Полный текст (4 545 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
قد بنى منبراً من طين ولبن،
ــ
والعسكري وابن حبان وابن منده وابن عبد البر وغيرهم. وقدم المدينة هو وإخوته بعده فسكنها وحالف بني جمح، وروى ابن سعد بإسناد صحيح إلى نافع قال: كان اسم كثير بن الصلت قليلاً فسماه عمر كثيراً، ورواه أبوعوانة فوصله بذكر ابن عمر، ورفعه بذكر النبي ﷺ ، والأول أصح، وقد صح سماه كثير من عمر فمن بعده وكان له شرف وذكر، وهو ابن أخي جَمْدٍ أحد ملوك بني كندة الذين قتلوا في الردة، وقد ذكر أبوه الصلت في الصحابة لابن منده، وفي صحة ذلك نظر – انتهى. وقال الذهبي في التجريد: الصلت الكندي مختلف في صحبته – انتهى. قلت: وذكر الحافظ كثيراً هذا في الإصابة في القسم الثاني من حرب الكاف فيمن له رؤية اعتماداً على رواية أبي عوانة وشاهدها الذي ذكره الفاكهي، قال: ولهذا ساغ ذكره في هذا القسم، فكأنه كان ولد قبل أن يهاجر أبوه وهاجر به معه ثم رجع إلى بلده ثم هاجر كثير – انتهى. (قد بنى منبراً من طين ولبن) بكسر الباء الآجر قبل الطبخ لتكون الخطبة عليه، واختص كثير ببناء المنبر بالمصلى لأن داره كانت مجاورة للمصلى، كما في حديث ابن عباس عند البخاري أنه ﷺ أتى في يوم العيد إلى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت. قال ابن سعد: كانت دار كثير بن الصلت قبلة المصلى في العيدين، وهي تطل على بطن بطحان الوادي الذي في وسط المدينة – انتهى. قال السمهودي: وليس المراد أنها متصلة بوادي بطحان، بل بينهما بُعد، ودار كثير هذه كانت قبله للوليد بن عتبة ثم اشتهرت بكثير بن الصلت، وهو من التابعين، ولد في زمن النبي ﷺ فوقع التعريف بداره ليقرب إلى ذهن السامع فهم ذلك، وليس كثير بن الصلت هو الذي اختطها خلافاً لما وقع في كلام الحافظ ابن حجر، حيث قال: وإنما بنى كثير بن الصلت داره بعد النبي ﷺ بمدة، لكنها لما صارت شهيرة في تلك البقعة وصف المصلى بمجاورتها، فتعريفه بكونه عند دار كثير بن الصلت على سبيل التقريب للسامع، وإلا فداره محدثة بعد النبي ﷺ . وفيه دليل على أنه لم يكن في المصلى في زمانه ﷺ منبر، وأن أول من اتخذه مروان، وقد وقع في المدونة لمالك ورواه عمر بن شبة عن أبي غسان عنه قال: أول من خطب الناس في المصلى على المنبر عثمان بن عفان كلمهم على منبر من طين بناه كثير بن الصلت، وهذا معضل وما في الصحيحين أصح، فقد رواه البخاري نحو رواية مسلم، وقد ذكرنا لفظه في شرح أول حديث الباب، ويحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك مرة ثم تركه حتى أعاده مروان ولم يطلع على ذلك أبوسعيد، كذا في الفتح، ولا يخالف هذا ما روى أحمد وأبوداود وابن ماجه عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه قال: أخرج مروان المنبر يوم عيد وبدأ بالخطبة قبل الصلاة فقام إليه رجل فقال: يا مروان خالفت السنة ... الحديث؛ لأنه يمكن الجمع بينهما فلعل مروان لما أنكروا عليه إخراج المنبر ترك إخراجه بعد وأمر ببنائه من لبن وطين بالمصلى، ولا بُعد في أن ينكر عليه تقديم
стр. 2032
فإذا مروان ينازعني يده، كأنه يجرني نحو المنبر وأنا أجره نحو الصلاة، فلما رأيت ذلك منه قلت: أين الابتداء بالصلاة؟ فقال: لا يا أباسعيد! قد ترك ما تعلم، قلت: كلا والذي نفسي بيده لا تأتون بخير مما أعلم – ثلاث مرار – ثم انصرف. رواه مسلم.
ــ
الخطبة على الصلاة مرة بعد أخرى (فإذا مروان) هي كالتي قبلها للمفاجأة، أي فاجأنا مكان المنبر زمان الإتيان والمنازعة (ينازعني) أي يجازبني (يده) بالرفع بدل بعض من ضمير الفاعل وينصب على أنه مفعول ثانٍ (فلما رأيت ذلك) أي عزمه المنجر إلى الإصرار وعدم الانقياد بالانجرار (منه) أي من مروان (قلت) له (أين الابتداء بالصلاة) أي تقديم الصلاة على الخطبة (فقال: لا) أي لا يبتدأ بالصلاة أو لا يعتقد أن تقديم الصلاة هو السنة (يا أباسعيد قد ترك ما تعلم) أي من تقديم الصلاة على الخطبة، وقد أتينا بما هو خير من ذلك، ولذلك أجابه بقوله: لا تأتون بخير مما أعلم، لأني أعلم سنة رسول الله ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين بعده (كلا) كلمة ردع (ثلاث مرار) راءين أي قال أبوسعيد ذلك ثلاث مرات، وإنما كرره لينزجر عن إحداثه (ثم انصرف) أي أبوسعيد من جهة المنبر إلى جهة الصلاة؛ لما في رواية البخاري أنه صلى معه وكلمه في ذلك بعد ذلك، ولفظه: فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي، فجبذت بثوبه، فجبذني فارتفع، فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيرتم والله، فقال: أباسعيد قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة – انتهى. فيه أن الخطبة على الأرض عن قيام أولى من القيام على المنبر، وفيه إنكار العلماء على الأمراء إذا صنعوا ما يخالف السنة، وفيه حلف العالم على صدق ما يخبر به والمباحثة في الأحكام وجواز عمل العالم بخلاف الأولى إذا لم يوافقه الحاكم على الأولى؛ لأن أباسعيد حضر الخطبة ولم ينصرف، فيستدل به على أن البداءة بالصلاة فيها ليس بشرط في صحتها، والله أعلم. (رواه مسلم) أي بهذا السياق، ورواه البخاري بمعناه بزيادة، وأخرجه أيضاً البيهقي (ج٣ ص٢٨٠، ٢٩٧) . هذا وقد بقيت مسائل من باب العيدين لم يذكر المصنف أحاديثها، وهي مما لا غنى عنه للطالب، ولنذكر طائفة من هذه المسائل مع الإشارة إلى أحاديثها وآثارها، ومن أحب البسط والتفصيل رجع إلى مظانها من كتب الفقة الجامع وشروح الحديث كالمغني لابن قدامة والروضة الندية والنيل، فمنها أنه يستحب الاغتسال للعيدين بالإجماع، وقد ورد فيه حديثان ضعيفان، حديث ابن عباس عند ابن ماجه، وحديث الفاكه بن سعد عند البزار والبغوي وابن قانع وعبد الله بن أحمد في زيادات المسند، ورواه البزار من حديث أبي رافع، وسنده ضعيف أيضاً، وفي الباب من الموقوف عن علي رواه الشافعي، وعن ابن عمر رواه مالك، ووقت الغسل بعد طلوع الفجر، وقيل: قبل
стр. 2033
..........................
ــ
الفجر وبعده، وهو لليوم فيستوي فيه الذاهب إلى الصلاة والقاعد، ويندب لبس أحسن الثياب والتطيب بأجود الأطياب، لما روي فيه من حديث الحسن بن علي عند الطبراني في الكبير والحاكم، ولحديث جابر عند ابن خزيمة وحديث ابن عباس عند الطبراني في الأوسط، ومنها أنه يستحب أن يخرج إلى العيدين ماشياً وعليه السكينة والوقار؛ لعموم قوله: ((إذا أتيتم الصلاة فأتوها وأنتم تمشون)) ، ولحديث علي عند الترمذي وابن ماجه وحديث عمر وسعد القرظ عند ابن ماجه وحديث سعد بن أبي وقاص عند البزار، وهذه الأحاديث الأربعة ضعيفة، وإن كان له عذر أو كان مكانه بعيداً فركب فلا بأس، ومال البخاري إلى التسوية بين المشي والركوب، كما يدل عليه تبويبه؛ لما رأى من عدم صحة الأحاديث في المشي فرجع إلى الأصل في التوسعة، ومنها أنه يشرع التكبير في العيدين عند الجماهير، وهو واجب فيهما عند بعض العلماء، والأكثر على أنه سنة، وهو الراجح لعدم ما يدل على الوجوب فيبقى على الأصل، ومنها أنه يستحب أن يكبر في طريق العيدين ويجهر بالتكبير إلى أن يصلي؛ لحديث ابن عمر عند الدارقطني والحاكم والبيهقي مرفوعاً وموقوفاً وصحح البيهقي وقفه. قال الحاكم: هذه سنة تدولها أئمة الحديث، وقد صحت به الرواية عن ابن عمر وغيره من الصحابة، وفي الصغير والأوسط للطبراني عن أبي هريرة مرفوعاً: ((زينوا أعيادكم بالتكبير)) ، قال الحافظ: إسناده غريب، وقال الهيثمي: فيه عمر بن راشد، ضعفه أحمد وابن معين والنسائي، وقال العجلي: لا بأس به، وفي الباب عن الزهري مرسلاً عند أبي بكر النجاد وابن أبي شيبة. قال ابن الهمام: الخلاف في الجهر بالتكبير في الفطر لا في أصله؛ لأنه داخل في عموم ذكر الله تعالى، فعندهما يجهر به كالأضحى وعنده لا يجهر، وعن أبي حنيفة كقولهما – انتهى. ومنها أنه يستحب عند كثير من أهل العلم أن يفتتح الخطبة بتسع تكبيرات تترى، والثانية بسبع تكبيرات تترى، أخرجه البيهقي وابن أبي شيبة من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: السنة أن تفتتح ... الخ، وهو من فقهاء التابعين، وليس قول التابعي من السنة ظاهراً في سنة النبي ﷺ ، وقال ابن القيم: وأما قول كثير من الفقهاء أنه تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار وخطبة العيدين بالتكبير فليس معهم فيها سنة عن النبي ﷺ البتة، والسنة تقتضي خلافه، وهو افتتاح جميع الخطب بالحمد – انتهى. ويستحب أن يكثر التكبير في أثناء الخطبة، لما روى ابن ماجه بسند ضعيف عن سعد بن قرظ المؤذن قال: كان النبي ﷺ يكبر بين أضعاف الخطبة يكثر التكبير في خطبة العيدين، وصفة التكبير أن يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً. أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سلمان، وقيل: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. أخرجه الدارقطني عن جابر مرفوعاً، وقيل غير ذلك، وهو يدل على التوسعة في الأمر، وإطلاق الآية يقتضي ذلك. ومنها أنه إذا أدرك الإمام في التشهد جلس معه فإذا سلم الإمام قام فصلى ركعتين يأتي فيهما بالتكبير؛ لأنه أدرك بعض الصلاة فقضاها على صفتها كسائر الصلوات.
стр. 2034
(٤٨) باب في الأضحية
ــ
ومنها أن خطبتي العيدين سنة لا يجب حضورها ولا استماعها، لما روى عبد الله بن السائب قال: شهدت مع رسول الله ﷺ العيد فلما قضى الصلاة قال: ((إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب)) . أخرجه النسائي وابن ماجه، ورواه أبوداود وقال: مرسل، وقال النسائي: هذا خطأ، والصواب مرسل، قال المجد بن تيمية: فيه بيان أن الخطبة سنة، إذ لو وجبت وجب الجلوس لها، قال الشوكاني: قد اتفق الموجبون لصلاة العيد وغيرهم على عدم وجوب خطبته، ولا أعرف قائلاً يقول بوجوبها – انتهى.
(باب في الأضحية) بضم الهمزة وكسرها، وهي اسم للمذبوح يوم النحر، قال الأصمعي: فيها أربع لغات: الأولى والثانية: أُضحيّة وإِضحيّة – بضم الهمزة وكسرها – وجمعها أضاحي بتشديد الياء وتخفيفها. والثالثة: ضَحِيّة – بفتح الضاد بعد حذف الهمزة – وجمعها ضحايا، كهدية وهدايا، والرابعة: أضحاة – بفتح الهمزة – والجمع أضحى كأرطاة وأرطى، وبها سمي يوم الأضحى. قال القاضي: وقيل: سميت بذلك لأنها تفعل في وقت الضحى، وهو ارتفاع النهار. قال النووي: وفي الأضحى لغتان: التذكير لغة قيس، والتأنيث لغة تميم، وهو منصرف. وقال الطيبي: الأضحية ما يذبح يوم النحر على وجه القربة، وبه سمي يوم الأضحى، ويقال: ضحى بكبش أو غيره إذا ذبحه وقت الضحى من أيام الأضحى، ثم كثر حتى قيل ذلك ولو ذبح آخر النهار – انتهى. والأصل في مشروعيتها الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: ٢] أي صل صلاة العيد وانحر النسك أي الأضحية، كما قاله جمع من المفسرين، وأما السنة فما روي في ذلك من أحاديث الباب، وهي متواترة من جهة المعنى؛ لأنها مشتركة في أمر واحد، وهو مشروعية الأضحية، وأما الإجماع فهو ظاهر لا خلاف في كونها من شرائع الدين، وقد تواتر عمل المسلمين بذلك من زمن النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وهي من سنة إبراهيم – ﵇ – لقوله تعالى: ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾ [الصافات: ١٠٧] ، واختلف هل هي سنة أو واجبة؟ فذهب أكثر أهل العلم إلى أنها سنة مؤكدة غير واجبة، روي ذلك عن أبي بكر وعمر وبلال وأبي مسعود البدري، وبه قال ابن المسيب وعلقمة والأسود وعطاء والشافعي وأحمد وإسحاق وأبوثور وابن المنذر وأبويوسف ومحمد وداود والبخاري وغيرهم. قال ابن حزم: لا يصح عن أحد من الصحابة أنها واجبة، وصح أنها غير واجبة عن الجمهور، ولا خلاف في كونها من شرائع الدين. وقال ربيعة ومالك والثوري والأوزاعي والليث وأبوحنيفة: هي واجبة على الموسر، والمشهور عن أبي حنيفة أنه قال: إنما نوجبها على مقيم يملك نصاباً. قال الحافظ في الفتح: هي عند الشافعية والجمهور سنة مؤكدة على الكفاية، وفي وجه للشافعية من فروض الكفاية، وعن أبي حنيفة: تجب على المقيم الموسر، وعن مالك مثله في رواية، لكن لم يقيد بالمقيم، ونقل عن الأوزاعي وربيعة والليث مثله، وخالف أبويوسف من الحنفية، وأشهب من المالكية،
стр. 2035
............................
ــ
فوافقا الجمهور. وقال أحمد: يكره تركها مع القدرة، وعنه: واجبة، وعن محمد بن الحسن: هي سنة غير مرخص في تركها، قال الطحاوي: وبه نأخذ، وليس في الآثار ما يدل على وجوبها – انتهى. واستدل من قال بالوجوب بقوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ والأمر للوجوب، وأجيب بأن المراد تخصيص الرب بالنحر لا للأصنام، فالأمر متوجه إلى ذلك؛ لأنه القيد الذي يتوجه إليه الكلام ولا شك في وجوب تخصيص لله بالصلاة والنحر، واستدلوا أيضاً بحديث: ((من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا)) ، أخرجه أحمد وابن ماجه والبيهقي وابن أبي شيبة وأبويعلى والدارقطني والحاكم من حديث أبي هريرة. قال الحافظ في الفتح: رجاله ثقات، لكن اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف أشبه بالصواب، قاله الطحاوي وغيره ومع ذلك فليس صريحاً في الإيجاب – انتهى. وقال ابن الجوزي في التحقيق: هذا الحديث لا يدل على الوجوب، كما في حديث ((من أكل الثوم فلا يقربن مصلانا)) ، واستدلوا أيضاً بحديث مخنف بن سليم الآتي في باب العتيرة، ولا حجة فيه؛ لأن الصيغة ليست صريحة في الوجوب المطلق، وقد ذكر معها العتيرة وليس بواجبة عند من قال بوجوب الأضحية. وقال البيهقي في المعرفة: إن صح هذا فالمراد به على طريق الاستحباب، بدليل أنه قرن بين الأضحية والعتيرة، والعتيرة غير واجبة بالإجماع – انتهى. وقال ابن قدامة في المغني: حديث أبي هريرة وحديث مخنف بن سليم محمولان على تأكيد الاستحباب، كما قال: ((غسل الجمعة واجب على كل محتلم)) ، وقال: ((من أكل من هاتين الشجرتين فلا يقربن مصلانا)) ، واستدلوا أيضاً بحديث ابن عمر قال: أقام رسول الله ﷺ عشر سنين يضحي، أخرجه الترمذي، وفي سنده حجاج بن أرطاة، وهو كثير الخطأ والتدليس، ورواه عن نافع بالعنعنة، قال القاري: مواظبته دليل الوجوب، وفيه أن مجرد مواظبته – ﵇ – على فعل ليس دليل الوجوب، كما لا يخفى، واستدلوا أيضاً بما روي في حديث البراء وأنس عند الشيخين، وحديث جابر عند أحمد ومسلم من الأمر بإعادة الذبح لمن ذبح قبل الصلاة، قالوا: الأمر ظاهر في الوجوب، وأجيب بأن المقصود بيان شرط الأضحية المشروعة، فهو كما قال لمن صلى راتبة الضحى قبل طلوع الشمس: إذا طلعت الشمس فأعد صلاتك، واستدل من قال بعدم الوجوب بحديث أم سلمة الآتي. قال البيهقي في المعرفة: قال الشافعي في هذا الحديث دليل على عدم وجوب الأضحية؛ لأنه علقه بالإرادة، والإرادة تنافي الوجوب، وقال الشوكاني في حديث أم سلمة: ربما كان صالحاً لصرف الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب لقوله: ((وأراد أحدكم أن يضحي)) ؛ لأن التفويض إلى الإرادة يشعر بعدم الوجوب، واستدلوا أيضاً بحديث ابن عباس رفعه: ((ثلاث هن علي فرائض ولكم تطوع: النحر والوتر وركعتا الضحى)) أخرجه البزار وابن عدي والحاكم والبيهقي وغيرهم. وأجيب بأن هذا الحديث ضعيف غير صالح للاحتجاج، وقد صرح الحافظ بأن الحديث ضعيف من جمع طرقه، واستدلوا أيضاً بما أخرجه البيهقي عن أبي بكر وعمر أنهما كانا لا يضحيان كراهة أن يظن من رآهما
стр. 2036
﴿الفصل الأول﴾
١٤٦٨- (١) عن أنس قال: ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين أقرنين،
ــ
أنها واجبة، وكذلك أخرج عن ابن عباس وبلال وأبي مسعود وابن عمر، وقد ظهر بما ذكرنا رجحان قول من ذهب إلى أن الأضحية سنة مؤكدة غير واجبة، يكره تركها لمن يقدر عليها، ووهن قول من ذهب إلى وجوبها، وذهب الشوكاني إلى وجوبها إذ قال في السيل الجرار بعد ذكر دلائل الوجوب: وبهذا تعرف أن الحق ما قاله الأقلون من كونها واجبة، ولكن هذا الوجوب مقيد بالسعة، فمن لا سعة له لا أضحية عليه – انتهى. واعلم أنه يتعين عندنا التضحية وإراقة الدم سواء كانت الأضحية سنة أو واجبة، ولا يكفي الصدقة بقيمتها؛ لأنه لم ينقل ولو بسند ضعيف أن النبي ﷺ والخلفاء بعده آثروا الصدقة على الأضحية قط، ولأن الصدقة بقيمتها تفضي إلى ترك شعار عظيم من شعائر الإسلام، فإراقة الدم والذبح متعين لمن يقدر عليه، والله تعالى أعلم.
١٤٦٨- قوله (ضحى) من التضحية، وفي رواية: كان يضحي، وفيها إشعار بالمداومة على ذلك، فتمسك به من قال الضأن في الأضحية أفضل ضرورة أن النبي ﷺ لا يداوم إلا على ما هو الأفضل، وسيأتي الكلام في ذلك (بكبشين) الكبش – بفتح فسكون – فحل الضأن في أي سن كان، واختلف في ابتدائه، فقيل: إذا أثنى، وقيل: إذا أربع – أي خرجت رباعيته -، واستدل به على اختيار العدد في الأضحية، ومن ثم قال الشافعية: إن الأضحية بسبع شياه أفضل من البعير؛ لأن الدم المراق فيها أكثر والثواب يزيد بحسبه، وأن من أراد أن يضحي بأكثر من واحد يعجله، وحكى الروياني من الشافعية: التفريق على أيام النحر، قال النووي: هذا أرفق بالمساكين، لكنه خلاف السنة، كذا قال. والحديث دال على اختيار التثنية، ولا يلزم منه أن من أراد أن يضحي بعدد فضحى أول يوم باثنين ثم فرق البقية على أيام النحر أن يكون مخالفاً للسنة، قاله الحافظ، وفيه أن الذكر في الأضحية أفضل من الأنثى؛ لأن لحمه أطيب (أملحين) بالحاء المهملة تثنية أملح من الملحة، وهي بياض يخالطه سواد كالملح محركة، كذا في القاموس، وفي معنى الأملح أقوال؛ قال العراقي: أصحها أنه الذي فيه بياض وسواد، والبياض أكثر، وقيل: هو الأبيض الخالص، وبه تمسك الشافعية في تفضيل الأبيض في الأضحية، وقيل: هو الأغبر أي الأبيض المشوب بشيء من السواد، وقيل: هو الأسود الذي يعلوه حمرة، وقيل: هو الذي يخالط بياضه حمرة، وقيل: هو الأبيض الذي في خلال صوفه الأبيض طبقات سود، واختار هذه الصفة لحسن منظره. وقيل: لشحمه وطيب لحمه (أقرنين) أي لكل منهما قرنان معتدلان، قاله الحافظ. وقال النووي: الأقرن الذي له قرنان حسنان، وقيل: طويل القرنين أو عظيمهما، وقيل: سالم القرنين، وفيه استحباب التضحية بالأقرن،
стр. 2037
ذبحهما بيده وسمى وكبر، قال: رأيته واضعاً قدمه على صفاحهما، ويقول: بسم الله والله أكبر.
ــ
وأنه أفضل من الأجم مع الاتفاق على جواز التضحية بالأجم، وهو الذي لم يخلق له قرن، واستدل به على مشروعية استحسان الأضحية صفة ولوناً، قال الماوردي: إن اجتمع حسن المنظر مع طيب المخبر في اللحم فهو أفضل، وإن انفردا فطيب المخبر أولى من حسن المنظر. وقال أكثر الشافعية: أفضلها البيضاء ثم الصفراء ثم الغبراء ثم البلقاء ثم السوداء (ذبحهما بيده) وهو المستحب لمن يعرف آداب الذبح ويقدر عليه، وإلا فليحضر عند الذبح؛ لما روى الحاكم والبيهقي بسند ضعيف عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال لفاطمة: ((قومي إلى أضحيتك فاشهديها، فإنه يغفر لك عند أول قطرة من دمها كل ذنب عملتيه ... )) الحديث، وروي أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري أخرجه الحاكم، وفيه عطية، وقد قال أبوحاتم: إنه حديث منكر، ورواه الحاكم أيضاً، والبيهقي من حديث علي، وفيه عمرو بن خالد الواسطي، وهو متروك، قال المظهر: في الحديث أن السنة أن يذبح كل واحد أضحيته بيده؛ لأن الذبح عبادة والعبادة أفضلها أن يباشر كل بنفسه، ولو وكل غيره جاز، أي لأن النبي ﷺ استناب من نحر باقي بدنه بعد ثلاث وستين، وهذا لا شك فيه، قال الحافظ: وقد اتفقوا على جواز التوكيل فيها للقادر، لكن عند المالكية رواية بعدم الإجزاء مع القدرة، وعند أكثرهم يكره، لكن يستحب أن يشهدها، ومذهب الشافعية أن الأولى للمرأة أن توكل في ذبح أضحيتها ولا تباشر الذبح بنفسها (وسمى وكبر) أي قال: بسم الله والله أكبر. والواو الأولى لمطلق الجمع، فإن التسمية قبل الذبح، وفيه مشروعية التسمية عند الذبح، وهي شرط في صفة الذبح مع الذكر، وتسقط بالسهو والنسيان عند مالك والثوري وأبي حنيفة، وهو المشهور من مذهب أحمد، وهو المروي عن ابن عباس، وعن أحمد: أنها مستحبة غير واجبة في عمد ولا سهو، وبه قال الشافعي. والقول الراجح عندنا هو ما ذهب إليه الجمهور. وأما التكبير فهو مستحب عند الجميع، قال ابن قدامة: لا نعلم في استحباب التكبير مع التسمية خلافاً، ولا في أن التسمية مجزئة – انتهى. ثم الجمهور على أنه تكره الصلاة على النبي ﷺ عند الذبح، وخالفهم الشافعي وقال: إنه يستحب، والراجح عندنا قول الجمهور. (قال) أي أنس (رأيته) ﷺ (واضعاً) حال (قدمه) بالنصب على صفاحهما – بكسر الصاد المهملة وتخفيف الفاء وآخره حاء مهملة – جمع صفح – بفتح فسكون -، وهو الجنب. وقيل: جمع صفحة وهو عرض الوجه، وقيل: صفحة كل شيء جانبه، وجمع وإن كان وضعه ﷺ قدمه إنما كان على صفحتيهما إما باعتبار أن الصفحتين من كل واحد في الحقيقة موضوع عليهما القدم المبارك؛ لأن إحداهما مما يلي الأخرى مما يلي الرجل أو هو من باب قطعت رؤس الكبشين. قال العيني: لعله على مذهب من قال: إن أقل الجمع اثنان، كقوله تعالى: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ [التحريم: ٤] ، فكأنه قال: صفحتيهما، وإضافة المثنى إلى المثنى تفيد التوزيع، فكان معناه وضع رجله على صفحة كل منهما، وقال الحافظ: الصفاح الجوانب، والمراد الجانب الواحد
стр. 2038
متفق عليه.
١٤٦٩- (٢) وعن عائشة أن رسول الله ﷺ أمر بكبشين أقرن، يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد، فأتي به ليضحي به، قال: ((يا عائشة! هلمي المدية، ثم قال: اشحذيها بحجر)) ،
ــ
من وجه الأضحية وإنما ثنى إشارة إلى أنه فعل ذلك في كل منهما فهو من إضافة الجمع إلى المثنى بإرادة التوزيع، وفعل ذلك ليكون أثبت له وأمكن لئلا تضطرب الذبيحة برأسها فتمنعه من إكمال الذبح أو تؤذيه أو تنجسه، قال الحافظ: وفيه استحباب وضع الرجل على صفحة عنق الأضحية الأيمن، واتفقوا على أن إضجاعها يكون على الجانب الأيسر، فيضع رجله على الجانب الأيمن ليكون أسهل على الذبح في أخذ السكين باليمين وإمساك رأسها بيده اليسار – انتهى. وقال ابن القاسم: الصواب أن يضجعها على شقها الأيسر وعلى ذلك عمل المسلمين، فإن جهل فأضجعها على الشق الآخر لم يحرم أكلها. (متفق عليه) فيه أن قوله: ويقول بسم الله والله أكبر، من أفراد مسلم دون البخاري، والحديث أخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٩ ص٢٥٩ و٢٨٣) وغيرهم.
١٤٦٩- قوله (أمر بكبش) أي بأن يؤتى به إليه (يطأ) الأرض ويمشي (في سواد) أي في قوائمه سواد (ويبرك) أي يتنوخ (في سواد) أي في بطنه وصدره سواد (وينظر في سواد) أي مكحول في عينيه سواد وباقيه أبيض، وهو أجمل، وقيل: ينظر في سواد أي حوالي عينيه سواد، قال النووي: قوله: ((يطأ في سواد ... )) الخ معناه أن قوائمه وبطنه وما حول عينيه سود، وقال الخطابي: يريد أن أظلافه ومواضع البروك منه وما أحاط بملاحظ عينيه من وجهه أسود، وسائر بدنه أبيض – انتهى. وفيه دليل على أنها تستحب التضحية بما كان على هذه الصفة. وأخرج أحمد والترمذي وصححه وأبوداود والنسائي وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري قال: ضحى رسول الله ﷺ بكبش أقرن فحيل يأكل في سواد ويمشي في سواد وينظر في سواد، ولا اختلاف بينهما وبين حديث أنس المتقدم لحملهما على حالين، فكان ما في حديث عائشة وأبي سعيد في مرة أخرى. (فأتي به) أي فجيء بالكبش (ليضحي به) علة لأمره – ﵇ – (هلمي المدية) أي هاتيها، قال الطيبي: بنو تميم تثني وتجمع وتؤنث، وأهل الحجاز يقولون هلم في الكل – انتهى. ومنه قوله تعالى: ﴿قل هلم شهداءكم﴾ [الأنعام: ١٥٠] أي أحضروهم، والمدية – بضم الميم وكسرها وفتحها – وهي السكين، قيل: بضم الميم أصح من الكسر والفتح (أشحذيها) بفتح الحاء المهملة وبالذال المعجمة، أي حدديها (بحجر) من الأحجار، يقال: شَحَذْتُ السيف والسكين، إذا حددته بالمسن
стр. 2039
ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش، فأضجعه ثم ذبحه، ثم قال: ((بسم الله، الله تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد)) ، ثم ضحى به.
ــ
وغيره مما يستخرج به حدها، وكذلك شحثتها – بالثاء -؛ لأن الثاء والذال متقاربان، وهذا موافق لحديث شداد بن أوس عند مسلم في الأمر بإحسان الذبح وإحداد الشفرة، ففيه استحباب إحسان الذبح وكراهة التعذيب كأن يذبح بما في حده ضعف. (وأخذ الكبش فأضجعه) على جنبه الأيسر (ثم ذبحه) أي أراد ذبحه (ثم ضحى به) أي فعل الأضحية بذلك الكبش، قاله القاري. وقال الطيبي: ثم في قوله: "ثم قال: بسم الله" للتراخي في الرتبة وأنها هي المقصودة الأولية، وإلا فالتسمية مقدمة على الذبح، ومن ثم كنى بها عن الذبح في قوله تعالى: ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله فاذكروا اسم الله عليها﴾ [الحج: ٣٦] قال: وقوله: "ثم ضحى به" أي غدى، كما في الأساس يعني غدى الناس به، أي جعله طعام غداء لهم، وقال النووي: هذا الكلام فيه تقديم وتأخير، وتقديره: فأضجعه ثم أخذ في ذبحه قائلاً: بسم الله ... الخ مضحياً به ولفظة " "ثم" ههنا متأولة على ما ذكرته بلا شك، وفيه استحباب إضجاع الغنم في الذبح، وأنها لا تذبح قائمة ولا باركة بل مضجعة؛ لأنه أرفق بها، وبهذا جاءت الأحاديث وأجمع المسلمون عليه، قال: وفي قوله: ((اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد)) دليل لاستحباب قول المضحي حال الذبح مع التسمية والتكبير: اللهم تقبل مني، قال أصحابنا: ويستحب معه: اللهم منك وإليك تقبل مني، فهذا مستحب عندنا وعند الحسن وجماعة، وكرهه أبوحنيفة وكره مالك: اللهم منك وإليك، وقال: هي بدعة – انتهى. وقال ابن قدامة: إن زاد أي على التسمية والتكبير فقال: اللهم هذا منك ولك اللهم تقبل مني أو من فلان فحسن، وبه قال أكثر أهل العلم. وقال أبوحنيفة: يكره أن يذكر اسم غير الله لقول الله تعالى: ﴿وما أهل لغير الله به﴾ [المائدة: ٣] ، ولنا أن النبي ﷺ أتي بكبش ليضحي به فأضجعه ثم قال: اللهم تقبل من محمد وآل محمد وأمة محمد ثم ضحى به. رواه مسلم. وفي حديث جابر – عند أبي داود وابن ماجه والبيهقي – أن النبي ﷺ قال: ((اللهم منك ولك عن محمد وأمته، بسم الله والله أكبر)) ثم ذبح، وهذا نص لا يعرج على خلافه – انتهى. قال الخرقي: وليس عليه أن يقول عند الذبح عمن؛ لأن النية تجزئ. قال ابن قدامة: لا أعلم خلافاً في أن النية تجزئ، وإن ذكر من يضحى عنه فحسن، لما روينا من الحديث. قال الحسن: يقول بسم الله والله أكبر، هذا منك ولك، تقبل من فلان، وكره أهل الرأي هذا، كما ذكرنا – انتهى. وفيه دليل على أنه إذا ذبح واحد عن أهل بيته بشاة تأدت السنة لجميعهم. وبهذا قال أحمد والليث والأوزاعي وإسحاق، وروى ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة، وقال الثوري وأبوحنيفة: لا تجزئ الشاة إلا عن نفس واحدة، والحديث يرد عليهما، وتأويله بإشراك الآل في الثواب خلاف الظاهر، والقول بالنسخ أو التخصيص مردود؛ لأه مجرد دعوى. قال الخطابي في المعالم: قوله ((تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد)) دليل على أن الشاة الواحدة تجزئ عن الرجل وعن أهله وإن كثروا.
стр. 2040
رواه مسلم.
١٤٧٠- (٣) وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تذبحوا إلا مسنة،
ــ
وروي عن ابن عمر وأبي هريرة أنهما كانا يفعلان ذلك، وأجاز مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه - انتهى. وفي الباب أحاديث ذكرها شيخنا في شرح الترمذي (ج٢ ص٣٥٧، ٣٥٨) ، وبسط الكلام فيه فارجع إليه (رواه مسلم) في الأضاحي، وأخرجه أيضاً أبوداود والبيهقي (ج٣ ص٢٦٧، ٢٧٢، ٢٨٦) .
١٤٧٠- قوله (لا تذبحوا إلا مسنة) - بضم الميم وكسر السين وبالنون المشددة - اسم فاعل من أسنت إذا طلع سنها لا من أسن الرجل إذا كبر، قاله السندي في حاشية النسائي، وقال ابن عابدين في رد المحتار (ج٢ ص٢٤) - في شرح قوله: وفي أربعين مسن ذو سنتين - قوله "مسن" - بضم الميم وكسر السين - مأخوذ من الأسنان، وهو طلوع السن في هذه السنة لا الكبر، قهستاني عن ابن الأثير - انتهى. وقال في (ج٢ ص٣١) : سميت بذلك لأن عمرها يعرف بالسن واحدة الأسنان بخلاف الآدمي - انتهى. وفي القاموس وشرحه (ج٩ ص٢٤٣) يقال: أسن البعير إذا نبت سنه الذي يصير به مسناً من الدواب وفيهما أيضاً. وفي لسان العرب (ج١٧ ص٨٦) والبقرة والشاة يقع عليهما اسم المسن إذا أثنيا فإذا سقطت ثنيتهما بعد طلوعها فقد أسنت، وليس في معنى أسنانها كبرها كالرجل، ولكن معناه طلوع ثنيتها - انتهى. وقال الجزري في النهاية (ج٢ ص١١٨) قال الأزهري: البقرة والشاة يقع عليها اسم المسنة إذا أثنيا يثنيان في السنة الثالثة، وليس معنى أسنانها كبرها كالرجل، ولكن معناه طلوع سنها في السنة الثالثة - انتهى. وقال الفيومي في المصباح (ج١ ص١٤٠) : أسن الإنسان وغيره أسناناً إذا كبر فهو مسن، والجمع مسان، قال الأزهري: ليس معنى أسنان الإبل والشاة كبرها كالرجل، ولكن معناه طلوع الثنية - انتهى. وقال الحافظ في الفتح (ج٢٣ ص٣٢٨) : حكى ابن التين عن الداودي أن المسنة التي سقطت أسنانها للبدل، وقال أهل اللغة: المسن الثني الذي يلقي سنه ... الخ، وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في أشعة اللمعات (ج١ ص٦٤٩) : وجه تسميه بمسنة - آن است كه وي مي اندازد دو دندان بيش راكه آن راثنايا كويند درين عمر - وقال الشيخ سلام الله الدهلوي في شرح الموطأ في شرح قول نافع أن عبد الله بن عمر كان يتقي من الضحايا والبدن التي لم تُسِنّ ما لفظه - بضم التاء وكسر السين وفتح النون المشددة - أي يتقي التي لم تكن مسنة، وهي الثنية - انتهى. وحكى الجزري في النهاية (ج٢ ص١١٨) عن ابن قتيبة أنه قال في معناه: هي التي لم تَنْبُت أسنانُها كأنها لم تُعْطَ أسناناً، كما يقال: لم يُلبن فلان أي لم يُعْطَ لبناً، وأراد ابن عمر أنه لا يضحي بأضحية لم تُسِنّ أي لم تصر ثنية، فإذا أثْنَت فقد أسَنَّت، وكذا ذكر في تاج العروس (ج٩ ص٢٤٣) ، وفي لسان
стр. 2041
.................................
ــ
العرب (ج١٧ ص٨٦) : وقال ابن عبد البر في التمهيد: والزرقاني في شرحه (ج٣ ص٧٠-٧١) قوله: "لم تسن" روي بكسر السين من السن، وروي بفتح السين أي التي لم تنبت أسنانها، كأنها لم تعط أسنانها، كما تقول: لم يُلْبَن ولم يُسْمَن ولم يُعْسَل، أي لم يعط ذلك، وقال غيره: معناه لم تبدل أسنانها، وهذ أشبه بمذهب ابن عمر؛ لأنه يقول في الأضاحي والبدن الثني فما فوقه ولا يجوز عنده الجذع من الضأن – انتهى. وقال الزمخشري في الفائق (ج١ ص٣٠٦) لم تستن أي لم تثن وإذا أثنت فقد أسنت؛ لأن أول الأسنان الإثناء، وهو أن تنبت ثنيتاها وأقصاه في الإبل البزول، وفي البقر والغنم الصلوع، ورواه القتبي بفتح النون في لم تسن، وقال: أي لم ينبت أسنانها كأنها لم تعط أسناناً كقولهم لبن وسمن وعسل إذا أُعطي شيئاً منها، والأول أي كسر النون هو الرواية عن الأثبات – انتهى. وقال المطرزي الحنفي في المغرب (ج١ ص٢٦٦) : والسن هي المعروفة ثم سمى بها صاحبها كالناب – للمسنة – من النوق ثم استعيرت لغيره كابن المخاض وابن اللبون، ومن المشتق منها الأسنان وهو في الدواب أن تنبت السن التي يصير بها صاحبها مسناً أي كبيراً وأدناه في الشاة والبقر الثني ... الخ، ومنه حديث ابن عمر: يتقى من الضحايا التي لم تسنن أي لم تثن – انتهى. وقال النووي: قال العلماء: المسنة هي الثنية من كل شيء من الإبل والبقر والغنم فما فوقها – انتهى. وقال الإمام محمد في كتاب الآثار: المُسِنّة الثنية فصاعدا – انتهى. وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي: يجوز من جميع هذه الأقسام الثني، وهو المراد من المسنة، وقال السندي: الثني هو المسن، وروى أبوعبيد في الأموال (ص٣٨٤) عن جرير عن مغيرة عن الشعبي قال: المسن الثني فما زاد – انتهى. وقال في لسان العرب (ج١٨ ص١٣٣) : والثني من الإبل الي يلقي ثنيته، وذلك في السادسة، وإنما سمي البعير ثنياً لأنه ألقى ثنيته وأثنى البعير صار ثنياً، وقيل: كل ما سقطت ثنيته من غير الإنسان، ثنى وأثنى أي ألقى ثنيته، وقال الجوهري في الصحاح (ج٢ ص٤٥٤) الثني الذي يلقي ثنيته، ويكون ذلك في الظلف والحافر في السنة الثالثة وفي الخف في السنة السادسة، وقال ابن سيده في المحكم: الثني من الإبل الذي يلقي ثنيته، وذلك في السادسة، وإنما سمي البعير ثنياً لأنه ألقى ثنيته، وقال الأزهري في التهذيب: إنما سمي البعير ثنياً لأنه ألقى ثنيته، وقال الفيومي في المصباح (ج١ ص٤٣) والثني الذي يلقي ثنيته يكون من ذوات الظلف والحافر في السنة الثالثة، ومن ذوات الخف في السنة السادسة، وهو بعد الجذع، وأثنى إذا ألقى ثنيته فهو ثني، فعيل بمعنى الفاعل، وقال في مختار الصحاح: الثني الذي يلقي ثنيته. وقال الثعالبي في فقه اللغة (ص١٠٤) فإذا كان في السادسة وألقى ثنيته فهو ثني. وقال المطرزي في المغرب (ج١ ص٦٩-٧٠) : الثنايا هي الأسنان المقدمة اثنتان فوق واثنتان أسفل قال: ومنها الثني من الإبل الذي أثنى أي ألقى ثنيته، وهو ما استكمل السنة الخامسة ودخل في السادسة ومن الظلف ما استكمل الثانية ودخل في الثالثة ومن الحافر ما استكمل الثالثة ودخل في الرابعة وهو في كلها بعد
стр. 2042
إلا أن يعسر عليكم، فتذبحوا جذعة من الضأن.
ــ
الجذع، وقيل: الرباعي والجمع ثنيان وثناء – انتهى. وقال الدميري في حياة الحيوان (ج١ ص٢٦٦) الثني الذي يلقي ثنيته أو قال في الصراح (ج٢ ص٤٣٣) ثنى على فعيل دندان بيش افنكنده، ويكون ذلك في الظلف والحافر في السنة الثالثة وفي الخف في السنة السادسة، وقال أبوداود في السنن في باب تفسير أسنان الإبل نقلاً عن أهل اللغة: فإذا دخل في السادسة وألقى ثنيته فهو حينئذٍ ثني حتى يستكمل ستاً – انتهى. وقال الحافظ في الفتح: قال أهل اللغة: المسن الثني الذي يلقي سنه، ويكون في ذات الخف في السنة السادسة وفي ذات الظلف والحافر في السنة الثالثة، وقال في الكفاية (ج١ ص١٢٤) شرح الهداية أما تفسير كتب اللغة كالصحاح والديوان والمغرب وغيرها الثني الذي يلقي ثنيته ويكون ذلك في الظلف والحافر في السنة الثالثة. وفي الخف في السنة السادسة. وقال السقاقي في النهاية شرح الهداية: الثني من الإبل الذي أثنى أي ألقى سنه، وهو ما استكمل السنة الخامسة ودخل في السادسة، ومن الظلف ما استكمل الثانية ودخل في الثالثة – انتهى. وقال ابن قدامة في المغني (ج٨ ص٦٢٣) : قال الأصمعي وأبوزيد الكلابي وأبوزيد الأنصاري: إذا مضت السنة الخامسة على البعير ودخل في السادسة وألقى ثنيته فهو حينئذٍ ثني، ونرى إنما سمي ثنياً لأنه ألقى ثنيه – انتهى. وقال أبوعبيدة: إذا أتت عليه أي على الإبل الخامسة فهو حذع، فإذا ألقى ثنيته في السادسة فهو ثني، كذا في المنتقى (ج٣ ص٨٦) لأبي الوليد الباجي، هذا وقد تحصل بما ذكرنا من أقوال أهل اللغة - وهم العمدة في ذلك - وأصحاب شروح الحديث والفقه: أن المسنة والمسن من الأسنان بمعنى طلوع السن واحدة والأسنان لا بمعنى الكبير؛ لأن عمر الدواب يعرف بالسن التي هي عظم نابت في فم الحيوان بخلاف الآدمي فإن عمره يعرف بالسنة والحول، وأن المُسِنّ والثني والمُسِنّة والثنية شيء واحد، وأن المُسِنّ والثني من البعير والبقر والغنم ما ألقى ثنيته، وهي أسنان مقدم الفم، وأن العبرة في معنى المُسنّ والثني وفي سنّ الأضحية لإلقاء الثنية ونبات السن وطلوعها لا للعمر والكبر والسنة فلا يلتفت إلى عمرها، ولا يجوز التضحية من البعير والبقر والمعز إلا بما ألقى ثنيته، ولا يجزئ في الأضحية من هذه الأقسام إلا الذي أنبت أسنانه، وأما الضأن فسيأتي حكمه (إلا أن يعسر) أي يصعب (عليكم) أي ذبحها بأن لا تجدوها، أو لا تجدوا ثمنها (فتذبحوا جذعة) بفتحتين، قال في القاموس: الجذع محركة قبل الثني، وهي بهاء اسم له في زمن وليس بسن تنبت أو تسقط والشاب الحدث جمع جِذاع وجُذعان، ومثل ذلك في عامة كتب اللغة كلسان العرب وتاج العروس والصحاح والمصباح المنير وغيره (من الضأن) قال في القاموس: الضائن خلاف الماعز من الغنم جمع ضأن، ويحرك وكأمير وهي ضائنة جمع ضوائن. وقال في المصباح: الضأن ذوات الصوف من الغنم، والمعز اسم جنس لا واحد له من لفظه: هي ذوات الشعر من الغنم الواحدة شاة وهي مؤنثة، والغنم اسم جنس يطلق على
стр. 2043
..........................
ــ
الضأن والمعز – انتهى. وقال في الصراح: ضائن ميش نر خلاف معز، والجمع ضأن مثل راكب وركب، وضأن بالتحريك أيضاً مثل حارس وحرس – انتهى. وقال الجزري في النهاية: أصل الجذع من أسنان الدواب، وهو ما كان منها شاباً فتياً، فهو من الإبل ما دخل في السنة الخامسة، ومن البقر والمعز ما دخل في السنة الثانية، وقيل: البقر في الثالثة، ومن الضأن ما تمت له سنة، وقيل: أقل منها، ومنهم من يخالف بعض هذا في التقدير – انتهى. وقال الحافظ في الفتح (ج٢٣ ص٣٢٤) : جذعة – بفتح الجيم والذال المعجمة – هو وصف لسِن معين من بهيمة الأنعام، فمن الضأن ما أكمل السنة، وهو قول الجمهور، وقيل: دونها، ثم اختلف في تقديره، فقيل: ابن ستة أشهر، وقيل: ثمانية، وقيل: عشرة، وحكى الترمذي عن وكيع أنه ابن ستة أشهرو أو سبعة أشهر، وعن ابن الأعرابي أن ابن الشابين يجذع لستة أشهر إلى سبعة، وابن الهرمين يجذع لثمانية إلى عشرة، قال: والضأن أسرع أجذعاً من المعز، وأما الجذع من المعز فهو ما دخل في السنة الثانية، ومن البقر ما أكمل الثالثة، ومن الإبل ما دخل في الخامسة – انتهى. قال في الأزهار: النهي في قوله ﷺ : ((لا تذبحوا)) للحرمة في الإجزاء والتنزيه في العدول إلى الأدنى، وهو المقصود في الحديث بدليل ((إن أن يعسر عليكم)) والعسر قد يكون لغلاء ثمنها، وقد يكون لفقدها وعزتها، ومعنى الحديث الحمل والحث على الأكمل والأفضل، وهو الإبل ثم البقر ثم الضأن، وليس المراد الترتيب والشرط – انتهى. قلت: الحديث دليل على أنه لا يجوز التضحية بما عدا المسنة مما دونها، ونص في أنه لا يجزئ الجذع من الضأن إلا إذا عسر على المضحي المسنة فذبح الجذعة مقيد بتعسر المسنة، فلا يجوز مع عدم التعسر، وفيه أيضاً أنه لا يجزئ الجذع من غير الضأن، لكن ذهب الجمهور مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي وغيرهم إلى أنه يجوز الجذع من الضأن سواء وجد غيره أم لا، وقال ابن عمر والزهري: إن الجذع لا يجزئ مطلقاً لا من الضأن ولا من غيره، وبه قال ابن حزم، وعزاه لجماعة من السلف، وأطنب في الرد على من أجازه، وقال عطاء والأوزاعي: يجزئ الجذع من جميع الأجناس مطلقاً، والجمهور حملوا الحديث – كما قال النووي – على الاستحباب والأفضل، وتقديره: يستحب لكم أن لا تذبحوا إلا مسنة، فإن عجزتم فاذبحوا جذعة من الضأن، قال النووي: وليس فيه تصريح بمنع جذعة الضأن، وأنها لا تجزئ بحال، قال: وقد أجمعت الأمة على أن الحديث ليس على ظاهره؛ لأن الجمهور يجوزون الجذع من الضأن مع وجود غيره وعدمه، وابن عمر والزهري يمنعانه مع وجود غيره وعدمه، فيتعين تأويله على ما ذكرنا من الاستحباب. قلت: ويدل للجمهور على الإجزاء جذع الضأن مع وجود غيره وعدمه حديث أبي هريرة الآتي في الفصل الثاني بلفظ: ((نعمت الأضحية الجذع من الضأن)) ، وحديث عقبة بن عامر: ضحينا مع رسول الله ﷺ بجذاع من الضأن. أخرجه النسائي بسند قوي، وحديث أم هلال بنت بلال عن أبيها رفعه: ((يجوز الجذع من الضأن أضحية)) ، أخرجه أحمد وابن ماجه
стр. 2044
........................
ــ
وابن جرير الطبري والطبراني في الكبير والبيهقي. قال الشوكاني: رجال إسناده بعضهم ثقة وبعضهم صدوق وبعضهم مقبول. وقال الهيثمي: رجاله ثقات. وحديث مجاشع الآتي وغير ذلك من الأحاديث الدالة على مذهب الجمهور المقتضية للتأويل المذكور، وهي ترد على ما ذهب إليه ابن عمر والزهري وعطاء وصاحبه الأوزاعي، فالحق هو ما ذهب إليه الجمهور من إجزاء الجذع من الضأن سواء وجد غيره أم لا، وعدم إجزاء غيره من جذع الإبل والبقر والمعز مطلقاً، والله تعالى أعلم. قال إبراهيم الحربي: إنما يجزئ الجذع من الضأن؛ لأنه ينزو فيلقح، فإذا كان من المعز لم يلقح حتى يكون ثنياً. واختلف الجمهور القائلون بإجزاء جذع الضأن في سنه على آراء؛ أحدها: أنه ما أكمل سنة ودخل في الثانية، وهو الأصح عند الشافعية، وهو الأشهر عند أهل اللغة. ثانيها: نصف سنة، وهو قول الحنفية والحنابلة. ثالثها: سبعة أشهر، وحكاه صاحب الهداية عن الزعفراني. رابعها: سنة أو سبعة، حكاه الترمذي عن وكيع. خامسها: التفرقة بين ما تولد بين شابين فيكون له نصف سنة أو بين هرمين فيكون ابن ثمانية. سادسها: ابن عشر. سابعها: لا يجزئ حتى يكون عظيماً. قال صاحب الهداية: إنه إذا كانت عظيمة بحيث لو اختلطت بالثنيات اشتبهت على الناظر من بعيد أجزأت، كذا في الفتح (ج٢٣ ص٣٢٩) ، واعلم أنه لا يجزئ في الأضحية غير بهيمة الأنعام لقوله تعالى: ﴿ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ [الحج: ٣٤] ، وهي الإبل والبقر والغنم الأهلية، وأما الجاموس فمذهب الحنفية وغيرهم جواز التضحية به، قالوا: لأن الجاموس نوع من البقر، ويؤيد ذلك أن الجاموس في الزكاة كالبقرة، فيكون في الأضحية أيضاً مثلها، ويذكرون في ذلك حديثاً صريحاً أورده المناوي في كنوز الحقائق بلفظ: الجاموس في الأضحية عن سبعة، وعزاه الديلمي في مسند الفردوس، والأمر عندي ليس واضحاً كما زعموا، فإنهم قد اعترفوا بأن الجاموس في ما يتعارف الناس نوع آخر غير البقر لما بينهما من الاختلاف العظيم في الظاهر والمخبر، ولذلك صرحوا بأن من حلف أن لا يأكل لحم البقر فأكل لحم الجاموس لا يكون حانثاً، وإن حلف بالطلاق لم تطلق زوجته بأكل لحم الجاموس. وأما ما ينسب إلى بعض أهل اللغة أنه قال: إن الجاموس نوع أو ضرب من البقر، فالظاهر أنه وقع منه التساهل في ذلك، والأصل فيه أن يقال: الجاموس كالبقرة أو بمنزلة البقرة كما روى ابن أبي شيبة عن الحسن أنه قال: الجاموس بمنزلة البقر، وعلى هذا فليس الجاموس من البقر، ولعله لما رأى الفقهاء مالكاً والحسن وعمر بن عبد العزيز وأبايوسف وابن مهدي ونحوهم أنهم جعلوا الجاموس في الزكاة كالبقر فهم من ذلك أن الجاموس ضرب من البقر، فعبر عن ذلك بأنه نوع منه، ولا يلزم من كون الجاموس في الزكاة كالبقر أن يكون في الأضحية مثلها، كما لا يخفى. وأما الحديث المذكور فليس مما يعرج عليه لما لا يعرف حاله،
стр. 2045
رواه مسلم.
١٤٧١- (٤) وعن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ أعطاه غنماً يقسمها على صحابته ضحايا، فبقي عتود، فذكره لرسول الله ﷺ فقال: ((ضح به أنت – وفي رواية – قلت: يا رسول الله ! أصابني جذع، قال: ضح به)) .
ــ
والأحوط عندي أن يقتصر الرجل في الأضحية على ما ثبت بالسنة الصحيحة عملاً وقولاً وتقريراً، ولا يلتفت إلى ما لم ينقل عن النبي ﷺ ولا الصحابة والتابعين – ﵃، ومن اطمأن قلبه بما ذكره القائلون باستنان التضحية بالجاموس ذهب مذهبهم ولا لوم عليه في ذلك، هذا ما عندي والله أعلم. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٩ ص٢٦٩، ٢٧٩) ، وكان مقتضى عادة المصنف أن يجمع بينه وبين الحديث الأول ويقول: رواهما مسلم.
١٤٧١- قوله (غنماً) يشمل الضأن والمعز (على صحابته) ويروى على أصحابه، قيل: الضمير فيه يحتمل أن يكون للنبي ﷺ ويحتمل أن يكون لعقبة. قلت: الظاهر أنه عائد إلى النبي ﷺ . ثم إنه قيل: يحتمل أن يكون الغنم ملكاً للنبي ﷺ وأمر بقسمتها بينهم تبرعاً، ويحتمل أن يكون من الفيء، وإليه مال القرطبي حيث قال في الحديث: إن الإمام ينبغي له أن يفرق الضحايا على من لم يقدر عليها من بيت مال المسلمين. وقال ابن بطال: إن كان قسمها بين الأغنياء فهي من الفيء، وإن كان خص بها الفقراء فهي من الزكاة. (ضحايا) حال من الضمير في يقسمها (فبقي) أي بعد قسمتها (عتود) بفتح العين المهملة وضم المثناة الفوقية الخفيفة، وهو من أولاد المعز خاصة، وهو ما قوي ورعى وأتى عليه حول، كذا في النهاية وغيرها من كتب اللغة، وجمعه أعتدة وعتدان، وتدغم التاء في الدال، فيقال: عُدّان. وقال ابن بطال: العتود الجذع من المعز ابن خمسة أشهر، وهذا يبين المراد بقوله في الرواية الأخرى: ((جذعة وأنها كانت من المعز)) ، وزعم ابن حزم أن العتود لا يقال إلا للجذع من المعز، وتعقب بما وقع في كلام صاحب المحكم أن العتود الجدي – بفتح الجيم وسكون الدال المهملة ذكر ولد المعز – الذي استكرش – أي عظم بطنه وأخذ في الأكل -، وقيل: الذي بلغ السفاد، وقيل: هو الذي أجذع – انتهى. (فذكره) أي عقبة بقاء العتود (فقال) أي رسول الله ﷺ (ضح به أنت) قال القاري: فيه دليل على جواز التضحية بالمعز إذا كان له سنة، وهو مذهبنا، وقال صاحب اللمعات: العتود إن كان ما تم عليه الحول فهو جائز عندنا مطلقاً، وإن كان ما تم عليه أكثر الحول فأجزأه عنه خصوصية له، كما جاء في حديث أبي بردة في جذع المعز: ((اذبحها ولن تجزئ عن أحد بعدك)) – انتهى.
стр. 2046
متفق عليه.
ــ
قلت: روى البيهقي (ج٩ ص٢٧٠) حديث عقبة من طريق عبد الله البوشجي – أحد الأئمة الكبار في الحفظ والفقه وسائر فنون العلم – رواها عن يحيى بن بكير عن الليث بالسند الذي ساقه البخاري، وزاد فيها: ((ولا رخصة فيها لأحد بعدك)) ، وهذه الزيادة صريحة في أن إجزاء العتود عنه خصوصية له سواء كان المراد من العتود والجذع في حديث عقبة ما تم عليه الحول كما عليه عامة أهل اللغة أو كان المراد ما تم عليه أكثر الحول، وفيه دليل لقول الجمهور إن الجذع من المعز لا يجزئ، ورد على الحنفية على تفسير أهل اللغة في قولهم بجواز التضحية بالمعز إذا كانت له سنة، والحق أنه لا يجوز الجذع من المعز، وإنما يجوز منها الثني، وهو الذي ألقى ثنيته كما تقدم. واعلم أن بين قوله ﷺ لعقبة: ((ولا رخصة فيها لأحد بعدك)) وبين قوله لأبي بردة بن نيار: ((ضح بالجذع من المعز ولن تجزئ عن أحد بعدك)) منافاة ظاهرة، فإن في كل منهما صيغة عموم، فأيهما يقدم على الآخر اقتضى انتفاء الوقوع للثاني، فقيل: يحتمل أن ذلك صدر لكل منهما في وقت واحد، أو تكون خصوصية الأول نسخت بثبوت الخصوصية للثاني، ولا مانع من ذلك؛ لأنه لم يقع في السياق استمرار المنع لغيره صريحاً، وذكر بعضهم أن الذين ثبتت لهم الرخصة أربعة لكن ليس التصريح بالنفي إلا في قصة أبي بردة في الصحيحين وفي قصة عقبة بن عامر في البيهقي، ولم يشاركهما أحد في ذلك، نعم وقعت المشاركة في مطلق الإجزاء لا في خصوص منع الغير لزيد بن خالد، رواه أبوداود وأحمد، وصححه ابن حبان، ولسعد بن أبي وقاص رواه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس، وأخرجه الحاكم من حديث عائشة، ولأبي يعلى والحاكم من حديث أبي هريرة: أن رجلاً قال: يا رسول الله! هذا جذع من الضأن مهزول، وهذا جذع من المعز سمين، وهو خيرهما أفأضحي به؟ قال: ((ضح به فإن لله الخير)) ، وفي سنده ضعف، قال الحافظ: لا منافاة بين هذه الأحاديث وبين حديثي أبي بردة وعقبة لاحتمال أن يكون ذلك في ابتداء الأمر ثم تقرر الشرع بأن الجذع من المعز لا يجزئ، واختص أبوبردة وعقبة بالرخصة في ذلك، قال: والمشاركة إنما وقعت في مطلق الإجزاء لا في خصوص منع الغير، قال: وأما ما أخرجه ابن ماجه من حديث أبي زيد الأنصاري: أن رسول الله ﷺ قال لرجل من الأنصار: ((اذبحها ولن تجزئ جذعة عن أحد بعدك)) فهذا يحمل على أنه أبوبردة بن نيار فإنه من الأنصار، وكذا ما أخرجه أبويعلى والطبراني: أن رجلاً ذبح قبل الصلاة فقال رسول الله ﷺ : ((لا تجزئ عنك، قال: إن عندي جذعة، فقال: تجزئ عنك ولا تجزئ بعد)) فلم يثبت الإجزاء لأحد، ونفيه عن الغير إلا لأبي بردة وعقبة وإن تعذر الجمع الذي تقدم، فحديث أبي بردة أصح مخرجاً، والله أعلم – انتهى كلام الحافظ (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٩ ص٢٦٩-٢٧٠) .
стр. 2047
١٤٧٢- (٥) وعن ابن عمر قال: كان النبي ﷺ يذبح وينحر بالمصلى. رواه البخاري.
١٤٧٣- (٦) وعن جابر أن النبي ﷺ قال: ((البقرة عن سبعة والجزور عن سبعة)) .
ــ
١٤٧٢- قوله (يذبح) أي الشاة أو البقرة (وينحر) أي الإبل (بالمصلى) أي بعد أن يصلي العيد، فيه دليل على أنه ﷺ كان يضحي بالإبل والبقر؛ لأن النحر لا يجوز في الغنم، وإنما هو في الإبل وعلى تكرُّهٍ في البقر، فيكون ذلك قرينة واضحة على أن قول أنس: كان رسول الله ﷺ يضحي بكبشين – ليس للدوام، ويؤيد ذلك ما وقع في بعض الروايات قول أنس بلفظ: ضحى رسول الله ﷺ ، وعلى هذا فليس فيه دليل على كون الضأن أفضل في الأضحية، وحديث ابن عمر هذا قد تقدم في آخر الفصل الأول من باب صلاة العيد، ذكره هنا لبيان مكان الذبح، إذ الذبح في المصلى مستحب لإظهار الشعار، وذكره ثمه لبيان وقت الذبح؛ لأنه إذا ذبح بالمصلى علم أن الذبح بعد الصلاة لا قبلها (رواه البخاري) تقدم ذكر من أخرجه غيره.
١٤٧٣- قوله (البقرة عن سبعة) أي تجزئ عن سبعة أشخاص (والجزرو) بفتح الجيم، وهو ما يجزر أي ينحر من الإبل خاصة ذكراً كان أو أنثى (عن سبعة) أي يجزئ عن سبعة أنفس أو يضحى عن سبعة أشخاص، والحديث رواه مسلم وغيره بألفاظ، ففي رواية لمسلم: نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة، وفي رواية قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة، وفي رواية قال: اشتركنا مع النبي ﷺ في الحج والعمرة كل سبعة منا في بدنة، فقال رجل لجابر: أيشترك في البقرة ما يشترك في الجزور؟ فقال: ما هي إلا من البدن، وفي لفظ رواه البرقاني على شرط الشيخين: ((اشتركوا في الإبل والبقر كل سبعة في بدنة)) ، وفي هذه الروايات دلالة على أن الحديث الذي ذكره البغوي إنما هو في الهدي لا في الأضحية، وظاهر هذه الروايات جواز الاشتراك في الهدي، وهو قول الشافعي وأحمد، وبهذا قال أكثر أهل العلم من غير فرق بين أن يكون المشتركون مفترضين أو متطوعين أو بعضهم مفترضاً وبعضهم متنفلاً أو مريداً للحم. وقال أبوحنيفة: يشترط في الاشتراك أن يكونوا كلهم متقربين، وعن داود وبعض المالكية يجوز الاشتراك في هدي التطوع دون الواجب، وقال مالك: لا يجوز مطلقاً، وروي عن ابن عمر نحو ذلك، ولكنه روى عنه أحمد ما يدل على الرجوع، واتفق من قال بالاشتراك على أنه لا يكون في أكثر من سبعة إلا إحدى الروايتين عن سعيد بن المسيب فقال: يجزئ الجزور عن عشرة، وبه قال إسحاق بن راهويه، وإليه ذهب ابن خزيمة، واحتج له في صحيحه وقواه، واحتج له بحديث رافع بن خديج
стр. 2048
رواه مسلم، وأبوداود، واللفظ له.
ــ
أنه ﷺ قسم فعدل عشراً من الغنم ببعير، وفيه أن هذا قياس فاسد؛ لأن هذا التعديل كان في القسمة وهي غير محل النزاع، ويؤيد كون الجزور عن سبعة فقط ما روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ أتاه رجل فقال: إن علي بدنة وأنا موسر ولا أجدها فأشتريها، فأمره ﷺ أن يبتاع سبع شياه فيذبحهن، أخرجه أحمد وابن ماجه، فإنه لو كانت البدنة تعدل عشراً لأمره بإخراج عشر شياه؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وأما الأضحية فقال الجمهور بجواز الاشتراك فيها كالهدي، سواء كان المشتركون من البيت الواحد أو من أبيات شتى أقارب كانوا أو أباعد، واشترط أبوحنيفة أن يكون المشتركون كلهم متقربين، وقال مالك: لا يجوز الاشتراك فيها في الذات بأن يحصل الاشتراك في الثمن، نعم يجوز الاشتراك لأهل البيت الواحد في الأجر بأن ينحر الرجل عنه وعن أهل بيته وإن كانوا أكثر من السبع البدنة، ويذبح البقرة هو يملكها ويذبحها عنهم ويشركهم فيها، فإما أن يشتري البدنة أو البقرة ويشتركون فيها فيخرج كل إنسان منهم حصته من ثمنها، ويكون له حصته من لحمها، فإن ذلك يكره عنده، قال ابن حزم: قال مالك: يجزئ الرأس الواحد من الإبل أو البقر أو الغنم عن واحد وعن أهل البيت وإن كثر عددهم وكانوا أكثر من سبعة إذا أشركهم فيها تطوعاً، ولا تجزئ إذا اشتروها بينهم شركة ولا عن أجنبيين فصاعداً، واختلف القائلون بالاشتراك في البدنة، فقال الشافعي وأحمد وأبوحنيفة: إنها تجزئ عن سبعة كالهدي، وقال إسحاق وابن خزيمة وابن المسيب: إنها تجزئ عن عشرة. قال الشوكاني: وهذا هو الحق هنا، أي في الأضحية؛ لحديث ابن عباس يعني الذي يأتي في الفصل الثاني، والأول هو الحق في الهدي للأحاديث المتقدمة، يعني بها الروايات التي ذكرناها من حديث جابر. وأما البقرة فتجزئ عن سبعة فقط في الهدي والأضحية – انتهى. وأورد البغوي حديث جابر في باب الأضحية مع أنه في الهدي لا في الأضحية كما تدل عليه الروايات الأخر إما نظراً إلى إطلاق اللفظ أو ليثبت الاشتراك في الأضحية. وأن البدنة والبقرة كليهما عن سبعة بالقياس على الهدي، ولا حاجة إلى القياس مع وجود النص في الأضحية وهو حديث ابن عباس الآتي. (رواه مسلم وأبوداود) وأخرجه أيضاً أحمد ومالك والترمذي وابن ماجه والبيهقي (ج٩ ص٢٧٩، ٢٩٤) . (واللفظ له) أي لفظ الحديث لأبي داود ولمسلم معناه، وهذا هو الداعي للمصنف إلى ذكر أبي داود مع أن ما في الفصل الأول لا يسنده لغير الصحيحين، لكن البغوي لما أخذ لفظ أبي داود الثابت معناه في صحيح مسلم وجعله في الفصل الأول أوهم أن اللفظ لأحد الصحيحين، فبين المصنف أن الذي في مسلم هو المعنى، ولأبي داود اللفظ، قاله القاري. وقيل: فيه تعريض بالاعتراض على البغوي حيث أورده في الفصل الأول اعتباراً بمعناه، وكان الأولى أن يورده في الفصل الثاني، وأخرجه الدارقطني (ص٢٦٥) بلفظ: سنّ رسول الله ﷺ البقرة والجزور عن سبعة، وأخرجه الطبراني في الثلاثة من حديث عبد الله بن
стр. 2049
١٤٧٤- (٧) وعن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إذا دخل العشر وأراد بعضكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئاً – وفي رواية – فلا يأخذن شعراً، ولا يقلمن ظفراً -، وفي رواية: من رأى هلال ذي الحجة وأراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره -)) .
ــ
مسعود مرفوعاً: البقرة عن سبعة، والجزور عن سبعة في الأضاحي، قال الهيمثي (ج٤ ص٢٠) : وفيه حفص بن جميع، وهو ضعيف – انتهى.
١٤٧٤- قوله (إذا دخل) وفي مسلم: ((إذا دخلت)) (العشر) أي أول عشر ذي الحجة (وأراد بعضكم أن يضحي) قال في شرح السنة: في الحديث دلالة على أن الأضحية غير واجبة؛ لأنه فوض إلى إرادته حيث قال: ((وأراد)) ولو كانت واجبة لم يفوض – انتهى. وقيل: لا حجة فيه؛ لأن الواجب قد يفوض إلى الإرادة ويعلق عليها، فالوصية قد علقت على الإرادة في قوله – ﵇: ((ما حق امرئ له شيء يريد أن يوصي فيه ... )) الحديث، وليس هذا اللفظ دليلاً على عدم وجوب الوصية عند الظاهرية القائلين بافتراض الوصية. وأجاب عن هذا ابن حزم بأن الوصية عندنا فرض؛ لأنه قد جاء نص آخر بإيجاب الوصية في القرآن والسنة، قال تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية﴾ الآية [البقرة: ١٨٠] ، فأخذنا بهذا ولم يأت نص بإيجاب الأضحية، ولو جاء لأخذنا به – انتهى. وأجاب السندي عن الحديث بأن هذا لو قلنا بالوجوب على الكل، وأما إذا قلنا بالوجوب على من يملك النصاب وبالندب في حق غيره فلا دلالة (فلا يمس) بفتح السين المهملة أي بالقطع والإزالة (من شعره) بفتح العين وتسكن (وبشره) بفتحتين (شيئاً – وفي رواية فلا يأخذن) بنون التأكيد، أي لا يزيلن (ولا يقلمن) بكسر اللام مع فتح الياء، وقيل: بالتثقيل أي لا يقطعن، قال السندي: يقال: قلم الظفر كضرب وقلم بالتشديد أي قطعه، والتشديد للمبالغة، فالتخفيف ههنا أولى فافهم (ظفراً) بضمتين (وفي رواية) هذه الرواية عند النسائي والترمذي، وليست عند مسلم (من رأى هلال ذي الحجة) أي أبصره أو علمه (وأراد أن يضحي فلا يأخذ) كذا في رواية للنسائي بغير نون التأكيد، وعند الترمذي: ((فلا يأخذن)) أي بنون التأكيد (من شعره ولا من أظفاره) زاد النسائي ((حتى يضحي)) ، قال أصحاب الشافعي: المراد بالنهي عن أخذ الظفر والشعر النهي عن إزالة الظفر بقلم أو كسر أو غيره، والمنع من إزالة الشعر بحلق أو تقصير أو نتف أو إحراق أو أخذه بنورة أو غير ذلك من شعور بدنه، قال إبراهيم المروزي وغيره من أصحاب الشافعي: حكم أجزاء البدن كلها حكم الشعر والظفر، ودليله الرواية السابقة ((فلا يمس من شعره وبشره شيئاً)) ، وفي الحديث دليل على مشروعية ترك أخذ الشعر والأظفار بعد دخول عشر ذي الحجة لمن أراد أن يضحي، وقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب سعيد بن المسيب
стр. 2050
......................
ــ
وربيعة وأحمد وإسحاق وداود وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه يحرم عليه أخذ شيء من شعره وأظفاره حتى يضحي في وقت الأضحية، واحتج هؤلاء بحديث أم سلمة؛ لأن النهي ظاهر في التحريم، وقال الشافعي وأصحابه: هو مكروه كراهة تنزيه، ليس بحرام، وحكي عنه أن ترك الحلق والتقصير والقلم لمن أراد التضحية مستحب، وقال أبوحنيفة: هو مباح لا يكره ولا يستحب، والحديث يرد عليه، وقال مالك في رواية: لا يكره، وفي رواية: يكره، وفي رواية: يحرم في التطوع دون الواجب، واحتج الشافعي بحديث عائشة: أن النبي ﷺ كان يبعث بهديه ولا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر هديه، أخرجه الشيخان، قال الشافعي: البعث بالهدي أكثر من إرادة التضحية، فدل على أنه لا يحرم ذلك – انتهى. فجعل هذا الحديث مقتضياً لحمل حديث الباب على كراهة التنزيه، قال الشوكاني: ولا يخفى أن حديث أم سلمة أخص منه مطلقاً، فيبنى العام على الخاص، ويكون الظاهر مع من قال بالتحريم، ولكن على من أراد التضحية – انتهى. وقال ابن قدامة في المغني (ج٨ ص٦١٩) : حديث عائشة عام، وحديث أم سلمة خاص يجب تقديمه بتنزيل العام على ما عدا ما تناوله الحديث الخاص، ولأنه يجب حمل حديث عائشة على غير محل النزاع لوجوه فذكرها، ثم قال: ولأن عائشة تخبر عن فعله، وأم سلمة عن قوله، والقول يقدم على الفعل لاحتمال أن يكون فعله خاصاً له – انتهى. وأجاب الطحاوي عن حديث أم سلمة بأنه موقوف، وقد أعله الدارقطني أيضاً بالوقف، قال الطحاوي في شرح الآثار بعد رواية حديث أم سلمة موقوفاً ما لفظه: فهذا هو أصل الحديث عن أم سلمة – ﵂ – انتهى. وتعقب بأنه لا شك في أن بعض الرواة روى حديث أم سلمة موقوفاً، لكن أكثرهم رووه بأسانيد صحيحة مرفوعاً، وقد بسط هذه الأسانيد مسلم والنسائي، وتلك الطرق المرفوعة كلها صحيحة، فكيف يصح القول بأن حديث أم سلمة الموقوف هو أصل الحديث، بل الظاهر أن المرفوع هو أصل الحديث، وأفتت أم سلمة على وفق حديثها المرفوع، فروى بعضهم موقوفاً عليها من قولها. والحاصل أن حديث أم سلمة مرفوعاً صحيح، وهو حديث قولي ولم يجئ ما يعارضه، فالأخذ به متعين، ومقتضى النهي التحريم، فالراجح عندنا ما ذهب إليه أحمد ومن وافقه، والله تعالى أعلم. واختلفوا في بيان حكمة النهي، فقيل: للتشبه بالمحرم، قال التوربشتي: وهذا قول إذا أطلق لم يستقم؛ لأن هذا الحكم لو شرع للتشبه بهم لشاع ذلك في سائر محظورات الإحرام، ولما خص بما يؤخذ من أجزاء البدن كالشعر والظفر والبشر، وقال النووي: قال أصحابنا: هذا الوجه غلط؛ لأنه لا يعتزل النساء، ولا يترك الطيب واللباس وغير ذلك مما يتركه المحرم، وتعقب بأن التشبه لا يلزم من جميع الوجوه، وقيل: الحكمة أن يبقى كامل الأجزاء للعتق من النار، قال التوربشتي: إن المضحي يجعل أضحيته فدية يفتدي بها نفسه من عذاب يوم القيامة ويرتاد بها القربة لوجه الله الكريم، فكأنه لما اكتسب عن السيئات وأتى به من التقصير في حقوق الله رأى نفسه مستوجبة أن يعاقبه
стр. 2051
رواه مسلم.
١٤٧٥- (٨) وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر،
ــ
بأعظم العقوبات وهو القتل، غير أنه أحجم عن الإقدام عليه إذ لم يؤذن له فيه، فجعل قربانه فداء لنفسه فصار كل جزء منه فداء كل جزء منها، وعمت ببركته أجزاء البدن، فلم تخل منها ذرة ولم تحرم عنها شعرة، وإذا كانت هذه الفضيلة ملحقة بالأجزاء المتصلة بالمتقرب دون المنفصلة عنه رأى النبي ﷺ أن لا يمس شيئاً من شعره وبشره لئلا يفقد من ذلك قسط ما عند تنزل الرحمة وفيضان النور الإلهي ليتم له الفضائل ويتنزه عن النقائص – انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والدارقطني والطحاوي والبيهقي (ج٩ ص٢٦٦) وغيرهم، واستدركه الحاكم فوهم.
١٤٧٥- قوله (ما من أيام العمل الصالح) بالرفع مبتدأ يشمل أنواع العبادات كالصلاة والتكبير والذكر والصوم وغيرها (فيهن) متعلق بالعمل (أحب) بالرفع (إلى الله من هذه الأيام العشر) أي الأول من ذي الحجة، ففي رواية أبي داود الطيالسي في مسنده: ((ما العمل في أيام أفضل منه في عشر ذي الحجة)) ، وكذا في رواية الدارمي. ووقع في رواية أخرى له ((ما من عمل أزكى عند الله ولا أعظم أجراً من خير يعمله في عشر الأضحى)) ، وفي حديث جابر في صحيحي أبي عوانة وابن حبان: ((ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة)) ، قال السندي: كلمة "من" في قوله ((ما من أيام)) زائدة لاستغراق النفي، وجملة ((العمل الصالح ... )) الخ صفة أيام، والخبر محذوف أي موجودة أو خير، وهو الأوجه، وقوله: ((من هذه الأيام)) متعلقة بأحب، والمعنى على حذف المضاف أي من عمل هذه الأيام ليكون المفضل والمفضل عليه من جنس واحد – انتهى. وقال الطيبي: العمل مبتدأ وفيهن متعلق به والخبر أحب، والجملة خبر ما أي واسمها أيام ومن الأولى زائدة والثانية متعلقة بأفعل وفيه حذف، كأنه قيل: ليس العمل في أيام سوى العشر أحب إلى الله من العمل في هذه العشر – انتهى. وإذا كان العمل في أيام العشر أفضل من العمل في أيام غيره من السنة لزم منه أن تكون أيام العشر أفضل من غيرها من أيام السنة حتى يوم الجمعة منه أفضل منه في غيره لجمعه الفضيلتين. قال السندي: المتبادر من هذا الكلام عرفاً أن كل عمل صالح إذا وقع فيها فهو أحب إلى الله تعالى من نفسه إذا وقع في غيرها، وهذا من باب تفضيل الشيء على نفسه باعتبارين وهو شائع، وأصل اللغة في مثل هذا الكلام لا يفيد الأحبية، بل يكفي فيه المساواة؛ لأن نفي الأحبية يصدق بالمساواة، وهذا واضح وعلى الوجهين لا يظهر لاستبعادهم المذكور بلفظ: ((ولا الجهاد)) معنى إذ لا يستبعد أن يكون الجهاد في هذه
стр. 2052
.........................
ــ
الأيام أحب منه في غيرها أو مساوياً للجهاد في غيرها، نعم لو كان المراد أن العمل الصالح في هذه الأيام مطلقاً أي عمل كان أحب من العمل في غيرها مطلقاً أي عمل كان حتى أن أدنى الأعمال في هذه الأيام أحب من أعظم الأعمال في غيرها لكان الاستبعاد موجهاً، لكن كون ذلك مراداً بعيد لفظاً ومعنى، فلعل وجه استبعادهم أن الجهاد في هذه الأيام يخل بالحج، فينبغي أن يكون في غيرها أحب منه فيها، وحينئذٍ قوله ﷺ : ((إلا رجل)) أي جهاد رجل بيان لفخامة جهاده وتعظيم له بأنه قد بلغ مبلغاً لا يكاد يتفاوت بشرف الزمان وعدمه – انتهى كلام السندي. وذكر السيد: أنه اختلف العلماء في أن هذه العشرة أفضل أم عشرة رمضان؟ فقال بعضهم: هذا العشر أفضل لهذا الحديث. وقال بعضهم: عشر رمضان أفضل للصوم ولليلة القدر، والمختار أن أيام هذا العشر أفضل لوجود يوم عرفة فيها، وليالي عشر رمضان أفضل لوجود ليلة القدر فيها؛ لأن يوم عرفة أفضل أيام السنة، وليلة القدر أفضل ليالي السنة، ولذا قال: ((ما من أيام)) ولم يقل: من ليال، كذا في الأزهار، ذكره القاري. وقال القسطلاني: الأيام إذا أطلقت دخلت فيها الليالي تبعاً، وقد أقسم الله تعالى بها، فقال: ﴿والفجر. وليالٍ عشر﴾ [الفجر: ١] وقد زعم بعضهم أن ليالي عشر رمضان أفضل من لياليه لاشتمالها على ليلة القدر. قال الحافظ ابن رجب: وهذا بعيد جداً، ولو صح حديث أبي هريرة المروي في الترمذي – يعني الذي يأتي في آخر الفصل الثاني -: ((قيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر)) لكان صريحاً في تفضيل لياليه على ليالي عشر رمضان، فإن عشر رمضان فضل بليلة واحدة، وهذا جميع لياليه متساوية، والتحقيق ما قاله بعض أعيان المتأخرين من العلماء أن مجموع هذا العشر أفضل من مجموع عشر رمضان، وإن كان في عشر رمضان ليلة لا يفضل عليها غيرها – انتهى. واستدل به على فضل صيام عشر ذي الحجة لاندراج الصوم في العمل، وعورض بتحريم صوم يوم العيد، وأجيب بأنه محمول على الغالب. ولا ريب أن صيام رمضان أفضل من صوم العشر؛ لأن فعل الفرض أفضل من النفل من غير تردد، وعلى هذا فكل ما فعل من فرض في العشر فهو أفضل من فرض فعل في غيره، وكذا النفل، ولا يرد على ما ذكرنا من كون الحديث دليلاً على فضل صيام عشر ذي الحجة ما يأتي في الصيام من حديث عائشة قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ صائماً في العشر قط. لاحتمال أن يكون ذلك لكونه كان يترك العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض على أمته، كما رواه الشيخان من حديث عائشة أيضاً، وقيل: قولها: ما رأيت رسول الله ﷺ صام العشر قط – لا ينافي صوم بعضها، قيل: الحكمة في تخصيص عشر ذي الحجة بهذه المزية اجتماع أمهات العبادة فيها: الحج والصدقة والصيام والصلاة، ولا يتأتى ذلك في غيرها، وعلى هذا هل يختص الفضل بالحاج أو يعم المقيم؟ فيه احتمال، وقيل: المراد بالعمل الذكر، ويؤيد ذلك ما روى الطبراني في الكبير، قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح، عن ابن عباس مرفوعاً: ((ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إلى الله العمل فيها من أيام العشر، فأكثروا فيهن من التسبيح
стр. 2053
قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)) .
ــ
والتهليل والتحميد والتكبير)) ، وروى أحمد عن ابن عمر مرفوعاً نحوه، ويؤيد التعميم ما وقع من الزيادة بعد الأمر بالإكثار من التحميد والتكبير في حديث ابن عباس عند البيهقي: ((وإن صيام يوم منها يعدل صيان سنة، والعمل بسبعمائة ضعف)) ، وما سيأتي من حديث أبي هريرة في آخر الفصل الثاني، لكن إسناده ضعيف، وكذا إسناد حديث ابن عباس، وحديث ابن عمر عند أحمد وحديث ابن عباس عند الطبراني والبيهقي يدلان على مشروعية التكبير من أول ذي الحجة، واختلف العلماء في حكم تكبير عيد الأضحى، أي تكبير التشريق، فأوجبه بعض العلماء لقوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ [البقرة: ٢٠٣] ، ولقوله تعالى: ﴿كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم﴾ [الحج: ٣٧] . وذهب الجمهور إلى أنه سنة مؤكدة للرجال والنساء، ومنهم من خصه بالرجال. وأما وقته فظاهر الآية والآثار عن الصحابة أنه لا يختص بوقت دون وقت، إلا أنه اختلف العلماء، فمنهم من خصه بعقب الصلاة مطلقاً، ومنهم من خصه بعقيب الفرائض دون النوافل، ومنهم من خصه بالجماعة دون الفرادى، وبالمؤداة دون المقضية، وبالمقيم دون المسافر، وبالأمصار دون القرى، وأما ابتداؤه وانتهاؤه ففيه خلاف أيضاً، فقيل في الأول من صبح يوم عرفة، وقيل: من ظهره، وقيل: من عصره، وفي الثاني إلى ظهر ثالثه، وقيل: إلى آخر أيام التشريق، وقيل: إلى ظهره، وقيل: إلى عصره، ولم يثبت عنه ﷺ في شيء من ذلك حديث. وأصح ما ورد فيه عن الصحابة عن أبي هريرة وابن عمر تعليقاً أنهما كانا يخرجان إلى السوق أيام العشر يكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما، وذكر البغوي والبيهقي ذلك. قال الطحاوي: كان مشايخنا يقولون بذلك التكبير أيام العشر جميعها، ذكره العلامة الأمير اليماني في سبل السلام، قلت: الظاهر أن التكبير مشروع ومستحب من أول ذي الحجة إلى آخر أيام التشريق، ولا يختص استحبابه بعقب الصلوات ولا بالرجال ولا بالفرائض ولا بالمؤداة ولا بالجماعة والمقيم والأمصار، بل هو مستحب في كل وقت من تلك الأيام ولكل أحد من المسلمين، كما يدل على ذلك حديث ابن عمر وحديث ابن عباس وآثار ابن عمر وأبي هريرة، والله تعالى أعلم. (قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد) بالرفع (في سبيل الله) أي ولا الجهاد في أيام أخر أحب إلى الله من العمل في هذه الأيام (قال) ﵊ (ولا الجهاد في سبيل الله) أي أحب من ذلك (إلا رجل) أي إلا جهاد رجل (فلم يرجع من ذلك) أي مما ذكر من نفسه وماله (بشيء) أي صرف ماله ونفسه في سبيل الله، فيكون أفضل من العامل في أيام
стр. 2054
رواه البخاري.
﴿الفصل الثاني﴾
١٤٧٦- (٩) عن جابر قال: ذبح النبي ﷺ يوم الذبح كبشين أقرنين أملحين موجوئين،
ــ
العشر أو مساوياً له، قال القسطلاني: في هذا الحديث أن العمل المفضول في الوقت الفاضل يلتحق بالعمل الفاضل في غيره، ويزيد عليه لمضاعفة ثوابه وأجره (رواه البخاري) في العيدين، وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود وابن ماجه في الصيام، واللفظ المذكور للترمذي، ولفظ البخاري في رواية أبي ذر عن الكشمهيني: ((ما العمل في أيام أفضل منها في هذا العشر، قالوا: ولا الجهاد؟ قال: ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء)) .
١٤٧٦- قوله (ذبح النبي ﷺ ) أي أراد أن يذبح، بدليل قوله: "فلما ... "الخ (يوم الذبح) أي يوم الأضحى، ويسمى يوم النحر أيضاً، وفي رواية أحمد (ج٣ ص٣٧٥) : أن رسول الله ﷺ ذبح يوم العيد، وكذا في رواية ابن ماجه والدارمي (موجوئين) بفتح ميم وسكون واو فضم جيم وسكون واو فهمز مفتوح، تثنية موجوء، اسم مفعول من وجأ – مهموز اللام، وروي بالإثبات للهمزة وقلبها ياءً ثم قلب الواو ياءً وإدغامها فيها كمرمى أي منزوعي الأنثيين، قاله أبوموسى الأصفهاني. وقال الجوهري وغيره: الوجاء - بالكسر والمد – رض عرق الأنثيين. قال الهروي: والأنثيان بحالهما، وقال الجزري في النهاية: الوجاء أن ترض أي تدق أنثيا الفحل رضاً شديداً يذهب شهوة الجماع. وقيل: هو أن يوجأ العروق والخصيتان بحالهما، قال: ومنه الحديث "أنه ضحى بكبشين موجوئين" أي خصيين. ومنهم من يرويه موجئين بوزن مكرمين، وهو خطأ، ومنهم من يرويه موجيين بغير همز على التخفيف، ويكون من وجيته وجياً فهو موجي – انتهى. وقال في جامع الأصول (ج٤ ص٣٩٣) : الوجاء نحو الخصاء، وهو أن يؤخذ الكبش فترض خصيتاه ولا تقطعا، وقيل: هو أن يقطع عروقهما وتتركا بحالهما. وفي القاموس وجيء هو بالضم فهو موجوء ووجئ دق عروق خصيتيه بين حجرين ولم يخرجهما أو هو رضاضهما حتى ينفضخا أي ينكسرا. قال الخطابي: في هذا دليل على أن الخصي في الضحايا غير مكروه، وقد كرهه بعض أهل العلم لنقص العضو، وهذا نقص ليس بعيب؛ لأن الخصاء يزيد اللحم طيباً وينفي فيه الزهومة وسوء الرائحة – انتهى. وقال ابن قدامة: يجزئ الخصي؛ لأن النبي ﷺ ضحى بكبشين موجوئين؛ ولأن الخصاء ذهاب عضو غير مستطاب يطيب اللحم بذهابه ويكثر ويسمن، قال الشعبي: ما زاد في لحمه وشحمه أكثر مما ذهب منه، وبهذا قال
стр. 2055
فلما وجههما قال: ((إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض على ملة إبراهيم حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم منك ولك، عن محمد وأمته، بسم الله، والله أكبر)) ، ثم ذبح، رواه أحمد، وأبوداود، وابن ماجه، والدارمي، وفي رواية لأحمد:
ــ
الحسن وعطاء والشعبي والنخعي ومالك والشافعي وأبوثور وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفاً – انتهى. (فلما وجههما) أي جعل وجه كل واحد منهما نحو القبلة (إني وجهت وجهي) أي جعلت ذاتي متوجهاً (للذي فطر السماوات والأرض) أي إلى خالقهما ومبدعهما (على ملة إبراهيم) حال من ضمير المتكلم في وجهت، أي أنا على ملة إبراهيم، يعني في الأصول وبعض الفروع (حنيفاً) حال من إبراهيم، أي مائلاً عن الأديان الباطلة إلى الملة القويمة التي هي التوحيد الحقيقي، وقيل: حال من ضمير المتكلم في وجهت متداخلة أو مترادفة (إن صلاتي ونسكي) أي سائر عباداتي أو تقربي بالذبح. قال الطيبي: أي وما آتيه في حياتي وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح – انتهى. (لله) أي خالصة لوجهه (وأنا من المسلمين) هذا لفظ أبي داود، وعند أحمد وابن ماجه والدارمي: ((وأنا أول المسلمين)) أي أول مسلمي هذه الأمة، وفي الحديث استحباب تلاوة هذه الآية عند توجيه الأضحية للذبح، وقد تقدم ذكرها في دعاء الاستفتاح في الصلاة (اللهم منك) أي هذه الأضحية عطية ومنحة واصلة إلي منك (ولك) أي مذبوحة وخالصة لك، وفي المصابيح "إليك" مكان "لك" أي واصلة وراجعة إليك، أو أتقرب به إليك (عن محمد) أي صادرة عنه (وأمته) أي قال في أحدهما عن محمد، وفي الآخر عن أمته، كما في حديث أبي سلمة عن عائشة وأبي هريرة عند ابن ماجه في أوائل الأضاحي (بسم الله، والله أكبر) بالواو، وعند أحمد (ج٣ ص٣٧٥) ((بسم الله الله أكبر)) بغير الواو. (رواه أحمد) (ج٣ ص٣٧٥) ، (وأبوداود) وسكت عنه (وابن ماجه والدارمي) ، وأخرجه أيضاً البيهقي (ج٩ ص٢٦٨، ٢٨٧) ، وفي إسناده عندهم محمد بن إسحاق، وقد صرح بالتحديث في روايته عن يزيد بن أبي حبيب عند أحمد، وفيه أيضاً أبوعياش المعافري المصري، قال الحافظ في التقريب: مقبول، وفي التضحية بالخصي أحاديث عن جماعة من الصحابة عائشة وأبي هريرة وأبي رافع وأبي الدرداء ذكرها الزيلعي في نصب الراية (ج٤ ص٢١٥-٢١٦) ، والحافظ في الدراية (ص٣٢٦) ، والتلخيص (ص٣٨٥) ، والشوكاني في النيل، ولجابر حديث آخر رواه أبويعلى، قال الهيثمي بعد ذكره: إسناده حسن. (وفي رواية لأحمد)
стр. 2056
وأبي داود، والترمذي ذبح بيده وقال: ((بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي)) .
١٤٧٧- (١٠) وعن حنش قال: رأيت علياً يضحي بكبشين، فقلت له: ما هذا؟ فقال: إن رسول الله ﷺ أوصاني أن أضحي عنه، فأنا أضحي عنه.
ــ
(ج٣ ص٣٥٦، ٣٦٢) (وأبي داود والترمذي ذبح بيده) أول الحديث قال جابر: شهدت مع النبي ﷺ الأضحى بالمصلى، فلما قضى خطبته نزل عن منبره فأتي بكبش فذبحه رسول الله ﷺ بيده ... الخ. (اللهم هذا) أي الكبش (عني) أي اجعله أضحية عني (وعمن لم يضح من أمتي) قد استدل بهذا الحديث على عدم وجوب الأضحية؛ لأن الظاهر أن تضحيته ﷺ عن أمته تجزئ كل من لم يضح سواء كان متمكناً من الأضحية أو غير متمكن، وهذه الرواية عند أحمد وأبي داود والترمذي من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب عن جابر بن عبد الله، وقد سكت عليه أبوداود، وقال الترمذي: حديث غريب من هذا الوجه، وقال المطلب بن عبد الله بن حنطب يقال إنه لم يسمع من جابر – انتهى. قال المنذري: وقال أبوحاتم الرازي: يشبه أن يكون أدركه – انتهى. وقال في التهذيب (ج١٠ ص١٧٩) : قال ابن أبي حاتم في المراسيل عن أبيه: لم يسمع من جابر ... الخ.
١٤٧٧- قوله (وعن حنش) بفتح الحاء المهملة وبالنون الخفيفة المفتوحة بعدها معجمة، هو حنش بن المعتمر، ويقال: ابن ربيعة الكناني أبوالمعتمر الكوفي، من أوساط التابعين، قال الحافظ في التهذيب (ج٣ ص٥٨-٥٩) : قال أبوداود والعجلي: ثقة، وقال البخاري: يتكلمون في حديثه، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن حبان: كان كثير الوهم في الأخبار ينفرد عن علي بأشياء لا تشبه حديث الثقات حتى صار ممن لا يحتج بحديثه، وذكره العقيلي والساجي وابن الجارود وأبوالعرب الصقلي في الضعفاء، وقال ابن حزم في المحلى: ساقط مطرح – انتهى. وقال في التقريب: صدوق له أوهام. (يضحي بكبشين) أحدهما عن النبي ﷺ والآخر عن نفسه، كما في رواية الترمذي وأحمد والحاكم (ج٤ ص٢٢٩-٢٣٠) . (ما هذا) أي ما الذي بعثك على فعلك هذا؟ (أوصاني) أي عهد إلي وأمرني (أن أضحي عنه) بعد موته بكبشين؛ كبش عنه وكبش عن نفسي (فأنا أضحي عنه) وفي رواية الترمذي، فقال: أمرني به يعني النبي ﷺ فلا أدعه أبداً، والحديث يدل على أن التضحية تجوز عمن مات، قال الترمذي: قد رخص بعض أهل العلم أن يضحى عن الميت ولم ير بعضهم أن يضحى عنه، وقال عبد الله بن المبارك: أحب إلي أن يتصدق عنه ولا يضحى، وإن ضحى فلا يأكل منها شيئاً ويتصدق بها كلها – انتهى. قال في غنية الألمعي ما محصله: إن قول من رخص في التضحية عن الميت مطابق للأدلة، ولا دليل لمن منعها، وقد
стр. 2057
رواه أبوداود، وروى الترمذي نحوه.
ــ
ثبت أنه ﷺ كان يضحي بكبشين؛ أحدهما عن نفسه وأهل بيته والآخر عن أمته ممن شهد له بالتوحيد وشهد له البلاغ، ومعلوم أن كثيراً من أمته قد كانوا ماتوا في عهده ﷺ ، فدخل في أضحيته ﷺ الأحياء والأموات كلهم، ولكبش الواحد الذي يضحي به عن أمته كما كان للأحياء من أمته كذلك كان للأموات من أمته بلا تفرقة، ولم يثبت أن النبي ﷺ كان يتصدق بذلك الكبش كله، ولا يأكل منه شيئاً، أو كان يتصدق بجزء معين بقدر حصة الأموات، بل قال أبورافع: إن رسول الله ﷺ يطعمهما جميعاً المساكين، ويأكل هو وأهله منهما، رواه أحمد، وكان دأبه ﷺ أنه يأكل من الأضحية هو وأهله، ويطعم منها المساكين، وأمر بذلك أمته، ولم يحفظ عنه خلافه، فإذا ضحى الرجل عن نفسه وعن بعض أمواته، أو عن نفسه وعن أهله وعن بعض أمواته فيجوز أن يأكل هو وأهله من تلك الأضحية، وليس عليه أن يتصدق بها كلها، نعم إن تخص الأضحية للأموات من دون شركة الأحياء فيها فهي حق للمساكين كما قال عبد الله بن المبارك – انتهى ما في غنية الألمعي محصلاً. قال شيخنا في شرح الترمذي: لم أجد في التضحية عن الميت منفرداً حديثاً مرفوعاً صحيحاً. وأما حديث علي هذا فضعيف، فإذا ضحى الرجل عن الميت منفرداً فالاحتياط أن يتصدق بها كلها – انتهى. (رواه أبوداود، وروى الترمذي نحوه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج١ ص١٠٧، ١٤٩) ، والحاكم (ج٤ ص٢٢٩-٢٣٠) ، والبيهقي (ج٩ ص٢٨٨) كلهم من طريق شريك بن عبد الله النخعي عن أبي الحسناء عن الحكم عن حنش، وقد سكت عليه أبوداود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك، وقال المنذري بعد نقل كلام الترمذي: وحنش قد تكلم فيه غير واحد، ثم نقل كلام ابن حبان، ثم قال: وشريك بن عبد الله فيه مقال، وقد أخرج له مسلم في المتابعات – انتهى. قال شيخنا: وأبوالحسناء شيخ شريك به عبد الله مجهول كما قال الحافظ في التقريب، فالحديث ضعيف – انتهى. وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند (ج٢ ص١٥٢) : إسناده صحيح، وقال بعد نقل كلام الترمذي: وفي طبعة بولاق (ج١ ص٢٨٢-٢٨٣) زيادة نصها "قال محمد: قال علي بن المديني: وقد رواه غير شريك. قلت له: أبوالحسناء ما اسمه فلم يعرفه. قال مسلم: اسمه الحسن"، وهذه الزيادة ثابتة في مخطوطتنا الصحيحة من الترمذي، وأبوالحسناء هذا مترجم له في التهذيب، فلم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وقال: اسمه الحسن، ويقال: الحسين، وترجمه الذهبي في الميزان فقال: لا يعرف، ولكن الحديث رواه الحاكم، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأبوالحسناء هذا هو الحسن بن الحكم النخعي، ووافقه الذهبي، والراجح عندي ما قاله الحاكم، والحسن بن الحكم النخعي الكوفي يكنى أباالحسن. ورجح الحافظ في التهذيب (ج٢ ص٢٧١) أنه يكنى أباالحكم، فقد اختلف في كنيته، فالظاهر أن بعضهم كناه أيضاً أباالحسناء، وهو من شيوخ شريك
стр. 2058
١٤٧٨- (١١) وعن علي قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن، وأن لا نضحي بمقابلة ولا مدابرة، ولا شرقاء ولا خرقاء.
ــ
أيضاً، وقد وثقه أحمد وابن معين، وترجمه البخاري في الكبير فلم يذكر فيه جرحاً – انتهى. قلت: في كون هذا الحديث صحيحاً عندي نظر قوي، وهذا لا يخفى على من تأمل في ترجمة شريك وأبي الحسناء وحنش.
١٤٧٨- قوله (أن نستشرف العين والأذن) أي نبحث عنهما ونتأمل في حالهما لئلا يكون فيهما عيب ونقصان يمنع عن جواز التضحية بها , قيل: والاستشراف إمعان النظر، والأصل فيه وضع يدك على حاجبك كيلا تمنعك الشمس من النظر، مأخوذ من الشَرَف، وهو المكان المرتفع، فإن من أراد أن يطلع على شيء أشرف عليه – أي اطلع عليه من فوق -. وقال ابن الملك: الاستشراف الاستكشاف. قال الطيبي: وقيل: هو من الشرفة – بضم الشين وسكون الراء -، وهي خيار المال، أي أمرنا أن نتخيرهما أن نختار ذات الأذن والعين الكاملتين، كذا في المرقاة. وقال السيوطي في حاشية الترمذي: اختلف في المراد به، هل هو من التأمل والنظر من قولهم: استشرف إذا نظر من مكان مرتفع، فإنه أمكن في النظر والتأمل، أو هو تحري الإشراف بأن لا يكون في عينه أو أذنه نقص؟ وقيل: المراد به كبر العضوين المذكورين؛ لأنه يدل على كونه أصيلاً في جنسه، قال الشافعي: معناه أن نضحي بواسع العينين، طويل الأذنين، وقال الجوهري: أذن شرفاء أي طويلة، والقول الأول هو المشهور، ذكره السندي. وقال الجزري في جامع الأصول (ج٤ ص٣٨٩) الاستشراف هو أن تضع يدك على حاجبك كالذي يستظل من الشمس حتى يستبين الشيء، والمعنى في الحديث: أمرنا أن نختبر العين والأذن، فتأمل سلامتهما من آفة تكون بهما (وأن لا نضحي) بتشديد الحاء (بمقابلة) بفتح الباء هي التي قطع من قبل أذنها شيء ثم ترك معلقاً من مقدمها، قال في القاموس: هي شاة قطعت أذنها من قدام وتركت معلقة، ومثله في النهاية إلا أنه لم يقيد بقدام، وقال في جامع الأصول: شاة مقابلة إذا قطع من مقدم أذنها قطعة وتركت معلقة كأنها زئمة. (ولا مدابرة) بفتح الباء أيضاً، وهي التي قطع من دبر أذنها وترك معلقاً من مؤخرها، قال في النهاية: المدابرة أن يقطع من مؤخر أذن الشاة شيء ثم يترك معلقاً كأنه زَئَمة. (ولا شرقا) بالمد، أي مشقوقة الأذن بإثنين أي نصفين، شَرَّق أذنَها يَشْرُق شرقاً إذا شقها، كذا في النهاية. وقال في القاموس: شَرَّقَ الشاة شَرْقاً: شق أذنها، وشَرِقَت الشاة كفرح: انشقت أذنها طولاً فهي شرقا – انتهى. (ولا خرقا) بالمد أي مثقوبة الأذن ثقباً مستديراً، وقيل: الشرقاء ما قطع أذنها طولاً والخرقاء ما قطع أذنها عرضاً، زاد في رواية لأحمد والنسائي وابن ماجه "جدعاء" من الجدع، وهو قطع الأنف أو الأذن أو الشفة، وهو بالأنف أخص، فإذا أطلق غلب عليه، والحديث يدل على النهي عن التضحية بالتي قطع بعض أذنها من قبلها أو دبرها وترك معلقاً، وبمشقوقة
стр. 2059
رواه الترمذي، وأبوداو، والنسائي، والدارمي، وابن ماجه، وانتهت روايته إلى قوله "والأذن".
ــ
الأذن طولاً بنصفين، وبمثقوبة الأذن ثقباً مستديراً، وحمله الجمهور على الكراهة والتنزيه، قال ابن قدامة في المغني (ج٨ ص٦٢٦) : هذا نهي تنزيه، ويحصل الإجزاء بها، ولا نعلم يه خلافاً، ولأن اشتراط السلامة من ذلك يشق، إذ لا يكاد يوجد سالم من هذا كله – انتهى. وقال القاري: يجوز التي شقت أذنها طولاً أو من قبل وجهها، وهي متدلية أو من خلفها، فالحديث محمول على التنزيه، وقال ابن جماعة: ذهب الأربعة إلى أن تجزئ الشرقاء وهي التي شقت أذنها، والخرقاء وهي المثقوبة الأذن من كيّ أو غيره – انتهى. قلت: وإليه يشير تبويب الترمذي حيث بوب على حديث البراء الآتي "باب ما لا يجوز من الأضاحي"، ثم بوب على حديث علي هذا "باب ما يكره من الأضاحي"، ولم أقف على دليل قوي يصرف النهي عن معناه الحقيقي، وهو التحريم المستلزم لعدم الإجزاء، ومن يدعي أنها تجزئ مع الكراهة يحتاج إلى إقامة دليل قوي على ذلك، ولا مخالفة بينه وبين حديث علي في النهي عن عضباء الأذن حتى يحتاج إلى الجمع بينهما، فيحمل الحديث الذي نحن بصدد شرحه على التنزيه، كما زعم الطحاوي، فإنه مبني على اتحاد مفهوم عضباء الأذن ومفهوم ما ذكر في هذا الحديث من المقابلة وغيرها، والظاهر أنهما مختلفان، فالراجح أنه لا تجوز التضحية بشاة قطع بعض أذنها أو شقت طولاً أو ثقبت كما لا يجوز أعضب الأذن، والله تعالى أعلم. (رواه الترمذي) الخ، وأخرجه أيضاً أحمد (ج١ ص١٢٨، ١٤٨) ، والبزار وابن حبان والحاكم (ج٤ ص٢٢٤) ، والبيهقي (ج٩ ص٢٧٥) ، وسكت عنه أبوداود، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، ونقل المنذري كلام الترمذي وأقره، وصححه ابن حبان والحاكم، ووافق الذهبي الحاكم، وسكت عليه الحافظ في الدراية (ص٣٢٥) ، وقال في التلخيص: وأعله الدارقطني – انتهى. ولم يذكر وجه التعليل، ولعله أعله بالوقف، وهذا ليس بشيء فإنه في حكم المرفوع؛ لأن مثل هذا لا يقال بالرأي (وانتهت روايته) أي رواية ابن ماجه (إلى قوله: والأذن) بالنصب على الحكاية، وهي الأولى، واعلم أن لحديث علي هذا طريقين: طريق أبي إسحاق السبيعي عن شريح بن النعمان الصائدي عن علي، وطريق سلمة بن كهيل عن حجية بن عدي عن علي، فرواه أحمد (ج١ ص١٢٨، ١٤٩) ، والترمذي وأبوداود والنسائي والدارمي والحاكم والبيهقي من الطريق الأول مطولاً بكلا الجزئين، وروى أحمد (ج١ ص٨٠) ، والنسائي والحاكم أيضاً وابن ماجه من هذا الطريق مختصراً أي الجزء الثاني فقط، يعني النهي عن التضحية بمقابلة ... الخ، وروى أحمد (ج١ ص٩٥، ١٠٥، ١٥٢) والنسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي والدارمي من الطريق الثاني الجزء الأول فقط، أي الأمر باستشراف العين والأذن، فالحديث رواه ابن ماجه بكلا الجزئين لكن من طريقين، وقد روى أحمد (ج١ ص١٣٢) الجزء الأول من طريق أخرى أيضاً، وهي طريق أبي إسحاق عن هبيرة بن يريم عن علي، وهذه الطرق كلها صحيحة.
стр. 2060
١٤٧٩- (١٢) وعنه قال: نهى رسول الله ﷺ أن نضحي بأعضب القرن والأذن. رواه ابن ماجه.
ــ
١٤٧٩- قوله (نهى رسول الله ﷺ أن نضحي) كذا في جميع نسخ المشكاة الموجودة عندنا أي بصيغة جمع المتكلم، وفي المصابيح "يضحي" بالياء، وكذا في ابن ماجه، وهكذا نقله الجزري في جامع الأصول (بأعضب القرن والأذن) أي مكسور القرن ومقطوع الأذن، قاله ابن الملك، فيكون من باب علفتها تبناً وماءً بارداً، وقيل: مقطوع القرن والأذن، والعضب القطع، كذا في المرقاة. وذكر في رواية غير ابن ماجه قال قتادة – راوي هذا الحديث -: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب – يعني قلت له ما الأعضب؟ - فقال: العضب ما بلغ النصف فما فوق ذلك، قال الشوكاني في النيل: في الحديث دليل على أنها لا تجزئ التضحية بأعضب القرن والأذن، وهو ما ذهب نصب قرنه أو أذنه، وذهب أبوحنيفة والشافعي والجمهور إلى أنها تجوز التضحية بمكسورة القرن مطلقاً، وكرهه مالك إذا كان يدمي وجعله عيباً، وقال في القاموس: إن العضباء الشاة المكسورة القرن الداخل، فالظاهر أن مكسورة القرن لا تجوز التضحية بها إلا أن يكون الذاهب من القرن مقداراً يسيراً بحيث لا يقال لها عضباء لأجله، أو يكون دون النصف إن صح أن التقدير بالنصف المروي عن سعيد بن المسيب لغوي أو شرعي، وكذلك لا تجزي التضحية بأعضب الأذن، وهو ما صدق عليه اسم العضب لغة أو شرعاً – انتهى. قال شيخنا: قال في الفائق: العضب في القرن داخل الانكسار، ويقال: للانكسار في الخارج القصم، وكذلك في القاموس كما عرفت، وقال فيه: القصماء المعز المكسورة القرن الخارج – انتهى. فالظاهر عندي أن المكسورة القرن الخارج تجوز التضحية بها، وأما المكسورة القرن الداخل فكما قال الشوكاني من أنها لا تجوز التضحية بها إلا أن يكون الذاهب من القرن الداخل مقداراً يسيراً ... الخ، والله تعالى أعلم. (رواه ابن ماجه) وأخرجه أيضاً الشافعي وأحمد والترمذي وأبوداود والنسائي والحاكم والبيهقي، وصححه الترمذي، وسكت عنه أبوداود، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره كما يظهر مما نقله صاحب العون، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وقيل: في تصحيح هذا الحديث نظر، فإن جري بن كليب السدوسي البصري هو الذي روى هذا الحديث عن علي، وقد سئل عنه أبوحاتم الرازي فقال: شيخ لا يحتج بحديثه، وقال ابن المديني: مجهول لا أعلم أحداً روى عنه غير قتادة، قلت: وكان قتادة يثني عليه خيراً، وقال العجلي: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في ثقات، وقال في التقريب: مقبول، فالحديث لا ينحط عن درجة الحسن، والعبرة برواية الراوي لا برأيه.
стр. 2061
١٤٨٠- (١٣) وعن البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ سئل ماذا يتقى من الضحايا؟ فأشار بيده فقال: ((أربعاً: العرجاء البين ظلعها، والعوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء
ــ
١٤٨٠- قوله (ماذا يتقى) بصيغة المجهول من الاتقاء أي يحترز ويجتنب، وهذا لفظ مالك وأحمد والدارمي في رواية، ولفظ أبي داود وأحمد في رواية: ((أربع لا تجوز)) ، ولفظ ابن ماجه: ((أربع لا تجزئ)) ، ونحوه رواية النسائي، وكذا وقع عند الدارمي في رواية، وللترمذي: ((لا يضحى بالعرجاء ... )) الخ. (من الضحايا) من بيانية لما (فأشار بيده) أي بأصابعه كما في رواية للنسائي (فقال: أربعاً) كذا في جميع النسخ، وهكذا في المصابيح، أي اتقوا أربعاً، وفي الموطأ: وقال: ((أربع)) بالرفع، وكذا عند أحمد (ج٤ ص٣٠١) نعم وقع في رواية للبيهقي (ج٩ ص٢٧٤) فقال: ((أربعاً)) بالنصب، والظاهر أن ما في المشكاة خطأ من الناسخ، والله تعالى أعلم. (العرجاء) بالنصب بدلاً من أربعاً، ويجوز الرفع على أنه خبر، كذا في الأزهار (البين) بالوجهين أي الظاهر (ظلعها) بفتح الظاء وسكون اللام وبفتح، أي عرجها، وهو أن يمنعها المشي، قال السندي: المشهور على ألسنة أهل الحديث فتح الظاء واللام، وضبطه أهل اللغة بفتح الظاء وسكون اللام، هو العرج، قال: كأن أهل الحديث راعوا مشاكلة العور والمرض – انتهى. قال ابن قدامة: العرجاء البين عرجها هي التي بها عرج فاحش، وذلك يمنعها من اللحاق بالغنم، فتسبقها إلى الكلأ فيرعينه ولا تدركهن فينقص لحمها، فإن كان عرجاً يسيراً لا يفضي بها إلى ذلك أجزأت (والعوراء) بالمد تأنيث الأعور، عطف على العرجاء (البين عورها) بفتح العين والواو، وهو ذهاب بصر إحدى العينين، أي العوراء يكون عورها ظاهراً بيناً، وفيه أن العور إذا كان خفيفاً لا يظهر وإنما يتوهمه فلا حاجة إلى أن تعرفه بجد وتكلف (والمريضة البين مرضها) هي التي لا تعتلف، قاله القاري، وقال ابن قدامة: هي التي يبين أثر المرض عليها؛ لأن ذلك ينقص لحمها ويفسده، وهذا أصح. وقال القاضي: إن المراد بالمريضة الجرباء؛ لأن الجرب يفسد اللحم ويهزل إذا كثر، وهذا قول أصحاب الشافعي، وهذا تقييد للمطلق وتخصيص للعموم بلا دليل، فالمعنى يقتضي العموم كما يقتضيه اللفظ، فإن كان المرض يفسد اللحم وينقصه فلا معنى للتخصيص مع عموم اللفظ والمعنى – انتهى. والحديث يدل على أن العيب الخفي في الضحايا معفو عنه، قاله ابن الملك، وقال الشوكاني: فيه دليل على أن متبينة العور والعرج والمرض لا يجوز التضحية بها إلا ما كان من ذلك يسيراً غير بين (والعجفاء) أي المهزولة، وهذا لفظ مالك والترمذي، وكذا عند أحمد والنسائي والدارمي في رواية، وفي رواية أخرى لهم: الكسيرة بدل العجفاء، وكذا عند أبي داود، وفسر بالمنكسر أي
стр. 2062
التي لا تنقي)) .
ــ
الرجل التي لا تقدر على المشي، فعيل بمعنى مفعول، ورواية العجفاء أظهر معنى (التي لا تنقي) بضم التاء الفوقية وإسكان النون وكسر القاف، من أنقى إذا صار ذا نقى – بكسر النون وإسكان القاف – أي ذا مخ، فالمعنى: التي ما بقي لها مخ من غاية العجف أي الهزال، قال التوربشتي: هي المهزولة التي لا نقى لعظامها، يعني لا مخ لها من العجف، يقال: أنْقَت الناقة أي صار فيها نقى، أي سمنت ووقع في عظامها المخ، قال الترمذي: والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم، قال النووي: وأجمعوا على أن العيوب الأربعة المذكورة في حديث البراء لا تجزئ التضحية بها، وكذا ما كان في معناها أو أقبح منها كالعمى وقطع الرجل وشبهه – انتهى. وروى أحمد والبخاري في تاريخه وأبوداود والحاكم (ج١ ص٤٦٩) والبيهقي (ج٩ ص٢٧٥) عن عتبة بن عبد السلمي: نهى رسول الله ﷺ عن المُصَفَّرة – أي ذاهبة جميع الأذن – والمستأصَلَة – هي التي أخذ قرنها من أصله – والبخقاء – من البخق وهو أن يذهب البصر وتبقى العين قائمة -، قاله الجزري، وقال المجد: البَخَق – محركة – أقبح العور وأكثره غمصاً أو أن لا يلتقي شفر عينه على حدقته، وقال الخطابي: بخق العين فقؤها -، المشيَّعَة – بفتح الياء، أي التي تحتاج إلى من يشيّعها أي يتبعها الغم لضعفها، وبالكسر وهي التي تشيع الغنم أي تتبعها لعجفها، قاله المجد. وقال الجزري: هي التي لا تزال تتبع الغنم عجفاً أي لا تلحقها فهي أبداً تشيعها أي تمشي وراءها، هذا إن كسرت الياء، وإن فتحتها فلأنها يحتاج إلى من يشيعها، أي يسوقها لتأخرها عن الغنم -، والكسراء – أي التي لا تقوم من الهزال، وقيل: المنكسر الرجل التي لا تقدر على المشي -. فالمصفرة التي تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها، والمستأصلة التي ذهب قرنها من أصله، والبخقاء التي تبخق عينها، والمشيعة التي لا تتبع الغنم عجفاً وضعفاً، والكسراء التي لا تنقي – انتهى. قلت: ولا تجزئ أيضاً ما قطع منها عضو كالإلية والأطباء – وهي حلمات الضرع -. وقد روى الطبراني في الأوسط والحاكم في النهي عن المصطلمة الأطباء حديثاً مرفوعاً، لكنه ضعيف، فيه علي بن عاصم، وقد ضعفوه، وأما العيب الحادث بعد تعيين الأضحية فلا يضر لما روى أحمد وابن ماجه والبيهقي عن أبي سعيد قال: اشتريت كبشاً أضحي به، فعدا الذئب فأخذ الإلية، قال: فسألت النبي ﷺ فقال: ((ضح به)) انتهى. فهذا دليل على أن من اشترى أضحية صحيحة تامة ثم عرض لها عنده نقص لا يضر ذلك، فيذبحها وتكون أضحية، وإليه ذهب أحمد ومالك والشافعي وإسحاق والثوري والزهري والنخعي والحسن وعطاء، لكن الحديث ضعيف في إسناده جابر الجعفي وهو ضعيف جداً، وفيه أيضاً محمد بن قرظة وهو مجهول، وقد قيل: إنه وثقه ابن حبان، ويقال: إنه لم يسمع من أبي سعيد، وتجزئ الجماء وهي التي لم يخلق لها قرن؛ لأنه لا ينقص اللحم ولا يخل بالمقصود ولم يرد به النهي، ولأنه ليس بمرض ولا عيب، والصمعاء وهي الصغيرة الأذن، والبتراء وهي التي لا ذنب لها خلقة، وأما الثرماء أي التي ذهب بعض أسنانها فنقل القاضي حسين عن الشافعي أنه قال: لا نحفظ
стр. 2063
رواه مالك، وأحمد، والترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي.
١٤٨١- (١٤) وعن أبي سعيد قال: كان رسول الله ﷺ يضحي بكبش أقرن فحيل، ينظر في سواد، ويأكل في سواد، ويمشي في سواد، رواه الترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه.
١٤٨٢- (١٥) وعن مجاشع من بني سليم، أن رسول الله ﷺ كان يقول: ((إن الجذع يوفي
ــ
عن النبي ﷺ في نقص الأسنان شيئاً، يعني في النهي، والله تعالى أعلم. (رواه مالك ... ) الخ وأخرجه أيضاً ابن حبان والحاكم (ج١ ص٤٦٨) ، و (ج٤ ص٢٢٣) ، والبيهقي (ج٩ ص٢٧٤) ، وصححه الترمذي والحاكم، وسكت عنه أبوداود، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره.
١٤٨١- قوله (أقرن) أي ذي قرنين (فحيل) بفتح الفاء وكسر الحاء المهملة، أي كامل الخلقة لم تقطع أنثياه، ولا اختلاف بين هذه الرواية وبين رواية الموجوئين لحملهما على وقتين، وكل منهما فيه صفة مرغوبة، فإن الموجوء يكون أسمن وأطيب لحماً، والفحيل أتم خلقة، قال الشوكاني: فيه أن النبي ﷺ ضحى بالفحيل كما ضحى بالخصي، وقيل: الفحيل المنجب في ضرابه، قال في القاموس: فحل فحيل كريم منجب في ضرابه، وكذا في النهاية. وقال الخطابي: هو الكريم المختار للفِحْلة، وأما الفحل فهو عام في الذكورة منها - أي يطلق على الذكر من كل حيوان -، وقالوا: في ذكورة النخل فُحّال فرقاً بينه وبين سائر الفحول من الحيوان - انتهى. (ينظر في سواد) أي حول عنينه سواد (ويأكل في سواد) أي فمه أسود (ويمشي في سواد) أي قوائمه سود مع بياض سائره، زاد في رواية البيهقي: ويبطن في سواد، أي يبرك في سواد يعني في بطنه سواد، وفيه أنها تستحب التضحية بما كان على هذه الصفة. رواه (الترمذي) وصححه (وأبوداود) وسكت عنه، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره (والنسائي وابن ماجه) ، وأخرجه أيضاً أحمد والحاكم (ج٤ ص٢٢٨) والبيهقي (ج٩ ص٢٧٣) وصححه ابن حبان وهو على شرط مسلم، قاله صاحب الاقتراح، وصححه أيضاً الحاكم، وقال الذهبي: على شرط البخاري ومسلم.
١٤٨٢- قوله (وعن مجاشع) بضم الميم وتخفيف الجيم وبشين معجمة مكسورة (من بني سليم) بالتصغير، وهو مجاشع بن مسعود بن ثعلبة بن وهب السلمي، صحابي، قتل يوم الجمل قبل الوقعة سنة (٣٦) ، قال العسكري: كان مع عائشة، وقال عمر بن شبة: استخلفه المغيرة بن شعبة على البصرة في خلافة عمر (أن الجذع) أي من الضأن، كما في رواية للبيهقي، وهو ما تمت له سنة (يوفى) بصيغة المعلوم من التوفية أو الإيفاء، يقال: أوفاه
стр. 2064
مما يوفى منه الثني، رواه أبوداود، والنسائي، وابن ماجه.
١٤٨٣- (١٦) وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((نعمت الأضحية الجذع من الضان)) رواه الترمذي.
١٤٨١- (١٧) وعن ابن عباس قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقرة سبعة،
ــ
حقه ووفاه إذا أعطاه وافيا أي تاماً، والمراد يجزئ ويكفي (مما يوفى منه الثني) أي من المعز، والثني هو المسن يعني أن الجذع من الضأن يجزئ في الأضحية كما يجزئ الثني من المعز. ففي رواية النسائي والبيهقي: أن الجذعة تجزئ مما تجزئ منه التثنية. وفيه دليل على أنها تجوز التضحية بالجذع من الضأن كما ذهب إليه الجمهور فيرد به على ابن عمر والزهري حيث قالا: إنه لا يجزئ، وقد تقدم الكلام على ذلك. (رواه أبوداود والنسائي وابن ماجه) لكن لم يسم النسائي الصحابي، بل وقع عنده أنه رجل من مزينة، وأن ذلك كان في سفر فيستدل به على أن المسافر يضحي كالمقيم. والحديث أخرجه أيضاً الحاكم (ج٤ ص٢٢٦) والبيهقي (ج٩ ص٢٧٠-٢٧١) وقد سكت عنه أبوداود وصححه الحاكم. وقال المنذري: في إسناده عاصم بن كليب. قال ابن المديني: لا يحتج به إذا انفرد، وقال أحمد: لا بأس بحديثه، وقال أبوحاتم الرازي: صالح، وأخرج له مسلم – انتهى.
١٤٨٣- قوله (نعمت الأضحية) بكسر الهمزة وضمها أشهر (الجذع من الضأن) مدحه ﷺ ليعلم الناس أنه جائز في الأضحية بخلاف الجذع من المعز فإنها لا تجزئ. (رواه الترمذي) وقال: غريب، وقد روي هذا عن أبي هريرة موقوفاً، وقال في علله الكبير: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: رواه عثمان بن واقد، فرفعه إلى النبي ﷺ ، ورواه غيره فوقفه على أبي هريرة، وسألته عن اسم أبي كباش – راوي الحديث عن أبي هريرة – فلم يعرفه – انتهى. كذا في نصب الراية (ج٤ ص٢١٧) . وقال الحافظ في الدراية (ص٣٢٦) : استغربه الترمذي، ونقل عن البخاري أنه أشار إلى أن الراجح وقفه – انتهى. قلت: أبوكباش – بكسر الكاف وآخره معجمة بصيغة الجمع – العيشي، وقيل: السلمي، مجهول، قاله في التقريب واللسان، وقال الذهبي: لا يعرف، ولذلك قال الحافظ في الفتح (ج٢٣ ص٣٢٩) : في سنده ضعف، والحديث أخرجه أيضاً البيهقي (ج٩ ص٢٧١) .
١٤٨٤- قوله (فحضر الأضحى) أي يوم عيده (فاشتركنا في البقرة سبعة) أي سبعة أشخاص بالنصب على تقدير أعني بياناً لضمير الجمع، قاله الطيبي. وقيل: نصب على الحال، وقيل: مرفوع بدلاً من ضمير "اشتركنا".
стр. 2065
وفي البعير عشرة. رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
١٤٨٥- (١٨) وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : ((ما عمل ابن آدم من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم، وإنه ليأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها،
ــ
والظاهر أنه منصوب على الحال (وفي البعير عشرة) فيه دليل على أنه يجوز اشتراك عشرة أشخاص في البعير في الأضحية، وبه قال إسحاق بن راهويه وابن خزيمة، وهو الحق خلافاً للجمهور، قالوا: إنه منسوخ، ولا يخفى ما فيه. (رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج١ ص٢٧٥) وابن حبان في صحيحه، والحاكم (ج٤ ص٢٣٠) وقال: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي. ويشهد له ما روي عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً: الجزور في الأضحى عن عشرة. قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير، وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط، ويشهد له أيضاً ما روى الطبراني في الكبير، والحاكم (ج٤ ص٢٣٠-٢٣١) من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد عن الليث عن إسحاق بن بزرج عن زيد بن الحسن بن علي عن أبيه عن الحسن بن علي قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نلبس أجود ما نجد، وأن نتطيب بأجود ما نجد، وأن نضحي بأسمن ما نجد، البقرة عن سبعة والجزور عن عشرة....الحديث، قال الهيثمي: عبد الله بن صالح قال عبد الملك بن شعيب بن الليث: ثقة مأمون، وضعفه أحمد وجماعة – انتهى. وقال الحاكم: لولا جهالة إسحاق بن بزرج لحكمت للحديث بالصحة – انتهى. قلت: ليس بمجهول، فقد ضعفه الأزدي، ووثقه ابن حبان، ذكره في التلخيص (ص١٤٣) وذكره ابن أبي حاتم بروايته عن الحسن ورواية الليث عنه فلم يذكر فيه جرحاً، كذا في اللسان (ج١ ص٣٥٣) .
١٤٨٥- قوله (ما عمل ابن آدم) وفي رواية الترمذي: ((ما عمل آدمي)) (من عمل) من زائدة لتأكيد الاستغراق، أي عملاً (يوم النحر) بالنصب على الظرفية (أحب) بالنصب صفة عمل، وقيل: بالرفع، وتقديره: هو أحب. وفي رواية الحاكم: ما تقرب إلى الله تعالى يوم النحر بشيء هو أحب (من إهراق الدم) أي صبه، قال ابن العربي: لأن قربة كل وقت أخص به من غيرها وأولى، ولأجل ذلك أضيف إليه، أي فيقال يوم النحر وهو محمول على غير فرض الأعيان كالصلاة. (وإنه) أي الشأن، وقال الطيبي: الضمير راجع إلى ما دل عليه إهراق الدم يعني المهراق دمه، وقال ابن الملك: إنه أي المضحى به (بقرونها) جمع قرن (وأشعارها) جمع شعر (وأظلافها) جمع ظلف، وضمير التأنيث باعتبار أن المهراق دمه أضحية، قال زين العرب: يعني أفضل العبادات يوم النحر إراقة دم القربان وإنه يأتي يوم القيامة كما كان في الدنيا من غير نقصان شيء منه؛ ليكون بكل عضو منه أجر، ويصير
стр. 2066
وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع بالأرض، فطيبوا بها نفساً)) ، رواه الترمذي وابن ماجه.
ــ
مركبه على الصراط، ذكره القاري. وقال ابن العربي: يريد أنها تأتي بذلك فتوضع في ميزانه كما صرح به في حديث علي – ﵁ – انتهى. ولعله أراد بذلك ما رواه أبوالقاسم الأصبهاني عن علي بلفظ: إن رسول الله ﷺ قال: ((يا فاطمة! قومي فاشهدي أضحيتك، فإن لك بأول قطرة تقطر من دمها مغفرة لكل ذنب، أما إنه يجاء بدمها ولحمها فيوضع في ميزانك سبعين ضعفاً ... )) الحديث. قال المنذري في الترغيب: قد حسن بعض مشايخنا حديث علي هذا، والله أعلم. (وإن الدم ليقع من الله) أي من رضاه (بمكان) أي بموضع قبول (قبل أن يقع بالأرض) في رواية الترمذي ((من الأرض)) ، وفي ابن ماجه والحاكم ((على الأرض)) ، وفي البيهقي ((في الأرض)) ، يعني يقبله تعالى عند قصد الذبح قبل أن يقع دمه على الأرض، وقال العراقي في شرح الترمذي: أراد أن الدم وإن شاهده الحاضرون يقع على الأرض فيذهب ولا ينتفع به، فإنه محفوظ عند الله لا يضيع، كما في حديث عائشة: ((إن الدم وإن وقع في التراب فإنما يقع في حرز الله برمته، يوافيه صاحبه يوم القيامة)) رواه أبوالشيخ ابن حبان في كتاب الصحابة – انتهى. قلت: ويؤيد ذلك أيضاً ما روى الطبراني في الأوسط عن علي مرفوعاً ((إن الدم وإن وقع في الأرض فإنه يقع في حرز الله عزوجل)) ، ذكره المنذري في الترغيب، وصدره بلفظه "روى" وأهمل الكلام عليه في آخره. وقال الهيثمي (ج٣ ص١٧) : فيه عمرو بن الحصين العقيلي، وهو متروك الحديث. (فطيبوا بها) أي بالأضحية (نفساً) منصوب على التمييز وجعله من طيب، ونصب نفساً على المفعول بعيد، قال ابن الملك: الفاء جواب شرط مقدر أي إذا علمتم أنه تعالى يقبله يجزيكم بها ثواباً كثيراً، فلتكن أنفسكم بالتضحية طيبة غير كارهة لها – انتهى. قال العراقي: الظاهر أن هذه الجملة مدرجة من قول عائشة، وليست مرفوعة لما في رواية أبي الشيخ عن عائشة أنها قالت: يا أيها الناس! ضحوا وطيبوا بها نفساً، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من عبد يوجه أضحيته ... )) الحديث – انتهى. والحديث دليل على أن التضحية أحب الأعمال إلى الله يوم النحر. (رواه الترمذي وابن ماجه) وأخرجه أيضاً الحاكم (ج٤ ص٢٢١-٢٢٢) والبيهقي (ج٩ ص٢٦١) كلهم من طريق أبي المثنى، واسمه سليمان بن يزيد عن هشام بن عروة عن أبيه عنها، قال الترمذي: حديث حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، قلت: قال الذهبي: سليمان واهٍ وبعضهم تركه، وقال المنذري بعد نقل تحسين الترمذي وتصحيح الحاكم: سليمان واهٍ وقد وثق، وقال البيهقي: قال البخاري فيما حكى أبوعيسى عنه: هو حديث مرسل لم يسمع أبوالمثنى من هشام بن عروة. قال الشيخ: أحمد رواه ابن خزيمة عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن أبي المثنى عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن هشام عن أبيه عن عائشة أو عن عمه موسى بن عقبة هكذا بالشك أن رسول الله ﷺ قال ... الخ – انتهى. فلعل الترمذي حسنه لشواهده، وقد ذكرها المنذري في الترغيب والهيثمي في مجمع الزوائد، لكن لا يخلوا واحد منها عن كلام ويشد بعضها بعضاً، ويبلغ
стр. 2067
١٤٨٦- (١٩) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة، يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة، وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر)) ، رواه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: إسناده ضعيف.
ــ
بمجموعها إلى درجة الحسن، ولا شك أنه يقبل مثلها في فضائل الأعمال، قال ابن العربي في شرح الترمذي: ليس في فضل الأضحية حديث صحيح – انتهى. قلت: الأمر كما قال ابن العربي، والله تعالى أعلم.
١٤٨٦- قوله (ما من أيام) من زائدة وما بمعنى ليس وأيام اسمها (أحب إلى الله) بالنصب على أنه خبرها، وبالفتح صفتها وخبرها ثابتة، وقيل: بالرفع على أنه صفة أيام على المحل، والفتح على أنها صفتها على اللفظ، وقوله (أن يتعبد) في محل رفع بتأويل المصدر على أنه فاعل أحب، وقيل: التقدير لأن يتعبد أي يفعل العبادة (له) أي لله (فيها) أي في الأيام (من عشر ذي الحجة) قال الطيبي: قيل: لو قيل أن يتعبد مبتدأ وأحب خبره ومن متعلق بأحب يلزم الفصل بين أحب ومعموله بأجنبي، فالوجه أن يقرأ أحب بالفتح ليكون صفة أيام وأن يتعبد فاعله ومن متعلق بأحب، والفصل ليس بأجنبي، وهو كقوله: ما رأيت رجلاً احسن في عينه الكحل من عين زيد، وخبر ما محذوف، أقول: لو جعل أحب خبر ما وأن يتعبد متعلقاً بأحب بحذف الجار أي ما من أيام أحب إلى الله لأن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة لكان أقرب لفظاً ومعنى، أما اللفظ فظاهر، وأما المعنى فلأن سوق الكلام لتعظيم الأيام، والعبادة تابعة لها لا عكسه، وعلى ما ذهب إليه القائل يلزم العكس مع ارتكاب ذلك التعسف (يعدل) بالمعلوم، وقيل: بالمجهول أي يسوى (صيام كل يوم منها) أي ما عدا العاشر. وقال ابن الملك: أي من أول ذي الحجة إلى يوم عرفة (بصيام سنة) كذا في جميع النسخ الحاضرة، وهكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج٤ ص١٦٧) عن الترمذي، ولكن في نسخ الترمذي وابن ماجه صيام سنة أي بدون حرف الجر، يعني لم يكن فيها عشر ذي الحجة، كذا قيل، والمراد صيام التطوع فلا يحتاج إلى أن يقال لم يكن فيها أيام رمضان (رواه الترمذي وابن ماجه) كلاهما في الصوم (وقال الترمذي: إسناده ضعيف، وفي نسخ الترمذي الحاضرة عندنا قال أبوعيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث مسعود بن واصل عن النهاس بن قهم، وسألت محمداً عن هذا الحديث، فلم يعرفه من غير هذا الوجه مثل هذا، وقال: قد روي عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن النبي ﷺ مرسل شيء من هذا – انتهى. قلت: مسعود بن واصل لين الحديث، قال أبوداود: مسعود ليس بذاك ونهاس بن قهم ضعيف، كما في التقريب، ضعفه ابن معين والنسائي وغيرهما، فالحديث ضعيف.
стр. 2068
﴿الفصل الثالث﴾
١٤٨٧- (٢٠) عن جندب بن عبد الله قال: شهدت الأضحى يوم النحر مع رسول الله ﷺ ، فلم يعد أن صلى وفرغ من صلاته وسلم، فإذا هو يرى لحم أضاحي قد ذبحت قبل أن يفرغ من صلاته، فقال: ((من كان ذبح قبل أن يصلي – أن نصلي – فليذبح مكانها أخرى)) ، وفي رواية قال: صلى النبي ﷺ يوم النحر، ثم خطب، ثم ذبح وقال: ((من كان ذبح قبل أن يصلي فليذبح أخرى مكانها، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله)) متفق عليه.
ــ
١٤٨٧- قوله (شهدت) أي حضرت (الأضحى) أي عيده، وقيل: أي مصلاه (فلم يعد) بفتح الياء وسكون العين وضم الدال من عدا يعدو أي لم يتجاوز (وسلم) عطف تفسيري (فإذا هو يرى لحم أضاحي) بتشديد الياء ويخفف أي لم يتجاوز عن الصلاة إلى الخطبة ففاجأ لحم الأضاحي (فقال) أي في خطبته (من كان ذبح قبل أن يصلي) بكسر اللام أي هو (أو نصلي) أي نحن، شك من الراوي، والمآل واحد، إلا لم يكن هناك مصلى متعدد، قاله القاري، وقال الشوكاني: الأولى بالياء التحتية، والثانية بالنون، وهو شك من الراوي، ورواية النون موافقة لقوله في أول الحديث: "ذبحت قبل أن يصلى" فإن المراد صلاة النبي ﷺ ، وموافقة أيضاً لقوله في آخر الحديث: ((ومن لم يكن ذبح حتى صلينا)) ، - وقد تقدمت هذه الرواية في آخر الفصل الأول من صلاة العيدين -، وهذا يدل على أن وقت الأضحية بعد صلاة الإمام لا بعد صلاة غيره، فيكون المراد بقوله في حديث أنس – المتقدم، وكذا في رواية جندب السابقة – من كان ذبح قبل الصلاة: الصلاة المعهودة، وهي صلاة النبي ﷺ ، وصلاة الأئمة بعد انقضاء عصر النبوة، ويؤيد هذا ما أخرجه الطحاوي من حديث جابر، وصححه ابن حبان أن رجلاً ذبح قبل أن يصلي رسول الله ﷺ ، فنهى أن يذبح أحد قبل الصلاة – انتهى. وقد تقدم البسط في ذلك وبيان ما هو الراجح فيه (فليذبح مكانها) أي بدل تلك الذبيحة (أخرى) أي أضحية أخرى أو ذبيحة أخرى، (وفي رواية قال: صلى النبي ﷺ يوم النحر) صلاة العيد (وقال) أي في خطبته (من كان ذبح) وفي بعض النسخ: من ذبح، وهكذا نقله الجزري (ج٤ ص١٤٥) ، قال الحافظ: قوله "وقال: من ذبح" هو من جملة الخطبة، وليس معطوفاً على قوله "ثم ذبح" لئلا يلزم تخلل بين الخطبة، وهذا القول (قبل أن يصلي) العيد (فليذبح) ذبيحة (أخرى مكانها، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله) ، قال النووي: قال الكتاب من أهل العربية: إذا قيل باسم الله تعين كتبه بالألف، وإنما تحذف الألف إذا كتب بسم الله الرحمن الرحيم بكمالها (متفق عليه) أي على أصل الحديث، ولفظ الرواية الأولى لمسلم في
стр. 2069
١٤٨٨- (٢١) وعن نافع أن ابن عمر قال: الأضحى يومان بعد يوم الأضحى.
ــ
الأضاحي، والثانية للبخاري في باب كلام الإمام والناس في خطبة العيدين من كتاب العيدين، وللحديث ألفاظ منها ما ذكره المؤلف في العيدين، وقد تقدم هناك تخريجه.
١٤٨٨- قوله (الأضحى) قال الطيبي: هذا جمع أضحاة، وهي الأضحية كأرطى واَرطاة، أي وقت الأضاحي (يومان بعد يوم الأضحى) وهو اليوم الأول من أيام النحر، وبه أخذ أبوحنيفة ومالك وأحمد والثوري، وقالوا: ينتهي وقت الذبح بغروب ثاني أيام التشريق فآخر وقت الذبح عندهم آخر اليوم الثاني من أيام التشريق، فتكون أيام النحر ثلاثة أيام فقط يوم العيد ويومان بعده، وروي هذا عن علي وعمر وابن عباس وأبي هريرة وأنس، كما في المحلى (ج٧ ص٣٧٧) . وحكى ابن القيم وابن قدامة عن أحمد أنه قال: هو قول غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، وذكره الأثرم عن ابن عباس، واستدل لذلك بما روي من النهي عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث. قال ابن قدامة: ولا يجوز الذبح في وقت لا يجوز ادخار الأضحية إليه، ونسخ تحريم الادخار لا يستلزم نسخ وقت الذبح. وقال الشافعي: يمتد وقت الأضحية إلى غروب الشمس آخر أيام التشريق، فالأضحى عنده ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وإليه ذهب عطاء والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز وسليمان بن موسى الأسدي فقيه أهل الشام، ومكحول، وهو قول ابن عباس، روى ذلك عنهم البيهقي في السنن (ج٩ ص٢٩٦-٢٩٧) ، وابن حزم في المحلى (ج٧ ص٣٧٧-٣٧٨) ، وذكر ابن القيم في الهدي عن علي أنه قال: أيام النحر يوم الأضحى وثلاثة أيام بعده، وكذا حكاه النووي عنه في شرح مسلم، وحكاه أيضاً عن جبير بن مطعم وابن عباس وغيرهما، وحكاه ابن القيم عن الأوزاعي وابن المنذر، وبهذا يظهر خطأ من زعم تفرد الشافعي به، واستدل له بما روى جبير بن مطعم عن النبي ﷺ أنه قال: ((كل أيام التشريق ذبح)) ، أخرجه ابن حبان في صحيحه والبيهقي (ج٩ ص٢٩٦) من رواية عبد الرحمن بن حسين عنه، وأخرجه البزار من هذا الوجه، وقال: ابن أبي حسين لم يلق جبير بن مطعم، فهو منقطع، وأخرجه البيهقي في المعرفة وفي السنن، ولم يذكر فيه انقطاعاً. قلت: عبد الرحمن بن أبي حسين عن جبير بن مطعم، هكذا وقع في صحيح ابن حبان، كما في موارد الظمآن والسنن للبيهقي، وكذا نقله الزيلعي (ج٣ ص٦١، وج٤ ص٢١٢) ، وقال الحافظ في التلخيص (ص٢١٦) بعد عزوه إلى ابن حبان والطبراني والبيهقي والبزار ما لفظه: "وفي سنده انقطاع، فإنه من رواية عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين عن جبير بن مطعم، ولم يلقه، قاله البزار"، قيل: هو الصواب كما في تهذيب التهذيب (ج١٢ ص٢٩٠) ، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين هذا هو ابن الحارث بن عامر بن نوفل المكي القرشي النوفلي من رجال الستة، ثقة عالم بالمناسك، روى عن نافع بن جبير وغيره، وروى عنه: مالك والسفيانان وغيرهم، من الخامسة، أي من صغار التابعين، وهم الذي رأوا
стр. 2070
.............................
ــ
الواحد والاثنين من الصحابة، ولم يثبت لبعضهم السماع من الصحابة كالأعمش، وأما عبد الرحمن بن أبي حسين فذكره ابن حبان في الثقات في التابعين (ص١٦٠) ، قال: عبد الرحمن بن أبي حسين يروي عن جبير بن مطعم، روى عنه سليمان بن موسى، أحسبه والد عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المدني – انتهى. قلت: وصنيع ابن حبان وشرطه في صحيحه ومسلكه في كتاب الثقات على ما صرح به في آخره (ص٣٠٨) يدل على أن حديث جبير بن مطعم من طريق سليمان بن يسار عن عبد الرحمن بن أبي حسين عن جبير بن مطعم صحيح متصل غير منقطع خلافاً لما قاله البزار. قلت: حديث جبير بن مطعم هذا أخرجه الدارقطني (ص٥٤٤) والبيهقي (ج٩ ص٢٩٦) أيضاً من وجهين آخرين موصولين فيهما ضعف، أخرج أحدهما البزار، وأخرجه أحمد (ج٤ ص٨٢) ، والبيهقي (ج٩ ص٢٩٥) من طريق سليمان بن موسى عن جبير بن مطعم عن النبي ﷺ وهي أيضاً منقطعة، قال البيهقي: سليمان لم يدرك جبير بن مطعم، وكذا قال ابن كثير كما في نصب الراية (ج٣ ص٦١) ، وأخرجه ابن عدي في الكامل، والبيهقي في السنن (ج٩ ص٢٩٦) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة وضعفاه بمعاوية بن يحيى الصدفي. قال ابن عدي: هذا جميعاً غير محفوظين لا يرويهما غير الصدفي، والصدفي ضعيف لا يحتج به، وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أنه موضوع بهذا الإسناد، قال ابن القيم: روي من وجهين مختلفين يشد أحدهما الآخرين عن النبي ﷺ أنه قال: ((كل أيام التشريق ذبح)) ، وروي من حديث جبير مطعم، وفيه انقطاع، ومن حديث أسامة بن زيد عن عطاء عن جابر، قال يعقوب بن سفيان: أسامة بن زيد عند أهل المدينة ثقة مأمون – انتهى. وقال ابن حجر الهيثمي: والحاصل أن للحديث طرقاً يقوي بعضها بعضاً فهو حسن يحتج به، وبذلك قال ابن عباس وجبير بن مطعم، ونقل عن علي أيضاً، وبه قال كثير من التابعين، فمن زعم تفرد الشافعي به فقد أخطأ – انتهى. وقال ابن سيرين وحميد بن عبد الرحمن: لا تجوز الأضحية إلا في يوم النحر خاصة، وهو قول داود الظاهري؛ لأنها وظيفة عيد فلا تجوز إلا في يوم واحد كأداء الفطرة يوم الفطر، ولأن هذا اليوم اختص بهذه التسمية، فدل على اختصاص حكمها به، ولو جاز في الثلاثة لقيل لها أيام النحر كما قيل لها أيام الرمي وأيام منى وأيام التشريق، وأجيب عنه بأن المراد النحر الكامل، واللام يستعمل كثيراً للكمال، وقال القرطبي: التمسك بإضافة اليوم إلى النحر ضعيف مع قوله تعالى: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ [الحج: ٢٨] ، وقال ابن بطال: ليس استدلال بقوله – ﵇ – بشيء؛ لأن النحر في أيام منى فعل الخلف والسلف، وجرى عليه العمل في جميع الأمصار – انتهى. وقال سعيد بن جبير وجابر بن زيد: إن وقته يوم النحر فقط لأهل الأمصار، وثلاثة أيام في منى؛ لأنها هناك من أيام أعمال المناسك من الرمي والطواف والحلق، فكانت
следующие страницы →