← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

على ذلك الشافعي في اختلاف الحديث - انتهى. وقال بعد ورقة: وقد تقدم أن الصواب التفرقة بين ذي اليدين وذي الشمالين. وذهب الأكثر إلى أن ذي اليدين الخرباق بكسر المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة، وآخره قاف، اعتماداً على ما وقع في حديث عمران بن حصين. (الآتي في الفصل الثالث) عند مسلم: وهذا صنيع من يوحد حديث أبي هريرة بحديث عمران. وهو الراجح في نظري، وإن كان ابن خزيمة ومن تبعه جنحوا إلى التعدد - انتهى. وقال ابن رسلان في شرح سنن أبي داود: وللناس خلاف فيما يتعلق بذي اليدين في موضعين: الأول: أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد أو اثنان، ولا خلاف بين أهل السير أن ذا الشمالين قتل ببدر، فالجمهور على أن ذا اليدين غيره لروايات أبي هريرة في شهوده القصة. قال العلائي: هذا هو الصحيح الراجح. وقال أبوبكر بن الأثرم: الذي قتل ببدر إنما هو ذو الشمالين ابن عبد عمرو حليف لبنى زهرة. واختار القاضي عياض في الإكمال بأنهما واقعتان: أحدهما كانت قبل بدر، والمتكلم فيها ذو الشمالين، ولم يشهدها أبوهريرة بل أرسل روايتها. والثانية كانت بعد إسلامه، وحضرها أبوهريرة، والمتكلم ذواليدين. والثاني: أن ذا اليدين هو الخرباق المتكلم في حديث عمران أو غيره، فالذي اختاره عياض وابن الأثير والنووي في غير موضع أنهما واحد. وأما ابن حبان فجعلهما اثنين، فقال في معجم الصحابة: الخرباق صلى مع رسول الله ﷺ حيث سها، وهو غير ذي اليدين. وتوقف ابن عبد البر والقرطبي، فقالا يحتمل أن يكون الخرباق ذا اليدين، وأن يكون غيره. وقال ابن الجوزي: في اسم ذي اليدين قولان: أحدهما عمير بن عبد عمرو بن نضلة السلمي، ذكره الأكثرون. والثاني خرباق، ذكره أبوبكر الخطيب، قال وقد قيل: إنه ذوالشمالين، وليس بصحيح. قال العلائي: وعمير بن عبد عمرو بن نضلة هو ذوالشمالين لا ذو اليدين. وابن الجوزي وهم في هذه التسمية - انتهى. قلت: وادعى الحنفية أن ذا اليدين وذا الشمالين رجل واحد اسمه عمير بن عبد عمرو بن نضلة، ويقال له الخرباق أيضاً، وهو سلمي وخزاعي، واختاروا ذلك؛ لأنه ينفعهم في مسألة الكلام في الصلاة سهواً أو نسياناً أو عمداً لإصلاح الصلاة، وسنذكرها. واستدلوا على ذلك بما وقع عند النسائي من رواية الزهري عن أبي سلمة وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة عن أبي هريرة، ومن رواية عمران بن أبي أنس عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: ذي الشمالين مكان ذي اليدين. قال الصيني في شرح البخاري (ج٤: ص٢٦٤) وابن التركماني في الجوهر النقي بعد ذكر الروايتين، صرح فيهما بأن ذا الشمالين هو ذو اليدين، وقالا أيضاً فثبت أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد، وهذا أولى من جعله رجلين؛ لأنه خلاف الأصل في هذا الموضع - انتهى. قلت: في كون رواية الزهري وعمران بن أبي أنس بلفظ: ذي الشمالين محفوظة نظر؛ لأنه وقع في عامة روايات أبي هريرة

стр. 1332

قال: يا رسول الله! أنسيت أم قصرت ــ الصحيحة لفظ: ذي اليدين دون ذي الشمالين. وكذلك وقع في حديث عمران بن حصين عند أحمد ومسلم وغيرهما، وحديث ابن عمر عند أبي داود لفظ: ذي اليدين، وقد ثبت شهود أبي هريرة قصة ذي اليدين، وشهدها عمران بن حصين أيضاً، كما صرح به الحافظ في الفتح. وعمران بن حصين أسلم عام خيبر، كما نص عليه الحافظ في التقريب. وروى معاوية بن حديج عند أحمد وأبي داود، وغيرهما قصة أخرى في السهو، ووقع فيها الكلام ثم البناء، وكان إسلامه قبل موت النبي ﷺ بشهرين، كما صرح به البيهقي والنووي والحافظ. وهذا كله يدل دلالة واضحة على أن من روى في حديث أبي هريرة ذا الشمالين فقد وهم. ولذلك قال الحاكم على ما نقل عنه البيهقي (ج٢: ص٣٦٧) : كل من قال ذلك فقد أخطأ - انتهى. فعلى هذا لا فائدة في ذكر متابعة عمران بن أبي أنس للزهري على ذكر ذي الشمالين. ويمكن أن يقال: إن ذا اليدين كان يقال له أيضاً ذو الشمالين، ويؤيده أنه وقع في رواية الزهري وعمران بن أبي أنس أولاً لفظ ذي الشمالين، ثم وقع فيها لفظ ذي اليدين. وعلى هذا فالمراد بذي الشمالين في روايتهما هو ذو اليدين لا ذو الشمالين الذي قتل ببدر. واستدل الحنفية أيضاً بأقوال بعض أهل العلم كابن سعد في الطبقات وغيره في غيرها مما يدل أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد. وفيه: أنها معارضة بما تقدم عن الحافظ أنه اتفق معظم أهل الحديث من المصنفين وغيرهم على أن ذا الشمالين غير ذي اليدين، وقد ثبت شهود أبي هريرة قصة ذي اليدين، فهذا يرد قول من قال: أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد. قال ابن عبد البر: ذو اليدين غير ذي الشمالين المقتول ببدر بدليل حضور أبي هريرة ومن ذكرنا قصة ذي اليدين، وأن المتكلم رجل من بني سليم، كما ذكر مسلم في صحيحه. وفي رواية عمران بن حصين اسمه الخرباق ذكره مسلم، فذو اليدين الذي شهد السهو في الصلاة سلمي، وذو الشمالين المقتول ببدر خزاعي، يخالفه في الاسم والنسب. وقد يمكن أن يكون رجلان وثلاثة يقال لكل واحد منهم ذو اليدين وذو الشمالين، لكن المقتول ببدر غير المذكور في حديث السهو. هذا قول أهل الحذق والفهم من أهل الحديث والفقه، ثم روى هذا بإسناده عن مسدد. قال ابن عبد البر: وقد اضطرب الزهري في حديث ذي اليدين اضطراباً أوجب عند أهل العلم بالنقل تركه من روايته خاصة، ثم ذكر طرقه، وبين اضطرابها في المتن والإسناد، وذكر أن مسلم بن الحجاج غلط الزهري في حديثه. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً من أهل العلم بالحديث المصنفين فيه عول على حديث الزهري في قصة ذي اليدين، وكلهم تركوه لاضطرابه، وأنه لم يتم له إسناداً ولا متناً وإن كان إماماً عظيماً في هذا الشأن، فالغلط لا يسلم منه بشر، والكمال لله تعالى، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ ، فقول الزهري أن ذا اليدين قتل يوم بدر متروك لتحقق غلط فيه - انتهى كلامه ملخصاً مختصراً. (أنسيت) بالخطاب. (أم قصرت) بالفتح ثم الضم أو الضم ثم الكسر كالسابقة.

стр. 1333

الصلاة؟ قال لم أنس، ولم تقصر. فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم. فتقدم فصلى ما ترك، ثم سلم، ــ (الصلاة) بالضم على الوجهين، وحصر في الأمرين؛ لأن السبب إما من الله، وهو القصر أو من النبي ﷺ ، وهو النسيان. (فقال) ﷺ : (لم أنس) أي في ظني أي لا في نفس الأمر، فخرج هذا الكلام على حسب الظن، ويعتبر الظن قيداً في الكلام، ترك ذكره بناء على أن الغالب في بيان أمثال هذه الأشياء أن يجري فيها الكلام بالنظر إلى الظن، فكأنه قال ما نسيت ولا قصرت في ظني، وهذا الكلام صادق لا غبار عليه، ولا يتوهم فيه شائبة كذب، وليس مبنى الجواب على كون الصدق المطابقة للظن، بل على أنه مطابقة الواقع، فافهم. (ولم تقصر) أي الصلاة وهو بفتح التاء وضم الصاد على بناء الفاعل، أو ضم التاء وفتح الصاد على بناء المفعول. وهذا صريح في نفي النسيان، ونفي القصر. وفيه تفسير للمراد بقوله في الرواية الآتية: كل ذلك لم يكن، وتأيد لما قاله أصحاب المعاني أن لفظ "كل" إذا تقدم وعقبها النفي كان نفياً لكل فرد لا للمجموع، بخلاف ما إذا تأخرت كأن يقول لم يكن كل ذلك، فإنه يفيد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد. (بخلاف الأول فإنه، يقتضى السلب عن كل فرد) ولهذا أجاب ذو اليدين بقوله قد كان بعض ذلك، وأجابه في بعض الروايات التي وقع فيها نفي النسيان، ونفي القصر صريحاً بقوله: "بلى قد نسيت"؛ لأنه لما نفي الأمرين، وكان مقرراً عند الصحابي أن السهو غير جائز عليه في الأمور البلاغية جزم بوقوع النسيان لا بالقصر، وهو حجة لمن قال: إن السهو جائز على الأنبياء فيما طريقه التشريع، وقد تقدم الكلام في ذلك. (فقال) ﷺ بعد تردده بقول ذي اليدين. (أكما يقول ذو اليدين) أي أتقولون كقوله، أو أكان كما يقول، أو الأمر كما يقول. وفي رواية بعد قوله: لم أنس ولم تقصر: فقال بل نسيت يا رسول الله، فأقبل رسول الله ﷺ على القوم فقال: أصدق ذو اليدين، فلما جزم بالنسيان استثبت ﵇ فقال أوقع مني أني تركت نصف الصلاة، كما يقول؟ وعدل عن قال لتصوير صورة للحال الماضية حتى يستحضر ويتأمل. (فقالوا: نعم) الأمر كما يقول. وفي رواية لمسلم: قالوا صدق، لم تصل إلا ركعتين. قال ابن حجر: فحينئذٍ تيقن ﵇ أنه ترك ركعتين، إما لتذكره أو لكونهم عدد التواتر أو لإخبار الله له بالحال، كما في رواية أبي داود، ولم يسجد سجدتي السهو حتى يقنه الله ذلك، أي ألقى الله تعالى اليقين بوقوع النسيان في قلبه. (فتقدم) أي مشى إلى محل صلاته. ففي رواية لأبي داود: فرجع رسول الله ﷺ إلى مقامه. (فصلى ما ترك) أي الذي تركه، وهو الركعتان. ففي رواية: فصلى ركعتين أخراوين. (ثم سلم) قال العلائي: جميع رواياته وطرقه لم يختلف فيه شيء منها أن السجود بعد السلام، كذا في شرح ابن رسلان لسنن أبي داود وهذا يهدم قاعدة المالكية ومن وافقهم أنه إذا كان السهو بالنقصان يسجد قبل

стр. 1334

ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، فربما سألوه، ثم سلم)) . فيقول: نبئت أن عمران بن حصين قال: ((ثم سلم)) . متفق عليه. ــ السلام. (ثم كبر) أي بعد السلام للسجود. واختلف في سجود السهو بعد السلام هل يشترط له تكبيرة إحرام أو يكتفي بتكبير السجود؟ فالجمهور على الاكتفاء، وهو ظاهر غالب الأحاديث. وحكى القرطبي: أن قول مالك لم يختلف في وجوب السلام بعد سجدتي السهو، قال وما يتحلل منه بسلام لا بد له من تكبيرة إحرام كسائر الصلاة لكن لا تبطل بتركها. ويؤيده ما رواه أبوداود من طريق حماد بن زيد عن هشام بن حسان عن ابن سيرين في هذا الحديث قال: فكبر ثم كبر وسجد للسهو. قال أبوداود: لم يقل فكبر ثم كبر إلا حماد بن زيد، فأشار إلى شذوذ هذه الرواية. (وسجد) أي للسهو. (مثل سجوده) الذي للصلاة. والمثل الشبه. قال الراغب: المثل عبارة عن المشابهة لغيره في معنى من المعاني أي معنى كان، وهو أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة، وذلك لأن الند يقال لما يشارك في الجوهر فقط، والشبه فيما يشاركه في الكيفية فقط، والمساوي فيما يشاركه في الكمية فقط، والمثل عام في جميع ذلك، ولذا قال تعالى:. ﴿ليس كمثله شيء﴾ [٤٢: ١١] . وأما نحو هذا فيقضي المشابهة مع التقريب - انتهى. (أو أطول) منه. (ثم رفع رأسه وكبر) أي للرفع من السجود. (ثم كبر) أي للسجود الثاني. (وسجد) أي ثانياً. (مثل سجوده) الأول أو مثل سجوده للصلاة والأول أقرب لفظاً، والثاني معنى. (ثم رفع رأسه) من السجدة الثانية. (فربما سألوه) أي سألوا ابن سيرين هل في الحديث. (ثم سلم) أي النبي ﷺ بعد سجدتي السهو. فالضمير المنصوب لابن سيرين والمسئول عنه قوله: ثم سلم. (فيقول) أي ابن سيرين في جواب سؤالهم. (نبئت) بضم النون أي أخبرت. (أن عمران بن حصين قال: ثم سلم) هذا يدل على أنه لم يسمع ذلك من عمران، وقد بين أشعث في روايته عن ابن سيرين الواسطة بينه وبين عمران، فقال قال ابن سيرين: حدثني خالد الحذاء عن أبي قلابة عن عمه أبي المهلب عن عمران بن حصين، أخرجه أبوداود، والترمذي والنسائي والبيهقي فظهر أن ابن سيرين أبهم ثلاثة، وروايته عن خالد من رواية الأكابر عن الأصاغر، كذا في الفتح. وقول ابن سيرين هذا، وهو راوي حديث ذي اليدين يدل، على أنه كان يرى التوحيد بين حديث أبي هريرة هذا، وحديث عمران بن حصين، وهو الذي رجحه الحافظ في الفتح، كما تقدم. ووقع عند البخاري من طريق حماد عن سلمة بن علقمة قال: قلت لمحمد في سجدتي السهو تشهد؟ فقال: ليس في حديث أبي هريرة. وقد يفهم منه أنه ورد في حديث غيره، وهو كذلك. فقد رواه الترمذي وغيره من حديث عمران بن حصين، وسيأتي الكلام في ذلك في الفصل الثاني. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد ومالك والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي

стр. 1335

ولفظه للبخاري، وفي أخرى لهما: فقال رسول الله ﷺ بدل: "لم أنس، ولم تقصر": "كل ذلك لم يكن"، فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله! ــ وغيرهم. قال ابن حجر: أي اتفقا على المقصود منه، فلا ينافيه خلو حديث مسلم عن ذكر وضع اليد على اليد، والتشبيك. قال الحافظ في التلخيص. (ص١١٢) لهذا الحديث طرق كثيرة وألفاظ، وقد جمع جميع طرقه الحافظ صلاح الدين العلائي، وتكلم عليه كلاماً شافياً - انتهى. (ولفظه للبخاري) في باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره. (وفي أخرى) أي في رواية أخرى. (لهما) أي للشيخين. وفيه نظر؛ لأن هذه الرواية من إفراد مسلم، وليست للبخاري. (كل ذلك) أي كل من النسيان والقصر. (لم يكن) أي في ظني، أي لم يكن لا ذلك ولا ذا في ظني، بل ظني أني أكملت الصلاة أربعاً، فهو في معنى لا شيء منهما بكائن على شمول النفي وعمومه لثلاثة وجوه: أحدها الرواية المتقدمة لم أنس ولم تقصر. والثاني القاعدة المتقدمة عن علماء المعاني. والثالث أنه قال ذو اليدين في جوابه ﷺ قد كان بعض ذلك. ومعلوم أن الثبوت للبعض أنما ينافي النفي عن كل فرد لا النفي عن المجموع. وقوله: قد كان بعض ذلك، موجبة جزئية ونقيضها السالبة الكلية، ولولا أن ذا اليدين فهم السلب الكلي لما ذكر في مقابلته الإيجاب الجزئي. (فقال) أي ذو اليدين. (قد كان بعض ذلك) يعني قصرت الصلاة، ولكن لا أدري قصرتها سهواً أو أمر الله تعالى بقصرها، قاله القاري. واعلم أن حديث ذي اليدين هذا فيه فوائد كثيرة وقواعد مهمة: منها جواز النسيان في الأفعال والعبادات على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأنهم لا يقرون عليه. ومنها أن الواحد إذا ادعى شيئاً جرى بحضرة جمع كثير لا يخفى عليهم سئلوا، ولا يعمل بقوله من غير سؤال. ومنها إثبات سجود السهو، وأنه سجدتان، وأنه يكبر لكل واحد منهما، وأنهما على هيئة سجود الصلاة، وأنه يسلم من سجود السهو. ومنها جواز البناء على الصلاة لمن أتى بالمنافي سهواً وإن طال زمن الفصل. ومنها أن الباني لا يحتاج إلى تكبيرة الإحرام، وأن السلام ونية الخروج من الصلاة سهواً لا يقطع الصلاة. ومنها أنه يرجع الإمام لقول المأمومين إذا شك. ومنها جواز التقليب الذي سبيله التعريف دون التهجين. ومنها أن سجود السهو لا يتكرر بتكرر السهو، ولو اختلف الجنس؛ لأنه ﷺ سلم وتكلم ومشى ناسياً ولم يسجد إلا سجدتين. وروى ابن أبي شيبة عن النخعي والشعبي: أن لكل سهو سجدتين، وورد على وفقه حديث ثوبان عند أحمد وأبي داود والبيهقي (ج٢: ص٣٣٧) . وحمل على أن معناه من سها بأي سهو كان شرع له السجود، أي لا يختص بالمواضع التي سها فيها النبي ﷺ ، ولا بالأنواع التي سها بها. فالحديث سيق للعموم لكل ساه لا لتعدد السجود عند تعدد مقتضيه. وروى البيهقي (ج٢: ص٣٤٦) من حديث عائشة سجدتا السهو تجزءان من كل زيادة ونقصان. ومنها أن من ظن أنه فعل شيئاً فقال فعلته أو قال: ما فعلته، وفي ظنه

стр. 1336

أنه لم يفعل، ثم تبين خلاف ما ظن لم يأثم؛ لأنه ﵇ قال كل ذلك لم يكن وقد كان السهو. ومنها أن العمل الكثير والخطوات إذا كانت في الصلاة سهواً أو مع ظن التمام لا تفسد بها الصلاة، فإن في رواية: أنه ﷺ خرج إلى منزله. وفي أخرى: يجر رداءه مغضباً. وفي أخرى: أنه مشى إلى الجذع، واستند إليه، وخرج السرعان. وفي أخرى: دخل الحجرة ثم خرج ورجع الناس وبني على صلاته. قال النووي: الحكم ببطلانها بما ذكر من الأفعال في حديث ذي اليدين مشكل، وتأويل الحديث صعب على من أبطلها - انتهى. ومنها أن من تحول عن القبلة سهواً لم تكن عليه الإعادة. ومنها أن الكلام سهواً، أو على ظن تمام الصلاة، لا يقطع الصلاة، خلافاً للحنفية. قالوا: إن قصة ذي اليدين كانت قبل نسخ الكلام في الصلاة. وفيه أن هذا مبني على قول الزهري: إنها قبل بدر. وقد قدمنا أنه إما وهم في ذلك أو تعددت القصة لذي الشمالين المقتول ببدر، ولذي اليدين الذي تأخرت وفاته بعد النبي ﷺ ، فقد ثبت شهود أبي هريرة للقصة، كما تقدم، وشهدها عمران بن حصين، وإسلامه متأخر أيضاً. وروى معاوية بن حديج قصة أخرى في السهو، أي في صلاة المغرب، ووقع فيها الكلام ثم البناء، أخرجها أبوداود وابن خزيمة وغيرهما، وكان إسلامه قبل موت النبي ﷺ بشهرين. قال السندي: من يقول بإبطال الكلام للصلاة مطلقاً يحمل الحديث على أنه قبل نسخ إباحة الكلام في الصلاة، لكن يشكل عليه أن النسخ كان قبل بدر، وهذه الواقعة قد حضرها أبوهريرة وكان إسلامه أيام خيبر. وقال صاحب البحر من علمائنا الحنفية: ولم أر لهذا إلا يراد جواباً شافياً - انتهى. وأما ما روى الطحاوي عن ابن عمر أنه ذكر له حديث ذي اليدين، فقال: كان إسلام أبي هريرة بعد ما قتل ذو اليدين. ففيه: أن هذه الرواية ضعيفة منكرة مخالفة لروايات الصحيحين، تفرد بها عبد الله بن عمر بن حفص العمري، وهو ضعيف، كما في التقريب. وقال الذهبي: صدوق في حفظه شيء. وأما ما قيل: أن عمر كان حاضراً في حادثة ذي اليدين، وقد حدث به مثل تلك الحادثة بعد النبي ﷺ في صلاته، وفعل فيها بخلاف ما عمل رسول الله ﷺ يوم ذي اليدين، مع أنه كان حاضراً في قصته. وهذا يدل على أن قصة ذي اليدين كانت حين الكلام مباحاً في الصلاة، أخرج الطحاوي في معاني الآثار بإسناده عن عطاء قال: صلى عمر بن الخطاب بأصحابه فسلم في الركعتين، ثم انصرف، فقيل له في ذلك، فقال: إني جهزت عيراً من العراق بأحمالها وأحقابها حتى وردت المدينة، فصلى بهم أربع ركعات. ففيه أن رواية الطحاوي هذه مرسلة، ومع ذلك ضعيفة جداً؛ لأن مرسل عطاء أضعف المراسيل. قال أحمد: ليس في المرسل أضعف من مرسل الحسن وعطاء، يأخذان عن كل أحد - انتهى. فمرسل عطاء هذا لا يصلح للاستدلال، على أن قصة ذي اليدين كانت حين كان الكلام مباحاً. على أنه يحتمل أن عمر كان إذ ذاك قد ذهل عن قصة

стр. 1337

١٠٢٦- (٦) وعن عبد الله بن بحينة، أن النبي ﷺ ، صلى بهم الظهر، ــ ذي اليدين، كما كان قد ذهل عن قصة التيمم، ولم يتذكر بتذكير عمار مع أنه حضر معه تلك القصة. وأيضاً يحتمل أن عمر كان يرى أن من حدث به هذه الحادثة فله أن يستأنف الصلاة، وله أن يبني ولم ير ما فعله ﷺ واجباً، فإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال. وقد بسط شيخنا الكلام في هذا الباب في أبكار المنن (ص٢٤٧- ٢٥٧) فعليك أن تطالعه. وأما ما توهم بعضهم أن حديث ذي اليدين مخالف لقول زيد بن أرقم: نهينا عن الكلام، فيحمل قصة ذي اليدين على أنها كانت قبل النهي والنسخ. ففيه أنه لا معارضة بينهما؛ لأن قول زيد بن أرقم عام يشمل كل نوع من الكلام، وحديث ذي اليدين خاص، كما لا يخفى ولا معارضة بين العام والخاص. قال ابن بطال: يحتمل أن يكون قول زيد بن أرقم ونهينا عن الكلام أي إلا إذا وقع سهواً وعمداً لمصلحة الصلاة فلا يعارض قصة ذي اليدين - انتهى. ومنها أن تعمد الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها، وهو المشهور من مذهب مالك والأوزاعي أن التكلم عمداً على جهة إصلاح الصلاة وبيانها لا يفسدها، وهو رواية عن أحمد. وأجاب من لم يقل بذلك بأن كلامهم كان جواباً للنبي ﷺ ، وجوابه لا يقطع الصلاة. وتعقب بأنه لا يلزم من وجوب الإجابة عدم قطع الصلاة. وأجيب بأنه ثبت مخاطبته في التشهد، وهو حي بقولهم: السلام عليك أيها النبي، ولم تفسد الصلاة. والظاهر أن ذلك من خصائصه. ويحتمل أن يقال ما دام النبي ﷺ يراجع المصلي فجائز له جوابه حتى تنقضي المراجعة، فلا يختص الجواز بالجواب لقول ذي اليدين: بلى قد نسيت، ولم تبطل صلاته. قلت الخصوصية لا تثبت بالادعاء والاحتمال، وأيضاً ما الجواب عن قول سرعان الناس: قصرت الصلاة، فاته لم يكن خطاباً للنبي ﷺ ولا جواباً له. والحق أن الحديث مشكل على المالكية أيضاً، والجواب عما ذكر في رواياته وطرقه من الأفعال والأقوال صعب على أصحاب المذاهب الأربعة، كما لا يخفى على من له وقوف على مذاهبهم، ولا عذر عندنا عن العمل بما ورد في الحديث لمن يتفق له مثل ذلك. وما أحسن كلام صاحب المنار حيث قال بعد الرد على من ادعى نسخه ما نصه: وأنا أقول أرجو الله للعبد إذا لقي الله عاملاً بذلك أن يثبته في الجواب بقوله صح لي ذلك عن رسولك، ولم أجد ما يمنعه، وأن ينجو بذلك ويثاب على العمل به، وأخاف على المتكلفين وعلى المجبرين على الخروج من الصلاة للاستئناف، فإنه ليس بأحوط، كما ترى؛ لأن الخروج بغير دليل ممنوع وإبطال للعمل - انتهى. ١٠٢٦- قوله: (وعن عبد الله بن بحينة) هو عبد الله بن مالك بن القشب الأسدي أو الأزدي من أزد شنوءة، وأما بحينة فهي أمه، فاسم أبيه مالك، واسم أمه بحينة - مصغراً - بنت الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف. قيل: فينبغي كتابة ابن بحينة بالألف لئلا يلتبس بالأب، وإذا نسب إليهما، وكتب عبد الله بن مالك بن بحينة

стр. 1338

فقام في الركعتين الأوليين لم يجلس، فقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة. وانتظر الناس تسليمه، كبر وهو جالس، فسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم)) ــ ينبغي أن يكتب ألف ابن وينوّن مالك ليندفع الوهم، ويعرف أن ابن بحينة نعت لعبد الله لا لمالك. وينبغي أن يحفظ هذا الأصل، فيحتاج إليه في أسماء كثيرة مثل محمد بن علي ابن الحنفية، وإسماعيل بن إبراهيم ابن علية وغير ذلك. وعبد الله هذا صحابي مشهور. أسلم قديماً، كان ناسكاً فاضلاً صائم الدهر، وأمه بحينة أيضاً صحابية أسلمت وبايعت رسول الله ﷺ وأطعمها من خيبر ثلاثين وسقاً، قال في الإصابة: كان عبد الله ينزل ببطن ريم على ثلاثين ميلاً من المدينة، ومات به في إمارة مروان الأخيرة على المدينة، وأرخه ابن زبير سنة ست وخمسين. (فقام في الركعتين الأوليين) بالمثناتين التحتيتين يعني أنه قام إلى الركعة الثالثة حال كونه. (لم يجلس) أي عقب الركعتين للتشهد. ووقع في رواية ابن عساكر: ولم يجلس بزيادة الواو. وفي صحيح مسلم فلم يجلس بالفاء، وكذا في رواية للبخاري. وزاد في رواية ابن خزيمة: فسبحوا به، فمضى حتى فرغ من صلاته. وفي حديث معاوية عند النسائي والبيهقي وعقبة بن عامر عند الحاكم والبيهقي جميعاً نحو هذه القصة بهذه الزيادة. وفيه دليل على أن تارك الجلوس الأول إذا قام لا يرجع له. (فقام الناس معه) إلى الثالثة اتباعاً لفعله ﷺ . وفيه دليل على وجوب متابعة الإمام حيث تركوا القعود الأول وتشهده. (حتى إذا قضى الصلاة) أي فرغ منها، وقد استدل به لمن زعم أن السلام ليس من الصلاة حتى لو أحدث بعد أن جلس، وقبل أن يسلم تمت صلوته. وهو قول بعض الصحابة والتابعين، وبه قال أبوحنيفة، كما تقدم. وتعقب بأن السلام لما كان لتحليل من الصلاة كان المصلي إذا انتهى إليه إليه كمن فرغ من صلاته. ويدل على ذلك قوله في رواية ابن ماجه من طريق جماعة من الثقات عن يحيى بن سعيد عن الأعرج: حتى إذا فرغ من الصلاة إلا أن يسلم، فدل على أن بعض الرواة حذف الاستثناء لوضوحه. والزيادة من الحافظ مقبولة، كذا في الفتح. وقيل: معناه قارب الفراغ من الصلاة. وقال الباجي: ويحتمل أن يراد بالصلاة الدعاء والصلاة على النبي ﷺ ، فيكون لفظ: "قضى" على حقيقته - انتهى. (كبر وهو جالس) جملة حالية. (فسجد سجدتين) أي للسهو بعد التشهد. (قبل أن يسلم) وفي رواية: كبر قبل التسليم فسجد سجدتين، وهو جالس، أي أنشأ السجود جالساً. فهي جملة حالية. وفي أخرى لهما: يكبر في كل سجدة. وعند أحمد: فكبر فسجد، ثم كبر فسجد ثم سلم، قال الحافظ في الفتح: وفي رواية الأوزاعي فكبر ثم سجد، ثم كبر فرفع رأسه، ثم كبر فسجد، ثم كبر فرفع رأسه ثم سلم. أخرجه ابن ماجه. واستدل به على مشروعية التكبير في سجدتي السهو والجهر به، كما في غيرهما من سجود الصلاة وأن بينهما جلسة فاصلة. (ثم سلم) بعد ذلك للانصراف من الصلاة. واستدل به على أن سجود السهو قبل السلام. ولا حجة فيه في كون جميعه كذلك، نعم يرد على من زعم أن جميعه بعد السلام كالحنفية، وتقدم ذكر مستندهم،

стр. 1339

متفق عليه. ﴿الفصل الثاني﴾ ١٠٢٧- (٧) عن عمران بن حصين: ((أن النبي ﷺ صلى بهم فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم)) . ــ وما هو الأرجح في ذلك. وزاد في رواية للبخاري: وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس. وكأنه عرف الصحابي ذلك من قرينة الحال. وفي هذه الزيادة فوائد: منها أن السجود خاص بالسهو، فلو تعمد ترك شيء مما يجبر بسجود السهو لا يسجد. وهو قول الجمهور، ورجحه الغزالي، وناس من الشافعية. ومنها أن المأموم يسجد مع الإمام إذا سها الإمام، وإن لم يسه المأموم. ونقل ابن حزم فيه الإجماع. وأما إذا سها المأموم دون إمامه فلا سجود عليه في قول عامة أهل العلم، كما في المغني (ج١: ص٦٩٩) . ومنها أن السجود إنما هو لأجل ترك الجلوس لا لترك التشهد، حتى لو أنه جلس مقدار التشهد، ولم يتشهد لا يسجد. وجزم أصحاب الشافعي وغيرهم أنه يسجد لترك التشهد وإن أتى بالجلوس. والحديث فيه دليل على أن الجلوس الأول والتشهد فيه ليس بفرض؛ لأنه لو كان فرضاً لبطلت الصلاة بتركه، ولم يجبر بالسجود. ولم يكن بد من الإتيان به، كسائر الفروض، فجبرانه بالسجود عند تركه دل على عدم فرضيته، ولما احتاج إلى الجبران ظهر أنه مهم، وليس كالسنة التي لا يجب بتركها شيء، فإذا هو فوق السنة ودون الفرض، وهو المراد بالواجب عند من يقول به. والله اعلم. (متفق عليه) واللفظ للبخاري في باب من لم ير التشهد الأول واجباً. والحديث أخرجه أيضاً أحمد ومالك والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي. ١٠٢٧- قوله: (عن عمران بن حصين) بضم الحاء المهملة، ابن عبيد بن خلف الخزاعي أبونجيد، أسلم عام خيبر، وصحب وغزا عدة غزوات، وكان صاحب راية خزاعة يوم الفتح. قال ابن عبد البر: كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم، يقول عنه أهل البصرة إنه كان يرى الحفظة، وكانت تكلمه حتى اكتوى، أي قبل وفاته بسنتين، وكان قد اعتزل الفتنة، فلم يقاتل فيها، وقال أبونعيم: كان مجاب الدعوة. وتقدم شيء من ترجمته في باب الإيمان بالقدر. (فسجد سجدتين) أي بعد ما سلم، كما يشهد له حديثه الآتي. (ثم تشهد) المراد به التشهد المعهود في الصلاة. (ثم سلم) فيه دليل على مشروعية التشهد بعد سجدتي السهو. واختلف العلماء فيه: فقال أنس والحسن وعطاء: ليس فيهما تشهد ولا تسليم. وقال ابن سيرين وابن المنذر: فيهما تسليم بغير تشهد. قال ابن المنذر التسليم فيهما ثابت من غير وجه، وفي ثبوت التشهد نظر. وروى عن عطاء: إن شاء تشهد وسلم، وإن شاء لم يفعل. وروى ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه قال: أحب إليّ أن يتشهد فيهما. وحكى ابن عبد البر

стр. 1340

رواه الترمذي، وقال هذا حديث حسن غريب. ــ عن يزيد بن قسيط أنه يتشهد بعدهما ولا يسلم. ورواه أيضاً عن النخعي وغيره. وذهب الشافعي وأحمد إلى أنه إذا كان سجود السهو قبل السلام سلم عقبه، ولا يعيد التشهد، يعني أنه أجزأه التشهد الأول، ولم يحتج إلى إعادته بعد سجود السهو، واختلف فيه القول عن مالك. وأما إذا سجدهما بعد السلام فذهب الأئمة الأربعة إلى أنه يتشهد ثم يسلم، كما يظهر من كتب الفروع. والراجح عندنا: أنه مخير في التشهد إن شاء تشهد بعدهما وإن شاء لم يتشهد. وأما التسليم فلا بد منه، والله اعلم. (رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أيضاً أبوداود وابن حبان والحاكم (ج١: ص٣٢٣) والبيهقي (ج٢: ص٣٥٥) وأخرجه النسائي بدون ذكر التشهد كلهم من رواية أشعث عن ابن سيرين عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين. وقد سكت عنه أبوداود، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره. وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين. قال الحافظ في الفتح بعد نقل تحسين الترمذي وتصحيح الحاكم: وضعفه البيهقي وابن عبد البر وغيرهما. ووهموا رواية أشعث لمخالفة غيره من الحفاظ عن ابن سيرين، فإن المحفوظ عن ابن سيرين في حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد. وروى السراج من طريق سلمة بن علقمة أيضاً في هذه القصة. (أي في قصة ذي اليدين المتقدمة) قلت: لابن سيرين فالتشهد؟ قال لم أسمع في التشهد شيئاً. وقد تقدم من طريق ابن عون عن ابن سيرين، قال: نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم. وكذا المحفوظ عن خالد الحذاء بهذا الإسناد في حديث عمران. (يعني الذي يأتي في الفصل الثالث) ليس فيه ذكر التشهد كما أخرجه مسلم، فصارت زيادة أشعث شاذة. ولهذا قال ابن المنذر: لا أحسب التشهد في سجود السهو يثبت، لكن قد ورد في التشهد في سجود السهو عن ابن مسعود عند أبي داود والنسائي، وعن المغيرة عند البيهقي. وفي إسنادهما ضعف. فقد يقال: إن الأحاديث الثلاثة في التشهد باجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن. قال العلائي: وليس ذلك ببعيد. وقد صح ذلك عن ابن مسعود من قوله، أخرجه ابن أبي شيبة - انتهى. قلت: حديث ابن مسعود عند أبي داود والنسائي والبيهقي (ج٢: ص٣٥٦وص٣٣٦) من طريق خصيف عن أبي عبيدة عن أبيه عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً بلفظ: إذا كنت في صلاة، فشككت في ثلاث أو أربع، وأكبر ظنك على أربع، تشهدت ثم سجدت سجدتين، وأنت جالس قبل أن تسلم. ثم تشهدت أيضاً، ثم تسلم. قال البيهقي في المعرفة: حديث مختلف في رفعه. وخصيف غير قوي. وأبوعبيدة عن أبيه مرسل، أي منقطع؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع عن أبيه عبد الله بن مسعود. ولفظ المغيرة عند البيهقي (ج٢: ص٣٥٥) أن النبي ﷺ تشهد بعد أن رفع رأسه من سجدتي السهو. قال البيهقي: تفرد به محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلي عن الشعبي. ولا حجة فيما تفرد به لسوء حفظه وكثرة خطئه في الروايات - انتهى.

стр. 1341

١٠٢٨- (٨) وعن المغيرة بن شعبة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قام الإمام في الركعتين، فإن ذكر قبل أن يستوي قائماً فليجلس، وإن استوى قائماً فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو)) . ــ ١٠٢٨- قوله: (إذا قام الإمام) أي شرع في القيام وفي معناه المنفرد. (في الركعتين) أي بعدهما من الثلاثية أو الرباعية قبل أن يقعد ويتشهد. (فإن ذكر) أي تذكر أن عليه بقية من الصلاة. (قبل أن يستوي قائماً) سواء يكون إلى القيام أقرب أو إلى القعود. قال القاري: وهو ظاهر الرواية، واختاره ابن الهمام، ويؤيده الحديث - انتهى. ومقابله ما في الهداية إن كان إلى القعود أقرب عاد، ولو إلى القيام فلا - انتهى. قلت: أخرج هذا الحديث أحمد وابن ماجه والدارقطني والبيهقي بألفاظ متقاربة. وليس فيها ما يدل على هذا التفصيل. فالصحيح هو الأول. وهو المختار عند الحنفية. (فليجلس) أي ليأتي بالتشهد الأول: زاد في رواية الدارقطني: ولا سهو عليه. وقد تمسك بها من قال إن سجود السهو إأنما هو لفوات التشهد الأول لا لفعل القيام. وإلى ذلك ذهب النخعي والأسود وعلقمة والشافعي في أحد قوليه. وذهب أحمد إلى أنه يجب السجود للسهو لفعل القيام؛ لما روي عن أنس أنه تحرك للقيام من الركعتين الأخريين من العصر على جهة السهو فسبحوا، فقعد ثم سجد للسهو. أخرجه البيهقي والدارقطني موقوفاً عليه إلا أن في بعض طرقه أنه قال: هذه السنة. قال الحافظ: ورجاله ثقات. وقد رجح حديث المغيرة لكونه مرفوعاً، ولأنه يؤيده حديث ابن عمر مرفوعاً: لا سهو إلا في قيام عن جلوس، أو جلوس عن قيام. أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي (ج٢: ص٣٤٥) وفيه ضعف. وقال ابن حجر: وظاهر الحديث أن قوله الآتي: ويسجد سجدتي السهو خاص بالقسم الثاني، فلا يسجد هنا للسهو. وإن كان إلى القيام أقرب، وهو الأصح عند جمهور أصحابنا، وصححه النووي في عدة من كتبه - انتهى. قلت: واختلف فيه فقهاء الحنفية أيضاً، والأصح هو عدم وجوب السجود؛ لأن فعله لم يعد قياماً، فكان قعوداً، كذا في شرح المنية. (وإن استوى قائماً) ولفظ أحمد وابن ماجه: وإن استتم قائماً. (فلا يجلس) لتلبسه بفرض، فلا يقطعه. (ويسجد) بالرفع. (سجدتي السهو) لتركه واجباً، وهو القعدة الأولى. وفي الحديث أنه لا يجوز العود إلى القعود، والتشهد بعد الانتصاب الكامل؛ لأنه قد تلبس بالفرض، فلا يقطعه لأجل ما ليس بفرض، ثم إذا رجع بعد استوائه قائماً هل تفسد صلاته؟ مختلف عند الأئمة. قال الحافظ في الفتح: فمن سها عن التشهد الأول حتى قام إلى الركعة ثم ذكر لا يرجع، فقد سبحوا به ﷺ ، فلم يرجع. فلو تعمد المصلي الرجوع بعد تلبسه بالركن بطلت صلاته عند الشافعي خلافاً للجمهور - انتهى. واختلف فيه الحنفية. والراجح عندهم عدم الفساد، كما في الدر المختار. وقال الشوكاني: فإن عاد عالماً بالتحريم بطلت صلاته لظاهر النهي، ولأنه زاد قعوداً، وهذا إذا تعمد العود، فإن عاد

стр. 1342

رواه أبوداود وابن ماجه. ﴿الفصل الثالث﴾ ١٠٢٩- (٩) عن عمران بن حصين: ((أن رسول الله ﷺ صلى العصر وسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله. فقام إليه رجل يقال له الخرباق، ــ ناسياً لم تبطل صلاته - انتهى. (رواه أبوداود وابن ماجه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤: ص٢٥٣، ٢٥٤) والدارقطني والبيهقي (ج٢: ص٣٤٣) ومداره في جميع طرقه على جابر الجعفي، وهو ضعيف جداً. وقد قال أبوداود: ليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث. وقال المنذري: في إسناده جابر الجعفي، ولا يحتج به- انتهى. وأخرج أحمد (ج٤: ص٢٤٧- ٢٥٣) والترمذي وصححه وأبوداود والبيهقي (ج٢: ص٣٣٨) عن زياد بن علاقة، قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة، فلما صلى ركعتين قام. ولم يجلس، فسبح به من خلفه، فأشار إليهم أن قوموا، فلما فرغ من صلاته سلم ثم سجد سجدتين وسلم. ثم قال: هكذا صنع بنا رسول الله ﷺ ، وأخرجه البيهقي (ج٢: ص٣٤٤) أيضاً من طريق عامر عن المغيرة. ١٠٢٩- قوله: (صلى العصر) وفي رواية الطحاوي: صلى بهم الظهر. وفي رواية لأحمد والبيهقي: صلى الظهر أو العصر بالشك. قلت: الجزم قاض على الشك. ثم رواية العصر أرجح لتوافق أكثر الروايات عليها، ولأنها مخرجة في صحيح مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه ومسند أحمد. (وسلم في ثلاث ركعات) وفي رواية معتمر عن خالد الحذاء عند أحمد (ج٤: ص٤٣١) : صلى ثلاث ركعات فسلم. وفي رواية شعبة عن خالد عند أحمد أيضاً: صلى ثلاث ركعات ثم سلم. ولفظ الكتاب أصح وأرجح لتوافق أكثر الرواة عن خالد الحذاء عليه. وهم: إسماعيل بن علية عند مسلم وأحمد، وعبد الوهاب الثقفي عند مسلم أيضاً وابن ماجه والبيهقي، ويزيد بن زريع عند أبي داود والنسائي والبيهقي. ومسلمة بن محمد عند أبي داود. (ثم دخل منزله) وفي رواية فدخل الحجرة. فيه أن ترك استقبال القبلة والمشي الكثير سهواً لا يبطل الصلاة. (فقام إليه) أي في أثناء دخول منزله. (رجل يقال له الخرباق) بكسر الخاء المعجمة، وسكون الراء بعدها موحدة، وفي آخره قاف، اسمه. قال ابن حجر: أسلم في أواخر زمن النبي ﷺ ، وعاش حتى روى عنه متأخروا التابعين، وهو ذو اليدين السابق، كما قاله المحققون، وغير ذي الشمالين خلافاً لمن وهم فيه، كالزهري والطيبي هنا - انتهى. قلت: ما ذكره ابن حجر من أن الخرباق اسم ذي اليدين السابق هو صنيع من يوحد حديث أبي هريرة بحديث عمران، وإلى توحيد الحديثين ذهب الأكثر، وهو الذي رجحه الحافظ، وعده من الحنفية السندي الأظهر، وصاحب فيض الباري الأصوب، وقواه النيموي في تعليق

стр. 1343

وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله! فذكر له صنيعه، فخرج غضبان يجر رداءه، حتى انتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم. فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم)) . ــ آثار السنن، وهو الظاهر عندي أيضاً، لكن الخرباق ذا اليدين السلمي هذا غير ذي الشمالين عمير بن عبد عمرو ابن نضلة الخزاعي المستشهد ببدر، لا كما زعمه الحنفية أنهما رجل واحد. (وكان في يديه طول) أي بالنسبة إلى سائر الناس، ولذا كان يقال له ذو اليدين. وفي رواية لمسلم: فقام رجل بسيط اليدين. (فذكر له صنيعه) أي من تسليمه في ثلاث ركعات، وأن ذلك هل هو لنسيان أو لقصر الصلاة. (فخرج) أي من منزله. (غضبان) لأمر. (يجر رداءه) أي مستعجلاً يعني لكثرة اشتغاله بشأن الصلاة خرج يجر رداءه، ولم يتمهل ليلبسه. (ثم سلم) أي للتحلل من الصلاة. (ثم سجد سجدتين) أي للسهو بعد السلام. (ثم سلم) لسجود السهو. هذا، وقد تقدم أنه ذهب الأكثر إلى أن حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، وحديث عمران هذا قضية واحدة. وجنح ابن خزيمة ومن تبعه كالنووي وأبي حاتم بن حبان إلى التعدد. قال الحافظ في الفتح: والحامل لهم على ذلك الاختلاف الواقع في السياقين. ففي حديث أبي هريرة إن السلام وقع من اثنتين، وأنه ﷺ قام إلى خشبة في المسجد. وفي حديث عمران أنه سلم من ثلاث ركعات وأنه دخل منزله لما فرغ من الصلاة. فأما الأول فقد حكى العلائي أن بعض شيوخه حمله على أن المراد به أنه سلم في ابتداء الركعة الثالثة. (يعني في إرادة ابتداء الثالثة) واستبعده، ولكن طريق الجمع يكتفي فيها بأدنى مناسبة، وليس بأبعد من دعوى تعدد القصة، فإنه يلزم منه كون ذي اليدين في كل مرة استفهم النبي ﷺ عن ذلك، واستفهم النبي ﷺ الصحابة عن صحة قوله. وأما الثاني فلعل الراوي لما رآه تقدم من مكانه إلى جهة الخشبة ظن أنه دخل منزله لكون الخشبة كانت في جهة منزله. فإن كان كذلك، وإلا فرواية أبي هريرة أرجح لموافقة ابن عمر له على سياقه، كما أخرجه الشافعي وأبوداود وابن ماجه وابن خزيمة، ولموافقة ذي اليدين نفسه له على سياقه كما أخرجه أبوبكر الأثرم وعبد الله بن أحمد في زيادات المسند، وأبوبكر بن أبي حثمة وغيرهم. وقد تقدم ما يدل على أن محمد بن سيرين راوي الحديث عن أبي هريرة كان يرى التوحيد بينهما، وذلك أنه قال في آخر حديث أبي هريرة: نبئت أن عمران بن حصين قال: "ثم سلم" - انتهى كلام الحافظ. وقال السندي: في حاشية النسائي كلام المصنف يشير إلى أن الواقعة متحدة، وهو أظهر. وعلى هذا كونه سلم من ركعتين أو ثلاث، وكذا كونه دخل البيت أو قعد في ناحية المسجد وغير ذلك مما اشتبه على الرواة لطول الزمان. ويحتمل تعدد الواقعة. وقال في حاشية ابن ماجه: الظاهر أن اختلاف الرواية ليس محمله اختلاف الواقعة، بل محمله نسيان بعض الرواة بعض الكيفيات بمضي الأزمنة، وهم ما كانوا يكتبون الوقائع، بل كانوا يحفظونها بالقلب. وهذا غير مستبعد عند من تتبع الأحاديث. قلت: وذهب بعض العلماء إلى ترجيح حديث أبي هريرة على حديث عمران

стр. 1344

رواه مسلم. ١٠٣٠- (١٠) وعن عبد الرحمن بن عوف، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من صلى صلاة يشك في النقصان، فليصل حتى يشك في الزيادة)) . رواه أحمد. ــ كما رأيت في كلام الحافظ. ولعل الإمام البخاري جنح إليه كما يفهم من صنيعه، حيث أخرج حديث أبي هريرة في صحيحه، وأعرض عن حديث عمران بن حصين. والله اعلم. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤: ص٤٢٧- ٤٣١- ٤٤١) وأبوداود والنسائي وابن ماجه والطحاوي والبيهقي. وفي الباب عن ابن عباس عند البزار والطبراني في الكبير. وفي سنده إسماعيل بن أبان الغنوي العامري، وهو متروك. وله حديث آخر عندهما أيضاً مختصر من الأول. وفي سنده جابر الجعفي وثقه شعبة والثوري وضعفه الناس، كذا في مجمع الزوائد (ج٢: ص١٥٢) . ١٠٣٠- قوله: (من صلى صلاة يشك في النقصان) يعني أنه يشك في الرباعية مثلاً بأنه صلى ثلاثاً أو أربعاً. (فليصل) أي فليبن على الأقل المتيقن، فيجعلها في الصورة المذكورة ثلاثاً ويصلي ركعة أخرى. (حتى يشك في الزيادة) أي يشك في أنه صلى أربعاً أو خمساً لاحتمال أن يكون قد صلى في الواقع أربعاً، وتكون التي زادها ركعة خامسة. فمن بني على الثلاث وصلى ركعة أخرى فهو يشك الآن أنها رابعة أو خامسة، وهذا هو المراد بالشك في الزيادة. والحاصل أن جعل الشك في جانب الزيادة أولى من جعله في جانب النقصان. (رواه أحمد) في (ج١: ص١٩٥) عن محمد بن يزيد عن إسماعيل بن مسلم المكي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أنه كان يذاكر عمر شأن الصلاة، فانتهى إليهم عبد الرحمن بن عوف، فقال: ألا أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قالوا: بلى، قال: فأشهد إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من صلى. الحديث. وإسماعيل بن مسلم المكي ضعيف. وهذه الرواية من زيادات أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي، راوي المسند عن عبد الله بن أحمد. قال القطيعي: قال أبوعبد الرحمن، يعني عبد الله بن أحمد. وجدت هذا الحديث في كتاب أبي بخط يده ثنا محمد بن يزيد الخ. وأخرجه أيضاً إسحاق بن راهوية والهيثم بن كليب في مسنديهما، والبيهقي في سننه (ج٢: ص٣٣٣- ٣٤٦) بلفظ: إذا كان أحدكم في شك من النقصان في صلاته فليصل حتى يكون في شك من الزيادة، وفي إسنادهم أيضاً إسماعيل بن مسلم المكي. وهذا حديث مختصر من حديث طويل أخرجه أحمد (ج١: ص١٩٠) والترمذي وصححه. وأبوداود وابن ماجه والبيهقي (ج٢: ص٣٣٢) من حديث كريب عن عبد الله بن عباس عن عبد الرحمن بن عوف. وقد ذكرنا لفظه في شرح حديث أبي هريرة أول أحاديث الفصل الأول

стр. 1345

(٢١) باب سجود القرآن ــ من هذا الباب. قال الحافظ في التلخيص (ص١١٣) بعد عزوه للترمذي وابن ماجه: هو حديث معلول، فإنه من رواية ابن إسحاق عن مكحول عن كريب. وقد رواه أحمد في مسنده (ج١: ص١٩٣) ، وكذا البيهقي (ج٢: ص٣٣٢) عن ابن علية عن ابن إسحاق عن مكحول مرسلاً. قال ابن إسحاق فلقيت حسين بن عبد الله، فقال لي هل أسنده لك؟ قلت: لا، فقال: لكنه حدثني أن كريباً حدثه به، وحسين ضعيف جداً. ورواه إسحاق ابن راهوية والهيثم بن كليب في مسنديهما من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس مختصراً فذكر لفظه، قال: وفي إسنادهما إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف، وتابعه بحر بن كنيز السقاء فيما ذكر الدارقطني في العلل. وذكر الاختلاف فيه أيضاً على ابن إسحاق في الوصل والإرسال - انتهى. (باب سجود القرآن) أي سجدة التلاوة، وهي سنة مؤكدة عند الشافعية والحنابلة، وسنة أو فضيلة قولان مشهوران للمالكية، وواجبة عند أبي حنيفة. قال ابن قدامة في المغني (ج١: ص٦٥٦) : سجود التلاوة سنة مؤكدة، وليس بواجب عند إمامنا (أحمد) ومالك والأوزاعي والشافعي، وهو مذهب عمر وابنه عبد الله، وأوجبه أبوحنيفة وأصحابه - انتهى. واستدل أبوحنيفة على الوجوب بما روى مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعاً: إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله! أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار، قالوا الأصل أن الحكيم إذا ذكر من غير الحكيم كلاماً، ولم يعقبه بالإنكار دل ذلك على أنه صواب، فكان في الحديث دليل على كون ابن آدم مأمور بالسجود. ومطلق الأمر للوجوب، مع أن آي سجدة تفيده أيضاً؛ لأنها ثلاثة أقسام: ١- قسم فيه الأمر الصريح به كقوله: ﴿فاسجدوا لله واعبدوا﴾ [٥٣: ٦٢] . ﴿واسجد واقترب﴾ [٩٦: ١٩] . ٢- وقسم تضمن حكاية استنكاف الكفرة حيث أمروا به، وهو قوله: ﴿فمالهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون﴾ [٨٤: ٢٠، ٢١] وقوله: ﴿وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفوراً﴾ [٢٥: ٦٠] ٣- وقسم فيه حكاية فعل الأنبياء السجود، والثناء على الذين يخرون سجداُ عند سماع كلامه، وكل من الامتثال ومخالفة الكفرة والاقتداء واجب إلا أن يدل دليل على عدم لزومه، لكن دلالتها ظنية، فكان الثابت الوجوب لا الفرض، كذا في البرهان، وفتح القدير وغيرهما. وأجيب بأن كون الأمر في الآيتين، وفي قول إبليس للوجوب ممنوع، بل هو محمول على الندب. والدليل على ذلك حديث زيد بن ثابت الآتي قال: قرأت على رسول الله ﷺ ﴿والنجم﴾ ، فلم يسجد. والظاهر أن ترك السجدة حينئذٍ كان لبيان الجواز كما جزم به الشافعي في اختلاف الحديث؛ لأنه لو كان واجباً لأمره بالسجود ولو بعد ذلك. ويدل عليه أيضاً ما رواه أبوداود وابن خزيمة

стр. 1346

والحاكم من الحديث أبي سعيد الخدري أنه قال: قرأ رسول الله ﷺ ، وهو على المنبر "ص" فلما بلغ السجدة نزل، فسجد وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تشزن الناس للسجود، فقال رسول الله ﷺ : إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تشزنتم للسجود، فنزل فسجد وسجدوا. وقد سكت عنه أبوداود والمنذري. قال بعض الحنفية: إن ذلك إنما كان حين لا يرى السجدة عزمة في سورة "ص"، بل كانت رخصة إذ ذاك، فلما عزم الأمر تحتم بالسجود - انتهى. وفيه أن هذا يحتاج إلى دليل ولا يثبت بالادعاء شيء فهو مردود على قائله، وأيضاً لو كان كذلك لما قال ابن عباس بعده ﷺ : ص ليس من عزائم السجود، ولما سكت الصحابة الحاضرون في خطبة عمر عن قوله: ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولا نكروا على منعهم من السجدة. ويدل على كون الأمر للندب أيضاً ما قاله ابن رشد: اتبع مالك والشافعي في مفهوم الأوامر الصحابة، إذ كانوا هم أقعد بفهم الأوامر الشرعية، وذلك كما ثبت عن عمر بن الخطاب بمحضر الصحابة، فلم ينقل عن أحد منهم خلافه، وهم أفهم بمغزى الشرع. قلت: يشير بذلك إلى ما رواه البخاري والبيهقي والأثرم عن عمر: أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاءت السجدة قال: يا أيها الناس إنما نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر. وزاد نافع عن ابن عمر: إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء. وفي رواية الأثرم: فقال على رسلكم، إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء، فقرأها ولم يسجد، ومنعهم أن يسجدوا. وهذا حديث مرفوع خلافاً لظاهره الذي أشبه على العيني وأمثاله؛ لأن عمر حكى أن الله لم يفرض السجود علينا الخ. ويقول ذلك بحضرة كبار الصحابة، وهو لا يريد من هذا اللفظ أن هذا رأيه واستنباطه، كما هو بين بديهي. قال الكرماني: قوله من لم يسجد فلا إثم عليه، دليل صريح في عدم الوجوب، ولم ينكر عليه أحد، فكان إجماعاً سكوتياً على ذلك، وهو حجة عند الحنفية، وكذا قوله، لم يفرض: دليل آخر، ثم عدم سجوده ومنعه الناس من السجدة دليل ثالث، وقوله إلا أن نشاء دليل رابع؛ لأنه يدل على أن المرأ مخير في السجود، والتخيير ينافي الوجوب. قال صاحب التوضيح: ترك عمر مع من حضر السجود ومنعه لهم دليل على عدم الوجوب. ولا إنكار ولا مخالف، ولا يجوز أن يكون عند بعضهم أنه واجب ويسكت عن الإنكار على غيره في قوله ومن لم يسجد فلا إثم عليه. وقال الحافظ: استدل بقوله إلا أن نشاء، على أن المرأ مخير في السجود، فيكون ليس بواجب - انتهى. وأجاب بعض الحنفية عن مخالفة الإجماع السكوتي بأنه ضعيف؛ لأن إنكار المختلف فيه غير لازم، سيما إن كان قائله إماماً، وفيه أنه لم يرد عمر بقوله: إن الله لم يفرض السجود علينا، أن هذا رأيه واجتهاده واستنباطه. وأيضاً لم يثبت عن أحد الصحابة أنه كان يرى سجدة التلاوة واجبة، حتى يكون ذلك مسألة اجتهادية مختلفاً فيها بينهم، ولو سلم

стр. 1347

فلا يجوز أن يكون عند بعضهم واجباً، ويسكت عن الإنكار على غيره في قوله: ومن لم يسجد فلا إثم عليه، وكانوا ينكرون في ترك المستحبات فضلاً عن الواجبات، ولم ينقل عن أحد من الصحابة خلاف قول عمر وفعله. وأجابوا عن قوله لم يفرض، على قاعدتهم في التفرقة بين الفرض والواجب بأن نفي الفرض لا يستلزم نفي الوجوب. وتعقب بأنه اصطلاح لهم حادث. وما كان الصحابة يفرقون بينهما. ويغني عن هذا قول عمر: ومن لم يسجد فلا إثم عليه. قال بعضهم يمكن أن يقال: إن النفي في قوله من لم يسجد فلا إثم عليه، راجع إلى القيد والمعنى أن السجدة ليست واجبة بعينها، فمن لم يسجد فلا إثم عليه؛ لأن الركوع أيضاً ينوب عنها، وحينئذٍ معنى قوله: إن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء، أي لم يفرض علينا السجود بخصوصه، بل يكفي عنه الركوع أيضاً إلا أن نشاء السجدة فنأتي بها. ولا يخفى ما فيه من التكلف والتعسف، على أنه لم ينقل أن عمر ومن معه ركعوا في هذه الواقعة لتلاوة آية السجدة نيابة عن السجدة. وفيه أيضاً أن سجدة التلاوة سجود مشروع، فلا ينوب عنه الركوع كسجود الصلاة. وأما قوله تعالى. ﴿وخر راكعاً وأناب﴾ [٢٤: ٣٨] فالمراد به السجود؛ لأنه قال: "خر" ولا يقال للراكع "خر"، وإنما روي عن داود ﵇ السجود لا الركوع إلا أنه عبر عنه بالركوع، وقال بعضهم أراد عمر بقوله: فلا إثم عليه، أنه ليس على الفور، فلا إثم بتأخيره عن وقت السماع، فلا يدل ذلك على عدم الوجوب. وفيه أن هذا باطل مردود على قائله؛ لأنه لا دليل على هذا التأويل ويدل على بطلانه أيضاً قوله: لم يسجد عمر، ومنعهم أن يسجدوا، وما قيل: إنه يحتمل أنه لم يسجد في ذلك الوقت لعارض مثل انتقاض الوضوء، أو يكون ذلك منه إشارة إلى أنه ليس على الفور. ففيه أن هذا أيضاً يحتاج إلى دليل ولا يكفي فيه الاحتمال. والظاهر بل المتعين أن عمر لم يسجد أصلاً لبيان أن سجدة التلاوة ليست بواجبة؛ لأنه لم يكن هناك عذر أو مصلحة في تأخيرها عن وقت التلاوة. قال صاحب العرف الشذي: وأما قول أن تأخير السجدة؛ لأن الأداء لا يجب على الفور فبعيد؛ لأنه لا عذر ولا نكتة لترك السجدة الآن بخلاف ما مر من واقعة النبي ﷺ انتهى. وأجابوا عن قوله إلا أن نشاء بأن المعنى إلا أن نشاء قراءتها فيجب. ولا يخفى بعده بل يرده تصريح عمر بقوله: ومن لم يسجد فلا إثم عليه، فإن انتفاء الإثم عمن يترك الفعل مختاراً يدل على عدم وجوبه. والحق أن الاستدلال بحديث عمر على عدم وجوب السجدة، وعلى كون الأوامر للندب استدلال صحيح بين لا خفاء فيه. وليس عند الحنفية جواب شاف عنه. وقد أنصف صاحب فيض الباري. حيث قال قصة عمر هذه أقوى ما يمكن أن يحتج به على سنية السجود، فإنه تلا سورة النحل يوم الجمعة، فسجد لها مرة ثم لم يسجد لها في الجمعة التالية، ثم قال: إنما نمر بالسجود. فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه. وذلك بمحضر الصحابة ولم أر عنه جواباً شافياً بعد - انتهى. وأجيب عن الآية التي تدل على ذم الكفرة بتركهم السجدة بأن الذم فيها

стр. 1348

إنما يتعلق بترك السجود إباء وإنكاراً واستكباراً واستنكافاً، كما يدل عليه قوله تعالى. ﴿وإذا قيل لهم أسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفوراً﴾ [٢٥: ٦٠] . وكما قال إبليس: أمرت بالسجود فأبيت، فمعنى قوله: ﴿وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون﴾ [٨٤: ٢١] أي إباء واستكباراً ونفوراً عن الطاعة. قال ابن قدامة في المغني: فأما الآية فإنه ذمهم لترك السجود غير معتقدين فضله ومشروعيته - انتهى. فمن ترك سجدة التلاوة معتقداً مشروعيته وفضله لكونه ليس بلازم عنده لا استكباراً واستنكافاً عنه لا يقال إنه لم يخالف الكفرة، فلا يتعلق به الذم الذي تعلق بهم. وقال صاحب فيض الباري: وللشافعية أن يقولوا إن الوعيد معقول على ترك المستحب إذا قارن تركه ترك الواجبات أيضاً. ألا ترى أنه ينكر على المعصية من طالح ما لا ينكر على تلك المعصية إذا كانت من صالح، فتلك المعصية وإن تذكر في السياق لكن تراعي عند الوعيد أفعاله الأخر أيضاً وحينئذٍ يمكن أن يكون الوعيد على تركهم سجود التلاوة في الذكر فقط. ويكون محطه تركهم السجود الصلوية أيضاً، والحاصل أن الوعيد وإن كان على ترك سجود التلاوة لكنه نظراً إلى تركهم السجود الصلوية أيضاً انتهى كلامه بلفظه. وقد تبين بفعله ﷺ وحديث أبي سعيد وحديث عمر المذكورين، وقول ابن عباس: "ص" ليس من عزائم السجود، أن سجود التلاوة غير واجب، وفيه دلالة واضحة على أن اقتداء الأنبياء في ذلك ليس على سبيل الوجوب واللزوم. ومن الأدلة على أن سجود التلاوة ليس بواجب ما أشار إليه الطحاوي من أن الآيات التي في سجود التلاوة: منها ما هو بصيغة الخبر. ومنها ما هو بصيغة الأمر. وقد وقع الخلاف في التي بصيغة الأمر هل هي فيها سجود أو لا. وهي ثانية الحج، وخاتمة النجم، واقرأ. فلو كان سجود التلاوة واجباً لكان ما ورد بصيغة الأمر أولى أن يتفق على السجود فيه ما ورد بصيغة الخبر- انتهى. واختلفوا في مواضع السجود، وفي أنه هل يشترط فيه ما يشترط في الصلاة من الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة وغيرها. أما الأول، فسيأتي الكلام فيه في شرح حديث عمرو بن العاص في الفصل الثاني: وأما الثاني فذهب الجمهور إلى أنه يشترط فيه ما يشترط في الصلاة. وقال جماعة: لا يشترط، منهم ابن عمر والشعبي وأبوعبد الرحمن السلمي. قال البخاري في صحيحه: كان ابن عمر يسجد على غير وضوء. وفي مسند ابن أبي شيبة كان ابن عمر ينزل عن راحلته فيهريق الماء: ثم يركب، فيقرأ السجدة فيسجد وما يتوضأ، ووافقه الشعبي على ذلك، وأخرج عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يقرأ السجدة ثم يسجد وهو على غير وضوء إلى غير القبلة، وهو يمشي يومئ إيماء. وروى البيهقي (ج٢ ص٣٢٥) عن ابن عمر أنه لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر، وجمع بين قوله وفعله بأنه أراد بقوله طاهر الطهارة الكبرى، أو الثاني على حالة الاختيار، والأول على الضرورة، أو الثاني على الأولوية، والأول على الجواز والإباحة. وروى عثمان بن عفان في الحائض تسمع السجدة تومئ برأسها، وبه قال سعيد بن المسيب، قال:

стр. 1349

﴿الفصل الأول﴾ ١٠٣١- (١) عن ابن عباس، قال: ((سجد النبي ﷺ بالنجم، وسجد معه المسلمون، والمشركون، والجن، ــ ويقول اللهم: لك سجدت. ذكره ابن قدامة. قال الأمير اليماني الأصل أنه لا يشترط الطهارة إلا بدليل. وأدلة وجوب الطهارة وردت للصلاة والسجدة فيها، فلا تشمل السجدة الفردة- انتهى. وقال الشوكاني ما ملخصه: ليس في أحاديث سجود التلاوة ما يدل على اعتبار أن يكون الساجد متوضئاً، وهكذا ليس في الأحاديث ما يدل على اعتبار طهارة الثياب والمكان. وأما ستر العورة واستقبال القبلة مع الإمكان، فقيل إنه معتبر اتفاقاً- انتهى. وقال ابن حزم في المحلى (ج١ ص٨٠) : السجود في القرآن ليس ركعة، أو ركعتين، فليس صلاة، وإذا كان ليس صلاة فهو جائز بلا وضوء، وللجنب والحائض وإلى غير القبلة كسائر الذكر. ولا فرق إذ لا يلزم الوضوء إلا للصلاة، ولم يأت بإيجابه لغير الصلاة قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، فإن قيل: السجود من الصلاة وبعض الصلاة صلاة. قلنا: والتكبير بعض الصلاة. والجلوس والقيام والسلام بعض الصلاة، فهل يلتزمون أن لا يفعل أحد شيئاً من هذه الأقوال والأفعال إلا وهو على وضوء؟ لا يقولونه ولا يقوله أحد- انتهى. قلت: عدم الاشتراط هو الأرجح والأقوى عندي، لكن الأحوط في العمل هو ما روي عن ابن عمر أنه لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر. ١٠٣١- قوله: (عن ابن عباس قال: سجد النبي ﷺ بالنجم) أي بسورتها. زاد الطبراني في الأوسط: بمكة. فأفاد أن قصة ابن مسعود الآتية في الفصل الثالث. وقصة ابن عباس هذه متحدة، وإنما سجد النبي ﷺ هذه السجدة امتثالاً لأمر الله سبحانه بالسجود، وشكراً للنعم العظيمة المعدودة في أول السورة من أنه لا ينطق عن الهوى، وقربه من الله تعالى، وأراءته إياه من آياته الكبرى. وفيه دليل على مشروعية السجدة في المفصل، خلافاً لمالك في ظاهر الرواية عنه. (وسجد معه المسلمون) متابعة له ﷺ في امتثال الأمر وإتيان الشكر. (والمشركون) أي الذين كانوا عنده. قال النووي: إنه محمول على من كان حاضراً قراءته. وفيه مشروعية السجود لمن حضر عند القاري للآية التي فيها السجدة. وإنما سجد المشركون لاستماع أسماء آلهتهم من اللات والعزى ومنات. أو لما ظهر من سطوة سلطان العز والجبروت وسطوع الأنوار والكبرياء من توحيد الله عزوجل، وصدق رسول الله ﷺ حتى لم يبق لهم شك ولا اختيار ولا أثر جحود واستكبار إلا من أشقى القوم وأطغاهم وأعتاهم، وهو الذي أخذ كفاً من الحصى أو تراب فرفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا. وسيأتي مزيد الكلام فيه. (والجن) كان ابن عباس استند في ذلك إلى أخبار النبي ﷺ إما مشافهة له وإما بواسطة؛ لأنه لم يحضر القصة لصغره. وأيضاً

стр. 1350

والإنس)) . ــ فهو من الأمور التي لا يطلع الإنسان عليها إلا بتوقيف، وتجويز أنه كشف له عن ذلك بعيد؛ لأنه لم يحضرها قطعاً، قاله الحافظ. وقال شيخه العراقي: الظاهر أن الحديث من مراسيل ابن عباس عن الصحابة، وإنه لم يشهد تلك القصة، خصوصاً إن كانت قبل فرض الصلاة، ومراسيل الصحابة مقبولة على الصحيح. والظاهر أن ابن عباس سمعه من النبي ﷺ يحدث به. (والإنس) إجمال بعد تفصيل نحو قوله تعالى: ﴿تلك عشرة كاملة﴾ [٢: ١٩٦] قاله الكرماني. وزاد صاحب اللامع الصبيح: أو تفصيل بعد إجمال؛ لأن كلاً من المسلمين والمشركين شامل للإنس والجن. قال الكرماني: سجد المشركون مع المسلمين؛ لأنها أول سجدة نزلت، فأرادوا معارضة المسلمين بالسجود لمعبودهم، أو وقع ذلك منهم بلا قصد، أو خافوا في ذلك المجلس من مخالفتهم- انتهى. وفي هذا الأخير نظر؛ لأن المسلمين حينئذٍ هم الذين كانوا خائفين من المشركين لا العكس، وقد ذكر المفسرون في هذه القصة. في تفسير قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ الآية [٢٢: ٥٢] . أنه جرى على لسانه ﷺ من قبل الشيطان الكلمات المشهورة، وهي: تلك الغرانيق (١) العلى. وإن شفاعتهن لترتجى، فلذلك سجد المشركون معه حيث زعموا أنه لا اختلاف بعد ذلك بيننا وبينه؛ لأنه يثني على آلهتنا، لكن لا أصل لهذه القصة عند المحدثين، بل الحق أن هذه الكلمات ما جرت على لسانه ﵇، والقصة موضوعة كما قال الذهبي وغيره من المحدثين. وكيف يظن مثل هذا بأكرم الرسل خير المخلوقات أنه تسلط عليه الشيطان. حاشا جنابه عن نسبة أمثال هذه الواهيات، ثم حاشا هذا، وقد قال تعالى في حق عامة الصلحاء: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [١٥: ٤٢] . فأفاد نفيه بكل الوجوه، فما ظنك بسيد البشر والشفيع المشفع في المحشر، بل الحق أن المشركين إنما سجدوا لغلبة جلاله وجبروته ﵇، وسماع المواعظ البليغة في القرآن، فاضطروا إلى السجود ولم يبق اختيارهم في أيديهم. وكيف يستبعد ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿كلما أضاء لهم مشوا فيه﴾ [٢: ٢٠] وقال: ﴿وجحدوا واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً﴾ [٢٧: ١٤] . كذا في شرح تراجم أبواب صحيح البخاري للشاه ولي الله الدهلوي. قلت: جميع ما يذكر من الروايات في قصة الغرانيق إما مرسلة أو منقطعة لا تقوم الحجة بشيء منها، كما قال البزار والبيهقي وابن خزيمة وابن كثير وغيرهم. فالحق أن هذه القصة مكذوبة باطلة لا يصح فيها شيء من جهة النقل، لأنه لم يروها أحد من أهل الصحة، ولا أسندها ثقة بسند صحيح أو سليم متصل، وإنما رواها المفسرون والمؤرخون والمولعون بكل غريب الملفقون من الصحف كل صحيح وسقيم. وقد دل على عدم ثبوت لهذه القصة اضطراب رواتها، وانقطاع سندها، واختلاف ألفاظها. والذي جاء في الصحيح من حديث ابن مسعود عند الشيخين، وحديث ابن

стр. 1351

عباس هذا لم يذكر فيه أن النبي ﷺ ذكر تلك الألفاظ ولا قرأها. والذي ذكره المفسرون عن ابن عباس في هذه القصة فقد رواه عنه الكلبي، وهو ضعيف جداً، بل متروك لا يعتمد عليه. وكذا أخرجه النحاس بسند آخر، فيه الواقدي. ولا يصح من جهة العقل أيضاً؛ لأن مدح إله غير الله تعالى كفر، ولا يصح نسبة ذلك إلى لسان رسول الله ﷺ ، ومن جوّز على الرسول تعظيم الأوثان فقد كفر؛ لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان، ولو جوز ذلك لارتفع الأمان عن شرعه، وجوزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك، أي مما ألقاه الشيطان على لسانه. ويبطل قوله: ﴿بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ [٥: ٦٧] ، فإنه لا فرق عند العقل بين النقصان من الوحي وبين الزيادة فيه، هذا وقد حاول الحافظ في الفتح: أن يدعي أن للقصة أصلاً حيث قال بعد ذكر طرق عديدة لها أن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلاً، قال وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض، قال وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر، وهو قوله ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى. وإن شفاعتهن لترتجى، فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره؛ لأنه يستحيل عليه ﷺ أن يزيد في القرآن عمداً ما ليس منه، وكذا سهواً إذا كان مغايراً لما جاءته من التوحيد لمكان عصمته، ثم ذكر تأويلات للعلماء، ورد على كل واحد منها إلا تأويلاً واحداً، فأقره وجعله أحسن الوجوه، وهو أنه ﷺ كان يرتل القرآن، فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات، ونطق بتلك الكلمات محاكياً نغمته، بحيث سمعه من دنا إليه، فظنها من قوله وأشاعها. قلت. في هذا التأويل أيضاً نظر، فإن جواز ذلك أيضاً يخل بالوثوق بالقرآن، ويرفع الاعتماد على قوله ﵇ والأمان من شرعه؛ لاحتمال أن يكون ذلك مما نطق به الشيطان في سكتة من سكتاته ﵇، محاكياً نغمته وصوته بحيث سمعه من دنا إليه، فظنه من قوله وأشاعه. وأما قوله: إن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها الخ. ففيه أن هذا ليس قاعدة كلية. قال الزيلعي في نصب الراية (ج ص) : وكم من حديث كثرت رواته وتعددت طرقه، وهو حديث ضعيف، كحديث الطير، وحديث الحاجم والمحجوم، وحديث: من كنت مولاه فعليّ مولاه، بل قد لا يزيد الحديث كثرة الطرق إلا ضعفاً- انتهى كلام الزيلعي. واختلفوا في تفسير قوله تعالى في سورة الحج: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم آياته والله عليم حكيم. ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد﴾ ، ومن أحسن ما قيل فيه: هو أن الله تعالى ما أرسل رسولاً ولا نبياً من الأنبياء إلى أمة من الأمم إلا وذلك الرسول يتمنى الإيمان لأمته، ويحبه لهم ــ

стр. 1352

رواه البخاري. ١٠٣٢- (٢) وعن أبي هريرة، قال: ((سجدنا مع النبي ﷺ في: ﴿إذا السماء انشقت﴾ و. ﴿اقرأ باسم ربك﴾ ــ ويرغب فيه ويحرص عليه غاية الحرص، ويعالجهم أشد المعالجة في ذلك. ومن جملتهم نبينا ﷺ الذي خاطبه الله تعالى بقوله: ﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً﴾ [١٨: ٦] وبقوله: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ [١٢: ١٠٣] ، وبقوله: ﴿أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾ [١٠: ٩٩] ، ثم الأمة تختلف كما قال تعالى: ﴿ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر﴾ [٢: ٢٥٣] ، فمن كفر فقد ألقى إليه الشيطان الوساوس القادحة في الرسالة والنبوة الموجبة لكفره، وكذا المؤمن أيضاً لا يخلو عن وساوس؛ لأنها لازمة للإيمان بالغيب في الغالب، وإن كانت تختلف في الناس بالقلة والكثرة، وبحسب التعلقات. إذا تقرر هذا فمعنى تمنى أنه يتمنى الإيمان لأمته ويحب لهم الخير والرشد والصلاح والنجاح، فهذه هي أمنية كل رسول ونبي، وإلقاء الشيطان فيها يكون بما يلقيه في قلوب أمة الدعوة من الوساوس الموجبة لكفر بعضهم، ثم يرحمهم الله فينسخ ذلك من قلوب المؤمنين، ويحكم فيها الآيات الدالة على الوحدانية والرسالة، ويبقى ذلك في قلوب المنافقين والكافرين، فيفتتنوا به، فخرج من هذا أن الوساوس تلقى أولاً في قلوب الفريقين معاً، غير أنها لا تستمر في قلوب المؤمنين ولا تبقى بل تزول وتنمحى بخلاف المنافقين والكافرين، فإنها تدوم وترسخ في قلوبهم. والله أعلم. وقد بسط العلامة الآلوسي الكلام في تفسير هذه الآية في روح المعاني (ج١٧ ص١٧٢-١٨٦) وأجاد فعليك أن تراجعه. (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي والبيهقي (ج٢ ص٣١٤) . ١٠٣٢- قوله: (سجدنا مع النبي ﷺ في ﴿إذا السماء انشقت﴾ ، و ﴿إقرا باسم ربك﴾ ) هما من المفصل فهو دليل صريح في ثبوت السجود في المفصل مثل الحديث السابق. وشرح الموطأ للزرقاني قال بالسجود في المفصل الخلفاء الأربعة والأئمة الثلاثة وجماعة. ورواه ابن وهب عن مالك وروى عنه ابن القاسم. والجمهور أن لا سجود فيها؛ لأن أبا سلمة قال لأبي هريرة لقد سجدت في سورة ما رأيت الناس يسجدون فيها، فدل هذا على أن الناس تركوه وجرى العمل بتركه. ورده ابن عبد البر. بأن أي عمل يدعى مع مخالفة المصطفى والخلفاء الراشدين بعده وسيأتي مزيد الكلام في ذلك. وروى البخاري وغيره عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة، فقرأ. ﴿إذا السماء انشقت﴾ [٨٤: ١] فسجد فقلت ما هذه؟ قال سجدت فيها خلف أبي القاسم ﷺ ، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه. ورواه ابن خزيمة بلفظ: صليت خلف أبي القاسم فسجد بها، وكذلك أخرجه الجوزقي واستدل به ــ (١) وفي نسخة "رسول الله "

стр. 1353

رواه مسلم. ١٠٣٣- (٣) وعن ابن عمر، قال: ((كان رسول الله ﷺ يقرأ "السجدة" ونحن عنده فيسجد، ونسجد معه، فنزدحم حتى ما يجد أحدنا لجبهته موضعاً يسجد عليه)) ــ البخاري على قراءة السجدة في الصلاة المفروضة الجهرية. وإليه ذهب الشافعي، ولم يفرق بين الفريضة والنافلة والسرية والجهرية، وهو الحق لحديث أبي هريرة السابق، ولما روى أحمد وأبوداود والطحاوي والبيهقي والحاكم عن ابن عمر أن النبي ﷺ سجد في صلاة الظهر ثم قام فركع فرأينا أنه قرأ تنزيل السجدة. وروي عن عمر أنه صلى الصبح فقرأ "والنجم" فسجد فيها. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن الزبير أنه صلى الظهر أو العصر فقال له رجل: صليت خمساً، فقال: إني قرأت بسورة فيها سجدة. وهذا كله حجة على من كره ذلك في الصلاة المفروضة مطلقاً، وهو منقول عن مالك، وعنه كراهته في السرية دون الجهرية، وهو قول بعض الحنفية والحنابلة أيضاً لما أن فيه إيهاماً وتخليطاً على المأموم إن سجد. قال ابن قدامة في المغني: واتباع النبي ﷺ أولى - انتهى. وأما القول بأن المنع لعارض وهو شيوع الجهل فلا يشكل عليه بما ورد في الأحاديث من قراءة آية السجدة في الصلاة المفروضة الجهرية والسرية، ففيه أن الواجب حينئذٍ تعليم الناس السنة، ورفع جهلهم بالعمل بالسنة الثابتة لا تركها لجهلهم. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي. ١٠٣٣- قوله: (يقرأ السجدة) أي آية سجدة متصلة بما قبلها أو بما بعدها أو منفردة لبيان الجواز. وقيل: التقدير يقرأ سورة السجدة، أي سورة فيها آية السجدة. ويؤيده ما في رواية للبخاري: يقرأ علينا السورة التي فيها السجدة. زاد في رواية لأبي داود في غير الصلاة. واحتج به بعضهم على أنه لا يسجد في الفرض. وهذا تمسك بالمفهوم، وهو لا يصلح للاحتجاج به؛ لأن القائل بذلك ذكر صفة الواقعة التي وقع فيها السجود المذكور. وذلك لا ينافي ما ثبت من سجوده ﷺ في الصلاة، كما تقدم. (ونحن عنده) جملة حالية. (فيسجد) ﷺ . (ونسجد) نحن. (معه فنزدحم) لضيق المكان، وكثرة الساجدين. وقال القاري: أي نجتمع حيث ضاق المكان بنا. (حتى ما يجد) بالرفع: وقيل: بالنصب. (أحدنا) أي بعضنا، وليس المراد كل واحد، ولا واحد معين، بل البعض غير المعين. (لجبهته موضعاً يسجد عليه) أي معهم لضيق الموضع، وشدة الزحام. واختلاط الناس. وقوله: يسجد عليه في محل النصب؛ لأنه وقع صفة لموضعاً المنصوب على المفعولية "ليجد". وقد اختلف فيمن لم يجد مكاناً يسجد عليه، فقال عمر يسجد على ظهر أخيه أخرجه البيهقي بسند صحيح. وبه قال الكوفيون وأحمد وإسحاق. وقال عطاء والزهري: يؤخر حتى يرفعوا. وبه قال مالك والجمهور. وهذا الخلاف في سجود الفريضة. قال

стр. 1354

الحافظ: وإذا كان هذا في سجود الفريضة فيجري مثله في سجود التلاوة. ولم يذكر ابن عمر في هذا الحديث ما كانوا يصنعون حينئذٍ، ولذلك وقع الخلاف المذكور. ووقع في الطبراني من طريق مصعب بن ثابت عن نافع في هذا الحديث أن ذلك كان بمكة لما قرأ النبي ﷺ "النجم"، وزاد فيه: "حتى سجد الرجل على ظهر الرجل. قال الحافظ: الذي يظهر أن هذا الكلام وقع من ابن عمر على سبيل المبالغة في أنه لم يبق أحد إلا سجد، قال وسياق حديث الباب مشعر بأن ذلك وقع مراراً، فيحتمل أن تكون رواية الطبراني بينت مبدأ ذلك. ويؤيده ما رواه الطبراني أيضاً من رواية المسور بن مخرمة عن أبيه، قال: أظهر أهل مكة الإسلام، يعني في أول الأمر حتى إن كان النبي ﷺ يقرأ السجدة فيسجد، وما يستطيع بعضهم أن يسجد من الزحام، حتى قدم رؤساء مكة، وكانوا في الطائف، فرجعوهم عن الإسلام. والحديث يدل على مشروعية السجود لمن سمع الآية التي يشرع فيها السجود إذا سجد القاريء لها. واستدل به البخاري على السجود لسجود القاريء حيث بوب عليه باب من سجد لسجود القاريء، وقال ابن مسعود لتميم بن حذلم وهو غلام فقرأ عليه سجدة، فقال: اسجد، فإنك إمامنا فيها. قال الحافظ: في الترجمة. إشارة إلى أن القاريء إذا لم يسجد لم يسجد السامع. ويتأيد بما أخرجه ابن أبي شيبة مرفوعاً من رواية ابن عجلان عن زيد بن أسلم أن غلاماً قرأ عند النبي ﷺ السجدة، فانتظر الغلام النبي ﷺ أن يسجد، فلما لم يسجد قال يا رسول الله! أليس في هذه السجدة سجود؟ قال: بلى. ولكنك كنت إمامنا فيها، ولو سجدت لسجدنا، رجاله ثقات إلا أنه مرسل. وقد روي عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار مرسلاً مرفوعاً نحوه أخرجه الشافعي والبيهقي (ج٢: ص٣٢٤) وقال القسطلاني: معنى قوله: أنت إمامنا أي متبوعناً لتعلق السجدة بنا من جهتك، وليس معناه إن لم تسجد لم نسجد؛ لأن السجدة كما تتعلق بالقاري تتعلق بالسامع غير القاصد السماع والمستمع القاصد، لكنها في المستمع والسامع عند سجود القاريء، آكد منها عند عدم سجوده لما قيل: إن سجودهما يتوقف على سجوده، وإذا سجدا معه فلا يرتبطان به، ولا ينويان الاقتداء به، ولهما الرفع من السجود قبله - انتهى. وقال ابن قدامة: إذ لم يسجد التالي لم يسجد المستمع. (عند الحنابلة، وبه قالت المالكية) وقال الشافعي: يسجد - انتهى. وبه قالت الحنفية. والظاهر عندي ما ذهب إليه الحنابلة والمالكية من أنه إذا لم يسجد القاري لم يسجد السامع لحديث زيد بن أسلم وعطاء، ولأثر ابن مسعود. واختلفوا أيضاً في اشتراط قصد السماع قال ابن قدامة في المغني: يسن سجود للتالي والمستمع لا نعلم في هذا خلافاً. وقد دلت عليه الأحاديث، فأما السامع غير القاصد فلا يستحب له. روى ذلك عن عثمان وابن عباس وعمران، وبه قال مالك. وقال أصحاب الرأي عليه السجود، وروى نحو ذلك عن ابن عمر والنخعي وسعيد بن جبير ونافع وإسحاق؛ لأنه سامع للسجدة، فكان

стр. 1355

متفق عليه. ١٠٣٤- (٤) وعن زيد بن ثابت، قال: ((قرأت على رسول الله ﷺ و"النجم" فلم يسجد فيها)) ــ عليه السجدة كالمستمع. وقال الشافعي: لا أؤكد عليه السجود، وإن سجد فحسن. ولنا ما روى عن عثمان أنه قال: إنما السجدة على من استمع. وقال ابن مسعود وعمران: ما جلسنا لها، وقال سلمان: ما غدونا لها. ونحوه عن ابن عباس، ولا مخالف لهم في عصرهم، إلا قول ابن عمر: إنما السجدة على من سمعها، فيحتمل أنه أراد من سمع عن قصد جمعاً بين أقوالهم - انتهى. واختلفوا أيضاً في اشتراط ذكورة التالي، وكونه مكلفاً لسجود السامع. فذهب الشافعية والحنفية إلى عدم اشتراط ذلك لعموم ما ورد من السجود على السامع، وقالت الحنابلة والمالكية: يشترط لسجود المستمع أن يكون التالي ممن يصلح أن يكون إماماً يصح أن يقتدى به. واستدلوا بما تقدم من قوله ﷺ لتالٍ عنده لم يسجد: كنت أمامنا. وأجاب عنه في البرهان بأن المراد منه كنت حقيقا أن تسجد قبلنا لا حقيقة الإمامة. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أبوداود والبيهقي. ١٠٣٤- قوله: (قرأت على رسول الله ﷺ والنجم) أي سورتها إلى آخرها. (فلم يسجد فيها) لبيان الجواز؛ لأنه لو كان واجباً لأمره بالسجود. واستدل بالحديث من لا يرى السجود في المفصل كمالك، أو أن النجم بخصوصها لا سجود فيها كأبي ثور، وحمل ما جاء في سجود النجم على النسخ لكونه كان بمكة، ولأنه لو كان باقياً من غير نسخ ما عدل أهل المدينة عن العمل به. وأجيب بأن ترك السجود فيها في هذه الحالة لا يدل على تركه مطلقاً لاحتمال أن يكون السبب في الترك إذ ذاك إما لكونه كان بلا وضوء، أو لكون الوقت وقت كراهة فأخره، فظن زيد أنه ترك مطلقاً، أو لكون القارئ إماماً للسامع، فترك السجود إتباعاً لزيد؛ لأنه القارئ فهو إمام، وترك زيد لأجل صغره، أو لعل معنى كلام زيد أنه لم يسجد في الحال، أي على الفور بل أخره، ذكره العيني وغيره من الحنفية، أو ترك حينئذٍ لبيان الجواز. قال الحافظ: وهذا أرجح الاحتمالات، وبه جزم الشافعي؛ لأنه لو كان واجباً لأمره بالسجود ولو بعد ذلك. وقد تقدم حديث ابن عباس وحديث أبي هريرة، وهما صريحان في السجود في المفصل: وكذا حديث ابن مسعود الآتي. وروى البزار والدارقطني عن أبي هريرة أنه قال: إن النبي ﷺ سجد في سورة النجم وسجدنا معه. قال الحافظ في الفتح: رجاله ثقات. وروى ابن مردويه في تفسيره بإسناد حسنه الحافظ عن أبي هريرة أنه سجد في خاتمة النجم، فسئل عن ذلك، فقال: إنه رأى النبي ﷺ سجد فيها. وقد تقدم أن أبا هريرة إنما أسلم بالمدينة سنة سبع من الهجرة. قال الحافظ: وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن الأسود بن يزيد عن عمر أنه سجد في "إذ السماء انشقت"، ومن طريق نافع عن ابن عمر: إنه

стр. 1356

متفق عليه. ١٠٣٥- (٥) وعن ابن عباس، قال: ((سجدة "ص" ليس من عزائم السجود، وقد رأيت النبي ﷺ يسجد فيها. وفي رواية: قال مجاهد: قلت لابن عباس: أأسجد في "ص" فقرأ: ﴿ومن ذريته داود وسليمان﴾ حتى أتى. ﴿فبهداهم اقتده﴾ ــ سجد فيها. وروى الطبراني بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمر: إنه قرأ النجم في الصلاة فسجد فيها، ثم قام فقرأ "إذا زلزلت". وفي هذا رد على من زعم أن عمل أهل المدينة استمر على ترك السجود في المفصل مطلقاً، أو في الصلاة خاصة. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي والبيهقي. ١٠٣٥- قوله: (سجدة ص) بسكون أو فتح أو كسر، بتنوين وبدونه. وقد تكتب ثلاثة أحرف باعتبار اسمها، ذكره ابن حجر. قال القاري: والأول أولى لما عليه الجمهور من القراء. (ليس) تذكيره؛ لأنها بمعنى السجود. وقال ابن حجر: أي ليس فعلها. (من عزائم السجود) أي ليست مما ورد في السجود فيها أمر ولا تحريض ولا تحضيض ولا حث، وإنما ورد بصيغة الإخبار عن داود ﵇ بأنه فعلها، وسجد نبينا ﷺ فيها اقتداء به لقوله تعالى. ﴿فبهداهم اقتده﴾ [٦: ٩٠] . وفيه دلالة على أن المسنونات قد يكون بعضها آكد من بعض. قال الحافظ: المراد بالعزائم ما وردت العزيمة على فعله كصيغة الأمر مثلاً، بناء على أن بعض المندوبات آكد من بعض عند من لا يقول بالوجوب. وقد روى ابن المنذر وغيره عن علي بإسناد حسن أن العزائم "حم" و"النجم" وإقرأ" و"الم تنزيل". وكذا ثبت عن ابن عباس في الثلاثة الأخر. وقيل: "الإعراف" و"سبحان" و"حم" و"الم" أخرجه ابن أبي شيبة - انتهى. (وقد رأيت النبي ﷺ يسجد فيها) أي في سجدة "ص" في الصلاة وغيرها. وفي البخاري في تفسير "ص" من طريق مجاهد، وكذا لابن خزيمة أنه سأل عن ابن عباس: من أين سجدت في "ص"، ولفظ ابن خزيمة من أين أخذت سجدة "ص" فقال من قوله تعالى. ﴿ومن ذريته داود وسليمان إلى قوله فبهداهم اقتده﴾ ، ففي هذا أنه استنبط مشروعية السجود فيها من الآية. وفي رواية الباب أنه أخذه عن النبي ﷺ ، ولا تعارض بينهما لاحتمال أن يكون استفادة من الطريقين. قال الشوكاني: وإنما لم تكن السجدة في "ص" من العزائم؛ لأنها وردت بلفظ الركوع، فلولا التوقيف ما ظهر أن فيها سجدة. (وفي رواية) أي للبخاري في أحاديث الأنبياء. (فقرأ ومن ذريته) أي من ذرية نوح. ﴿حتى أتي﴾ أي وصل قوله تعالى أو حتى أتى على قوله تعالى. ﴿أولئك الذين هدى الله﴾ . (فبهداهم اقتده) بها السكت

стр. 1357

فقال نبيكم ﷺ ممن أمر أن يقتدى بهم)) رواه البخاري. ــ للجمهور، وبها الضمير للشامي قصرا ومدا، أي افعل كما فعلوا من تبليغ الرسالة، وتحمل الأذى في سبيلي، قاله ابن الملك. والظاهر أن معناه اقتد بسيرهم السنية وأخلاقهم البيهية، كذا في المرقاة. (فقال) أي ابن عباس للإستدلال على إتيان السجدة، ولإستنباط وجه سجود النبي ﷺ فيها، من الآية. (نبيكم ﷺ ) مبتدأ، خبره. (ممن أمر أن يقتدى) بصيغة المعلوم. (بهم) أي بهؤلاء الأنبياء. ومن جملتهم داود، وهو قد سجد لله تعالى، فأنت أولى بالإقتداء بهم، أو به ﵇، فإنه اقتدى بداود، وسجد فيها. وهذا بإطلاقه أيضاً يشمل الصلاة وغيرها. قال الطيبي: الجواب من أسلوب الحكيم، أي إذا كان النبي ﷺ مأموراً بالإقتداء بهم فأنت أولى، وإنما أمر النبي ﷺ بالإقتداء بهم ليستكمل بجميع فضائلهم الجميلة، وخصائلهم الحميدة، وهي نعمة ليس وراءها نعمة، فيجب عليه الشكر لذلك. قال الرازي: الآية دالة على فضل نبينا ﷺ على الأنبياء؛ لأنه تعالى أمره بالإقتداء بهداهم، ولا بد من امتثاله بذلك، فوجب أن يجتمع فيه جميع خصائلهم وخلائقهم المتفرقة - انتهى هذا. وروي النسائي عن ابن عباس مرفوعاً "سجدها داود توبة، ونسجدها شكراً، وقد ذكره المصنف في الفصل الثالث. واستدل الشافعي: بقوله: شكراً على أنه لا يسجد فيها في الصلاة، لأن سجود الشاكر، لا يشرع داخل الصلاة. قال العيني: لا خلاف بين الحنفية والشافعية، في أن "ص" فيها سجدة تفعل، وهو أيضاً مذهب سفيان وابن المبارك وأحمد وإسحاق. غير أن الخلاف في كونها من العزائم، أم لا، فعند الشافعي، ليست من العزائم. وإنما هي سجدة شكر. تستحب في غير الصلاة، وتحرم فيها في الصحيح. وهذا هو المنصوص عنده، وبه قطع جمهور الشافعية. وعند أبي حنيفة وأصحابه، هي من العزائم. وهو قول مالك أيضاً. وعن أحمد كالمذهبين، والمشهور منهما، كقول الشافعي - انتهى. قلت: سجدة "ص" سجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكراً، لما أنعم الله على داود من قبول التوبة. ومع ذلك فهي سجدة تلاوة أيضاً. لأن سجدة التلاوة ليس سبب مشروعيتها إلا التلاوة. وسبب مشروعية هذه السجدة، تلاوة هذه الآية، التي فيها الأخبار عن هذه النعم على داود. وإطماعنا في قيل مثله. فالحق عندي، أن يسجد في "ص" إتباعاً للنبي ﷺ في الصلاة، وخارج الصلاة، لإطلاق الأحاديث، ويرى أن هذه السجدة، ليست من عزائم السجود. كما قال ابن عباس. ولا منافاة بين فعله ﷺ وبين قول ابن عباس. لأن ابن عباس لم ينف السجود في "ص" بل نفي كونه عزيمة، وفعله ﷺ لا يدل على كونه من عزائم السجود. (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والبيهقي وفي الباب عن أبي سعيد عند أبي داود والحاكم وابن خزيمة وأبي هريرة عند الدارقطني والطبراني في الأوسط.

стр. 1358

﴿الفصل الثاني﴾ ١٠٣٦- (٦) عن عمرو بن العاص، قال: ((اقرأني رسول الله ﷺ خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل، وفي سورة "الحج" سجدتين)) ــ ١٠٣٦- قوله (عن عمرو بن العاص قال اقرأني رسول الله ﷺ ) كذا في بعض النسخ بلفظ: اقرآني، وهكذا وقع في جامع الأصول (ج٦: ص٣٦١) وفي بعض نسخ المشكوة، اقرأه أي عمراً. وفي المصابيح، عن عمرو بن العاص، أن النبي ﷺ اقرأه. وكذا وقع في سنن أبي داود وابن ماجه والبيهقي (ج٢: ص٣١٦) . (خمس عشرة سجدة) قال الطيبي: أي حمله أن يجمع في قراءته خمس عشرة سجدة. (في القرآن) قال الجزري في النهاية: إذا قرأ الرجل القرآن، أو الحديث على الشيخ يقول اقرأني فلان، أي حملني أن أقرا عليه- انتهى. وفيه دليل على أن مواضع السجود، خمسة عشرة موضعاً. وإليه ذهب أحمد والليث وإسحاق وابن وهب من المالكية، وابن المنذر من الشافعية، وطائفة من أهل العلم. قال الطيبي: اختلفوا في عدة سجدات القرآن، فقال: أحمد خمس عشرة آخذاً، بظاهر حديث عمرو بن العاص، فادخل سجدة"ص" فيها. وقال الشافعي أربع عشرة سجدة، منها ثنتان في الحج، وثلاث في المفصل، وليست سجدة "ص" منهن، بل هي سجدة شكر. وقال أبوحنيفة: أربع عشرة، فأسقط الثانية من الحج، واثبت سجدة "ص". وقال مالك: إحدى عشرة، فأسقط سجدة "ص". وسجدات المفصل- انتهى. قال الشيخ في شرح الترمذي بعد نقل كلام الطيبي: الظاهر هو ما ذهب إليه الإمام أحمد وهو مذهب الشافعي، أيضاً على ما حكاه الترمذي، وهو رواية عن مالك، ومذهب الليث وغيره، كما تقدم. واعلم أن أول مواضع السجود، خاتمة الأعراف. وثانيهما، عند قوله في الرعد: "بالغدو والآصال". وثالثها، عند قوله في النحل: "ويفعلون ما يؤمرون". ورابعها، عند قوله في بني إسرائيل: "ويزيدهم خشوعا". وخامسها، عند قوله في مريم: "خروا سجداً وبكياً". وسادسها عند قوله في الحج: "إن الله يفعل ما يشاء". وسابعها عند قوله في الفرقان: "وزادهم نفورا". وثامنها عند قوله في النحل: "رب العرش العظيم". وتاسعها عند قوله في الم تنزيل: "وهم لا يستكبرون". وعاشرها عند قوله في ص: "وخر راكعاً وأناب". وعند الحنفية، يسجد عقيب قوله "وحسن مآب". الحادي عشر عند قوله في حم السجدة: "إن كنتم إياه تعبدون". وقال أبوحنيفة والشافعي والجمهور عند قوله: "وهم لا يسأمون". والثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر، سجدات المفصل. والخامس عشر السجدة الثانية من الحج. كذا في النيل. (منها ثلاث في المفصل) وهي "النجم" و"انشقت" و"إقرأ"، وقد علم محالها. (وفي سورة الحج سجدتين) أي (١) وفي نسخة "إقراء"

стр. 1359

رواه أبوداود وابن ماجه. ١٠٣٧- (٧) وعن عقبة بن عامر، قال: ((قلت. يا رسول الله! فضلت سورة "الحج" بأن فيها سجدتين؟ قال نعم، ومن لم يسجدها فلا يقرأ هما)) ــ أي وذكر في الحج، أو اقرأه في الحج، سجدتين. أي عقب ما يشاء، وتفلحون. قال السندي: ومن لا يقول بالثانية يحملها على السجدة الصلاتية لقرانها بالركوع، ويعتذر عن هذا الحديث، بأن في إسناده ابن منين وهو مجهول، كما قاله ابن القطان، لكن قد جاء أحاديث متعددة في الباب، فيؤيد بعضها بعضاً، بحيث يصير الكل حجة - انتهى. قلت الظاهر: أن هذا الحديث حسن، كما ستعرف. وأما حمل السجدة الثانية على سجدة الصلاتية، فسيأتي جوابه مع بسط الكلام في المسألة. (رواه أبوداود وابن ماجه) وأخرجه أيضاً الدارقطني والحاكم والبيهقي، كلهم من طريق الحارث بن سعيد العتقي عن عبد الله بن منين عن عمرو بن العاص، وقد سكت عنه أبوداود والمنذري. وقال الحافظ في التلخيص: حسنه المنذري والنووي، وضعفه عبد الحق وابن القطان - انتهى. قال عبد الحق في أحكامه، وعبد الله ابن منين لا يحتج به، قال ابن القطان: وذلك لجهالته، فإنه لا يعرف. روى عنه غير الحارث بن سعيد، وهو رجل لا يعرف له حال، فالحديث من أجله لا يصح. كذا في نصب الراية (ج٢: ص١٨٠) قلت: عبد الله بن منين بنون مصغراً، وثقه يعقوب بن سفيان، كما في تهذيب التهذيب والتقريب. والحارث بن سعيد العتقي، قال الحافظ في التقريب: إنه مقبول. فالظاهر أن الحديث لا ينحط عن درجة الحسن. ١٠٣٧- قوله: (فضلت) بتقدير همزة الاستفهام. ففي المسند "أفضلت" وهو بضم الفاء من التفضيل. (ومن لم يسجدهما) أي السجدتين. (فلا يقرأهما) أي آيتي السجدة. قال العلامة الشيخ أحمد شاكر، في تعليقه على الترمذي (ج٢: ص٤٧١) : ذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالحديث ظاهر اللفظ، وأن من أتى على آية السجدة، ولم يرد السجود ترك الآية. وعن ذلك استدل به بعضهم على وجوب سجود التلاوة. وأجاب بعض القائلين بأنها سنة، بأن ترك تلاوتها لئلا يتضرر القارئ بترك سنة السجود. وهذا كله عندي غير جيد. بل هو خطأ؛ لأن هذا الكلام من كلام العرب، لا يراد به ظاهره، إنما هو تقريغ وزجر كقوله ﷺ :"إذا لم تستح فاصنع ما شئت" وأمثال ذلك، مما يعرف من قفة كلام العرب ومناحيهم. وإنما يريد ﷺ في هذا الحديث، أن يحض القاري على السجود في الآيتين. فكما أنه لا ينبغي له أن يترك قراءتهما، لا ينبغي له إذا قرأ هما أن يدع السجود فيهما - انتهى. والحديث نص كالحديث السابق أن في سورة الحج سجدتين، وإليه ذهب أحمد والشافعي وإسحاق وأبوثور وابن المنذر، وهو قول عمر وعلي وعبد الله بن عمرو أبي موسى وأبي الدرداء وعمار وأبي عبد الرحمن السلمي

стр. 1360

رواه أبوداود والترمذي. ــ وأبي العالية وزر. وقال ابن عباس: فضلت سورة الحج بسجدتين، قال ابن قدامة بعد ذكر هؤلاء الصحابة والتابعين: لم نعرف لهم مخالفاً في عصرهم، فيكون إجماعاً. وقال أبوإسحاق: أدركت الناس منذ سبعين سنة، يسجدون في الحج سجدتين. وقال ابن عمر: لو كنت تاركاً إحداهما لتركت الأولى. وذلك لأن الأولى إخبار، والثانية أمر. واتباع الأمر أولى - انتهى. وروى البيهقي في المعرفة، وأبوداود في المراسيل عن خالد بن معدان قال: "فضلت سورة الحج بسجدتين". وفي هذا كله رد صريح على أبي حنيفة وغيره، ممكن أنكر السجدة الأخيرة من سورة الحج، محتجاً بأن آخر الحج السجود فيها، سجود الصلاة لاقترانه بالركوع بخلاف الأولى. فإن السجود فيها مجرد عن ذكر الركوع. ولهذا لم يكن قوله تعالى: ﴿يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾ [٤٣:٣] من مواضع السجدات بالاتفاق. قال ابن الهمام: والسجدة الثانية في الحج، للصلاة عندنا، لأنها مقرونة بالأمر بالركوع. والمعهود في مثله من القرآن كونه من أوامر، ما هو ركن الصلاة بالاستقراء نحو ﴿اسجدي واركعي مع الراكعين﴾ انتهى. قلت: لا عبرة بمثل هذا الاستقراء، والرأي الفاسد بعد ما ثبت السجدة الأخيرة من سورة الحج بالأحاديث وآثار الصحابة. فالحق أن في سورة الحج سجدتين، كما ذهب إليه الشافعي وأحمد. قال الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين (ج٢: ص٨) : فأما الرأي فيدخل على فساده وجوه. منها، أنه مردود بالنص. ومنها أن اقتران الركوع بالسجود في هذا الموضع لا يخرجه عن كونه موضع سجدة. كما أن اقترانه بالعبادة التي هي أعم من الركوع، لا يخرجه عن كونه سجدة، وقد صح سجوده في النجم، وقد قرن السجود فيها بالعبادة، كما قرنه بالعبادة في سورة الحج، والركوع لم يزده إلا تاكيداً. ومنها أن أكثر السجدات المذكورة في القرآن متناولة لسجود الصلاة، ثم بينها، ثم قال: فإرادة سجود الصلاة بآية السجدة لا تمنع كونها سجدة، بل تؤكدها وتقويها. ثم ذكر ما يوضح ذلك. ثم قال: وهذا السجود شرعه الله ورسوله عبودية عند تلاوة هذه الآيات وإستماعها، وقربة إليه، وخضوعاً لعظمته، وتذللاً بين يديه. واقتران الركوع ببعض آياته مما يؤكد ذلك ويقويه، لا يضعفه ويوهيه وأما قوله تعالى. ﴿يا مريم اقنتي لربك﴾ الخ، فإنما لم يكن موضع سجدة؛ لأنه خبر خاص عن قول الملائكة، لامرأة بعينها أن تديم العبادة لربها بالقنوت، وتصلي له بالركوع والسجود، فهو خير عن قول الملائكة لها ذلك، وإعلام من الله تعالى لنا، أن الملائكة قالت ذلك لمريم. فسياق ذلك غير سياق آيات السجدات - انتهى. (رواه أبوداود والترمذي) وأخرجه أيضاً ابن عبد الحكم في فتوح مصر (ص٢٨٩) وأحمد في المسند (ج٤: ص١٥١-١٥٥) والدارقطني (ص١٥٧) ، والحاكم (ج١: ص٢٢١- ج٢: ص٢٩٠) والبيهقي (ج٢: ص٣١٧) كلهم من طريق ابن لهيعة، عن مشرع بن هاعان عن عقبة بن عامر. وقد ذكر الحاكم، أنه تفرد به ابن لهيعة. وأكده الحاكم، بأن الرواية صحت فيه من قول عمر وابنه وابن مسعود وابن عباس وأبي الدرداء وأبي موسى وعمار. ثم

стр. 1361

وقال: هذا حديث ليس إسناده بالقوى. وفي المصابيح: "فلا يقرأها" كما في شرح السنة. ١٠٣٨- (٨) وعن ابن عمر: ((أن النبي ﷺ سجد في صلاة الظهر، ثم قام فركع، فرأوا أنه قرأ "تنزيل" السجدة)) . ــ ساقها موقوفة عنهم. وأكده البيهقي، بما رواه في المعرفة من طريق خالد بن معدان مرسلاً. (وقال) أي الترمذي" (هذا حديث ليس إسناده بالقوي) أي للكلام الذي يذكر في ابن لهيعة وابن هاعان. والظاهر أن الحديث حسن، وإسناده قوي. قال ابن القيم: حديث ابن لهيعة يحتج منه، بما رواه عنه عبادلة كعبد الله بن وهب وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن يزيد المقرئ. قال أبوزرعة: كان ابن المبارك وابن وهب، يتبعان أصوله وقال عمرو بن علي: من كتب عنه قبل احتراق كتبه، مثل ابن المبارك وابن المقرئ، أصح ممن كتب بعد احتراقها. قال ابن وهب: كان ابن لهيعة صادقاً. وقد انتقى النسائي هذا الحديث من جملة حديثه، وأخرجه واعتمده، وقال ما أخرجت من حديث ابن لهيعة قط إلا حديثاً واحداً، يعني هذا الحديث، ثم ذكره - انتهى كلام ابن القيم مختصراً. وهذا الحديث، مما رواه عبد الله بن وهب وعبد الله بن يزيد المقرئ مع الآخرين، عن ابن لهيعة، فهو مما يحتج به من أحاديثه. وأما مشرح بن هاعان، فقال الحافظ في التقريب: إنه مقبول. وقال الذهبي في الميزان: صدوق لينه ابن حبان. وقال عثمان بن سعيد عن ابن معين: ثقة. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. فالظاهر أن الحديث لا ينزل عن درجة الحسن. وقد اعتضد بحديث عمرو بن العاص المتقدم، وبرواية خالد بن معدان المرسلة، وبآثار الصحابة. وقال ميرك: كما في المرقاة الحديث صحيح. (وفي المصابيح فلا يقرأها كما في شرح السنة) أي بإعادة الضمير إلى السورة. والمعنى أنه لا يقرأها بكمالها، وقيل: الضمير لآية السجدة. قال ميرك: نقلاً عن التصحيح، كذا وقع في أكثر نسخ المصابيح، فلا يقرأها بغير ميم، وهو غلط. والذي ثبت في أصول روايتنا، فلا يقرأهما بالتثنية - انتهى. وقال التوربشتي: كذا وجدناها في نسخ المصابيح، وهو غلط. والصواب فلا يقرأهما بإعادة الضمير إلى السجدتين، وكذا وجدنا في كتابي أبي داود والترمذي وغيرهما من كتب أهل الحديث. قلت: الأمر كما قال ميرك والتوربشتي. ١٠٣٨- قوله: (سجد) أي سجدة التلاوة (في صلاة الظهر) وفي رواية أحمد، في الركعة الأولى من صلاة الظهر. (ثم قام فركع) قال ابن الملك: يعني لما قام من السجود إلى القيام ركع، ولم يقرأ شيئاً من باقي السورة، وإن كانت القرأة جائزة. قال القاري: بل القراءة أفضل، ولعلها كانت الصلاة تطول، أو تركها لبيان الجواز، مع أنه لا نص في عدم قراءته ﵇ آخر السورة، ثم أنه لم يكتف بالركوع، وإن كان جائز أيضاً، كما هو مذهبنا اختيار للعمل بالأفضل - انتهى. قلت: لا بد للقول بالاكتفاء بالركوع عن السجود من دليل من كتاب أو سنة، ولا يكفي في مثل هذا القياس. (فرأوا) أي علموا. (أنه قرأ تنزيل السجدة) بنصب تنزيل على المفعولية،

стр. 1362

رواه أبوداود. ١٠٣٩- (٩) وعنه: ((أنه كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة، كبر وسجد وسجدنا معه)) . ــ وبرفعه على الحكاية. والسجدة مجرورة. ويجوز نصبها بتقدير أعني، ورفعها بتقدير هو. والمعنى سمعوا بعض قراءته، لأنه كان قد يرفع صوته ببعض ما يقرأ به في الصلوات السرية، ليعلموا سنية قراءة تلك السورة. والحديث يدل على مشروعية سجود التلاوة في الصلاة السرية. وقد تقدم الكلام في ذلك. (رواه أبوداود) من طريق معتمر ويزيد بن هارون وهشيم عن سليمان التيمي عن أمية عن أبي مجلز عن ابن عمر. قال أبوداود: قال محمد بن عيسى يعني شيخه: لم يذكر أمية أحد إلا معتمر. وسكت عنه المنذري، والحديث أخرجه أيضاً أحمد (ج٢: ص٨٣) والطحاوي والحاكم (ج١: ص٢٢١) لكن بإسقاط أمية بين سليمان وأبي مجلز. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي (ج٢: ص٣٢٢) على الوجهين. قال الحافظ في التلخيص (ص١١٤) بعد أن نسب الحديث لأبي داود والحاكم: وفيه أمية شيخ لسليمان التيمي، رواه له عن أبي مجلز، وهو لا يعرف، قاله أبوداود في رواية الرملي عنه. وفي رواية الطحاوي عن سليمان عن أبي مجلز، قال: ولم أسمعه منه، لكنه عند الحاكم بإسقاطه. ودلت رواية الطحاوي على أنه مدلس - انتهى. وقال الذهبي في الميزان (ج١: ص١٢٨) : أمية عن أبي مجلز لاحق لا يدرى من ذا. وعنه سليمان التيمي، والصواب إسقاطه من بينهما - انتهى. وفي تهذيب التهذيب (ج١: ص٣٧٣) أمية عن أبي مجلز عن ابن عمر في الصلاة، قاله معتمر بن سليمان عن أبيه. ورواية غير واحد عن سليمان التيمي عن أبي مجلز، قال الحافظ بعد ذكر قول أبي داود المتقدم في رواية الرملي: ويحتمل أن هذا تصحيف من أحد الرواة، كان عن المعتمر عن أبيه، فظنه عن أمية، ثم كرر وذكر أبيه، والله أعلم. لكن وقع عند أحمد عن يزيد بن هارون عن سليمان عن أبي مجلز به ثم قال: قال سليمان: ولم أسمعه من أبي مجلز. وحكى الدارقطني: أن بعضهم رواه عن المعتمر. فقال عن أبيه، عن أبي أمية، وزيفه، ثم جوز إن كان محفوظاً أن يكون المراد به عبد الكريم بن أبي المخارق، فإنه يكنى أبا أمية، وهو بصري، والله أعلم - انتهى. قلت: قد تحصل من هذا كله أن أمية هذا مجهول، وأن معتمر بن سليمان تفرد بذكره، والصواب أن يكون سليمان عن أبي مجلز بإسقاط أمية بينهما، كما روى غير واحد من أصحاب سليمان. وكذا وقع عند أحمد والطحاوي والحاكم، وعند أبي داود والبيهقي أيضاً في رواية غير المعتمر. وأن سليمان لم يسمع هذا الحديث من أبي مجلز، كما صرح به في رواية أحمد والطحاوي والبيهقي. وأنه دلس في رواية الحاكم. وعلى هذا فالسند منقطع. وفي تصحيح الحاكم لهذا الحديث عندي كلام، والله أعلم. ١٠٣٩- قوله: (فإذا مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا معه) فيه أن المستمع للقرآن إذا قرئ بحضرته

стр. 1363

السجدة، سجد مع القاري. وفيه أنه يشرع التكبير، لسجود التلاوة. وإليه ذهب الشافعي وأحمد وأصحاب الرأي، سواء كان في الصلاة أو غيرها. وبه قال مالك: إذا سجد في الصلاة، واختلف عنه في غير الصلاة، وكان الثوري يعجبه هذا الحديث. قال أبوداود: يعجبه لأنه كبر. أي لأن فيه ذكر التكبير. ولم يرد ذكر التكبير لسجود التلاوة إلا في هذا الحديث. وهل هو تكبير الافتتاح أو النقل؟ قال الأمير اليماني: الأول أقرب، ولكنه يجتزئ بها عن تكبيرة النقل لعدم ذكر تكبيرة أخرى. وقيل: يكبر له. وعدم الذكر ليس دليلاً. وقال في الشرح الكبير (ج١: ص٧٩٣) : لا يشرع في ابتداء السجود أكثر من تكبيرة. وقال الشافعي: إذا سجد خارج الصلاة كبر تكبيرتين للافتتاح والسجود، كما لو صلى ركعتين. ولنا حديث ابن عمر، وظاهره أنه كبر واحدة، ولأن معرفة ذلك من الشرع، ولم يرد به، ولأنه سجود منفرد، فلم يشرع فيه تكبيران كسجود السهو، وقياسهم يبطل بسجود السهو. وقياس هذا على سجود السهو أولى من قياسه على الركعتين لشبه به، ولأن الإحرام بركعتين يتخلل بينه وبين السجود أفعال كثيرة، فلذلك لم يكتف بتكبيرة الإحرام، عن تكبيرة السجود بخلاف هذا - انتهى. ويشرع أيضاً التكبير لرفع الرأس من سجود التلاوة عند الشافعي وأحمد وأصحاب الرأي في الصلاة وغيرها. ولا دليل على ذلك إلا اعتباره بسجدة الصلاة، وبسجود السهو بعد السلام. واختلفوا في رفع اليدين مع تكبير السجود، فعند الحنفية لا يرفع سواء كان في الصلاة أو غيرها. وقال الشافعي وأحمد: يرفع يديه في تكبيرة الابتداء إن سجد خارج الصلاة؛ لأنه تكبيرة الإحرام، وإن كان في الصلاة فكذلك، نص عليه أحمد لما روى وائل بن حجر: أنه رأى النبي ﷺ يكبر إذا خفض، ويرفع يديه في التكبير. قال أحمد: هذا يدخل في هذا كله. ورواية أخرى عنه لا يرفع يديه في الصلاة، اختاره القاضي. قال في الشرح الكبير: وهو قياس المذهب لقول ابن عمر: وكان لا يفعل ذلك في السجود، متفق عليه. ويتعين تقديمه على حديث وائل بن حجر؛ لأنه أخص منه، ولذلك قدم عليه في سجود الصلاة كذلك ههنا - انتهى. واختلفوا أيضاً في التشهد والتسليم بعد سجود التلاوة والقيام قبله. فذهبت الحنفية إلى أنه لا تشهد فيه، ولا تسليم. واختلفوا في القيام، فقيل: يستحب أن يقوم فيسجد، روي ذلك عن عائشة، ولأن الخرور الذي مدح به أولئك فيه أكمل. وقيل: لا يستحب القيام. كذا في المرقاة. والمشهور عن أحمد أن التسليم واجب. وروي عنه أنه لا تسليم فيه، قال أحمد: أما التسليم فلا أدري ما هو؟ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ فيه سلام. واختلف قول الشافعي فيه. وأما التشهد فنص أحمد على أنه لا يفتقر إليه، لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه. واختار أبوالخطاب أنه يفتقر إلى التشهد قياساً على الصلاة كذا في الشرح الكبير. والحق عندنا أنه لا يشرع الرفع مع تكبير السجود، سواء كان في الصلاة أو في غيرها، وكذا

стр. 1364

رواه أبوداود. ١٠٤٠- (١٠) وعنه أنه قال: ((إن رسول الله ﷺ قرأ عام الفتح سجدة، فسجد الناس كلهم، منهم الراكب والساجد على الأرض، حتى إن الراكب ليسجد على يده)) رواه أبوداود. ــ لا يشرع فيه التشهد والتسليم والقيام؛ لأن معرفة ذلك من الشارع. ولم ينقل فيه شيء عن النبي ﷺ ، ولا يجزئ القياس فيه. (رواه أبوداود) وأخرجه البيهقي (ج٢: ص٣٢٥) من طريقه، وسنده لين، لأنه من رواية عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري. وقد تكلم فيه غير واحد. وقال الذهبي: صدوق في حفظه شيء. وأخرج له مسلم مقروناً بأخيه عبيد الله بن عمر. والحديث أخرجه الحاكم أيضاً، لكن من رواية أخيه عبيد الله المصغر، وهو ثقة، ولهذا قال: حديث صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. قال الحافظ: وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر بلفظ آخر. ١٠٤٠- قوله: (قرأ عام الفتح) أي فتح مكة. (سجدة) أي آية سجدة، بانضمام ما قبلها أو بعدها، أو منفرداً لبيان الجواز. (والساجد) أي ومنهم الساجد. (على الأرض) متعلق بالساجد، ولما كان الراكب لا يسجد على الأرض جعل غير الساجد عليها قسيماً له. ففيه إيماء إلى أن الراكب لا يلزمه النزول للسجود على الأرض. (حتى إن الراكب) بكسر إن وتفتح. (ليسجد على يده) أي الموضوعة على السرج أو غيره، ليجد الحجم حالة السجدة، قال القاري: والحديث نص في جواز سجود الراكب على يده، في سجود التلاوة. وهو يدل على جواز سجود التلاوة، لمن كان راكباً من دون نزول، لأن التطوعات على الراحلة جائزة. وهذا منها. قال ابن قدامة في المغني (ج١: ص٦٥٨) : إذا كان على الراحلة في السفر، جاز أن يومئ بالسجود، حيث كان وجهه كصلاة النافلة، فعل ذلك علي وسعيد بن زيد وابن عمر وابن الزبير والنخعي وعطاء. وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي. وقد روى أبوداود عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قرأ عام الفتح، الحديث. ولأنها لا تزيد على صلاة التطوع، وهي تفعل على الراحلة، وإن كان ماشياً سجد على الأرض. وبه قال أبوالعالية وأصحاب الرأي، لما ذكرنا من الحديث والقياس. وقال الأسود بن يزيد وعطاء ومجاهد: يومئ، وفعله علقمة وأبوعبد الرحمن السلمي - انتهى. (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً الحاكم والبيهقي، كلهم من طريق مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير عن نافع عن ابن عمر. وقد سكت عنه أبوداود. وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، فإنهما لم يخرجا عن مصعب بن ثابت، ولم يذكراه بجرح، وأقره الذهبي. وقال المنذري: في إسناده مصعب بن ثابت، وقد ضعفه غير واحد من الأئمة - انتهى. قلت: ضعفه أحمد وابن معين. وقال النسائي والدارقطني: ليس بالقوي. وقال أبوحاتم: صدوق كثير الغلط ليس بالقوي. وقال الحافظ في التقريب: لين الحديث، وكان عابداً.

стр. 1365

١٠٤١- (١١) وعن ابن عباس. ((أن النبي ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة)) رواه أبوداود. ١٠٤٣- (١٢) وعن عائشة، قالت: ((كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن بالليل: "سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره بحوله وقوته")) ــ ١٠٤١- قوله: (لم يسجد في شيء، من المفصل منذ تحول إلى المدينة) قد احتج به لمالك في ترك السجود في المفصل، وتعقب بأنه حديث ضعيف، لا يصلح للإحتجاج. كما ستعرف. وإن صح لم يلزم منه حجة، لأن الأحاديث المقدمة مثبتة، وهي مقدمة على النفي، ولا سيما مع إجماع العلماء، على أن إسلام أبي هريرة، كان سنة سبع من الهجرة، وهو يقول في حديثه السابق: سجدنا مع رسول الله ﷺ في ﴿إذا السماء انشقت﴾ و ﴿إقرأ باسم ربك﴾ . (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً ابن السكن في صحيحه، والبيهقي (ج٢: ص٣٣) وفي إسناده أبوقدامة الحارث بن عبيد الايادي البصري، عن مطر الوراق. وأبوقدامة قال أحمد بن حنبل: مضطرب الحديث. وقال ابن معين: ضعيف. وقال النسائي: ليس بذاك القوي. وقال أبوحاتم: ليس بالقوي. يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن حبان: كان ممن كثر وهمه، حتى خرج من جملة من يحتج بهم إذا انفردوا. وقال الساجي: صدوق عنده مناكير، واستشهد به البخاري متابعة في موضعين. ومطر الوراق كان سيء الحفظ، حتى كان يشبه في سوء الحفظ بمحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد عيب على مسلم إخراج حديثه، وقال المنذري: في إسناده أبوقدامة، لا يحتج بحديثه، وقد صح أن أبا هريرة سجد مع النبي ﷺ في السنة السابعة من الهجرة - انتهى. وقال ابن عبد البر: هذا حديث منكر. وأبوقدامة ليس بشيء. وأبوهريرة لم يصحب النبي ﷺ إلا بالمدينة، وقد رآه يسجد في "الانشقاق" و"العلق" – انتهى. وقال النووي: حديث ضعيف، لا يصح الاحتجاج به. وقال عبد الحق في أحكامه: إسناده ليس بالقوي، ويروى مرسلاً. والصحيح حديث أبي هريرة. (يعني الذي تقدم آنفاً) ، وإسلامه متأخر. ١٠٤٢- قوله: (في سجود القرآن) أي في سجود التلاوة. (بالليل) حكاية للواقع لا للتقييد به. (سجد وجهي) بفتح الياء وسكونها. (الذي خلقه وشق سمعه وبصرة) تخصيص بعد تعميم، أي فتحهما وأعطاؤهما الإدراك وأثبت لهما الإمداد بعد الإيجاد. (بحوله) أي بصرفه الآفات عنهما. (وقوته) أي قدرته بالثبات، والإعانة عليهما. والحديث أخرجه الحاكم والبيهقي، وصححه ابن السكن، وقال في آخره: "ثلاثا"، وزاد الحاكم

стр. 1366

رواه أبوداود والترمذي والنسائي. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ١٠٤٣- (١٣) وعن ابن عباس ﵄، قال: ((جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! رأيتني الليلة، وأنا نائم كأني أصلي خلف الشجرة، فسجدت، فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها تقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود. ــ "فتبارك الله أحسن الخالقين" وزاد البيهقي "وصوره" بعد قوله: خلقه. ولمسلم نحوه من حديث علي في سجود الصلاة، وللنسائي أيضاً نحوه من حديث جابر في سجود الصلاة أيضاً. وفيه وفي الحديث الآتي دليل على مشروعية الذكر في سجود التلاوة بما اشتملا عليه، ويقول ذلك فيه، في الصلاة فريضة كانت أو نافلة وفي غير الصلاة. ولا حجة لمن حمله على خارج الصلاة، أو على النافلة. (رواه أبوداود والترمذي والنسائي) وأخرجه أيضاً الدارقطني والحاكم (ج١ ص٢٢٠) ، والبيهقي (ج٢ ص٢٢٥) ، وابن السكن، وسكت عنه أبوداود، وقال الحاكم: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. (وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح) نقل المنذري كلام الترمذي هذا وأقره. ١٠٤٣- قوله: (جاء رجل) هو أبوسعيد الخدري، كما جاء مصرحاً به، من روايته، عند أبي يعلى والطبراني في الأوسط، ذكرها الهيثمي، في مجمع الزوائد (ج٢ ص٢٨٤-٢٨٥) ، وقال: وفيه اليمان بن نصر، قال الذهبي: مجهول. (رأيتني ليلة) أي أبصرت ذاتي البارحة. (وأنا نائم) حال فاعل أو مفعول. وفي رواية البيهقي: رأيت البارحة فيما يرى النائم. (فسجدت) أي سجدة تلاوة في سورة "ص" كما في رواية البيهقي. (فسمعتها) أي الشجرة. (اكتب لي) أي أثبت لأجلي. (بها) أي بسبب هذه السجدة أو بمقابلتها. والضمير للسجدة المفهومة من سجدت. (عندك) ظرف لأكتب. (وضع) أي أحطط، كما في رواية ابن ماجه. وفي حديث أبي سعيد المذكور حط، ووقع في بعض نسخ المشكاة: حط، بدل وضع، وهو غلط، فإن الرواية بلفظ: ضع. وكذا وقع في المصابيح. (وزراً) أي ذنباً. (واجعلها لي عندك ذخراً) أي كنزاً. قيل: ذخراً بمعنى أجراً، وكرر لأن مقام الدعاء يناسب الإطناب. وقيل: الأول طلب كتابة الأجر، وهذا طلب بقائه سالماً من محبط ومبطل. قال القاري: هذا هو الأظهر. (كما تقبلتها من عبدك داود) فيه إيماء إلى أن سجدة "ص" للتلاوة. قال السيوطي في قوت المغتذي على جامع الترمذي: قال القاضي أبوبكر بن العربي: عسير علي في هذا الحديث أن يقول أحد ذلك، فإن فيه طلب قبول مثل ذلك القبول،

стр. 1367

قال ابن عباس: فقرأ النبي ﷺ سجدة ثم سجد، فسمعته وهو يقول: مثل ما أخبره الرجل، عن قول الشجرة)) رواه الترمذي، وابن ماجه، إلا أنه لم يذكر: (وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود) . وقال الترمذي: هذا حديث غريب. ــ وأين ذلك اللسان، وأين تلك النية. قلت: ليس المراد المماثلة من كل وجه، بل في مطلق القبول، وقد ورد في دعاء الأضحية "وتقبل مني كما تقبلت من إبراهيم خليلك، ومحمد نبيك" وأين المقام من المقام، ما أريد بهذا إلا مطلق القبول. وفيه إيماء إلى الإيمان بهؤلاء الأنبياء. وإذا ورد الحديث بشيء اتبع، ولا إشكال- انتهى. قال السندي: ولا يخفى، أن اعتبار التشبيه في مطلق القبول، يجعل الكلام قليل الجدوى. ولو قيل: وتقبلها مني قبولاً، مثل ما تقبلتها من عبدك داود، في أن كلاً منهما فرد من أفراد مطلق القبول، لم يكن في التشبيه كثير فائدة، ولم يكن إلا تطويل بلا طائل. والأقرب أن يعتبر التشبيه في الكمال، ويعتبر الكمال في قبول، كل بحسب مرتبته- انتهى. (فقرأ النبي ﷺ سجدة) أي آية سجدة سورة "ص"، كما في حديث أبي سعيد الخدري. قال ابن حجر: يحتمل أنه قصدها ليبين مشروعية ما سمعه أبوسعيد بالفعل، الذي هو أبلغ من القول، وأن يكون قراءته وقعت اتفاقاً، فبين مشروعية ذلك فيها. (رواه الترمذي وابن ماجه) وأخرجه أيضاً ابن حبان وابن خزيمة في صحيحهما، والحاكم (ج١ ص٢١٩-٢٢٠) والبيهقي (ج٢ ص٣٢٠) . (وقال الترمذي: هذا حديث غريب) وفي نسخة الشيخ محمد عابد السندي: هذا حديث حسن غريب، كما ذكره الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على الترمذي. وفي سنده محمد بن يزيد بن خنيس عن الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد. ومحمد بن يزيد هذا مقبول، قاله الحافظ في التقريب. وقال أبوحاتم: كان شيخاً صالحاً كتبنا عنه بمكة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان من خيار الناس، ربما أخطا، يجب أن يعتبر بحديثه إذا بين السماع في خبره- انتهى. قلت: روى محمد بن يزيد هذا الحديث، عن الحسن بن محمد بلفظ التحديث عند الترمذي والحاكم. وأما الحسن بن محمد، فقال العقيلي لا يتابع على حديثه، وليس بمشهور النقل. وحكى الذهبي عمن لم يسمعه: أن فيه جهالة، ولم يرو عنه غير ابن خنيس. وذكره ابن حبان في الثقات، وأخرج هو وابن خزيمة حديثه في صحيحهما. وقال الخليلي لما ذكر حديثه: هذا حديث غريب صحيح من حديث ابن جريج، قصد أحمد بن حنبل محمد بن يزيد بن خنيس وسأل عنه، وتفرد به الحسن بن محمد المكي، وهو ثقة، نقل ذلك الحافظ في تهذيب التهذيب (ج٢ ص٣١٩) . وقال الحاكم بعد إخراجه: هذا حديث صحيح، رواته مكيون، لم يذكر واحد منهم يخرج، وهو من شرط الصحيح، ولم يخرجاه. وقال الذهبي: صحيح ما في رواته مجروح- انتهى. وقد ظهر بهذا كله أن هذا الحديث لا ينحط عن درجة الحسن. وهو يدل على صحة ما في مخطوطة الشيخ محمد عابد السندي من قول الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

стр. 1368

﴿الفصل الثالث﴾ ١٠٤٤- (١٤) عن ابن مسعود: ((أن النبي ﷺ قرأ "والنجم" فسجد فيها، وسجد من كان معه، غير أن شيخاً من قريش أخذ كفاً من حصى- أو تراب- فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا. قال عبد الله: فلقد رأيته بعد قتل كافراً)) متفق عليه. وزاد البخاري في روايته: وهو أمية بن خلف. ــ ١٠٤٤- قوله: (قرأ والنجم) أي سورة النجم إلى آخرها بمكة. (فسجد فيها) أي في آخرها، أو لما فرغ من قراءتها. (وسجد من كان معه) أي من كان حاضراً، قراءته من المسلمين والمشركين والجن والإنس، كما تقدم عن ابن عباس، حتى شاع أن أهل مكة أسلموا. (غير أن شيخاً من قريش) هو أمية بن خلف، كما يأتي. (أخذ كفاً من حصى) أي حجارة صغار. (أو تراب) شك ممن الراوي. (فرفعه) أي كفه. (إلى جبهته) وفي رواية للبخاري: فسجد عليه. (يكفيني) فإن المقصود من السجود، التواضع والانقياد والمذلة بين يدي الله، ووضع أشرف الأعضاء في أخس الأشياء، وهذا لما في رأسه من توهم الكبرياء والاستنكاف. (قال عبد الله) أي ابن مسعود. (فلقد رأيته) أي الشيخ المذكور. (بعد) أي بعد هذه القضية. (قتل كافراً) أي ببدر. والحديث فيه مشروعية السجود لمن حضر عند القاري للآية التي فيها السجدة: واستدل به على جواز السجود بلا وضوء، لأنه يبعد في العادة أن يكون جميع من حضر من المسلمين كانوا عند قراءته الآية على وضوء، لأنهم لم يتأهبوا لذلك، وإذا كان كذلك فمن بادر منهم إلى السجود بلا وضوء، وأقره النبي ﷺ على ذلك، دل ذلك على عدم وجوب الوضوء لسجود التلاوة. ويؤيده ما تقدم في رواية ابن عباس من التسوية، في السجود بين المسلمين والمشركين، وفيهم من لا يصح منه الوضوء، فيلزم أن يصح السجود ممن كان بوضوء، وممن لم يكن بوضوء. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أبوداود والبيهقي. (وزاد البخاري وفي رواية) أي في تفسير سورة النجم. (وهو أمية بن خلف) أخو أبي بن خلف بن وهب. وقيل: الشيخ المذكور هو الوليد بن المغيرة، كما وقع في سيرة ابن إسحاق. وفيه نظر، لأنه لم يقتل. وقيل: هو عتبة بن ربيعة، كما في تفسير سنيد. وقيل: إنه أبوأحيحة سعيد بن العاص، رواه الطبري. وقيل: أبولهب، ذكره أبوحبان في تفسيره من غير مستند. وقيل: المطلب بن أبي وداعة، رواه النسائي والبيهقي (ج٢ ص٣١٤) وفي مصنف ابن أبي شيبة عن أبي هريرة، سجدوا في النجم، إلا رجلين من قريش، أرادا بذلك الشهرة. قال القسطلاني والمنذري: الأول أصح، وهو الذي ذكره البخاري. وقال الحافظ

стр. 1369

١٠٤٥- (١٥) وعن ابن عباس، قال: ((إن النبي ﷺ سجد في "ص" وقال: سجدها داود توبة، ونسجدها شكراً)) رواه النسائي. (٢٢) باب أوقات النهي ــ في الفتح: ومهما ثبت من ذلك فلعل ابن مسعود لم يره، أو خص واحداً بذكره لاختصاصه بأخذ الكف من التراب دون غيره. ١٠٤٥- قوله: (سجد في ص) أي في سورة "ص" مكان سجدتها وهو ﴿أناب﴾ وقيل: ﴿حسن مآب﴾ [٣٨: ٤٠] (توبة) أي لأجل التوبة. (ونسجدها شكراً) منا على قبول توبته، وتوفيق الله تعالى إياه عليها، فحين يجري في القرآن، ذكر من الله تعالى لتلك التوبة، نشكره تعالى على تلك النعمة. وكون السجدة للشكر. لا يلزم منه أن لا يكون سجدة تلاوة. لأن سجدة التلاوة، لا شك أنها تتعلق بقراءة آية السجدة أو سماعها، وتقع السجدة عند ثبوتهما. وهذا هو معنى سجدة التلاوة، سواء يكون السبب فيها أمراً بإيقاعها أو شكراً أو غير ذلك. والحاصل: أن غاية ما في هذا الحديث، أنه بين السبب في حق داود والسبب في حقنا. وكونها للشكر في حقنا، لا ينافي كونها سجدة التلاوة. فالحق أنه يسجد فيها في الصلاة وغير الصلاة، خلافاً للشافعي. وقد تقدم شيء من الكلام في ذلك. (رواه النسائي) من طريق حجاج بن محمد عن عمر بن ذر عن أبي سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال الحافظ في الدراية: رواته ثقات. وقال ابن كثير: رجاله على شرط البخاري- انتهى. وأخرجه أيضاً الشافعي في الأم والدارقطني والبيهقي (ج٢ ص٣١٩) ، وصححه ابن السكن، وقال البيهقي روي مرسلاً وموصولاً، والمرسل هو المحفوظ، والموصول ليس بقوي. (باب أوقات النهي) مصدر بمعنى المنهي، أي باب الأوقات المنهي عن الصلاة فيها. ومحصل ما ورد من الأخبار في تعيين الأوقات، التي نهى عن الصلاة فيها، أنها خمسة: ١- عند طلوع الشمس، ٢- وعند غروبها، ٣- وبعد الصلاة الصبح، ٤- وبعد صلاة العصر، ٥- وعند الاستواء. وترجح بالتحقيق إلى ثلاثة: ١- وقت استواء الشمس، ٢- ومن بعد صلاة الصبح إلى أن ترتفع الشمس، فيدخل فيه الصلاة عند طلوع الشمس، ٣- ومن بعد صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس، ويدخل فيه الصلاة عند غروب الشمس. واختلف العلماء من أوقات النهي في موضعين: أحدهما في عددها، والثاني في الصلوات التي يتعلق النهي عن فعلها فيها. وسبب الخلاف في الأول، أحد شيئين: إما معارضة أثر لأثر، وإما معارضة الأثر للعمل، عند من راعاه، أعني عمل أهل المدينة، وهو مالك بن أنس. وأما سبب الخلاف في الثاني فهو اختلافهم في الجمع، بين العمومات الواردة في ذلك، وأي يخص بأي. كما سنذكر ذلك مجملاً. وقد بسطه ابن الرشد في بداية المجتهد (ج١ ص٧٩)

стр. 1370

أحسن بسط، وإن كان فيه نوع من القصور في بيان مسالك الأئمة، وسبب اختلافهم، مع عدم ذكر مذهب الحنابلة رأساً، كما لا يخفى على من له إطلاع على كتب الفروع. قال القاضي البيضاوي: اختلفوا في جواز الصلاة بعد الصبح والعصر، وعند الطلوع والغروب، وعند الاستواء. فذهب داود إلى الجواز مطلقاً. وقد روي عن جمع من الصحابة، فلعلهم لم يسمعوا نهيه ﵇، أو حملوه على التنزيه دون التحريم. قلت: المحكي عن داود أنه ادعى كون أحاديث النهي منسوخة، وبذلك جزم ابن حزم، قال: وخالفهم الأكثرون، فقال الشافعي: لا يجوز فيها فعل صلاة لا سبب لها من النوافل. وأما الذي له سبب أي متقدم كالمنذورة والجنازة وتحية المسجد وسجود التلاوة والشكر وصلاة العيد والكسوف وقضاء الفائتة، فرضاً كانت أو نفلاً. فجائز لحديث كريب عن أم سلمة الآتي، واستثني أيضاً مكة واستواء الجمعة لحديثي جبير بن مطعم وأبي هريرة الآتيين في الفصل الثاني. وقال أبوحنيفة: يحرم فعل كل صلاة في الأوقات الثلاثة، سوى عصر يومه، ويحرم المنذورة والنافلة بعد صلاة الصبح. والعصر دون المكتوبة الفائتة وسجدة التلاوة وصلاة الجنازة. وقال مالك: يحرم وقت طلوع والغروب، وبعد صلاة الصبح وبعد العصر، النوافل مطلقاً ذات سبب كانت أو غير ذات سبب دون الفرائض، إلا صلاة الجنازة وسجدة التلاوة بعد صلاة الصبح قبل الإسفار، وبعد صلاة العصر قبل الاصفرار، واستثنى وقت الاستواء فالأوقات المنهي عنها عنده أربعة الطلوع والغروب، وبعد صلاة الصبح، وبعد العصر. وقال أحمد: الأوقات المنهي عنها خمسة. (كما هي عند الشافعي وأبي حنيفة) ، قال يحرم فيها النوافل دون الفرائض والصلاة المنذورة وتحية المسجد حال خطبة الجمعة وركعتي الطواف، فرضاً كان الطواف أو نفلاً - انتهى بزيادة وأيضاًح. والراجح عندي أن الأوقات المنهي عنها خمسة، كما ذهب إليه الشافعي وأحمد وأبوحنيفة، ويستثنى منها استواء الجمعة ومكة، كما قال به الشافعي: قال الشوكاني في الدرر البهية: أوقات الكراهة في غير مكة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس، وعند الزوال غير يوم الجمعة، وبعد العصر حتى تغرب- انتهى. وأما الصلوات التي يتعلق النهي عنها فيها، فسيأتي بيان ما هو الراجح في ذلك. تنبيه: قال بعض العلماء المراد بحصر الكراهة في الأوقات الخمسة انما هو بالنسبة إلى الأوقات الأصلية وإلا فقد ذكروا أنه يكره التنفل وقت إقامة الصلاة ووقت صعود الإمام لخطبة الجمعة، وفي حالة الصلاة المكتوبة، جماعة لمن لم يصلها، وعند المالكية كراهة التنفل بعد الجمعة حتى ينصرف الناس. وعند الحنفية كراهة التنفل قبل صلاة المغرب، وسيأتي ثبوت الأمر به. (في باب السنن) ، ذكره الحافظ في الفتح.
следующие страницы →