← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

متفق عليه. ــ رواحة والمرأة لم تسم، والأخت اسمها عمرة صحابية، وقوله "حق" يحتمل الوجوب، ويحتمل تأكد الاستحباب – انتهى. قال الشوكاني: والقول بكراهة الخروج على الإطلاق رد للأحاديث الصحيحة بالآراء الفاسدة، وتخصيص الشواب يأباه صريح الحديث المتفق عليه وغيره – انتهى. قلت: ذهب الحنفية إلى كراهة الخروج للعيدين للشواب دون العجائز، قال ابن الهمام: وتخرج العجائز للعيد لا الشواب – انتهى. قال القاري بعد نقل كلام ابن الهمام ما لفظه: وهو قول عدل، لكن لابد أن يقيد بأن تكون غير مشتهاة ي ثياب بذلة بإذن حليلها مع الأمن من المفسدة، بأن لا يختلطن مع الرجال، ويكن خاليات من الحلي والحلل البخور والشموم والتبختر والتكشف ونحوهما مما أحدثن في هذا الزمان من المفاسد، وقد قال أبوحنيفة: ملازمات البيوت لا يخرجن – انتهى. قلت: لا دليل على منع الخروج للعيد للشواب وذوات الهيئات مع الأمن من المفاسد مما أحدثن في هذا الزمان، بل هو مستحب لهن، وهو القول الراجح، وأما الاستدلال على كراهة خروج النساء إلى العيدين مطلقاً بقول عائشة: لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن من الخروج كما منعت نساء بني إسرائيل، فمردود لوجوه ثمانية سردها ابن حزم في المحلى (ج٤ ص٢٠٠) ، وقد أوردنا بعضها في باب فضل الجماعة نقلاً عن الفتح، قال الحافظ: وقد ادعى بعضهم النسخ فيه، قال الطحاوي: وأمره – ﵇ – بخروج الحيض وذوات الخدور إلى العيد يحتمل أن يكون في أول الإسلام، والمسلمون قليل، فاريد التكثير بحضورهن إرهاباً للعدو، وأما اليوم فلا يحتاج إلى ذلك، وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، قال الكرماني: تاريخ الوقت لا يعرف، قال الحافظ: بل هو معروف بدلالة حديث ابن عباس أنه شهد خروجهن، وهو صغير، وكان ذلك بعد فتح مكة، ولا حاجة إليهن لقوة الإسلام حينئذٍ، فلم يتم مراد الطحاوي، وقد صرح في حديث أم عطية بعلة الحكم، وهو شهودهن الخير ودعوة المسلمين ورجاء بركة ذلك اليوم وطهرته، وقد أفتت به أم عطية بعد وفاة النبي ﷺ بمدة، ولم يثبت عن أحد من الصحابة مخالفتها في ذلك، وأما قول عائشة: لو رأى النبي ﷺ ما أحدث النساء ... الخ فلا يعارض ذلك لندوره إن سلمنا أن فيه دلالة على أنها أفتت بخلافه مع أن الدلالة منه بأن عائشة أفتت بالمنع ليست صريحة، وفي قوله: "إرهاباً للعدو" نظر؛ لأن الاستنصار بالنساء والتكثر بهن في الحرب دال على الضعف، والأولى أن يخص ذلك بمن يؤمن عليها وبها الفتنة ولا يترتب على حضورها محذور ولا تزاحم الرجال في الطريق ولا في المجامع – انتهى. وقال ابن قدامة بعد ذكر قول عائشة المذكور: وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع، وقول عائشة مختص بمن أحدثت دون غيرها، ولا شك بأن ذلك يكره لها الخروج، وإنما يستحب لهن الخروج غير متطيبات ولا يلبسن ثوب شهرة ولا زينة ويخرجن في ثياب البذلة؛ لقول رسول الله ﷺ : ((وليخرجن تفلات)) ، ولا يخالطن الرجال، بل يكن ناحية منهن – انتهى. (متفق عليه) أخرجه البخاري في مواضع ومسلم في العيدين بألفاظ مختلفة، واللفظ الذي أتى به

стр. 1997

١٤٤٦- (٧) وعن عائشة قالت: إن أبابكر دخل عليها وعند جاريتان في أيام منى تدففان وتضربان، وفي رواية: تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث، ــ المصنف للبخاري في باب "وجوب الصلاة في الثياب" من أوائل الصلاة، وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٣ ص٣٠٥-٣٠٦) وغيرهم. ١٤٤٦- قوله (جاريتان) دون البلوغ من جوار الأنصار، إحداهما لحسان بن ثابت، كما في حديث أم سلمة عند الطبراني، أو كلاهما لعبد الله بن سلام، كما في الأربعين للسلمي، وفي العيدين لابن أبي الدنيا من طريق فليح عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: دخل علي أبوبكر، والنبي ﷺ متقنع، وحمامة وصاحبتها تغنيان عندي، قال الحافظ: إسناده صحيح، ولم أقف على تسمية الأخرى، ولم يذكر أحد من مصنفي أسماء الصحابة حمامة هذه، نعم ذكر الذهبي في التجريد حمامة أم بلال اشتراها أبوبكر وأعتقها (في أيام منى) بعدم الانصراف، وقيل: ينصرف يعني الثلاثة بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، والمراد أيام عيد الأضحى بالمدينة لا بمنى (تدففان) بفائين من التدفيف أي تضربان بالدف يعني مع الغناء، وفي رواية لمسلم: تلعبان بدف، وللنسائي: تصربان بدفين، والدف: بضم الدال وفتحها، والضم أفصح وأشهر، ويقال له أيضاً: الكربال – بكسر الكاف -، وهو الذي لا جلاجل فيه، فإن كانت فيه فهو المزهر. (وتضربان) أي بالدف، فيكون عطفاً تفسيرياً، قال الطيبي: هذا تكرار لزيادة الشرح (وفي رواية) أي للشيخين (تغنيان) أي ترفعان أصواتهما بإنشاد الشعر، وهو قريب من الحداء (بما تقاولت الأنصار) أي قال بعضهم لبعض من فخر أو هجاء، وفي رواية: بما تعازفت – بعين مهملة وزاي وفاء – من العزف، وهو الصوت الذي له دويّ، وفي رواية: بما تقاذفت بقاف بدل الغين وذال معجمة بدل الزاي من القذف، وهو هجاء بعضهم لبعض (يوم بعاث) بضم الباء الموحدة وتخفيف العين المهملة، وفي آخره ثاء مثلثة بالصرف وعدمه، وقال صاحب المطالع: الأشهر فيه ترك الصرف، قال البكري: هو موضع من المدينة على ليلتين، وقال صاحب النهاية: هو اسم حصن للأوس، وقيل: هو موضع في ديار بني قريظة فيه أموالهم، وكان موضع الوقعة في مزرعة لهم هناك، ولا منافة بين القولين، قال الخطابي: يوم بعاث يوم مشهور من أيام العرب، وكانت فيه مقتلة عظيمة بين الأوس والخزرج، وكانت النصرة للأوس، واستمرت المقتلة مائة وعشرين سنة حتى جاء الإسلام فألف الله بينهم ببركة النبي ﷺ على ما ذكره ابن إسحاق وغيره، وتبعه على هذا جماعة من شراح الصحيحين، قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه يوهم أن الحرب التي وقعت يوم بعاث دامت هذه المدة، وليس كذلك، فسيأتي في أوائل الهجرة قول عائشة: كان يوم بعاث يوماً قدمه الله لرسوله، فقدم المدينة، وقد افترق ملؤهم وقتلت سراتهم، وقد روى ابن سعد بأسانيده أن النفر الستة أو الثمانية الذين لقوا النبي ﷺ بمنى أول من

стр. 1998

والنبي ﷺ متغشّ بثوبه، فانتهرهما أبوبكر، فكشف النبي ﷺ عن وجهه فقال: ((دعهما يا أبابكر، فإنها أيام عيد – وفي رواية -: يا أبابكر، إن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا)) . ــ لقيه من الأنصار وكانوا قد قدموا مكة ليحالفوا قريشاً كان في جملة ما قالوا له لما دعاهم إلى الإسلام والنصر له وأعلم أنما كانت وقعة بعاث عام الأول، فموعدك الموسم القابل، فقدموا في السنة التي تليها، فبايعوه، وهي البيعة الأولى، ثم قدموا الثانية فبايعوه، وهم سبعون نفساً، وهاجر النبي ﷺ في أوائل التي تليها، فدل ذلك على أن وقعة بعاث كانت قبل الهجرة بثلاث سنين، وهو المعتمد، نعم دامت الحرب بين الحيين الأوس والخزرج المدة التي ذكرها في أيام كثيرة شهيرة – انتهى. وزاد في الرواية المذكورة: وليستا بمغنيتين، أي ليس الغناء عادة لهما، ولا هما معروفتان به، قال في شرح السنة: كان الشعر الذي تغنيان به في وصف الحرب والشجاعة، وفي ذكره معونة لأمر الدين، وأما الغناء بذكر الفواحش والمنكرات من القول فهو المحظور من الغناء، وحاشا أن يجري شيء من ذلك بحضرته – ﵊. (متغشّ بثوبه) أي متغطّ وملتفّ به (فانتهرهما أبوبكر) أي زجر الجاريتين، وفي رواية: فانتهرني، ويجمع بأنه شرك بينهن في الانتهار والزجر، أما عائشة فلتقريرها لهما على الغناء وضرب الدف، وأما الجاريتان فلفعلهما ذلك في بيت النبي ﷺ ، وزاد في رواية وقال: مزمارة الشيطان عند رسول الله ﷺ ؟ بكسر الميم آخره هاء التأنيث، يعني الغناء أو الدف، وهي مشتقة من الزمير، وهو الصوت الذي له صفير، ويطلق على الصوت الحسن والغناء، وسميت به الآلة التي يزمر بها، وإضافتها إلى الشيطان من جهة أنها تلهي، فقد تشغل القلب عن ذكر الله تعالى، وهذا من الشيطان، وهذا من أبي بكر إنكار لما سمع معتمداً على ما تقرر عنده من منع الغناء واللهو مطلقاً، ولم يعلم أنه ﷺ أقرهن على هذا التقرير اليسير لكونه دخل فوجده مضطجعاً، فظنه نائماً فتوجه له الإنكار (فكشف النبي ﷺ عن وجهه) أي الثوب، وفي رواية: فكشف رأسه (دعهما) أي أترك الجاريتين (فإنها) أي هذه الأيام (أيام عيد) أي أيام سرور وفرح شرعي لأهل الإسلام (وفي رواية) أي للشيخين (يا بابكر إن لكل قوم) أي إن لكل طائفة من الأمم المختلفة (عيداً) يسمونه باسم النيروز والمهرجان (وهذا) أي هذا الوقت أو هذا اليوم (عيدنا) أي يوم عيدنا معاشر الإسلام، وهو يوم سرور شرعي، فلا ينكر مثل هذا، قال الحافظ: قوله: ((إن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا)) فيه تعليل الأمر بتركهما وإيضاح خلاف ما ظنه الصديق من أنهما فعلتا ذلك بغير علمه ﷺ ؛ لكونه دخل فوجده مغطى بثوبه، فظنه نائماً فتوجه له الإنكار على ابنته من هذه الأوجه مستصحباً لما تقرر عنده من منع الغناء واللهو، فبادر إلى إنكار ذلك قياماً عن النبي ﷺ بذلك مستنداً إلى ما ظهر له، فأوضح له النبي ﷺ الحال،

стр. 1999

........................... ــ وعرفه الحكم مقروناً ببيان الحكمة بأنه يوم عيد، أي يوم سرور شرعي، فلا ينكر فيه مثل هذا كما لا ينكر في الأعراس، وبهذا يرتفع الإشكال عمن قال: كيف ساغ للصديق إنكار شيء أقره النبي ﷺ ، وتكلف جواباً لا يخفى تعسفه – انتهى. وقال الطيبي: وهذا اعتذار منه – ﵊ – بأن إظهار السرور في يوم العيدين شعار أهل الدين، وليس كسائر الأيام. قال النووي: اختلف العلماء في الغناء، فأباحه جماعة من أهل الحجاز، وهي رواية عن مالك، وحرمه أبوحنيفة وأهل العراق، ومذهب الشافعي كراهته، وهو المشهور من مذهب مالك، واحتج المجوزون بهذا الحديث، وأجاب الآخرون بأن هذا الغناء إنما كان في الشجاعة والقتل والحذق في القتال ونحو ذلك مما لا مفسدة فيه، بخلاف الغناء المشتمل على ما يهيج النفوس على الشر، ويحملها على البطالة والقبيح، قال القاضي: إنما كان غناهما بما هو من أشعار الحرب والمفاخرة بالشجاعة والظهور والغلبة، وهذا لا يهيج الجواري على شر، ولا إنشادهما كذلك من الغناء المختلف فيه، وإنما هو رفع الصوت بالإنشاد، ولهذا قالت: وليستا بمغنيتين، أي ليستا ممن يغنى بعادة المغنيات من التشويق والهوى، والتعريض بالفواحش، والتشبيب بأهل الجمال وما يحرك النفوس ويبعث الهوى، والغزل كما قيل: "الغناء رقية الزنا"، وليستا أيضاً ممن اشتهر وعرف بإحسان الغناء الذي فيه تمطيط وتكسير، وعمل يحرك الساكن، ويبعث الكامن، ولا ممن اتخذ ذلك صنعة وكسباً، والعرب تسمى الإنشاد غناء، وليس هو من الغناء المختلف فيه، بل هو مباح، وقد استجازت الصحابة غناء العرب الذي هو مجرد الإنشاد والترنم، وأجازوا الحداء وفعلوه بحضرة النبي ﷺ ، وفي كل هذا إباحة مثل هذا وما في معناه، وهذا أو مثله ليس بحرام – انتهى كلام النووي. وقال الحافظ في الفتح: استدل جماعة من الصوفية بحديث الباب على إباحة الغناء وسماعه بآلة وبغير آلة، ويكفي في رد ذلك تصريح عائشة بقولها: "وليستا بمغنيتين" فنفت عنهما من طريق المعنى ما أثبتته لهما باللفظ؛ لأن الغناء يطلق على رفع الصوت وعلى الترنم الذي تسميه العرب النصب – بفتح النون وسكون المهملة – وعلى الحداء، ولا يسمى فاعله مغنياً، وإنما يسمى بذلك من ينشد بتمطيط وتكسير، وتهييج وتشويق بما فيه تعريض بالفواحش أو تصريح. قال القرطبي: قولها "ليستا بمغنيتين" أي ليستا ممن يعرف الغناء كما يعرفه المغنيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به، وهو الذي يحرك الساكن، ويبعث الكامن، وهذا النوع إذا كان في شعر فيه وصف محاسن النساء والخمر وغيرهما من الأمور المحرمة لا يختلف في تحريمه، لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير، حتى لقد ظهرت من كثير منهم فعلات المجانين والصبيان، حتى رقصوا بحركات متطابقة وتقطيعات متلاحقة، وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب القرب وصالح الأعمال، وإن ذلك يثمر سنتي الأحوال، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة وقول أهل المخرفة، والله المستعان – انتهى. قال الحافظ: وينبغي أن يعكس مرادهم ويقرأ سيّء عوض النون

стр. 2000

متفق عليه. ١٤٤٧- (٨) وعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ــ الخفيفة المكسورة بغير همز بمثناة تحتية ثقيلة مهموزاً، وأما الآلات فقد حكى قوم الإجماع على تحريمها، وحكى بعضهم عكسه، وقد بسط الكلام في ذلك الشوكاني في النيل في آخر أبواب السبق، والعلامة البوفالي في دليل الطالب وهداية السائل، وسنذكر تفصيل المسألة في كتاب النكاح، وفي الموضع الذي يليق بذلك إن شاء الله تعالى، ولا يلزم من إباحة الضرب بالدف في العرس ونحوه إباحة غيره من الآلات كالعود ونحوه، كما سنبينه في كتاب النكاح، قال الحافظ: وأم التفافه ﷺ بثوب ففيه إعراض عن ذلك لكون مقامه يقتضي أن يرتفع عن الإصغاء إلى ذلك، لكن عدم إنكاره دال على تسويغ مثل ذلك على الوجه الذي أقره، إذ لا يقرر على باطل، والأصل التنزه عن اللعب واللهو، فيقتصر على ما ورد فيه النص وقتاً وكيفية تقليلاً لمخالفة الأصل. وفي هذا الحديث من الفوائد مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد بأنواع ما يحصل لهم به بسط النفس وترويح البدن من كلف العبادة، وأن الإعراض عن ذلك أولى، وفيه أن إظهار السرور في الأعياد من شعار الدين، وفيه جواز دخول الرجل على ابنته وهي عند زوجها إذا كان له بذلك عادة، وتأديب الأب بحضرة الزوج وإن تركه الزوج، إذ التأديب وظيفة الآباء، والعطف مشروع من الأزواج للنساء. وفيه أن مواضع أهل الخير تنزه عن اللهو واللغو، وإن لم يكن فيه إثم إلا بإذنهم. وفيه أن التلميذ إذا رأى عند شيخه ما يستكره مثله بادر إلى إنكاره، ولا يكون في ذلك إفتيات على شيخه، بل هو أدب منه ورعاية لحرمته، وإجلال لمنصبه. وفيه فتوى التلميذ بحضرة شيخه بما يعرف من طريقته، ويحتمل أن يكون أبوبكر ظن أن النبي ﷺ نام فخشي أن يستيقظ، فيغضب على ابنته، فبادر إلى سدر هذه الذريعة، واستدل به على جواز سماع صوت الجارية بالغناء ولو لم تكن مملوكة؛ لأنه ﷺ لم ينكر على أبي بكر سماعه، بل أنكر إنكاره واستمرتا إلى أن أشارت إليهما عائشة بالخروج، ولا يخفى أن محل الجواز ما إذا أمنت الفتنة بذلك، واستنبط من تسمية أيام منى بأنها أيام عيد مشروعية قضاء صلاة العيد فيها لمن فاتته – انتهى كلام الحافظ. (متفق عليه) واللفظ للخاري في باب إذا فاته العيد يصلي ركعتين، والحديث أخرجه أيضاً أحمد والنسائي. ١٤٤٧- قوله (لا يغدو) أي لا يخرج إلى المصلى لصلاة العيد (يوم الفطر) أي يوم عيد الفطر (حتى يأكل تمرات) ولفظ الإسماعيلي وابن حبان والحاكم: ما خرج يوم فطر حتى يأكل تمرات ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً، أو أقل من ذلك أو أكثر وتراً، وهي أصرح في المداومة على ذلك، قال المهلب: الحكمة في الأكل قبل الصلاة أن

стр. 2001

ويأكلهن وتراً)) رواه البخاري. ١٤٤٨- (٩) وعن جابر قال: ((كان ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق)) . ــ لا يظن ظان لزوم الصوم حتى يصلى العيد، فكأنه أراد سدّ هذه الذريعة، وقيل: لما وقع وجوب الفطر عقب وجوب الصوم استحب تعجيل الفطر مبادرة إلى امتثال أمر الله تعالى، ويشعر بذلك اقتصاره على القليل من ذلك، ولو كان لغير الامتثال لأكل قدر الشبع، وسيأتي توجيه آخر لابن المنير في شرح حديث بريدة في الفصل الثاني. قال ابن قدامة لا نعلم في استحباب تعجيل الأكل يوم الفطر اختلافاً – انتهى. والحكمة في استحباب التمر لما في الحلو من تقوية البصر الذي يضعفه الصوم، ولأن الحلو مما يوافق الإيمان، ويعبر به المنام، ويرق به القلب، وهو أيسر من غيره، ومن ثم استحب بعض التابعين أنه يفطر على الحلو مطلقاً كالعسل، رواه ابن أبي شيبة عن معاوية بن قرة وابن سيرين وغيرهما، وروى فيه معنى آخر عن ابن عون أنه سئل عن ذلك، فقال: إنه يحبس البول، وهذا كله في حق من يقدر على ذلك، وإلا فينبغي أن يفطر ولو على الماء ليحصل له شبه ما من الاتباع (ويأكلهن) بالرفع (وتراً) ولفظ أحمد "ويأكلهن أفراداً" والحكمة في جعلهن وتراً الإشارة إلى الوحدانية، وكذلك كان يفعل ﷺ في جميع أموره تبركاً بذلك (رواه البخاري) ، وأخرجه أيضاً أحمد والبخاري في تاريخه والترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم (ج١ ص٣٩٤) ، والبيهقي (ج٣ ص٢٨٢-٢٨٣) ، وقول المصنف رواه البخاري فيه شيء؛ لأن جملة "ويأكلهن وتراً" أوردها البخاري تعليقاً ووصلها أحمد وغيره، وإيراد المصنف يقتضي أنه يرويها في صحيحه موصولاً، وليس كذلك، فإنه أخرج الحديث موصولاً مسنداً من طريق هشيم عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس عن أنس إلى قوله: "حتى يأكل تمرات" ثم قال: وقال مُرَجَّى بن رجاء: حدثني عبيد الله بن أبي بكر قال: حدثني أنس عن النبي ﷺ ويأكلهن وتراً، ويمكن أن يقال من قبل المصنف أنه لم يلتزم بيان التمييز بين الموصولات والمعلقات في ديباجة الكتاب، لكن مواقع استعمالاته في بيان المخرج يشعر بالالتزام حيث قال في بعض المواضع: رواه البخاري، والأمر فيه هين، قاله ميرك. قلت: قوله رواه البخاري لا يخلو عن نظر، والأمر ليس بهين، كما لا يخفى على المتأمل الخبير، والظاهر أن المصنف قلد في ذلك الجزري حيث قال في جامع الأصول (ج٧ ص٩٧) بعد ذكر الحديث إلى قوله: "ويأكلهن وتراً" رواه البخاري. ١٤٤٨- قوله (إذا كان يوم عيد) بالرفع فاعل "كان" وهي تامة تكتفي بمرفوعها أي إذا وقع يوم عيد، وجواب إذا قوله (خالف الطريق) أي رجع من مصلاه في غير طريق الذهاب إليه يعني يخرج إليه من طريق، ويرجع من أخرى، ففي رواية الإسماعيلي: كان إذا خرج إلى العيد رجع من غير الطريق الذي ذهب فيه،

стр. 2002

رواه البخاري. ــ فيستحب الذهاب إلى صلاة العيد في طريق، والرجوع في طريق أخرى للإمام والمأموم جميعاً تأسياً واقتداء به ﷺ ، وبه قال الحنفية والحنابلة وأكثر الشافعية. قال الحافظ في الفتح: وبه قال أكثر أهل العلم، وقد اختلف في الحكمة في مخالفته ﷺ الطريق في الذهاب والرجوع يوم العيد على أقوال كثيرة. قال الحافظ: اجتمع لي منها أكثر من عشرين قولاً، فقيل إنه فعل ذلك ليشهد له الطريقان، وقيل: سكانهما من الجن والإنس، وقيل: ليسوي بينهما في مزية الفضل بمروره أو في التبرك به أو ليشم رائحة المسك من الطريق التي يمر بها؛ لأنه كان معروفاً بذلك، وقيل: ليزور أقاربه الأحياء والأموات، وقيل: ليصل رحمه، وقيل: ليتفاءل بتغير الحال إلى المغفرة والرضاء. وقيل: لاظهار شعار الإسلام فيهما، وقيل: لإظهار ذكر الله، وقيل: ليغيظ المنافقين أو اليهود. وقيل: ليرهبهم بكثرة من معه، وقيل: فعل ذلك ليعمهم في السرور به، أو التبرك بمروره وبرؤيته، والانتفاع به في قضاء حوائجهم في الاستفتاء، أو التعلم والاقتداء والاسترشاد، أو الصدقة، أو السلام عليهم، أو غير ذلك. وقيل: لأن الملائكة تقف في الطرقات، فأراد أن يشهد له فريقان منهم. وقيل: لئلا يكثر الازدحام، وقيل: لأن عدم التكرار أنشط عند طباع الأنام، وقيل: غير ذلك، وأشار ابن القيم إلى أنه فعل ذلك لجميع ما ذكر من الأشياء المحتملة القريبة. قال القسطلاني: ثم من شاركه ﷺ في المعنى ندب له ذلك، وكذا من لم يشاركه في الأظهر تأسياً به – ﵊ – كالرمل والاضطباع سواء فيه الإمام والمأموم. وقال ابن قدامة: وفي الجملة الاقتداء به سنة لاحتمال بقاء المعنى الذي فعله من أجله، ولأنه قد يفعل الشيء لمعنى، ويبقى في حق غيره سنة مع زوال المعنى كالرمل والاضطباع في طواف القدوم، وفعله هو وأصحابه لإظهار الجلد للكفار، وبقي سنة بعد زوالهم، ولهذا روى عن عمر – ﵁ – أنه قال: يم الرملان الآن ولمن نبدي مناكبنا؟ وقد نفى الله المشركين، ثم قال مع ذلك: لا ندع شيئاً فعلناه مع رسول الله ﷺ . (رواه البخاري) من طريق فليح بن سليمان عن سعيد بن الحارث عن جابر. واختلف الرواة في الرواية عن فليح، فبعضهم جعله عن جابر، كما في البخاري والبيهقي (ج٣ ص٣٠٨) وبعضهم جعله عن أبي هريرة، وهو عند أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم (ج١ ص٢٩٦) ، والبيهقي (ج٣ ص٣٠٨) أيضاً، وقد رجح البخاري كونه عن جابر حيث قال: حديث جابر أصح، وكذا رجحه الترمذي تبعاً لشيخه البخاري، وخالفه أبومسعود الدمشقي، فرجح أنه عن أبي هريرة. قال الحافظ: ولم يظهر لي في ذلك ترجيح، وقال الشيخ أحمد شاكر: وأنا أرجح صحتهما معاً سمع سعيد بن الحارث الحديثين من جابر وأبي هريرة، فكان يروي مرة حديث هذا ومرة حديث ذاك، قال الحافظ: قد تفرد بهذا الحديث فليح، وهو مضعف عند ابن معين والنسائي وأبي داود، ووثقه آخرون، فحديثه من قبيل الحسن، لكن له شواهد من حديث ابن عمر وسعد

стр. 2003

١٤٤٩- (١٠) وعن البراء قال: خطبنا النبي ﷺ يوم النحر فقال: ((إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل أن نصلي فإنما هو شاة لحم ــ القرظ وأبي رافع وعثمان بن عبيد الله التيمي وغيرهم يعضد بعضها بعضاً، فعلى هذا فهو من القسم الثاني من قسمي الصحيح – انتهى. ١٤٤٩- قوله (خطبنا النبي ﷺ ) أي في المدينة (يوم النحر) أي يوم عيد الأضحى بعد أن صلى العيد (فقال) أي في خطبته (إن أول ما نبدأ به) بصيغة المتكلم والجمع بين الأول، و"ما نبدأ به" للتأكيد والمبالغة (في يومنا هذا) أي يوم عيد النحر (أن نصلي) صلاة العيد، قيل: المعنى أول ما يكون به الابتداء في هذا اليوم الصلاة التي بدأنا بها، وقدمنا فعلها، فعبر بالمستقل عن الماضي، وهو مثل قوله تعالى: ﴿وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا﴾ [البروج: ٨] أي الإيمان المتقدم منهم، وفي رواية للبخاري: خرج النبي ﷺ يوم أضحى إلى البقيع فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: ((إن أول نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة، ثم نرجع فننحر ... )) الحديث، وهذا ظاهر في أن ذلك الكلام وقع منه بعد الصلاة للإعلام بأن ما فعله من تقديم الصلاة ثم الخطبة، وأن تقديم كل من هذين على الذبح هو المشروع الذي لا ينبغي مخالفته (ثم نرجع) من المصلى إلى المنزل (فننحر) بالنصب فيهما عطفاً على نصلى، ويرفعان أي نحن نرجع فننحر أي ما من شأنه، أي ينحر، ونذبح ما من شأنه أن يذبح من الأضحية، وقيل: المراد بالنحر هنا الذي هو في لبة الإبل ما يشمل الذبح، وهو ما في الحلق مطلقاً، وقد يطلق النحر على الذبح بجامع إنهار الدم، ثم التعقيب بـ"ثم" لا يستلزم عدم تخلل أمر آخر بين الأمرين، فلا يدل ذلك على تقديم الخطبة على الصلاة (فمن فعل ذلك) أي ما ذكر من تقديم الصلاة على الذبح يعني أخر النحر عن الصلاة (فقد أصاب سنتنا) أي طريقتنا وصادف شريعتنا (ومن ذبح) أي أضحيته (قبل أن نصلي) العيد (فإنما هو) أي المذبوح المفهوم من ذبح (شاة لحم) أي ليست أضحية ولا ثواب فيها، بل هو مجرد لحم يؤكل ليس فيه معنى العبادة، قال الطيبي: هذه الإضافة بيانية كخاتم فضة أي شاة هي لحم؛ لأن الشاة شاتان: شاة يأكل لحمها الأهل، وشاة نسك، يتصدق بها لله تعالى، وقال القسطلاني: استشكلت هذه الإضافة بأن الإضافة إما معنوية مقدرة بمن كخاتم حديد أو باللام كغلام زيد أو بفي كضرب اليوم أي ضرب في اليوم، وأما لفظية صفة مضافة إلى معمولها، كضارب زيد وحسن الوجه، ولا يصح شيء منها في شاة لحم. وأجيب بأن الإضافة بتقدير محذوف أي شاة طعام لحم، أي لإطعام نسك أو ما أشبه ذلك يعني شاة لحم غير

стр. 2004

عجله لأهله، ليس من النسك في شيء)) . ــ نسك، فهي مضافة إلى محذوف أقيم المضاف إليه مقامه – انتهى. والتعبير بالشاة للغالب، إذ البقر والإبل كذلك (عجله لأهله) أي قدمه لهم ينتفعون به (ليس من النسك) بضمتين (في شيء) أي ليس من العبادة فلا ثواب فيها بل هي لحم ينتفع به أهله، قال الحافظ: النسك يطلق ويراد به الذبيحة، ويستعمل في نوع خاص من الدماء المراقة، ويستعمل بمعنى العبادة، وهو أعم، يقال: فلا ناسك أي عابد، وقد استعمل في حديث البراء بالمعنى الثالث – انتهى. والحديث يدل على أن وقت الذبح يدخل بعد فعل الصلاة مع الإمام، ولا يشترط التأخير إلى نحر الإمام وأن من ذبح قبل الصلاة لم يجزئه عن الأضحية، واختلف العلماء في أول وقت التضحية. قال ابن المنذر: أجمعوا على أنها لا يجوز قبل طلوع الفجر يوم النحر، واختلفوا فيما بعد ذلك. فقال الشافعي وداود وآخرون: يدخل وقتها إذا طلعت الشمس، ومضى قدر صلاة العيد وخطبتين، فإن ذبح بعد هذا الوقت أجزأه سواء صلى الإمام أم لا، وسواء صلى المضحى أم لا، وسواء كان من أهل الأمصار أو من أهل القرى والبوادي والمسافرين، وسواء ذبح الإمام أضحيته أم لا. قال القرطبي: ظواهر الأحاديث تدل على تعليق الذبح بالصلاة، لكن لما رأى الشافعي أن من لا صلاة عيد عليه مخاطب بالتضحية حمل الصلاة على وقتها. قال الحافظ: وإنما شرط الشافعية فراغ الخطبة؛ لأن الخطبتين مقصودتان مع الصلاة في هذه العبادة، فيعتبر مقدار الصلاة والخطبتين على أخف ما يجزئ بعد طلوع الشمس. وقال أبوحنيفة: يدخل وقتها في حق أهل القرى والبوادي إذا طلع الفجر الثاني، ولا يدخل في حق أهل الأمصار حتى يصلي الإمام ويخطب، فإن ذبح قبل ذلك لم يجزئه. وقال مالك: لا يجوز ذبحها إلا بعد صلاة الإمام وخطبته وذبحه , واستدل له بحديث جابر قال: صلى بنا رسول الله ﷺ يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي ﷺ قد نحر، فأمر النبي ﷺ من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر، ولا ينحروا حتى ينحر النبي ﷺ . أخرجه أحمد ومسلم، وهو صريح في أن الاعتبار بنحر الإمام، وأنه لا يدخل وقت التضحية إلا بعد نحره، ومن فعل قبل ذلك أعاد. وقال أحمد: لا يجوز قبل صلاة الإمام ويجوز بعدها قبل ذبح الإمام، وسواء عنده أهل الأمصار والقرى، ونحوه عن الحسن والأوزاعي وإسحاق به راهويه. قال الحافظ: وهو وجه للشافعية قوي من حيث الدليل، وإن ضعفه بعضهم، ومثله قول الثوري: يجوز بعد صلاة الإمام قبل خطبته وفي أثنائها. وقال ربيعة فيمن لا إمام له: إن ذبح طلوع الشمس لا يجزئه، وبعد طلوعها يجزئه. قلت: الراجح عندي من هذه الأقوال هو ما ذهب إليه أحمد ومن وافقه من أن وقت التضحية بعد صلاة الإمام، فالمؤثر في عدم الإجزاء هو الذبح قبل الصلاة، وسواء في ذلك أهل القرى والأمصار، وهذا لظواهر الأحاديث الواردة في

стр. 2005

متفق عليه. ١٤٥٠- (١١) وعن جندب بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يذبح حتى صلينا، فليذبح على اسم الله)) . ــ الباب؛ لأنها متفقة على تعليق الذبح بالصلاة فقط من غير تفريق بين أهل القرى والأمصار، وأما حديث جابر الذي استدل به لمالك فتأوله الجمهور على أن المراد زجرهم عن التعجيل الذي قد يؤدي إلى فعلها قبل الوقت، ولهذا جاء في باقي الأحاديث التقييد بالصلاة، وإن من ضحى بعدها أجزأه، ومن لا فلا، ويؤيد ذلك من طريق النظر أن الإمام لو لم يذبح لم يكن ذلك مسقطاً عن الناس مشروعية الذبح، ولو أن الإمام ذبح قبل أن يصلي لم يجزئه ذبحه، فدل على أنه هو والناس في وقت الأضحية سواء، وأما إذا لم يكن ثم إمام فالظاهر أنه يعتبر لكل مضح بصلاته، ولا يصلح للتمسك لمن جوز الذبح من طلوع الشمس وهو ربيعة، أو من طلوع الفجر وهو أبوحنيفة في حق غير أهل الأمصار، ما ورد من أن يوم النحر يوم ذبح؛ لأنه كالعام، وأحاديث الباب خاصة فيبنى العام على الخاص – والله تعالى أعلم. (متفق عليه) أخرجه البخاري في العيدين والأضاحي والأيمان والنذور، ومسلم في الأضاحي بألفاظ مختلفة، واللفظ الذي أتى به المصنف للبخاري في باب التبكير للعيد إلا أن في هذه الرواية عنده "فإنما هو لحم" مكان قوله "فإنما هو شاة لحم"، والحديث أخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي والبيهقي (ج٣ ص٢٨٣-٢٨٤، ٣١١) . ١٤٥٠- قوله (وعن جندب) بضم الجيم وسكون النون وفتح الدال وضمها (بن عبد الله) بن سفيان، وربما نسب إلى جده، فقيل: جندب بن سفيان (البجلي) بفتح الموحدة والجيم نسبة إلى بَجِيلة (قال رسول الله ﷺ ) أي في خطبته بعد أن صلى العيد يوم النحر في المدينة (من ذبح) أضحيته (قبل الصلاة) أي قبل صلاة العيد (فليذبح مكانها أخرى) تأنيث آخر، وهي صفة لمحذوف أي ذبيحة أخرى أو شاة أخرى، فإن الأولى لا تحسب من النسك (ومن لم يذبح) ولفظ البخاري: ومن كان لم يذبح، وفي رواية لمسلم: ومن لم يكن ذبح (فليذبح على اسم الله) ، وفي رواية لمسلم: فليذبح باسم الله، قال النووي: قوله: "فليذبح على اسم الله" هو بمعنى رواية فليذبح باسم الله، أي قائلاً باسم الله، والجار والمجرور متعلق بمحذوف، وهو حال من الضمير في قوله: "فليذبح"، وهذا أولى ما حمل عليه الحديث، وصححه النووي، ويؤيده ما ورد في حديث أنس عند البخاري: وسمى وكبر، وقال عياض: يحتمل أربعة أوجه: أحدها أن يكون معناه فليذبح لله، والباء تجيء بمعنى اللام، والثاني: معناه فليذبح بسنة الله، والثالث: بتسمية الله على ذبيحته إظهاراً للإسلام، ومخالفة لمن يذبح لغيره،

стр. 2006

متفق عليه. ١٤٥١- (١٢) وعن البراء قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ذبح قبل الصلاة فإنما يذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين)) متفق عليه. ١٤٥٢- (١٣) وعن ابن عمر قال: ((كان رسول الله ﷺ يذبح وينحر بالمصلى. ــ وقمعاً للشيطان. والرابع: متبركاً باسمه ومتيمناً بذكره، كما يقال: سر على بركة الله، وسر باسم الله. قال: وأما كراهة بعض العلماء أن يقال: افعل كذا على اسم الله؛ لأن اسمه سبحانه على كل شيء، فضعيف ليس بشيء، قال: وهذا الحديث يرد على هذا القائل. قال الحافظ: ويحتمل وجهاً خامساً أن يكون معنى قوله: "بسم الله" مطلق الإذن في الذبيحة؛ لأن السياق يقتضي المنع قبل ذلك والإذن بعد ذلك، كما يقال للمستأذن بسم الله أي أدخل، وقد استدل بهذا الأمر في قوله: "فليذبح مكانها أخرى" على وجوب الأضحية، ومن لا يقول به يحمله على أن المقصود بالبيان أن السنة لا تتأدى بالأولى، بل يحتاج إلى الثانية، فالمراد فليذبح مكانها أخرى لتحصيل سنة إن أرادها (متفق عليه) أخرجه البخاري في العيدين والذبائح والأضاحي والأيمان والنذور والتوحيد، ومسلم في الأضاحي، واللفظ للبخاري في الذبائح في باب قول النبي ﷺ : فليذبح على اسم الله، والحديث أخرجه أيضاً النسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٣ ص٣١٢، ٢٦٢، ج٩ ص٢٧٧) . ١٤٥١- قوله (قال رسول الله ﷺ ) أي في خطبته بعد أن صلى العيد يوم النحر (من ذبح قبل الصلاة) أي صلاة العيد (فإنما يذبح) أضحيته (لنفسه) لحماً يأكله، ليس بنسك أي أضحية يعني لا ثواب فيه (ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه) أي عبادته وصح أضحيته (وأصاب سنة المسلمين) أي وافق طريقتهم وصادف شريعتهم. وهذا الحديث والذي قبله صريح في مذهب أحمد ومن وافقه في تعليق الذحب بفعل الصلاة وأن وقت الذبح يدخل بعد فعل الصلاة، ولا يشترط التأخير إلى نحر الإمام (متفق عليه) واللفظ للبخاري في "باب قول النبي ﷺ لأبي بردة: ضح بالجذع من المعز" من كتاب الأضاحي، وأخرجه أيضاً بعين هذا اللفظ من حديث أنس في أول الأضاحي. ١٤٥٢- قوله (كان رسول الله ﷺ ) يذبح) أي البقرة والشاة (وينحر) أي الإبل (بالمصلى) أي الجبانة بعد أن يصلي العيد ليرغب الناس فيه، وليقتدوا به، وليتعلموا منه صفة الذبح، فيه استحباب أن يكون الذبح والنحر بالمصلى، والحكمة في ذلك أن يكون بمرأى من الفقراء، فيصيبون من لحم الأضحية، وقيل: لأن الأضحية من

стр. 2007

رواه البخاري. ﴿الفصل الثاني﴾ ١٤٥٣- (١٤) عن أنس قال: قدم النبي ﷺ المدينة، ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ : ((قد أبدلكم الله بهما خيراً منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر)) . ــ القرب العامة، فإظهارها أفضل؛ لأن فيه إحياء لسنتها، وقال ابن بطان: هو سنة للإمام خاصة عند مالك، قال مالك: إنما يفعل ذلك لئلا يذبح أحد قبله، وليذبحوا بعده على يقين مع ما فيه من تعليمهم صفة الذبح، وقال القسطلاني: قال مالك: لا يذبح أحد حتى يذبح الإمام، نعم أجمعوا على أن الإمام لو لم يذبح للناس إذا دخل وقت الذبح فالمدار على الوقت لا الفعل. قلت: قد تقدم أن الراجح أنه لا يشترط التأخير إلى نحر الإمام، وأنه هو والناس في وقت الأضحية سواء (رواه البخاري) في العيدين وفي الأضاحي، وأخرجه أيضاً أبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٩ ص٢٧٧) . ١٤٥٣- قوله (قدم النبي ﷺ المدينة) أي من مكة مهاجراً (ولهم) أي لأهل المدينة (يومان يلعبون فيهما) وهما يوم النيروز ويوم المهرجان، كذا قال الشراح، وفي القاموس: النيروز أول يوم السنة، معرب نوروز – انتهى. والنوروز مشهور، وهو أول يوم تتحول الشمس فيه إلى برج الحمل، وهو أول السنة الشمسة، كما أن غرة شهر المحرم أول السنة القمرية، وأما المهرجان فالظاهر بحكم مقابلته بالنيروز أن يكون أول يوم الميزان، وهما يومان معتدلان في الهواء لا حر ولا برد، ويستوي فيه الليل والنهار، فكأن الحكماء المتقدمين المتعلقين بالهيئة اختاروهما للعيد في أيامهم، وقلدهم أهل زمانهم لاعتقادهم بكمال عقول حكمائهم، فجاء الأنبياء وأبطلوا ما بنى عليه الحكماء (في الجاهلية) أي في زمن الجاهلية قبل أيام الإسلام (قد أبدلكم الله) هذا لفظ النسائي، ولفظ أبي داود: إن الله قد أبدلكم (بهما) أي في مقابلتهما (خيراً منهما) يريد أن نسخ ذينك اليومين، وشرع في مقابلتهما هذين اليومين، وقال القاري: الباء هنا داخلة على المتروك، وهو الأفصح، أي جعل لكم بدلاً عنهما خيراً منهما في الدنيا والأخرى. و "خيراً" ليست أفعل تفضيل، إذ لا خيرية في يوميهما (يوم الأضحى) بفتح الهمزة، جمع أضحاة شاة يضحي بها، وبه سمي يوم الأضحى، قال المظهر: في الحديث دليل على أن تعظيم النيروز والمهرجان وغيرهما من أعياد الكفار منهي عنه، وقال الحافظ في الفتح: استنبط منه كراهة الفرع في أعياد المشركين والتشبه بهم.

стр. 2008

رواه أبوداود. ١٤٥٤- (١٥) وعن بريدة قال: كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي. ــ وبالغ الشيخ أبوحفص الكبير النسفي من الحنفية فقال: من أهدى فيه أي في النيروز بيضة إلى مشرك تعظيماً لليوم فقد كفر بالله تعالى – انتهى. وقال القاضي أبوالمحاسن الحسن بن منصور الحنفي: من اشترى فيه شيئاً لم يكن يشتريه في غيره أو أهدى فيه هدية إلى غيره، فإن أراد بذلك تعظيم اليوم كما يعظمه الكفرة فقد كفر، وإن أراد بالشراء التنعم والتنزه، وبالإهداء التحاب جرياً على العادة فلم يكن كفراً، لكنه مكروه كراهة التشبه بالكفرة حينئذٍ فيحترز عنه – انتهى. قال ابن حجر: قد وقع في هذه الورطة أهل مصر ونحوهم، فإن كثيراً من أهلها يوافقون اليهود والنصارى في أعيادهم على صور تعظيماتهم كالتوسع في المأكل والزينة على طبق ما يفعله الكفار، ومن ثم أعلن النكير عليهم في ذلك ابن الحاج المالكي في مدخله، وبين تلك الصور، وكيفية موافقة المسلمين لهم فيها، كذا في المرقاة. قلت: وكذلك كثير من مسلمي الهند والباكستان يوافقون الكفار من الهنادك والسيخ والنصارى وعباد النار في أعيادهم، ويفعلون ما يفعلون فيها، فإلى الله المشتكى. (رواه أبوداود) في الصلاة، وأخرجه أيضاً النسائي وابن حبان والحاكم (ج١ ص٢٩٤) ، والبيهقي (ج٣ ص٢٧٧) ، قال الحافظ في الفتح وبلوغ المرام: إسناده صحيح، وسكت عنه أبوداود والمنذري، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. ١٤٥٤- قوله (وعن بريدة) بالتصغير (حتى يطعم) بفتح العين أي يأكل (ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي) وفي رواية ابن ماجه والبيهقي: حتى يرجع، وزاد أحمد والدارقطني والبيهقي: فيأكل من أضحيته، ورواه الأثر بلفظ: حتى يضحي، وفي رواية للبيهقي: وكان إذا رجع أكل من كبد أضحيته، والحديث يدل على أن السنة أن يأكل في الفطر قبل الصلاة، ولا يأكل في الأضحى حتى يصلي، والحكمة في تأخير الأكل في يوم الأضحى أنه يوم تشرع فيه الأضحية والأكل منها، فاستحب أن يكون فطره على شيء منها، قال الأمير اليماني: لما كان إظهار كرامة الله تعالى للعباد بشرعية نحر الأضاحي كان الأهم الابتداء بأكلها شكراً لله على ما أنعم به من شرعية النسيكة الجامعة لخير الدنيا وثواب الآخرة، وقال الزين بن المنير: وقع أكله ﷺ في كل من العيدين في الوقت المشروع لإخراج صدقتها الخاصة بهما، فإخراج صدقة الفطر قبل الغدو إلى المصلى، وإخراج صدقة الأضحية بعد ذبحها – انتهى. وقد خصص أحمد بن حنبل استحباب تأخير الأكل في عيد الأضحى بمن له ذبح، قال ابن قدامة: قال أحمد: والأضحى لا يأكل فيه حتى يرجع إذا كان له ذبح؛ لأن النبي ﷺ أكل من ذبيحته، وإذا لم يكن له ذبح

стр. 2009

رواه الترمذي، وابن ماجه، والدارمي. ١٤٥٥- (١٦) وعن كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، ((أن النبي ﷺ كبر في العيدين في الأولى سبعاً قبل القراءة، وفي الآخرة خمساً قبل القراءة. ــ لم يبال أن يأكل (رواه الترمذي) في العيدين (وابن ماجه) في الصيام (والدارمي) في العيدين، وأخرجه أيضاً أحمد وابن حبان والأثرم والدارقطني والحاكم (ج١ ص٢٩٤) ، والبيهقي (ص٣ ص٢٨٣) ، وصححه ابن القطان وابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي. ١٤٥٥- قوله (عن جده) أن عن جد كثير، وهو عمرو بن عوف المزني أبوعبد الله الصحابي (كبر في العيدين في الأولى) أي في الركعة الأولى (سبعاً) أي سبع تكبيرات، وهذا يحتمل أن السبع بتكبيرة الإحرام، وأنها من غيرها، والأظهر بل المتعين أنها من دونها، ففي حديث عائشة عند الدارقطني (ص١٨٠) ، والحاكم (ج١ ص٢٩٨) كان رسول الله ﷺ يكبر في العيدين اثني عشر تكبيرة سوى تكبيرة الاستفتاح، وفيه ابن لهيعة، وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند الدارقطني (ص١٨١) سوى تكبيرة الإحرام. وفي رواية له وللبيهقي: سوى تكبيرة الصلاة (وفي الآخرة) في وفي الركعة الثانية (خمساً) أي خمس تكبيرات غير تكبيرة القيام، فيكون في الأولى ثمانية مع تكبيرة التحريم، وفي الثانية ست مع تكبيرة القيام، والحديث دليل على أنه يكبر في الأولى من ركعتي العيد سبعاً قبل القراءة وفي الثانية خمساً قبل القراءة، وإلى هذا ذهب جماعة من الصحابة، منهم الخلفاء الراشدون، والتابعين والأئمة بعدهم، قال العراقي: وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة، قال: وهو مروي عن عمر وعلي وأبي هريرة وأبي سعيد وجابر وابن عمر وابن عباس وأبي أيوب وزيد بن ثابت وعائشة، وهو قول الفقهاء السبعة من أهل المدينة وعمر بن عبد العزيز والزهري ومكحول، وبه يقول مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق، إلا أنه قال الشافعي والأوزاعي وإسحاق وابن حزم: إن السبع في الأولى بعد تكبيرة الإحرام، وقال مالك وأحمد: السبع في الأولى مع تكبيرة الإحرام، واتفقوا على أن الخمس في الثانية غير تكبيرة النهوض، وذهب أبوحنيفة إلى أنه يكبر في الأولى ثلاثاً بعد تكبيرة الإحرام أم قبل القراءة، وفي الثانية ثلاثاً بعد القراءة غير تكبيرة الركوع، وهو مروي عن ابن مسعود وأبي موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان وأبي مسعود الأنصاري البدري وأنس بن مالك والمغيرة بن شعبة وابن المسيب، وهو قول سفيان الثوري، وفي عدد التكبيرات، وفي مواضعها أقوال أخرى غير ما ذكرنا نحو من عشر ذكرها ابن المنذر والشوكاني، والمشهور منها ما أوردنا. واحتج لمن ذهب إلى أن التكبير سبع في الأولى، وخمس في الثانية، والقراءة بعدهما

стр. 2010

....................... ــ كلتيهما بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كبر في العيدين ثنتي عشرة تكبيرة: سبعاً في الأولى، وخمساً في الآخرة. أخرجه أحمد (ج٢ ص١٨٠) ، وأبوداود وابن ماجه والدارقطني (ص١٨١) ، والبيهقي (ج٣ ص٢٨٥) ، قال أحمد: أنا أذهب إلى هذا، وفي رواية قال: قال النبي ﷺ : ((التكبير في العيد سبع في الأولى، وخمس في الآخرة، والقراءة بعدهما كلتيها)) أخرجه أبوداود والدارقطني والبيهقي، وهذا حديث صحيح أو حسن صالح للاحتجاج، قال الحافظ العراقي: إسناده صالح، ونقل الترمذي في العلل المفردة عن البخاري أنه قال: إنه حديث صحيح، كذا في النيل (ج٣ ص٢٨٢) ، والسنن الكبرى (ج٣ ص٢٨٦) ، والخلاصة للنووي. وقال الحافظ في التلخيص (ص١٤٤) : صححه أحمد وعلي والبخاري فيما حكاه الترمذي – انتهى. وسكت عنه أبوداود، وسكوته تصحيح أو تحسين منه كما قال ابن الهمام وغيره، وقال صاحب العرف الشذى: أخرجه أبوداود بسند قوي صححه البخاري، كما نقل الترمذي في العلل الكبرى – انتهى. هذا وقد تكلم على هذا الحديث ابن القطان، كما في نصب الراية (ج٢ ص٢١٧) ، والطحاوي في شرح الآثار (ج٢ ص٣٩٨) ، وابن التركماني في الجوهر النقي (ج٣ ص٢٨٥) ، ولم يكن حاجة إلى ذكر كلامهم ثم الرد عليهم بعد ما صححه أئمة هذا الشأن الجهابذة النقاد: أحمد بن حنبل وعلي بن المديني والبخاري، واحتج به الأئمة المجتهدون، وهو تصحيح منهم للحديث على ما قال به صاحب الأوجز، لكن لما أخذ كلامهم صاحب البذل وصاحب آثار السنن، واعتمدا عليه وجب علينا أن نذكره مع الجواب عنه، ولما كان كلام صاحب الآثار أخصر، واعتمد عليه صاحب البذل في نقد الحديث في مواضع أخرى اقتصرنا على إيراده واكتفينا بذكره ثم رده. قال النيموي في آثار السنن بعد ذكر حديث عبد الله بن عمر: وإسناده ليس بالقوي، وقال في تعليقه: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فيه كلام – انتهى. وقد أجاب عنه شيخنا في شرح الترمذي فقال: قول النيموي ليس مما يعول عليه، والتحقيق أن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده صحيح أو حسن قابل للاحتجاج إذا كان السند إليه صحيحاً، وقد قال الحافظ في الفتح: وترجمة عمرو قوية على المختار حيث لا تعارض – انتهى. ثم قال النيموي: ومع ذلك مداره على عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، قال الذهبي في الميزان: ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن معين: صويلح، وقال مرة: ضعيف، وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي، وكذا قال أبوحاتم – انتهى. قلت: وقال الذهبي في الميزان بعد هذه العبارة ما لفظه: وقال ابن عدي: أما سائر حديثه فعن عمرو بن شعيب، وهي مستقيمة – انتهى. وهو من رجال مسلم. وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: له في مسلم حديث واحد كاد أمية أن يسلم، وفيه وقال العجلي: ثقة، وحكى ابن خلفون: أن ابن المديني وثقه، فإسناد هذا الحديث إلى عمرو حسن صالح،

стр. 2011

.............................. ــ وترجمة عمرو قوية على المختار، فالحديث حسن قابل للاحتجاج، كيف وقد قال العراقي: إسناده صالح، وصححه أحمد وعلي بن المديني والبخاري؟ ثم قال النيموي: أما تصحيح الإمام أحمد فيعارضه ما قال ابن القطان في كتابه: وقد قال أحمد بن حنبل ليس في تكبير العيدين عن النبي ﷺ حديث صحيح – انتهى. قلت: قد عرفت أن الإمام أحمد قال بما يدل عليه هذا الحديث، وذهب إليه، فقوله به يدل على أن تصحيحه متأخر من كلامه الذي ذكره ابن القطان. ثم قال النيموي: وأما تصحيح البخاري ففيه نظر؛ لأن قوله: وحديث عبد الله الطائفي ... الخ يحتمل أن يكون من كلام الترمذي، قال الزيلعي في نصب الراية (ج٢ ص٢١٧) بعد ما خرج حديث عمرو بن عوف المزني: قال الترمذي حديث حسن، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب – انتهى. وقال في علله الكبرى: سألت محمداً عن هذا، فقال: ليس شيء في هذا الباب أصح منه، وبه أقول، وحديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي أيضاً صحيح، والطائفي مقارب الحديث – انتهى. قال ابن القطان: هذا ليس بصريح في التصحيح، فقوله "هو أصح شيء في الباب" يعني أشبه ما في الباب وأقل ضعفاً، وقوله: "وبه أقول" يحتمل أن يكون من كلام الترمذي، أي وأنا أقول إن هذا الحديث أشبه ما في الباب، وكذا قوله "وحديثه أيضاً صحيح" يحتمل أن يكون من كلام الترمذي – انتهى. قلت: هذا الاحتمال بعيد جداً، بل الظاهر المتعين هو ما فهمه الحافظ ابن حجر وغيره من أن قوله: "وبه أقول" من كلام البخاري، والمعنى أن بهذا الحديث أقول، وإليه أذهب، والدليل عليه أن الترمذي ينقل عن شيخه الإمام البخاري مثل هذا الكلام كثيراً في الجرح والتعديل وبيان علل الحديث، ولا يقول بعد نقل كلامه: "وبه أقول البتة، وإن كنت في شك منه ففتش وتتبع المقامات التي تقل الترمذي فيها عن البخاري مثل هذا الكلام تجد ما قلت لك حقاً صحيحاً، فالحاصل أن حديث عبد الله بن عمرو حسن صالح للاحتجاج، ويؤيده الأحاديث المرفوعة التي نذكرها، وهي وإن كانت ضعافاً ولكن يشد بعضها بعضاً، ويصلح كل واحد منها للاستشهاد والاعتضاد والمتابعة، ومجموعها للاحتجاج والاستدلال. فمنها حديث عمرو بن عوف المزني، وهو حديث الباب، وفيه كثير بن عبد الله وقد ضعفوه جداً، بل رماه بعضهم بالكذب، لكن حسن الترمذي حديثه، والظاهر أنه حسنه لشواهده، وقيل: تحسين الترمذي للحديث توثيق للراوي، وذهاب منه إلى أنه لم يرض الكلام فيه، والعجب من البغوي أنه ذكر حديث كثير بن عبد الله، وهو ضعيف، وترك حديث عبد الله بن عمرو، وهو حديث صحيح أو حسن، ولعله فعل ذلك تبعاً للترمذي وموافقة له إذ اقتصر على رواية حديث كثير، وقال بعد تحسينه: هو أحسن شيء روي في هذا الباب عن النبي ﷺ . ومنها: حديث عائشة قالت:

стр. 2012

........................................... ــ كان النبي ﷺ يكبر في الأولى بسبع تكبيرات، وفي الثانية بخمس قبل القراءة سوى تكبيرة الركوع، أخرجه أحمد وأبوداود وابن ماجه والحاكم (ج١ ص٢٩٨) ، والطحاوي والدارقطني والبيهقي (ج٣ ص٢٨٦) ، وفيه ابن لهيعة وقد تفرد به، وقد استشهد به مسلم في موضعين. ومنها: حديث سعد القرظ مؤذن رسول الله ﷺ ، أخرجه ابن ماجه والحاكم (ج٣ ص٦٠٧) ، وفيه عبد الرحمن بن سعد بن عمار، روى عن أبيه، وعبد الرحمن ضعيف، وأبوه سعد بن عمار مستور لا يعرف حاله، ورواه البيهقي (ج٣ ص٢٨٧) أيضاً، وفي سنده بقية، وهو مدلس، وقد رواه عن الزبيدي بالعنعنة، نعم صرح بالتحديث في رواية الحاكم (ج٣ ص٦٠٨) لكن ليس فيها ذكر تكبيرات العيدين، ورواه الدارمي والبيهقي من طريق عبد الرحمن بن سعد عن عبد الله بن محمد بن عمار عن أبيه عن جده، وفيه أيضاً عبد الرحمن بن سعد كما ترى. ومنها: حديث عبد الرحمن بن عوف قال: كان رسول الله ﷺ تخرج له العنزة في العيدين حتى يصلي إليها، وكان يكبر ثلاث عشرة تكبيرة، وكان أبوبكر وعمر يفعلان ذلك، أخرجه البزار، وفيه الحسن بن حماد البجلي، قال الهيثمي (ج٢ ص٢٠٤) : لم يضعفه أحد ولم يوثقه، وقد ذكره المزي للتمييز، وبقية رجاله ثقات – انتهى. وقال الشوكاني في النيل: الحسن بن حماد لين الحديث، وقال الحافظ في التلخيص: صحح الدارقطني إرساله. ومنها: حديث ابن عمر مثل حديث عمرو بن شعيب، أخرج الدارقطني (ص١٨١) ، والطحاوي (ص٣٩٩) ، والبزار: قال البخاري فيما حكاه الترمذي: تفرد به فرج بن فضالة، وهو ضعيف. ومنها: حديث جابر قال: مضت السنة أن يكبر في العيدين سبعاً وخمساً يذكر الله ما بين كل تكبيرتين، أخرجه البيهقي (ج٣ ص٢٩٢) وفي سنده من يحتاج إلى كشف حاله. ومنها حديث ابن عباس قال: سنة الاستسقاء سنة الصلاة في العيدين إلا أن رسول الله ﷺ قلب رداءه، وصلى ركعتين، وكبر في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمس تكبيرات، أخرجه البيهقي (ج٣ ص٣٤٨) ، والدارقطني (ص١٨٩) ، والحاكم (ج١ ص٣٢٦) كلهم من طريق محمد بن عبد العزيز عن أبيه عن طلحة بن عبد الله عن ابن عباس، قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه – انتهى، وفي تصحيحه نظر؛ لأن محمد بن عبد العزيز هذا قال البخاري فيه: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال أبوحاتم: ضعيف الحديث، وقال ابن القطان: أبوه عبد العزيز مجهول الحال، فاعتل الحديث بهما، كذا في التعليق المغني، ولابن عباس حديث آخر عند الطبراني في الكبير أن رسول الله ﷺ كان يكبر في العيدين ثنتي عشرة تكبيرة، في الأولى سبعاً، وفي الآخرة خمساً، قال الهيثمي: في إسناده سليمان بن أرقم، وهو ضعيف.

стр. 2013

.......................... ــ ومنها حديث أبي واقد الليثي وعائشة، أخرجه الطحاوي (ج٢ ص٣٩٩) والطبراني في الكبير، وفيه ابن لهيعة، وقد اضطرب في إسناده، وقال أبوحاتم: إنه باطل. ومنها حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((التكبير في العيدين سبعاً قبل القراءة، وخمساً بعد القراءة)) أخرجه أحمد (ج٢ ص٣٥٧) ، وفيه أيضاً ابن لهيعة، وقال الحافظ في التلخيص: صحح الدارقطني في العلل أنه موقوف، وقال البخاري: الصحيح ما أخرج مالك يعني في الموطأ وغيره من الحفاظ عن نافع عن أبي هريرة موقوفاً يعني فعله. ومنها حديث عبد الله بن محمد بن عمار بن سعد عن أبيه عن جده قال: كان رسول الله ﷺ يكبر في العيدين في الأولى سبع تكبيرات وفي الآخرة خمساً، أخرجه الدارقطني (ص١٨١) ، والدارمي والبيهقي (ج٣ ص٢٨٨) ، وفيه أيضاً عبد الرحمن بن سعد بن عمار المتقدم، وهو حديث مرسل على أن يعود الضمير في جده إلى عبد الله بن محمد أو هو الحديث الثالث من الأحاديث التي ذكرناها للاستشهاد على أن يعود الضمير إلى محمد والد عبد الله. ومنها حديث جابر بن محمد الآتي، وسيأتي الكلام فيه، وفي الباب آثار جمع من الصحابة تؤيد الأحاديث المرفوعة، وهي وإن كانت موقوفة لكنها مرفوعة حكماً؛ فإنه لا مساغ فيها للاجتهاد، فلا تكون رأياً إلا توقيفاً يجب التسليم لها. واحتج لأبي حنيفة بحديث سعيد بن العاص الآتي، وهو حديث موقوف لا مرفوع، كما ستعرف، وبما روى الطحاوي في شرح الآثار (ج٢ ص٤٠٠) من طريق عبد الله بن يوسف عن يحيى بن حمزة قال: حدثني الوضين بن عطاء أن القاسم أباعبد الرحمن حدثه قال: حدثني بعض أصحاب رسول الله ﷺ قال: صلى بنا النبي ﷺ يوم عيد فكبر أربعاً أربعاً، ثم أقبل علينا بوجهه حين انصرف، فقال: لا تنسوا كتكبير الجنازة، وأشار بأصبعه، وقبض إبهامه، قال الطحاوي: هذا حديث حسن الإسناد، وعبد الله بن يوسف ويحيى بن حمزة والوضين والقاسم كلهم أهل رواية معروفون بصحة الرواية – انتهى. قلت: في كون هذا الحديث حسن الإسناد نظر، بل هو ضعيف، فإن الوضين بن عطاء الدمشقي واهي الحديث سيء الحفظ، وقد تفرد به، قال ابن التركماني في الجوهر النقي (ج١ ص٢٩) : هو واهٍ، وقال ابن سعد: كان ضعيفاً في الحديث، وقال الجوجاني: واهي الحديث، وقال ابن قانع: ضعيف، وقال الحافظ: صدوق سيء الحفظ، والقاسم بن عبد الرحمن أبوعبد الرحمن الشامي الدمشقي ذكر ابن التركماني في الجوهر النقي (ج٢ ص٢٠) عن ابن حبان أنه قال: يروي عن أصحاب رسول الله ﷺ المعضلات، ويأتي عن الثقات المقلوبات حتى يسبق إلى القلب أنه كان المتعمد لها- انتهى. ولا يغتر بتحسين الطحاوي، فإنه ليست عادته نقد الحديث كنقد أهل العلم، ولم يكن له معرفة بالإسناد كمعرفة أهل العلم به، وإن كان كثير الحديث فقيهاً عالماً باختلاف المذاهب.

стр. 2014

.......................... ــ قال ابن تيمية في منهاج السنة: ليست عادته نقد الحديث نقد أهل العلم، ولهذا روى في شرح معاني الآثار الأحاديث المختلفة، وإنما يرجح ما يرجحه منها في الغالب من جهة القياس الذي رآه حجة، ويكون أكثره مجروحاً من جهة الإسناد ولا يثبت، فإنه لم يكن له معرفة بالإسناد كمعرفة أهل العلم به، وإن كان كثير الحديث فقيهاً عالما به – انتهى. واحتج له أيضاً بما أخرج الطحاوي في الجنائز بسنده عن إبراهيم النخعي قال: قبض رسول الله ﷺ والناس مختلفون في التكبير على الجنازة ... الحديث، وفي آخره: فتراجعوا الأمر بينهم (في خلافة عمر) فأجمعوا أمرهم على أن يجعلوا التكبير على الجنائز مثل التكبير في الأضحى والفطر، أربع تكبيرات، فأجمع أمرهم على ذلك، قال بعض الحنفية: فهذا كالنص في أن تكبيرهما أربعاً كان مجمعاً عليه، أرجعوا إليها تكبيرات الجنازة – انتهى. وقال صاحب العرف الشذى (ص٢٤٠) : وأعلى ما في الباب لنا ما هو من إجماعيات عمر، روه إبراهيم النخعي مرسلاً في معاني الآثار (ص٢٨٦) . قلت: إبراهيم النخعي قال ابن المديني فيه: إنه لم يلق أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ . وقال أبوحاتم: لم يلق أحداً من الصحابة إلا عائشة، ولم يسمع منها، وأدرك أنساً ولم يسمع منه، فالحكاية منقطعة موقوفة لا يجوز الاحتجاج بها، لاسيما وقد عارضها الأحاديث المرفوعة الموصولة التي ذكرناها، والآثار المروية عن الصحابة التي أشرنا إليها. واحتج له أيضاً بما روي عن ابن مسعود وغيره موقوفاً عليهم من فعلهم ولا حجة فيه؛ لأنه رأي منهم للقياس مدخل فيه، فلعلهم قاسوا ذلك على تكبير الجنائز، كما يشير إليه قوله في رواية الطحاوي المرفوعة ((لا تنسوا كتكبير الجنازة)) وقوله في حديث سعيد بن العاص الآتي: كان يكبر أربعاً تكبيره على الجنائز، بخلاف أقاويل الصحابة في السبع والخمس فإنه لا مدخل للقياس فيه، فهي كنقل عدد الركعات، ولو سلم أن أثر ابن مسعود وغيره مرفوع حكماً فهو لا يقاوم الأحاديث المرفوعة حقيقة، ولذلك قال البيهقي في السنن (ج٣ ص٢٩١) بعد ذكر أثر ابن مسعود: هذا رأي من جهة عبد الله، والحديث المسند مع ما عليه من عمل المسلمين أولى أن يتبع، وقال أيضاً (ج٣ ص٢٩٢) : نخالف ابن مسعود في عدد التكبيرات وتقديمهن على القراءة في الركعتين جميعاً لحديث رسول الله ﷺ ، ثم فعل أهل الحرمين وعمل المسلمين إلى يومنا هذا – انتهى. تنبيه: قال في الهداية: وظهر عمل العامة اليوم بقول ابن عباس لأمر الخلفاء من بني العباس به، قال في الظهيرية: وهو تأويل ما روي عن أبي يوسف ومحمد، فإنهما فعلا ذلك، لأن هارون أمرهما أن يكبرا بتكبير جده ففعلا ذلك امتثالاً له لا مذهباً واعتقاداً – انتهى. وقال ابن التركماني في الجوهر النقي: وإنما كان عمل المسلمين بقول ابن عباس؛ لأن أولاده الخلفاء أمروهم بذلك، فتابعوهم خشية الفتنة لا رجوعاً عن مذاهبهم واعتقاداً لصحة رأي ابن عباس في ذلك -

стр. 2015

............................ ــ انتهى. قلت: ظاهر كلام هؤلاء يدل على أن الاختلاف بين الأئمة في ذلك اختلاف في الجواز والصحة، وأن عمل المسلمين بما ذهب إليه مالك ومن وافقه كان خشية الفتنة لا اعتقاداً لصحته وجوازه، وفيه نظر ظاهر، لكونه دعوى مجردة من غير برهان، بل لحق أنهم عملوا بذلك اعتقاداً لصحته؛ لكونه موافقاً للسنة المرفوعة، ولسنة الخلفاء الراشدين، ولأن الحق أن اختلافهم في ذلك اختلاف في الأولوية والأفضلية لا في الجواز وعدمه. قال الإمام محمد في موطئه بعد ما روى عن مالك عن نافع قال: شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة، فكبر في الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الآخرة بخمس تكبيرات قبل القراءة – قال صاحب التعليق الممجد: وهذا لا يكون رأياً إلا توقيفاً يجب التسليم له – انتهى. والظاهر أن هذا كان في إمارة أبي هريرة على المدينة في أيام معاوية أو مروان، وهو يدل على إجماع المسلمين من الصحابة والتابعين وتبعهم في المدينة، إذ ذاك على كون تكبيرات الزوائد ثنتي عشرة قبل القراءة في الركعتين -. قد اختلف الناس ي التكبير في العيدين فما أخذت به فهو حسن، وأفضل ذلك عندنا ما روي عن ابن مسعود....الخ قال: وهو قول أبي حنيفة – انتهى. وقال الشامي في رد المحتار (ج١ ص٧٨٠) : ومنهم من جزم بأن ذلك رواية عنهما – أي عن أبي يوسف ومحمد – بل في المجتبى: وعن أبي يوسف أنه رجع إلى هذا ثم ذكر غير واحد من المشايخ أن المختار العمل برواية الزيادة، أي زيادة تكبيرة في عيد الفطر، وبرواية النقصان في عيد الأضحى عملاً بالروايتين وتخفيفاً في الأضحى لاشتغال الناس بالأضاحي، قال وذكر في البحر أن الخلاف في الأولوية، ونحوه في الحلية – انتهى. وقال في الدر المختار: ولو زاد أي الإمام التكبير على الثلاث تابعه، قال الشامي: لأنه تبع لإمامه فتعجب عليه متابعته، وترك رأيه برأي الإمام لقوله – ﵇: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه)) ، فما لم يظهر خطؤه بيقين كان اتباعه واجباً، ولا يظهر الخطأ في المجتهدات، فأما إذا خرج عن أقوال الصحابة فقد ظهر خطؤه بيقين، فلا يلزمه اتباعه، قال: وأشار بقوله ندباً – في قوله: ويوالي ندباً بين القراءتين – إلى أنه لو كبر في أول كل ركعة جاز؛ لأن الخلاف في الأولوية كما مر عن البحر – انتهى. وقال صاحب التعليق الممجد (ص١٣٨) بعد ذكر الأحاديث والآثار المختلفة: وهذا الاختلاف الوارد في المرفوع والآثار كلها اختلاف في المباح، كما أشار إليه محمد بقوله: فما أخذت به فهو حسن، فلا يجوز لأحد أن يعنف على خلاف ما يراه، واختلاف الأئمة في ذلك إنما هو اختلاف في الراجح، كما أشار إليه محمد بقوله: وأفضل ذلك ... الخ، فإن اختار أحد غير ما روي عن ابن مسعود فلا بأس به أيضاً – انتهى. وقال صاحب العرف الشذي (ص٢٤١) وأما ثنتا عشرة تكبيرة فجائزة عندنا، فإن في الهداية أن أبايوسف أتى بها حين أمره هارون الرشيد ولا يتوهم أنه كان من أولى الأمر فإنه لو كان غير جائز عنده كيف اتبعه، وإن كان والي الأمر فلابد من أن يقال: إنه قائل بجوازها، وأيضاً في الهداية: لو زاد الإمام التكبيرات على الستة يتبعه إلى ثنتي عشرة تكبيرة، فدل على الجواز، ولقد صرح محمد

стр. 2016

..................................... ــ في موطئه بجوازها، فإنه قال: "وما أخذت به فهو حسن"- انتهى. قلت: والأولى للعمل عندنا والأفضل هو أن يكبر في الأولى سبعاً وفي الثانية خمساً والقراءة بعدهما كلتيهما؛ لوجهين: الأول: أنه قد جاء فيه أحاديث مرفوعة عديدة. وبعضها صحيح أو حسن، والباقية مؤيدة له، وأما ما ذهب إليه أبوحنيفة فلم يرد فيه حديث مرفوع غير حديث أبي موسى الأشعري الآتي، وستعرف أنه لا يصلح للاحتجاج، وغير حديث الوضين بن عطاء عند الطحاوي، وقد عرفت أنه حديث ضعيف، قال ابن عبد البر: روي عن النبي ﷺ من طريق كثيرة حسان أنه كبر في العيدين سبعاً في الأولى، وخمساً في الثانية، من حديث عبد الله بن عمرو وابن عمر وجابر وعائشة وأبي واقد وعمرو بن عوف المزني، ولم يرو من وجه قوي ولا ضعيف خلاف هذا، وهو أولى ما عمل به، ذكره ابن قدامة. والوجه الثاني: أنه قد عمل به أبوبكر وعمر وعثمان وعلي – ﵃، وقد قال الحافظ الحازمي في كتاب الاعتبار: الوجه الحادي والثلاثون أن يكون أحد الحديثين قد عمل به الخلفاء الراشدون دون الثاني فيكون آكد، ولذلك قدم رواية من روى في تكبيرات العيدين سبعاً وخمساً على رواية من روى أربعاً كأربع الجنائز؛ لأن الأول قد عمل به أبوبكر وعمر، فيكون إلى الصحة أقرب والأخذ به أصوب – انتهى. ثم ههنا مسائل من متعلقات التكبير، نذكرها مختصراً تتميماً للفائدة: إحداها: حكم هذه التكبيرات، قال ابن قدامة: التكبيرات سنة وليست بواجبة، فإن نسي التكبير وشرع في القراءة لم يعد إليه، قاله ابن عقيل: لأنه سنة فلم يعد إليه بعد الشروع في القراءة كالاستفتاح. وقال القاضي: فيها وجه آخر أنه يعود إلى التكبير؛ لأنه ذكره في محله، وهو القيام فيأتي به كما قبل الشروع في القراءة – انتهى مختصراً. وذهب الحنفية إلى وجوبها، كما في البدائع وغيره. قال الحصفكي في الواجبات: وتكبيرات العيدين وكذا أحدها. قال ابن عابدين: أفاد أن كل تكبير واجب مستقل – انتهى. وقالت الشافعية: إن كل تكبيرة سنة مؤكدة، فإذا ترك الإمام أو المنفرد تكبيرة منها سجد للسهو عنها، ولا شيء على المأموم في ترك السنن ولو عمداً إذا أتى بها الإمام. قال الشوكاني: والظاهر عدم الوجوب لعدم وجدان دليل يدل عليه. والثانية: محل دعاء الاستفتاح، قال ابن قدامة: يدعو بدعاء الاستفتاح عقيب التكبيرة الأولى، ثم يكبر تكبيرات العيد، ثم يتعوذ ثم يقرأ، وهذا مذهب الشافعي – وإليه ذهب الحنفية كما في فروعهم، وهو الراجح عندنا -، وعن أحمد رواية أخرى أن الاستفتاح بعد التكبيرات اختارها الخلال وصاحبه، وهو قول الأوزاعي؛ لأن الاستفتاح تليه الاستعاذة وهي قبل القراءة، ولنا أن الاستفتاح شرع ليستفتح به الصلاة، فكان في أولها كسائر الصلوات، والاستعاذة شرعت للقراءة فهي تابعة لها، فتكون عند الابتداء بها لقول الله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ [النحل: ٩٨] وقد روى أبوسعيد أن النبي ﷺ كان يتعوذ قبل القراءة، قال: وأياً ما فعل كان جائزاً، والثالثة: رفع اليدين مع التكبيرات الزوائد، قال ابن قدامة:

стр. 2017

.............................. ــ يستحب أن يرفع يديه في حال تكبيرة حسب رفعهما مع تكبرة الإحرام، وبه قال عطاء والأوزاعي وأبوحنيفة والشافعي، وقال مالك والثوري: لا يرفعهما فيما عدا تكبيرة الإحرام، لنا ما روي أن النبي ﷺ كان يرفع يديه مع التكبير. قال أحمد: أما أنا فأرى أن هذا الحديث يدخل فيه هذا كله. وروي عن عمر أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة في الجنازة وفي العيد، رواه الأثرم. ولا يعرف له مخالف في الصحابة – انتهى. قلت: أثر عمر رواه البيهقي أيضاً (ج٣ ص٢٩٣) وفيه ابن لهيعة. والحديث الذي استدل به أحمد على رفع اليدين مع التكبيرات الزائد قيل: هو محمول على الصلاة المكتوبة لما روى ابن ماجه بسند ضعيف عن عمير بن حبيب قال: كان رسول الله ﷺ يرفع يديه مع كل تكبيرة في الصلاة المكتوبة – انتهى. والحق أنه ليس في رفع اليدين مع تكبيرات العيدين حديث صريح مرفوع لا قوي ولا ضعيف، وأقوى ما استدل به القائلون بالرفع إنما هو عموم بعض الأحاديث وإطلاقه، فقد روى أبوداود والدارقطني (ص١٠٨) ، والبيهقي (ج٣ ص٢٩٣) من طريق بقية – وقد تابعه في ذلك ابن أخي الزهري عند الدارقطني (ص١٠٨) – ثنا الزبيدي عن الزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه ... الحديث، وفي آخره: ويرفعهما في كل تكبيرة يكبرها قبل الركوع حتى تنقضي صلاته، قال الحافظ في التلخيص (ص١٤٥) : احتج به ابن المنذر والبيهقي، أي على رفع اليدين في تكبيرات العيدين بناءً على أن المراد بقوله: "ويرفعهما في كل تكبيرة يكبرها قبل الركوع" العموم في كل تكبيرة تقع قبل الركوع، فيندرج في ذلك تكبيرات العيدين لا العموم في تكبيرات الركوع، كما توهم ابن التركماني. والأولى عندي ترك الرفع لعدم ورود نص صريح في ذلك، ولعدم ثبوته صريحاً بحديث مرفوع صحيح، ومن رفع مستدلاً بعموم حديث ابن عمر وإطلاقه، وبما روي عن عمر وابنه عبد الله وزيد بن ثابت من فعلهم فلا بأس به، هذا ما عندي، والله تعالى أعلم. والرابعة: هل يشرع الموالاة بين التكبيرات أو يشرع الفصل بينها بشيء من التحميد والتسبيح ونحو ذلك؟ قال ابن قدامة: إذا فرغ من الاستفتاح حمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ ، ثم فعل هذا بين كل تكبيرتين، فإن قال: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً فحسن، وإن قال غيره نحو أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر أو ما شاء من الذكر فهو جائز، وبهذا قال الشافعي، وقال أبوحنيفة ومالك والأوزاعي: يكبر متوالياً لا ذكر بينه؛ لأنه لو كان بينه ذكر مشروع نقل كما نقل التكبير – انتهى. وقال الرافعي: يقف بين كل تكبيرتين بقدر آية لا طويلة ولا قصيرة. هذا لفظ الشافعي، وقد روي مثل ذلك عن ابن مسعود قولاً وفعلاً. قلت: الراجح عندي ما ذهب إليه مالك وأبوحنيفة؛ لأنه لم يحفظ عن النبي ﷺ ذكر بين التكبيرات، ولم يرو ذلك في حديث مسند، ولا نقل عن أحد من السلف إلا ما جاء في حديث جابر المتقدم مع ما فيه من الكلام، وفي ما روي عن ابن مسعود موقوفاً عند

стр. 2018

رواه الترمذي، وابن ماجه، والدارمي. ١٤٥٦- (١٧) وعن جعفر بن محمد مرسلاً ((أن النبي ﷺ وأبابكر وعمر كبروا في العيدين والاستسقاء سبعاً وخمساً. ــ البيهقي بسند فيه من يحتاج إلى كشف حاله، وعند الطبراني من طريق إبراهيم النخعي أن الوليد بن عقبة دخل المسجد، وابن مسعود وأبوحذيفة وأبوموسى في عرصة المسجد ... الحديث، قال الهيثمي: وإبراهيم لم يدرك واحداً من هؤلاء الصحابة، وهو مرسل، ورجاله ثقات، وعند الأثرم ولم أقف على سنده. (رواه الترمذي) وحسنه قال: وهو أحسن شيء روى في هذا الباب عن النبي ﷺ ، وقد أنكر جماعة تحسينه على الترمذي؛ لأن في سنده كثير بن عبد الله، وقد عرفت حاله، وأجاب النووي في الخلاصة عن الترمذي في تحسينه، فقال: لعله اعتضد بشواهد وغيرها، وقال العراقي: والترمذي إنما تبع في ذلك البخاري، فقد قال في كتاب العلل المفردة: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: ليس في هذا الباب شيء أصح منه، وبه أقول – انتهى. وقيل: تحسين الترمذي وتصحيحه توثيق للراوي وذهاب منه إلى أنه لم يرض الكلام فيه، وأما قول البخاري: ليس في هذا الباب شيء أصح منه، ففيه أن الظاهر أن حديث عبد الله بن عمر أصح شيء الباب، والله تعالى أعلم. (وابن ماجه والدارمي) كذا في جميع النسخ الموجودة عندنا، والظاهر أن قوله "والدارمي" خطأ من الناسخ، والصحيح الدارقطني، فإني لم أجد هذا الحديث في سنن الدارمي، ولم يعزه أحد المخرجين إليه، والله تعالى أعلم، وأخرجه أيضاً ابن خزيمة والبيهقي والطحاوي وابن عدي. ١٤٥٦- قوله (وعن جعفر بن محمد) هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبوعبد الله المدني المعروف بالصادق، وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وأمها أسماء بنت أبي بكر، فلذلك كان يقول: ولدني أبوبكر مرتين، وروي عنه أنه قال: والله إني لأرجو أن ينفعني الله بقرابة أبي بكر، روى عن أبيه محمد الباقر وغيره، وروى عنه الأئمة الأعلام نحو يحيى بن سعيد الأنصاري، وشعبة، وسفيانان، ومالك، وأبوحنيفة. قال الحافظ: صدوق فقيه إمام، ووثقه الشافعي وابن معين وأبوحاتم وابن عدي والنسائي، قال مالك: اختلفت إليه زماناً، فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال، إما مصلٍّ وإما صائم وإما يقرأ القرآن، وما رأيته يحدث إلا على طهارة، ولد سنة (٨٠) ، ومات سنة (١٤٨) ، وهو ابن (٦٨) سنة، ودفن بالبقيع في قبر فيه أبوه محمد الباقر وجده علي زين العابدين (مرسلاً) أي منقطعاً (كبروا في العيدين والاستسقاء) أي في صلاة عيد الفطر وصلاة الأضحى وصلاة الاستسقاء (سبعاً) أي سبع تكبيرات، يعني في الركعة الأولى (خمساً)

стр. 2019

وصلوا قبل الخطبة، وجهروا بالقراءة)) . رواه الشافعي. ١٤٥٧- (١٨) وعن سعيد بن العاص ــ في الثانية، وبه قال الشافعي، وسيأتي الكلام في التكبير في صلاة الاستسقاء في موضعه (وصلوا قبل الخطبة) أي في العيد والاستسقاء، وتقدم أن في صلاة العيد قبل الخطبة إجماع، وأنه لا عبرة بمن خالف فيه من بني أمية (وجهروا بالقراءة) أي فيهما، وهو اتفاق، بل حكي فيه الإجماع. قال ابن قدامة: لا نعلم خلافاً بين أهل العلم في أنه يسن الجهر بالقراءة في صلاة العيدين إلا أنه روي عن علي – ﵁ – أنه كان إذا قرأ في العيدين أسمع من يليه ولم يجهر ذلك الجهر. وقال ابن المنذر: أكثر أهل العلم يرون الجهر بالقراءة، وفي أخبار من أخبر بقراءة النبي ﷺ دليل على أنه كان يجهر، ولأنها صلاة عيد فأشبهت الجمعة – انتهى. والحديث دليل لمن قال إن التكبيرات الزوائد في العيدين سبع في الركعة الأولى، وخمس في الثانية، لكنه منقطع وهو من أقسام الضعيف. (رواه الشافعي) في كتاب الأم (ج١ ص٢٠٩) وفي مسنده (ج٦ ص١٠٩) قال: أنا إبراهيم، قال: حدثني جعفر بن محمد أن النبي ﷺ ... الخ، فالحديث منقطع، بل معضل، فالمراد بالمرسل في قول المصنف المنقطع، وروى الشافعي أيضاً في الأم (ج١ ص٢٠٩) وفي المسند (ج٦ ص١٠٩) عن إبراهيم عن جعفر عن أبيه عن علي – ﵁ – أنه كبر في العيدين والاستسقاء سبعاً وخمساً وجهر بالقراءة – انتهى. ورواه عبد الرزاق في مصنفه قال: أخبرنا إبراهيم بن أبي يحيى عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كان علي يكبر في الأضحى والفطر والاستسقاء سبعاً في الأولى، وخمساً في الأخرى، ويصلي قبل الخطبة، ويجهر بالقراءة، قال: وكان رسول الله ﷺ وأبوبكر وعمر وعثمان يفعلون ذلك – انتهى. كذا في نصب الراية (ج٢ ص٢١٩) ، وذكره ابن حزم في المحلى (ج٥ ص٨٣) ، وقال: إلا أن في الطريق إبراهيم بن أبي يحيى، وهو أيضاً منقطع – انتهى. قلت: محمد الباقر والد جعفر لم ير هو ولا أبوه علي بن أبي طالب – ﵁. ١٤٥٧- قوله (وعن سعيد بن العاص) كذا قال المصنف تبعاً للجزري، والأولى أنه يقول: وعن أبي عائشة جليس أبي هريرة أنه حضر سعيد بن العاص سأل أباموسى الأشعري وحذيفة بن اليمان كيف كان ... الخ، أو يقول: وعن أبي موسى وحذيفة أن سعيد بن العاص سألهما كيف كان ... الخ، وسعيد هذا هو سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، ولد عام الهجرة، قتل أبوه يوم بدر كافراً، ومات جده أبوأُحيحة قبل بدر مشركاً، وكان سعيد من أشراف قريش وفصحائهم، ولذا ندبه عثمان فيمن ندب لكتابة القرآن، وكان حليماً وقوراً، قال ابن سعد: قبض النبي ﷺ ولسعيد تسع سنين، وذكر في الصحابة؛ لأن له رؤية، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وكان ممن اعتزل الجمل وصفين وولي إمرة الكوفة لعثمان، وإمرة المدينة لمعاوية، وغزا طبرستان ففتحها،

стр. 2020

قال: سألت أباموسى وحذيفة، كيف كان رسول الله ﷺ يكبر في الأضحى والفطر؟ فقال أبوموسى: كان يكبر أربعاً، تكبيره على الجنائز، فقال حذيفة: صدق)) . رواه أبوداود. ــ وغزا جرجان، وكان في عسكره حذيفة وغيره من كبار الصحابة، مات في قصره بالعرصة على ثلاثة أميال من المدينة، ودفن بالبقيع سنة (٥٨) ، وقيل غير ذلك (في الأضحى والفطر) أي في صلاتهما (كان يكبر) قال القاري: أي في كل ركعة (أربعاً) أي مع تكبير الإحرام في الأولى ومع تكبير الركوع في الثانية، قاله القاري. (تكبيره) أي مثل عدد تكبيره، قاله القاري، وقال ابن حجر: أي مثل تكبيره على الجنائز. (فقال حذيفة) بن اليمان (صدق) أي أبوموسى، فقال أبوموسى: كذلك كنت أكبر في البصرة حيث كنت (أميراً) عليهم. وقد استدل به الحنفية لمذهبهم، لكن الحديث ضعيف، كما ستعرف (رواه أبوداود) ، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤ ص٤١٦) ، والطحاوي (ص٤٠٠) ، والبيهقي من طريق أبي داود (ج٣ ص٢٨٩-٢٩٠) ، وسكت عنه أبوداود والمنذري. قلت: في سنده أبوعائشة الأموي مولاهم، جليس أبي هريرة، وهو مجهول الحال، قال الذهبي: أبوعائشة جليس لأبي هريرة غير معروف، وقال الزيلعي نقلاً عن التنقيح: ولكن أبوعائشة قال ابن حزم فيه: مجهول. وقال ابن القطان: لا أعرف حاله – انتهى. وقال ابن حزم في المحلى (ج٥ ص٨٤) : أبوعائشة مجهول لا يدرى من هو، ولا يعرفه أحد، ولا تصح عنه رواية لأحد – انتهى. وقد تفرد أبوعائشة هذا برفع هذا الحديث، ورواه جماعة من الثقات وهم علقمة والأسود عند عبد الرزاق، كما في نصب الراية (ص٢١٣) ، وعبد الله بن قيس عند الطحاوي في شرح الآثار، وكردوس عند ابن أبي شيبة، كما في الجوهر النقي، فوقفوه على ابن مسعود، وعلى هذا فزيادة الرفع منكرة، والموقوف هو المحفوظ، وزيادة الرفع إنما تقبل إذا كان راويها ثقة حافظاً ثبتاً، والذي لم يذكرها مثله أو دونه في الثقة، وبشرط أن لا تكون شاذة، والأمر ههنا ليس كذلك، كما لا يخفى على المنصف الغير المتعسف، وأيضاً في سنده عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان الدمشقي الزاهد الصالح، وهو متكلم فيه، فكان علي بن المديني ودحيم وأبوداود حسن الرأي فيه، وقال أحمد: لم يكن بالقوي في الحديث، وأحاديثه مناكير، وقال العجلي وأبوزرعة الرازي: لين، وقال النسائي: ضعيف، وقال مرة: ليس بالقوي، وقال مرة: ليس بثقة، وقال ابن معين: ضعيف، يكتب حديثه على ضعفه، وكذا قال ابن عدي: ومع هذا فقد تغير عقله في آخر عمره، كما قال أبوحاتم، ولم يتابعه أحد على رفع هذا الحديث. قال البيهقي في السنن الكبرى (ج ٣ ص٢٩٠) : قد خولف راوي هذا الحديث في موضعين، أحدهما: في رفعه، والآخر في جواب أبي موسى، والمشهور في هذه القصة أنهم أسندوا أمرهم إلى ابن مسعود، فأفتاه ابن مسعود بذلك، ولم يسنده إلى النبي ﷺ ، كذلك رواه أبوإسحاق السبيعي عن عبد الله بن موسى أو ابن أبي موسى أن سعيد بن العاص أرسل ... الخ.

стр. 2021

١٤٥٨- (١٩) وعن البراء، أن النبي ﷺ نوول يوم العيد قوساً فخطب عليه. رواه أبوداود. ــ وعبد الرحمن بن ثوبان ضعفه ابن معين – انتهى. وقال في معرفة السنن بعد نقل تضعيف عبد الرحمن عن ابن معين، والمشهور في هذه القصة أنهم أسندوا أمرهم إلى ابن مسعود فأفتاه ابن مسعود في الأولى قبل القراءة وأربع في الثانية بعد القراءة، ويركع برابعة، ولم يسنده إلى النبي ﷺ ، كذلك رواه أبوإسحاق السبيعي وغيره عن شيوخهم، ولو كان عند أبي موسى فيه علم عن النبي ﷺ لما كان يسأله عن ابن مسعود، وروي عن علقمة عن عبد الله أنه قال: خمس في الأولى، وأربع في الثانية، وهذا يخالف الرواية الأولى – انتهى. وقد ظهر بهذا أن هذا الحديث لا يصلح للاستدلال وإن سكت عنه أبوداود والمنذري، وقد تقدم الكلام في سكوتهما فتذكر، ولشيخنا رسالة مستقلة بالأردية في مسألة التكبيرات الزوائد وما يتعلق بها، سماها "القول السديد فيما يتعلق بتكبيرات العيد"، فعليك أن تطالعها. ١٤٥٨- قوله (نوول) بووين على وزن نودي صيغة ماضٍ مجهول من المناولة أي أعطي، كذا وقع في جميع نسخ المشكاة، وفي بعض نسخ أبي داود، وهكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج٧ ص٩٥) ، ووقع في أكثر نسخ أبي داود "نُوِّل" بواو واحد على بناء المجهول الماضي، من باب التفعيل، قال في القاموس: أنلته إياه ونوَّلته ونَوَّلت عليه، وله: أعطيته. (يوم العيد) أي الأضحى، كما في رواية أحمد والبيهقي (قوساً فخطب) أي متوكئاً (عليه) وفي رواية أحمد والبيهقي: أعطي قوساً أو عصاً فاتكأ عليه، فحمد الله وأثنى عليه ... الخ، وفي الحديث مشروعية الاعتماد على قوس أو عصا حال الخطبة، قيل: والحكمة في ذلك الاشتغال عن العبث، وقيل: إنه أربط للجأش (رواه أبوداود) وسكت عليه هو والمنذري. وأخرجه أيضاً أحمد وطوله، والبيهقي (ج٣ ص٣٠٠) ، والطبراني، وصححه ابن السكن، وله شواهد من حديث الحكم بن حزن الكلفي عند أبي داود والبيهقي في حديث أوله: وفدت إلى رسول الله ﷺ سابع سبعة أو تاسع تسعة، فدخلنا عليه ... الحديث، وفيه: شهدنا الجمعة معه، فقام متوكئاً على عصا أو قوس، فحمد الله وأثنى عليه. قال الحافظ: إسناده حسن، فيه شهاب بن خراش، وقد اختلف فيه، والأكثر وثقوه، وقد صححه ابن السكن وابن خزيمة – انتهى. ومن حديث ابن الزبير عند الطبراني في الكبير والبزار أن النبي ﷺ كان يخطب بمخصره، وفيه ابن لهيعة، ومن حديث ابن عباس عند الطبراني في الكبير أن رسول الله ﷺ كان يخطبهم في السفر متوكئاً على قوس، وفيه أبوشيبة وهو ضعيف، ومن حديث سعد القرظ عند الطبراني أيضاً أن النبي ﷺ كان إذا خطب في الجمعة خطب على عصا، قال الهيثمي: ذكر هذا في أثناء حديث طويل، وإسناده ضعيف – انتهى. قلت: وروى البيهقي (ج٣ ص٢٠٦)

стр. 2022

١٤٥٩- (٢٠) وعن عطاء مرسلاً، أن النبي ﷺ كان إذا خطب يعتمد على عنزته اعتماداً. رواه الشافعي. ١٤٦٠- (٢١) وعن جابر قال: شهدت الصلاة مع النبي ﷺ في يوم عيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، بغير أذان ولا إقامة، فلما قضى الصلاة قام متكئاً على بلال، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ الناس، ــ من طريق عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد حدثني أبي عن آبائه أن رسول الله ﷺ كان إذا خطب في الحرب خطب على قوس، وإذا خطب في الجمعة خطب على عصا، وقال الحافظ في التلخيص (ص١٣٧) بعد ذكر حديث الحكم والبراء: وفي الباب عن ابن عباس وابن الزبير رواهما أبوالشيخ بن حبان في كتاب أخلاق النبي ﷺ له – انتهى. ١٤٥٩- قوله (وعن عطاء) أي ابن يسار، قاله القاري، وهو تابعي مشهور كان كثير الرواية عن ابن عباس، قاله المؤلف، والظاهر أن المراد به هنا عطاء بن أبي رباح (على عنزته) بفتح المهملة والنون بعدها زاي معجمة، رمح قصير في طرفها زُجٌّ أي نصل. قال الحافظ في الفتح: العنزة – بفتح النون – عصى أقصر من الرمح لها سنان. وقيل: هي الحربة القصيرة، وقيل: عصا عليه زج أي سنان. (اعتماداً) مفعول مطلق أي اعتماداً كلياً (رواه الشافعي) في كتاب الأم (ج١ ص٢١١) ، وفي مسنده (ج٦ ص١١٠) عن إبراهيم عن ليث بن أبي سليم عن عطاء مرسلاً، وليث ضعيف، وأخرج البيهقي في السنن الكبرى (ج٣ ص٢٠٦) من طريق جعفر بن عون عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أكان رسول الله ﷺ يقوم إذا خطب على عصا؟ قال: نعم، وكان يعتمد عليها اعتماداً. ١٤٦٠- قوله (شهدت) أي حضرت (الصلاة) أي صلاة العيد (في يوم عيد) أي يوم عيد الفطر، كما هو مصرح في رواية للشيخين (فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة) فيه تقديم العيد على الخطبة، وترك الأذان والإقامة لصلاة العيد، وقد تقدم البسط في ذلك (قام متكئاً) كذا في جميع النسخ الموجودة للمشكاة، من الإتكاء، والظاهر أنه خطأ من النساخ، والصحيح متوكئاً أي من التوكأ، كما في المصابيح، وهكذا في مسلم والنسائي والبيهقي (ج٣ ص٢٩٦) ، وهكذا ذكره المجد بن تيمية في المنتقى، وعزاه إلى مسلم والنسائي، وكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج٧ ص٨٩) ، وعزاه للنسائي (على بلال) أي متحاملاً عليه، ومنه التوكؤ على العصا، وهو التحامل عليها، والمراد أنه كان معتمداً على يد بلال، كما يفيده رواية الشيخين وأبي داود، وفيه أن الخطيب ينبغي أن يعتمد على شيء كالقوس والعصا والعنزة، أو يتكئ على إنسان (ووعظ الناس)

стр. 2023

وذكرهم، وحثهم على طاعته، ومضى إلى النساء ومعه بلال، فأمرهن بتقوى الله، ووعظهن وذكرهن. رواه النسائي. ١٤٦١- (٢٢) وعن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ إذا خرج يوم العيد في طريق رجع في غيره. ــ قال الراغب: الوعظ زجر مقترن بتخويف، وقال الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب، فقوله (وذكرهم) بالتشديد عطف تفسيري، قاله القاري، وقال ابن حجر: "ذكرهم" أي العواقب يدل مما قبله، وقيل: معنى وعظهم: نصحهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذكرهم بأحوال القيامة والنار والجنة (وحثهم) أي رغبهم وحضهم (على طاعته) أي طاعة الله تعالى، ومنها طاعته – ﵇، وهذا تعميم بعد تخصيص؛ لأنه يشمل مكارم الأخلاق، أو المراد عبادته النافلة، قاله القاري. قلت: ولفظ مسلم بعد قوله "على بلال": "ثم أمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس وذكره". (ومضى إلى النساء) ولفظ النسائي: ثم مال إلى النساء، والمراد أنه أتاهن بعد فراغ خطبة الرجال، كما صرح بذلك في رواية الشيخين، وفيه إشعار بأن النساء كن على حدة من الرجال غير مختلطات بهم (فأمرهن) أي النبي ﷺ (بتقوى الله) أي الجامعة لامتثال المأمورات واجتناب المنهيات (ووعظهن) بتخويف العقاب (وذكرهن) بتحصيل الثواب، وهو تفسير لـ"وعظهن" أو تأكيد له. ولفظ مسلم: ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن، واكتفى في رواية لمسلم بالتذكير، وكذا في رواية البخاري وأبي داود، فيه أنه يستحب للإمام إذا لم يسمع النساء الخطبة أن يأتيهن بعد فراغه ويعظهن ويذكرهن إذا لم يترتب عليه مفسدة، وفيه أيضاً تمييز مجلس النساء إذا حضرن مجامع الرجال؛ لأن الاختلاط ربما كان سبباً للفتنة الناشئة عن النظر أو غيره، وبعد ذلك في رواية النسائي ومسلم: وحمد الله وأثنى عليه، ثم حثهن على طاعته، ثم قال: ((تصدقن، فإن أكثركن خطب جهنم)) ، فقالت امرأة من سفلة النساء، سفعاء الخدين: لِمَ يا رسول الله؟ قال: ((تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير)) ، فجعلن ينزعن قلائدهن وأقرطهن وخواتيمهن يقذفنه في ثوب بلال يتصدقن به، لفظ النسائي. (رواه النسائي) وأخرجه أيضاً مسلم والبيهقي (ج٣ ص٢٩٦) ، فكان من حقه أن يذكر في الصحاح أي الفصل الأول، وذهل المصنف فعزاه للنسائي، وترك مسلماً، وأصل الحديث متفق عليه، أخرجه البخاري في "باب المشي والركوب إلى العيد والصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة"، وفي باب "موعظة الإمام النساء يوم العيد"، وأخرجه أيضاً أبوداود في باب الخطبة يوم العيد، وذهل المنذري في مختصره فعزاه للنسائي، وترك البخاري ومسلماً. ١٤٦١- قوله (إذا خرج يوم العيد) ذاهباً (في طريق رجع في غيره) أي في طريق غيره

стр. 2024

رواه الترمذي والدارمي. ١٤٦٢- (٢٣) وعنه، أنه أصابهم مطر في يوم عيد، فصلى بهم النبي ﷺ صلاة العيد في المسجد. رواه أبوداود، وابن ماجه. ــ (رواه الترمذي والدارمي) وأخرجه أيضاً أحمد وابن ماجه وابن حبان والحاكم (ج١ ص٢٩٦) ، والبيهقي (ج٣ ص٣٠٨) ، وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم والذهبي على شرط الشيخين، وأخرجه البخاري والبيهقي من حديث جابر، قال الترمذي تبعاً للبخاري: وحديث جابر كأنه أصح، وتقدم الكلام في هذا. ١٤٦٢- قوله (وعنه) أي عن أبي هريرة (أنه) أي الشأن (أصابهم) أي الصحابة (مطر في يوم عيد فصلى بهم النبي ﷺ صلاة العيد في المسجد) أي مسجد المدينة. قال ابن الملك: يعني كان ﷺ يصلي صلاة العيد في الصحراء إلا إذا أصابهم مطر فيصلي في المسجد، فالأفضل أداءها في الصحراء في سائر البلدان، وفي مكة خلاف – انتهى. قلت: الحديث يدل على أن ترك الخروج إلى الجبانة وفعل الصلاة في المسجد عند عروض عذر المطر غير مكروه، وقد اختلف هل الأفضل في صلاة العيد الخروج إلى الجبانة أي الصحراء أو الصلاة في مسجد البلد إذا كان واسعاً؟ الثاني قول الشافعي، أنه إذا كان مسجد البلد واسعاً صلوا فيه ولا يخرجون، فكلامه يقضي بأن العلة في الخروج طلب الاجتماع، ولذا أمر ﷺ بإخراج العواتق وذوات الخدور، فإذا حصل ذلك في المسجد فهو أفضل، ولذلك فإن أهل مكة لا يخرجون لسعة مسجدها وضيق أطرافها، والقول الأول لمالك وأحمد وأبي حنيفة: إن الخروج إلى الجبانة أفضل ولو اتسع المسجد للناس، وحجتهم محافظته ﷺ على ذلك، ولم يصل في المسجد إلا لعذر المطر، ولا يحافظ ﷺ إلى على الأفضل، وتقدم أن هذا القول هو الراجح عندنا. (رواه أبوداود وابن ماجه) وأخرجه أيضاً الحاكم (ج١ ص٢٩٥) والبيهقي (ج٣ ص٣١٠) وسكت عنه أبوداود والمنذري. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي على شرطهما. وقال الحافظ في التلخيص: إسناده ضعيف – انتهى. قلت: في سنده رجل مجهول، وهو عيسى بن عبد الأعلى بن أبي فروة الأموي مولاهم، قال فيه الحافظ في التقريب: مجهول. وقال الذهبي في الميزان: لا يكاد يعرف، وقال: هذا حديث منكر، قال ابن القطان: لا أعلم عيسى هذا مذكوراً في شيء من كتب الرجال ولا في غير هذا الإسناد – انتهى. وروى البيهقي (ج٣ ص٣١٠) من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة: إن الناس مطروا على عهد عمر بن الخطاب فامتنع الناس من المصلى فجمع عمر الناس في المسجد فصلى بهم، ثم قام عمر على المنبر فقال: يا أيها الناس إن رسول الله ﷺ كان يخرج بالناس إلى المصلى يصلي بهم؛ لأنه أرفق بهم وأوسع عليهم، وأن المسجد كان لا يسعهم، فإذا كان هذا المطر فالمسجد أرفق.

стр. 2025

١٤٦٣- (٢٤) وعن أبي الحويرث أن رسول الله ﷺ كتب إلى عمرو بن حزم وهو بنجران: ((عجّل الأضحى، وأخّر الفطر، وذكّر الناس)) . ــ ١٤٦٣- قوله (وعن أبي الحويرث) بالتصغير، اسمه عبد الرحمن بن معاوية بن الحُوَيرث الأنصاري، الزرقي، المدني، مشهور بكنيتة. قال الحافظ في التقريب: صدوق سيء الحفظ من الطبقة السادسة، وهي طبقة لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة، فأبوالحويرث هذا من أتباع التابعين، والحديث مرسل كما قال الحافظ في التلخيص، والمجد ابن تيمية في المنتقى، والبيهقي في السنن الكبرى، واختلف فيه قول ابن معين، فقال الدوري عنه: ليس يحتج بحديثه، وقال عثمان الدارمي وغيره عنه: ثقة، وقال أبوحاتم: ليس بقوي يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال مالك والنسائي: ليس بثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، ولم يتكلم فيه البخاري بشيء. (كتب إلى عمرو بن حزم) الأنصاري، صحابي مشهور، أول مشاهده الخندق، وله خمس عشرة سنة، استعمله النبي ﷺ على نجران سنة عشر، وقد تقدم ترجمته (وهو بنجران) بفتح النون وسكون الجيم، فراء، فألف، فنون على وزن سلمان، بلد باليمن، كان عمرو والياً فيه (عجل الأضحى) أي صلاته ليشتغل الناس بذبح الأضاحي (وأخر الفطر) أي صلاته لتوسع على الناس إخراج زكاة الفطر قبل الصلاة، قاله ابن الملك. (وذكر الناس) أي بالموعظة في خطبتي العيدين، قال الشوكاني: الحديث يدل على مشروعية تعجيل الأضحى وتأخير الفطر، ولعل الحكمة في ذلك ما تقدم من استحباب الإمساك في صلاة الأضحى حتى يفرغ من الصلاة، فإنه ربما كان ترك التعجيل لصلاة الأضحى مما يتأذى به منتظر الصلاة لذلك، وأيضاً فإنه يعود إلى الاشتغال بالذبح لأضحيته بخلاف عيد الفطر فإنه لا إمساك ولا ذبيحة، وأحسن ما ورد من الأحاديث في تعيين وقت صلاة العيدين حديث جندب قال: كان النبي ﷺ يصلي بنا يوم الفطر والشمس على قيد رمحين، والأضحى قيد رمح. أخرجه الحسن بن أحمد البناء في كتاب الأضاحي له من طريق وكيع عن المعلى بن هلال عن الأسود بن قيس عن جندب، ذكره الحافظ في التلخيص ولم يتكلم عليه، قلت: معلى بن هلال المذكور في سنده من رجال ابن ماجه، وقد اتفق النقاد على تكذيبه، فالحديث ضعيف جداً، قال الشوكاني: قال في البحر: وهي من بعد انبساط الشمس إلى الزوال، ولا أعرف فيه خلافاً – انتهى. قلت: دعوى عدم الخلاف خطأ؛ فإنهم اختلفوا في أول وقت صلاة العيد وآخره، فعند الشافعية وقتها بين ابتداء طلوع الشمس ولو للبعض ولا يعتبر تمام الطلوع وزوالها ولا نظر لوقت الكراهة؛ لأن هذه صلاة لها سبب متقدم ويسن تأخيرها لترتفع الشمس قيد رمح خروجاً من الخلاف، وعند المالكية والحنابلة والحنفية أول وقتها وقت حل النافلة، وهو من ارتفاع الشمس قدر رمح من رماح العرب إلى قبيل الزوال، وهذا هو الراجح عندنا، ويدل على مشروعية التعجيل لصلاة العيد وكراهة تأخيرها عن وقتها المجمع عليه - وهو انبساط الشمس وارتفاعها

стр. 2026

رواه الشافعي. ١٤٦٤- (٢٥) وعن أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من أصحاب النبي ﷺ ــ قدر رمح أو رمحين، وهو وقت حل صلاة النافلة – ما روى أحمد وأبوداود وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن يزيد بن خمير قال: خرج عبد الله بن بُسر – صاحب النبي ﷺ مع الناس في يوم عيد فطر أو أضحى فأنكر ابطاء الإمام، فقال: إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه، وذلك حين التسبيح. قال الحافظ: أي وقت صلاة السبحة، وذلك إذا مضى وقت الكراهة، وفي رواية صحيحة للطبراني: وذلك حين تسبيح الضحى، وقال الكرماني: حين التسبيح أي حين صلاة الضحى، أو حين صلاة العيد؛ لأن صلاة العيد سبحة ذلك اليوم – انتهى. وروى البيهقي من طريق الشافعي: انبأ الثقة أن الحسن كان يقول: إن النبي ﷺ كان يغدو إلى الأضحى والفطر حين تطلع الشمس فيتتام طلوعها. قال البيهقي: هذا مرسل، وشاهده عمل المسلمين بذلك، أو بما يقرب منه مؤخراً عنه – انتهى. (رواه الشافعي) في كتاب الأم (ج١ ص٢٠٥) ، وفي مسنده (ج٦ ص١٠٧) عن إبراهيم بن محمد عن أبي الحويرث به، وهو مرسل، وضعيف أيضاً، وأخرجه أيضاً البيهقي (ج٣ ص٢٨٢) من طريق الشافعي، وقال: هذا مرسل، وقد طلبته في سائر الروايات لكتابه إلى عمرو بن حزم، فلم أجده – انتهى. قال ابن حجر: وهو وإن كان ضعيفاً إلا أنه يعمل به في مثل ذلك اتفاقاً. ١٤٦٤- قوله (وعن أبي عمير) بالتصغير (بن أنس) بن مالك الأنصاري، قال الحاكم أبوأحمد: اسمه عبد الله، وكان أكبر أولاد أنس، قلت: ذكر الباوردي حديثه هذا، وسماه في مسنده عبد الله، قال الحافظ: ثقة من الرابعة، وهي طبقة تلي الطبقة الوسطى من التابعين، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، وصحح حديثه البيهقي والنووي في شرح المهذب والخلاصة وأبوبكر بن المنذر وابن السكن وابن حزم والخطابي، وتصحيحهم توثيق لرواته أبي عمير وغيره. وقال ابن عبد البر: هو مجهول، قال الحافظ في التلخيص: كذا قال، وقد عرفه من صحح له – انتهى. قال المؤلف: عمر بعد أبيه أنس زماناً طويلاً. (عن عمومة له) بضم العين جمع عم، كالبعولة جمع بعل، وفي رواية ابن ماجه والبيهقي: حدثني عمومتي من الأنصار (من أصحاب النبي ﷺ ) صفة عمومة، قال النووي في الخلاصة: عمومة أبي عمير صحابة لا يضر جهالة أعيانهم؛ لأن الصحابة كلهم عدول، وقال البيهقي (ج٣ ص٣١٦) : عمومة أبي عمير من أصحابه – ﵇ – لا يكونون إلا ثقات، وقال أيضاً (ج٤ ص٢٤٩) : الصحابة كلهم ثقات سموا أو لم يسموا – انتهى. وقال النووي في التقريب: الصحابة كلهم عدول من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتد به، فإذا صح الإسناد عن الثقات إلى رجل من أصحاب النبي ﷺ كان ذلك حجة وإن لم يسم ذلك الرجل، ولا يضر الجهالة لثبوت

стр. 2027

أن ركباً جاؤا إلى النبي ﷺ يشهدون أنه رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا، وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم. رواه أبوداود والنسائي. ــ عدالتهم على العموم (أن ركباً) جمع راكب، كصحب وصاحب (جاؤا إلى النبي ﷺ يشهدون أنه رأوا الهلال بالأمس) يعني لم يروا الهلال في المدينة ليلة الثلاثين من رمضان فصاموا يوم الثلاثين، فجاء قافلة في أثناء ذلك اليوم وشهدوا أنهم رأوا الهلال ليلة الثلاثين، وفي رواية أحمد وابن ماجه والدارقطني والبيهقي: أغمي علينا هلال شوال فأصبحنا صياماً، فجاء ركب من آخر النهار، فشهدوا عند رسول الله ﷺ أنهم رأوا الهلال بالأمس. وفي رواية الطحاوي: أنهم شهدوا بعد الزوال، وبه أخذ أحمد وأبوحنيفة وغيرهما أن وقتها إلى زوالها إذ لو كانت صلاة العيد تؤدى بعد الزوال لما أخرها رسول الله ﷺ إلى الغد (فأمرهم) أي الناس (أن يفطروا) أي ذلك اليوم؛ لأنه ثبت أنه يوم عيد الفطر (وإذا أصبحوا) أي في اليوم الثاني من شوال (أن يغدوا) أي يذهبوا في الغدوة أي جميعاً (إلى مصلاهم) لصلاة العيد، كما في رواية ابن ماجه وغيره، قال الشوكاني: الحديث دليل لمن قال: إن صلاة العيد تصلى في اليوم الثاني إن لم يتبين العيد إلا بعد خروج وقت صلاته، وإلى ذلك ذهب الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبوحنيفة وأبويوسف ومحمد، وهو قول للشافعي، وظاهر الحديث أن الصلاة في اليوم الثاني أداء لا قضاء – انتهى. وقال الخطابي في المعالم (ج١ ص٢٥٢) : وإلى هذا الحديث ذهب الأوزاعي وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق. وقال الشافعي: إن علموا بذلك قبل الزوال خرجوا وصلى الإمام بهم صلاة العيد، وإن لم يعلموا إلا بعد الزوال لم يصلوا يومهم ولا من الغد؛ لأنه عمل في وقت إذا جاز ذلك الوقت لم يعمل في غيره، وكذلك قال مالك وأبوثور، قال الخطابي: سنة رسول الله ﷺ أولى، وحديث أبي عمير صحيح، فالمصير إليه واجب – انتهى. قلت: وروى البيهقي عن الشافعي ما يدل على أنه علق القول به على صحة هذا الحديث، وقد تقدم أن الحديث صحيح، صححه غير واحد من الأئمة، فالقول به واجب. (رواه أبوداود والنسائي) وأخرجه أيضاً أحمد وابن ماجه في الصيام والدارقطني والبيهقي (ج٣ ص٣١٦) ، وابن حبان في صحيحه، وسكت عنه أبوداود والمنذري، وصححه الدارقطني والبيهقي والنووي وابن المنذر وابن السكن وابن حزم والخطابي والحافظ ابن حجر في بلوغ المرام. فائدة: اختلف العلماء فيمن لم يدرك صلاة العيد مع الإمام، فذهب المزني ومالك وأبوحنيفة إلى أنه لا يقضيها، وبه قال أحمد، قال ابن قدامة: من فاتته صلاة العيد أي مع الجماعة، فلا قضاء عليه – انتهى. وذهب الشافعي إلى أنه يقضيها، واختلفوا أيضاً في أنه كيف يقضي، فقال أبوحنيفة: إن شاء صلى وإن شاء لم يصل، فإن شاء صلى أربعاً وإن شاء صلى ركعتين، وإليه ذهب أحمد، قال ابن قدامة: من فاتته صلاة العيد فلا قضاء عليه، فإن أحب قضاءها فهو مخير إن شاء صلاها أربعاً، روي هذا

стр. 2028

﴿الفصل الثالث﴾ ١٤٦٥-١٤٦٦- (٢٦-٢٧) عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء عن ابن عباس، وجابر بن عبد الله قالا: لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى، ثم سألته – يعني عطاء – بعد حين عن ذلك، فأخبرني قال: أخبرني جابر بن عبد الله أن لا أذان للصلاة يوم الفطر حين يخرج الإمام، ولا بعد ما يخرج، ــ عن ابن مسعود، وهو قول الثوري، قال ابن مسعود: من فاته العيد مع الإمام فليصل أربعاً - أخرجه سعيد بن منصور بإسناد صحيح -، وإن شاء أن يصلي ركعتين، كصلاة التطوع، وهو قول الأوزاعي، وإن شاء صلاها على صفة صلاة العيد بتكبير وحده أو في جماعة، نقل ذلك عن أحمد إسماعيل بن سعد، واختاره الجوزجاني، وهذا قول النخعي ومالك والشافعي وأبي ثور وابن المنذر أنه يصليها كما يصلي مع الإمام إلا أن مالكاً استحب له ذلك من غير إيجاب، وذلك لما روى البيهقي عن عبد الله بن أبي بكر بن أنس قال: كان أنس إذا فاته العيد مع الإمام جمع أهله فصلى بهم مثل صلاة الإمام في العيد، وروى ابن أبي شيبة عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح قال: من فاته العيد يصلي ركعتين ويكبر؛ ولأنه قضاء صلاة فكان على صفتها كسائر الصلوات. قلت: وإليه ذهب البخاري، كما يدل عليه تبويبه، وهو قول الراجح عندنا. ١٤٦٥-١٤٦٦- قوله (عن ابن جريج) بضم الجيم الأولى مصغراً، وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي، أصله رومي، ثقة، فقيه، فاضل، وكان يدلس ويرسل، مات سنة (١٥٠) أو بعدها، وقد جاوز السبعين. قال ابن جريج: لزمت عطاء بن أبي رباح سبع عشرة سنة، وقال ابن عيينة: سمعت أبي عبد الرزاق بن همام عن ابن جريج ما دون العلم تدويني أحد، وقال أحمد: أول من صنف الكتب ابن جريج وابن أبي عروبة (أخبرن عطاء) أي ابن أبي رباح (لم يكن) أي الشأن (يؤذن) أن بالصلاة بفتح الذال المشددة مبنياً للمفعول خبر كان واسمها ضمير الشأن (يوم) عيد (الفطر ولا يوم) عيد (الأضحى) أي في زمنه ﷺ ، واليوم منصوب على الظرفية، قال ابن جريج (ثم سألته يعني عطاء) تفسير للضمير المنصوب من المصنف (بعد حين عن ذلك) أي عن تفصيله أو الإعادة لتأكيد الإفادة احتياطاً (فأخبرني) أي عطاء بالتفصيل الآتي (قال) أي عطاء (أخبرني جابر بن عبد الله) الأنصاري (أن) بالتخفيف (لا أذان) أي مشروع (للصلاة) أي لصلاة العيد (يوم الفطر) ترك يوم عيد الأضحى للاكتفاء (حين يخرج الإمام) أي للصلاة (ولا بعد ما يخرج) أي

стр. 2029

ولا إقامة ولا نداء ولا شيء، لا نداء يومئذٍ ولا إقامة. رواه مسلم. ١٤٦٧- (٢٨) وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ كان يخرج يوم الأضحى ويوم الفطر، فيبدأ بالصلاة، فإذا صلى صلاته، قام فأقبل على الناس، وهم جلوس في مصلاهم، فإن كانت له حاجة ببعث ذكره للناس، أو كانت له حاجة بغير ذلك أمرهم بها، وكان يقول: تصدقوا، تصدقوا، تصدقوا، وكان أكثر من يتصدق النساء، ثم ينصرف، فلم يزل كذلك حتى كان مروان ابن الحكم، ــ للخطبة، وقال القاري: حين يخرج الإمام أي أول الوقت ولا بعد ما يخرج أي عند إرادته الصلاة (ولا إقامة ولا نداء) تأكيد (ولا شيء) من ذلك قط، وهو تأكيد للنفي (لا نداء) بلا واو (يومئذٍ ولا إقامة) قال الطيبي: تأكيد على تأكيد أن كان من كلام جابر وأن كان من كلام عطاء. ذكره تفريعاً لابن جريج، يعني حدثت لك أنه لم يؤذن ثم سألتني عن ذلك بعد حين – انتهى. واستدل بقوله: ولا إقامة ولا نداء ولا شيء أنه لا يقال إمام صلاة العيد شيء من الكلام، وقد سبق الكلام فيه. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً البيهقي (ج٣ ص٢٨٤) ، وأخرجه البخاري مختصراً عن عطاء عن ابن عباس وجابر قالا: لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى. ١٤٦٧- (كان يخرج) أي لصلاة العيد (يوم) عيد (الأضحى ويوم) عيد (الفطر، فيبدأ بالصلاة) أي قبل الخطبة (فإذا صلى صلاته) أي فرغ منها، ووقع في مسلم بعد صلاته لفظ "وسلم" (قام) أي للخطبة (وهم جلوس في مصلاهم) أي مستقبلي القبلة، وهي جملة اسمية حالية (فإن كانت له) أي للنبي ﷺ (حاجة ببعث) أي ببعث عسكر لموضع (ذكره) أي البعث بتفصيله أو المبعوث ممن يريد بعثه (أو كانت له) أي للنبي ﷺ (حاجة بغير ذلك) أي بغير البعث من مصالح المسلمين العامة أو الخاصة (وكان يقول) في أثناء خطبته (تصدقوا، تصدقوا، تصدقوا) التثليث للتأكيد اعتناء بأمر الصدقة؛ لعموم نفعها وشح النفوس بها أو باعتبار من بحذائه ويمينه وشماله (وكان أكثر من يتصدق النساء) قال القاري: أكثر النسخ على رفع أكثر، ونصب النساء، وذلك لأنه – ﵊ – كان يبالغ في حثهن على الصدقة أكثر، ويعلل ذلك بأنه رآهن أكثر أهل النار لكفرانهن العشير وإكثارهن اللعن والشكاة (ثم ينصرف) أي يرجع إلى بيته (فلم يزل) أي الأمر (كذلك) أي مثل ذلك، على ذلك النوال من تقديم الصلاة على الخطبة، والخطبة بالقيام على الأرض دون المنبر (حتى كان مروان ابن الحكم) قال الطيبي: كان تامة، والمضاف محذوف

стр. 2030

فخرجت مخاصراً مروان حتى أتينا المصلى، فإذا كثير بن الصلت ــ أي حدوث عهده، أو أمارته يعني على المدينة من قبل معاوية، وهو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي أبوعبد الملك الأموي، وهو ابن عم عثمان بن عفان، ولد على عهد رسول الله ﷺ سنة اثنتين من الهجرة، وقيل: عام الخندق سنة أربع أو خمس، وقيل: ولد يوم أحد، يعني سنة ثلاث، وقيل غير ذلك. وقال ابن شاهين: مات النبي ﷺ وهو ابن ثمان سنين، فيكون مولده بعد الهجرة بسنتين، يقال له رؤية، والصحيح أنه لاي ثبت له صحبة، جزم به جماعة منهم البخاري، قال ابن عبد البر: لم ير النبي ﷺ ؛ لأنه خرج إلى الطائف طفلاً لا يعقل، وذلك أن رسول الله ﷺ كان قد نفى أباه الحكم الذي أسلم يوم الفتح إليها فلم يزل بها حتى ولي عثمان بن عفان فرده عثمان فقدم المدينة هو وولده في خلافة عثمان، وتوفي أبوه فاستكتبه عثمان وضمه إليه، فاستولى إليه إلى أن قتل عثمان، وكان هو من أسباب قتله، ثم شهد الجمل مع عائشة، ثم صفين مع معاوية، ثم ولى إمرة المدينة لمعاوية ثم لم يزل بها إلى أن أخرجهم ابن الزبير في أوائل إمرة يزيد بن معاوية، فكان ذلك من أسباب وقعة الحرة، وبقي بالشام إلى أن مات معاوية بن يزيد بن معاوية، فبايعه بعض أهل الشام سنة (٦٤) في قصة طويلة ثم كانت الوقعة بينه وبين الضحاك بن قيس، وكان أميراً لابن الزبير فانتصر مروان وقتل الضحاك واستوثق له ملك الشام، ثم توجه إلى مصر فاستولى عليها ثم بغته الموت، فعهد إلى ولده عبد الملك فكانت خلافته تسعة أشهر، ومات في صدر رمضان سنة (٦٥) وله (٦٣) أو (٦١) سنة، وهو أول من ضرب الدنانير الشامية التي يباع الدينار منها بخمسين، وكتب عليها قل هو الله أحد، وكان يعد في الفقهاء، قال عروة بن الزبير: كان مروان لا يتهم في الحديث، وقد روى عنه سهل بن سعد الساعدي الصحابي اعتماداً على صدقه، وإنما نقموا عليه أنه رمى طلحة يوم الجمل بسهم فقلته، ثم شهر السيف في طلب الخلافة حتى جرى ما جرى. قال الحافظ: فأما قتل طلحة فكان متأولاً فيه، كما قرره الإسماعيل وغيره، وأما بعد ذلك فإنما حمل عنه سهل بن سعد وعروة وعلي بن الحسين وأبوبكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وهؤلاء أخرج البخاري أحاديثهم عنه في صحيحه لما كان أميراً عندهم في المدينة قبل أن يبدو منه في الخلافة على ابن الزبير ما بدا. والله تعالى أعلم، وقد اعتمد مالك على حديثه ورأيه والباقون سوى مسلم – انتهى. (فخرجت) لصلاة العيد (مخاصراً) حال من الفاعل (مروان) مفعوله، والمخاصرة أن يأخذ رجل بيد رجل يتماشيان فيقع يد كل واحد منهما عند خاصرة صاحبه عبارة عن شدة التصاقهما في المشي (فإذا) للمفاجأة (كثير بن الصلت) كثير ضد القليل، والصلت – بفتح الصاد المهملة وسكون اللام ثم مثناة فوقية -، وهو كثير بن الصلت بن معدي كرب الكندي المدني، ثقة من كبار التابعين، ووهم من جعله صحابياً، قاله الحافظ في التقريب، وقال في الفتح: تابعي كبير، ولد في عهد النبي ﷺ ، جزم به البخاري وأبوحاتم

стр. 2031

قد بنى منبراً من طين ولبن، ــ والعسكري وابن حبان وابن منده وابن عبد البر وغيرهم. وقدم المدينة هو وإخوته بعده فسكنها وحالف بني جمح، وروى ابن سعد بإسناد صحيح إلى نافع قال: كان اسم كثير بن الصلت قليلاً فسماه عمر كثيراً، ورواه أبوعوانة فوصله بذكر ابن عمر، ورفعه بذكر النبي ﷺ ، والأول أصح، وقد صح سماه كثير من عمر فمن بعده وكان له شرف وذكر، وهو ابن أخي جَمْدٍ أحد ملوك بني كندة الذين قتلوا في الردة، وقد ذكر أبوه الصلت في الصحابة لابن منده، وفي صحة ذلك نظر – انتهى. وقال الذهبي في التجريد: الصلت الكندي مختلف في صحبته – انتهى. قلت: وذكر الحافظ كثيراً هذا في الإصابة في القسم الثاني من حرب الكاف فيمن له رؤية اعتماداً على رواية أبي عوانة وشاهدها الذي ذكره الفاكهي، قال: ولهذا ساغ ذكره في هذا القسم، فكأنه كان ولد قبل أن يهاجر أبوه وهاجر به معه ثم رجع إلى بلده ثم هاجر كثير – انتهى. (قد بنى منبراً من طين ولبن) بكسر الباء الآجر قبل الطبخ لتكون الخطبة عليه، واختص كثير ببناء المنبر بالمصلى لأن داره كانت مجاورة للمصلى، كما في حديث ابن عباس عند البخاري أنه ﷺ أتى في يوم العيد إلى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت. قال ابن سعد: كانت دار كثير بن الصلت قبلة المصلى في العيدين، وهي تطل على بطن بطحان الوادي الذي في وسط المدينة – انتهى. قال السمهودي: وليس المراد أنها متصلة بوادي بطحان، بل بينهما بُعد، ودار كثير هذه كانت قبله للوليد بن عتبة ثم اشتهرت بكثير بن الصلت، وهو من التابعين، ولد في زمن النبي ﷺ فوقع التعريف بداره ليقرب إلى ذهن السامع فهم ذلك، وليس كثير بن الصلت هو الذي اختطها خلافاً لما وقع في كلام الحافظ ابن حجر، حيث قال: وإنما بنى كثير بن الصلت داره بعد النبي ﷺ بمدة، لكنها لما صارت شهيرة في تلك البقعة وصف المصلى بمجاورتها، فتعريفه بكونه عند دار كثير بن الصلت على سبيل التقريب للسامع، وإلا فداره محدثة بعد النبي ﷺ . وفيه دليل على أنه لم يكن في المصلى في زمانه ﷺ منبر، وأن أول من اتخذه مروان، وقد وقع في المدونة لمالك ورواه عمر بن شبة عن أبي غسان عنه قال: أول من خطب الناس في المصلى على المنبر عثمان بن عفان كلمهم على منبر من طين بناه كثير بن الصلت، وهذا معضل وما في الصحيحين أصح، فقد رواه البخاري نحو رواية مسلم، وقد ذكرنا لفظه في شرح أول حديث الباب، ويحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك مرة ثم تركه حتى أعاده مروان ولم يطلع على ذلك أبوسعيد، كذا في الفتح، ولا يخالف هذا ما روى أحمد وأبوداود وابن ماجه عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه قال: أخرج مروان المنبر يوم عيد وبدأ بالخطبة قبل الصلاة فقام إليه رجل فقال: يا مروان خالفت السنة ... الحديث؛ لأنه يمكن الجمع بينهما فلعل مروان لما أنكروا عليه إخراج المنبر ترك إخراجه بعد وأمر ببنائه من لبن وطين بالمصلى، ولا بُعد في أن ينكر عليه تقديم

стр. 2032

فإذا مروان ينازعني يده، كأنه يجرني نحو المنبر وأنا أجره نحو الصلاة، فلما رأيت ذلك منه قلت: أين الابتداء بالصلاة؟ فقال: لا يا أباسعيد! قد ترك ما تعلم، قلت: كلا والذي نفسي بيده لا تأتون بخير مما أعلم – ثلاث مرار – ثم انصرف. رواه مسلم. ــ الخطبة على الصلاة مرة بعد أخرى (فإذا مروان) هي كالتي قبلها للمفاجأة، أي فاجأنا مكان المنبر زمان الإتيان والمنازعة (ينازعني) أي يجازبني (يده) بالرفع بدل بعض من ضمير الفاعل وينصب على أنه مفعول ثانٍ (فلما رأيت ذلك) أي عزمه المنجر إلى الإصرار وعدم الانقياد بالانجرار (منه) أي من مروان (قلت) له (أين الابتداء بالصلاة) أي تقديم الصلاة على الخطبة (فقال: لا) أي لا يبتدأ بالصلاة أو لا يعتقد أن تقديم الصلاة هو السنة (يا أباسعيد قد ترك ما تعلم) أي من تقديم الصلاة على الخطبة، وقد أتينا بما هو خير من ذلك، ولذلك أجابه بقوله: لا تأتون بخير مما أعلم، لأني أعلم سنة رسول الله ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين بعده (كلا) كلمة ردع (ثلاث مرار) راءين أي قال أبوسعيد ذلك ثلاث مرات، وإنما كرره لينزجر عن إحداثه (ثم انصرف) أي أبوسعيد من جهة المنبر إلى جهة الصلاة؛ لما في رواية البخاري أنه صلى معه وكلمه في ذلك بعد ذلك، ولفظه: فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي، فجبذت بثوبه، فجبذني فارتفع، فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيرتم والله، فقال: أباسعيد قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة – انتهى. فيه أن الخطبة على الأرض عن قيام أولى من القيام على المنبر، وفيه إنكار العلماء على الأمراء إذا صنعوا ما يخالف السنة، وفيه حلف العالم على صدق ما يخبر به والمباحثة في الأحكام وجواز عمل العالم بخلاف الأولى إذا لم يوافقه الحاكم على الأولى؛ لأن أباسعيد حضر الخطبة ولم ينصرف، فيستدل به على أن البداءة بالصلاة فيها ليس بشرط في صحتها، والله أعلم. (رواه مسلم) أي بهذا السياق، ورواه البخاري بمعناه بزيادة، وأخرجه أيضاً البيهقي (ج٣ ص٢٨٠، ٢٩٧) . هذا وقد بقيت مسائل من باب العيدين لم يذكر المصنف أحاديثها، وهي مما لا غنى عنه للطالب، ولنذكر طائفة من هذه المسائل مع الإشارة إلى أحاديثها وآثارها، ومن أحب البسط والتفصيل رجع إلى مظانها من كتب الفقة الجامع وشروح الحديث كالمغني لابن قدامة والروضة الندية والنيل، فمنها أنه يستحب الاغتسال للعيدين بالإجماع، وقد ورد فيه حديثان ضعيفان، حديث ابن عباس عند ابن ماجه، وحديث الفاكه بن سعد عند البزار والبغوي وابن قانع وعبد الله بن أحمد في زيادات المسند، ورواه البزار من حديث أبي رافع، وسنده ضعيف أيضاً، وفي الباب من الموقوف عن علي رواه الشافعي، وعن ابن عمر رواه مالك، ووقت الغسل بعد طلوع الفجر، وقيل: قبل

стр. 2033

.......................... ــ الفجر وبعده، وهو لليوم فيستوي فيه الذاهب إلى الصلاة والقاعد، ويندب لبس أحسن الثياب والتطيب بأجود الأطياب، لما روي فيه من حديث الحسن بن علي عند الطبراني في الكبير والحاكم، ولحديث جابر عند ابن خزيمة وحديث ابن عباس عند الطبراني في الأوسط، ومنها أنه يستحب أن يخرج إلى العيدين ماشياً وعليه السكينة والوقار؛ لعموم قوله: ((إذا أتيتم الصلاة فأتوها وأنتم تمشون)) ، ولحديث علي عند الترمذي وابن ماجه وحديث عمر وسعد القرظ عند ابن ماجه وحديث سعد بن أبي وقاص عند البزار، وهذه الأحاديث الأربعة ضعيفة، وإن كان له عذر أو كان مكانه بعيداً فركب فلا بأس، ومال البخاري إلى التسوية بين المشي والركوب، كما يدل عليه تبويبه؛ لما رأى من عدم صحة الأحاديث في المشي فرجع إلى الأصل في التوسعة، ومنها أنه يشرع التكبير في العيدين عند الجماهير، وهو واجب فيهما عند بعض العلماء، والأكثر على أنه سنة، وهو الراجح لعدم ما يدل على الوجوب فيبقى على الأصل، ومنها أنه يستحب أن يكبر في طريق العيدين ويجهر بالتكبير إلى أن يصلي؛ لحديث ابن عمر عند الدارقطني والحاكم والبيهقي مرفوعاً وموقوفاً وصحح البيهقي وقفه. قال الحاكم: هذه سنة تدولها أئمة الحديث، وقد صحت به الرواية عن ابن عمر وغيره من الصحابة، وفي الصغير والأوسط للطبراني عن أبي هريرة مرفوعاً: ((زينوا أعيادكم بالتكبير)) ، قال الحافظ: إسناده غريب، وقال الهيثمي: فيه عمر بن راشد، ضعفه أحمد وابن معين والنسائي، وقال العجلي: لا بأس به، وفي الباب عن الزهري مرسلاً عند أبي بكر النجاد وابن أبي شيبة. قال ابن الهمام: الخلاف في الجهر بالتكبير في الفطر لا في أصله؛ لأنه داخل في عموم ذكر الله تعالى، فعندهما يجهر به كالأضحى وعنده لا يجهر، وعن أبي حنيفة كقولهما – انتهى. ومنها أنه يستحب عند كثير من أهل العلم أن يفتتح الخطبة بتسع تكبيرات تترى، والثانية بسبع تكبيرات تترى، أخرجه البيهقي وابن أبي شيبة من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: السنة أن تفتتح ... الخ، وهو من فقهاء التابعين، وليس قول التابعي من السنة ظاهراً في سنة النبي ﷺ ، وقال ابن القيم: وأما قول كثير من الفقهاء أنه تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار وخطبة العيدين بالتكبير فليس معهم فيها سنة عن النبي ﷺ البتة، والسنة تقتضي خلافه، وهو افتتاح جميع الخطب بالحمد – انتهى. ويستحب أن يكثر التكبير في أثناء الخطبة، لما روى ابن ماجه بسند ضعيف عن سعد بن قرظ المؤذن قال: كان النبي ﷺ يكبر بين أضعاف الخطبة يكثر التكبير في خطبة العيدين، وصفة التكبير أن يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً. أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سلمان، وقيل: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. أخرجه الدارقطني عن جابر مرفوعاً، وقيل غير ذلك، وهو يدل على التوسعة في الأمر، وإطلاق الآية يقتضي ذلك. ومنها أنه إذا أدرك الإمام في التشهد جلس معه فإذا سلم الإمام قام فصلى ركعتين يأتي فيهما بالتكبير؛ لأنه أدرك بعض الصلاة فقضاها على صفتها كسائر الصلوات.

стр. 2034

(٤٨) باب في الأضحية ــ ومنها أن خطبتي العيدين سنة لا يجب حضورها ولا استماعها، لما روى عبد الله بن السائب قال: شهدت مع رسول الله ﷺ العيد فلما قضى الصلاة قال: ((إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب)) . أخرجه النسائي وابن ماجه، ورواه أبوداود وقال: مرسل، وقال النسائي: هذا خطأ، والصواب مرسل، قال المجد بن تيمية: فيه بيان أن الخطبة سنة، إذ لو وجبت وجب الجلوس لها، قال الشوكاني: قد اتفق الموجبون لصلاة العيد وغيرهم على عدم وجوب خطبته، ولا أعرف قائلاً يقول بوجوبها – انتهى. (باب في الأضحية) بضم الهمزة وكسرها، وهي اسم للمذبوح يوم النحر، قال الأصمعي: فيها أربع لغات: الأولى والثانية: أُضحيّة وإِضحيّة – بضم الهمزة وكسرها – وجمعها أضاحي بتشديد الياء وتخفيفها. والثالثة: ضَحِيّة – بفتح الضاد بعد حذف الهمزة – وجمعها ضحايا، كهدية وهدايا، والرابعة: أضحاة – بفتح الهمزة – والجمع أضحى كأرطاة وأرطى، وبها سمي يوم الأضحى. قال القاضي: وقيل: سميت بذلك لأنها تفعل في وقت الضحى، وهو ارتفاع النهار. قال النووي: وفي الأضحى لغتان: التذكير لغة قيس، والتأنيث لغة تميم، وهو منصرف. وقال الطيبي: الأضحية ما يذبح يوم النحر على وجه القربة، وبه سمي يوم الأضحى، ويقال: ضحى بكبش أو غيره إذا ذبحه وقت الضحى من أيام الأضحى، ثم كثر حتى قيل ذلك ولو ذبح آخر النهار – انتهى. والأصل في مشروعيتها الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: ٢] أي صل صلاة العيد وانحر النسك أي الأضحية، كما قاله جمع من المفسرين، وأما السنة فما روي في ذلك من أحاديث الباب، وهي متواترة من جهة المعنى؛ لأنها مشتركة في أمر واحد، وهو مشروعية الأضحية، وأما الإجماع فهو ظاهر لا خلاف في كونها من شرائع الدين، وقد تواتر عمل المسلمين بذلك من زمن النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وهي من سنة إبراهيم – ﵇ – لقوله تعالى: ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾ [الصافات: ١٠٧] ، واختلف هل هي سنة أو واجبة؟ فذهب أكثر أهل العلم إلى أنها سنة مؤكدة غير واجبة، روي ذلك عن أبي بكر وعمر وبلال وأبي مسعود البدري، وبه قال ابن المسيب وعلقمة والأسود وعطاء والشافعي وأحمد وإسحاق وأبوثور وابن المنذر وأبويوسف ومحمد وداود والبخاري وغيرهم. قال ابن حزم: لا يصح عن أحد من الصحابة أنها واجبة، وصح أنها غير واجبة عن الجمهور، ولا خلاف في كونها من شرائع الدين. وقال ربيعة ومالك والثوري والأوزاعي والليث وأبوحنيفة: هي واجبة على الموسر، والمشهور عن أبي حنيفة أنه قال: إنما نوجبها على مقيم يملك نصاباً. قال الحافظ في الفتح: هي عند الشافعية والجمهور سنة مؤكدة على الكفاية، وفي وجه للشافعية من فروض الكفاية، وعن أبي حنيفة: تجب على المقيم الموسر، وعن مالك مثله في رواية، لكن لم يقيد بالمقيم، ونقل عن الأوزاعي وربيعة والليث مثله، وخالف أبويوسف من الحنفية، وأشهب من المالكية،

стр. 2035

............................ ــ فوافقا الجمهور. وقال أحمد: يكره تركها مع القدرة، وعنه: واجبة، وعن محمد بن الحسن: هي سنة غير مرخص في تركها، قال الطحاوي: وبه نأخذ، وليس في الآثار ما يدل على وجوبها – انتهى. واستدل من قال بالوجوب بقوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ والأمر للوجوب، وأجيب بأن المراد تخصيص الرب بالنحر لا للأصنام، فالأمر متوجه إلى ذلك؛ لأنه القيد الذي يتوجه إليه الكلام ولا شك في وجوب تخصيص لله بالصلاة والنحر، واستدلوا أيضاً بحديث: ((من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا)) ، أخرجه أحمد وابن ماجه والبيهقي وابن أبي شيبة وأبويعلى والدارقطني والحاكم من حديث أبي هريرة. قال الحافظ في الفتح: رجاله ثقات، لكن اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف أشبه بالصواب، قاله الطحاوي وغيره ومع ذلك فليس صريحاً في الإيجاب – انتهى. وقال ابن الجوزي في التحقيق: هذا الحديث لا يدل على الوجوب، كما في حديث ((من أكل الثوم فلا يقربن مصلانا)) ، واستدلوا أيضاً بحديث مخنف بن سليم الآتي في باب العتيرة، ولا حجة فيه؛ لأن الصيغة ليست صريحة في الوجوب المطلق، وقد ذكر معها العتيرة وليس بواجبة عند من قال بوجوب الأضحية. وقال البيهقي في المعرفة: إن صح هذا فالمراد به على طريق الاستحباب، بدليل أنه قرن بين الأضحية والعتيرة، والعتيرة غير واجبة بالإجماع – انتهى. وقال ابن قدامة في المغني: حديث أبي هريرة وحديث مخنف بن سليم محمولان على تأكيد الاستحباب، كما قال: ((غسل الجمعة واجب على كل محتلم)) ، وقال: ((من أكل من هاتين الشجرتين فلا يقربن مصلانا)) ، واستدلوا أيضاً بحديث ابن عمر قال: أقام رسول الله ﷺ عشر سنين يضحي، أخرجه الترمذي، وفي سنده حجاج بن أرطاة، وهو كثير الخطأ والتدليس، ورواه عن نافع بالعنعنة، قال القاري: مواظبته دليل الوجوب، وفيه أن مجرد مواظبته – ﵇ – على فعل ليس دليل الوجوب، كما لا يخفى، واستدلوا أيضاً بما روي في حديث البراء وأنس عند الشيخين، وحديث جابر عند أحمد ومسلم من الأمر بإعادة الذبح لمن ذبح قبل الصلاة، قالوا: الأمر ظاهر في الوجوب، وأجيب بأن المقصود بيان شرط الأضحية المشروعة، فهو كما قال لمن صلى راتبة الضحى قبل طلوع الشمس: إذا طلعت الشمس فأعد صلاتك، واستدل من قال بعدم الوجوب بحديث أم سلمة الآتي. قال البيهقي في المعرفة: قال الشافعي في هذا الحديث دليل على عدم وجوب الأضحية؛ لأنه علقه بالإرادة، والإرادة تنافي الوجوب، وقال الشوكاني في حديث أم سلمة: ربما كان صالحاً لصرف الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب لقوله: ((وأراد أحدكم أن يضحي)) ؛ لأن التفويض إلى الإرادة يشعر بعدم الوجوب، واستدلوا أيضاً بحديث ابن عباس رفعه: ((ثلاث هن علي فرائض ولكم تطوع: النحر والوتر وركعتا الضحى)) أخرجه البزار وابن عدي والحاكم والبيهقي وغيرهم. وأجيب بأن هذا الحديث ضعيف غير صالح للاحتجاج، وقد صرح الحافظ بأن الحديث ضعيف من جمع طرقه، واستدلوا أيضاً بما أخرجه البيهقي عن أبي بكر وعمر أنهما كانا لا يضحيان كراهة أن يظن من رآهما
следующие страницы →