← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

الحية والعقرب)) . ــ والإباحة، وصرفه عن الوجوب ما رواه أبويعلى والطبراني في الأوسط عن عائشة، قالت: دخل علي بن أبي طالب على رسول الله ﷺ وهو يصلي، فقام إلى جنبه فصلى بصلاته، فجاءت عقرب حتى انتهت إلى رسول الله ﷺ ثم تركته، فذهبت نحو علي، فضربها بنعله حتى قتلها، فلم ير رسول الله ﷺ بقتلها بأساً. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢: ص٨٤) : رجال أبي يعلى رجال الصحيح غير معاوية بن يحيى الصدفي، وأحاديثه عن الزهري مستقيمة، كما قال البخاري، وهذا منها، وضعفه الجمهور. وفي طريق الطبراني: عبد الله بن صالح كاتب الليث. قال عبد الملك بن شعيب بن الليث ثقة مأمون، وضعفه الأئمة أحمد وغيره-انتهى. (الحية والعقرب) بيان للأسودين. وتسمية العقرب والحية بالأسودين إما لتغليب الحية على العقرب؛ لأنه لا يسمى بالأسود في الأصل إلا الحية، أو لأن عقرب المدينة يميل إلى السواد. وقيل: بل لأن بعض العقارب يكون أسود، و"ال" فيهما للجنس، فيشمل كل منهما الذكر والأنثى، ويلحق بهما كل ضرار مباح القتل كالزنابير والشبثان ونحوهما، وأما القمل فقال القاضي: الأولى التغافل عنه، فإن قتلها فلا بأس؛ لأن أنساً كان يقتل القمل والبراغيث في الصلاة، وكان الحسن يقتل القمل، وقال الأوزاعي: تركه أحب إليّ، وكان عمر يقتل القمل في الصلاة، رواه سعيد، كذا في المغني (ج١: ص٦٦٧) . قال الشوكاني: والحديث يدل على جواز قتل الحية والعقرب في الصلاة من غير كراهة. وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء، كما قال العراقي. وحكى الترمذي عن جماعة كراهة ذلك، منهم إبراهيم النخعي. وقال الخطابي في المعالم (ج١:ص٢١٨) : رخص عامة أهل العلم في قتل الأسودين إلا إبراهيم النخعي، والسنة أولى ما اتبع-انتهى. قال العراقي: وأما من قتلها في الصلاة، أو هم بقتلها فعلي بن أبي طالب وابن عمر روى ابن أبي شيبة عنه بإسناد صحيح أنه رأى ريشة وهو يصلي فحسب أنها عقرب، فضربها بنعله، ورواه البيهقي أيضاً وقال: فضربها برجله، وقال: حسبت أنها عقرب. واعلم أن الأمر بقتل الحية والعقرب في الصلاة مطلق غير مقيد بضربة أو ضربتين، فيجوز قتلهما في الصلاة، وإن احتاج فيه إلى المشي الكثير والمعالجة الكثيرة لإطلاق الحديث. قال ابن الهمام: الحديث بإطلاقه يشمل ما إذا احتاج إلى عمل كثير-انتهى. ولا تفسد الصلاة بذلك؛ لأنه رخصة كالمشي والعمل في سبق الحديث عند الحنفية. وفي شرح المنية قالوا: أي بعض المشائخ هذا إذا لم يحتج إلى المشي الكثير كثلاث خطوات متواليات، ولا إلى المعالجة الكثيرة كثلاث ضربات متواليات، فأما إذا احتاج فمشى وعالج تفسد صلاته كما لو قاتل؛ لأنه عمل كثير، ذكره السروجي في المبسوط. ثم قال: والأظهر أنه لا تفصيل فيه؛ لأنه رخصة كالمشي في سبق الحدث، ويؤيد إطلاق الحديث، والأصح هو الفساد، إلا أنه يباح له إفسادها لقتلهما كما يباح لإغاثة ملهوف أو تخليص أحد من الهلاك كسقوط من سطح أو حرق أو غرق، ذكره القاري في المرقاة. والحق عندنا هو عدم التفصيل، فقتلهما لا يفسد الصلاة مطلقاً لإطلاق الحديث. ذكر شيخ الإسلام السرخسي: أن الأظهر أن لا تفسد صلاته؛ لأن هذا عمل رخص فيه للمصلي، فأشبه المشي بعد الحدث والاستقاء من البئر

стр. 1297

رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وللنسائي معناه. ١٠١٢- (٢٨) وعن عائشة، قالت: ((كان رسول الله ﷺ يصلي تطوعا والباب عليه مغلق، فجئت فاستفتحت، فمشى ففتح لي، ثم رجع إلى مصلاه، وذكرت: أن الباب كان في القبلة)) ــ والوضوء-انتهى. وقال الشوكاني: واستدل المانعون من ذلك إذا بلغ إلى حد الفعل الكثير، والكارهون له بحديث: إن في الصلاة لشغلاً، وبحديث: أسكنوا في الصلاة عند أبي داود. ويجاب عن ذلك بأن حديث الباب خاص، فلا يعارضه ما ذكروه، وهكذا يقال في كل فعل كثير ورد الإذن به، كحديث حمله ﷺ لأمامة، وحديث خلعه للنعل، وحديث صلاته ﷺ على المنبر ونزوله للسجود ورجوعه بعد ذلك، وحديث أمره ﷺ بدرء المار، وإن أفضى إلى المقاتلة، وحديث مشيه لفتح الباب. (الآتي بعد هذا الحديث) وكل ما كان كذلك ينبغي أن يكون مخصصاً لعموم أدلة المنع-انتهى. (رواه أحمد) في (ج٢: ص٣٣٣- ٣٤٨) . (وأبوداود والترمذي) وأخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه والبيهقي (ج٢:ص ٢٦٦) والحاكم في المستدرك (ج١: ص٢٥٦) ، وقال: حديث صحيح ولم يخرجاه. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وسكت عنه أبوداود. ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره. وفي الباب عن عائشة وابن عباس، كما تقدم، وعن أبي رافع عند ابن ماجه، بإسناد ضعيف، وعن رجل من بني عدي بن كعب عند أبي داود في مراسيله بإسناد منقطع. ١٠١٢- قوله: (والباب عليه مغلق) فيه أن المستحب لمن صلى في مكان بابه إلى القبلة أن يغلق الباب عليه ليكون سترة للمار بين يديه، وليكون أستر. وفيه إخفاء صلاة التطوع عن الآدميين. (فجئت فاستفتحت) أي طلبت فتح الباب، والظاهر أنها ظنت أنه ليس في الصلاة، وإلا لم تطلبه منه كما هو اللائق بأدبها وعلمها. (ثم رجع إلى مصلاه) أي على عقبيه. (وذكرت) أي عائشة. (أن الباب كان في القبلة) أي فلم يتحول ﷺ عنها عند مجيئه إليه، ويكون رجوعه إلى مصلاه على عقبيه إلى خلف. قال الأشرف: هذا قطع وهم من يتوهم أن هذا الفعل يستلزم ترك استقبال القبلة، ولعل تلك الخطوات لم تكن متوالية؛ لأن الأفعال الكثيرة إذا تفاصلت ولم تكن على الولاء لم تبطل الصلاة، قال المظهر: ويشبه أن تكون تلك المشية لم تزد على خطوتين. قال القاري: الإشكال باق؛ لأن الخطوتين مع الفتح والرجوع عمل كثير، فالأولى أن يقال تلك الفعلات لم تكن متواليات –انتهى. قال شيخنا في شرح الترمذي: هذا كله من التقييد بالمذهب. والظاهر أن أمثال هذه الأفعال في صلاة التطوع عند الحاجة لا تبطل الصلاة، وإن كانت متوالية. قال ابن الملك: مشيه ﵊ وفتحه الباب ثم رجوعه إلى مصلاه يدل على أن الأفعال الكثيرة إذا تتوالى لا تبطل الصلاة. وإليه ذهب بعضهم-انتهى.

стр. 1298

رواه أحمد وأبو داود والترمذي وروى النسائي نحوه. ١٠١٣- (٢٩) وعن طلق بن علي، ــ قلت: وهذا هو الراجح المعول عليه عندي لظاهر الحديث، لكن في صلاة التطوع عند الحاجة لا مطلقاً. (رواه أحمد وأبو داود والترمذي) وأخرجه أيضاً البيهقي (ج٢: ص٢٦٥) . وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وسكت عنه أبوداود. ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره. (وروى النسائي ونحوه) ولفظه: قالت استفتحت الباب، ورسول الله ﷺ يصلي تطوعا، والباب على القبلة، فمشى عن يمينه أو عن يساره ففتح الباب، ثم رجع إلى مصلاه. ١٠١٣- قوله: (وعن طلق) بفتح الطاء وسكون اللام. (بن علي) كذا وقع في جميع النسخ الموجودة الحاضرة عندنا. ووقع في المصابيح عن علي بن طلق، وكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج٨:ص١٠٨) وهذا هو الصواب؛ لأنه موافق لما وقع في جامع الترمذي وسنن أبي داود والنسائي والدارمي والدارقطني وابن حبان والبيهقي (ج٢:ص٢٥٥) ؛ ولأن هذا الحديث من مسند علي بن طلق كما يظهر من الاستيعاب والإصابة وتهذيب التهذيب، لا من مسند طلق بن علي، فإن له أحاديث أخرى غير ذلك، فما وقع ههنا لا شك عندي في كونه سهواً من صاحب المشكاة أو توهم هو وقوع القلب في روايات من ذكرنا من أصحاب الكتب. (كما رأى بعض الناس على ما قال البرقي، كما في تلقيح الفهوم (ص١١٤، لابن الجوزي) ، فخالف صاحب المصابيح، وصحح على ما توهم، وأياما كان فالصحيح ههنا هو علي بن طلق لا طلق بن علي، وقد تقدم هذا الحديث في باب ما يوجب الوضوء بزيادة ونقصان من رواية الترمذي وأبي داود، وذكر المصنف هناك اسم الصحابي علي بن طلق على ما هو الصواب. قال الحافظ في تهذيب التهذيب (ج٧: ص٣٤١) علي بن طلق بن المنذر بن قيس بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن عبد العزى بن سحيم، نسبه خليفة بن خياط الحنفي اليمامي، روى عن النبي ﷺ في الوضوء من الريح وغير ذلك-انتهى. وقال في الإصابة (ج٢:ص٥١٠) بعد ذكر نسبه كما في التهذيب. قال ابن حبان: له صحبة. وقال ابن عبد البر: أظنه والد طلق بن علي، وبذلك جزم العسكري. وروى حديث أبوداود والترمذي والنسائي، وهو "إذا فسا أحدكم فليتوضأ، ولا تأتوا النساء في أدبارهن" ونقل الترمذي عن البخاري قال: لا أعرف لعلي بن طلق غير هذا الحديث-انتهى. وقد قوي الحافظ ظن ابن عبد البر في تهذيب التهذيب حيث قال: وهو ظن قوي؛ لأن النسب الذي ذكره خليفة هنا هو النسب المتقدم في ترجمة طلق بن علي من غير مخالفة، وجزم به العسكري-انتهى. تنبيهان: الأول: ذكر بعض الرواة في روايته لهذا الحديث اسم الصحابي طلق بن علي، كعبدلرزاق عن معمر عن عاصم الأحول عن عيسى بن حطان، وأبي نعيم عن عبد الملك بن مسلم عن عيسى بن حطان، وسمى شعبة عن عاصم الأحول عند أحمد طلق

стр. 1299

ابن يزيد أو يزيد بن طلق على الشك. وكلاهما خطأ عندي، والصحيح هو علي بن طلق. قال ابن كثير في تفسيره بعد ذكر رواية شعبة عن عاصم الأحول: ورواه عبد الرزاق عن معمر عن عاصم الأحول عن عيسى بن حطان عن مسلم بن سلام عن طلق بن علي. والأشبه أنه علي بن طلق، كما تقدم-انتهى. وقد ذكر الحديث قبل ذلك من رواية علي بن طلق، وعزاه لأحمد والترمذي، وسنذكره. وإنما قال الأشبه أي بالصواب؛ لأن أبا معاوية عند أحمد والترمذي، وسفيان في رواية عبد الرزاق عنه عند أحمد على ما ذكر ابن كثير، وعبد الواحد بن زياد عند الدارمي، وجرير بن عبد الحميد عند أبي داود، والدارقطني وابن حبان والبيهقي قد اتفقوا في روايتهم عن عاصم الأحول على تسمية الصحابي بعلي بن طلق. وكذا سماه به وكيع عند الترمذي وإبراهيم كلاهما عن عبد الملك بن مسلم، كما في أسد الغابة (ج٣:ص٦٤) . والثاني: وقع هذا الحديث في مسند أحمد في مسند علي بن أبي طالب ﵁ (ج١:ص٨٦) ، فظن الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١:ص٢٤٣) و (ج٤:ص٢٩٩) أن هذا الحديث عند أحمد من مسند علي بن أبي طالب، لا من مسند علي بن طلق حيث بدأه بقوله: وعن علي يعني ابن أبي طالب، فذكر لفظه، ثم قال: رواه أحمد من حديث علي بن أبي طالب، ورجاله ثقات، ورواه أصحاب السنن من حديث علي بن طلق-انتهى. وكذا وقع في هذا الظن علي المتقي في كنز العمال حيث ذكر هذا الحديث في (ج٥: ص١١٦) في مسند علي بعد ذكر مسانيد أبي بكر وعمر وعثمان، وعزاه لأحمد والعدني، قال: ورجاله ثقات، ثم ذكره في (ج٥:ص١١٧) عن علي بن طلق وعزاه لابن جرير فقط. ويظهر من صنيع مجد الدين ابن تيمية الأكبر في المنتقى أن الحديث عنده في المسند عن علي بن أبي طالب وعلي بن طلق كليهما، حيث أورد في باب النهي عن إتيان المرأة في دبرها، ما يدل على النهي عن ذلك عن علي بن أبي طالب وعلي بن طلق وكليهما. وهذا ظاهر في أنه جعلهما حديثين منفصلين. ويظهر من كلام الأمير اليماني أن الحديث عنده مروي عن الصحابيين المذكورين، وعن طلق بن علي أيضاً، حيث قال في سبل السلام (ج٣:ص١٣٦) : روى هذا الحديث. (أي حديث أبي هريرة المخرج في أبي داود والنسائي في منع إتيان النساء في أدبارهن) بلفظه من طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة، منهم علي بن أبي طالب وعمر وخزيمة وعلي بن طلق وطلق بن علي وابن مسعود الخ. والظاهر عندي: أن الحديث من مسند علي بن طلق فقط. وأنه وقع السهو ممن رتب المسند وهذبه، حيث ذكر هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب، لما رأى في طريق وكيع عن عبد الملك لفظ علي من غير نسب أي من غير نص على أنه ابن طلق أو ابن أبي طالب، فظن أنه ابن أبي طالب. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (ج٢: ص٨١) : قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن عاصم عن عيسى بن حطان عن مسلم بن سلام عن علي بن طلق، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يؤتى النساء في أدبارهن، فإن الله لا يستحي من الحق. وأخرجه أحمد أيضاً عن أبي معاوية،

стр. 1300

وأبوعيسى الترمذي من طريق أبي معاوية أيضاً عن عاصم الأحول به، وفيه زيادة، وقال: هو حديث حسن. ومن الناس من يورد هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب، كما وقع في مسند الإمام أحمد بن حنبل. والصحيح أنه علي بن طلق-انتهى. وقال الحافظ في التلخيص (ص١٠٦) بعد ذكر الحديث ما لفظه: هكذا نسبه أي الرافعي، فقال: علي بن أبي طالب، وهو غلط، والصواب: علي بن طلق، وهو اليماني، كذا رواه من طريقة أحمد وأصحاب السنن والدارقطني وابن حبان-انتهى. وقال الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد (ج٢:ص٦٤- ٦٦) بعد ذكر كلام ابن كثير السابق. هكذا وافق الحافظ ابن كثير رأي الترمذي في أن علياً في هذا الإسناد هو ابن طلق؛ لأنه ذكر فيه من غير نسب، فلم ينص على أنه هذا أو ذاك وأنا أرجح أن رأى الترمذي ومن تبعه خطأ؛ لأنه من المستبعد جداً أن يخفى مثل هذا على الإمام أحمد وابنه عبد الله، ولأن علي بن طلق اشتبه أمره على البخاري فظن أنه شخص آخر غير طلق بن علي اليماني، فلم يعرف له غير هذا الحديث الواحد، وظن ابن عبد البر أن علي بن طلق هو والد طلق بن علي. وقوى حافظ في التهذيب هذا الظن لاتفاق نسبهما، ولو كان هذا صحيحاً لكان علي بن طلق صحابياً قديماً معمراً حتى يدركه مسلم بن سلام، بل حتى يدركه عيسى ابن حطان الرقاشي، فيما يزعم الحافظ في التهذيب (ج٢:ص٢٠٧) : أنه روى عنه على خلاف فيه. بل أنا ظن أن الحديث حديث علي بن أبي طالب، كما ذكره الإمام أحمد في مسنده. (أي علي بن أبي طالب) ، رواه عنه مسلم بن سلام، ورواه عن مسلم ابنه عبد الملك على الصواب، ثم رواه عن مسلم أيضاً عيسى بن حطان فأخطأ، فقال عنه "عن علي بن طلق"، قال: وأما رواية الإمام أحمد حديث "علي بن طلق" التي أشار الحافظ ابن كثير إلى أنه رواها بإسنادين فلم أجدها في المسند، بل لم أجد لعلي بن طلق فيه مسنداً خاصاً بما حصرت مسانيده في فهارسي، ولا فيما أتممت تحقيقة من هذا الديوان الأعظم، وهو أكثر من خمسة عشر ألف حديث، فلعله سيأتي في باقي الكتاب في أثناء مسند صحابي آخر، والله اعلم-انتهى. قلت: قد ظهر من هذا كله أن عيسى بن حطان ذكر علياً في روايته عن مسلم بن سلام منسوباً، فنص على أنه ابن طلق، وهذه الرواية عند أحمد على ما ذكر ابن كثير والترمذي وأبي داود والدارمي وابن حبان والدارقطني وابن الأثير الجزري في أسد الغابة (ج٣:ص٦٤) ، ورواه عبد الملك بن مسلم بن سلام عن أبيه مسلم، فذكره من غير نسب فلم ينص على أنه هذا أو ذاك، وتلك الرواية المقيدة قرينة واضحة على أن علياً في رواية عبد الملك هو ابن طلق، لا ابن أبي طالب. ومجرد ذكر الإمام أحمد أو ابنه أو غيرهما ممن رتب المسند وهذبه هذه الرواية المطلقة، أي رواية عبد الملك بن مسلم عن أبيه عن علي من غير نسب في مسند علي بن أبي طالب لا يدل على أن علياً هذا هو ابن أبي طالب؛ لأن هذا ليس مجرد الرأي والفهم، وهو ليس بحجة على غير صاحبه. وليس فيه أيضاً دليل على وقوع الخطأ من عيسى بن حطان في ذكر

стр. 1301

قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف فليتوضأ، وليعد الصلاة، ــ النسب، فنسبه الخطأ إلى عيسى تحكم محض عندي. وأي بعد في خفاء مثل هذا على الإمام أحمد وابنه فقد خفي ما هو دون ذلك على من هو أكبر وأعظم في هذا الشأن منهما، والله اعلم. (إذا فسا أحدكم) أي خرج من دبره ريح بلا صوت، سواء تعمد خروجه أو لم يتعمده، فعل ماض من فسا يفسوا فسوا وفساء. قال في المصباح: الفساء بالضم والهمزة والمد ريح يخرج بغير صوت يسمع. قال الطيبي: أي أحدث بخروج ريح من مسلكه المعتاد. (فلينصرف) أي عن صلاته. (فليتوضأ وليعد الصلاة) فيه دليل على أن الحدث ناقض للوضوء، وأنه تبطل به الصلاة ويجب عليه إعادتها، ولا يجوز البناء عليها، سواء كان الحدث عمداً أو سبقه من غير قصد لإطلاق الحديث، وبناء على أن الأمر بإعادة الصلاة للوجوب كما أن الأمر بالوضوء للوجوب اتفاقاً، وبه أخذ الشافعي في الجديد، فقال: إذا سبقه الحدث وهو في الصلاة من غير اختياره بطلت صلاته، كما تبطل في صورة خروج الحدث باختياره وقصده. وهذا هو الراجح عندي. وفرق الشافعي في القديم، وأحمد في رواية، ومالك وأبوحنيفة بين العمد والسبق من غير اختيار، فقالوا: يعيد الصلاة في الأول، ويبني في الثاني بالشروط المذكورة في الفروع، ولو استأنف فيه أيضاً لكان أفضل للبعد عن شبهة الخلاف، فعندهم الأمر بالإعادة في الحديث إذا كان الحدث عمداً، محمول على الوجوب، وأما إذا سبقه الحدث ولم يتعمده فمحمول على الاستحباب واختيار الأفضل. واستدل لهم على ذلك بما رواه ابن ماجه والدارقطني عن عائشة مرفوعاً: من أصابه قيء أو قلس أو مذي، فلينصرف فليتوضأ ثم ليبين على صلاته وهو لا يتكلم في ذلك. فجمع هؤلاء بين الحديثين بحمل حديث علي بن طلق على تعمد الحدث في الصلاة، وحديث عائشة هذا على سبق الحدث من غير تعمد، وفيه أن حديث عائشة ضعيف لا يقاوم حديث الباب، فقد أعله غير واحد من الأئمة بأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة، وابن جريج حجازي، ورواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين ضعيفة. وقد خالفه الحفاظ من أصحاب ابن جريج، فرووه عن ابن جريج عن أبيه عن النبي ﷺ مرسلاً. وصحح هذه الطريقة المرسلة الذهلي والدارقطني في العلل وأبوحاتم، وقال رواية إسماعيل خطأ. وقال ابن معين حديث ضعيف. وقال أحمد الصواب عن ابن جريج عن أبيه عن النبي ﷺ أي مرسلاً. والمرسل على القول الأصح ليس بحجة، فيترجح عليه حديث علي بن طلق، وأيضاً قد صححه ابن حبان وحسنه الترمذي، ولم يضعفه أحد غير ابن القطان، كما سيأتي، وأما حديث عائشة فلم يصححه أحد غير الزيلعي الحنفي بل ضعفه جمهور الأئمة الشافعي وأحمد وأبوحاتم وأبوزرعة والدارقطني وابن عدي والحازمي والبيهقي وابن معين والذهلي، كما في نصب الراية والتلخيص والدراية. وأما ما أجاب به الزيلعي في تخريجه، وابن التركماني في الجواهر النقي عن تضعيف هؤلاء الأئمة، فلا يخفى سخافته على من له أدنى بصيرة ودراية، فلا حاجة إلى ذكره ثم الرد عليه. وقد أشبع ابن حزم في المحلى (ج٤: ص١٥٣- ١٥٦) الكلام في الرد على من قال بجواز

стр. 1302

رواه أبوداود، وروى الترمذي مع زيادة ونقصان. ــ البناء، فارجع إليه إن شئت. (رواه أبوداود) في موضعين، في باب من يحدث في الصلاة، من كتاب الطهارة. وفي باب إذا أحدث في صلاته يستقبل، من كتاب الصلاة، لكن من حديث علي بن طلق لا من حديث طلق بن علي، وكذا رواه الترمذي وغيره من حديث علي بن طلق كما تقدم. (وروى الترمذي) أي نحوه في كتاب الرضاع لكن (مع زيادة ونقصان) وقد ذكر المصنف في باب ما يوجب الوضوء، وتقدم هناك شرحه، فارجع إليه. والحديث حسنه الترمذي وصححه ابن حبان كما في التلخيص، وبلوغ المرام. وسكت عنه أبوداود، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره. وقال الترمذي: سمعت محمداً يقول: لا أعرف لعلي بن طلق عن النبي ﷺ غير هذا الحديث الواحد، ولا أعرف هذا الحديث من حديث طلق بن علي السحيمي. وكأنه رأى أن هذا رجل آخر من أصحاب النبي ﷺ انتهى. وقد نقل الحافظ عبارة الترمذي هذه في تهذيب التهذيب، وفيه: ولا أعرف هذا من حديث علي بن طلق السحيمي-انتهى. وهذا خطأ عندي، وهو ظاهر لمن تأمل فيما قدمنا من الكلام في ترجمة علي بن طلق، ويدل أيضاً على صحة ما وقع في نسخ الترمذي الحاضرة عندنا، ما نقل الحافظ في التلخيص (ص١٠٦) والمنذري في تلخيص السنن والشوكاني في النيل والقاري في المرقاة (ج١: ص٢٧٧) عن ميرك عن جامع الترمذي بلفظ: لا أعرف هذا الحديث من حديث طلق بن علي السحيمي مثل ما وقع في نسخ الترمذي الموجودة عندنا، والحديث ضعفه ابن القطان بأن مسلم بن سلام الحنفي أبا عبد الملك الراوي عن علي بن طلق مجهول الحال. وأجيب عنه بأن ابن حبان وثقة، كما في الخلاصة. وقال الحافظ في التقريب: مقبول، ومن عرف حجة على من جهل وقال النيموي: زيادة قوله في الحديث "فليعد صلاته" ليست بمحفوظة؛ لأنه تفرد بها جرير بن عبد الحميد، كما صرح به ابن حبان في صحيحه، وجرير هذا قال أحمد بن حنبل فيه: لم يكن بالذكي في الحديث اختلط عليه حديث أشعث وعاصم الأحول حتى قدم عليه بهز فعرفه-انتهى. وهذا الحديث من طريق جرير بن عبد الحميد عن عاصم الأحول. وقال البيهقي في سننه في ثلاثين حديثاً لجرير: قد نسب في آخر عمره إلى سوء حفظه. قلت: قال الحافظ في الفتح: جرير بن عبد الحميد بن قرط الضبي الرازي، وكان منشأه بالكوفة، قال اللالكائي: أجمعوا على ثقته، وكذا قال الخليلي. وقال أبوخيثمة: لم يكن يدلس، وروى الشاذكوني عنه ما يدل على التدليس، لكن الشاذكوني فيه مقال. وقال ابن سعد: كان ثقة يرحل إليه. وقال أحمد وابن معين: هو أثبت من شريك، ووثقه العجلي والنسائي وأبوحاتم وقال: يحتج بحديثه. وقال أحمد بن حنبل: لم يكن بالذكي. وقال البيهقي: نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ، ولم أر ذلك لغيره بل احتج به الجماعة-انتهى. ما في مقدمة الفتح. فظهر أن جرير بن عبد الحميد الضبي مجمع على ثقته، ولم يعتمد على قول البيهقي: "نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ"، وكذلك لم يعتمد على قول

стр. 1303

١٠١٤- (٣٠) وعن عائشة، ﵂، أنها قالت: ((قال النبي ﷺ : إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ بأنفه ثم لينصرف)) رواه أبوداود. ١٠١٥- (٣١) وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أحدث أحدكم ــ أحمد "لم يكن بالذكي"، بل احتج به الجماعة ولم يثبت أنه في رواية الزيادة المذكورة خالف الثقات أو أوثق منه، فكيف يكون ما زاده غير محفوظ؟ ولهذا الحديث شاهد ضعيف من حديث ابن عباس مرفوعاً أخرجه الدارقطني والطبراني، ذكره الحافظ في الدراية (ص١٠٢) والزيلعي في نصب الراية (ج١: ص٦٢) وفي إسناده سليمان بن أرقم، وهو ضعيف كذا في أبكار المنن (ص٢٦٢) . ١٠١٤- قوله: (إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ بأنفه) ندباً، وفي رواية ابن ماجه "فليمسك على أنفه" والحديث فيه ندب لستر ما لا يحسن إظهاره بما لا يكون فيه كذب. وقد روى البخاري في الأدب المفرد والبيهقي في الشعب والطبراني في الكبير عن عمران بن حصين موقوفاً: أن في المعاريض لمندوحة عن الكذب. قال البيهقي: وقد روى عنه مرفوعاً، والموقوف هو الصحيح. قال الخطابي في المعالم (ج١: ص٢٤٨) : إنما أمره أن يأخذ بأنفه ليوهم القوم أن به رعافاً. وفي هذا باب من الأخذ بالأدب في ستر العورة، وإخفاء القبيح من الأمر والتورية بما هو أحسن منه، وليس يدخل هذا في باب الرياء والكذب، وإنما هو من باب التجمل، واستعمال الحياء، وطلب السلامة من الناس-انتهى. وقال التوربشتي: أمره بأخذ الأنف ليخيل أنه مرعوف، وهذا ليس من قبيل الكذب، بل من المعاريض بالفعل، ورخص له فيها وهدى إليها لئلا يسول له الشيطان المضي أي في الصلاة استحياء من الناس. وفيه أيضاً تنبيه على إخفاء في تلك الحالة-انتهى. (ثم لينصرف) بكسر اللام وسكونها. (رواه أبوداود) في أبواب الجمعة من طريق ابن جريج عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة، وأخرجه ابن ماجه من طريق عمر بن علي المقدمي عن هشام ومن طريق عمر بن قيس عن هشام. قال في الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات. والطريق الثانية ضعيفة لاتفاقهم على ضعف عمر بن قيس. والحديث أخرجه أيضاً ابن حبان والدارقطني (ص٥٧) والحاكم (ج١: ص١٨٤) وقال صحيح على شرطهما، ووافقه الذهبي والبيهقي (ج٢:ص٢٥٤) . ١٠١٥- قوله: (إذا أحدث أحدكم) كذا في جميع النسخ الحاضرة عندنا، وكذا وقع في المصابيح. والذي في الترمذي هو "إذا أحدث يعني الرجل"، وضمير "يعني" يرجع إلى رسول الله ﷺ ، وهذا تفسير الضمير المستتر في "أحدث" من بعض الرواة. قال القاري: أي عمداً عند أبي حنيفة، ومطلقاً عند صاحبيه، بناء على أن الخروج من الصلاة بصنعه فرض عنده خلافاً لهما-انتهى. قال الشيخ: ليس في الحديث تقييد بالعمد، فالظاهر ما قال

стр. 1304

وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلم فقد جازت صلاته)) ، رواه الترمذي، وقال هذا حديث إسناده ليس بالقوي وقد اضطربوا في إسناده. ــ صاحبا أبي حنيفة-انتهى. (وقد جلس في آخر صلاته) قال القاري: أي قدر التشهد-انتهى. قلت: ليس في الحديث بيان مقدار الجلوس. وأما ما روي في ذلك مما يدل على بيان قدر الجلوس، كحديث ابن مسعود عند أحمد وأبي داود وغيرهما، وكحديث عطاء عند أبي نعيم، وكحديث علي عند البيهقي والدارقطني، فكله ضعيف لا يصلح للاحتجاج. أما حديث ابن مسعود فقد تقدم الكلام عليه. وأما حديث عطاء فهو مرسل، ومرسلات عطاء أضعف المراسيل، فإنه كان يأخذ عن كل أحد كما في التدريب وغيره. وأما حديث علي فهو موقوف. (فقد جازت صلاته) أي تمت وأجزأت. واستدل به لأبي حنيفة وأصحابه على أن المصلي إذا أحدث في آخر صلاته بعد ما جلس قد التشهد فقد جازت صلاته خلافاً للأئمة الثلاثة، فإن الصلاة: تبطل عندهم بذلك، لكون التسليم فرضاً عندهم وفي الاستدلال بهذا الحديث لما ذهب إليه أبوحنيفة نظر ظاهر؛ لأنه ضعيف، لا يصلح للاحتجاج، كما ستقف عليه. قال الخطابي في المعالم (ج١:ص١٧٥) : هذا الحديث ضعيف، وقد تكلم الناس في بعض نقلته، وقد عارضته الأحاديث التي فيها إيجاب التسليم والتشهد، ولا أعلم أحداً من الفقهاء قال بظاهره؛ لأن أصحاب الرأي لا يرون أن صلاته قد تمت بنفس القعود حتى يكون ذلك بقدر التشهد، على ما رووا عن ابن مسعود، ثم لم يقودوا قولهم في ذلك؛ لأنهم قالوا: إذا طلعت عليه الشمس، أو كان متيمماً فرأى الماء وقد قعد مقدار التشهد قبل أن يسلم فسدت صلاته، وقالوا فيمن قهقه بعد الجلوس قدر التشهد: إن ذلك لا يفسد صلاته ويتوضأ، ومن مذهبهم أن القهقهة لا تنقض الوضوء إلا أن تكون في صلاة. والأمر في اختلاف هذه الأقاويل ومخالفتها الحديث بين –انتهى. وقد ذكر ابن حزم في المحلى (ج٤:ص٢٧٦، ٢٧٧) مسائل نحو ما ذكر الخطابي، تناقض فيها أقوال أهل الرأي. والبحث نفيس جدا فارجع إليه، قال القاري: ووجه مناسبة هذا الحديث للباب: أنه وجد منه حدث في الصلاة، ولم يبطلها مع أن من شأنه إبطالها. (رواه الترمذي) وأخرجه أيضاً أبوداود والدارقطني والبيهقي (ج٢:ص١٧٦) وأبوداود الطيالسي. (وقال) أي الترمذي: (هذا حديث، إسناده ليس بالقوى، وقد اضطربوا في إسناده) لم يبين الترمذي اضطراب إسناده، ولكنه ذكر في آخر الباب كلامهم في عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، الذي عليه مدار أسانيد هذا الحديث، وتضعيف بعض أهل العلم له، قال الحافظ في التقريب في ترجمته: ضعيف في حفظه. والظاهر أن هذا الحديث مما أخطأ فيه حفظه. وهو أيضاً مخالف للحديث الصحيح: "وتحليلها التسليم". وقد تقدم، فلا يقوى حديث عبد الله بن عمر وهذا لمعارضته. قال الزيلعي في نصب الراية (ج٢:ص٦٢-٦٣) بعد ذكر كلام الترمذي المتقدم: وأخرجه الدارقطني ثم البيهقي في سننهما.

стр. 1305

﴿الفصل الثالث﴾ ١٠١٦- (٣٢) عن أبي هريرة: ((أن النبي ﷺ خرج إلى الصلاة، فلما كبر انصرف ــ قال الدارقطني: وعبد الرحمن بن زياد لا يحتج به. وقال البيهقي: وهذا الحديث إنما يعرف بعبد الرحمن الإفريقي، وقد ضعفه يحيى بن معين ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي، قال: وإن صح قائماً كان قبل أن يفرض التسليم، ثم روى بإسناده عن عطاء بن أبي رباح، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قعد آخر صلاته أقبل على الناس بوجهه. وذلك قبل أن ينزل التسليم-انتهى. وقال القاري بعد ذكر كلام الترمذي المذكور: قال ابن الصلاح: المضطرب هو الذي يروى على أوجه مختلفة متفاوتة والاضطراب قد يقع في السند أو المتن أو من راو أو من رواة. والمضطرب ضعيف لإشعاره بأنه لم يضبط، ذكره الطيبي. قال القاري: لهذا الحديث طرق ذكرها الطحاوي. وتعدد الطرق يبلغ الحديث الضعيف إلى حد الحسن-انتهى كلام القاري. وفيه أن تعدد طرق الحديث إنما يبلغه إلى حد الحسن إذا كانت تلك الطرق متباينة، ولم يكن مدار كلها على ضعيف لا يحتج به. وطرق هذا الحديث التي ذكرها الطحاوي ليست متباينة، بل مدار كلها على عبد الرحمن بن زياد الإفريقي. ١٠١٦- قوله: (خرج إلى الصلاة) أي قاصداً إليها. (فلما كبر) أي تكبيرة الإحرام. (انصرف) أي إلى حجرته. وفيه دليل على أنه ﷺ انصرف بعد ما دخل في الصلاة وكبر للإحرام. ويدل عليه أيضاً رواية ابن ماجه والدارقطني والبيهقي (ج٢:ص٣٩٧) لحديث أبي هريرة هذا من طريق أسامة بن زيد عن عبد الله بن يزيد عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة. قال الحافظ بعد عزوه لابن ماجه: في إسناده نظر. وقال في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف أسامة بن زياد-انتهى. قلت: لم يتعين لي أنه أسامة بن زيد أسلم العدوي أو أسامة بن زيد الليثي المدني. والأول ضعيف من قبل حفظه، والثاني صدوق يهم، كما في التقريب. ويدل عليه أيضاً ما رواه الدارقطني والبيهقي (ج٢:ص٣٩٩) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بلفظ: دخل رسول الله ﷺ في صلاته فكبر وكبرنا معه، ثم أشار إلى القوم. قال الحافظ: واختلف في إرساله ووصله-انتهى. ورواه الطبراني في الأوسط بنحوه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢:ص٦٩) : رجاله رجال الصحيح. وما رواه أحمد وأبوداود وابن حبان والبيهقي (ج٢:ص٣٩٧) من حديث الحسن عن أبي بكرة: أن رسول الله ﷺ دخل في صلاة الفجر، فأومأ بيده أن مكانكم. قال الحافظ: صححه ابن حبان والبيهقي واختلف في وصله وإرساله. وما رواه الدارقطني عن بكر بن عبد الله المزني: أن رسول الله ﷺ دخل في صلاة فكبر وكبر من خلفه فانصرف، مرسل. وما رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط عن علي بن أبي طالب، قال: بينما نحن

стр. 1306

وأومى إليهم أن كما كنتم ــ مع رسول الله ﷺ نصلي، إذا انصرف ونحن قيام الخ. وفيه ابن لهيعة، وما رواه مالك في الموطأ عن عطاء بن يسار مرسلاً: أن رسول الله ﷺ كبر في صلاة من الصلوات ثم أشار إليهم بيده أن امكثوا، فذهب ثم رجع وعلى جلده أثر الماء. وما رواه أبوداود عن محمد بن سيرين والربيع بن محمد مرسلاً: أن النبي ﷺ كبر. وقد روى الشيخان عن أبي هريرة ما يدل على أنه ﷺ انصرف قبل أن يدخل في الصلاة. ففي رواية للبخاري: أن رسول الله ﷺ خرج وقد أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر انصرف قال: على مكانكم. وفي رواية لمسلم: فأتى رسول الله حتى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر ذكر فانصرف وقال لنا: مكانكم، فرواية الصحيحين معارضة لما تقدم من أحاديث أنس وأبي بكرة وأبي هريرة وعلي، ومراسيل بكر وعطاء ومحمد بن سيرين والربيع بن محمد، ويمكن أن يجمع بينهما بأن يقال: إن معنى قوله "كبر" في حديث الباب وما يوافقه، أراد أن يكبر للإحرام، ومعنى دخل في الصلاة، أنه قام في مقامه للصلاة وتهيأ للإحرام بها، ويحتمل أنهما قصتان ذكر في الأولى قبل التكبير والتحرم بالصلاة، وهي رواية الصحيحين، وفي الثانية لم يذكر إلا بعد أن أحرم، كما في حديث أبي بكرة وما وافقه. قال الحافظ: في الفتح بعد ذكر رواية مسلم وحديث أبي بكرة وأثر عطاء: ويمكن الجمع بينهما يحمل قوله "كبر" على أراد أن يكبر، أو بأنهما واقعتان. أبداه عياض والقرطبي احتمالاً. وقال النووي: إنه الأظهر، وجزم به ابن حبان كعادته، فإن ثبت وإلا فما في الصحيح أصح-انتهى. واعلم أنه استدل بحديث أبي بكرة وما وافقه لمالك والشافعي وأحمد من وافقهم على أنه لا إعادة على من صلى خلف من نسي غسل الجنابة وصلى ثم تذكر، إنما الإعادة على الإمام فقط خلافاً لأبي حنيفة، فإنه قال: يجب الإعادة على المأمومين أيضاً. وفيه أنه لا يتم استدلال الأئمة الثلاثة إلا إذا قيل بتعدد القصة، ومع ذلك إذا ثبت أن القوم أيضاً كبروا ودخلوا في الصلاة، لكن لم يذكر ذلك إلا في حديث أنس عند الدارقطني والطبراني، وقد تقدم أنه اختلف في إرساله ووصله، فرواه معاذ بن معاذ عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس مسنداً، ورواه عبد الوهاب الخفاف عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن بكر بن عبد الله المزني مرسلاً، أخرجهما الدارقطني. وأما إذا قيل بوحدة الواقعة في روايات الصحيحين وغيرهما، أو بأن القوم لم يدخلوا في الصلاة ولم يكبروا على القول بتعدد القصة، فلا يكون حديث أبي بكرة وما وافقه دليلاً على ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة. والظاهر عندي: توجد القضية ويحمل قوله: "كبر ودخل" على المجاز أي أراد أن يكبر للإحرام وتهيأ للدخول في الصلاة، وأن القوم لم يدخلوا في الصلاة، كما أنه ﷺ لم يدخل فيها، فإن كان كذلك، وإلا فما في الصحيح أصح. (وأومى إليهم) بالياء. وفي بعض النسخ بالهمزة. قال القاري: ويبدل الهمزة، فيكتب بالياء أي أشار. (أن) وفي رواية الدارقطني أي. (كما كنتم) وفي بعض النسخ: كما أنتم، أي على ما أنتم عليه من حال

стр. 1307

ثم خرج فاغتسل، ثم جاء ورأسه يقطر فصلى بهم، فلما صلى قال: إني كنت جنباً، فنسيت أن أغتسل)) رواه أحمد. ١٠١٧- (٣٣) وروى مالك عن عطاء بن يسار مرسلاً. ــ الاجتماع، وعدم التفرق. قال الطيبي: أي كونوا كما كنتم. و"أن" مفسرة لما في الإيماء من معنى القول. ويجوز أن تكون مصدرية، والجارة محذوفة أي أشار إليهم بالكون على حالهم-انتهى. (ثم خرج) أي من المسجد. (ورأسه يقطر) بضم الطاء أي شعر رأسه يقطر ماء بسبب الاغتسال يعني لم ينشف إما للعجلة، وإما؛ لأنه أفضل. (فصلى بهم) وفي رواية مسلم المتقدمة: فكبر وصلى بنا. وفي رواية للبخاري: فكبر فصلينا معه. (فلما صلى) أي فرغ من صلاته. (قال) مشيراً إلى السبب فيما وقع له. (إني كنت جنباً، فنسيت) بفتح النون وكسر السين المخففة، كذا في النسخ. ولعل الأولى ضم النون وتشديد السين، قاله القاري. (إن اغتسل) أي الاغتسال. وفي الحديث فوائد: منها: جواز النسيان على الأنبياء في أمر العبادة لأجل التشريع، ومنها: طهارة الماء المستعمل، ومنها: جواز الفصل بين الإقامة والصلاة؛ لأن قوله فصلى ظاهر في أن الإقامة لم تعد ولم تجدد، والظاهر أنه مقيد بالضرورة، وبأمن خروج الوقت. وعن مالك إذا بعدت الإقامة من الإحرام تعاد. وينبغي أن يحمل على ما إذا لم يكن عذر، ومنها: أنه لا حياء في أمر الدين، وسبيل من غلب أن يأتي بعذر موهم كأن يمسك بأنفه ليواهم أنه رعف، كما تقدم، ومنها: أنه لا يجب على من احتلم في المسجد فأراد الخروج منه أن يتيمم، ومنها: جواز الكلام بين الصلاة والإقامة. ومنها: جواز تأخير الجنب الغسل عن وقت الحدث. ومنها: خروج الإمام بعد الإقامة للغسل. (رواه أحمد) يعني موصولاً، وله عنده طرق وألفاظ، وأخرجه أيضاً ابن ماجه والدارقطني والبيهقي (ج٢:ص٣٩٨) . ١٠١٧- (وروى مالك) في الموطأ، وكذا البيهقي عن إسماعيل بن أبي حكيم. (عن عطاء بن يسار) مولى ميمونة زوج النبي ﷺ (مرسلاً) وقد تقدم لفظه. قال ابن عبد البر: هذا مرسل، وقد روى متصلاً مسنداً من حديث أبي هريرة وأبي بكرة-انتهى. قال ميرك: لم يظهر وجه مناسبة هذا الحديث لباب ما لا يجوز من العمل في الصلاة وما يباح منه، فتأمل. قال القاري: ولعل المصنف وهم أن قوله "فلما كبر" على ظاهره، فيكون دليلاً على عدم البناء مطابقا لمذهبه-انتهى. قلت: وذلك لأن حكم الحدث السابق واللاحق عند الشافعية والمالكية واحد، يعني إذا صلى الإمام ناسياً محدثاً أو جنباً ثم تذكر يفسد صلاته، ولا يجوز البناء عليها. وكذلك إذا أحدث في أثناء الصلاة. فلما حمل قوله "كبر" على ظاهره، دل الحديث على بطلان الصلاة. وعدم جواز البناء، ووجوب الإعادة. ولذلك بوب مالك على حديث عطاء إعادة الجنب الصلاة وغسله.

стр. 1308

١٠١٨- (٣٤) وعن جابر، قال: ((كنت أصلي الظهر مع رسول الله ﷺ ، فأخذ قبضة من الحصى لتبرد في كفى، أضعها لجبهتي، أسجد عليها لشدة الحر)) . ــ إذا صلى ولم يذكر. وهذا كما ترى حمله مالك على قصة الجنابة المذكورة في رواية أبي هريرة وعلي وأنس وأبي بكرة، وأما تلميذه محمد فحمله على سبق الحدث في الصلاة، كما هو ظاهر من تبويبه، واستنبط منه أن من سبقه الحدث في الصلاة فلا بأس أن ينصرف فيتوضأ ثم يبني على ما قد صلى، وفيه أن هذا الحمل والاستنباط إنما يصح إذا كان قصة حديث عطاء بن يسار غير ما وقع في أحاديث أبي هريرة وأنس وأبي بكرة وعلي ومرسل ابن سيرين، وهو خلاف الأصل. وأيضاً يؤدي ذلك إلى القول بتكرر القضية ثلاث مرات: الأولى ما في رواية الصحيحين. والثانية ما في رواية عطاء المرسلة، والثالثة ما في أحاديث علي وأبي هريرة وأبي بكرة وأنس ومرسل ابن سيرين. وهذا كما ترى بعيد جداً، ولذلك أورد الشيخ عبد الحي اللكنوي في التعليق الممجد (ص١٢١) على هذا الاستنباط بخمسة وجوه، وقال في آخرها: وبالجملة إذا جمعت طرق حديث الباب، ونظر إلى ألفاظ رواياته، وحمل بعضها على بعض، علم قطعاً أنه لا يصلح لاستنباط ما استنبطه محمد. وبه يظهر أنه لا يصح إدخال هذا الحديث في باب الحدث في الصلاة؛ لأنه لم يكن هناك حدث في الصلاة-انتهى. ١٠١٨- قوله: (فأخذ) أي فأخذت. فجاء المضارع لحكاية الحال الماضية، قاله الطيبي. وتبعه ابن حجر. وهذا مبني منهما على أنه عطف على "كنت". والظاهر أنه عطف على "أصلي" قاله القاري. (قبضة) بفتح القاف وضمها ومعنى الفتح المرة من القبض، ثم أطلق على المقبوض كضرب الأمير، وهو معنى القبضة بضم القاف. قال الجوهري: القبضة هي ما قبضت عليه من شيء، قال وربما جاء بالفتح-انتهى. وقال في القاموس: القبضة وضمه أكثر ما قبضت عليه من شيء. (من الحصى) صفة لقبضة مبنية. (لتبرد) بضم الراء من باب نصر. (لجبهتي) أي لموضعها. (أسجد عليها) أي على الحصى الباردة. قال ابن حجر: بدل من أضعها التي هو نعت لقبضة، أو حال منها لتخصيصها-انتهى. قال القاري: والأخير هو الأظهر لوجود الفصل بالعلة المذكورة بينهما. (لشدة الحر) علة للأخذ. قال الخطابي في المعالم (ج١: ص١٢٧) : فيه من الفقه تعجيل صلاة الظهر، وفيه أنه لا يجوز السجود إلا على الجبهة، ولو جاز السجود على ثوب هو لابسه أو الاقتصار من السجود على الأرنبة دون الجبهة لم يكن يحتاج إلى هذا الصنيع، وفيه أن العمل اليسير لا يقطع الصلاة-انتهى. قلت: في الاستدلال به على تعجيل صلاة الظهر نظر؛ لأن شدة الحر قد توجد مع الإبراد، وقد تبقى الحرارة في الحصى، وتستمر بعد الإبراد، فيحتاج إلى تبريده، أو السجود على الثوب، ويكون فائدة الإبراد وجود ظل يمشي فيه إلى المسجد أو يصلي فيه في المسجد. وأما قوله: لو جاز السجود على ثوب هو لابسه ففيه أيضاً نظر، لاحتمال أن يكون جابر لم يكن في ثوبه فضل يمكنه أن يسجد عليه. نعم لو ثبت أنه كان في ثوبه الذي هو لابسه فضل ولم يسجد عليه لتم

стр. 1309

رواه أبوداود، وروى النسائي نحوه. ١٠١٩- (٣٥) وعن أبي الدرداء، قال: ((قام رسول الله ﷺ يصلي فسمعناه يقول: أعوذ بالله منك، ثم قال: ألعنك بلعنة الله ثلاثاً، وبسط يده كأنه يتناول شيئاً، فلما فرغ من الصلاة، قلنا: يا رسول الله! قد سمعنا وتقول في الصلاة شيئاً لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ــ ما قال الخطابي. وقد روى البخاري عن أنس: كنا نصلي مع النبي ﷺ فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود. وفي رواية: سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر. ورواه مسلم أيضاً ولفظه في رواية: فإذا لم يستطيع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه. فهذه الروايات تدل على جواز السجود على الثوب المتصل بالمصلي، وعلى جواز استعمال الثياب، وكذا غيرها في الحيلولة بين المصلي وبين الأرض لاتقاء حرها، وكذا بردها، ومراعاة الخشوع فيها؛ لأن الظاهر أن صنيعهم ذلك كان لإزالة التشويش العارض من حرارة الأرض وحر الحصباء. (رواه أبوداود) أي بهذا اللفظ، وسكت عليه هو والمنذري. (وروى النسائي نحوه) أي بمعناه في باب تبريد الحصى للسجود عليه. ولفظه: قال كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الظهر، فأخذ قبضة من حصى في كفي أبرده، ثم أحوله في كفي الآخر، فإذا سجدت وضعته لجبهتي. والحديث أخرجه البيهقي أيضاً (ج٢:ص١٠٥) . ١٠١٩- قوله: (فسمعناه يقول أعوذ بالله منك) إظهار الغاية الخوف والافتقار إلى الله تعالى والاحتياج إلى دوام فضله وعصمته. (ثم قال: ألعنك بلعنة الله) أي إياك، والمعنى أسأل الله أن يلعنك بلعنته المخصوصة لك التي لا توازيها لعنة، أو أبعدك عني بإبعاد الله لك. فالباء للتعدية، أو للآلة، أو للسبية. (ثلاثاً) قيد لهما لما سيأتي. وفيه أن المخاطبة في الصلاة إذا كانت بمعنى الطلب من الله لا تعد كلاماً فلا يقطع الصلاة. قال القاضي: هذا دليل لجواز الدعاء لغيره، وعلى غيره بصيغة المخاطبة، خلافاً لابن شعبان من أصحاب مالك في قوله: إن الصلاة تبطل بذاك. قال النووي: وكذا قال أصحابنا، فيتأول هذا الحديث، أو يحمل على أنه كان قبل تحريم الكلام في الصلاة، أو غير ذلك-انتهى. وقيل: عموم عدم جواز الخطاب للغير مخصوص بإبليس عند تعرضه للمصلي بالوسوسة؛ لأنه لمصلحة الصلاة، ومحتاج إليه. وأما غير الشيطان فليس مثله في ذلك؛ لأنه لا يحتاج لخطابه. وقيل: هذا من خصوصياته ﵊، قلت: الخصائص لا تثبت إلا بدليل، والظاهر ما قدمنا أن المخاطبة في الصلاة إذا كانت بمعنى الطلب من الله والدعاء، لا تعد كلاما، فلا يقطع الصلاة. (وبسط يده) أي مدها. (يتناول شيئاً) أي يأخذه من بعيد. (تقول في الصلاة شيئاً) من التعوذ، واللعن

стр. 1310

ورأيناك بسطت يدك. قال: إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي، فقلت: أعوذ بالله منك، ثلاث مرات، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة، فلم يستأخر ثلاث مرات، ثم أردت أن أخذه، والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة)) رواه مسلم. ١٠٢٠- (٣٦) وعن نافع، قال: ((إن عبد الله بن عمر مر على رجل وهو يصلي، فسلم عليه، فرد الرجل كلاما، فرجع إليه عبد الله بن عمر، فقال له: إذا سلم على أحدكم وهو يصلي، فلا يتكلم ــ بالخطاب. (بسطت يدك) كأنك تتناول شيئاً (جاء بشهاب) بكسر الشين المعجمة، شعلة من نار ساطعة. (ألعنك بلعنة الله) قال القاضي: يحتمل تسميتها تامة، أي لا نقص فيها، ويحتمل الواجبة له المستحقة عليه، أو الموجبة عليه العذاب سرمداً. (ثلاث مرات) الظاهر أنه ظرف لـ"قلت" ويمكن أن يكون ظرفاً لقوله: "لم يستأخر" أي فلم يتأخر في ثلاث مرات من التعوذ واللعنات. (ثم أردت أن آخذه) كذا في النسخ الحاضرة عندنا بصيغة المتكلم، وزيادة "أن" قبلها. وكذا وقع في سنن النسائي، ووقع في بعض النسخ بغير "أن" مطابقاً لما في صحيح مسلم. وهو يحتمل أن يكون على صيغة المصدر، أو على صيغة المتكلم. (لولا دعوة أخينا) أي معشر الأنبياء. (سليمان) بدل، أو عطف بيان لـ"أخينا" ويمكن أن يكون منصوباً بتقدير "أعنى". (لأصبح) أي لأخذته وربطته. فدخل في الصباح. (موثقاً) حال، أو لصار موثقاً، أي مربوطاً بسارية من سواري المسجد، كما تقدم. والمراد: لولا توهم عدم استجابة هذه الدعوة لأخذته، لا أنه بالأخذ يلزم عدم استجابتها، إذ لا يبطل اختصاص تمام الملك لسليمان بهذا القدر. وقد مضى الكلام فيه مفصلاً، فتذكر. وفيه دليل على أن إبليس من الجن. والظاهر أن القضية متعددة. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً النسائي والبيهقي (ج٢: ص٢٦٤) . ١٠٢٠- قوله: (عن نافع) مولى ابن عمر. (مر علي رجل) أي الرجل. (يصلي فسلم) بفتح السين على بناء الفاعل، والضمير لابن عمر. (عليه) أي على الرجل المصلي. (فرد الرجل) المصلي السلام على ابن عمر. (كلاماً) أي نطقاً وقولاً. وقال القاري: أي رداً ذا كلام. والمعنى رد كلام لا رد إشارة. (إذا سلم) بضم السين على صيغة المجهول. (على أحدكم وهو يصلي) فيه دلالة على أنه لا يكره السلام على المصلي. وإليه ذهب أحمد كما في المغني، ومالك في رواية لحديث: إن الأنصار كانوا يدخلون ورسول الله ﷺ يصلي، ويسلمون، فيرد عليهم إشارة بيده. (فلا يتكلم) أي برد السلام؛ لأنه مفسد للصلاة. والظاهر أن ابن عمر أمره بإعادة الصلاة. لكن لم ينقل إلينا. وفيه إشارة إلى أن السلام ابتداء ورداً كلام؛ لأن فيه خطاباً ومواجهة بالغير، والكلام في الصلاة

стр. 1311

وليشير بيده)) رواه مالك. (٢٠) باب السهو ﴿الفصل الأول﴾ ١٠٢١- (١) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أحدكم إذا قام يصلي. ــ منهي عنه. وقد دل عليه حديث ابن مسعود المتقدم في الفصل الأول والثاني. (وليشير بيده) أي لرد السلام لما قدمنا من الأحاديث المرفوعة الصحيحة الصريحة في رد السلام إشارة. وفيه أن ابن عمر كان ممن يجوز رد السلام بالإشارة في الصلاة. وأما ما قيل: إن المراد بالإشارة باليد الإشارة للمنع والنهي عن السلام، أو الإيماء إلى الاعتذار بأنه في الصلاة كما يشار للمار من غير قصد رد السلام، فهو مردود على قائله، فإنه ادعاء محض، واحتمال مجرد، ليس عليه أثاره من دليل، فلا يلتفت إليه. (رواه مالك) في موطئه عن نافع، وأخرجه البيهقي (ج٢:ص٢٥٩) من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع. ٢٠- (باب السهو) أي باب بيان حكم السهو الواقع في الصلاة. وفي المصابيح: باب سجود السهو. وهو لغة: الغفلة عن الشيء، وذهاب القلب إلى غيره. قال في المحكم: السهو هو نسيان الشيء والغفلة عنه. وقضيته أن السهو والنسيان مترادفان. وقيل: بينهما فرق دقيق. وهو أن السهو أن ينعدم له شعور، والنسيان له فيه شعور. وفي المنطوق بين الفروق أن النسيان زوال الشيء عن الحافظة والمدركة، والسهو زواله عن الحافظة فقط. وقال الراغب: النسيان ترك الإنسان ضبط ما استودع إما عن غفلة، وإما عن ضعف قلبه، وإما عن قصد حتى ينحذف عن القلب ذكره. وقال الجزري في النهاية: السهو في الشيء تركه من غير علم، والسهو عن الشيء تركه مع علم، وهذا فرق حسن دقيق. وبه يظهر الفرق بين السهو الذي وقع عن النبي ﷺ غير مرة، وبين السهو عن الصلاة الذي ذمه الله تعالى بقوله: ﴿الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ [١٠٧: ٥] واختلف في حكم سجود السهو: قال الشافعية: مسنون كله، وعن المالكية: السجود للنقص واجب دون الزيادة. وعن الحنابلة: التفصيل بين الواجبات غير الأركان، فيجب لتركها سهواً وبين السنن القولية فلا يجب، وكذا يجب إذا سها بزيادة فعل أو قول يبطلها عمده. وعن الحنفية واجب كله. وحجتهم قوله في حديث أبي هريرة الآتي "فليسجد سجدتين"، وقوله في حديثي ابن مسعود وأبي سعيد الآيتين "ثم ليسجد سجدتين". والأمر للوجوب، وقد ثبت من فعله ﷺ ، وأفعاله في الصلاة محمولة على البيان، وبيان الواجب واجب، ولا سيما مع قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، كذا في الفتح. ١٠٢١- قوله: (إن أحدكم إذا قام يصلي) فرضاً أو نفلاً، فإن قلت: قوله في الرواية الماضية، في باب

стр. 1312

جاءه الشيطان فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى؟ فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس)) ــ فضل الأذان وإجابة المؤذن "إذا نودي بالصلاة" قرينة في أن المراد الفريضة، وكذا قوله "إذا ثوب"، أجيب بأن ذلك لا يمنع تناول النافلة؛ لأن الإتيان بها حينئذٍ مطلوب لقوله ﷺ : "بين كل أذانين صلاة". (جاءه الشيطان) الظاهر أن "ال" فيه للعهد الذهني. وهو شيطان الصلاة الذي يسمى خنزب، كما رواه مسلم من حديث عثمان بن أبي العاص. (فلبس عليه) من الثلاثي، أي خلط عليه أمر صلاته وشوش خاطره. مصدره اللبس واللبس. وهو اختلاط الأمر، يقال لبس عليه الأمر يلبسه فالتبس، إذا خلطه عليه، وجعله مشتبهاً بغيره، خافياً حتى لا يعرف جهته. وقد يشدد للمبالغة، فيقال: لبس تلبيساً، وأما اللباس فمن باب سمع. قال الجزري: لبست الأمر بالفتح ألبسه، إذا خلطت بعضه ببعض. ومنه قوله تعالى: ﴿وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾ [٦: ٩] . وربما شدد للتكثير-انتهى. وقال النووي: هو بالتخفيف أي خلط عليه صلاته، وشبهها عليه، وشككه فيها. (حتى لا يدري كم صلى) أي ركعة أو ركعتين أو غيرهما. والمعنى حتى ينسى قدر ما صلى لاشتغال قلبه. (فإذا وجد ذلك) أي التردد، وعدم العلم. وقيل: السهو. (أحدكم) في صلاته. (فليسجد سجدتين) ترغيماً للشيطان حيث لبس عليه صلاته. وليس شيء أثقل على الشيطان من السجود لما لحقه ما لحقه من الامتناع عن السجود. وفيه دلالة على أنه لا زيادة على سجدتين وإن سها بأمور متعددة. (وهو جالس) زاد ابن إسحاق وابن أخي الزهري كلاهما عن الزهري في هذا الحديث عند أبي داود لفظ "قبل أن يسلم". وكذا وقعت هذه الزيادة عند ابن ماجه من رواياته ابن إسحاق عن الزهري، وسلمة بن صفوان بن سلمة كلاهما عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، لكن أعلها أبوداود وغيره بأن الحفاظ من أصحاب الزهري، ابن عيينة ومعمراً والليث ومالكاً لم يقولوا "قبل أن يسلم". وإنما ذكره ابن إسحاق وابن أخي الزهري، وليسا بحجة على من لم يذكروه، قاله الزرقاني. وقال الحافظ في الفتح: لم يقع في رواية الزهري تعيين محل السجود. وقد روى الدارقطني من طريق عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً إذا سها أحدكم فلم يدر أزاد أو نقص، فليسجد سجدتين وهو جالس ثم يسلم. إسناده قوي ولأبي داود من طريق ابن أخي الزهري عن عمه نحوه بلفظ "وهو جالس قبل التسليم". وله من طريق ابن إسحاق قال حدثني الزهري بإسناده، وقال فيه "فليسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم يسلم". قال العلائي: سنده الزيادة في هذا الحديث بمجموع هذه الطرق، لا تنزل عن درجة الحسن المحتج به-انتهى. وهذا كما ترى لم يلتفت الحافظ والعلائي إلى ما أشار إليه أبوداود من إعلال هذه الزيادة، بل جعلاها حجة، وهذا هو الصواب عندي؛ لأنها زيادة ثقة غير معارضة لرواية الثقات، أو لرواية من هو أوثق منه فتقبل، ولا سيما قد

стр. 1313

تأيدت بالأحاديث الصحيحة الواردة في سجود السهو للشك، فإنها قاضية بأن سجود السهو لهذا السبب يكون قبل السلام، كحديث أبي سعيد التالي، وحديث عبد الرحمن بن عوف عند أحمد والترمذي وابن ماجه والبيهقي مرفوعاً: إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدرأ واحدة صلى أم اثنتين فليجعلها واحدة، وإذا لم يدر ثنتين صلى أم ثلاثاً فليجعلهما ثنتين، وإذا لم يدر ثلاثاً صلى أم أربعاً فليجعلها ثلاثاً، ثم يسجد إذا فرغ من صلاته وهو جالس قبل أن يسلم سجدتين. نعم قد ورد ما يعارض ذلك، كحديث ابن مسعود الآتي، وحديث عبد الله بن جعفر عند أحمد وأبي داود والنسائي والبيهقي مرفوعاً بلفظ: "من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعد ما يسلم"، فيحمل الأمر في ذلك على التوسع، وإن الكل جائز، والله أعلم. وأما الأفضل في محل السجود فسيأتي بيانه في شرح حديث ابن مسعود الآتي عند ذكر اختلاف الأئمة. واعلم أن الأحاديث الواردة في السهو على خمسة أنحاء بالنظر إلى ما يجبر به الساهي صلاته وما يصنعه من الإتمام وعدمه. فبعضها يدل على أن المصلي إذا شك في صلاته فلم يدر زاد أو نقص، فليس عليه إلا سجدتان، كحديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد عند الترمذي وأبي داود، وحديث عبد الله بن جعفر. وبعضها يدل على أنه يعيد الصلاة، كحديث عبادة بن الصامت: أن رسول الله ﷺ سئل عن رجل سها في صلاته فلم يدر كم صلى، فقال: ليعد صلاته، وليسجد سجدتين قاعداً. أخرجه الطبراني في الكبير من رواية إسحاق بن يحيى بن عبادة بن الصامت عن جده عبادة بن الصامت. قال الهيثمي والعراقي: لم يسمع إسحاق عن جده عبادة، وكحديث ميمونة بنت سعد أنها قالت: أفتنا يا رسول الله! في رجل سها في صلاته فلا يدري كم صلى قال ينصرف، ثم يقوم في صلاته حتى يعلم كم صلى، فإنما ذلك الوسواس يعرض، فيسهيه عن صلاته. أخرجه الطبراني في الكبير. وفي إسناده عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي الجزري، مختلف فيه. وهو كبقية في الشاميين، يروي عن المجاهيل. وفي إسناده أيضاً عبد الحميد بن يزيد، وهو مجهول، كما قال العراقي. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢:ص١٥١) : في إسناده مجاهيل. وبعضها يدل على أنه يبنى على ما استيقن، كحديث أبي سعيد التالي. وفي بعضها أنه يبنى على الأقل، كحديث عبد الرحمن بن عوف عند أحمد والترمذي وغيرهما. وقد ذكرنا لفظه. وبعضها يدل على أنه يتحرى الأقرب إلى الصواب، ويبنى عليه، كحديث ابن مسعود الآتي وغيره من الآثار المروية في ذلك عن ابن عمر وابن مسعود وأبي سعيد. واختلف الأئمة في العمل بهذه الأحاديث، فذهب الحسن البصري وطائفة من السلف إلى أن من دخل عليه الشك فلم يدر زاد أم نقص سجد سجدتين، ليس عليه غير ذلك. واستدل هؤلاء بظاهر حديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد، وحديث عبد الله بن جعفر، وأسقطوا وأهملوا أحاديث التحري والبناء على اليقين وغير ذلك. وهذا أضعف الأقوال، وخالف في ذلك الجمهور الأئمة الأربعة وغيرهم، قالوا: حديث أبي هريرة وما وافقه مجمل، والأحاديث المفسرة قاضية عليه، فلابد من

стр. 1314

اعتبارها. قال أبوعبد الملك: حديث أبي هريرة يحمل على كل ساهٍ وإن حكمه السجود، ويرجع في بيان حكم المصلي فيما يشك فيه، وفي موضع سجوده من صلاته إلى سائر الأحاديث المفسرة، قال الشوكاني: ليس في حديثي أبي هريرة وعبد الله بن جعفر أكثر من أن رسول الله ﷺ أمر بسجدتين عند السهو في الصلاة. وليس بيان ما يصنعه من وقع له ذلك. والأحاديث الآخرة قد اشتملت على زيادة، وهي بيان ما هي الواجب عليه عند ذلك من غير السجود، فالمصير إليها واجب-انتهى. وحاصله أن حديث أبي هريرة سبق لبيان حكم ما يجير به الساهي صلاته. والمقصود من أحاديث البناء وغيره، بيان ما يصنعه من الإتمام وعدمه، فلا بد من أخذها والعمل بها. وقيل: حديث أبي هريرة محمول على من طرأ عليه الشك، وقد فرغ قبل أن يسلم. فإنه لا يلتفت إلى ذلك الشك، ويسجد للسهو، كمن طرأ عليه بعد أن سلم، فلو طرأ عليه قبل ذلك بنى على اليقين كما في حديث أبي سعيد. وعلى هذا فقوله فيه "وهو جالس" يتعلق بقوله "إذا شك" لا بقوله "سجد". وقال ابن عبد البر: حديث أبي هريرة هذا محمول عند مالك على المستنكح الذي لا يكاد ينفك عنه، ويكثر عليه السهو، ويغلب علىظنه أنه قد أتم، لكن الشيطان يوسوس له، فيجزيه أن يسجد للسهو دون أن يأتي بركعة؛ لأنه لا يأمن أن ينويه مثل ذلك فيما يأتي به. وأما من غلب على ظنه أنه لم يكمل صلاته، فيبنى على يقينه، فإن اعتراه ذلك أيضاً فيما يبني لهى عنه أيضاً، كما قاله ابن القاسم وغيره، وقال ابن رشد في البداية: فأما مالك بن أنس حمل حديث أبي سعيد الخدري – يعني الذي يأتي – على الذي لم يستنكحه الشك، وحمل حديث أبي هريرة على الذي يغلب عليه الشك، ويستنكحه. وتأول حديث ابن مسعود على أن المراد بالتحري هنالك هو الرجوع إلى اليقين، فثبت على مذهبه الأحاديث كلها-انتهى. وحمل الشافعي حديث أبي هريرة هذا على أحاديث البناء على اليقين، وقال: إن الشاك يبني على اليقين أي المتيقن، وهو الأقل في جميع الصور كلها. والبناء على اليقين هو أن يشك في الواحدة والثنتين، أو الثنتين والثلاث، أو الثلاث والأربع. فإذا كان كذلك فعليه أن يبني على اليقين، وهو الأقل، وليتم صلاته ثم يسجد سجدتي السهو على ما في حديث أبي سعيد. وحمل التحري في حديث ابن مسعود على الأخذ باليقين، كما حمله مالك عليه. قال الشافعي ومن وافقه: والتحري هو القصد. ومنه قوله تعالى. ﴿فأولئك تحروا رشداً﴾ [١٤:٧٢] ، فمعنى الحديث فليقصد الصواب، فيعمل به. وقصد الصواب هو ما بينه في حديث أبي سعيد وغيره. قال الشوكاني: قال الشافعي وداود وابن حزم: التحري هو البناء على اليقين. وحكاه النووي عن الجمهور-انتهى. وقيل: التحري غير البناء على اليقين. قال أحمد: ترك الشك على وجهين: أحدهما إلى اليقين والآخر إلى التحري. فمن رجع إلى اليقين فهو أن يلقى الشك، ويسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد. وإذا رجع إلى التحري، وهو أكبر الوهم سجد للسهو بعد السلام على حديث ابن مسعود، ذكره ابن عبد البر في التمهيد،

стр. 1315

والخطابي في المعالم (ج١:ص٢٣٩) . وقال ابن حبان: قد يتوهم من لم يحكم صناعة الأخبار، ولا تفقه في صحيح الآثار أن التحري في الصلاة، والبناء على اليقين واحد وليس كذلك؛ لأن التحري هو أن يشك المرأ في صلاته فلا يدري ما صلى فإذا كان ذلك فعليه أن يتحري الصواب وليبن على الأغلب عنده على خبر ابن مسعود، والبناء على اليقين هو أن يشك في الثنتين والثلاث، أو الثلاث والأربع. فإذا كان كذلك فعليه أن يبنى على اليقين، وهو الأقل، وليتم صلاته على خبر عبد الرحمن بن عوف وأبي سعيد-انتهى مختصراً. وبهذا كله ظهر أن مالكا والشافعي أوّلا أحاديث التحري والبناء على الأقل إلى أحاديث البناء على اليقين. وأما حديث أبي هريرة فحمله مالك على المستنكح، وحمله الشافعي على أحاديث البناء على اليقين، واتفقا جميعاً على إهمال حديثي عبادة بن الصامت وميمونة بنت سعد الدالين على إعادة الصلاة. وذلك لعدم صلوحهما للاحتجاج. وأما أحمد فله في ذلك ثلاث روايات، كما في المغني (ج١:ص٦٧١-٦٧٣) : إحداها البناء على اليقين أي الأقل مطلقاً للإمام والمنفرد كليهما. والثانية البناء على اليقين للإمام والمفرد إذا لم يكن لهما ظن، ومتى كان لهما غالب ظن عملا عليه. قال ابن قدامة: فعلى هذا يحمل حديث أبي سعيد على من استوى عنده الأمران، فلم يكن له ظن. وحديث ابن مسعود على من له رأي وظن. يعمل بظنه، جمعاً بين الحديثين، وعملا بهما، فيكون أولى، ولأن الظن دليل في الشرع، فيجب اتباعه، والثالثة التفريق بين المنفرد، فيبني على اليقين مطلقاً، والإمام فيبنى على غالب ظنه إذا كان له ظن. وإن لم يكن له ظن بل استوى الأمران عنده بنى على اليقين أيضاً، اختار هذه الرواية الخرقي، وهو الظاهر في المذهب. وقال الشعبي والأوزاعي وجماعة من السلف: إذا لم يدر كم صلى لزمه أن يعيد الصلاة مرة بعد أخرى حتى يستيقن. وقال بعضهم: يعيد ثلاث مرات، فإذا شك في الرابعة فلا إعادة عليه. واستدل هؤلاء بحديثي عبادة وميمونة. وقد عرفت أنهما لا يصلحان للاحتجاج لضعفهما. وأما الحنفية فقالوا بالتفصيل، وحالوا الجمع بين الأحاديث الواردة في المسألة، قالوا إذا شك وهو مبتدأ بالشك، لا بمتلى فيه استأنف الصلاة، والمراد بقولهم مبتدأ بالشك على ما في البدائع: أنه لم يصر عادة له، لا أنه لم يسه في عمره قط. فحملوا حديثي عبادة وميمونة الدالين على الإعادة على من لم يصر الشك عادة له، قالوا: وإن كان يعرض له الشك كثيراً تحرى وبنى على أكبر رأيه وأكثر ظنه على حديث ابن مسعود، ولم يمض على اليقين، أي الأقل، وإن لم يكن له رأي بنى على اليقين على حديث أبي سعيد، قالوا حديث أبي سعيد لا يخالفنا؛ لأنه ورد في الشك وهو ما استوى طرفاه، ومن شك ولم يترجح له أحد الطرفين يبني على الأقل بالإجماع، بخلاف من غلب على ظنه أنه صلى أربعاً مثلاً، وفيه أن تفسير الشك بمستوى الطرفين إنما هو اصطلاح طارئ للأصوليين. وأما في اللغة: فالتردد بين وجود الشيء وعدمه كله يسمى شكاً، سواء المستوي والراجح والمرجوح. والحديث يحمل على اللغة ما لم يكن هناك حقيقة شرعية أو عرفية.

стр. 1316

متفق عليه. ــ ولا يجوز حمله على ما يطرأ للمتأخرين من الاصطلاح، قاله النووي. وقال الشوكاني: والذي يلوح لي أنه لا معارضة بين أحاديث البناء على الأقل والبناء على اليقين وتحري الصواب. وذلك؛ لأن التحري في اللغة: هو طلب ما هو أحرى إلى الصواب. قد أمر به ﷺ وأمر بالبناء على اليقين. والبناء على الأقل عند عروض الشك. فإن أمكن الخروج بالتحري عن تاثرة الشك لغة، ولا يكون إلا بالاستيقان بأنه قد فعل من الصلاة كذا ركعات، فلا شك أنه مقدم على البناء على الأقل؛ لأن الشارع قد شرط في جواز البناء على الأقل عدم الدراية، كما في حديث عبد الرحمن بن عوف. وهذا المتحري قد حصلت له الدراية. وأمر الشاك بالبناء على ما استيقن، كما في حديث أبي سعيد، ومن بلغ به تحريه إلى اليقين قد بنى على ما استيقن. وبهذا تعلم أنه لا معارضة بين الأحاديث المذكورة، وأن التحري المذكور مقدم على البناء على الأقل. وقد أوقع الناس ظن التعارض بين هذه الأحاديث في مضائق ليس عليها أثارة من علم، كالفرق بين المبتدأ والمبتلى والركن والركعة-انتهى قلت: هذا تحقيق جيد حقيق بالقبول. وأما ما ذهب إليه الحنفية من البناء على أكبر الرأي وأكثر الظن وأغلبه، فلم أجد فيه حديثاً صريحاً مرفوعاً صحيحاً أو حسناً. وأيضاً هو مبنى على أخذ الشك الواقع في حديث أبي سعيد وغيره في المعنى المصطلح وقد عرفت ما فيه. وأما استدلالهم على ذلك بلفظ التحري في حديث ابن مسعود الآتي ففيه ما تقدم آنفاً، وسيأتي مزيد الكلام في ذلك. ثم إن ظاهر قوله: إن أحدكم إذا قام يصلي، وقوله: إذا شك أحدكم في صلاته في حديثي أبي سعيد وابن مسعود، وقوله: من صلى صلاة في حديث عبد الرحمن بن عوف، يدل على ما ذهب إليه الجمهور من أن سجود السهو مشروع في صلاته النافلة، كما هو مشروع في صلاة الفريضة؛ لأن الجبران وإرغام الشيطان يحتاج إليه في النفل، كما يحتاج إليه في الفريضة. وذهب ابن سيرين وقتادة وعطاء إلى أن التطوع لا يسجد فيه. وهذا يبني على الخلاف في اسم الصلاة الذي هو حقيقة شرعية في الأفعال المخصوصة هل هو متواطئ فيكون مشتركاً معنوياً فيدخل تحته كل صلاة. أو هو مشترك لفظي بين صلاتي الفريضة والنافلة فذهب الفخر الرازي إلى الثاني، لما بين صلوتي الفرض والنفل من التباين في بعض الشروط كالقيام واستقبال القبلة وعدم اعتبار العدد المنوي وغير ذلك. قال العلائي: والذي يظهر أنه مشترك معنوي لوجود القدر الجامع بين كل ما يسمى صلاة، وهو التحريم والتحليل مع ما يشمل الكل من الشروط التي لا تنفك. قال الحافظ: وإلى كونه مشتركاً معنوياً ذهب جمهور أهل الأصول. قال ابن رسلان: وهو أولى لأن الاشتراك اللفظي على خلاف الأصل، والتواطؤ خير منه-انتهى. فمن قال إن لفظ الصلاة مشترك معنوي قال بمشروعية سجود السهو في صلاة التطوع. ومن قال بأنه مشترك لفظي فلا عموم له حينئذٍ إلا على قول الشافعي: أن المشترك يعم جميع مسمياته. وقد ترجم البخاري على حديث أبي هريرة هذا: باب السهو في الفرض والتطوع، وذكر عن ابن عباس أنه سجد سجدتين بعد وتره. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد ومالك والترمذي وأبوداود والنسائي وابن

стр. 1317

١٠٢٢- (٢) وعن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثاً أو أربعاً فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، ــ ماجه والبيهقي. وأعلم أن المذكور في هذا الحديث وغيره من حديث أبي سعيد وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف، هو حكم الشك في الصلاة. والفرق بين السهو والشك أن السهو يكون فيه أحد الطرفين مجزوماً بخلاف الشك. ولما كان الشك في الصلاة كالسهو والنسيان في مشروعية السجود ذكر المصنف هذه الأحاديث في باب السهو. والله أعلم. ١٠٢٢- قوله: (إذا شك أحدكم في صلاته) ليس المراد بالشك التردد مع التساوى، بل مطلق التردد في النفس وعدم اليقين على ما في اللغة، فيشمل الشك المصطلح عند الأصوليين والوهم والظن وغالب الظن. قال الحموي في حواشي الأشباه والنظائر: الشك لغة: مطلق التردد. وفي اصطلاح الأصول: استواء طرفي الشيء، وهو الوقوف بحيث لا يميل القلب إلى أحدهما، فان ترجح أحدهما ولم يطرح الآخر فهو ظن، فإن طرحه فهو غالب الظن، وهو بمنزلة اليقين. وأما عند الفقهاء: فهو كاللغة لا فرق بين المساوي والراجح. وقال في فتح القدير نقلاً عن الحموي: اعلم أن مراد الفقهاء بالشك في الماء والحدث والنجاسة والصلاة والطلاق وغيرها، هو التردد بين وجود الشيء وعدمه، سواء كان الطرفان سواء أو أحدهما راجحاً. فهذا معناه في اصطلاح الفقهاء. وأما أصحاب الأصول فإنهم فرقوا بين ذلك، فقالوا التردد إن كان على السواء فهو الشك، فإن كان أحدهما راجحاً فالراجح ظن والمرجوح وهم-انتهى. وعند الحنفية: المراد به التردد من غير رحجان. قال السندي: حمله علماؤنا على ما إذا لم يغلب ظنه على شيء، وإلا فعند غلبة الظن لم يبق شك، فمعنى "إذا شك أحدكم" أي إذا بقى شاكاً ولم يترجح عنده أحد الطرفين بالتحري وغيرهم، حملوا الشك على مطلق التردد في النفس وعدم اليقين-انتهى.. (فلم يدر كم صلى ثلاثاً) تمييز رافع لإبهام العدد في "كم". (أو أربعا) أي مثلاً. (فليطرح الشك) أي المشكوك فيه، وهو الأكثر أي ليطرح الزائد الذي هو محل الشك، ولا يأخذ به في البناء يعنى الركعة الرابعة يدل عليه قوله: (وليبن) بسكون اللام وكسره. (على ما استيقن) أي علم يقينا، وهو ثلاث ركعات وفي رواية أبي داود والنسائي وابن ماجه: وليبن على اليقين أي المتيقن به، وهو الأقل فلا يقال إنه لا يقين مع الشك؛ لأن المراد باليقين ههنا المتيقن، فالثلاث هو المتيقن، والشك والتردد إنما هو في الزيادة، فيبنى على المتيقن لا على الزائد الذي يشك فيه. (ثم يسجد سجدتين) قال القاري: بالجزم. وفي نسخة: بالرفع في الأزهار يجوز فيه الجزم عطفاً على "ليبن"، والرفع خبر لو بمعنى الأمر إشارة إلى المغايرة

стр. 1318

فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان)) رواه مسلم. ــ في الحكم وجوباً أو ندباً-انتهى. وهذا الحديث كما ترى مفصل للإجمال الوارد في حديث أبي هريرة المتقدم، وحديث عبد الله بن جعفر، وحديث أبي سعيد عند الترمذي وأبي داود. فعليه التعويل، ويجب إرجاع الإجمال إليه. وفيه رد على من فصل في الشك من كونه أول ما سهى أو ثانياً؛ لأن الحديث مطلق وهو أوفق بالناس، والنبي ﷺ أرسل رحمة ورأفة لهم. واحتج به للجمهور مالك والشافعي ومن تبعهما فيما ذهبوا إليه من وجوب طرح الشك والبناء على المتيقن أي الأقل، وعدم أجزاء التحرى، كما تقدم الإشارة إليه. (قبل أن يسلم) فيه دليل لمن قال إن السجود للسهو قبل السلام. وسيأتي الكلام فيه. (فإن كان صلى خمساً) أي في رباعية وهو تعليل للأمر بالسجود، أي فإن كان ما صلاه في الواقع أربعاُ فصار خمساُ بإضافة إليه ركعة أخرى. (شفعن) بتخفيف الفاء وتشديدها. (له صلاته) قال الطيبي: الضمير في "شفعن" للركعات الخمس وفي "له" للمصلي يعني شفعت الركعات الخمس صلاة أحدكم بالسجدتين، يدل عليه قوله الآتي: شفعها بهاتين السجدتين أي شفع المصلى الركعات الخمس بالسجدتين. وقال ابن حجر: أي الركعة الخامسة والسجدتان، لرواية أبي داود: كانت الركعة نافلة والسجدتان، أي وصارت صلاته شفعاً باقياً على حاله-انتهى. وفي رواية النسائي: شفعتا أي بصيغة التثنية. والمعنى ردت السجدتان صلاته إلى الشفع. قال السندي: أن السجدتان صارتا له كالركعة السادسة، فصارت الصلاة بهما ست ركعات، فصارت شفعاً-انتهى. وكان المطلوب من الرباعية الشفع وإن زادت على الأربع. (وإن كان صلى إتماماً لأربع) قيل: نصبه على أنه مفعول له، يعني إن كان صلى ما يشك فيه لإتمام أربع. وقيل: إنه حال أي إن صلى ما شك فيه حال كونه متمماً للأربع، فيكون قد أدى ما عليه من غير زيادة ولا نقصان. (كانتا ترغيماً للشيطان) أي وإن صارت صلاته بتلك الركعة أربعاً كانتا أي السجدتان ترغيماً أي سبباً لاغاظة الشيطان وإذلاله وإهانته له حيث تكلف في التلبيس، فجعل الله تعالى له طريق جبر بسجدتين فأضل سعيه حيث جعل وسوسته سبباً للتقرب بسجدة استحق هو بتركها الطرد. قال النووي: المعنى أن الشيطان لبس عليه صلاته وتعرض لإفسادها ونقصانها، فجعل الله للمصلي طريقاً إلى جبر صلاته، وتدارك ما لبسه عليه، وإرغام الشيطان ورده خاسئاً مبعداً عن مراده، وكملت صلاة ابن آدم لما امتثل أمر الله الذي عصى به إبليس من امتناعه من السجود-انتهى. قال القاضي: القياس أن لا يسجد، إذ الأصل أنه لم يزد شيئاً لكن صلاته لا تخلوا عن أحد خللين، إما أداء الزيادة، وإما أداء الرابعة على التردد، فيسجد جبراً للخلل، والتردد لما كان من تسويل الشيطان وتلبيسه سمى جبره ترغيماً له. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي (ج٢:ص٣٣١) .

стр. 1319

١٠٢٣- (٣) ورواه مالك عن عطاء مرسلاً. وفي روايته، شفعها بهاتين السجدتين. ــ ١٠٢٣- قوله: (ورواه مالك عن عطاء مرسلاً) وأخرجه أبوداود والبيهقي أيضاً مرسلاً عن عطاء. قال الزرقاني في شرح الموطأ: هكذا مرسلاً عند جميع الرواة. (أي رواة الموطأ) وتابع مالكاً على إرساله الثوري وحفص بن ميسرة ومحمد بن جعفر وداود بن قيس في رواية. ووصله الوليد بن مسلم ويحيى بن راشد المازني كلاهما عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد الخدري. وقد وصله مسلم من طريق سليمان بن بلال وداود بن قيس كلاهما عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد. وله طرق عند أبي داود والنسائي وابن ماجه عن زيد موصولاً، ولذا قال أبوعمر بن عبد البر: هذا الحديث وإن كان الصحيح فيه عن مالك الإرسال فإنه متصل من وجوه ثابتة من حديث من تقبل زيادته؛ لأنهم حفاظ فلا يضره تقصير من قصر في وصله إلا أن الصحيح أنه من مسند أبي سعيد الخدري. وما أخرجه النسائي من طريق عبد العزيز الدراوردي عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس. قال ابن حبان: وهم عبد العزيز في قوله ابن عباس، وإنما هو عن أبي سعيد. وقال الأثرم لأحمد بن حنبل. أتذهب إلى حديث أبي سعيد،؟ قال: نعم. قلت: إنهم يختلفون في إسناده، قال: إنما قصر به مالك وقد أسنده عدة منهم ابن عجلان وعبد العزيز بن أبي سلمة - انتهى. وقال الخطابي في المعالم (ج١: ص٢٤٠) : قد ضعف حديث أبي سعيد الخدري قوم زعموا أن مالكاً أرسله عن عطاء بن يسار ولم يذكر فيه أباسعيد الخدري. وهذا مما لا يقدح في صحته، ومعلوم عن مالك أنه يرسل الأحاديث وهي عنده مسندة، وذلك معروف من عادته، وقد رواه أبوداود من طريق ابن عجلان عن زيد بن أسلم، وذكر أن هشام بن سعد أسنده فبلغ به أباسعيد، وقد أسنده أيضاً سليمان بن بلال - انتهى. قلت: رواية هشام بن سعد أخرجها البيهقي في السنن الكبرى وفي معرفة السنن. وأما رواية الدراوردي عن زيد عن عطاء عن ابن عباس، فلم أجدها في الصغرى من سنن النسائي. فلعلها في الكبرى، نعم ذكرها الخطابي في المعالم (ج١: ص٢٤٠) قال: قال الشيخ: ورواه ابن عباس أيضاً حدثونا به عن محمد بن إسماعيل الصائغ قال: حدثنا ابن قعنب حدثنا عبد العزيز بن محمد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: إذا شك أحدكم، الحديث. قال الحافظ في التلخيص. (ص١١٢) وروي عن ابن عباس وهو وهم. وقال ابن المنذر: حديث أبي سعيد أصح حديث في الباب - انتهى. (وفي روايته) أي رواية مالك المرسلة بدل "شفعن له صلاته". (شفعها) أي صيرها شفعاً. (بهاتين السجدتين) اللتين سجدهما للسهو، أي لما بنى على اليقين وصلى ركعة أخرى، فإن صارت صلاته خمساً شفعها أي جعل الخمس شفعاً بهاتين السجدتين؛ لأنها تصير ستاً بهما حيث أتى بمعظم أركان الركعة وهو السجود، فكأنه أتى بالركعة السادسة. وقال ابن رسلان: يعني لو لم يسجد للسهو لكانت الخامسة، لا يناسب أصل المشروعية، فلما سجد سجدتي السهو ارتفعت الوترية، وجاءت الشفعية المناسبة الأصل - انتهى.

стр. 1320

١٠٢٤- (٤) وعن عبد الله بن مسعود: ((أن رسول الله ﷺ صلى الظهر خمساً، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: وما ذاك؟ قالوا: صليت خمساً، فسجد سجدتين بعد ما سلم)) . ــ ١٠٢٤- قوله: (صلى الظهر خمساً) أي خمس ركعات. (فقيل له) أي لرسول الله ﷺ بعد أن سلم. (أزيد في الصلاة) بهمزة الإستفهام للإستخبار. (فقال وما ذاك) أي وما سؤالكم عن الزيادة في الصلاة. وفي رواية لمسلم: فلما انفتل توشوش القوم بينهم فقال: ما شأنكم، قالوا: يا رسول الله! هل زيد في الصلاة، قال: لا وقد تبين بهذه الرواية أن سؤالهم لذلك كان بعد استفساره لهم عن مشاورتهم. وهو دال على عظيم أدبهم معه ﷺ . (فسجد سجدتين) أي للسهو. (بعد ما سلم) كلمة "ما" مصدرية أي بعد سلام الصلاة. وفي رواية للشيخين: فثنى رجليه واستقبل القبلة، وسجد سجدتين ثم سلم، أي من سجدتي السهو. وقد روى أحمد ومسلم وابن خزيمة وغيرهم هذا الحديث مختصراً أيضاً بلفظ: أن النبي ﷺ سجد سجدتي السهو بعد السلام والكلام. قال ابن خزيمة: إن كان المراد بالكلام قوله: وما ذاك، في جواب قولهم: "أزيد في الصلاة"، فهذا نظير ما وقع في قصة ذي اليدين. وسيأتي البحث فيه فيها. وإن كان المراد به قوله: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون. فقد اختلفت الرواة في الموضع الذي قالها فيه: ففي رواية منصور: أن ذلك كان بعد سلامه من سجدتي السهو. وفي رواية غيره أن ذلك كان قبل. ورواية منصور أرجح - انتهى. واحتج به من قال إن سجود السهو كله بعد السلام، وهم الحنفية، وتعقب بأنه لم يعلم بزيادة الركعة إلا بعد السلام حين سألوه هل زيد في الصلاة. وقد اتفق العلماء في هذه الصورة على أن سجود السهو بعد السلام لتعذره قبله لعدم علمه بالسهو. وأجاب بعضهم مما وقع في هذا الحديث من الزيادة الآتية القولية. وأجيب بأنه معارض بحديث أبي سعيد المتقدم. فالظاهر أن ذلك كان منه ﷺ لبيان الجواز، والتوسع في الأمرين. كما تقدم، وقد رجح البيهقي: التخيير في سجود السهو قبل السلام أو بعده. ونقل الماوردي وغيره: الإجماع على الجواز. وإنما الخلاف في الأفضل. وكذا قال النووي، واستدل بالحديث على أن من صلى خمساً ساهياً ولم يجلس في الرابعة أن صلاته لا تفسد، خلافاً للكوفيين. وقولهم: يحمل هذا على أنه قعد في الرابعة يحتاج إلى دليل، بل السياق يرشد إلى خلافه. وعلى أن الزيادة في الصلاة على سبيل السهو لا تبطلها، وعلى أن من لم يعلم بسهوه إلا بعد السلام يسجد للسهو، وعلى أن الكلام العمد فيما يصلح به الصلاة لا يفسدها، وعلى أن من تحول عن القبلة ساهياً لا إعادة عليه. كذا في الفتح. قلت: ذهب الجمهور مالك والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهوية وغيرهم إلى أنه إذا صلى الرجل الظهر خمساً فصلاته جائزة، وسجد سجدتي السهو. وإن لم يجلس في الرابعة. والحديث حجة لهم. ومسلك الحنفية في ذلك على ما في الهداية وحواشيه: أن من سها عن القعدة الأخيرة

стр. 1321

حتى قام إلى الخامسة رجع إلى القعدة ما لم يسجد؛ لأن فيه إصلاح صلاته، وأمكنه ذلك؛ لأن ما دون الركعة بمحل الرفض، وألغى الخامسة، وسجد للسهو لتأخير الفرض، وهي القعدة، وإن قيد الخامسة بسجدة بطل فرضه؛ لأنه تحقق شروعه في النافلة قبل إكمال الفرض، فإن القعدة الأخيرة فرض عندهم، وبترك الفرض تبطل الصلاة، وتحولت صلاته نفلاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وبطلت عند محمد، فيضم إليها ركعة، ولو لم يضم لا شيء عليه، ولو قعد في الرابعة، ثم قام، ولم يسلم عاد إلى القعدة ما لم يسجد للخامسة وسلم، وإن قيد الخامسة بالسجدة، ثم تذكر ضم إليها ركعة أخرى، وتم فرضه؛ لأن الباقي إصابة لفظ السلام، وهي غير فرض عندهم، وإنما يضم إليها أخرى لتصير الركعتان نفلاً؛ لأن الركعة الواحدة لا تجزيه عندهم لحديث النهي عن البتيراء. وحملوا حديث ابن مسعود هذا على أنه جلس على الرابعة. وفيه: أنه محتاج إلى دليل، بل سياق الحديث يرشد إلى خلافه، قال ابن قدامة في المغني (ج١: ص٦٨) : الظاهر أنه ﷺ لم يجلس عقيب الرابعة؛ لأنه لم ينقل، ولأنه قام إلى الخامسة معتقداً أنه قام عن ثالثه، ولم تبطل صلاته بهذا، ولم يضف إلى الخامسة أخرى. وحديث أبي سعيد أيضاً حجة عليهم، فإنه جعل الزائدة نافلة من غير أن يفصل بينها وبين التي قبلها بجلوس، وجعل السجدتين يشفعانها، ولم يضم إليها ركعة أخرى. وهذا كله خلاف لما قالوه. فقد خالفوا الخبرين جميعاً. وقولنا يوافق الخبرين جميعاً - انتهى. وقال السندي: حمله علماؤنا الحنفية على أنه جلس على الرابعة، إذ ترك هذا الجلوس عندهم مفسد. ولا يخفى أن الجلوس على رأس الرابعة إما على ظن أنها رابعة أو على ظن أنها ثانية، وكل من الأمرين يفضي إلى اعتبار الواقعة منه أكثر من سهو واحد. وإثبات ذلك بلا دليل مشكل. والأصل عدمه. فالظاهر أنه ما جلس أصلاً. وذلك؛ لأنه إن ظن أنها رابعة فالقيام إلى الخامسة يحتاج إلى أنه نسي ذلك، وظهر له أنها ثالثة مثلاً، واعتقد أنه خطأ في جلوسه. وعند ذلك ينبغي أن يسجد للسهو فتركه لسجود السهو. أولا يحتاج إلى القول أنه نسي ذلك الاعتقاد أيضاً، ثم قوله: وما ذاك بعد إن قيل له، يقتضي أنه نسي بحيث ما تنبه له بتذكيرهم أيضاً. وهذا لا يخلو عن بُعد. وإن قلنا أنه ظن أنها ثانية سهواً ونسياناً فذاك النسيان مع بعده يقتضي أن لا يجلس على رأس الخامسة، بل يجلس على رأس السادسة، فالجلوس على رأس الخامسة يحتاج إلى اعتبار سهو آخر - انتهى. تنبيه: قال العيني في شرح البخاري (ج٧: ص٣٠٧) مستدلاً على وقوع الجلوس منه ﷺ عقيب الرابعة: إن المذكور في الحديث "صلى الظهر خمساً" والظهر اسم للصلاة المعهودة في وقتها بجميع أركانها. وفيه: أن إطلاق لفظ الظهر لا يدل على أنه جلس في الرابعة بل قوله: خمساً يرشد إلى خلاف ذلك، وإنما هذا كقول الراوي في قصة ذي اليدين: "صلى بنا النبي ﷺ الظهر، وفي رواية: العصر فسلم مع أنه ﷺ قد ترك الركعتين الأخيرتين نسياناً". وقال بعضهم حديث ابن مسعود واقعة حال، لا عموم لها، فلا

стр. 1322

وفي رواية: قال: ((إنما أنا بشر مثلكم، ــ يشكل على الحنفية إلا بعد إثبات أنه ﵊ لم يجلس على الرابعة وهو لم يثبت بعد، بل هو محتمل، ولا يحتاج الحنفية إلى إثبات القعدة، كما هو ظاهر؛ لأنهم قالوا إن القعدة فرض فلا يترك إلا بنص يخالفه لا بمحتمل. وفيه: أنه لم يقم دليل يثبت به كون القعدة الأخيرة فرضاً بالمعنى المصطلح عندهم. ولا بد لمن يدعي قعوده ﷺ على الرابعة أن يأتي بدليل يدل صراحة على ذلك. ولا يكفي الاحتمال في مثل هذا. والحديث ليس بظاهر في ثبوت القعود، بل هو ظاهر في نفيه، كما يرشد السياق إليه. بل ذكر الشيخ محمد أنور الحنفي تصريح نفي الجلوس عقب الرابعة عن معجم الطبراني حيث قال: وفي المعجم للطبراني نفي القعدة على الرابعة صراحة، فأشكل الأمر علينا، ولا بد له من جواب - انتهى. (فيض الباري ج٢: ص٣٣٩) قال جامعه: ولم أسمع منه-يعني من شيخه محمد نور- جوابه، ولا اتفق لي السؤال عنه. والله تعالى يدري ما كان جوابه عنده. ولا ريب أن الأمر أمر - انتهى. قلت: لا شك أن الحديث مشكل جداً على الحنفية ولم أر لهم جواباً عنه إلا ادعاء القعود على الرابعة من غير دليل مع كونه مخالفاً لما في الطبراني من نفي القعدة صراحة على ما قال صاحب فيض الباري. ولو صرفنا النظر عن ذلك، وسلمنا أنه قعد في الرابعة أشكل عليهم أيضاً؛ لأنه لم يضم السادسة، بل اكتفى بسجدتي السهو. وضم الركعة السادسة مؤكد، بل واجب عندهم. وأما قول العيني: لا يضرنا ذلك؛ لأنا لا نلزمه بضم الركعة السادسة على طريق الوجوب حتى قال صاحب الهداية: ولو لم يضم لا شيء عليه؛ لأنه مظنون. وقال صاحب البدائع: والأولى أن يضيف إليها ركعة أخرى ليصيرا نفلاً إلا في العصر. ففيه: أن هذا مخالف لقولهم: لا بد من أن يضم سادسة؛ لأن الركعة الواحدة لا تجزيه لنهيه ﵇ عن البتيراء، فإنه ظاهر في وجوب ضم السادسة في هذه الصورة- واعلم أن حديث النهي عن البتيراء أخرجه ابن عبد البر في التمهيد بسنده من رواية أبي سعيد الخدري بلفظ: أن رسول الله ﷺ نهى عن البتيراء أن يصلي الرجل واحدة يوتر بها، ذكره عبد الحق في أحكامه، وقال الغالب على حديث عثمان بن محمد بن ربيعة - أحد رواة هذا الحديث - الوهم. وقال ابن القطان في كتابه الوهم والإيهام بعد ذكره من جهة ابن عبد البر: الحديث شاذ، لا يعرج عليه ما لم يعرف عدالة راويه. وعثمان بن محمد بن ربيعة الغالب على حديثه الوهم - انتهى. وقال ابن حزم: لم يصح عن النبي ﷺ نهي عن البتيراء - انتهى. وهو أيضاً معارض بما ثبت. وصح عن النبي ﷺ من الإيتار بركعته قولاً وفعلاً. (وفي رواية قال) أي رسول الله ﷺ بعد سلامه من سجدتي السهو. (إنما أنا بشر مثلكم) أي في جميع الأمور البشرية إلا أنه يوحى إليّ. قال الشوكاني: هذا حصر له في البشرية باعتبار من أنكر ثبوت ذلك. ونازع فيه عناداً وجحوداً، وأما باعتبار غير ذلك مما هو فيه فلا ينحصر في وصف البشرية، إذ له صفات أخر ككونه جسماً حياً متحركاً، فيها

стр. 1323

أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم يسلم ثم يسجد سجدتين)) ــ رسولاً، بشيراً ونذيراً، سراجاً منيراً وغير ذلك. (أنسى كما تنسوني) زاد النسائي "وأذكر كما تذكرون". وفيه دليل على جواز السهو والنسيان عليه ﷺ فيما طريقه التشريع. وقد نقل عياض الإجماع على عدم جواز دخول السهو في الأقوال التبليغية، وخص الخلاف بالأفعال، لكنهم تعقبوه. نعم اتفق من جوز ذلك على أنه لا يقر عليه بل يقع له بيان ذلك إما متصلاً بالفعل أو بعد، كما في حديث ذي اليدين من قوله: لم أنس ولم تقصر، ثم تبين أنه نسي. وفائدة جواز السهو في مثل ذلك بيان الحكم الشرعي، إذا وقع مثله لغيره. (فإذا نسيت فذكروني) فكان حقهم أن يذكروه بالإشارة ونحوها عند إرادة قيامه إلى الخامسة. (فليتحر الصواب) قال الطيبي: التحري القصد والاجتهاد في الطلب. والعزم على تحصيل الشيء بالفعل. والضمير البارز في (فليتم عليه) راجع إلى ما دل عليه "فليتحر"، والمعنى فاليتم على ذلك ما بقي من صلاته بأن يضم إليه ركعة. ولمسلم في رواية: فأيكم شك في صلاته فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب. وله أيضاً: فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب. وفي لفظ له: فليتحر الذي يرى أنه الصواب. واستدل به من قال بالعمل بغالب الظن، وتقديمه على البناء على اليقين أي الأقل وهم الحنفية. قال القاري: معناه "فليطلب بغلبة ظنه واجتهاده الصواب. وقال السندي: أي فليطلب ما يغلب على ظنه ليخرج به عن الشك، فإن وجد فليبن عليه، وإلا فليبن على الأقل لحديث أبي سعيد السابق - انتهى. قال الحافظ: وهو أي كون التحري بمعنى الأخذ بغالب الظن ظاهر الروايات التي عند مسلم - انتهى. وحمله الجمهور على اليقين. قال الخطابي في المعالم (ج١: ص٢٣٩) ومعنى التحري في حديث ابن مسعود عند أصحاب الشافعي هو البناء على اليقين على ما جاء تفسيره في حديث أبي سعيد الخدري. وحقيقة التحري هو طلب أحرى الأمرين وأولاهما بالصواب. وأحراهما ما جاء في حديث أبي سعيد من البناء على اليقين لما كان فيه من كمال الصلاة والاحتياط لها ومما يدل على أن التحري قد يكون بمعنى اليقين قوله تعالى. ﴿فمن أسلم فأولئك تحروا رشداً﴾ [٧٢: ١٤] انتهى. وقال الشافعي: فليتحر الصواب معناه فليتحر الذي يظن أنه نقصه فيتمه، فيكون التحري أن يعيد ما شك فيه، ويبني على ما استيقن، وهو كلام عربي مطابق لحديث أبي سعيد إلا أن الألفاظ تختلف لسعة الكلام في الأمر الذي معناه واحد - انتهى. وقدمنا طرفاً من الخلاف في كون التحري والبناء على اليقين شيئاً واحداً أم لا. (ثم ليسلم ثم يسجد) بالجزم. وقيل: بالرفع. وثم لمجرد التعقيب، وفيه دليل لمن قال أن سجود السهو بعد السلام. وقد اختلف أهل العلم في ذلك على عشرة أقوال: الأول: أن سجود السهو كله بعد السلام. وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه عملاً يحدث ابن مسعود، وحديث ذي اليدين التالي، وحديث عمران بن حصين في الفصل الثالث، وحديث عبد الله بن جعفر

стр. 1324

المتقدم، وحديث ثوبان عند أبي داود وابن ماجه مرفوعاً: لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم. قال الحافظ: في سنده اختلاف، وقال العراقي: حديث مضطرب. الثاني: أنه كله قبل السلام. وبه قال الشافعي أخذاً بحديث أبي سعيد الخدري، وحديث عبد الرحمن بن عوف، وقد ذكرنا لفظه، وحديث عبد الله بن بحينة الآتي. الثالث: التفرقة بين الزيادة والنقصان فيسجد للزيادة بعد السلام أخذاً بحديث ذي اليدين وللنقص قبله أخذاً بحديث ابن بحينة. قيل: وهذا مذهب مالك. وفيه أن هذا الفرق غير صحيح؛ لأن قصة ذي اليدين وقع السجود فيها بعد السلام، وهي عن نقصان، وأيضاً من جمع عليه السهوان: أحدهما في الزيادة، والثاني، في النقصان، فلا يكون مساغ له. وما قالوا يسجد قبل السلام تغلباً لجانب النقص لا دليل عليه. الرابع: أنه يستعمل كل حديث، كما ورد ففي السلام من اثنتين بعد السلام لحديث ذي اليدين، وكذا إذا سلم من ثلاث لحديث عمران، وفي التحري بعد السلام لحديث ابن مسعود، وفي القيام من ثنتين قبل السلام لحديث ابن بحينة، وفي الشك يبني على اليقين، ويسجد قبل السلام لحديث أبي سعيد، وما عدا هذه المواضع يسجد كله قبل السلام. وإلى ذلك ذهب أحمد بن حنبل. الخامس: أنه يستعمل كل حديث، كما ورد، وما لم يرد فيه شيء مما كان نقصاً سجد له قبل السلام، وفي الزيادة بعد السلام. وبه قال إسحاق بن راهوية. وقد تبين بهذا بأن الشافعي وأبا حنيفة سلكا مسلك الترجيح، ومالكاً وأحمد وإسحاق سلكوا مسلك الجمع. السادس: أن الباني على الأقل عند شكه يسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد، والمتحري في الصلاة عند شكه يسجد بعد السلام على حديث ابن مسعود. وإلى ذلك ذهب أبوحاتم ابن حبان. السابع: أنه يتخير الساهي بين السجود قبل السلام وبعده، سواء كان لزيادة أو نقص، حكاه ابن أبي شيبة في المصنف عن علي، وحكاه الرافعي قولاً للشافعي. قال الحافظ: ورجح البيهقي طريقة التخيير في سجود السهو قبل السلام أو بعده. ودليلهم أن النبي ﷺ صح عنه السجود قبل السلام وبعده فكان الكل سنة. الثامن: أن كله بعد السلام إلا في موضعين، فإن الساهي فيهما مخير، أحدهما من قام من ركعتين، ولم يجلس، ولم يتشهد. والثاني أن لا يدري أصلى ركعة أم ثلاثاً أم أربعاً فيبني على الأقل، ويخير في السجود. وإلى ذلك ذهب أهل الظاهر، وبه قال ابن حزم: التاسع: أنه لا يشرع سجود السهو إلا في المواضع التي سجد النبي ﷺ فيها فقط. وهو مذهب داود الظاهري. العاشر: ما اختاره الشوكاني في النيل حيث قال: وأحسن ما يقال في المقام أنه يعمل على ما يقتضيه أقواله وأفعاله ﷺ من السجود قبل السلام وبعده، فما كان من أسباب السجود، مقيداً بقبل السلام سجد له قبله، وما كان مقيداً بعد السلام سجد له بعده، وما لم يرد تقييده

стр. 1325

متفق عليه. ــ بأحدهما كان مخيراً بين السجود قبل السلام وبعده من غير فرق بين الزيادة والنقص - انتهى. وهذا الخلاف إنما هو في الاختيار والأفضل، لا في الجواز وعدمه، قال عياض وجماعة من أصحاب الشافعي: ولا خلاف بين هؤلاء المختلفين وغيرهم من العلماء أنه لو سجد قبل السلام أو بعده للزيادة، أو للنقص أنه يجزئه، ولا تفسد صلاته وإنما اختلافهم في الأفضل. وفي الهداية: هذا الخلاف في الأولوية، وكذا قال الماوردي في الحاوي، وابن عبد البر وغيرهم، قاله العيني. وقال النووي: جميع العلماء قائلون بجواز التقديم وجواز التأخير، ونزاعهم في الأفضل - انتهى. والراجح عندي القول السابع أعني التخيير من غير تفصيل وترجيح، والله أعلم. تنبيه: المشهور في كتب شروح الحديث من مذهب أبي حنيفة أن سجود السهو كله بعد السلام، كما تقدم. وهذا صريح في أنه سلك مسلك الترجيح، وترك أحاديث السجود قبل السلام، لكن قال بعض الحنفية: إن فيما قاله الحنفية جمعاً بين روايات فعله ﷺ ؛ لأنهم قالوا إنه يسلم بعد التشهد عن يمينه فيسجد سجدتي السهو، فيتشهد ويصلي ثم يسلم. وهكذا ورد في بعض الروايات المفصلة في فعله ﷺ ، فهذا أوجه ما يجمع به اختلاف الحديث. فالروايات التي ورد فيها سجوده ﷺ قبل السلام فالمراد فيها من السلام سلام لانصراف عن الصلاة، وهو التسليم الثاني في قولنا، وما ورد فيه السجود بعد السلام فالمراد فيه سلام الفصل بين الصلاة والسجدتين، قال: وفيه العمل بكل من روايات القول والفعل، فهذا الجمع لشموله لجميع الروايات أولى - انتهى. قلت: هذا الجمع ليس بوجيه فضلاً عن أن يكون أولى بل هو بعيد جداً يرده ظاهر سياق الأحاديث الواردة في المسألة؛ لأن المراد من السلام المذكور في هذه الأحاديث هو التسليمتان؛ لأنه هو المعهود لا السلام الواحد. فالأحاديث التي ذكر فيها سجود السهو بعد السلام المراد من السلام فيها تسليمتا التحليل بعد التشهد وبعد الصلاة على النبي والأدعية المأثورة. وما ورد فيه السجود قبل السلام فالمراد منه أنه تشهد وصلى ثم سجد للسهو، ثم سلم السلام المعهود وهو التسليمتان. وهذا كله مخالف لما ذكره هذا البعض من تفصيل مذهب الحنفية. ففي قولهم هذا طرح لجميع الروايات الواردة في الباب، لا إعمالها، ولم يرد هذا التفصيل في حديث مرفوع صحيح أو ضعيف فهو مردود على قائله. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً البيهقي، وأخرج الرواية الأولى أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه أيضاً، والرواية الثانية أخرجها أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه. قال ابن حجر: صريح كلام المصنف أن قوله: "بعد ما سلم" رواه الشيخان، وليس كذلك إذ لم يروه مسلم، وإنما رواه البخاري. والمصنف كأصله يقع له ذلك كثيراً لكن عذره أنه يريد اتفاق الشيخين على أصل إخراجه وإن لم يتساويا في كل ألفاظه، فاستحضر ذلك فإنه ينفعك في مواضع كثيرة من هذا الكتاب - انتهى.

стр. 1326

١٠٢٥- (٥) وعن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: ((صلى بنا رسول الله ﷺ ، ــ ١٠٢٥- قوله: (وعن ابن سيرين) بكسر السين والراء، قال القاري: إنه مضبوط في جميع النسخ المصححة والأصول الحاضرة بالفتح. (أي بفتح النون على أنه غير منصرف) ويوجه منع صرفه على رأي أبي على الفارسي في اعتبار مطلق الزائدين كحمدون وعليون على ما ذكره الجعبري - انتهى. وسيرين هو مولى أنس بن مالك من سبي عين التمر، أدرك الجاهلية، وسبي في خلافة أبي بكر ﵁، كاتبه أنس على عشرين ألف درهم، فأداها وعتق، والمراد بابن سيرين محمد أبوبكر الأنصاري مولاهم البصري ثقة ثبت عابد كبير القدر من كبار التابعين، أخو أنس ومعبد ويحيى وحفصة وكريمة أولاد سيرين أبي عمرة. وإذا أطلق ابن سيرين فهو محمد هذا. وهؤلاء الستة كلهم تابعيون. قال ابن سعد: كان محمد ثقة مأموناً عالياً فقيهاً رفيعاً إماماً كثير العلم. وقال أبوعوانة: رأيت ابن سيرين في السوق، فما رآه أحد إلا ذكر الله. وروي: أنه اشترى بيتاً فأشرف فيه على ثمانين ألف دينار، فعرض في قلبه شيء، فتركه. قال الحافظ: كان لا يرى الرواية بالمعنى. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، ومات لتسع مضين من شوال سنة ١١٠هـ، وله سبع وسبعون سنة. (عن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ) أي أمّنا، يدخل فيه حرف التعدية فيفيد معنى قولنا: أمنا فجعلنا من المؤتمين بصلاته. وفي رواية لمسلم وغيره: صلى لنا. واللام فيه قائم مقام الباء. ويصح أن يراد صلى من أجلنا لما يعود إليهم من فائدة الجماعة، ويصيب إليهم من البركة بسبب الإقتداء. واللفظان ظاهران، بل صريحان في أن أبا هريرة حضر قصة السهو. وحمله الطحاوي على المجاز فقال: إن المراد به صلى بالمسلمين. متمسكاً بما قاله الزهري أن القصة لذي الشمالين المستشهد ببدر قبل إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين، فإن مقتضاه أن تكون القصة وقعت قبل بدر لكن اتفق أئمة الحديث، كما نقله ابن عبد البر وغيره على أن الزهري وهم في ذلك، فالصواب أن القصة لذي اليدين وهو غير ذي الشمالين. نص على ذلك الشافعي في اختلاف الحديث وأبوعبد الله الحاكم والبيهقي وغيرهم. وقال النووي في الخلاصة: إنه قول الحافظ وسائر العلماء إلا الزهري، واتفقوا على تغليطه، وذو الشمالين هو الذي قتل ببدر وهو خزاعي، واسمه عمير بن عبد عمرو بن نضلة. وأما ذو اليدين فتأخر بعد النبي ﷺ بمدة؛ لأنه حدث بهذا الحديث بعد النبي ﷺ ، كما أخرجه الطبراني وغيره وهو سلمي، واسمه الخرباق. وقد جوز بعض الأئمة أن القصة وقعت لكل من ذي الشمالين وذي اليدين، وأن أبا هريرة روى الحديثين فأرسل أحدهما، وهو قصة ذي الشمالين، وشاهد الآخر، وهي قصة ذي اليدين. وهذا محتمل من طريق الجمع. وقيل: يحمل على أن ذا الشمالين كان يقال له أيضاً ذواليدين وبالعكس. فكان ذلك سبباً للاشتباه. قلت: قد وقع في رواية لمسلم عن أبي هريرة قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله ﷺ ، وهي صريحة في أن أبا هريرة كان حاضراً في الصلاة، وهي تبطل تأويل الطحاوي. قال الحافظ: ويدفع المجاز الذي ارتكبه الطحاوي، ما رواه مسلم وأحمد وغيرهما من طريق يحيى بن أبي كثير عن

стр. 1327

إحدى صلاتي العشي، ــ أبي سلمة في هذا الحديث عن أبي هريرة بلفظ: بينما أنا أصلي مع رسول الله ﷺ انتهى. وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي في التعليق الممجد. (ص١٠٤) : قال بعضهم: إن أبا هريرة لم يحضر القصة، وإنما رواه مرسلاً بدليل أن ذا الشمالين قتل يوم بدر، وهو صاحب القصة، وردوه بأن رواية مسلم وغيره صريحة في حضور أبي هريرة تلك القصة، والمقتول ببدر هو ذو الشمالين، وصاحب القصة هو ذو اليدين، وهو غيره - انتهى. وقال البيهقي في المعرفة: إن هذا ترك الظاهر على أنه رواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله ﷺ . فلم يجز في هذا القول معناه صلى بالمسلمين - انتهى. قلت: رواية أحمد ومسلم والبيهقي بلفظ: بينما أنا أصلي مع رسول الله ﷺ ... نص صريح في حضور أبي هريرة قصة ذي اليدين، وليس عند من ادعى عدم حضوره عن هذه الرواية الصحيحة الصريحة جواب شاف. وقد اعترف به صاحب البحر الرائق من الحنفية، وقد اعترف به صاحب العرف الشذي أيضاً حيث قال: ولكن الطحاوي لم يجب عما في طريق مسلم عن أبي هريرة. بينما أنا أصلي الخ. وقال صاحب البحر: لم أجد جواباً شافياً عن هذه. وقال ابن عابدين ما قال، وتعجب من عدم جواب البحر. أقول: إن ابن عابدين غفل عما في مسلم، فإن الرواية ههنا: أنا أصلي ... رواها مسلم، وأما أنا فلم أجد جواباً شافياً أيضاً - انتهى. ثم إنه لما عجز الحنفية عن جواب هذه الرواية اعترف بعضهم بعدم وجدان الجواب الشافي وسعى بعضهم لإثبات الوهم فيها من الراوي، فقال النيموي ومن تبعه أخذاً عن العيني قوله: بينما أنا أصلي: ليس بمحفوظ، ولعل بعض رواة الحديث فهم من قول أبي هريرة "صلى بنا" أنه كان حاضراً فروى هذا الحديث بالمعنى على ما زعمه. وقد أخرجه مسلم من خمس طرق، فلفظه في طريقين: صلى بنا. وفي طريق: صلى لنا. وفي طريق: أن رسول الله ﷺ صلى ركعتين. وفي طريق: بينما أنا أصلي مع رسول الله ﷺ . تفرد به يحيى بن أبي كثير وخالفه غير واحد من أصحاب أبي سلمة وأبي هريرة، فكيف يقبل أن أبا هريرة قال في هذا الخبر: بينما أنا أصلي - انتهى. قال شيخنا في شرح الترمذي مجيباً عن كلام النيموي هذا ما لفظه: قلت يحيى بن أبي كثير ثقة ثبت متقن. قال الحافظ في مقدمة الفتح: أحد الأئمة الثقات الأثبات. قال شعبه: حديثه أحسن من حديث الزهري. وقال في تهذيب التهذيب: وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه يحيى من أثبت الناس. إنما يعد مع الزهري ويحيى بن سعيد، وإذا خالفه الزهري، فالقول قول يحيى - انتهى. فكيف لا يقبل ما تفرد به مثل هذا الثقة الثبت الذي هو من أثبت الناس، وإذا خالفه الزهري فالقول قوله، فقول النيموي قوله: بينما أنا أصلي. غير محفوظ مردود عليه. والحاصل أن رواية مسلم وأحمد بلفظ: بينما أنا أصلي. صحيحة محفوظة وهي نص صريح في شهود أبي هريرة قصة ذي اليدين، وليس لمن أنكر ذلك جواب شاف عن هذه الرواية -انتهى كلام الشيخ. (إحدى صلاتي العشي) بفتح العين وكسر الشين المعجمة وتشديد الياء. قال الأزهري: العشي عند العرب ما بين زوال

стр. 1328

قال ابن سيرين: قد سماها أبوهريرة، ولكن نسيت- أنا قال: فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، ــ الشمس وغروبها. ويبين ذلك ما وقع في رواية لمسلم إحدى صلاتي العشي إما الظهر وإما العصر. وفي رواية للبخاري: صلى بنا النبي ﷺ الظهر أو العصر. وفي رواية له أيضاً بلفظ: الظهر بغير شك. ولمسلم من طريق أبي سلمة المذكورة: صلاة الظهر. وله من طريق أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد عن أبي هريرة: صلاة العصر من غير شك. قال الحافظ: الظاهر أن الاختلاف فيه من الرواة. وأبعد من قال (كالنووي وأبي حاتم بن حبان) يحمل على أن القصة وقعت مرتين. (مرة في صلاة الظهر ومرة في صلاة العصر) بل روى النسائي من طريق ابن عون عن ابن سيرين أن الشك فيه من أبي هريرة، ولفظه: صلى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي. قال أبوهريرة: ولكني نسيت. فالظاهر أن أباهريرة رواه كثيراً على الشك، وكان ربما غلب على ظنه أنها الظهر فجزم بها، وتارة غلب على ظنه أنها العصر، فجزم بها، وطرأ الشك في تعيينها أيضاً على ابن سيرين. وكان السبب في ذلك الاهتمام بما في القصة من الأحكام الشرعية، ولم تختلف الرواة في حديث عمران في قصة الخرباق. (الآتية في الفصل الثالث) أنها العصر. فإن قلنا: أنهما قصة واحدة، فيترجح رواية من عين العصر في حديث أبي هريرة - انتهى. وقال القاري: الأظهر أن القضية متحدة والصلاة هي العصر. فإنها مجزومة في جميع الروايات، وإنما التردد في غيرها، فيترك الشك، ويعمل بالمتيقن - انتهى. (قال ابن سيرين) محمد. (قد سماها أبوهريرة) أي تلك الصلاة بالخصوص. (ولكن نسيت أنا) أي هي الظهر أم العصر. وفي رواية للبخاري: قال محمد وأكثر ظني أنه العصر. قال القسطلاني: هذا شك آخر من ابن سيرين، وذلك أن أبا هريرة حدثه بها معينة، كما عينها لغيره، ويدل على أنه عينها له قول البخاري في بعض طرقه. قال ابن سيرين: قد سماها أبوهريرة ولكني نسيت. قال الحافظ: وإنما رجح كونها العصر عند ابن سيرين؛ لأن في حديث عمران الجزم بأنه العصر، كما تقدمت الإشارة إليه قبل. (قال) أي أبوهريرة. (فصلى بنا ركعتين ثم سلم فقام) أي من ذلك الموضع وأتى. (إلى خشبة معروضة) أي موضوعة بالعرض أو مطروحة. (في) ناحية (المسجد) وفي رواية للبخاري في مقدم المسجد. وفي رواية لمسلم: ثم أتى جذعاً في قبلة المسجد، يعني من جذوع النخل التي كان المسجد مسقوفاً عليها. قال الحافظ: ولا تنافي بين هذه الروايات؛ لأنها تحمل على أن الجذع قبل اتخاذ المنبر كان ممتداً بالعرض، وكأنه الجذع الذي كان ﷺ يستند إليه قبل اتخاذ المنبر، وبذلك جزم بعض الشراح - انتهى. قلت: ليس في شيء من روايات الحديث وطرقه ما يدل على أن المراد به الجذع الذي كان يستند إليه النبي ﷺ عند الخطبة قبل اتخاذ المنبر، ولا حجة لمن يدعي أنه كان يرى من ذلك الجذع شيء بعد دفنه، وإليه استند النبي ﷺ واتكأ عليه في هذه القصة ولا على أن

стр. 1329

فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت سرعان القوم من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبوبكر وعمر، ﵄، فهاباه أن يكلماه، ــ الجذع دفن في قبلة المسجد ولا على أن عمل المنبر كان قبل بدر. (كأنه غضبان) قال القاري: لعل وجه الغضب تأثير التردد والشك في فعله أو كان غضبان، فوقع له الشك لأجل غضبه. (على اليسرى) أي على يده اليسرى. (وشبك بين أصابعه) أي أدخل بعضها في بعض من فوق الكف. (وخرجت سرعان القوم) وفي بعض النسخ الناس بدل القوم. ولفظ البخاري ههنا خرجت السرعان أي بالألف واللام وبدون الإضافة. نعم في رواية أخرى له ولمسلم: خرج سرعان الناس، وهو بفتح السين والراء المهملتين وضم النون فاعل خرجت. ومنهم من سكن الراء، والمراد بهم أوائل الناس خروجاً من المسجد. والمستعجلون منهم، وهم أهل الحاجات غالباً، قال الجزري: السرعان بفتح السين والراء: أوائل الناس الذي يتسارعون إلى الشيء ويقبلون عليه بسرعة، ويجوز تسكين الراء، قال عياض: وضبطه الأصيلي في البخاري بضم السين وإسكان الراء، ويكون جمع سريع كقفيز وقفزان وكثيب وكثبان وهو المسرع الخروج، ومن قال سرعان بكسر السين فهو خطأ؛ لأنه إنما هو في سرعان الذي هو اسم فعل أي سرع. (فقالوا قصرت الصلاة) كذا في جميع النسخ بدون همزة الاستفهام، وكذا وقع في رواية للبخاري، لكن وقع في رواية البخاري هذه، فقالوا: أقصرت أي بذكر همزة الاستفهام، قال الحافظ: فتحمل تلك على هذه، وفيه دليل على ورعهم إذ لم يجزموا بوقوع شيء بغير علم. وهابوا النبي ﷺ أن يسألوه وإنما استفهموه؛ لأن الزمان زمان النسخ - انتهى. وقصرت بفتح القاف وضم الصاد على البناء للفاعل أي صارت قصيرة. وروي بضم القاف وكسر الصاد على البناء للمفعول، أي أن الله قصرها. قال النووي: كلاهما صحيح ولكن الأول أشهر وأصح. وقال ابن رسلان: الفعل لازم ومتعد فاللازم مضموم الصاد؛ لأنه من الأمور الخلقية كحسن وقبح، والمتعدي بفتح الصاد منه قصر الصلاة وقصرها بالتخفيف والتشديد وأقصرها على السواء، حكاهن الأزهري. (وفي القوم) أي المصلين. (فهاباه) من الهيبة وهو الخوف والإجلال، أي فخاف أبوبكر وعمر النبي ﷺ تعظيماً وتبجيلاً وإجلالاً له. (أن يكلماه) بما وقع له أنه سهواً وعمداً، وبأنه سلم من ركعتين، فإن يكلماه بدل اشتمال من ضمير "هاباه" لبيان أن المقصود هيبة تكليمه، لا نحو نظره واتباعه. يروى "فهابا" بدون الضمير المنصوب، وأن مصدرية. والتقدير من التكليم. قال الطيبي: أي فخشيا أن يكلما رسول الله ﷺ في نقصان الصلاة. والمعنى أنهما غلب عليهما احترامه وتعظيمه عن الاعتراض عليه. وأما ذو اليدين فغلب عليه حرصه على تعلم العلم. وقيل: خشيا أن

стр. 1330

وفي القوم رجل في يديه طول، يقال له: ذو اليدين، ــ يكلماه لما ظهر عليه من أثر الغضب. (وفي القوم رجل) هو الخرباق السلمي، وكان (في يديه طول) أي كانت يداه أطول من يدي القوم، وهو محمول على الحقيقة. ويحتمل أن يكون كناية عن طولهما بالعمل أو بالبذل، قاله القرطبي. وجزم ابن قتيبة بأنه كان يعمل بيديه جميعاً. (يقال له ذو اليدين) وفي رواية: يدعوه النبي ﷺ ذا اليدين. وهذا لقبه، واسمه الخرباق، من بني سليم، وبقي بعد النبي ﷺ . قال السهيلي في الروض الأنف: مات ذو اليدين السلمي في خلافة معاوية. وقال أبوعوانه في صحيحه: ذو اليدين عاش بعد النبي ﷺ ، ومات بذي خشب على عهد عمر. ويدل عليه ما رواه الحسن بن سفيان والطبراني وغيرهما من طريق شعيب بن مطير عن أبيه أنه لقي ذا اليدين بذي خشب، فحدثه أن النبي ﷺ صلى بهم إحدى صلاتي العشي، وهي العصر، فصلى ركعتين، وخرج سرعان الناس، فذكر الحديث. وروى ابن أبي شيبة من طريق عمرو بن مهاجر أن محمد بن سويد أفطر قبل الناس بيوم، فأنكر عليه عمر بن عبد العزيز، فقال شهد عندي فلان أنه رأى الهلال، فقال عمر أو ذو اليدين هو. ذكره الحافظ في الإصابة (ج١: ص٤٨٩) قلت: حديث ذي اليدين هذا رواه أيضاً عبد الله بن أحمد: في زيادات المسند (ج٤: ص٧٧) ، والبيهقي (ج٢: ص٣٦٦) من طريق معدي بن سليمان، وكان ثقة، كما في مجمع الزوائد (ج٢: ص١٥٠) ، قال أتيت مطيراً لأسأله عن حديث ذي اليدين، فأتيته فسألته، فإذا هو شيخ كبير، لا ينفذ الحديث من الكبر. فقال ابنه شعيب: بلى، يا أبت! حدثني أنك لقيت ذا اليدين بذي خشب، فحدثك أن رسول الله ﷺ صلى بهم إحدى صلاتي العشي، وهي العصر، ركعتين ثم سلم، فذكر الحديث. وفي رواية: حدثني شعيب بن مطير، ومطير حاضر، يصدق مقالته، قال كيف كنت أخبرتك؟ قال يا أبتاه أخبرتني أنك لقيت ذا اليدين بذي خشب الحديث. قال الهيثمي: رواهما عبد الله بن أحمد مما زاده في المسند. وفيه معدي بن سليمان. قال أبوحاتم شيخ، وضعفه النسائي - انتهى. قلت: معدي هذا من رجال الترمذي وابن ماجه. قال الشاذكوني: كان من أفضل الناس، وكان يعد من الأبدال، وقد صحح الترمذي حديثه، كذا في تهذيب التهذيب (ج١٠ ص٢٢٩) ، وأما تضعيف النسائي وقول ابن حبان فيه: لا يجوز أن يحتج به فالظاهر أنه في روايته عن ابن عجلان خاصة. ففي تهذيب التهذيب قال أبوزرعة: واهي الحديث يحدث عن ابن عجلان بمناكير - انتهى. على أن النسائي وابن حبان من المتشددين، كما قال النيموى. وأما مطير فهو بالتصغير ابن سليم شيخ من أهل وادي القرى من رجال أبي داود، ذكره ابن حبان في الثقات. وقال البخاري: لم يثبت حديثه. والظاهر أنه أراد حديثه الذي رواه عن ذي الزوائد، وهو صحابي آخر أخرج أبوداود حديثه في كتاب الخراج. وذو اليدين هو غير ذي الشمالين المستشهد ببدر، واسمه عمير بن عبد عمرو بن نضلة خزاعي حليف بني زهرة، قال الحافظ في الفتح: قد اتفق معظم أهل الحديث من المصنفين وغيرهم على أن ذا لشمالين غير ذي اليدين. ونص

стр. 1331

على ذلك الشافعي في اختلاف الحديث - انتهى. وقال بعد ورقة: وقد تقدم أن الصواب التفرقة بين ذي اليدين وذي الشمالين. وذهب الأكثر إلى أن ذي اليدين الخرباق بكسر المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة، وآخره قاف، اعتماداً على ما وقع في حديث عمران بن حصين. (الآتي في الفصل الثالث) عند مسلم: وهذا صنيع من يوحد حديث أبي هريرة بحديث عمران. وهو الراجح في نظري، وإن كان ابن خزيمة ومن تبعه جنحوا إلى التعدد - انتهى. وقال ابن رسلان في شرح سنن أبي داود: وللناس خلاف فيما يتعلق بذي اليدين في موضعين: الأول: أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد أو اثنان، ولا خلاف بين أهل السير أن ذا الشمالين قتل ببدر، فالجمهور على أن ذا اليدين غيره لروايات أبي هريرة في شهوده القصة. قال العلائي: هذا هو الصحيح الراجح. وقال أبوبكر بن الأثرم: الذي قتل ببدر إنما هو ذو الشمالين ابن عبد عمرو حليف لبنى زهرة. واختار القاضي عياض في الإكمال بأنهما واقعتان: أحدهما كانت قبل بدر، والمتكلم فيها ذو الشمالين، ولم يشهدها أبوهريرة بل أرسل روايتها. والثانية كانت بعد إسلامه، وحضرها أبوهريرة، والمتكلم ذواليدين. والثاني: أن ذا اليدين هو الخرباق المتكلم في حديث عمران أو غيره، فالذي اختاره عياض وابن الأثير والنووي في غير موضع أنهما واحد. وأما ابن حبان فجعلهما اثنين، فقال في معجم الصحابة: الخرباق صلى مع رسول الله ﷺ حيث سها، وهو غير ذي اليدين. وتوقف ابن عبد البر والقرطبي، فقالا يحتمل أن يكون الخرباق ذا اليدين، وأن يكون غيره. وقال ابن الجوزي: في اسم ذي اليدين قولان: أحدهما عمير بن عبد عمرو بن نضلة السلمي، ذكره الأكثرون. والثاني خرباق، ذكره أبوبكر الخطيب، قال وقد قيل: إنه ذوالشمالين، وليس بصحيح. قال العلائي: وعمير بن عبد عمرو بن نضلة هو ذوالشمالين لا ذو اليدين. وابن الجوزي وهم في هذه التسمية - انتهى. قلت: وادعى الحنفية أن ذا اليدين وذا الشمالين رجل واحد اسمه عمير بن عبد عمرو بن نضلة، ويقال له الخرباق أيضاً، وهو سلمي وخزاعي، واختاروا ذلك؛ لأنه ينفعهم في مسألة الكلام في الصلاة سهواً أو نسياناً أو عمداً لإصلاح الصلاة، وسنذكرها. واستدلوا على ذلك بما وقع عند النسائي من رواية الزهري عن أبي سلمة وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة عن أبي هريرة، ومن رواية عمران بن أبي أنس عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: ذي الشمالين مكان ذي اليدين. قال الصيني في شرح البخاري (ج٤: ص٢٦٤) وابن التركماني في الجوهر النقي بعد ذكر الروايتين، صرح فيهما بأن ذا الشمالين هو ذو اليدين، وقالا أيضاً فثبت أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد، وهذا أولى من جعله رجلين؛ لأنه خلاف الأصل في هذا الموضع - انتهى. قلت: في كون رواية الزهري وعمران بن أبي أنس بلفظ: ذي الشمالين محفوظة نظر؛ لأنه وقع في عامة روايات أبي هريرة

стр. 1332

قال: يا رسول الله! أنسيت أم قصرت ــ الصحيحة لفظ: ذي اليدين دون ذي الشمالين. وكذلك وقع في حديث عمران بن حصين عند أحمد ومسلم وغيرهما، وحديث ابن عمر عند أبي داود لفظ: ذي اليدين، وقد ثبت شهود أبي هريرة قصة ذي اليدين، وشهدها عمران بن حصين أيضاً، كما صرح به الحافظ في الفتح. وعمران بن حصين أسلم عام خيبر، كما نص عليه الحافظ في التقريب. وروى معاوية بن حديج عند أحمد وأبي داود، وغيرهما قصة أخرى في السهو، ووقع فيها الكلام ثم البناء، وكان إسلامه قبل موت النبي ﷺ بشهرين، كما صرح به البيهقي والنووي والحافظ. وهذا كله يدل دلالة واضحة على أن من روى في حديث أبي هريرة ذا الشمالين فقد وهم. ولذلك قال الحاكم على ما نقل عنه البيهقي (ج٢: ص٣٦٧) : كل من قال ذلك فقد أخطأ - انتهى. فعلى هذا لا فائدة في ذكر متابعة عمران بن أبي أنس للزهري على ذكر ذي الشمالين. ويمكن أن يقال: إن ذا اليدين كان يقال له أيضاً ذو الشمالين، ويؤيده أنه وقع في رواية الزهري وعمران بن أبي أنس أولاً لفظ ذي الشمالين، ثم وقع فيها لفظ ذي اليدين. وعلى هذا فالمراد بذي الشمالين في روايتهما هو ذو اليدين لا ذو الشمالين الذي قتل ببدر. واستدل الحنفية أيضاً بأقوال بعض أهل العلم كابن سعد في الطبقات وغيره في غيرها مما يدل أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد. وفيه: أنها معارضة بما تقدم عن الحافظ أنه اتفق معظم أهل الحديث من المصنفين وغيرهم على أن ذا الشمالين غير ذي اليدين، وقد ثبت شهود أبي هريرة قصة ذي اليدين، فهذا يرد قول من قال: أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد. قال ابن عبد البر: ذو اليدين غير ذي الشمالين المقتول ببدر بدليل حضور أبي هريرة ومن ذكرنا قصة ذي اليدين، وأن المتكلم رجل من بني سليم، كما ذكر مسلم في صحيحه. وفي رواية عمران بن حصين اسمه الخرباق ذكره مسلم، فذو اليدين الذي شهد السهو في الصلاة سلمي، وذو الشمالين المقتول ببدر خزاعي، يخالفه في الاسم والنسب. وقد يمكن أن يكون رجلان وثلاثة يقال لكل واحد منهم ذو اليدين وذو الشمالين، لكن المقتول ببدر غير المذكور في حديث السهو. هذا قول أهل الحذق والفهم من أهل الحديث والفقه، ثم روى هذا بإسناده عن مسدد. قال ابن عبد البر: وقد اضطرب الزهري في حديث ذي اليدين اضطراباً أوجب عند أهل العلم بالنقل تركه من روايته خاصة، ثم ذكر طرقه، وبين اضطرابها في المتن والإسناد، وذكر أن مسلم بن الحجاج غلط الزهري في حديثه. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً من أهل العلم بالحديث المصنفين فيه عول على حديث الزهري في قصة ذي اليدين، وكلهم تركوه لاضطرابه، وأنه لم يتم له إسناداً ولا متناً وإن كان إماماً عظيماً في هذا الشأن، فالغلط لا يسلم منه بشر، والكمال لله تعالى، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ ، فقول الزهري أن ذا اليدين قتل يوم بدر متروك لتحقق غلط فيه - انتهى كلامه ملخصاً مختصراً. (أنسيت) بالخطاب. (أم قصرت) بالفتح ثم الضم أو الضم ثم الكسر كالسابقة.

стр. 1333

الصلاة؟ قال لم أنس، ولم تقصر. فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم. فتقدم فصلى ما ترك، ثم سلم، ــ (الصلاة) بالضم على الوجهين، وحصر في الأمرين؛ لأن السبب إما من الله، وهو القصر أو من النبي ﷺ ، وهو النسيان. (فقال) ﷺ : (لم أنس) أي في ظني أي لا في نفس الأمر، فخرج هذا الكلام على حسب الظن، ويعتبر الظن قيداً في الكلام، ترك ذكره بناء على أن الغالب في بيان أمثال هذه الأشياء أن يجري فيها الكلام بالنظر إلى الظن، فكأنه قال ما نسيت ولا قصرت في ظني، وهذا الكلام صادق لا غبار عليه، ولا يتوهم فيه شائبة كذب، وليس مبنى الجواب على كون الصدق المطابقة للظن، بل على أنه مطابقة الواقع، فافهم. (ولم تقصر) أي الصلاة وهو بفتح التاء وضم الصاد على بناء الفاعل، أو ضم التاء وفتح الصاد على بناء المفعول. وهذا صريح في نفي النسيان، ونفي القصر. وفيه تفسير للمراد بقوله في الرواية الآتية: كل ذلك لم يكن، وتأيد لما قاله أصحاب المعاني أن لفظ "كل" إذا تقدم وعقبها النفي كان نفياً لكل فرد لا للمجموع، بخلاف ما إذا تأخرت كأن يقول لم يكن كل ذلك، فإنه يفيد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد. (بخلاف الأول فإنه، يقتضى السلب عن كل فرد) ولهذا أجاب ذو اليدين بقوله قد كان بعض ذلك، وأجابه في بعض الروايات التي وقع فيها نفي النسيان، ونفي القصر صريحاً بقوله: "بلى قد نسيت"؛ لأنه لما نفي الأمرين، وكان مقرراً عند الصحابي أن السهو غير جائز عليه في الأمور البلاغية جزم بوقوع النسيان لا بالقصر، وهو حجة لمن قال: إن السهو جائز على الأنبياء فيما طريقه التشريع، وقد تقدم الكلام في ذلك. (فقال) ﷺ بعد تردده بقول ذي اليدين. (أكما يقول ذو اليدين) أي أتقولون كقوله، أو أكان كما يقول، أو الأمر كما يقول. وفي رواية بعد قوله: لم أنس ولم تقصر: فقال بل نسيت يا رسول الله، فأقبل رسول الله ﷺ على القوم فقال: أصدق ذو اليدين، فلما جزم بالنسيان استثبت ﵇ فقال أوقع مني أني تركت نصف الصلاة، كما يقول؟ وعدل عن قال لتصوير صورة للحال الماضية حتى يستحضر ويتأمل. (فقالوا: نعم) الأمر كما يقول. وفي رواية لمسلم: قالوا صدق، لم تصل إلا ركعتين. قال ابن حجر: فحينئذٍ تيقن ﵇ أنه ترك ركعتين، إما لتذكره أو لكونهم عدد التواتر أو لإخبار الله له بالحال، كما في رواية أبي داود، ولم يسجد سجدتي السهو حتى يقنه الله ذلك، أي ألقى الله تعالى اليقين بوقوع النسيان في قلبه. (فتقدم) أي مشى إلى محل صلاته. ففي رواية لأبي داود: فرجع رسول الله ﷺ إلى مقامه. (فصلى ما ترك) أي الذي تركه، وهو الركعتان. ففي رواية: فصلى ركعتين أخراوين. (ثم سلم) قال العلائي: جميع رواياته وطرقه لم يختلف فيه شيء منها أن السجود بعد السلام، كذا في شرح ابن رسلان لسنن أبي داود وهذا يهدم قاعدة المالكية ومن وافقهم أنه إذا كان السهو بالنقصان يسجد قبل

стр. 1334

ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، فربما سألوه، ثم سلم)) . فيقول: نبئت أن عمران بن حصين قال: ((ثم سلم)) . متفق عليه. ــ السلام. (ثم كبر) أي بعد السلام للسجود. واختلف في سجود السهو بعد السلام هل يشترط له تكبيرة إحرام أو يكتفي بتكبير السجود؟ فالجمهور على الاكتفاء، وهو ظاهر غالب الأحاديث. وحكى القرطبي: أن قول مالك لم يختلف في وجوب السلام بعد سجدتي السهو، قال وما يتحلل منه بسلام لا بد له من تكبيرة إحرام كسائر الصلاة لكن لا تبطل بتركها. ويؤيده ما رواه أبوداود من طريق حماد بن زيد عن هشام بن حسان عن ابن سيرين في هذا الحديث قال: فكبر ثم كبر وسجد للسهو. قال أبوداود: لم يقل فكبر ثم كبر إلا حماد بن زيد، فأشار إلى شذوذ هذه الرواية. (وسجد) أي للسهو. (مثل سجوده) الذي للصلاة. والمثل الشبه. قال الراغب: المثل عبارة عن المشابهة لغيره في معنى من المعاني أي معنى كان، وهو أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة، وذلك لأن الند يقال لما يشارك في الجوهر فقط، والشبه فيما يشاركه في الكيفية فقط، والمساوي فيما يشاركه في الكمية فقط، والمثل عام في جميع ذلك، ولذا قال تعالى:. ﴿ليس كمثله شيء﴾ [٤٢: ١١] . وأما نحو هذا فيقضي المشابهة مع التقريب - انتهى. (أو أطول) منه. (ثم رفع رأسه وكبر) أي للرفع من السجود. (ثم كبر) أي للسجود الثاني. (وسجد) أي ثانياً. (مثل سجوده) الأول أو مثل سجوده للصلاة والأول أقرب لفظاً، والثاني معنى. (ثم رفع رأسه) من السجدة الثانية. (فربما سألوه) أي سألوا ابن سيرين هل في الحديث. (ثم سلم) أي النبي ﷺ بعد سجدتي السهو. فالضمير المنصوب لابن سيرين والمسئول عنه قوله: ثم سلم. (فيقول) أي ابن سيرين في جواب سؤالهم. (نبئت) بضم النون أي أخبرت. (أن عمران بن حصين قال: ثم سلم) هذا يدل على أنه لم يسمع ذلك من عمران، وقد بين أشعث في روايته عن ابن سيرين الواسطة بينه وبين عمران، فقال قال ابن سيرين: حدثني خالد الحذاء عن أبي قلابة عن عمه أبي المهلب عن عمران بن حصين، أخرجه أبوداود، والترمذي والنسائي والبيهقي فظهر أن ابن سيرين أبهم ثلاثة، وروايته عن خالد من رواية الأكابر عن الأصاغر، كذا في الفتح. وقول ابن سيرين هذا، وهو راوي حديث ذي اليدين يدل، على أنه كان يرى التوحيد بين حديث أبي هريرة هذا، وحديث عمران بن حصين، وهو الذي رجحه الحافظ في الفتح، كما تقدم. ووقع عند البخاري من طريق حماد عن سلمة بن علقمة قال: قلت لمحمد في سجدتي السهو تشهد؟ فقال: ليس في حديث أبي هريرة. وقد يفهم منه أنه ورد في حديث غيره، وهو كذلك. فقد رواه الترمذي وغيره من حديث عمران بن حصين، وسيأتي الكلام في ذلك في الفصل الثاني. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد ومالك والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي

стр. 1335

ولفظه للبخاري، وفي أخرى لهما: فقال رسول الله ﷺ بدل: "لم أنس، ولم تقصر": "كل ذلك لم يكن"، فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله! ــ وغيرهم. قال ابن حجر: أي اتفقا على المقصود منه، فلا ينافيه خلو حديث مسلم عن ذكر وضع اليد على اليد، والتشبيك. قال الحافظ في التلخيص. (ص١١٢) لهذا الحديث طرق كثيرة وألفاظ، وقد جمع جميع طرقه الحافظ صلاح الدين العلائي، وتكلم عليه كلاماً شافياً - انتهى. (ولفظه للبخاري) في باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره. (وفي أخرى) أي في رواية أخرى. (لهما) أي للشيخين. وفيه نظر؛ لأن هذه الرواية من إفراد مسلم، وليست للبخاري. (كل ذلك) أي كل من النسيان والقصر. (لم يكن) أي في ظني، أي لم يكن لا ذلك ولا ذا في ظني، بل ظني أني أكملت الصلاة أربعاً، فهو في معنى لا شيء منهما بكائن على شمول النفي وعمومه لثلاثة وجوه: أحدها الرواية المتقدمة لم أنس ولم تقصر. والثاني القاعدة المتقدمة عن علماء المعاني. والثالث أنه قال ذو اليدين في جوابه ﷺ قد كان بعض ذلك. ومعلوم أن الثبوت للبعض أنما ينافي النفي عن كل فرد لا النفي عن المجموع. وقوله: قد كان بعض ذلك، موجبة جزئية ونقيضها السالبة الكلية، ولولا أن ذا اليدين فهم السلب الكلي لما ذكر في مقابلته الإيجاب الجزئي. (فقال) أي ذو اليدين. (قد كان بعض ذلك) يعني قصرت الصلاة، ولكن لا أدري قصرتها سهواً أو أمر الله تعالى بقصرها، قاله القاري. واعلم أن حديث ذي اليدين هذا فيه فوائد كثيرة وقواعد مهمة: منها جواز النسيان في الأفعال والعبادات على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأنهم لا يقرون عليه. ومنها أن الواحد إذا ادعى شيئاً جرى بحضرة جمع كثير لا يخفى عليهم سئلوا، ولا يعمل بقوله من غير سؤال. ومنها إثبات سجود السهو، وأنه سجدتان، وأنه يكبر لكل واحد منهما، وأنهما على هيئة سجود الصلاة، وأنه يسلم من سجود السهو. ومنها جواز البناء على الصلاة لمن أتى بالمنافي سهواً وإن طال زمن الفصل. ومنها أن الباني لا يحتاج إلى تكبيرة الإحرام، وأن السلام ونية الخروج من الصلاة سهواً لا يقطع الصلاة. ومنها أنه يرجع الإمام لقول المأمومين إذا شك. ومنها جواز التقليب الذي سبيله التعريف دون التهجين. ومنها أن سجود السهو لا يتكرر بتكرر السهو، ولو اختلف الجنس؛ لأنه ﷺ سلم وتكلم ومشى ناسياً ولم يسجد إلا سجدتين. وروى ابن أبي شيبة عن النخعي والشعبي: أن لكل سهو سجدتين، وورد على وفقه حديث ثوبان عند أحمد وأبي داود والبيهقي (ج٢: ص٣٣٧) . وحمل على أن معناه من سها بأي سهو كان شرع له السجود، أي لا يختص بالمواضع التي سها فيها النبي ﷺ ، ولا بالأنواع التي سها بها. فالحديث سيق للعموم لكل ساه لا لتعدد السجود عند تعدد مقتضيه. وروى البيهقي (ج٢: ص٣٤٦) من حديث عائشة سجدتا السهو تجزءان من كل زيادة ونقصان. ومنها أن من ظن أنه فعل شيئاً فقال فعلته أو قال: ما فعلته، وفي ظنه
следующие страницы →