← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ولا أجد ما أتزوج به النساء، كأنه يستأذنه في الاختصاء، قال: فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك، فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك، فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك، فقال النبي ﷺ : ((يا أباهريرة جف القلم بما أنت لاق، فاختص على ذلك أو ذر)) رواه البخاري. ٨٩- (١١) وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن ــ المشقة على الإنسان واكتساب المأثم والزنا، والمراد هنا: الوقوع في الهلاك بالزنا. (كأنه يستأذنه في الاختصاء) هذا كلام أحد الرواة، وقيل: هو قول الراوي عن أبي هريرة، وليس هذا في البخاري. وعند أبي نعيم "فأذن لي أختص"، والاختصاء - بالمد - هو الشق على الأنثيين وانتزاعهما. (فسكت عني) أي عن جوابي. (ثم قلت مثل ذلك) أي في الرابعة إلحاحاً ومبالغة. (جف القلم) قال التوربشتي: هو كناية عن جريان القلم بالمقادير وإمضائها والفراغ منها. قال الطيبي: هذا من باب إطلاق اللازم على الملزوم؛ لأن الفراغ يستلزم جفاف القلم عن مداده، والمعنى: أن ما كان وما يكون قدر في الأزل، ونفذ المقدور بما كتب في اللوح المحفوظ، فبقي القلم الذي كتب به جافاً لا مداد فيه لفراغ ما كتب به. قال عياض: كتابة الله ولوحه وقلمه من غيب علمه الذي نؤمن به ونكل علمه إليه. (بما أنت لاقٍ) أي جف القلم بالفراغ من كتابة ما هو كائن في حقك، أي قد كتب عليك وقضي ما تلقاه في حياتك، والمقدر لا يتبدل بالأسباب، فلا يجوز ارتكاب الأسباب المحرمة لأجله، نعم إذا شرع الله تعالى سبباً أو أوجبه فالمباشرة به شيء آخر. (فاختص) أمر من الاختصاء (على ذلك) في موضع الحال، يعني إذا علمت أن كل شيء مقدر فاختص حال كون فعلك وتركك واقعاً على ما جف القلم، فالجار والمجرور متعلق بمحذوف، أي اختص على حال استعلائك على العلم بأن كل شيء بقضائه وقدره. (أو ذر) أي إن شئت اختصيت بلا فائدة، وإن شئت تركته، وليس هو من باب التخيير والإذن في الخصاء، بل توبيخ وتهديد، كقوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ [١٨: ٢٩] ، والمعني إن فعلت أو لم تفعل فلابد من نفوذ القدر، ومحصل الجواب أن جميع الأمور بتقدير الله في الأزل، فالخصاء وتركه سواء، فإن الذي قدر لابد أن يقع فلا فائدة في الاختصاء، فـ"أو" للتسوية، ووقع في أكثر نسخ المصابيح "فاختصر" بزيادة الراء، بمعنى أن الاختصار على ما ذكرت لك من التقدير والتسليم له، وتركه والإعراض عنه سواء، فإن ما قدر لك فهو لا محالة لاقيك وما لا فلا. (رواه البخاري) في النكاح، وأخرجه أيضاً النسائي. ٨٩- قوله: (بين إصبعين من أصابع الرحمن) هذا من أحاديث الصفات التي نؤمن بها ونعتقد أنها حق من غير تعرض لتأويل ولا لمعرفة المعنى، فالإيمان بها فرض، والامتناع عن الخوض فيها واجب، فالمهتدي من سلك فيها طريق

стр. 177

كقلب واحد يصرفه كيف شاء، ثم قال رسول الله ﷺ : ((اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك)) ، رواه مسلم. ٩٠- (١٢) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة ــ التسليم، والخائض فيها زائغ، والمنكر معطل، والمكيف مشبه، قال الله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [٤٢: ١١] ، وقيل: هذا الحديث من أحاديث الصفات التي تقبل التأويل، فيتأول حسب ما يليق بجلاله الأقدس وكماله الأنفس، فعلى هذا إطلاق الإصبع عليه تعالى مجاز، وهو كما يقال: "فلان في قبضتي"، أي في كفي، لا يراد به أنه حال في كفه، بل المراد تحت قدرتي، ويقال: "فلان بين إصبعي أقلبه كيف شئت"، أي إنه هين علي قهره والتصرف فيه كيف شئت، ومعنى الحديث: أن تقليب القلوب في قدرته يسير، يعني أنه تعالى متصرف في قلوب عباده وغيرها كيف شاء، ولا يمتنع عليها منها شيء ولا يفوته ما أراده، كما لا يمتنع على الإنسان ما كان بين إصبعيه، فخاطب العرب بما يفهمونه، ومثله بالمعاني الحسية تأكيداً له في نفوسهم، وقيل غير ذلك في تأويله، وعندنا التفويض هو المتعين. قال النووي: فإن قيل: فقدرة الله واحدة والإصبعان لتثنية؟ فالجواب: أنه قد سبق أن هذا مجاز واستعارة، فوقع التمثيل بحسب ما اعتادوه غير مقصود به التثنية والجمع - انتهى. وقال في المجمع: هو تمثيل عن سرعة تقلبها، وأنه معقود بمشيئة الله، وتخصيص الأصابع كناية عن أجزاء القدرة والبطش؛ لأنه باليد، والأصابع أجزاءها. (كقلب واحد) بالوصف، يعني كما أن أحدكم يقدر على شيء واحد، الله تعالى يقدر على جميع الأشياء دفعة واحدة لا يشغله شأن، ونظيره قوله تعالى: ﴿ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة﴾ [٣١: ٢٨] ، وليس المراد أن التصرف في القلب الواحد أسهل بالقياس إليه تعالى، إذ لا صعوبة بالقياس إليه تعالى، بل ذلك راجع إلى العباد وإلى ما عرفوه فيما بينهم. (يصرفه) بالتشديد أي يقلب القلب الواحد أو جنس القلب. وفي بعض نسخ المصابيح بتأنيث الضمير أي القلوب. (كيف يشاء) حال عن تأويل هيناً سهلاً لا يمنعه مانع، أو مصدر أي تقليباً سريعاً سهلاً، وفي بعض نسخ صحيح مسلم "حيث يشاء". (صرف قلوبنا على طاعتك) أي إليها أو ضمن معنى التثبيت. ويؤيده ما ورد "ثبت قلبي على دينك". وفيه إرشاد للأمة وإعلام بأن نفسه القدسية الطاهرة المطهرة إذا كانت مفتقرة إلى اللجوء إليه كان غيره أولى وأحرى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي. ٩٠- قوله: (ما من مولود) أي من بني آدم، كما في رواية (إلا يولد) قيل: مولود مبتدأ، ويولد خبره، أي ما من مولود يوجد على أمر من الأمور إلى على هذا الأمر. (على الفطرة) الفطر الابتداء والاختراع. والفطرة الحالة والهيئة منه. واختلف السلف في المراد بالفطرة في الحديث على أقوال كثيرة، أشهرها: أن المراد بها الإسلام، وبه جزم البخاري ورجحه كثير من السلف، ويؤيده ما في رواية "الملة"، بدل الفطرة؛ لأن ما صدقهما واحد، وحديث عياض بن حمار مرفوعاً من الحديث القدسي: ((إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم ... )) الحديث. وقد رواه غيره.

стр. 178

فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة ــ فزاد فيه "حنفاء مسلمين"، ويدل عليه استشهاد أبي هريرة بقوله تعالى: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ [٣٠: ٣٠] ، فقد أجمع أهل التأويل أن المراد بالفطرة في الآية الإسلام. والحديث سبق لبيان ما هو في نفس الأمر لا لبيان أحكام الدنيا، فلا عبرة للإيمان الفطري في أحكام الدنيا، وإنما يعتبر الإيمان الشرعي المكتسب بالإرادة، ألا ترى أنه يقول: "فأبواه يهودانه" في حكم الدنيا، فهو مع وجود الإيمان الفطري فيه محكوم له بحكم أبويه الكافرين، ومعنى قوله ﵇: "طبع كافراً" في حديث موسى والخضر: أي خلق وقدر وجبل أنه لو عاش يصير كافراً، وأن الله علم أنه لو بلغ لكان كافراً، لا أنه كافر في الحال، ولا أنه يجري عليه في الحال أحكام الكفار، وقوله تعالى: ﴿لا تبديل لخلق الله﴾ يؤول بأنه من شأنه أو الغالب فيه أنه لا يبدل، أو يقال: الخبر بمعنى النهي، ولا يجوز أن يكون إخباراً محضاً لحصول التبديل. وقيل: المراد بالفطرة في الحديث وكذا في الآية ما فطر الله الخلق عليه من الهيئة مستعدة لمعرفة الخالق. ومتهيأة لقبول الدين، ومتمكنة من الهدى، ومتأهلة لقبول الحق والتمييز بين حسن الأمر وقبيحه، فلو ترك المولود على ما فطر عليه من التمكن على الهدى والتأهل لقبول الحق والتهيؤ لقبول الدين في أصل الجبلة، ولم يتعرضه آفة من قبل الأبوين وغيرهما لاستمر على لزومه ولم يفارقه إلى غيره، ولم يختر غير هذا الدين الذي حسنه ظاهر عند ذوي العقول وثابت في النفوس. والفطرة بهذا المعنى لا يتهيأ لأحد تبديلها؛ لأن هذا الاستعداد والتهيؤ لا يتبدل، وإن ذهب ذاهب إلى خلاف مقتضاها كانت بحالها حجة عليه، وليس هذا تبديلاً له بل عدم ظهور أثره بالفعل. وهذا أرجح الأقوال عندي وأولاها. ولا يخالفه لفظ "الملة" ولا حديث عياض بن حمار كما لا يخفى على المتأمل. وإلى هذا القول مال القرطبي في المفهم فقال: المعنى أن الله خلق قلوب بني آدم مؤهلة لقبول الحق كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات، فمادامت باقية على ذلك القبول وعلى تلك الأهلية أدركت الحق ودين الإسلام، وهو الدين الحق، وقد دل على هذا المعنى بقية الحديث، حيث قال: "كما تنتج البهيمة ... "الخ، يعني أن البهيمة تلد الولد كامل الخلقة، فلو ترك كذلك كان بريئاً من العيب. لكنهم تصرفوا فيه بقطع أذنه مثلاً، فيخرج عن الأصل، وهو تشبيه واقع وجهه واضح، وهو الذي رجحه التوربشتي في شرح المصابيح، واختاره الطيبي في شرح المشكاة، والشاة ولي الله الدهلوي في حجة الله، وقال في شرح الموطأ: إنه أصح ما قيل في هذا الحديث. (يهودانه) بتشديد الواو، أي يعلمانه اليهودية ويجعلانه يهودياً إذا كانا من اليهود. وذلك بتقدير الله وقضائه لا بخلقهما، فلا حجة فيه للقدرية. وكذا ينصرانه ويمجسان، والفاء في "فأبواه" إما للتعقيب وهو ظاهر، أو للتسبيب، أي إذا تقرر ذلك فمن تغير كان بسبب أبويه غالباً. (كما تنتج) أي تلد (البهيمة) بالرفع، وقوله: "كما" إما حال من الضمير المنصوب في يهودانه مثلاً، أي يهودان المولود بعد أن خلق على الفطرة مشبهاً بالبهيمة التي جدعت بعد أن خلقت سليمة. أو من الضمير المرفوع في "يولد"، شبه ولادته على الفطرة بودلاة البهيمة السليمة، غير أن السلامة حسية ومعنوية،

стр. 179

بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾ )) متفق عليه. ٩١- (١٣) وعن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال: ((إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، ــ أو صفة مصدر محذوف، وما مصدرية، أي يولد على الفطرة ولادة مثل نتاج البهيمة، أو يغيرانه تغييراً كتغييرهم البهيمة، وعلى التقديرين فالأفعال الثلاثة - أعني يهودانه وما عطف عليه - تنازعت في "كما"، وتنتج يروى على بناء الفاعل وبناء المفعول، يقال: نتج الناقة ينتجها: إذا تولى نتاجها حتى وضعت فهو ناتج، وهو للبهائم كالقابلة للنساء. والأصل نتجها أهلها ولداً، ولذا يتعدى إلى مفعولين، فإذا بني للمفعول الأول قيل: نتجت ولداً، إذا وضعته وولدته، وإذا بني للمفعول الثاني قيل: نتج الولد، أي وضع وأنتجت البهيمة ولداً أي وضعته وولدته، والجمعاء التي لم يذهب من بدنها شيء، سميت بذلك لاجتماع سلامة أجزائها من نحو جدع وكي، والجدعاء التي قطعت أذنها أو غيرها من الأعضاء، زاد في المصابيح "حتى تكونوا أنتم تجدعونها"، وكذا في رواية البخاري. (بهيمة) بالنصب على أنه مفعول ثانٍ لتنتج، والأول أقيم مقام فاعله، وقيل: إنه منصوب على الحال بتقدير كون تنتج مجهولاً، أي ولدت في حالة كونها بهيمة، أو على أنه مفعول إذا كان معروفاً من نتج إذا ولد. (هل تحسون) أي تدركون وهو بضم التاء وكسر الحاء (فيها) أي في البهيمة الجمعاء، والمراد بها الجنس، والجملة في موضع الحال، أي بهيمة سليمة مقولاً في حقها هذا القول. (ثم يقول) أي أبوهريرة - كما في رواية - استشهاداً بقوله تعالى: ﴿فطرة الله﴾ أي ألزموها (ذلك) أي التوحيد الذي هو معنى الفطرة، وهو ﴿الدين القيم﴾ أي المستقيم الذي لا عوج له ولا ميل إلى تشبيه وتعطيل ولا جبر ولا قدر. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أبوداود والترمذي، وفي معنى الحديث عن جماعة من الصحابة ذكر أحاديثهم الحافظ ابن كثير في تفسيره. ٩١- قوله: (قام فينا بخمس كلمات) أي بخمس فصول، والكلمة لغة تطلق على الجملة المركبة المفيدة، أي قام فيما بيننا بتبليغ خمس كلمات، أي بسببه، فالجاران متعلقان بالقيام، وقيل: المعنى قام خطيباً فينا مذكراً بخمس كلمات لنا، فقوله: "فينا" و"بخمس" حالان مترادفان أو متداخلان، ويحتمل أن يكون "فينا" متعلقاً بقام على تضمين معنى خطب، و"بخمس" حال، أي خطب قائماً مذكراً بخمس كلمات، وقيل غير ذلك. (إن الله لا ينام) إذ النوم لاستراحة القوى والحواس، وهي على الله تعالى محال. (ولا ينبغي له أن ينام) أي لا يصح ولا يستقيم ولا يمكن له النوم، فالكلمة الأولى دالة على عدم صدور النوم، والثانية للدلالة على استحالته عليه تعالى، ولا يلزم من عدم الصدور استحالته، فلذلك ذكرت الكلمة الثانية بعد الأولى. (يخفض القسط ويرفعه) هذه هي الكلمة الثالثة، قيل: أريد بالقسط الميزان، وسمي الميزان قسطاً لأنه يقع به

стр. 180

يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)) رواه مسلم. ــ العدل في القسمة وغيرها، وهو الموافق لحديث أبي هريرة الآتي: ((يرفع الميزان ويخفضه)) ، والمعنى أن الله يخفض الميزان ويرفعه بما يوزن من أعمال العباد المرتفعة إليه وأرزاقهم النازلة من عنده، كما يرفع الوزان يده ويخفضها عند الوزن، فهو تمثيل وتصوير لما يقدر الله تعالى وينزل، ويحتمل أنه أشار إلى قوله تعالى: ﴿كل يوم هو في شأن﴾ [٥٥: ٢٩] ، أي إنه يحكم بين خلقه بميزان العدل، فأمره كأمر الوزان الذي يزن فيخفض يده ويرفعها، وهذا المعنى أنسب بما قبله، كأنه قيل: كيف كان يجوز عليه النوم وهو الذي يتصرف أبداً في ملكه بميزان العدل، وقيل: أريد بالقسط الرزق؛ لأنه قسط كل مخلوق ونصيبه، وخفضه تقليله ورفعه تكثيره، يخفضه تارة بتقتير الرزق والخذلان بالمعصية، ويرفعه أخرى يتوسيع الرزق والتوفيق للطاعة، ففيه رد على القدرية. (يرفع إليه) أي للعرض عليه، وإن كان هو تعالى أعلم به ليأمر الملائكة بإمضاء ما قضي لفاعله جزاء له على فعله، أو يرفع إلى خزائنه ليحفظ إلى يوم الجزاء. (قبل عمل النهار) أي قبل رفع عمل النهار (وعمل النهار) عطف على عمل الليل (قبل عمل الليل) أي قبل أن يشرع العبد في عمل الليل، أو قبل أن يرفع العمل بالليل، والأول أبلغ؛ لأن الزمن أقصر، ولما فيه من الدلالة على مسارعة الملائكة المؤكلة إلى رفع الأعمال وسرعة عروجهم إلى ما فوق السماوات. (حجابه النور) هذه هي الكلمة الخامسة، وأصل الحجاب هو الستر الحائل بين الرائي والمرئي، والمراد ههنا هو المانع للخلق عن إبصاره في دار الفناء، والكلام في دار البقاء، فلا يرد أن الحديث يدل على امتناع الرؤية في الآخرة، وكذا لا يرد أنه ليس له مانع عن الإدراك فكيف قيل: حجابه النور؟ يريد أن حجابه خلاف الحجب المعهودة، فهو محتجب عن الخلق بأنوار عزه وجلاله وسعة عظمته وكبريائه، وذلك هو الحجاب الذي تدهش دونه العقول وتذهب الأبصار وتتحير البصائر. (لو كشفه) أي رفع ذلك الحجاب وأزاله، هذا هو المتبادر من كشف الحجاب، وقيل: المراد لو أظهره. (سبحات وجهه) بضمتين جمع سبحة - بالضم كغرفة وغرفات، وفسر سبحات الوجه بجلاله وأنواره وبهائه، وقيل: محاسنه؛ لأنك إذا رأيت الوجه الحسن قلت سبحان الله. (ما انتهى) أي وصل (إليه) الضمير لما (بصره) أي بصر الله تعالى، والمعنى لأحرقت سبحات ذاته كل مخلوق انتهى إلى ذلك المخلوق بصره تعالى، ومعلوم أن بصره محيط لجميع الكائنات، فكيف إذا كشف، فهذا كناية عن هلاك المخلوق أجمع، وقيل: الضمير في "بصره" راجع إلى "ما"، وهو موصول مفعول به لأحرقت، وضمير "إليه" راجع إلى وجهه تعالى، والمراد ما انتهى بصره إلى الله تعالى أي كل من يراه يهلك، فكأنهم راعوا أن الحجاب مانع عن إبصارهم، فعند الرفع ينبغي أن يعتبر إبصارهم وإلا فإبصاره تعالى دائم. (من خلقه) بيان لما في قوله "ما انتهى" والمعنى لو أزال المانع من رؤيته وهو الحجاب المسمى نوراً فتجلى لما وراءه من حقائق الصفات وعظمة الذات لأحرق جلال ذاته ونور وجهه جميع مخلوقاته. (رواه مسلم) في الإيمان وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤:ص٣٩٥، ٤٠٥)

стр. 181

٩٢- (١٤) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((يد الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق مذ خلق السماء والأرض فإنه لم يغض ما في يده، وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان يخفض ويرفع، وابن ماجه في السنة وابن حبان، قيل: معنى الحديث مسبوك من معنى آية الكرسي، فهو سيد الأحاديث كما أنها سيد الآيات، ذكره الطيبي ثم بينه وأوضحه فارجع إليه. ــ ٩٢- قوله: (يد الله) الواجب في هذا اللفظ وفي أمثاله الإيمان بما جاء في الحديث والتسليم، وترك التصرف فيه للعقل، وهو مذهب السلف، واختلف المأولون في تأويله، فقيل: المراد باليد النعمة، وفسرها بعضهم بالخزائن، وقال: أطلق اليد على الخزائن لتصرفها فيها، والمعنى بالخزائن قوله ﴿كن فيكون﴾ ، ولذلك لا ينتقص أبداً. (ملأى) على زنة فعلى، تأنيث ملآن، قالوا: المراد به لازمه، وهو أنه في غاية من الغنى، وعنده من الرزق ما لا نهاية له في علم الخلائق، فهو كناية عن كثرة نعمته وغزارتها وجزالة عطاياه وعمومها. (لا تغيضها) بفتح الفوقية، وقيل: بالياء، أي لا تنقصها، لازم ومتعدٍ. (سحاء) بفتح المهملتين مثقل ممدود، على زنة فعلاء، لا أفعل لها، كهطلاء، أي دائمة الصب بالعطاء، من سح يسح - بكسر السين في المضارع، ويجوز ضمها - أي سال وانصب متتابعاً غزيراً، وضبط في مسلم "سحاً" منوناً بلفظ المصدر، أي تسح سحاً. (الليل والنهار) منصوبان على أنهما ظرف لسحاء، والمراد به عدم الانقطاع لمادة عطائه كالعين التي لا يغيضها الاستقاء ولا ينقصها الامتياح، وفي الحديث إشارة إلى أنها المعطية عن ظهر غنى؛ لأن الماء إذا انصب من فوق انصب بسهولة وعفو، وإلى جزالة عطاياه؛ لأن السح يستعمل فيما ارتفع عن حد التقاطر إلى حد السيلان، وإلى أنه لا مانع لها؛ لأن الماء إذا أخذ في الانصباب من فوق لم يستطع أحد أن يرده، وإلى أنه لا انقطاع لها لوصف السح بالدوام. (أرأيتم) أي أخبروني، وقيل: أعلمتم وأبصرتم؟ (ما أنفق) ما مصدرية، أي إنفاق اليد، وقيل: ما موصولة متضمنة معنى الشرط. (فإنه) أي الإنفاق (لم يغض) بفتح الياء وكسر الغين المعجمة، أي لم ينقص. (ما في يده) موصولة مفعول، وقال الطيبي: يجوز أن تكون ملأى ولا تغيضها وسحاء وأرأيتم على تأويل القول - أي مقول فيها - أخباراً مترادفة ليد الله، ويجوز أن تكون الثلاثة الأخيرة أوصافاً لملأى، وأن يكون "أرأيتم" استئنافاً فيه معنى الترقي، وقال أيضاً: لما قيل ملأى أوهم جواز النقصان، فأزال بقوله: "لا تغيضها"، وربما يمتلأ الشيء ولم يغض، فقيل "سحاء"؛ ليؤذن بالفيضان، وقرنهما بما يدل على الاستمرار من ذكر "الليل والنهار"، ثم أتبعها ما يدل على أن ذلك مقرر غير خاف على كل ذي بصر وبصيرة؛ لقوله "أرأيتم"، فإنه خطاب عام والهمزة للتقرير. (وكان عرشه) حال من ضمير خلق إلى آخر ما قال. (وبيده) وفي رواية "وبيده الأخرى" (الميزان) أي ميزان الأعمال والأرزاق. (يخفض ويرفع) أي يخفض من يشاء ويرفع من يشاء، أو ينقص من الرزق ويقتره على من يشاء، ويزيده ويوسعه على من يشاء بمقتضى قدره الذي هو تفصيل لقضائه السابق، أو يخفض ويرفع ميزان أعمال العباد

стр. 182

متفق عليه. وفي رواية لمسلم: ((يمين الله ملأى)) ، قال ابن نمير: ملآن سحاء لا يغيضها شيء الليل والنهار. ٩٣- (١٥) وعنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن ذراري المشركين، قال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) . ــ المرتفعة إليه، يقللها لمن يشاء بالخذلان ويكثرها لمن يشاء بالتوفيق للطاعة، كما يصنعه الوزان عند الوزن يخفض مرة ويرفع أخرى. وأئمة السنة على وجوب الإيمان بهذا وأشباهه من غير تفسير، بل يجرى على ظاهره، ولا يقال كيف، وقال الخطابي: الميزان هنا مثل، والمراد القسمة بالعدل بين الخلق. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي والنسائي في التفسير، وأبوداود وابن ماجه وغيرهم. (وفي رواية لمسلم) في الزكاة (يمين الله) معنى هذا اللفظ كما ذكره المأولون في اليد من المجاز، فليتأمل. والوجه مذهب السلف، قيل: خص اليمين لأنها مظنة العطاء، وورد في بعض الأحاديث: ((وكلتا يديه يمين)) ، أي مباركة قوية قادرة لا مزية لإحداهما على الأخرى. (قال ابن نمير) بضم النون، هو محمد بن عبد الله بن نمير الهمداني الخازني، أبوعبد الرحمن الكوفي، ثقة حافظ فاضل، روى عن خلق كثير، وعنه: البخاري ومسلم وأبوداود وابن ماجه. مات سنة (٢٣٤) . (ملآن) أي روى محمد بن عبد الله بن نمير ملان بالنون وسكون اللام بعدها همزة، وقيل: بفتح اللام بلا همز. قالوا: وهو غلط منه، وصوابه: ملأى بالتأنيث كما في سائر الروايات، ووجهها بعضهم بأن اليمين يذكر ويؤنث كالكف. (الليل والنهار) ظرف لسحاء. ٩٣- قوله: (عن ذراري المشركين) جمع ذرية، وهي نسل الإنس والجن، ويقع على الصغار والكبار، إما من الذر بمعنى التفريق، أو من الذرء بمعنى الخلق، فتركت الهمزة أو أبدلت، والمراد عن حكم أولادهم إذا ماتوا قبل البلوغ أنهم من أهل النار أو الجنة. (الله أعلم بما كانوا عاملين) أي لو أبقاهم، فلا تحكموا عليهم بشيء، وهو صريح في الأمر بالتوقف فيهم، وتمسك به من قال: هم في مشيئة الله، وقد اختلفوا في حكمهم على أقوال كثيرة، أشهرها التوقف، نسب ذلك إلى الأئمة الثلاثة، وعن أحمد روايتان، ثم اختلفوا في معنى التوقف، فقيل: المراد به عدم العلم أو عدم الحكم بشيء، وقال بعضهم: المراد به التوقف في الحكم الكلي، فبعض أولاد المشركين ناجٍ وبعضهم هالك، والصواب عندي أن جميع أولاد المشركين في الجنة، واستدل لهذا بأشياء، منها: حديث إبراهيم الخليل ﷺ حين رآه النبي ﷺ في الجنة وحوله أولاد الناس، وفيه أنه قال الملكان: ((وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة، قال - الراوي -: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ قال: وأولاد المشركين)) رواه البخاري في آخر تعبير الرؤيا من صحيحه. ومنها قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ [١٧: ١٥] ، ولا يتوجه على المولود التكليف حتى يبلغ، وهذا متفق عليه، ومنها حديث أنس أخرجه أبويعلى مرفوعاً: ((سألت ربي اللاهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم، فأعطانيهم)) ، قال الحافظ: إسناده حسن، قال: وورد تفسير اللاهين بأنه الأطفال من حديث ابن عباس مرفوعاً أخرجه البزار، ومنها ما رواه أحمد من طريق خنساء بنت معاوية بن مريم عن عمتها قالت: قلت يا رسول الله من في الجنة؟ قال: ((النبي

стр. 183

متفق عليه. ﴿الفصل الثاني﴾ ٩٤- (١٦) عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أول ما خلق الله القلم، ــ في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة)) ، قال الحافظ: إسناد حسن. ومنها ما رواه عبد الرزاق من طريق أبي معاذ عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: سألت خديجة النبي ﷺ عن أولاد المشركين، فقال: ((هم مع آبائهم، ثم سألته بعد ذلك فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين، ثم سألته بعد ما استحكم الإسلام فنزل ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ قال: ((هم على الفطرة)) أو قال: ((هم في الجنة)) . قال الحافظ: وأبومعاذ هو سليمان بن أرقم وهو ضعيف، ولو صح هذا لكان قاطعاً للنزاع ورافعاً لكثير من الإشكال - انتهى. وقد اختار هذا القول الإمام البخاري والأشعري والنووي والحافظ ابن حجر والإمام ابن القيم وشيخه الإمام ابن تيمية، وهذا الحديث وما في معناه محمول عندهم على أنه كان قبل أن ينزل فيهم شيء، فكان ﷺ عند حدوث هذا السؤال ما أخبر عن حقيقة أمرهم فتوقف فيهم. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً النسائي. ٩٤- قوله: (إن أول ما خلق الله القلم) بالرفع على أنه خبر إن، قال القاري: وروي بالنصب، قال بعض المغاربة: رفع القلم هو الرواية، فإن صح النصب كان على لغة من ينصب خبر إن، وقال المالكي: يجوز نصبه بتقدير "كان" على مذهب الكسائي، كقوله: ياليت أيام الصبا رواجعا وقال المغربي: لا يجوز أن يكون القلم مفعول خلق؛ لأن المراد أن القلم أول مخلوق، وإذا جعل مفعولاً لخلق أوجب أن يقال اسم إن ضمير الشأن و"أول" ظرف فينبغي أن تسقط الفاء من قوله: "فقال" إذ يرجع المعنى إلى أنه قال له اكتب حين خلقه، فلا إخبار بكونه أول مخلوق- انتهى. وإنما أوجب ما ذكر؛ لأنه بدونه يفسد أصل المعني إذ يصير التقدير أن أول شيء خلق الله القلم، وهو غير صحيح. وقيل: لو صحت الرواية بالنصب لم تمنع الفاء ذلك إذ يقدر قبل فقال "أمره" وهو العامل في الظرف، كذا حققه الطيبي، وفيه أنه حينئذٍ لا يكون تنصيص على أولية خلق القلم الذي يدل عليه رواية الرفع الصحيحة، وفي الأزهار: أول ما خلق الله القلم. يعني بعد العرش والماء والريح؛ لقوله ﵊: ((كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء)) ، رواه مسلم. وعن ابن عباس سئل عن قوله تعالى: ﴿وكان عرشه على الماء﴾ على أي شيء كان الماء؟ قال: على متن الريح، رواه البيهقي ذكره الأبهرى، فالأولية إضافية - انتهى كلام القاري. قال الحافظ في الفتح (ج١٣: ص١٨٦) بعد ذكر حديث أبي رزين العقيلي مرفوعاً أن الماء خلق قبل العرش، أخرجه أحمد والترمذي، وروي السدي في تفسيره بأسانيد متعددة أن الله لم يخلق شيئاً مما خلق قبل الماء، وأما ما رواه أحمد والترمذي وصححه من حديث عبادة بن الصامت مرفوعاً: ((إن أول ما

стр. 184

فقال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر، فكتب ما كان وما هو كائن إلى الأبد)) ، رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب إسناداً. ٩٥- (١٧) وعن مسلم بن يسار قال: سئل عمر بن الخطاب عن هذه الآية ــ خلق الله القلم، ثم قال: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة)) . فيجمع بينه وبين ما قبله بأن أولية القلم بالنسبة إلى ما عدا الماء والعرش، أو بالنسبة إلى ما منه صدر من الكتابة، أي أنه قيل له: اكتب أول ما خلق، وأما حديث أول ما خلق الله العقل فليس له طريق ثبت، وعلى تقدير ثبوته فهذا التقدير الأخير هو تأويله، واختلف في أيهما خلق أولاً، العرش أو القلم؟ والأكثر على سبق خلق العرش، واختار ابن جرير ومن تبعه الثاني - انتهى. مختصراً. قال: (ما أكتب) ما استفهامية مفعول مقدم على الفعل. قال: (اكتب القدر) بفتحتين أي المقدر المقضي، وفي جامع الترمذي: ((قال: اكتب القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد)) . أي بغير زيادة لفظ "فكتب" قبل قوله: "ماكان"، وفي المصابيح: قال: القدر ما كان الخ. قال شراحه أي اكتب القدر، فنصبه بفعل مقدر، و"ما كان" بدل من القدر أو عطف بيان. (فكتب ما كان) المضي بالنسبة إليه ﷺ ، قال الطيبي: ليس حكاية عما أمر به القلم وإلا لقيل فكتب ما يكون، وإنما هو إخبار باعتبار حاله ﵊ أي قبل تكلم النبي ﷺ بذلك لا قبل القلم؛ لأن الغرض أنه أول مخلوق، نعم إذا كانت الأولية نسبية صح أن يراد ما كان قبل القلم، وقيل: ما كان يعني العرش والماء والريح (إلى الأبد) قيل: الأبد هو الزمان المستمر غير المنقطع، لكن المراد منه ههنا الزمان الطويل، يدل عليه رواية ابن عباس عند البيهقي والحاكم ففيها ((إلى أن تقوم الساعة)) . (رواه الترمذي) في أواخر القدر مع قصة في الحديث، وفي تفسير سورة نون والقلم بغير القصة باللفظ الذي ذكره الحافظ. (وقال: هذا حديث غريب إسناداً) أي لا متناً، والمراد به حديث يعرف متنه عن جماعة من الصحابة وانفرد واحد بروايته عن صحابي آخر، ومنه قول الترمذي: غريب من هذا الوجه، لكن وقع في نسخ جامع الترمذي عندنا في القدر "حديث غريب"، وفي التفسير "حديث حسن صحيح غريب" بغير ذكر لفظ "إسناداً" أو لفظ "من هذا الوجه"، ولعل المصنف ذكر كلام الترمذي بالمعنى، فإن قوله: غريب إسناداً. في معنى قوله: غريب من هذا الوجه. قيل وفي تحسينه نظر؛ لأن في سنده عبد الواحد بن سليم المكي البصري، وهو ضعيف لكن أخرجه أبوداود من غير طريق الترمذي مع اختلاف في اللفظ وسكت عليه هو والمنذري، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥: ص٣١٧) من طرق عن الوليد بن عبادة عن أبيه، وفي معنى الحديث عن ابن عباس عند الطبراني في الكبير وابن جرير وأبي يعلى وغيرهم، وعن أبي هريرة عند ابن عساكر، وعن معاوية بن قرة عن أبيه عند ابن جرير، فالظاهر أن الترمذي حسنه لتعدد طرقه ولشواهده. ٩٥- قوله: (وعن مسلم بن يسار) الجهني من أوساط التابعين، وثقة ابن حبان، وقال العجلي: تابعي ثقة إلا أنه لم يسمع من عمر، وبينهما نعيم بن ربيعة، كذلك رواه أبوداود. (عن هذه الآية) أي عن كيفية أخذ الله ذرية بني آدم

стр. 185

﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ الآية، قال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يسئل عنها فقال: ((إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء ــ من ظهورهم المذكور في الآية (وإذ أخذ) أي أخرج (من ظهورهم) بدل اشتمال مما قبله بإعادة الجار، وقيل: بدل بعض (الآية) بالحركات الثلاث. (يسئل) بصيغة المجهول (عنها) أي عن هذه الآية. (ثم مسح ظهره) أي ظهر آدم (بيمينه) يمر على ظاهره من غير تأويل وتكييف، قيل: شق ظهره واستخرجهم منه، والأقرب أنه أخرجهم من مسام شعرات ظهره إذ تحت كل شعرة ثقبة دقيقة يقال لها سم مثل سم الخياط وجمعه مسام، ويمكن خروج الذرية من هذه الثقبة كما يخرج منها العرق. (فاستخرج منه) ببطن نعمان وهو موضع بقرب عرفة كما سيأتي في الفصل الثالث من حديث ابن عباس (ذرية) الخ، حمل البيضاوي في تفسيره وفي شرحه للمصابيح، وغيره من أهل التأويل والاعتزال الآية على التصوير والتمثيل والتخييل، وقالوا: إنه لا قول ثم ولا شهادة حقيقة. قال الفخر الرازي: أطبقت المعتزلة على أنه لا يجوز تفسير هذه الآية بهذا الحديث؛ لأن قوله: "من ظهورهم" بدل من "بني آدم"، فالمعنى وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم، فلم يذكر أنه أخذ من ظهر آدم شيئاً، ولوكان المراد الأخذ من ظهر آدم لقيل من ظهره. وأجاب بأن ظاهر الآية يدل على أن الله تعالى أخرج الذرية من ظهور بني آدم، وأما أنه أخرج تلك الذرية من ظهر آدم فلا تدل الآية على إثباته ونفيه، والخبر قد دل على ثبوته فوجب القول بهما معاً بأن بعض الذر من ظهر بعض الذر والكل من ظهر آدم صوناً للآية والحديث عن الاختلاف - انتهى. وقال الشاه ولي الله الدهلوي في حجة الله: إن الآية لا تخالف الحديث؛ لأن آدم أخذت عنه ذريته ومن ذريته ذريتهم إلى يوم القيامة على الترتيب الذي يوجدون عليه، فذكر في القرآن بعض القصة وبين الحديث تتمتها. وقال العلامة الشعراني في الجواب عن إشكال المخالفة: إن هذا شيء يتعلق بالنظم، وذلك أنه لم يقل من ظهر آدم وإن أخرجوا من ظهره؛ لأن الله تعالى أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهر بعض على طريق ما يتناسل الأبناء من الآباء، فاستغنى به عن ذكر آدم استغناءً بظهور ذريته، إذ ذريته خرجوا من ظهره. ويحتمل أن يقال إنه أخرج ذرية آدم بعضهم من بعض في ظهر آدم ثم أخرجهم جميعاً فيصح القولان جميعاً، فإذا قال أخرجهم من ظهورهم صح، وإذا قال أخرجهم من ظهره صح أيضاً، ومثال ذلك من أودع جوهرة في صدفة ثم أودع الصدفة في خرقة وأودع الخرفة مع الجوهرة في حقة وأودع الحقة في درج وأودع الدرج في صندوق ثم أدخل يده في الصندوق فأخرج منه تلك الأشياء بعضها من بعض ثم أخرج الجميع من الصندوق، فهذا لا تناقض فيه. قال: وإن جوابهم أي جواب الذرية بلفظ "بلى شهدنا" المذكور في الآية كان بالنطق وهم أحياء، إذ لا يستحيل في العقل أن يؤتيهم الله الحياة والعقل والنطق مع صغرهم، فإن بحار قدرته واسعة، وغاية وسعنا في كل مسئلة أن نثبت الجواز ونكل كيفيتها إلى الله تعالى. فإن قيل: إذا قال الجميع "بلى" فلم قبل قوم ورد قوم؟ فالجواب كما قال

стр. 186

للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذريته، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون. فقال رجل: ففيم العمل يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار)) ، رواه مالك والترمذي وأبوداود. ــ الحكيم الترمذي: أنه تعالى تجلى للكفار بالهيبة، فقالوا: بلى، مخافة، فلم يك ينفعهم إيمانهم كإيمان المنافقين، وتجلى للمؤمنين بالرحمة، فقالوا: بلى طوعاً، فنفعهم إيمانهم. قال: وإنما لا نذكر العهد السابق والميثاق الأزلي؛ لأن تلك البنية قد انقضت وتداولت الإنسان الغير بمرور الدهور عليها في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، ثم زاد الله تعالى في تلك البنية أجزاء كثيرة، ثم استحالت بتصريفها في الأطوار الواردة عليها من العلقة والمضغة واللحم والعظم، وهذا كله مما يوجب الوقوع في النسيان - انتهى. ويذكر عن علي ﵁ وسهل بن عبد الله التستري وذي النون المصري وغيرهم ما يدل على أنهم كانوا يذكرون ذلك العهد، والله تعالى أعلم. هذا، ونذكر مزيد الكلام في شرح حديث ابن عباس الآتي في الفصل الثالث فانتظر. (وبعمل أهل الجنة) أي من الطاعات (يعملون) إما في جميع عمرهم أو في خاتمة أمرهم. (ثم مسح ظهره) . قال القاري: أي بيده كما في نسخة - انتهى. وكذا وقع هذا اللفظ في المصابيح، وليس هو في مسند أحمد وجامع الترمذي وسنن أبي داود. (وبعمل أهل النار) أي من السيئات (يعملون) كما سبق (ففيم العمل) الفاء أدخل جواب الشرط المقدر، أي إذا كان كما ذكرت يا رسول الله من سبق القدر ففي أي شيء يفيد العمل، أو بأي شيء يتعلق العمل، أو فلأي شيء أمرنا بالعمل؟ يعني أنه حيث خلق له، ولا يتصور تغييره وتبديله يستوى عمله وتركه. (استعمله) أي جعله عاملاً ووفقه للعمل. (حتى يموت) الخ فيه إشارة إلى أن المدار على عمل مقارن للموت. والحديث يدل على سبق القضاء والتقدير قبل خلق العالم بحسب علمه الأزلي بما يقع بعد الخلق، وذلك كنتيجة الخلق في علمه تعالى بعد الخلق وعطاء الاختيار للعباد. (رواه مالك) في جامع من الموطأ (والترمذي) في تفسير الأعراف وقال: حديث حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر الخ. وإنما حسنه مع كونه منقطعاً؛ لأن معنى الحديث قد صح عن النبي ﷺ من وجوه ثابتة كثيرة من حديث عمر وغيره. والترمذي قد يحسن الحديث المنقطع والمرسل لشواهده. (وأبوداود) في السنة من طريق مسلم بن يسار عن عمر، ومن طريق مسلم بن يسار عن نعيم بن ربيعة عن عمر وسكت عليه، ونعيم هذا وثقة ابن حبان، وقال الحافظ: هو مقبول، وأخرجه أحمد (ج١: ص٤٤) والنسائي في تفسيره، والبخاري في

стр. 187

٩٦- (١٨) وعن عبد الله بن عمرو قال: خرج رسول الله ﷺ وفي يديه كتابان فقال: ((أتدرون ما هذان الكتابان؟ قلنا: لا يا رسول الله ﷺ إلا أن تخبرنا. فقال للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم ــ تاريخه، وابن جرير في تفسيره، وابن حبان في صحيحه وغيرهم، وفي الباب عن ابن عباس وسيأتي حديثه، وعبد الله ابن عمرو وأبي هريرة وهشام بن حكيم وأبي أمامة، ذكر أحاديثهم ابن كثير في تفسيره. ٩٦- قوله: (وفي يديه) وفي بعض النسخ "وفي يده" بالإفراد كما في أكثر نسخ المصابيح وكما في مسند أحمد وجامع الترمذي، فيراد بها الجنس والواو للحال (كتابان) هو محمول على الحقيقة من دون شائبة المجاز والتأويل، فوجود الكتاب حق ثابت فإن الله تعالى قادر على كل شيء، والنبي ﷺ مستعد لإدراك المعاني الغيبية، فلا نستبعد وقوعه بل نثق بما نشاهده ونراه بل أزيد منه. قال الغزالي في كيمياء السعادة: امتياز الخواص من العوام بشيئين: الأول ما يحصل للعوام من العلوم بالكسب والتعلم، فهو يحصل لهم من عند الله تعالى من غير تكسب وتعلم، ويقال له: العلم اللدنى كما قال تعالى: ﴿وعلمناه من لدنا علما﴾ ، والثاني: أن كل ما يراه العامة في المنام يراه الخواص في اليقظة، وحكايات المشايخ في هذا الباب كثيرة جداً، وإذا كانت هذه الحالة وتلك الرتبة حاصلة لخواص عباد الله ولا نستبعد وقوعها لكمل أمة رسول الله ﷺ فكيف بمن هو سيد المرسلين وأعلاهم رتبة وأعززهم علماً وأوفرهم حظاً ﷺ ، بل ظاهر الحديث أنه ﷺ أرى هذين الكتابين للصحابة أيضاً، ولكن لم يعلموا بما فيها من المطالب بالتفصيل. وقال المشائخ: من لا يعتقد ذلك فهو ليس بمؤمن بحقيقة النبوة - انتهى. وقيل: ذلك تمثيل وتصوير وتعبير عن المعنى بالصورة ومبالغة في تحقيقه والتيقن به، والمتكلم إذا أراد أن يحقق قوله ويفهمه غيره ويظهر المعنى الدقيق الخفي لمشاهدة السامع يصور بالصورة الظاهرة، ويشير إليه كالإشارة الحسية إلى المحسوس المشاهد، وإن لم يكن في الخارج وعالم الحس، فلما كوشف له ﷺ بحقيقة هذا الأمر وأطلعه الله عليه إطلاعاً ولم يبق معه خفاء وشك وشبهة، مثل وصور المعنى الحاصل في قلبه بالشيء الحاصل في يديه مع أنه ليس في الخارج كتاب ولا مكتوب. قلت: لا حاجة إلى حمل الكتاب والإشارة في الحديث على المجاز ولا موجب لذلك فحمله على الحقيقة هو المعتمد. (فقال للذي في يده اليمنى) أي لأجله أو في شأنه أو عنه أو قال بمعنى أشار، فاللام بمعنى إلى. (هذا كتاب من رب العالمين) خصه بالذكر دلالة على أنه تعالى مالكهم وهم مملوكون، يتصرف فيهم كيف يشاء، فيسعد من يشاء ويشقى من يشاء، وكل ذلك عدل وصواب، فلا اعتراض لأحد عليه. (ثم أجمل) بالبناء للمجهول (على آخرهم) من قولهم أجمل الحساب: إذا تمم ورد التفصيل إلى الإجمال وأثبت في آخر الورقة مجموع ذلك وجملته، كما هو عادة المحاسبين أن يكتبوا الأشياء مفصلة ثم يوقعوا في آخرها فذلكة ترد التفصيل إلى الإجمال،

стр. 188

فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً، ثم قال للذي في شماله: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً. فقال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه؟ فقال: سددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل. ثم قال رسول الله ﷺ بيديه فنبذهما، ثم قال: فرغ ربكم من العباد، فريق في الجنة وفريق في السعير)) ، رواه الترمذي. ــ وضمن أجمل معنى أوقع، فعدى بعلى أي أوقع الإجمال على من انتهى إليه التفصيل، ويجوز أن يكون حالاً، أي أجمل في حال انتهاء التفصيل إلى آخرهم، فعلى بمعنى إلى. (فلا يزاد فيهم) جزاء شرط، أي إذا كان الأمر على ما تقرر من التفصيل والتعيين والإجمال بعد التفصيل في الصك فلا يزاد فيهم (ولا ينقص منهم أبداً) ؛ لأن حكم الله لا يتغير، وأما قوله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ [٣٩:١٣] فمعناه: لكل انتهاء مدة وقت مضروب، فمن انتهى أجله يمحوه ومن بقي من أجله يبقيه على ما هو مثبت فيه، وكل ذلك مثبت عند الله في أم الكتاب، وهو القدر كما أن يمحو ويثبت هو القضاء، فيكون ذلك عين ما قدر وجرى في الأزل كذلك فلا يكون تغييراً، وقيل في معنى الآية غير ذلك. (إن كان أمر قد فرغ منه) بصيغة المجهول، يعني إذا كان المدار على كتابة الأزل فأي فائدة في اكتساب العمل؟ فقال: (سددوا) أي اطلبوا بأعمالكم السداد والاستقامة في الأمر والعدل فيه. (وقاربوا) أي اقتصدوا في الأمور كلها، واتركوا الغلو فيها والتقصير، يقال: قارب فلان في أموره: إذا اقتصد، كذا في النهاية. قال الطيبي: الجواب من أسلوب الحكيم، أي فيم أنتم من ذكر القدر والاحتجاج به، وإنما خلقتم للعبادة فاعملوا وسددوا - انتهى. (يختم له) بصيغة المجهول (بعمل أهل الجنة وإن عمل) أي ولو عمل قبل ذلك (أي عمل) من أعمال أهل النار (بعمل أهل النار) أعم من الكفر والمعاصي. (وإن عمل أي عمل) أي قبل ذلك من أعمال أهل الجنة (ثم قال رسول الله ﷺ بيديه) أي أشار بهما، والعرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، فتطلقه على غير الكلام واللسان، فتقول: "قال بيده" أي أخذ، و"قال برجله" أي مشى، و"قال بالماء على يده" أي صب، و"قال بثوبه" أي رفعه (فنبذهما) أي طرح ما فيهما من الكتابين، لا بطريق الإهانة بل نبذهما إلى عالم الغيب، هذا إذا كان هناك كتاب حقيقي، وأما على التمثيل فيكون المعنى نبذهما أي اليدين. (فرغ ربكم من العباد) أي من أمر العباد، والمراد بالأمر الشأن، أي قدر أمرهم لما قسمهم قسمين، وقدر لكل قسم على التعيين كونه من أهل الجنة أو النار بحيث لا يقبل التغيير، فكأنه فرغ من أمرهم، وإلا فالفراغ لا يجوز عليه تعالى. (رواه الترمذي) في القدر وقال:

стр. 189

٩٧- (١٩) وعن أبي خزامة عن أبيه قال: قلت: يارسول الله ﷺ أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة تنقيها هل ترد من قدر الله شيئاً؟ قال: ((هي من قدر الله)) ، رواه أحمد والترمذي وابن ماجه. ــ هذا حديث حسن صحيح غريب. وأخرجه أيضاً أحمد (ج٢: ص١٦٧) والنسائي، وفي الباب عن عمر عند البزار وابن جرير، وابن عباس عند ابن جرير والدارقطني في الأفراد، وعلي عند الطبراني في الأوسط. ٩٧- قوله: (عن أبي خزامة) بكسر الخاء وتخفيف الزاى (عن أبيه) اختلف فيه فروي هكذا، وروي عن ابن أبي خزامة عن أبيه، والأول أصح. وأبوخزامة هذا تابعي مجهول، واسم والده يعمر، أحد بني الحارث بن سعد ابن هذيم، صحابي له حديث في الرقى، قال في الإصابة (ج٣: ص٦٦٩) : سماه بعضهم في رواية، وأكثر ما يجيء مبهماً. (أرأيت رقى) بضم وقصر، جمع رقية، وهي ما يقرأ من الدعاء لطلب الشفاء، والاسترقاء طلب الرقية (وداواء) بالنصب (نتداوى به) أي نستعمله (وتقاة) بضم أوله (نتقيها) أي نلتجيء بها أو نحذر بسببها، وأصل تقاة وقاة، قلبت الواو تاءً من وقى يقي أي حفظ، وهي اسم ما يلتجيء به الناس من خوف الأعداء كالترس. قيل: وهذه المنصوبات أعني رقى وما عطف عليها موصوفات بالأفعال الواقعة بعدها ومتعلقة بمعنى أرأيت، أي أخبرني عن رقى نسترقيها، فنصبت على نزع الخافض، ويجوز أن يتعلق بلفظ أرأيت، والمفعول الأول الموصوف مع الصفة، والثاني الاستفهام بتأويل مقولاً فيها. (هل ترد) أي هذه الأسباب (قال: هي) أي المذكورات الثلاث (من قدر الله) أيضاً، يعني كما أن الله قدر الداء قدر زواله بالدواء، ومن استعمله ولم ينفعه فليعلم أن الله ما قدره له. والحاصل أن الله قدر الأسباب والمسببات وربط الأسباب بالمسببات، فحصول المسببات عند وجود الأسباب من جملة القدر. قال التوربشتي: عرف الرجل أن من واجب حق الإيمان أن نعتقد أن المقدر كائن لا محالة، ووجد الشرع يرخص في الاسترقاء ويأمر بالتداوي والاتقاء عن مواطن المهلكات فأشكل عليه الأمر، كما أشكل على الصحابة حين أخبروا أن الكتاب يسبق على الرجل، فقالوا: ففيم العمل؟ فبين الرسول أن جميع ذلك من قدر الله، وأن المسترقي والمتداوي والمتقي لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً من ذلك إلا ما قدر لهم، وكما أن نفس هذا الفعل بقدر الله فكذلك نفعه وضره بقدر الله، وكما أن التمسك بأعمال البر مأمور به مع ما سبق من القضاء المبرم فكذلك التعرض للأسباب الجالبة للمنافع الدافعة للمضار مأمور به أو مأذون فيه إن لم يمنع عنها مانع شرعي مع جريان القدر المحتوم - انتهى. (رواه أحمد) (ج٣: ص٤٤١) (والترمذي) في الطب وقال: "حديث حسن"، وفي القدر وقال: "هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث الزهري"، أي الراوي عن أبي خزامة، (وابن ماجة) في السنة، وأخرجه الحاكم وصححه، وفي الباب عن كعب بن مالك أخرجه ابن حبان.

стр. 190

٩٨- (٢٠) وعن أبي هريرة قال: ((خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى أحمر وجهه حتى كأنما فقئ في وجنتيه حب الرمان، فقال: أبهذا أمرتم، أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم، عزمت عليكم أن لا تنازعوا فيه)) ، رواه الترمذي. ــ ٩٨- قوله: (ونحن نتنازع في القدر) أي حال كوننا نتباحث في القدر بالإثبات والنفي. وقال القاري: أي في شأنه، فيقول بعضنا: إذا كان الكل بالقدر فلم الثواب والعقاب؟ كما قالت المعتزلة، والآخر يقول: فما الحكمة في تقدير بعض للجنة وبعض للنار؟ فيقول الآخر: لأن لهم نوع اختيار كسبي، فيقول الآخر: فمن أوجد ذلك الاختيار والكسب وأقدرهم عليه، وما أشبه ذلك. (حتى كأنما فقئ) بصيغة المجهول أي شق أو عصر في وجنتيه أي خديه (حب الرمان) ، وفي جامع الترمذي "في وجنتيه الرمان"، أي بغير لفظ "حب"، والمعنى حتى صار من شدة حمرته يشبه فقأ حب الرمان في خديه أي يشبه الأحمرار الحاصل به، فهو كناية عن مزيد حمرة وجهه المنبئة عن مزيد غضبه، وإنما غضب لأن القدر سر من أسرار الله تعالى، وطلب سر الله منهي عنه؛ ولأن من يبحث فيه لا يأمن من أن يصير قدرياً أو جبرياً، والعباد مأمورون بقبول ما أمرهم الشرع من غير أن يطلبوا سر ما لا يجوز طلب سره. (أبهذا أمرتم) أي أبالتنازع في القدر أمرتم؟ وهمزة الاستفهام للإنكار، وتقديم المجرور لمزيد الاهتمام. (أم بهذا أرسلت إليكم) أم منقطعة بمعنى بل والهمزة، وهي للإنكار أيضاً ترقياً من الأهون إلى الأغلظ وإنكارا غب إنكار. (إنما هلك من كان قبلكم) أي من الأمم، جملة مستأنفة جواباً عما اتجه لهم أن يقولوا: لم تنكر هذا الإنكار البليغ؟ فأجيب بقوله: "إنما هلك" الخ، يعني ذلك الإنكار البليغ بسبب هذا العذاب البليغ الذي لا إمهال فيه. (عزمت عليكم) أي أقسمت وأوجبت (أن لا تنازعوا فيه) أي لا تبحثوا في القدر بعد هذا. قال ابن الملك: "أن" هذا يمتنع كونها مصدرية وزائدة؛ لأن جواب القسم لا يكون إلا جملة و"أن" لا تزاد مع "لا"، فهي إذاً مفسرة كأقسمت أن لا ضربت، و"تنازعوا" جزم بلا الناهية، ويجوز أن تكون مخففة من الثقيلة؛ لأنها مع اسمها وخبرها سدت مسد الجملة، كذا قاله زين العرب. (رواه الترمذي) وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث صالح المري، وله غرائب ينفرد بها- انتهى. قلت: صالح المري هذا ضعيف، ضعفه ابن معين والدارقطني وابن المديني والبخاري والنسائي وغيرهم، فالحديث ضعيف، لكن يؤيده الحديث الذي بعده وحديث ابن مسعود مرفوعاً عند الطبراني بإسناد حسن بلفظ: ((إذا ذكر القدر فأمسكوا)) ، وحديث ثوبان عند الطبراني في الكبير بلفظ: ((اجتمع أربعون من الصحابة ينظرون في القدر)) الحديث، وحديث ابن عباس عند ابن جرير بلفظ: ((خرج النبي ﷺ فسمع ناساً من أصحابه ينظرون في القدر)) الحديث، وحديث أبي الدرداء ووائله وأبي أمامة وأنس عند الطبراني في الكبير بلفظ: ((قالوا:

стр. 191

٩٩ - (٢١) وروى ابن ماجه نحوه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ١٠٠- (٢٢) وعن أبي موسى قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر والأبيض والأسود، وبين ذلك والسهل ــ خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر القدر)) الحديث. ٩٩- قوله: (وروى ابن ماجة) في باب القدر من السنة وسنده حسن. (نحوه) أي بالمعنى، ورواه أيضاً أحمد في مسنده (ج٢: ص١٩٦، ١٩٥) (عن عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي، يكني أبا إبراهيم المدني نزيل الطائف، وثقة النسائي وغيره. مات سنة (١١٨) . (عن أبيه) أي شعيب بن محمد السهمي الحجازي، من ثقات التابعين وثقة ابن حيان. (عن جده) أي جد شعيب والد عمرو، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص، فالضمير في جده يرجع إلى شعيب بن محمد. هذا هو الصحيح عند المحققين كعلي بن المديني وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية وأبي عبيدة والبخاري وغيرهم، وقد صح وثبت سماع شعيب من جده عبد الله، وهو الذي ربى حفيده شعيباً، حتى قيل: إن محمداً مات في حياة أبيه عبد الله، وكفل شعيباً جده عبد الله، يدل على ذلك ما رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي عنه في إفساد الحج، فقالوا: عن عمرو بن شعيب عن أبيه أن رجلاً أتى عبد الله بن عمرو يسأله عن محرم وقع بامرأته فأشار إلى عبد الله بن عمر فقال: اذهب إلى ذلك فاسأله، قال شعيب: فلم يعرفه الرجل، فذهبت معه فسأل ابن عمر. فقال: بطل حجك فذكر الحديث، وذكر فيه سؤاله لابن عباس أيضاً، وذهاب شعيب معه إليه، وأنه قال مثل قول ابن عمر، ففيه التصريح بأن شعيباً سمع من جده عبد الله ومن ابن عباس ومن ابن عمر، وعلى هذا فرواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ليست بمرسلة ولا بمنقطعة كما توهم ابن حبان ومن وافقه، بل هي متصلة ولا تنحط عن درجة الحسن إذا كان الإسناد إلى عمرو صحيحاً. قال الذهبي: حديثه من قبيل الحسن. قال الحافظ: ترجمة عمرو قوية على المختار حيث لاتعارض - انتهى. وقال النووي: إن الاحتجاج به هو الصحيح المختار الذي عليه المحققون من أهل الحديث، وهم أهل هذا الفن وعنهم يؤخذ -انتهى. وسيأتي مزيد الكلام في هذا في باب المساجد فانتظر. ١٠٠- قوله: (خلق آدم من قبضة) بالضم ملأ الكف وربما جاء بفتح القاف، و"من" ابتدائية متعلقة بخلق أي ابتداء خلقه من قبضة، أو بيانية حال من آدم، (قبضها) أي أمر الملك بقبضها. قال في النهاية: القبض الأخذ بجميع الكف، والقبضة المرة منه، وبالضم الاسم منه (من جميع الأرض) يعني وجهها (على قدر الأرض) أي مبلغها من الألوان والطباع (منهم الأحمر والأبيض والأسود) أي بحسب ترابها، وهذه الثلاثة هي أصول الألوان وما عداها مركب منها، وهو المراد بقوله: (وبين ذلك) أي بين الأحمر والأبيض والأسود باعتبار أجزاء أرضه، (والسهل) أي ومنهم السهل أي اللين المنقاد،

стр. 192

والحزن والخبيث والطيب)) ، رواه أحمد والترمذي وأبوداود. ١٠١- (٢٣) وعن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله خلق خلقه في ظلمة، فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ــ (والحزن) بفتح الحاء وسكون الزاي أي الغليظ الطبع الخشن من حزن الأرض وهو الغليظ الخشن. (والخبيث) أي خبيث الخصال (والطيب) على طبع أرضهم، وكل ذلك بتقدير الله تعالى لوناً وطبعاً وخلقاً. قال الطيبي: لما كانت الأوصاف الأربعة ظاهرة في الإنسان والأرض أجريت على حقيقتها، وأولت الأربعة الأخيرة؛ لأنها من الأخلاق الباطنة، فإن المعنى بالسهل الرفق واللين، وبالحزن الخرق والعنف، وبالطيب الذي يعني به الأرض العذبة المؤمن الذي هو نفع كله، وبالخبيث الذي يراد به الأرض السبخة الكافر الذي هو ضر كله - انتهى. وفيه إشارة إلى أن هذه الأوصاف والآثار بمنزلة هذه الألوان في كونها تحت الأقدار، غايته أن الأوصاف قابلة للزيادة والنقصان بحسب الطاعة والإمكان لمجاهدة الإنسان بخلاف الألوان، وإن نظرت إلى الحقيقة فلا تبديل ولا تغيير لخلق الله، وهذا معنى قوله: "جف القلم على علم الله"، قاله القاري. (رواه أحمد) (ج٤:ص٤٠٦، ٤٠٠) ، (والترمذي) في أول تفسير البقرة وقال: "حديث حسن صحيح"، وكذا صححه أبوالفرج الثقفي في الفوائد (ق١٩٧/١) ، (وأبوداود) في السنة وأخرجه أيضاً الحاكم والبيهقي. ١٠١- قوله: (خلقه) أي الثقلين من الجن والإنس أو الإنس فقط، لا الملائكة فإنهم ما خلقوا إلا من نور. (في ظلمة) أي كائنين في ظلمة النفس الأمارة بالسوء المجبولة بالشهوات المردية والأهواء المضلة. (فألقى) أي فرش كما في رواية (من نوره) أي نوره الذي خلقه الله تعالى، فمن زائدة في الإثبات أو بيانية أي شيئاً هو نوره، فيكون "من نوره" صفة محذوف، أو تبعيضية أي بعض نوره، وإضافة النور إلى الله تعالى إضافة إبداع واختراع على سبيل التكريم، كما في قوله: ﴿ونفخت فيه من روحي﴾ ، (فمن أصابه من ذلك النور) أي شيء من ذلك النور أو بعض ذلك النور. قيل: المراد بالنور الملقى عليهم نور الإيمان والطاعة والإحسان والمعرفة. وقيل: المراد به ما نصب لهم من الشواهد والحجيج وما أنزل إليهم من الآيات والنذر، إذ لولا ذلك لبقوا في ظلمات الضلالة والجهالة، والمراد بإصابة النور الاعتبار بالحجج والانتفاع بالشواهد، والاستدلال بالآيات على ذاته تعالى وصفاته، وعلى دين الإسلام بتوفيق الله، فمن شاءالله بهدايته فشاهد حججه واعتبر بآياته واستدل بشواهده بالنظر الصحيح، فهو الذي أصابه ذلك النور فخلص من تلك الظلمة واهتدى، ومن لم يشأ هدايته فعمي عن آياته، فهو الذي حرم من ذلك النور وبقي في ظلمات الطبيعة متحيراً وارتدى، وإليه يشير قوله تعالى: ﴿أو من كان ميتاً فأحيناه وجلعنا له نوراً﴾ [١٢٢:٦] وقوله: ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه﴾ [٢٢:٣٩] . فعلم أن الهداية والضلالة بمشيئة الله وتقديره في الأزل. قال في اللمعات: الحق أن المراد من خلقه هو وقت الولادة، ومن إلقاء النور هو زمان إظهار الشرائع وإعطاء التوفيق للاهتداء، وبالجملة في الحديث دلالة على أن الإنسان

стр. 193

ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول: جف القلم على علم الله)) ، رواه أحمد والترمذي. ١٠٢- (٢٤) وعن أنس قال: ((كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، فقلت يا نبي الله آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء)) ، رواه الترمذي وابن ماجة. ــ خلق على حالة لا ينفك عن الظلمة إلا من أصابه النور الملقي عليه، لكن يتوهم الإشكال في تطبيقه بحديث الفطرة الذي يدل على أن المولود عند الولادة يكون على نور الفطرة، ولا إشكال؛ لأن حديث الفطرة كما حقق إنما يدل على كون الإنسان متهيئاً متمكناً من إصابة الهدى إن تفكر بالنظر الصحيح وتأمل في الآيات والشواهد، ومع ذلك خلق في ظلمات النفس والطبيعة، وهذا الحديث إنما يدل على أن إصابة الهدى إنما هو مشيئة الله وتوفيقه وإلقاء نور الهداية في قلبه، وليس مستقلاً مستبداً بإصابة الهدى، فمن شاء وفقه للنظر الصحيح وألقى نور الهداية كما هو مقتضى الفطرة والروحانية، ومن لم يشأ لم يوفقه وأوقعه في ظلمة الضلال والغواية، كما هو مقتضى النفس والطبيعة الجسمانية، وبالجملة هذا الحديث تنبيه على سابقة التقدير وعلم الله ومشيئته تعالى، والفطرة كما نبهنا هنالك غير سابقة التقدير فلا تنافي بين الحديثين- انتهى. (ومن أخطأه) أي ذلك النور يعني جاوزه ولم يصل إليه (ضل) أي خرج عن طريق الحق. (فلذلك) أي فلأجل عدم تغير ما جرى في الأزل تقديره من الإيمان والكفر والطاعة والمعصية. (أقول جف القلم) أي فرغت الكتابة، إشارة إلى أن الذي كتب وقدر لا يتغير حكمه، فهو كناية عن الفراغ من الكتابة؛ لأن الصحيفة حال كتابتها تكون رطبة أو بعضها وكذلك القلم، فإذا انتهت الكتابة جف الكتابة والقلم. (على علم الله) أي على حكمه؛ لأن معلومه لا بد أن يقع، فعلمه بمعلوم يستلزم الحكم بوقوعه. وقال القاري: أي على ما علم الله وحكم به في الأزل لا يتغير ولا يتبدل وجفاف القلم عبارة عنه. (رواه أحمد) (ج٢:ص١٩٧، ١٧٦) ، (والترمذي) في أواخر الإيمان، وقال: "حديث حسن"، وأخرجه أيضاً ابن حبان وصححه والحاكم مطولاً وقال: "صحيح على شرط الشيخين"، وابن جرير والبيهقي. ١٠٢- قوله: (كان رسول الله ﷺ يكثر) من الإكثار (يا مقلب القلوب) أي مصرفها تارة إلى الطاعة وتارة إلى المعصية وتارة إلى الحضرة وتارة إلى الغفلة. (فهل تخاف علينا؟) يعني أن قولك هذا ليس لنفسك؛ لأنك في عصمة من الخطأ والزلة خصوصاً من تقلب القلب عن الدين، وإنما المراد تعليم الأمة فهل تخاف علينا من زوال نعمة الإيمان أو الانتقال من الكمال إلى النقصان؟ (قال: نعم) أي أخاف عليكم (إن القلوب بين إصبعين) إلخ تقدم الكلام فيه (يقلبها كيف يشاء) مفعول مطلق أي تقليباً يريده أو حال من الضمير المنصوب، أي يقلبها على أي صفة شاءها أي بقضائه وقدره. (رواه الترمذي) في القدر وقال: حديث حسن صحيح (وابن ماجه) في الدعاء.

стр. 194

١٠٣- (٢٥) وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل القلب كريشة بأرض فلاة يقلبها الرياح ظهراً لبطن)) ، رواه أحمد. ١٠٤- (٢٦) وعن علي قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، والبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر)) ، رواه الترمذي، ــ ١٠٣- قوله: (مثل القلب) أي صفة القلب العجيبة الشأن، وورد ما يرد عليه من عالم الغيب من الدواعي وسرعة تقلبه بسببها. (كريشة) أي كصفة (بأرض) بالتنوين، وقيل: بالاضافة (فلاة) أي مفازة خالية من النبات، وهي صفة، قيل: ذكر الأرض مقحم؛ لأن الفلاة تدل عليها، فالمقصود التأكيد لدفع التجوز كما في "أبصرتها بعيني" وتخصيص الفلاة؛ لأن الرياح أشد تأثيراً فيها من العمران. (يقلبها الرياح) صفة أخرى لريشة، وجمع الرياح للدلالة على ظهور التقليب، إذ لو استمر الريح على جانب واحد لم يظهر التقلب. (ظهراً لبطن) أي وبطناً لظهر، يعني كل ساعة يقلبها على صفة، فكذا القلب ينقلب ساعة من الخير إلى الشر وبالعكس، وقوله: "ظهراً" بدل البعض من الضمير في يقلبها، واللام في "لبطن" بمعنى إلى، ويجوز أن يكون "ظهراً لبطن" مفعولاً مطلقاً أي تقليباً مختلفاً، وأن يكون حالاً، يعني مقدرة أي يقلبها مختلفة كذا في المرقاة. (رواه أحمد) (ح٤:ص٤٠٨) بسند حسن، لكن بغير هذا اللفظ، وإنما رواه به صاحب الأصل (البغوي) في شرح السنة (١٤) ، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤:ص٤١٩) وابن ماجة في السنة، وفي سنده عندهما يزيد الرقاشي وهو ضعيف، وأخرج البزار نحوه عن أنس. ١٠٤- قوله: (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع) هذا نفي لأصل الإيمان لا نفي لكماله، فمن لم يؤمن بواحد من هذه الأمور الأربعة لم يكن مؤمناً، ويلزم منه أن يكون القدري كافراً، وهو خلاف ما عليه الجمهور، وسيأتي الكلام في هذا. (يشهد) منصوب على البدل من قوله:"يؤمن"، وقيل: مرفوع تفصيل لما سبقه، أي يعلم ويتيقن. (بعثني بالحق) استئناف كأنه قيل: "لم يشهد"؟ فقال: "بعثني بالحق" أي إلى كافة الجن والإنس، ويجوز أن يكون حالاً مؤكدة أو خبراًً بعد خبر، فيدخل على هذا في حين الشهادة. (ويؤمن بالموت) بالوجهين، وهو الثاني من الأمور الأربعة. قال المظهر: أي يعتقد بفناء الدنيا، وهو احتراز عن مذهب الدهرية القائلين بقدم العالم وبقائه أبداً. قال القاري: وفي معناه التناسخي، ويحتمل أن يراد اعتقاد أن الموت يحصل بأمر الله لا بفساد المزاج، كما يقوله الطبيعي. (والبعث) أي ويؤمن بوقوع البعث بعد الموت، هذا هو الثالث، وتكرير الموت إيذان للاهتمام بشأنه. (ويؤمن) بالوجهين (بالقدر) يعني أن جميع ما يجرى في العالم بقضاء الله وقدره، وفيه دليل على أن الإيمان بالقدر ركن من أركان الدين. (رواه الترمذي) في القدر ورجاله رجال

стр. 195

وابن ماجة. ١٠٥- (٢٧) وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة، والقدرية)) . ــ الصحيح، (وابن ماجة) في السنة، وأخرجه أيضاً أحمد (ج١:ص٩٧) ، والحاكم وصححه على شرطهما، ووافقه الذهبي. ١٠٥- قوله: (صنفان) أي نوعان، وهو مبتدأ خبره قوله: ليس لهما إلخ (من أمتي) صفة أي أملة الإجابة (ليس لهما في الإسلام نصيب) أي حظ. (المرجئة) خبر مبتدأ محذوف أي "هما" وقيل بدل من صنفان، ويجوز الجر على أنه بدل من ضمير لهما، والنصب بتقدير "أعني" مشهور في مثله، والمرجئة اسم فاعل من أرجأت الأمر بالهمزة وأرجيت بالياء أي أخرت، وهم فرقة من فرق الإسلام يعتقدون أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، سموا بذلك لاعتقادهم أن الله أرجأ تعذيبهم على المعاصي، أي أخره عنهم وبعده، وقيل: هم الجبرية القائلون بأن إضافة الفعل إلى العبد كإضافته إلى الجمادات، سموا بذلك؛ لأنهم يؤخرون أمر الله ونهيه عن الاعتداد بهما ويرتكبون الكبائر، وقيل هم الذين يقولون: الإيمان قول وتصديق بلا عمل، فيؤخرون العمل عن القول والتصديق. وقال الشهرستاني: الإرجاء على معنيين: أحدهما التأخير، قالوا: أرجه، أي أمهله وأخره. والثاني: إعطاء الرجاء. أما إطلاق إسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأول فصحيح؛ لأنهم كانوا يؤخرون العمل عن النية والقصد، وأما بالمعنى الثاني فظاهر فإنهم كانوا يقولون: لا تضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة. وقيل: الإرجاء تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى القيامة، فلا يقضى عليه بحكم ما في الدنيا من كونه من أهل الجنة أو من أهل النار، قال: والمرجئة أصناف أربعة: مرجئة الخوارج، ومرجئة القدرية، ومرجئة الجبرية، ومرجئة الخالصة، ثم ذكر مقالات المرجئة الخالصة، من شاء الوقوف عليها رجع إلى الملل والنحل، والظاهر أن المراد في الحديث مرجئة الجبرية. (والقدرية) بفتحتين أو سكون الدال، هم الذين يقولون: إن العبد خالق لأفعاله والأمر أنف من غير سبق قضاء وتقدير، واشتهر بهذا الاسم من لا يقول بالقدر لأجل أنهم تكلموا في القدر وأقاموا الأدلة بزعمهم على نفيه، وتوغلوا في هذه المسئلة حتى اشتهروا بهذا الإسم، وبسبب توغلهم وكثرة اشتغالهم صاروا هم أحق بهذه النسبة من غيرهم، فلا يرد أن المثبت أحق بهذه النسبة من النافي، على أن الأحاديث صريحة في أن المراد ههنا النافي، قاندفع توهم القدرية أن المراد في هذا الحديث المثبت للقدر لا النافي. هذا، وربما يتمسك بالحديث من يكفر الفريقين، قال ابن حجر المكي الهيثمي الشافعي: من أطلق تكفير الفريقين أخذاً بظاهر الحديث فقد استروح، بل الصواب عند الأكثرين من علماء السلف والخلف أنا لا نكفر أهل البدع والأهواء إلا إن أتوا بكفر صريح لا استلزامي؛ لأن الأصح أن لازم المذهب ليس بلازم، ومن ثم لم يزل العلماء يعاملونهم معاملة المسلمين في نكاحهم وإنكاحهم والصلاة على موتاهم ودفنهم في مقابرهم؛ لأنهم وإن كانوا مخطئين غير معذورين حقت عليهم كلمة الفسق

стр. 196

رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. ــ والضلال، إلا أنهم لم يقصدوا بما قالوه اختيار الكفر، وإنما بذلوا وسعهم في إصابة الحق فلم يحصل لهم، لكن لتقصيرهم بتحكيم عقولهم وأهويتهم وإعراضهم عن صريح السنة والآيات من غير تأويل سائغ، وبهذا فارقوا مجتهدي الفروع، فإن خطأهم إنما هو لعذرهم بقيام دليل آخر عندهم مقاوم لدليل غيرهم من جنسه فلم يقصروا، ومن ثم أثيبوا على اجتهادهم- انتهى. قال التوربشتي: وهذا أي عدم تكفيرهم قول المحققين من علماء الأمة احتياطاً فيجري قوله: "ليس لهما في الإسلام نصيب" مجرى الاتساع في بيان سوء حظهم وقلة نصيبهم من الإسلام، نحو قولك: ليس للبخيل من ماله نصيب -انتهى. قال السندهي: في صلاحية هذا الحديث للاستدلال به في الفروع نظر كما ستعرف فضلاً عن الأصول والمطلوب فيها القطع، فكيف يصح التمسك به في التكفير؟ انتهى. قلت: أحاديث الباب من بين الصحاح والحسان والضعاف غير الساقطات تدل بمجموعها على أن الإيمان بالقدر من غير بحث ومنازعة من ضروريات الدين وركن من أركان الإسلام، فالظاهر أن إنكار القدر وتكذيبه من البدع المكفرة، والله أعلم. (رواه الترمذي) من طريقين في أحدهما علي بن نزار وأبوه نزار بن حيان وهما ضعيفان، وفي الثاني سلام بن أبي عمرة وهو أيضاً ضعيف. (وقال: غريب) وفي نسخ الترمذي عندنا "حسن غريب"، وكذا نقله الحافظ عن الترمذي في أجوبته عن أحاديث المصابيح التي رماها الحافظ سراج القزويني بالوضع، وكذا نقله البوصيري في الزوائد. ولعله حسنه لشواهده، وأخرجه أيضاً البخاري في تاريخه وابن ماجه في السنة، وفي سنده أيضاً علي نزار وأبوه نزار، وأخرجه ابن ماجة أيضاً عن جابر، وفيه نزار المذكور، والخطيب عن ابن عمر وقال: هذا حديث منكر من هذا الوجه جداً كالموضوع، وإنما يرويه علي بن نزار، شيخ ضعيف واهي الحديث، والطبراني في الأوسط عن أبي سعيد. قال السندهي: زعم الحافظ سراج الدين بعده وبين أنه موضوع، ورد عليه الحافظ صلاح الدين ثم الحافظ ابن حجر بما يبعده عن الوضع ويقربه إلى الحسن، ومحل نظرهما هو تعدد الطرق، والحديث جاء عن أبي بكرالصديق ومعاذ بن جبل وعبد الله بن عمر وجابر بطريق معاذ، وكثرة الطرق تفيد بأن له أصلاً، وبالجملة فلا ينفع في الاستدلال بالأصول - انتهى. قلت: قال الحافظ ابن حجر في أجوبته بعد عزوه إلى الترمذي وابن ماجة: ومداره على نزار بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس، وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب، ونزار هذا ضعيف عندهم، ورواه عنه ابنه علي بن نزار وهو ضعيف، لكن تابعه القاسم بن حبيب، وإذا جاء الخبر من طريقين كل منهما ضعيف قوي أحد الطريقين بالآخر، ومن ثم حسنه الترمذي، ووجدنا له شاهداً من حديث جابر ومن طريق ابن عمر ومن طريق معاذ وغيرهم، وأسانيدها ضعيفة، ولكن لم يوجد فيه علامة الوضع إذ لا يلزم من نفي الإسلام عن الطائفتين إثبات كفر من قال بهذا الرأي؛ لأنه يحمل على نفي الإيمان الكامل، أو المعنى أنه اعتقد اعتقاد الكافر لإرادة المبالغة في التنفير من ذلك لا حقيقة الكفر، وينصره أنه وصفهم بأنهم من أمته - انتهى. وقال العلائي: والحق أنه ضعيف لا موضوع.

стр. 197

١٠٦- (٢٨) وعن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يكون في أمتي خسف ومسخ وذلك في المكذبين بالقدر)) ، رواه أبوداود، وروى الترمذي نحوه. ١٠٧- (٢٩) وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم)) ، ــ ١٠٦- قوله: (يكون في أمتي) أي أمة الإجابة (خسف) يقال: خسف الله به أي غاب به في الأرض. (ومسخ) هو تحويل صورة إلى ما هو أقبح منها، وقيل: المراد مسخ القلوب، وفيه نظر. (وذلك) أي ما ذكر من الخسف والمسخ واقع (في المكذبين بالقدر) ، تبين بهذا الحديث أن القدرية المذمومة، إنما هم المكذبة بالقدر لا المؤمنة به، كما زعمت المعتزلة ونسبوا أهل السنة والجماعة إلى القدرية، وقوله: "ذلك" في الحديث يدل على استحقاق ما سبق من الخسف والمسخ لأجل ما بعده من التكذيب، فيكونان في هذه الأمة كما في سائر الأمم، خلاف قول من زعم أن ذلك لا يكون مطلقاً إنما مسخها بقلوبها، وأما ما روي من رفع الخسف والمسخ عن هذه الأمة فالمراد به رفع الخسف والمسخ العامين، فافهم. (رواه أبوداود) أي بهذا اللفظ، قاله القاري، وفيه نظر. (وروى الترمذي نحوه) أي بالمعنى، وقد ذكره المصنف في الفصل الثالث. قال الشيخ الألباني: قوله: "رواه أبوداود وروى الترمذي نحوه"، كذا في جميع النسخ وهو خطأ، والصواب العكس "رواه الترمذى وروى أبوداود نحوه"، فإن الترمذى أخرجه (٢/٢٢) بهذا اللفظ بالحرف الواحد، وأما أبوداود فأخرجه في السنة (رقم٤٦١٣) بنحوه -انتهى. قلت: لم أجد حديث ابن عمر باللفظ الذي ذكره المصنف لا في جامع الترمذي ولا في سنن أبي داود، والظاهر أن المصنف قلد في ذلك الجزري إذ ذكره في جامع الأصول (ج١٠:ص٥٢٧) بهذا اللفظ، وأثبت في أوله علامة (ت، د) ولا أدري من أين أخذ الجزري اللفظ المذكور مع أنه ذكر بعد ذلك رواية أبي داود ثم رواية الترمذي مفصلة؟ ويمكن أن يكون هذا الحديث عند أبي داود في رواية غير اللؤلؤي، والله أعلم. والحديث أخرجه أيضاً أحمد (ج٢:ص١٠٨) بلفظ: ((سيكون في هذه الأمة مسخ، ألا وذاك في المكذبين بالقدر)) . وفي سنده رشدين بن سعد وهو ضعيف. ١٠٧- قوله: (القدرية مجوس هذه الأمة) أي أمة الإجابة؛ لأن قولهم أفعال العباد مخلوقه بقدرهم لا بقدر الله وإرادته. يشبه قول المجوس القائلين بأن للعالم إلهين: خالق الخير وهو يزدان أي الله، وخالق الشر وهو اهرمن أي الشيطان، وقيل: المجوس يقولون: الخير من فعل النور والشر من فعل الظلمة، فصاروا ثنوية كذلك القدرية يقولون الخير من الله والشر من غيره أي النفس. (وإن ماتوا فلا تشهدوهم) أي لاتشهدوا جنائزهم ولا تصلوا عليهم؛ لاستلزام ذلك الدعاء لهم بالصحة والمغفرة، قيل: هو محمول على الزجر والتنفير عن اعتقادهم على قول من لم يحكم بكفرهم، وعلى الحقيقة على قول من حكم بكفرهم إذ الفاسق

стр. 198

رواه أحمد، وأبوداود. لا منع ولا كراهة في شهود جنازته، وخص هاتين الخصلتين أي العيادة وشهود الجنازة؛ لأنهما أولى وألزم من سائر الحقوق، فإنهما حالتان مفتقرتان إلى الدعاء بالصحة والمغفرة، فيكون النهي عنهما أبلغ في المقصود. (رواه أحمد) باختلاف في اللفظ من طريقين (ج٢: ص١٢٥، ٨٦) الأولى منقطعة، عمر بن عبد الله مولى غفره لم يسمع من عبد الله ابن عمر، والثانية موصولة لكن فيها رجل ضعيف، وله طريق ثالث عند أبي بكر الآجري في كتاب الشريعة (ص١٩٠) ، وفيه ضعف أيضاً، وله طريق رابع عند أبي داود، فالحديث بهذه الطرق حسن كما قال العلائي والحافظ ابن حجر، (وأبي داود) في السنة من طريق عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن ابن عمر، ورجاله ثقات لكنه منقطع كما سيأتي. قال السيوطي في مرقاة الصعود: هذا أحد الأحاديث التي انتقدها الحافظ سراج الدين القزويني على المصابيح، وزعم أنه موضوع. قال الحافظ ابن حجر فيما تعقبه عليه: هذا الحديث حسنه الترمذي وصححه الحاكم ورجاله من رجال الصحيح إلا أن له علتين: الأولى الاختلاف في بعض رواته عن عبد العزيز بن أبي حازم، وهو زكريا بن منظور. فرواه عن عبد العزيز بن أبي حازم فقال: عن نافع عن ابن عمر. والأخرى ما ذكره المنذري وغيره من أن سنده منقطع؛ لأن أباحازم لم يسمع من ابن عمر. فالجواب عن الثانية أن أباالحسن بن القطان الفاسي الحافظ صحح سنده، فقال: إن أباحازم عاصر ابن عمر فكان معه بالمدينة، ومسلم يكتفي بالمعاصرة في الاتصال، فهو صحيح على شرطه. وعن الأول بأن زكريا وصف بالوهم، فلعله وهم فأبدل رواياً بآخر، وعلى تقدير أن لا يكون وهم فيكون لعبد العزيز فيه شيخان، وإذا تقرر هذا لا يسوغ الحكم بأنه موضوع، ولعل مستند من أطلق عليه الوضع تسميتهم المجوس وهو مسلمون، وجوابه أن المراد أنهم كالمجوس في إثبات فاعلين لا في جميع معتقد المجوس، ومن ثم ساغت إضافتهم إلى هذه الأمة. قلت: والحديث أخرجه أيضاً الحاكم (٨٥/٧١) والبخاري في تاريخه والطبراني في الأوسط وأخرجه أحمد (ج٢:ص٨٦) من طريق أخرى لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة من تلك الطريق بلفظ: ((لكل أمة مجوس ومجوس أمتي الذين يقولون لا قدر، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم)) ، ولأصل الحديث شواهد ذكرها السيوطي في تعقباته (٥) ، واستوفي طرقها وألفاظها في الآلي (ص١٣٣-١٣٥) وحقق نقلاً عن الحافظ صلاح الدين العلائي أن للحديث أصلاً، بل ينتهي إلى درجة الحسن المحتج به، فلا وجه للحكم بوضعه. هذا، وقد تعقب الشيخ أحمد محمد شاكر في شرح المسند (ج٨: ص٦) على جواب الحافظ فقال: أما إن المعاصرة كافية وتحمل على الاتصال فنعم، ولكن إذا لم يكن هناك ما يدل صراحة على عدم السماع، والدليل النقلي هنا على أن أباحازم لم يسمع من ابن عمرقائم، فقد قال ابنه ليحيى بن صالح: من حدثك أن أبي سمع من أحد من الصحابة غير سهل بن سعد فقد كذب. فهذا ابنه يقرر هذا على سبيل القطع، ومثل هذا لا ينقضه إلا إسناد آخر صحيح صريح في السماع، أما بكلمة "عن" فلا، ولذلك نص في التهذيب على أنه يروي عن ابن عمر وابن عمرو بن العاص ولم يسمع منهما. وترجمه البخاري في الكبير (٢/٢/٧٩) فذكر من سمع منهم، فلم يذكر من الصحابة ١- لم أجد هذا الحديث في جامع الترمذي ولم أعلم في أي كتاب أخرجه وحسنه.

стр. 199

١٠٨- (٣٠) وعن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم)) ، رواه أبوداود. ١٠٩- (٣١) وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : ((ستة لعنتهم ولعنهم الله وكل نبي يجاب: الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والمتسلط بالجبروت ليعز من أذله الله ــ إلا سهل بن سعد. وأما الرواية الأخرى التي فيها زكريا بن منظور فإن زكريا هذا ضعيف جداً، لينه أحمد بن حنبل. وقال أحمد بن صالح: ليس به بأس، وترجمة البخاري في الكبير (٢/١/٣٨٨) وقال: ليس بذلك، وترجمة في الصغير (٢١٣) فقال: منكر الحديث. وقال أبوزرعة: واهي الحديث، منكر الحديث، ونحو ذلك قال أبوحاتم. وقال ابن حبان منكر الحديث جداً، يروي عن أبي حازم ما لا أصل له من حديثه. وأما ما نقل السيوطي عن ابن حجر أن الترمذي حسنه فأخشى أن يكون وهماً من الحافظ، فإن الترمذي لم يروه أصلاً فيما تبين لي بعد البحث والتتبع - انتهى. ١٠٨- قوله: (لا تجالسوا أهل القدر) فإنه لا يؤمن أن يغمسوكم في ضلالتهم. (ولا تفاتحوهم) من الفتاحة بضم الفاء وكسرها أي الحكومة أي لا تحاكموا إليهم، يعني لا ترفعوا أموركم إلى حكامهم، وقيل: لا تبدؤوهم بالسلام أو بالكلام، قيل: لا تبتدؤوهم بالمناظرة والمجادلة في الاعتقاديات لئلا يقع أحدكم في شك. (رواه أبوداود) في السنة وسكت عليه هو المنذري، وفي سنده حكيم بن شريك الهذلي، وثقه ابن حبان وقواه، وقال أبوحاتم: مجهول. وأخرجه أيضاً أحمد (ج١: ص٣٠) والحاكم من طريق حكيم بن شريك هذا ولم يصححه، وإنما رواه شاهداً للحديث الذي قبله. ١٠٩- قوله: (ولعنهم الله) بالواو العاطفة وبدونها كما في المصابيح والجامع الصغير والمستدرك. قال القاري: وهو الأصح، ولم يعطفه على جملة قبله إما لأنه دعاء، وإما لكونه استئنافاً، كأنه قيل: فماذا بعد؟ فأجب لعنهم الله، والثانية منبئة عن الأول أو قيل لماذا فبالعكس، وعلى هذا قوله: (وكل نبي يجاب) معترض بين البيان والمبين، أي من شأن كل نبي أن يكون مستجاب الدعوات، و"كل نبي" مبتدأ وخبره "يجاب" على بناء المفعول من المضارع أي جاب دعوته، وهو الرواية المشهورة، ويروي بالميم أي مجاب الدعوة، والجملة على الروايتين إما ابتدائية، وإما عطف على "ستة لعنتهم" أو حال من فاعل "لعنتهم"، وجملة "لعنهم الله" إنشائية للدعاء، معترضة بين الحال وصاحبها. وقال التوربشتي: لا يصح عطف "وكل نبي مجاب" على فاعل لعنتهم ومجاب صفة، وصححه الأشرف لوجود الفاصل - انتهى. (الزائد في كتاب الله) أي القرآن وسائر كتبه بأن يدخل فيه ما ليس فيه أو يأوله بما يأباه اللفظ ويخالف المحكم كما فعلت اليهود بالتوراة من التبديل والتحريف، والزيادة في كتاب الله في نظمه وحكمه كفر، وتأويله بما يخالف الكتاب والسنة بدعة، (والمسلط بالجبروت) أي الإنسان المستولي المتقوي الغالب أو الحاكم بالتكبر والعظمة الناشئ عن الشوكة والولاية، و"الجبروت" فعلوت من الجبر وهو القهر (ليعز من أذله الله) أي يرفع مرتبة من أذله الله لكفره أو لفسقه على المسلمين

стр. 200

ويذل من أعزه الله، والمستحل لحرم الله، والمستحل من عترتي ما حرم الله، والتارك لسنتي)) ، رواه البيهقي في المدخل، ورزين في كتابه. ١١٠- (٣٢) وعن مطر بن عكامس قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قضى الله لعبد أن يموت بأرض جعل له إليها حاجة)) ، رواه أحمد والترمذي. ــ أو يحكمه فيهم (ويذل من أعزه الله) بأن يخفض مراتب العلماء والصلحاء أو نحوهم. (والمستحل لحرم الله) بفتح الحاء والراء يريد حرم مكة بأن يفعل فيه ما لا يحل فيه من الاصطياد وقطع الشجر. (والمستحل من عترتي ما حرم الله) أي من إيذائهم وترك تعظيمهم، والعترة: الأرقاب القريبة. وقال في القاموس: العترة بالكسر نسل الرجل وذريته، وتخصيص ذكر "لحرم" والعترة وكل مستحل محرم ملعون؛ لشرفهما وأن أحدهما منسوب إلى الله والآخر إلى رسول الله، فعلى هذا من في "من عترتي" ابتدائية. قال الطيبي: ويحتمل أن يكون بيانية بأن يكون المستحل من عترة رسول الله ﷺ ، ففيه تعظيم الجرم الصادر عنهم (والتارك لسنتي) أي المعرض عنها باكلية أو بعضها استخفافاً بها وقلة مبالاة فهو كافر وملعون، وتاركها تهاوناً وتكاسلاً لا عن استخفاف فهو عاص، واللعنة عليه من باب التغليظ (رواه البيهقي في المدخل) بفتح الميم والخاء (ورزين) أي ورواه رزين (في كتابه) وأخرجه أيضاً النسائي كما في الجامع الصغير، والطبراني في الكبير، وابن حبان في صحيحه، والحاكم (ج١:ص٣٦) وقال: صحيح الإسناد ولا أعرف له علة - انتهى. ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي (ج٧:ص٢٠٥) : رجاله ثقات. وقد صححه ابن حبان، ونسبه الشيخ ناصر الدين الألباني في تعليقه على المشكاة للترمذي فقال: أخرجه الترمذي في القدر (ج٢:ص٢٣، ٢٢) قال وأعله الترمذي بالإرسال وقال إنه أصح -انتهى. وإني لم أجده في أبواب القدر فلينظر. وأخرجه الحاكم عن علي أيضاً. ١١٠- قوله: (وعن مطر) بفتحتين (بن عكامس) بضم العين المهملة وتخفيف الكاف وكسر الميم بعدها سين مهملة، السلمي من بني سليم بن منصور، يعد في الكوفيين، له الحديث الآتي فقط ليس له غيره، لم يرو عنه غير أبي إسحاق السبيعي. اختلف في صحبته، قال أبوأحمد العسكري: قال بعضهم ليس له صحبة، وبعضهم يدخله في الصحابة. وقال أيضاً، وأكثرهم يدخله في المسند. قلت: ذكره الحافظ في الإصابة (ج٣:ص٤٤٣) في القسم الأول من حرف الميم، وقال في التقريب صحابي. وكذا قال الخزرجي في الخلاصة، وقال ابن حبان له صحبة (إذا قضى الله) أي أراد أو قدر أو حكم في الأزل (جعل) أي أظهر الله (له إليها حاجة) أي ليسافر إليها فيتوفاه الله بها ويدفن فيها إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وما تدري نفس بأي أرض تموت﴾ [٣٤:٣١] . وفي الحديث دليل على سبق القضاء والقدر (رواه أحمد) (ج٥:ص٢٢٧) (والترمذي) في القدر وقال: حسن غريب. وأخرجه أيضاً أبوداود في القدر، والحاكم (ج١:ص٤٢) وقال:

стр. 201

١١١- (٣٣) وعن عائشة ﵂ قالت: قلت: ((يا رسول الله ذراري المؤمنين؟ قال: من آبائهم، فقلت: يا رسول الله بلا عمل؟ قال: الله أعلم بما كانو عاملين. قلت: فذراري المشركين؟ قال: من آبائهم، قلت: بلا عمل؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين)) ، رواه أبوداود. ١١٢- (٣٤) وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((الوائدة والموؤدة في النار)) ، ــ صحيح على شرطهما. وأقره الذهبي، وأخرجه الترمذي وأحمد (ج٣:ص٤٢٩) والطبراني في الكبير، وأبونعيم في الحية، والحاكم (ج١:ص٤٢) عن أبي عزة أيضاً، وصححه الترمذي والحاكم، وفي الباب أيضاً عن ابن مسعود أخرجه الحاكم (ج١:ص٤٢، ٤١) قال الذهبي: على شرط الشيخين. ١١١- قوله: (ذراري المؤمنين) خبر مبتدأ محذوف، أي ما حكم ذراريهم، أهم في الجنة أم النار؟ (قال من آبائهم) من اتصالية كقوله تعالى: ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض﴾ [٦٧:٩] . فالمعنى أنهم متصلون بآبائهم، فلهم حكمهم. قال التوربشتي: أي معدودون من جملتهم؛ لأن الشرع يحكم بالاسلام لإسلام أحد الأبوين، ويأمر بالصلاة عليهم، وبمراعاة أحكام المسلمين. وكذلك يحكم على ذراري المشركين بالاسترقاق ومراعاة أحكامهم وبانتفاء التوارث بينهم وبين المسلمين، فهم ملحقون في ظاهر الأمر بآبائهم. (قلت بلا عمل) هذا وارد منها على سبيل التعجب. (قال الله أعلم بما كانوا عاملين) أي لو بلغوا، رداً لتعجبها وإشارة إلى القدر ولهذا أورد الحديث في باب القدر. قال التوربشتي: يعني أنهم تبع لآبائهم في الدنيا، وأما في الآخرة فموكول أمرهم إلى علم الله تعالى بهم –انتهى. وقال القاضي: الثواب والعقاب ليسا بالأعمال وإلا لم يكن ذراري المسلمين والكفار من أهل الجنة والنار، بل الموجب اللطف الإلهي والخذلان المقدر لهم في الأزل، فالواجب فيهم التوقف وعدم الجزم فإن أعمالهم موكولة إلى علم الله فيما يعود إلى أمر الآخرة، والأعمال دلائل السعادة والشقاوة ولا يلزم من انتفاء الدليل انتفاء المدلول – انتهى. قلت: قد تقدم أن أولاد المسلمين يدخلون الجنة بالاتفاق، وأما أولاد المشركين فهم أيضاً من أهل الجنة على القول المحقق الصحيح المؤيد بالكتاب والسنة، وأما حديث عائشة هذا وأمثاله فمؤولة أو محمولة على أنه ﷺ قال ذلك قبل أن يخبر أنهم من أهل الجنة (رواه أبوداود) في السنة وسكت عليه هو والمنذري، وأخرجه أيضاً أحمد. ١١٢- قوله: (الوائدة) أي التي تدفن الولد حياً، وقيل هي القابلة، وخصها بالذكر؛ لأن أكثر ما كان الوأد من النساء أو لخصوص السبب (والموؤدة في النار) قال القاري: وأد بنته يئدها وأدا فهي موؤدة إذا دفنها في القبر وهي حية، وهذا كان من عادة بعض قبائل العرب في الجاهلية خوفاً من الفقر أو فراراً من العار، قال القاضي: الوائدة في النار لكفرها وفعلها، والموؤدة فيها لكفرها تبعاً لأبويها، ففيه دليل على تعذيب أطفال المشركين، وأوله من نفاه بأن

стр. 202

رواه أبوداود والترمذي. ﴿الفصل الثالث﴾ ١١٣- (٣٥) عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله عزوجل فرغ إلى كل عبد ــ الوائدة: القابلة الدافنة لها، والموؤدة أمها الموؤدة لها فحذف الصلة - انتهى. ملخصًا مختصراً. قلت: لابد من هذا التأويل ليصح كون الموؤدة في النار ولئلا يلزم التعارض، وأجيب أيضاً بأن الحديث ورد في قضية خاصة، وهي أن ابني مليكة أتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن أم لهما كانت تئد فقال ﷺ الحديث. أخرجه أحمد والنسائي، فأما الوائدة أي الأم فلأنها كافرة، وأما الموؤدة أي البنت المدفونة فلاحتمال كونها بالغة كافرة أو غير بالغة لكن النبي ﷺ أخبر بأنها من أهل النار بقضاء الله وقدره في الأزل إما بوحي أو غيره وحينئذٍ فـ (ال) في "الموؤدة" ليست للاستغراق بل لعهد، فلا يجوز الحكم على أطفال المشركين بأنهم من أهل النار بحديث ابن مسعود هذا؛ لأن هذه واقعة عين في شخص معين، فلا يجوز إجراءه على عمومه في جميع الموؤدين وحمله على العموم مع الاحتمال المذكور، والعبرة وإن كانت لعموم اللفظ لا لخصوص السبب لكن يحمل ههنا على خصوص السبب دفعاً للمعارضة بينه وبين الأحاديث الدالة على كون أولاد المشركين من أهل الجنة، ولا يخفى على هذا وجه المناسبة بين الحديث والباب. (رواه أبوداود) في السنة وسكت عنه هو والمنذري، وقال العزيزي: إسناده صحيح. وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم في تفسيره، والطبراني في الكبير، والهيثم بن كليب في مسنده، وابن عدى ويحيى بن صاعد في مسنده، وأخرجه أحمد (ج٣:ص٤٧٨) والنسائي عن سلمة بن يزيد الجعفي مطولاً بذكر السبب كما أشرنا إليه، وقد روى أحمد عن خنساء بنت معاوية الصريمية عن عمتها قالت: قلت: ((يارسول الله ﷺ من في الجنة؟ قال: النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والموؤدة في الجنة)) ، كذا ذكره ابن كثير في تفسيره (والترمذي) كذا في نسخة وهي خطأ من النساخ جزما. ١١٣- قوله: (عن أبي الدرداء) هو عويمر بن زيد، وقيل ابن عامر بن قيس الأنصاري الخزرجي، مشهور بكنيته وباسمه جميعاً، واختلف في اسمه فقيل: اسمه عامر، وعويمر لقبه، أسلم يوم بدر وشهد أحداً وأبلى فيها، قال رسول الله ﷺ يوم أحد: نعم الفارس عويمر. وقال: هو حكيم أمتي. كان عابداً فقيهاً عالماً حكيماً، سكن الشام، ومات بدمشق سنة (٣٢) . وقال الخزرجي: له مائة وتسعة وسبعون حديثاً، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بثمانية أحاديث. جمع القرآن، وولى قضاء دمشق بأمر عمر بن الخطاب. وله فضائل جمة ومناقب كثيرة جداً. (فرغ إلى كل عبد) فرغ يستعمل باللام، واستعماله بإلى هنا لتضمين معنى الانتهاء أو يكون حالاً بتقدير منتهياً، والمعنى انتهى تقديره في الأزل من تلك الأمور الخمسة إلى تدبير هذا العبد بإيدائها، ويجوز أن يكون بمعنى اللام، فيقال "هداه إلى

стр. 203

من خلقه من خمس: من أجله وعمله ومضجعه وأثره ورزقه)) رواه أحمد. ١١٤- (٣٦) وعن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من تكلم في شيء من القدر سئل عنه يوم القيامة، ومن لم يتكلم فيه لم يسئل عنه)) رواه ابن ماجه. ١١٥- (٣٧) وعن ابن الديلمي قال: ــ كذا ولكذا" وقوله: (من خلقه) صلة "فرغ" أي من خلقة العبد وما يختص به وما لابد منه من الأجل والعمل وغيرهما، وقوله: (من خمس) بدل منه بإعادة الجار. قال الطيبي: والوجه أن الخلق بمعنى المخلوق، و"من" فيه بيانية، و"من" في "خمس" متعلق بفرغ، وقيل من تبعيضية أي فرغ إلى كل عبد كائن من مخلوقه من خمس (من أجله) بفتحتين أي مدة عمره، ومن بيانية للخمس أو بدل بإعادة الجار (وعمله) أي خيره وشره (ومضجعه) أي سكونه وقراره، والظاهر أن المراد به مكان موته ومحل قبره (وأثره) أي حركته واضطراره أو أثر مشيه في الأرض أو ما يحصل له من الثواب والعقاب (ورزقه) أي حلاله وحرامه، كثيره وقليله. (رواه أحمد) (ج٥:ص١٩٧) وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير والأوسط، والبزار. قال الهيثمي (ج٧:ص١٩٥) : وأحد إسنادي أحمد رجاله ثقات. وأخرج نحوه الطبراني في الأوسط عن ابن مسعود، وابن عساكر عن أنس. ١١٤- قوله: (من تكلم في شيء من القدر) قيل "في شيء" ولم يقل " في القدر" ليفيد المبالغة في القلة وفي النهي عنه، أي من تكلم بشيء يسير منه يسئل عنه يوم القيامة، فكيف بالكثير منه (سئل عنه) سؤال تهديد ووعيد، ويحتمل أن يراد به مطلق السؤال. وقال القاري: أي كسائر الأقوال والأفعال، وجوزي كل ما يستحقه (لم يسأل عنه) بأن يقال: له "لم تركت التكلم فيه؟) فصار ترك التكلم فيه خيراً من التكلم فيه، فالشخص إذا آمن بالقدر ولم يبحث عنه لا يرد عليه سؤال الاعتراض بعدم التفحص، فإنه غير مأمور به، ولذا قال ﷺ فيما تقدم على طريق الإنكار: بهذا أمرتم؟ أي بالتنازع بالبحث في القدر. وقال أيضاً: إذا ذكر القدر فأمسكوا. أخرجه الطبراني عن ابن مسعود مرفوعاً، فالمقصود من الحديث الزجر والمنع من التكلم في القدر والخوض فيه لعدم الفائدة فيه سوى السؤال والمناقشة يوم القيامة. (رواه ابن ماجه) في السنة، قال في الزوائد: إسناد هذا الحديث ضعيف لاتفاقهم على ضعف يحيى بن عثمان التيمي، قال فيه ابن معين والبخاري وابن حبان: منكر الحديث. زاد ابن حبان "لا يجوز الاحتجاج به". ويحيى بن عبد الله بن أبي مليكة، قال ابن حبان في الثقات: يعتبر بحديثه إذا روى عنه غير يحيى بن عثمان – انتهى. قلت: حديث عائشة هذا وإن كان ضعيفاً لكنه تأيد بالأحاديث التي تدل على منع الخوض في القدر والبحث عنه. ١١٥- قوله: (عن ابن الديلمي) بفتح الدال منسوب إلى الديلم، وهو الجبل المعروف بين الناس، وابن الديلمي

стр. 204

أتيت أبي بن كعب فقلت له: قد وقع في نفسي شيء من القدر فحدثني لعل الله أن يذهبه من قلبي. فقال: لو أن الله عزوجل عذب أهل سمواته وأهل أرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهباً في سبيل الله ما قبله الله منك ــ هذا هو أبوبسر عبد الله بن فيروز الديلمي أخو الضحاك بن فيروز، كان يسكن بيت المقدس، ثقة من كبار التابعين، ومنهم من ذكره في الصحابة. وأبوه فيروز صحابي معروف، وقال المصنف في أسماء رجال المشكاة: ابن الديلمي هو الضحاك بن فيروز تابعي حديثه في المصريين، روى عن أبيه – انتهى. والراجح عندنا أن المراد بابن الديلمي ههنا هو عبد الله بن فيروز لا أخوه الضحاك؛ لأنه ليس للضحاك رواية عن أبي بن كعب، والله أعلم. (أتيت أبي ابن كعب) هو أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي النجاري المدني سيد القراء، شهد بدراً وما بعدها والعقبة الثانية، كناه النبي ﷺ أبا المنذر وعمر أبا الطفيل، وسماه النبي ﷺ سيد الأنصار وعمر سيد المسلمين، كان يكتب للنبي ﷺ الوحي، وهو أحد الستة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، وأحد الفقهاء الستة الذين كانوا يفتون على عهد رسول الله ﷺ ، وكان أقرأ الصحابة لكتاب الله، كان عمر يسأله عن النوازل ويتحاكم إليه في المعضلات، وله مناقب جمة. روي له مائة وأربعة وستون حديثاً، اتفق الشيخان على ثلاثة، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بسبعة، روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين. واختلف في سنة موته اختلافاً كثيراً قيل/: سنة (١٩) وقيل (٢٠) وقيل (٢٢) وقيل (٣٠) وقيل (٣٢) وقيل (٣٣) (قد وقع في نفسي شيء من القدر) أي حزازة واضطراب عظيم من جهة أمر القضاء والقدر باعتبار العقل أريد منك الخلاص منه، وقيل: "شي من القدر" أي لأجل القول بالقدر يريد أنه وقع في نفسه من الشبه لأجل القول بالقدر، أوالمراد بالقدر هو القول بنفي القدر الذي هو مذهب القدرية. (فحدثني) أي بحديث (لعل الله أن يذهبه) دخول "أن" في خبر لعل للتشبيه بعسى (فقال: لو أن الله عزوجل عذاب أهل سمواته) من الملائكة (وأهل أرضه) من الأنبياء والأولياء وغيرهم (عذبهم وهو غير ظالم لهم) الواو للحال، إرشاد عظيم وبيان شاف لإزالة ما طلب منه؛ لأنه هدم قاعدة الحسن والقبح العقليين؛ لأنه مالك الأرض والسماوات وما فيهن، فله أن يتصرف في ملكه كيف يشاء ولا يتصور في تصرفه ظلم؛ لأنه تصرف في ملك الغير ولا ملك لغيره أصلاً ثم عطف عليه (ولو رحمهم) إلخ إيذاناً بأن النجاة من العذاب إنما هي برحمته وفضله لا بالأعمال الصالحة، فالرحمة خير منها فلو شاء أن يصيب برحمته الأولين والآخرين فله ذلك ولا يخرج ذلك عن حكمة (مثل أحد) بضمتين، جبل عظيم قرب المدينة (ذهباً) تمييز (في سبيل الله) أي مرضاته (ما قبله الله) أي ذلك الإنفاق أو مثل ذلك الجبل (منك) وهو تمثيل على سبيل الفرض لا تحديد إذ لو فرض إنفاق ملأ السماوات والأرض كان كذلك، وفيه إشارة

стр. 205

حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن لصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار. قال: ثم أتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك. قال: ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك. ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي ﷺ مثل ذلك)) ، رواه أحمد وأبوداود وابن ماجة. ــ إلى أنه لا قبول لعمل المبتدع عند الله تعالى أو هو مبنى على القول بكفر منكره (وتعلم) تخصيص بعد تعميم أن ما أصابك من النعمة والبلية أو الطاعة والمعصية مما قدره الله لك أو عليك (لم يكن ليخطئك) أي يتجاوز عنك فلا يصيبك، بل لا بد من إصابته، والحيل غير نافعة في دفعه، وعنوان لم يكن ليخطئك يدل على أنه محال أن يخطئك، والوجه في دلالته أن "لم يكن" يدل على المضي و"ليخطئك" يدل على الاستقبال بواسطة الصيغة سيما مع "أن" المقدرة فيدل على أنه ما كان قبل الإصابة في الأزمنة الماضية قابلاً لأن يخطئك في المستقبل بواسطة تقدير الله تعالى وقضاءه في الأزل، بذلك قاله السندهي. (ولو مت) بضم الميم من مات يموت وبكسرها من مات يميت (على غير هذا) أي على اعتقاد غير هذا الذي ذكرت لك من الإيمان بالقدر (قال) أي ابن الديلمي (فقال مثل ذلك) أي مثل جواب أبي في سؤالي (ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك) فالحديث من طرق هؤلاء الثلاثة صار موقوفاً. (ثم أتيت زيد بن ثابت) أفضل كتبة الوحي وأفرض الصحابة، وهو زيد بن ثابت بن الضحاك بن لوذان الأنصاري النجاري الخزرجي، أو سعيد ويقال أو خارجة المدني كاتب الوحي، استصغر يوم بدر، قدم النبي ﷺ المدينة وهو ابن أحد عشر سنة، وأول مشاهده الخندق، جمع القرآن وكتبه في عهد الصديق ونقله من المصحف في زمن عثمان، وأمره النبي ﷺ أن يتعلم كتاب يهود فتعلمه في نصف شهر فكان يكتب لرسول الله ﷺ إذا كتب إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأه. قال الشعبي: غلب زيد الناس على اثنين: الفرائض والقرآن. وقال مسروق: كان أصحاب الفتوى من أصحاب رسول الله ﷺ ستة فسماه فيهم، وقال مسروق: قدمت المدينة فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم. وقال أبوهريرة يوم مات زيد: مات اليوم حبر الأمة، وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفاً. وفضائله كثيرة، له إثنان وتسعون حديثاً، اتفقا على خمسة، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بواحد. روى عنه خلق كثير، مات بالمدينة سنة (٤٥) وقيل سنة (٤٨) وقيل سنة (٥١) وقيل سنة (٥٥) . (فحدثني عن النبي ﷺ مثل ذلك) فصار الحديث من طريقه مرفوعاً. قال الطيبي: في سؤاله من الصحابة واحداً بعد واحد واتفاقهم في الجواب من غير تغيير ثم انتهاء الجواب إلى حديث النبي ﷺ ، دليل على الإجماع المستند إلى النص الجلي، فمن خالف ذلك فقد كابر الحق الصريح (رواه أحمد) في مسنده (ج٥:ص١٨٢) (وأبوداود وابن ماجة) في السنة كلهم من طريق أبي سنان سعيد بن سنان عن وهب بن خالد عن ابن الديلمي، وأبوسنان هذا قال

стр. 206

١١٦- (٣٨) وعن نافع أن رجلاً أتي ابن عمر فقال: إن فلاناً يقرأ عليك السلام، فقال: إنه بلغني أنه قد أحدث، فإن كان قد أحدث فلا تقرئه مني السلام، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يكون في أمتي أو في هذه الأمة خسف ومسخ أو قذف في أهل القدر)) ، رواه الترمذي وأبوداود وابن ماجة. ــ المنذري: وثقه يحيى بن معين وغيره وتكلم فيه الإمام أحمد وغيره وأخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه والطبراني في الكبير وغيرهما. ١١٦- قوله: (وعن نافع) كنيته أبوعبد الله المدني، مولى ابن عمر أصابه في بعض مغازيه، ثقة ثبت فقيه من أوساط التابعين. قال المصنف: هو من المشهورين بالحديث ومن الثقات الذين يؤخذ عنهم ويجمع حديثهم ويعمل به، معظم حديث ابن عمر دائر عليه. قال مالك: كنت إذا سمعت من نافع يحدث عن ابن عمر لا أبالي أن لا أسمعه من غيره. وقال عبد الله بن عمر: لقد من الله تعالى علينا بنافع. قال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر. روى عنه خلائق، مات سنة (١١٧) أو بعد ذلك. (يقرأ عليك السلام) بفتح الياء والراء وفي نسخة يقريء أي بضم الياء وكسر الراء، قال في القاموس: قرأ ﵇ أبلغه كأقرأه ولا يقال أقرأه إلا إذا كان السلام مكتوباً. (فقال) أي ابن عمر (إنه) أي الشأن وتفسيره الخبر وهو قوله: (بلغني أنه قد أحدث) أي ابتدع في الدين ماليس منه من التكذيب بالقدر (فإن كان قد أحدث) أي ما ذكر (فلا تقرئه مني السلام) قال الطيبي: كناية عن عدم قبول السلام. قال القاري: والأظهر أن مراده أن لا تبلغه مني السلام أورده فإنه ببدعته لا يستحق جواب السلام، ولوكان من أهل الإسلام. وقال ابن حجر: لاتقرئه مني السلام؛ لأنا أمرنا بمهاجرة أهل البدع، ومن ثم قال العلماء: لا يجب رد سلام الفاسق والمبتدع بل لا يسن زجرا ً لهما، ومن ثم جاز هجرهم لذلك (يكون في أمتي أو في هذه الأمة) أي أمة الإجابة و"أو" للشك (خسف) أي ذهاب في عمق الأرض (ومسخ) وفي نسخة "أومسخ" وكذا في جامع الترمذي، أي تغير الصورة (أو قذف) أي رمى بالحجارة من جهة السماء كقول لوط، و"أو" للتنويع لا للشك (في أهل القدر) بدل بعض من قوله: "في أمتي" بإعادة الجار، وفي سنن ابن ماجة "وذلك في أهل القدر" (رواه الترمذي وأبوداود وابن ماجة) أخرجه الترمذي في القدر، وابن ماجة في الفتن كلاهما من طريق أبي عاصم عن حيوة بن شريح عن أبي صخر عن نافع بالسياق المذكور، ولم أجد الحديث في سنن أبي داود بهذا اللفظ نعم أخرج هو في السنة عن أحمد بن حنبل عن عبد الله بن يزيد عن سعيد بن أبي أيوب عن أبي صخر عن نافع قال: كان لابن عمر صديق من أهل الشام يكاتبه فكتب إليه عبد الله بن عمر بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر، فإياك أن تكتب إلي فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنه سيكون في أمتي أقوام

стр. 207

وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. ــ يكذبون القدر. قال المزي في الأطراف: هو في رواية ابن الأعرابي وأبي بكر بن داسة. وأخرجه أيضاً أحمد (ج٢:ص٩٠) والحاكم (ج١:ص٨٤) بهذا اللفظ، ورواه أحمد أيضاً (ج٢:ص١٠٨) بنحو الرواية المتقدمة في الفصل الثاني وفي (ج٢:ص١٣٧، ١٣٦) بنحو الرواية التي نحن في شرحها (وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب) اعلم أن الغرابة لا تنافي الصحة فيجوز اجتماع الغرابة والصحة في حديث واحد من غير إشكال، وكذا لا شبهة في جواز اجتماع الغرابة والحسن كما أسلفنا، أما اجتماع الحسن والصحة فقد استشكلوه بأن الحسن قاصر عن الصحيح كما هو ظاهر من تعريفهما عند الجمهور، ففي الجمع بينهما في حديث واحد نفي ذلك القصور وإثباته. وأجيب عنه بوجوه منها: أن ذلك راجع إلى الإسناد فإذا روى الحديث بإسنادين، أحدهما إسناد حسن، والآخر صحيح استقام أن يقال فيه إنه حديث حسن صحيح، أي إنه حسن بالنسبة إلى إسناد، صحيح بالنسبة إلى إسناد آخر، وفيه أنه لا يصح في الآحاديث التي يقول فيها حسن صحيح مع أنه ليس له إلا مخرج واحد، وفي كلام الترمذي في مواضع يقول: هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ومنها أن الحسن لا يشترط فيه القصور عن الصحة إلا إذا اقتصر على قوله: "حسن" فالقصور يأتيه بسبب الاقتصار على ذكره لا من حيث حقيقته وذاته، وبيانه وتوضيحه أن ههنا صفات للرواة تقتضي قبول الرواة، ولتلك الصفات درجات بعضها فوق بعض كالتيقظ والحفظ والإتقان، فإذا وجدت الدرجة العليا لم يناف ذلك وجود الدنيا كالحفظ مع الصدق فيصح أن يقال في هذا إنه حسن باعتبار وجود الصفة الدنيا وهي الصدق مثلاً، صحيح باعتبار الصفة العليا وهي الحفظ والإتقان، ويلزم على هذا أن يكون كل صحيح حسناً، ويؤيده ورود قولهم هذا حديث حسن في الأحاديث الصحيحة، وهذا موجود في كلام المتقدمين ومنها أن المراد بقول الترمذي "حديث حسن صحيح" ماشابه الصحة والحسن، فهو إذن دون الصحيح، وشرح بيانه أن الجمع بين الحسن والصحة في حديث واحد رتبة متوسطة بين الصحيح والحسن، فالمقبول ثلاث مراتب: الصحيح أعلاها، والحسن أدناها، والثالثة ما يتشرب من كل منهما، فإن كل ما فيه شبه من شيئين ولم يتمحض لأحدهما اختص برتبة مفردة، كقولهم للمز وهو ما فيه حلاوة وحموضة: هذا حلو حامض. أي مز، فعلى هذا يكون ما يقول فيه "حسن صحيح" أعلى رتبة عنده من الحسن، ويكون حكمه بالصحة المحضة أقوى من حكمه عليه بالصحة مع الحسن، وفيه أنه تحكم لا دليل عليه وهو بعيد من فهمهم معنى كلام الترمذي. وفيه أيضاً أنه يقتضي إثبات قسم ثالث، ولا قائل به فهو خرق لإجماعهم. وفيه أيضاً أنه يلزم عليه أن لا يكون في كلام الترمذي حديث صحيح إلا قليلاً لقلة اقتصاره على قوله: "هذا حديث صحيح"، مع أن الذي يعبر فيه بالصحة والحسن أكثره موجود في الصحيحين. ومنها أنه يريد الترمذي بقوله: "حسن صحيح" في هذه الصورة الخاصة الترادف، فيكون إتيانه باللفظ الثاني بعد الأول للتأكيد له كما يقال: حديث صحيح ثابت أو جيد قوي أو غير ذلك.

стр. 208

وفيه أن الحمل على التأسيس أولى من الحمل على التأكيد؛ لأن الأصل عدم التأكيد، لكن يندفع ذلك عند وجود القرينة الدالة على ذلك، وقد وجد في عبارة غير واحد كالدارقطني "هذا حديث صحيح ثابت"، ومنها أنه يجوز أن يريد الترمذي حقيقتهما الاصطلاحية في إسناد واحد لكن باعتبار حالين وزمانين، فيجوز أن يكون سمع هذا الحديث من رجل مرة في حال كونه مستوراً أو مشهوراً بالصدق والأمانة ثم ارتقى وارتفع حاله إلى درجة العدالة فسمعه منه مرة أخرى فأخبر بالوصفين، وقد روي عن غير واحد أنه سمع الحديث الواحد على شيخ واحد غير مرة. ومنها أنه يحتمل أن يكون الترمذي أدى اجتهاده إلى حسنه وأدى اجتهاد غيره إلى صحته أو بالعكس فهو باعتبار مذهبين. ومنها أن المراد حسن لذاته صحيح لغيره يعني أنه في أعلى درجات الحسن وأدنى درجات الصحة، ومنها أنه باعتبار صدق الوصفين على الحديث بالنسبة إلى أحوال رواته عند أئمة الحديث فإذا كان فيهم من يكون حديثه صحيحاً عند قوم وحسناً عند قوم آخرين يقال فيه ذلك، وفيه أنه لو أراد ذلك لأتى بالواو التي للجمع فيقول حسن وصحيح. وفيه أيضاً أن الترمذي إنما يحكم على الحديث بالنسبة إلى ما عنده لا بالنسبة إلى غيره. وفيه أيضاً أنه يتوقف على اعتبار الأحاديث التي جمع الترمذي فيها بين الوصفين، فإن كان في بعضها مالا اختلاف فيه عند جميعهم في صحته قدح في الجواب. ومنها أن الحديث الذي يقول فيه الترمذي "حسن صحيح" إن وقع التفرد والغرابة في سنده فهو محمول على التردد الحاصل من المجتهد في الرواة هل اجتمعت فيهم صفة الصحة أو الحسن؟ فتردد أئمة الحديث في حال ناقله اقتضى للمجتهد أن يتردد ولا يصفه بأحد الوصفين جزماً، فيقال فيه "حسن" باعتبار وصفه عند قوم "صحيح" باعتبار وصفه عند قوم، غاية ما فيه أنه حذف فيه حرف التردد، وكان حقه أن يقول: "حسن أو صحيح" وهذا كما يحذف حرف العطف من التعداد، وعلى هذا فما قيل فيه حسن صحيح دون ما قيل فيه صحيح؛ لأن الجزم أقوى من التردد. ومنها أنه يجوز أن يكون مراده أن ذلك باعتبار وصفين مختلفين وهما الإسناد والحكم، فيجوز أن يكون قوله: حسن أي باعتبار إسناده، صحيح أي باعتبار حكمه؛ لأنه من قبيل المقبول، وكل مقبول يجوز أن يطلق عليه اسم الصحة، وهذا يمشي على قول من لا يفرد الحسن من الصحيح، بل يسمي الكل صحيحا، لكن يرد عليه أن الترمذي أكثر من الحكم بذلك على الأحاديث الصحيحة الإسناد. ومنها أنه أراد حسن على طريقة من يفرق بين النوعين لقصور رتبة رواية عن درجة الصحة المصطلحة، صحيح على طريقة من لا يفرق، ويرد عليه ما أوردناه سابقاً. ومنها أنه أراد بالحسن معناه اللغوي، وهو ما تميل إليه النفس وتستحسنه ولا يأباه القلب، دون المعنى الاصطلاحي الذي نحن بصدده. وفيه أن حمل الألفاظ الاصطلاحية على معانيها المصطلحة واجب، ولا يجوز ترك الاصطلاح من غيرموجب. وفيه أيضاً أنه يلزم أن يطلق لفظ الحسن على الحديث الضعيف، ولم يقل به أحد إلى الآن. ومنها أن المراد حسن باعتبار إسناده، صحيح أي أنه أصح شيء ورد في الباب، فإنه يقال أصح ما ورد كذا، وإن كان حسناً أو ضعيفاً فالمراد أرجحه أو أقله ضعفاً. هذا تلخيص ما في قوت المغتذي حاشية جامع الترمذي في هذا المبحث.

стр. 209

١١٧- (٣٩) وعن علي قال: سألت خديجة النبي ﷺ عن ولدين ماتا لها في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ : ((هما في النار. قال: فلما رأى الكراهة في وجهها، قال: رأيت مكانهما لأبغضتهما. قالت: يارسول الله ﷺ فولدي منك؟ قال: في الجنة، ثم قال رسول الله ﷺ : إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار، ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾ ــ ١١٧- قوله: (سألت خديجة) هي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية، كانت تحت أبي هالة بن زراره ثم تزوجها عتيق بن عائذ ثم تزوجها النبي ﷺ ولها يومئذٍ من العمر أربعون سنة، وللنبي ﷺ خمس وعشرون سنة، ولم ينكح النبي ﷺ قبلها امرأة ولا نكح عليها حتى ماتت. وهي أول من آمن من كافة الناس من ذكرهم وأنثاهم، وقيل: هي أول من آمن من النساء. وكانت تدعى قبل البعثة "الطاهرة"، وجميع أولاده منها غير إبراهيم فإنه من مارية القبطية. وماتت بمكة قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل: بأربع سنين وقيل: بثلاث وكان قد مضى من النبوة عشر سنين، وكان لها من العمر خمس وستون سنة، وكانت مدة مقامها مع رسول الله ﷺ خمساً وعشرين سنة، ودفنت بالحجون. ومناقبها جمة، وفضائلها كثيرة جداً، بسط ترجمتها ابن عبد البر في الاستيعاب، والحافظ في الإصابة. (عن ولدين) أي عن شأنهما وأنهما في الجنة أو النار؟ (فلما رأى) النبي ﷺ (الكراهة) أي أثرها من الكآبة والحزن (قال) أي تسلية لها (لو رأيت مكانهما) وهو جهنم (لأبغضتهما) أي لو أبصرت منزلتهما في الحقارة والبعد من رحمة الله وعلمت بغض الله إياهما لأبغضتهما وتبرأت منهما تبرأ إبراهيم عن أبيه. (فولدي منك) المراد بأولادها منه ﷺ القاسم وعبد الله، وقيل: الطيب والطاهر أيضاً، وقيل: هما لقبان لعبد ال، له وهو قول الأكثر (إن المؤمنين وأولادهم في الجنة) هذا لا خلاف فيه يعتد به (وإن المشركين وأولادهم في النار ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿واللذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء﴾ [سورة الطور:٢٢] . قوله: ﴿والذين آمنوا﴾ مرفوع على أنه مبتدأ والخبر الجملة من قوله: ﴿ألحقنا بهم ذريتهم﴾ والذي بينهما اعتراض. قال البغوي: اختلفوا في تفسير الآية، فقال قوم: معناها والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان يعني أولادهم الصغار والكبار فالكبار بإيمانهم بأنفسهم أي بأيمانهم الاستقلالي، والصغار بإيمان آبائهم، أي بإيمانهم التبعي، فإن الولد الصغير يحكم بإسلامه تبعاً لأحد الأبوين، ﴿ألحقنا بهم ذريتهم﴾ المؤمنين في الجنة بدرجاتهم وإن لم يبلغو بأعمالهم درجات آباءهم تكرمة لآبائهم لتقر بذلك أعينهم، وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄. وقال آخرون: معناها ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم﴾ البالغون ﴿بإيمان ألحقنا ذريتهم﴾ الصغار الذين

стр. 210

رواه أحمد. ١١٨- (٤٠) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط عن ظهره كل نسمة ــ لم يبلغوا الإيمان بإيمان آبائهم، وهو رواية العوفى عن ابن عباس ﵄ أخبر الله عزوجل أنه يجمع لعبده المؤمن ذريته في الجنة كما كان يحب في الدنيا أن يجتمعوا إليه، يدخلهم الجنة بفضله ويلحقهم بدرجته بعمل أبيه من غير أن ينقص الآباء من أعمالهم شيئاً، فذلك قوله: ﴿وما ألتناهم﴾ أي ما نقصناهم يعني الآباء ﴿من عملهم من شيء﴾ ـ انتهى. ولا ريب أن هذا الإلحاق لكرامة آبائهم ومزيد سرورهم وتكميل نعيمهم وغبطتهم في الجنة وإلا فينغص عليهم كل نعيم، وهذا المعنى مفقود في الكفار. قال القارى: وظاهر الآية أن الذين آمنوا أعم من الآباء والأمهات. ولعل أولاد خديجة في النار؛ لأنها حال موتهم لم تكن مؤمنة، فلا ينافي قول العلماء: الولد الصغير يحكم بإسلامه تبعاً لأحد الأبوين ـ انتهى. قلت: حديث على هذا بظاهره يدل على أن أولاد المشركين في النار خلافاً لمن قال إنهم من أهل الجنة، ولمن قال بالتوقف فيهم بمعنى عدم العلم أو عدم الحكم فيهم بشيء، وقد تقدم أن الراجح فيهم قول من ذهب إلى أنهم في الجنة. وأجيب عن هذا الحديث بأن المراد بأولاد المشركين فيه أولادهم الكبار وكذا أولاد خديجة، والنزاع إنما هو في الصغار دون الكبار. والظاهر أن يقال: إن حديث على هذا لا يقاوم الأحاديث الدالة على كونهم من أهل الجنة، وهى حديث سمرة بن جندب في الرؤيا عند البخاري، وحديث خنساء بنت معاوية الصريمية عن عمتها عند أحمد، وحديث أنس عند أبي يعلى، فتقدم هذه الأحاديث على حديث علي، والله أعلم. (رواه أحمد) عزوه لأحمد خطأ وإنما رواه ابنه عبد الله في زيادات مسند أبيه (ج١:ص١٣٤) . وإليه عزاه الهيثمى في مجمع الزوائد (ج٧:ص٢١٧) وقال: وفيه محمد بن عثمان ولم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال الذهبي في الميزان (ج٣:ص١٠١) في ابن عثمان: لا يدرى من هو؟ فتشت عنه في أماكن، وله خبر منكر فذكر هذا الحديث. وقال الحافظ في اللسان (ج٥:ص٢٧٩) بعد ذكر كلام الذهبي وسياق الحديث: قلت والذي يظهر لي أنه هو الواسطى المتقدم، هذا. وقال في (ج٥:ص٢٧٨) بعد ذكر كلام الذهبي: محمد بن عثمان الواسطي عن ثابت البناني، قال الأزدي: ضعيف، وذكره ابن حبان في الثقات فقال: روي عنه أبوعوانة ـ انتهى. وفيه أن الراوي عنه ههنا هو محمد بن فضيل لا أبوعوانة، والمروى عنه زاذان لا ثابت البناني، فالظاهر أنه غير الواسطى، والله أعلم. وذكر الحافظ في التعجيل (ج٥:ص٣٧٢) في ترجمة محمد بن عثمان عن زاذان: كلام الذهبي السابق ثم قال: قال شيخنا الهيثمي: ذكره ابن حبان في الثقات وأغفله الحسينى، قلت: وذكره الأزدى في الضعفاء ـ انتهى. والحديث رواه الطبراني وأبويعلى عن خديجة كما في مجمع الزوائد (ج٧:ص٢١٧، ٢١٨) وسنده منقطع. ١١٨ـ قوله: (فسقط) أي خرج (كل نسمة) بفتح النون والسين المهملة أي ذي روح، وقيل: كل ذى نفس،

стр. 211

هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عين كل إنسان منهم وبيصاً من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال: أى رب مَن هؤلاء؟ قال ذريتك، فرأى رجلاً منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه، قال: أي رب من هذا؟ قال: داود، فقال: أي رب كم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة، قال: رب زده من عمري أربعين سنة، قال رسول الله ﷺ : فلما انقضى عمر آدم إلا أربعين جاءه ملك الموت، فقال آدم: أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أولم تعطها ابنك داود؟ فجحد آدم فجحدت ذريته، ونسي آدم فأكل من الشجرة فنسيت ذريته، وخطأ آدم وخطأت ذريته)) ، رواه الترمذي. ــ مأخوذة من النسيم (هو خالقها من ذريته) الجملة صفة نسمة، ذكرها ليتعلق بها قوله: " إلى يوم القيامة" و"من" بيانية، وفيه دليل على أن إخراج الذرية كان حقيقياً (وبيصاً) أي بريقاً ولمعاناً (من نور) في ذكره إشارة إلى الفطرة السليمة، وفي قوله: "بين عيني كل إنسان" إيذان بأن الذرية كانت على صورة الإنسان على مقدار الذر (قال: ذريتك) أي هم ذريتك (فأعجبه) أي سره قال داود) قيل تخصيص التعجب من وبيص داود إظهار لكرامته ومدح له، فلا يلزم تفضيله على سائر الأنبياء؛ لأن المفضول قد يكون له مزية بل مزايا ليست في الفاضل، ولعل وجه الملائمة بينهم اشتراك نسبة الخلافة. (كم جعلت عمره) كم مفعول لما بعده، وقدم لما له الصدر أي كم سنة جعلت عمره (زده من عمري) أي من جملة الألف، و "من عمري" صفة "أربعين" قدمت فعادت حالاً وقوله: (أربعين سنة) مفعول ثان لقوله: "زده" كقوله تعالى: ﴿رب زدني علما﴾ . (إلا أربعين) أي سنة (أولم يبق من عمري) بهمزة الاستفهام الإنكاري المنصب على نفي البقاء فيقيد إثباته، وقدمت على الواو لصدارتها، والواو استئنافية لمجرد الربط بين ما قبلها وما بعدها. (أولم تعطها) أي أتقول ذلك ولم تعطها أي الأربعين (فحجه آدم) أي ذلك؛ لأنه كان في عالم الذر فلم يستحضره حالة مجئي ملك الموت له، قاله ابن حجر. وقيل: حج بحكم الجبلة التي فطر عليها الإنسان من الحرص على المال والعمر في زمان الشيب وكبر السن. (فجحدت ذريته) ؛ لأن الولد سر لأبيه (ونسى آدم) إشارة إلى أن الجحد كان نسياناً أيضاً إذ لا يجوز جحده عنادا (فأكل من الشجرة فنسيت ذريته) وفي رواية الترمذي "ونسى آدم فنسيت ذريته" أي بدون قوله: "فأكل من الشجرة" (وخطأ آدم) قال القاري: بفتح الطاء أي في اجتهاده من جهة التعيين والتخصيص، والظاهر أنه بكسر الطاء من باب سمع أي أذنب وعصى، لقوله تعالى:: ﴿وعصى آدم ربه﴾ [١٢١:٢٠] . وفي الحديث إشارة إلى أن ابن آدم مجبول من أصل خلقته على الجحد والنسيان والخطأ إلا من عصمه الله. (رواه الترمذي) في تفسير سورة الأعراف في تفسير قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم..﴾ الآية [١٧٢:٧] وقال: حديث حسن صحيح. وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وأخرجه

стр. 212

١١٩- (٤١) وعن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: ((خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم، فقال للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي، وقال للذي في كتفه اليسرى: إلى النار ولا أبالي)) ، رواه أحمد. ١٢٠- (٤٢) وعن أبي نضرة ــ أيضاً الحاكم في مستدركه (ج٢:ص٥٨٦، ٥٨٥) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وابن أبي حاتم في تفسيره. هذا، وقد أخرج الترمذي حديث أبي هريرة هذا في آخر كتاب التفسير من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبرى، وقد ذكره المصنف في الفصل الثالث من باب السلام، وبين الروايتين مخالفة ظاهرة ويأتي هناك وجه الجمع بينهما إن شاءالله تعالى. ١١٩- قوله: (حين خلقه) قال الطيبي: ظرف لقوله: (فضرب) ولا يمنع الفاء من العمل؛ لأنه ظرف على أن الفاء السبية أيضاً غير مانعة لعمل ما بعدها في ما قبلها. وقال السيد جمال الدين: ويحتمل أن يكون ظرفاً لقوله: "خلق الله" والمقصود الإشارة إلى عدم العلم بزمان خلقه –انتهى. (ذرية بيضاء) أي نورانية (كأنهم الذر) بفتح الذال المعجمة، وهي صغار النمل، والتشبيه في الهيئة، وقيل: أي الأبيض بدليل مقابلة الآتي (كأنهم الحمم) بضم الحاء جمع حممة، وهي الفحم (فقال للذي في يمينه) أي في جهة يمين آدم من ذرية المؤمنين بعد إخراجهم من كتفه اليمنى، وقال ابن حجر: أي الذي في كتفه اليمنى بدليل "في كتفه اليسرى" الآتي فيكون باعتبار ما كان –انتهى. والمعنى يعني قال تعالى لآدم لأجل الذي في يمينه وعن قبلهم وفي حقهم. و"الذي" صفة لفريق، نحو قوله تعالى: ﴿كالذي خاضوا) (إلى الجنة) خبر مبتدأ محذوف أي هؤلاء أصيرهم أو أوصلهم إلى الجنة، (ولا أبالي) حال من الضمير المستكن في الخبر، أي والحال أني لا أبالي بأحد، كيف وأنا الفعال لما يريد، والخلق كلهم لي عبيد، فتصرفت فيهم كيف شئت. (وقال للذي في كتفه اليسرى) كذا في أكثر النسخ، وهذا باعتبار ما كان، وفي أصل السيد جمال الدين "كفه اليسرى" أي بفتح الكاف وتشديد الفاء، وكذا وقع في مسند أحمد (ج٦:ص٤٤١) والظاهر أن ضمير "يمينه" و"كفه" إلى آدم، والمراد جهتاه، ونسخة "كتفه" صريحة في هذا المعنى، والحديث دليل على سبق القضاء على وفق علمه الأزلي، فإن القضاء نتيجة علمه تعالى. (رواه أحمد) (ج٦:ص٤٤١) . وأخرجه أيضاً البزار والطبراني، قال الهيثمي (ج٧:ص١٨٥) : ورجاله رجال الصحيح. قال الشيخ الألباني بعد ذكره: إن عني رجالاً غير رجال أحمد فقد يكونون كما ذكر، وإلا فرجاله ليسوا رجال الصحيح بل هم ثقات فقط-انتهى. فتأمل. ١٢٠- قوله: (وعن أبي نضرة) بنون ومعجمة ساكنة، اسمه المنذر بن مالك بن قطعة العبدي العوقي البصري،

стр. 213

أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ يقال له أبوعبد الله، دخل عليه أصحابه يعودونه وهو يبكي، فقالوا له: ما يبكيك؟ ألم يقل لك رسول الله ﷺ : ((خذ من شاربك ثم أقره حتى تلقاني؟ قال: بلى، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله عزوجل فبض بيمينه قبضة، وأخرى باليد الأخرى، وقال: هذه لهذه، وهذه لهذه، ولا أبالي. ولا أدري في أي القبضتين أنا؟)) رواه أحمد. ــ مشهور بكنيته، ثقة من أوساط التابعين، مات سنة (١٠٨) أو (١٠٩) . (أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ يقال له أبوعبد الله) جهالة الصحابي لا تضر في الخبر حيث كلهم عدول، قال النووي في التقريب: الصحابة كلهم عدول من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتد به –انتهى. وارجع إلى التدريب (٢٠٤) والمراد بالعدالة في قولهم "الصحابة كلهم عدول" هو التجنب عن تعمد الكذب في الرواية وانحراف فيها بارتكاب ما يوجب عدم قبولها، كما صرح بذلك الشاه عبد العزيز الدهلوي في بعض إفادته. قال السخاوي في فتح المغيث: قال ابن الأنباري: ليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم واستحالة المعصية منهم، وإنما المراد قبول رواياتهم من غير تكلف البحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية إلا أن يثبت ارتكاب قادح، ولم يثبت ذلك ٠انتهى. وارجع إلى ظفر الأماني في مختصر الجرجاني (ص٣١٢، ٣١١) (يعودونه) من العبادة (وهو يبكي) جملة حالية (ألم يقل لك رسول الله ﷺ خذ من شاربك) أي بعضه يعني قصه (ثم أقره) بفتح الهمزة وكسر القاف وتشديد الراء، أي دم عليه (حتى تلقاني) أي على الحوض أو غيره، قال القاري: و "حتى" تحتمل الغاية والعلة. قال الطيبي: الهمزة للإنكار، دخلت على النفي فأفادت التقرير والتعجب أي كيف تبكي؟ وقد تقرر أن رسول الله ﷺ وعدك بأنك تلقاه لا محالة، ومن لقيه راضياً عنه مثلك لا خوف عليه قال: بلى) أي أخبرني بذلك (قبض) أي بعض الذرية (بيمينه قبضة) أي واحدة (وأخرى) أي وقبض قبضة أخرى لبعض الذرية (باليد الأخرى) لم يقل بيساره أدباً، ولذا ورد في حديث آخر: وكلتا يديه يمين (وقال هذه) أي القبضة التي قبضها باليمين يعني من فيها أو هذه المقبوضة. (لهذه) أي للجنة (وهذه لهذه) أي للنار (ولا أبالي) أي في الحالتين (ولا أدري في أي القبضتين أنا) حاصل الجواب أني أخاف من عدم الاحتفال والاكتراث في قوله: "ولا أبالي"، كذا قاله الطيبي. يعني غلب علي الخوف بالنظر إلى عظمته وجلاله بحيث منعني من النظر والتأمل في رحمته وجماله، فإنه تعالى لذاته وعدم مبالاته، له أن يفعل ما يريد، ولا يجب عليه شيء للعبيد، وأيضاً لغلبة الخوف قد ينسى البشارة والرجاء بها مع أن البشارة مقيدة بالثبات والدوام والإقامة على طريق السنة والاستقامة، وهو أمر دقيق وبالخوف حقيق. قال الطيبي: وفي الحديث إشارة إلى أن قص الشارب من السنن المؤكدة، والمداومة عليه موصلة إلى قرب دار النعيم في جوار سيد المرسلين، فيعلم أن من ترك سنة أي سنة، فقد حرم خيراً كثيراً فكيف المواظبة على ترك سائرها. (رواه أحمد) (ج٤:ص١٧٦، ١٧٧)

стр. 214

١٢١- (٤٣) وعن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان يعني عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلاً قال: ﴿ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا. أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل، وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾ ــ و (ج٥:ص٦٨) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٧:ص١٨٦) : رجاله رجال الصحيح. وفي معني الحديث عن عبد الرحمن بن قتادة السلمى عند أحمد والحاكم، وعن أنس عند أبي يعلى، وعن أبي موسى وأبي سعيد وابن عمر ومعاذ بن جبل وآخرين، ذكرهم أحاديثهم الهيثمي في مجمع الزوائد مع الكلام عليها. ١٢١- قوله: (أخذ الله الميثاق) يعني العهد أي أراد أخذه بدليل قوله: "فأخرج"، (بنعمان) كسلمان موضع بقرب عرفة بين مكة والطائف، قال الراوي (يعني عرفة) أي بقرب عرفة وبجوارها. (ذرأها) أي خلقها إلى يوم القيامة (فنثرهم) أي بثهم وفرقهم ونشرهم (بين يديه) أي قدام آدم (كالذر) أي مشبهين بالنمل في صغر الصورة. (ثم كلمهم قبلاً) بضمتين وهو حال، أي كلمهم عيانا ومقابلة لا من وراء حجاب ولا أن يأمر أحداً من ملائكته (قال) استئناف بيان، وقيل بدل "من كلمهم". (ألست بربكم قالوا بلى) أنت ربنا، والصحيح أن جوابهم بقول "بلى" كان بالنطق وهم أحياء، عقلاء. (شهدنا) هذا من تتمة المقول، أي شهدنا على أنفسنا بذلك وأقررنا بوحدانيتك. (أن تقولوا) أي فعلنا ذلك كراهة أن تقولوا أي احتجاجا أو لئلا تقولوا (يوم القيامة) ظرف "أن تقولوا" (إنا كنا عن هذا) أي الميثاق أو الإقرار بالربوبية (غافلين) أي جاهلين لا نعرفه ولا نبهنا عليه. (إنما أشرك آباؤنا من قبل) أي من قبل ظهورنا ووجودنا أو من قبل إشراكنا (وكنا ذرية من بعدهم) أي فاقتدينا بهم، فاللوم عليهم لا علينا (أفتهلكنا) أي أتعلم ذلك فتعذبنا (بما فعل المبطلون) من آبائنا بتأسيس الشرك، والمعنى لا يمكنهم الاحتجاج بذلك مع إشهادهم على أنفسهم بالتوحيد والتذكير به على لسان صاحب المعجزة قائم مقام ذكره في النفوس. هذا، وقد تقدم في شرح حديث عمر في الفصل الثاني أن المعتزلة قالوا: لا يجوز تفسير هذه الآية بحديث عمر. وفي معناه حديث ابن عباس هذا، قال التوربشتي: لايحتمل حديث ابن عباس من التأويل ما يحتمله حديث عمر، ولا أرى المعتزلة يقابلون هذه الحجة إلا بقولهم: حديث ابن عباس هذا من الآحاد فلا نترك به ظاهر الكتاب. وإنما هربوا من القول في معنى الآية بما يقتضيه ظاهر الحديث، لمكان قوله: أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. فقالوا إن كان هذا الإقرار عن اضطرار حيث كوشفوا بحقيقة الأمر وشاهدوه عين اليقين فلهم يوم القيامة أن يقولوا شهدنا يومئذٍ فلما زال عنا علمنا بالضرورة ووكلنا إلى آرائنا كان منا من أصاب ومنا من أخطأ، وإن كان عن استدلال ولكنهم عصموا عنده من الخطأ فلهم أن يقولوا أيدنا يوم الإقرار بالتوفيق والعصمة، وحرمناهما

стр. 215

رواه أحمد. ١٢٢- (٤٤) وعن أبي كعب في قول الله عزوجل: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ قال: جمعهم فجعلهم أزواجاً ثم صورهم فاستنطقهم فتكلموا، ــ من بعد، ولو مددنا بهما لكانت شهادتنا في كل حين كشهادتنا في اليوم الأول. فقد تبين أن الميثاق ما ركز الله فيهم من العقول وآتاهم وأباءهم من البصائر؛ لأنها هي الحجة الباقية المانعة لهم أن يقولوا إناكنا عن هذا غافلين.؛ لأن الله تعالى جعل هذا الإقرار حجة عليهم في الإشراك كما جعل بعث الرسل حجة عليهم في الإيمان بما أخبروا به من الغيوب. قال الطيبي: وخلاصة ما قالوه أنه يلزم أن يكونوا محتجين يوم القيامة بأنه زال عنا علم الضرورة ووكلنا إلى آرائنا، فيقال لهم: كذبتهم بل أرسلنا رسلنا تترى يوقظونكم من سنة الغفلة. وأما قولهم حرمنا من التوفيق والعصمة من بعد ذلك، فجوابه: أن هذا مشترك الإلزام إذلهم أن يقولوا لا منفعة لنا في العقول والبصائر حيث حرمنا عن التوفيق والعصمة، والحق أن تحمل الأحاديث الواردة على ظواهرها ولا يقدم على الطعن فيها بأنها آحاد لمخالفتها لمعتقد أحد، ومن أقدم على هذا فقد خالف طريقة السلف الصالحين؛ لأنهم كانوا يثبتون خبر واحد عن واحد عن النبي ﷺ ويجعلونه سنة – انتهى. وقال القطب الشيرازي ما حاصله: أن الله كان له ميثاقان مع بني آدم، أحدهما تهتدي إليه العقول من نصب الأدلة الباعثة على الاعتراف الحالي. وثانيهما المقالى الذي لا يهتدي إليه العقل بل يتوقف على توقيف واقف على أحوال العباد من الأزل إلى الأبد كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فأراد النبي ﷺ أن يعلم الأمة ويخبرهم عن أن وراء الميثاق الذي يهتدون إليه بعقولهم ميثاقاً آخر أزلياً، فقال ما قال من مسح ظهر آدم ﵇ في الأزل وإخراج الذرية من ظهره ليعرف منه أن هذا النسل الذي يخرج فيما لا يزال من أصلاب بني آدم الذر الذي أخرج في الأزل من صلب آدم، وأخذ منه الميثاق المقالي الأزلي كما أخذ منهم ما لا يزال بالتدريج حين أخرجوا الميثاق الحالي اللايزالي –انتهى. (رواه أحمد) (ج١:ص٢٧٢) . وقال الهيثمي (ج٧:ص١٨٩) : رجاله رجال الصحيح. وأخرجه أيضاً النسائي في كتاب التفسير من سننه الكبرى، وابن جرير، والحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه – انتهى. وقد روي هذا الحديث موقوفاً على ابن عباس، قال ابن كثير: وهذا أي كونه موقوفاً على ابن عباس أكثر وأثبت – انتهى. لكنه في حكم المرفوع؛ لأنه لا مسرح للاجتهاد فيه ولا مجال، فإنه لا سبيل إليه إلا السماع عن النبي ﷺ ، ويؤيده حديث عبد الله بن عمرو عند ابن جرير، وحديث أبي أمامة عند الطبراني وابن مردويه، وأثر أبي بن كعب الآتي بعده. ١٢٢- قوله: (في قول الله عزوجل) أي في تفسير قوله تعالى: (قال) أي أبي (جمعهم) أي الله بعد أن أخرجهم (أزواجاً) أي ذكوراً وإناثاً أو أصنافاً وهو الأظهر، وفسر الأصناف بقوله الآتي: فرأى الغني والفقير (ثم صورهم) أي على صورهم التي يكونون عليها بعد (فاستنطقهم) أي خلق فيهم العقل وطلب منهم النطق (فتكلموا)
следующие страницы →