Полный текст (4 545 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
وصحح في جامع الأصول بلفظه كذا فوق لكني.
٩٨٦- (٢) وعن عبد الله بن مسعود، قال: ((كنا نسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي
ــ
(وصحح في جامع الأصول) لابن الأثير الجزري. (بلفظه كذا) أي بكتابة لفظه كذا. (فوق لكني) قال القاري: أي كذا في الرواية لفظ لكني مسطور، دفعاً لوهم أنه ليس في الحديث بمذكور، والحاصل أن لكني ثابت في الأصول، لكنه ساقط في المصابيح-انتهى. قلت: غرض المصنف من هذا الكلام أن لفظه لكني في قوله: لكني سكت، صحيحة رواية ومعنى، ثابتة في الأصول، لا ينبغي الشك في صحتها وثبوتها، ولفظه كذا علامة للتصحيح، فإنهم كما يكتبون لفظ صح على كلام صح رواية ومعنى، وهو عرضة للشك أو الخلاف، هكذا يكتبون لفظه كذا فوق اللفظ الذي هو محل الشك أو الخلاف ومظنة لعدم الصحة، ويعنون به أن هذا اللفظ صحيح ثابت في الأصول، فلفظه كذا تصحيح لمثل هذا اللفظ، كما أن قولهم "صح" علامة ورمز للتصحيح، وسبب كون لفظه لكني، في قوله: لكني سكت، عرضة للشك في صحته أن في ذكرها ههنا إشكالاً، كما لا يخفى، وأيضاً لم تقع هذه اللفظة في بعض روايات أحمد، ولفظها: فلما رأيتهم يصمتونني سكت حتى صلى رسول الله ﷺ فدعاني.
٩٨٦- قوله: (كنا نسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة فيرد علينا) أي السلام بالقول واللفظ حين كان الكلام مباحاً في الصلاة. وفي رواية لأبي داود: كنا نسلم في الصلاة ونأمر بحاجتنا. (فلما رجعنا من عند النجاشي) بفتح النون وتكسر وتخفيف الجيم وبالشين المعجمة وتخفيف الياء وتشدد كياء النسب، في القاموس: النجاشي بتشديد الجيم، وتخفيفها أفصح وبكسر النون وقيل: هو أفصح، وقال الجزري: الياء مشددة، وقيل: الصواب تخفيفها، وأفاد ابن التين أنه بسكون الياء، يعني أنها أصلية لا ياء النسبة، وحكى غيره تشديد الياء أيضاً، وحكى ابن دحية كسر نونه، وهو لقب لملك الحبشة، كقيصر لملك الروم، وكسرى لملك فارس، وفرعون لملك مصر. واسمه أصحمة، أسلم في زمن النبي ﷺ ، ومات سنة تسع من الهجرة عند الأكثر، وصلى عليه النبي ﷺ هو وأصحابه بالمدينة اعلم أن جماعة من الصحابة كانت هاجرت من مكة إلى أرض الحبشة، حين كان رسول الله ﷺ بمكة، فراراً بدينهم من الفتنة، ثم بلغهم أن المشركين أسلموا فرجعوا إلى مكة فوجدوا الأمر بخلاف ذلك، واشتد الأذى عليهم فخرجوا إليها أيضاً، فكانوا في المرة الثانية أضعاف الأولى، وكان ابن مسعود مع الفرقتين، ولما خرج رسول الله ﷺ إلى المدينة وبلغهم مهاجرته إليها رجعوا من الحبشة إلى المدينة، حين كان النبي ﷺ يتجهز لغزوة بدر. واختلف في مراد قول ابن مسعود: فلما رجعنا هل أراد الرجوع الأول أي إلى مكة من الهجرة الأولى، أو الرجوع الثاني أي إلى المدينة من الهجرة الثانية، فمال إلى كل منها فرقة، والراجح أن ابن مسعود أراد رجوعه الثاني. وقد ورد
стр. 1262
سلمنا عليه فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله، كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا، فقال: إن في الصلاة لشغلاً))
ــ
أنه قدم المدينة والنبي ﷺ يتجهز لبدر. وفي مستدرك الحاكم عن ابن مسعود قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى النجاشي ثمانين رجلاً، فذكر الحديث بطوله، وفي آخره: فتعجل عبد الله بن مسعود فشهد بدراً، وفي السير لابن إسحاق: أن المسلمين بالحبشة لما بلغهم أن النبي ﷺ هاجر إلى المدينة رجع منهم إلى مكة ثلاثة وثلاثون رجلاً، فمات منهم رجلان بمكة، وحبس منهم سبعة، وتوجه إلى المدينة أربعة وعشرون رجلاً، فشهدوا بدراً، فعلى هذا كان ابن مسعود من هؤلاء، فظهر أن اجتماعه بالنبي ﷺ بعد رجوعه كان بالمدينة قبل بدر، وعلى هذا لا يكون في حديث ابن مسعود دلالة على أن نسخ الكلام في الصلاة كان بمكة قبل الهجرة، بل هو يتفق مع حديث زيد بن أرقم على أن النهي عن الكلام في الصلاة كان بالمدينة بعد الهجرة بمدة يسيرة، ولفظه قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [٢: ٢٣٨] فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام، أخرجه أحمد والشيخان والترمذي وأبوداود والنسائي، وللترمذي: كنا نتكلم خلف رسول الله ﷺ في الصلاة، وحديث زيد هذا ظاهر في أن نسخ الكلام في الصلاة وقع بهذه الآية، فيقتضى أن النسخ وقع بالمدينة؛ لأن الآية مدنية بالاتفاق، وصحبة زيد لرسول الله ﷺ كانت بالمدينة فإنه ممن لم يدخل مكة قط، مع أنه يروي أنه وجد زمان جواز الكلام في الصلاة ونسخه كليهما، فدل على أن الكلام كان جائزا بالمدينة أيضاً إلى زمن أدركه زيد بن أرقم ثم أنه نسخ، كما رواه هو، فلو كان نسخ الكلام بمكة لم يكن لزيد بن أرقم أن يدرك جوازه ويرويه ويروي نسخه أيضاً. ويقوي ذلك ما زاد في رواية كلثوم الخزاعي عن ابن مسعود عند النسائي: أن الله أحدث في الصلاة أن لا تكلموا إلا بذكر الله وما ينبغي لكم فقوموا لله قانتين، فأمرنا بالسكوت، فإن هذه الرواية ظاهرة في أن كلاً من ابن مسعود وزيد بن أرقم حكى أن الناسخ قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ وقال: من مال إلى أن المراد بقوله فلما رجعنا الرجوع الأول: إن تحريم الكلام كان بمكة، وحمل حديث زيد بن أرقم على أنه وقومه لم يبلغهم النسخ، وقال لا مانع أن يتقدم الحكم ثم تنزل الآية بوفقه. وفيه أن قول زيد بن أرقم يكلم الرجل منا صاحبه وأن ذلك كان خلف رسول الله ﷺ ، يرد هذا التأويل؛ لأن تكليم بعضهم بعضاً في الصلاة لا يخفى عليه ﷺ لما قد صح عنه أنه كان يراهم في الصلاة من خلفه. (سلمنا عليه) أي وهو في الصلاة. (فلم يرد) بفتح الدال ويجوز ضمها وكسرها. (علينا) أي السلام باللفظ فيها، فقد روى ابن أبي شيبة من مرسل ابن سيرين أن النبي ﷺ رد على ابن مسعود في هذه القصة السلام بالإشارة. (فقلنا) أي بعد الصلاة. (إن في الصلاة لشغلاً) بضم الشين وسكون الغين وبضمهما، قال الشوكاني: ههنا صفة محذوفة، والتقدير: لشغلاً كافياً عن غيره من الكلام. أو مانعاً من الكلام، وقال الطيبي: التنكير فيه للتنويع، أي بقراءة القرآن والذكر والدعاء لا الكلام، أو للتعظيم أي شغلاً وأي شغل؛ لأنها مناجاة مع الله تعالى، تستدعي
стр. 1263
متفق عليه.
٩٨٧- (٣) وعن معيقيب عن النبي ﷺ في الرجل يسوى التراب حيث يسجد
ــ
الاستغراق بخدمته فلا تصلح للاشتغال بالغير، وقال النووي: معناه أن وظيفة المصلي الاشتغال بصلاته وتدبر ما يقوله، فلا ينبغي أن يعرج على غيرها من رد السلام ونحوه. وزاد في الرواية الآتية في الفصل الثاني: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة. والحديث استدل به على كراهة ابتداء السلام على المصلي، لكونه ربما شغل بذلك فكره واستدعى منه الرد، وهو ممنوع منه، وبذلك قال جابر وعطاء والشعبي ومالك في رواية ابن وهب. وقال في المدونة: لا يكره، وبه قال أحمد والجمهور. ثم اختلف هؤلاء فرخصت طائفة للمصلي في رد السلام قولاً ونطقاً، وهم سعيد بن المسيب والحسن البصري وقتادة وأبوهريرة، والحديث حجة عليهم لنفي الرد فيه صراحة، وقال أكثر الفقهاء لا يرد السلام لفظاً، قالوا يرد إذا فرغ من الصلاة باللفظ أو هو فيها بالإشارة. قال في شرح السنة: أكثر الفقهاء على أنه لا يرد بلسانه، ولو رد بطلت صلاته، ويشير بيده أو إصبعه-انتهى. وقال الخطابي: رد السلام في الصلاة قولاً ونطقاً محظور، ورده بعد الخروج من الصلاة سنة، والإشارة حسنة. وقال الشوكاني: مذهب الشافعي والجمهور أن المستحب أن يرد السلام في الصلاة بالإشارة، واستدلوا بحديث ابن عمر وصهيب في الفصل الثاني، وبما روي في معناه. وقال أبوحنيفة: لا يرد في الصلاة مطلقاً لا باللفظ ولا بالإشارة، واستدل له بحديث ابن مسعود هذا. وفيه أنه قد تقدم أن المراد بنفي الرد فيه نفي الرد بالكلام واللفظ، لما روى ابن أبي شيبة من مرسل ابن سيرين أنه ﷺ رد على ابن مسعود في هذه القصة السلام بالإشارة، ولو لم ترد هذه الرواية لكان الواجب هو، ذلك جمعاً بينه وبين الأحاديث الصحيحة التي تدل على جواز رد السلام بالإشارة، وسنذكرها إن شاء الله تعالى. (متفق عليه) واللفظ لمسلم وأخرجه أيضاً أبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٢ ص٢٤٨) .
٩٨٧- قوله: (وعن معيقيب) بضم الميم وفتح المهملة وسكون المثناة التحتية وكسر القاف بعدها مثناة تحتية ساكنة ثم موحدة، هو ابن أبي فاطمة الدوسي حليف بني عبد الشمس، شهد بدراً وكان أسلم قديماً بمكة وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية وأقام بها حتى قدم النبي ﷺ ، بالمدينة، وكان على خاتم النبي ﷺ ، واستعمله أبوبكر وعمر على بيت المال. قال ابن عبد البر: كان قد نزل به داء الجذام فعولج منه بأمر عمر بن الخطاب بالحنظل فتوقف، وتوفي في خلافة عثمان، وقيل: بل في خلافة علي سنة أربعين. له أحاديث اتفقا على هذا الحديث وانفرد مسلم بآخر. (عن النبي ﷺ في الرجل) ولفظ الشيخين أن النبي ﷺ قال في الرجل أي في شأن الرجل حال كونه. (يسوى التراب) أي في الصلاة. (حيث) أي في المكان الذي. (يسجد) فيه، والحديث أخرجه الترمذي بلفظ سألت النبي ﷺ عن مسح
стр. 1264
قال: إن كنت فاعلاً فواحدة)) متفق عليه.
٩٨٨- (٤) وعن أبي هريرة: ((نهى رسول الله ﷺ عن الخصر في الصلاة)) متفق عليه.
ــ
الحصى في الصلاة، قال الحافظ: التقييد بالحصى وبالتراب خرج للغالب لكونه كان الموجود في فرش المساجد إذ ذاك، فلا يدل تعليق الحكم به على نفيه عن غيره مما يصلى عليه من الرمل والقذى وغير ذلك. وكذا ذكر الرجل للغالب وإلا فالحكم جار في جميع المكلفين. (قال) أي النبي ﷺ (إن كنت فاعلاً) أي لذلك ولا بد. (فواحدة) بالنصب بتقدير فامسح مسحة واحدة أو افعل فعلة واحدة أو فليكن واحدة، أو بالرفع مبتدأ وحذف خبره أي فمرة واحدة تكفيك، أو خبر مبتدأ محذوف أي المشروع فعلة واحدة، أو فالجائز واحدة أي لئلا يلزم العمل الكثير المبطل، أو عدم المحافظة على الخشوع، أو لئلا يجعل بينه وبين الرحمة التي تواجه حائلاً، وأبيح له المرة لئلا يتأذى به في سجوده. وروى ابن أبي شيبة عن أبي صالح السمان قال: إذا سجدت فلا تمسح الحصى فإن كل حصاة تحب أن يسجد عليها. فهذا تعليل آخر غير ما تقدم. وفي الحديث كراهة مسح الحصى والتراب في الصلاة مع الإذن بمسحة واحدة عند الحاجة. وحكى النووي اتفاق العلماء على كراهة مسح الحصى وغيره في الصلاة، وفيه نظر؛ فقد حكى الخطابي في المعالم وابن العربي في شرح الترمذي عن مالك: أنه لم ير به بأساً وكان يفعله، فكأنه لم يبلغه الخبر، وأفرط بعض أهل الظاهر فقال: أنه حرام إذا زاد على واحدة لظاهر النهي، ولم يفرق بين ما إذا توالى أولا مع أنه لم يقل بوجوب الخشوع، كذا في الفتح. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٢ ص٢٨٤) .
٩٨٨- قوله: (نهى عن الخصر) بفتح الخاء المعجمة وسكون الصاد المهملة من الخاصرة. (في الصلاة) قال التوربشتي: فسر الخصر بوضع اليد على الخاصرة وهو صنع اليهود، والخصر لم يفسر على هذا الوجه في شيء من كتب اللغة، ولم أطلع عليه إلى الآن، والحديث على هذا الوجه أخرجه البخاري، ولعل بعض الرواة ظن أن الخصر يرد بمعنى الاختصار، وهو وضع اليد على الخاصرة، وفي رواية أخرى له: نهى أن يصلي الرجل مختصراً، وكذا رواه مسلم والدارمي والترمذي والنسائي، وفي رواية لأبي داود: نهى عن الاختصار في الصلاة، فتبين أن المعتبر هو الاختصار لا الخصر، قال الطيبي: رده هذه الرواية على مثل هذه الأئمة المحدثين بقوله: لم يفسر الخصر بهذا الوجه في شيء من كتب اللغة، لا وجه له؛ لأن ارتكاب المجاز والكناية لم يتوقف على السماع بل على العلاقة المعتبرة، وبيانه: أن الخصر وسط الإنسان والنهي لما ورد عليه علم أن النهي عن أمر يتعلق به، ولما اتفقت الروايات على أن المراد وضع اليد على الخاصرة وجب حمله عليه وهو من الكناية، فإن نفي الذات أقوى من نفي الصفة ابتداء-انتهى. قلت: وقع في رواية للبخاري: نهى النبي ﷺ أن يصلي الرجل متخصراً،
стр. 1265
٩٨٩- (٥) وعن عائشة ﵂، قالت: ((سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة،
ــ
أي من التخصر، قال الحافظ: وفي رواية الكشمهيني مخصراً بتشديد الصاد، وللنسائي مختصراً بزيادة المثناة، قال النووي: اختلف العلماء في معنى الاختصار، فالصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون من أهل اللغة والغريب والمحدثين: ١- أن المختصر هو الذي يصلي ويده على خاصرته، وقال الهروي: قيل: ٢- هو أن يأخذ بيده عصا يتوكأ عليها، وقيل: ٣- أن يختصر سورة فيقرأ من آخرها آية أو آيتين، وقيل: ٤- هو أن يحذف الطمأنينة فلا يمد قيامها وركوعها وسجودها وحدودها، وقيل: ٥- الاختصار أن يحذف الآية التي فيها السجدة إذا مر بها في قراءته حتى لا يسجد في الصلاة لتلاوتها، وهذه الأقوال الثلاثة الأخيرة وإن كان أخذها ممكنا من الاختصار لكن رواية التخصر والخصر تأباها، قال النووي: والصحيح الأول، وقال العراقي: والقول الأول هو الصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون من أهل اللغة والحديث والفقه، والحديث يدل على تحريم الاختصار في الصلاة، وقد ذهب إلى ذلك أهل الظاهر، وذهب ابن عمر وابن عباس وعائشة ومالك والشافعي وأبوحنيفة والأوزاعي وآخرون إلى أنه مكروه، والظاهر ما قاله أهل الظاهر لعدم قيام قرينة تصرف النهي عن التحريم الذي هو معناه الحق كما هو الحق. واختلف في حكمة النهي عن ذلك، فقيل: لأن إبليس أهبط متخصراً، قاله حميد بن هلال في رواية ابن أبي شيبة عنه، وقال الترمذي: يروى أن إبليس إذا مشى يمشي مختصراً، وقيل: لأن اليهود تكثر من فعله فنهى عنه كراهة للتشبه بهم، أخرجه البخاري في ذكر بني إسرائيل عن عائشة، وقيل: إنه راحة أهل النار، كما سيأتي في الفصل الثالث، وقيل: إنه فعل المختالين والمتكبرين، وقيل: لأنه شكل من أشكال أهل المصائب يضعون أيديهم على الخواصر إذا قاموا في المآتم، وقيل: لأنها صفة الراجز حين ينشد، قال الحافظ بعد سرد هذه الأقوال والعزو إلى قائليها: وقول عائشة أعلى ما ورد في ذلك، ولا منافاة بين الجمع. (متفق عليه) . قال ميرك: الأولى أن يقال رواه البخاري فإن الحديث من أفراده عن مسلم، قلت: لما كانت رواية مسلم موافقة لرواية البخاري معنى كما تقدم صح إسناد الحديث إليهما، فالمراد بقوله "متفق عليه" أي على أصل الحديث ومعناه لا على اللفظ المذكور، والحديث أخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي والحاكم والبيهقي (ج٢ ص٢٨٧) .
٩٨٩- قوله: (سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة) أي بالرأس يميناً وشمالاً من غير حاجة، والالتفات في الصلاة على ثلاثة أنحاء، الأول: الالتفات بطرف الوجه يميناً وشمالاً بلا حاجة من غير أن يتحول صدره عن القبلة، وهذا مكروه عند الجمهور، حرام عند الظاهرية، والثاني: الالتفات بطرف
стр. 1266
فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد)) متفق عليه.
٩٩٠- (٦) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء
ــ
العين، وهذا لا بأس به، وإن كان خلاف الأولى، والثالث: الالتفات بحيث أن يتحول صدره عن القبلة، وهذا مبطل الصلاة بالاتفاق، والمراد في الحديث هو الأول. (فقال) ﷺ (هو) أي الالتفات. (اختلاس) افتعال من الخلس، وهو السلب أي استلاب وأخذ بسرعة، وقيل: شيء يختلس به. (يختلسه الشيطان) قال القسطلاني: بإبراز الضمير المنصوب، وهو رواية الكشمهيني، وللأكثر يختلس الشيطان- انتهى. (من صلاة العبد) أي يحمله الشيطان على هذا الفعل لأجل نقصان صلاة العبد، أو يسلبه الشيطان من كمال صلاة العبد، وضمير يختلسه منصوب على المصدر، قال الطيبي: المعنى من التفت يميناً وشمالاً ذهب عنه الخشوع المطلوب بقوله تعالى. ﴿الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ [٢٣: ٢] فاستعير لذهاب الخشوع اختلاس الشيطان تصويراً لقبح تلك الغفلة، أو أن المصلي حينئذٍ مستغرق في مناجاة ربه، وأنه تعالى مقبل عليه، والشيطان كالراصد ينتظر فوات تلك الحالة عنه، فإذا التفت المصلي اغتنم الفرصة فيختلسها منه- انتهى. والحديث يدل على كراهة الالتفات في الصلاة، وهو إجماع، لكن الجمهور على أنها كراهة تنزيه، مالا يبلغ إلى حد استدبار القبلة بالصدر. وقال المتولي: يحرم إلا للضرورة، وهو قول أهل الظاهر، وسبب الكراهة والتنفير عنه ما فيه من نقص الخشوع أو ترك استقبال القبلة ببعض البدن. (متفق عليه) فيه نظر، فإن الحديث لم يروه مسلم، وقد ذكر الحاكم في المستدرك (ج١ ص٢٣٧) أيضاً أن الشيخين اتفقا على إخراجه، وكذا نسبه الجزري إليهما في جامع الأصول (ج٦ ص٣٢٥) . وهو سهو منهم جميعاً، فإن مسلما لم يروه، فلم أجده فيه، وكذلك نص العيني والحافظ في الفتح على انه من أفراد البخاري، ويدل عليه أيضاً أن المجد ابن تيمية في المنتقى والمنذري في الترغيب وتلخيص السنن نسباه إلى البخاري فقط، والحديث أخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن خزيمة والبيهقي وغيرهم.
٩٩٠- قوله: (لينتهين) اللام جواب قسم محذوف، وقيل للتأكيد، وهو خبر بمعنى أمر. (عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء) قال القاري: أي خصوصاً وقت الدعاء، وإلا فرفع الأبصار مطلقاً في الصلاة مكروه. قلت: التقييد بقوله عند الدعاء في الصلاة يقتضي اختصاص الكراهة بالدعاء الواقع في الصلاة، لكن أخرجه البخاري وأبوداود والنسائي وابن ماجه من حديث أنس بغير تقييد، ولفظه: ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، فاشتد قوله في ذلك حتى قال: لينتهن عن ذلك أو ليخطفن أبصارهم، وأخرجه بغير
стр. 1267
أو لتخطفن أبصارهم)) رواه مسلم.
٩٩١- (٧) وعن أبي قتادة، قال: ((رأيت النبي ﷺ يؤم الناس وأمامة بنت أبي العاص
ــ
تقييد أيضاً ابن ماجه وابن حبان والطبراني من حديث ابن عمر، ولفظه: لا ترفعوا أبصاركم إلى السماء أن تلتمع يعني في الصلاة، وأخرجه أيضاً بغير تقييد مسلم والنسائي وابن ماجه من حديث جابر بن سمرة، والطبراني من حديث أبي سعيد الخدري وكعب بن مالك، وأخرج ابن أبي شيبة من رواية هشام بن حسان عن محمد بن سيرين: كانوا يلتفتون في صلاتهم حتى نزلت: ﴿قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ [٢٣: ١، ٢] فاقبلوا على صلاتهم، ونظروا أمامهم، وكانوا يستحبون أن لا يجاوز بصر أحدهم موضع سجوده، وصله الحاكم بذكر أبي هريرة فيه، ورفعه إلى النبي ﷺ ، وقال في آخره: فطأطأ رأسه. وإطلاق هذه الأحاديث يقضي بأنه لا فرق بين أن يكون عند الدعاء أو عند غيره إذا كان في الصلاة، والعلة في ذلك أنه إذا رفع بصره إلى السماء خرج عن سمت القبلة وأعرض عنها وخرج عن هيئة الصلاة. (أو لتخطفن) بضم الفوقية وفتح الفاء على البناء للمفعول، أي لتسلبن بسرعة. (أبصارهم) إن لم ينتهوا عن ذلك، أي أن أحد الأمرين واقع لا محالة، إما الانتهاء منهم أو خطف أبصارهم من الله تعالى عقوبة على فعلهم، قال الطيبي: كلمة "أو "ههنا للتخيير تهديداً، أي ليكونن أحد الأمرين، كما في قوله تعالى: ﴿تقاتلونهم أو يسلمون﴾ أي يكون أحد الأمرين، أما المقاتلة أو الإسلام لا ثالث لهما، وكما في قوله تعالى: ﴿لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا﴾ [٧: ٨٨] أي ليكونن أحد الأمرين، أما إخراجكم وإما عودكم في الكفر، والمعنى ليكونن منكم الانتهاء عن الرفع أو خطف الأبصار من الله تعالى- انتهى. وفيه وعيد عظيم وتهديد شديد، وهو يدل على أن رفع البصر إلى السماء حال الصلاة حرام؛ لأن العقوبة بالعمى لا تكون إلا عن محرم، والمشهور عند الشافعية أنه مكروه، وبالغ ابن حزم فقال: تبطل الصلاة به، واختلف في رفع البصر إلى السماء حال الدعاء خارج الصلاة، فكرهه القاضي شريح وآخرون، وجوزه الأكثرون؛ لأن السماء قبلة الدعاء، كما أن الكعبة قبلة الصلاة. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي والبيهقي (ج٢ ص٢٨٢)
٩٩١- قوله: (يؤم الناس) الجملة حال؛ لأن رأيت بمعنى النظر لا العلم، قاله الطيبي. (وأُمامة) بضم الهمزة وتخفيف الميمين: وهي ابنة زينب بنت رسول الله ﷺ ، كانت صغيرة على عهد رسول الله ﷺ ، وتزوجها علي بعد موت فاطمة بوصية منها. وقيل: كان أبوها أبوالعاص قد أوصى بها إلى الزبير بن العوام، فزوجها من علي، فلما قتل علي، وانقضت عدتها تزوجها المغيرة بن نوفل بن الحارث، زوجها منه الحسن بن علي، وماتت عند المغيرة. (بنت أبي العاص) بن الربيع بن عبد العزى بن عبدشمس بن عبدمناف بن قصي. اختلف في اسم أبي العاص اسمه لقيط، وقيل: مقسم، وقيل: القاسم، وقيل: مهشم، وقيل: هشيم، وقيل: ياسر، وهو مشهور بكنيته، وهو
стр. 1268
على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع من السجود أعادها))
ــ
ختن النبي ﷺ ، زوج ابنته زينب أكبر بناته، ﵅. وأمه هالة بنت خويلد بن أسد أخت خديجة لأبيها وأمها، أسلم قبل الفتح، وهاجر إلى النبي ﷺ بعد أن كان أسر يوم بدر كافراً، ورد عليه النبي ﷺ ابنته زينب بالنكاح الأول، وماتت معه، وأثنى عليه في مصاهرته. وكانت وفاته في خلافة أبي بكر الصديق في ذي الحجة سنة اثني عشرة من الهجرة، وقد بسط قصة أسره يوم بدر وإسلامه ابن عبد البر والحافظ نقلاً عن ابن إسحاق. (على عاتقه) بكسر التاء وهو ما بين المنكبين إلى أصل العنق. وفي رواية لأحمد على رقبته. (فإذا ركع وضعها) هكذا في صحيح مسلم والنسائي وأحمد وابن حبان، ورواية البخاري: فإذا سجد وضعها. ولأبي داود: حتى إذا أراد أن يركع أخذها فوضعها ثم ركع وسجد، حتى إذا فرغ من سجوده وقام أخذها فردها في مكانها، وهذا صريح في أن فعل الحمل والوضع كان منه ﷺ ، لا أنها كانت تنزل وتركب بنفسها. وهذا يرد تأويل الخطابي، حيث قال: يشبه أن تكون الصبية قد ألفته، فإذا سجد تعلقت بأطرافه والتزمته، فينهض من سجوده فتبقى محمولة كذلك إلى أن يركع فيرسلها. (وإذا رفع) أي رأسه. (من السجود أعادها) ولأحمد: فإذا قام حملها فوضعها على رقبته. والحديث فيه دليل لصحة صلاة من حمل آدميا أو حيواناً طاهراً، وأن ثياب الصبيان وأجسادهم طاهرة حتى يتحقق نجاستها، وأن الفعل القليل لا يبطل الصلاة، وأن الأفعال إذا تعددت ولم تتوال بل تفرقت لا تبطل الصلاة. وفيه تواضع مع الصبيان وسائر الضعفة، ورحمتهم وملاطفتهم. وفيه دليل على جواز إدخال الصبيان في المساجد، وعلى أنه يجوز حمل الصبي والصبية في الصلاة من غير فوق بين الفريضة والنافلة والمنفرد والمؤتم والإمام؛ لأن قوله: يؤم الناس صريح، أو كالصريح في أنه كان في الفريضة. وأصرح من هذا ما أخرجه أبوداود بلفظ: بينما نحن ننتظر رسول الله ﷺ في الظهر أو العصر، وقد دعاه بلال إلى الصلاة، إذ خرج علينا، وأمامة على عاتقه، فقام في مصلاه، فقمنا خلفه فكبر فكبرنا وهي في مكانها. وإذا جاز ذلك في حال الإمامة في صلاة الفريضة جاز في غيرها بالأولى. وإليه ذهب الشافعي وأحمد. قال في الشرح الكبير (ج١ ص٦٧٢) : وإن كان، أي العمل الذي من غير جنس الصلاة، متفرقاً لم تبطل؛ لأن النبي ﷺ حمل أمامة في الصلاة، إذا قام حملها، وإذا سجد وضعها، وهذا لو اجتمع كان كثيراً، وإن كان يسيراً لم يبطلها-انتهى. وذهب مالك إلى عدم جواز الحمل مطلقاً، وأجاب عن الحديث بأنه كان في النافلة، وهو مردود، لما تقدم من رواية أبي داود. ويرده أيضاً رواية مسلم؛ لأن إمامته بالناس في النافلة ليست بمعهودة. وأجاب أيضاً بأن ذلك كان للضرورة حيث لم يجد من يكفيه أمرها، وقال بعض أصحابه: لأنه لو تركها لبكت وشغلت سره أكثر من شغله بحملها. وقال الباجي: إن وجد من يكفيه أمرها جاز في النافلة دون الفريضة، وإن لم يجد جاز فيهما. وهذا أيضاً مردود؛ لأنه دعوى مجردة لا دليل
стр. 1269
عليها ولا ضرورة إليها. وأجاب أيضاً بأنه منسوخ، قال ابن عبد البر: لعله نسخ بتحريم العمل في الصلاة. وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وبأن هذه القصة كانت بعد قوله ﷺ : إن في الصلاة لشغلاً؛ لأن ذلك قبل الهجرة أو بعدها بمدة يسيرة، وهذه القصة كانت بعد الهجرة قطعاً بمدة مديدة. وأجاب بعض المالكية بأن ذلك كان من خصائصه ﷺ لكونه معصوماً من أن تبول وهو حاملها. ورد بأن الأصل عدم الاختصاص، وبأنه لا يلزم من ثبوت الاختصاص في أمر ثبوته في غيره بغير دليل، ولا مدخل للقياس في مثل ذلك. وقال أبوحنيفة: بجوازه عند الضرورة، وبكراهته عند عدم الحاجة. وحمل الحديث على حال الضرورة كما حمل عليها مالك. وأول بعض الحنفية بأنه ﵇ كان يشير بها بالنزول عند الركوع وبتعلقها بنفسها عند القيام، فلم يكن منه ﷺ إلا الإشارة، فعبر الراوي عن تعلقها بنفسها وعن إشارته بالنزول والتعلق بأنه صلى وهو حامل لها وإذا ركع وضعها وإذا قام حملها، فهذا توسع من الراوي لا غير. وهذا تأويل بعيد غاية البعد، يرده ظاهر ألفاظ الحديث وطرقه وهو في الحقيقة تحريف للحديث لا توجيه له فلا يلتفت إليه. وقال الخطابي في المعالم (ج١ ص٢١٧) : بعد تأويل الحديث بنحو ذلك، وإذا كان علم الخميصة يشغله عن صلاته حتى يستبدل بها الأنبجانية فكيف لا يشتغل عنها بما هذا صفته من الأمر-انتهى. وتعقبه النووي فقال: وأما قضية الخميصة فلأنها تشغل القلب بلا فائدة، وحمل إمامة لا نسلم أنه يشغل القلب، وإن شغله فيترتب عليه فوائد، وبيان قواعد مما ذكرنا وغيره، فاحتمل ذلك الشغل لهذه الفوائد بخلاف الخميصة. فالصواب الذي لا معدل عنه أن الحديث كان لبيان الجواز، والتنبيه على هذه الفوائد، فهو جائز لنا، وشرع مستمر للمسلمين إلى يوم الدين-انتهى. قلت: هذا هو الصواب الذي لا يجوز العدول عنه، أن الحديث محمول على بيان الشرع والجواز. وإليه ذهب بعض الحنفية. قال في رد المحتار (ج١ص ٦١٢) : قد أطال المحقق ابن أمير حاج في الحلية في هذا المحل ثم قال: إن كونه للتشريع بالفعل هو الصواب الذي لا يعدل عنه، كما ذكره النووي فإنه ذكر بعضهم: أن البيان بالفعل أقوى من القول، ففعله ذلك لبيان الجواز، وأن الآدمي طاهر، وما في جوفه من النجاسة معفو عنه لكونه في معدنه، ثم ذكر بقية كلام النووي، وسنذكر تمامه. قال الحافظ: حمل أكثر أهل العلم هذا الحديث على أنه عمل غير متوال لوجود الطمأنينة في أركان الصلاة. وقال النووي بعد أن ذكر التأويلات المتقدمة ما لفظه: وكل هذه الدعاوي باطلة مردودة، فإنه لا دليل عليها ولا ضرورة إليها، بل الحديث صحيح صريح في جواز ذلك، وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع؛ لأن الآدمي طاهر وما في جوفه من النجاسة معفو عنه لكونه في معدنه، وثياب الأطفال وأجسامهم على الطهارة، ودلائل الشرع متظاهرة على هذا،
стр. 1270
متفق عليه.
٩٩٢- (٨) وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم
ــ
أفعال في الصلاة لا تبطلها إذا قلت أو تفرقت، وفعل النبي ﷺ هذا بياناً للجواز-انتهى. وقال الفاكهاني: وكان السر في حمله أمامة في الصلاة دفعاً لما كانت العرب تألفه من كراهة البنات وحملهن، فخالفهم في ذلك حتى في الصلاة للمبالغة في ردعهم، والبيان بالفعل قد يكون أقوى من القول. (متفق عليه) واللفظ لمسلم، والحديث أخرجه أيضاً مالك وأبوداود والنسائي والبيهقي (ج٢ص٢٦٢) .
٩٩٢- قوله: (إذا تثاءب أحدكم) بالهمزة، وقيل: بالواو، ونسب إلى الغلط. قال الحافظ في الفتح: قال شيخنا في شرح الترمذي: وقع في رواية المحبوبي عن الترمذي- أي لحديث أبي هريرة- بالواو، وفي رواية السبخي بالهمز، ووقع عند البخاري وأبي داود بالهمز، وكذا في حديث أبي سعيد- أي الذي نحن بصدد شرحه - عند أبي داود. وأما عند مسلم فبالواو. قال: وكذا هو في أكثر نسخ مسلم، وفي بعضها بالهمز، وقد أنكر الجوهري كونه بالواو. قال: تقول تثاءبت على وزن تفاعلت، ولا تقل تثاوبت. قال: والتثاؤب أيضاً مهموز، وقد يقلبون الهمز المضمومة واواً، والاسم الثؤباء بضم، ثم همز، على وزن الخيلاء. وجزم ابن دريد وثابت بن قاسم في الدلائل: بأن الذي بغير واو بوزن تيممت، فقال ثابت: لا يقال تثاءب بالمد مخففاً، بل يقال تثأب بالتشديد. وقال ابن دريد: أصله من ثئب فهو مثؤب، إذا استرخى وكسل. وقال غير واحد: إنهما لغتان، وبالمد والهمز أشهر-انتهى. والتثاؤب التنفس الذي ينفتح منه الفم لدفع البخارات المحتقنة في عضلات القلب، وينشأ من امتلاء المعدة وثقل البدن واسترخائه وكدورة الحواس، فيورث الغفلة وسوء الفهم والكسل والنوم الداعي إلى إعطاء النفس شهواتها، ولذا كرهه الله وأحبه الشيطان، كما في الحديث الصحيح. قال القاري: أي فتح فاه لكسل أو فترة أو امتلاء أو غلبة نوم، وكل ذلك غير مرضي؛ لأنه يكون سبباً للكسل عن الطاعة والحضور فيها. (في الصلاة) هكذا قيده بحالة الصلاة، وكذا أخرجه الترمذي في الصلاة من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ: التثاؤب في الصلاة من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع. قال العراقي في شرح الترمذي: أكثر روايات الصحيحين فيها إطلاق التثاؤب، ووقع في الرواية الأخرى تقييده بحالة الصلاة، فيحتمل أن يحمل المطلق على المقيد، وللشيطان غرض قوي في التشويش على المصلي في صلاته، ويحتمل أن تكون كراهته في الصلاة أشد، ولا يلزم من ذلك أن لا يكره في غير حالة الصلاة، ويؤيد كراهته مطلقاً كونه من الشيطان، وبذلك صرح النووي. وقال ابن العربي: ينبغي كظم التثاؤب في كل حالة، وإنما خص الصلاة؛ لأنها أولى الأحوال بدفعه لما فيه من الخروج من اعتدال الهيئة واعوجاج الخلقة. (فليكظم) بفتح ياء
стр. 1271
ما استطاع، فإن الشيطان يدخل)) رواه مسلم.
٩٩٣- (٩) وفي رواية البخاري عن أبي هريرة، قال: ((إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع ولا يقل: ها، فإنما ذلكم من الشيطان
ــ
المضارعة وكسر الظاء، أي ليحبس التثاؤب وليدفعه وليمسكه بضم الشفتين وتطبيق السن، وإن لم يقدر فبوضع اليد على الفم. (ما استطاع) أي ما أمكنه. وفي رواية لأبي داود: فليمسك على فيه. وفي حديث أبي هريرة عند البخاري: فليرده ما استطاع. قال الحافظ: أي يأخذ في أسباب رده، وليس المراد به أنه يملك دفعه؛ لأن الذي وقع لا يرد حقيقة. وقيل: معنى إذا تثاءب إذا أراد أن يتثاءب. وجوز الكرماني: أن يكون الماضي فيه بمعنى المضارع- انتهى. وفي رواية الترمذي: فليضع يده على فيه. وهذا يتناول ما إذا انفتح بالتثاؤب فيغطي بالكف ونحوه، وما إذا كان منطبقاً حفظاً له عن الانفتاح بسبب ذلك، وفي معنى وضع اليد على الفم وضع الثوب ونحوه ما يحصل ذلك المقصود، ويستثنى ذلك من النهي عن وضع المصلي يده على فمه. ومما يؤمر به المتثاءب في الصلاة أن يمسك عن القراءة حتى يذهب عنه، لئلا يتغير نظم قراءته. وأسند ابن أبي شيبة نحو ذلك عن مجاهد وعكرمة والتابعين المشهورين. (فإن الشيطان يدخل) أي فيه. قال الحافظ: يحتمل أن يراد به الدخول حقيقة، وهو وإن كان يجري من الإنسان مجرى الدم لكنه لا يتمكن منه ما دام ذاكر الله تعالى، والمتثاءب في تلك الحالة غير ذاكر، فيتمكن الشيطان من الدخول فيه حقيقة، ويحتمل أن يكون أطلق الدخول وأراد التمكن منه؛ لأن من شأن من دخل في شيء أن يكون متمكناً منه. (رواه مسلم) في كتاب الزهد في أواخر صحيحه، وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود في الأدب، والبيهقي.
٩٩٣- قوله: (وفي رواية البخاري) بالإضافة. (إذا تثاءب أحدكم) أي أحس بالتثاؤب. (فليكظم ما استطاع) أي بالضم أو الوضع. (ولا يقل: ها) بل يدفعه بالفعل. و"ها" مقصورة من غير همز حكاية صوت المتثاءب، والمعنى لا يصوت عند التثاؤب، كما يفعله بعض من لا يضبط حاله في التثاؤب. (فإنما ذلكم) أي التثاؤب وقيل: قولكم: "ها". (من الشيطان) أي من حمله عليه. قال ابن بطال: إضافة التثاؤب إلى الشيطان بمعنى إضافة الرضا والإرادة، أي إن الشيطان يحب أن يرى الإنسان متثائباً؛ لأنها حالة تتغير فيها صورته فيضحك منه، لا أن المراد أن الشيطان فعل التثاؤب. وقال ابن العربي: قد بينا أن كل فعل مكروه نسبه الشرع إلى الشيطان؛ لأنه واسطته، وأن كل فعل حسن نسبه الشرع إلى الملك؛ لأنه واسطته. قال: والتثاؤب من الامتلاء، وينشأ عنه التكاسل، وذلك بواسطة الشيطان. وقال النووي: أضيف التثاؤب إلى الشيطان؛ لأنه يدعوا إلى الشهوات، إذ يكون عن ثقل البدن
стр. 1272
يضحك منه)) .
٩٩٤- (١٠) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن عفريتاً من الجن تفلّت
ــ
واسترخاءه وامتلاءه. والمراد التحذير من السبب الذي يتولد منه ذلك، وهو التوسع في المآكل. (يضحك) أي الشيطان، حقيقة أو كناية عن فرحه وسروره بكونه أغواه بتعاطي سبب التثاؤب، وهو كثرة الأكل فطاوعه واغتوى، والأصل الأول، إذ لا ضرورة تدعوا إلى العدول عن الحقيقة. (منه) أي من ذلك القول. قال الطيبي: أي يرضى بتلك الفعلة، والضمير في "منه" راجع إلى المشار إليه بذا "وكم" بيان لخطاب الجماعة، وليس بضمير. وقال ابن حجر: يضحك حال-انتهى. ويمكن أن يكون استئناف بيان. تنبيه: لم أجد حديث أبي هريرة عند البخاري باللفظ الذي ذكره المصنف، نعم روى أبوداود عن أبي هريرة بلفظ: إذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، ولا يقل: هاه هاه، فإنما ذلكم من الشيطان، يضحك منه. ولفظه عند البخاري في رواية: وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان فليرده ما استطاع، فإذا قال: "ها" ضحك منه الشيطان، وفي أخرى: فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا قال: ها ضحك الشيطان، وفي أخرى: فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان. والظاهر أن المصنف أخذ الطرف الأول من حديث أبي سعيد عند مسلم، أي قوله: إذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع، وأخذ الطرف الآخر من حديث أبي داود، أي قوله: ولا يقل هاه، فإنما ذلكم الشيطان، يضحك منه. فجعل مجموعهما حديثاً واحداً من رواية أبي هريرة وعزاه للبخاري، ولا يخفى ما في هذا الصنيع. ثم رأيت جامع الأصول (ج٧: ص٣٩٨) للجزري وقد وقع فيه مثل ما في المشكاة، فلعل المصنف تبعه في ذلك. والله أعلم.
٩٤- قوله: (إن عفريتاً) بكسر العين وسكون الفاء وكسر الراء، أي جنياً خبيثاً منكراً مبالغاً في المردودة، مع دهاء وخبث. فعليت من العفر بكسر فسكون، وهو الخبث، قاله القاري. (من الجن) بيان له. قال ابن عبد البر: الجن على مراتب، فالأصل جني، فإن خالط الإنس، قيل: عامر، ومن تعرض منهم للصبيان قيل: أرواح، ومن زاد في الخبث قيل: شيطان، فإن زاد على ذلك قيل: مارد، فأن زاد على ذلك قيل: عفريت. وقال الراغب: العفريت من الجن هو العارم الخبيث، وإذا بولغ فيه قيل: عفريت نفريت. وقال ابن قتيبة: العفريت الموثق الخلق. وقال الزجاج: العفريت النافذ في الأمر المبالغ فيه من خبث ودهاء. (تفلت) أي عليّ، كما في رواية. وهو بفتحات وتشديد اللام، أي تعرض لي فلتة، أي بغتة في سرعة. وقال القزاز: يعني توثب، وقيل: تخلص فجأة. قال ابن حجر: أي من أسر سليمان ﵊ الذي حرق الله له به عادة الأنبياء والملوك، حتى مكنه مما أراد بهم. وفي رواية: عرض لي فشد علي. فإن قلت: قد ثبت أن الشيطان يفر من ظل عمر، وأنه يسلك في غير فجه، ففراره من النبي ﷺ أولى، فكيف شد ﵊ وأراد قطع صلاته؟
стр. 1273
البارحة ليقطع صلاتي، فأمكنني الله منه، فأخذته فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم،
ــ
أجيب بأنه ليس المراد حقيقة الفرار، بل بيان قوة عمر وصلابته على قهر الشيطان، وقد وقع التصريح بأنه ﷺ قهره وطرده، كما سيأتي. (البارحة) هي أقرب ليلة مضت، وفي المنتهى: كل زائل بارح، ومنه سميت البارحة لأدنى ليلة زالت عنك. وانتصابها على الظرفية، والمعنى تعرض في صلاتي الليلة الماضية. (ليقطع علي) بتشديد الياء (صلاتي) أي يبطلها ويفسدها، إما بمروره بين يديه؛ لأن النبي ﷺ حكم بقطع الصلاة من مرور الكلب الأسود، فقيل: ما بال الأحمر من الأبيض من الأسود؟ فقال: الكلب الأسود شيطان، والجن يتصورون بصورته، أو بإلجائه إلى العمل الكثير، بأن يصدر من العفريت أفعال يحتاج إلى دفعها بأفعال كثيرة منافية للصلاة فيقطعها بتلك الأفعال. وقيل: المراد بالقطع قطع وصلة المناجاة بمروره بين يديه. وقيل: المراد قطع الخشوع وكمال الصلاة. (فأمكنني الله منه) أي أعطاني مكنة منه وقدرة عليه. (فأردت أن أربطه) بكسر الباء أي أشده. (على سارية) أي أسطوانة. (من سواري المسجد) الظاهر أنه المسجد النبوي. وفيه دليل على إباحة ربط الأسير في المسجد، وقد بوب البخاري على هذا الحديث "باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد". ومن هذا قال المهلب: إن في الحديث جواز ربط من خشي هروبه بحق عليه، أو دين والتوثق منه في المسجد، أو غيره. والمراد بالربط في الصلاة: أن يربطه بوجه كان شغلاً يسيراً فلا تفسد به الصلاة. وقال السندي: لا يلزم منه أن أخذه وربطه غير مفسد، لجواز أن يكون مفسداً، ويحمل له ذلك لضرورة أو بلا ضرورة، نعم يلزم أن تكون إرادته غير مفسدة، فليفهم-انتهى. (حتى تنظروا) وفي رواية حتى تصبحوا فتنظروا. (إليه) أي إلى الشيطان في حالة المذلة نظرة عبرة. (كلكم) أي صغاركم وكباركم. وهو بالرفع توكيد للضمير المرفوع. فيه دليل على جواز رؤية الجن. قال الخطابي: في الحديث دليل على أن رؤية الجن للبشر غير مستحيلة، والجن أجسام لطيفة، والجسم وإن لطف فدركه غير ممتنع أصلاً. وأما قوله تعالى: ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ [٧: ٢٧] ، فإن ذلك حكم الأعم الأغلب من أحوال بني آدم، امتحنهم الله بذلك وابتلاهم ليفزعوا إليه ويستعيذوا به من شرهم ويطلبون الأمان من غائلتهم. ولا ينكر أن يكون حكم الخاص والنادر من المصطفين من عباده بخلاف ذلك. وقال الكرماني: لا حاجة إلى هذا التأويل، إذ ليس في الآية ما ينفي رؤيتنا إياهم مطلقاً، إذا المستفاد منها أن رؤيته إيانا مقيدة من هذه الحيثية، فلا نراهم في زمان رؤيتهم لنا قط، ويجوز رؤيتنا لهم في غير ذلك الوقت-انتهى. وفهم أكثر العلماء منها العموم، حتى قال الشافعي: من زعم أنه يرى الجن أي
стр. 1274
فذكرت دعوة أخي سليمان: ﴿رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ ، فرددته خاسئاً)) .
ــ
على صورهم التي خلقوا عليها أبطلنا شهادته، واستدل بهذه الآية. وفيه دليل على أن الجن ليسوا باقين على عنصرهم الناري وإلا لأحرق إذا مس شيء من أعضاء ابن آدم، كما تحرق الآدمي النار الحقيقية بمجرد اللمس، فدل على أن تلك النارية انغمرت في سائر العناصر حتى صار إلى البرد، ويؤيد ذلك قوله ﷺ عند النسائي من حديث عائشة: حتى وجدت برد لسانه على يدي. وفي رواية: برد لعابه. وقال ابن بطال: رؤيته ﷺ للعفريت هو مما خص به، كما خص برؤية الملائكة، وقد أخبر أن جبريل له ستمائة جناح، ورأى النبي ﷺ الشيطان في هذه الليلة وأقدره الله عليه، ولكن ألقى في روعه ما وهب سليمان فلم ينفذ ما قوي عليه من حبسه، رغبة عما أراد سليمان الانفراد به، وحرصاً على إجابة الله تعالى دعوته، وأما غير النبي ﷺ من الناس فلا يمكن منه، ولا يرى أحد الشيطان على صورته غيره ﷺ ، لقوله تعالى: ﴿إنه يراكم﴾ الآية [٧: ٢٧] ، لكنه يراه سائر الناس إذا تشكل في غير شكله، كما تشكل الذي طعنه الأنصاري حين وجده في بيته على صورة حية فقتله، فمات الرجل به، رواه مالك في الموطأ. وفيما ادعى ابن بطال من الفرق بينه ﷺ وبين الناس في رؤية الشيطان على صورته الأصلية، عندي نظر، فإن هذه دعوى مجردة، فإن لم يصح لها مستند فهي مردودة. (فذكرت دعوة أخي) في النبوة. (سليمان) أي التي استجابها الله تعالى له. وهي قوله الآتي طلباً؛ لأن يميز بخصوصه لا يشاركه فيها غيره، كما وقع لغيره من الأنبياء، أو غيره على ملكه ونفوذ حكمه في الجن والإنس والهواء أن يناله غير نبي. (رب هب لي ملكاً) وقع في رواية البخاري: في باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد: رب اغفرلي وهب لي ملكاً، أي كما في التلاوة. قال الحافظ في الفتح: كذا في رواية أبي ذر، وفي بقية الروايات هنا: رب هب لي. قال الكرماني: لعله ذكره على طريق الاقتباس من القرآن لا على قصد التلاوة. قال الحافظ: ووقع عند مسلم، كما في رواية أبي ذر على نسق التلاوة، فالظاهر أنه تغير من بعض الرواة. (لا ينبغي لأحد من بعدي) من البشر مثله. (فرددته) أي دفعت العفريت حال كونه. (خاسئاً) أي مبعداً مطروداً صاغراً ذليلاً، كأنه ﷺ نظر إلى أن من أعظم ذلك الملك وأخصه التصرف في الشياطين والتمكين منهم، فيتوهم بربط الشياطين عدم خصوص ذلك الملك بسليمان، وعدم استجابة دعائه، لما فيه من المشاركة معه في جملة ما هو من أخص أمور ذلك الملك، فترك الربط خشية ذلك التوهم الباطل، ولم يرد أن ربط الشياطين يوجب المشاركة معه في تمام ملكه، ويفضي إلى عدم خصوص ذلك الملك بسليمان، فإن التمكن من شيطان واحد، بل من ألف شيطان، لا يقدح في الخصوص قطعاً، فإن الخصوص كان بالنسبة إلى تمام الملك، كما لا يخفى. وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في اللمعات: من جملة ملك سليمان تسخير الريح والجن والشياطين، وهو مخصوص بسليمان ﵇، فيلزم عدم إجابة دعائه لو ربط
стр. 1275
متفق عليه.
٩٩٥- (١١) وعن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نابه شيء في صلاته فليسبح، فإنما التصفيق
ــ
العفريت، فتركه ليبقى دعاءه محفوظاً في حقه، ونبينا ﷺ كان له القدرة على ذلك على الوجه الأتم والأكمل، ولكن التصرف في الجن في الظاهر كان مخصوصاً بسليمان، فلم يظهره ﷺ لأجل ذلك. وقيل: يمكن أن يكون عموم دعاء سليمان ﵇ مخصوصاً بغير سيد الأنبياء ﷺ ، بدليل إقداره على أخذه ليفعل فيه ما يشاء، ومع ذلك تركه على ظاهره رعاية لجانب سليمان. والله أعلم. ويحتمل أن تكون خصوصية سليمان استخدام الجن في جميع ما يريده، لا في هذا القدر فقط. قال ابن الملك: إن قلت يفهم من هذا الحديث أنه ﵇ تذكر دعوة سليمان بعد أخذه، ومن الحديث الآتي في آخر الباب أنه تذكر قبله فيتنافيان. قلت: لا منافاة؛ لأن الحديثين صدرا في وقتين. قال القاري: أو يكون الأخذ للربط، فإنه المنافي للدعوة، فلا منافاة، وإن قلنا بوحدة القضية. وفي أخذه ﷺ العفريت ثم رده إياه دليل على جواز العمل القليل في الصلاة، وأنه لا تبطل به الصلاة. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الصلاة في موضعين، وفي صفة إبليس، وفي أحاديث الأنبياء، وفي تفسير "ص"، وأخرجه مسلم في الصلاة، وأخرجه النسائي في التفسير من سننه الكبرى، واللفظ المذكور للبخاري في أحاديث الأنبياء.
٩٩٥- قوله: (من نابه) أي من الرجال. قال الطيبي: النوب رجوع الشيء مرة بعد أخرى، ونابته نائبة أي حادثة من شأنها أن تنوب دائماً، ثم كثرت حتى استعمل في كل إصابة تصيب الإنسان، أي من أصابه. (شيء) أي عارض. (في صلاته) وفي بعض النسخ: في الصلاة، أي من عرض له ونزل به أمر في الصلاة، كتنبيه إمام على سهو، وإذن لمستأذن في الدخول، وإنذار أعمى أن يقع في بئر ونحوها. (فليسبح) أي فليقل سبحان الله، كما في رواية للبخاري زاد في رواية: فإنه إذا سبح التفت إليه. (فإنما التصفيق) بالقاف، وفي رواية مسلم وأبي داود وغيرهما: التصفيح بالحاء المهملة. قال العراقي: المشهور أن معناهما واحد. قال سهل بن سعد راوي الحديث: التصفيح هو التصفيق. وكذا قال عقبة وأبوعلي القالي والخطابي والجوهري وغيرهم. وادعى ابن حزم نفي الخلاف في ذلك، وتعقب بما حكاه عياض في الإكمال. والقرطبي في المفهم: أنه بالحاء الضرب بظاهر إحدى اليدين على الأخرى، وبالقاف بباطنها على باطن الأخرى. وقيل: بالحاء الضرب بإصبعين للإنذار والتنبيه. وبالقاف بجميعها للهو واللعب. وروى أبوداود في سننه عن عيسى بن أيوب: أن التصفيح الضرب بإصبعين من اليمين على باطن
стр. 1276
للنساء)) . وفي رواية، قال: ((التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء)) متفق عليه.
﴿الفصل الثاني﴾
٩٩٦- (١٢) عن عبد الله بن مسعود، قال: ((كنا نسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة
ــ
الكف اليسرى. (للنساء) أي مشروع للنساء؛ لأن صوتهن عورة. قاله ابن الملك. وقال ابن حجر: أي لا للرجال، فإنه بعد أن غلب في النساء صار لا يليق بشهامة الرجال. (وفي رواية) أي للبخاري. (قال) أي رسول الله ﷺ . (التسبيح) بأن يقول من نابه شيء في صلاته سبحان الله، لا يكون إلا. (للرجال والتصفيق) بالصاد والقاف لا يكون إلا. (للنساء) إذا نابهن شيء في صلاتهن، وهذا مذهب الجمهور والشافعي وأحمد وأبي حنيفة، وللأمر به في رواية البخاري في الأحكام بلفظ: إذا رابكم شيء فليسبح الرجال ولتصفح النساء. ولأبي داود: إذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال وليصفح النساء، خلافاً لمالك حيث قال: المشروع في حق الرجال والنساء جميعاً التسبيح دون التصفيق، وأما قوله: والتصفيق للنساء، أي من شأنهن في غير الصلاة، وهو على جهة الذم له، ولا ينبغي فعله في الصلاة لرجل ولا إمرأة، أي لأنه من دأب النساء الناقصات ولهوهن خارج الصلاة. ورواية البخاري وأبي داود ترد هذا التأويل وتبطله، إذ هي نص فيما قاله الجمهور. قال القرطبي: القول بمشروعية التصفيق للنساء هو الصحيح خبراً ونظراً؛ لأنها مأمورة بخفض صوتها مطلقاً لما يخشى من الإفتان، ومن ثم منعت من الأذان مطلقاً، ومن الإقامة للرجال، ومنع الرجال من التصفيق؛ لأنه من شأن النساء. وقال ابن عبد البر بعد ذكر لفظ أبي داود: هذا قاطع في موضع الخلاف برفع الإشكال؛ لأنه فرق بين حكم الرجال والنساء-انتهى. وفي الحديث أنواع من الفقه: منها: أن الالتفات في الصلاة لا يبطلها ما لم يتحول المصلي عن القبلة بجميع بدنه. ومنها: أن التصفيق سنة النساء في الصلاة، والتسبيح سنة الرجال. ومنها: أن المأموم من الرجال إذا سبح ومن النساء إذا صفق يريد بذلك تنبيه الإمام وإعلامه لم يكن ذلك مفسداً للصلاة. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أبوداود والنسائي، وهو حديث طويل، هذا طرف منه، والرواية الثانية من أفراد البخاري، ورواها ابن ماجه والبيهقي أيضاً وفي الباب عن أبي هريرة أخرجه أحمد والشيخان والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه.
٩٩٦- قوله: (كنا نسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة) وفي رواية لأحمد (ج١: ص٤٣٥) : كنا نتكلم في الصلاة ويسلم بعضنا على بعض ويؤمن أحدنا بالحاجة. واعلم أن لفظ الحديث بالسياق الذي ذكره المصنف تبعاً للبغوي لم أجده في سنن أبي داود، والحديث أخرجه أحمد والنسائي وليس عندهما أيضاً هذا السياق، كما لا يخفى على المتتبع. وسياق أبي داود هكذا: كنا نسلم في الصلاة ونأمر بحاجتنا، فقدمت على رسول الله ﷺ وهو يصلي فسلمت عليه فلم يرد علي السلام، فأخذني ما قدم وما حدث، فلما قضى رسول الله ﷺ -
стр. 1277
قبل أن نأتي أرض الحبشة فيرد علينا، فلما رجعنا من أرض الحبشة أتيته فوجدته يصلي فسلمت عليه فلم يرد علي حتى إذا قضى صلاته، قال: إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة، فرد علي السلام، وقال: إنما الصلاة لقراءة القرآن وذكر الله، فإذا كنت فيها فليكن ذلك شأنك)) رواه أبوداود.
ــ
الصلاة قال: إن الله عزوجل يحدث من أمره ما يشاء، وإن الله تعالى قد أحدث من أمره أن لا تكلموا في الصلاة، فرد علي السلام-انتهى. (قبل أن نأتي أرض الحبشة) أي نهاجر إليها من مكة. (فيرد علينا) أي السلام نطقاً وقولاً. (فلما رجعنا من أرض الحبشة) أي إلى المدينة على ما هو الراجح. (فسلمت عليه) استصحاباً لما كان من حل الكلام في الصلاة. (فلم يرد علي) أي السلام باللفظ. (حتى إذا قضى الصلاة) أي أداها وكملها. (إن الله يحدث) أي يظهر. (من أمره) أي شأنه أو أوامره. (وإن مما أحدث) أي جدد من الأحكام، بأن نسخ حل الكلام في الصلاة بقوله ناهياً عنه. (أن لا تتكلموا في الصلاة) ويحتمل كون الأحداث في تلك الصلاة أو قبلها، كذا قال القاري. (فرد علي) بتشديد الياء. (السلام) أي باللفظ بعد فراغه من الصلاة وفي الحديث دليل على أنه لا يجوز لمن سلم عليه في الصلاة أن يرد السلام فيها نطقاً وقولاً، وعلى أنه يستحب له أن يرد باللفظ بعد الفراغ من الصلاة، ولا دليل فيه على منع الرد في الصلاة بالإشارة، بل مرسل ابن سيرين عند ابن أبي شيبة يدل صريحاً على أنه ﷺ رد السلام على ابن مسعود في هذه القصة بالإشارة كما تقدم. (إنما الصلاة) أي موضوعة. (لقراءة القرآن وذكر الله) أي الشامل للدعاء. قال القاري: وفي بعض النسخ بفتح اللام ورفع القراءة والذكر. وفي نسخة: إنما الصلاة قراءة القرآن وذكر الله. (فإذا كنت فيها) أي في الصلاة. (فليكن ذلك) إشارة إلى ما ذكر من القراءة وذكر الله وهو اسم فليكن، وخبره: (شأنك) بالنصب أي حالك المهم، لا غير ذلك من التكلم وغيره. قال الطيبي: الشأن الحال والأمر والخطب، والجمع شئون، ولا يقال إلا في ما يعظم من الأحوال والأمور. (رواه أبوداود) فيه نظر؛ لأن هذه الألفاظ ليست في أبي داود كما قدمنا. وفيه أيضاً ما قال ميرك: أن أبا داود لم يخرج قوله: إنما الصلاة لقراءة القرآن الخ من حديث عبد الله بن مسعود، بل أخرجه من حديث معاوية بن الحكم السلمي في حديث طويل، والذي أوقع صاحب المشكاة في هذا الخبط إيراد صاحب المصابيح بعد قول عبد الله بن مسعود: فرد علي السلام وقال: إنما الصلاة الخ فظن صاحب المشكاة أنه من تتمه حديث ابن مسعود عطفاً على قوله "فرد" وليس كذلك، ومقصود صاحب المصابيح إيراد حديث آخر كعادته، والله تعالى أعلم –انتهى.
стр. 1278
٩٩٧- (١٣) وعن ابن عمر، قال: ((قلت لبلال: كيف كان النبي ﷺ يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو في الصلاة؟ قال: كان يشير بيده))
ــ
قلت: الظاهر أن أصل الوهم من البغوي، يدل على ذلك تصرفه في ألفاظ الحديث، حيث ذكر للحديث سياقاً لا يوجد في أبي داود وفي غيره، كمسند أحمد وسنن النسائي والبيهقي، ويدل على ذلك أيضاً أنه لم يذكر اسم الصحابي كعادته قبل قوله: وقال إنما الصلاة الخ، فصنيعه هذا قرينة واضحة على أنه لم يقصد بقوله: إنما الصلاة الخ إيراد حديث آخر. والله أعلم. والحديث سكت عنه أبوداود والمنذري وأخرجه أيضاً أحمد (ج١: ص٣٧٧، ٤١٥، ٤٣٥) والنسائي وابن حبان في صحيحه والبيهقي (ج٢: ص٢٤٨) .
٩٩٧- قوله: (كيف كان النبي ﷺ يرد عليهم) أي على الصحابة. (حين كانوا يسلمون عليه) قال القاري: ظاهره أنه أراد قبل نسخ الكلام، ويحتمل أن يكون بعده، ويبعد- انتهى. وفيه: أن الظاهر أن ذلك كان بعد نسخ الكلام، كما قال الشيخ عبدلحق الدهلوي في أشعة اللمعات، بل هو المتعين عندي لما سيأتي. (كان يشير بيده) وفي حديث صهيب الآتي قال: لا أعلمه إلا أنه قال إشارة بإصبعه، ولا اختلاف بينهما، فيجوز أن يكون إشارة مرة بإصبعه، ومرة بجميع يده، ويحتمل أن يكون المراد باليد الإصبع حملاً للمطلق على المقيد. والحديث فيه دليل على جواز رد السلام في الصلاة بالإشارة، وهو مذهب الجمهور، واختلفت الحنفية، فمنهم من كرهه ومنهم الطحاوي، ومنهم من قال: لا بأس به. قلت: ما ذهب إليه الجمهور هو الحق، يدل عليه الأحاديث الصحيحة الصريحة: ١- منها حديث بلال هذا. ٢- ومنها حديث صهيب: مررت برسول الله ﷺ وهو يصلي فسلمت عليه، فرد علي إشارة، وقال: لا أعلم أنه قال إشارة بإصبعه، أخرجه الترمذي وحسنه، وأبوداود والنسائي والبيهقي. ٣- ومنها حديث ابن عمر قال: دخل النبي ﷺ مسجد قباء ليصلي فيه، فدخل عليه رجال يسلمون عليه، فسألت صهيباً وكان معه، كيف كان النبي ﷺ يصنع إذا سلم عليه؟ قال: كان يشير بيده أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه والدارمي والحاكم والبيهقي. ٤- ومنها حديث عمار بن ياسر: أنه سلم على رسول الله ﷺ في الصلاة وهو يصلي، فرد عليه، أخرجه النسائي وبوب عليه "باب رد السلام بالإشارة في الصلاة". ٥- ومنها حديث ابن جابر: أن رسول الله ﷺ بعثني لحاجة ثم أدركته وهو يسير، قال قتيبة: يصلي فسلمت عليه، فأشار إلي، أخرجه مسلم والنسائي والبيهقي. ٦- ومنها حديث أبي سعيد: أن رجلاً سلم على النبي ﷺ فرد عليه إشارة، وقال: كنا نرد السلام في الصلاة فنهينا عن ذلك، أخرجه الطحاوي والبزار، وفي الباب عن جماعة من الصحابة، ذكر أحاديثهم الشوكاني في النيل. واستدل من منع رد السلام بالإشارة في الصلاة بحديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : (التسبيح للرجال، يعني في الصلاة، والتصفيق للنساء، من أشار في
стр. 1279
صلاته إشارة تفهم عنه فليعد لها، يعني الصلاة، أخرجه أبوداود. والجواب عنه: إن هذا الحديث ضعيف، لا يصلح للاحتجاج، فإن في سنده محمد بن إسحاق وهو مدلس، ورواه عن يعقوب بن عتبة بالعنعنة. وقال أبوداود بعد روايته هذا الحديث: وهم. وقال الزيلعي في نصب الراية: قال إسحاق بن إبراهيم بن هانيء: سئل أحمد عن حديث: من أشار إشارة يفهم عنه فليعد الصلاة، فقال: لا يثبت، إسناده ليس بشيء-انتهى. وعلى فرض صلوحه للاحتجاج يجب أن تحمل الإشارة المذكورة فيه على الإشارة لغير رد السلام والحاجة، جمعاً بينه وبين الأحاديث الصحيحة التي فيها ذكر الإشارة لرد السلام، أو حاجة تعرض. واستدلوا أيضاً بأن الرد بالإشارة منسوخ؛ لأنه كلام معنى وقد نسخ الكلام في الصلاة. والجواب عنه: أنا لا نسلم أن رد السلام بالإشارة كلام معنى. قال الطحاوي في شرح الآثار (ص٢٦٢) بعد ذكر حديث أبي هريرة الذي مر آنفاً: ذهب قوم إلى أن الإشارة التي تفهم إذا كانت من الرجل في الصلاة قطعت عليه صلاته، وحكموا لها بحكم الكلام، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا تقطع الإشارة في الصلاة، ثم ذكر ما احتج به هؤلاء من حديث ابن عمر وصهيب وأبي سعيد، ثم قال: ففي هذه الآثار ما قد دل أن الإشارة لا تقطع الصلاة، وقد جاءت مجيئاً متواتراً غير مجيء الحديث الذي خالفها، فهي أولى منه، وليست الإشارة في النظر من الكلام في شيء؛ لأن الإشارة إنما هي حركة عضو، وقد رأينا حركة سائر الأعضاء غير اليد في الصلاة لا تقطع الصلاة، فكذلك حركة اليد-انتهى كلام الطحاوي ملخصاً. ولو سلمنا أن رد السلام بالإشارة كلام معنى فلا نسلم كون الكلام في الصلاة منسوخاً مطلقاً، سواء كان حقيقة أو معنى، بل نقول إنما المنسوخ في الصلاة هو الكلام حقيقة دون الكلام معنى، ألا ترى أن الإشارات المفهمة قد ثبتت عنه ﷺ في الصلاة بعد نسخ الكلام فيها. وأجاب الحنفية عن أحاديث الجمهور أي أحاديث رد السلام بالإشارة: بأن تلك الإشارة لم تكن رداً للسلام، وإنما كانت نهياً عن السلام والكلام. قاله الطحاوي وغيره. وهذا مردود يرده حديث ابن عمر المذكور في الكتاب، وحديث صهيب عند الترمذي وغيره بلفظ: مررت برسول الله ﷺ وهو يصلي فسلمت عليه، فرد علي إشارة، وحديث ابن عمر عند النسائي وابن ماجه والحاكم بلفظ: دخل النبي ﷺ مسجد قباء ليصلي فيه، فدخل عليه رجال يسلمون عليه، فسألت صهيباً وكان معه كيف كان النبي ﷺ يصنع إذا سلم عليه، قال: كان يشير بيده، وحديث أبي سعيد عند الطحاوي والبزار بلفظ: أن رجلاً سلم على النبي ﷺ فرد عليه إشارة الخ، وحديث عمار عند النسائي بلفظ: أنه سلم على رسول الله ﷺ وهو يصلي فرد عليه. فإن هذه الأحاديث الصحيحة نصوص صريحة في أن إشارته ﷺ في الصلاة عند السلام عليه كانت رداً للسلام على من سلم عليه، لا نهياً عنه. قال ابن العربي في شرح الترمذي (ج٢: ص١٦٢) : قد تكون الإشارة في الصلاة لرد السلام، وقد تكون لأمر ينزل بالصلاة، وقد تكون في
стр. 1280
رواه الترمذي.
٩٩٨- (١٤) وفي رواية النسائي نحوه، وعوض بلال صهيب.
ــ
الحاجة تعرض للمصلي، فإن كانت لرد السلام ففيها الآثار الصحيحة، كفعل النبي ﷺ في قباء وغيره، وقد كنت في مجلس الطرطوشي، وتذاكرنا المسألة، وقلنا الحديث، واحتججنا به، وعامي في آخر الحلقة، فقام وقال: ولعله كان يرد عليهم نهياً لئلا يشغلوه، فعجبنا من فقهه، ثم رأيت بعد ذلك أن فهم الراوي؛ لأنه كان رد السلام قطعي في الباب على حسب ما بيناه في أصول الفقه-انتهى. وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي في التعليق الممجد (ص١٢٢) : وحملوا أي الحنفية الأحاديث على أن إشارته ﷺ كان للنهي عن السلام لا لرده، وهو حمل يحتاج إلى دليل مع مخالفته لظاهر بعض الأخبار-انتهى. وأجابوا أيضاً بأن هذه الأحاديث منسوخة. قال النيموي: حديث ابن عمر أي المذكور في الكتاب قد يدل على أن رد السلام بالإشارة كان في الابتداء، ولذلك ما رآه ابن عمر وسأل عنه بلالاُ وصهيباُ. وقد رد شيخنا هذا الجواب في أبكار المنن (ص٢٦٠) ، فقال: جواب النيموي هذا مردود عليه بوجهين: الأول: أن ابن عمر كان يجوز رد السلام بالإشارة في الصلاة، ثم ذكر الشيخ أثر ابن عمر الآتي في آخر الفصل الثالث عن موطأ محمد، قال: والثاني: أنه لو كان رد السلام بالإشارة في الصلاة في الابتداء قبل نسخ الكلام لرد السلام بالكلام، لا بالإشارة. قال الزيلعي في نصب الراية بعد ذكر هذه الأحاديث: قد يجاب عنها بأنه كان قبل نسخ الكلام في الصلاة، ويؤيده حديث ابن مسعود: كنا نسلم على رسول الله ﷺ وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا، ولم يقل "فأشار إلينا"، وكذا حديث جابر: إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا إني كنت أصلي، فلو كان الرد بالإشارة جائزاً لفعله. وأجيب عن هذا بأن أحاديث الإشارة لو لم تكن بعد نسخه لرد باللفظ، إذ الرد باللفظ واجب إلا لمانع كالصلاة، فلما رد بالإشارة علم أنه ممنوع من الكلام، وأما حديث ابن مسعود وجابر فالمراد بنفي الرد فيه: الرد بالكلام بدليل لفظ ابن حبان في حديث ابن مسعود: وقد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة- انتهى كلام الزيلعي. وقال الحافظ في الدراية (ص١٠٨) : وأجاب بعضهم باحتمال أن يكون ذلك قبل نسخ الكلام في الصلاة، ورد بأنه لو كان كذلك لرد باللفظ لوجوب الرد، فلما عدل عن الكلام دل على أنه كان بعد نسخ الكلام-انتهى. (رواه الترمذي) وقال حديث حسن صحيح. وقال الشوكاني: رجاله رجال الصحيح. والحديث أخرجه أيضاً أحمد وابن حبان والبيهقي وأبوداود، وسكت عنه هو والمنذري.
٩٩٨- وفي. (رواية النسائي نحوه) أي نحو حديث الترمذي. (وعوض بلال صهيب) مبتدأ وخبر، وفي بعض النسخ بنصب "عوض" على الظرفية، ولا مانع من أن ابن عمر سأل كلاً منهما وأجابه بذلك. وقد ذكر
стр. 1281
٩٩٩- (١٥) وعن رفاعة بن رافع، قال: ((صليت خلف رسول الله ﷺ ، فعطست، فقلت: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه مباركاً عليه كما يحب ربنا ويرضى، فلما صلى رسول الله ﷺ وانصرف فقال: من المتكلم في الصلاة؟ فلم يتكلم أحد، ثم قالها الثانية، فلم يتكلم أحد،
ــ
الترمذي أن الحديثين جميعاً صحيحان، قال: احتمل أن يكون سمع منها جميعاً، وحديث ابن عمر عن صهيب أخرجه أيضاً أحمد وابن ماجه والدارمي وابن حبان والبيهقي والحاكم في المستدرك، وقال: على شرطهما. وصهيب هذا هو صهيب بن سنان أبويحيى النمري المعروف بالرومي؛ لأنه أخذ لسان الروم إذ سبوه وهو صغير، وأصله من العرب من النمر بن قاسط، كانت منازلهم بأرض الموصل في قرية على شط الفرات مما يلي الجزيرة والموصل، فأغارت الروم على تلك الناحية فسبت صهيباً وهو غلام صغير، فنشأ بالروم فصار الكن، فابتاعته منهم كلب، ثم قدمت به مكة، فاشتراه عبد الله بن جدعان التميمي فأعتقه فأقام معه بمكة إلى أن هلك ابن جدعان وبعث النبي ﷺ . ويقال: إنه لما كبر في الروم وعقل هرب منهم، وقدم مكة فحالف عبد الله بن جدعان وأقام معه حتى هلك، وأسلم قديماً بمكة، يقال: إنه أسلم هو وعمار بن ياسر في يوم واحد، ورسول الله ﷺ بدار الأرقم معه بضعة وثلاثون رجلاً، وكان من المستضعفين معذبين في الله بمكة، ثم هاجر إلى المدينة مع علي في النصف من ربيع الأول، فأدرك النبي ﷺ بقباء، وشهد بدراً والمشاهد بعدها. قال أنس: قال النبي ﷺ : صهيب سابق الروم وقيل: فيه نزلت: ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله﴾ [٢: ٢٠٧] وإليه أوصى عمر أن يصلي بالناس حتى يجتمع أهل الشورى على رجل، وفضائله كثيرة، وله أحاديث انفرد البخاري بحديث، ومسلم بثلاثة، مات بالمدينة سنة (٣٨) في شوال في خلافة علي، وقيل: سنة (٣٩) وهو ابن ٧٣ سنة، وقيل ابن ٩٠ سنة. ودفن بالبقيع.
٩٩٩- قوله: (صليت خلف رسول الله ﷺ ) قال الحافظ في الفتح: وأخرجه الطبراني، وبين أن الصلاة المذكورة المغرب، وسنده لا بأس به-انتهى. وهذه الزيادة ترد على من قال أنه في التطوع، على أن المعتاد في الصلاة جماعة هو الفرض لا النفل. (فعطست) بفتح الطاء وتكسر. (طيباً) أي خالصاً عن الرياء والسمعة. (مباركاً فيه مباركاً عليه) قال ابن الملك: كلاهما واحد، ولعل المراد أنواع البركة، وهي الزيادة عليه. وقال الطيبي: الضميران في "فيه" و"عليه" للحمد، ففي الأول البركة بمعنى الزائد من نفس الحمد أي المستلزم لزيادة ثوابه، وفي الثاني من الخارج لتعديتها بـ"ـعلى" للدلالة على معنى الإفاضة أي على الحمد، ثم على قائله من حضرة الحق. (كما يحب ربنا ويرضى) أي حمداً موصوفاً بما ذكر، وبأنه مماثل للحمد الذي يحبه الله ويرضاه. وفيه من حسن التفويض إلى الله تعالى ما هو الغاية في القصد. (انصرف) أي سلم، وانصرف عن جهة القبلة. (فلم يتكلم أحد) أي بالجواب، وهذا مسبب عن قوله: "من المتكلم في الصلاة" فإن النبي ﷺ سألهم سؤال مستفهم، فوهموا أنه سؤال
стр. 1282
ثم قالها الثالثة، فقال رفاعة: أنا يارسول الله، فقال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكاً، أيهم يصعد بها)) رواه الترمذي وأبوداود والنسائي.
١٠٠٠- (١٦) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((التثاؤب في الصلاة من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع))
ــ
منكر، ظناً منهم أن هذا القول غير جائز في الصلاة، كان ذلك سبباً لعدم الإجابة هيبة وإجلالاً، فلما زال التوهم في المرة الثانية أجاب بقوله "أنا". (فقال رفاعة) فيه تجريد، وأصله فقلت. (أنا) أي المتكلم. (لقد ابتدرها) أي استبق إليها. (أيهم يصعد بها) أي يسبق بعضهم بعضاً؛ لأن يصعد بها، قاله ابن الملك. وقال الطيبي: الجملة سدت مسد مفعولي ينظرون المحذوف على التعليق. والحديث فيه دليل على أن العاطس في الصلاة يحمد الله بغير كراهة، ويؤيد ذلك عموم الأحاديث الواردة بمشروعيته، فإنها لم تفرق بين الصلاة وغيرها، وعلى جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور، وعلى جواز رفع الصوت بالذكر المذكور ما لم يشوش على من معه. (رواه الترمذي وأبوداود والنسائي) وأخرجه أيضاً البيهقي (ج٢: ص٩٥) وحسنه الترمذي، وسكت عنه أبوداود، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره، وأصل الحديث في صحيح البخاري، لكن ليس فيه ذكر العطاس، ولا زيادة "كما يحب ربنا ويرضى". ولم يعين فيه الرجل القائل بل أبهمه، وزاد فيه أن ذلك عند رفع الرأس من الركوع. وقد أورده المصنف في باب الركوع، وتقدم هناك شرحه، ويجمع بين الروايتين بأن الرجل المبهم في رواية البخاري هو رفاعة كما في حديث الباب، ولا مانع أن يكني عن نفسه إما لقصد إخفاء عمله، أو لنحو ذلك، ويجمع بأن عطاسه وقع عند رفع رأسه من الركوع، لكن إيراد المصنف رواية البخاري في باب الركوع، ورواية الترمذي هذه في باب ما لا يجوز من العمل في الصلاة وما يباح منه، يدل على أنه لم يذهب إلى اتحاد الواقعة في الروايتين، بل جعلهما قصتين، خلافاً لما جزم به الحافظ وابن بشكوال.
١٠٠٠- قوله: (التثاؤب) بالهمز، وقيل: بالواو. (في الصلاة من الشيطان) أضافه إلى الشيطان؛ لأنه يحبه ويتوسل به إلى ما يرضاه من قطع الصلاة والمنع من العبادة. قال ابن حجر: التقييد بالصلاة ليس للتخصيص بل؛ لأن القبح فيها أكثر؛ لأن معنى كونه من الشيطان أن أسبابه من الامتلاء والثقل وقسوة القلب هي التي من الشيطان، وهذا يوجب كونه منه في الصلاة وخارجها. ومن ثم قال النووي وغيره: يكره التثاؤب بالأذكار في الصلاة وخارجها- انتهى. (فإذا تثاءب) أي شرع في التثاءب أو أراد أن يتثاءب أو يأخذ في أسبابه. (فليكظم) أي ليدفعه وليحبسه. (ما استطاع) أي ما أمكنه بضم الشفتين، وتطبيق السن، أو بوضع الثوب، أو اليد على الفم.
стр. 1283
رواه الترمذي. وفي أخرى له ولابن ماجه: ((فليضع يده على فيه)) .
١٠٠١- (١٧) عن كعب بن عجرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامداً إلى المسجد، فلا يشبكن بين أصابعه، فإنه في الصلاة))
ــ
(رواه الترمذي) في الصلاة، وقال: حديث حسن صحيح، وأخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه، نقله ميرك، وأخرجه مسلم بدون ذكر الصلاة. (وفي أخرى له) أي في رواية أخرى للترمذي أي في الأدب، وقد حسنها الترمذي. (ولابن ماجه) في سنده عبد الله بن سعيد المقبري. قال في الزوائد: اتفقوا على ضعفه. (فليضع يده على فيه) أي بدل "فليكظم ما استطاع". ولفظ ابن ماجه: إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه- أي إذا لم يدفعه بضم شفتيه-ولا يعوى، فإن الشيطان يضحك منه. وقوله: "لا يعوى" بالعين المهملة أي لا يصبح شبه التثاؤب الذي يسترسل معه بعواء الكلب تنفيراً عنه واستقباحاً له، فإن الكلب يرفع رأسه ويفتح فاه ويعوي، والمتثاءب إذا أفرط في التثاءب شابهه. ومن ههنا تظهر النكتة في كونه يضحك منه؛ لأنه صيره ملعبة له بتشويه خلقه في تلك الحالة.
١٠٠١- قوله: (فأحسن وضوءه) بمراعاة السنن وحضور القلب وتصحيح النية. (ثم خرج) أي من بيته. (عامداً إلى المسجد) أي قاصداً إليه. (فلا يشبكن بين أصابعه) أي لا يدخل بعضها في بعض من التشبيك، وهو إدخال الأصابع بعضها في بعض. (فإنه في الصلاة) أي حكماً. والحديث يدل على كراهة التشبيك من وقت الخروج إلى المسجد للصلاة. وفيه أنه يكتب لقاصد الصلاة أجر المصلي من حين يخرج من بيته إلى أن يعود إليه، ويدل على ذلك أيضاً ما روي عن أبي هريرة مرفوعاً: من توضأ ثم خرج يريد الصلاة فهو في صلاة حتى يرجع إلى بيته، فلا تقولوا هكذا يعني يشبك بين أصابعه. أخرجه الدارمي والحاكم من طريق إسماعيل بن أمية عن سعيد عن أبي هريرة. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وما روي عن أبي سعيد مرفوعاً: إذا كان أحدكم في المسجد، فلا يشبكن فإن التشبيك من الشيطان، وأن أحدكم لا يزال في الصلاة مادام في المسجد حتى يخرج منه. أخرجه أحمد (ج٣: ص٤٣) وابن أبي شيبة. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢: ص٢٥) بعد عزوه إلى أحمد: إسناده حسن. وعزاه الحافظ في الفتح لابن أبي شيبة فقط، وقال بعد ذكر لفظه: في إسناده ضعيف ومجهول –انتهى. واختلف في حكمة النهي عن التشبيك في المسجد، كما في حديث أبي سعيد وفي غيره، كما في حديث كعب بن عجرة وأبي هريرة. فقيل: لما فيه من العبث. وقيل: لأنه ينافي الخشوع. وقيل: لأنه من الشطان، كما تقدم في رواية أحمد وابن أبي شيبة. وقيل: لأن التشبيك ربما يجلب النوم وهو من مظان الحديث. وقيل: لما في ذلك من الإيماء إلى تشبيك الأحوال والأمور على المراء وملابسة الخصومات والخوض فيها.
стр. 1284
رواه أحمد والترمذي.
ــ
وحين ذكر رسول الله ﷺ الفتن قال: واختلفوا فصاروا هكذا، وشبك بين أصابعه. وقيل: لأن صورة التشبيك تشبه صورة الاختلاف، كما نبه عليه في حديث ابن عمر عند البخاري، فكره ذلك لمن هو في حكم الصلاة حتى لا يقع في المنهي عنه، وهو قوله ﷺ للمصلين: ولا تختلفوا فتخلف قلوبكم. قال العراقي: وفي معنى التشبيك بين الأصابع تفقيعها. فيكره أيضاً في الصلاة ولقاصد الصلاة. وروى أحمد والدارقطني والطبراني من حديث أنس بن معاذ مرفوعاً: إن الضاحك في الصلاة والملتفت والمفقع أصابعه بمنزلة واحدة. وفي إسناده ابن لهيعة وزبان بن فائد ورشدين بن سعد وسهل بن معاذ، وكلهم ضعفاء. ويؤيده ما روى ابن ماجه من حديث علي: أن النبي ﷺ قال: لا تفقع أصابعك في الصلاة. وفي سنده الحارث الأعور. والتفقيع هو غمز الأصابع حتى يسمع لها صوت، فإن قلت: أحاديث النهي عن التشبيك معارضة لحديث أبي موسى مرفوعاً: أن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، ولحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين: ووضع يده اليمنى على اليسرى ثم شبك بين أصابعه. أخرجهما الشيخان. ولحديث ابن عمر قال: شبك النبي ﷺ أصابعه. أخرجه البخاري وترجم على هذه الأحاديث باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره. قلت: أحاديث النهي عن التشبيك لا تصلح لمعارضة أحاديث الجواز المروية في الصحيحين؛ لانتفاء شرط المعارضة والمقاومة، وهو المساواة في الصحة والقوة. وقيل: التحقيق أنه ليس بين هذه الأحاديث تعارض إذ المنهي عنه فعله على وجه العبث، وهو منهي عنه في الصلاة ومقدماتها ولواحقها من الجلوس في المسجد والمشي إليه. والذي في حديث أبي موسى وابن عمر إنما هو لمقصود التمثيل وتصوير المعنى في النفس بصورة الحس، وأما تشبيكه في قصة ذي اليدين فكان لاشتباه الحال عليه في السهو الذي وقع منه. ولذلك وقف كأنه غضبان. وقيل: يجمع بينها بأن النهي مقيد بما إذا كان في الصلاة أو قاصداً لها إذ منتظر الصلاة في حكم المصلي. والأحاديث الدالة على الجواز خالية عن ذلك. أما حديث أبي موسى وابن عمر فظاهران. وأما حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، فلأن تشبيكه إنما وقع بعد انقضاء الصلاة في ظنه، فهو في حكم المنصرف من الصلاة. والرواية التي فيها النهي عن ذلك مادام في المسجد ضعيفة، كما تقدم عن الحافظ. إن في إسناده ضعيفاً ومجهولاً، فهي غير معارضة لحديث أبي هريرة. وقيل: يجمع بينها بأن فعله ﷺ يفيد عدم التحريم ولا يمنع الكراهة أي لغيره، لكونه فعله نادراً أي لبيان الجواز أو المعنى كما في حديث أبي موسى وابن عمر. (رواه أحمد) (ج٤: ص٢٤١- ٢٤٢) .. (والترمذي) ولم يحكم عليه بشيء من الصحة والحسن والضعف، واشتغل عنه بذكر الاختلاف في سنده.
стр. 1285
وأبوداود والنسائي والدارمي.
١٠٠٢- (١٨) وعن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يزال الله عزوجل مقبلاً على العبد، وهو في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت
ــ
(وأبوداود) وسكت عنه. (والنسائي) كذا في النسخ الموجودة عندنا من طبعات الهند ومصر بذكر النسائي، والظاهر أنه خطأ، فإن الحديث لم أجده في سنن النسائي اللهم إلا أن يكون في الكبرى. ويدل على ذلك أيضاً عدم وجوده في نسخة القاري التي اعتمدها في شرحه، فإنه قال بعد ذكر قول المصنف رواه أحمد والترمذي وأبوداود ما لفظه، وفي نسخة والنسائي أيضاً. (والدارمي) الحديث في إسناده عند الترمذي رجل غير مسمى، وهو الراوي له عن كعب بن عجرة، وقد كنى أحمد في رواية وأبوداود والدارمي والبيهقي هذا الرجل المبهم، فرووه من طريق سعد بن إسحاق، قال: حدثني أبوثمامة الحناط -بالحاء المهملة والنون- عن كعب، وقد ذكره ابن حبان في الثقات. وأخرجه أيضاً أحمد والدارمي في رواية من حديث المقبري عن كعب، وأخرجه ابن ماجه من حديث أبي سعيد المقبري عن كعب، ولم يذكر الثلاثة في رواياتهم الرجل، وأخرجه أيضاً أحمد من طريق سعيد المقبري عن رجل من بني سالم عن أبيه عن جده عن كعب بن عجرة، ومن طريق سعيد المقبري عن بعض بني كعب بن عجرة عن كعب، ومن طريق سعيد بن أبي سعيد عن كعب بن عجرة. وبسط البيهقي الاختلاف فيه على سعيد، وأخرجه ابن حبان والبيهقي أيضاً من حديث الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلي عن كعب بن عجرة، ولأجل هذا الاختلاف ضعف بعضهم حديث كعب بن عجرة هذا. قال ابن بطال: قد وردت في النهي عن التشبيك مراسيل ومسنده من طرق غير ثابتة. قال الحافظ في الفتح وكأنه يشير إلى حديث كعب بن عجرة، فذكر لفظه، ثم قال: أخرجه أبوداود وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وفي إسناده اختلاف، ضعفه بعضهم بسببه-انتهى. قلت: الظاهر أن الحديث من طريق سعد بن إسحاق عن أبي ثمامة الحناط القماح عن كعب عند أحمد وأبي داود والدارمي والبيهقي، ومن طريق الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلي عن كعب عند ابن حبان والبيهقي، لا ينحط عن درجة الحسن. وقد أيده ما تقدم من حديث أبي سعيد عند أحمد بإسناد حسن، ومن حديث أبي هريرة عند الدارمي والحاكم. والله أعلم.
١٠٠٢- قوله: (لا يزال الله عزوجل مقبلاً على العبد) بالإحسان والغفران والعفو لا يقطع عنه ذلك. قال القاري: أي ناظراً إليه بالرحمة وإعطاء المثوبة، والمعنى: لم ينقطع أثر الرحمة عنه. (مالم يلتفت) أي مالم يتعمد الالتفات إلى مالا يتعلق بالصلاة. وقال الحافظ: المراد بالالتفات مالم يستدبر القبلة بصدره أو عنقه كله. وسبب كراهة الالتفات يحتمل أن يكون لنقص الخشوع أو لترك استقبال القبلة ببعض البدن- انتهى. (فإذا التفت)
стр. 1286
انصرف عنه)) رواه أحمد وأبوداود والنسائي والدارمي.
١٠٠٣- (١٩) وعن أنس، ((أن النبي ﷺ قال: يا أنس اجعل بصرك حيث تسجد))
ــ
وفي رواية النسائي "فإذا صرف وجهه" أي بالالتفات إلى مالا يتعلق بالصلاة. (انصرف عنه) أي أعرض عنه بقطع الرحمة المسببة عن الإقبال على الصلاة. وقال ابن مالك: المراد منه قلة الثواب. (رواه أحمد) في (ج٥ ص١٧٢) (وأبوداود) وسكت عنه. (والنسائي والدارمي) وأخرجه أيضاً ابن خزيمة في صحيحه والبيهقي (ج٢ ص٢٨١) ، والحاكم (ج١ ص٢٣٦) ، وصححه كلهم من طريق الزهري عن أبي الأحوص عن أبي ذر. قال المنذري في الترغيب: وأبوالأحوص هذا لا يعرف اسمه ولم يرو عنه غير الزهري، وقد صحح له الترمذي وابن حبان وغيرهما- انتهى. وقال ابن عبد البر: هو مولى بني غفار، إمام مسجد بني ليث. قال ابن معين: أبوالأحوص الذي حدث عنه الزهري ليس بشيء، وذكره ابن حبان في الثقات، وليس لقول ابن معين هذا أصل إلا كونه انفرد الزهري بالرواية عنه. قال ابن عبد البر: قد تناقض ابن معين في هذا، فإنه سئل عن ابن أكيمة، وقيل له: إنه لم يرو عنه غير ابن شهاب، فقال: يكفيه قول ابن شهاب، حدثني ابن أكيمة، فيلزمه مثل هذا في أبي الأحوص؛ لأنه قال في حديث الباب سمعت أباالأحوص. وقال أبوأحمد الكرابيسي: ليس بالمتين عندهم. وذكره ابن حبان في الثقات، كذا في تهذيب التهذيب (ج١٢ ص٥) وقال في التقريب: أبوالأحوص مولى بني ليث أو غفار مقبول من أوساط التابعين لم يرو عنه غير الزهري- انتهى. وقال النووي في الخلاصة: هو فيه جهالة لكن الحديث لم يضعفه أبوداود فهو حسن عنده- انتهى.
١٠٠٣- قوله: (اجعل بصرك حيث تسجد) الحديث بظاهره يدل على استحباب النظر إلى موضع السجود في سائر الصلاة، وعليه عمل الشافعية، كما يدل عليه كلام البيضاوي في تفسير قوله تعالى: ﴿الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ [٢:٢٣] ، وهو مذهب أحمد كما في المغني (ج١ ص٦٦٤) ، والشافعي، كما قاله ابن حجر وغيره. لكن قال الطيبي: يستحب للمصلي أن ينظر في القيام إلى موضع سجوده، وفي الركوع إلى ظهر قدميه، وفي السجود إلى أنفه، وفي التشهد إلى حجره- انتهى. وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه مع زيادة أن ينظر في السلام إلى منكبيه كما في النهاية شرح الهداية. قلت: وذهب مالك إلى أن يكون نظر المصلي إلى جهة القبلة. وإليه يظهر ميل البخاري حيث قال في صحيحه: باب رفع البصر إلى الإمام في الصلاة، وذكر فيه أحاديث تدل على ذلك. قال الحافظ في الفتح: قال الزين بن المنير: نظر المأموم إلى الإمام من مقاصد الائتمام، فإذا تمكن من مراقبته بغير التفات كان ذلك من إصلاح صلاته. وقال ابن بطال: فيه حجة لمالك في أن نظر المصلي يكون إلى جهة القبلة. وقال الشافعي والكوفيون: يستحب له أن ينظر إلى موضع سجوده؛ لأنه أقرب إلى الخشوع.
стр. 1287
رواه. . . .
ــ
وقال العيني في شرح البخاري (ج٥ ص٣٠٦) : قد اختلف العلماء في رفع البصر إلى أي موضع في صلاته، فقال أصحابنا والشافعي وأبوثور إلى موضع سجوده، وروي ذلك عن إبراهيم وابن سيرين، وفي التوضيح: واستثنى بعض أصحابنا إذا كان مشاهداً للكعبة، فإنه ينظر إليها. وقال القاضي حسين: ينظر إلى موضع سجوده في حال قيامه، وإلى قدميه في ركوعه، وإلى أنفه في سجوده، وإلى حجره في تشهده؛ لأن امتداد النظر يلهي، فإذا قصر كان أولى. وقال مالك: ينظر أمامه، وليس عليه أن ينظر إلى موضع سجوده وهو قائم. قال: وأحاديث الباب تشهد له؛ لأنهم لو لم ينظروا إليه ﵊ ما رأوا تأخره حين عرضت عليه جهنم، ولا رأوا اضطراب لحيته، ولا استدلوا بذلك على قراءته ولا نقلوا ذلك، ولا رأوا تناوله فيما تناوله في قبلته حين مثلت له الجنة. ومثل هذا الحديث قوله ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به؛ لأن الائتمام لا يكون إلا بمراعاة حركاته في خفضه ورفعه – انتهى. وقال الحافظ بعد ذكر ما تقدم من كلام ابن المنير وابن بطال: وورد في ذلك أي في النظر إلى موضع السجود حديث أخرجه سعيد بن منصور من مرسل محمد بن سيرين، ورجاله ثقات، وأخرجه البيهقي موصولاً، وقال: المرسل هو المحفوظ. قال الحافظ: ويمكن أن يفرق بين الإمام والمأموم، فيستحب للإمام النظر إلى موضع السجود، وكذا للمأموم إلا حيث يحتاج إلى مراقبة إمامه، وأما المنفرد فحكمه حكم الإمام. والله أعلم. قلت: كلام الحافظ هذا حسن جيد، ولم أجد حديثاً مرفوعاً أو موقوفاً يدل على التفصيل الذي ذكره الطيبي والقاضي حسين وصاحب النهاية، ويؤيد ما ذهب إليه الشافعي وأحمد ما رواه البيهقي عن أنس أن النبي ﷺ قال: يا أنس اجعل بصرك حيث تسجد. وهو حديث الباب، وسيأتي الكلام فيه. وفي رواية: يا أنس ضع بصرك في الصلاة عند موضع سجودك، قال هذا شديد، قال ففي المكتوبة إذا، وما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ خفضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم. قال محمد بن سيرين: وكانوا يقولون لا يجاوز بصره مصلاه، فإن كان قد اعتاد النظر فليغمض، كذا في تفسير ابن كثير، وما روي عن أم سلمة بنت أبي أمية زوج النبي ﷺ ، أنها قالت: كان الناس في عهد رسول الله ﷺ إذا قام المصلي يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع قدميه، فتوفي رسول الله ﷺ فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع جبينه، فتوفي أبوبكر وكان عمر فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع القبلة، ثم توفي عمر وكان عثمان، فكانت الفتنة، فالتفتت الناس يميناً وشمالاً. قال المنذري في الترغيب: رواه ابن ماجه أي في الجنائز بإسناد حسن، إلا أن موسى بن عبد الله بن أبي أمية المخزومي لم يخرج له من أصحاب الكتب الستة غير ابن ماجه، ولا يحضرني فيه جرح ولا تعديل- انتهى. (رواه) . . . .ههنا بياض بالأصل، وألحق به- أي في الحاشية-
стр. 1288
١٠٠٤- (٢٠) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا بني إياك والالتفات في الصلاة، فإن الالتفات في الصلاة هلكة، فإن كان لابد ففي التطوع لا في الفريضة)) رواه الترمذي.
ــ
البيهقي في سننه الكبير من طريق الحسن عن أنس، وفي نسخة صحيحة يرفعه. قيل إنه من ملحقات الجزري. قال ابن حجر: وله طرق تقتضي حسنه، كذا في المرقاة. قلت: حديث أنس هذا أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (ج٢ ص٢٨٤) من طريق الربيع بن بدر عن عنطوانة عن الحسن عن أنس، قال البيهقي رواه جماعة عن الربيع بن بدر عن عنطوانة، والربيع بن بدر ضعيف- انتهى. وقال الحافظ في اللسان (ج٤ ص٣٨٥) : عنطوانة عن الحسن عن أنس مرفوعاً: يا أنس ضع بصرك حيث تسجد. لا يدرى من ذا. انفرد به عنه عليلة بن بدر- انتهى. وذكره العقيلي فقال: مجهول بصري، روى عنه الربيع بن بدر، وهو متروك ثم ساق حديثه المذكور. والربيع هو عليلة بالتصغير- انتهى.
١٠٠٤- قوله: (يا بني إياك والالتفات في الصلاة) أي بتحويل الوجه. (فإن الالتفات في الصلاة) أظهر في موضع الضمير لمزيد الأيضاح والبيان في مقام التحذير. (هلكة) بفتحتين أي هلاك؛ لأنه طاعة الشيطان، وهو سبب الهلاك. قال الطيبي: الهلكة الهلاك وهو استحالة الشيء وفساده، لقوله تعالى: ﴿ويهلك الحرث والنسل﴾ [٢٠٥:٢] والصلاة بالالتفات تستحيل من الكمال إلى الاختلاس المذكور في الحديث الخامس من الفصل الأول. وقال الشوكاني: سمي الالتفات هلكة باعتبار كونه سبباً لنقصان الثوب الحاصل بالصلاة، أو لكونه نوعاً من تسويل الشيطان واختلاسه، فمن استكثر منه كان من المتبعين للشيطان، واتباع الشيطان هلكة، أو لأنه إعراض عن التوجه إلى الله، والإعراض عنه عزوجل هلكة. (فإن كان لابد) أي من الالتفات. (ففي التطوع لا في الفريضة) ؛ لأن مبنى التطوع على المساهلة، ألا ترى أنه يجوز قاعداً مع القدرة على القيام، وفيه الإذن بالالتفات للحاجة في التطوع، والمنع من ذلك في صلاة الفرض. (روا الترمذي) وقال: حديث حسن. ونقل ميرك أنه قال: حسن صحيح. وذكر الزيلعي الحديث في نصب الراية (ج٢ ص٨٩) عن الترمذي وقال: قال: حديث حسن صحيح. ونقل المجد بن تيمية الحديث في المنتقى وقال: رواه الترمذي وصححه. وقال المنذري في الترغيب بعد ذكره: رواه الترمذي من رواية علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أنس، وقال حديث حسن، وفي بعض النسخ صحيح. قال المنذري: وعلي بن زيد بن جدعان يأتي الكلام عليه، ورواية سعيد عن أنس غير مشهورة- انتهى. وقال في الفصل الذي ذكر فيه الرواة المختلف فيهم: علي بن زيد بن جدعان، قال البخاري وأبو حاتم: لا يحتج به، وضعفه ابن عيينة وأحمد وغيرهما، وروى عن يحيى ليس بشيء، وروى عنه ليس بذاك القوي، وقال أحمد العجلي: كان يتشيع وليس بالقوي، وقال الدارقطني: لا يزال عندي فيه لين، وقال الترمذي: صدوق،
стр. 1289
١٠٠٥- (٢١) وعن عباس ﵄، قال: ((إن رسول الله ﷺ كان يلحظ في الصلاة يميناً وشمالاً، ولا يلوي عنقه خلف ظهره)) . رواه الترمذي والنسائي.
ــ
وصحح له حديثاً في السلام، وحسن له غير ما حديث- انتهى.
١٠٠٥- قوله: (كان يلحظ) بفتح الحاء المهملة وبالظاء أي ينظر بمؤخر عينيه من اللحظ، وهو النظر بطرف العين الذي يلي الصدغ، وفي رواية النسائي: كان يلتفت (في الصلاة) قيل: النافلة، ويحتمل الفرض أيضاً. والحاصل أن إلتفاته كان متضمناً لمصلحة بلا ريب مع دوام حضور القلب وتوجهه إلى الله تعالى على وجه الكمال، قاله السندي. (يميناً وشمالاً) أي تارة إلى جهة اليمين وأخرى إلى جهة الشمال. (ولا يلوى) أي لا يصرف ولا يميل (عنقه خلف ظهره) أي إلى جهته. وقال الطيبي: اللي فتل الحبل، يقال لويته الوية ليا، ولوى رأسه وبرأسه أماله. ولعل هذا الالتفات كان منه في التطوع، فإنه أسهل لما في الحديث السابق. وقال ابن الملك: قيل إلتفاته ﵊ مرة أو مراراً قليلة لبيان أنه غير مبطل أو كان لشئ ضروري، فان كان أحد يلوى عنقه خلف ظهره أي ويحول صدره عن القبلة فهو مبطل للصلاة كذا في المرقاة قلت: الالتفات المذكور في حديث ابن عباس هذا هو أن يلحظ بعينيه يميناً وشمالاً لمراقبة أحوال المتقدمين، أو لمصلحة أخرى، وهو مباح عند الجميع في الفرض، وإن كان خلاف الأولى، وهو غير الإلتفات المذكور في حديث أنس السابق والحديث الخامس من الفصل الأول، فان المراد من الالتفات فيهما هو أن يلتفت بطرف الرأس والوجه من غير أن يحول صدره عن القبلة، وهو مكروه عند الجميع بلا حاجة بل حرام عند الظاهرية. (رواه الترمذي والنسائي) وأخرجه أيضاً أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك (ج١:ص٢٣٦-٢٥٦) وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وأخرجه أيضاً الدارقطني في سننه (ص١٩٥) والحازمي في كتاب الاعتبار (ص٦٤) قال الترمذي حديث غريب يعني أنه تفرد بروايته متصلاً الفضل بن موسى عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند. ونقل القاري في المرقاة عن ميرك أنه نقل عن الترمذي حسن غريب، ونقل عن النووي أنه صحح إسناده. وقال الترمذي في جامعه: وقد خالف وكيع الفضل بن موسى في روايته، ثم أخرجه عن وكيع عن عبد الله بن سعيد عن بعض أصحاب عكرمة "أن النبي ﷺ كان يلحظ في الصلاة" فذكر نحوه. وقال في علله الكبير: ولا أعلم أحداً روى هذا الحديث عن عبد الله بن سعيد مسنداً مثل ما رواه الفضل بن موسى-انتهى. وقال الدارقطني بعد روايته: تفرد به الفضل بن موسى عن عبد الله بن سعيد به متصلاً وغيره يرسله، وكذا قال الحازمي في كتاب الاعتبار، وأراد الترمذي والدارقطني والحازمي بذلك تعليل الرواية المتصلة. وليست هذه علة، بل إسناد الحديث صحيح أو حسن، والرواية المتصلة زيادة من ثقة، فهي مقبولة.
стр. 1290
١٠٠٦- (٢٢) وعن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده رفعه، قال: ((العطاس والنعاس والتثاؤب في الصلاة، والحيض والقيء والرعاف من الشيطان)) رواه الترمذي.
ــ
والفضل بن موسى ثقة ثبت. قال ابن القطان في كتابه: هذا حديث صحيح، وإن كان غريباً، لا يعرف إلا من هذه الطريق. قال عبد الله بن سعيد وثور بن زيد ثقتان، وعكرمة احتج به البخاري. فالحديث صحيح-انتهى. والحديث أخرجه البزار في مسنده عن مندل بن علي العنزي عن الشيباني عن عكرمة عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ كان إذا صلى يلاحظ أصحابه في الصلاة يميناً وشمالاً، ولا يلتفت". ورواه ابن عدي في الكامل، وأعله بمندل وضعفه عن النسائي والسعدي وابن معين، ولينه هو، وقال: إنه ممن يكتب حديثه-انتهى. وفي الباب عن علي بن شيبان، قال: خرجنا إلى رسول الله ﷺ ، فبايعناه، وصلينا خلفه، فلمح بمؤخر عينيه رجلاً لم يقم صلبه في الركوع والسجود، فقال إنه لا صلاة لمن يقم يقم صلبه، أخرجه ابن ماجه وابن حبان.
١٠٠٦- قوله: (رفعه) أي رفع جد عدي الحديث إلى النبي ﷺ . ولولا هذا القيد لأوهم قوله: (العطاس) أن يكون من قول الصحابي، فيكون موقوفاً، قاله الطيبي، (والنعاس) هو النوم الخفيف أو مقدمة النوم، وهو سنة، (والتثاؤب في الصلاة) قال الطيبي: إنما فصل بين الثلاثة الأول والأخيرة بقوله: في الصلاة؛ لأن الثلاثة الأول مما لا يبطل الصلاة بخلاف الأخير. (والحيض والقيء والرعاف) بضم الراء، دم الأنف. (من الشيطان) قال القاضي: أضاف هذه الأشياء إلى الشيطان؛ لأنه يحبها ويتوسل بها إلى ما يبتغيه من قطع الصلاة، والمنع عن العبادة، ولأنها تغلب في غالب الأمر من شره الطعام الذي هو من أعمال الشيطان. وزاد التوربشتي ومن ابتغاء الشيطان الحيلولة بين العبد وبين ما ندب إليه من الحضور بين يدي الله، والاستغراق في لذة المناجاة، ذكره الطيبي. وقال ابن حجر: المراد من العطاس كثرته، فلا ينافيه الخبر: "إن الله يحب العطاس"؛ لأن محله في العطاس المعتدل، وهو الذي لا يبلغ الثلاث التوالي، بدليل أنه يسن تشميته حينئذٍ بـ"عافاك الله وشفاك" الدال على أن ذلك مرض-انتهى. قال القاري: والظاهر الجمع بين الحديثين بأن يحمل محبة الله تعالى العطاس مطلقاً على خارج الصلاة، وكراهته مطلقاً في داخل الصلاة؛ لأنه في الصلاة لا يخلو عن اشتغال بال به، وهذا الجمع كان متعيناً لو كان الحديثان مطلقين فكيف مع التقييد بها في هذا الحديث. وقال العراقي في شرح الترمذي: لا يعارض هذا حديث أبي هريرة: إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، لكونه مقيداً بحال الصلاة، فقد يتسبب الشيطان في حصول العطاس للمصلي ليشغله عن صلاته، ذكره الحافظ في الفتح. (رواه الترمذي) أي في الأدب، وقال حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث شريك عن أبي اليقظان عن عدي-انتهى. وشريك هذا هو ابن عبد الله النخعي القاضي، وهو صدوق يخطيء كثيراً، تغير حفظه منذ ولى القضاء بالكوفة. وأبواليقظان اسمه عثمان بن عمير الكوفي، الأعمى، ضعيف، واختلط، وكان يدلس، ويغلو في التشيع. وقال الحافظ في الفتح بعد ذكر
стр. 1291
١٠٠٧- (٢٣) وعن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: ((أتيت النبي ﷺ وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل، يعني يبكي.
ــ
الحديث: وسنده ضعيف، وله شاهد عن ابن مسعود في الطبراني، لكن لم يذكر النعاس، وهو موقوف، وسنده ضعيف أيضاً-انتهى. والحديث أخرجه ابن ماجه من طريق شريك عن أبي اليقظان عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ بلفظ: قال البزاق والمخاط والحيض والنعاس في الصلاة من الشيطان. قال في الزوائد: أبواليقظان أجمعوا على ضعفه.
١٠٠٧- قوله: (وعن مطرف) بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد الراء المكسورة. (بن عبد الله بن الشخير) بكسر الشين المعجمة وتشديد الخاء المعجمة المكسورة بعدها تحتانية ثم راء الحرشي العامري البصري، ثقة عابد فاضل من كبار التابعين، مات سنة ٩٥هـ، وقد ذكر ابن سعد وغيره له مناقب كثيرة. (عن أبيه) عبد الله بن الشخير بن عوف بن كعب بن وقدان بن الحريش الحرشي العامري الصحابي ذكره ابن سعد في مسلمة الفتح. وقال ابن مندة: وفد في وفد بني عامر، له أحاديث انفرد له مسلم بحديث. (وهو يصلي) أي والحال أنه يصلي، فالجملة حالية، وكذلك جملة قوله: (ولجوفه أزيز) أي والحال أن لجوفه أزيزاً بزائين معجمتين ككريم، وهو صوت القدر إذا غلت. والمراد حنين من الخوف والخشية، وهو صوت البكاء. وقال الجزري: هو أن يحيش جوفه ويغلي من البكاء. (كأزيز المرجل) بكسر الميم وسكون الراء وفتح الجيم، الإناء الذي يغلي فيه الماء سواء كان من حديد أو صفر أو حجارة أو خزف، والميم زائدة. قيل له ذلك؛ لأنه إذا نصب كأنه أقيم على أرجل. وقال القاري: المرجل القدر إذا غلى. قال الطيبي: أزيز المرجل صوت غليانه، ومنه الأز، وهو الإزعاج. وقيل: للمرجل القدر من حديد أو حجر أو خزف؛ لأنه إذا نصب كأنه أقيم على الرجل. (يعني يبكي) أي يريد الراوي بالعبارة المذكورة أن النبي ﷺ يبكي بحيشان جوفه وغليانه. وقال الطيبي: فيه دليل على أن البكاء لا يبطل الصلاة. قال ابن حجر: وفيه نظر؛ لأن الصوت إنما سمع للجوف أو الصدر، لا اللسان، والمختلف في إبطاله إنما هو البكاء المشتمل على الحرف. وقال البيجوري في شرح الشمائل: يؤخذ من الحديث أنه إذا لم يكن الصوت مشتملاً على حرفين أو حرف مفهم لم يضر في الصلاة-انتهى. قلت: الحديث بظاهره وبإطلاقه دليل بين على أن البكاء غير مبطل للصلاة، سواء ظهر منه حرفان أم لا إذا كان من خشية الله تعالى، وهو الذي فهمه الترمذي وأبوداود والنسائي والمجد ابن تيمية، كما يظهر من تبويبهم على هذا الحديث، وليس في الحديث أدنى إشارة إلى القيد الذي ذكره ابن حجر والبيجوري تبعاً لمذهبهما. قال الشوكاني: في الحديث دليل على أن البكاء لا يبطل الصلاة، سواء ظهر منه حرفان أم لا. وقد قيل: إن كان البكاء من خشية الله لم يبطل، وهذا الحديث يدل عليه، ويدل عليه أيضاً ما رواه ابن حبان
стр. 1292
وفي رواية قال: رأيت النبي ﷺ يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء)) رواه أحمد، وروى النسائي الرواية الأولى، وأبوداود الثانية.
١٠٠٨- (٢٤) وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أقام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى
ــ
بسنده إلى علي بن أبي طالب، قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد بن الأسود، ولقد رأيتنا وما فينا قائم إلا رسول الله ﷺ تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح، وبوب عليه ذكر الإباحة للمرأ أن يبكي من خشية الله، ويدل عليه أيضاً ما أخرجه البيهقي وسعيد بن منصور وابن المنذر أن عمر صلى صلاة الصبح وقرأ سورة يوسف حتى بلغ إلى قوله: ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ [٨٦:١٢] فسمع نشيجه. والنشيج على وزن فعيل أشد البكاء كما في المحكم، ويدل عليه أيضاً ما روي عن ابن عمر عند البخاري وعن عائشة عند البخاري ومسلم في تصميمه ﷺ على استخلاف أبي بكر في الصلاة بعد أن أخبر أنه إذا قرأ غلبه البكاء، ويدل عليه أيضاً مدح الباكين بقوله تعالى: ﴿إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً﴾ [١٩: ٨٥] وبقوله: ﴿ويخرون للأذقان يبكون﴾ [١٧: ١٠٩] ، فإنه يشمل المصلي وغيره. واختلف العلماء في البكاء والأنين والتأوه فعن الشعبي والنخعي يفسد الصلاة، وعن المالكية والحنابلة والحنفية: إن كان لذكر النار والجنة والخوف لم يفسد، وإن كان لغير الخوف كالمصيبة والوجع أفسد. وفي مذهب الشافعي ثلاثة أوجه: أصحها إن ظهر منه حرفان أو حرف مفهم أفسد وإلا فلا، ثانيها: وحكى عن نصه في الإملاء أنه لا يفسد مطلقاً؛ لأنه ليس من جنس الكلام، ولا يكاد يبين منه حرف محقق فأشبه الصوت الغفل، ثالثها: عن القفال إن كان فمه مطبقاً لم يفسد وإلا أفسد إن ظهر منه حرفان، وبه قطع المتولي. قال الحافظ: والوجه الثاني أقوى دليل. (وفي رواية) أخرى. (كأزيز الرحى) يعنى الطاحون. قال الخطابي: أزيز الرحى صوتها وحرحرتها. (من البكاء) بالمد أي من أجله. قال ابن حجر: هو بالقصر خروج الدمع مع الحزن، وبالمد خروجه مع رفع الصوت. (رواه أحمد) (ج٤: ص٢٥- ٢٦) أي أصل الحديث عند أحمد مع قطع النظر عن خصوص اللفظ، وإلا فليس عنده الرواية الثانية. والحديث أخرجه أيضاً الترمذي في الشمائل، قال الحافظ في الفتح: وإسناده قوي، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، ووهم من زعم أن مسلماً أخرجه-انتهى.. (وروى النسائي الرواية الأولى الخ) ، وأخرج البيهقي الروايتين (ج٢: ص٢٥١) .
١٠٠٨- قوله: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة) أي إذا دخل فيها، إذ قبل التحريم لا يمنع. (فلا يمسح الحصى) أي فلا يعرض عن الصلاة لأدنى شيء، أي لما فيه من قطع التوجه للصلاة، فتفوته الرحمة المسببة عن الإقبال على الصلاة، وهذا إذا لم يكن لإصلاح محل السجود، وإلا فيجوز مرة بقدر الضرورة، كما تقدم. والحصى
стр. 1293
فإن الرحمة توجهه)) رواه أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه.
١٠٠٩- (٢٥) وعن أم سلمة، قالت: ((رأى النبي ﷺ غلاماً لنا، يقال له: أفلح، إذا سجد نفخ، فقال: يا أفلح ترب وجهك)) .
ــ
بفتحتين واحدتها حصاة، وهي الحجارة الصغيرة، والتقييد بالحصى خرج مخرج الغالب، لكونه كان الغالب على فرش مساجدهم، ولا فرق بينه وبين التراب والرمل على قول الجمهور. ويدل على ذلك قوله في حديث معيقيب المتقدم في الرجل يسوي التراب. (فإن الرحمة تواجهه) أي تنزل عليه وتقبل إليه. وهي علة للنهي، يعني فلا يليق لعاقل تلقي شكر تلك النعمة الخطيرة بهذه الفعلة الحقيرة، قاله الطيبي. وقال الشوكاني: هذا التعليل يدل على أن الحكمة في النهي عن المسح أن لا يشغل خاطره بشيء يلهيه عن الرحمة المواجهة له، فيفوته حظه منها. وقد روي أن حكمة ذلك أن لا يغطي شيئاً من الحصى يمسحه، فيفوته السجود عليه، كما تقدم في رواية ابن أبي شيبة عن أبي صالح السمان. قال ابن العربي: معناه الإقبال على الرحمة، وترك الاشتغال عنها بالحصباء وسواه إلا أن يكون لحاجة كتعديل موضع السجود أو إزالة شيء مضر، وقد كان مالك يفعله، وغيره يكرهه-انتهى. (رواه أحمد) (ج٥: ص١٥٠- ١٦٣- ١٧٩) . (والترمذي) وحسنه. (وأبوداود) وسكت عنه هو والمنذري. (والنسائي وابن ماجه) وأخرجه البيهقي أيضاً (ج٢: ص٢٨٤) كلهم من طريق الزهري عن أبي الأحوص عن أبي ذر. وقد تقدم الكلام في أبي الأحوص. وفي الباب أحاديث عديدة ذكرها الشوكاني في النيل.
١٠٠٩- قوله: (وعن أم سلمة) أم المؤمنين. (يقال له: أفلح) وقيل: اسمه رباح، كما في رواية لأحمد (ج٦: ص٣٢٣) والترمذي، وقيل: يسار، كما في رواية أخرى لأحمد (ج٦: ص٣٠١) . (إذا سجد) أي إذا أراد أن يسجد. (نفخ) أي في الأرض ليزول عنها التراب فيسجد. (ترب وجهك) أي في سجودك من التتريب، أي أوصل وجهك إلى التراب، وألقه به وضعه عليه، ولا تبعده عن موضع وجهك بالنفخ، فإنه أقرب إلى التواضع والتذليل والخضوع، فإن علوق التراب بالوجه الذي هو أفضل الأعضاء غاية التواضع. والحديث قد استدل به من اختار مباشرة المصلي للأرض من غير وقاية، روي ذلك عن ابن مسعود وعروة بن الزبير وإبراهيم النخعي خلافاً للجمهور، قال العراقي: والجواب عنه: أنه لم يأمره أن يصلي على التراب، وإنما أراد به تمكين الجبهة من الأرض، وكأنه رآه يصلي ولا يمكن جبهته من الأرض، فأمره بذلك. لا أنه رآه يصلي على شيء يستره من الأرض، فأمره بنزعه-انتهى. واستدل بالحديث أيضاً على كراهة النفخ في الصلاة. وقد اختلف العلماء فيه: فروي عن مالك كراهة النفخ في الصلاة ولا يقطعها كما يقطعها الكلام، وهو قول أحمد وإسحاق على ما ذكر الترمذي. وإليه ذهب أبويوسف وأشهب على ما قال ابن بطال. وفي المدونة:
стр. 1294
رواه الترمذي.
ــ
النفخ بمنزلة الكلام يقطع الصلاة. وعن أبي حنيفة ومحمد: إن كان يسمع فهو بمنزلة الكلام يبطل الصلاة، وإلا فلا، واستدل لهما بحديث أم سلمة وفيه أنه حديث ضعيف الإسناد. قال الحافظ في الفتح: ولو صح لم يكن فيه حجة على إبطال الصلاة بالنفخ؛ لأنه لم يأمره بإعادة الصلاة، وإنما استفاد من قوله: "ترب وجهك" استحباب السجود على الأرض، فهو نحو النهي عن مسح الحصى. قال: وفي الباب- أي في كراهة النفخ في الصلاة- عن أبي هريرة في الأوسط للطبراني، وعن زيد بن ثابت عند البيهقي، وعن أنس وبريدة عند البزار، وأسانيد الجميع ضعيفة جداً-انتهى. وقد ذكر الشوكاني في النيل: هذه الأحاديث مع بيان ما فيها من الضعف. واستدل لهما أيضاً بأحاديث النهي عن الكلام في الصلاة بأن النفخ كلام يدل على ذلك ما رواه سعيد بن منصور في سننه عن ابن عباس قال: النفخ في الصلاة كلام وروى البيهقي بإسناد صحيح إلى ابن عباس أنه كان يخشى أن يكون النفخ كلاماً. وأجيب بمنع كون النفخ كلاماً؛ لأن الكلام يتركب من الحروف المعتمدة على المخارج ولا اعتماد في النفخ، وأيضاً الكلام المنهي عنه في الصلاة هو المكالمة، ولو سلم صدق اسم الكلام على النفخ كما قال ابن عباس لكان فعله ﷺ لذلك في الصلاة مخصصاً لعموم النهي عن الكلام، كذا في النيل. والمصحح عند الشافعية والحنابلة أنه إن ظهر من النفخ حرفان بطلت الصلاة وإلا فلا. والراجح المعتمد عندنا هو عدم بطلان الصلاة بالنفخ مطلقاً، أي سواء ظهر منه حرفان أم لا، مسموعاً كان أو غير مسموع، لما رواه أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي عن عبد الله بن عمرو "أن النبي ﷺ نفخ في صلاة الكسوف"، وقد ذكره البخاري تعليقاً. وأخرج أحمد هذا المعنى من حديث المغيرة بن شعبة. ولفظ أبي داود: ثم نفخ في آخر سجوده فقال: أف أف. وفيه رد صريح على ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة والحنفية؛ لأنه كان مسموعاً، وقد صرح فيه بظهور الحرفين وفي الحديث أيضاً: أنه ﷺ قال: وعرضت على النار، فجعلت أنفخ خشية أن يغشاكم حرها، والنفخ لهذا الغرض لا يقع إلا بالقصد إليه، فانتفى قول من حمله على الغلبة. وأجاب الخطابي بأن "أف" لا تكون كلاماً حتى يشدد الفاء، قال: والنافخ في نفخه لا يخرج الفاء صادقة من خرجها. وتعقبه ابن الصلاح بأنه لا يستقيم على قول الشافعية أن الحرفين كلام مبطل، أفهما أولم يفهما، وأشار البيهقي إلى أن ذلك من خصائص النبي ﷺ ، ورد بأن الخصائص لا تثبت إلا بدليل، كذا في الفتح. قال ابن بطال: والقول الأول أي عدم قطع النفخ للصلاة أولى، وليس في النفخ من النطق بالهمزة والفاء أكثر مما في البصاق من النطق بالتاء والفاء، قال: وقد اتفقوا على جواز البصاق في الصلاة، فدل على جواز النفخ فيها، إذ لا فرق بينهما، ولذلك ذكره البخاري معه في الترجمة –انتهى. وقد روي الرخصة في النفخ في الصلاة عن قدامة بن عبد الله الصحابي، أخرجه البيهقي. (رواه الترمذي) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٦: ص٣٢٣) والبيهقي (ج٢: ص٢٥٢) كلهم من طريق ميمون أبي حمزة الأعور
стр. 1295
١٠١٠- (٢٦) وعن ابن عمر ﵄: الاختصار في الصلاة راحة أهل النار. رواه في شرح السنة.
١٠١١- (٢٧) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اقتلوا الأسودين في الصلاة،
ــ
القصاب الكوفي الراعي عن أبي صالح عن أم سلمة. قال الترمذي: إسناده ليس بذاك، وميمون أبوحمزة قد ضعفه بعض أهل العلم-انتهى. قلت: ميمون أبوحمزة هذا ضعيف، لم يوثقه حد ولا قواه، بل ضعفه جميعهم أو أكثرهم، كما يظهر من تهذيب التهذيب والميزان. فالحديث ضعيف، لكن أخرجه أحمد من غير طريق أبي حمزة أيضاً، فقد رواه (ج٦:ص ٣٠١) عن طلق بن غنام بن طلق عن سعيد بن عثمان الوراق عن أبي صالح عن أم سلمة، ورواه ابن حبان أيضاً في صحيحه من غير طريق أبي حمزة. قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة أبي صالح: ذكره ابن حبان في الثقات، وأخرج حديثه "هذا" في صحيحه من رواية غير أبي حمزة ميمون عنه-انتهى. ويؤيده أيضاً حديث حذيفة مرفوعاً: ما من حالة يكون العبد فيها أحب إلى الله من أن يراه ساجداً، يعفر وجهه في التراب. رواه الطبراني.
١٠١٠- قوله: (الاختصار) أي وضع اليد على الخاصرة، وهي جنب الإنسان فوق رأس الورك. (في الصلاة راحة أهل النار) قال القاضي: أي يتعب أهل النار من طول قيامهم أي في الموقف فيستريحون بالاختصار، وقيل: إنه من فعل اليهود والنصارى في صلاتهم، وهم المرادون بأهل النار أي مآلاً وعاقبة؛ لأن أهل النار لا راحة لهم لقوله تعالى: ﴿لا يفتّر عنهم﴾ [٤٣: ٧٥] . (رواه في شرح السنة) قال ميرك: أي بغير سند، فقال: وفي بعض الأحاديث: الاختصار راحة أهل النار-انتهى. قلت: فقول المصنف رواه في شرح السنة خطأ فإنه إنما يقال في مثل هذا ذكره، ولا يقال رواه. وقد صح النهي عن الاختصار في الصلاة، كما تقدم في الفصل الأول مع بيان حكمة النهي عنه مفصلاً. والحديث أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة مرفوعاً، كما في الترغيب للمنذري. وقال الشوكاني في النيل: روى ذلك ابن أبي شيبة عن مجاهد، ورواه أيضاً عن عائشة، وروى البيهقي (ج٢: ص٢٨٧) عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: الاختصار في الصلاة راحة أهل النار. قال العراقي: وظاهر إسناده الصحة، ورواه أيضاً الطبراني-انتهى. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢: ص٨٥) بعد ذكره من رواية أبي هريرة: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الله بن الأزور، ضعفه الأزدي، وذكر له الحديث وضعفه به-انتهى. ولم أقف على من أخرجه من حديث ابن عمر.
١٠١١- قوله: (اقتلوا الأسودين في الصلاة) أي ولو في الصلاة، ففي حديث ابن عباس عند الحاكم والطبراني بإسناد ضعيف مرفوعاً: اقتلوا الحية والعقرب، وإن كنتم في صلاتكم والأمر للندب وقيل: للرخصة
стр. 1296
الحية والعقرب)) .
ــ
والإباحة، وصرفه عن الوجوب ما رواه أبويعلى والطبراني في الأوسط عن عائشة، قالت: دخل علي بن أبي طالب على رسول الله ﷺ وهو يصلي، فقام إلى جنبه فصلى بصلاته، فجاءت عقرب حتى انتهت إلى رسول الله ﷺ ثم تركته، فذهبت نحو علي، فضربها بنعله حتى قتلها، فلم ير رسول الله ﷺ بقتلها بأساً. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢: ص٨٤) : رجال أبي يعلى رجال الصحيح غير معاوية بن يحيى الصدفي، وأحاديثه عن الزهري مستقيمة، كما قال البخاري، وهذا منها، وضعفه الجمهور. وفي طريق الطبراني: عبد الله بن صالح كاتب الليث. قال عبد الملك بن شعيب بن الليث ثقة مأمون، وضعفه الأئمة أحمد وغيره-انتهى. (الحية والعقرب) بيان للأسودين. وتسمية العقرب والحية بالأسودين إما لتغليب الحية على العقرب؛ لأنه لا يسمى بالأسود في الأصل إلا الحية، أو لأن عقرب المدينة يميل إلى السواد. وقيل: بل لأن بعض العقارب يكون أسود، و"ال" فيهما للجنس، فيشمل كل منهما الذكر والأنثى، ويلحق بهما كل ضرار مباح القتل كالزنابير والشبثان ونحوهما، وأما القمل فقال القاضي: الأولى التغافل عنه، فإن قتلها فلا بأس؛ لأن أنساً كان يقتل القمل والبراغيث في الصلاة، وكان الحسن يقتل القمل، وقال الأوزاعي: تركه أحب إليّ، وكان عمر يقتل القمل في الصلاة، رواه سعيد، كذا في المغني (ج١: ص٦٦٧) . قال الشوكاني: والحديث يدل على جواز قتل الحية والعقرب في الصلاة من غير كراهة. وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء، كما قال العراقي. وحكى الترمذي عن جماعة كراهة ذلك، منهم إبراهيم النخعي. وقال الخطابي في المعالم (ج١:ص٢١٨) : رخص عامة أهل العلم في قتل الأسودين إلا إبراهيم النخعي، والسنة أولى ما اتبع-انتهى. قال العراقي: وأما من قتلها في الصلاة، أو هم بقتلها فعلي بن أبي طالب وابن عمر روى ابن أبي شيبة عنه بإسناد صحيح أنه رأى ريشة وهو يصلي فحسب أنها عقرب، فضربها بنعله، ورواه البيهقي أيضاً وقال: فضربها برجله، وقال: حسبت أنها عقرب. واعلم أن الأمر بقتل الحية والعقرب في الصلاة مطلق غير مقيد بضربة أو ضربتين، فيجوز قتلهما في الصلاة، وإن احتاج فيه إلى المشي الكثير والمعالجة الكثيرة لإطلاق الحديث. قال ابن الهمام: الحديث بإطلاقه يشمل ما إذا احتاج إلى عمل كثير-انتهى. ولا تفسد الصلاة بذلك؛ لأنه رخصة كالمشي والعمل في سبق الحديث عند الحنفية. وفي شرح المنية قالوا: أي بعض المشائخ هذا إذا لم يحتج إلى المشي الكثير كثلاث خطوات متواليات، ولا إلى المعالجة الكثيرة كثلاث ضربات متواليات، فأما إذا احتاج فمشى وعالج تفسد صلاته كما لو قاتل؛ لأنه عمل كثير، ذكره السروجي في المبسوط. ثم قال: والأظهر أنه لا تفصيل فيه؛ لأنه رخصة كالمشي في سبق الحدث، ويؤيد إطلاق الحديث، والأصح هو الفساد، إلا أنه يباح له إفسادها لقتلهما كما يباح لإغاثة ملهوف أو تخليص أحد من الهلاك كسقوط من سطح أو حرق أو غرق، ذكره القاري في المرقاة. والحق عندنا هو عدم التفصيل، فقتلهما لا يفسد الصلاة مطلقاً لإطلاق الحديث. ذكر شيخ الإسلام السرخسي: أن الأظهر أن لا تفسد صلاته؛ لأن هذا عمل رخص فيه للمصلي، فأشبه المشي بعد الحدث والاستقاء من البئر
стр. 1297
رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وللنسائي معناه.
١٠١٢- (٢٨) وعن عائشة، قالت: ((كان رسول الله ﷺ يصلي تطوعا والباب عليه مغلق، فجئت فاستفتحت، فمشى ففتح لي، ثم رجع إلى مصلاه، وذكرت: أن الباب كان في القبلة))
ــ
والوضوء-انتهى. وقال الشوكاني: واستدل المانعون من ذلك إذا بلغ إلى حد الفعل الكثير، والكارهون له بحديث: إن في الصلاة لشغلاً، وبحديث: أسكنوا في الصلاة عند أبي داود. ويجاب عن ذلك بأن حديث الباب خاص، فلا يعارضه ما ذكروه، وهكذا يقال في كل فعل كثير ورد الإذن به، كحديث حمله ﷺ لأمامة، وحديث خلعه للنعل، وحديث صلاته ﷺ على المنبر ونزوله للسجود ورجوعه بعد ذلك، وحديث أمره ﷺ بدرء المار، وإن أفضى إلى المقاتلة، وحديث مشيه لفتح الباب. (الآتي بعد هذا الحديث) وكل ما كان كذلك ينبغي أن يكون مخصصاً لعموم أدلة المنع-انتهى. (رواه أحمد) في (ج٢: ص٣٣٣- ٣٤٨) . (وأبوداود والترمذي) وأخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه والبيهقي (ج٢:ص ٢٦٦) والحاكم في المستدرك (ج١: ص٢٥٦) ، وقال: حديث صحيح ولم يخرجاه. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وسكت عنه أبوداود. ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره. وفي الباب عن عائشة وابن عباس، كما تقدم، وعن أبي رافع عند ابن ماجه، بإسناد ضعيف، وعن رجل من بني عدي بن كعب عند أبي داود في مراسيله بإسناد منقطع.
١٠١٢- قوله: (والباب عليه مغلق) فيه أن المستحب لمن صلى في مكان بابه إلى القبلة أن يغلق الباب عليه ليكون سترة للمار بين يديه، وليكون أستر. وفيه إخفاء صلاة التطوع عن الآدميين. (فجئت فاستفتحت) أي طلبت فتح الباب، والظاهر أنها ظنت أنه ليس في الصلاة، وإلا لم تطلبه منه كما هو اللائق بأدبها وعلمها. (ثم رجع إلى مصلاه) أي على عقبيه. (وذكرت) أي عائشة. (أن الباب كان في القبلة) أي فلم يتحول ﷺ عنها عند مجيئه إليه، ويكون رجوعه إلى مصلاه على عقبيه إلى خلف. قال الأشرف: هذا قطع وهم من يتوهم أن هذا الفعل يستلزم ترك استقبال القبلة، ولعل تلك الخطوات لم تكن متوالية؛ لأن الأفعال الكثيرة إذا تفاصلت ولم تكن على الولاء لم تبطل الصلاة، قال المظهر: ويشبه أن تكون تلك المشية لم تزد على خطوتين. قال القاري: الإشكال باق؛ لأن الخطوتين مع الفتح والرجوع عمل كثير، فالأولى أن يقال تلك الفعلات لم تكن متواليات –انتهى. قال شيخنا في شرح الترمذي: هذا كله من التقييد بالمذهب. والظاهر أن أمثال هذه الأفعال في صلاة التطوع عند الحاجة لا تبطل الصلاة، وإن كانت متوالية. قال ابن الملك: مشيه ﵊ وفتحه الباب ثم رجوعه إلى مصلاه يدل على أن الأفعال الكثيرة إذا تتوالى لا تبطل الصلاة. وإليه ذهب بعضهم-انتهى.
стр. 1298
رواه أحمد وأبو داود والترمذي وروى النسائي نحوه.
١٠١٣- (٢٩) وعن طلق بن علي،
ــ
قلت: وهذا هو الراجح المعول عليه عندي لظاهر الحديث، لكن في صلاة التطوع عند الحاجة لا مطلقاً. (رواه أحمد وأبو داود والترمذي) وأخرجه أيضاً البيهقي (ج٢: ص٢٦٥) . وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وسكت عنه أبوداود. ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره. (وروى النسائي ونحوه) ولفظه: قالت استفتحت الباب، ورسول الله ﷺ يصلي تطوعا، والباب على القبلة، فمشى عن يمينه أو عن يساره ففتح الباب، ثم رجع إلى مصلاه.
١٠١٣- قوله: (وعن طلق) بفتح الطاء وسكون اللام. (بن علي) كذا وقع في جميع النسخ الموجودة الحاضرة عندنا. ووقع في المصابيح عن علي بن طلق، وكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج٨:ص١٠٨) وهذا هو الصواب؛ لأنه موافق لما وقع في جامع الترمذي وسنن أبي داود والنسائي والدارمي والدارقطني وابن حبان والبيهقي (ج٢:ص٢٥٥) ؛ ولأن هذا الحديث من مسند علي بن طلق كما يظهر من الاستيعاب والإصابة وتهذيب التهذيب، لا من مسند طلق بن علي، فإن له أحاديث أخرى غير ذلك، فما وقع ههنا لا شك عندي في كونه سهواً من صاحب المشكاة أو توهم هو وقوع القلب في روايات من ذكرنا من أصحاب الكتب. (كما رأى بعض الناس على ما قال البرقي، كما في تلقيح الفهوم (ص١١٤، لابن الجوزي) ، فخالف صاحب المصابيح، وصحح على ما توهم، وأياما كان فالصحيح ههنا هو علي بن طلق لا طلق بن علي، وقد تقدم هذا الحديث في باب ما يوجب الوضوء بزيادة ونقصان من رواية الترمذي وأبي داود، وذكر المصنف هناك اسم الصحابي علي بن طلق على ما هو الصواب. قال الحافظ في تهذيب التهذيب (ج٧: ص٣٤١) علي بن طلق بن المنذر بن قيس بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن عبد العزى بن سحيم، نسبه خليفة بن خياط الحنفي اليمامي، روى عن النبي ﷺ في الوضوء من الريح وغير ذلك-انتهى. وقال في الإصابة (ج٢:ص٥١٠) بعد ذكر نسبه كما في التهذيب. قال ابن حبان: له صحبة. وقال ابن عبد البر: أظنه والد طلق بن علي، وبذلك جزم العسكري. وروى حديث أبوداود والترمذي والنسائي، وهو "إذا فسا أحدكم فليتوضأ، ولا تأتوا النساء في أدبارهن" ونقل الترمذي عن البخاري قال: لا أعرف لعلي بن طلق غير هذا الحديث-انتهى. وقد قوي الحافظ ظن ابن عبد البر في تهذيب التهذيب حيث قال: وهو ظن قوي؛ لأن النسب الذي ذكره خليفة هنا هو النسب المتقدم في ترجمة طلق بن علي من غير مخالفة، وجزم به العسكري-انتهى. تنبيهان: الأول: ذكر بعض الرواة في روايته لهذا الحديث اسم الصحابي طلق بن علي، كعبدلرزاق عن معمر عن عاصم الأحول عن عيسى بن حطان، وأبي نعيم عن عبد الملك بن مسلم عن عيسى بن حطان، وسمى شعبة عن عاصم الأحول عند أحمد طلق
стр. 1299
ابن يزيد أو يزيد بن طلق على الشك. وكلاهما خطأ عندي، والصحيح هو علي بن طلق. قال ابن كثير في تفسيره بعد ذكر رواية شعبة عن عاصم الأحول: ورواه عبد الرزاق عن معمر عن عاصم الأحول عن عيسى بن حطان عن مسلم بن سلام عن طلق بن علي. والأشبه أنه علي بن طلق، كما تقدم-انتهى. وقد ذكر الحديث قبل ذلك من رواية علي بن طلق، وعزاه لأحمد والترمذي، وسنذكره. وإنما قال الأشبه أي بالصواب؛ لأن أبا معاوية عند أحمد والترمذي، وسفيان في رواية عبد الرزاق عنه عند أحمد على ما ذكر ابن كثير، وعبد الواحد بن زياد عند الدارمي، وجرير بن عبد الحميد عند أبي داود، والدارقطني وابن حبان والبيهقي قد اتفقوا في روايتهم عن عاصم الأحول على تسمية الصحابي بعلي بن طلق. وكذا سماه به وكيع عند الترمذي وإبراهيم كلاهما عن عبد الملك بن مسلم، كما في أسد الغابة (ج٣:ص٦٤) . والثاني: وقع هذا الحديث في مسند أحمد في مسند علي بن أبي طالب ﵁ (ج١:ص٨٦) ، فظن الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١:ص٢٤٣) و (ج٤:ص٢٩٩) أن هذا الحديث عند أحمد من مسند علي بن أبي طالب، لا من مسند علي بن طلق حيث بدأه بقوله: وعن علي يعني ابن أبي طالب، فذكر لفظه، ثم قال: رواه أحمد من حديث علي بن أبي طالب، ورجاله ثقات، ورواه أصحاب السنن من حديث علي بن طلق-انتهى. وكذا وقع في هذا الظن علي المتقي في كنز العمال حيث ذكر هذا الحديث في (ج٥: ص١١٦) في مسند علي بعد ذكر مسانيد أبي بكر وعمر وعثمان، وعزاه لأحمد والعدني، قال: ورجاله ثقات، ثم ذكره في (ج٥:ص١١٧) عن علي بن طلق وعزاه لابن جرير فقط. ويظهر من صنيع مجد الدين ابن تيمية الأكبر في المنتقى أن الحديث عنده في المسند عن علي بن أبي طالب وعلي بن طلق كليهما، حيث أورد في باب النهي عن إتيان المرأة في دبرها، ما يدل على النهي عن ذلك عن علي بن أبي طالب وعلي بن طلق وكليهما. وهذا ظاهر في أنه جعلهما حديثين منفصلين. ويظهر من كلام الأمير اليماني أن الحديث عنده مروي عن الصحابيين المذكورين، وعن طلق بن علي أيضاً، حيث قال في سبل السلام (ج٣:ص١٣٦) : روى هذا الحديث. (أي حديث أبي هريرة المخرج في أبي داود والنسائي في منع إتيان النساء في أدبارهن) بلفظه من طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة، منهم علي بن أبي طالب وعمر وخزيمة وعلي بن طلق وطلق بن علي وابن مسعود الخ. والظاهر عندي: أن الحديث من مسند علي بن طلق فقط. وأنه وقع السهو ممن رتب المسند وهذبه، حيث ذكر هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب، لما رأى في طريق وكيع عن عبد الملك لفظ علي من غير نسب أي من غير نص على أنه ابن طلق أو ابن أبي طالب، فظن أنه ابن أبي طالب. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (ج٢: ص٨١) : قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن عاصم عن عيسى بن حطان عن مسلم بن سلام عن علي بن طلق، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يؤتى النساء في أدبارهن، فإن الله لا يستحي من الحق. وأخرجه أحمد أيضاً عن أبي معاوية،
стр. 1300
وأبوعيسى الترمذي من طريق أبي معاوية أيضاً عن عاصم الأحول به، وفيه زيادة، وقال: هو حديث حسن. ومن الناس من يورد هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب، كما وقع في مسند الإمام أحمد بن حنبل. والصحيح أنه علي بن طلق-انتهى. وقال الحافظ في التلخيص (ص١٠٦) بعد ذكر الحديث ما لفظه: هكذا نسبه أي الرافعي، فقال: علي بن أبي طالب، وهو غلط، والصواب: علي بن طلق، وهو اليماني، كذا رواه من طريقة أحمد وأصحاب السنن والدارقطني وابن حبان-انتهى. وقال الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد (ج٢:ص٦٤- ٦٦) بعد ذكر كلام ابن كثير السابق. هكذا وافق الحافظ ابن كثير رأي الترمذي في أن علياً في هذا الإسناد هو ابن طلق؛ لأنه ذكر فيه من غير نسب، فلم ينص على أنه هذا أو ذاك وأنا أرجح أن رأى الترمذي ومن تبعه خطأ؛ لأنه من المستبعد جداً أن يخفى مثل هذا على الإمام أحمد وابنه عبد الله، ولأن علي بن طلق اشتبه أمره على البخاري فظن أنه شخص آخر غير طلق بن علي اليماني، فلم يعرف له غير هذا الحديث الواحد، وظن ابن عبد البر أن علي بن طلق هو والد طلق بن علي. وقوى حافظ في التهذيب هذا الظن لاتفاق نسبهما، ولو كان هذا صحيحاً لكان علي بن طلق صحابياً قديماً معمراً حتى يدركه مسلم بن سلام، بل حتى يدركه عيسى ابن حطان الرقاشي، فيما يزعم الحافظ في التهذيب (ج٢:ص٢٠٧) : أنه روى عنه على خلاف فيه. بل أنا ظن أن الحديث حديث علي بن أبي طالب، كما ذكره الإمام أحمد في مسنده. (أي علي بن أبي طالب) ، رواه عنه مسلم بن سلام، ورواه عن مسلم ابنه عبد الملك على الصواب، ثم رواه عن مسلم أيضاً عيسى بن حطان فأخطأ، فقال عنه "عن علي بن طلق"، قال: وأما رواية الإمام أحمد حديث "علي بن طلق" التي أشار الحافظ ابن كثير إلى أنه رواها بإسنادين فلم أجدها في المسند، بل لم أجد لعلي بن طلق فيه مسنداً خاصاً بما حصرت مسانيده في فهارسي، ولا فيما أتممت تحقيقة من هذا الديوان الأعظم، وهو أكثر من خمسة عشر ألف حديث، فلعله سيأتي في باقي الكتاب في أثناء مسند صحابي آخر، والله اعلم-انتهى. قلت: قد ظهر من هذا كله أن عيسى بن حطان ذكر علياً في روايته عن مسلم بن سلام منسوباً، فنص على أنه ابن طلق، وهذه الرواية عند أحمد على ما ذكر ابن كثير والترمذي وأبي داود والدارمي وابن حبان والدارقطني وابن الأثير الجزري في أسد الغابة (ج٣:ص٦٤) ، ورواه عبد الملك بن مسلم بن سلام عن أبيه مسلم، فذكره من غير نسب فلم ينص على أنه هذا أو ذاك، وتلك الرواية المقيدة قرينة واضحة على أن علياً في رواية عبد الملك هو ابن طلق، لا ابن أبي طالب. ومجرد ذكر الإمام أحمد أو ابنه أو غيرهما ممن رتب المسند وهذبه هذه الرواية المطلقة، أي رواية عبد الملك بن مسلم عن أبيه عن علي من غير نسب في مسند علي بن أبي طالب لا يدل على أن علياً هذا هو ابن أبي طالب؛ لأن هذا ليس مجرد الرأي والفهم، وهو ليس بحجة على غير صاحبه. وليس فيه أيضاً دليل على وقوع الخطأ من عيسى بن حطان في ذكر
следующие страницы →