1195
أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة)) رواه الترمذي.
ــ
هو الأصل، ثم استعمل في الذل والعجز عن الانتصاف والانقياد على كره-انتهى. وهذا إخبار أو ادعاء. (أنف رجل) ذكر الرجل وصف طردي فإن المرأة مثل الرجل في ذلك. (ذكرت عنده) بالبناء للمفعول. (فلم يصل علي) قال الطيبي: الفاء استبعادية، وقيل: إنها للتعقيب فتقيد به ذم التراخي عن الصلاة عليه عند ذكره ﷺ . قال الشوكاني في تحفة الذاكرين (ص٢٥) : في الحديث دليل على وجوب الصلاة عليه ﷺ عند ذكره؛ لأنه لا يدعو بالذل والهوان على من ترك ذلك إلا وهو واجب عليه-انتهى. (ثم انسلخ) أي انقضى. قال ابن حجر: وجه الإتيان بثم هنا أن بين ابتداء رمضان وانقضائه مهلة طويلة بخلاف سماع ذكره ﵇ والصلاة عليه، فإنها تطلب عقب السماع من غير مهلة، وكذا بر الوالدين فإنه يتأكد عقب إحتياجهما المكنى عنه بالكبر. وقال الطيبي: "ثم" هذه استبعادية كما في قولك لصاحبك: بئس ما فعلت، وجدت مثل هذه الفرصة ثم لم تنتهزها. وكذلك الفاء في قوله "فلم يصل علي" و"فلم يدخلاه الجنة" ونظير وقوع الفاء موقع "ثم" الاستبعادية قوله تعالى. ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها﴾ [٥٧:١٨] في سورة الكهف، و ﴿ثم أعرض عنها﴾ [٢٢:٣٢] في السجدة. وقد تقرر أن قوله "رغم أنف فلان" كناية عن غاية الذل والهوان، وأن الصلاة على النبي ﷺ عبارة عن تعظيمه وتبجيله، فمن عظم رسول الله ﷺ عظمه الله ورفع قدره في الدارين، ومن لم يعظمه أذله الله وأهانه، فالمعنى بعيد من العاقل بل من المؤمن المعتقد أن يتمكن من إجراء كلمات معدودة على لسانه، فيفوز بعشر صلوات من الله عزوجل، ويرفع عشر درجات له، ويحط عشر خطيئات عنه، ثم لم يغنمه حتى يفوت عنه، فحقيق بأن يحقره الله تعالى. ويضرب عليه الذلة والمسكنة، وكذا شهر رمضان، شهر الله المعظم الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمن وجد فيه فرصة تعظيمه بأن قام فيه إيماناً واحتساباً عظمه الله، ومن لم يعظمه يحقره الله، وتعظيم الوالدين مستلزم لتعظيم الله تعالى، ولذلك قرن الله الإحسان إليهما، وبرهما بتوحيده وعبادته في قوله: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً﴾ [٢٣:١٧] ، فمستبعد ممن منح ووفق للإحسان إليهما لا سيما في حال كبرهما، وأنهما عنده في بيته كلحم على وضم، ولا كافل لهما سواه إن لم يغتنم هذه الفرصة، فجدير بأن يهان ويحقر شأنه-انتهى. (قبل أن يغفر له) قال الطيبي: الظاهر "ولم يغفر له" وإنما عدل تنبيهاً على أن تراخي الغفران من تقصيره، وكان حقه أن يغفر له قبل انسلاخه. (فلم يدخلاه) أي أو لم يدخله. (الجنة) لما كان دخول الجنة من الله تعالى بواسطة برهما والإحسان إليهما، أسند إليهما إسناداً مجازياً كما في قولك "أنبتت الربيع البقل" مبالغة، قاله الطيبي. (رواه الترمذي) في الدعوات وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه،
стр. 1196
٩٣٤- (١٠) وعن أبي طلحة، ((أن رسول الله ﷺ جاء ذات يوم والبشر في وجهه، فقال: إنه جاءني جبرئيل، فقال: إن ربك يقول: أما يرضيك يا محمد! أن لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشراً، ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشراً؟) رواه النسائي والدارمي.
٩٣٥- (١١) وعن أبي بن كعب، قال: يا رسول الله!
ــ
وأخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه، والبزار في مسنده، والحاكم في مستدركه، وقال: صحيح، وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد. (ج١٠:ص١٦٤-١٦٧) من حديث ابن مسعود، وعمار بن ياسر، وابن عباس، وعبد الله بن الحارث، وجابر بن سمرة، وأنس، وكعب بن عجرة، ومالك بن الحويرث، وأبي هريرة ﵃. وأخرج مسلم في الأدب من صحيحه الجزء الثالث فقط من غير طريق الترمذي.
٩٣٥- قوله: (وعن أبي طلحة) هو زيد بن سهل الأنصاري الصحابي المشهور، وقد تقدم ترجمته. (جاء ذات يوم) أي ساعة من النهار. (والبشر) بكسر الباء اسم من الاستبشار، أي الطلاقة وآثار الفرح والسرور. (في وجهه) أي لائح في بشرته. (فقال) أي بعد سؤال الصحابة كما في رواية للنسائي: فقلنا: إنا لنرى البشر في وجهك، فقال إنه، الخ. وعند الدارمي: جاء النبي ﷺ يوما وهو يرى البشر في وجهه، فقيل: يا رسول الله: إنا لنرى في وجهك بشرا لم نكن نراه، قال: الخ. (إنه) أي الشأن. (جاني جبرئيل، فقال: إن ربك يقول: أما يرضيك يا محمد!) قال الطيبي: هذا بعض ما أعطى من الرضا في قوله: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ [٥:٩٣] ، وهذه البشارة في الحقيقة راجعة إلى الأمة، ومن ثم تمكن البشر في أسارير وجهه صلوات الله وسلامه عليه حيث جعل وجهه ظرفاً ومكاناً للبشر والطلاقة. (أن لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشراً) أن مصدرية والمعنى: أما يرضيك عدم صلاة أحد إلا مقرونة بعشر صلوات مني. (ولا يسلم) الخ. فيه دليل على أن السلام عليه كالصلاة، وأن الله سبحانه يسلم على من سلم على رسول الله ﷺ كما يصلي على من صلى على رسوله عشراً. (رواه النسائي) في الصلاة. (والدارمي) في الرقاق، وزاد الدارمي: قال يعني النبي ﷺ : فلت بلى. وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده. (ج٤:ص٢٩، ٣٠) وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه. (ج٢:ص٤٢٠) وابن أبي شيبة في مصنفه، وفي سنده عندهم سليمان الهاشمي مولى الحسن ابن علي وهو مجهول كما في التقريب، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال النسائي: سليمان هذا ليس بالمشهور، والحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي وله طريق آخر عن أبي طلحة عند أحمد وغيره، وشاهد من حديث أنس عند الحاكم فالحديث صحيح.
٩٣٥- قوله: (قال: قلت: يارسول الله!) أول الحديث عند الترمذي هكذا: قال (أى أبي بن كعب) كان
стр. 1197
إني أكثر الصلاة عليك. فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال: ما شئت. قلت: الربع؟ قال: ما شئت. فإن زدت فهو خير لك. قلت: النصف؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك. قلت: فالثلثين؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذا تكفي همك، ويكفر لك ذنبك))
ــ
رسول الله ﷺ إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: يا أيها الناس! أذكروا الله، أذكروا الله، جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه. قال أبي: فقلت يا رسول الله ﷺ ! (إني أكثر الصلاة) أي الدعاء، فالمراد بالصلاة هنا الدعاء، ومن جملته الصلاة على النبي ﷺ ، وليس المراد الصلوات ذات الأذكار والأركان. (فكم أجعل لك من صلاتي؟) أي بدل دعائي الذي أدعو به لنفسي، قاله القاري. وقال المنذري في الترغيب، معناه: أكثر الدعاء فكم أجعل لك من دعائي صلاة عليك؟. (ما شئت) أي اجعل مقدار مشيئتك. (الربع) بضم الباء وتسكن، أي اجعل ربع أوقات دعائي لنفسي مصروفاً للصلاة عليك. (أجعل لك صلاتي كلها) أي أصرف بصلاتي عليك جميع الزمن الذي كنت أدعو فيه لنفسي. (إذا) بالألف منوناً. (تكفي) مخاطب مبني للمفعول. (همك) مصدر بمعنى المفعول، وهو منصوب على أنه مفعول ثان لتكفي، فإنه يتعدى إلى مفعولين، والمفعول الأول المرفوع بما لم يسم فاعله، وهو أنت، والهم ما يقصده الإنسان من أمر الدنيا والآخرة، يعني إذا صرفت جميع أزمان دعائك في الصلاة على كفيت ما يهمك من أمور دنياك وآخرتك، أي أعطيت مرام الدنيا والآخرة، فاشتغال الرجل بالصلاة على النبي ﷺ يكفي في قضاء حوائجه ومهماته. (ويكفر) بنصب الفاء من التكفير. (ذنبك) بضم الباء الموحدة. ولفظ الترمذي "ويغفر ذنبك". وفي هاتين الخصلتين أي كفاية الهم ومغفرة الذنب جماع خير الدنيا والآخرة، فإن من كفاه الله همه سلم من محن الدنيا وعوارضها، لأن كل محنة لا بد لها من تأثير الهم وإن كانت يسيرة، ومن غفر الله ذنبه سلم من محن الآخرة؛ لأنه لا يوبق العبد فيها إلا بذنوبه. قال التوربشتي: معنى الحديث: كم أجعل لك من دعائي الذي أدعو به لنفسي؟ ولم يزل يفاوضه ليوقفه على حد من ذلك، ولم ير النبي ﷺ أن يحد له ذلك لئلا تلتبس الفضيلة بالفريضة أولا، ثم لا يغلق عليه باب المزيد ثانياً، فلم يزل يجعل الأمر إليه داعيا لقرينة الترغيب والحث على المزيد، حتى قال: أجعل صلاتي كلها لك، أي أصلي عليك بدل ما أدعو به لنفسي، فقال: إذا تكفي همك، أي ما أهمك من أمر دينك ودنياك، وذلك لأن الصلاة عليه مشتملة على ذكر الله تعالى وتعظيم الرسول ﷺ ، والاشتغال بأداء حقه عن أداء مقاصد نفسه، وإيثاره بالدعاء على نفسه ما أعظمه، من خلال جليلة الأخطار، وأعمال كريمة الآثار. قال الطيبي: وقد تقرر أن العبد إذا صلى مرة على النبي ﷺ صلى الله عزوجل عشرة، وأنه إذا صلى وفق الموافقة لله تعالى دخل في زمرة الملائكة المقربين في قوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾
стр. 1198
رواه الترمذي.
٩٣٦- (١٢) وعن فضالة بن عبيد، قال: ((بينما رسول الله ﷺ قاعد إذ دخل رجل فصلى، فقال: اللهم اغفرلي وارحمني. فقال رسول الله ﷺ : عجلت أيها المصلي! إذا صليت فقعدت، فاحمد الله بما هو أهله، وصل علي، ثم ادعه. قال: ثم صلى رجل آخر بعد ذلك، فحمد الله، وصلى على النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : أيها المصلي! ادع تجب.
ــ
[٣٣: ٥٦] . فأنى يوازي هذا دعائه لنفسه؟ - انتهى. (رواه الترمذي) . أي في الزهد وقال: حديث حسن، وأخرجه أيضاً أحمد، والحاكم. (ج٢: ص٤٢١) وصححه، وفي رواية لأحمد عنه، قال: قال رجل: يا رسول الله! أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال: إذاً يكفيك الله ﵎ ما أهمك من دنياك وآخرتك. قال المنذري: إسناد هذه الرواية جيدة، وأخرج الطبراني بإسناد حسن، عن محمد بن يحي بن حبان، عن أبيه، عن جده: أن رجلاً قال: يا رسول الله! أجعل ثلث صلاتي عليك؟ قال: نعم إن شئت. قال الثلثين؟ قال: نعم إن شئت. قال: فصلاتي كلها؟ قال رسول الله ﷺ : إذا يكفيك الله ما همك من أمر دنياك وآخرتك.
٩٣٦- قوله: (فضالة) بفتح الفاء بزنة سحابة. (بن عبيد) بالتصغير تقدم ترجمته. (فصلى، فقال) أي في آخر صلاته، وفي رواية النسائي: سمع رسول الله ﷺ رجلاً يدعو في الصلاة، وفي بعض النسخ في صلاته. (اللهم اغفرلي وارحمني) وعند النسائي: لم يحمد الله ولم يصل على النبي ﷺ . (عجلت) بكسر الجيم ويجوز الفتح والتشديد، قاله الأبهري، أي حين تركت الترغيب في الدعاء وعرضت السؤال قبل الوسيلة، أي الحمد لله والصلاة على النبي. وفيه إشارة إلى أن حق السائل أن يتقرب إلى المسؤل منه قبل طلب الحاجة بما يوجب له الزلفى عنده، ويتوسل بشفيع له بين يديه ليكون أطمع في الإسعاف، وأرجى بالإجابة، فمن عرض السؤال قبل تقديم الوسيلة فقد استعجل، ولذا قال ﷺ مؤدباً لأمته. (إذا صليت) بالخطاب الخاص المراد بع العام، يدل على ذلك رواية النسائي، ثم علمهم رسول الله ﷺ . (فقعدت) قال الطيبي: إما عطف على مقدر، أي إذا صليت وفرغت فقعدت للدعاء فاحمد الله، وإما عطف على المذكور، أي إذا كنت مصلياً فقعدت للتشهد فاحمد الله، أي اثن عليه بقولك "التحيات" انتهى. قال القاري: ويؤيد الأول إطلاق قوله: (فاحمد الله بما هو أهله) من كل ثناء جميل. قلت: ويؤيد كونه قبل الفراغ من الصلاة رواية النسائي المذكورة بلفظ: "يدعو في الصلاة". والروايات بعضها يفسر بعضاً. (ثم ادعه) بهاء الضمير، وقيل: بهاء السكت. (قال) أي فضالة ابن عبيد الراوي للحديث. (فحمد الله وصلى على النبي ﷺ ) أي ولم يدع. (تجب) على بناء المجهول مجزوما على جواب
стр. 1199
رواه الترمذي وروى أبوداود والنسائي نحوه.
٩٣٧- (١٣) وعن عبد الله بن مسعود، قال: ((كنت أصلي والنبي ﷺ ،
ــ
الأمر دلهما ﵇ على الكمال، وزاد النسائي في روايته "وسل تعط". وروى أبوداود عن فضالة بن عبيد، أنه سمع رسول الله ﷺ رجلاً يدعو في صلاته لم يمجد الله، ولم يصل على النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : عجل هذا، ثم دعاه فقال له أو لغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه والثناء عليه، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يدعو بما شاء. وأخرجه أيضاً أحمد (ج٦: ص١٨) والترمذي وصححه، وابن خزيمة، والحاكم، والبيهقي. قال العلامة الأمير اليماني السبل: الحديث دليل على وجوب ما ذكر من التحميد، والثناء، والصلاة عليه ﷺ ، والدعاء بما شاء، وهو موافق في المعنى لحديث ابن مسعود وغيره؛ لأن أحاديث التشهد تتضمن ما ذكر من الحمد والثناء، وهي مبنية لما أجمله هذا. ويأتي الكلام في الصلاة عليه ﷺ ، وهذا إذا ثبت أن هذا الدعاء الذي سمعه النبي ﷺ من ذلك الرجل كان في قعدة التشهد، وإلا فليس في هذا الحديث دليل على أنه كان ذلك حال قعدة التشهد، إلا أن ذكر المصنف. (أي الحافظ ابن حجر) له هنا يدل على أنه كان في قعود التشهد، وكأنه عرف من سياقه- انتهى. قلت: وكذا يدل على ذلك صنيع البغوي في المصابيح كما لا يخفى. والحديث قد استدل به القائلون بوجوب الصلاة عليه ﷺ في الصلاة، قال الأمير اليماني: قد ثبت وجوب الدعاء في آخر التشهد كما عرفت من الأمر به، والصلاة عليه ﷺ قبل الدعاء واجبة لما عرفت من حديث فضالة، وبهذا يتم إيجاب الصلاة عليه ﷺ بعد التشهد قبل الدعاء الدال على وجوبه-انتهى. قال الحافظ: قد طعن ابن عبد البر في الاستدلال بحديث فضالة للوجوب فقال: لو كان كذلك لأمر المصلي بالإعادة كما أمر المسيء صلاته، وكذا أشار إليه ابن حزم. وأجيب باحتمال أن يكون الوجوب عند فراغه، ويكفي التمسك بالأمر في دعوى الوجوب-انتهى. (رواه الترمذي) في الدعوات من طريق رشدين بن سعد، عن أبي هانيء الخولاني، عن أبي الجنبي، عن فضالة، وقال: حديث حسن، وقد رواه حيوة بن شريح عن أبي هانيء الخولاني-انتهى. قلت: أخرج من طريق حيوة أحمد، وأبوداود، والترمذي أيضاً، وقد ذكرنا لفظه، ورواية الترمذي التي ذكرها المصنف، عزاها الهيثمي للطبراني، وقال: فيه رشدين بن سعد، وحديثه في الرقاق مقبول، وبقية رجاله ثقات- انتهى. وأخرجها أيضاً النسائي في باب التمجيد والصلاة على النبي ﷺ في الصلاة لكن من طريق ابن وهب عن أبي هانيء. (وروى أبوداود) قد تقدم لفظه. (والنسائي ونحوه) أي بمعناه. ذكر النسائي مع أبي داود لا يخلو عن نظر؛ لأن المتبادر منه أن رواية النسائي مثل رواية أبي داود، والأمر ليس كذلك، فكان الأولى أن يقول: رواه الترمذي، والنسائي، واللفظ للترمذي، وروى أبوداود، والترمذي أيضاً نحوه، والله أعلم.
٩٣٧- قوله: (كنت أصلي) أي الصلاة ذات الأركان بدليل قوله الآتي: فلما جلست. (والنبي ﷺ ) أي حاضر
стр. 1200
وأبو بكر، وعمر معه، فلما جلست بدأت بالثناء على الله تعالى، ثم الصلاة على النبي ﷺ ، ثم دعوت لنفسي. فقال النبي ﷺ : سل تعطه، سل تعطه)) . رواه الترمذي.
﴿الفصل الثالث﴾
٩٣٨- (١٤) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى،
ــ
أو جالس ونحوه. (وأبوبكر وعمر معه) جملة أخرى معطوفة على الجملة الأولى وهي حال من فاعل "أصلي". (سل تعطه) الهاء إما للسكت كقوله "حسابيه"، وإما ضمير للمسؤول عنه لدلالة "سل" عليه. وفي الحديث مشروعية تقديم الحمد والصلاة قبل الدعاء في قعود التشهد ليكون وسيلة للإجابة، وهو يوافق ما روي عن ابن مسعود، قال: يتشهد الرجل، ثم يصلي على النبي، ثم يدعو لنفسه، أخرجه الحاكم بسند قوي، قال الحافظ في الفتح بعد ذكره: هذا أقوى شيء يحتج به للشافعي، فإن ابن مسعود ذكر أن النبي ﷺ علمهم التشهد في الصلاة، وأنه قال: ثم ليتخير من الدعاء ما شاء، فلما ثبت عن ابن مسعود الأمر بالصلاة عليه قبل الدعاء دل على أنه اطلع على زيادة ذلك بين التشهد والدعاء، واندفعت حجة من تمسك بحديث ابن مسعود. (في التشهد) في دفع ما ذهب إليه الشافعي مثل ما ذكر عياض، قال: وهذا تشهد ابن مسعود الذي علمه له النبي ﷺ ليس فيه ذكر الصلاة عليه، وكذا قول الخطابي: إن في آخر حديث ابن مسعود: "إذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك"، لكن رد عليه بأن هذه الزيادة مدرجة، وعلى تقدير ثبوتها فتحمل على أن مشروعية الصلاة عليه وردت بعد تعليم التشهد-انتهى. (رواه الترمذي) في أواخر الصلاة من طريق محمود بن غيلان، عن يحي بن آدم، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن بهدلة، عن زر، عن ابن مسعود. وقال: حديث حسن صحيح، قلت: وأخرج أحمد في مسنده (ج١: ص٢٥، ٢٦، ٣٨) من رواية عمر حديثاً طويلاً، وفيه: كان رسول الله ﷺ لا يزال يسمر عند أبي بكر الليلة كذاك في الأمر من أمر المسلمين، وأنه سمر عنده ذات ليلة وأنا معه، فخرج رسول الله ﷺ وخرجنا معه، فإذا رجل قائم يصلي في المسجد، فقام رسول الله ﷺ يستمع قراءته، فلما كدنا أن نعرفه قال رسول الله ﷺ : من سره أن يقرأ القرآن رطباً كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد. قال: ثم جلس الرجل يدعو، فجعل رسول الله ﷺ يقول له: سل تعطه، سل تعطه- الحديث. وأخرجه ابن ماجه في فضل ابن مسعود في أواخر السنة عن الحسن بن علي الخلال، عن يحيى بن آدم، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود ما يتعلق بأمر القراءة فقط.
٩٣٨- قوله: (من سره) أي أعجبه. (أن يكتال) بفتح الياء أي يأخذ الأجر والثواب، فحذف ذلك للعلم به. وقيل بضم الياء، أي يعطي الثواب. (بالمكيال) بكسر الميم، وهو ما يكال به. (الأوفى) عبارة عن نيل الثواب الوافي على نحو قوله تعالى. ﴿ثم يجزاه الجزاء الأوفى﴾ [٥٣: ٤١] . وفيه دليل على أن هذه الصلاة أعظم أجراً من غيرها، وأوفر
стр. 1201
إذا صلى علينا أهل البيت، فليقل: اللهم صل على محمد النبي الأمي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته،
ــ
ثواباً. وفيه الترغيب العظيم إلى أن تكون الصلاة على النبي ﷺ على تلك الصفة، وقد تقدم الكلام في ذلك فتذكر. وقيل: لو حلف أحد أن يصلي على النبي ﷺ أفضل الصلاة فطريق البر أن يأتي بالصفة المذكورة في حديث كعب بن عجرة، أو أبي حميد، أو أبي سعيد الخدري عند البخاري؛ لأن تعليمه ﷺ لأصحابه الكيفية بعد سؤالهم عنها يدل على أنها أفضل كيفيات الصلاة عليه؛ لأنه لا يختار لنفسه إلا الأشرف الأفضل، والذي يرشد إليه الدليل أن البر يحصل بما في حديث أبي هريرة هذا لقوله: من سر أن يكال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا-الحديث. (إذا صلى علينا أهل البيت) الأشهر فيه النصب على الاختصاص، ويجوز إبداله من ضمير "علينا" وقيل: هو عطف بيان منه فيكون مجروراً في هاتين الصورتين. (فليقل) قال الطيبي: قوله "إذا صلى" شرط، جزائه "فليقل" ويجوز أن يكون "إذا" ظرفاً والعامل "فليقل" على مذهب من قال: إن ما بعد الفاء الجزائية يعمل فيما قبلها كما في قوله تعالى: ﴿لإيلاف قريش﴾ [١٠٦: ١] ، فإنه معمول لقوله: ﴿فليعبدوا﴾ . (النبي) بالإدغام، ويجوز فيه الهمزة، وهو فعيل بمعنى الفاعل أو المفعول من النبأ بمعنى الخبر، أو من النبوة بمعنى الرفعة، واللام هنا للعهد، واختير النبوة على الرسالة لعموم أحواله، أو للمبالغة، فإنه إذا كان يستحق الصلاة بصفة النبوة فبالأولى أن يستحق بصفة الرسالة. (الأمي) منسوب إلى الأم وهو الذي لا يكتب ولا يقرأ المكتوب، كأنه على أصل ولادة أمه بالنسبة إلى الكتابة وقراءة الخط. قال أبوالسعود: نسبة إلى الأم كأنه باقٍ على حالته التي ولد عليها لا يقرأ الخط ولا يكتب، وقد جمع مع ذلك العلوم الباهرة. قال تعالى: ﴿وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون﴾ [٢٩: ٤٨] . وقيل: نسبة إلى الأمة وهي أمة العرب، وذلك لأن العرب لا تحسب ولا تكتب، ومنه الحديث: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب. وقيل: نسبة إلى أم القرى، وهي مكة، والأول أولى، وكونه أمياً من أكبر معجزاته وأعظمها. قال السيد الغبريني المقري شارح البردة: إن كونه أمياً معجزة له كما قرروه، حتى لا يرتاب أحد في كلام الله، يرد عليه أنه لو تم قيل عليه: لم خلق أفصح الناس ولم يخلق غير فصيح؟ حتى يعلم أن ما يتلوه من الكلام المعجز ببلاغته ليس كلامه. قال الشهاب في الريحانة: قوله هذا ليس بشيء؛ لأن الأمية سابقة في أكثر فصحاء العرب، وهم في غناء عن الكتابة، وأما عدم الفصاحة فلكنة وعيب عظيم، منزه عنه، عال مقامه، وطاهر فطرته وجوهر جلبته-انتهى. وهل صدر عنه ذلك في كتابة صلح الحديبية كما هو ظاهر الحديث المشهور أو أنه لم يكتب؟ وإنما أسند إليه مجازاً، وقيل: إنه صدر عنه ذلك على سبيل المعجزة، وتفصيله في فتح الباري. (وأزواجه) أي نساءه الطاهرات. (أمهات المؤمنين) أي من جهة التعظيم والتكريم. (وذريته) أي أولاده وأحفاده، قال في المجمع: الذرية اسم
стр. 1202
وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد)) . رواه أبوداود.
٩٣٩- (١٥) وعن علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((البخيل الذي من ذكرت عنده فلم يصل علي)) .
ــ
يجمع نسل الإنسان من ذكر وأنثى، وأصله الهمز فخفف وتجمع على ذريات وذراري مشدداً، وقيل أصلها من الذر بمعنى التفرق؛ لأن الله ذرهم في الأرض. (وأهل بيته) قال الطيبي: من عطف العام على الخاص على طريقة قوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم﴾ [١٥: ٨٧] انتهى. والحديث قد استدل به القائلون بأن الزوجات من الآل، والقائلون بأن الذرية من الآل، وهو أدل على ذلك من حديث أبي حميد المتقدم لذكر الآل فيه مجملاً ومبنياً، قاله الشوكاني. (رواه أبوداود) عن موسى بن إسماعيل، عن حبان بن يسار الكلابي، عن أبي مطرف عبيد الله بن طلحة بن كريز، عن محمد بن علي الهاشمي. (أبي جعفر الباقر) عن المجمر، عن أبي هريرة. والحديث سكت عنه أبوداود، والمنذري. وقال الشوكاني: وقد اختلف فيه أبي جعفر، وأخرجه النسائي في مسند علي من طريق عمرو بن عاصم، عن حبان بن يسار الكلابي، عن عبد الرحمن بن طلحة الخزاعي، عن أبي جعفر، عن محمد بن الحنفية، عن أبيه علي، عن النبي ﷺ بلفظ حديث أبي هريرة، وقد اختلف فيه على أبي جعفر، وعلى حبان بن يسار-انتهى. قلت: حبان بن يسار الكلابي، قال أبوحاتم عنه ليس بالقوي ولا بالمتروك. وقال ابن عدي: حديثه فيه ما فيه لأجل الاختلاط الذي ذكر عنه. وذكره البخاري في التاريخ وأعل حديثه، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبوداود: لا بأس به. وقال الحافظ: صدوق اختلط.
٩٣٩- قوله: (البخيل) أي الكامل في البخل كما يفيده تعريف المبتدأ. قال الشوكاني: تعريف المسند إليه يقتضي الحصر، فينبغي حمله على الكامل في البخل؛ لأنه بخل بما لا نقص عليه فيه ولا مؤنة، مع كون الأجر عظيماً، والجزاء موفوراً. قال الفاكهاني: وهذا أقبح بخل وشح لم يبق بعده إلا الشح بكلمة الشهادة. (الذي من) قال الطيبي: الموصول الثاني مقحم بين الموصول الأول وصلته تأكيداً، كما في قراءة زيد بن علي: ﴿الذي خلقكم والذين من قبلكم﴾ [٢: ٢١] أي بفتح الميم- انتهى. (ذكرت) بصيغة المجهول. (عنده) أي ذكر اسمى بمسمى منه. (فلم يصل علي) ؛ لأنه بخل على نفسه حيث حرمها صلاة الله عليه عشراً إذا هو صلى واحدة، قاله المناوي. وقال القاري: فمن لم يصل عليه فقد بخل ومنع نفسه من أن يكتال بالمكيال الأوفى، فلا يكون أحد أبخل منه، كما يدل عليه رواية "البخيل كل البخيل"- انتهى. والحديث دليل على وجوب الصلاة على النبي ﷺ كلما ذكر، وهو مذهب طائفة من العلماء، منهم الطحاوي والحليمي، ويدل عليه أيضاً ما تقدم من حديث أبي هريرة بلفظ: رغم أنف رجل ذكرت عنده، الخ. وما روى من حديث كعب بن عجرة عند الحاكم
стр. 1203
رواه الترمذي.
٩٤٠- (١٦) ورواه أحمد عن الحسين بن علي.
ــ
بلفظ: بعد من ذكرت عنده فلم يصل علي. ومن حديث جابر عند الطبراني مرفوعاً بلفظ: شقى عبدذكرت عنده فلم يصل علي. ومن مرسل قتادة عند عبد الرزاق: من الجفاء أن أذكر عند رجل فلا يصلي علي. ومن حديث عمار بن ياسر عند الطبراني بلفظ: من ذكرت عنده فلم يصل علي فأبعده الله. وله شواهد من حديث مالك بن الحويرث، وابن عباس، وعبد الله بن الحارث عند الطبراني أيضاً. قال الحافظ في الفتح: قد تمسك بهذه الأحاديث من أوجب الصلاة عليه كلما ذكر؛ لأن الدعاء بالرغم والإبعاد والشقاء، والوصف بالبخل والجفاء يقتضي الوعيد، والوعيد من علامات الوجوب، وأجاب عنها من لم يوجب ذلك بأنها خرجت مخرج المبالغة في تأكيد ذلك وطلبه، وفي حق من اعتاد ترك الصلاة عليه ديدناً-انتهى. قلت: ظاهر الأحاديث هو الوجوب كلما ذكر، وأما حملها على المبالغة وعلى من اتخذ ترك الصلاة عليه عادة فهو تأويل بعيد يأباه ظاهر الأحاديث الواردة في ذلك، وقد استدل أيضاً بهذه الأحاديث من قال بوجوب الصلاة عليه بعد التشهد الأخير؛ لأنها تدل على وجوب الصلاة عليه عند ذكره، وقد ذكر هو في التشهد، وهذا من أحسن ما يستدل به على هذا المطلوب. (رواه الترمذي) أي في الدعوات من طريق سليمان بن بلال عن عمارة بن غزية عن عبد الله بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن حسين بن علي بن أبي طالب عن علي بن أبي طالب. قلت: اختلف نسخ الترمذي في تعيين الصحابي ففي بعضها الحديث من مسند علي بن أبي طالب، وهكذا وقع في طبعات الهند، وكذا يظهر من كلام المنذري في الترغيب حيث ذكر الحديث من رواية الحسين بن علي بن أبي طالب وعزاه للنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم، ثم قال: والترمذي، وزاد في سنده علي بن أبي طالب، وقال" حديث حسن صحيح غريب" وكذلك عزاه إليه من حديثه النابلسي في الذخائر (ج٣: ص١٤) ، والجزري في جامع الأصول (ج٥: ص١٥٥) . وفي بعض النسخ للترمذي هو من مسند الحسين بن علي بن أبي طالب كما وقع عند غيره ممن أخرجه، ومنهم من جعل ذلك من اختلاف الرواة فقد قال ابن كثير في تفسيره بعد ذكر الحديث من المسند برواية الحسين بن علي: ورواه الترمذي من حديث سليمان بن بلال، ثم قال: هذا حديث حسن غريب صحيح، ومن الرواة من جعله من مسند الحسين بن علي، ومنهم من جعله من مسند علي نفسه-انتهى. قال الشيخ الألباني: وقد اختلف على عبد الله بن علي بن حسين في إسناده كما أخرجه إسماعيل القاضي مبسوطاً لكن الحديث صحيح فإن له شاهداً من حديث أبي ذر، وآخر عن الحسن البصري مرسلاً بسند صحيح عنه، أخرجها القاضي، وثالث من حديث أنس عزاه الفيروز آبادي للنسائي، وقال: وهذا حديث صحيح-انتهى.
٩٤٠- قوله: (ورواه أحمد) (ج١: ص٢٠١) . (وعن الحسين بن علي) بن أبي طالب، عن النبي ﷺ ، وكذا رواه
стр. 1204
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
٩٤١- (١٧) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائياً أبلغته))
ــ
النسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم (ج١: ص٥٤٩) وصححه ووافقه الذهبي، وابن السني في عمل اليوم والليلة والطبراني في الكبير وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة (ص١٤) قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث: أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم، وإسماعيل القاضي، وأطنب في تخريج طرقه، وبيان الاختلاف فيه من حديث علي ومن حديث ابنه الحسين، ولا يقصر عن درجة الحسن-انتهى. والحسين بن علي هو الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبوعبد الله المدني سبط رسول الله ﷺ ، وريحانته من الدنيا، وأحد سيدي شباب أهل الجنة، ولد لخمس ليال خلون من شهر شعبان سنة أربع، وكانت فاطمة علقت به بعد أن ولدت الحسن بخمسين ليلة، وقد حفظ الحسين عن رسول الله ﷺ وروى عنه، وأخرج له أصحاب السنن أحاديث يسيرة، ومناقبه كثيرة، استشهد بكربلاء يوم الجمعة، يوم عاشوراء سنة. (٦١) وله ست وخمسون سنة. وقد بسط الحافظ في تهذيب التهذيب (ج٢: ص٣٤٨- ٣٥٣) وفي الإصابة (ج١: ص٣٣٣: ٣٣٤) قصة قتله، ثم قال: قد صنف جماعة من القدماء في مقتل الحسين تصانيف فيها الغث والسمين، والصحيح والسقيم، وفي هذه القصة التي سقتها غنى-انتهى.
٩٤٠- قوله: (من صلى علي عند قبري) أي في بيتي قريباً من قبري، هذا هو الظاهر لكنه غير ممكن اليوم، لكون بيت عائشة الذي هو مدفن رسول الله ﷺ قد سد، وبنيت على القبر حيطان مرتفعة مستديرة حوله. لا يمكن لأجلها الدخول في الحجرة، والوصول إلى قرب القبر. وقيل: المراد في حجرتي مطلقاً، وهذا أيضاً غير مقدور. وقيل: المراد أعم من ذلك، أي ولو كان المصلي في المسجد خارج الحجرة، ولا يخفى ما فيه من الخدشات، وقد تقدمت الإشارة إليها في كلام الحافظ المقدسي، والعلامة السهسواني. (سمعته) أي سمعاً حقيقياً بلا واسطة. (ومن صلى علي نائياً) أي بعيداً عن قبري من نأي فلانا وعن فلان ينأى نأياً: بعد عنه. (أبلغته) بضم الهمزة على بناء المفعول من الإبلاغ، وفي بعض النسخ بلغته أي بصيغة المجهول مشدداً من التبليغ. قال المناوي: أي أخبرت به على لسان بعض الملائكة؛ لأن لروحه تعلقاً بمقره الشريف، وحرام على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، فحاله كحال النائم-انتهى. والضمير المنصوب راجع إلى مصدر "صلى" كقوله تعالى: ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ [٥: ٨] ، والحديث يدل على الفرق بين صلاة الحاضر عند قبره، وصلاة الغائب عنه، فيسمع صلاة المصلي عند قبره بنفسه، ويبلغ صلاة من صلى نائياً عنه، وقد استدل به على أن للصلاة عند قبره مزية وفضيلة على الصلاة من بعيد عنه، واحتج بذلك على استحباب زيارة قبره ﷺ ،
стр. 1205
رواه البيهقي في شعب الإيمان.
ــ
وعلى ندب السفر لمجرد قصد الزيارة، لكن الحديث ضعيف جداً لا يجوز الاحتجاج به أصلاً لما عرفت ولما ستعرف. ولأن لفظ هذا الحديث مختلف، فاللفظ المذكور يدل على إثبات السماع عند القبر، وقد روي عن أبي هريرة نفسه ما يدل على عدم السماع عند القبر، فقد روى البيهقي في شعب الإيمان: أخبرنا أبوعبد الله الحافظ: حدثنا أبوعبد الله الصفار إملاء حدثنا محمد بن موسى البصري: حدثنا عبد الملك بن قريب: حدثنا محمد بن مروان- وهو يتيم لبني السدي- عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من عبد يسلم علي عند قبري إلا وكل الله به ملكاً يبلغني وكفى أمر آخرته ودنياه، وكنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة". وقال أبوالحسين بن سمعون: حدثنا عثمان بن أحمد بن يزيد: حدثنا محمد ابن موسى: حدثنا عبد الملك بن قريب الأصمعي: حدثني محمد بن مروان السدي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى علي عند قبري وكل الله به ملكاً يبلغني، وكفى أمر دنياه وآخرته، وكنت له يوم القيامة شهيداً أو شفيعاً". وليس أحد من اللفظين أي اللفظ الدال على السماع عند القبر، واللفظ الآخر الدال على عدم السماع عند القبر أولى وأرجح من الآخر، فإن مدار الروايتين كلتيهما على محمد بن مروان السدي، وهو متروك الحديث، متهم بالكذب، فتساقطت الروايتان جميعاً. ولأن حديث أبي هريرة هذا قد عارضه أحاديث كثيرة حسنة، مروية في السنن، والمسانيد، والمعاجم، كحديث أبي هريرة عند أبي داود، وحديث الحسين بن علي بن أبي طالب، وحديث علي بن أبي طالب عند الضياء المقدسي ونحو ذلك، فإنها متفقة على أن من صلى عليه من أمته فإن ذلك يبلغه ويعرض عليه، سواء كان المصلي حاضرا عند قبره قريباً منه، أو غائباً بعيداً، وليس في شيء منها أنه يسمع صوت المصلي عليه بنفسه، إنما فيها أنه يعرض عليه ويبلغه من غير فرق بين القريب والبعيد. ولأنه ينافيه ما تقدم من النهي عن اتخاذ قبره عيداً، والأمر بالصلاة عليه حيث ما كان المصلي، ولأنه يخالفه حديث النهي عن شد الرحل إلا إلى ثلاثة مساجد؛ لأن تحصيل مزية الصلاة عليه عند قبره لا يتيسر لمن كان على مسافة بعيدة منه إلا بالسفر إليه. وقد نهى عن شد الرحل إلى بقعة غير المساجد الثلاثة. (رواه البيهقي في شعب الإيمان) وأخرجه أيضاً أبوبكر بن أبي شيبة، والعقيلي، والطبراني كلهم من رواية العلاء بن عمرو الحنفي، عن أبي عبد الرحمن، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال البيهقي: أبوعبد الرحمن هذا هو محمد بن مروان السدي فيما أرى، وفيه نظر-انتهى. قلت: هذا الحديث واه جداً لا يحتج به، فإن العلاء بن عمرو ضعيف، لا يجوز الاحتجاج به، وأبوعبد الرحمن محمد بن مروان السدي الصغير متروك الحديث، متهم بالكذب، وأخرجه أبوالشيخ في كتاب الثواب من رواية أبي معاوية عن الأعمش، وهو خطأ فاحش، وإنما هو محمد بن مروان السدي، وقد تفرد به. قال الحافظ محمد بن عبد الهادي المقدسي في الصارم المنكي: إسناده لا يحتج به فإنه لا يعرف إلا من حديث محمد بن مروان السدي الصغير عن الأعمش كما ظنه البيهقي، وما ظنه في هذا هو متفق عليه عند أهل
стр. 1206
٩٤٢- (١٨) وعن عبد الله بن عمرو، قال: ((من صلى على النبي ﷺ واحدة، صلى الله عليه وملائكته سبعين صلاة)) رواه أحمد.
ــ
المعرفة، وهو عندهم موضوع على الأعمش. وقال في (ص١٩٠) : هذا الحديث موضوع على رسول الله ﷺ ، ولم يحدث به أبوهريرة، ولا أبوصالح، ولا الأعمش، ومحمد بن مروان السدي متهم بالكذب والوضع، ورواه عنه العلاء بن عمرو الحنفي، ورواه عن العلاء جماعة. قال أحمد بن إبراهيم بن ملحان: حدثنا العلاء بن عمرو: حدثنا محمد بن مروان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائياً من قبري أبلغته". رواه العقيلي عن شيخ له، عن العلاء بن عمرو، وقال: لا أصل من حديث الأعمش، وليس بمحفوظ. ورواه الطبراني من رواية العلاء أيضاً، ولفظه: "من صلى علي من قريب سمعته، ومن صلى علي من بعيد أبلغته". وقد تكلم أبوحاتم بن حبان، وأبوالفتح الأزدي في العلاء بن عمرو، فقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به بحال، وقال الأزدي: لا يكتب عنه بحال، وقد روى بعضهم هذا الحديث من رواية أبي معاوية عن الأعمش، وهو خطأ فاحش، وإنما هو محمد بن مروان تفرد به، وهو متروك الحديث، متهم بالكذب. ثم ذكر كلام أئمة الجرح فيه مفصلاً. وبالجملة حديث أبي هريرة هذا ضعيف غاية الضعف، واهٍ، ساقط، بل لو ادعى أحد كونه موضوعاً لا يكون فيه شيء من المبالغة، والعجب من المصنف أنه أورد هذا الحديث من غير أن يذكر ما فيه من الكلام الموجب لسقوطه عن الاحتجاج والاستشهاد والاعتبار.
٩٤٢- قوله: (واحدة) أي صلاة واحدة (صلى الله عليه وملائكته سبعين صلاة) قد تقدم الجمع بين هذا وبين ما تقدم من حديث أبي هريرة مرفوعاً: من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشراً. وقيل: إن حديث أبي هريرة من باب الحسنات بعشر أمثالها. وهذا الحديث من قبيل مضاعفة الثواب، فيجوز من فضل الله تعالى أن يضاعف أكثر من ذلك إلى سبع مائة كما ورد في تضعيف أجر بعض الحسنات، وزيد هنا صلاة الملائكة وهم تابعون لأمر الله تعالى، فإذا صلى الله تعالى صلى كل شيء من مخلوقاته. وقال القاري: لعل هذا مخصوص بيوم الجمعة، إذ ورد أن الأعمال في يوم الجمعة بسبعين ضعف. (رواه أحمد) (ج٢: ص١٧٢، ١٨٧) بإسناد حسن، قاله المنذري في الترغيب، وكذا حسنه الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١: ص١٦٠) وفيه ابن لهيعة، وقد تقدم الكلام فيه، وتمام الحديث: فليقل عبد من ذلك أو ليكثر، والحديث وإن كان من كلام عبد الله بن عمرو لكنه في حكم المرفوع إذ لا مجال للاجتهاد في بيان ثواب الأعمال، ومقداره، وكيفيته، قال السخاوي في القول البديع بعد ذكر الحديث: رواه أحمد وابن زنجوية في ترغيبه بإسناد حسن، وحكمه الرفع إذ لا مجال للاجتهاد فيه.
стр. 1207
٩٤٣- (١٩) وعن رويفع، أن رسول الله ﷺ ، قال: ((من صلى على محمد، وقال: اللهم أنزله المقعد
المقرب عندك يوم القيامة. وجبت له شفاعتي)) . رواه أحمد.
٩٤٤- (٢٠) وعن عبد الرحمن بن عوف، قال: (خرج رسول الله ﷺ حتى دخل نخلاً، فسجد، فأطال
السجود حتى خشيت أن يكون الله تعالى قد توفاه. قال: فجئت أنظر، فرفع رأسه، فقال: ما
لك؟ فذكرت له ذلك.
ــ
٩٤٣- قوله: (عن رويفع) بالتصغير، وهو ابن ثابت بن السكن الأنصاري المدني تقدم ترجمته. (من صلى على محمد، وقال) أي بعد الصلاة عليه، ففي الحديث الجمع بين الصلاة عليه ﷺ وسؤاله أن ينزله المقعد المقرب عنده يوم القيامة، فمن وقع منه ذلك استحق الشفاعة المحمدية وكانت واجبة له. (المقعد المقرب عندك) وصف المقعد بالمقرب باعتبار أن كل من كان فيه فهو مقرب عند الله فهو من قبيل وصف المكان بوصف المتمكن فيه، فعلى هذا "المقرب" اسم مفعول، ويجوز أن يكون اسم مكان، أي مقعد هو مكان التقريب، والقرب عنده، ثم قيل: هو المقام المحمود لقوله: (يوم القيامة) وقيل: المراد به الوسيلة التي هي أعلى درجة في الجنة، لا تكون إلا له ﷺ ، وعلى هذا، المراد بيوم القيامة الدار الآخرة. (وجبت) أي ثبتت، ووقعت، وتحتمت بمقتضى وعدالله الصادق. (له شفاعتي) أي نوع من أنواع شفاعاته ﷺ الخاصة ببعض أمته من رفع درجته أو نحوها. (رواه أحمد) (ج١:ص١٠٨) وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة (ص٢١) وفي سنده ابن لهيعة، وعزاه المنذري في الترغيب، والهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠:ص١٦٣) للبزار، والطبراني في الكبير، والأوسط. قال المنذري: وبعض أسانيدهم حسنة، وقال الهيثمي: وأسانيدهم حسنة.
٩٤٤- قوله: (حتى دخل نخلاً) أي بستان نخل، وفي رواية لأحمد (ج١:ص١٩١) : فتوجه نحو صدقته، فدخل، فأسقبل القبلة، فخر ساجداً، وفي رواية لأبي يعلى: خرجت على أثره فوجدته قد دخل حائطاً من الأسواف – وهو بالفاء موضع بالمدينة – فتوضأ، ثم صلى ركعتين، فسجد سجدة، فأطال السجود. (فسجد) أي سجدة كما في رواية أبي يعلى. (قد توفاه) أي قبض نفسه فيها: ففي رواية أحمد المتقدمة: فأطال السجود حتى ظننت أن الله عزوجل قبض نفسه فيها. (قال) أي عبد الرحمن. (فجئت أنظر) هل هو حي أو ميت، وفي رواية أحمد فدنوت منه. (فرفع رأسه) أي من السجدة. (فقال) أي ﷺ . (مالك؟) أي أى شيء عرض لك حتى ظهر أمارة الحزن والفزع عليك؟ وفي الرواية المذكورة من هذا؟ فقلت: عبد الرحمن. قال: ما شأنك. (فذكرت له ذلك) أي الخوف المرادف للخشية التي مستفادة من خشيت، وفي الرواية المتقدمة: قلت يا رسول الله! سجدت سجدة خشيت أن يكون الله عزوجل قد قبض نفسك فيها.
стр. 1208
قال: فقال: إن جبرئيل ﵇ قال لي: ألا أبشرك أن الله عزوجل يقول لك: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه) رواه أحمد.
٩٤٥- (٢١) وعن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: ((إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يعد منه شيء حتى تصل على نبيك))
ــ
(ألا أبشرك أن الله عزوجل) بفتح "أن" وقيل: بكسرها؛ لأن في البشارة معنى القول. (من صلى عليك) أي صلاة (صليت عليه، ومن سلم عليك) . أى سلاماً. (سلمت عليه) زاد في الرواية المتقدمة: فسجدت لله شكراً، وقد تقدم ذكر الأحاديث المفسرة المصرحة بأن الله تعالى يصلي على من صلى على رسوله ﷺ مرة واحدة عشرة صلوات. (رواه أحمد) (ج١:ص١٩١) قال الهيثمي: ورجاله ثقات، وأخرجه أيضاً الحاكم، وقال: صحيح الإسناد. ورواه أيضاً إسماعيل القاضي (ص٥، ٦) والبيهقي (ج٢:ص٣٧٠) وابن أبي الدنيا، وأبويعلى، ولفظه: قال كان لا يفارق رسول الله ﷺ منا خمسة أو أربعة من أصحاب النبي ﷺ لما ينوبه من حوائجه بالليل والنهار، قال فجئته وقد خرج، فأتبعته، فدخل حائطاً من حيطان الأسواف، فصلى فسجد، فأطال السجود، فبكيت، وقلت: قبض الله روحه، قال فرفع رأسه فدعاني، فقال: مالك؟ فقلت: يارسول الله! أطلت السجود، قلت: قبض الله روح رسوله لا أراه أبداً. قال: سجدت شكراً لربي فيما أبلاني في أمتي، من صلى على صلاة من أمتي كتب الله له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، لفظ أبي يعلى. وقال ابن أبي الدنيا: من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشراً. وفي إسنادهما موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف. ورواه أيضاً إسماعيل القاضي بنحو أبي يعلى، وفيه أيضاً موسى بن عبيدة الربذي.
٩٤٥- قوله: (لا يصعد) بفتح الياء. (منه) أي من الدعاء جنسه. (حتى تصلي على نبيك) قال الطيبي: يحتمل أن يكون من كلام عمر ﵁ فيكون موقوفاً، وأن يكون ناقلا كلام رسول الله ﷺ فحينئذٍ فيه تجريد، جرد ﷺ من نفسه نبيا وهو هو، وعلى التقديرين للخطاب عام، لا يختص بمخاطب دون مخاطب، والأنسب أن يقال: النبي مشتق من النبوة بمعنى الرفعة، أي لا يرفع الدعاء إلى الله تعالى حتى يستصحب الرافع معه، يعني أن الصلاة على النبي ﷺ هي الوسيلة إلى الإجابة-انتهى. والحديث يقوي قول من ذهب إلى وجوب الصلاة في قعود التشهد الأخير. قال ابن العربي: ومثل هذا يقال من قبل الرأى فيكون له حكم الرفع-انتهى. قال الحافظ: وورد له شاهد مرفوع في جزء الحسن بن عرفة أخرج العمري في عمل يوم وليلة عن ابن عمر بسند جيد، قال: لا تكون صلاة إلا بقراءة، وتشهد، وصلاة علي. وأخرج البيهقي في الخلافيات بسند قوي عن الشعبي، وهو من كبار التابعين. قال: من لم يصل على النبي ﷺ في التشهد فليعد صلاته. وأخرج الطبري بسند صحيح عن مطرف بن عبد الله بن الشخير وهو من كبار التابعين، قال: كنا نعلم
стр. 1209
رواه الترمذي.
(١٧) باب الدعاء في التشهد
﴿الفصل الأول﴾
٩٤٦- (١) عن عائشة، ﵂، قالت. ((كان رسول الله يدعو في الصلاة، يقول: اللهم إني
أعوذبك من عذاب القبر،
ــ
التشهد، فإذا قال: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، يحمد ربه ويثني عليه، ثم يصلي على النبي ﷺ ثم يسأل حاجته-انتهى. وقد تقدم ما روى عن ابن مسعود، قال: يتشهد الرجل، ثم يصلي على النبي ثم يدعو لنفسه، أخرجه الحاكم بسند قوي، وهو أقوى شيء يحتج به للشافعي في وجوب الصلاة على النبي ﷺ في قعود التشهد الأخير. (رواه الترمذي) في الصلاة من طريق أبي قرة الأسدي. عن سعيد بن المسيب، عن عمر مرفوعاً، لكن للوقف في مثل هذا حكم الرفع؛ لأن ذلك مما لا مجال للاجتهاد فيه. قال ابن العربي في العارضة (ج٢:ص٢٧٣، ٢٧٤) : مثل هذا إذ قاله عمر لا يكون إلا توقيفاً؛ لأنه لا يدرك بنظر، ويعضده ما خرج مسلم: قال النبي ﷺ : إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ، فإنه من صلى علي صلاة، صلى الله بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة-الحديث. قلت: لكن رواية عمر هذه ضعيفة؛ لأن أبا قرة الأسدي مجهول كما صرح به الحافظ في التقريب، والذهبي في الميزان، وأخرج الطبراني في الأوسط عن علي بن أبي طالب قال: كل دعاء محجوب حتى يصلى على محمد ﷺ وآل محمد. قال المنذري: إنه موقوف، ورواته ثقات، ورفعه بعضهم، والموقوف أصح-انتهى. وقال الهيثمي: رجاله ثقات، وأخرجه البيهقي في الشعب من حديثه، وأخرجه الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس بلفظ: كل دعاء محجوب حتى يصلي على النبي ﷺ وفي إسناده محمد بن عبد العزيز الدينوري، قال الذهبي في الضعفاء: منكر الحديث، ويشهد لذلك كله ما تقدم من حديث فضالة بن عبيد مرفوعاً، وفي الحصن الحصين (ص٢٤٧) : قال الشيخ أبوسليمان الداراني: إذا سألت الله حاجة فابدأه بالصلاة على النبي ﷺ ، ثم ادع بما شئت، ثم اختم بالصلاة عليه، فإن الله سبحانه بكرمه يقبل الصلاتين، وهو أكرم من أن يدع ما بينهما-انتهى.
(باب الدعاء في التشهد) أي في آخره أو عقبه بعد الصلاة على النبي ﷺ ، وفي كيفية الانصراف عن الصلاة.
٩٤٦- قوله: (كان رسول الله ﷺ يدعو في الصلاة) أي في آخرها بعد التشهد قبل السلام للحديث الآتي عقب هذا. ففيه تعيين محل هذه الاستعاذة بعد التشهد الأخير، وهو مقيد، وحديث عائشة هذا مطلق فيحمل عليه. (يقول) بدل أو بيان. (اللهم إني أعوذبك من عذاب القبر) هو ضرب من لم يوفق للجواب بمقامع من حديد وغيره من العذاب، كشدة
стр. 1210
وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات،
ــ
الضغطة ووحشة الوحدة، والمراد بالقبر البرزخ، والتعبير به للغالب، أو كل ما استقر فيه أجزاءه فهو قبره. وفيه إثبات لعذاب القبر، ورد على المنكرين لذلك من المعتزلة. والأحاديث في الباب متواترة كما تقدم. (وأعوذ بك من فتنة المسيح) قال أهل اللغة: الفتنة الامتحان والاختبار. قال عياض: واستعمالها في العرف لكشف ما يكره، وقد تطلق على القتل، والإحراق، والنميمة، وغير ذلك. والمسيح - بفتح الميم وكسر السين المخففة آخره هاء مهملة – وفيه ضبط آخر، وهذا المشهور الأصح، يطلق على الدجال، وعلى عيسى بن مريم ﵇، لكن إذا أريد الدجال قيد به، واختلف في تلقيب الدجال بذلك، فقيل: لأن إحدى عينيه ممسوحة، فعيل بمعنى مفعول، أي عينيه ذاهبة. وقيل:؛ لأن أحد شقى وجهه خلق ممسوحاً لا عين فيه ولا حاجب. وقيل: فعيل بمعنى فاعل من المساحة؛ لأنه يمسح الأرض إذا خرج، أي يقطعها بتردده فيها في أيام معدودة إلا مكة والمدينة، فإن الله تعالى حماهما منه بفضله، وآخر الأمر يقتله المسيح عيسى بن مريم في محاصرة القدس. وأما عيسى، فقيل: سمى بذلك؛ لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن. وقيل: لأن زكريا مسحه. وقيل:؛ لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ. وقيل:؛ لأنه كان سياح يمسح الأرض أي يقطعها بسياحته وكثرة سيره في الأرض. وقيل:؛ لأن رجله كانت لا أخمص لها. وقيل: للبسه المسوح. وقيل: أصله "ما شيخا" بالعبرانية، وهو المبارك، فعرب المسيح. وقيل: المسيح الصديق. وذكر المجد الشيرازي صاحب القاموس أنه جمع في وجه تسمية عيسى بذلك خمسين قولاً، أوردها في شرح مشارق الأنوار. (الدجال) أي الخداع الكذاب، فعال من الدجل، وهو الخدع، والكذب، والتغطية، والمراد به هنا الكذاب المعهود الذي سيظهر في آخر الزمان، وفي معناه كل مفسد مضل. والمراد بفتنة المسيح الدجال هي ما يظهر على يده من الأمور الخارقة للعادة التي يضل بها من ضعف إيمانه كما اشتملت على ذلك الأحاديث المشتملة على ذكره، وذكر خروجه وما يظهر للناس من تلك الأمور. (وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات) المحيا بالقصر مفعل من الحياة كالممات من الموت، والمراد الحياة والموت، ويحتمل أن يريد زمان ذلك ويريد بذلك محنة الدنيا وما بعدها، ويحتمل أن يريد بذلك حالة الاخضار وحالة المسألة في القبر، وكأنه استعاذ من فتنة هذين المقامين، وسأل التثبيت فيهما، قاله القرطبي. وقال ابن دقيق العيد: فتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا، والشهوات، والجهالات، وأعظمها-والعياذ بالله – أمر الخاتمة عند الموت، وفتنة الممات يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت، أضيفت إليه لقربها منه، ويكون المراد بفتنة المحيا على هذا ما قيل ذلك ويجوز أن يراد بها فتنة القبر، وقد صح يعني حديث أسماء عند البخاري "إنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريباً من فتنة الدجال". ولا يكون مع هذا الوجه متكرراً مع قوله "عذاب القبر"؛ لأن العذاب مرتب عن الفتنة، والسبب غير المسبب. وقال الطيبي: "فتنة المحيا" الابتلاء مع زوال الصبر والرضاء، والوقوع في الآفات، والإصرار على السيئات،
стр. 1211
اللهم إني أعوذ بك من المأثم ومن المغرم. فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم! فقال: إن الرجل إذا غرم، حدث فكذب، ووعد فأخلف)) .
ــ
وترك متابعة طريق الهدى، و"فتنة الممات" سؤال منكر ونكير مع الحيرة والخوف، وعذاب القبر وما فيه من الأهوال والشدائد، وهذا من العام بعد الخاص؛ لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات، وفتنة الدجال داخلة تحت فتنة المحيا. (من المأثم) أي مما يأثم به الإنسان، أو مما فيه إثم، أو مما يوجب الإثم، أو الإثم نفسه، مصدر وضع موضع الاسم. (ومن المغرم) قال الجزري: هو مصدر وضع موضع الاسم، يريد به مغرم الذنوب والمعاصي. وقيل: المغرم كالغرم وهو الدين، ويريد به ما استدين فيما يكرهه الله أو فيما يجوز ثم عجز عن أدائه، فأما دين احتاج إليه وهو قادر على أداءه فلا يستعاذ منه-انتهى. وقال الحافظ: المغرم الدين، يقال: غرم-بكسر الراء- أي أدان. قيل: والمراد به ما يستدان فيما لايجوز، أو فيما يجوز ثم يعجز عن أدائه. ويحتمل أن يراد به ما هو أعم من ذلك، وقد استعاذ ﷺ من قلبة الدين-انتهى. وقال السندي: الظاهر أن المراد ما يفضي إلى المعصية بسبب ما. (فقال له قائل) في رواية للنسائي أن السائل عن ذلك عائشة، ولفظها: قلت: يارسول الله! ما أكثر ما تستعيذ، الخ.. (ما أكثر) بفتح الراء فعل التعجب. (ما تستعيذ) في محل النصب وما مصدرية، أي استعاذتك، كأن هذا القائل رأى أن الدين إنما يتعلق بضيق الحال ومثله لا يحترز عنه أصحاب الكمال. (إن الرجل) المراد به الجنس، وغالب حاله. (إذا غرم) بكسر الراء أي لزمه دين، والمراد استدان واتخذ ذلك دأبه وعادته كما يدل عليه السياق. (حدّث) بتشديد الدال أي أخبر عن ماضي الأحوال لتمهيد عذر في التقصير. (فكذب) ؛ لأنه إذا تقاضاه رب الدين ولم يحضره ما يؤدي به دينه يكذب ليتخلص من يده ويقول: لي مال غائب إذا حضر أودي دينك. (ووعد) أي في المستقبل بأن يقول: أعطيك غداً أو في المدة الفلانية، (فأخلف) في وعده، وبما تقرر علم أن "غرم" شرط و"حدث" جزاء، و"كذب" عطف على الجزاء مرتب عليه، و"وعد" عطف على "حدث" لا على"غرم" و"أخلف" مرتب عليه. وحاصل الجواب: أن الدين يؤدي إلى خلل بالدن فلذلك وقعت العناية بالمسألة وقد استشكل دعاءه ﷺ بما ذكر مع أنه معصوم مغفور له ما تقدم وما تأخر. وأجيب بأجوبة، أحدها: أنه قصد التعليم لأمته. ثانيها: أن المراد السؤال منه لأمته فيكون المعنى هنا: أعوذ بك لأمتي. ثالثها: سلوك طريق التواضع، وإظهار العبودية، وإلزام خوف الله، وإعظامه، والافتقار إليه، وامتثال أمره في الرغبة إليه، ولا يمتنع تكرار الطلب مع تحقق الإجابة؛ لأن ذلك يحصل الحسنات، ويرفع الدرجات. وفيه تحريض لأمته على ملازمة ذلك؛ لأنه إذا كان مع تحقق المغفرة لا يترك التضرع، فمن لم يتحقق ذلك أحرى بالملازمة. وأما الاستعاذة من فتنة الدجال مع تحققه أنه لا يدركه فلا إشكال فيه على الوجهين الأولين. وقيل: على الثالث يحتمل أن يكون ذلك قبل تحقق عدم إدراكه، ويدل عليه
стр. 1212
متفق عليه.
٩٤٧- (٢) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر، فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال)) رواه مسلم.
٩٤٨- (٣) وعن ابن عباس، ﵄ ((أن النبي ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن، يقول: قولوا: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات)) .
ــ
قوله في الحديث الآخر عند مسلم: إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه-الحديث. والله أعلم، كذا في الفتح. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي.
٩٤٧- قوله: (إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر) أي آخر الصلاة ولو كان أولا. وفيه تقييد لحديث عائشة السابق، وبيان أن الاستعاذة المأمور بها بعد التشهد الأخير، ويدل التعقيب بالفاء وقوله "إذا فرغ" أنها تكون قبل الدعاء المخير فيه بما شاء. وفيه رد على ابن حزم فيما ذهب إليه من وجوبها في التشهد الأول. قال النووي: فيه التصريح باستحبابه في التشهد الأخير والإشارة إلى أنه لا يستحب في الأول. وهكذا الحكم؛ لأن الأول مبني على التخفيف. (فليتعوذ بالله) ظاهره وجوب الاستعاذة مما ذكر، وقد ذهب إليه ابن حزم، وروى عن طاووس، وحمله الجمهور على الندب، وادعى بعضهم الإجماع على الندب، وهو لا يتم مع مخالفة من تقدم. (من أربع) ينبغي أن يزاد على هذه الأربع التعوذ من المأثم والمغرم المذكورين في حديث عائشة. (من عذاب جهنم) قدم فإنه أشد وأبقى، بدل بإعادة الجار. (ومن شر المسيح الدجال) قيل أخره هنا؛ لأنه إنما يقع آخر الزمان قرب الساعة. قال القاري، قيل: له شر وخير، فخيره أن يزداد المؤمن إيماناً، ويقرأ ما هو مكتوب بين عينيه من أنه كافر، فيزيد إيقاناً. وشره أن لا يقرأ الكافر ولا يعلمه. (رواه مسلم) في الصلاة، وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه.
٩٤٨- قوله: (كان يعلمهم) أي أصحابه أو أهل بيته. (هذا الدعاء) أي الذي يأتي. (يقول: قولوا) ذهب طاووس إلى وجوبه، وأمر ابنه بإعادة الصلاة حين لم يدع بهذا الدعاء فيها، وإليه ذهب ابن حزم، والجمهور على أنه مستحب، (اللهم إني أعوذبك من عذاب جهنم) فيه إشارة إلى أنه لا مخلص من عذابها إلا بالالتجاء إلى بارئها. (وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال) أي على تقدير لقيه. (وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) هذا تعميم بعد تخصيص، وكرر "أعوذ" في كل
стр. 1213
رواه مسلم.
٩٤٩- (٤) وعن أبي بكر الصديق، ﵁، قال ((قلت: يارسول الله! علمني دعاء أدعو به
في صلاتي. قال: اللهم إني
ــ
واحدة إظهار لعظم موقعها، وأنها حقيقة بإعادة مستقلة. (رواه مسلم) في الصلاة، وأخرجه أيضاً مالك، وأبوداود في أواخر الصلاة، والترمذي في الدعوات، والنسائي في الاستعاذة.
٩٤٩- قوله: (وعن أبي بكر الصديق) هو عبد الله بن عثمان أبي قحافة-بضم القاف- ابن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي أبوبكر الصديق الأكبر، خليفة رسول الله ﷺ وصاحبه في الغار، وإنما سمي عتيقاً؛ لأنه ﷺ قال: من أراد أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى أبي بكر، وهو أول الرجال إسلاما. وقال ميمون بن مهران: لقد آمن أبوبكر بالنبي ﷺ زمان بحيراء الراهب، واختلف بينه وبين خديجة حتى تزوجها. وذلك قبل أن يولد علي، وكان مولد أبي بكر بمكة بعد الفيل بسنتين وأربعة أشهر إلا أياماً، وشهد مع النبي ﷺ المشاهد كلها، ولم يفارقه في الجاهلية، ولا في الإسلام، وكان أفضل الصحابة، ولأبويه، وولده، وولده ولده صحبة، ولم يجتمع هذا لأحد من الصحابة. كان أبيض، أشقر، لطيفاً، نحيفاً، مسترق الوركين، خفيف العارضين. قال عمر: أبوبكر خيرنا وسيدنا، وأحبنا إلى رسول الله ﷺ ، ومناقبه وفضائله كثيرة جداً مدونة في كتب العلماء. مات بالمدينة ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الأخرى سنة ثلاث عشرة من الهجرة بين المغرب والعشاء، وله ثلاث وستون سنة، وأوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس، فغسلته، وصلى عليه عمر، ودفن مع رسول الله ﷺ ، وكانت خلافته سنتين وأربعة أشهر. روى مائة واثنين وأربعين حديثاً، اتفقا على ستة، وانفرد البخاري بأحد عشر، ومسلم بحديث، ولم يرو عنه من الحديث إلا هذا القدر القليل لقلة مدته بعد النبي ﷺ ، وترجمته في تاريخ الشام في مجلد ونصف. (أدعو به في صلاتي) أي عقب التشهد الأخير والصلاة عليك والاستعاذة، وإليه جنح البخاري في صحيحه حيث قال "باب الدعاء قبل السلام"، ثم ذكر حديث أبي بكر هذا. قال ابن دقيق العيد في الكلام على هذا الحديث: هذا يقتضى الأمر بهذا الدعاء في الصلاة من غير تعيين محله، ولعل الأولى أن يكون في أحد موطنين إما السجود وإما بعد التشهد؛ لأنهما أمر فيهما بالدعاء، ولعله يترجح كونه فيما بعد التشهد بظهور العناية بتعليم دعاء مخصوص في هذا المحل. ونازعه الفاكهاني، فقال: الأولى الجمع بينهما في المحلين المذكورين أي السجود والتشهد. وقال النووي: استدلال البخاري صحيح؛ لأن قوله "في صلاتي" يعم جميعها، ومن مظانه هذا الموطن. وقال العيني: ظاهر الحديث عموم جميع الصلاة. ولكن المراد بعد التشهد الأخير قبل السلام؛ لأن لكل مقام من الصلاة ذكراً مخصوصاً فتعين أن يكون مقامه بعد الفراغ من الكل وهو آخر الصلاة، وبيانه أن للصلاة قياماً،
стр. 1214
ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم)) .
ــ
وركوعاً، وسجوداً، وقعوداً، فالقيام محل قراءة القرآن، والركوع والسجود لهما دعاءان مخصوصان، والقعود محل التشهد، فلم يبق للدعاء إلا بعد التشهد قبل السلام. (ظلمت نفسي) أي بملابسة ما يوجب العقوبة، أو ينقص الحظ والأجر. (ظلمًا كثيراً) يروى بالمثلثة وبالموحدة فيخير الداعي بين اللفظين، ولا يجمع بينهما؛ لأنه لم يرو إلا أحدهما. وقيل: يأتي مرة بالمثلثة، ومرة بالموحدة، فإذا أتى بالدعاء مرتين فقد نطق بما نطق به النبي ﷺ بيقين. قال الحافظ: في الحديث أن الإنسان لا يعري عن تقصير، ولو كان صديقا. قال السندي: بل فيه أن الإنسان كثير التقصير وإن كان صديقاً؛ لأن النعم عليه غير متناهية، وقوته لا تطيق بأداء أقل قليل من شكرها، بل شكره من جملة النعم أيضاً فيحتاج إلى شكر هو أيضاً كذلك، فما بقي له إلا العجز والاعتراف بالتقصير الكثير، كيف وقد جاء في جملة أدعيته ﷺ "ظلمت نفسي" انتهى. (ولا يغفر الذنوب إلا أنت) فيه إقرار بوحدانية الباري تعالى، واستجلاب لمغفرته بهذا الإقرار كما قال تعالى: علم أن له رباً يغفر الذنب. ويأخذ بالذنب، وقد وقع في هذا الحديث امتثال لما أثنى الله تعالى عليه في قوله: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ [٣: ١٣٥] ، فأثنى على المستغفرين، وفي ضمن ثناءه بالاستغفار لوح بالأمر به كما قيل: إن كل شيء أثنى الله على فاعله فهو آمر به، وكل شيء ذم فاعله فهو ناه عنه. وقوله "لا يغفر الذنوب إلا أنت" كقوله تعالى: ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ . (مغفرة) نكرها للتعظيم أي مغفرة عظيمة، وزادها تعظيماً بوصفها بقوله: (من عندك) ؛ لأن ما يكون من عنده لا تحيط بوصفه عبارة. وقيل، معناه: من محض فضلك من غير سابقة استحقاق مني، أو مغفرة لائقة بعظيم كرمك. قال الطيبي: دل التنكير على أنه غفران لا يكتنه كنهه، ثم وصف بقوله "من عندك" مبالغة في ذلك التعظيم؛ لأن ما يكون من عند الله ومن لديه لا يحيط به وصف واصف كقوله تعالى: ﴿وعلمناه من لدنا علماً﴾ [١٨: ٦٥] . وقال ابن دقيق العيد: يحتمل وجهين: أحدهما الإشارة إلى التوحيد المذكور، كأنه قال: لا يفعل هذا إلا أنت فافعله لي أنت. والثاني- وهو أحسن- أنه إشارة إلى طلب مغفرة متفضل بها، لا يقتضيها سبب من العبد من عمل حسن ولا غيره، فهي رحمة من عنده بهذا التفسير ليس للعبد فيها سبب، وهذا تبرؤ من الأسباب، والإدلال بالأعمال والاعتقاد في كونها موجبة للثواب وجوباً عقلياً، وبهذا الثاني جزم ابن الجوزي فقال: المعنى هب لي المغفرة تفضلاً وإن لم أكن لها أهلاً بعملي. (إنك أنت الغفور الرحيم) هما صفتان ذكرتا ختما للكلام على جهة المقابلة لما قبله، فالغفور مقابل لقوله "اغفرلي" والرحيم مقابل لقوله "ارحمني" وهي مقابلة مرتبة. وفي هذا الحديث من الفوائد: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه عند طلب الحاجات، واستدفاع المكروهات، وأنه يأتي من صفاته في كل مقام ما يناسبه كالغفور الرحيم عند طلب المغفرة والرحمة، ونحو. ﴿وارزقنا وأنت خير الرازقين﴾ [٥: ١١٤] عند طلب الرزق، والقرآن والأدعية النبوية مملوة بذلك. وفيه أيضاً استحباب طلب التعليم من العالم
стр. 1215
متفق عليه.
٩٥٠- (٥) وعن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: ((كنت أرى رسول الله ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده))
ــ
سيما في الدعوات المطلوب فيها جوامع الكلم. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه.
٩٥٠- قوله: (عن عامر بن سعد) بن أبي وقاص الزهري القرشي، ثقة من أوساط التابعين، مات سنة أربع ومائة. (عن أبيه) سعد بن أبي وقاص تقدم ترجمته. (كنت أرى) بفتح الهمزة. (يسلم عن يمينه) قال الطيبي أي مجاوزاً نظره عن يمينه كما يسلم أحد على من في يمينه. (وعن يساره) فيه مشروعية أن يكون التسليم إلى جهة اليمين ثم إلى جهة اليسار. (حتى أرى بياض خده) قال الأبهري: أي وجنته الخالية عن الشعر، وكان مشرباً بالحمرة- انتهى. والمعنى حتى أرى بياض خده الأيمن في الأولى، والأيسر في الثانية، وفيه دليل على مبالغة في الالتفات إلى جهة اليمين، وإلى جهة اليسار. واعلم أن السلام للتحلل عن الصلاة فرض لا يقوم غيره مقامه، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأحمد. وقال أبوحنيفة: لا يتعين السلام للخروج من الصلاة بل إذا خرج بما ينافي الصلاة من عمل، أو حدث؛ أو غير ذلك جاز. قال العيني: اختلف العلماء في هذا؛ فقال مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم: إذا انصرف المصلي بغير لفظ التسليم فصلاته باطلة؛ وذهب أبوحنيفة وأبويوسف ومحمد إلى أن التسليم ليس بفرض حتى لو تركه لم تبطل صلاته- انتهى. قلت: السلام عند الحنفية واجب يجب إعادة الصلاة بتركه كما صرح به بعض الحنفية، وهذا مبني على ما أصلوه من التفريق بين الواجب والفرض، قال في البدائع: أما الخروج عن الصلاة بلفظ السلام فواجب عندنا على ما هو القاعدة عند الحنفية أن خبر الواحد يعني قوله "تحليلها التسليم" يفيد الوجوب-انتهى. والحق ما ذهب إليه الجمهور من تعيين السلام للخروج عن الصلاة، وأنه لا يقوم غيره مقامه وأنه يبطل صلاة من تركه. والدليل عليه قوله ﷺ : "وتحليلها التسليم" فإن الإضافة تقتضي الحصر فكأنه قال: جميع تحليلها التسليم أي انحصر تحليلها في التسليم لا تحليل لها غيره. ولأنه أحد طرفي الصلاة فكان فيه نطقاً واجباً. ولأن النبي ﷺ كان يسلم من صلاته، ويديم ذلك، ويواظب عليه ولا يخل به، وقد قال: صلوا كما رأيتموني أصلي. ولأنه قد تواتر العمل عليه من لدن صاحب الشريعة ﷺ إلى يومنا هذا، وتلقاه الكافة عن الكافة طبقة عن طبقة، فهو ثابت متواتراً عملاً، وطبقة عن طبقة، وهذا كالقعدة الأخيرة عند الحنفية، فإنها فرض عندهم تبطل الصلاة بتركها، ولا دليل على فرضيتها إلا أخبار الآحاد أو تواتر العمل. وأما ما قيل: من أن النبي ﷺ لم يعلم السلام المسيء في صلاته، ولو وجب لأمره به؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. ففيه أن النبي ﷺ لم يعلمه كل الواجبات، بدليل أنه لم يعلمه التشهد والقعود وغيرهما، ويحتمل أنه اقتصر على تعليمه ما رآه أساء فيه. وأما ما روي أن رسول الله ﷺ صلى الظهر خمساً
стр. 1216
فلما سلم أخبر بصنيعه، فثنى رجله، فسجد سجدتين، أخرجه الجماعة عن ابن مسعود بطريق متعددة، وألفاظ مختلفة. قال الطحاوي: في هذا الحديث أنه أدخل في الصلاة ركعة من غيرها قبل التسليم، ولم ير ذلك مفسداً للصلاة، فدل ذلك على أن السلام ليس من أصلها، ولو كان واجباً كوجوب السجدة في الصلاة لكان حكمه أيضاً كذلك ولكنه بخلافه فهو سنة. ففيه أنه ليس فيه إلا تأخير السلام لا تركه رأساً، وهذا لا يدل على كون السلام من غير أصل الصلاة مع أن ذلك كان في حالة النسيان، وعلى ظن عدم الزيادة والإدخال، والكلام هنا فيمن ترك السلام عمداً، وخرج من الصلاة بغير السلام مما ينافي الصلاة. وأما ما روى عن عبد الله بن عمر مرفوعاً: إذا أحدث الرجل وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلم فقد جازت صلاته. أخرجه أبوداود والترمذي، وسيأتي في "باب مالا يجوز من العمل في الصلاة وما يباح منه". ففيه أنه حديث ضعيف مضطرب، قد تفرد به عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وضعفه أكثر الحفاظ. قال الترمذي بعد إخراجه: ليس إسناده بذاك القوي، وقد اضطربوا في إسناده- انتهى. وفيه أيضاً أنه مخالف للحديث الصحيح "وتحليلها التسليم" فلا يقوى على معارضته بل يؤخذ بالأصح، قال الخطابي في المعالم (ج١:ص١٧٥) : هذا الحديث ضعيف، وقد تكلم الناس في بعض نقلته، وقد عارضته الأحاديث التي فيها إيجاب التشهد والتسليم- انتهى. وأما ما روي أن رسول الله ﷺ أخذ بيد عبد الله بن مسعود فعلمه التشهد في الصلاة، ثم قال: إذا قلت هذا أو قضيت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد. أخرجه أحمد وأبوداود والدارقطني. ففيه أن قوله: إذا قلت هذا، الخ. مدرج من قول ابن مسعود، قال الدارقطني: الصحيح أن قوله "إذا قضيت هذا فقد قضيت صلاتك" من كلام ابن مسعود، فصله شبابه عن زهير بن معاوية، وجعله من كلام ابن مسعود، وقوله أشبه بالصواب ممن أدرجه، وقد اتفق من روى تشهد ابن مسعود على حذفه، كذا في المنتقى. قال الشوكاني: أما حديث ابن مسعود فقال البيهقي في الخلافيات: إنه كالشاذ من قول عبد الله، وإنما جعله كالشاذ؛ لأن أكثر أصحاب الحسن بن الحر لم يذكروا هذه الزيادة، لا من قول ابن مسعود مفصولة من الحديث، ولا مدرجة في آخره، وإنما رواه بهذه الزيادة عبد الرحمن بن ثابت عن الحسن، فجعلها من قول ابن مسعود وزهير بن معاوية عن الحسن، فأدرجها في آخر الحديث في قول أكثر الرواة عنه، ورواها شبابه بن سوار عنه مفصولة كما ذكر الدارقطني. وقد روى البيهقي من طريق أبي الأحوص عن ابن مسعود ما يخالف هذه الرواية بلفظ: مفتاح الصلاة التكبير وانقضاءها التسليم، إذا سلم الإمام فقم إن شئت. قال: وهذا الأثر صحيح عن ابن مسعود. وقال ابن حزم: قد صح عن ابن مسعود إيجاب السلام فرضاً، وذكر رواية أبي الأحوص هذه عنه. قال البيهقي: إن تعليم النبي ﷺ التشهد لابن مسعود كان قبل فرض التسليم ثم فرض بعد ذلك، وقد صرح بأن تلك الزيادة المذكورة في الحديث مدرجة جماعة من الحفاظ، منهم الحاكم والبيهقي والخطيب، وقال البيهقي في المعرفة: ذهب الحفاظ إلى أن هذا وهم من زهير
стр. 1217
ابن معاوية. وقال النووي في الخلاصة: اتفق الحفاظ على أنها مدرجة- انتهى. وقد رواه عن الحسن بن الحر حسين الجعفي، ومحمد بن عجلان. ومحمد بن أبان، فاتفقوا على ترك هذه الزيادة في آخر الحديث مع اتفاق كل من روى التشهد عن علقمة وغيره عن ابن مسعود على ذلك- انتهى كلام الشوكاني. وقد تأول القاضي أبوبكر بن العربي في شرح الترمذي (ج٢:ص١٩٩) حديث ابن مسعود هذا بأنه إنما يعني به "فقد قضيت صلاتك فاخرج منها كما دخلتها بإحرام"- انتهى. وهو تأويل حسن جيد ظاهر من السياق. وقال ابن حجر: معنى "قضيت" قاربت أو قضيت معظمها، وهذا على تقدير تسليم أنه من الحديث وقد عرفت مما قدمنا أن الحق هو كونه مدرجاً في آخر الحديث من كلام ابن مسعود، وقد عارضه ما صح عن ابن مسعود عند البيهقي، وابن حزم من إيجاب السلام فرضاً، والله أعلم. ثم إن حديث سعد هذا يدل على مشروعية التسليمتين على اليمين واليسار، واختلف فيه أيضاً فالتسليمتان معاً فرض في المشهور عن أحمد لكن صحح في المغني والشرح الكبير (ج١:ص٥٩٤) أن الفرض تسليمة واحدة، والثانية سنة. ونقل ابن المنذر والنووي إجماع العلماء على ذلك، وأما عند الحنفية فالأولى واجبة، والثانية سنة، وقيل: كلتاهما واجبتان عندهم على ما صرح به الشامي، وصاحب البرهان، والكبيري، وعليه يدل كلام صاحب البدائع. وأما عند الشافعي فالأولى فرض، والثانية مستحبة. قال في الأم (ج١: ص١٠٦) بعد رواية أحاديث التسليمتين ما نصه: وبهذه الأحاديث كلها نأخذ فنأمر كل مصل أن يسلم تسليمتين، إماماً كان أو مأموماً أو منفرداً، ونأمر المصلي خلف الإمام إذا لم يسلم الإمام تسليمتين أن يسلم هو تسليمتين ويقول في كل واحدة منهما: السلام عليكم ورحمة الله. (ثم قال) : وإن اقتصر رجل على تسليمة فلا إعادة عليه، وأقل ما يكفيه من تسليمه أن يقول: السلام عليكم، فإن نقص من هذا حرفاً عاد فسلم- انتهى. وأما عند مالك فغير المأموم وهو الإمام والمنفرد يسلم واحداً قبالة وجهه، ويتيامن قليلاً، والمأموم يسلم ثلاثاً أي عن يمينه أولا ثم يرد على إمامه، وإن كان على يساره أحد يرد عليه. وقد ظهر بهذا كله أن الاختلاف ههنا في شيئين: الأول في عدد الواجب، فالجمهور على أن الواجب واحد والثاني سنة، خلافاً للمشهور عن أحمد والحنفية في قول. والثاني في عدد السنة، فعند الجمهور المسنون تسليمتان لكل مصل إماماً كان أو مأموماً أو منفرداً. وقال أنس وعائشة وسلمة بن الأكوع من الصحابة والحسن، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز من التابعين، والشافعي في قول: إن المشروع تسليمة واحدة لكل مصل. وقال مالك: يسلم غير المأموم سلاماً واحداً قبالة وجهه، والمأموم ثلاثاً إن كان على يساره أحد. واستدل على ذلك بما روى في موطئه عن ابن عمر من فعله أنه كان يسلم عن يمينه، ثم يرد على الإمام، فإن سلم عليه أحد عن يساره رد عليه أيضاً. وأخرجه أيضاً البيهقي في سننه، وهذا من متفردات ابن عمر، لم يوافقه عليه أحد من الصحابة. والحق أن المشروع تسليمتان فقط لكل مصل، والواحدة منهما ركن لا تجزئ الصلاة إلا بها، والتسليمة الثانية سنة يدل على ذلك
стр. 1218
رواه مسلم.
٩٥١- (٦) وعن سمرة بن جندب، قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه))
رواه البخاري.
ــ
الأحاديث الواردة في المسئلة، وفيه جمع الأخبار، وأقوال الصحابة في أن يكون المشروع والمسنون تسليمتين، والواجب واحدة، وقد دل على صحة هذا الإجماع الذي حكاه ابن المنذر والنووي فلا يعدل عنه. قال ابن العربي في العارضة: التسليمة الواحدة إن كان حديثها عن عائشة معلولة لكن نقلها بصفة الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ متواتر فهي مقدمة على رواية الآحاد: فسلموا واحدة التحليل من الصلاة كما أحرمتم بتكبيره واحدة، وسلموا أخرى تردون بها على الإمام، والذي على يساركم، واحذروا عن تسليمة ثالثة، فإنها بدعة- انتهى. ويأتي بقية الكلام في شرح حديث عائشة في الفصل الثالث. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي وابن ماجه والبزار والدارقطني وابن حبان، وفي الباب أحاديث كثيرة فيها ذكر التسليمتين ذكرها الشوكاني في النيل (ج١:ص١٩٣) والحافظ في التلخيص (ص١٠٤) والزيلعي في نصب الراية، قال الأمير اليماني في السبل: حديث التسليمتين رواه خمسة عشر من الصحابة بأحاديث مختلفة، ففيها صحيح، وحسن، وضعيف، ومتروك.
٩٥١- قوله: (إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه) معناه إذا فرغ من الصلاة استقبل المأمومين لضرورة أنه لا يتحول عن القبلة قبل فراغ الصلاة والتسليم، وفي الباب عن زيد بن خالد الجهني، قال: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف. (أي من صلاته) أقبل على الناس- الحديث. وعن أنس، قال: أخر رسول الله ﷺ الصلاة ذات ليلة إلى شطر الليل، ثم خرج علينا، فلما صلى أقبل علينا بوجهه- الحديث. أخرجهما البخاري. وعن يزيد بن الأسود، قال: حججنا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، قال: فصلى بنا صلاة الصبح، ثم انحرف جالساً فاستقبل الناس بوجهه- الحديث. أخرجه أحمد. وفي هذه الأحاديث دليل على مشروعية استقبال المؤتمين بعد الفراغ من الصلاة، والمواظبة على ذلك لما يشعر به لفظ "كان". قيل: والحكمة في استقبال المؤتمين أن يعلمهم ما يحتاجون إليه، وعلى هذا يختص بمن كان في مثل حاله ﷺ من الصلاحية للتعليم والموعظة. وقيل: الحكمة فيه أن يعرف الداخل انقضاء الصلاة إذ لو استمر الأمام على حاله لأوهم أنه في التشهد مثلاً. وقال الزين بن المنير: استدبار الإمام المأمومين إنما هو لحق الإمامة، فإذا انقضت الصلاة زال السبب، فاستقبالهم حينئذٍ يرفع الخيلاء والترفع على المأمومين- انتهى. هذا وحديث البراء الآتي بعد حديثين يدل بظاهره على أنه ﷺ كان يقبل على من في جهة اليمين لا على المؤتمين جميعاً، وسيأتي وجه الجمع هناك. (رواه البخاري) في عشرة مواضع مطولاً ومقطعاً في الصلاة
стр. 1219
٩٥٢- (٧) وعن أنس، قال: ((كان النبي ﷺ ينصرف عن يمينه)) رواه مسلم.
٩٥٣- (٨) وعن عبد الله بن مسعود، قال: ((لا يجعل أحدكم للشيطان شيئاً من صلاته، يرى أن
حقاً أن لا ينصرف إلا عن يمينه، لقد رسول الله ﷺ كثيراً ينصرف عن يساره))
ــ
والجنازة والبيوع والجهاد وبدء الخلق وصلاة الليل، والأدب، وأحاديث الأنبياء، والتفسير، والتعبير، وأخرجه أيضاً مسلم والترمذي والنسائي كلهم في الرؤيا.
٩٥٢- قوله: (كان النبي ﷺ ينصرف عن يمينه) وفي رواية لمسلم: أكثر ما رأيت رسول الله ينصرف عن يمينه. وكذا في رواية النسائي، وهذه الرواية تدل على أن أكثر انصرافه ﷺ كان عن اليمين بخلاف الرواية التي ذكرها المصنف فإنها يمكن أن تحمل على أنه كان يفعل ذلك أحياناً. وسيأتي الكلام عليه في شرح حديث ابن مسعود التالي. (رواه مسلم) وأخرجه النسائي.
٩٥٣- قوله: (لا يجعل أحدكم للشيطان شيئاً من صلاته) هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: لا يجعلن أحدكم للشيطان من نفسه جزءا، وفي رواية أبي داود نصيبا. (يرى) بفتح أوله، أي يعتقد، ويجوز الضم، أي يظن، وهو استئناف كأن قائلاً يقول: كيف يجعل أحدنا حظاً للشيطان من صلاته؟ قال: يرى. (أن حقاً) أي واجباً. وفي رواية النسائي: أن حتماً. (عليه أن لا ينصرف) أي يعتقد أنه حق عليه أن لا ينصرف إذا فرغ من الصلاة. (إلا عن يمينه) أي جانب يمينه، فمن اعتقد ذلك فقد تابع الشيطان في اعتقاده حقية ما ليس بحق عليه، فذهب كمال صلاته. قال ابن المنير: فيه أن المندوبات قد تنقلب المكروهات إذا رفعت عن رتبتها؛ لأن التيامن مستحب في كل شيء، أي من أمور العبادة، لكن لما خشي ابن مسعود أن يعتقدوا وجوبه أشار إلى كراهته، قال الطيبي: في الحديث أن من أصر على أمر مندوب وجعله عزماً ولم يعمل بالرخصة فقد أصاب منه الشيطان من الإضلال فكيف من أصر على بدعة أو منكر؟ ذكره القاري. قال السندي: قوله "أن حقاً عليه أن لا ينصرف" أورد عليه أن حقاً نكرة، وقوله "أن لا ينصرف" بمنزلة المعرفة، وتنكير الاسم مع تعريف الخبر لا يجوز. وأجيب بأنه من باب القلب، أي يرى أن عدم الانصراف حق عليه. قلت: وهذا الجواب يهدم أساس القاعدة إذ يتأتى مثله في كل مبتدأ نكرة مع تعريف الخبر، فما بقي لقولهم بعدم الجواز فائدة، ثم القلب لا يقبل بلا نكتة، فلا بد لمن يجوز ذلك من بيان نكتة في القلب ههنا. وقيل: بل النكرة المخصصة كالمعرفة، قلت: ذلك في صحة الابتداء بها، ولا يلزم منه أن يكون الابتداء بها صحيحا مع تعريف الخبر، وقد صرحوا بامتناعه، ويمكن أن يجعل اسم "أن" قوله "أن لا ينصرف" وخبره الجار والمجرور وهو "عليه" ويجعل "حقاً" حالاً من ضمير "عليه" أن يرى أن عليه الانصراف عن يمينه حال كونه حقاً لازماً- انتهى كلام السندي. (لقد رأيت رسول الله ﷺ كثيراً ينصرف عن يساره)
стр. 1220
متفق عليه.
٩٥٤- (٩) وعن البراء، قال: ((كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه،
ــ
ولعل ذلك؛ لأن حاجته ﷺ غالباً الذهاب إلى البيت، وبيته إلى اليسار، فلذلك كثر ذهابه إلى اليسار، ووقع في رواية مسلم: أكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن شماله، فأما رواية البخاري فلا تعارض حديث أنس الذي ذكره المصنف عن مسلم كما لا يخفى على من له أدنى تأمل. وأما رواية مسلم التي ذكرناها الآن فهي معارضة في الظاهر لحديث أنس عند مسلم بلفظ: أكثر ما رأيت رسول الله ينصرف عن يمينه؛ لأنه عبر في كل منهما بصيغة أفعل. ووجه الجمع بينهما أن النبي ﷺ كان يكثر هذا مدة وهذا مدة، فأخبر كل واحد بما اعتقد أنه الأكثر فيما يعلمه، فدل على جواز الأمرين، ولا كراهة في واحد منهما. وقد صح الأمران عن رسول الله ﷺ ، وأما تخطئة ابن مسعود فإنما هي لاعتقاد أحدهما واجباً بعينه، وهذا خطأ بلا ريب، واللائق أن ينصرف إلى جهة حاجته، سواء كانت عن يمينه أو عن شماله، كما روى ابن أبي شيبة عن علي أنه قال: إذا قضيت الصلاة وأنت تريد حاجة، فكانت حاجتك عن يمينك أو عن يسارك، فخذ نحو حاجتك- انتهى. فإن استوى الجهتان في الحاجة وعدمها فاليمين أفضل بلا وجوب لعموم الأحاديث المصرحة بفضل التيامن. ويمكن أن يجمع بينهما بوجه آخر، وهو أن يحمل حديث ابن مسعود على حالة الصلاة في المسجد؛ لأن حجرة النبي ﷺ كانت من جهة يساره في حال أداء الصلاة، ويحمل حديث أنس على ما سوى ذلك كحال السفر، ثم إذا تعارض اعتقاد ابن مسعود وأنس رجح ابن مسعود لأنه أعلم، وأسن، وأجل، وأكثر ملازمة للنبي ﷺ وأقرب إلى موقفه في الصلاة من أنس، وبأن في إسناد حديث أنس من تكلم فيه وهو السدي، وبأنه متفق عليه بخلاف حديث أنس الأمرين، وبأن رواية ابن مسعود توافق ظاهر الحال؛ لأن حجرة النبي ﷺ كانت على جهة يساره، كذا في الفتح. والحديث رواه أبوداود، وزاد في آخره: قال عمارة. (يعني ابن عمير) : أتيت المدينة بعد، فرأيت منازل النبي ﷺ عن يساره، ورواه أحمد (ج١:ص٤٥٩) من طريق عبد الرحمن بن الأسود ابن يزيد النخعي، عن أبيه، قال: سمعت رجلاً يسأل عبد الله بن مسعود عن انصراف رسول الله ﷺ من صلاته: عن يمينه كان ينصرف أو عن يساره؟ قال: فقال عبد الله بن مسعود: كان رسول الله ﷺ ينصرف حيث أراد، كان أكثر انصراف رسول الله ﷺ من صلاته على شقه الأيسر إلى حجرته. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه.
٩٥٤- قوله: (أحببنا أن نكون عن يمينه) لكون يمين الصف أفضل، هذا هو الذي فهمه النسائي فقد ترجم على حديث البراء هذا "باب المكان الذي يستحب من الصف"، وكذا ابن ماجه حيث عقد عليه "باب فضل ميمنة الصف".
стр. 1221
يقبل علينا بوجهه.
ــ
وبوب عليه النووي في شرحه لمسلم "باب استحباب يمين الإمام". وقيل في بيان السبب لكونه ﷺ (يقبل علينا) أي على أهل اليمين. (بوجهه) أي عند السلام أولاً قبل أن يقبل على من يساره، أي فنحب أن يقع بصره ﷺ علينا عند التسليم أولاً. وعلى هذين الوجهين لا دليل في الحديث على أنه كان يلتفت بعد الانصراف من الصلاة إلى أهل اليمين ويستقبلهم في حالة الجلوس بعد انحرافه عن جهة القبلة، فلا منافاة بينه وبين ما تقدم من حديث سمرة بن جندب الدال على استقبال جميع المؤتمين. قال القاضي: يحتمل أن يكون التيامن عند التسليم وهو الأظهر؛ لأن عادته ﷺ إذا انصرف أن يستقبل جميعهم بوجهه- انتهى. وقيل: معنى الحديث يقبل علينا بوجهه أي يستقبل في حالة الجلوس بعد الانصراف من الصلاة والانحراف عن جهة القبلة أهل الميمنة لا جميع المؤتمين، فلذلك نحب أن نكون عن يمينه، وعلى هذا المعنى يعارض هذا حديث سمرة المتقدم. واختلفوا في وجه الجمع بينهما، وبيان محمل الحديثين، ومحمل أحاديث الانصراف عن اليمين وعن اليسار. فمنهم من أوّل حديث سمرة إلى حديث البراء، وجعل حديث البراء مفسراً الحديث سمرة، وقال: المراد بقوله "أقبل علينا" في حديث سمرة أي على بعضنا وهم أهل اليمين، أو أن سمرة كان يصلي في الميمنة فقال ذلك باعتبار من يصلي في جهة اليمين. ومنهم من جمع بين الحديثين بأنه ﷺ كان تارة يستقبل جميع المؤتمين، وتارة يستقبل أهل اليمين، قالوا فالإمام مخير إن شاء استقبل القوم بوجهه، وإن شاء انحرف يمنه ويسرة أي يجعل يمينه إليهم ويساره إلى القبلة، أو عكسه. قال الشوكاني: يمكن الجمع بين الحديثين بأنه كان تارة يستقبل جميع المؤتمين، وتارة يستقبل أهل الميمنة، أو يجعل حديث البراء مفسراً لحديث سمرة، فيكون المراد أقبل علينا أي على بعضنا، أو أنه كان يصلي في الميمنة، فقال ذلك باعتبار من يصلي في جهة اليمين- انتهى. ومنهم من فصل وقال: إنه كان من عادته ﷺ أنه إذا أسلم تحول عن القبلة، وانحرف يميناً أو شمالاً، ولم يمكث مستقبل القبلة، بل يسرع الانتقال إلى المأمومين، فإن كان هناك حاجة وضرورة إلى خطاب الناس جلس مستقبلاً لجميع المؤتمين، وخاطبهم وكلمهم، كما في حديث سمرة، وزيد بن خالد الجهني، وأنس، ومن وافقهم، وإن لم يكن هناك شيء يتعلق بخطاب القوم فتارة جلس منحرفاً يمنه بأن يجعل يمينه إلى القوم ويساره إلى القبلة، كما يدل عليه حديث البراء على المعنى الثالث. وتارة جلس منحرفاً يسره بأن جعل يساره إلى القوم ويمينه إلى القبلة، وتارة لا يجلس بل يذهب إلى جهة حاجته سواء كانت عن يمينه أو عن شماله، والأحاديث التي فيها ذكر الانصراف عن اليمين والشمال مطلقاً كحديثي ابن مسعود وأنس الذين ذكرهما المصنف، وكحديث هلب عند الترمذي، وأبي داود، وابن ماجه بلفظ: كان رسول الله ﷺ يؤمنا فينصرف عن جانبيه جميعاً على يمينه وشماله. وكحديث عبد الله بن عمرو عند ابن ماجه بلفظ: "رأيت رسول الله ﷺ ينفتل عن يمينه وعن يساره في الصلاة" تتناول جميع هذه الصور. ومنهم من حمل أحاديث الانصراف المطلقة على الذهاب إلى البيت، والانصراف إلى موضع الحاجة، وقال: إن الإمام إن كان لا يريد الجلوس بعد السلام بل يريد الذهاب إلى بيته سلم
стр. 1222
قال: فسمعته يقول: رب قني عذابك يوم تبعث - أوتجمع- عبادك)) رواه مسلم.
٩٥٥- (١٠) وعن أم سلمة، قالت: ((إن النساء في عهد رسول الله ﷺ كن إذا سلمن من المكتوبة
قمن، وثبت رسول الله ﷺ ومن صلى من الرجال ما شاء الله،
ــ
وانصرف إلى موضع حاجته يمنه أو يسره، وذهب إلى بيته، وإن كان يريد المكث والقعود في مصلاه فالسنة أن يستقبل جميع المؤتمين، فسنة الجلوس هي استقبال جميع المؤتمين، لا استقبال أهل اليمين أو أهل اليسار فقط، فجلوس الإمام منحرفاً يمنة أي استقبال أهل اليمين، أو يسرة أي استقبال أهل اليسار وإن كان مباحاً لكنه ليس من السنة في شيء، فمن كان يريد السنة فلينصرف بعد السلام إلى بيته وموضع حاجته إن لم يرد المكث والجلوس، وهذا هو محمل روايات الانصراف المطلقة، أو يجلس مستقبلاً لجميع المؤتمين. قلت: هذا القول الأخير هو الراجح عندي، وقد جنح إليه البخاري حيث عقد على أحاديث سمرة، وزيد بن خالد، وأنس "باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم"، فجزم بأن سنة الجلوس هو استقبال القوم جميعاً، ثم ترجم بعد بابين "باب الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال"، وذكر فيه أثر أنس بأنه كان ينفتل عن يمينه ويساره، ثم ذكر حديث ابن مسعود. قال القسطلاني في شرحه "باب الانفتال" أي لاستقبال المأمومين "والانصراف" أي لحاجته إلى اليمين والشمال، وكأنه أخذ ذلك من كلام الزين بن المنير حيث قال: جمع البخاري في الترجمة بين الانفتال والانصراف، للإشارة إلى أنه لا فرق في الحكم بين الماكث في مصلاه إذا انفتل لاستقبال المأمومين وبين المتوجه لحاجته إذا انصرف إليها-انتهى. (قال) أي البراء. (فسمعته يقول) أي بعد التسليم. قال ابن الملك: ويحتمل أنه سمعه في الصلاة. (رب) بحذف ياء المتكلم. (قني) أمر من وقي يقي وقاية. (عذابك) أي احفظني منه بفضلك وكرمك وهو تعليم لأمته أو تواضع مع ربه. (يوم تبعث أو تجمع عبادك) شك من الراوي. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً النسائي وأبوداود وابن ماجه وأبوعوانة في مسنده الصحيح.
٩٥٥- قوله: (قمن) أي خرجن إلى بيوتهن. (وثبت رسول الله ﷺ ) أي قعد رسول الله ﷺ في مكانه بعد قيامهن ليتبعه الرجال في ذلك حتى تنصرف النساء إلى البيوت، فلا يقع اجتماع الطائفتين في الطريق، ويحصل الأمن من الفتنة باختلاط الرجال بالنساء في الطريق. (ومن صلى) عطف على "رسول الله ﷺ " أي وثبت من صلى معه. (ما شاء الله) أي زماناً شاء الله أن يلبثوا فيه. وزاد في بعض الروايات: قالت فنرى- والله أعلم- أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال. والحديث فيه أنه يستحب للإمام مراعاة أحوال المأمومين، والاحتياط في اجتناب ما قد يفضي إلى المحذور. وفيه اجتناب مواقع التهم وكراهة مخالطة الرجال للنساء في الطرقات فضلاً عن البيوت، ومقتضى التعليل المذكور أن المأمومين إذا كانوا رجالاً فقط أن لا يستحب هذا المكث، وعليه حمل ابن قدامة حديث عائشة الآتي:
стр. 1223
فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرجال)) . رواه البخاري. وسنذكر حديث جابر بن سمرة في باب الضحك إن شاء الله تعالى.
﴿الفصل الثاني﴾
٩٥٦- (١١) عن معاذ بن جبل، قال: ((أخذ بيدي رسول الله ﷺ فقال: إني لأحبك يا معاذ! فقلت:
وأنا أحبك يا رسول الله! قال: فلا تدع أن تقول دبر كل صلاة:
ــ
أنه ﷺ كان إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام. وسيأتي الكلام في ذلك. وفي الحديث أنه لا بأس بحضور النساء الجماعة في المسجد. (رواه البخاري) باللفظ المذكور في "باب خروج النساء إلى المساجد بالليل والغلس". وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه بألفاظ متقاربة. قوله: (وسنذكر حديث جابر بن سمرة) يعني الذي ذكره صاحب المصابيح هنا بلفظ: كان يعني رسول الله ﷺ لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح حتى يطلع الشمس، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية. (أي يتحدثون بما جرى قبل الإسلام) فيضحكون ويبتسم. (في باب الضحك) قال القاري: لا يخفى أن إبقاءه في هذا الباب أولى من تغيير المصنف المفتقر إلى الاعتذار المتضمن للاعتراض، فإن الحديث الطويل إذا كان مشتملاً على أمور مختلفة يصلح لكل باب إيراده فيه لمناسبة أمر ما، ولهذا أورد البخاري حديثاً واحداً في أبواب كثيرة في كتابه، مع أن أول هذا الحديث أولى بهذا المقام-انتهى. قلت: صنيع المصنف أي تغييره وإيراده حديث جابر بن سمرة في باب الضحك أولى من صنيع البغوي، فإنه لا تعلق له بالدعاء في التشهد صراحة بخلاف الضحك، فإنه مذكور فيه صريحاً فهو أنسب وأولى بباب الضحك.
٩٥٦- قوله: (إني لأحبك يا معاذ) فيه مزيد تشريف منه ﷺ لمعاذ ﵁، وترغيب له فيما يريد أن يلقى عليه من الذكر. (قال فلا تدع) نهى عن ودعه إلا أنه هجر ماضيه في الأكثر استغناء عنه بترك، وقد ورد قليلاً، وقرئ: ﴿ما ودعك ربك﴾ [٩٣: ٣] أي إذا كنت تحبني، أو إذا كان بيني وبينك محاببة، أو إذا أردت ثبات هذه المحبة فلا تترك، والنهي أصله التحريم، فيدل على وجوب الدعاء بهذه الكلمات، وقيل: إنه نهي إرشاد. (أن تقول في دبر كل صلاة) أي في آخرها قبل الخروج منها؛ لأن دبر الحيوان منه. وقيل: أي عقبها وخلفها؛ لأن دبر الصلاة بعدها قال في القاموس: الدبر- بضمتين- نقيض القبل ومن كل شيء عقبه. وإيراد المصنف هذا الحديث في الباب المشتمل على الدعاء في التشهد يدل على أنه أراد المعنى الأول، ويؤيده رواية أحمد بلفظ: "إني أوصيك بكلمات تقولهن في كل
стр. 1224
رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)) . رواه أحمد وأبو داود والنسائي، إلا أن أباداود لم يذكر: قال معاذ: وأنا أحبك.
٩٥٧- (١٢) وعن عبد الله بن مسعود، قال: ((إن رسول الله ﷺ كان يسلم عن يمينه: السلام عليكم
ورحمة الله، حتى يرى بياض خده الأيمن، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله،
ــ
صلاة"، ورواية النسائي بلفظ: "فلا تدع ن تقول في كل صلاة"، لكن يشكل عليه إيراده لأدعية وأذكار مقيدة بذلك في باب الذكر بعد الصلاة كحديث المغيرة، وحديث أبي هريرة، وحديث كعب بن عجرة، ونحو ذلك. (رب أعني على ذكرك) قال الطيبي: هو قريب من معنى حديث ربيعة بن كعب في باب السجود حين سأل مرافقته ﷺ ، فقال "أعني على نفسك بكثرة السجود"، حيث على المحبة به بملازمة الذكر، والمرافقة بكثرة السجود، فقوله: "أعني على ذكرك" المطلوب منه شرح الصدر، وتيسير الأمر، وإطلاق اللسان، وإليه يلمح قول الكليم ﵊: ﴿رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني، يفقهوا قولي﴾ [٢٠: ٢٥- ٢٧] إلى قوله: ﴿كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً﴾ [٢٠: ٣٣، ٣٤] ، وقوله: (وشكرك) المطلوب منه توالي النعم المستجلبة لتوالي الشكر، وإنما طلب المعاونة عليه؛ لأنه عسر جداً، ولذلك قال تعالى: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ [٣٤: ١٣] . وقوله: (وحسن عبادتك) المطلوب منه التجرد عما يشغله عن الله، ويلهيه عن ذكر الله وعن عبادته ليتفرغ لمناجاة الله كما أشار إليه سيد المرسلين صلوات الله عليه: "وقرة عيني في الصلاة" وأخبر عن هذا المقام بقوله: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه"-انتهى. ووجه تخصيص الوصية بهذه الكلمات أنها مشتملة على جميع خير الدنيا والآخرة. (رواه أحمد) (ج٥: ص٢٤٤، ٢٤٥، ٢٤٧) . (وأبوداود والنسائي) وسكت عنه أبوداود والمنذري. وقال الحافظ في بلوغ المرام: سنده قوي. وقال النووي: إسناده صحيح، ذكره ميرك. والحديث أخرجه أيضاً ابن حبان وابن خزيمة في صحيحيهما والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين. قال الشوكاني: وهذا الحديث مسلسل بالمحبة كما ذكرته في إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر.
٩٥٧- قوله: (كان يسلم عن يمينه) أي مجاوزاً نظره عن يمينه كما يسلم على من في يمينه. (السلام عليكم ورحمة الله) إما حال مؤكده، أي يسلم قائلاً: "السلام عليكم" أو جملة استئنافية على تقدير "ماذا كان يقول". (حتى يرى بياض خده الأيمن) بضم الياء المثناة من تحت من قوله: "يرى" مبنياً للمجهول، و"بياض" بالرفع على النيابة و"الأيمن" بالجر على أنه صفة لخده. (وعن يساره) فيه مشروعية تسليمتين للخروج عن الصلاة، وأن يكون التسليم أولاً إلى جهة اليمين ثم إلى جهة اليسار. (السلام عليكم ورحمة الله) قال الحافظ في التلخيص (ص١٠٤) : وقع في صحيح ابن حبان من حديث ابن مسعود زيادة: "وبركاته"، وهي عند ابن ماجه أيضاً، وهي عند أبي داود أيضاً في حديث وائل بن حجر فيتعجب من ابن الصلاح
стр. 1225
حتى يرى بياض خده الأيسر)) . رواه أبوداود والنسائي والترمذي، ولم يذكر الترمذي: حتى
يرى بياض خده.
٩٥٨- (١٣) ورواه ابن ماجه، عن عمار بن ياسر.
٩٥٩- (١٤) وعن عبد الله بن مسعود، قال: ((كان أكثر انصراف النبي ﷺ من صلاته إلى شقه الأيسر إلى حجرته))
ــ
حيث يقول: إن هذه الزيادة ليست في شيء من كتب الحديث-انتهى. قلت: حديث وائل بن حجر بزيادة "وبركاته" قد سكت عنه أبوداود. وقال الحافظ في بلوغ المرام بعد ذكره: "رواه أبوداود بإسناد صحيح" ولكن ليس فيه زيادة "وبركاته" إلا في اليمين فقط. وأما رواية ابن ماجه لحديث ابن مسعود بزيادة "وبركاته" فليست موجودة في نسخ السنن التي بأيدينا من طبعات الهند ومصر، فكلها خالية عن هذه الزيادة. ونقل الأمير اليماني عن الحافظ: أن ابن رسلان قال في شرح السنن: لم أجدها في ابن ماجه. وهذا يؤيد النسخ الموجودة الحاضرة عندنا إلا أنه قال الأمير اليماني: راجعنا سنن ابن ماجه من نسخة صحيحة مقروءة فوجدنا فيه ما لفظه: باب التسليم حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير: حدثنا عمر بن عبيد، عن ابن إسحاق، عن الأحوص، عن عبد الله: أن رسول الله ﷺ كان يسلم عن يمينه وعن شماله حتى يرى بياض خده: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته-انتهى بلفظه. وهذا يؤيد ما ذكره الحافظ في التلخيص من رواية ابن ماجه لهذه الزيادة في حديث ابن مسعود، وهذا كله يدل على اختلاف نسخ ابن ماجه في ذكر هذه الزيادة، وكيف ما كان الأمر لا عذر عن القول بها بعد صحة إسناد حديث وائل، وثبوتها عند ابن حبان، إذ هي زيادة عدل غير منافية، وعدم ذكرها في رواية غيره ليست رواية لعدمها، ولما ذكر النووي أن زيادة "وبركاته" فردة، ساق الحافظ في "تلقيح الأفكار تخريج الأذكار" طرقاً كثيرة لهذه الزيادة، وقال بعد أن ساق تلك الطرق: فهذه عدة طرق تثبت بها "وبركاته"، بخلاف ما يوهمه كلام الشيخ أنها رواية فردة-انتهى. (رواه أبوداود والنسائي والترمذي) وصححه وأخرجه أيضاً أحمد وابن ماجه والدارقطني وابن حبان، وله ألفاظ، وأصله في صحيح مسلم. قال العقيلي: الأسانيد صحاح ثابتة في حديث ابن مسعود في تسليمتين، ولا يصح في تسليمة واحدة شيء. (ولم يذكر الترمذي حتى يرى بياض خده) أي في الوجهين.
٩٥٨- قوله: (ورواه ابن ماجه عن عمار بن ياسر) أي لا عن ابن مسعود، وهذا من أوهام المصنف، فإن ابن ماجه رواه عن ابن مسعود وعمار كلتيهما، وحديث عمار أخرجه أيضاً الدارقطني، قال السندي: إسناده حسن.
٩٥٩- قوله: (كان أكثر انصراف النبي ﷺ من صلاته إلى شقه الأيسر إلى حجرته) قال الطيبي: كان باب
стр. 1226
رواه في شرح السنة.
٩٦٠- (١٥) وعن عطاء الخراساني، عن المغيرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يصلي الإمام في الموضع الذي صلى فيه حتى يتحول))
ــ
حجرته مفتوحاً إلى المسجد عن يسار المحراب، فهو ينصرف إلى جانب يساره ويدخل حجرته. (رواه) أي البغوي. (في شرح السنة) قال ميرك نقلاً عن التصحيح: حديث ابن مسعود هذا ليس من الكتب، ورواه صاحب المصابيح في شرح السنة، ولكن يؤيده ما قدمنا من حديث ابن مسعود عند مسلم بلفظ: أكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن شماله. زاد أبوداود في روايته: قال عمارة. (أي ابن عمير راوي الحديث عن الأسود عن عبد الله) : أتيت المدينة بعد. (أي بعد سماع الحديث من الأسود) فرأيت منازل النبي ﷺ . (أي بيوته) عن يساره. (أي عن يسار النبي ﷺ في حال أداء الصلاة، فقد بين عمارة وجه انصرافه إلى جانب اليسار، بأن حاجته كانت إلى جهة اليسار.
٩٦٠- قوله: (عن عطاء الخراساني) هو عطاء بن أبي مسلم أبوأيوب أو أبوعثمان نزيل الشام، واسم أبيه ميسرة. وقيل: عبد الله، صدوق يهم كثيراً، ويرسل، ويدلس، قال الطبراني: لم يسمع من الصحابة إلا من أنس، فهو من صغار التابعين. مات سنة خمس وثلاثين ومائة، لم يصح أن البخاري أخرج له، كذا في التقريب، وقد وثقه ابن معين، وأبوحاتم والدارقطني، وقال النسائي: ليس به بأس، روى عنه مالك وغيره. (عن المغيرة) بن شعبة. (لا يصلي) نفي بمعنى النهي. (الإمام) ليس التقييد بالإمام لتخصيصه بذلك بل يعم المأموم والمنفرد، والدليل على ذلك ما رواه أحمد وأبوداود وابن ماجه عن أبي هريرة رفعه: أيعجز أحدكم أن يتقدم أو يتأخر، أو عن يمينه أو عن شماله في الصلاة يعني في السبحة. فسوق هذا الحديث يقتضي العموم، كيف والخطاب مع المقتدين، وكان ﷺ هو الإمام يومئذٍ. (في الموضع الذي صلى) أي الفرض. (فيه حتى يتحول) أي ينتقل إلى موضع، وهذا جاء للتأكيد، فإن قوله: "لا يصلي في موضع صلى فيه" أفاد ما أفاده. وعند ابن ماجه: لا يصلي الإمام في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة حتى يتنحى عنه. وروى ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي، قال: من السنة: أن لا يتطوع الإمام حتى يتحول من مكانه. قيل: نهى عن ذلك لئلا يتوهم أنه بعد في المكتوبة، يعني أنه كره ذلك خشية التباس النافلة بالفريضة كما يشير إليه حديث معاوية عند مسلم، وسنذكر لفظه، وقيل: العلة في ذلك أن يشهد له الموضعان بالطاعة، ولذلك يستحب تكثير محال العبادة، فإن مواضع السجود تشهد له كما في قوله تعالى: ﴿يومئذ تحدث أخبارها﴾ [٩٩: ٤] أي تخبر بما عمل عليها، وهذه العلة تقتضى أن ينتقل إلى الفرض من موضع نفله، وأن ينتقل لكل صلاة يفتحها من أفراد النوافل، فإن لم ينتقل فينبغي أن يفصل بالكلام لما روى مسلم عن السائب: أنه صلى مع معاوية الجمعة، فتنفل بعدها في مقامه، فقال له معاوية: إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تتكلم أو
стр. 1227
رواه أبوداود، وقال: عطاء الخراساني لم يدرك المغيرة.
٩٦١- (١٦) وعن أنس، أن النبي ﷺ حضهم على الصلاة، ونهاهم أن ينصرفوا قبل انصرافه من
الصلاة)) رواه أبوداود.
﴿الفصل الثالث﴾
٩٦٢- (١٧) عن شداد بن أوس، قال: ((كان رسول الله ﷺ يقول في صلاته:
ــ
تخرج، فإن النبي ﷺ أمرنا بذلك أن لا نوصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج. (رواه أبوداود) . وأخرجه أيضاً ابن ماجه. (وقال) أي أبوداود. (عطاء الخراساني) مبتدأ، خبره قوله: (لم يدرك المغيرة) بن شعبة أي فسنده منقطع. قال المنذري: وما قاله أبوداود ظاهر، فإن عطاء الخراساني ولد في السنة التي مات فيها المغيرة بن شعبة، وهي سنة خمسين من الهجرة على المشهور، أو يكون ولد قبل وفاته بسنة على القول الآخر-انتهى. وقال البخاري في صحيحه: قال لنا آدم حدثنا شعبة، عن أيوب، عن نافع، قال: كان ابن عمر يصلي في مكان الذي صلى فيه الفريضة، وفعله القاسم ويذكر عن أبي هريرة رفعه: لا يتطوع الإمام في مكانه، ولم يصح-انتهى. قال الحافظ: ذكر البخاري حديث أبي هريرة بالمعنى، ولفظه عند أبي داود: أيعجز أحدكم؟ ... فذكر مثل ما ذكرنا. قال: وقوله: "لم يصح" هو كلام البخاري، وذلك لضعف إسناده واضطرابه، تفرد به ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، واختلف عليه فيه، وقد ذكر البخاري الاختلاف فيه في تاريخه، وقال: ولم يثبت هذا الحديث –انتهى. قلت: قد ثبت التنحي في حديث معاوية عند مسلم بقوله "أو نخرج" وفي حديث على عند ابن أبي شيبة بقوله: من السنة أن لا يتطوع الإمام حتى يتحول من مكانه. وهذا يكفي لإثبات استحباب التطوع في غير موضع المكتوبة.
٩٦١- قوله: (حضهم) أي حثهم. (على الصلاة) أي على ملازمة صلاة الجماعة أو مطلق الصلاة والإكثار منها. (ونهاهم أن ينصرفوا قبل انصرافه من الصلاة) قال الطيبي: علة نهيه ﵊ أصحابه عن انصرافهم قبله أن تذهب النساء اللاتي يصلين خلفه، وكان النبي ﷺ يثبت في مكانه حتى ينصرف النساء، ثم يقوم، ويقوم الرجال، قال ميرك: ويحتمل أن المراد من الانصراف هو الخروج من الصلاة قبل خروجه بالسلام-انتهى. قلت: ويؤيد ما ذكره الطيبي في بيان العلة حديث أم سلمة آخر أحاديث الفصل الأول، فهو المتعين والمعتمد. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري، ورواه أحمد (ج٣:ص٢٤٠) من غير طريق أبي داود بأتم منه، وكذا رواه أبوعوانة في صحيحه (ج٢:ص٢٥١) بتمامه.
٩٦٢-قوله: (كان رسول الله ﷺ يقول في صلاته) أي بعد التشهد، قاله القاري. وقال ابن حجر: أي في
стр. 1228
اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وحسن
عبادتك، وأسألك قلباً سليماً، ولساناً صادقاً، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذبك من
شر ما تعلم. وأستغفرك لما تعلم)) رواه النسائي. وروى أحمد نحوه.
ــ
آخرها. وقال الشوكاني: هذا الدعاء ورد مطلقاً في الصلاة غير مقيد بمكان مخصوص-انتهى. قلت: وعند أحمد في رواية: كان رسول الله ﷺ يعلمنا كلمات ندعو بهن في صلاتنا، أو قال: في دبر صلاتنا. (اللهم إني أسألك الثبات في الأمر) أي الدوام على جميع أمور الدين ولزوم الاستقامة عليها. قال الشوكاني: سؤال الثبات في الأمر من جوامع الكلم النبوية؛ لأن من ثبته الله في أموره عصم عن الوقوع في الموبقات ولم يصدر منه أمر خلاف ما يرضاه الله. (والعزيمة على الرشد) العظيمة عقد القلب على إمضاء الأمر، يقال "عزم الأمر وعليه" عقد ضميره على فعله، وعزم الرجل، جد في الأمر، و"الرشد" بضم الراء المهملة وإسكان الشين المعجمة-بمعنى الصلاح، والفلاح، والصواب، والاستقامة على طريق الحق. قيل: المراد لزوم الرشد ودوامها وفي رواية الترمذي: أسألك عزيمة الرشد، يعنيي الجد في أمر الرشد بحيث ينجز كل ما هو رشد من أموره. (وأسألك شكر نعمتك) أي التوفيق لشكر إنعامك. (وحسن عبادتك) أي إيقاعها على الوجه الحسن المرضى. (وأسألك قلباً سليماً) أي من العقائد الفاسدة، والميل إلى الشهوات العاجلة ولذاتها ويبلغ ذلك الأعمال الصالحات، إذ من علامة سلامة القلب تأثيرها إلى الجوارح، كما أن صحة البدن عبارة عن حصول ما ينبغي من استقامة المزاج، والتركيب، والاتصال، ومرضه عبارة عن زوال أحدهما. وقيل: المراد سليماً من الغل، والغش، والحقد، والإحن وسائر الصفات الرديئة، والأحوال الدنية. (ولساناً صادقاً) أي محفوظاً من الكذب ونسبة الصدق إلى اللسان مجاز بأن لا يبرز عنه إلا الحق المطابق في الواقع. (وأسألك من خير ما تعلم) قال الطيبي: "ما" موصولة أو موصوفة، والعائد محذوف، ومن يجوز أن تكون زائدة على مذهب من يزيدها في الإثبات، أو بيانية والمبين محذوف، أي أسألك شيئاً هو خير ما تعلم، أو تبعيضية سأله إظهاراً لهضم النفس، وأنه لا يستحق إلا يسيرا من الخير. (وأستغفرك لما تعلم) أي لأجل ما تعلمه من الذنوب، والتقصيرات. وفي الترمذي "مما تعلم" أي مني من تفريط، وزاد الترمذي: إنك أنت علام الغيوب. قال الشوكاني: قوله "من خير ما تعلم" هو سؤال لخير الأمور على الإطلاق؛ لأن علمه تعالى محيط بجميع الأشياء، وكذلك التعوذ من شرما يعلم، والاستغفار لما يعلم، فكأنه قال: أسألك من خير كل شيء، وأعوذ بك من شر كل شيء، وأستغفرك لكل ذنب. (رواه النسائي) من طريق سعيد بن أياس الجريري، عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن شداد بن أوس. قال الشوكاني في النيل: رجال إسناده ثقات. (وروى أحمد نحوه) (ج٤:ص١٢٥) أي من طريق الجريري، عن أبي العلاء بن الشخير، عن الحنظلي، عن شداد بن
стр. 1229
٩٦٣- (١٨) وعن جابر، قال. ((كان رسول الله يقول في صلاته بعد التشهد: أحسن الكلام كلام
الله، وأحسن الهدى هدي محمد))
ــ
أوس، ومن هذا الطريق رواه الترمذي في الدعوات، وفي طريقهما رجل حنظلي وهو مجهول، وقد أورده الحافظ في "فصل من أبهم ولكن ذكر نسبه" من "التعجيل" (ص٥٣٥) لهذه الرواية ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وزيادة الرجل الحنظلي بين أبي العلاء وبين شداد بن أوس يدل على أن في سند النسائي انقطاعاً، وقد رواه أيضاً أحمد من طريق الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن شداد بن أوس، والحاكم من طريق عكرمة بن عمار، عن شداد أبي عمار، عن شداد بن أوس. وهذا الطريقان كما ترى ليس فيهما انقطاع، ولا رجل مجهول، ولذلك قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبي. قال الشوكاني في تحفة الذاكرين: وصححه أيضاً ابن حبان: فلا وجه لما قاله العراقي: أنه منقطع وضعيف، بعد تصحيح هذين الإمامين له-انتهى.
٩٦٣- قوله: (كان رسول الله ﷺ يقول) أي أحياناً. (أحسن الهدي هدى محمد) الهدي- بفتح فسكون- السيرة والطريقة والهيئة، والحديث ظاهر في معناه، وأن الذكر المذكور فيه مشروع في الصلاة بعد التشهد قبل السلام وهو الذي فهمه النسائي حيث أورد الحديث في باب "نوع آخر من الذكر بعد التشهد"، وتبعه الجزري في "جامع الأصول"، لكن أبدي الشيخ الألباني احتمال أن المراد به الذكر الوارد في خطبة الحاجة المعروفة بعد الشهادتين، حيث قال في تعليقه: قوله: "في صلاته" أي دعائه وثنائه على الله، وقوله "بعد التشهد" أي في خطبته، قال: ويبدو لي أنه أي هذا الحديث مختصر من حديث جابر الذي رواه مسلم بهذا الإسناد الذي في النسائي: عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، ويقول: "أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد" الحديث. ورواية له بلفظ: كان يخطب الناس يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول: " من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله" الحديث. فقوله "يحمد الله" الخ. إشارة إلى خطبة الحاجة المعروفة "إن الحمد لله نحمده ونستعينه ... من يهده الله فلا مضل له ... وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله" فهذا هو التشهد الذي عناه الراوي في حديث جابر هذا، وذلك من الاختصار المخل. والله أعلم- انتهى. واعلم أنه قد ورد في الدعاء بعد التشهد ألفاظ وأدعية غير ما ذكر كما لا يخفى على من له إطلاع على أحاديث الباب، وللرجل أن يدعوا بأي لفظ شاء من مأثور وغيره مما أحب من مطالب الدنيا والآخرة، ولا حرج عليه بما شاء دعا ما لم يكن إثم أو قطيعة رحم، ولا يدعوا بدنياه إلا على تثبت من الجواز، هذا هو الصحيح إن شاء الله لظاهر الأحاديث، فإن النبي ﷺ قال: ثم ليتخير من الدعاء. وقال: ثم يدعوا لنفسه بما بدأ له. وقال: ثم يدعو بعد بما شاء.
стр. 1230
رواه النسائي.
٩٦٤- (١٩) وعن عائشة، ﵂، قالت: ((كان رسول الله ﷺ يسلم في الصلاة تسليمة
تلقاء وجهه، ثم يميل إلى الشق الأيمن شيئاً)) رواه الترمذي.
ــ
وإليه ذهب مالك، والشافعي، قالا: يجوز أن يدعوا بكل شيء من أمور الدين والدنيا مما يشبه كلام الناس ما لم يكن إثماً، ولا يبطل صلاته بشيء من ذلك. واحتج لهما بحديث: سلوا الله حوائجكم حتى الشسع لنعالكم، والملح لقدوركم. وقال أحمد وأبوحنيفة: لا يدعوا إلا بالأدعية المأثورة، أو الموافقة للقرآن العظيم، أو التي شابهت الألفاظ المأثورة. قال ابن قدامة: والخبر محمول على أنه يتخير من الدعاء المأثورة وما أشبه- انتهى. قلت: لا دليل على هذا التقييد لا من كتاب الله، ولا من سنة رسوله، ولا من قول صحابي فلا يلتفت إليه. (رواه النسائي) ورجاله ثقات.
٩٤٦- قوله: (كان رسول الله ﷺ يسلم في الصلاة تسليمة تلقاء وجهه) أي يبتدئ بها وهو مستقبل القبلة، قاله ابن حجر. وقال القاري: أي يبدأ بالتسليم محاذاة وجهه ثم يميل إلى الشق الأيمن شيئاً أي يسيراً. والحديث فيه دليل على مشروعية التسليمة الواحدة في الصلاة، وقد تقدم ذكر من ذهب إلى ذلك. والحديث ضعيف كما ستعرف. والحق ما ذهب إليه الجمهور من أن المشروع والمسنون تسليمتان لكثرة الأحاديث الواردة بالتسليمتين، وصحة بعضها، وحسن بعضها، واشتمالها على الزيادة، وكونها مثبتة، بخلاف الأحاديث الواردة بالتسليمة الواحدة، فإنها مع قلتها ضعيفة لا تنتهض للاحتجاج، ولو سلم انتهاضها لم تصلح لمعارضة أحاديث التسليمتين لما عرفت من اشتمالها على الزيادة، مع أنه يحتمل أن يكون المقصود من أحاديث التسليمة الواحدة بيان أنه ﷺ كان يجهر بالتسليمة الواحدة ورفع بها صوته ويسمعهم التسليمة الواحدة، لا أنه يقتصر على التسليمة الواحدة. فمعنى هذه الأحاديث يرجع إلى أنه يسمعهم التسليمة الواحدة يدل على ذلك ما وقع في رواية لأحمد في قصة صلاة الليل: ثم يسلم تسليمة واحدة "السلام عليكم" يرفع بها صوته حتى يوقظنا. وما وقع في حديث ابن عمر عند أحمد: قال كان رسول الله ﷺ يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة يسمعناها. وقيل: إن التسليمة الواحدة كانت منه ﷺ في بعض الأحيان في صلاة الليل، والصحابة الذين رووا عنه التسليمتين إنما يحكون التسليم الذي رأوه في صلاته في المسجد وفي الجماعة، قيل: يمكن أنه اقتصر النبي ﷺ على التسليمة الواحدة في بعض الأحيان في صلاته بالجماعة في المسجد لبيان الجواز، فيجوز أنه فعل الأمرين ليبين الجائز والمسنون. وقيل: في حديث عائشة الذي ذكره المصنف: أنه ليس المقصود منه بيان عدد التسليم بل بيان كيفية التسليم بأنه كان يبتدئ به محاذاة وجهه، ثم يميل إلى الشق الأيمن شيئاً يسيراً، وترك بيان كيفية التسليم الثاني اكتفاء بالأول. (رواه الترمذي) وأخرجه أيضاً الدارقطني والحاكم، والبيهقي كلهم من طريق عمرو بن أبي سلمة التنيسي، عن زهير بن محمد عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة.
следующие страницы →