← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

رواه في شرح السنة. ٩٦٠- (١٥) وعن عطاء الخراساني، عن المغيرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يصلي الإمام في الموضع الذي صلى فيه حتى يتحول)) ــ حجرته مفتوحاً إلى المسجد عن يسار المحراب، فهو ينصرف إلى جانب يساره ويدخل حجرته. (رواه) أي البغوي. (في شرح السنة) قال ميرك نقلاً عن التصحيح: حديث ابن مسعود هذا ليس من الكتب، ورواه صاحب المصابيح في شرح السنة، ولكن يؤيده ما قدمنا من حديث ابن مسعود عند مسلم بلفظ: أكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن شماله. زاد أبوداود في روايته: قال عمارة. (أي ابن عمير راوي الحديث عن الأسود عن عبد الله) : أتيت المدينة بعد. (أي بعد سماع الحديث من الأسود) فرأيت منازل النبي ﷺ . (أي بيوته) عن يساره. (أي عن يسار النبي ﷺ في حال أداء الصلاة، فقد بين عمارة وجه انصرافه إلى جانب اليسار، بأن حاجته كانت إلى جهة اليسار. ٩٦٠- قوله: (عن عطاء الخراساني) هو عطاء بن أبي مسلم أبوأيوب أو أبوعثمان نزيل الشام، واسم أبيه ميسرة. وقيل: عبد الله، صدوق يهم كثيراً، ويرسل، ويدلس، قال الطبراني: لم يسمع من الصحابة إلا من أنس، فهو من صغار التابعين. مات سنة خمس وثلاثين ومائة، لم يصح أن البخاري أخرج له، كذا في التقريب، وقد وثقه ابن معين، وأبوحاتم والدارقطني، وقال النسائي: ليس به بأس، روى عنه مالك وغيره. (عن المغيرة) بن شعبة. (لا يصلي) نفي بمعنى النهي. (الإمام) ليس التقييد بالإمام لتخصيصه بذلك بل يعم المأموم والمنفرد، والدليل على ذلك ما رواه أحمد وأبوداود وابن ماجه عن أبي هريرة رفعه: أيعجز أحدكم أن يتقدم أو يتأخر، أو عن يمينه أو عن شماله في الصلاة يعني في السبحة. فسوق هذا الحديث يقتضي العموم، كيف والخطاب مع المقتدين، وكان ﷺ هو الإمام يومئذٍ. (في الموضع الذي صلى) أي الفرض. (فيه حتى يتحول) أي ينتقل إلى موضع، وهذا جاء للتأكيد، فإن قوله: "لا يصلي في موضع صلى فيه" أفاد ما أفاده. وعند ابن ماجه: لا يصلي الإمام في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة حتى يتنحى عنه. وروى ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي، قال: من السنة: أن لا يتطوع الإمام حتى يتحول من مكانه. قيل: نهى عن ذلك لئلا يتوهم أنه بعد في المكتوبة، يعني أنه كره ذلك خشية التباس النافلة بالفريضة كما يشير إليه حديث معاوية عند مسلم، وسنذكر لفظه، وقيل: العلة في ذلك أن يشهد له الموضعان بالطاعة، ولذلك يستحب تكثير محال العبادة، فإن مواضع السجود تشهد له كما في قوله تعالى: ﴿يومئذ تحدث أخبارها﴾ [٩٩: ٤] أي تخبر بما عمل عليها، وهذه العلة تقتضى أن ينتقل إلى الفرض من موضع نفله، وأن ينتقل لكل صلاة يفتحها من أفراد النوافل، فإن لم ينتقل فينبغي أن يفصل بالكلام لما روى مسلم عن السائب: أنه صلى مع معاوية الجمعة، فتنفل بعدها في مقامه، فقال له معاوية: إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تتكلم أو

стр. 1227

رواه أبوداود، وقال: عطاء الخراساني لم يدرك المغيرة. ٩٦١- (١٦) وعن أنس، أن النبي ﷺ حضهم على الصلاة، ونهاهم أن ينصرفوا قبل انصرافه من الصلاة)) رواه أبوداود. ﴿الفصل الثالث﴾ ٩٦٢- (١٧) عن شداد بن أوس، قال: ((كان رسول الله ﷺ يقول في صلاته: ــ تخرج، فإن النبي ﷺ أمرنا بذلك أن لا نوصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج. (رواه أبوداود) . وأخرجه أيضاً ابن ماجه. (وقال) أي أبوداود. (عطاء الخراساني) مبتدأ، خبره قوله: (لم يدرك المغيرة) بن شعبة أي فسنده منقطع. قال المنذري: وما قاله أبوداود ظاهر، فإن عطاء الخراساني ولد في السنة التي مات فيها المغيرة بن شعبة، وهي سنة خمسين من الهجرة على المشهور، أو يكون ولد قبل وفاته بسنة على القول الآخر-انتهى. وقال البخاري في صحيحه: قال لنا آدم حدثنا شعبة، عن أيوب، عن نافع، قال: كان ابن عمر يصلي في مكان الذي صلى فيه الفريضة، وفعله القاسم ويذكر عن أبي هريرة رفعه: لا يتطوع الإمام في مكانه، ولم يصح-انتهى. قال الحافظ: ذكر البخاري حديث أبي هريرة بالمعنى، ولفظه عند أبي داود: أيعجز أحدكم؟ ... فذكر مثل ما ذكرنا. قال: وقوله: "لم يصح" هو كلام البخاري، وذلك لضعف إسناده واضطرابه، تفرد به ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، واختلف عليه فيه، وقد ذكر البخاري الاختلاف فيه في تاريخه، وقال: ولم يثبت هذا الحديث –انتهى. قلت: قد ثبت التنحي في حديث معاوية عند مسلم بقوله "أو نخرج" وفي حديث على عند ابن أبي شيبة بقوله: من السنة أن لا يتطوع الإمام حتى يتحول من مكانه. وهذا يكفي لإثبات استحباب التطوع في غير موضع المكتوبة. ٩٦١- قوله: (حضهم) أي حثهم. (على الصلاة) أي على ملازمة صلاة الجماعة أو مطلق الصلاة والإكثار منها. (ونهاهم أن ينصرفوا قبل انصرافه من الصلاة) قال الطيبي: علة نهيه ﵊ أصحابه عن انصرافهم قبله أن تذهب النساء اللاتي يصلين خلفه، وكان النبي ﷺ يثبت في مكانه حتى ينصرف النساء، ثم يقوم، ويقوم الرجال، قال ميرك: ويحتمل أن المراد من الانصراف هو الخروج من الصلاة قبل خروجه بالسلام-انتهى. قلت: ويؤيد ما ذكره الطيبي في بيان العلة حديث أم سلمة آخر أحاديث الفصل الأول، فهو المتعين والمعتمد. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري، ورواه أحمد (ج٣:ص٢٤٠) من غير طريق أبي داود بأتم منه، وكذا رواه أبوعوانة في صحيحه (ج٢:ص٢٥١) بتمامه. ٩٦٢-قوله: (كان رسول الله ﷺ يقول في صلاته) أي بعد التشهد، قاله القاري. وقال ابن حجر: أي في

стр. 1228

اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأسألك قلباً سليماً، ولساناً صادقاً، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذبك من شر ما تعلم. وأستغفرك لما تعلم)) رواه النسائي. وروى أحمد نحوه. ــ آخرها. وقال الشوكاني: هذا الدعاء ورد مطلقاً في الصلاة غير مقيد بمكان مخصوص-انتهى. قلت: وعند أحمد في رواية: كان رسول الله ﷺ يعلمنا كلمات ندعو بهن في صلاتنا، أو قال: في دبر صلاتنا. (اللهم إني أسألك الثبات في الأمر) أي الدوام على جميع أمور الدين ولزوم الاستقامة عليها. قال الشوكاني: سؤال الثبات في الأمر من جوامع الكلم النبوية؛ لأن من ثبته الله في أموره عصم عن الوقوع في الموبقات ولم يصدر منه أمر خلاف ما يرضاه الله. (والعزيمة على الرشد) العظيمة عقد القلب على إمضاء الأمر، يقال "عزم الأمر وعليه" عقد ضميره على فعله، وعزم الرجل، جد في الأمر، و"الرشد" بضم الراء المهملة وإسكان الشين المعجمة-بمعنى الصلاح، والفلاح، والصواب، والاستقامة على طريق الحق. قيل: المراد لزوم الرشد ودوامها وفي رواية الترمذي: أسألك عزيمة الرشد، يعنيي الجد في أمر الرشد بحيث ينجز كل ما هو رشد من أموره. (وأسألك شكر نعمتك) أي التوفيق لشكر إنعامك. (وحسن عبادتك) أي إيقاعها على الوجه الحسن المرضى. (وأسألك قلباً سليماً) أي من العقائد الفاسدة، والميل إلى الشهوات العاجلة ولذاتها ويبلغ ذلك الأعمال الصالحات، إذ من علامة سلامة القلب تأثيرها إلى الجوارح، كما أن صحة البدن عبارة عن حصول ما ينبغي من استقامة المزاج، والتركيب، والاتصال، ومرضه عبارة عن زوال أحدهما. وقيل: المراد سليماً من الغل، والغش، والحقد، والإحن وسائر الصفات الرديئة، والأحوال الدنية. (ولساناً صادقاً) أي محفوظاً من الكذب ونسبة الصدق إلى اللسان مجاز بأن لا يبرز عنه إلا الحق المطابق في الواقع. (وأسألك من خير ما تعلم) قال الطيبي: "ما" موصولة أو موصوفة، والعائد محذوف، ومن يجوز أن تكون زائدة على مذهب من يزيدها في الإثبات، أو بيانية والمبين محذوف، أي أسألك شيئاً هو خير ما تعلم، أو تبعيضية سأله إظهاراً لهضم النفس، وأنه لا يستحق إلا يسيرا من الخير. (وأستغفرك لما تعلم) أي لأجل ما تعلمه من الذنوب، والتقصيرات. وفي الترمذي "مما تعلم" أي مني من تفريط، وزاد الترمذي: إنك أنت علام الغيوب. قال الشوكاني: قوله "من خير ما تعلم" هو سؤال لخير الأمور على الإطلاق؛ لأن علمه تعالى محيط بجميع الأشياء، وكذلك التعوذ من شرما يعلم، والاستغفار لما يعلم، فكأنه قال: أسألك من خير كل شيء، وأعوذ بك من شر كل شيء، وأستغفرك لكل ذنب. (رواه النسائي) من طريق سعيد بن أياس الجريري، عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن شداد بن أوس. قال الشوكاني في النيل: رجال إسناده ثقات. (وروى أحمد نحوه) (ج٤:ص١٢٥) أي من طريق الجريري، عن أبي العلاء بن الشخير، عن الحنظلي، عن شداد بن

стр. 1229

٩٦٣- (١٨) وعن جابر، قال. ((كان رسول الله يقول في صلاته بعد التشهد: أحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدى هدي محمد)) ــ أوس، ومن هذا الطريق رواه الترمذي في الدعوات، وفي طريقهما رجل حنظلي وهو مجهول، وقد أورده الحافظ في "فصل من أبهم ولكن ذكر نسبه" من "التعجيل" (ص٥٣٥) لهذه الرواية ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وزيادة الرجل الحنظلي بين أبي العلاء وبين شداد بن أوس يدل على أن في سند النسائي انقطاعاً، وقد رواه أيضاً أحمد من طريق الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن شداد بن أوس، والحاكم من طريق عكرمة بن عمار، عن شداد أبي عمار، عن شداد بن أوس. وهذا الطريقان كما ترى ليس فيهما انقطاع، ولا رجل مجهول، ولذلك قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبي. قال الشوكاني في تحفة الذاكرين: وصححه أيضاً ابن حبان: فلا وجه لما قاله العراقي: أنه منقطع وضعيف، بعد تصحيح هذين الإمامين له-انتهى. ٩٦٣- قوله: (كان رسول الله ﷺ يقول) أي أحياناً. (أحسن الهدي هدى محمد) الهدي- بفتح فسكون- السيرة والطريقة والهيئة، والحديث ظاهر في معناه، وأن الذكر المذكور فيه مشروع في الصلاة بعد التشهد قبل السلام وهو الذي فهمه النسائي حيث أورد الحديث في باب "نوع آخر من الذكر بعد التشهد"، وتبعه الجزري في "جامع الأصول"، لكن أبدي الشيخ الألباني احتمال أن المراد به الذكر الوارد في خطبة الحاجة المعروفة بعد الشهادتين، حيث قال في تعليقه: قوله: "في صلاته" أي دعائه وثنائه على الله، وقوله "بعد التشهد" أي في خطبته، قال: ويبدو لي أنه أي هذا الحديث مختصر من حديث جابر الذي رواه مسلم بهذا الإسناد الذي في النسائي: عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، ويقول: "أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد" الحديث. ورواية له بلفظ: كان يخطب الناس يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول: " من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله" الحديث. فقوله "يحمد الله" الخ. إشارة إلى خطبة الحاجة المعروفة "إن الحمد لله نحمده ونستعينه ... من يهده الله فلا مضل له ... وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله" فهذا هو التشهد الذي عناه الراوي في حديث جابر هذا، وذلك من الاختصار المخل. والله أعلم- انتهى. واعلم أنه قد ورد في الدعاء بعد التشهد ألفاظ وأدعية غير ما ذكر كما لا يخفى على من له إطلاع على أحاديث الباب، وللرجل أن يدعوا بأي لفظ شاء من مأثور وغيره مما أحب من مطالب الدنيا والآخرة، ولا حرج عليه بما شاء دعا ما لم يكن إثم أو قطيعة رحم، ولا يدعوا بدنياه إلا على تثبت من الجواز، هذا هو الصحيح إن شاء الله لظاهر الأحاديث، فإن النبي ﷺ قال: ثم ليتخير من الدعاء. وقال: ثم يدعوا لنفسه بما بدأ له. وقال: ثم يدعو بعد بما شاء.

стр. 1230

رواه النسائي. ٩٦٤- (١٩) وعن عائشة، ﵂، قالت: ((كان رسول الله ﷺ يسلم في الصلاة تسليمة تلقاء وجهه، ثم يميل إلى الشق الأيمن شيئاً)) رواه الترمذي. ــ وإليه ذهب مالك، والشافعي، قالا: يجوز أن يدعوا بكل شيء من أمور الدين والدنيا مما يشبه كلام الناس ما لم يكن إثماً، ولا يبطل صلاته بشيء من ذلك. واحتج لهما بحديث: سلوا الله حوائجكم حتى الشسع لنعالكم، والملح لقدوركم. وقال أحمد وأبوحنيفة: لا يدعوا إلا بالأدعية المأثورة، أو الموافقة للقرآن العظيم، أو التي شابهت الألفاظ المأثورة. قال ابن قدامة: والخبر محمول على أنه يتخير من الدعاء المأثورة وما أشبه- انتهى. قلت: لا دليل على هذا التقييد لا من كتاب الله، ولا من سنة رسوله، ولا من قول صحابي فلا يلتفت إليه. (رواه النسائي) ورجاله ثقات. ٩٤٦- قوله: (كان رسول الله ﷺ يسلم في الصلاة تسليمة تلقاء وجهه) أي يبتدئ بها وهو مستقبل القبلة، قاله ابن حجر. وقال القاري: أي يبدأ بالتسليم محاذاة وجهه ثم يميل إلى الشق الأيمن شيئاً أي يسيراً. والحديث فيه دليل على مشروعية التسليمة الواحدة في الصلاة، وقد تقدم ذكر من ذهب إلى ذلك. والحديث ضعيف كما ستعرف. والحق ما ذهب إليه الجمهور من أن المشروع والمسنون تسليمتان لكثرة الأحاديث الواردة بالتسليمتين، وصحة بعضها، وحسن بعضها، واشتمالها على الزيادة، وكونها مثبتة، بخلاف الأحاديث الواردة بالتسليمة الواحدة، فإنها مع قلتها ضعيفة لا تنتهض للاحتجاج، ولو سلم انتهاضها لم تصلح لمعارضة أحاديث التسليمتين لما عرفت من اشتمالها على الزيادة، مع أنه يحتمل أن يكون المقصود من أحاديث التسليمة الواحدة بيان أنه ﷺ كان يجهر بالتسليمة الواحدة ورفع بها صوته ويسمعهم التسليمة الواحدة، لا أنه يقتصر على التسليمة الواحدة. فمعنى هذه الأحاديث يرجع إلى أنه يسمعهم التسليمة الواحدة يدل على ذلك ما وقع في رواية لأحمد في قصة صلاة الليل: ثم يسلم تسليمة واحدة "السلام عليكم" يرفع بها صوته حتى يوقظنا. وما وقع في حديث ابن عمر عند أحمد: قال كان رسول الله ﷺ يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة يسمعناها. وقيل: إن التسليمة الواحدة كانت منه ﷺ في بعض الأحيان في صلاة الليل، والصحابة الذين رووا عنه التسليمتين إنما يحكون التسليم الذي رأوه في صلاته في المسجد وفي الجماعة، قيل: يمكن أنه اقتصر النبي ﷺ على التسليمة الواحدة في بعض الأحيان في صلاته بالجماعة في المسجد لبيان الجواز، فيجوز أنه فعل الأمرين ليبين الجائز والمسنون. وقيل: في حديث عائشة الذي ذكره المصنف: أنه ليس المقصود منه بيان عدد التسليم بل بيان كيفية التسليم بأنه كان يبتدئ به محاذاة وجهه، ثم يميل إلى الشق الأيمن شيئاً يسيراً، وترك بيان كيفية التسليم الثاني اكتفاء بالأول. (رواه الترمذي) وأخرجه أيضاً الدارقطني والحاكم، والبيهقي كلهم من طريق عمرو بن أبي سلمة التنيسي، عن زهير بن محمد عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة.

стр. 1231

٩٦٥- (٢٠) وعن سمرة، قال: ((أمرنا رسول الله ﷺ أن نرد على الإمام، ــ قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. قلت: عمرو بن أبي سلمة التنيسي شامي، ورواية أهل الشام عن زهير بن محمد ضعيفة. قال الحافظ في مقدمة الفتح: أما رواية عمرو بن أبي سلمة التنيسي يعني عن زهير بن محمد، فبواطيل- انتهى. وقال في التهذيب: قال أحمد: روى أي عمرو أبي بن سلمة التنيسي عن زهير أحاديث بواطيل، كأنه سمعها من صدقة بن عبد الله فغلط، فقلبها عن زهير، وساق الساجي منها حديثه عن زهير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: كان رسول الله ﷺ يسلم تسليمة- انتهى. وقال صاحب التنقيح: وزهير بن محمد وإن كان من رجال الصحيحين لكن له مناكير، وهذا الحديث منها. قال أبوحاتم: هو حديث منكر. والحديث أصله الوقف على عائشة هكذا رواه الحفاظ-انتهى. وكذا رجح الوقف الدارقطني والترمذي والبزار. وقال ابن عبد البر: لا يصح مرفوعاً. وقال النووي في الخلاصة: هو حديث ضعيف، ولا يقبل تصحيح الحاكم له. قيل: انفراد زهير برفع هذا الحديث حين وقفه غيره على عائشة لا يكون علة له، والرفع زيادة من ثقة فتقبل، ومع ذلك فإنه لم ينفرد برفعه، فقد رواه ابن ماجه: حدثنا هشام بن عمار: حدثنا عبد الملك بن محمد الصنعاني: حدثنا زهير بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه. وعبد الملك بن محمد الصنعاني لين الحديث. قاله الحافظ في التقريب. وقال أبوحاتم: يكتب حديثه. وقال أبوأيوب: هو ثقة من أصحاب الأوزاعي. ومثل هذا يصلح للمتابعة. قلت: عبد الملك بن محمد الصنعاني من صنعاء دمشق شامي، ورواية الشاميين عن زهير بن محمد ضعيفة كما عرفت. وقال الحافظ في التلخيص (ص١٠٤) : روى ابن حبان في صحيحه، وأبوالعباس السراج في مسنده عن عائشة من وجه آخر شيء من هذا. أخرجاه من طريق زرارة بن أوفي، عن سعد بن هشام، عن عائشة، أن النبي ﷺ كان إذا أوتر أوتر بتسع ركعات لم يقعد إلا في الثامنة، فيحمد الله ويذكره، ثم يدعو، ثم ينهض، ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة فيجلس، ويذكر الله ويدعو، ثم يسلم تسليمة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس-الحديث. وإسناده على شرط مسلم، ولم يستدركه الحاكم مع أنه أخرج حديث زهير بن محمد، عن هشام- انتهى. وفي الباب عن سهل بن سعد، وسلمة بن الأكواع كلاهما عند ابن ماجه. وفي إسناده الأول عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، وقد قال البخاري: إنه منكر الحديث. وقال النسائي: متروك، وفي إسناد الثاني يحيى بن راشد البصري، قال ابن معين: ليس بشئ. وقال النسائي: ضعيف. وفي الباب أحاديث أخرى كلها ضعيفة، ذكرها الزيلعي في نصب الراية مع بيان ضعفها. ٩٦٥- قوله: (أن نرد على الإمام) أي ننوي الرد على الإمام بالتسليمة الثانية من على يمينه، وبالأولى من على يساره، وبهما من على محاذاته كما هو مذهب الحنفية، قاله القاري. وقال الشوكاني: قال أصحاب الشافعي: إن كان المأموم عن يمين الإمام فينوي الرد عليه بالثانية، وإن كان عن يساره فينوي الرد عليه بالأولى، وإن حاذاه فبما شاء، وهو في

стр. 1232

ونتحاب، وأن يسلم بعضنا على بعض)) رواه أبوداود. (١٨) باب الذكر بعد الصلاة ﴿الفصل الأول﴾ ٩٦٦- (١) عن ابن عباس، ﵄، قال: ((كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير ــ الأولى أحب. ولفظ ابن ماجه: أمرنا رسول الله ﷺ أن نسلم على أئمتنا. (ونتحاب) كذا في النسخ الموجودة عندنا، ولفظ أبي داود "وأن نتحاب" أي بزيادة "أن" و"نتحاب"-بتشديد الباء الموحدة- من التحابب وهو التوادد، وتحابوا أحب كل واحد منهم صاحبه. قال القاري: أي وأن نتحاب مع المصلين وسائر المؤمنين بأن يفعل كل منا من الأخلاق الحسنة والأفعال الصالحة، والأقوال الصادقة، والنصائح الخالصة ما يؤدي إلى المحبة والمودة. (وأن يسلم بعضنا على بعض) ظاهره شامل للصلاة وغيرها لكنه قيده البزار بالصلاة، ولفظه: وأن نسلم على أئمتنا، وأن يسلم بعضنا على بعض في الصلاة، أي ينوي المصلي من عن يمينه وشماله من البشر، وكذا من الملك، فإنه أحق بالتسليم المشعر بالتعظيم. وقال الشوكاني: ويدخل في ذلك سلام الإمام على المأمومين، والمأمومين على الإمام، وسلام المقتدين بعضهم على بعض-انتهى. قال الطيبي: هذا عطف الخاص على العام؛ لأن التحابب أشمل معنى من التسليم ليؤذن بأنه فتح باب المحبة ومقدمتها. (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً ابن ماجه، والبزار مختصراً، وزاد البزار: في الصلاة. وأخرجه الحاكم بلفظ أبي داود (ج١:ص٢٧٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، وسعيد بن بشير. (أى الأزدي الشامي راوي الحديث عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة) إمام أهل الشام في عصره، إلا أن الشيخين لم يخرجاه بما وصفه أبومسهر من سوء حفظه، ومثله لا ينزل بهذا القدر-انتهى. وقال الحافظ: إسناده حسن، وسكت عنه أبوداود، ولكنه من رواية الحسن عن سمرة. وقد تقدم الكلام في سماع الحسن منه، وقد أخرج أبوداود من وجه آخر عن سمرة: أمرنا رسول الله ﷺ إذا كان في وسط الصلاة أو حين انقضائها: فابدوا قبل السلام، فقولوا: التحيات الطيبات الصلوات والملك لله، ثم سلموا على اليمين، ثم سلموا على قاربكم، وعلى أنفسكم. لكنه ضعيف لما في من المجاهيل. (باب الذكر بعد الصلاة) أي بعد الفراغ من الصلاة المكتوبة. والمراد بالذكر أعم من الدعاء وغيره. ٩٦٦- قوله: (كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ ) أي انتهاءها. (بالتكبير) متعلق بأعرف، ووقع في رواية لمسلم بصيغة الحصر ولفظه: "ماكنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير"، واختلفوا في بيان المراد

стр. 1233

بالتكبير، فقيل: المراد به قوله "الله أكبر" مرة أو ثلاثاً بعد السلام فكان ﷺ يقول "الله أكبر" مرة أو مكرراً إذا فرغ من الصلاة، والمعنى: كنت أعرف بسماع "الله أكبر" انصرافه وفراغه من الصلاة. وقيل: المراد التكبير الذي ورد مع التسبيح والتحميد عشراً أو أكثر فيحتمل أنه كان بدءه بالتكبير قبل التسبيح والتحميد لما ورد: لا يضرك بأيهن بدأت. وقيل: المراد التكبيرات التي في الصلاة عند كل خفض ورفع، والمعنى كنت أعرف انقضاء كل هيئة من الصلاة إلى أخرى بتكبيره أسمعها من رسول الله ﷺ . وقيل: المراد كنت أعرف انقضاء الصلاة بانقضاء التكبيرات، وهذان التأويلان يخالفان الباب، ويخالفان أيضاً رواية الشيخين لحديث ابن عباس هذا ومن وجه آخر بلفظ: إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله ﷺ . قال ابن عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته. قال العيني: أي كنت أعلم انصرافهم بسماع الذكر-انتهى. وهذه الرواية تؤيد بل تعين القول الأول فهو المعتمد، لكن قوله "التكبير" أخص من هذه الرواية؛ لأنه الذكر أعم من التكبير، فيحتمل أنهم كانوا يرفعون الصوت بالتكبير والذكر كليهما، فيكون الحديث دليلاً على استحباب رفع الصوت بقول "الله اكبر" مرة أو مكرراً، وبأذكار أخرى عقب المكتوبة، ويحتمل أن يكون قوله "التكبير" مفسراً لهذه الرواية، فكأن المراد أن رفع الصوت بالذكر أي بالتكبير، وكأنهم كانوا يبدؤن بالتكبير مرة أو مكرراً قبل الأذكار الأخرى. ويحتمل أن يكون المراد بالتكبير مطلق الذكر بعد الصلاة. وظاهر الحديث أن ابن عباس لم يكن يحضر الجماعة؛ لأنه كان صغيراً ممن لا يواظب على ذلك، ولا يلزم به، فكان يعرف انقضاء الصلاة بما ذكر، ويحتمل أن يكون حاضراً في أواخر الصفوف، فكان لا يعرف انقضاءها بالتسليم، وإنما كان يعرفه بالتكبير، قال ابن دقيق العيد: ويؤخذ منه أنه لم يكن هناك مبلغ جهير الصوت يسمع من بعد-انتهى. قال النووي: هذا الحديث دليل لما قاله بعض السلف: أنه يستحب رفع الصوت بالتكبير والذكر عقب المكتوبة، وممن يستحبه من المتأخرين ابن حزم الظاهري، ونقل ابن بطال وآخرون أن أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم متفقون على عدم استحباب رفع الصوت بالتكبير والذكر، وحمله الشافعي على أنه جهر وقتاً يسيراً حتى يعلمهم صفة الذكر، لا أنهم جهروا به دائماً. قال: فاختار للإمام والمأموم أن يذكر الله بعد الفراغ من الصلاة، ويخفيان ذلك إلا أن يكون إماماً يريد أن يتعلم منه، فيجهر حتى يعلم أنه قد تعلم منه ثم يسر، وحمل الحديث على هذا-انتهى. قلت: ما ذهب إليه بعض السلف، وابن حزم من المتأخرين من استحباب رفع الصوت بالتكبير والذكر أثر كل صلاة مكتوبة هو القول الراجح عندي، وإن لم يقل به الأئمة الأربعة ومقلدوهم؛ لأن حديث ابن عباس باللفظين نص في ذلك، ويدل على ذلك أيضاً حديث عبد الله بن الزبير الآتي، والحق يدور مع الدليل لا مع الادعاء أو الرجال، نعم لا يبالغ في رفع الصوت، ولا يجهر جهرا مفرطا لقوله ﷺ : اربعوا على أنفسكم،

стр. 1234

متفق عليه. ٩٦٧- (٢) وعن عائشة، ﵂، قالت. ((كان رسول الله ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام)) رواه مسلم. ــ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً-الحديث. ولا دليل لمن حمل حديث ابن عباس على أن الجهر كان أحياناً أو وقتاً يسيراً لأجل تعليم المأمومين صفة الذكر والتكبير كما لا دليل لمن حمل حديث الجهر بالتسمية في الصلاة، وحديث الجهر بالتأمين، على أنه كان أحياناً للتعليم، ولا يثبت شيء بالادعاء والتحكم، والراوي وهو ابن عباس لم يقيد رفع الصوت بوقت دون وقت، بل أطلقه وعممه، وفيه أيضاً لفظه "كان" وهي تشعر بالمواظبة، فدل ذلك على أن أكثر عمل النبي ﷺ وأصحابه قد كان على رفع الصوت بالتكبير، فالحق أن رفع الصوت بذلك أثر كل صلاة مكتوبة حسن كما صرح به ابن حزم في المحلى (ج٤:ص٢٦٠) . (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أبوداود والنسائي. ٩٦٧- قوله: (كان رسول الله ﷺ إذا سلم) أى من الصلاة المكتوبة. (لم يقعد) أي في بعض الأحيان فإنه قد ثبت قعوده ﷺ بعد السلام أزيد من هذا المقدار. وقيل: المراد لم يقعد مستقبل القبلة إلا مقدار قوله ذلك، ثم يلتفت يمنة أويسرة، أو يستقبل المؤتمين. قال السندي: الظاهر أن المراد لم يقعد على هيئة إلا هذا المقدار ثم ينصرف عن جهة القبلة، وإلا فقد جاء أنه كان يقعد بعد صلاة الفجر إلى أن تطلع الشمس وغير ذلك، فلا دلالة في هذا الحديث على أن المصلي لا يشتغل بالأوراد الواردة بعد الصلاة بل يشتغل بالسنن الرواتب ثم يأتي بالأوراد كما قال بعض العلماء –انتهى. وقيل: المراد لم يقعد بين الفرض والسنة إلا هذا المقدار. قال الطيبي: إنما ذلك في صلاة بعدها راتبة، وأما التي لا راتبة بعدها كصلاة الصبح فلا-انتهى. (اللهم أنت السلام) هو من أسماء الله تعالى، أي أنت السليم من المعائب والآفات، ومن كل نقص، وقال الأمير اليماني: المراد ذو السلامة من كل نقص وآفة، مصدر وصف به للمبالغة. (ومنك السلام) هذا بمعنى السلامة، أي أنت الذي تعطي السلامة وتمنعها، أو منك نطلب السلامة من شرور الدنيا والآخرة، أو منك يرجى السلام ويستوهب ويستفاد، أو السلامة من المعائب والآفات مطلوبة منك، أو حاصلة من عندك، فالسالم من سلمته، قال الشيخ الجزري: وأما ما يزاد بعد قوله "ومنك السلام" من نحو "وإليك يرجع السلام فحينا ربنا بالسلام" وأدخلنا دار السلام، فلا أصل له، بل مختلق من بعض القصاص. (تباركت) تفاعلت من البركة وهي الكثرة والنماء، ومعناه تعاظمت إذ كثرت صفات جلالك وكمالك. (يا ذالجلال) أي ذا العظمة. (والإكرام) أي الإحسان. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه.

стр. 1235

٩٦٨- (٣) وعن ثوبان، ﵁، قال. ((كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً، وقال: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام)) رواه مسلم. ٩٦٩- (٤) وعن المغيرة بن شعبة، ((أن النبي ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) ــ ٩٦٨- قوله: (إذا انصرف من صلاته) أي سلم منها. قال النووي: المراد بالانصراف السلام. (استغفر ثلاثاً) قال مسلم في صحيحه بعد رواية هذا الحديث: قال الوليد، فقلت للأوزاعي: كيف الاستغفار؟ قال: يقول: أستغفر الله، أستغفر الله –انتهى. وقيل: أقله أستغفر الله، والأكمل زيادة العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، والاستغفار إشارة إلى أن العبد لا يقوم بحق عبادة مولاه لما يعرض له من الوسواس والخواطر، فشرع له الاستغفار تداركا لذلك، وقال السندي: استغفر ﷺ تحقيراً لعمله وتعظيماً لجناب ربه. وكذلك ينبغي أن يكون حال العابد، فينبغي أن يلاحظ عظمة جلال به وحقارة نفسه وعمله لديه، فيزداد تضرعاً واستغفاراً كلما يزداد عملا، وقد مدح الله عباده فقال. ﴿كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون﴾ [٥١: ١٧، ١٨] . وقال ابن سيد الناس: هو وفاء بحق المعبودية، وقيام بوظيفة الشكر كما قال: أفلا أكون عبداً شكوراً. وليبين للمؤمنين سننه فعلا كما بينها قولاً في الدعاء والضراعة ليقتدي به. (وقال) أي بعد الاستغفار. (أنت السلام) أي المختص بالتنزه عن النقائص والعيوب لا غيرك. (ومنك السلام) أي منك السلامة، منها لمن أردت له ذلك لا من غيرك. (يا ذا الجلال والإكرام) بزيادة "يا" في جميع نسخ المشكاة الحاضرة عندنا، وفي صحيح مسلم "ذا الجلال والإكرام" بحذف "يا". وهذا من عظائم صفاته تعالى لا يستعمل في غير الله تعالى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه. ٩٦٩- قوله: (كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة) أي عقب كل صلاة فريضة. (لا إله إلا الله وحده) أي منفرداً في ذاته. (لا شريك له) أي في أفعاله، وصفاته، وعبادته، وقال ابن حجر: تأكيد بعد تأكيد لمزيد الاعتناء بمقام التوحيد. (له الملك) أي لا لغيره. (وله الحمد) في الأولى والآخرة. قال الحافظ في الفتح: زاد الطبراني من طريق أخرى، عن المغيرة "يحيى ويميت" وهو حي لا يموت، بيده الخير، إلى "قدير". ورواته موثقون. (اللهم لا مانع لما أعطيت) أي من قضيت له بقضاء من رزق أو غيره لا يمنعه أحد عنه. (ولا معطي لما منعت) أي من قضيت له بحرمان لا معطي له. (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) بفتح الجيم وهو الحفظ، والغنى، والعظمة، والسلطان، وأبو الأب والأم، و"من " في قوله "منك" بمعنى البدل، قال الشاعر:

стр. 1236

متفق عليه. ٩٧٠- (٥) وعن عبد الله بن الزبير، قال. ((كان رسول الله ﷺ إذا سلم من صلاته يقول بصوته الأعلى: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، ــ فليت لنا من ماء زمزم شربه ... ... مبردة باتت على الظمآن يريد ليت لنا بدل ماء زمزم. وقيل: "منك" بمعنى عندك؛ وقيل: هو صفة الجد أي الكائن منك. وقيل: المضاف فيه مقدر أي من عذابك، وسطوتك، وقضائك، والمعنى: لا ينفع صاحب الغنى والحظ في الدنيا بالمال والولد والعظمة والسلطان عندك، أو من عذابك، أو بدل لطفك غناه وحظه، أي لا ينجيه حظه منك، وإنما ينفعه وينجه فضلك ورحمتك، أو لا ينفع ذا نسب نسبه، وإنما ينفعه العمل الصالح. وروي "الجد" بكسر الجيم، والمعنى: لا ينفع صاحب الجد والاجتهاد في العلم والعمل مجرد اجتهاده في ذلك ما لم يقارنه القبول، وذلك لا يكون إلا بفضل الله ورحمته. والحديث دليل على استحباب هذا الذكر عقب الصلوات لما أشتمل عليه من ألفاظ التوحيد، ونسبة الأمر كله إليه، والمنع والإعطاء، وتمام القدرة، وظاهره أن يقول ذلك مرة، وفي رواية للنسائي: أن النبي ﷺ كان يقول هذا التهليل وحده أولاً ثلاث مرات. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أبوداود والنسائي. ٩٧٠- قوله: (كان رسول الله ﷺ إذا سلم من صلاته يقول بصوته الأعلى) حديث عبد الله بن الزبير هذا أخرجه مسلم من طرق، ولكن ليس في طريق منها قوله "بصوته الأعلى". وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي ولم تقع هذه اللفظة عندهم أيضاً، ولفظ مسلم في طريق الحجاج بن أبي عثمان، عن أبي الزبير، عن عبد الله بن الزبير: كان رسول الله ﷺ يقول إذا سلم في دبر الصلاة أو الصلوات "لا إله إلا الله وحده" الخ. وفي طريق موسى بن عقبة عن أبي الزبير أنه سمع عبد الله بن الزبير، وهو يقول في أثر الصلاة إذا سلم ... وكان يذكر ذلك عن رسول الله ﷺ ، وأما السياق الذي ذكره المصنف تبعاً للبغوي فهو للشافعي في كتاب الأم (ج١:ص١١٠) قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد، قال: حدثني موسى بن عقبة، عن أبي الزبير، أنه سمع عبد الله بن الزبير يقول: كان رسول الله ﷺ إذا سلم من صلاته يقول بصوته الأعلى: لا إله إلا الله وحده لا شريك له" الخ. إلا أنه ليس عنده كلمة "لا إله إلا الله" بين قوله " لا حول ولا قوة إلا بالله"، وقوله "ولا نعبد إلا إياه"، وقوله "إذا سلم" فيه أنه ينبغي أن يكون هذا الذكر تالياً للسلام مقدما على غيره لتقييد القول به بوقت التسليم، ولا يعارض ذلك ما تقدم من حديث عائشة وثوبان، فإنه يحمل على أوقات مختلفة فيقول بعد السلام تارة ما وقع في حديث عائشة وثوبان، وتارة ما وقع في حديث ابن الزبير والمغيرة، وعلى هذا فالسنة أن يأتي بهذه الأذكار على سبيل البدل لا الجمع. وقيل: يجوز الجمع بينها؛ لأنه يحتمل أنه ﷺ كان يجمع بينها

стр. 1237

لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون)) رواه مسلم. ٩٧١- (٦) وعن سعد، أنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات، ويقول. ((إن رسول الله ﷺ كان يتعوذ بهن دبر الصلاة: اللهم إني أعوذبك من الجبن، وأعوذ بك من البخل، ــ وروى كل واحد ما سمعه منه ﷺ ، ولا يخفى بعده. والحديث يدل على مشروعية هذا الذكر بعد الصلاة مرة لعدم ما يدل على التكرار. (لا حول) أي لا تحول عن معصية الله. (ولا قوة) على طاعة الله. (إلا بالله) أي بعصمته وإعانته. (ولا نعبد إلا إياه) إذ لا يستحق العبادة سواه. (له النعمة) أي جنسها. قال تعالى. ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾ [١٦: ٥٣] . أو له نعمة التوفيق. (وله الفضل) بالقبول أو التفضل على عبادة. (وله الثناء الحسن) على ذاته وصفاته وأفعاله ونعمه وعلى كل حال. (مخلصين له الدين) أي للطاعة. (ولو كره الكافرون) أي كوننا مخلصين دين الله، وكوننا عابدين وموحدين الله. قال الطيبي: قوله "مخلصين" حال عامله محذوف وهو الدال على مفعول "كره"، أي نقول "لا إله إلا الله" حال كوننا مخلصين ولو كره الكافرون قولنا. و"الدين" مفعول به لمخلصين، و"له" ظرف قدم على المفعول به للاهتمام به. قال ابن حجر: وفيه تكلف، والأولى جعله حالاً من فاعل "نعبد" المذكور-انتهى. (رواه مسلم) أي أصل الحديث، وإلا فقوله "بصوته الأعلى" ليس عند مسلم بل هو للشافعي كما عرفت، وكان على البغوي أن يذكر ههنا سياق مسلم لا سياق الشافعي لما اشترط أنه يورد في الصحاح ما أخرجه الشيخان أو أحدهما، وكان على المصنف أن ينبه على تسامح البغوي في ذلك. وفي سنده عند الشافعي إبراهيم بن محمد شيخ الشافعي، وهو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي أبوإسحاق المدني ضعيف متروك عند جمهور المحدثين، وكان الشافعي حسن الرأي فيه، وارجع إلى التهذيب (ج١: ص١٥٨- ١٦١) والحديث أخرجه أيضاً أحمد (ج٤: ص٤، ٥) وأبوداود والنسائي. ٩٧١-قوله: (وعن سعد) أي ابن أبي وقاص. (أنه كان يعلم بنيه) أي أولاده، وفيه تغليب، وقد ذكر ابن سعد في الطبقات أولاد سعد، فذكر من الذكور أربعة عشر نفساً، والإناث سبع عشرة، وروى عنه الحديث منهم خمسة عامر، ومحمد، ومصعب، وعائشة، وعمر. (هؤلاء الكلمات) أي الآتية كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة. (دبر الصلاة) أي عقب الصلاة المكتوبة. فالمراد بالصلاة عند الإطلاق المكتوبة. (اللهم إني أعوذ بك) أي ألتجىء إليك. (من الجبن) بضم الجيم وسكون الباء، وتضم، هو المهابة للأشياء، والتأخر عن فعلها، والمتعوذ منه هو التأخر عن الإقدام بالنفس إلى الجهاد الواجب، والتأخر عن الصدع بالحق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونحو ذلك. (وأعوذ بك من البخل) بضم الباء الموحدة، وإسكان الخاء المعجمة، وبفتحهما، وبضمهما، وبفتح الباء وإسكان الخاء ضد الكرم أي من عدم

стр. 1238

وأعوذ بك من أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وعذاب القبر)) . رواه البخاري. ٩٧٢- (٧) وعن أبي هريرة، قال: ((إن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: قد ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم. فقال: وما ذاك؟ قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ــ النفع إلى الغير بالمال، أو العلم، أو غيرهما، ولو بالنصيحة. قال الطيبي: الجود إما بالنفس وهو الشجاعة، ويقابله الجبن، وإما بالمال وهو السخاوة، ويقابله البخل، ولا تجتمع الشجاعة والسخاوة إلا في نفس كاملة، ولا ينعدمان إلا من متناه في النقص. (وأعوذ بك من أرذل العمر) بضم الميم وسكونها لغتان، أي رديئة، وهو ما ينتقص فيه القوى الظاهرة والباطنة، فيصير كالطفل في سخف العقل، وقلة الفهم، وضعف القوة، وفي رواية البخاري: وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر. قال العيني: أي عن الرد، وكلمة "أن" مصدرية، و"أرذل العمر" هو الخرف، يعني يعود كهيئة الأولى في أو أن الطفولية، ضعيف البنية، سخيف العقل، قليل الفهم، ويقال أرذل العمر أردأه، وهو حالة الهرم والضعف عن أداء الفرائض، وعن خدمة نفسه فيما يتنظف فيه، فيكون كلاً على أهله، ثقيلا بينهم يتمنون موته، فإن لم يكن له أهل فالمصيبة أعظم. (وأعوذ بك من فتنة الدنيا) بأن تتزين للسالك، وتغره، وتنسيه الآخرة، ويأخذ منها زيادة على قدر الحاجة، وقال الأمير اليماني: فتنة الدنيا هي الافتتان بشهواتها، وزخارفها حتى تلهيه عن القيام بالواجبات التي خلق لها العبد. (وعذاب القبر) أي من موجبات عذابه، وإنما خص ﷺ هذه المذكورات بالتعوذ منها؛ لأنها من أعظم الأسباب المؤدية إلى أنواع الشرور والمعاصي، وترك العبادات الظاهرة والباطنة، وأما طول العمر مع سلامة القوي والحواس فسعادة عظيمة للمؤمن المطيع. (رواه البخاري) في الجهاد، وفي الدعوات، وأخرجه أيضاً الترمذي في الدعوات، والنسائي في الاستعاذة. ٩٧٢- قوله: (إن فقراء المهاجرين) فيهم أبوذر كما عند أبي داود. (قد ذهب أهل الدثور) بضم الدال المهملة والمثلثة، جمع دثر-بفتح الدال وسكون المثلثة- أي أهل الأموال، والدثر يجيء بمعنى المال الكثير وبمعنى الكثير من كل شيء. (بالدرجات العلى) بضم العين جمع العلياء، وهي تأنيث الأعلى، والباء للتعدية، وقال الطيبي: للمصاحبة، يعني ذهب أهل الأموال بالدرجات العلى، واستصحبوها معهم في الدنيا والآخرة، ومضوا بها ولم يتركوا لنا شيئاً منها، فما حالنا؟ يا رسول الله! والدرجات يحتمل أن يكون حسية، والمراد الدرجات العالية في الجنة، أو معنوية، والمراد علو القدر عند الله تعالى. (والنعيم المقيم) أي وبالعيش الدائم المستحق بالصدقة. قال الطيبي: فيه تعريض بالنعيم العاجل، فإنه على وشك الزوال. (فقال: وما ذاك؟) أي ما سبب سؤالكم هذا؟ أو ما سبب فوزهم وحيازهم دونكم؟. (ويصومون كما نصوم) زاد في حديث أبي الدرداء عند النسائي في عمل اليوم والليلة "ويذكرون كما نذكر" وللبزار من

стр. 1239

ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق. فقال رسول الله ﷺ : أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم، إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: تسبحون، وتكبرون، وتحمدون ــ حديث ابن عمر: وصدقوا تصديقنا وآمنوا إيماننا. (ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق) ؛ لأنهما يتعلقان بالمال ولا مال لنا، فلهم علينا بزيادة العبادات المالية. وفي رواية للبخاري: ولهم فضل أموال يحجون بها، ويعتمرون ويجاهدون، ويتصدقون. (أفلا أعلمكم) قدمت الهمزة للصدارة، والتقدير: ألا أسليكم فلا أعلمكم. (تدركون به) أي بذلك الشيء. (من سبقكم) أي من أهل الأموال الذين امتازوا بالصدقة والاعتاق عليكم، والجملة في موضع نصب، مفعول "تدركون". والمراد بالسبق السبق رتبة أي من حيث كثرة الأعمال بسبب المال، ورجحه الشيخ تقي الدين على السبق زماناً، وعلى هذا ينبغي حمل البعدية في قوله: (وتسبقون به من بعدكم) على البعدية رتبة أيضاً، أي تسبقون به أمثالكم الذين لا يقولون هذه الأذكار، فتكون البعدية معنوية، أي بحسب الرتبة لا حسية. (ولا يكون أحد) أي من الأغنياء؛ لأن الكلام فيهم. (أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم) قيل: الاستثناء متعلق بهذه الجملة الأخيرة فقط، وقيل: يصح جعله متعلقاً بالجمل الثلاث كلها، على معنى يحصل لكم الأحوال الثلاث بالنظر إلى الطوائف إلا من عمل من الطوائف الثلاث مثله. قال الطيبي: فإن قلت: ما معنى الأفضلية في قوله "لا يكون أحد أفضل منكم" مع قوله "إلا من صنع مثل ما صنعتم"، فإن الأفضلية تقتضى الزيادة، والمثلية تقتضي المساواة، قلت: هو من باب قوله: وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس يعني إن قدر المثلية تقتضي الأفضلية فتحصل الأفضلية، وقد علم أنها لا تقتضيها فإذا لا يكون أحد أفضل منكم، هذا على مذهب التميمي. ويحتمل أن يكون المعنى: ليس أحد أفضل منكم إلا هؤلاء فإنهم يساوونكم، وأن يكون المعنى بأحد الأغنياء أي ليس أحد من الأغنياء أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم-انتهى. واستشكل تساوي فضل هذا الذكر بفضل التقرب بالمال مع شدة المشقة فيه. وأجيب بأنه لا يلزم أن يكون الثواب على قدر المشقة في كل حال، فإن ثواب كلمة الشهادتين مع سهولتها أكثر من العبادات الشاقة. (قالوا بلى) أي علمنا ذلك. (قال: تسبحون، وتكبرون، وتحمدون) أخبار بمعنى الأوامر، أو من قبيل "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه". وقد وقع في هذه الرواية تقديم التكبير على التحميد خاصة، وفيه أيضاً قول أبي صالح: يقول: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ومثله لأبي داود من حديث أم الحكم، وله من حديث أبي هريرة: تكبر، وتحمد، وتسبح، وكذا في حديث ابن عمر، ووقع في أكثر الأحاديث تسبحون، وتحمدون، وتكبرون، وهذا الاختلاف يدل على أن لا ترتيب فيها ويستأنس لذلك بقوله في حديث: الباقيات الصالحات لا يضرك

стр. 1240

دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة. قال أبوصالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله. فقال رسول الله ﷺ : ذلك ــ بأيهن بدأت، لكن الترتيب الذي وقع في أكثر الأحاديث أولى. قال الحافظ: الأولى البداءة بالتسبيح؛ لأنه يتضمن نفي النقائص عن الباري ، ثم التحميد؛ لأنه يتضمن إثبات الكمال له، إذ لا يلزم من نفي النقائص إثبات الكمال، ثم التكبير إذ لا يلزم من نفي النقائص وإثبات الكمال نفي أن يكون هناك كبير آخر، ثم يختم بالتهليل الدال على انفراده بجميع ذلك. (دبر كل صلاة) وفي رواية للبخاري "خلف كل صلاة". ومقتضى الحديث أن الذكر المذكور يقال عند الفراغ من الصلاة، فلو تأخر ذلك عن الفراغ فإن كان يسيراً بحيث لا يعد معرضا أو كان ناسياً أو متشاغلاً بما ورد أيضاً، وكآية الكرسي فلا يضر، وظاهر قوله "كل صلاة" يشمل الفرض والنفل، لكن حمله أكثر العلماء على الفرض، وقد وقع في حديث كعب بن عجرة الآتي التقييد بالمكتوبة، وكأنهم حملوا المطلقات عليها، وعلى هذا يكون التشاغل بعد المكتوبة بالراتبة بعدها فاصلاً بين المكتوبة والذكر، والله أعلم. (ثلاثاً وثلاثين مرة) يحتمل أن يكون المجموع للجميع، فإذا وزع لكل واحد من الثلاثة إحدى عشرة، وهو الذي فهمه سهيل بن صالح كما رواه مسلم، لكن لم يتابع سهيل على ذلك، والأظهر أن المراد أن المجموع لكل فرد فرد، والأفعال الثلاثة تنازعت في الظرف، وهو "دبر" وفي "ثلاثاً وثلاثين" وهو مفعول مطلق، والتقدير: تسبحون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وتكبرون كذلك. وتحمدون كذلك ثم ظاهر هذه الرواية أن يقول ذلك مجموعاً، ورجحه بعضهم للإتيان فيه بواو العطف، والمختار أن الإفراد أولى لتميزه باحتياجه إلى العدد، وله كل حركة لذلك سواء كان بأصابعه أو بغيرها ثواب لا يحصل لصاحب الجمع منه إلا الثلاث. (قال أبوصالح) وهو راوي الحديث عن أبي هريرة، وهو ذكوان- بفتح المعجمة وسكون الكاف- أبوصالح السمان الزيات المدني مولى جويرية بنت الأحمس الغطفاني، شهد الدار زمن عثمان، ثقة ثبت، من أوساط التابعين، كان يجلب الزيت إلى الكوفة، مات سنة. (١٠١) . (فرجع فقراء المهاجرين) الخ. قول أبي صالح هذا مدرج في حديث أبي هريرة، قال الحافظ في الفتح: هذه الزيادة مرسلة، وقد روى الحديث البزار من حديث ابن عمر، وفيه "فرجع الفقراء" فذكره موصولاً لكن إسناده ضعيف، وروى جعفر الفريابي من رواية حرام بن حكيم عن أبي ذر، وقال: فيه، قال أبوذر: يا رسول الله! إنهم قد قالوا مثل ما نقول، فقال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ونقل الخطيب أن حرام بن حكيم يرسل الرواية عن أبي ذر، فعلى هذا لم يصح بهذه الزيادة إسناد إلا أن هذين الطريقين يقوي بهما مرسل أبي صالح-انتهى.. (سمع إخواننا أهل الأموال) بدل، وفائدة البدل إشعار بأن ذلك غبطة لا حسد. (بما فعلنا) ضمن سمع معنى الإخبار فعدى بالباء. (ففعلوا مثله) أي مثل ما فعلنا، وإطلاق الفعل على القول شائع سائغ. (ذلك) أي الزائد من الثواب الذي

стр. 1241

فضل الله يؤتيه من يشاء)) . متفق عليه. وليس قول أبي صالح إلى آخره إلا عند مسلم. وفي رواية للبخاري: تسبحون في دبر كل صلاة عشراً، وتحمدون عشراً، وتكبرون عشراً، بدل "ثلاثاً وثلاثين". ــ حصل لهم على الجود بأموالهم منضماً إلى فعلهم ما فعله الفقراء. (فضل الله يؤتيه من يشاء) قال الطيبي: إشارة إلى أن الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر، نعم لا يخلوا الغني عن أنواع من الخطر، والفقير الصابر آمن-انتهى. قلت: المسألة ذات خلاف مشهور بين السلف والخلف من الطوائف، بسطه الغزالي في إحياء العلوم، والحافظ في الفتح في كتاب الأطعمة، وأما ما ورد من أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، وهو خمسمائة سنة من أيام الدنيا، ففيه أن دخول الفقراء قبل الأغنياء لا ينافي فضل الأغنياء، وعلو درجاتهم، وكثرة ثواب أعمالهم؛ لأن ذلك من جهة كون حساب الفقراء يسيراً، سهلاً سريع الانقضاء، والله أعلم. والحديث يدل على فضل الذكر عقب الصلاة، واستدل به البخاري على فضل الدعاء عقيب الصلاة؛ لأنه في معناها، فإن الذاكر يحصل له ما يحصل للداعي إذا شغله الذكر عن الطلب كما في حديث ابن عمر: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، أخرجه الطبراني بسند لين، وحديث أبي سعيد بلفظ: من شغله القرآن وذكري عن مسألتي-الحديث، أخرجه الترمذي وحسنه. ولأنها أوقات فاضلة ترجى فيها إجابة الدعاء. (متفق عليه) واللفظ المذكور لمسلم، والمراد أنه اتفق الشيخان على أصل هذا الحديث، وإلا فقوله: يتصدقون ولا نتصدق ويعتقون ولا نعتق، من أفراد مسلم. والحديث أخرجه أيضاً النسائي في اليوم والليلة. (وليس قول أبي صالح إلى آخره إلا عند مسلم) . الأحسن أن يقول المصنف بعد قوله "وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين" متفق عليه، وزاد مسلم: قال أبوصالح، الخ. (وفي رواية للبخاري) أي في الدعوات. (تسبحون في دبر كل صلاة عشراً، وتحمدون عشراً، وتكبرون عشراً، بدل ثلاثاً) نصب على الحكاية. (وثلاثين) قال الحافظ في الفتح: وقع في رواية ورقاء عن سمي عند المصنف في الدعوات في هذا الحديث "تسبحون عشراً، وتحمدون عشراً، وتكبرون عشراً". ولم أقف في شيء من طريق حديث أبي هريرة على من تابع ورقاء على ذلك، لا عن سمي، ولا عن غيره، ويحتمل أن يكون تأول ما تأول سهيل من التوزيع ثم ألقى الكسر، ويعكر عليه أن السياق صريح في كونه كلام النبي ﷺ ، وقال: وأظن سبب الوهم أنه وقع في رواية ابن عجلان "تسبحون، وتكبرون، وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة" فحمله بعضهم على أن العدد المذكور مقسوم على الأذكار الثلاثة، فروى الحديث بلفظ إحدى عشرة، وألغى بعضهم الكسر فقال "عشراً" والله أعلم. قال: وقد وجدت لرواية العشر شواهد: منها عن علي عند أحمد، وعن سعد بن أبي وقاص عند النسائي، وعن عبد الله بن عمرو عنده، وعند أبي داود والترمذي، وعن أم سلمة عند البزار، وعن أم مالك الأنصارية عند الطبراني، وجمع البغوي في شرح السنة بين هذا الاختلاف باحتمال أن يكون صدر ذلك في أوقات متعددة، أولها عشراً عشراً، ثم

стр. 1242

٩٧٣- (٨) وعن كعب بن عجرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((معقبات لا يخيب قائلهن- أو فاعلهن- دبر كل صلاة مكتوبة: ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة)) .رواه مسلم. ٩٧٤- (٩) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ــ إحدى عشرة، إحدى عشرة، ثم ثلاثاً وثلاثين، ثلاثاً وثلاثين، ويحتمل أن يكون ذلك على سبيل التخيير، أو يفترق بافتراق الأحوال. ٩٧٣- قوله: (معقبات) بضم الميم وفتح المهملة وكسر القاف المشددة، أي كلمات معقبات، وهو مبتدأ خبره ثلاث وثلاثون، أو قوله: لا يخيب، الخ. قال الجزري: سميت معقبات؛ لأنها عادت مرة بعد أخرى، أو لأنها تقال عقيب الصلاة، والمعقب من كل شيء ما جاء عقيب ما قبله. (لا يخيب) من الخيبة، أي لا يحرم من أجرهن أي كيفما كان ولو عن غفلة، هذا هو ظاهر هذا اللفظ، والله تعالى أعلم. وقد ذكر بعضهم أنه لا أجر في الأذكار إذا كانت عن غفلة سوى القراءة. (قائلهن، أو فاعلهن) أو للشك من الراوي. (دبر كل صلاة) ظرف القول. (ثلاث وثلاثون تسبيحة) قال الطيبي: قوله: معقبات إما صفة مبتدأ أقيمت أي في الابتدائية مقام الموصوف، أي كلمات معقبات، و"لا يخيب" خبره، و"دبر" ظرف، ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر، وأن يكون متعلقًا بقائلهن، وإما مبتدأ و"لا يخيب" صفته، و"دبر" صفة أخرى و"ثلاث وثلاثون" خبر، ويحتمل أن يكون "ثلاث وثلاثون" خبر مبتدأ محذوف، أي هن أو هي ثلاث وثلاثون إلى غير ذلك من الاحتمالات. (رواه مسلم وأخرجه أيضاً الترمذي في الدعوات، وحسنه، وذكر الاختلاف في رفعه ووقفه، وأخرجه النسائي في الصلاة. قال النووي في شرح مسلم: ذكر الدارقطني هذا الحديث في استدراكاته على مسلم، وقال: الصواب أنه موقوف على كعب؛ لأن من رفعه لا يقاومون من وقفه في الحفظ، وهذا الذي قاله الدارقطني مردود؛ لأن مسلماً رواه من طرق كلها مرفوعة، وذكره الدارقطني أيضاً من طرق أخرى مرفوعة، وإنما روي موقوفاً من جهة منصور وشعبة، وقد اختلفوا عليهما أيضاً في رفعه ووقفه، وبين الدارقطني ذلك، وقد قدمنا أن الحديث الذي روي موقوفاً ومرفوعاً يحكم بأنه مرفوع على المذهب الصحيح الذي عليه الأصوليون والفقهاء والمحققون من المحدثين، منهم البخاري، وآخرون، حتى لو كان الواقفون أكثر من الرافعين حكم بالرفع، كيف، والأمر هنا بالعكس؟ ودليله أن هذه زيادة ثقة، فوجب قبولها، ولا ترد لنسيان أو تقصير حصل ممن وقفه-انتهى. ٩٧٤- قوله: (من سبح الله) أي قال: سبحان الله. (في دبر كل صلاة) أي فريضة. (وحمد الله) بكسر الميم

стр. 1243

ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)) . ــ المخففة، أي قال: الحمد لله. (وكبر الله) أي قال: الله أكبر. (ثلاثاً وثلاثين) أي في دبر كل صلاة، وحذفه في هذا وما قبله للعلم به من الأول. (فتلك) أي التسبيحات والتحميدات والتكبيرات. (تسعة وتسعون) علم العدد بعد التفصيل، ويسمى فذلكة ليحاط به من جهتين فيتأكد العلم، إذ علمان خير من علم فهو نظير قوله تعالى: ﴿تلك عشرة كاملة﴾ [٢: ١٩٦] . بعد ذكر ثلاثة وسبعة، وليترتب عليه قوله: (وقال) أي النبي ﷺ . وقيل: ذلك القائل، يعني ذكر. (تمام المائة) بالنصب على المفعولية، وقيل: مرفوع على أنه مبتدأ خبره. (لا إله إلا الله) قال القاري: تفصيل الكلام في هذا المقام أن لفظ "تمام" إما منصوب على أنه مفعول به لقال؛ لأنه في المعنى جملة، إذ ما بعده عطف بيان، أو بدل، أو خبر محذوف، فصح كونه مقول القول، والمراد من "تمام المائة" ما تتم به المائة، ويجوز أن يكون نصبه بالظرفية أي في وقت تمام المائة، أي عند إرادة تمامها، والعامل فيه لفظ قال. قال ابن الملك: فلفظه "قال" للرسول ﷺ بدل من سبح، وقال زين العرب، والأبهري: فيه ضمير يعود إلى من سبح، أو مرفوع على أنه مبتدأ وخبره لا إله إلا الله، الخ. فيكون تمام مع خبره حالاً من ضمير سبح، والعائد محذوف، أي حال كونه تمام مائة عليها أو عليه، فلفظه "قال" على هذا تكون للراوي، وضميره عائد إلى الرسول ﷺ . قال ابن الملك: والأول أولى، وعليهما الجزاء إنما يترتب على الشرط إذا وقع تمام المائة التهليل المذكور-انتهى. وكون التهليل المذكور تمام المائة يخالف ما ورد في عدة من الروايات أنه يكبر أربعاً وثلاثين، فإنه يدل على كون تمام المائة التكبير. قال النووي: يجمع بين الروايتين بأن يكبر أربعاً وثلاثين، ويقول معها "لا إله إلا الله وحده" إلى آخره. وقال غيره: بل يجمع بأن يختم مرة بزيادة تكبيرة، ومرة بلا إله إلا الله، على وفق ما وردت به الأحاديث. (وحده) جوز الكوفية كون الحال معرفة، والبصرية أولوها بالنكرة، وقالوا معناه منفرداً أي في ذاته. (لا شريك له) أي في أفعاله وصفاته نقلاً وعقلاً. (له الملك) أي أصناف المخلوقات له خاصة لا لغيره. (وله الحمد) المصدرية الشاملة لمعنى الفاعلية والمفعولية، فهو الحامد والمحمود. (غفرت خطاياه) هذا جزاء الشرط وهو "من سبح الله". والمراد بالخطايا الذنوب الصغائر. قال القاري: ويحتمل الكبائر. (وإن كانت) أي في الكثرة. (مثل زبد البحر) وهو ما يعلو على وجهه عند هيجانه وتموجه. وأعلم أنه قد ورد في كل من تلك الكلمات الثلاث روايات مختلفة. قال ابن حجر المكي: ورد التسبيح ثلاثاً وثلاثين، وخمساً وعشرين، وإحدى عشرة، وعشرة، وثلاثاً، ومرة واحدة. وسبعين، ومائة، وورد التحميد ثلاثاً وثلاثين، وخمساً وعشرين، وإحدى عشرة، وعشرة، ومائة، وورد التهليل عشرة، وخمساً وعشرين، ومائة. قال الحافظ الزين العراقي: وكل ذلك حسن، وما زاد فهو أحب إلى الله تعالى. وتقدم عن البغوي أنه جمع بأنه

стр. 1244

رواه مسلم. ﴿الفصل الثاني﴾ ٩٧٥- (١٠) عن أبي أمامة، قال: ((قيل يا رسول الله ﷺ : أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات)) . رواه الترمذي. ٩٧٦- (١١) وعن عقبة بن عامر، قال: ((أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذات في دبر كل صلاة)) . ــ يحتمل صدور ذلك في أوقات متعددة، وأن يكون على سبيل التخيير، أو يفترق بافتراق الأحوال-انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً النسائي، والبيهقي في الدعوات كلهم من طريق عطاء بن يزيد، عن أبي هريرة، قاله السيوطي. وأخرجه مالك في الموطأ من هذا الطريق موقوفاً على أبي هريرة. ٩٧٥- قوله: (أي الدعاء أسمع) أي أوفق إلى السماع، أو أقرب إلى الإجابة، فإن السمع قد يجيء بمعنى الإجابة، يقال: سمع الأمير قوله، أي إجابة وأعطى سؤاله. (جوف الليل) روى بالرفع وهو الأكثر على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ خبره محذوف على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه مرفوعاً، أي دعاء جوف الليل أسمع، وروي بنصب "جوف" عل الظرفية أي في جوفه. (الآخر) صفة جوف فيتبعه في الإعراب. قيل: والجوف الآخر من الليل هو وسط النصف الآخر من الليل- بسكون السين لا بالتحريك- (دبر الصلوات المكتوبات) عطف على "جوف" تابع له في الأعراب. والحديث فيه تصريح بأن جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات من أوقات الإجابة، وسيأتي هذا الحديث في باب التحريض على قيام الليل. (رواه الترمذي) أي في الدعوات من طريق ابن جريح، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي أمامة، وقال: حديث حسن- انتهى. قلت: رجاله ثقات، إلا أن ابن جريح مدلس، وقد رواه عن عبد الرحمن بالعنعنة، وأيضاً في سماع عبد الرحمن بن سابط عن أبي أمامة كلام، قال الحافظ في الإصابة (ج٣: ص١٤٨) في القسم الرابع من حرف العين: أما هو أي عبد الرحمن بن سابط فتابعي، كثير الإرسال، ويقال: لا يصح له سماع من صحابي، أرسل عن النبي ﷺ كثيراً، وعن معاذ وعباس بن أبي ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، والعباس بن عبد المطلب، وأبي ثعلبة، فيقال: إنه لم يدرك أحداً منهم. قال الدوري: سئل ابن معين هل سمع من سعد؟ فقال: لا. قيل: من أبي أمامة؟ قال: لا. قيل: من جابر؟ قال: لا. قلت: وقد أدرك هذين –انتهى. ٩٧٦- قوله: (أن أقرأ بالمعوذات) بكسر الواو المشددة وتفتح. (في دبر كل صلاة) أي فريضة. والحديث في

стр. 1245

رواه أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي في "الدعوات الكبير". ٩٧٧- (١٢) وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس، أحب إليّ من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل. ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله ــ مسند أحمد (ج٤: ص١٥٥، ٢٠٤) وفي سنن أبي داود والنسائي والمستدرك للحاكم (ج١: ص٢٥٣) والدعوات الكبير للبيهقي بلفظ المعوذات، وفي فضائل القرآن من جامع الترمذي وصحيح ابن حبان كما في الحصن بلفظ المعوذتين، فعلى الأول إما أن نذهب إلى أن أقل الجمع اثنان، وإما أن يدخل سورة الإخلاص وحدها، أو مع الكافرين في المعوذتين، إما تغليباً، أو؛ لأن كلتيهما براءة من الشرك، والتجاء إلى الله تعالى، ففيهما التبرئ عن الشرك، والتعوذ به منه. وقيل المراد بالمعوذات الآيات المتضمنة للاستعاذة لفظاً أو معنى، فيدخل فيها سورة الإخلاص، وسورة الكافرون أيضاً، فإن فيهما معنى التعوذ، وقيل: المراد الكلمات المعوذة. (رواه أحمد) (ج٤: ص١٥٥، ٢٠١) . (وأبو داود) وسكت عنه هو والمنذري. (والنسائي) الخ. وأخرجه أيضاً الترمذي في فضائل القرآن، وقال: حسن غريب. وابن حبان في صحيحه والحاكم (ج١: ص٢٥٣) وقال صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. ٩٧٧- قوله: (لأن أقعد) بفتح الهمزة أي لقعودي، واللام للابتداء، وقيل: للقسم. (مع قوم يذكرون الله) لم يقل ذاكراً معهم لإفادة أن ذلك لا يتوقف على ما إذا ذكر معهم، بل الاستماع يقوم مقام الذكر، فما بالك بما إذا ذكر معهم؛ لأنهم القوم لا يشقى جليسهم، والذكر يعم الدعاء، وتلاوة القرآن، والصلاة على النبي ﷺ ، ويلحق به ما في معناه، كدرس العلوم الشرعية. (من صلاة الغداة) أي الصبح. (من أن أعتق) بضم الهمزة وكسر التاء. (أربعة) أنفس. (من ولد إسماعيل) خص بني إسماعيل لشرفهم على غيرهم من العرب، والعرب أفضل الأمم، ولقربهم منه ﵊، لكونه ﷺ من أولاد إسماعيل. وفي الحديث أوضح دليل لما ذهب إليه الشافعي من أنه يجوز ضرب الرق على العرب، إذ لو امتنع رقهم لم يقل ﷺ أن هذا أحب إليه من عتقهم. وتأويل الحنفية هذا الحديث بأن إطلاق الأرقاء والعتق عليهم على الفرض والتقدير، وبأنه يمكن أن يسبى بالاشتباه، وأن المراد بالعتق إنقاذهم من الشدائد والمهالك، بعيد خلاف الظاهر، فلا يلتفت إليه. قال التوربشتي: معرفة وجه التخصيص في الرقاب على الأربعة يقيناً لا يوجد تلقينه إلا من قبل الرسول ﷺ ، وعلينا التسليم، عرفنا ذلك أو لم نعرف، ويحتمل أن يكون ذلك؛ لانقسام العمل الموعود عليه على أربعة أقسام: ذكر الله تعالى، والقعود له، والاجتماع عليه، وحبس النفس من حين يصلي إلى أن تطلع الشمس. وقال ابن الملك: الأربعة هي القعود أي لذكر الله، وكونه مع قوم يذكرون الله، وكون ذلك من الغدوة أو العصر، واستمراره إلى الطلوع أو الغروب، وقيل: خص الأربعة؛ لأن فيه ذكر القعود، والذكر، والاستمرار إلى طلوع الشمس

стр. 1246

من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس، أحب إليّ من أن أعتق أربعة)) . رواه أبوداود. ٩٧٨- (١٣) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة. قال: قال رسول الله ﷺ : تامة، تامة، تامة)) . رواه الترمذي. ــ وصلاة ركعتين أو أربع كما في رواية. (من صلاة العصر) أي من بعد صلاة العصر. (من أن أعتق أربعة) أي من ولد إسماعيل، فإن الحديث رواه أبويعلى أيضاً، وزاد في الموضعين " أربعة من ولد إسماعيل، دية كل رجل منهم اثنا عشر ألفاً". والحديث دليل على أن الذكر أفضل من العتق والصدقة. (رواه أبوداود) في العلم وسكت عنه. وقال المنذري: في إسناده موسى بن خلف العمي البصري، وقد استشهد به البخاري، وأثنى عليه غير واحد من المتقدمين، وتكلم فيه ابن حبان البستي-انتهى. وقال الحافظ العراقي: إسناده حسن. والحديث أخرجه أبويعلى أيضاً. وقال في الموضعين: أحب إليّ من أعتق أربعة من ولد إسماعيل دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفاً. قال الهيثمي بعد ذكره: وفيه محتسب أبوعائذ، وثقة ابن حبان، وضعفه غيره، وبقية رجاله ثقات-انتهى. ٩٧٨- قوله: (ثم قعد يذكر الله) أي استمر في مكانه ومسجده الذي صلى فيه مشتغلاً بالذكر. (ثم صلى ركعتين) قال الطيبي: أي ثم صلى بعد أن ترتفع الشمس قدر رمح حتى يخرج وقت الكراهة، وهذه الصلاة تسمى صلاة الإشراق، وهي أول الضحى-انتهى. قلت: وقع في حديث معاذ عند أبي داود: حتى يسبح ركعتي الضحى، وكذا وقع في حديث أبي أمامة، وعتبة بن عبد عند الطبراني. (كانت) أي المثوبة. (قال) أي أنس قال رسول الله ﷺ : (تامة تامة تامة) صفة لحجة وعمرة، كررها ثلاثاً للتأكيد، وقيل: أعاد القول لئلا يتوهم أن التأكيد بالتمام، وتكراره من قول أنس، قال الطيبي: هذا التشبيه من باب إلحاق الناقص بالكامل ترغيباً للعامل، أو شبه استيفاء أجر المصلي تاماً بالنسبة إليه باستيفاء أجر الحاج تاماً بالنسبة إليه. وأما وصف الحج والعمرة بالتمام فإشارة إلى المبالغة-انتهى. (رواه الترمذي) وحسنه، وفي سنده أبوظلال هلال بن أبي هلال، ويقال: هلال بن أبي مالك. واختلف أيضاً في اسم أبيه القسملى البصري الأعمى، ضعفه أكثرهم، وجعله البخاري مقارب الحديث فيما رواه الترمذي عنه، وقال الذهبي في الميزان، والحافظ في تهذيب التهذيب: قال البخاري: عنده مناكير. وقال الذهبي في الكنى: واهٍ بمرة. وقال الحافظ في التقريب: ضعيف مشهور بكنيته-انتهى. وإنما حسن الترمذي حديثه لشواهده، منها: حديث أبي أمامة عند الطبراني، قال المنذري في الترغيب، والهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠: ص١٠٤) : إسناده جيد، ومنها: حديث أبي أمامة، وعتبة بن عبد عند الطبراني أيضاً. قال المنذري: وبعض رواته مختلف فيه. قال: وللحديث شواهد كثيرة-انتهى. وقال الهيثمي بعد

стр. 1247

﴿الفصل الثالث﴾ ٩٧٩- (١٤) عن الأزرق بن قيس، قال صلى بنا إمام لنا يكنى أبا رمثة، قال: ((صليت هذه الصلاة، ومثل هذه الصلاة مع النبي ﷺ ، قال: وكان أبوبكر وعمر يقومان في الصف المقدم عن يمينه، وكان رجل قد شهد التكبيرة الأولى من الصلاة فصلى نبي الله ﷺ ، ثم سلم عن يمينه وعن يساره، حتى رأينا بياض خديه، ــ ذكره: رواه الطبراني، وفيه الأحوص بن حكيم وثقه العجلي وغيره، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف لا يضر-انتهى. وفي الباب أحاديث عديدة ذكرها المنذري في الترغيب، والهيثمي في مجمع الزوائد (ج١: ص١٠٤) . ٩٧٩- قوله: (عن الأزرق) بفتح الهمزة وتقديم الزاي المعجمة على الراء المهملة آخره قاف. (بن قيس) الحارثي البصري، ثقة من أوساط التابعين، مات بعد العشرين والمائة. (يكنى) بالتخفيف ويشدد. (أبا رمثة) بكسر أوله وسكون الميم، بعدها مثلثة البلوي التيمي من تيم الرباب، ويقال: التميمي. ويقال: هما اثنان، قيل: اسمه رفاعة بن يثربي، ويقال: عكسه. ويقال: يثربي بن عوف. ويقال: عمارة بن يثربي، وقيل: حيان بن وهيب. وقيل: حبيب بن حبان. وقيل: جندب. وقيل: خشخاش. صحابي له أحاديث، قال ابن سعد: مات بإفريقية. قال في الإصابة (ج٤: ص٧٠) : روى عنه إياد بن لقيط، وثابت بن منقذ. روى له أصحاب السنن الثلاثة، وصحح حديثه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم. (قال) أي أبورمثة. وفي أبي داود "فقال" أي بزيادة الفاء (صليت هذه الصلاة) قال القاري: الإشارة هنا ليست للخارج؛ لأن عين المشار إليه الواقع في الخارج لم يصله معه ﵇، وإنما الذي صلاه معه نظيره، فتعينت الإشارة للحقيقة الذهنية الموجودة في ضمن هذه الخارجية وغيرها، ولذا قال: (أو مثل هذه الصلاة) على الشك. (قال) أي أبورمثة. (وكان أبوبكر، وعمر يقومان في الصف المقدم عن يمينه) لقوله ﷺ : ليلني منكم أولو الأحلام والنهى. وقوله: "إن الله وملائكة يصلون على ميامن الصفوف". وفيه إفادة الحث على أنه يسن تحري الصف الأول، ثم تحري يمين الإمام؛ لأنه أفضل. (قد شهد التكبيرة الأولى) أي تكبيرة التحريمة، فإنها الأولى حقيقة. (من الصلاة) احتراز من التكبير المعتاد بعد الصلاة، ووجه ذكر التكبيرة الأولى أي تكبير التحريمة التنبيه على أن مدركها إنما قام عقب صلاته لصلاة السنة، لا لكونه مسبوقاً بقي عليه شيء يقوم لإكماله. (ثم سلم عن يمينه وعن يساره) أي سلم مجاوزاً نظره عن يمينه وعن يساره، كما يسلم أحد على من في يمينه ويساره. (حتى رأينا) متعلق بالمقدر المذكور. (بياض خديه) أي من طرفي وجهه أي خده

стр. 1248

ثم انفتل كانفتال أبي رمثة- يعني نفسه- فقام الرجل الذي أدرك معه التكبيرة الأولى من الصلاة يشفع، فوثب عمر، فأخذ بمنكبيه، فهزه، ثم قال: اجلس، فإنه لن يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلاتهم فصل. فرفع النبي ﷺ بصره، فقال: أصاب الله بك يا ابن الخطاب)) . ــ الأيمن في الأولى، والأيسر في الثانية. (ثم انفتل) أي انصرف النبي ﷺ . (كانفتال أبي رمثة) أي كانفتالي جرد عن نفسه أبا رمثة، ووضعه موضع ضميره مزيداً للبيان، واستحضاراً لتلك الحال في مشاهدة السامع، كما قاله الطيبي. ولذا قال الراوي. (يعني) أي يريد أبورمثة بقوله: أبي رمثة. (نفسه) أي ذاته لا غيره. (يشفع) بالتخفيف ويشدد، قال الطيبي: الشفع ضم الشيء إلى مثله يعني قام الرجل يشفع الصلاة بصلاة أخرى. (فوثب عمر) أي قام بسرعة، وفي أبي داود " فوثب إليه عمر". (بمنكبيه) بالتثنية. (فهزّه) بالتشديد أي فحركة بعنف. (فإنه) أي الشأن. (لن يهلك) كذا في جميع النسخ للمشكاة، وفي سنن أبي داود "لم يهلك". والظاهر أن ما في المشكاة خطأ من المصنف أو من الناسخ وهو بضم الياء. (أهل الكتاب) بالنصب ويجوز فتح الياء ورفع أهل. (إلا أنه) أي الشأن، وفي بعض النسخ لأبي داود "إلا أنهم". (لم يكن بين صلاتهم) أي بين صلواتهم إذ "بين" لا يدخل إلا على متعدد. (فصل) الفصل بين الفريضة والسنة قد يكون بالتنحي والتحول أي التقدم أو التأخر، وقد يكون بالزمان سواء اشتغل فيه بالذكر أو كان ساكتاً عنه، والظاهر أن المراد بالفصل ههنا الفصل بالزمان لا الفصل بالتقدم أو التأخر؛ لأنه قال عمر للرجل الذي قام يشفع بعد السلام: اجلس، ولم يقل تقدم أو تأخر. وإيراد المصنف هذا الحديث في هذا الباب يدل على أنه فهم من عدم الفصل فيه ترك الذكر بعد الصلاة، يعني فينبغي للمصلي أن يشتغل بعد السلام بالذكر الوارد ثم يصلي الراتبة، ففيه دليل على عدم وصل التطوع بالفريضة. قال الطيبي: يحتمل أن يراد بعدم الفصل ترك الذكر بعد السلام، والتقدير: لن يهلكهم شيء إلا عدم الفصل، واستعمل "لن" في الماضي معنى ليدل على استمرار هلاكهم في جميع الأزمنة، قال الجوهري: هلكه يهلكه وهلك بنفسه هلاكاً-انتهى. وفي القاموس: هلك كضرب ومنع وعلم هلكاً- بالضم- ومهلكة وتهلكة- مثلثي اللام- مات، وأهلكه واستهلكه وهلكه يهلكه لازم ومتعدٍ-انتهى. وعلى تقدير كونه لازماً في الحديث فالتقدير: ما هلكوا إلا لعدم كون الفصل بين صلاتهم. وقال ابن حجر: أي ما هلك أهل الكتاب بشيء فعلوه عقب صلاتهم فإنهم هلكوا بأشياء كثيرة غير هذا، فتعين رعاية خصوص ما قدرت، خلافاً لمن قدر عاماً بسائر أحواله-انتهى. قال القاري: يريد به ابن حجر الاعتراض على الطيبي، والظاهر أن هذا الهلاك مختص بمصليهم بخلاف سائر أسباب الهلاك، أو الحصر ادعائي للمبالغة والله أعلم- انتهى. (فرفع النبي ﷺ بصره) أي إليهما. (أصاب الله بك) قيل: الباء زائدة، وقيل: الباء للتعدية والمفعول محذوف، أي أصاب الله بك الرشد. وقال الطيبي: من باب القلب أي أصيبت الرشد فيما فعلت بتوفيق الله وتسديده، ونظيره: "عرضت الناقة على الحوض"، أي عرضت الحوض على الناقة، وهو باب واسع في البلاغة. وقال ابن حجر: الهمزة للتعدية، والباء

стр. 1249

رواه أبوداود. ٩٨٠- (١٥) وعن زيد بن ثابت، قال: ((أمرنا أن نسبح في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، ونحمد ثلاثاً وثلاثين، ونكبر أربعاً وثلاثين، فأتى رجل في المنام من الأنصار، فقيل له: أمركم رسول الله ﷺ أن تسبحوا في دبر كل صلاة كذا وكذا؟ قال الأنصاري في منامه: نعم. قال: فاجعلوها خمساً وعشرين، خمساً وعشرين، واجعلوا فيها التهليل. فلما أصبح غدا على النبي ﷺ فأخبره، فقال رسول الله ﷺ : فافعلوا)) . ــ زائدة للتأكيد، والتقدير: أصابك الله الحق، أي جعلك الله مصيباً له في سائر أقوالك وأفعالك. (رواه أبوداود) وسكت عنه، وقال المنذري: في إسناده أشعث بن شعبة، والمنهال بن خليفة، وفيهما مقال-انتهى. ويشهد له ما روى أحمد وأبويعلى، عن عبد الله بن رباح، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ : أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فقام رجل يصلي، فرآه عمر، فقال له: اجلس، فإنما هلك أهل الكتاب أنه لم يكن لصلاتهم فصل، فقال رسول الله ﷺ : أحسن ابن الخطاب. ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢: ص٢٣٤) وقال: رجال أحمد رجال صحيح. ٩٨٠- قوله: (أمرنا) بصيغة المجهول أي أمر ندب. (في دبر كل صلاة) أي عقب كل فريضة، ورواية النسائي بلفظ: قال. (أي زيد بن ثابت) : أمروا أن يسبحوا دبر كل صلاة، الخ. (ونحمد ثلاثاً وثلاثين) أي في دبر كل صلاة. (ونكبر أربعاً وثلاثين) أي تكملة للمائة. (فأتى) بضم الهمزة مبنياً للمفعول. (رجل في المنام من الأنصار) أي فأتاه ملك في منامه. قال الطيبي: لعل هذا الآتي من قبيل الإلهام بنحو ما كان يأتي لتعليم رسول الله ﷺ في المنام، ولذا قرره بقوله يعني الآتي "فافعلوا" وهذه الصورة أجمع لاشتمالها على التهليل أيضاً، والعدد العدد-انتهى. وفيه أن الإلهام يغاير المنام كما لا يخفى. (فقيل له) أي فقال الآتي في المنام للرجل الأنصاري النائم. (أمركم) بتقدير الاستفهام. (كذا وكذا) أي من العدد، والإبهام من المصنف؛ لأن العدد المذكور قبل موجود ههنا عند الثلاثة. (قال) أي الآتي: إذا كنتم تأتون بمائة ولا بد. (فاجعلوها) أي الأذكار الثلاثة. (واجعلوا فيها) أي في الأذكار. (التهليل) أي لا إله إلا الله خمساً وعشرين أيضاً؛ لأنه أفضل الأذكار وفي حديث ابن عمر: وهللوا خمساً وعشرين، فيكون مجموع هذه الأذكار مائة أيضاً، قال الطيبي: الفاء للتسبب مقررة من وجه ومغيرة من وجه، أي إذا كانت التسبيحات هذه، والعدد مائة فقرروا العدد، وأدخلوا فيها التهليل-انتهى. والظاهر أن يكون التهليل قبل التكبير مراعاة للترتيب المشهور الوارد في سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ويؤيده لفظه "فيها". (فلما أصبح) أي الأنصاري. (غدا على النبي ﷺ ) أي ذهب إليه في الغدو أي أول النهار. (فأخبره) بما رأى في المنام. (فافعلوا) لعل المراد فاعملوا به أيضاً. وقال ابن حجر: إن رأيتم ذلك ولا بد، فافعلوا، ومر أن ذلك

стр. 1250

رواه أحمد والنسائي والدارمي. ٩٨١- (١٦) وعن علي، قال: سمعت رسول الله ﷺ على أعواد هذا المنبر يقول: ((من قرأ آية ــ أعني الخمس والعشرين من الأنواع الأربعة سنة، والحجة على ذلك هي قوله ﵇ "فافعلوا" لا مجرد ذلك المنام؛ لأنه لا عبرة بخواطر من ليس بمعصوم لا في اليقظة ولا في النوم، كذا في المرقاة. قلت: قوله ﷺ : "فافعلوا" تقرير لرؤيا الأنصاري لكونها صالحة صحيحة، والرؤيا الصالحة من الله فصار هذا بتقريره ﷺ أحد طرق هذا الذكر، وإن لم يقرره ﷺ لم يكن حجة، ورواية النسائي بلفظ "اجعلوها كذلك" قال السندي: هذا يقتضى أنه الأولى لكن العمل على الأول لشهرة أحاديثه، والله أعلم. وليس هذا من العمل برؤيا غير الأنبياء بل هو من العمل بقوله ﷺ ، فيمكن أنه علم بحقيقة الرؤيا بوحي أو إلهام، أو بأي وجه كان-انتهى. (رواه أحمد) (ج٥: ص١٨٤، ١٩٠) . (والنسائي) قال ميرك: واللفظ له. قلت: اللفظ الذي ذكره المصنف هو لأحمد (ج٥: ص١٨٤) وليس للنسائي ولا للدارمي، وبين ألفاظ هؤلاء الأئمة الثلاثة اختلاف يسير، كما لا يخفى على من جعل ألفاظ الثلاثة نصب عينه. (والدارمي) وأخرجه أيضاً ابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم في المستدرك (ج١: ص٢٥٣) وصححه ووافقه الذهبي، وأخرج النسائي، وجعفر الفريابي عن ابن عمر بنحو حديث زيد بن ثابت. قال الحافظ في الفتح بعد ذكر لفظيهما: واستنبط من هذا أن مراعاة العدد المخصوص في الأذكار معتبرة، وإلا لكان يمكن أن يقال لهم أضيفوا لها التهليل ثلاثاً وثلاثين، وقد كان بعض العلماء يقول: إن الأعداد الواردة- كالذكر عقب الصلوات- إذا رتب عليها ثواب مخصوص فزاد الآتي بها على العدد المذكور، لا يحصل له ذلك الثواب المخصوص، لاحتمال أن يكون لتلك الأعداد حكمة وخاصية تفوت بمجاوزة ذلك العدد. قال: شيخنا الحافظ أبوالفضل العراقي في شرح الترمذي: وفيه نظر؛ لأنه أتى بالمقدار الذي رتب الثواب على الإتيان به فحصل له الثواب بذلك، فإذا زاد عليه من جنسه كيف تكون الزيادة مزيلة لذلك الثواب بعد حصوله-انتهى. وبمكن أن يفترق الحال فيه بالنية، فإن نوى عند الانتهاء إليه امتثال الأمر الوارد، ثم أتى بالزيادة فالأمر كما قال شيخنا لا محالة، وإن زاد بغير نية بأن يكون الثواب رتب على عشرة مثلاً فرتبة هو على مائة فيتجه القول الماضي. وقد بالغ القرافي في القواعد، فقال: من البدع المكروهة الزيادة في المندوبات المحدودة شرعاً؛ لأن شأن العظماء إذا حددوا شيئاً أن يوقف عنده، ويعد الخارج عنه مسيئاً للأدب-انتهى. وقد مثله بعض العلماء بالدواء يكون فيه مثلاً أوقية سكر فلو زيد فيه أوقية أخرى لتخلف الانتفاع به، فلو اقتصر على الأوقية في الدواء ثم استعمل من السكر بعد ذلك ما شاء لم يتخلف الانتفاع، ويؤيد ذلك أن الأذكار المتغايرة إذا ورد لكل منها عدد مخصوص مع طلب الإتيان بجميعها متوالية لم تحسن الزيادة على العدد المخصوص. لما في ذلك من قطع الموالاة، لاحتمال أن يكون للموالاة في ذلك حكمة خاصة تفوت بفواتها- انتهى كلام الحافظ. ٩٨١- قوله: (وعن علي) بن أبي طالب. (سمعت رسول الله ﷺ ) حال كونه. (على أعواد هذا المنبر) ذكر هذا

стр. 1251

الكرسي في دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ومن قرأها حين يأخذ مضجعه آمنه الله على داره ودار جاره، وأهل دويرات حوله)) . رواه البيهقي في شعب الإيمان، وقال: إسناده ضعيف. ــ للدلالة به على مزيد البيان والاستحضار لتلك الواقعة. (دبر كل صلاة) أي مكتوبة كما في رواية أبي أمامة عند الطبراني، والنسائي، وابن حبان. (لم يمنعه من دخول الجنة) أي مانع. (إلا الموت) الحديث بظاهره مشكل؛ لأن الموت ليس بمانع من دخول الجنة، بل هو موصل إلى دخولها فكان الظاهر أن يقول: لم يمنعه من دخول الجنة إلا الحياة، فإن استمرار الحياة وبقاء الإنسان في هذا العالم هو الذي يمنعه من دخولها، فما دام الرجل حياً لا يدخل الجنة. وأجيب عنه بأن المضاف فيه محذوف، أي لا يمنعه من دخولها إلا عدم موته، حذف لدلالة المعنى عليه، واختصت آية الكرسي بذلك لما اشتملت عليه من أصول الأسماء والصفات الإلهية، والوحدانية، والحيوة، والقيومية، والعلم، والملك، والقدرة، والإرادة. وقيل: المعنى لم يمنعه من دخول الجنة معجلاً إلا حصول الموت وكونه شرطاً لدخولها، ولو لم يكن الموت شرطاً لدخولها لدخل الجنة معجلاً وبالفعل، ويقرب منه ما قال التفتازاني من أن معنى الحديث: أنه لم يبق من شرائط دخول الجنة إلا الموت، فكأن الموت يمنع، ويقول لا بد من حضوري أولا ليدخل الجنة. وقيل: المراد من الموت في الحديث كون العبد في البرزخ قبل البعث فإذا بعث يوم القيامة يدخل الجنة من غير توقف. وقيل: المقصود أنه لا يمنع من دخول الجنة شيء من الأشياء البته، فإن الموت ليس بمانع من دخول الجنة بل قد يكون موجباً لدخولها، فهو من قبيل: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب وهذا ليس بعيب فلا عيب فيهم أصلاً، فيكون من باب تأكد المدح بما يشبه الذم. وقال الطيبي: أي الموت حاجز بينه وبين دخول الجنة، فإذا تحقق وانقضى حصل دخوله، ومنه قوله ﵇: الموت قبل لقاء الله-انتهى. (مضجعة) أي مكانه للنوم. (آمنه الله) أي جعله آمناً أي أمن خوفه من كل مكروه. (على داره) أي على ما في داره. (ودار جاره) أي مالاً ونفساً، وغيرهما. (وأهل دويرات) جمع دويرة تصغير دار. (حوله) بالنصب ظرف. قال ابن حجر: أي وإن لم يلاصق داره، فأريد بالجار هنا حقيقته وهو الملاصق، وإن كان عرفاً يشمله وغيره إلى أربعين دارا من كل جهة من الجهات الأربع. قال الطيبي: عبر عن عدم الخوف بالأمن وعداه بعلى، أي لم يخوفه على أهل داره وهو أهله، ودويرات حوله أن يصيبهم مكروه أو سوء كقوله تعالى. ﴿ما لك لا تأمنا على يوسف﴾ [١٢: ١١] . قال صاحب الكشاف: لم تخافنا عليه ونحن نريد له الخير؟ -انتهى. والحديث يدل على فضيلة آية الكرسي، واستحباب قراءتها دبر كل صلاة مكتوبة، وعند النوم. (رواه البيهقي) . (وقال إسناده ضعيف) قلت: هو ضعيف جداً فإن فيه ضعيفاً وآخر كذاباً، ولذلك أورده ابن الجوزي في الموضوعات من

стр. 1252

٩٨٢- (١٧) وعن عبد الرحمن بن غنم، عن النبي ﷺ ، قال: ((من قال قبل أن ينصرف ويثني رجليه ــ رواية الحاكم، وعنه رواه البيهقي، ثم قال ابن الجوزي: حبة ضعيف، ونهشل كذاب-انتهى. نعم للشطر الأول من الحديث شاهد قوي، رواه النسائي وابن حبان والطبراني من حديث أبي أمامة بلفظ: قال رسول الله ﷺ : من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت. قال الحافظ في بلوغ المرام: رواه النسائي، وصححه ابن حبان، وزاد فيه الطبراني. ﴿قل هو الله أحد﴾ [١:١١٢] انتهى. وقال المنذري في الترغيب: رواه النسائي والطبراني بأسانيد أحدها صحيح. وقال شيخنا أبوالحسن: هو على شرط البخاري، وابن حبان في كتاب الصلاة وصححه، وزاد الطبراني في بعض طرقه "وقل هو الله أحد"، وإسناده بهذه الزيادة جيد أيضاً –انتهى. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠:ص١٠٢) : رواه الطبراني في الكبير والأوسط بأسانيد أحدها جيد-انتهى. قال الشوكاني في تحفة الذاكرين (ص١١٧) : وقد أخرج هذا الحديث الدمياطي من حديث أبي أمامة، وعلي، وعبد الله بن عمرو، والمغيرة، وجابر وأنس ﵃، وقال: وإذا انضمت هذه الأحاديث بعضها إلى بعض أحدثت قوة-انتهى. قلت: اختلاف طرق الحديث وتعدد مخارجه يدل على أن للحديث أصلاً صحيحاً، ويؤيده ما روي عن الحسن بن علي مرفوعاً بلفظ: من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى، قال المنذري والهيثمي: رواه الطبراني بإسناد حسن. ٩٨٢- قوله: (وعن عبد الرحمن بن غنم) بفتح الغين المعجمة وسكون النون. أشعري، مختلف في صحبته، وذكره العجلي في كبار ثقات التابعين، وهذا هو الحق. قال ابن عبد البر: عبد الرحمن بن غنم الأشعري جاهلي، كان مسلماً على عهد رسول الله ﷺ ولم يره، ولازم معاذ بن جبل منذ بعثه النبي ﷺ إلى اليمن إلى أن مات معاذ، وكان من أفقه أهل الشام. وهو الذي فقّه عامة التابعين بالشام، وكانت له جلالة، وقد روى عن قدماء الصحابة مثل عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل. مات سنة. (٧٨) وذكره الحافظ في الإصابة (ج٣:ص٩٧، ٩٨) في القسم الثالث من حرف العين؛ وقال: تابعي شهير، له إدراك وهاجر في زمن عمر، واختص هذا القسم للمخضرمين الذين أدركوا زمن النبي ﷺ ولم يروه، سواء أسلموا في حياته أم لا: قال: وهؤلاء ليسوا أصحابه باتفاق أهل العلم بالحديث، وإن كان بعضهم قد ذكر بعضهم في كتب معرفة الصحابة فقد أفصحوا بأنهم لم يذكروهم إلا لمقاربتهم لتلك الطبقة، لا أنهم من أهلها، وممن أفصح بذلك ابن عبد البر، وقبله أبوحفص ابن شاهين، وأحاديث هؤلاء عن النبي ﷺ مرسلة بالاتفاق بين أهل العلم بالحديث، وقد صرح ابن عبد البر نفسه بذلك في التمهيد وغيره من كتبه. (قبل أن ينصرف) أي من مكان صلاة. (ويثني) بفتح الياء أي وقبل أن يثني. (رجليه) بالتثنية أي يعطفهما ويغيرهما عن هيئة التشهد، وفي المسند (ج٤:ص٢٢٧) "رجله" بالإفراد، وكذا في مجمع الزوائد (ج١:ص١٠٧) .

стр. 1253

من صلاة المغرب والصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، بيده الخير، يحيى ويميت، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، كتب له بكل واحدة عشر حسنات، ومحيت عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكانت له حرزاً من كل مكروه، وحرزاً من الشيطان الرجيم، ولم يحل لذنب أن يدركه إلا الشرك، وكان من أفضل الناس عملاً، إلا رجلاً يفضله، يقول أفضل مما قال) . ــ (من صلاة المغرب والصبح) تنازع فيه الفعلان، وفي حديث عبد الرحمن بن غنم عن أبي ذر عند الترمذي: من قال في دبر صلاة الفجر وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم. قال الجزري: أي عاطف رجليه في التشهد قبل أن ينهض. وقوله: "من قال قبل أن يثنى رجليه" هذا ضد الأول في الأول ومثله في المعنى؛ لأنه أراد قبل أن يصرف رجله عن حالته التي هو عليها في التشهد. (كتب له بكل واحدة) أي من المرات أو من الكلمات. (ومحيت عنه عشر سيئات) والمحو أبلغ من الغفران. (ورفع له عشر درجات) يجوز في مثل هذا تذكير الفعل وتأنيثه، ولذا ذكر الفعل فيها وفي القرينة الأولى، أما التأنيث فلاكتساب لفظ عشر التأنيث من الإضافة، وأما التذكير فبظاهر اللفظ. (وكانت) أي الكلمات. (له) أي للقائل وليس هذا اللفظ في المسند. (حرزاً) حفظاً. (من كل مكروه) من الآفات. (وحرزاً من الشيطان الرجيم) تخصيص بعد تعميم لكمال الاعتناء به، وفي حديث أبي ذر: وكان. (أى القائل) يومه ذلك كله في حرز من كل مكروه، وحرس من الشيطان. (ولم يحل) بكسر الحاء المهملة وتشديد اللام، وفي حديث أبي ذر: لم ينبغ أي لم يجز. (لذنب أن يدركه) أي يهلكه ويبطل عمله، زاد في حديث أبي ذر: في ذلك اليوم. (إلا الشرك) أي إن وقع منه، وهو بالرفع، قال الطيبي: فيه استعارة ما أحسن موقعها فإن الداعي إذا دعا بكلمة التوحيد فقد أدخل نفسه حرماً آمناً فلا يستقيم للذنب أن يحل ويهتك حرمة الله، فإذا خرج عن حرم التوحيد أدركه الشرك لا محالة، والمعنى لا ينبغي لذنب أي ذنب كان أن يدرك الداعي ويحيط به من جوانبه، ويستأصله سوى الشرك كما قال تعالى. ﴿بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته﴾ [٨١:٢] يعني استولت عليه، وشملت جملة أحواله حتى صار كالمحاط بها، لا يخلو عنها شيء من جوانبه، وهذا إنما يصح في شأن المشرك؛ لأن غيره إن لم يكن له سوى تصديق قلبه وإقرار لسانه فلم يحط به –انتهى. وقيل: المعنى لم يؤاخذ بذنبه إلا بذميمة الشرك. قال الله تعالى. ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [١١٦:٤] . (إلا رجلاً يفضله) فيه دليل على أن الزيادة على العدد المذكور لا تكون مزيلة لذلك الثواب، بل تكون سبباً لزيادة الأجر. (يقول) بدل أو بيان لقوله "يفضله" وقوله: (أفضل مما قال) يحتمل أنه يدعو به أكثر، وأنه يأتي بدعاء أو قراءة أكثر منه، قاله الطيبي.

стр. 1254

رواه أحمد. ٩٨٣- (١٨) وروى الترمذي نحوه عن أبي ذر إلى قوله: "إلا الشرك" ولم يذكر "صلاة المغرب" ولا "بيده الخير"، وقال: هذا حديث حسن، صحيح، غريب. ٩٨٤- (١٩) وعن عمر بن الخطاب، ﵁،. ((أن النبي ﷺ بعث قبل نجد فغنموا غنائم كثيرة، وأسرعوا الرجعة. فقال: فقال رجل منا: لم يخرج ما رأينا بعثاً أسرع رجعة ولا أفضل غنيمة من هذا البعث. فقال النبي ﷺ : ــ (رواه أحمد) (ج٤:ص٢٢٧) . قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠:ص١٠٨) : رجاله رجال الصحيح غير شهر ابن حوشب، وحديثه حسن-انتهى. قلت: رواية أحمد هذه مرسلة؛ لأن عبد الرحمن بن غنم تابعي على القول الصحيح، أدرك النبي ﷺ ولم يروه، ولم يسمع منه، والظاهر أنه أخذ هذا الحديث من أبي ذر كما يدل عليه رواية الترمذي. ٩٨٣- قوله: (وروى الترمذي نحوه) أي في الدعوات من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم. (عن أبي ذر) الخ. وحديث أبي ذر هذا أخرجه أيضاً النسائي، والطبراني في الأوسط. وفي الباب عن جماعة من الصحابة، ذكر أحاديثهم الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠:ص١٠٧، ١٠٨) تنبيه: ظاهر أحاديث الباب أن هذه الفضائل لكل ذاكر، وذكر القاضي عن بعض العلماء أن الفضل الوارد في مثل هذه الأعمال الصالحة والأذكار إنما هو لأهل الفضل في الدين، والطهارة من الجرائم العظام، وليس من أصر على شهواته، وانتهك دين الله وحرماته بلا حق بالأفاضل المطهرين من ذلك، ويشهد له قوله تعالى. ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ الآية [٢١:٤٥] ، ونحو ذلك نقل الزرقاني عن ابن بطال، ولا يتوهم من هذا أن ذلك يذهب ضائعاً بلا فائدة، بل المراد أن من كان هذا شأنه لا يحصل له ما وعد على هذه الأذكار من الأجر والثواب ولا يلتحق بأهل الفضل والكمال في الدين بإدمان الذكر مع الإصرار على الشهوات والمعاصي، وإن كان ذلك لا يخلو عن فائدة ونفع. ٩٨٤- قوله: (بعث بعثاً) أي أرسل جماعة، قال الطيبي: البعث بمعنى السرية من باب تسمية المفعول بالمصدر. (قبل نجد) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي إلى جهته، قال في النهاية: والنجد ما ارتفع من الأرض، وهو اسم خاص لما دون الحجاز مما يلي العراق-انتهى. وقد يراد به العراق نفسها كما في حديث: هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان. (وأسرعوا الرجعة) أي الرجوع إلى المدينة. (فقال رجل منا) بطريق الغبطة على وجه التعجب، وقيل: تحسراً على ما فاته من المال. (لم يخرج) صفة رجل. (ولا أفضل) أي أكثر أو أنفس. (فقال النبي ﷺ ) أي مزهداً لهم في الدنيا، مرغباً

стр. 1255

ألا أدلكم على قوم أفضل غنيمة وأفضل رجعة؟ قوماً شهدوا صلاة الصبح، ثم جلسوا يذكرون الله حتى طلعت الشمس، فأولئك أسرع رجعة، وأفضل غنيمة)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب، وحماد بن أبي حميد الراوي هو ضعيف في الحديث. ــ لهم في العقبى، منها على أن الذكر أفضل من كثير من العبادات الشاقة الصعبة، وأن ثواب الآخرة أفضل مما فاتهم من المال. (ألا أدلكم على قوم أفضل غنيمة) أي لبقاء هذه ودوامها، وفناء تلك وسرعة انقضاءها. (وأفضل رجعة) كذا في أكثر نسخ المشكاة ووقع في بعضها "أسرع رجعة" وكذلك وقع في جامع الترمذي، وهكذا نقله المنذري في الترغيب (ج٢:ص٣٩) والجزري في جامع الأصول (ج٥:ص٣٤٣) ونسبا الحديث للترمذي، والظاهر أن ما وقع في أكثر نسخ المشكاة خطأ من النساخ، والله أعلم. (قوماً) أي أعنى أو أذكر قوماً على المدح، وفي بعض النسخ "قوم" وكذا وقع في جامع الترمذي أي هم قوم. (شهدوا صلاة الصبح) أي حضروا جماعتها. (فأولئك أسرع رجعة) أي إلى أهلهم ومعايشهم؛ لانتهاء عملهم الموعود عليه بذلك الثواب العظيم بعد مضي نحو ساعة زمانية، وأهل الجهاد لا ينتهي عملهم غالباً إلا بعد أيام كثيرة. (رواه الترمذي) أي في الدعوات من جامعه. قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث وعزوه للترمذي: ورواه البزار وأبويعلى وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة بنحوه، وذكر البزار فيه أن القائل "ما رأينا" هو أبوبكر ﵁، وقال في آخره. فقال النبي ﷺ : يا أبا بكر! ألا أدلك على ما هو أسرع إياباً وأفضل مغنماً؟ من صلى الغداة في جماعة، ثم ذكر الله حتى تطلع الشمس. وقال: ورجال إسناد أبي يعلى رجال الصحيح. (وحماد بن أبي حميد) هو محمد ابن أبي حميد المدني أبوإبراهيم الأنصاري، فلقبه حماد، واسمه محمد، وكنيته أبوإبراهيم. (الراوي) بسكون الياء. (هو ضعيف في الحديث) أي ضعيف عند أهل الحديث، أو ضعيف في حديثه. وقال البخاري فيه: أنه منكر الحديث، وكذا قال أبوحاتم وابن معين والساجي، وقال الدوري عن ابن معين: ضعيف ليس حديثه بشيء، وقال الجوزجاني: واهي الحديث ضعيف. وقال أبوزرعة: ضعيف الحديث.

стр. 1256

(١٩) باب مالا يجوز من العمل في الصلاة وما يباح منه ﴿الفصل الأول﴾ ٩٨٥- (١) عن معاوية بن الحكم، قال. ((بينا أنا أصلى مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم فقلت: واثكل أُمياه! ــ (باب مالا يجوز من العمل في الصلاة) يعم المحرمات والمكروهات والمفسدرات وغيرها. (وما يباح منه) أي من العمل فيها. ٩٨٥- قوله: (عن معاوية بن الحكم) بفتحتين، السلمي، صحابي، قال ابن عبد البر: كان ينزل المدينة ويسكن في بنى سليم له عن النبي ﷺ حديث واحد في الكهانة والطيرة والخط وتشميت العاطس وعتق الجارية. أحسن الناس له سياقة يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء عنه، ومنهم من يقطعه فيجعله أحاديث. قال الحافظ: وله حديث آخر من طريق ابنه كثير بن معاوية عنه-انتهى. يعني بذلك ما أخرجه البغوي والطبراني وابن السكن وابن مندة من طريق كثير بن معاوية بن الحكم السلمي عن أبيه قال: كنا مع النبي ﷺ فأنزى أخي علي بن الحكم فرساً له خندقاً-الحديث. وقد ذكره الحافظ في ترجمة علي بن الحكم في القسم الأول من حرف العين من الإصابة (ج٢:ص٥٠٦-٥٠٧) وقال الخزرجي في الخلاصة: له ثلاثة عشر حديثاً، انفرد له مسلم بحديث. (إذا عطس) بفتح الطاء من نصر وضرب. (فقلت) أي وأنا في الصلاة. (يرحمك الله) ظاهره أنه في جواب قوله الحمدلله. (فرماني القوم بأبصارهم) أي نظروا إليّ حديداً انكاراً وزجراً وتشديداً كما يرمي بالسهم. قال الطيبي: المعنى أشاروا إلى بأعينهم من غير كلام ونظروا إلى نظر زجر كيلا أتكلم في الصلاة. (واثكل أمياه) "وا" حرف للندبة، و"ثكل" بضم المثلثة وإسكان الكاف وبفتحهما جميعاً، لغتان كالبخل والبخل حكاهما الجوهري وغيره، وهو فقدان المرأة ولدها وحزنها عليه لفقده، و"أمياه" بكسر الميم أصله أمي، والثكل مضاف إلى أم المضاف إلى يا المتكلم زيدت عليه ألف الندبة لمد الصوت وأردفت بهاء السكت، نحو وا أمير المؤمنيناه، يستعمله العرب عند التعجب من أمر واستبعاده.

стр. 1257

ما شأنكم تنظرون إلى؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله ﷺ ، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شمتني قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، ــ والمعنى: وافقدها لي فاني هلكت، وفي بعض الروايات: وأثكل أماه أي من غير زيادة الياء. (ما شأنكم) أي ما حالكم وأمركم. (تنظرون إلى) نظر الغضب. (فجعلوا) أي شرعوا. (يضربون بأيديهم على أفخاذهم) أى زيادة في الإنكار علي، وهذا محمول على أنه كان قبل أن يشرع التسبيح لمن نابه شيء في صلاته للرجال والتصفيق للنساء، وفيه دليل على أن الفعل في الصلاة لا تبطل به الصلاة. (يصمتونني) بتشديد الميم من التصميت أي يسكتونني يعني يأمرونني بالصمت والسكوت ويشيرونني إليه. (لكني سكت) لا بد من تقدير جواب لما ومستدرك لكن ليستقيم المعنى، فالتقدير: فلما رأيتهم يصمتونني غضبت وتغيرت ولكن سكت ولم أعمل بمقتضى الغضب، قاله الطيبي: وقيل: المعنى لما عرفت أنهم يأمرونني بالصمت عجبت لجهلي بقبح ما ارتكبت ومبالغتهم في الإنكار على وأردت أن أخاصمهم لكن سكت امتثالاً؛ لأنهم أعلم مني، ولم أعمل بمقتضى غضبي ولم أسأل عن السبب. (فلما صلى رسول الله ﷺ ) أى فرغ من الصلاة، وجوابه قوله قال إن هذه الصلاة، وقوله: فيأبى وأمي إلى قوله: قال معترضة بين لما وجوابه، والفاء فيه كما في قوله تعالى. ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه، وجعلناه هدى لبنى إسرائيل﴾ [٣٢: ٢٣] ، فإنه عطف وجعلناه على أتينا وأوقعها معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، كذا قاله الطيبي: وتبعه ابن حجر، وقال: واعترض بينهما بما فيه غاية الإلتئام والمناسبة لهما. وقال ميرك: الأولى أن يقال جواب قوله "فلما صلى" محذوف، وهو ما دل عليه جملة. (فبأبى هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه) أي أشتغل بتعليمي بالرفق وحسن الكلام، تم كلامه. وضمير "هو" يعود إلى رسول الله ﷺ أي هو مفدى بهما، وفي رواية: فلما انصرف رسول الله ﷺ دعاني بأبي وأمي هو ما ضربني الخ. (فوالله ما كهرني) أي ما انتهرني وزجرني، أو ما استقبلني بوجه عبوس. قال الطيبي: الكهر والقهر والنهر أخوات. وقال الجزري: يقال كهره إذا زبره واستقبله بوجه عبوس. (ولا ضربني ولا شتمني) أي لا أغلط لي في القول. قال القاري: أراد نفي أنواع الزجر والعنف واثبات كمال الإحسان واللطف. (قال) جواب لما، على ما قاله الطيبي، واستئناف مبين لحسن التعليم، على مختار غيره. (إن هذه الصلاة) إشارة إلى جنس الصلاة فيشمل الفرائض وغيرها. (لا يصلح) وفي رواية لا يحل. (فيها شيء من كلام الناس) أي ما يجري في مخاطباتهم ومحاوراتهم. قال الشوكاني: الظاهر أن المراد بكلام الناس ههنا التكليم للغير، وهو الخطاب للناس بشهادة السبب وقال القاضي: أضاف الكلام إلى الناس ليخرج منه الدعاء والتسبيح والذكر فإنه لا يراد بها خطاب الناس

стр. 1258

إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ ، قلت: يا رسول الله ﷺ إني حديث عهد بجاهلية وقد جاءنا الله بالإسلام ــ وأفهامهم، واستدل بإطلاق الحديث على تحريم الكلام في الصلاة مطلقاً، أي سواء كان لحاجة أو غيرها، وسواء كان لمصلحة الصلاة أو غيرها وسواء كان عمداً أو نسياناً أو جهلاً وسواء كان قليلاً أو كثيراً، وإليه ذهبت الحنفية، قالوا: لا فرق بين كلام العامد والناسي والجاهل، والحق ما ذهب إليه مالك من الفرق بين كلام العامد لغير مصلحة الصلاة وبين كلام العامد لمصلحة الصلاة وكلام الناسي والجاهل فيحرم الأول ويفسد الصلاة به، وهذا هو محمل قوله ﷺ : لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، وأما كلام العامد لمصلحة الصلاة وكلام الناسي والجاهل فلا يفسد الصلاة به لحديث ذي اليدين المشهور، ولحديث معاوية هذا؛ لأن النبي ﷺ لم يأمره بإعادة الصلاة لكن علمه تحريم الكلام فيما يستقبل، فيكون حديث ذي اليدين وحديث معاوية هذا وما في معناهما مخصصين لعموم قوله: لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، وبناء العام على الخاص متعين، وسيأتي بسط الكلام في هذه المسألة في شرح حديث ذي اليدين إن شاء الله، وفي الحديث النهي عن تشميت العاطس في الصلاة، وأنه من كلام الناس الذي يحرم في الصلاة وتفسد به إذا أتى به عالماً عامداً، وأن من فعله جاهلاً لم تبطل صلاته حيث لم يأمره بالإعادة، وأما الحمد للعاطس في الصلاة فيجوز؛ لأنه ليس من كلام الناس. (إنما هي) أي الصلاة، وفي رواية: إنما هو، أي ما يحل فيها من الكلام. (التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) قال النووي: معناه هذا ونحوه، فإن التشهد والدعاء والتسليم من الصلاة، وغير ذلك من الأذكار مشروع فيها، فمعناه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ومخاطباتهم، وإنما هي التسبيح وما في معناه من الذكر والدعاء وأشباههما مما ورد به الشرع. وفيه دلالة لمذهب الشافعي والجمهور أن تكبيرة الاحرام فرض من فروض الصلاة وجزء منها. وقد تمسك بالحديث الحنفية والحنابلة على منع الدعاء في الصلاة بما لم يشبه المأثور من القرآن والسنة من ملاذ الدنيا وحوائجها الجائزة المباحة، قالوا: لأن ذلك من كلام الناس. وفيه أن المراد بكلام الناس في الحديث مخاطبتهم بتوجيه الكلام إليهم، لا مخاطبة الله تعالى بالدعاء المأذون به في الأحاديث الصحيحة بدليل سبب الحديث، وإن سلمنا أنه يدخل في عمومه ما ذكروا خلافاً للظاهر المتبادر كان لنا أن نقول إن الأحاديث الصحيحة بالأدعية المعينة والمطلقة وبتخيير الدعاء قد خصصت هذا العموم، وقد كان تحريم الكلام بمكة، وأكثر الأدعية وكذا الأمر بتخيير الدعاء كان في المدينة. (أو كما قال رسول الله ﷺ ) للشك من الراوي، أي عين هذا الكلام قال أو مثله. (إني حديث عهد) أي جديدة. (بجاهلية) متعلق بعهد، وما قبل ورود الشرع يسمى جاهلية لكثرة جهالاتهم وفحشها، يعني انتقلت عن الكفر إلى الإسلام ولم أعرف بعد أحكام الدين. (وقد جاءنا الله بالإسلام) هذا لا يتعلق بما قبله، بل شروع في ابتداء سؤال منه ﵇، كما يدل عليه رواية النسائي وبعض

стр. 1259

وإن منا رجالاً يأتون الكهان، قال: فلا تأتهم، قلت: ومنا رجال يتطيرون، قال: ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم. ــ روايات أحمد (ج٥:ص٤٤٨) . (وإن منا رجالاً يأتون الكهان) بضم الكاف جمع كاهن، وهو من يتعاطى الأخبار عن الكوائن في المستقبل، ويدعي معرفة الأسرار، ومن الكهنة من يزعم أن له تابعاً من الجن يلقي عليه الأخبار، ومنهم من يدعي إدراك الغيب بفهم أعطيه، ومنهم من يدعي معرفة الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله، وهذا القسم يسمى عرافاً، كمن يدعي معرفة المسروق ومكان السرقة والضالة ونحوهما، والمنجم من ينظر في النجوم أي الكواكب ويحسب سيرها ومواقيتها ليعلم بها أحوال العالم، ومنهم من يسمي المنجم كاهناً. وقوله: (فلا تأتهم) يشمل النهي عن إتيان هؤلاء كلهم والرجوع إليهم وتصديقهم فيما يدعونه. قال العلماء: وإنما نهى عن إتيان الكهان؛ لأنهم يتكلمون في مغيبات قد يصادف بعضها الإصابة، فيخاف الفتنة على الإنسان بسبب بذلك، ولأنهم يلبسون على الناس كثيراً من الشرائع، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكهان وتصديقهم فيما يقولون. (ومنا رجال يتطيرون) التطير أخذ الفأل الشؤم، من الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن. قال في القاموس: الطيرة والطيرة الطورة ما يتشاءم به من الفأل الردئ-انتهى. وأصله أنهم كانوا يأتون الطير أو الظبي فينفرونه، فإن أخذ ذات اليمين مضوا إلى ما قصدوا وعدوه حسناً، وإن أخذ ذات الشمال انتهوا عن ذلك وتشاءموا به، وكذا إن عرض في طريقهم، فإن مر عن يمينهم إلى الشمال تشاءموا، وإن مر من الشمال إلى اليمين مضوا، والتفاؤل يجيء للتطير وغيره، وأكثر ما يستعمل في الفأل الحسن، وهو غير ممنوع جداً. قال الجزري في النهاية: الطيرة هي التشاءم بالشيء، وهي مصدر تطير طيرة، كما تقول تخير خيرة، ولم يجئ من المصادر غيرهما، وأصل التطير التفاؤل بالطير، واستعمل لكل ما يتفاءل ويتشأم به، وقد كانوا في الجاهلية يتطيرون بالصيد كالطير والظبي فيتيمنون بالسوانح ويتشأمون بالبوارح، والبوارح على ما في القاموس من الصيد ما مر من ميامنك إلى مياسرك، والسوانح ضدها. وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، ويمنع السير إلى مطالبهم، فنفاه الشرع وأبطله ونهاهم عنه. (قال: ذاك) أي التطير. (شيء يجدونه في صدورهم) أي ليس له أصل يستند إليه، ولا له برهان يعتمد عليه، ولا هو في كتاب نازل من لديه. وقيل: معناه أنه معفو؛ لأنه يوجد في النفس بلا اختيار، نعم المشي على وقفه منهي عنه، لذلك قال. (فلا يصدنهم) أي لا يمنعهم عما هم فيه، ولا يخفى أن التفريع على هذا المعنى يكون بعيداً، قاله السندي. قلت: المعنى الثاني هو الذي ذكره عامة العلماء. قال النووي: قال العلماء معناه أن الطيرة شيء تجدونه في نفوسكم ضرورة، ولا عتب عليكم في ذلك؛ لأنه غير مكتسب لكم فلا تكليف به، ولكن لا تمتنعوا بسببه من التصرف في أموركم، فهو الذي تقدرون عليه وهو مكتسب لكم فيقع به التكليف. فنهاهم ﷺ عن العمل بالطيرة ولامتناع من تصرفاتهم

стр. 1260

قال قلت: ومنا رجال يخطون، قال: كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك)) رواه مسلم. قوله: لكني سكت، هكذا وجدت في صحيح مسلم وكتاب الحميدي، ــ بسببها. وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة في النهي عن التطير والطيرة، وهي محمولة على العمل بها لا على ما يوجد في النفس من غير عمل على مقتضاه- انتهى. وقال القاري: يعني هذا وهم ينشأ من نفوسهم ليس له تأثير في اجتلاب نفع وضر، وإنما هو شيء يسوله الشيطان ويزينه حتى يعملوا بقضيته ليجرهم بذلك إلى اعتقاد مؤثر غير الله تعالى، وهو كفر صراح، فلا يمنعهم التطير من مقاصدهم؛ لأنه لا يضرهم ولا ينفعهم ما يتوهمونه. وقال الطيبي: أي لا يمنعهم عما يتوجهون إليه من المقاصد أو من سواء السبيل ما يجدون في صدورهم من الوهم، فالنهي وارد على ما يتوهمونه ظاهراً، وهم منهيون في الحقيقة عن مزاولة ما يوقعهم من الوهم في الصد. (ومنا رجال يخطون) يشير إلى علم الرمل والخط عند العرب، فيما فسره ابن الأعرابي، أن يأتي الرجل العراف وبين يديه غلام، فيأمره بأن يخط في الرمل خطوطاً كثيرة وهو يقول: ابني عيان أسرعا البيان، ثم يأمره أن يمحو منها اثنين اثنين، ثم ينظر إلى أخر ما يبقى من تلك الخطوط، فإن كان الباقي منها زوجاً فهو دليل الفلج والظفر، وإن كان فردا فهو دليل الخيبة والبأس، وقد طول الكلام في ذلك في لسان العرب. (كان نبي من الأنبياء يخط) قيل: هو إدريس أو دانيال عليهما الصلاة والسلام. (فمن وافق) ضمير الفاعل راجع إلى "من"، أي فمن وافق فيما يخطه. (خطه) بالنصب على الأصح المشهور، وروي مرفوعاً، فيكون المفعول محذوفاً أي من وافق خطه، خطه أي خط ذلك النبي في الصورة والحالة. (فذاك) أي هو المصيب، وهو كالتعليق بالمحال. قال النووي: اختلف العلماء في معناه، فالصحيح أن معناه من وافق خطه فهو مباح له، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة فلا يباح، والمقصود أنه حرام؛ لأنه لا يباح إلا بيقين بالموافقة، وليس لنا يقين بها. وإنما قال النبي ﷺ : فمن وافق خطه فذاك، ولم يقل حرام بغير تعليق على الموافقة، لئلا يتوهم متوهم إن هذا النهي يدخل فيه ذاك النبي الذي كان يخط، فحافظ النبي ﷺ على حرمة ذاك النبي، مع بيان الحكم في حقنا، فالمعنى أن ذلك النبي لا منع في حقه، وكذا لو علمتم موافقته، ولكن لا علم لكم بها. وقال الخطابي في المعالم (ج١ص٢٢٢) : يشبه أن يكون أراد به الزجر عنه وترك التعاطي له، إذ كانوا لا يصادفون معنى خط ذلك النبي؛ لأن خطه كان علماً، أي معجزة لنبوته وقد تقطعت نبوته فذهبت معالمها-انتهى. وقال ابن حجر: قال المحرمون لعلم الرمل - وهم أكثر العلماء - لا يستدل بهذا الحديث على إباحته؛ لأنه علق الأذن فيه على موافقة خط ذلك النبي، وموافقته غير معلومة، إذ لا تعلم إلا من تواتر ونص منه عليها الصلاة السلام أو من أصحابه أن الأشكال التي لأهل علم الرمل كانت كذلك، ولم يوجد ذلك، فاتضح تحريمه. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ ص٤٤٧- ٤٤٨) وأبوداود والنسائي والبيهقي (ج٢ ص٢٤٩) . (قوله: لكني سكت، هكذا وجدت في صحيح مسلم وكتاب الحميدي) أي الجمع بين الصحيحين.

стр. 1261

وصحح في جامع الأصول بلفظه كذا فوق لكني. ٩٨٦- (٢) وعن عبد الله بن مسعود، قال: ((كنا نسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي ــ (وصحح في جامع الأصول) لابن الأثير الجزري. (بلفظه كذا) أي بكتابة لفظه كذا. (فوق لكني) قال القاري: أي كذا في الرواية لفظ لكني مسطور، دفعاً لوهم أنه ليس في الحديث بمذكور، والحاصل أن لكني ثابت في الأصول، لكنه ساقط في المصابيح-انتهى. قلت: غرض المصنف من هذا الكلام أن لفظه لكني في قوله: لكني سكت، صحيحة رواية ومعنى، ثابتة في الأصول، لا ينبغي الشك في صحتها وثبوتها، ولفظه كذا علامة للتصحيح، فإنهم كما يكتبون لفظ صح على كلام صح رواية ومعنى، وهو عرضة للشك أو الخلاف، هكذا يكتبون لفظه كذا فوق اللفظ الذي هو محل الشك أو الخلاف ومظنة لعدم الصحة، ويعنون به أن هذا اللفظ صحيح ثابت في الأصول، فلفظه كذا تصحيح لمثل هذا اللفظ، كما أن قولهم "صح" علامة ورمز للتصحيح، وسبب كون لفظه لكني، في قوله: لكني سكت، عرضة للشك في صحته أن في ذكرها ههنا إشكالاً، كما لا يخفى، وأيضاً لم تقع هذه اللفظة في بعض روايات أحمد، ولفظها: فلما رأيتهم يصمتونني سكت حتى صلى رسول الله ﷺ فدعاني. ٩٨٦- قوله: (كنا نسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة فيرد علينا) أي السلام بالقول واللفظ حين كان الكلام مباحاً في الصلاة. وفي رواية لأبي داود: كنا نسلم في الصلاة ونأمر بحاجتنا. (فلما رجعنا من عند النجاشي) بفتح النون وتكسر وتخفيف الجيم وبالشين المعجمة وتخفيف الياء وتشدد كياء النسب، في القاموس: النجاشي بتشديد الجيم، وتخفيفها أفصح وبكسر النون وقيل: هو أفصح، وقال الجزري: الياء مشددة، وقيل: الصواب تخفيفها، وأفاد ابن التين أنه بسكون الياء، يعني أنها أصلية لا ياء النسبة، وحكى غيره تشديد الياء أيضاً، وحكى ابن دحية كسر نونه، وهو لقب لملك الحبشة، كقيصر لملك الروم، وكسرى لملك فارس، وفرعون لملك مصر. واسمه أصحمة، أسلم في زمن النبي ﷺ ، ومات سنة تسع من الهجرة عند الأكثر، وصلى عليه النبي ﷺ هو وأصحابه بالمدينة اعلم أن جماعة من الصحابة كانت هاجرت من مكة إلى أرض الحبشة، حين كان رسول الله ﷺ بمكة، فراراً بدينهم من الفتنة، ثم بلغهم أن المشركين أسلموا فرجعوا إلى مكة فوجدوا الأمر بخلاف ذلك، واشتد الأذى عليهم فخرجوا إليها أيضاً، فكانوا في المرة الثانية أضعاف الأولى، وكان ابن مسعود مع الفرقتين، ولما خرج رسول الله ﷺ إلى المدينة وبلغهم مهاجرته إليها رجعوا من الحبشة إلى المدينة، حين كان النبي ﷺ يتجهز لغزوة بدر. واختلف في مراد قول ابن مسعود: فلما رجعنا هل أراد الرجوع الأول أي إلى مكة من الهجرة الأولى، أو الرجوع الثاني أي إلى المدينة من الهجرة الثانية، فمال إلى كل منها فرقة، والراجح أن ابن مسعود أراد رجوعه الثاني. وقد ورد

стр. 1262

سلمنا عليه فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله، كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا، فقال: إن في الصلاة لشغلاً)) ــ أنه قدم المدينة والنبي ﷺ يتجهز لبدر. وفي مستدرك الحاكم عن ابن مسعود قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى النجاشي ثمانين رجلاً، فذكر الحديث بطوله، وفي آخره: فتعجل عبد الله بن مسعود فشهد بدراً، وفي السير لابن إسحاق: أن المسلمين بالحبشة لما بلغهم أن النبي ﷺ هاجر إلى المدينة رجع منهم إلى مكة ثلاثة وثلاثون رجلاً، فمات منهم رجلان بمكة، وحبس منهم سبعة، وتوجه إلى المدينة أربعة وعشرون رجلاً، فشهدوا بدراً، فعلى هذا كان ابن مسعود من هؤلاء، فظهر أن اجتماعه بالنبي ﷺ بعد رجوعه كان بالمدينة قبل بدر، وعلى هذا لا يكون في حديث ابن مسعود دلالة على أن نسخ الكلام في الصلاة كان بمكة قبل الهجرة، بل هو يتفق مع حديث زيد بن أرقم على أن النهي عن الكلام في الصلاة كان بالمدينة بعد الهجرة بمدة يسيرة، ولفظه قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [٢: ٢٣٨] فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام، أخرجه أحمد والشيخان والترمذي وأبوداود والنسائي، وللترمذي: كنا نتكلم خلف رسول الله ﷺ في الصلاة، وحديث زيد هذا ظاهر في أن نسخ الكلام في الصلاة وقع بهذه الآية، فيقتضى أن النسخ وقع بالمدينة؛ لأن الآية مدنية بالاتفاق، وصحبة زيد لرسول الله ﷺ كانت بالمدينة فإنه ممن لم يدخل مكة قط، مع أنه يروي أنه وجد زمان جواز الكلام في الصلاة ونسخه كليهما، فدل على أن الكلام كان جائزا بالمدينة أيضاً إلى زمن أدركه زيد بن أرقم ثم أنه نسخ، كما رواه هو، فلو كان نسخ الكلام بمكة لم يكن لزيد بن أرقم أن يدرك جوازه ويرويه ويروي نسخه أيضاً. ويقوي ذلك ما زاد في رواية كلثوم الخزاعي عن ابن مسعود عند النسائي: أن الله أحدث في الصلاة أن لا تكلموا إلا بذكر الله وما ينبغي لكم فقوموا لله قانتين، فأمرنا بالسكوت، فإن هذه الرواية ظاهرة في أن كلاً من ابن مسعود وزيد بن أرقم حكى أن الناسخ قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ وقال: من مال إلى أن المراد بقوله فلما رجعنا الرجوع الأول: إن تحريم الكلام كان بمكة، وحمل حديث زيد بن أرقم على أنه وقومه لم يبلغهم النسخ، وقال لا مانع أن يتقدم الحكم ثم تنزل الآية بوفقه. وفيه أن قول زيد بن أرقم يكلم الرجل منا صاحبه وأن ذلك كان خلف رسول الله ﷺ ، يرد هذا التأويل؛ لأن تكليم بعضهم بعضاً في الصلاة لا يخفى عليه ﷺ لما قد صح عنه أنه كان يراهم في الصلاة من خلفه. (سلمنا عليه) أي وهو في الصلاة. (فلم يرد) بفتح الدال ويجوز ضمها وكسرها. (علينا) أي السلام باللفظ فيها، فقد روى ابن أبي شيبة من مرسل ابن سيرين أن النبي ﷺ رد على ابن مسعود في هذه القصة السلام بالإشارة. (فقلنا) أي بعد الصلاة. (إن في الصلاة لشغلاً) بضم الشين وسكون الغين وبضمهما، قال الشوكاني: ههنا صفة محذوفة، والتقدير: لشغلاً كافياً عن غيره من الكلام. أو مانعاً من الكلام، وقال الطيبي: التنكير فيه للتنويع، أي بقراءة القرآن والذكر والدعاء لا الكلام، أو للتعظيم أي شغلاً وأي شغل؛ لأنها مناجاة مع الله تعالى، تستدعي

стр. 1263

متفق عليه. ٩٨٧- (٣) وعن معيقيب عن النبي ﷺ في الرجل يسوى التراب حيث يسجد ــ الاستغراق بخدمته فلا تصلح للاشتغال بالغير، وقال النووي: معناه أن وظيفة المصلي الاشتغال بصلاته وتدبر ما يقوله، فلا ينبغي أن يعرج على غيرها من رد السلام ونحوه. وزاد في الرواية الآتية في الفصل الثاني: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة. والحديث استدل به على كراهة ابتداء السلام على المصلي، لكونه ربما شغل بذلك فكره واستدعى منه الرد، وهو ممنوع منه، وبذلك قال جابر وعطاء والشعبي ومالك في رواية ابن وهب. وقال في المدونة: لا يكره، وبه قال أحمد والجمهور. ثم اختلف هؤلاء فرخصت طائفة للمصلي في رد السلام قولاً ونطقاً، وهم سعيد بن المسيب والحسن البصري وقتادة وأبوهريرة، والحديث حجة عليهم لنفي الرد فيه صراحة، وقال أكثر الفقهاء لا يرد السلام لفظاً، قالوا يرد إذا فرغ من الصلاة باللفظ أو هو فيها بالإشارة. قال في شرح السنة: أكثر الفقهاء على أنه لا يرد بلسانه، ولو رد بطلت صلاته، ويشير بيده أو إصبعه-انتهى. وقال الخطابي: رد السلام في الصلاة قولاً ونطقاً محظور، ورده بعد الخروج من الصلاة سنة، والإشارة حسنة. وقال الشوكاني: مذهب الشافعي والجمهور أن المستحب أن يرد السلام في الصلاة بالإشارة، واستدلوا بحديث ابن عمر وصهيب في الفصل الثاني، وبما روي في معناه. وقال أبوحنيفة: لا يرد في الصلاة مطلقاً لا باللفظ ولا بالإشارة، واستدل له بحديث ابن مسعود هذا. وفيه أنه قد تقدم أن المراد بنفي الرد فيه نفي الرد بالكلام واللفظ، لما روى ابن أبي شيبة من مرسل ابن سيرين أنه ﷺ رد على ابن مسعود في هذه القصة السلام بالإشارة، ولو لم ترد هذه الرواية لكان الواجب هو، ذلك جمعاً بينه وبين الأحاديث الصحيحة التي تدل على جواز رد السلام بالإشارة، وسنذكرها إن شاء الله تعالى. (متفق عليه) واللفظ لمسلم وأخرجه أيضاً أبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٢ ص٢٤٨) . ٩٨٧- قوله: (وعن معيقيب) بضم الميم وفتح المهملة وسكون المثناة التحتية وكسر القاف بعدها مثناة تحتية ساكنة ثم موحدة، هو ابن أبي فاطمة الدوسي حليف بني عبد الشمس، شهد بدراً وكان أسلم قديماً بمكة وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية وأقام بها حتى قدم النبي ﷺ ، بالمدينة، وكان على خاتم النبي ﷺ ، واستعمله أبوبكر وعمر على بيت المال. قال ابن عبد البر: كان قد نزل به داء الجذام فعولج منه بأمر عمر بن الخطاب بالحنظل فتوقف، وتوفي في خلافة عثمان، وقيل: بل في خلافة علي سنة أربعين. له أحاديث اتفقا على هذا الحديث وانفرد مسلم بآخر. (عن النبي ﷺ في الرجل) ولفظ الشيخين أن النبي ﷺ قال في الرجل أي في شأن الرجل حال كونه. (يسوى التراب) أي في الصلاة. (حيث) أي في المكان الذي. (يسجد) فيه، والحديث أخرجه الترمذي بلفظ سألت النبي ﷺ عن مسح

стр. 1264

قال: إن كنت فاعلاً فواحدة)) متفق عليه. ٩٨٨- (٤) وعن أبي هريرة: ((نهى رسول الله ﷺ عن الخصر في الصلاة)) متفق عليه. ــ الحصى في الصلاة، قال الحافظ: التقييد بالحصى وبالتراب خرج للغالب لكونه كان الموجود في فرش المساجد إذ ذاك، فلا يدل تعليق الحكم به على نفيه عن غيره مما يصلى عليه من الرمل والقذى وغير ذلك. وكذا ذكر الرجل للغالب وإلا فالحكم جار في جميع المكلفين. (قال) أي النبي ﷺ (إن كنت فاعلاً) أي لذلك ولا بد. (فواحدة) بالنصب بتقدير فامسح مسحة واحدة أو افعل فعلة واحدة أو فليكن واحدة، أو بالرفع مبتدأ وحذف خبره أي فمرة واحدة تكفيك، أو خبر مبتدأ محذوف أي المشروع فعلة واحدة، أو فالجائز واحدة أي لئلا يلزم العمل الكثير المبطل، أو عدم المحافظة على الخشوع، أو لئلا يجعل بينه وبين الرحمة التي تواجه حائلاً، وأبيح له المرة لئلا يتأذى به في سجوده. وروى ابن أبي شيبة عن أبي صالح السمان قال: إذا سجدت فلا تمسح الحصى فإن كل حصاة تحب أن يسجد عليها. فهذا تعليل آخر غير ما تقدم. وفي الحديث كراهة مسح الحصى والتراب في الصلاة مع الإذن بمسحة واحدة عند الحاجة. وحكى النووي اتفاق العلماء على كراهة مسح الحصى وغيره في الصلاة، وفيه نظر؛ فقد حكى الخطابي في المعالم وابن العربي في شرح الترمذي عن مالك: أنه لم ير به بأساً وكان يفعله، فكأنه لم يبلغه الخبر، وأفرط بعض أهل الظاهر فقال: أنه حرام إذا زاد على واحدة لظاهر النهي، ولم يفرق بين ما إذا توالى أولا مع أنه لم يقل بوجوب الخشوع، كذا في الفتح. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٢ ص٢٨٤) . ٩٨٨- قوله: (نهى عن الخصر) بفتح الخاء المعجمة وسكون الصاد المهملة من الخاصرة. (في الصلاة) قال التوربشتي: فسر الخصر بوضع اليد على الخاصرة وهو صنع اليهود، والخصر لم يفسر على هذا الوجه في شيء من كتب اللغة، ولم أطلع عليه إلى الآن، والحديث على هذا الوجه أخرجه البخاري، ولعل بعض الرواة ظن أن الخصر يرد بمعنى الاختصار، وهو وضع اليد على الخاصرة، وفي رواية أخرى له: نهى أن يصلي الرجل مختصراً، وكذا رواه مسلم والدارمي والترمذي والنسائي، وفي رواية لأبي داود: نهى عن الاختصار في الصلاة، فتبين أن المعتبر هو الاختصار لا الخصر، قال الطيبي: رده هذه الرواية على مثل هذه الأئمة المحدثين بقوله: لم يفسر الخصر بهذا الوجه في شيء من كتب اللغة، لا وجه له؛ لأن ارتكاب المجاز والكناية لم يتوقف على السماع بل على العلاقة المعتبرة، وبيانه: أن الخصر وسط الإنسان والنهي لما ورد عليه علم أن النهي عن أمر يتعلق به، ولما اتفقت الروايات على أن المراد وضع اليد على الخاصرة وجب حمله عليه وهو من الكناية، فإن نفي الذات أقوى من نفي الصفة ابتداء-انتهى. قلت: وقع في رواية للبخاري: نهى النبي ﷺ أن يصلي الرجل متخصراً،

стр. 1265

٩٨٩- (٥) وعن عائشة ﵂، قالت: ((سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة، ــ أي من التخصر، قال الحافظ: وفي رواية الكشمهيني مخصراً بتشديد الصاد، وللنسائي مختصراً بزيادة المثناة، قال النووي: اختلف العلماء في معنى الاختصار، فالصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون من أهل اللغة والغريب والمحدثين: ١- أن المختصر هو الذي يصلي ويده على خاصرته، وقال الهروي: قيل: ٢- هو أن يأخذ بيده عصا يتوكأ عليها، وقيل: ٣- أن يختصر سورة فيقرأ من آخرها آية أو آيتين، وقيل: ٤- هو أن يحذف الطمأنينة فلا يمد قيامها وركوعها وسجودها وحدودها، وقيل: ٥- الاختصار أن يحذف الآية التي فيها السجدة إذا مر بها في قراءته حتى لا يسجد في الصلاة لتلاوتها، وهذه الأقوال الثلاثة الأخيرة وإن كان أخذها ممكنا من الاختصار لكن رواية التخصر والخصر تأباها، قال النووي: والصحيح الأول، وقال العراقي: والقول الأول هو الصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون من أهل اللغة والحديث والفقه، والحديث يدل على تحريم الاختصار في الصلاة، وقد ذهب إلى ذلك أهل الظاهر، وذهب ابن عمر وابن عباس وعائشة ومالك والشافعي وأبوحنيفة والأوزاعي وآخرون إلى أنه مكروه، والظاهر ما قاله أهل الظاهر لعدم قيام قرينة تصرف النهي عن التحريم الذي هو معناه الحق كما هو الحق. واختلف في حكمة النهي عن ذلك، فقيل: لأن إبليس أهبط متخصراً، قاله حميد بن هلال في رواية ابن أبي شيبة عنه، وقال الترمذي: يروى أن إبليس إذا مشى يمشي مختصراً، وقيل: لأن اليهود تكثر من فعله فنهى عنه كراهة للتشبه بهم، أخرجه البخاري في ذكر بني إسرائيل عن عائشة، وقيل: إنه راحة أهل النار، كما سيأتي في الفصل الثالث، وقيل: إنه فعل المختالين والمتكبرين، وقيل: لأنه شكل من أشكال أهل المصائب يضعون أيديهم على الخواصر إذا قاموا في المآتم، وقيل: لأنها صفة الراجز حين ينشد، قال الحافظ بعد سرد هذه الأقوال والعزو إلى قائليها: وقول عائشة أعلى ما ورد في ذلك، ولا منافاة بين الجمع. (متفق عليه) . قال ميرك: الأولى أن يقال رواه البخاري فإن الحديث من أفراده عن مسلم، قلت: لما كانت رواية مسلم موافقة لرواية البخاري معنى كما تقدم صح إسناد الحديث إليهما، فالمراد بقوله "متفق عليه" أي على أصل الحديث ومعناه لا على اللفظ المذكور، والحديث أخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي والحاكم والبيهقي (ج٢ ص٢٨٧) . ٩٨٩- قوله: (سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة) أي بالرأس يميناً وشمالاً من غير حاجة، والالتفات في الصلاة على ثلاثة أنحاء، الأول: الالتفات بطرف الوجه يميناً وشمالاً بلا حاجة من غير أن يتحول صدره عن القبلة، وهذا مكروه عند الجمهور، حرام عند الظاهرية، والثاني: الالتفات بطرف
следующие страницы →