← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عين كل إنسان منهم وبيصاً من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال: أى رب مَن هؤلاء؟ قال ذريتك، فرأى رجلاً منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه، قال: أي رب من هذا؟ قال: داود، فقال: أي رب كم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة، قال: رب زده من عمري أربعين سنة، قال رسول الله ﷺ : فلما انقضى عمر آدم إلا أربعين جاءه ملك الموت، فقال آدم: أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أولم تعطها ابنك داود؟ فجحد آدم فجحدت ذريته، ونسي آدم فأكل من الشجرة فنسيت ذريته، وخطأ آدم وخطأت ذريته)) ، رواه الترمذي. ــ مأخوذة من النسيم (هو خالقها من ذريته) الجملة صفة نسمة، ذكرها ليتعلق بها قوله: " إلى يوم القيامة" و"من" بيانية، وفيه دليل على أن إخراج الذرية كان حقيقياً (وبيصاً) أي بريقاً ولمعاناً (من نور) في ذكره إشارة إلى الفطرة السليمة، وفي قوله: "بين عيني كل إنسان" إيذان بأن الذرية كانت على صورة الإنسان على مقدار الذر (قال: ذريتك) أي هم ذريتك (فأعجبه) أي سره قال داود) قيل تخصيص التعجب من وبيص داود إظهار لكرامته ومدح له، فلا يلزم تفضيله على سائر الأنبياء؛ لأن المفضول قد يكون له مزية بل مزايا ليست في الفاضل، ولعل وجه الملائمة بينهم اشتراك نسبة الخلافة. (كم جعلت عمره) كم مفعول لما بعده، وقدم لما له الصدر أي كم سنة جعلت عمره (زده من عمري) أي من جملة الألف، و "من عمري" صفة "أربعين" قدمت فعادت حالاً وقوله: (أربعين سنة) مفعول ثان لقوله: "زده" كقوله تعالى: ﴿رب زدني علما﴾ . (إلا أربعين) أي سنة (أولم يبق من عمري) بهمزة الاستفهام الإنكاري المنصب على نفي البقاء فيقيد إثباته، وقدمت على الواو لصدارتها، والواو استئنافية لمجرد الربط بين ما قبلها وما بعدها. (أولم تعطها) أي أتقول ذلك ولم تعطها أي الأربعين (فحجه آدم) أي ذلك؛ لأنه كان في عالم الذر فلم يستحضره حالة مجئي ملك الموت له، قاله ابن حجر. وقيل: حج بحكم الجبلة التي فطر عليها الإنسان من الحرص على المال والعمر في زمان الشيب وكبر السن. (فجحدت ذريته) ؛ لأن الولد سر لأبيه (ونسى آدم) إشارة إلى أن الجحد كان نسياناً أيضاً إذ لا يجوز جحده عنادا (فأكل من الشجرة فنسيت ذريته) وفي رواية الترمذي "ونسى آدم فنسيت ذريته" أي بدون قوله: "فأكل من الشجرة" (وخطأ آدم) قال القاري: بفتح الطاء أي في اجتهاده من جهة التعيين والتخصيص، والظاهر أنه بكسر الطاء من باب سمع أي أذنب وعصى، لقوله تعالى:: ﴿وعصى آدم ربه﴾ [١٢١:٢٠] . وفي الحديث إشارة إلى أن ابن آدم مجبول من أصل خلقته على الجحد والنسيان والخطأ إلا من عصمه الله. (رواه الترمذي) في تفسير سورة الأعراف في تفسير قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم..﴾ الآية [١٧٢:٧] وقال: حديث حسن صحيح. وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وأخرجه

стр. 212

١١٩- (٤١) وعن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: ((خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم، فقال للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي، وقال للذي في كتفه اليسرى: إلى النار ولا أبالي)) ، رواه أحمد. ١٢٠- (٤٢) وعن أبي نضرة ــ أيضاً الحاكم في مستدركه (ج٢:ص٥٨٦، ٥٨٥) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وابن أبي حاتم في تفسيره. هذا، وقد أخرج الترمذي حديث أبي هريرة هذا في آخر كتاب التفسير من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبرى، وقد ذكره المصنف في الفصل الثالث من باب السلام، وبين الروايتين مخالفة ظاهرة ويأتي هناك وجه الجمع بينهما إن شاءالله تعالى. ١١٩- قوله: (حين خلقه) قال الطيبي: ظرف لقوله: (فضرب) ولا يمنع الفاء من العمل؛ لأنه ظرف على أن الفاء السبية أيضاً غير مانعة لعمل ما بعدها في ما قبلها. وقال السيد جمال الدين: ويحتمل أن يكون ظرفاً لقوله: "خلق الله" والمقصود الإشارة إلى عدم العلم بزمان خلقه –انتهى. (ذرية بيضاء) أي نورانية (كأنهم الذر) بفتح الذال المعجمة، وهي صغار النمل، والتشبيه في الهيئة، وقيل: أي الأبيض بدليل مقابلة الآتي (كأنهم الحمم) بضم الحاء جمع حممة، وهي الفحم (فقال للذي في يمينه) أي في جهة يمين آدم من ذرية المؤمنين بعد إخراجهم من كتفه اليمنى، وقال ابن حجر: أي الذي في كتفه اليمنى بدليل "في كتفه اليسرى" الآتي فيكون باعتبار ما كان –انتهى. والمعنى يعني قال تعالى لآدم لأجل الذي في يمينه وعن قبلهم وفي حقهم. و"الذي" صفة لفريق، نحو قوله تعالى: ﴿كالذي خاضوا) (إلى الجنة) خبر مبتدأ محذوف أي هؤلاء أصيرهم أو أوصلهم إلى الجنة، (ولا أبالي) حال من الضمير المستكن في الخبر، أي والحال أني لا أبالي بأحد، كيف وأنا الفعال لما يريد، والخلق كلهم لي عبيد، فتصرفت فيهم كيف شئت. (وقال للذي في كتفه اليسرى) كذا في أكثر النسخ، وهذا باعتبار ما كان، وفي أصل السيد جمال الدين "كفه اليسرى" أي بفتح الكاف وتشديد الفاء، وكذا وقع في مسند أحمد (ج٦:ص٤٤١) والظاهر أن ضمير "يمينه" و"كفه" إلى آدم، والمراد جهتاه، ونسخة "كتفه" صريحة في هذا المعنى، والحديث دليل على سبق القضاء على وفق علمه الأزلي، فإن القضاء نتيجة علمه تعالى. (رواه أحمد) (ج٦:ص٤٤١) . وأخرجه أيضاً البزار والطبراني، قال الهيثمي (ج٧:ص١٨٥) : ورجاله رجال الصحيح. قال الشيخ الألباني بعد ذكره: إن عني رجالاً غير رجال أحمد فقد يكونون كما ذكر، وإلا فرجاله ليسوا رجال الصحيح بل هم ثقات فقط-انتهى. فتأمل. ١٢٠- قوله: (وعن أبي نضرة) بنون ومعجمة ساكنة، اسمه المنذر بن مالك بن قطعة العبدي العوقي البصري،

стр. 213

أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ يقال له أبوعبد الله، دخل عليه أصحابه يعودونه وهو يبكي، فقالوا له: ما يبكيك؟ ألم يقل لك رسول الله ﷺ : ((خذ من شاربك ثم أقره حتى تلقاني؟ قال: بلى، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله عزوجل فبض بيمينه قبضة، وأخرى باليد الأخرى، وقال: هذه لهذه، وهذه لهذه، ولا أبالي. ولا أدري في أي القبضتين أنا؟)) رواه أحمد. ــ مشهور بكنيته، ثقة من أوساط التابعين، مات سنة (١٠٨) أو (١٠٩) . (أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ يقال له أبوعبد الله) جهالة الصحابي لا تضر في الخبر حيث كلهم عدول، قال النووي في التقريب: الصحابة كلهم عدول من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتد به –انتهى. وارجع إلى التدريب (٢٠٤) والمراد بالعدالة في قولهم "الصحابة كلهم عدول" هو التجنب عن تعمد الكذب في الرواية وانحراف فيها بارتكاب ما يوجب عدم قبولها، كما صرح بذلك الشاه عبد العزيز الدهلوي في بعض إفادته. قال السخاوي في فتح المغيث: قال ابن الأنباري: ليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم واستحالة المعصية منهم، وإنما المراد قبول رواياتهم من غير تكلف البحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية إلا أن يثبت ارتكاب قادح، ولم يثبت ذلك ٠انتهى. وارجع إلى ظفر الأماني في مختصر الجرجاني (ص٣١٢، ٣١١) (يعودونه) من العبادة (وهو يبكي) جملة حالية (ألم يقل لك رسول الله ﷺ خذ من شاربك) أي بعضه يعني قصه (ثم أقره) بفتح الهمزة وكسر القاف وتشديد الراء، أي دم عليه (حتى تلقاني) أي على الحوض أو غيره، قال القاري: و "حتى" تحتمل الغاية والعلة. قال الطيبي: الهمزة للإنكار، دخلت على النفي فأفادت التقرير والتعجب أي كيف تبكي؟ وقد تقرر أن رسول الله ﷺ وعدك بأنك تلقاه لا محالة، ومن لقيه راضياً عنه مثلك لا خوف عليه قال: بلى) أي أخبرني بذلك (قبض) أي بعض الذرية (بيمينه قبضة) أي واحدة (وأخرى) أي وقبض قبضة أخرى لبعض الذرية (باليد الأخرى) لم يقل بيساره أدباً، ولذا ورد في حديث آخر: وكلتا يديه يمين (وقال هذه) أي القبضة التي قبضها باليمين يعني من فيها أو هذه المقبوضة. (لهذه) أي للجنة (وهذه لهذه) أي للنار (ولا أبالي) أي في الحالتين (ولا أدري في أي القبضتين أنا) حاصل الجواب أني أخاف من عدم الاحتفال والاكتراث في قوله: "ولا أبالي"، كذا قاله الطيبي. يعني غلب علي الخوف بالنظر إلى عظمته وجلاله بحيث منعني من النظر والتأمل في رحمته وجماله، فإنه تعالى لذاته وعدم مبالاته، له أن يفعل ما يريد، ولا يجب عليه شيء للعبيد، وأيضاً لغلبة الخوف قد ينسى البشارة والرجاء بها مع أن البشارة مقيدة بالثبات والدوام والإقامة على طريق السنة والاستقامة، وهو أمر دقيق وبالخوف حقيق. قال الطيبي: وفي الحديث إشارة إلى أن قص الشارب من السنن المؤكدة، والمداومة عليه موصلة إلى قرب دار النعيم في جوار سيد المرسلين، فيعلم أن من ترك سنة أي سنة، فقد حرم خيراً كثيراً فكيف المواظبة على ترك سائرها. (رواه أحمد) (ج٤:ص١٧٦، ١٧٧)

стр. 214

١٢١- (٤٣) وعن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان يعني عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلاً قال: ﴿ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا. أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل، وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾ ــ و (ج٥:ص٦٨) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٧:ص١٨٦) : رجاله رجال الصحيح. وفي معني الحديث عن عبد الرحمن بن قتادة السلمى عند أحمد والحاكم، وعن أنس عند أبي يعلى، وعن أبي موسى وأبي سعيد وابن عمر ومعاذ بن جبل وآخرين، ذكرهم أحاديثهم الهيثمي في مجمع الزوائد مع الكلام عليها. ١٢١- قوله: (أخذ الله الميثاق) يعني العهد أي أراد أخذه بدليل قوله: "فأخرج"، (بنعمان) كسلمان موضع بقرب عرفة بين مكة والطائف، قال الراوي (يعني عرفة) أي بقرب عرفة وبجوارها. (ذرأها) أي خلقها إلى يوم القيامة (فنثرهم) أي بثهم وفرقهم ونشرهم (بين يديه) أي قدام آدم (كالذر) أي مشبهين بالنمل في صغر الصورة. (ثم كلمهم قبلاً) بضمتين وهو حال، أي كلمهم عيانا ومقابلة لا من وراء حجاب ولا أن يأمر أحداً من ملائكته (قال) استئناف بيان، وقيل بدل "من كلمهم". (ألست بربكم قالوا بلى) أنت ربنا، والصحيح أن جوابهم بقول "بلى" كان بالنطق وهم أحياء، عقلاء. (شهدنا) هذا من تتمة المقول، أي شهدنا على أنفسنا بذلك وأقررنا بوحدانيتك. (أن تقولوا) أي فعلنا ذلك كراهة أن تقولوا أي احتجاجا أو لئلا تقولوا (يوم القيامة) ظرف "أن تقولوا" (إنا كنا عن هذا) أي الميثاق أو الإقرار بالربوبية (غافلين) أي جاهلين لا نعرفه ولا نبهنا عليه. (إنما أشرك آباؤنا من قبل) أي من قبل ظهورنا ووجودنا أو من قبل إشراكنا (وكنا ذرية من بعدهم) أي فاقتدينا بهم، فاللوم عليهم لا علينا (أفتهلكنا) أي أتعلم ذلك فتعذبنا (بما فعل المبطلون) من آبائنا بتأسيس الشرك، والمعنى لا يمكنهم الاحتجاج بذلك مع إشهادهم على أنفسهم بالتوحيد والتذكير به على لسان صاحب المعجزة قائم مقام ذكره في النفوس. هذا، وقد تقدم في شرح حديث عمر في الفصل الثاني أن المعتزلة قالوا: لا يجوز تفسير هذه الآية بحديث عمر. وفي معناه حديث ابن عباس هذا، قال التوربشتي: لايحتمل حديث ابن عباس من التأويل ما يحتمله حديث عمر، ولا أرى المعتزلة يقابلون هذه الحجة إلا بقولهم: حديث ابن عباس هذا من الآحاد فلا نترك به ظاهر الكتاب. وإنما هربوا من القول في معنى الآية بما يقتضيه ظاهر الحديث، لمكان قوله: أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. فقالوا إن كان هذا الإقرار عن اضطرار حيث كوشفوا بحقيقة الأمر وشاهدوه عين اليقين فلهم يوم القيامة أن يقولوا شهدنا يومئذٍ فلما زال عنا علمنا بالضرورة ووكلنا إلى آرائنا كان منا من أصاب ومنا من أخطأ، وإن كان عن استدلال ولكنهم عصموا عنده من الخطأ فلهم أن يقولوا أيدنا يوم الإقرار بالتوفيق والعصمة، وحرمناهما

стр. 215

رواه أحمد. ١٢٢- (٤٤) وعن أبي كعب في قول الله عزوجل: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ قال: جمعهم فجعلهم أزواجاً ثم صورهم فاستنطقهم فتكلموا، ــ من بعد، ولو مددنا بهما لكانت شهادتنا في كل حين كشهادتنا في اليوم الأول. فقد تبين أن الميثاق ما ركز الله فيهم من العقول وآتاهم وأباءهم من البصائر؛ لأنها هي الحجة الباقية المانعة لهم أن يقولوا إناكنا عن هذا غافلين.؛ لأن الله تعالى جعل هذا الإقرار حجة عليهم في الإشراك كما جعل بعث الرسل حجة عليهم في الإيمان بما أخبروا به من الغيوب. قال الطيبي: وخلاصة ما قالوه أنه يلزم أن يكونوا محتجين يوم القيامة بأنه زال عنا علم الضرورة ووكلنا إلى آرائنا، فيقال لهم: كذبتهم بل أرسلنا رسلنا تترى يوقظونكم من سنة الغفلة. وأما قولهم حرمنا من التوفيق والعصمة من بعد ذلك، فجوابه: أن هذا مشترك الإلزام إذلهم أن يقولوا لا منفعة لنا في العقول والبصائر حيث حرمنا عن التوفيق والعصمة، والحق أن تحمل الأحاديث الواردة على ظواهرها ولا يقدم على الطعن فيها بأنها آحاد لمخالفتها لمعتقد أحد، ومن أقدم على هذا فقد خالف طريقة السلف الصالحين؛ لأنهم كانوا يثبتون خبر واحد عن واحد عن النبي ﷺ ويجعلونه سنة – انتهى. وقال القطب الشيرازي ما حاصله: أن الله كان له ميثاقان مع بني آدم، أحدهما تهتدي إليه العقول من نصب الأدلة الباعثة على الاعتراف الحالي. وثانيهما المقالى الذي لا يهتدي إليه العقل بل يتوقف على توقيف واقف على أحوال العباد من الأزل إلى الأبد كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فأراد النبي ﷺ أن يعلم الأمة ويخبرهم عن أن وراء الميثاق الذي يهتدون إليه بعقولهم ميثاقاً آخر أزلياً، فقال ما قال من مسح ظهر آدم ﵇ في الأزل وإخراج الذرية من ظهره ليعرف منه أن هذا النسل الذي يخرج فيما لا يزال من أصلاب بني آدم الذر الذي أخرج في الأزل من صلب آدم، وأخذ منه الميثاق المقالي الأزلي كما أخذ منهم ما لا يزال بالتدريج حين أخرجوا الميثاق الحالي اللايزالي –انتهى. (رواه أحمد) (ج١:ص٢٧٢) . وقال الهيثمي (ج٧:ص١٨٩) : رجاله رجال الصحيح. وأخرجه أيضاً النسائي في كتاب التفسير من سننه الكبرى، وابن جرير، والحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه – انتهى. وقد روي هذا الحديث موقوفاً على ابن عباس، قال ابن كثير: وهذا أي كونه موقوفاً على ابن عباس أكثر وأثبت – انتهى. لكنه في حكم المرفوع؛ لأنه لا مسرح للاجتهاد فيه ولا مجال، فإنه لا سبيل إليه إلا السماع عن النبي ﷺ ، ويؤيده حديث عبد الله بن عمرو عند ابن جرير، وحديث أبي أمامة عند الطبراني وابن مردويه، وأثر أبي بن كعب الآتي بعده. ١٢٢- قوله: (في قول الله عزوجل) أي في تفسير قوله تعالى: (قال) أي أبي (جمعهم) أي الله بعد أن أخرجهم (أزواجاً) أي ذكوراً وإناثاً أو أصنافاً وهو الأظهر، وفسر الأصناف بقوله الآتي: فرأى الغني والفقير (ثم صورهم) أي على صورهم التي يكونون عليها بعد (فاستنطقهم) أي خلق فيهم العقل وطلب منهم النطق (فتكلموا)

стр. 216

ثم أخذ عليهم العهد والميثاق وأشهدهم على أنفسهم، ألست بربكم؟ قالوا بلى، قال: فإني أشهد عليكم السموات السبع والأرضين السبع، وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا، إعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري، ولا تشركوا بي شيئاً، إني سأرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتبي، قالوا شهدنا بأنك ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك. فأقروا بذلك، ورفع عليهم آدم ﵇ ينظر إليهم، فرأى الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: رب لولا سويت بين عبادك؟ قال: إني أحببت أن أشكر. ورأى الأنبياء فيهم مثل السرج عليهم النور، خصوا بميثاق آخر في الرسالة والنبوة، ــ سيأتي. (أشهدهم على أنفسهم) أي على ذواتهم أو قال لهم أشهدوا على أنفسكم (ألست بربكم) إما استئناف بيان وإما التقدير: أشهدهم بقوله: ألست بربكم. أي استشهدهم بهذا (قالوا بلى) أي شهدنا (فإني أشهد عليكم السموات السبع والأرضين السبع) أي زيادة على شهادتكم على أنفسكم (أن تقولوا) أي لئلا تقولوا (إعلموا) أي تحققوا الآن قبل مجيء ذلك الزمان وتبين الأمر بالعيان (إني) بكسر الهمزة استئناف أي إني مع هذا البيان (وأنزل عليكم كتبي) بواسطة رسلي فيها تبيان كل شيء مما يتعلق بعهدي وميثاقي (فأقروا بذلك) أي بجميع ما ذكر (ورفع) بالبناء للمجهول (عليهم) أي أشرف عليهم من مقام عال (ينظر إليهم) حال أو مفعول له بتقدير أن (فرأى) أي آدم منهم (الغني) صورة ومعنى باعتبار الآثار اللائحة (والفقير) يداً وقلباً. (وحسن الصورة) الظاهرة والباطنة (ودون ذلك) أي في الحسن أو غير ما ذكر (للولا سويت) أي لم ما سويت؟ (بين عبادك) والقصد به أن يبين له حكمته (إني أحببت أن أشكر) بصيغة المجهول، قال ابن حجر المكي: إن الغني يرى عظيم نعمة الغنى، والفقير يرى عظيم نعمة المعافاة من كدر الدنيا ونكدها وتعبها الذي لا حاصل له غير طول الحساب وترادف المحن وتوالي العذاب، وحسن الصورة يرى ما منحه من ذلك الجمال الظاهر الدال على الجمال الباطن غالباً، وغيره يرى أن عدم الجمال أدفع للفتنة وأسلم من المحنة، فكل هؤلاء يرون مزيد تلك النعم عليهم فيشكرون عليها، ولو تساووا في وصف واحد لم يتيقظوا لذلك. (ورأى) أي آدم (الأنبياء فيهم) أي حال كونهم مندرجين في جملتهم (مثل السرج) بضمتين جمع سراج بكسر المهملة (عليهم النور) أي يغلب عليهم النور كأنه بيان لوجه شبههم بالسرج (خصوا) بصيغة المجهول (بميثاق آخر) بعدما دخلوا في ميثاق العوام للاهتمام التام بمرامهم عليهم الصلاة والسلام، فقوله:" خصوا "إستئناف أو صفة للأنبياء (في الرسالة والنبوة) أي في شأنهما والقيام بحقهما بماشاءالله أو بما

стр. 217

وهو قوله: ﵎: ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم﴾ إلى قوله: ﴿عيسى بن مريم﴾ كان في تلك الأرواح فأرسله إلى مريم ﵍، فحدث عن أبي أنه دخل من فيها)) ، رواه أحمد. ١٢٣- (٤٥) وعن أبي الدرداء قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ نتذاكر ما يكون، إذ قال رسول الله ﷺ : ((إذا سمعتم بجبل زال عن مكانه فصدقوه، وإذا سمعتم برجل تغير عن خلقه فلا تصدقوا به، فإنه يصير إلى ما جبل عليه)) . ــ (وهو قوله: ﵎ أي هذا الميثاق هو المراد بقوله: ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم﴾ الآية من أوائل سورة الأحزاب، قال قتادة: أخذ الله الميثاق على النبيين خصوصاً على أن يصدق بعضهم بعضاً ويتبع بعضهم بعضاً وأن ينصحوا لقومهم وأن يعبدوا الله ويدعوا الناس إلى عبادته وإلى الدين القيم، وأن يبلغوا رسالات ربهم، وذلك حين أخرجوا من صلب آدم كالذر - انتهى. ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدقاً لما معكم لتؤمنون به ولتنصرنه ... ﴾ الآية [٨١:٣] . (كان) أي عيسى (في تلك الأرواح) أي أرواح الذرية (فأرسله) أي روحه، وهو يذكر ويؤنث أي مع جبريل (فحدث) بصيغة المجهول أي روى (أنه) أي الروح (دخل من فيها) أي من فمها إلى جوفها ثم رحمها. (رواه أحمد) كلا، بل رواه ابنه عبد الله في زوائد مسند أبيه (ج٥:ص١٣٥) . قال الهيثمي (ج٧:ص٢٥) بعد ذكر الحديث: رواه عبد الله بن أحمد عن شيخه محمد بن يعقوب الربالي وهو مستور وبقية رجاله رجال الصحيح - انتهى. وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه في تفاسيرهم، وهو وإن كان موقوفاً على أبي بن كعب من قوله:، لكنه مرفوع حكما فإنه لا سبيل إليه إلاالسماع عن النبي ﷺ ، والله أعلم. ١٢٣- قوله: (نتذاكر) أيمع بعضنا بحضرته وهو يسمع (مايكون) ما موصولة أي الذي يحدث من الحوادث أهو شيء مقضي مفروغ منه. فتوجد تلك الحوادث على طبقه أو شيء يوجد أنفاً من غير سبق قضاء. (زال عن مكانه) أي الذي هو فيه وانتقل إلى غيره (فصدقوه) أي لإمكانه، وفي المسند "فصدقوا" أي بغير الضمير المنصوب قال العزيزي: أي اعتقدوا أن ذلك غير خارج عن دائرة الإمكان (تغير عن خلقه) بضم اللام وتسكن، أي خلقه، الأصلي بالكلي (فلا تصدقوا به) أي بالخبر عنه بذلك فإنه غير ممكن عادة (فإنه) أي الرجل، والمراد به الجنس (يصير) في كل ما يريد أن يفعله (إلى ما جبل عليه) من الأخلاق يعني الأمر على ما قدر وسبق حتى العجز والكيس، فإذا سمعتم بأن الكيس صار بليداً أو بالعكس فلا تصدقوا به. ضرب زوال الجبل مثلاً تقريب. فإن هذا ممكن، وزوال الخلق المقدر عما كان في القدر غير ممكن. وقال المناوي: يعني وإن فرط منه على الندور خلاف ما يقتضيه طبعه فما هو

стр. 218

رواه أحمد. ١٢٤- (٤) وعن أم سلمة، قالت: ((يارسول الله لا يزال يصيبك في كل عام وجع من الشاة المسمومة التي أكلت. قال: ما أصابني شيء منها إلا وهو مكتوب علي وآدم في طينته)) ، رواه ابن ماجة. ــ إلا كطيف منام أو برق لمع، وما دام فكما لا يقدر الإنسان أن يصير سواد الشعر بياضاً فكذا لا يقدر على تغير طبعه، أي الذي خلق عليه. وقدر له في الأزل. وقال القاري: التبديل الأصلي الذاتي غير ممكن كما أشار إليه الحديث، وأما التبديل الوصفي أي تبديل الأخلاق عن مقتضى العادة وتعديلها على سنن الاستقامة والعبادة فهو ممكن، بل العبد مأمور به ويسمى تهذيب النفس وتحسن الأخلاق. قال الله تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها﴾ وفي الحديث: حسنوا أخلاقكم. وارجع إلى فيض القدير (ج١:ص٣٨١) للمناوي، وإلى الإحياء للغزالي، فإنه قد استوفى الكلام في ذلك (رواه أحمد (ج٦:ص٤٤٣) من رواية الزهري أن أبا الدرداء قال: بينما ... الخ. قال الهيثمي (ج٧:ص١٩٦) : رجاله رجال الصحيح، إلا أن الزهري لم يدرك أبا الدرداء –انتهى. وقال السخاوي: حديث منقطع. وكان مقتضى دأب المصنف أن يقول: روى الأحاديث الخمسة أحمد. ١٢٤- قوله: (وعن أم سلمة) بفتح اللام، هي أم المؤمنين هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية، تزوجها النبي ﷺ بعد أبي سلمة بن عبد الله سنة أربع، وقيل: ثلاث، وعاشت بعد ذلك ستين سنة، وماتت سنة (٦٢) وقيل سنة (٦١) وقيل: قبل ذلك، والأول أصح، ودفنت بالبقيع، قيل: وكان عمرها (٨٤) سنة. قال الذهبي: هي آخر أمهات المؤمنين وفاة، لها ثلاث مائة وثمانية وسبعون حديثاً، اتفقا على ثلاثة عشر، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بمثلها، روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين. (يصيبك) أي يحصل لك (وجع) فتح الجيم أي ألم (من الشاة) أي من أجل أثر الشاة (المسمومة التي أكلت) في خيبر (ما أصابني شيء منها) أي من تلك الشاة، أو من تلك الأكلة (ألا وهو) أي ذلك الشيء من الألم (وآدم في طينته) أي ما تم خلقه، وهو كناية عن تقدم التقدير الأزلي، وإلا فالتقدير سابق على وجود طينة آدم، قال الطيبي: هذا مثل للتقدير السابق لا تعيين، فإن كون آدم في طينته أيضاً مقدر قبله – انتهى. والطينة القطعة من الطين والخلقة والجبلة. وقضية الشاة تأتي في باب المعجزات إن شاءالله تعالى. (رواه ابن ماجه) في باب السحر من آخر أبواب الطب، وفي سنده أبوبكر العنسي وهو ضعيف.

стр. 219

(٤) باب إثبات عذاب القبر ﴿الفصل الأول﴾ (باب إثبات عذاب القبر) قال في اللمعات: المراد بالقبر هنا عالم البرزخ، قال تعالى: ﴿ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون﴾ [١٠٠:٢٣] وهو عالم بين الدنيا والآخرة له تعلق بكل منهما، وليس المراد به الحفرة التي يدفن فيها الميت، فرب ميت لا يدفن كالغريق، والحريق، والمأكول في بطن الحيوانات، يعذب، وينعم، ويسأل، وإنما خص العذاب بالذكر للاهتمام، ولأن العذاب أكثر لكثرة الكفار والعصاة -انتهى. قلت: حاصل ما قيل في بيان المراد من البرزخ أنه اسم لأنقطاع الحياة في هذا العالم المشهود، أي دار الدنيا، وابتداء حياة أخرى، فيبدأ شيء من العذاب أو النعيم بعد إنقطاع الحياة الدنيوية، فهو أول دار الجزاء، ثم توفى كل نفس ما كسبت يوم القيامة عند دخولها في جهنم أو الجنة، وإنما أضيف عذاب البرزخ ونعيمه إلى القبر لكون معظمه يقع فيه، ولكون الغالب على الموتى أن يقبروا، وإلا فالكافر ومن شاء الله عذابه من العصاة يعذب بعد موته ولو لم يدفن، ولكن ذلك محجوب عن الخلق إلا من شاءالله. وقيل: لا حاجة إلى التأويل فإن القبر اسم للمكان الذي يكون في الميت من الأرض، ولا شك أن محل الإنسان ومسكنه بعد انقطاع الحياة الدنيوية هي الأرض كما أنها كانت مسكناً له في حياته قبل موته، قال تعالى ﴿ألم نجعل الأرض كفاتاً، أحياء وأمواتاً﴾ [٧٧: ٢٥، ٢٦] أي ضامة للأحياء والأموات، تجمعهم وتضمهم وتحوزهم، فلا محل للميت إلا الأرض، سواء كان غريقاً أو حريقاً أو مأكولاً في بطن الحيوانات من السباع على الأرض، والطيور في الهواء، والحيتان في البحر، فإن الغريق يرسب في الماء فيسقط إلى أسفله من الأرض، أو الجبل إن كان تحته جبل، وكذا الحريق بعد ما يصير رماداً لا يستقر إلا على الأرض سواء أذرى في البر أو البحر، وكذا المأكول، فإن الحيوانات التي تأكله لا تذهب بعد موتها إلا إلى الأرض، فتصير تراباً. والحاصل أن الأرض محل جميع الأجسام السفلية ومقرها لا ملجأ لها إلا إليها فهي كفات لها. واعلم أنه قد تظاهرت الدلائل من الكتاب والسنة على ثبوت عذاب القبر، وأجمع عليه أهل السنة، ولا مانع في العقل أن يعيد الله الحياة في جزء من الجسد أو في جميعه على الخلاف المعروف فيثيبه ويعذبه، وإذا لم يمنعه العقل، وورد به الشرع وجب قبوله واعتقاده، ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تفرقت أجزاءه كما يشاهد في العادة، أو أكلته السباع، والطيور، وحيتان البحر، كما أن الله تعالى يعيده للحشر وهو قادر على ذلك، فلا يستبعد تعلق روح الشخص الواحد في آن واحد بكل واحد من أجزائه المتفرقة في المشارق والمغارب، فإن تعلقه ليس على سبيل الحلول حتى يمنعه الحلول في جزء من الحلول في غيره، فلا استحالة في تعذيب ذرات الجسم في محالها، كيف وقد ثبت بالعقل والنقل الشعور في الجمادات؟ قال في مصابيح الجامع: وقد كثرت الأحاديث في عذاب القبر حتى قال غير واحد: إنها متواترة لا يصح عليها التواطئ وإن لم يصح مثلها لم يصح شيء من أمر الدين. قال أبوعثمان الحداد: وليس في قوله تعالى: ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾ [٥٦:٤٤] ما يعارض ما ثبت من عذاب القبر؛ لأن الله تعالى أخبر بحياة الشهداء قبل يوم القيامة، وليست مرادة

стр. 220

١٢٥- (١) عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ قال: ((المسلم إذا سئل في القبر، يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، فذلك قوله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ ــ بقوله تعالى: ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾ فكذا حياة المقبور قبل الحشر. قال ابن المنير: وأشكل ما في القضية أنه إذا ثبت حياتهم لزم أن يثبت موتهم بعد هذه الحياة ليجتمع الخلق كلهم في الموت عند قوله تعالى: ﴿لمن الملك اليوم﴾ [١٦:٤٠] ويلزم تعدد الموت، وقد قال ﴿لايذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾ الآية. والجواب الواضح عندي أن معنى قوله: ﴿لايذوقون فيها الموت﴾ أي ألم الموت، فيكون الموت الذي يعقب الحياة الأخروية بعد الموت الأول لا يذاق ألمه البتة، ويجوز ذلك في حكم التقدير بلا إشكال، وما وضعت العرب اسم الموت إلا للمؤلم على ما فهموه، لا باعتبار كونه ضد الحياة، فعلى هذا يخلق الله لتلك الحياة الثانية ضداً يعدمها به، لا يسمى ذلك الضد موتا وإن كان للحياة ضد، جمعاً بين الأدلة العقلية والنقلية واللغوية –انتهى. وقد ادعى قوم من الملاحدة، والزنادقة، والخوارج، وبعض المعتزلة عدم ذكر عذاب القبر في القرآن، وزعموا أنه لم يرد ذكره إلا من أخبار الآحاد. وهو مردودو عليهم، قد بسط الكلام في الرد عليهم الإمام الحافظ ابن القيم في كتاب الروح، فعليك أن تطالعه، فإنه كتاب جليل القدر، ماصنف مثله في معناه، يشتمل على جملة من المسائل، تتضمن الكلام على أرواح الأموات والأحياء. ١٢٥- قوله: (عن البراء) بموحدة مفتوحة وخفة راء ومد (بن عازب) بن الحارث بن عدى الأنصاري الأوسي، كنيته أبوعمارة المدني الصحابي ابن الصحابي، نزل الكوفة، استصغر يوم بدر، وكان هو وابن عمر لدة. أول مشاهده أحد، وقيل: الخندق. غزا مع النبي ﷺ خمس عشرة عزوة، وافتتح الري سنة (٢٤) وشهد مع علي ابن أبي طالب الجمل وصفين ونهروان. مات بالكوفة سنة (٧٢) له ثلاثمائة حديث وخمسة أحاديث، اتفقا على اثنين وعشرين، وانفرد البخاري بخمسة عشر، ومسلم بستة، روى عنه خلق. (قال المسلم) وفي رواية: المؤمن، والمراد به الجنس، فيشمل المذكر والمؤنث، أو يعرف حكمها بالتبعية (إذا سئل في القبر) التخصيص للعادة، أوكل موضع فيه مقره فهو قبره، والمسئول عنه محذوف، أي عن ربه، ونبيه، ودينه، لما ثبت في الأحاديث الأخر (يشهد أن لاإله إلا الله، وأن محمداً رسول الله) أي يجيب بأن لا رب إلا الله، ولا إله سواه، وبأن نبيه محمد ﷺ ، ويلزم منه أن دينه الإسلام (فذلك) أي فمصداق ذلك الحكم (قوله) أي تعالى (بالقول الثابت) أي الذي ثبت بالحجة عندهم، وهي كلمة التوحيد، وثبوتها تمكنها في القلب، واعتقاد حقيقتها، واطمئنان القلب بها. قيل: الباء للسببية متعلقة بيثبت، وكذا (في الحياة الدنيا) أي قبل الموت، بأن لا يزالوا عنه إذا فتنوا في دينهم، ولم يرتابوا بالشبهات، وإن ألقوا في النار، كما ثبت الذين فتنتهم أصحاب الأخدود، والذين نشروا بالمناشير. (وفي الآخرة) أي في القبر بتلقين الجواب والتمكين على

стр. 221

وفي رواية عن النبي ﷺ قال: (( ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ نزلت في عذاب القبر، يقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله ونبي محمد)) . متفق عليه. ١٢٦- (٢) وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه، فيقولان: ما كنت تقول ــ الصواب عند سؤال الملكين بعد إعادة أرواحهم في أجسادهم، وإنما حصل لهم الثبات في القبر بسبب مواظبتهم في الدنيا على هذا القول، وقيل: في الحياة الدنيا أي في القبر عند السؤال، وفي الآخرة أي عند البعث إذا سئلوا عن معتقدهم في الموقف، فلا يتلعثمون ولا تدهشهم أهوال القيامة، والأول أظهر. (قال: يثبت الله) مبتدأ أي آية يثبت الله ﴿الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ أي إلى قوله: ﴿ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء﴾ [٢٧:١٤] (نزلت في عذاب القبر) أي في السؤال في القبر، ولما كان السؤال يكون سبباً للعذاب في الجملة ولو في حق بعض عبر عنه باسم العذاب. قال الكرماني: ليس في الآية ذكر عذاب القبر أي للمؤمن، فلعله سمى أحوال العبد في قبره عذاب القبر تغليباً لفتنة الكافر على فتنة المؤمن لأجل التخويف؛ ولأن القبر مقام الهول والوحشة، ولأن ملاقاة الملائكة مما يهاب منه ابن آدم في العادة –انتهى. قال القاري: وفيه أن المراد إثبات عذاب القبر مجملاً، غايته أن عذاب المؤمن الفاسق مسكوت عنه كما هو دأب القرآن في الاقتصار على حكم الفريقين، وهذا المقدار من الدليل حجة على المخالف إذ لا قائل بالفصل – انتهى. ويدل على عذاب القبر للكافر بل لكل من ظلم نفسه آخر الآية، وهو قوله: ﴿ويضل الله الظالمين﴾ أي يضلهم عنه ولا يلقنهم إياه، فلا يقدرون على التكلم به في قبورهم، ولا عند الحساب، ويقولون: لا أدري، ﴿ويفعل الله ما يشاء﴾ من تثبيت بعض وإضلال آخرين، ولا اعتراض عليه. (يقال له) أي لصاحب القبر (ونبي محمد) زاد في الجواب تبجحاً، أو"ومن نبيك"؟ مقدر في السؤال، أو لأن السؤال عن التوحيد يستلزمه إذ لم يعتد به دونه. وفي المصابيح: نزلت في عذاب القبر إذا قيل له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ يقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبي محمد. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الجنائر، وفي التفسير، ومسلم في صفة النار، ولفظ الرواية الأولى للبخاري في التفسير، ولفظ الرواية الثانية لمسلم. وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده، والترمذي في التفسير، وأبوداود في السنة، والنسائي في الجنائر، وفي التفسير. وابن ماجه في الزهد، ولحديث البراء هذا شواهد تدل على أن هذه الآية نزلت في عذاب القبر، ذكرها ابن كثير في تفسيره، والمنذري في ترغيبه، والهيثمي في مجمع الزوائد. ١٢٦- قوله: (إن العبد) المراد به الجنس (إذا وضع) شرط وجوابه "أتاه" والجملة خبر إن (وتولى) أي أدبر (عنه) أي عن قبره (إنه) حال بحذف الواو، وقيل: إنه جواب الشرط على حذف الفاء، فيكون "أتاه" حالاً من فاعل يسمع، وقد مقدرة، ويحتمل أن يكون "إذا" ظرفاً محضاً، وقوله: "إنه" تأكيد لقوله: (إن العبد ليسمع قرع نعالهم) زاد

стр. 222

في هذا الرجل؟ لمحمد. فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة، فيراهما جميعاً. وأما المنافق والكافر ــ مسلم: (إذا انصرفوا) . "والقرع" بفتح القاف وسكون الراء، و"النعال" بكسر النون، جمع نعل أي يسمع صوت دقها، وفيه دلالة على حياة الميت في القبر؛ لأن الإحساس بدون الحياة ممتنع عادة. وفيه دليل على جواز المشي بالنعال في القبور لكونه ﷺ قاله وأقره، فلو كان ًمكروهاً لبينه، لكن يعكر عليه احتمال أن يكون المراد سماعه إياها بعد أن يجاوزوا المقبرة. قال الشوكاني: سماع الميت خفق النعال لا يستلزم المشي على قبر أو بين القبور –انتهى. وأيضاً يجوز أنه ﷺ ذكر ذلك على عادات الناس، فلا يلزم من هذه الحكاية من غير إنكار تقرير مشيهم بها. ويدل على الكراهة حديث الأمر بإلقاء السبتيتين للماشي بين القبور عند أبي داود والنسائي وابن ماجة، لكن يحتمل أن أمره بالخلع كان لقذر بهما كما قال الطحاوي، أو لاختياله في مشيه كما قال الخطابي، لا لكون المشي بين القبور بالنعال مكروهاً، ولا يتم الاستدلال به على الكراهة إلا إذا قيل: إن الأمر بالخلق كان احتراماً للمقابر. ومال النسائي إلى الجمع بين الحديثين بحمل حديث أنس هذا على غير السبتيتين، والكراهة إنما هي في النعال السبتية واختاره ابن حزم. قلت: حديث أنس يدل بإطلاقه على جواز المشي بين القبور في النعال السبتيتين وغيرها لعدم الفارق بينها وبين غيرها، واحتمال كون المراد سماعه إياها بعد مجاوزتهم المقبرة بعد جداً، وكذا حمله على عادات الناس أيضاً بعيد خلاف الظاهر، وأما حديث السبتيتين فلا يتم الاستدلال به إلا على بعض الوجوه كما تقدم، وأيضاً حديث أنس أرجح منه فيقدم عليه، وأيضاً هو قضية شخصية معينة تحتمل الخصوص وغير ذلك. (في هذا الرجل) أي في شأنه، واللام للعهد الذهني (لمحمد) بيان من الراوي للرجل، أي لأجل محمد ﷺ . قال الطيبي: دعاؤه بالرجل من كلام الملك، فعبر بهذه العبارة التي ليس فيها تعظيم امتحاناً للمسئول، لئلا يتلقن تعظيمه عن عبارة القائل، ثم يثبت الله الذين آمنوا – انتهى. ولا يلزم من الإشارة ما قيل من رفع الحجب بين الميت وبينه ﷺ حتى يراه، ويسئل عنه؛ لأن مثل ذلك لا يثبت بالاحتمال، على أنه مقام امتحان، وعدم رؤية شخصه الكريم أقوى في الامتحان، ولا ما تفوه به بعض الجهلة من أنه ﷺ يحضر الميت في قبره بجسده وروحه؛ لأن الإشارة بهذا للحاضر في الذهن كما في تنوير الحوالك للسيوطي، فإن الإشارة كما تكون للحاضر في الخارج كذلك تكون للحاضر في الذهن أيضاً، ويدل على بطلان القولين، وعلى كون الإشارة ههنا إلى الموجود الحاضر في الذهن رواية أحمد، والطبراني بلفظ: ((ما تقول في هذا الرجل؟ قال: من؟ قال محمد. فيقول ... )) الخ. فإنه لو كشف ﷺ للميت، أو حضره في القبر لما احتاج إلى السؤال بقوله: "من" فتأمل (فأما المؤمن فيقول) أي في جوابه لهما مع اعترافه بالتوحيد كما في حديث البراء وغيره (فيقال له) أي على لسان الملكين (انظر إلى مقعدك من النار) لو لم تكن مؤمناً ولم تجب الملكين (قد أبدلك الله به) أي بمقعدك هذا (فيراهما) أي المقعدين (جميعاً) ليزداد فرحه (وأما المنافق والكافر)

стр. 223

فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس ــ بواو العطف، وهي رواية البخاري في باب عذاب القبر من الجنائز، ووقع عنه في باب خفق النعال في هذا الحديث: وأما الكافر أو المنافق، بالشك، واختلفوا في أن السؤال في القبر هل هو عام في حق المسلمين والمنافقين والكفار، أو يختص بالمسلم والمنافق؟ فقيل: يختص بمن يدعى الإيمان إن كان محقاً أو مبطلاً، مال إليه ابن عبد البر والسيوطي، ولا دليل لهما على هذا القول، لا من كتاب الله ولا من سنة صحيحة. والحق أن الكافر غير المنافق أيضاً يسئل في القبر، لما ورد في ذلك من الأحاديث المرفوعة الصحيحة الكثيرة الطرق، ذكرها الحافظ في الفتح في باب عذاب القبر، وبه جزم الترمذي الحكيم والقرطبي، ورواية الكتاب صريحة في ذلك حيث جمع بين المنافق والكافر بواو العطف، والأصل في العطف المغايرة، فيدل على أن كلاً من المنافق والكافر الذي لم ينطق بالكلمة وقد بلغته الدعوة يسئل، ويؤيده قوله: ﴿ويضل الله الظالمين﴾ حيث ذكر الظالمين في مقابلة "الذي آمنوا" والظالم يعم الكافر والمنافق، وتخصيص الكافر شامل للمنافق وغيره بأهل الشك من أهل القبلة لا موجب له. وأما الرواية الأخرى أي بلفظ "وأما الكافر أو المنافق" فلا تنافي رواية الواو؛ لأن الترديد إما للشك أو لمنع الخلو، فإن كان الأول فالمحفوظ إما "الكافر" فهو صريح في المقصود، أو "المنافق" فلا دلالة في الحديث على الانحصار فيه، إذ غايته إفراد المنافق بالذكر، وهو لا ينافي أن يسئل غيره من الكفار، وإن كان الثاني جاز الجمع بينهما بالسؤال تحقيقاً لمنع الخلو، وعلى التقديرين لا منافاة بين الروايتين، وأما رواية أسماء بلفظ: "أما المنافق أو المرتاب" فلا دليل فيها على حمل الكافر على المنافق، إذ ليس فيها إلا الترديد بين المنافق والمرتاب، فإن قلنا: إن الترديد للشك، وإن المنافق والمرتاب متساويان لغة، فغايته أن يكون كرواية الترمذي في إفراد المنافق بالذكر، ولا دليل في ذلك على انحصار السؤال فيه لما مر. وإن قلنا بأن المرتاب أعم لجواز أن من بلغته دعوة الإسلام ولم ينطق بالكلمة لا يكون جازماً بالتكذيب. وإن قلنا: إن الترديد لمنع الخلو فالأمر واضح، إذ غاية ما فيه الترديد بين المنافق وبين الكافر المرتاب، وقد تبين أن إفراد المنافق بالذكر لا يدل على انحصار السؤال فيه فكيف إذا ذكر معه بعض الكفار؟ كذا حققه بعض العلماء في شرحه على العقائد، وقال الإمام ابن القيم في كتاب الروح بعد ذكر قول ابن عبد البر ما لفظه: والقرآن والسنة تدل على خلاف هذا القول أن السؤال للكافر والمسلم، قال تعالى: ﴿ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء﴾ وقد ثبت في الصحيح أنها نزلت في عذاب القبر، ثم ذكر حديث أنس هذا وغيره من الأحاديث الدالة على عموم السؤال لكل أحد مسلماً كان أو منافقاً أو كافراً خالصاً، وقال الحافظ: الأحاديث الناصة على أن الكافر يسئل مرفوعة، مع كثرة طرقها الصحيحة، فهي أولى بالقبول – انتهى. والحكمة في سؤال الكافر في القبر إظهار شرف النبي ﷺ ، وخصوصيته، ومزيته على سائر الأنبياء، فإن سؤال القبر إنما جعل تعظيماً له وخصوصية شرف بأن الميت يسأل عنه في قبره، وارجع للتفصيل إلى كتاب الروح. (لا أدري) أي حقيقة أنه نبي أم لا (كنت أقول) أي في الدنيا (ما يقول الناس)

стр. 224

فيقال له: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين)) . متفق عليه. ولفظه للبخاري. ١٢٧- (٣) وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، ــ أي المسلمون، يجيب بذلك المنافق والكافر كلاهما، أما المنافق فلأنه كان يقول في الدنيا الشهادتين تقيه من غير اعتقاد، وأما الكافر فيقول ذلك في القبر كذباً، ودفعاً لعذاب القبر عن نفسه (لادريت) أي لا علمت ما هو الحق والصواب (ولا تليت) أصله تلوت - بالواو، والمحدثون إنما يروونه بالياء للازدواج، أي لا علمت بالنظر والاستدلال العقلي، ولا قرأت القرآن لتعلمه منه بالدليل النقلي، ويؤيده ما في حديث البراء في الفصل الثاني. وقيل: معناه ولا اتبعت من يدري. (ويضرب بمطارق) من الطرق - وهو الضرب، والمطرقة آلة الضرب (ضربة) أي بين أذنيه، أفرد الضربة مع جمع المطارق للإشارة إلى أنها تجتمع عليه في وقت واحد فصارت كالضربة الواحدة صورة. (يسمعها) أي تلك الصيحة (من يليه) من الدواب والملائكة، وعبر بمن تغليباً للملائكة لشرفهم، ولا يذهب فيه إلى المفهوم من أن من بعد لا يسمع، لما في حديث البراء الآتي في الفصل الثاني من أنه يسمعها ما بين المشرق والمغرب، والمفهوم لا يعارض المنطوق. (غير الثقلين) أي الجن والإنس، ونصب "غير" على الاستثناء، وقيل: بالرفع على البدلية، واستثنيا لأنهما بمعزل عن سماع ذلك لئلا يفوت الإيمان بالغيب، وقيل: لو سمعوه لأعرضوا عن التدابير والصنائع ونحوهما، فينقطع المعاش، ويختل نظام العالم، قال ابن القيم: فإذا شاءالله سبحانه أن يطلع على ذلك بعض عبيده أطلعه، وغيبه عن غيره، إذ لو اطلع العباد كلهم لزالت كلمة التكليف والإيمان بالغيب، ولما تدافن الناس كما في الصحيحين عنه ﷺ : ((لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع)) . ولما كانت هذه الحكمة المنتفية في حق البهائم سمعت ذلك وأردكته، كما حادت برسول الله ﷺ بغلته، وكادت تلقيه لما مر بمن يعذب في قبره. (متفق عليه) أي على أصل الحديث أو أكثر، وإلا فرواية مسلم انتهت إلى قوله: فيراهما جميعاً (ولفظه للبخاري) في باب عذاب القبر من الجنائر، وأخرجه أيضاً أبوداود، والنسائي، وعبد بن حميد. ١٢٧- قوله: (عرض عليه) بأن تعاد الروح إلى بدنه ليدرك ذلك وتصح مخاطبته، وهل العرض مرة واحدة بالغداة ومرة أخرى بالعشي فقط، أوكل غداة وكل عشي؟ والأول موافق لحديث أنس المتقدم، وللأحاديث الواردة في سياق المسألة، والله أعلم. ويكون عرض المقعدين على كل واحد من المؤمن المخلص والكافر والمؤمن المخلط؛ لأنه يدخل الجنة في الجملة، فيرى مقعده في الجنة، فيقال له: هذا مقعدك وستصير إليه بعد مجازاتك بالعقوبة على ما تستحق (مقعده) أي أظهر له مكانه الخاص من الجنة أو النار. (بالغداة والعشي) أي طرفي النهار، أو المراد الدوام، قاله

стр. 225

إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة)) متفق عليه. ١٢٨- (٤) وعن عائشة ﵁: ((أن يهودية دخلت عليها، فذكرت عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة رسول الله ﷺ عن عذاب القبر. فقال: نعم عذاب القبر حق. ــ القاري. وقيل: أي وقتهما يعني أول النهار وآخره بالنسبة إلى أهل الدنيا، وإلا فالموتى لا صباح عندهم ولا مساء. (إن كان) أي الميت (فمن أهل الجنة) أي فالمعروض عليه من مقاعد أهل الجنة، فحذف المبتدأ والمضاف المجرور، وأقيم المضاف إليه مقامه، أو فمقعد من مقاعد أهل الجنة يعرض عليه، وهذا أكثر حذفاً (فيقال) أي لكل واحد منهما (هذا) أي المقعد المعروض عليك (مقعدك حتى يبعثك الله إليه) الضمير يرجع إلى المقعد المعروض، أي المقعد المعروض مقعدك بعد، ولا تدخله الآن ولا تصل إليه حتى يبعثك الله إليه. وقيل: حتى غاية للعرض أي يعرض عليك إلى البعث، ويحتمل أن يكون الإشارة إلى القبر، والضمير في "إليه" يرجع إلى المقعد المعروض. والمعنى القبر مقعدك إلى أن يبعثك الله إلى المقعد المعروض، ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله، أي لقاء الله، أو إلى يوم الحشر، أي هذا الآن مقعدك إلى يوم الحشر فترى عند ذلك هواناً أو كرامة تنسى عنده هذا المقعد، وفي عرض المقعد تنعيم للمؤمن وتعذيب للكافر والمنافق، ففيه إثبات عذاب القبر، وأن الروح لا تفنى بفناء الجسد؛ لأن العرض لا يقع إلا على حي (متفق عليه) . وأخرجه أيضاً مالك، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وأبوداود دون قوله: "فيقال" إلى آخره. ١٢٨- قوله: (فقالت) أي اليهودية، وهو يحتمل أن يكون تفسيراً أو تفريعاً. (أعاذك الله) أي حفظك وأجارك (عن عذاب القبر) أي أحق هو؟ (نعم عذاب القبر حق) أي ثابت ومتحقق وكائن وصدق. فيه أنه أقر اليهودية على أن عذاب القبر حق، وهذا مخالف لما في رواية لمسلم: إنما تفتن يهود. ولما في رواية لأحمد بإسناد على شرط البخاري: كذبت يهود لا عذاب دون يوم القيامة. والجمع بين هذه الروايات أنه أنكر النبي ﷺ قول اليهودية أولاً أي قبل أن ينزل شيء عليه في عذاب القبر، ثم أعلم بذلك في آخر الأمر فأقرها وأمر الناس بالتعوذ كما في رواية أحمد التي أشرنا إليها: ((ثم مكث بعد ذلك ما شاءالله أن يمكث، فخر ذات يوم نصف النهار وهو ينادي بأعلى صوته: أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر فإن عذاب القبر حق)) . ويوضح ذلك ما في رواية لمسلم: ((إنما يفتن يهود فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله ﷺ : هل شعرت أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور؟ قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ يستعيذ من عذاب القبر)) . وقال الحافظ: وقد استشكل ذلك أي ما تقدم من أنه أعلم بحكم عذاب القبر إذ هو بالمدينة في آخر الأمر

стр. 226

قالت عائشة: فما رأيت رسول الله ﷺ بعد صلى صلاة إلا تعوذ بالله من عذاب القبر)) . متفق عليه. ١٢٩- (٥) وعن زيد بن ثابت قال: ((بينا رسول الله ﷺ في حائط لبنى النجار على بغلة له ونحن معه، إذ حادت به فكادت تلقيه. وإذ أقبر ستة أو خمسة، فقال: من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ قال رجل: أنا. قال: فمتى ماتوا؟ قال: في الشرك. فقال: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا ــ بأن الآية المقدمة مكية، وهي قوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنو﴾ وكذا قوله تعالى: ﴿النار يعرضون عليها غدواً وعشياً﴾ [٤٦:٤٠] ، والجواب أن عذاب القبر إنما يؤخذ من الأولى بطريق المفهوم في حق من لم يتصف بالإيمان، وبالمنطوق في حق الظالمين أي الكافرين، وكذلك بالمنطوق في الأخرى في حق آل فرعون، وأن التحق بهم من كان له حكمهم من الكفار، فالذي أنكره النبي ﷺ إنما هو وقوع عذاب القبر على الموحدين. ثم أعلم ﷺ أن ذلك قد يقع على من يشاء الله منهم فجزم به، وحذر منه، وبالغ في الاستعاذة منه تعليماً لأمته وإرشاداً، فانتفى التعارض – انتهى. (بعد) مبني على الضم أي بعد سؤالي ذلك (إلا تعوذ بالله من عذاب القبر) داخل الصلاة وخارجها. قال القاري: والأول أظهر، ومن ثم أوجب ذلك بعض العلماء. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الجنائر، ومسلم في الصلاة، وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي. ١٢٩- قوله: (في حائط) متعلق بخبر محذوف أي كائن في بستان (على بغلة له) حال من المستتر في الخبر. (ونحن معه) حال متداخله؛ لأنه حال من الضمير في الحال (إذ حادت) بالحاء المهملة، أي مالت ونفرت؛ لأنها سمعت صوت المعذبين في القبور، فقد ثبت أن البهائم تسمع أصوات المعذبين في القبر، كما في حديث أبي سعيد عند أحمد: ((يسمعه كل دابة إلا الثقلين)) ، وفي حديث أم مبشر عند أحمد أيضاً: ((يسمعه البهائم)) ، وفي حديث ابن مسعود عند الطبراني في الكبير: ((إن البهائم تسمع أصواتهم)) . (به) أي متلبسة به فـ"به" حال و"إذ" بسكون الذال للمفاجأة بعد بينا. (وإذ أقبر) بفتح فسكون فضم، وإذا بالألف للمفاجأة، والواو للحال، أي نحن على ذلك مع رسول الله ﷺ وإذا أقبر، أي ظهرت لنا قبور معدودة فاجأناها. (قال) رسول الله ﷺ : إذا كنت تعرفهم (فمتى ماتوا) أي في الجاهلية أو بعدها، مشركين أو مؤمنين؟ (قال) أي الرجل (في الشرك) أي في زمنه، أو صفته (إن هذه الأمة) أي جنس الإنسان، فهذه إشارة لما في الذهن، وخبره بيان له، كهذا أخوك. وأصل الأمة كل جماعة يجمعهم أمر واحد، إما دين، أو زمان، أو مكان. (تبتلى) بصيغة المجهول، أي تمتحن ثم تنعم أو تعذب (فلولا أن لا تدافنوا) بحذف إحدى التائيين، أي تتدافنوا، أي لو سمعتم ذلك تركتم التدافن من خوف الفضيحة في القرائب لئلا يطلع على أحوالهم. وقال ابن حجر:

стр. 227

لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه. ثم أقبل علينا بوجهه فقال: تعوذوا بالله من عذاب النار. قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار. قال: تعوذوا بالله من عذاب القبر. قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر. قال: تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. قال: تعوذوا بالله من فتنة الدجال. قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال)) رواه مسلم. ﴿الفصل الثاني﴾ ١٣٠- (٦) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، ــ وجه هذا التلازم أن الكشف عن ذلك العذاب يؤدي جهلة العامة إلى ترك التدافن خوفاً عليهم منه، ويؤدي الخاصة إلى اختلاط عقولهم، وانخلاع قلوبهم من تصور ذلك الهول العظيم، فلا يقربون جيفة ميت، أي لفقدان العقول، وانخلاغ القلوب. وبهذا التفصيل الذي ذكرته يندفع ما قيل: كيف يليق بمؤمن أن يترك الدفن المأمور به حذراً من عذاب القبر؟ بل يلزمه أن يعتقد أن الله إذا أراد تعذيب أحد عذبه ولو في بطن الحيتان وحواصل الطيور – انتهى. (أن يسمعكم) من الإسماع مفعول ثان على تضمين سألته. (من عذاب القبر) من تبعيضية أو زائدة (الذي أسمع منه) أي الذي أسمعه من القبر. وقيل: أي مثل الذي أسمعه، مفعول ثان ليسمع (من عذاب النار) قدم عذاب النار في الذكر مع أن عذاب القبر مقدم في الوجود؛ لكونه أشد وأبقى وأعظم وأقوى. (من الفتن) جمع فتنة وهي الامتحان، وتستعمل في المكر والبلاء وهو تعميم بعد تخصيص (ما ظهر منها وما بطن) بدل من الفتن، وهو عبارة عن شمولها؛ لأن الفتنة لا تخلو منهما، أي ما جهر وما أسر. وقيل: ما يجري على ظاهر الإنسان وما يكون في القلب من الشرك، والرياء والحسد، وغير ذلك من مذموماًت الخواطر التي تجر إلى عذاب القبر، أو إلى عذاب النار (من فتنة الدجال) خص فإنه أكبر الفتن حيث يجر إلى الكفر المفضي إلى العذاب المخلد. (رواه مسلم) في صفة النار، وأخرجه أيضاً أحمد. ١٣٠- قوله: (إذا قبر الميت) أي دفن وهو قيد غالبي، وإلا فالسؤال يشمل الأموات جميعها (أزرقان) أعينهما. زاد الطبراني: أعينهما مثل قدور النحاس، وأنيابهما مثل صياصي البقر، وأصواتهما مثل الرعد. ونحوه لعبد الرزاق من مرسل عمرو بن دينار، وزاد: يحفران بأنيابهما، ويطأان في أشعارهما، معهما مرزبة لو اجتمع أهل منى لم يقلوها. وإنما يبعثهما الله على هذه الصفة لما في هذه الأوصاف من الهول والوحشة، ويكون خوفهما على الكفار أشد فيتحيروا في الجواب، وأما المؤمنون فلهم في ذلك ابتلاء فيثبتهم الله. (المنكر) مفعول من أنكر بمعنى نكر إذا لم يعرف أحداً.

стр. 228

وللآخر النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين، ثم ينور له فيه، ثم يقال له: نم. فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم. فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك. وإن كان منافقاً قال: سمعت الناس يقولون قولاً فقلت مثله، لا أدري. فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه، فتختلف أضلاعه، ــ (النكير) فعيل بمعنى مفعول من نكر بالكسر إذا لم يعرفه أحد، فكلاهما ضد المعروف، سميا بهما؛ لأن الميت لم يعرفهما، ولم ير صورة مثل صورتهما. قال بعض الفقهاء: إن اسم السائلين للمذنب منكر ونكير، واسم السائلين للمطيع مبشر وبشير. (فيقولان قد كنا نعلم أنك تقول هذا) أي الإقرار بالوحدانية والرسالة، وعلمهما بذلك إما بإخبار الله إياهما بذلك، أو بمشاهدتهما في جنبيه أثر السعادة، وشعار نور الإيمان والعبادة، كما يدل عليه رواية ابن حبان: فإذا كان مؤمناً كانت الصلاة عند رأسه، والزكاة عن يمينه، والصوم عن شماله، وفعل المعروف من قبل رجليه، فيقال له: اجلس فيجلس – الحديث. (يفسح) مجهول مخفف، وقيل: مشدد أي يوسع. (ذراعاً) أي بذراع الدنيا المعروف عند المخاطبين. قال الطيبي: أصله يفسح قبره مقدار سبعين ذراعاً، فجعل القبر ظرفاً للسبعين وأسند الفعل إلى السبعين مبالغة. (في سبعين) أي في عرض سبعين ذراعاً، يعني طوله وعرضه كذلك. قيل: المراد به الكثرة، ولذا ورد في بعض الروايات "مد بصره" ويمكن أن يختلف باختلاف الأشخاص في الأعمال. (ثم ينور له فيه) أي في قبره، وفي رواية ابن حبان: وينور له كالقمر ليلة البدر. (فيقول) أي الميت (أرجع) أي أريد الرجوع كذا قيل. والأظهر أن الاستفهام مقدر، (فأخبرهم) أي بأن حالي طيب ليفرحوا بذلك. (كنومة العروس) بفتح العين، وهو يطلق على الذكر والأنثى في أول اجتماعهما، وقد يقال للذكر، العريس. (الذي لا يوقظه) صفة العروس (إلا أحب أهله إليه) وهو الزواج. قال المظهر: عبارة عن عزته وتعظيمه عند أهله يأتيه غداة ليلة زفافه من هو أحب وأعطف فيوقظه على الرفق واللطف. (حتى يبعثه الله) ليس هذا من مقول الملكين بل من كلامه ﷺ ، و"حتى" متعلق بمحذوف أي ينام طيب العيش حتى يبعثه الله. وقيل: يحتمل أن يتعلق حتى بنم على سبيل الالتفات من الخطاب إلى الغيبة (يقولون قولاً) هو أن محمد رسول الله ﷺ (فقلت مثله) أي مثل قولهم (لا أدري) أي أنه نبي في الحقيقة أم لا. وهو استئناف، وقيل: في محل النصب على الحال. (فيقال للأرض) أي أرض القبر (التئمي) أي انضمي واجتمعي، يعني ضيقي عليه، وهو على حقيقة الخطاب الا أنه تخيل لتعذيبه وعصره. (فتختلف أضلاعه) بفتح الهمزة جمع ضلع وهو عظم الجنب، أي تزول عن الهيئة المستوية التي كانت عليها من شدة التئامها عليه، وشدة

стр. 229

فلا يزال فيها معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك)) . رواه الترمذي. ١٣١- (٧) وعن البراء بن عازب عن رسول الله ﷺ قال: ((يأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ . فيقولان له: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت. فذلك قوله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ الآية. قال: فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، فيفتح. قال: فيأتيه من روحه وطيبها، ويفسح له فيها مد بصره. وأما الكافر فذكر موته قال: ويعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ ــ الضغطة، وانعصار أعضائه، وتجاوز جنبيه من كل جنب إلى جنب آخر (فلا يزال فيها) أي في الأرض، أو في تلك الحالة (رواه الترمذي) وقال: حسن غريب، وأخرجه ابن حبان في صحيحه، والطبراني في الأوسط باختلاف في اللفظ. ١٣١- قوله: (يأتيه) أي المؤمن (ما هذا الرجل) أي ما وصف هذا الرجل أرسول هو أو ما اعتقادك فيه؟ أو "ما" بمعنى "من" (وما يدريك) أي أي شيء أعلمك وأخبرك بما تقول من الربوبية والإسلام والرسالة؟ (كتاب الله) أي القرآن (فآمنت به) أي بالقرآن أو بالنبي أنه حق (وصدقت) أي وصدقته بما قال، أو صدقت بما في القرآن فوجدت فيه آيات دالة على أن ربي ورب المخلوقات واحد وهو الله، وأن لا دين مرضياً عند الله غير الإسلام وأن محمداً رسول الله (فذلك) أي جريان لسانه بالجواب المذكور هو التثبيت الذي تضمنه قوله تعالى: ﴿يثبت الله﴾ [٢٧:١٤] إلخ (أن صدق) "أن" مفسرة للنداء؛ لأنه في معنى القول (فأفرشوه) بهمزة القطع أي أبسطوا له فراشاً (وألبسوه) بهمزة القطع أي أعطوه لباساً (من الجنة) أي من حللها (وافتحوا له باباً) أي حقيقة (فيفتح) قال الشيخ الألباني: لم أجد هذه اللفظة في المسند، وأبي داود، وإن كان السياق يدل عليها (من روحها) أي بعض روحهاو "الروح" بالفتح الراحة ونسيم الريح والمراد شيء منها، ولم يؤت بهذا التعبير إلا ليفيد أنه مما لا يقادر قدره، ولا يوصف كنهه. وقيل: "من" زائدة على مذهب الأخفش. (ويفسح له فيها) أي في تربته وهي قبره (مد بصره) المعنى أنه يرفع عنه الحجاب فيرى ما يمكنه أن يراه. قيل نصب "مد" على الظرف أي مداه وهي الغاية التي ينتهي إليها البصر. قال القاري: والأصوب أن نصبه على المصدر، أي فسحاً قدر مد بصره (فذكر موته) أي حال موت الكافر وشدته (هاه هاه) بسكون الهاء فيهما بعد الألف، كلمة يقولها المتحير الذي لايقدر من حيرته للخوف أو لعدم الفصاحة أن يستعمل لسانه في فيه (لا أدرى) هذا كأنه بيان وتفسير

стр. 230

فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فينادي مناد من السماء أن كذب فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، قال: فيأتيه من حرها وسمومها. قال: ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ثم يقيض له أعمى أصم معه مرزبة من حديد لو ضرب بها جبل لصار تراباً، فيضربه بها ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين، فيصير تراباً ثم يعاد فيه الروح)) . رواه أحمد وأبوداود. ١٣٢- (٨) وعن عثمان أنه كان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، ــ لقوله: هاه هاه، فالمعنى لا أدري شيئاً ما، أولا أدري ما أجيب به (ما هذا الرجل) يعني ما تقول في حقه أنبي أم لا؟ (أن كذب) أي هذا الكافر في قوله: لا أدري؛ لأن دين الله تعالى ونبوة محمد ﷺ كان ظاهراً في مشارق الأرض ومغاربها، بل جحد نبوته بالقول أو بالاعتقاد بناءً على أن كفره جهل أو عناد، قاله القاري (من حرها) أي من حر النار وهو تأثيرها (وسمومها) فتح السين، وهي الريح الحارة (ثم يقيض) أي يسلط ويوكل (أعمى) أي زبانية لا عين له كيلا يرحم عليه، وهو يحتمل أن يكون لا عين له لأجله، أو كناية عن عدم نظره إليه (أصم) أي لا يسمع صوت بكائه واستغاثته فيرق له (مرزبة) بكسر الميم، قال القاري: المسموع في الحديث تشديد الباء، وأهل اللغة يخففونها، وهي المطرقة الكبيرة التي تكون للحداد. وقال في القاموس: الإرزبة والمرزبة مشددتان، أو الأولى فقط، عصية من حديد (فيضربه بها) أي بالمرزبة (يسمعها) أي صوتها وحسها (ثم يعاد فيه الروح) قال ابن حجر: معلوم استمرار العذاب عليه في قبره فيحتمل أنها إذا أعيدت تضرب أخرى فيصير تراباً، ثم يعاد فيه الروح، وهكذا، ويحتمل أن تلك الإعادة لا تتكرر، وأن عذابه يكون بغير ذلك، وهو ظاهر الحديث، وقال ابن الملك: يعني لا ينقطع عنه العذاب بموته، بل تعاد فيه الروح بعد موته ليزداد عذاباً. والحديث نص في أن الكافر غير المنافق أيضاً يسئل في القبر، خلافا لابن عبد البر، والسيوطي، ومن وافقهما. (رواه أحمد وأبوداود) في السنة، وأخرجه أيضاً النسائي، وابن ماجة مختصراً. والبيهقي، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين. قال المنذري في الترغيب بعد ذكر الحديث من رواية الإمام أحمد: هذا حديث حسن، رواته محتج بهم في الصحيح، وهو مشهور بالمنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء، كذا قال أبوموسى الأصبهاني. والمنهال وثقة ابن معين والعجلى، روى له البخاري حديثاً واحداً، ولزاذان في كتاب مسلم حديثان. ١٣٢- قوله: (على قبر) أي على رأس قبر، أو عنده (حتى يبل) بضم الباء الموحدة، أي بكاءه يعني دموعه (لحيته) بالنصب على المفعولية، أي يجعلها مبلولة من الدموع (فلا تبكي) أي من خوف النار، واشتياق الجنة

стр. 231

وتبكي من هذا؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال: ((إن القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه. قال: وقال رسول الله ﷺ : ما رأيت منظراً قط إلا والقبر أفظع منه)) . رواه الترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث غريب. ١٣٣- (٩) وعنه قال: ((كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، فقال: استغفروا لأخيكم ثم سلوا له بالتثبيت، ــ (وتبكي من هذا) أي من القبر، أي من أجل خوفه، قيل: إنما كان يبكي عثمان وإن كان من جملة المشهود لهم بالجنة؛ لأنه لا يلزم من التبشير بالجنة عدم عذاب القبر، بل ولا عدم عذاب النار مطلقاً مع احتمال أن يكون التبشير مقيداً بقيد معلوم أو مبهم، ويمكن أن ينسى البشارة حينئذٍ لشدة الفظاعة، ويمكن أن يكون خوفاً من ضغطة القبر كما يدل عليه حديث سعد الدال على أنه لم يخلص منه كل سعيد إلا الأنبياء، ذكره القاري. (إن القبر أول منزل) أي فهو أقرب شيء إلى الإنسان، وأيضاً شدته أمارة للشدائد كلها. (من منازل الآخرة) ومنها عرصة القيامة عند العرض، ومنها الوقوف عند الميزان، ومنها المرور على الصراط، ومنها الجنة أو النار. (فإن نجا منه) أي من عذاب القبر (فما بعده) أي من المنازل (أيسر منه) أي أسهل وأهون؛ لأنه يفسح للناجي من عذاب القبر في قبره مد بصره، وينور له، ويفرش له من بسط الجنة، ويلبس من حللها، ويفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيبها، وكل هذه الأمور مقدمة لتيسير بقية منازل الآخرة. (وإن لم ينج منه) أي لم يخلص من عذاب القبر، ولم يكفر ذنوبه، وبقي عليه شيء مما يستحق العذاب به (فما بعده أشد منه) ؛ لأن النار أشد العذاب، فما يحصل للميت في القبر عنوان ما سيصير إليه. (قال) أي عثمان (وقال رسول الله ﷺ : ما رأيت) أي في الدنيا (منظراً) أي موضعاً ينظر إليه (إلا والقبر أفظع منه) من فظع بالضم ككرم، أي أشد وأشنع وأنكر من ذلك المنظر. قيل: المستثنى جملة حالية من منظر، وهو موصوف حذفت صفته، أي ما رأيت منظراً فظيعاً على حالة من أحوال الفظاعة قط إلا في حالة كون القبر أقبح منه، فالاستثناء مفرغ. قال السندهي: وحيث خص بمنظر الدنيا اندفع ما يتوهم أن هذا ينافي قوله: فما بعده أشد منه. على أنه يمكن الجواب إذا عمم بأنه أفظع من جهة الوحشة والوحدة، وغيره أشد عذاباً منه، فلا إشكال (رواه الترمذي) في أوائل الزهد (وابن ماجه) في الزهد (وقال الترمذي: هذا حديث غريب) وفي نسخ الترمذي الموجودة عندنا "حديث حسن غريب"، قال المنذري في الترغيب: زاد رزين فيه مما لم أره شيء من نسخ الترمذي. قال الهانئي (مولى عثمان راوي الحديث عنه) : وسمعت عثمان ينشد على قبر: فإن نتج منها نج من ذي عظيمة وإلا فإني لا إخالك ناجياً والحديث أخرجه الحاكم أيضاً وقال: صحيح الإسناد. ١٣٣- قوله: (وقف عليه) أي وقف هو وأصحابه عند قبره (استغفروا لأخيكم) أي في الإسلام (ثم سلوا له بالتثبيت)

стр. 232

فإنه الآن يسئل)) . رواه أبوداود. ١٣٤- (١٠) وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليسلط على الكافر في قبره تسعة وتسعون تنيناً، تنهسه وتلدغه حتى تقوم الساعة، لو أن تنيناً منها نفخ في الأرض ما أنبتت خضراً)) . رواه الدارمي، وروى الترمذي نحوه، وقال: سبعون بدل تسعة وتسعون. ــ أي اطلبوا له منه أن يثبت لسانه وجنانه لجواب الملكين. وعدى بالباء؛ لأنه ضمن السؤال معنى الدعاء، أي ادعوا له بدعاء التثبيت، يعني قولوا: ثبته الله بالقول الثابت، أو اللهم ثبته بالقول الثابت. وهو كلمة الشهادة عند منكر ونكير (فإنه الآن يسئل) أي يسأله الملكان منكر ونكير، فهو أحوج إلى الدعاء. وفي الحديث دليل على مشروعية الاستغفار للميت عند الفراغ من دفنه، وسؤال التثبيت له، وأن دعاء الأحياء ينفع الأموات، وليس فيه دلالة على التلقين عند الدفن كما هو المعتاد في الشافعية، وليس فيه حديث مرفوع صحيح، وأما ما روي في ذلك من حديث أبي أمامة فهو ضعيف لا يقوم به حجة، عزاه الهيثمي للطبراني، وقال: فيه جماعة لم أعرفهم. وأما قوله ﷺ : ((لقنوا موتاكم لا إله إلا الله)) ، فالمراد عند الموت لا عند دفن المبت. (رواه أبوداود) في الجنائز وسكت عليه هو والمنذري، وقال العزيزي: إسناده حسن. وأخرجه أيضاً الحاكم، وقال: صحيح. وأقره الدهبي. ١٣٤- قوله: (تسعة وتسعون) الوقوف على فائدة تخصيص العدد إنما يحصل بالوحي، ويتلقى من قبل الرسول ﷺ ، ولا مجال فيه للعقل (تنيناً) بكسر التاء والنون المشددة، وهي حية عظيمة كثيرة السم، وهذا محمول على الحقيقة، واستحالة ذلك بطريق العقول سبيل من لا خلاق له في الدين، عصمنا الله من عثرة العقل، وفتنة الصدر. (تنهسه) بفتح السين المهملة (وتلدغه) بفتح الدال كلاهما من باب فتح. قيل: النهس واللدغ بمعنى واحد جمع بينهما تأكيداً (لو أن تنيناً منها نفخ في الأرض) أي لو وصل ريح فمه وحرارته إلى الأرض (ما أنبتت) الأرض (خضراً) بفتح الخاء وكسر الضاد، أي نباتاً أخضر (رواه الدارمي) أي بهذا اللفظ في الرقاق من طريق دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري، وأخرجه أيضاً أحمد، وأبويعلى، والطبراني في الكبير، وعبد بن حميد، وابن حبان في صحيحه، وسعيد بن منصور في سننه. (وروى الترمذي نحوه) أي بالمعنى من حديث طويل في صفة القيامة من أبواب الزهد، وقال: غريب. قال المنذري: رواه الترمذي والبيهقي كلاهما من طريق عبيد الله بن الوليد الوصافي وهو واهٍ. (وقال سبعون) تنيناً (بدل) بالنصب ظرف (تسعة وتسعون) بالرفع على الحكاية. قيل في وجه الجمع بين العددين: أن الأول للمتبوعين من الكفار، والثاني للتابعين، أو أن سبعين عند العرب للعدد الكثير جداً، أي للمبالغة لا للتحديد فحينئذٍ لا تنافي الأولى؛ لأنها مجملة وتلك مبينة لها. وقيل: يحتمل أن يكون باختلاف أحوالهم. قلت: رواية الترمذي ضعيفة جداً كما عرفت، فلا حاجة إلى تكلف الجمع.

стр. 233

﴿الفصل الثالث﴾ ١٣٥ – (١١) عن جابر قال: ((خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى سعد بن معاذ حين توفي، فلما صلى عليه رسول الله ﷺ ووضع في قبره وسوى عليه، سبح رسول الله ﷺ فسبحنا طويلاً، ثم كبر، فكبرنا، فقيل: يار سول الله ﷺ لم سبحت ثم كبرت؟ قال: لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتى فرجه الله عنه)) رواه أحمد. ١٣٦- (١٢) وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((هذا الذي تحرك له العرش ــ ١٣٥- قوله: (إلى سعد بن معاذ) أي إلى جنازته، وهو سعد بن معاذ بن النعمان الأنصاري الأشهلي، أبوعمرو، سيد الأوس، أسلم بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية، وأسلم بإسلامه بنو عبد الأشهل، ودارهم أول دار أسلمت من الأنصار، وسماه رسول الله ﷺ سيد الأنصار، وكان مقدماً مطاعاً شريفاً في قومه، من أجلة الصحابة وأكابرهم، شهد بدراً وأحداً، وثبت مع النبي ﷺ يومئذٍ، ورمى يوم الخندق في أكحله فلم يرق الدم حتى مات بعد شهر، وذلك في ذى القعدة سنة (٥) وهو ابن سبع وثلاثين سنة، ودفن في البقيع. له في البخاري حديثان، روى عنه نفر من الصحابة. (وسوى عليه) أي التراب، والفعل مجهول (سبح رسول الله ﷺ ) لعل التسبيح عند مشاهدة التضييق عليه كان للتعجب أو للتنزيه لإرادة تنزيهه تعالى أن يظلم أحد. (فسبحنا طويلاً) قيد للفعلين، أي زماناً طويلاً، أو تسبيحاً طويلاً، أي كثيراً (على هذا العبد الصالح) هذا إشارة إلى كمال تمييزه ورفع منزلته، ثم وصفه بالعبد ونعته بالصلاح لمزيد التخويف، والحث على الالتجاء إلى الله من هذا المنزل الفظيع، أي إذا كان حال هذا العبد هذا فما بال غيره؟ (حتى فرجه الله عنه) أي كشفه وأزاله. قال الطيبي: و"حتى" متعلقة بمحذوف أي مازلت أسبح وأكبر، وتسبحون وتكبرون حتى فرجه الله عنه. (رواه أحمد) (ج٣:ص٢٧٧، ٣٦٠) ، ذكر الهيثمي هذا الحديث في مجمع الزوائد (ج٣:ص٤٦) وعزاه لأحمد. والطبراني في الكبير ثم قال: وفيه محمود بن محمد بن عبد الرحمن بن عمرو بن الجموح، قال الحسيني: فيه نظر. قال الهيثمي: ولم أجد من ذكره غيره. وقال الألباني: سنده ضعيف، محمود بن عبد الرحمن بن عمرو بن الجموح ترجمه ابن حجر في التعجيل بما يتلخص منه أنه لا يعرف. ١٣٦- قوله: (هذا الذي) إشارة إلى سعد المذكور، وهو للتعظيم كما في الحديث الأول (تحرك له العرش) وفي رواية "اهتز" أي ارتاح بصعوده، واستبشر لكرامته على ربه؛ لأن العرش وإن كان جماداً فغير بعيد أن يجعل لله فيه إدراكاً يميز به بين الأرواح وكمالاتها، وهذا أمر ممكن، ذكره الشارع بياناً لمزيد فضل سعد، وترهيباً للناس من ضغطة القبر، فتعين الحمل على ظاهره حتى يرد ما يصرفه عنه. والمراد عرش الرحمن، لا السرير الذي حمل عليه، لحديث جابر

стр. 234

وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفاً من الملائكة، ولقد ضم ضمة ثم فرج عنه)) رواه النسائي. ١٣٧- (١٣) وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: ((قام رسول الله ﷺ خطيباً، ــ عند البخاري في المناقب مرفوعاً: اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ (وفتحت له أبواب السماء) ؛ لإنزال الرحمة، ونزول الملائكة، أو عرضاً للأبواب بأن يدخل من أي باب شاء لعظم كماله كفتح أبواب الجنة الثمانية لبعض المؤمنين. (وشهده) أي حضر جنازته (لقد ضم) بالضم، أي عصر سعد في قبره (ضمة) أي واحدة (ثم فرج عنه) زاد البيهقي في كتاب عذاب القبر: يعني سعد بن معاذ، وزاد في دلائل النبوة: قال الحسن: تحرك له العرش فرحاً بروحه، قال أبوالقاسم السعدي في كتاب الروح له: لا ينجو من ضغطة القبر لا صالح ولا طالح، غير أن الفرق بين المسلم والكافر فيها دوام الضغط للكافر، وحصول هذه الحالة للمؤمن في أول نزوله إلى قبره، ثم يعود إلى الانفساح له. قال: والمراد بضغط القبر التقاء جانبيه على جسد الميت. وقال الحكيم الترمذي: سبب هذا الضغط أنه ما من أحد إلا وقد ألم بذنب ما فتدركه هذه الضغطة جزاءً لها، ثم تدركه الرحمة. وكذلك ضغطة سعد بن معاذ في التقصير من البول، قلت: يشير إلى ما أخرجه البيهقي من طريق ابن إسحاق: حدثني أمية بن عبد الله أنه سأل بعض أهل سعد ما بلغكم من قول رسول الله ﷺ في هذا؟ فقالوا: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ سئل عن ذلك، فقال: كان يقصر في بعض الطهور من البول. وقال ابن سعد في طبقاته: أخبر شبابة بن سوار أخبرني أبومعشر عن سعيد المقبري، قال: لما دفن رسول الله ﷺ سعداً قال: لو نجا أحد من ضغطة القبر لنجا سعد، ولقد ضم ضمة اختلفت منها أضلاعه من أثر البول. وأخرج البيهقي عن الحسن، أن النبي ﷺ قال حين دفن سعد بن معاذ: إنه ضم في القبر ضمة حتى صار مثل الشعرة، فدعوت الله أن يرفعه عنه، وذلك بأنه كان لا يستبرئ من البول. ثم قال الحكيم: وأما الأنبياء فلا يعلم أن لهم في القبور ضمة ولا سؤالاً لعصمتهم. وقال النسفي في بحر الكلام: المؤمن المطيع لا يكون له عذاب القبر، ويكون له ضغطة القبر، فيجد هول ذلك وخوفه، لما أنه تنعم بتعمة الله ولم يشكر النعمة. وروى ابن أبي الدنيا عن محمد التيمي قال: كان يقال: إن ضمة القبر إنما أصلها أنها أمهم، ومنها خلقوا فغابوا عنها الغيبة الطويلة، فلما رد إليها أولادها ضمتهم ضمة الوالدة غاب عنها ولدها ثم قدم عليها، فمن كان لله مطيعاً ضمته برأفة ورفق، ومن كان عاصياً ضمته بعنف سخطاً منها عليه لعصيانه ربها. ذكره السيوطي في زهر الربى. (رواه النسائي) في الجنائز، وأخرجه أيضاً البيهقي، والحاكم، وفي ضغطة القبر أحاديث عن جماعة من الصحابة. منها حديث ابن عباس، أخرجه الطبراني في الكبير وغيره. ومنها حديث جابر، أخرجه ابن سعد، والحكيم الترمذي. ومنها حديث عائشة، أخرجه أحمد. ومنها حديث أنس أخرجه أبويعلى والضياء. ومنها حديث حذيفة أخرجه أحمد، والحكيم الترمذي. ١٣٧- قوله: (وعن أسماء) غير منصرف بالعلمية والتأنيث المعنوي (بنت أبي بكر) الصديق زوج الزبير بن العوام، وأم عبد الله بن الزبير، تسمى ذات النطاقتين؛ لأنها شقت نطاقها ليلة خرج النبي ﷺ مهاجراً، فجعلت واحدة

стр. 235

فذكر فتنة القبر التي يفتن فيها المرء، فلما ذكر ذلك ضج المسلمون ضجة)) . رواه البخاري هكذا، وزاد النسائي: ((حالت بيني وبين أن أفهم كلام رسول الله ﷺ ، فلما سكنت ضجتهم قلت لرجل قريب مني: أي بارك الله فيك، ماذا قال رسول الله ﷺ في آخر قوله:؟ قال قال: قد أوحى إلي أنكم تفتنون في القبور قريباً من فتنة الدجال)) . ١٣٨- (١٤) وعن جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: إذا أدخل الميت القبر مثلت له الشمس عند غروبها، فيجلس ــ شداد لسفرته والآخر عصا ما لقربته، وقيل: جعلت النصف الثاني نطاقاً لها، أسلمت بمكة بعد إسلام سبعة عشر إنساناً، وهاجرت إلى المدينة وهي حامل بإبنها عبد الله. وماتت بعد قتل إبنها عبد الله بعشرة أيام، وقيل: بعشرين يوماً بعد ما أنزل ابنها من الخشبة، ولها مائة سنة، ولم يقع لها سن، ولم ينكر من عقلها شيء، وذلك في جمادى الأولى سنة (٧٣) بمكة. لها ستة وخمسون حديثاً، اتفقا على أربعة عشر، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بمثلها. روى عنها خلق كثير. (فذكر فتنة القبر) أي وعذابه، أو ابتلاءه والامتحان فيه (التي يفتن فيها المرء) صفة لفتنته، يعني ذكر الفتنة بتفاصيلها كما يجري على المرء في قبره (فلما ذكر ذلك) أي ما ذكر، أو الفتنة بمعنى الافتنان (ضج المسلمون) أي صاحوا وجزعوا (ضجة) التنوين للتعظيم (رواه البخاري هكذا) أي مختصراً من طريق عروة عن أسماء في باب عذاب القبر من الجنائر، وأخرجه في العلم، والكسوف، والجمعة من طريق فاطمة بنت المنذر عن أسماء مطولاً (وزاد النسائي) أي بعد "ضجة" (حالت) صفة ضجة (بيني وبين أن أفهم كلام رسول الله ﷺ ) أي بعد هذا (قلت لرجل) قال الحافظ في الفتح: لم أقف على اسم الرجل الذي استفهمت منه عن ذلك إلى الآن (قريب مني) أي مكاناً (أي) المنادي محذوف، أي فلان (في آخر قوله:) أي بعد الصياح (قريباً) صفة مصدر محذوف، أي افتناناً قريباً (من فتنة الدجال) وقال الطيبي: أي فتنة قريبة، وذكر كما في قوله تعالى: ﴿إن رحمة الله قريب من المحسنين﴾ [٥٦:٧] أي فتنة عظيمة، إذ ليس في الفتن أعظم من فتنة الدجال. وقد روى أحمد عن عائشة مرفوعاً: أنكم تفتنون في القبور كفتنة الدجال. قال الكرماني: وجه الشبه بين الفتنتين الشدة، والهول، والعموم. ١٣٨- قوله: (مثلت) أي صورت (عند غروبها) حال من الشمس، أي حال كونها قريبة الغروب. وقال ابن حجر: أي حال كونها غاربة، لا ظرف لمثلت لاقتضاءه أن التمثيل لا يكون إلا ذلك الوقت، وليس كذلك، فإنه يكون عند نزول الملكين، وهذا لا يقيد بذلك الوقت، بل هو عام في سائر أجزاء الليل والنهار، فتعين أن التمثيل بها حالة كونها غاربة عام في سائر الأزمنة أيضاً، وذلك لا يكون إلا في حق المؤمن (فيجلس) معروف، وقيل: مجهول

стр. 236

يمسح عينيه ويقول: دعوني أصلي)) . رواه ابن ماجه. ١٣٩- (١٥) وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((إن الميت يصير إلى القبر، فيجلس الرجل في قبره غير فزع ولا مشغوب، ثم يقال: فيم كنت. فيقول: كنت في الإسلام. فيقال: ما هذا الرجل؟ فيقول: محمد رسول الله ﷺ جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه. فيقال له: هل رأيت الله؟ فيقول: ما ينبغي لأحد أن يرى الله. ــ (يمسح) حال من ضمير يجلس (عينيه) على هيئة المستيقظ؛ لأن النوم أخو الموت. (دعوني) أي أتركوا كلامي والسؤال مني (أصلي) جواب للأمر، والياء للإشباع، أو أعطي المعتل حكم الصحيح. وقيل: استئناف، أي أنا أريد أن أصلي، والمعنى: أن من كان راسخاً في أداء الصلاة، مواظباً عليها في الدنيا، يظن أنه بعد في الدنيا، ويؤدي ما عليه من الفرائض، ويشغله من قيامه بعض أصحابه، فيقول: دعوني أنا أريد الصلاة، وليضيق الوقت يفزع، ويخاف فوت الوقت، ويستعجل بالصلاة، وذكر الغروب يناسب الغريب فإنه أول منزل ينزله عند الغروب. (رواه ابن ماجه) في الزهد، قال في الزوائد: إسناده حسن إن كان أبوسفيان واسمه طلحة بن نافع، سمع من جابر بن عبد الله، وإسماعيل بن حفص مختلف فيه- انتهى. هذا، وقد ورد ذكر تمثيل الشمس للميت حال كونها قريبة الغروب في حديث أبي هريرة الطويل عند ابن حبان في صحيحه، والطبراني في الأوسط. ١٣٩- قوله: (إن الميت) اللام للجنس (فيجلس) على بناء المفعول من أجلس، أو على بناء الفاعل من جلس (الرجل) أي الصالح، كما في بعض النسخ، وكذا وقع في ابن ماجه. (غير فزع) بكسر الزاى ونصب "غير" على الحالية، وقوله: (ولا مشغوب) تأكيد من الشغب، وهو تهييج الشر والفتنة، كذا وقع في جميع النسخ "مشغوب" بالغين المعجمة والباء، والظاهر أنه خطأ من النساخ، والصواب "مشعوف" أي بالعين المهملة والفاء، من الشعف، وكذا وقع في ابن ماجه. قال المنذري: الشعف، بشين معجمة وعين مهملة، شدة الفزع حتى يذهب بالقلب. (ثم يقال) أي له كما في بعض النسخ موافقاً لما في ابن ماجه (فيم كنت) أي في أي دين عشت؟ (ما هذا الرجل) أي الرجل المشهور بين أظهركم، ولا يلزم منه الحضور. وترك ما يشعر بالتعظيم لئلا يصير تلقيناً، وهو لا يناسب موضع الاختبار. و"ما" استفهام مبتدأ و"هذا الرجل" خبره، أي ما وصفه ونعته؟ أو ما اعتقادك فيه؟ (محمد رسول الله ﷺ ) قوله: "رسول الله" يحتمل أن يكون خبراًً لمبتدأ محذوف، أو خبراًً بعد خبر، والأظهر أنه خبر لمحمد، والجملة مقول، وهو متضمن للجواب عن وصفه، وقوله: (جاء بالبينات) جملة استئنافية مبينة للجملة الأولى (فصدقناه) أي بجميع ما جاء من عندالله. (ماينبغي) أي لا يصح (أن يرى الله) أي يبصره ببصره في الدنيا، أو يحيط بكنهه مطلقاً

стр. 237

فيفرج له فرجة قبل النار، فينظر إليه يحطم بعضها بعضاً، فيقال له: انظر إلى ما وقاك الله، ثم يفرج له فرجة قبل الجنة، فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال له: هذا مقعدك، على اليقين كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله تعالى. ويجلس الرجل السوء في قبره فزعاً مشغوباً، فيقال له: فيم كنت؟ فيقول: لا أدري. فيقال له: ما هذا الرجل؟ فيقول: سمعت الناس يقولون قولاً فقلته، فيفرج له قبل الجنة، فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال له: انظر إلى ما صرف الله عنك، ثم يفرج له فرجة إلى النار، فينظر إليها يحطم بعضها بعضاً، فيقال له: هذا مقعدك، على الشك كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاءالله تعالى)) . رواه ابن ماجه. ــ (فيفرج له) بالتشديد، وقيل: بالتخفيف، وكلاهما على بناء المفعول، أي يكشف ويفتح له (فرجة) بضم الفاء، وقيل بفتحها وهو مرفوع على نيابة الفاعل (قبل النار) بكسر القاف، أي جهتها، منصوب على الظرف (ينظر إليه) ذكر ضمير النار بتأويل العذاب، وأنث في قوله: (يحطم بعضها بعضاً) نظراً إلى اللفظ. والحطم الكسر أي يكسر ويغلب ويأكل بعضها بعضاً لشدة تلهبها وكثرة وقودها. (انظر إلى ما وقاك الله) أي انظر إلى هذا العذاب الذي حفظك الله بحفظه إياك من الكفر والمعاصي التي تجره إليهز (إلى زهرتها) فتح الزاى أي حسنها وبهجتها (وما فيها) من الحور، والقصور، وغيرها من الخير الكثير. (هذا مقعدك) أي في العقبى (على اليقين كنت) جملة مستأنفة متضمنة للتعليل، أي هذا مقعدك؛ لأنك كنت في الدنيا على اليقين في أمر الدين. وتقديم الخبر للاهتمام والاختصاص التام. (وعليه مت) بضم الميم وكسرها، وهذا يدل على أن من كان على اليقين في الدنيا يموت عليه عادة، وكذا في جانب الشك، قاله السندهي. (وعليه تبعث) يعني كما تعيش تموت، وكما تموت تحشر (إن شاءالله تعالى) للتبرك، أو للتحقيق لا للشك. (الرجل السوء) بفتح السين وتضم، ضد الصالح (مشغوباً) وفي ابن ماجه "مشغوفاً" أي مرعوباً (لا أدري) ما الدين؟ أو للهيبة نسي دينه. (سمعت الناس) إلخ يريد أنه كان مقلداً في دينه للناس، ولم يكن منفرداً عنهم بمذهب، فلا اعتراض عليه حقاً كان ما عليه أو باطلاً. (رواه ابن ماجه) في الزهد. قال في الزوائد: إسناده صحيح، وأخرج أحمد نحوه مطولاً عن عائشة بإسناد صحيح، ذكره المنذري في ترغيبه.

стр. 238

(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة ﴿الفصل الأول﴾ ١٤٠- (١) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) متفق عليه. ١٤١- (٢) وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أما بعد، ــ (باب الاعتصام بالكتاب والسنة) الاعتصام افتعال من العصمة وهي المنع، والعاصم المانع الحامي، والاعتصام الاستمساك بالشيء، والمراد بالكتاب القرآن المتعبد بتلاوته، وبالسنة ما جاء عن النبي ﷺ من أقواله وأفعاله وأحواله وتقريره، وما هم بفعله، والسنة في أصل اللغة الطريقة. قيل: هذه الترجمة منتزعة من قوله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً﴾ [١٠٣:٣] ؛ لأن المراد بحبل الله الكتاب والسنة على سبيل الاستعارة. ١٤٠- قوله: (من أحدث في أمرنا هذا) أي في شأننا وطريقنا، فالأمر واحد الأمور، أطلق على الدين من حيث أنه طريقه وشأنه الذي يتعلق به، أو في ما أمرنا به بالوحي المتعبد بتلاوته، أو بالوحي الذي ليس بقرآن، فالأمر واحد الأوامر، أطلق على المأمور به، والمراد الشرع والدين كما وقع في بعض الروايات: من أحدث في ديننا. قيل: عبر عن الدين بالأمر تنبيهاً على أن هذا الدين هو أمرنا الذي نهتم له ونشتغل به، بحيث لا يخلو عنه شيء من أقوالنا وأفعالنا وأحوالنا. (فهو رد) أي مردود من إطلاق المصدر على اسم المفعول، مثل خلق ومخلوق، ونسخ ومنسوخ. وكأنه قال: فهو باطل غير معتد به. ومعنى الحديث: أن من أحدث في الإسلام رأياً لم يكن له من الكتاب والسنة سند ظاهر أو خفي، ملفوظ أومستنبط، فهو مردود عليه، والمراد أن ذلك الأمر واجب الرد، يجب على الناس رده، ولا يجوز لأحد اتباعه والتقليد فيه. وقيل: يحتمل أن ضمير "فهو" لمن، أي فذلك الشخص مردود مطرود. والحديث أصل عظيم من أصول الإسلام، وقاعدة مهمة من قواعده، وهو من جوامع كلمه ﷺ ، فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات. قال النووي: هذا الحديث مما ينبغي أن يعتنى بحفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به. وفي رواية لمسلم: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد. أي ليس هو في ديننا وشرعنا، ولم يأذن به الله ورسوله، يعني من عمل عملاً خارجاً عن الشرع ليس متقيداً بالشرع فهو مردود. قال الحافظ: قوله: "من عمل" أعم من قوله: " من أحدث" فيحتج به في إبطال جميع العقود المنهية، وعدم وجود ثمراتها المرتبة عليها، وفي أن النهي يقتضي الفساد؛ لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها. وارجع للتفصيل إلى شرح الأربعين النووية لابن رجب. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الصلح، ومسلم في الأقضية، وأخرجه أيضاً أبوداود وابن ماجه في السنة. ١٤١- قوله: (أما بعد) هاتان الكلمتان يقال لهما فصل الخطاب، وأكثر استعمالهم بعد تقدم قصة، أو حمد لله وصلاة

стр. 239

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)) . ... رواه مسلم. ١٤٢- (٣) وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام ــ على النبي ﷺ ، فقوله: "بعد" مبني على الضم بحذف المضاف إليه، أي بعد ما تقدم من الحمد والصلاة، والمفهوم منهما أنه ﷺ قال ذلك في أثناء خطبته أو موعظته (فإن خير الحديث) الفاء لما في "أما" من معنى الشرط، أي مهما يكن من شيء بعدما ذكر فإن خير الحديث أي الكلام (وخير الهدى) بالنصب، عطفاً على اسم إن، وروي بالرفع عطفاً على محل "إن" واسمه. و"الهدى" بفتح الهاء وسكون الدال، السيرة، ولا يكاد يطلق إلا على طريقة حسنة، ولذلك حسن إضافة الخير إليه، والشر إلى الأمور، واللام في "الهدى" للاستغراق؛ لأن أفعل التفضيل لا يضاف إلا إلى متعدد، ولأنه لو لم يكن للاستغراق لم يفد المعنى المقصود، وهو تفضيل دينه وسنته على سائر الأديان والسنن. وروي "الهدى" بضم الهاء وفتح الدال، ومعناه الدلالة والإرشاد، أي أحسن الدلالة دلالة محمد ﷺ وإرشاده (وشر الأمور) بالنصب، وقيل بالرفع (محدثاتها) بفتح الدال، جمع محدثة، والمراد بها ما أحدث من الاعتقاد والقول والفعل، وليس له أصل في الشرع، ويسمى في عرف الشرع بدعة. وما كان له أصل في الشرع فليس ببدعة شرعاً كتفسير القرآن وكتابة الحديث، فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة، فإن كل شيء أحدث على غير مثال سبق يسمى بدعة لغة، سواء كان محموداً أو مذموماً، وكذا القول في المحدثة، ولذا قال (وكل بدعة) بالرفع، وقيل: بالنصب (ضلالة) أي كل بدعة شرعية ضلالة، أي توصف بذلك لإضلالها. وعند النسائي من حديث جابر: إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ويأتي مزيد الكلام في شرح حديث العرباض بن سارية في الفصل الثاني. (رواه مسلم) في حديث طويل في خطبة الجمعة، وأخرجه أيضاً أحمد، وابن ماجة في السنة. ١٤٢- قوله: (أبغض الناس) هو أفعل التفضيل من المفعول على الشذوذ، واللام في "الناس" للعهد، والمراد منه عصاة المسلمين (ثلاثة) أي أشخاص، أحدهم أو منهم (ملحد في الحرم) أي ظالم أو عاص فيه، والإلحاد الميل عن الصواب، والعدول عن القصد. قال الحافظ: وظاهر سياق الحديث أن فعل الصغيرة في الحرم أشد من فعل الكبيرة في غيره، فإن مرتكب الصغيرة مائل عن الحق والقصد، وهو مشكل، فتعين أن المراد بالإلحاد فعل الكبيرة. وقال القسطلاني: أجيب بأن الإلحاد في العرف مستعمل في الخارج عن الدين، فإذا وصف به من ارتكب معصية كان في ذلك إشارة إلى عظمها. (ومبتغ) أي طالب (في الإسلام) يعني أن ما محاه الإسلام وأمر بتركه من أمور الجاهلية يريد هو

стр. 240

سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه)) . رواه البخاري. ١٤٣- (٤) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قيل: ومن أبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)) . رواه البخاري. ــ إحداثه وإشاعته، فيدخل فيه أحداًث البدعة، وبهذا المعنى أورده البغوى في الاعتصام بالكتاب والسنة. (سنة الجاهلية) اسم جنس يعم جميع ما كان عليه أهل الجاهلية من النياحة، والميسر، والطيرة، والكهانة، وقتل الأولاد، وجزاء شخص بجناية من هو من قبيلته. وإطلاق السنة على فعل الجاهلية على أصل اللغة. (مطلب) بالتنوين (دم امرىء) بالنصب، وقيل بإضافة (مطلب) إلى ”دم" وهو بتشديد الطاء من الاطلاب أصله مطتلب على مفتعل، فأبدلت التاء طاء وأدغمت، أي متكلف في الطلب، مبالغ ومجتهد فيه. (ليهريق دمه) بضم الياء وفتح الهاء ويجوز إسكانها من هراق الماء إذا صبه، والأصل أراق، قلبت الهمزة هاء وفيه لغة أخرى، وهى أهراق، بفتح الهمزة سكون الهاء، وخص الإهراق أي الصب؛ لأنه الغالب في القتل، وإلا فالمدار على إزهاق الروح ولو بخنق ونحوه، وخص هؤلاء الثلاثة؛ لأنهم جمعوا بين الذنب وما يزيد به قبحاً من الإلحاد، وكونه في الحرم، وإحداث البدعة في الإسلام، وكونها من أمر الجاهلية، وقتل النفس لا لغرض من الأغراض، بل لمطلق كونه قتلاً، وإليه الإشارة بقوله: "ليهريق دمه" ويزيد القبح في الأول باعتبار المحل، وفيه الثاني باعتبار الفاعل، وفي الثالث باعتبار الفعل، وفي كل من لفظي المطلب والمبتغي مبالغة، وذلك أن هذا الوعيد إذا ترتب على الطالب والمتمني فكيف للمباشر. (رواه البخاري) في الديات، والحديث من إفراده. ١٤٣- قوله: (كل أمتي يدخلون الجنة) يحتمل أن يراد بالأمة أمة الدعوة، أي كلهم يدخلون الجنة على التفصيل السابق في باب الإيمان، فالآبى هو الكافر، ويحتمل أن يراد بها أمة الإجابة، فالآبى هو العاصي، استثناه تغليظاً وزجراً عن المعاصي. (إلا من أبى) أي امتنع عن قبول ما جئت به (قيل: ومن أبى) وفي البخاري: قالوا: ومن يأبى؟ أي بلفظ المضارع، وهذه عطف على محذوف، عطف جملة على جملة، أي عرفنا الذين يدخلون الجنة. ومن الذى يأبى؟ أي والذى أبى لا نعرفه، وحق الجواب اختصاراً أن يقول "من عصاني" فقط، فعدل إلى ما ذكره تنبيهاً به على أنهم ما عرفوا ذاك ولا هذا، أو التقدير: من أطاعنى، وتمسك بالكتاب والسنة، دخل الجنة، ومن اتبع هواه، وضل عن الطريق المستقيم، وزل عن الصواب، فقد دخل النار. فوضع "أبى" موضعه وضعا للسبب موضع المسبب، ويعضد هذا التاويل إيراد البغوي هذا الحديث في الاعتصام بالكتاب والسنة، والتصريح بذكر الطاعة، فإن المطيع هو الذى يعتصم بالكتاب والسنة، ويجتنب عن الأهواء والبدع. (رواه البخاري) في الاعتصام، وأخرجه أيضاً الحاكم، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وهذا وهم منه؛ لأنه أخرجه البخاري في صحيحه، وهو من إفراده، وروى أحمد والحاكم عن أبي هريرة رفعه: لتدخلن الجنة إلا من أبى، وشرد على الله شراد البعير. وسنده على شرط الشيخين، وله شاهد عن

стр. 241

١٤٤- (٥) وعن جابر قال: ((جاءت ملائكة إلى النبي ﷺ وهو نائم، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلاً، فاضربوا له مثلاً، قال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا: مثله كمثل رجل بنى داراً وجعل فيها مأدبة وبعث داعياً، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة. فقالوا: أوِّلوها له يفقهها. قال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا: الدار الجنة، ــ أبى أمامة عند الحاكم والطبراني، وسنده جيد. ١٤٤- قوله: (وعن جابر قال: جاءت ملائكة) أي جماعة منهم، وهذه حكاية سمعها جابر عن النبي ﷺ فحكاها فحديث جابر هذا مرفوع لما في رواية الترمذي عن جابر قال: ((خرج علينا رسول الله ﷺ يوماً فقال. إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي، وميكائيل عند رجلي ... )) الخ. لا يستشكل اقتصاره على ذكر اثنين من الملائكة جبريل وميكائيل في رواية الترمذي هذه؛ لأنه يحتمل أنه كان مع كل منهما غيره، واقتصر في رواية الترمذي على من باشر الكلام منهم ابتداءً وجواباً. (إن لصاحبكم هذا) أي لمحمد، والمخاطب بعض الملائكة (مثلاً) أي صفة عجيبة الشأن (فأضربوا له) أي بينوا له. (إنه نائم) أي فلا يسمع، فلا يفيد ضرب المثل شيئاً. (إن العين نائمة والقلب يقظان) غير منصرف، وقيل منصرف لمجيء فعلانة. أي فلا يفوته شيء مما تقولون، فإن المدار على المدارك الباطنية دون الحواس الظاهرية. وقيل: هذا تمثيل يراد به حياة القلب وصحة خواطره، يقال: "رجل يقظ" إذا كان ذكي القلب. قال البيضاوي: هذه مناظرة جرت بينهم بياناً وتحقيقاً لما أن النفوس القدسية الكاملة لا يضعف إدراكها بضعف الحواس الظاهرة واستراحة الأبداًن، بل ربما يقوى إدراكها عند ضعفها. (مثله كمثل رجل بني داراً) قال القاري: يعني قصته كهذه القصة عن آخرها، لا أن حاله كحال هذا الرجل، فإنه في مقابلة الداعي لا الباني، اللهم إلا أن يقدر مضاف، ويقال: كمثل داعي رجل بني داراً -انتهى. وقال الكرماني: ليس المقصود من هذا التمثيل تشبيه المفرد بالمفرد، بل تشبيه المركب بالمركب مع قطع النظر عن مطابقة المفردات عن الطرفين - انتهى. وقد وقع في رواية الترمذي، وكذا في حديث ابن مسعود عند الترمذي وأحمد وابن خزيمه ما يدل على المطابقة المذكورة. (مأدبة) بفتح الميم وسكون الهمزة وضم الدال وتفتح، وبعدها موحدة، طعام عام يدعى الناس إليه كالوليمة (وبعث داعياً) يدعو الناس إليها. (أوِّلوها) بكسر الواو المشددة، أي فسروا هذه الحكاية التمثيلية لمحمد ﷺ ، من أول تأويلاً، إذا فسر بما يؤل إليه الشيء (يفقهها) بالجزم جواب الأمر، أي يفهمها (وقال بعضهم: إن العين) أي عينه (نائمة والقلب) أي قلبه (يقظان) أي فيدرك البيان، وكرروا هذا لتنبيه السامعين إلى هذه المنقبة العظيمة، وهي نوم العين ويقظة القلب (فقالوا: الدار) أي الممثل بها (الجنة) وفي رواية الترمذي

стр. 242

والداعي محمد، فمن أطاع محمد فقد أطاع الله، ومن عصى محمداً فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس)) . رواه البخاري ١٤٥- (٦) وعن أنس قال: ((جاء ثلاثة رهط إلى أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا بها كأنهم تقالّوها، فقالوا: أين نحن من النبي ﷺ ؟ وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فقال أحدهم: أما أنا ــ فالله هو الملك، والدار الإسلام، والبيت الجنة، وأنت يا محمد رسول. وفي حديث ابن مسعود عند أحمد: أما السيد فهو رب العالمين، وأما البنيان فهو الإسلام، والطعام الجنة، ومحمد الداعي، فمن اتبعه كان في الجنة. (فمن أطاع) الفاء للسبية أي لما كان هو الداعي فمن أطاع (محمد فقد أطاع الله) أي لأنه رسول صاحب المأدبة، فمن أجابة ودخل في دعوته أكل من المأدبة. وهو كناية عن دخول الجنة، وفي رواية الترمذي: وأنت يا محمد رسول الله ﷺ ، فمن أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل ما فيها. (ومحمد فرق بين الناس) روى مشدداً على صيغة الفعل الماضي، ومخففاً أي بسكون الراء والتنوين على المصدر، وصف به للمبالغة كالعدل، أي هو الفارق بين المؤمن والكافر، والصالح والطالح، إذ به تميزت الأعمال والعمال، وهذا كالتذييل للكلام السابق؛ لأنه مستمل على معناه ومؤكد له، وفي تمثيل الملائكة إيقاظ للسامعين من رقدة الغفلة وسنة الجهالة، وحث لهم على الاعتصام بالكتاب والسنة، والإعراض عما يخالفهما من البدعة والضلالة. (رواه البخاري) في الاعتصام، وأخرجه أيضاً الترمذي في الأمثال من غير طريق البخاري، وفي الباب عن ابن مسعود عند أحمد والترمذي وصححه، وابن خزيمه، وعن ربيعة الجرشي عند الدارمي والطبراني بسند جيد، وسيأتي في الفصل الثاني. ١٤٥- قوله: (ثلاثة رهط) بسكون الهاء، وهي العصابة دون العشرة، وقيل: دون الأربعين. اسم جمع لا واحد له من لفظه، والمراد ثلاثة أنفس، وهم علي، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعثمان بن مظعون، كما في مرسل سعيد بن المسيب عند عبد الرزاق. وقيل: المقداد بدل عبد الله بن عمرو. (يسألون عن عبادة النبي ﷺ ) أي في البيت وفي السر، والمراد معرفة قدر عادة وظائفه في كل يوم وليلة حتى يفعلوا ذلك. (فلما أخبروا) على صيغة المجهول أي أخبرتها (بها) أي بعبادته (كأنهم تقالّوها) بتشديد اللام المضمومة، تفاعل من القلة أي عدوها قليلة لما في نفوسهم أنها أكثر مما أخبروا به بكثير. (أين نحن من النبي ﷺ ) أي بيننا وبينه بون بعيد، فإنا على صدد التفريط وسوء العاقبة، وهو معصوم مأمون الخاتمة، واثق بقوله تعالى: ﴿ليغفرالله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ [٢:٤٨] . (وقد غفر الله له) أي فمن لم يعلم بحصول ذلك له يحتاج إلى المبالغة في العبادة عسى أن يحصل بخلاف من حصل له، لكن بيّن النبي ﷺ أن ذلك ليس بلازم، فأشار إلى هذا بأنه أشد خشية، وذلك بالنسبة لمقام العبودية في جانب الربوبية (فقال أحدهم أما أنا)

стр. 243

فأصلى الليل أبداً. وقال الآخر: أنا أصوم النهار أبداً، ولا أفطر. وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء النبي ﷺ إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)) . ــ أي أما رسول الله ﷺ فقد خص بالمغفرة العامة فلا عليه أن لا يكثر العبادة، وأما أنا فلست مثله (فأصلي الليل) الظاهر أنه وما بعده عزم على ما ذكر، ويحتمل الإخبار عن ذلك. (أبداً) قيد لليل لا لقوله: "أصلى" أي طول الليل (أنا أصوم النهار أبداً) كذا وقع في بعض النسخ بتأكيد الصيام بقوله: "أبداً"، والظاهر أنه خطأ وقد استغنى عنه بقوله: (ولا أفطر) وفي البخاري: أصوم الدهر ولا أفطر. قال الحافظ: لم يؤكد الصيام أي بالتأييد؛ لأنه لا بد له من فطر الليالي وكذا أيام العيد. (أنا أعتزل النساء) أي أجتنبهن (فلا أتزوج) أي منهن أحداً (أبداً) فإنهن والاشتغال بهن يمنع الشخص عن العبادة، ويوقعه في طلب الدنيا، والحرص على تحصيلها في العادة. (فجأ النبي ﷺ إليهم) وقد علم ذلك بأن جاء إلى أهله فأخبروه، وإما بالوحي. (فقال أنتم) أي أأنتم؟ فحذفت همزة الاستفهام التي للإنكار (الذين قلتم كذا وكذا) كنابة عما تقدم. (أما) بفتح الهمزة وتخفيف الميم، حرف تنبيه واستفتاح بمنزلة "ألا" (إني لأخشاكم) أي إني لأعلم به، وبما هو أعز لديه، وأكرم عنده، فلوكان ما استاثرتموه من الإفراط في الرياضة أحسن مما أنا عليه من الاعتدال في الأمور لما أعرضت عنه. (لله) مفعول به "لأخشاكم" وأفعل لا يعمل في الظاهرة إلا في الظرف. قال ابن المنير: إن هؤلاء بنوا على أن الخوف الباعث على العبادة ينحصر في خوف العقوبة، فلما علموا أنه ﷺ مغفور له ظنوا أن لا خوف، وحملوا قلة العبادة على ذلك، فرد ﵊ عليهم ذلك، وبيّن أن خوف الإجلال أعظم من الإكثار المحقق الانقطاع؛ لأن الدائم وإن قل أكثر من الكثير إذا انقطع – انتهى. وقال المظهر: إن قلة وظائف النبي ﷺ كانت رحمة للأمة وشفقة عليهم لئلا يتضرروا؛ فإن لأنفسهم عليهم حقاً. ولأزواجهم حقاً. (لكني أصوم) استدراك عن محذوف دل عليه السياق، أي أنا وأنتم بالنسبة إلى العبودية سواء، لكن أنا أعمل كذا. وقيل: المعنى أنا أخشاكم لله، فينبغي على زعمكم أو في الحقيقة أن أقوم في الرياضة إلى أقصى مداه، لكن أقتصد وأتوسط فيها، فأصوم في وقت (وأفطر) أي في آخر (وأصلى) بعض الليل (وأرقد) أي أنام في بعضه. (وأتزوج النساء) ولا أزهد فيهن، وكمال الرجل أن يقوم بحقهن مع القيام بحقوق الله تعالى، والتوكل عليه، والتفويض إليه، وهذا كله ليقتدي بي الأمة. (فمن رغب عن سنتي) المراد بالسنة الطريقة لا التي تقابل الفرض والواجب، أي أعرض عن طريقتي وتركها (فليس مني) أي ليس على ملتي إذا كان غير معتقد لها، والسنة مفرد مضاف يعم على الأرجح فيشمل الشهادتين وسائر أركان الإسلام، فيكون المعرض عن ذلك مرتداً. وكذا إذا كان الإعراض تنطعاً يفضي إلى اعتقاد أرجحية عمله؛ لأن اعتقاد ذلك نوع من الكفر، وأما إن كان ذلك بضرب من التأويل كالورع لقيام شبهة في ذلك الوقت، أو عجزاً عن القيام بذلك، أو لمقصود صحيح فيعذر صاحبه

стр. 244

متفق عليه. ١٤٦- (٧) وعن عائشة ﵂ قالت: ((صنع رسول الله ﷺ شيئاً، فرخص فيه، فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فخطب فحمد الله، ثم قال: ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟ فوالله إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية)) ــ فيه. ومعنى "فليس مني" أي ليس علىطريقتي، ولا يلزم أن يخرج عن الملة، ولمح بذلك إلى طريق الرهبانية، فإنهم الذي ابتدعوا التشديد كما سيأتي، وقد عابهم الله بأنهم ما وفوه بما التزموه، وطريقة النبي ﷺ الحنيفية السمحة، فيفطر ليتقوى على الصوم، وينام ليتقوى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة وإعفاف النفس، وتكثير النسل. (متفق عليه) أخرجاه في النكاح، واللفظ للبخاري إلا قوله: "أصوم النهار أبداً" وأخرجه أيضاً النسائي في النكاح، وأما ما ذكره الرافعي واشتهر على الألسنة بلفظ "النكاح من سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس مني" فلم أجده مع الاستقراء التام والتتبع البالغ. والله أعلم. ١٤٦- قوله: (صنع رسول الله ﷺ شيئاً) الظاهر أن الشيء المرخص فيه ما ذكر في حديث أنس من النوم بالليل والأكل بالنهار أي الإفطار في بعض الأيام في غير رمضان، والتزوج بالنساء، وفي حديث عائشة عند مسلم من غسل الجنابة بعد طلوع الفجر في رمضان. (فرخص) أي للناس (فيه) أي في ذلك الصنع أو من أجله (فتنزه) أي تباعد وتحرز (عنه) أي عن ذلك الصنع (قوم) لم يعرف الحافظ القوم بأعيانهم. وقيل الظاهر أنهم هم المذكورون فيما تقدم. (فبلغ ذلك) أي تنزههم (فخطب) أي أراد أن يخطب، ويمكن أن يكون قوله: (فحمد الله ... ) إلخ تفسيراً لما قبله (ثم قال) أي في أثناء خطبته (ما بال أقوام) استفهام إنكاري بمعنى التوبيخ، أي ما حالهم؟ (يتنزهون) صفة وقع موقع الحال (أصنعه) حال من الشيء، و"أل" فيه للعهد الذكري السابق في قوله: "شيئاً" وقيل: اللام في الشيء للجنس، و"أصنعه" صفته. (فوالله إني لأعلمهم بالله) أي بعذاب الله وغضبه، يعني أنا أفعل شيئاً من المباحات وهم يحترزون عنه، فإن احترزوا لخوف عذاب الله، فأنا أعلم بقدر عذاب الله تعالى منهم، فأنا أولى أن أحترز عنه. (وأشدهم له خشية) إشارة إلى القوة العملية، وقوله: "أعلمهم بالله" إشارة إلى القوة العلمية، أي إنهم توهموا أن رغبتهم عما أفعل أقرب لهم عند الله، وأن فعلي خلاف ذلك. وليس كما توهموا إذ هو أعلمهم بالقربة وأولاهم بالعمل بها، فمهما فعله ﷺ من عزيمة ورخصة فهو فيه في غاية التقوى والخشية، لم يحمله التفضل بالمغفرة على ترك الجلد في العمل قياماً بالشكر، ومهما ترخص فيه فإنما هو للإعانة على العزيمة ليعملها بنشاط. وفي الحديث ذم التعمق والتنزه عن المباح شكاً في إباحته، وفيه الحث على الإقتداء به ﷺ وأن الخير في الاتباع، سواء كان ذلك في العزيمة أو الرخصة، فإن استعمال الرخصة بقصد الاتباع في المحل الذي وردت

стр. 245

متفق عليه. ١٤٧- (٨) وعن رافع بن خديج قال: ((قدم نبي الله ﷺ المدينة وهم يؤبرون النخل، فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه. قال: لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً. فتركوه، فنقصت. قال: فذكروا ذلك له. فقال: إنما أنا بشر، إذا أمرتك بشيء من أمر دينكم، فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي، ــ أولى من استعمال العزيمة، بل ربما كان استعمال العزيمة حينئذٍ مرجوحاً كما في إتمام الصلاة في السفر، وربما كان مذموماً إذا كان رغبة عن السنة كترك المسح على الخفين. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الأدب وفي الاعتصام، ومسلم في الفضائل، واللفظ للبخاري في الأدب. وأخرجه أيضاً النسائي في عمل اليوم والليلة. ١٤٧- قوله: (وعن رافع بن خديج) بفتح معجمة، وكسر دال مهملة، وبجيم، ابن رافع بن عدى الأوسي الحارثي الأنصاري، يكنى أباعبد الله، صحابي جليل، أول مشاهده أحد، ثم الخندق، ورده النبي ﷺ يوم بدر؛ لأنه استصغره، وأجازه يوم أحد فشهد أحداً، والخندق، وأكثر المشاهد، وأصابه يوم أحد سهم فقال له رسول الله ﷺ : أنا أشهد لك يوم القيامة، وانتقضت جراحته في زمن عبد الملك بن مروان فمات في أول سنة (٧٣) بالمدينة، وله ست وثمانون سنة، وقيل: مات سنة (٧٤) له ثمانية وسبعون حديثاً، اتفقا على خمسة، وانفرد مسلم بثلاثة، روى عنه خلق. (وهم) أي أهل المدينة (يؤبرون النخل) بضم الياء وتشديد الباء المكسورة، من التأبير، وروى يأبرون بفتح الياء وتخفيف الباء المكسورة وضمها، من نصر وضرب. والأبر، والإبار، والتأبير: إدخال شيء من طلع الذكر في طلع الأنثى فتعلق بإذن الله، وتأتي بثمرة أجود مما لم يؤبر، وكانوا يفعلونه على العادة المستمرة في الجاهلية. (ما تصنعون) "ما" استفهامية (كنا نصنعه) أي هذا دأبنا وعادتنا. (لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً) أي تتعبون فيما لا ينفع. وفي حديث طلحة عند مسلم: ما أظن يغنى ذلك شيئاً (فتركوه) أي التأبير (فنقصت) أي النخل ثمارها، أو انتقصت ثمارها، فإن النقص متعد ولازم (فذكروا) أي أصحاب النخل (ذلك) أي النقص (إنما أنا بشر) أي فليس لي اطلاع على المغيبات، وإنما ذلك شيء قلته بحسب الظن، يعني أني لاحظت إذ ذلك الأمر الحقيقي، وهو أن كل شيء بقدرته تعالى، وأنها هي المؤثرة في الأشياء حقيقة، ولم ألتفت إلى أن الله تعالى قد أجرى عادته بأن ستر تأثير قدرته في بعض الأشياء بأسباب معتادة، فجعلها مقارنة لها ومغطاة لها، وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من مراعاة الأسباب. (إذا أمرتكم بشيء من أمر دينكم) أضاف الدين إليهم؛ لأن المراد: إذا أمرتكم بما ينفعكم في أمر دينكم فخذوه، كقوله تعالى:: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ [٧:٥٩] (فخذوا به) أي افعلوه فإني إنما نطقت به عن الوحي. (بشيء) من أمور الدنيا ومعايشها (من رأي) أي من غير تشريع، فأما ما قاله باجتهاد ﷺ ورآه شرعاً يجب العمل به، وليس إبار النخل من هذا النوع، بل من النوع

стр. 246

فإنما أنا بشر)) . رواه مسلم. ١٤٨ - (٩) وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به كمثل رجل أتى قوماً، فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء. فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، فانطلقوا على مهلهم، فنجوا. ــ المذكور قبله، مع أن لفظة الرأي إنما أتى بها عكرمة على المعنى، لقوله في آخر الحديث "قال عكرمة أو نحو هذا" فلم يخبر بلفظ النبي ﷺ محققاً، قاله النووى. (فإنما أنا بشر) جزاء للشرط على تأويل "وإذا أمرتكم بشيء من رأيي وأخطئي فلا تستبعدوه، "فإنما أنا بشر أخطئ وأصيب" كما في رواية طلحة عند أحمد: والظن يخطئ ويصيب. وفي حديث طلحة عند مسلم: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظناً، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به. وفي حديث عائشة وأنس عند مسلم أيضاً: أنتم أعلم بأمور دنياكم. قال العلماء: ولم يكن هذا القول خبراًً، وإنما كان ظناً كما بيّنه. قالوا: ورأية ﷺ في أمور المعايش وظنه كغيره، فلا يمتنع وقوع مثل هذا، ولا نقص في ذلك, وسببه تعلق هممه بالآخرة ومعارفها، وعدم الالتفات إلى الأمور الدنيوية. (رواه مسلم) في الفضائل، وله شاهد من حديث طلحة عند أحمد ومسلم وابن ماجه، ومن حديث عائشة عند مسلم، وابن ماجه. ١٤٨- قوله: (إنما مثلي) المثل الصفة العجيبة الشأن، يوردها البليغ على سبيل التشبيه لإرادة التقريب والتفهيم (أتى قوماً) أي لينذرهم بقرب عدوهم (بعيني) للتأكيد، ودفع المجاز، وهو بالتثنية وتشديد الياء الأخيرة (إني أنا النذير العريان) بضم العين وسكون الراء بعدها تحتية، من التعري، قيل: الأصل فيه أن رجلاً لقى جيشا فسلبوه وأسروه، فانفلت إلى قومه فقال: إني رأيت الجيش فسلبوني، فرأوه عرياناً فتحققوا صدقه؛ لأنهم كانوا يعرفونه ولا يتهمونه في النصيحة، ولا جرت عادته بالتعري، فقطعوا صدقه بهذه القرائن، فضرب النبي ﷺ لنفسه ولما جاء به مثلاً بذلك لما أبداه من الخوارق والمعجزات الدالة على صدقة تقريباً لأفهام المخاطبين بما يألفونه ويعرفونه. وقيل: المراد المنذر الذي تجرد عن ثوبه، وأخذ يرفعه ويديره حول رأسه إعلاماً لقومه بالغارة. وكان من عادتهم أن الرجل، إذا رأى الغارة فجأتهم، وأراد إنذار قومه يتعرى من ثيابه، ويشير بها ليعلم أن قد فجأهم أمر مهم، ثم صار مثلاً لكل ما يخاف مفاجأته. (فالنجاء النجاء) بالمد والهمز فيهما، وبالقصر فيهما، وبمد الأولى وقصر الثانية تخفيفاً، مصدر نجا إذا أسرع، نصب على الإغراء أي الطلبوا النجاء بأن تسرعوا الهرب، إشارة إلى أنهم لا يطيقون مقاومة ذلك الجيش، أو على المصدر أي أنجوا النجاء، وهو الإسراع، كرر للتأكيد (فأطاعه) الإطاعة تتضمن التصديق فيحسن مقابلته بقوله: "كذبت". (فأدلجوا) من الإدلاج بهمزة قطع، أي ساروا أول الليل أو كله (على مهلهم) بفتح الميم والهاء ويسكن، أي بالسكينة والتأني

стр. 247

وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش، فأهلكهم واجتاحهم. فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق)) . متفق عليه. ١٤٩- (١٠) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثلي كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حولها، جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيتقحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم ــ (وكذبت) التكذيب يستتبع العصيان. (فأصبحوا مكانهم) أي دخلوا وقت الصباح في مكانهم (فصبحهم الجيش) أي أتاهم صباحاً للغارة، هذا أصله ثم كثر استعماله حتى استعمل في من طرق بغتة في أي وقت كان. (واجتاحهم) بالجيم في الأولى، والمهملة في الثانية، أي استأصلهم وأهلكهم بالكلية بشئوم التكذيب. (فذلك مثل من أطاعني ... ) إلخ، قيل: هذا من التشبيهات المفروقة، شبه ذاته ﷺ بالرجل، وما بعثه الله به من إنذار القوم بعذاب الله القريب، بإنذار الرجل قومه بالجيش المصبح، وشبه من أطاعه من أمته ومن عصاه، بمن صدق الرجل في إنذاره وكذبه. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الرقاق، وفي الاعتصام، ومسلم في الفضائل. ١٤٩- قوله: (استوقد) أي أوقد، وزيدت السين للتأكيد. (أضاءت) الإضافة فرط الإنارة (ماحولها) هذه رواية مسلم، والضمير للنار، و"أضاءت" متعدية أي أضاءت النار جوانب تلك النار، وفي رواية البخاري "ماحوله" فالضمير للمستوقد، ويجوز أن تكون أضاءت غير متعدية فيسند الفعل إلى "ما" على تأويل: أضاءت الأماكن التي حول النار أو حول المستوقد. قال القاري: ما ظهر لي وجه عدول صاحب المشكاة إلى رواية مسلم عن رواية البخاري مع كونها أصح، ومع ثبوت موافقتها للفظ القرآن الأفصح، ودلالتها على المقصود بالطريق الأوضح، مع قوله: في آخر الحديث: هذه رواية البخاري - انتهى. (جعل) أي شرع (الفراش) بفتح الفاء وتخفيف الراء دوبية طير تتساقط في النار، يقال في الفارسية: بروانة. (وهذه الدواب) قيل: عطف تفسير للفراش، وأنثه نظر لخبره أو لكون الفراش اسم جنس. وقال ابن الملك: إشارة إلى غير الفراش (التي تقع في النار) أي عادتها إلقاء نفسها في النار، كالبرغش والجندب ونحوهما. (يقعن) أي الفراش والدواب (وجعل) المستوقد (يحجز هن) بضم الجيم، أي يمنعهن من الوقوع فيها. وفي البخاري "يزعهن" بالتحتانية والزاي وضم المهملة أي يدفعهن (ويغلبنه) أي على الوقوع فيها. (فيتقحمن فيها) أي يدخلن فيها بشدة ومزاحمة، من التقحم، وهو الإقدام والوقوع في أمر شاق من غير روية وتثبت، وفي البخاري "فيتقحمن" من الاقتحام. (فأنا) الفاء فصيحة، أي إذا صح هذا التمثيل بأنى كالمستوقد وأنتم كالفراش فيما ذكر فأنا (آخذ) اسم فاعل بكسر الخاء وتنوين الذال، ويروى بصيغة المضارع من المتكلم، والأول أشهر وهما صحيحان. (بحجزكم) بضم الحاء وفتح الجيم، جمع الحجزة، وهي

стр. 248

عن النار، وأنتم تقحمون فيها)) . هذه رواية البخاري، ولمسلم نحوها، وقال في آخرها: قال: ((فذلك مثلى ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار، هلم عن النار، هلم عن النار، فتغلبوني، تقحمون فيها)) . متفق عليه. ــ معقد الإزار ومن السراويل موضع التكة، وخص ذلك بالذكر؛ لأن أخذ الوسط أقوى وأوثق من الأخذ بأحد الطرفين في التبعيد. (عن النار) وضع المسبب موضع السبب؛ لأن المراد أنه يمنعهم من الوقوع في المعاصي التي تكون سبباً لولوج النار. (وأنتم تقحمون) من باب التفعل بحذف إحدى التائين، وفي نسخة صحيحة "تقتحمون" من باب الافتعال، (هذه) أي هذه الألفاظ أو ما ذكر من أول الحديث إلى هنا، والتأنيث باعتبار الخبر، وفي نسخة "هذا" أي هذا اللفظ. (رواية البخاري) أي في باب الانتهاء عن المعاصي من الرقاق، (ولمسلم نحوها) أي نحو رواية البخاري معنى. (وقال) أي مسلم (في آخرها) أي في آخر روايته (قال) أي النبي ﷺ (فذلك) أي المثل لمذكور (مثلي ومثلكم أنا آخذ) روي بالوجهين (هلم عن النار) أي أسرعوا إلي وأبعدوا أنفسكم عن النار، وهو في محل النصب على الحال، أي آخذ بحجزكم وأمنعكم قائلاً هلم. (فتغلبوني) النون مشددة، إذ أصله "تغلبونني" فأدغم نون الجمع في نون الوقاية، والفاء للسببية والتقدير: أنا آخذ بحجزكم لأخلصكم من النار، فجعلتم الغلبة مسببة عن الأخذ. (تقحمون فيها) حال من فاعل تغلبوني، وقيل: بدل مما قبله. وفي مسلم "وتقحمون" أي بزيادة الواو. قال النووى: مقصود الحديث أنه ﷺ شبه تساقط الجاهلين والمخالفين بمعاصيهم وشهواتهم في نار الآخرة، وحرصهم على الوقوع في ذلك مع منعه إياهم وقبضه على مواضع المنع منهم، بتساقط الفراش في نار الدنيا لهواه، وضعف تمييزه، فكلاهما حريص على هلاك نفسه، ساع في ذلك لجهله - انتهى. وقال الطيبي: تحقيق التشبيه الواقع في هذا الحديث يتوقف على معرفة معنى قوله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾ [٢٢٩:٢] . وذلك أن حدود الله محارمه ونواهيه، كما في الحديث الصحيح: ألا إن حمى الله محارمه، ورأس المحارم حب الدنيا وزينتها، واستيفاء لذاتها وشهواتها، فشبه ﷺ إظهار تلك الحدود ببياناته الشافية الكافية من الكتاب والسنة باستيقاد الرجل النار، وشبه فشو ذلك في مشارق الأرض ومغاربها بإضاءة تلك النار ما حول المستوقد، وشبه الناس وعدم مبالاتهم بذلك البيان، وتعديهم حدود الله، وحرصهم على استيفاء تلك اللذات والشهوات، ومنعه إياهم عن ذلك بأخذ حجزهم، بالفراش التي يقتحمن في النار، ويغلبن المستوقد على دفعهن عن الاقتحام، كما أن المستوقد كان غرضه من فعله انتفاع الخلق به من الاستضاءة والاستدفاء وغير ذلك، والفراش لجهلها جعلته سبباً لهلاكها، فكذلك كان القصد بتلك البيانات اهتداء الأمة واجتنابها ما هو سبب هلاكهم، وهم مع ذلك لجهلهم جعلوها مقتضية لترديهم، كذا في الفتح. (متفق عليه) فيه أنه مستغنى عنه بما سبق، فإيراده لمجرد التأكيد، على أن المراد بالاتفاق هنا يحسب المعنى في الأكثر. وأخرجه أيضاً الترمذي، وصححه، وأخرج أحمد ومسلم نحوه عن جابر.

стр. 249

١٥٠- (١١) وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء. فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، ــ ١٥٠- قوله: (والعلم) عطف على "الهدى" من عطف المدلول على الدليل؛ لأن الهدى هو الدلالة الموصلة إلى المقصد، والعلم هو المدلول، وهو صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض، والمراد به هنا الأدلة الشرعية. (كمثل الغيث) أي المطر، واختار اسم الغيث ليؤذن باضطرار الخلق إليه إذ جاءهم على فترة من الرسل، وضرب المثل بالغيث للمشابهة التي بينه وبين العلم، فإن الغيث يحيى البلد الميت والعلم يحيى القلب الميت. (أصاب) صفة للغيث على أن اللام لتعريف الجنس ومدخوله كالنكرة فيوصف بالجملة كما في قوله: ﴿كمثل الحمار يحمل أسفارا﴾ [٥:٦٢] ويجوز أن يكون حالاً منه (أرضاً) أي هي محل الانتفاع، وهذا القيد متروك ههنا اعتماداً على فهمه من التفصيل، وبقرينه ذكر ضده في مقابل هذا القسم وهو قوله: وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان ... الخ؛ لأن قوله: "وأصاب منها طائفة أخرى" معطوف على جملة "أصاب أرضاً" وهذا ظاهر، وعلى هذا فضمير "منها" في "وأصاب منها" لمطلق الأرض المفهوم من الكلام، لا الأرض المذكورة أولاً في قوله: أصاب أرضاً، فصار الحاصل أنه قسم الأرض بالنسبة إلى المطر إلى قسمين لا إلى ثلاثة كما توهمه كثير من الفضلاء، فظهر انطباق المثل بالمثل له، واندفع إيراد أن المذكور في المثل ثلاثة أقسام وفي الممثل له قسمان، كما لا يخفى، إلا أنه قسم القسم الأول من الأرض الذي هو محل الانتفاع أيضاً إلى قسمين: قسم ينتفع بنتائج مائه النازل فيه وثمراته لا بعين ذلك الماء، وقسم ينتفع بعين مائه، تنبيهاً على أن الذي ينتفع بعلمه الواصل إليه قسمان من الناس: قسم ينتفع بثمرات علمه ونتائجه كأهل الاجتهاد والاستخراج والاستنباط، وقسم ينتفع بعين علمه ذلك كأهل الحفظ والرواية، والحاصل أنه ﷺ شبه ما أعطاه الله من أنواع العلوم بالوحي الجلي أو الخفي بالماء النازل من السماء في التطهير، وكمال التنظيف، والنزول من العلو إلى السفل، ثم قسم الأرض بالنظر إلى ذلك الماء قسمين: قسماً هو محل الانتفاع، وقسماً لا انتفاع فيه، وكذا قسم الناس بالنظر إلى العلم قسمين على هذا الوجه، إلا أنه قسم القسم الأول من الأرض إلى قسمين، واكتفى به في قسمة القسم الأول من الناس إلى قسمين لوضوح الأمر، وعلى هذا فأصل المثل تام بلا تقدير في الكلام. قاله السندهي، (فكانت منها طائفة طيبة قبلت) "منها" صفة "طائفة" قدمت علبها فصارت حالاً، و"طيبة " مرفوع على أنها صفة طائفة، و"قبلت" منصوبة بخبر كانت. (الكلأ) بفتح الكاف واللام، آخره مهموز مقصور، النبات رطباً ويابساً، والكلا مقصور بغير الهمزة مختص بالرطب منه، فالكلأ بالهمز أنسب ليكن عطف الأخص على الأعم. (والعشب) بضم العين، وهو مختص بالرطب من النبات. (وكانت منها) أي من الأرض التي هي محل الانتفاع (أجادب) جمع جدب، وهي الأرض الصلبة التي تمسك الماء ولا تنبت الكلأ (فنفع الله بها) أي بالأجادب (وسقوا) أي دوابهم (وزرعوا) أيما يصلح للزرع،

стр. 250

وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به)) . متفق عليه. ١٥١ - (١٢) وعن عائشة قالت: ((تلا رسول الله ﷺ ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات﴾ ــ وهذه رواية البخاري، هذه رواية البخاري، ولمسلم: رعوا من الرعى، وكذا للنسائي. (وأصاب) أي الغيث (منها) الجملة عطف على "أصاب أرضاً" وضمير "منها" لمطلق الأرض المفهوم من الكلام لا للأرض المذكورة أولاً في قوله: أصاب أرضاً (إنما هي) أي تلك الطائفة (قيعان) بكسر القاف جمع قاع، وهي الأرض المستوية الملساء (فذلك) أي المذكور من الأنواع (مثل من فقه) بضم القاف وكسرها، والمشهور الضم، إذا فهم وأدرك الكلام (فعلم وعلم) الأول بكسر اللام مخففة، والثاني بتشديدها، وهذا مثل الأرض التي هي محل الانتفاع. فأهل الاجتهاد منهم كالأرض الطيبة التي قبلت الماء فأنبتت العشب والكلأ، وأهل الحفظ والرواية الذين لم يبلغوا مرتبة الاجتهاد والاستخراج كالأجادب التي أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا، وسقوا وزرعوا (ومثل من لم يرفع بذلك) أي بما بعثنى الله به (رأساً) أي للتكبر، ولم يلتفت إليه من غاية تكبره، وهذا مثل الأرض التي ليست محل الانتفاع لعدم إمساك الماء وعدم إنبات الكلأ. (ولم يقبل هدى الله) بضم الهاء وفتح الدال (الذى أرسلت به) قال الطيبي: عطف تفسيرى. وفي الحديث إشارة إلى أن الاستعدادات ليست بمكتسبة بل هي مواهب ربانية، وكمالها أن تستفيض من مشكاة النبوة فلا خير في من يشتغل بغير الكتاب والسنة، وأن الفقيه من علم وعلم. (متفق عليه) أخرجه البخارى، في العلم، ومسلم في فضائل النبي، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤:ص٣٩٩) والنسائي في العلم. ١٥١- قوله: (هو الذى أنزل عليك الكتاب) أي القرآن (منه) أي بعضه (آيات محكمات) وبعد ﴿هن﴾ أي تلك الآيات المحكمات ﴿أم الكتاب﴾ أي أصله الذى يعول عليه في الأحكام، ويعمل به في الحلال والحرام، ويرجع إليه غيره، فإن وافقه يقبل، وإلا فيحكم يبطلان ما فهمنا منه ﴿وأخر﴾ أي آيات أخر ﴿متشابهات﴾ [٧:٣] . قال الحافظ في الفتح: قيل المحكم من القرآن ما وضح معناه، والمتشابه نقيضه، وسمى المحكم بذلك لوضوح مفردات كلامه، وإتقان تركيبه، بخلاف المتشابه. وقيل: المحكم ما عرف المراد منه إما بالظهور، وإما بالتأويل، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة، وخروج الدجال، والحروف المقطعة في أوائل السور. وقيل في تفسير المحكم والمتشابه أقوال أخر غير هذه نحو العشر ليس هذا موضع بسطها، وما ذكرته أشهرها وأقربها إلى الصواب. وذكر أبومنصور البغدادى: أن
следующие страницы →