Полный текст (4 545 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع بالأرض، فطيبوا بها نفساً)) ، رواه الترمذي وابن ماجه.
ــ
مركبه على الصراط، ذكره القاري. وقال ابن العربي: يريد أنها تأتي بذلك فتوضع في ميزانه كما صرح به في حديث علي – ﵁ – انتهى. ولعله أراد بذلك ما رواه أبوالقاسم الأصبهاني عن علي بلفظ: إن رسول الله ﷺ قال: ((يا فاطمة! قومي فاشهدي أضحيتك، فإن لك بأول قطرة تقطر من دمها مغفرة لكل ذنب، أما إنه يجاء بدمها ولحمها فيوضع في ميزانك سبعين ضعفاً ... )) الحديث. قال المنذري في الترغيب: قد حسن بعض مشايخنا حديث علي هذا، والله أعلم. (وإن الدم ليقع من الله) أي من رضاه (بمكان) أي بموضع قبول (قبل أن يقع بالأرض) في رواية الترمذي ((من الأرض)) ، وفي ابن ماجه والحاكم ((على الأرض)) ، وفي البيهقي ((في الأرض)) ، يعني يقبله تعالى عند قصد الذبح قبل أن يقع دمه على الأرض، وقال العراقي في شرح الترمذي: أراد أن الدم وإن شاهده الحاضرون يقع على الأرض فيذهب ولا ينتفع به، فإنه محفوظ عند الله لا يضيع، كما في حديث عائشة: ((إن الدم وإن وقع في التراب فإنما يقع في حرز الله برمته، يوافيه صاحبه يوم القيامة)) رواه أبوالشيخ ابن حبان في كتاب الصحابة – انتهى. قلت: ويؤيد ذلك أيضاً ما روى الطبراني في الأوسط عن علي مرفوعاً ((إن الدم وإن وقع في الأرض فإنه يقع في حرز الله عزوجل)) ، ذكره المنذري في الترغيب، وصدره بلفظه "روى" وأهمل الكلام عليه في آخره. وقال الهيثمي (ج٣ ص١٧) : فيه عمرو بن الحصين العقيلي، وهو متروك الحديث. (فطيبوا بها) أي بالأضحية (نفساً) منصوب على التمييز وجعله من طيب، ونصب نفساً على المفعول بعيد، قال ابن الملك: الفاء جواب شرط مقدر أي إذا علمتم أنه تعالى يقبله يجزيكم بها ثواباً كثيراً، فلتكن أنفسكم بالتضحية طيبة غير كارهة لها – انتهى. قال العراقي: الظاهر أن هذه الجملة مدرجة من قول عائشة، وليست مرفوعة لما في رواية أبي الشيخ عن عائشة أنها قالت: يا أيها الناس! ضحوا وطيبوا بها نفساً، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من عبد يوجه أضحيته ... )) الحديث – انتهى. والحديث دليل على أن التضحية أحب الأعمال إلى الله يوم النحر. (رواه الترمذي وابن ماجه) وأخرجه أيضاً الحاكم (ج٤ ص٢٢١-٢٢٢) والبيهقي (ج٩ ص٢٦١) كلهم من طريق أبي المثنى، واسمه سليمان بن يزيد عن هشام بن عروة عن أبيه عنها، قال الترمذي: حديث حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، قلت: قال الذهبي: سليمان واهٍ وبعضهم تركه، وقال المنذري بعد نقل تحسين الترمذي وتصحيح الحاكم: سليمان واهٍ وقد وثق، وقال البيهقي: قال البخاري فيما حكى أبوعيسى عنه: هو حديث مرسل لم يسمع أبوالمثنى من هشام بن عروة. قال الشيخ: أحمد رواه ابن خزيمة عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن أبي المثنى عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن هشام عن أبيه عن عائشة أو عن عمه موسى بن عقبة هكذا بالشك أن رسول الله ﷺ قال ... الخ – انتهى. فلعل الترمذي حسنه لشواهده، وقد ذكرها المنذري في الترغيب والهيثمي في مجمع الزوائد، لكن لا يخلوا واحد منها عن كلام ويشد بعضها بعضاً، ويبلغ
стр. 2067
١٤٨٦- (١٩) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة، يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة، وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر)) ، رواه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: إسناده ضعيف.
ــ
بمجموعها إلى درجة الحسن، ولا شك أنه يقبل مثلها في فضائل الأعمال، قال ابن العربي في شرح الترمذي: ليس في فضل الأضحية حديث صحيح – انتهى. قلت: الأمر كما قال ابن العربي، والله تعالى أعلم.
١٤٨٦- قوله (ما من أيام) من زائدة وما بمعنى ليس وأيام اسمها (أحب إلى الله) بالنصب على أنه خبرها، وبالفتح صفتها وخبرها ثابتة، وقيل: بالرفع على أنه صفة أيام على المحل، والفتح على أنها صفتها على اللفظ، وقوله (أن يتعبد) في محل رفع بتأويل المصدر على أنه فاعل أحب، وقيل: التقدير لأن يتعبد أي يفعل العبادة (له) أي لله (فيها) أي في الأيام (من عشر ذي الحجة) قال الطيبي: قيل: لو قيل أن يتعبد مبتدأ وأحب خبره ومن متعلق بأحب يلزم الفصل بين أحب ومعموله بأجنبي، فالوجه أن يقرأ أحب بالفتح ليكون صفة أيام وأن يتعبد فاعله ومن متعلق بأحب، والفصل ليس بأجنبي، وهو كقوله: ما رأيت رجلاً احسن في عينه الكحل من عين زيد، وخبر ما محذوف، أقول: لو جعل أحب خبر ما وأن يتعبد متعلقاً بأحب بحذف الجار أي ما من أيام أحب إلى الله لأن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة لكان أقرب لفظاً ومعنى، أما اللفظ فظاهر، وأما المعنى فلأن سوق الكلام لتعظيم الأيام، والعبادة تابعة لها لا عكسه، وعلى ما ذهب إليه القائل يلزم العكس مع ارتكاب ذلك التعسف (يعدل) بالمعلوم، وقيل: بالمجهول أي يسوى (صيام كل يوم منها) أي ما عدا العاشر. وقال ابن الملك: أي من أول ذي الحجة إلى يوم عرفة (بصيام سنة) كذا في جميع النسخ الحاضرة، وهكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج٤ ص١٦٧) عن الترمذي، ولكن في نسخ الترمذي وابن ماجه صيام سنة أي بدون حرف الجر، يعني لم يكن فيها عشر ذي الحجة، كذا قيل، والمراد صيام التطوع فلا يحتاج إلى أن يقال لم يكن فيها أيام رمضان (رواه الترمذي وابن ماجه) كلاهما في الصوم (وقال الترمذي: إسناده ضعيف، وفي نسخ الترمذي الحاضرة عندنا قال أبوعيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث مسعود بن واصل عن النهاس بن قهم، وسألت محمداً عن هذا الحديث، فلم يعرفه من غير هذا الوجه مثل هذا، وقال: قد روي عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن النبي ﷺ مرسل شيء من هذا – انتهى. قلت: مسعود بن واصل لين الحديث، قال أبوداود: مسعود ليس بذاك ونهاس بن قهم ضعيف، كما في التقريب، ضعفه ابن معين والنسائي وغيرهما، فالحديث ضعيف.
стр. 2068
﴿الفصل الثالث﴾
١٤٨٧- (٢٠) عن جندب بن عبد الله قال: شهدت الأضحى يوم النحر مع رسول الله ﷺ ، فلم يعد أن صلى وفرغ من صلاته وسلم، فإذا هو يرى لحم أضاحي قد ذبحت قبل أن يفرغ من صلاته، فقال: ((من كان ذبح قبل أن يصلي – أن نصلي – فليذبح مكانها أخرى)) ، وفي رواية قال: صلى النبي ﷺ يوم النحر، ثم خطب، ثم ذبح وقال: ((من كان ذبح قبل أن يصلي فليذبح أخرى مكانها، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله)) متفق عليه.
ــ
١٤٨٧- قوله (شهدت) أي حضرت (الأضحى) أي عيده، وقيل: أي مصلاه (فلم يعد) بفتح الياء وسكون العين وضم الدال من عدا يعدو أي لم يتجاوز (وسلم) عطف تفسيري (فإذا هو يرى لحم أضاحي) بتشديد الياء ويخفف أي لم يتجاوز عن الصلاة إلى الخطبة ففاجأ لحم الأضاحي (فقال) أي في خطبته (من كان ذبح قبل أن يصلي) بكسر اللام أي هو (أو نصلي) أي نحن، شك من الراوي، والمآل واحد، إلا لم يكن هناك مصلى متعدد، قاله القاري، وقال الشوكاني: الأولى بالياء التحتية، والثانية بالنون، وهو شك من الراوي، ورواية النون موافقة لقوله في أول الحديث: "ذبحت قبل أن يصلى" فإن المراد صلاة النبي ﷺ ، وموافقة أيضاً لقوله في آخر الحديث: ((ومن لم يكن ذبح حتى صلينا)) ، - وقد تقدمت هذه الرواية في آخر الفصل الأول من صلاة العيدين -، وهذا يدل على أن وقت الأضحية بعد صلاة الإمام لا بعد صلاة غيره، فيكون المراد بقوله في حديث أنس – المتقدم، وكذا في رواية جندب السابقة – من كان ذبح قبل الصلاة: الصلاة المعهودة، وهي صلاة النبي ﷺ ، وصلاة الأئمة بعد انقضاء عصر النبوة، ويؤيد هذا ما أخرجه الطحاوي من حديث جابر، وصححه ابن حبان أن رجلاً ذبح قبل أن يصلي رسول الله ﷺ ، فنهى أن يذبح أحد قبل الصلاة – انتهى. وقد تقدم البسط في ذلك وبيان ما هو الراجح فيه (فليذبح مكانها) أي بدل تلك الذبيحة (أخرى) أي أضحية أخرى أو ذبيحة أخرى، (وفي رواية قال: صلى النبي ﷺ يوم النحر) صلاة العيد (وقال) أي في خطبته (من كان ذبح) وفي بعض النسخ: من ذبح، وهكذا نقله الجزري (ج٤ ص١٤٥) ، قال الحافظ: قوله "وقال: من ذبح" هو من جملة الخطبة، وليس معطوفاً على قوله "ثم ذبح" لئلا يلزم تخلل بين الخطبة، وهذا القول (قبل أن يصلي) العيد (فليذبح) ذبيحة (أخرى مكانها، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله) ، قال النووي: قال الكتاب من أهل العربية: إذا قيل باسم الله تعين كتبه بالألف، وإنما تحذف الألف إذا كتب بسم الله الرحمن الرحيم بكمالها (متفق عليه) أي على أصل الحديث، ولفظ الرواية الأولى لمسلم في
стр. 2069
١٤٨٨- (٢١) وعن نافع أن ابن عمر قال: الأضحى يومان بعد يوم الأضحى.
ــ
الأضاحي، والثانية للبخاري في باب كلام الإمام والناس في خطبة العيدين من كتاب العيدين، وللحديث ألفاظ منها ما ذكره المؤلف في العيدين، وقد تقدم هناك تخريجه.
١٤٨٨- قوله (الأضحى) قال الطيبي: هذا جمع أضحاة، وهي الأضحية كأرطى واَرطاة، أي وقت الأضاحي (يومان بعد يوم الأضحى) وهو اليوم الأول من أيام النحر، وبه أخذ أبوحنيفة ومالك وأحمد والثوري، وقالوا: ينتهي وقت الذبح بغروب ثاني أيام التشريق فآخر وقت الذبح عندهم آخر اليوم الثاني من أيام التشريق، فتكون أيام النحر ثلاثة أيام فقط يوم العيد ويومان بعده، وروي هذا عن علي وعمر وابن عباس وأبي هريرة وأنس، كما في المحلى (ج٧ ص٣٧٧) . وحكى ابن القيم وابن قدامة عن أحمد أنه قال: هو قول غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، وذكره الأثرم عن ابن عباس، واستدل لذلك بما روي من النهي عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث. قال ابن قدامة: ولا يجوز الذبح في وقت لا يجوز ادخار الأضحية إليه، ونسخ تحريم الادخار لا يستلزم نسخ وقت الذبح. وقال الشافعي: يمتد وقت الأضحية إلى غروب الشمس آخر أيام التشريق، فالأضحى عنده ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وإليه ذهب عطاء والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز وسليمان بن موسى الأسدي فقيه أهل الشام، ومكحول، وهو قول ابن عباس، روى ذلك عنهم البيهقي في السنن (ج٩ ص٢٩٦-٢٩٧) ، وابن حزم في المحلى (ج٧ ص٣٧٧-٣٧٨) ، وذكر ابن القيم في الهدي عن علي أنه قال: أيام النحر يوم الأضحى وثلاثة أيام بعده، وكذا حكاه النووي عنه في شرح مسلم، وحكاه أيضاً عن جبير بن مطعم وابن عباس وغيرهما، وحكاه ابن القيم عن الأوزاعي وابن المنذر، وبهذا يظهر خطأ من زعم تفرد الشافعي به، واستدل له بما روى جبير بن مطعم عن النبي ﷺ أنه قال: ((كل أيام التشريق ذبح)) ، أخرجه ابن حبان في صحيحه والبيهقي (ج٩ ص٢٩٦) من رواية عبد الرحمن بن حسين عنه، وأخرجه البزار من هذا الوجه، وقال: ابن أبي حسين لم يلق جبير بن مطعم، فهو منقطع، وأخرجه البيهقي في المعرفة وفي السنن، ولم يذكر فيه انقطاعاً. قلت: عبد الرحمن بن أبي حسين عن جبير بن مطعم، هكذا وقع في صحيح ابن حبان، كما في موارد الظمآن والسنن للبيهقي، وكذا نقله الزيلعي (ج٣ ص٦١، وج٤ ص٢١٢) ، وقال الحافظ في التلخيص (ص٢١٦) بعد عزوه إلى ابن حبان والطبراني والبيهقي والبزار ما لفظه: "وفي سنده انقطاع، فإنه من رواية عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين عن جبير بن مطعم، ولم يلقه، قاله البزار"، قيل: هو الصواب كما في تهذيب التهذيب (ج١٢ ص٢٩٠) ، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين هذا هو ابن الحارث بن عامر بن نوفل المكي القرشي النوفلي من رجال الستة، ثقة عالم بالمناسك، روى عن نافع بن جبير وغيره، وروى عنه: مالك والسفيانان وغيرهم، من الخامسة، أي من صغار التابعين، وهم الذي رأوا
стр. 2070
.............................
ــ
الواحد والاثنين من الصحابة، ولم يثبت لبعضهم السماع من الصحابة كالأعمش، وأما عبد الرحمن بن أبي حسين فذكره ابن حبان في الثقات في التابعين (ص١٦٠) ، قال: عبد الرحمن بن أبي حسين يروي عن جبير بن مطعم، روى عنه سليمان بن موسى، أحسبه والد عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المدني – انتهى. قلت: وصنيع ابن حبان وشرطه في صحيحه ومسلكه في كتاب الثقات على ما صرح به في آخره (ص٣٠٨) يدل على أن حديث جبير بن مطعم من طريق سليمان بن يسار عن عبد الرحمن بن أبي حسين عن جبير بن مطعم صحيح متصل غير منقطع خلافاً لما قاله البزار. قلت: حديث جبير بن مطعم هذا أخرجه الدارقطني (ص٥٤٤) والبيهقي (ج٩ ص٢٩٦) أيضاً من وجهين آخرين موصولين فيهما ضعف، أخرج أحدهما البزار، وأخرجه أحمد (ج٤ ص٨٢) ، والبيهقي (ج٩ ص٢٩٥) من طريق سليمان بن موسى عن جبير بن مطعم عن النبي ﷺ وهي أيضاً منقطعة، قال البيهقي: سليمان لم يدرك جبير بن مطعم، وكذا قال ابن كثير كما في نصب الراية (ج٣ ص٦١) ، وأخرجه ابن عدي في الكامل، والبيهقي في السنن (ج٩ ص٢٩٦) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة وضعفاه بمعاوية بن يحيى الصدفي. قال ابن عدي: هذا جميعاً غير محفوظين لا يرويهما غير الصدفي، والصدفي ضعيف لا يحتج به، وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أنه موضوع بهذا الإسناد، قال ابن القيم: روي من وجهين مختلفين يشد أحدهما الآخرين عن النبي ﷺ أنه قال: ((كل أيام التشريق ذبح)) ، وروي من حديث جبير مطعم، وفيه انقطاع، ومن حديث أسامة بن زيد عن عطاء عن جابر، قال يعقوب بن سفيان: أسامة بن زيد عند أهل المدينة ثقة مأمون – انتهى. وقال ابن حجر الهيثمي: والحاصل أن للحديث طرقاً يقوي بعضها بعضاً فهو حسن يحتج به، وبذلك قال ابن عباس وجبير بن مطعم، ونقل عن علي أيضاً، وبه قال كثير من التابعين، فمن زعم تفرد الشافعي به فقد أخطأ – انتهى. وقال ابن سيرين وحميد بن عبد الرحمن: لا تجوز الأضحية إلا في يوم النحر خاصة، وهو قول داود الظاهري؛ لأنها وظيفة عيد فلا تجوز إلا في يوم واحد كأداء الفطرة يوم الفطر، ولأن هذا اليوم اختص بهذه التسمية، فدل على اختصاص حكمها به، ولو جاز في الثلاثة لقيل لها أيام النحر كما قيل لها أيام الرمي وأيام منى وأيام التشريق، وأجيب عنه بأن المراد النحر الكامل، واللام يستعمل كثيراً للكمال، وقال القرطبي: التمسك بإضافة اليوم إلى النحر ضعيف مع قوله تعالى: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ [الحج: ٢٨] ، وقال ابن بطال: ليس استدلال بقوله – ﵇ – بشيء؛ لأن النحر في أيام منى فعل الخلف والسلف، وجرى عليه العمل في جميع الأمصار – انتهى. وقال سعيد بن جبير وجابر بن زيد: إن وقته يوم النحر فقط لأهل الأمصار، وثلاثة أيام في منى؛ لأنها هناك من أيام أعمال المناسك من الرمي والطواف والحلق، فكانت
стр. 2071
رواه مالك. وقال: بلغني
ــ
أياماً للذبح بخلاف أهل الأمصار. وقال أبوسلمة بن عبد الرحمن بن عوف وسليمان بن يسار: الأضحى إلى هلال المحرم لمن استأنى بذلك، وبه قال ابن حزم. روى البيهقي (ج٩ ص٢٩٧) وابن حزم في المحلى (ج٧ ص٣٧٨-٣٧٩) وابن أبي شيبة والدارقطني وأبوداود في المراسيل عن أبي سلمة وسليمان بن يسار قالا جميعاً: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: ((الأضحى إلى هلال المحرم لمن أراد أن يستأني بذلك)) وهذا مرسل ضعيف، وروى أحمد وأبونعيم في مستخرجه من طريقه، والبيهقي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف يقول: إن كان المسلمون ليشتري أحدهم الأضحية فيسمنها فيذبحها بعد الأضحى آخر ذي الحجة. قال أحمد: هذا الحديث عجيب، يشير إلى أن زيادة قوله فيذبحها بعد الأضحى آخر ذي الحجة مستنكرة. قال البيهقي: حديث أبي سلمة وسليمان مرسل، وحديث أبي أمامة حكاية عمن لم يسم – انتهى. قلت: حديث أبي أمامة ليس من قسم الحديث المرفوع ولا الموقوف، بل هو من قسم المقطوع الذي ليس بحجة بالاتفاق. والقول الراجح من هذه الأقوال الخمسة عندي هو ما ذهب إليه الشافعي للأحاديث التي ذكرناها، وهي يقوي بعضها بعضاً، وقد أجاب عنه بعض من اختار القول الأول بجواب هو في غاية السقوط، وهو أنه لم يعمل بحديث جبير بن مطعم أحد من الصحابة، وقد عرفت أنه قول جماعة من الصحابة على أن مجرد ترك الصحابة من غير تصريح منهم بعدم الجواز لا يعد قادحاً، أما النهي عن ادخار لحوم لأضاحي فوق ثلاث فلا يدل على أن أيام الذبح ثلاثة فقط. قال ابن القيم: لأن الحديث دليل على نهي الذابح أن يدخر شيئاً فوق ثلاثة أيام من يوم ذبحه، فلو أخر الذبح إلى اليوم الثالث لجاز له الادخار ما بينه وبين ثلاثة أيام، والذين حددوه بالثلاث فهموا من نهيه عن الادخار فوق ثلاث أن أولها من يوم النحر، قالوا: وغير جائز أن يكون الذبح مشروعاً في وقت يحرم فيه الأكل، قالوا: ثم نسخ تحريم الأكل فبقي وقت الذبح بحاله، فيقال لهم: إن النبي ﷺ لم ينه إلا عن الادخار فوق ثلاث لم ينه عن التضحية بعد ثلاث، فأين أحدهما من الآخر، ولا تلازم بين ما نهي عنه وبين اختصاص الذبح بثلاث لوجهين: أحدهما أنه يسوغ الذبح في اليوم الثاني والثالث فيجوز له الادخار إلى تمام الثلاث من يوم الذبح، ولا يتم لكم الاستدلال حتى يثبت النهي عن الذبح بعد يوم النحر، ولا سبيل لكم إلى هذا الثاني، لو ذبح في آخر جزء من يوم النحر لساغ له حينئذٍ الادخار ثلاثة أيام بعده بمقتضى الحديث – انتهى كلام ابن القيم. هذا، وقد ذهب بعض علمائنا إلى جواز التضحية إلى آخر ذي الحجة معتمداً على أثر أبي سلمة وسليمان بن يسار وأثر أبي أمامة المذكورين في معرض الاستدلال للقول الخامس، وقد رد عليه شيخ مشايخنا الشيخ الإمام الرحلة حسين بن محسن الأنصاري راداً مشبعاً في رسالة مستقلة سماها: إقامة الحجة في الرد على من ادعى جواز التضحية إلى آخر ذي الحجة، وهي ملحقة بفتاواه المطبوعة فعليك أن تطالعها. (رواه مالك) وأخرجه أيضاً البيهقي وابن حزم (وقال) أي مالك (وبلغني) وفي بعض النسخ بلغني أي بغير
стр. 2072
عن علي بن أبي طالب مثله.
ــ
الواو، ولفظ الموطأ أنه بلغه (عن علي بن أبي طالب مثله) بالرفع، أي مثل مروي ابن عمر، ولم أقف على من روى أثر علي موصولاً، نعم قال ابن حزم في المحلى (ج٣ ص٣٧٧) روينا من طريق ابن أبي ليلى عن المنهال بن عمر وعن زر عن علي قال: النحر ثلاثة أيام، أفضلها أولها، قال ابن حزم: ابن أبي ليلى سيء الحفظ، والمنهال متكلم فيه – انتهى. وعزاه علي المتقي في الكنز (ج٣ ص٤٦) إلى ابن أبي الدنيا، وأخرج ابن عبد البر في التمهيد، وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا عن علي قال: الأيام المعدودات ثلاثة أيام: يوم النحر ويومان بعده، اذبح في أيها شئت، وأفضلها أولها. واعلم أنه وقع الخلاف في جواز التضحية في ليالي أيام الذبح. فقال أبوحنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبوثور والجمهور: إنه يجوز مع كراهة. قال ابن قدامة: وهو اختيار أصحابنا المتأخرين، وقال مالك في المشهور عنه، وعامة أصحابه، ورواية عن أحمد – واختارها الخرقي -: أنه لا يجزئ، بل يكون شاة لحم. قال الشوكاني: ولا يخفى أن القول بعدم الإجزاء وبالكراهة يحتاج إلى دليل، ومجرد ذكر الأيام في حديث جبير بن مطعم وإن دل على إخراج الليالي بمفهوم اللقب لكن التعبير بالأيام عن مجموع الأيام والليالي والعكس مشهور متداول بين أهل اللغة، لايكاد يتبادر غيره عند الإطلاق – انتهى. وأما ما أخرجه الطبراني في الكبير عن ابن عباس أن النبي ﷺ نهى أن يضحى ليلاً، ففي إسناده سليمان بن سلمة الخبايري، وهو متروك، كذا في مجمع الزوائد (ج٤ ص٢٣) ، واستدل بعضهم لذلك بقوله تعالى: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ قالوا: فلم يذكر الليل، قال ابن حزم في الرد عليه: إن الله تعالى لم يذكر في هذه ذبحاً ولا تضحية ولا نحراً، لا في نهار ولا في ليل، وإنما أمر الله تعالى بذكره في تلك الأيام المعلومات، أفترى يحرم ذكره في لياليهن؟ إن هذا لعجب، وليس هذا النص بمانع من ذكره تعالى وحمده على ما رزقنا من بهيمة الأنعام في ليل أو نهار في العام كله، ولا يختلفون فيمن حلف أن لا يكلم زيداً ثلاثة أيام أن الليل يدخل في ذلك مع النهار، قال: وذكروا حديثاً لا يصح، رويناه من طريق بقية بن الوليد عن مبشر بن عبيد الحلبي عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ نهى عن الذبح بالليل. قال ابن حزم: بقية ليس بالقوي، ومبشر بن عبيد مذكور بوضع الحديث عمداً، ثم هو مرسل، ثم لو صح لما كان لهم فيه حجة؛ لأنهم يجيزن الذبح بالليل فيخالفونه فيما فيه ويحتجون به فيما ليس فيه، وقال قائل منهم: لما كانت ليلة النحر لا تجوز التضحية فيها، وكان يومه تجوز التضحية فيه كانت ليالي سائر أيام التضحية كذلك. قال ابن حزم: هذا القياس باطل؛ لأن يوم النحر هو مبدأ دخول وقت التضحية، وما قبله ليس وقتاً للتضحية، ولا يختلفون معنا في أن من طلوع الشمس إلى أن يمضي بعد أبيضاضها وارتفاع وقت واسع من يوم النحر لا تجوز فيه التضحية، فيلزمهم أن يقيسوا على ذلك اليوم ما بعده من أيام التضحية، فلا يجيزون التضحية فيها إلا بعد مضي مثل ذلك الوقت وإلا فقد تناقضوا وظهر فساد قولهم -
стр. 2073
١٤٨٩- (٢٢) وعن ابن عمر قال: أقام رسول الله ﷺ بالمدينة عشر سنين يضحي. رواه الترمذي.
١٤٩٠- (٢٣) وعن زيد بن أرقم قال: قال أصحاب رسول الله ﷺ : يا رسول الله! ما هذه الأضاحي؟ قال: ((سنة أبيكم إبراهيم – ﵇) ، قالوا: فما لنا يا رسول الله؟ قال: ((بكل شعرة حسنة)) ، قالوا: فالصوف يا رسول الله؟، قال: ((بكل شعرة من الصوف حسنة)) ، رواه أحمد، وابن ماجه.
ــ
انتهى. وروى البيهقي (ج٩ ص٢٩٠) عن الحسن البصري قال: نهى عن جداد الليل وحصاد الليل والأضحى بالليل، وهو وإن كانت الصيغة مقتضية للرفع مرسل وأيضاً في آخره "وإنما كان ذلك من شدة حال الناس، كان الرجل يفعله ليلاً فنهى عنه ثم رخص في ذلك"، وهذا خلاف ما ذهب إليه مالك وأصحابه.
١٤٨٩- قوله (أقام رسول الله ﷺ بالمدينة عشر سنين يضحي) أي كل سنة، واستدل به على وجوب الأضحية. قال القاري: مواظبته دليل الوجوب، وتعقب بأن مجرد مواظبته ﷺ على فعل ليس دليل الوجوب، كما لا يخفى (رواه الترمذي) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٢ ص٣٨) قال الترمذي: حديث حسن، قلت: في إسناده حجاج بن أرطاة، وهو كثير الخطأ والتدليس، ورواه عن نافع بالعنعنة.
١٤٩٠- قوله (ما هذه الأضاحي) أي من خصائص شريعتنا أو سبقتنا بها بعض الشرائع (قال: سنة أبيكم) أي طريقته التي أمرنا باتباعها فهي من الشرائع القديمة التي قررتها شريعتنا (إبراهيم – ﵇ وفي بعض النسخ " ﷺ " وليس في مسند الإمام أحمد والسنن لابن ماجه جملة الدعاء (فما لنا) وفي المسند "ما لنا" أي بغير الفاء (فيها) أي في الأضاحي من الثواب يا رسول الله (بكل شعرة) بالسكون والفتح (حسنة) أي فضلاً عن اللحم والشحم والجلد، والباء للبدلية أو للسببية، قال الطيبي: الباء في "بكل شعرة" بمعنى في ليطابق السؤال أي أيّ شيء لنا من الثواب في الأضاحي؟ فأجاب: في كل شعرة منها حسنة، ولما كان الشعر كناية عن المعز كنوا عن الضأن بالصوف (قالوا: فالصوف يا رسول الله) أي فالضأن ما لنا فيه؟ فإن الشعر مختص بالمعز، كما أن الوبر مختص بالإبل. قال تعالى: ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين﴾ [النحل: ٨٠] ولكن قد يتوسع بالشعر فيعم، قال (بكل شعرة) أي طافة (من الصوف حسنة) فكذا بكل وبرة حسنة. (رواه أحمد) (ج٤ ص٣٨٦) (وابن ماجه) وأخرجه أيضاً البيهقي (ج٩ ص٢٦١) ، وذكره المنذري في الترغيب، وقال: رواه ابن ماجه والحاكم
стр. 2074
(٤٩) باب العتيرة
﴿الفصل الأول﴾
١٤٩١- (١) عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((لا فرع ولا عتيرة)) .
ــ
وغيرهما كلهم عن عائذ الله عن أبي داود عن زيد بن أرقم. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، قال المنذري: بل واهية، عائذ الله هو المجاشعي، وأبوداود هو نفيع بن الحارث الأعمى، وكلاهما ساقط – انتهى. وقال البوصيري في الزوائد: في إسناده أبوداود نفيع بن الحارث، وهو متروك واتهم بوضع الحديث، وحكى البيهقي عن البخاري أنه قال: عائذ الله المجاشعي عن أبي داود لا يصح حديثه، وقال ابن التركماني: أبوداود نفيع متروك، ذكره الذهبي في كتابيه الكاشف والضعفاء.
(باب العتيرة) بفتح العين المهملة وكسر الفوقية وسكون التحتية بعدها راء فهاء تأنيث، بوزن عظيمة فعيلة بمعنى مفعولة، وهي النسيكة أي الذبيحة التي تعتر أي تذبح، وكانوا يذبحونها في العشر الأول من رجب ويسمونها الرجبية، كما في حديث محنف الآتي، ونقل النووي اتفاق العلماء على تفسير العتيرة بهذا. وفيه نظر فقد قال أبوعبيد: العتيرة ذبيحة كانوا يذبحونها في الجاهلية في رجب يتقربون بها لأصنامهم. وقال غيره: العتيرة نذر كانوا ينذرونه من بلغ ماله كذا أن يذبح من كل عشرة منها رأساً في رجب. وذكر ابن سيدة: أن العتيرة إن الرجل كان يقول في الجاهلية: إن بلغ إبلي مائة عترت منها عتيرة، زاد في الصحاح في رجب. وقال الترمذي: العتيرة ذبيحة كانوا يذبحونها في رجب يعظمون شهر رجب؛ لأنه أول شهر من أشهر الحرم. وأما الفرع المذكور في الحديث، وهو بفتح الفاء والراء بعدها عين مهملة. ويقال فيه الفرعة – بالهاء – فاختلف في تفسيره أيضاً. فقيل: هو أول نتاج البهيمة الناقة أو الشاة، كان أهل الجاهلية يذبحونه يطلبون به البركة في أموالهم ولا يملكونه رجاء البركة فيما يأتي بعده أي في كثرة نسلها، هكذا فسره كثيرون من أهل اللغة وجماعة من أهل العلم. منهم الشافعي كما في السنن الكبرى (ج٩ ص٣١٣) للبيهقي. وقيل: هو أول النتاج كانوا يذبحونه لآلهتهم، وهي طواغيتهم، هكذا جاء تفسيره في آخر حديث أبي هريرة الآتي. وقيل: هو أول النتاج لمن بلغت إبله مائة يذبحونه، قال شمر: قال مالك: كان الرجل إذا بلغت إبله مائة قدم بكراً فنحره لصمنه ويسمونه الفرع.
١٤٩١- قوله (لا فرع ولا عتيرة) هكذا جاء بلفظ النفي، والمراد به النهي، وقد ورد بصيغة النهي في
стр. 2075
قال: والفرع: أول نتاج كان ينتج لهم، كانوا يذبحونه لطواغيتهم، والعتيرة: في رجب.
ــ
رواية للنسائي، وللإسماعيلي بلفظ: نهى رسول الله ﷺ ، ووقع في رواية لأحمد: لا فرع ولا عتيرة في الإسلام، كذا في الفتح، وقيل: لعل صيغة النهي في رواية النسائي والإسماعيلي من بعض الرواة لزعمه أن المراد بالنفي النهي على أنه من قبيل قوله: ﴿فلا رفث ولا فسوق﴾ ، فعبر بالنهي لقصد النقل بالمعنى، والله تعالى أعلم. (قال: والفرع) قيل: هذا التفسير من سعيد بن المسيب، ففي سنن أبي داود من رواية عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: الفرع أو النتاج ... الحديث، جعله موقوفاً على سعيد بن المسيب، وقال الخطابي: أحسب التفسير فيه من قول الزهري. قال الحافظ: قد صرح عبد المجيد بن أبي رواد عن معمر فيما أخرجه أبوقرة موسى بن طارق في السنن له بأن تفسير الفرع والعتيرة من قول الزهري. (أول نتاج) بكسر النون بعدها مثناة خفيفة وآخره جيم. (كان ينتج لهم) بضم أوله وفتح ثالثه، يقال: نتجب الناقة – بضم النون وكسر التاء الفوقية -، ولا يستعمل هذا الفعل إلا هكذا وإن كان مبنياً للفاعل. (كانوا) في الجاهلية (يذبحونه لطواغيتهم) أي لأصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، جمع طاغوت. وقيل: جمع طاغية ما كانوا يعبدونه من الأصنام وغيرها، زاد أبوداود عن بعضهم: ثم يأكلونه ويلقى جلده على الشجر، وفيه إشارة إلى علة النهي، واستنبط منه الجواز إذا كان الذبح لله جمعاً بينه وبين أحاديث جواز الفرع (والعتيرة) بالرفع (في رجب) أي شاة كانت تذبح في رجب، واعلم أنه اختلفت الأحاديث في حكم الفرع والعتيرة، فبعضها يدل على المنع، وهو حديث أبي هريرة هذا، وحديث ابن عمر عند ابن ماجه، وبعضها يدل على تأكد أمرهما، وهو حديث محنف الآتي، وحديث نبيشة الهذلي عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه والحاكم (ج٤ ص٢٣٦) والبيهقي (ج٩ ص٣١٢) ، وحديث عائشة عند أبي داود والحاكم والبيهقي وعبد الرزاق، وحديث أنس وابن عمر عند الطبراني في الأوسط، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أبي داود والنسائي والحاكم والبيهقي. وبعضها يدل على مجرد الجواز والإباحة من غير تأكد، وهو حديث الحارث بن عمرو عند أحمد والنسائي والحاكم والبيهقي، وحديث أبي رزين العقيلي عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن حبان، وحديث يزيد بن عبد الله المزني عن أبيه عند الطبراني في الكبير والأوسط، وحديث سمرة عند الطبراني في الكبير، وحديث ابن عباس عند الطبراني أيضاً، ذكر أكثر هذه الأحاديث الشوكاني في النيل، والعيني والحافظ في شرحيهما للبخاري، والنووي في شرح مسلم، واختلف العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث والروايات القاضية بالمنع. فقيل: إنه يجمع بينها بحمل أحاديث الجواز على الندب، وأحاديث المنع على نفي الوجوب، قال الشافعي بعد تفسير الفرع بما حكينا عنه فسألوا النبي ﷺ عما كانوا يصنعون في الجاهلية خوفاً أن يكره في الإسلام فأعلمهم أنه لا كراهة عليهم فيه، وأمرهم اختياراً واستحباباً أن يتركوه حتى يحمل عليه في سبيل الله، وقوله: ((الفرع
стр. 2076
.............................
ــ
حق)) في حديث عبد الله بن عمرو، أي ليس بباطل، وهو كلام عربي خرج على جواب السائل ولا مخالفة بينه وبين حديث: ((لا فرع ولا عتيرة)) ، فإن معناه لا فرع واجب ولا عتيرة واجبة. وقيل: النهي موجه إلى ما كانوا يذبحونه لأصنامهم، فيكون المنع غير متناول لما ذبح من الفرع والعتيرة لغير ذلك مما فيه وجه قربة. وقيل: المراد بالنفي المذكور أنهما ليسا كالأضحية في تأكد الاستحباب أو في ثواب إراقة الدم، فأما تفرقة اللحم على المساكين فبر وصدقة، والجمع الأول أولى. وقال النووي: نص الشافعي في حرملة على أن الفرع والعتيرة مستحبان، ويؤيده حديث نبيشة قال: نادى رجل رسول الله ﷺ : إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب، فما تأمرنا؟ قال: ((اذبحوا لله في أي شهر كان)) ، قال: إنا نفرع في الجاهلية. قال: ((في كل سائمة فرع تغذوه ماشيتك حتى إذا استحمل ذبحته فتصدقت بلحمه فإن ذلك خير)) ، وفي رواية: ((السائمة مائة)) ، ففي هذا الحديث أنه – ﵇ – لم يبطل الفرع والعتيرة من أصلهما وإنما أبطل صفة من كل منهما، فمن الفرع كونه يذبح أول ما يولد ومن العتيرة خصوص الذبح في شهر رجب. وقال ابن قدامة: المراد بحديث أبي هريرة نفي كونها سنة لا تحريم فعلها ولا كراهته فلو ذبح إنسان ذبيحة في رجب أو ذبح ولد الناقة لحاجته إلى ذلك أو للصدقة به وإطعامه لم يكن ذلك مكروهاً. وذهب جماعة إلى أن أحاديث الجواز منسوخة بأحاديث المنع. قال ابن المنذر: النهي لا يكون إلا عن شيء قد كان يفعل، وما قال أحمد أنه كان ينهى عنهما ثم أذن في فعلهما. وقال ابن قدامة: حديث أبي هريرة في النهي متأخر عن الأمر بها فيكون ناسخاً، ودليل تأخره أمران: أحدهما أن راويه أبوهريرة، وهو متأخر الإسلام فإنه أسلم عند فتح خيبر سنة سبع من الهجرة. والثاني أن فعل الفرع والعتيرة كان أمراً متقدماً على الإسلام، فالظاهر بقاؤهم إلى حين نسخه واستمرار النسخ من غير رفع له، ولو قدرنا تقدم النهي على الأمر بها لكانت قد نسخت ثم نسخ ناسخها، وهذا خلاف الظاهر – انتهى. هكذا قرر النسخ ولا يخفى ما فيه، وادعى عياض أن جماهير العلماء على النسخ، وبه جزم الحازمي، وما تقدم نقله عن الشافعي يرد عليهم، وقد كان ابن سيرين يذبح العتيرة في رجب، وقال وكيع بن عدس – راوي حديث أبي رزين -: لا أدعه، وجزم أبوعبيد بأن العتيرة تستحب، ونقل الطحاوي عن ابن عون أنه كان يفعله، وفي هذا تعقب على من قال إن ابن سيرين تفرد بذلك، وقال في شرح السنة: كانوا يذبحون الفرع لآلهتهم في الجاهلية، وقد كان المسلمون يفعلونه في بدء الإسلام، أي لله سبحانه ثم نسخ ونهي عنه أي للتشبه. وقال القاري: الظاهر أن حديث نبيشة كان في صدر الإسلام ثم وقع النهي العام للتشبه بأهل الأصنام – انتهى. قلت: أعدل الأقوال عندي هو الجمع بين الأحاديث بما ذكره الشافعي ومن وافقه،
стр. 2077
متفق عليه.
﴿الفصل الثاني﴾
١٤٩٢- (٢) عن مخنف بن سليم قال: كنا وقوفاً مع رسول الله ﷺ بعرفة، فسمعته يقول: ((يا أيها الناس! إن على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة، هل تدرون ما العتيرة؟
ــ
لأن الجزم بالنسخ لا يجوز إلا بعد ثبوت أن أحاديث المنع متأخرة، ولم يثبت هذا العدم العلم بالتاريخ، ولأن المصير إلى الترجيح مع إمكان الجمع لا يجوز، وقد تأيد ما ذكره الشافعي من وجه الجمع بأحاديث نبيشة وعائشة وعبد الله بن عمرو وغيرهم، والله تعالى أعلم. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٩ ص٣١٣) وغيرهم.
١٤٩٢- قوله (عن مخنف) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح النون كمنبر (بن سليم) بالتصغير – ابن الحارث بن عوف الأزدي الغامدي، أسلم وصحب النبي ﷺ ، ونزل الكوفة بعد ذلك، واستعمله علي بن أبي طالب على أصبهان وكان معه راية الأزد يوم صفين، وكان ممن خرج مع سليمان بن صرد في وقعة عين الوردة، وقتل بها سنة (٦٤) . (كنا وقوفاً) بضم الواو أي وافقين (بعرفة) يعني في حجة الوداع، كذا في جميع النسخ بعرفة، وهكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج٤ ص١٢١) ، وفي الترمذي وأبي داود "بعرفات". (إن علي كل أهل بيت) قال السندي في حاشية النسائي: ظاهره الوجوب لكنهم حملوه على الندب المؤكد – انتهى. قلت: هذا الحديث من جملة الأدلة التي تمسك بها من قال بوجوب الأضحية، وقد تقدم الكلام على ذلك. وقال ابن الجوزي: هذا الحديث متروك الظاهر، إذ لا يسن العتيرة أصلاً، ولو قلنا بوجوب الأضحية كانت على الشخص الواحد لا على جميع أهل البيت – انتهى. وقال السندي في حاشية ابن ماجه: قوله: ((إن على كل أهل بيت)) مقتضاه أن الأضحية الواحدة تكفي عن تمام أهل البيت، ويوافقه ما رواه الترمذي عن أبي أيوب: كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون حتى تباهى الناس، فصارت كما ترى، وقال: هذا حديث حسن صحيح، قال: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق. وقال بعض أهل العلم: لا تجزئ الشاة الواحدة إلا عن نفس واحدة، وهو قول عبد الله بن المبارك وغيره من أهل العلم. وقال ابن العربي في شرحه في قوله الثاني: الآثار الصحاح ترد عليه – انتهى. (وعتيرة) قال القاري: وهي شاة تذبح في رجب يتقرب بها أهل الجاهلية (لأصنامهم) والمسلمون في صدر الإسلام (لله سبحانه) ، قال الخطابي: وهذا هو الذي يشبه معنى الحديث، ويليق بحكم الدين، وأما العتيرة التي يعترها أهل الجاهلية فهي
стр. 2078
هي التي تسمونها الرجبية)) . رواه الترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث غريب ضعيف الإسناد، وقال أبوداود: والعتيرة منسوخة.
ــ
الذبيحة التي كانت تذبح للأصنام، ويصب دمها على رأسها، في النهاية: كانت العتيرة بالمعنى الأول في صدر الإسلام ثم نسخ - أي للتشبه بأهل الأصنام -، (هي التي تسمونها الرجبية) أي الذبيحة المنسوبة إلى رجب لوقوعها فيه. (رواه الترمذي ... ) الخ، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤ ص٢١٥) و (ج٥ ص٧٦) ، وابن أبي شيبة وأبويعلى والبزار والبيهقي والطبراني كلهم من طريق ابن عون عن عامر أبي رملة عن مخنف. (وقال الترمذي: هذا حديث غريب ضعيف الإسناد) فيه نظر؛ لأن عبارة الترمذي هكذا "هذا حديث حسن غريب، لا نعرف هذا الحديث إلا من هذا الوجه من حديث ابن عون"- انتهى. وهذا كما ترى ليس فيه الحكم بضعف إسناد هذا الحديث، وهكذا وقع هذا الكلام في جميع النسخ الحاضرة للترمذي، وكذا نقله الزيلعي في نصب الراية (ج٤ ص٢١١) والمنذري في مختصر السنن (ج٣ ص٩٢) والمجد ابن تيمية في المنتقى. قال ميرك: وكذا نقله عنه صاحب التخريج – انتهى. وقال الحافظ في بحث الفرع والعتيرة من الفتح (ج٢٢ ص٢٨٣) : ضعفه الخطابي، لكن حسنه الترمذي، وجاء من وجه آخر عند عبد الرزاق عن مخنف بن سليم – انتهى. قلت: وسكت عنه أبوداود. وقال الحافظ في بحث حكم الأضحية من الفتح (ج٢٣ ص٣٢٣) : أخرجه أحمد والأربعة بسند قوي – انتهى. وقال أبوبكر المعافري: حديث مخنف بن سلم ضعيف لا يحتج به، وقال الزيلعي (ج٤ ص٢١١) : قال عبد الحق: إسناده ضعيف، قال ابن القطان: وعلته الجهل بحال أبي رملة، واسمه عامر، فإنه لا يعرف إلا بهذا، يرويه عنه ابن عون، وقدر رواه عنه – أي عن مخنف – أيضاً ابنه حبيب، وهو مجهول أيضاً، قال الزيلعي: رواه من هذه الطريق عبد الرزاق في مصنفه: أخبرنا ابن جريج أخبرني عبد الكريم عن حبيب بن مخنف بن سليم عن أبيه، ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبراني في معجمه – انتهى. قلت: وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ ص٧٦) من طريق عبد الرزاق، لكن وقع فيه التصريح بكون حبيب بن مخنف صحابياً، وهو وهم، وفي الإسناد عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو متروك، وإنما هو عن حبيب بن مخنف عن أبيه، قال أبونعيم: وهو الصواب، قال: وكان عبد الرزاق يرويه مرة مجرداً ومرة لا يقول عن أبيه، وقال ابن عبد البر في ترجمة حبيب هذا بعد ذكر حديثه من طريق عبد الرزاق وأبي عاصم لا يصح حديثه قال: إلا أن عبد الرزاق قال: لا أدري أعن أبيه أم لا – انتهى. وهذا وجه ثالث عن عبد الرزاق، والرواية المشهورة إنما هي طريق ابن عون عن أبي رملة عن مخنف، وأبورملة مجهول، فالظاهر أن الترمذي إنما حسن هذا الحديث لشواهدة. (وقال أبوداود والعتيرة منسوخة) وفي بعض النسخ: العتيرة
стр. 2079
﴿الفصل الثالث﴾
١٤٩٣- (٣) عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : ((أمرت بيوم الأضحى عيداً جعله الله لهذه الأمة، قال له رجل: يا رسول الله! أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى، أفأضحي بها؟ قال: لا، ولكن خذ
ــ
بلا واو، وكذا في أبي داود، وقد تقدم أن جماعة من أهل العلم ذهبت إلى أن الأمر بالعتيرة منسوخ بأحاديث المنع، وأن القاضي عياضاً ادعى أن جماهير العلماء على ذلك، وقد تقدم بيان ما هو الحق في ذلك.
١٤٩٣- قوله (عن عبد الله بن عمرو) بالواو (قال رسول الله ﷺ ) أي لرجل كما في رواية النسائي، وللحاكم والبيهقي: إن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : (أمرت بيوم الأضحى) أي بجعله (عيداً جعله الله) أي يوم الأضحى (لهذه الأمة) أي عيداً، قال السندي: ظاهر السوق أن قوله ((أمرت)) على بناء المفعول للخطاب أو بناء الفاعل للمتكلم، أي أمرتك أو أمرت الناس، ويحتمل أنه على بناء المفعول للمتكلم، والمعنى: أمرت بالتضحية في يوم الأضحى حال كونه عيداً أو يوم الأضحى أن أتخذه عيداً، والمعنى الأول أقرب إلى قول الرجل – انتهى. وقال الطيبي: قوله "عيداً" منصوب بفعل يفسره ما بعده، أي بأن أجعله عيداً، وقوله "جعله الله لهذه الأمة" حكم ذكر بعد ما يشعر بالوصف المناسب، وهو قوله يوم الأضحى؛ لأن فيه معنى التضحية، كأنه قيل: حكم الله على هذه الأمة بالتضحية يوم العيد، ومن ثم حسن قول الصحابي: أرأيت ... الخ – انتهى. قال القاري: وهو تكلف مستغنى عنه، فإن الشيء بالشيء يذكر، فلما ذكر – ﵊ – إنه مأمور بجعل ذلك اليوم عيداً وكان من أحكام ذلك اليوم حكم التضحية والأضاحي (قال له رجل) وفي أبي داود: قال الرجل، وكذا عند النسائي والحاكم والبيهقي (أرأيت) أي أخبرني (إن لم أجد إلا منيحة) في النهاية: المنيحة أن يعطي الرجل الرجل ناقة أو شاة ينتفع بلبنها ثم يعيدها، وكذا إذا أعطى لينتفع بصوفها ووبرها زمانا ثم يردها، والمعنى: لي ناقة أو شاة ذات لبن أنتفع به وأعطيه غيري. وقال السندي: أصل المنيحة ما يعطيه الرجل غيره ليشرب لبنها ثم يردها عليه ثم يقع على كل شاة أو ناقة؛ لأن من شأنها أن تمنح بها وهو المراد ههنا. (أنثى) قيل: وصف منيحة بأنثى يدل على أن المنيحة قد تكون ذكراً وإن كان فيها علامة التأنيث، كما يقال: حمامة ذكر وحمامة أنثى، وزاد في رواية الحاكم: أو شاة أهلي ومنيحتهم. (أفاضحي بها؟ قال: لا) قال الطيبي: إنما منعه لأنه لم يكن عنده شيء سواها ينتفع به. قال السندي: ويحتمل أن المراد بالمنيحة ههنا ما أعطاه غيره ليشرب اللبن ومنعه؛ لأنه ملك الغير وقول الرجل لزعمه أن المنحة لا ترد ولذلك قال ﷺ المنحة مردودة، والله تعالى أعلم. (ولكن خذ) كذا في جميع النسخ بصيغة
стр. 2080
من شعرك وأظفارك، وتقص شاربك، وتحلق عانتك، فذلك تمام أضحيتك عند الله)) رواه أبوداود، والنسائي.
ــ
الأمر، وهكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج٤ ص١٢٣) ، وفي أبي داود والنسائي: "تأخذ" بصيغة المضارع، قال السندي: كأنه أرشده إلى أن يشارك المسلمين في العيد والسرور وإزالة الوسخ، فذاك يكفيه إذا لم يجد الأضحية (من شعرك) قال القاري: المراد به الجنس أي من أشعارك (وأظفارك) وفي رواية النسائي: وتقلم أظفارك (وتقص شاربك) قال القاري: خبر بمعنى الأمر ليكون عطفاً على ما قبله، وكذا الحكم فيما بعده من قوله: ((وتحلق عانتك)) – انتهى. قلت: قد تقدم أن لفظ أبي داود والنسائي: تأخذ من شعرك، وهذا يدل على أن ما وقع في نسخ المشكاة تبعاً للجزري خطأ، وعلى هذا فلا حاجة إلى التأويل المذكور، ولفظ الحاكم والبيهقي: ولكن قلم أظفارك وقص شاربك واحلق عانتك. (فذلك) أي ما ذكر من الأفعال، ولفظ أبي داود: فتلك، أي الأفعال المذكورة (تمام أضحيتك عند الله) أي أضحيتك تامة بنيتك الخالصة ولك بذلك مثل ثواب الأضحية، قاله القاري، وقال السندي: أي هو ما يتم به أضحيتك بمعنى أنه يكت لك به أضحية تامة لا بمعنى أن لك أضحية ناقصة إن لم تفعل ذلك وإن فعلته تصير تامة، والله تعالى أعلم. (رواه أبوداود والنسائي) وأخرجه أيضاً الحاكم (ج٤ ص٢٢٣) والبيهقي (ج٩ ص٢٦٤) وسكت عنه أبوداود والمنذري، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، والحديث غير مطابق للباب، فإنه ليس فيه ذكر العتيرة، وكان حقه أن يذكر في باب الأضحية، ثم إنه ههنا مسائل تتعلق بالأضحية ينبغي لنا أن نذكرها مختصراً تكميلاً للفائدة. أحدها: متى تصير الأضحية أضحية؟ فقال مالك: إذا اشترى شاة أو غيرها بنية الأضحية صارت أضحية. وقال الحنفية: أضحية الفقير تتعين بالشراء له، فليس له أن يستبدلها بغيرها ولا ينتفع بدرها وصوفها بعد ذلك ولو فعل لزمه قيمته، وأما أضحية الغني فلا تتعين بنفس الشراء له، وله أن يستبدلها بغيرها وينتفع بها وبدرها ويربح فيها إن شاء، إلا أنه إذا عينها بعد ذلك ليس له الانتفاع بها. وقال أحمد والشافعي: لا تتعين الأضحية بمجرد الشراء بنيتها حتى يقول: هذه أضحية، فالذي تتعين به الأضحية عندهما هو القول دون النية؛ لأنه إزالة ملك على وجه القربة فلا تؤثر فيه النية المقارنة للشراء كالعتق والوقف. وقال الشوكاني في السيل الجرار: ليس في مصير الأضحية أضحية بمجرد الشراء بالنية دليل يقوم به الحجة، ويجب المصير إليه والعمل به، قال: والظاهر أنه إذا ذبحه بنية الأضحية وفى بما عليه وصار فاعلاً لما شرعه الله تعالى لعباده من الضحايا – انتهى. الثانية: ما يفعل بولد الأضحية إذا ولدته بعد التعيين؟ فقال ابن قدامة: ولدها تابع لها حكمه حكمها سواء كان حملاً حين التعيين أو حدث بعده، وبهذا قال الشافعي، وعن أبي حنيفة: لا يذبحه ويدفعه إلى المساكين حياً، وإن ذبحه دفعه إليهم مذبوحاً، وأرش ما نقصه الذبح؛ لأنه من نمائها فلزمه دفعه إليهم
стр. 2081
...........................
ــ
على صفته كصوفها وشعرها، قال: ولنا أن استحقاق ولدها حكم يثبت للولد بطريق السراية من الأم، فيثبت له ما يثبت لها كولد أم الولد والمدبرة إذا ثبت هذا فإنه يذبحه كما يذبحها؛ لأنه صار أضحية على وجه التبع لأمه ولا يجوز ذبحه قبل يوم النحر ولا تأخيره عن أيامه كأمه. وقد روي عن علي – ﵁ – أن رجلاً سأله فقال: يا أمير المؤمنين إني اشتريت هذه البقرة لأضحي بها، وإنها وضعت هذا العجل، فقال علي: لا تحلبها إلا فضل عن تيسير ولدها، فإذا كان يوم الأضحى فاذبحها وولدها عن سبعة. رواه سعيد بن منصور عن أبي الأحوص العبسي عن المغيرة بن حذف عن علي. الثالثة: حكم لبنها وصوفها وشعرها، قال ابن قدامة: لا يشرب من لبنها إلا الفاضل عن ولدها، فإن لم يفضل عنه شيء أو كان الحلب يضر بها أو ينقص لحمها لم يكن له أخذه، وإن لم يكن كذلك فله أخذه والانتفاع به، وبهذا قال الشافعي. وقال أبوحنيفة: لا يحلبها ويرش على الضرع الماء حتى ينقطع اللبن، فإن احتلبها تصدق به؛ لأن اللبن متولد من الأضحية الواجبة فلم يجز للمضحي الانتفاع به كالولد. قال ابن قدامة: ولنا قول علي المذكور، ولأنه انتفاع لا يضرها فأشبه الركوب ويفارق الولد فإنه يمكن إيصاله إلى محله، أما اللبن فإن حلبه وتركه فسد وإن لم يحلبه تعقد الضرع وأضر بها فيجوز له شربه وإن تصدق به كان أفضل، وإن احتلب ما يضر بها أو بولدها لم يجز، وعليه أن يتصدق به، فإن قيل: فصوفها وشعرها ووبرها إذا جزه تصدق به ولم ينتفع به، فلم أجزتم له الانتفاع باللبن؟ قلنا: الفرق بينهما بوجهين: أحدهما أن لبنها يتولد من غذائها وعلفها، وهو القائم به، فجاز صرفه إليه، كما أن المرتهن إذا علف الرهن كان له أن يحلب ويركب وليس له أن يأخذ الصوف ولا الشعر. الثاني: أن الشعر والصوف ينتفع به على الدوام فجرى مجرى جلدها وأجزائها، واللبن يشرب ويؤكل شيئاً فشيئاً فجرى مجرى منافعها وركوبها، ولأن اللبن يتجدد كل يوم، والصوف والشعر عين موجودة دائمة في جميع الحول. الرابعة: حكم إبدال الأضحية وبيعها، فقال أحمد: يجوز أن تبدل بخير منها، وبه قال عطاء ومجاهد وعكرمة ومالك وأبوحنيفة ومحمد بن الحسن. وقال أبويوسف والشافعي وأبوثور: لا يجوز بيعها ولا إبدالها؛ لأنه قد جعلها لله تعالى فلم يملك التصرف فيها بالبيع، والإبدال كالوقف، وقال القاضي: يجوز أن يبيعها ويشتري خيراً منها، وهو قول عطاء ومجاهد وأبي حنيفة، واستدلوا بإشراكه ﷺ علياً – ﵁ – في هديه، قالوا: هذا نوع من الهبة أو بيع، وهذا الاستدلال خارج عن محل النزاع كما بينه في النيل (ج٤ ص٣٣٠) ، ويؤيد من قال بجواز بيع الأضحية ما روي عن ابن عباس في الرجل يشتري البدنة أو الأضحية فيبيعها ويشتري أسمن منها فذكر رخصة، رواه الطبراني في الأوسط. قال الهيثمي: رجاله ثقات، ويؤيدهم أيضاً ما رواه الترمذي وأبوداود عن حكيم بن حزام أن رسول الله ﷺ بعثه يشتري له أضحية بدينار فاشترى أضحية فأربح فيها ديناراً فاشترى أخرى مكانها فجاء بالأضحية والدينار إلى رسول الله ﷺ -
стр. 2082
...........................
ــ
فقال: ((ضح بالشاة وتصدق بالدينار)) ، لكن في سنده عند الترمذي انقطاع، وعند أبي داود شيخ مجهول، وقال الحنفية: يجوز للغني بيع الأضحية ما لم يعين، وكان للنبي ﷺ حكم الغني لكون الأضحية واجبة عليه، والفرق بين الفقير والغني في الأحكام منوط على وجوبها في الذمة وعدم وجوبها، فلم يكن بأس في بيع حكيم أول المشتراتين لعدم تعينها للتضحية، وطاب الفضل للنبي ﷺ إلا أنه أمر بتصدقه؛ لكونه حصل بربح دينار نوى صرفه في سبيل الله بطريق الأضحية يعني أنه قد خرج عنه للقربة لله تعالى في الأضحية، فكره أكل ثمنها. وقال الشوكاني في السيل الجرار: ليس في ثبوت هذه الأحكام التي ذكرها المصنف – صاحب حدائق الأزهار – من أنه لا ينتفع بالأضحية ... إلى آخر ما ذكره من ذلك دليل يقوم به الحجة، ويجب المصير إليه والعمل به، فإن كان قياساً للأضحية على الهدي وإن كان الباب مختلفاً فلا بأس بذلك، فإنه قد ورد في الهدي إن المهدي إذا خشي عليه موتاً فلينحره، ولا يطعمه هو ولا أحد من رفقته، كما في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي قبيصة، وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجه من حديث ناجية الخزاعي، قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم في هدي التطوع ... إلى آخر كلامه في سننه، وورد في منع بيع الهدي ما أخرجه أحمد وأبوداود، والبخاري في تاريخه، وابن حبان وابن خزيمة في صحيحيهما عن ابن عمر قال: أهدى عمر نجيباً فأعطي بها ثلاثمائة دينار، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني أهديت نجيباً فأعطيت بها ثلاثمائة دينار فأبيعها وأشتري بثمنها بدناً؟ قال: ((لا، انحرها إياها)) ، فالحاصل أنه إن صح قياس الأضحية على الهدي فذاك وإلا فالأصل عدم ثبوت شيء من هذه الأحكام، ومما يدل على اختلاف البابين أنه قال في الضحايا: كلوا وادخروا وايتجروا – انتهى. ولا يجوز إبدالها بدونها ولا خلاف في هذا، ولا يجوز بمثلها أيضاً لعدم الفائدة في هذا. الخامسة: إذا تلفت الأضحية أو ضلت أو سرقت بغير تفريط منه: قال ابن قدامة: لا ضمان عليه؛ لأنها أمانة في يده فإن عادت إليه – في صورة الضلال أو السرقة – ذبحها سواء كان في زمن الذبح أو فيما بعده – انتهى. وقال الشوكاني في السيل الجرار في شرح قول صاحب حدائق الأزهار "فإن فاتت أو تعيبت بلا تفريط لم يلزم البدل" ما لفظه: "قد قدمنا أن الأدلة تدل على وجوب الأضحية، فهذه التي اشتراها إذا تلفت أو تعيبت بنى الخطاب عليه في الوفاء بما هو واجب عليه إن كان قائلاً بالوجوب، وإنما هو سنة إن كان يرى أنها سنة، فكون مجرد التلف مسقطاً للأضحية مسوغاً لعدم إبدال ما تلف محتاج إلى دليل، وكيف يصح والنبي ﷺ أمر بإعادة الذبح لمن كان ذبحها قبل الصلاة، فلينظر ما وجه كلام المصنف، فإن هذا مع كونه خلاف الدليل يخالف حكم الهدي، فيكون قادحاً في القياس مع أنه لا وجه لثبوت ما ذكره من أحكام الأضحية إلا مجرد القياس على الهدي كما قدمنا، وأيضاً مما يقدح في ذلك القياس تجويز المصنف للبيع ولإبدال مثل وأفضل مع ما تقدم في الهدي من نهيه ﷺ لعمر عن
стр. 2083
................................
ــ
البيع وأمره بأن يذبح النجيبة – انتهى. السادسة: ما يفعل بالأضحية إذا فات وقت الذبح. فقال أبوحنيفة: يسلمها إلى الفقراء ولا يذبحها، فإن ذبحها فرق لحمها وعليه أرش ما نقصها الذبح؛ لأن الذبح قد سقط بفوات وقته. وقال ابن قدامة: يذبح الواجب قضاء ويصنع ما يصنع بالمذبوح في وقته، وهو مخير في التطوع، فإن فرق لحمها كانت القربة بذلك دون الذبح لأنها شاة لحم وليست أضحية، وبهذا قال الشافعي: قال ابن قدامة: إن الذبح أحد مقصودي الأضحية فلا يسقط بفوات وقته كتفرقة اللحم وذلك أنه لو ذبحها في الأيام ثم خرجت قبل تفريقها فرقها بعد ذلك ويفارق الوقوف والرمي؛ لأن الأضحية لا تسقط بفواتها بخلاف ذلك – انتهى. السابعة: ما يفعل بالأضحية إذا مات صاحبها وعليه دين لا وفاء له. فقال ابن قدامة: لم يجز بيعها وبهذا قال أبوثور ويشبه مذهب الشافعي وقال الأوزاعي: إن ترك ديناً لا وفاء له إلا منها بيعت فيه. وقال مالك: إن تشاجر الورثة فيها باعوها. قال ابن قدامة: ولنا أنه تعين ذبحها فلم يصح بيعها في دينه كما لو كان حياً، إذا ثبت هذا فإن ورثته يقومون مقامه في الأكل والصدقة والهدية؛ لأنهم يقومون مقام مورثهم فيما له وعليه. قلت: الظاهر عندي هو ما ذهب إليه الأوزاعي ثم ما ذهب إليه مالك؛ لأن الدين حق العبد وهو أوجب وألزم من الأضحية إن كانت واجبة. الثامنة: حكم لحم الأضحية: فالمستحب عند الحنابلة تثليثه. قال أحمد: نحن نذهب إلى حديث عبد الله – ابن مسعود – يأكل هو الثلث ويطعم من أراد الثلث، ويتصدق على المساكين بالثلث، وعن ابن عمر قال: الضحايا والهدايا ثلث لك وثلث لأهلك وثلث للمساكين، وروي عن ابن عباس في صفة أضحية النبي ﷺ قال: ويطعم أهل بيته الثلث ويطعم فقراء جيرانه الثلث ويتصدق على السؤال بالثلث، رواه الحافظ أبوموسى الأصفهاني في الوظائف، وقال: حديث حسن. وقال تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر﴾ [الحج: ٣٦] ، والقانع: السائل، والمعتر: الذي يعتريك أي يعترض لك لتطعمه فلا يسأل، فذكر ثلاثة أصناف، فينبغي أن يقسم بينهم أثلاثاً، وبهذا قال إسحاق بن راهويه، وهو أحد قولي الشافعي، وقال في الآخر: يجعلها نصفين، يأكل نصفاً ويتصدق بنصف لقوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾ [الحج: ٢٨] ، وقال أصحاب الرأي: ما كثر من الصدقة فهو أفضل؛ لأن النبي ﷺ أهدى مائة بدنة وأمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فأكل هو وعلي من لحمها وحسيا من مرقها، ونحر خمس أو ست بدنات، وقال: من شاء فيقتطع ولم يأكل منهن شيئاً. قال ابن قدامة: الأمر في هذا واسع، فلو تصدق بها كلها أو بأكثرها جاز، وإن أكلها كلها إلا أوقية تصدق بها جاز، وقال أصحاب الشافعي: يجوز أكلها كلها. قال ابن قدامة: ولنا أن الله تعالى قال: ﴿فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر﴾ ، وقال: ﴿وأطعموا البائس الفقير﴾ ، والأمر يقتضي الوجوب. وقال بعض أهل العلم: يجب الأكل منها ولا يجوز الصدقة بجميعها للأمر بالأكل منها، ولنا أن النبي ﷺ نحر خمس بدنات ولم يأكل منهن شيئاً، وقال: من شاء فليقطع، ولأنها ذبيحة يتقرب بها إلى الله تعالى
стр. 2084
(٥٠) باب صلاة الخسوف
ــ
فلم يجب الأكل منها كالعقيقة، والأمر للاستحباب أو للإباحة كالأمر بالأكل من الثمار والزرع والنظر إليها – انتهى. التاسعة: حكم جلد الأضحية: فقال أحمد: لا يجوز أن يبيعه ولا شيئاً منها، واجبة كانت أو تطوعاً، له أن ينتفع بجلدها من غير بيع، وهو مذهب الشافعي، ورخص الحسن والنخعي في الجلد أن يبيعه ويشتري به الغربال والمنخل أو آلة البيت، وروي نحو هذا عن الأوزاعي؛ لأنه ينتفع به هو وغيره، فجرى مجرى تفريق اللحم، وقال أبوحنيفة: يبيع ما شاء منها ويتصدق بثمنه، وروي عن ابن عمر أنه يبيع الجلد ويتصدق بثمنه، والراجح هو ما ذهب إليه الشافعي وأحمد؛ لقوله ﷺ : ((لا تبيعوا لحوم الهدي والأضاحي وكلوا وتصدقوا واستمتعوا بجلودها ولا تبيعوها، وإن أطعمتم من لحومها شيئاً فكلوه إن شئتم)) أخرجه أحمد، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٤ ص٢٦) : هو مرسل صحيح الإسناد، ولقوله ﷺ : ((من باع جلد أضحيته فلا أضحية له)) أخرجه الحاكم (ج٤ ص٣٨٩) ، والبيهقي من حديث أبي هريرة، قال الحاكم: صحيح الإسناد. قلت: فيه عبد الله بن عياش، وقد ضعفه أبوداود والنسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، وأخرج له مسلم في الشواهد، وقال أبوحاتم: صدوق ليس بالمتين يكتب حديثه، هو قريب من ابن لهيعة، ولقول علي – ﵁: أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه وأقسم جلودها وجلالها، وأمرني أن لا أعطي الجزار منها شيئاً، وقال: ((نحن نعطيه من عندنا)) ، أخرجه الجماعة إلا الترمذي، قال الزيلعي في نصب الراية والمصنف يعني صاحب الهداية: احتج بحديث أبي هريرة وعلي – ﵁ – على كراهة بيع جلد الأضحية مع جوازه، وهو خلاف ظاهر اللفظ، وقد احتج ابن الجوزي بظاهر حديث علي – ﵁ – على التحريم – انتهى.
(باب صلاة الخسوف) أي للشمس والقمر، قال أهل اللغة: خسوف العين ذهابها وغيبوبتها وغورها، أي دخولها في الرأس، وخسوف المكان ذهابه في الأرض، وخسوف الشيء نقصانه، وخسوف القمر ذهاب ضوئه، والخسف أيضاً الذل، والكسوف التغير إلى السواد، ومنه كسف وجهه إذا تغير، وكسفت الشمس أي اسودت وذهب شعاعها، والمشهور على ألسنة الفقهاء استعمال الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، واختاره ثعلب أيضاً، قال في الفصيح: إن كسفت الشمس وخسف القمر أجود الكلامين، وذكر الجوهري في الصحاح: إنه أفصح، وعلى هذا فكان الأولى للمؤلف أن يقول: الكسوف، بدل الخسوف، فإن أحاديث الباب كلها وردت في كسوف الشمس، أو يقول: الكسوف والخسوف؛ لأن حكمهما واحد في أكثر المسائل عند الفقهاء، وقيل: أتى بلفظ الخسوف تنبيهاً على أن الخسوف يستعمل في الشمس والقمر كما يستعمل الكسوف فيهما، واختياراً لما دلت عليه الأحاديث أنه يقال بهما في كل منهما، قال القسطلاني: الأصح أن الكسوف والخسوف يضافان للشمس والقمر بمعنى يقال: كسفت الشمس والقمر وخسفا – بفتح القاف والخاء مبنياً للفاعل -، وكسفا وخسفا – بضمهما مبنياً للمفعول -، وانكسفا
стр. 2085
﴿الفصل الأول﴾
١٤٩٤- (١) عن عائشة قالت: إن الشمس خسفت
ــ
وانخسفا بصيغة انفعل، ومعنى المادتين واحد أو يختص ما بالكاف بالشمس وما بالخاء بالقمر، وهو المشهور على ألسنة الفقهاء، واختاره ثعلب، وادعى الجوهري أفصحيته، ونقل عياض عن بعضهم عكسه، وعورض بقوله تعالى: ﴿وخسف القمر﴾ [القيامة: ٨] ، ويدل للقول الأول إطلاق اللفظين في المحل الواحد في الأحاديث، قال المنذري، وقبله ابن العربي: حديث الكسوف رواه عن النبي ﷺ سبعة عشر نفساً، رواه جماعة منهم بلفظ الكاف وجماعة بالخاء وجماعة باللفظين جميعاً – انتهى. لكن لم يرد في الأحاديث نسبة الكسوف إلى القمر على جهة الانفراد. قال القسطلاني نقلاً عن الحافظ وغيره: ولا ريب أن مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف؛ لأن الكسوف لغة تغير إلى سواد، والخسوف النقص والذل كما مر، فإذا قيل في الشمس: كسفت أو خسفت؛ لأنها تتغير ويلحقها النقص ساغ ذلك، كذلك القمر. ولا يلزم من ذلك أن الكسوف والخسوف مترادفان، وقيل: بالكاف في الابتداء، وبالخاء في الانتهاء، وقيل: بالكاف لذهاب جميع الضوء، بالخاء لبعضه، وقيل: بالخاء لذهاب كل اللون، وبالكاف لتغيره، واعلم أنه لا خلاف في مشروعية صلاة الكسوف والخسوف، وأصل مشروعيتها بالسنة وإجماع الأمة لكن اختلفوا في حكمها وصفتها، فقال الشافعي وأحمد: صلاة كسوف الشمس سنة مؤكدة لفعله ﷺ لها وجمعه الناس مظهراً لذلك، وهذه أمارة الاعتناء والتأكيد وللأمر بها، والصارف عن الوجوب ما سبق من قوله ﷺ : ((لا إلا أن تطوع)) ، وعند أبي حنيفة سنة غير مؤكدة، وصرح أبوعوانة في صحيحه بوجوبها، وإليه ذهب بعض الحنفية واختاره أبوزيد الدبوسي صاحب الأسرار، قال ابن الهمام: للأمر بها، والظاهر أن الأمر للندب؛ لأن المصلحة دفع الأمر المخوف فهي مصلحة تعود إلينا دنيوية إلى آخر ما قال. وعن مالك أنه أجراها مجرى الجمعة، وفي الشرح الكبر للمالكية: أنها سنة عين، وأما صلاة خسوف القمر فهي سنة مؤكدة عند الشافعي وأحمد ككسوف الشمس، ومستحبة عند أبي حنيفة ومالك، لكن قالا: يصلون فرادى من غير جماعة، وقال ابن دقيق العيد: تردد في صلاة الخسوف مذهب مالك وأصحابه ولم يلحقها بكسوف الشمس في قول. وقال ابن قدامة: قال مالك: ليس في كسوف القمر سنة، وحكى ابن عبد البر عنه وعن أبي حنيفة أنهما قالا: يصلي الناس لخسوف القمر وحداناً ركعتين ركعتين ولا يصلون جماعة، قال العيني: أبوحنيفة لم ينف الجماعة بل قال: الجماعة فيها غير سنة بل هي جائزة – انتهى. والراجح: ما ذهب إليه الشافعي وأحمد، وأما الصفة فسيأتي الكلام عليها قريباً.
١٤٩٤- قوله (إن الشمس خسفت) بفتح الخاء والسين، وفي إسناد الخسوف إلى الشمس رد على من
стр. 2086
على عهد رسول الله ﷺ فبعث منادياً: الصلاة جامعة، فتقدم فصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات. قالت عائشة: ما ركعت ركوعاً قط ولا سجدت سجوداً قط كان أطول منه.
ــ
قال: إنه يتعين الخسوف للقمر، وعلى من قال: إن استعمال الخسوف للشمس خلاف الأفصح. (على عهد رسول الله ﷺ ) أي في زمانه يوم مات ابنه إبراهيم كما سيأتي. (فبعث منادياً) يقول (الصلاة جامعة) يعني ينادي بهذه الجملة، قال الطيبي: الصلاة مبتدأ وجامعة خبره، أي الصلاة تجمع الناس، ويجوز أن يكون التقدير الصلاة ذات جماعة، أي تصلى جماعة لا منفرداً كالسنن الرواتب، فالإسناد مجازي كطريق سائر – انتهى. ويجوز نصب الصلاة على الإغراء، وجامعة على الحال، أي احضروا الصلاة حال كونها جامعة للجماعات أو للناس، وهو من الأحوال المقدرة، وفيه تقادير أخرى، وهو يدل على أنه يسن أن ينادى لصلاة الكسوف: الصلاة جماعة، قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث حجة لمن استحب ذلك، وقد اتفقوا على أنه لا يؤذن لها ولا يقام؛ لأن النبي ﷺ صلاها بغير أذان ولا إقامة، وقاس بعضهم صلاة العيدين على الكسوف في مشروعية النداء بالصلاة جامعة، وهو محل نظر؛ لأنه لم يرد الأمر بهذا اللفظ عنه ﷺ إلا في هذه الصلاة مع الحاجة إلى ذلك في عهده ﷺ ، فالاقتصار عليه هو المشروع (فتقدم) أي هو ﷺ (فصلى) وفي رواية مسلم: فاجتمعوا وتقدم وكبر وصلى، وفي رواية للنسائي: فاجتمعوا واصطفوا فصلى. (أربع ركعات) أي ركوعات (وأربع سجدات) قال العيني والقسطلاني: بنصب أربع عطفاً على أربع ركعات. قال القاري: فائدة ذكره أن الزيادة منحصرة في الركوع دون السجود (قالت عائشة) اعلم أن هذا الحديث إلى قوله: وأربع سجدات، رواه الشيخان والنسائي أيضاً من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة أن الشمس خسفت ... الخ، وأما قوله: قالت عائشة: ما ركعت ... الخ فليس في هذا الحديث ولا هو مروي من هذا الطريق، بل هو تتمة حديث عبد الله بن عمر، وأخرجه هؤلاء الثلاثة من رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عبد الله بن عمر، وبنحو حديث عائشة المذكور، وفي آخره فقالت عائشة: ما ركعت ... الخ، فالراوي لذلك عنها هو غير الراوي حديث عائشة المتقدم المرفوع وهو أبوسلمة، ويحتمل أن يكون عبد الله بن عمرو، فيكون من رواية صحابي عن صحابية، قال الحافظ: ووهم من زعم أنه معلق، فقد أخرجه مسلم وابن خزيمة وغيرهما من رواية أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو، وفيه قول عائشة – انتهى. (ما ركعت ركوعاً قط ولا سجدت سجوداً قط كان أطول منه) أي كان ذلك الركوع والسجود أطول من ركوع الخسوف وسجوده، وهذا لفظ مسلم، واقتصر البخاري على ذكر السجود، ولفظه: قالت عائشة: ما سجدت سجوداً قط كان أطول منها، أي من سجدة الكسوف، أو هو على حذف مضاف أي من سجود صلاة الكسوف، وقد ثبت طول الركوع والسجود في الكسوف في أحاديث كثيرة، منها أحاديث ابن عباس وعائشة وأبي موسى المذكورة
стр. 2087
........................
ــ
في الباب، ومنها حديث أبي هريرة عند النسائي، ومنها حديث سمرة عند أبي داود والنسائي، ومنها حديث جابر عند أحمد ومسلم وأبي داود، ومنها حديث أسماء عند أحمد والبخاري وأبي داود وابن ماجه، وإلى مشرعية التطويل في الركوع والسجود في صلاة الكسوف كما يطول القيام ذهب أحمد وأبوحنيفة ومالك في المشهور عنه، والشافعي في أحد قوليه، وبه جزم أهل العلم بالحديث من أصحابه. والحديث يدل على مشروعية الجماعة لصلاة الكسوف، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء. وقال ابن حبيب: الجماعة فيها شرط. وقيل: لا تقام إلا في جماعة واحدة. قال الترمذي: ويرى أصحابنا يعني أصحاب الحديث أن يصلي صلاة الكسوف في جماعة في كسوف الشمس والقمر. وبوب البخاري باب صلاة الكسوف جماعة. قال الحافظ: أي إن لم يحضر الإمام الراتب فيؤم لهم بعضهم. وبه قال الجمهور. وعن الثوري إن لم يحضر الإمام صلوا فرادى – انتهى. قلت: وقال الحنفية أيضاً بأنه إن لم يحضر إمام الجمعة والعيدين صلوا فرادى، وقالوا: لا جماعة في صلاة خسوف القمر، ففي شرح الوقاية: عند الكسوف يصلي إمام الجمعة بالناس ركعتين، وإن لم يحضر – أي إمام الجمعة – صلوا فرادى كالخسوف – انتهى مختصراً. وقال في الدر المختار: يصلي بالناس من يملك إقامة الجمعة ركعتين. قال ابن عابدين: بيان للمستحب، يعني فعلها بالجماعة إذا وجد إمام الجمعة وإلا فلا تستحب الجماعة بل تصلى فرادى، هذا ظاهر الرواية، وعن الإمام في غير رواية الأصول لكل إمام مسجد أن يصلي بجماعة في مسجده – انتهى. قال في البدائع: والصحيح ظاهر الرواية. قلت: والراجح عندي أنه يجوز الأمر إن الانفراد والتجميع فيهما؛ لأنه لم يرد ما يقتضي اشتراط التجميع؛ لأن فعله ﷺ لا يدل على الوجوب فضلاً عن الشرطية، لكن لا شك أن التجميع أفضل بل أوكد، لأنه ﷺ أمر المنادي بالإعلام بالصلاة جامعة ليجتمع الناس وصلاها جماعة، وقد أمر بالصلاة للكسوف والخسوف أمراً واحداً، فيسن الجماعة للخسوف كما تسن للكسوف، وعن ابن عباس أنه صلى بأهل البصرة في خسوف القمر ركعتين وقال: إنما صليت لأني رأيت رسول الله ﷺ يصلي، ولأن خسوف القمر أحد الكسوفين فأشبه كسوف الشمس، وسيأتي مزيد الكلام في صلاة خسوف القمر قريباً، وأما إذا لم يحضر الإمام الراتب للجمعة والعيدين أو إمام الحي فيؤم لهم بعضهم ولا يكون احتمال الفتنة والخلل إذا اتفقوا على أحد للإمامة وتراضوا به. وفي الحديث أيضاً دليل على أن المشروع في صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان، والأحاديث الواردة في وصفها مختلفة جداً. فمنها هذا المذكور أي ركعتان في كل ركعة ركوعان، روي هذا من حديث عائشة وابن عباس وعبد الله بن عمرو متفق عليهم، وأسماء بنت أبي بكر عند أحمد، والبخاري والنسائي وابن ماجه وجابر عند أحمد، ومسلم وأبي داود وأبي هريرة عند النسائي، وابن عمر عند البزار وابن جرير، قال الهيثمي: في سنده مسلم بن خالد، وهو ضعيف، وقد وثق – انتهى. وله حديث آخر عند البيهقي (ج٣ ص٣٢٤) من طريق الشافعي
стр. 2088
............................
ــ
عن يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، قال البيهقي: تفرد به يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر، وروي ذلك أيضاً من حديث أم سفيان عند الطبراني كما في الفتح، وأبي موسى الأشعري، وسمرة بن جندب كما في التلخيص، وأبي شريح الخزاعي عن عثمان من فعله بالمدينة وبها عبد الله بن مسعود، أخرجه أحمد والبيهقي (ج٣ ص٣٢٤) وأبويعلى والطبراني في الكبير والبزار. قال الهيثمي: رجاله موثقون، واختار هذه الكيفية مالك والشافعي وأحمد والجمهور. ومنها في كل ركعة ثلاث ركوعات، روي هذا من حديث عائشة عند أحمد ومسلم والنسائي، وابن عباس عند الترمذي وصححه، وفيه حبيب بن أبي ثابت، وهو مدلس، وصفه بذلك ابن خزيمة والدارقطني وابن حبان، ولم يبين سماعه من طاوس، وروي ذلك أيضاً من حديث جابر عند أحمد ومسلم وأبي داود والنسائي والبيهقي، وقد أعله البيهقي (ج٣ ص٣٢٦) ، وروي ذلك أيضاً من فعل ابن عباس وحذيفة كما في المحلى (ج٥ ص٩٩) . ومنها في كل ركعة أربع ركوعات، روي هذا من حديث ابن عباس عند أحمد ومسلم وأبي داود والنسائي والبيهقي، وقد أعله البيهقي (ج٣ ص٣٢٧) ، ومن حديث حذيفة عند البزار واليهقي (ج٣ ص٣٢٩) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن حبيب بن أبي ثابت عن صلة بن زفر عن حذيفة، قال البيهقي: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى لا يحتج به، ومن حديث علي عند أحمد (ج١ ص١٤٣) والبيهقي (ج٣ ٣٣٠) ، وروي أيضاً من فعل علي وابن عباس، واختاره حبيب بن أبي ثابت كما في المحلى (ج٥ ص١٠٠) . ومنها في كل ركعة خمس ركوعات، روي هذا من حديث أبي بن كعب عند أبي داود، والحاكم والبيهقي وعبد الله بن أحمد، وهو حديث معلول كما ستعرف، ومن حديث علي عند البزار كما في الفتح ومجمع الزوائد، وذكر البيهقي في المعرفة وفي السنن (ج٣ ص٣٢٩) وابن حزم في المحلى (ج٥ ص١٠٠) عن الحسن أن علي بن أبي طالب صلى في كسوف عشر ركعات في أربع سجدات. قال البيهقي: رواية الحسن عن علي لم تثبت، وأهل العلم بالحديث يرويها مرسلة. ومنها أن يصلى ركعتين ويسلم ثم ركعتين ويسلم هكذا حتى ينجلي الكسوف، روي هذا من حديث النعمان بن بشير عند أحمد (ج٤ ص٢٦٩) ، وفيه: وكان يصلي ركعتين ثم يسأل ثم يصلي ركعتين ثم يسأل حتى انجلت الشمس ... الخ. وأخرجه البيهقي (ج٣ ص٣٣٣) بلفظ: فجعل يصلي ركعتين ويسلم حتى انجلت الشمس، قال في هامشه: كذا في المصرية. وفي المدراسية: ويصي ركعتين ويسلم ويصلي ركعتين ويسلم مرتين – انتهى. وهو عند الطحاوي بلفظ: فجعل يصلي ركعتين ويسلم ويسأل حتى انجلت. وأخرجه أبوداود بلفظ: فجعل يصلي ركعتين ركعتين ويسأل عنها حتى انجلت، ورواه النسائي من حديث قبيصة الهلالي بلفظ: فصلى ركعتين ركعتين حتى انجلت. واختار هذا إبراهيم النخعي والحسن كما في المحلى، وروى الحسن عن أبي حنيفة: إن شاءوا صلوا ركعتين وإن شاءوا صلوا أربعاً وإن شاءوا صلوا أكثر من ذلك، ذكره في المحيط والبدائع.
стр. 2089
..............................
ــ
واستدلت الحنفية بحديث النعمان وقبيصة على ما ذهبوا إليه من أن صلاة الكسوف ركعتان كسائر النوافل بلا تكرار الركوع، وسيأتي الجواب عنه. ومنها كأحدث صلاة، روي هذا من حديث النعمان بن بشير عند النسائي وابن حزم (ج٥ ص٩٧) والبيهقي (ج٣ ص٣٣٢) بلفظ: ((إذا رأيتم ذلك فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة)) ، وروي أيضاً من حديث قبيصة الهلالي عند أحمد (ج٥ ص٦٠) وأبي داود والنسائي والبيهقي والحاكم والطحاوي والبغوي، وقوله ((كأحدث صلاة)) يعني كأقرب صلاة. قال ابن حزم محتجاً بهذا الحديث: يصلي لكسوف الشمس خاصة إن كسفت من طلوعها إلى أن يصلي الظهر ركعتين، وإن كسفت من بعد صلاة الظهر إلى أخذها في الغروب صلى أربع ركعات كصلاة الظهر ولاعصر، وفي كسوف القمر خاصة إن كسفت بعد صلاة المغرب إلى أن يصلي العشاء الآخرة صلى ثلاث ركعات كصلاة المغرب، وإن كسفت بعد صلاة العتمة إلى الصبح صلى أربعاً كصلاة العتمة – انتهى. وعليه حمله السندي حيث قال في حاشية النسائي: قوله ((كأحدث صلاة)) فيه أنه ينبغي أن يلاحظ وقت الكسوف فيصلي لأجله صلاة هي مثل ما صلاها من المكتوبة قبيلها، ويلزم منه أن يكون عدد الركعة على حسب تلك الصلاة، وأن يكون الركوع واحداً – انتهى. وحمله الحنفية على صلاة الصبح خاصة، قالوا: المراد أنه يصلي ركعتين كصلاة الصبح بركوعين وأربع سجدات. وقيل: التشبيه فيه محمول على بعض الصفات لا على جميعها، يعني أن التشبيه ههنا في عدد الركعات والقراءة فقط لا من كل الجهات، فيصلي ركعتين ويجهر بالقراءة كصلاة الصبح، لكن كل ركعة بركوعين، وهذا لئلا يعارض القول ما رواه الشيخان من فعله بتثنية الركوع في كل ركعة. وقيل: معناه إذا وقع الكسوف عقب صلاة جهرية يصلي ويجهر فيها بالقراءة، وإن وقع عقب صلاة سرية يصلي ويخافت فيها بالقراءة. ومنها: ركعتان في كل ركعة ركوع. روي هذا من حديث عبد الله بن عمر، وعند أحمد (ج٢ ص١٩٨) وأبي داود والنسائي والترمذي في الشمائل، والطحاوي والحاكم (ج١ ص٣٢٩) وأبي حنيفة في مسنده، كلهم من طريق عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمر. وقال الحاكم: صحيح، ولم يخرجاه من أجل عطاء بن السائب، وقال تقي الدين في الإمام: كل من روى عن عطاء بن السائب روى عنه في الاختلاط إلا شعبة وسفيان – انتهى. قلت: أخرجه أبوداود عن حماد بن سلمة عن عطاء، والترمذي عن جرير عن عطاء، والحاكم عن الثوري عن عطاء، والطحاوي عن حماد بن سلمة والثوري وغيرهما عن عطاء، وأخرج النسائي في رواية عن شعبة عن عطاء به، لكن ليس متنه بصريح في الركعتين، وحكى العراقي في التقييد والإيضاح (ص٣٩٢) عن ابن معين أنه قال: حديث سفيان وشعبة وحماد بن سلمة عن عطاء بن السائب مستقيم – انتهى. وروي ذلك أيضاً من حديث سمرة بن جندب عند أحمد (ج٥ ص١٦) وأبي داود
стр. 2090
...............................
ــ
والنسائي والحاكم (ج١ ص٣٣٠) والبيهقي (ج٣ ص٣٣٩) وصححه الحاكم، وروي أيضاً من حديث محمود بن لبيد عند أحمد (ج٥ ص٤٢٨) ، قال الهيثمي (ج٢ ص٢٠٧) : رجاله رجال الصحيح – انتهى. واختار هذه الصفة الحنفية، واستدلوا بهذه الأحاديث الثلاثة، وبما ورد من قوله "صلى ركعتين" في بيان صلاته ﷺ لكسوف الشمس في حديث أبي بكرة عند البخاري والنسائي وعبد الرحمن بن سمرة عند مسلم وأبي داود والنسائي والحاكم، وابن مسعود عند ابن خزيمة، والنعمان بن بشير عند الحاكم، وقبيصة عند أبي داود والنسائي وغيرهما على عدم تعدد الركوع في الركعة. قال الزيلعي: ظاهر قوله "صلى ركعتين" إن الركعتين بركوع واحد. وأجيب بأن ذكر ركوع في ركعة لا يدل على نفي الزائد، فكان ذكر الركوع الثاني حذف فيها كما حذفت السجدة الثانية في ذكر السجدة، وبأن أحاديث تثنية الركوع أصح وأرجح وأكثر وأشهر، فتقدم على هذه الأحاديث، وبأن فيها زيادة فهي أولى بالقبول؛ لأنها أثبتت ما لم يثبت حديث عبد الله بن عمرو وسمرة ومحمود بن لبيد وغيرهم، وبأنها مثبتة فتقدم على غيرها مما يدل على عدم تعدد الركوع، وبأن معنى قوله "صلى ركعتين" أي ركوعين في ركعة فصار أربع ركوعات في ركعتين، قال القرطبي: يحتمل أنه إنما أخبر عن حكم ركعة واحدة، وسكت عن الأخرى، وبأن قوله "صلى ركعتين" مطلق، وفي أحاديث تثنية الركوع زيادة، فيحمل هذا المطلق على الروايات المقيدة، والمعنى: صلاها ركعتين بزيادة ركوع في كل ركعة. وقد ظهر بما ذكرنا أن جملة ما ورد في صفة صلاة الكسوف سبع صفات: ركوع في كل ركعة، وركوعان في كل ركعة، وثلاثة في كل ركعة، وأربعة في كل ركعة، وخمسة في كل ركعة، وكأحدث صلاة، وأن يصلي ركعتين ويسلم ثم يصلي ركعتين ويسلم هكذا حتى تنجلي الشمس، وكثير من الأحاديث الواردة فيها صحيح، وأصحها أحاديث تثنية الركوع، فإن هذه هي الثابتة في الصحيحين وغيرهما من طرق كثيرة، ثم دونها في الصحة مع كونه صحيحاً أحاديث تثليث الركوع، وكذا أحاديث تربيع الركوع فإن ذلك قد انفرد به مسلم، ثم دون هذا حديث تخميس الركوع، وكذا أحاديث وحدة الركوع، وللعلماء فيها مسلكان؛ أحدهما مسلك الجمع: بحملها على تعدد الكسوف وتعدد صلاته في عهد النبي ﷺ ، وذهب إليه إسحاق بن راهويه وابن خزيمة والخطابي، واستحسنه ابن المنذر، وقواه النووي، ورجحه ابن رشد في البداية وابن حزم في المحلى وابن جرير الطبري وغيرهم. وأبدى بعضهم أن حكمة الزيادة في الركوع والنقص كان بحسب سرعة الانجلاء وبطئه، فحين وقع الانجلاء في أول ركوع اقتصر على مثل النافلة، وحين أبطأ زاد ركوعاً، وحين زاد في الإبطاء زاد ثالثاً، وهكذا إلى غاية ما ورد في ذلك، وتعقب
стр. 2091
.............................
ــ
بأن إبطاء الانجلاء وعدمه لا يعلم في أول الحال ولا في الركعة الأولى، وقد اتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء، وهذا يدل على أنه مقصود في نفسه منوى من أول الحال. والمسلك الثاني: الترجيح فرجح القائلون بكونها ركعتين في كل ركعة ركوعان أحاديث تثنية الركوع لكونها أكثر وأصح. قال الحافظ في الفتح بعد ذكر من روى من الصحابة تثنية الركوع في كل ركعة ما لفظه: وفي رواياتهم زيدة رواها الحفاظ الثقات، فالأخذ بها أولى من إلغائها. وبذلك قال جمهور أهل العلم من أهل الفتيا، وقد وردت الزيادة في ذلك من طرق ... ، فذكر من روي عنه أحاديث تثليث الركوع وتربيعه وتخميسه ثم قال: ولا يخلو إسناد منها عن علة، وقد أوضح ذلك البيهقي وابن عبد البر، ونقل صاحب الهدي عن الشافعي وأحمد والبخاري أنهم كانوا يعدون الزيادة على الركوعين غلطاً من بعض الرواة، فإن أكثر طرق الحديث يمكن رد بعضها إلى بعض، ويجمعها أن ذلك كان يوم مات إبراهيم – ﵇، وإذا اتحدت القصة تعين الأخذ بالراجح، والراجح قطعاً هو حديث عائشة وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو وأسماء بنت أبي بكر وجابر وغيرهم الذي فيه ركوعان في كل ركعة. وقال الشوكاني في السيل الجرار: إذا تقرر لك أن القصة واحدة عرفت أنه لا يصح ههنا أن يقال كما قيل في صلاة الخوف أنه يأخذ بأي الصفات شاء، بل الذي ينبغي ههنا أن يأخذ بأصح ما ورد وهو ركوعان في كل ركعة لما في الجمع بين هذه الروايات من التكلف البالغ. وقال ابن تيمية في التوسل والوسيلة (ص٦٩-٧٠) : لا يبلغ تصحيح مسلم تصحيح البخاري، بل كتاب البخاري أجل ما صنف في هذا الباب، والبخاري من أعرف خلق الله بالحديث وعلله مع فقهه فيه، قال: ولهذا كان جمهور ما أنكر على البخاري مما صححه يكون قوله فيه راجحاً على قول من نازعه بخلاف مسلم فإنه نوزع في عدة أحاديث مما خرجها، وكان الصواب فيها مع من نازعه، كما روى في حديث الكسوف أن النبي ﷺ صلى بثلاث ركوعات وبأربع ركوعات كما روى أنه صلى بركوعين، والصواب أنه لم يصل إلا بركوعين وأنه لم يصل الكسوف إلا مرة واحدة يوم مات إبراهيم، وقد بين ذلك الشافعي، وهو قول البخاري وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، والأحاديث التي فيها الثلاث والأربع فيها أنه صلاها يوم مات إبراهيم، ومعلوم أنه لم يمت في يومي كسوف ولا كان له إبراهيمان، ومن نقل أنه مات عاشر الشهر فقد كذب – انتهى. وقال في منهاج السنة: حديث صلاة الكسوف بثلاث ركوعات وأكثر في مسلم من المواضع المنتقدة بلا ريب، وإلى ترجيح روايات تثنية الركوع ذهب أيضاً صاحب فيض الباري من الحنفية حيث قال: لم تنكسف الشمس على عهد رسول الله ﷺ إلا مرة، والروايات في تعدد الركوع بلغت إلى ست ركوعات في ركعتين، والأرجح عندي أن النبي ﷺ ركع ركوعين في ركعة، والباقي أوهام كانت فتاوى الصحابة فاختلطت بالمرفوع، وإذن لا أتمسك من روايات ورد فيها ركوع
стр. 2092
.............................
ــ
واحد، بل أحملها على الاختصار – انتهى. قلت: وفي تاريخ الخميس وأوائل الثقات لابن حبان: أن الشمس كسفت في عهده ﷺ مرتين: الأولى في السنة السادسة، والثانية في السنة العاشرة يوم توفي إبراهيم بن رسول الله ﷺ ، وأما القمر ففي شرح الإحياء ذكر صاحب جمع العدة: أن خسوف القمر وقع في السنة الرابعة في جمادى الآخرة ولم يشتهر أنه ﷺ جمع له الناس، وذكر في الهدي وفي تاريخ الخميس (ج١ ص٤٦٩) عن السيرة لابن حبان أنه وقع في السنة الخامسة في جمادى الآخرة، فصلى النبي ﷺ بأصحابه، وكانت أول صلاة كسوف في الإسلام، وقد جزم به مغلطائي في سيرته. والظاهر عندي ما ذهب إليه ابن تيمية وغيره من جمهور أهل العلم أنه لم يصلي صلاة كسوف الشمس في عهده ﷺ بالمدينة إلا مرة. قال الشيخ أحمد شاكر في حاشية المحلى (ج٥ ص١٠٤، ١٠٥) : لقد حاولت كثيراً أن أجد من العلماء بالفلك من يظهر لنا بالحساب الدقيق عدد الكسوفات التي حصلت في مدة إقامة النبي ﷺ بالمدينة، وتكون ؤيتها بها ممكنة، وطلبت ذلك من بعضهم مراراً، فلم أوفق إلى ذلك، إلا أني وجدت للمرحوم محمود باشا الفلكي جزءاً صغيراً سماه نتائج الأفهام في تقويم العرب قبل الإسلام، وقد حقق فيه بالحساب الدقيق يوم الكسوف الذي حصل فيه السنة العاشرة، وهو اليوم الذي مات فيه إبراهيم – ﵇، ومنه اتضح أن الشمس كسفت في المدينة في يوم الاثنين ٢٩ شوال سنة (١٠) ، الموافق ليوم ٢٧ يناير سنة ٦٣٢ ميلادية في الساعة ٨ والدقيقة ٣٠ صباحاً، وهو يرد أكثر الأقوال التي نقلت في تحديد يوم موت إبراهيم، وعسى أن يكون هذا البحث والتحقيق حافزاً لبعض النبهاء من العالمين بالفلك إلى حساب الكسوفات الي حصلت بالمدينة في السنين العشر الأولى من الهجرة النبوية، أي إلى وقت وفاته ﷺ في يوم الأحد ١٢ ربيع الأول سنة ١١ أو الاثنين ١٣ منه الموافقان ليومي ٧ يونية سنة ٦٣٢ و٨ منه، فإذا عرف بالحساب عدد الكسوفات في هذه المدة أمكن التحقيق من صحة أحد المسلكين. إما حمل الروايات على تعدد الوقائع، وإما ترجيح الرواية التي فيها ركوعان في كل ركعة، وأنا أميل جداً إلى الظن بأن صلاة الكسوف ما صليت إلا مرة واحدة، فقد علمنا من رسالة محمود باشا الفلكي أنه حصل خسوف للقمر في المدينة في يوم الأربعاء ١٤ جمادى الثانية من السنة الرابعة للهجرة الموافق ٢٠ نوفمبر سنة ٦٢٥، ولم يرد ما يدل على أن النبي ﷺ جمع الناس فيه لصلاة الخسوف، ويؤيد هذا أن الأحاديث الواردة في صلاة الكسوف دالة بسياقها على أن هذه الصلاة كانت لأول مرة، وأن الصحابة لم يكونوا يعلمون ماذا يصنع رسول الله ﷺ في وقتها، وأنهم ظنوا أنها كسفت لموت إبراهيم، وأن المدة بين موت إبراهيم – ﵇ – وبين موت أبيه ﷺ لم تزد على أربعة أشهر ونصف، فلو كان الكسوف حصل مرة أخرى وقاموا للصلاة لظهر ذلك واضحاً في النقل لتوفر الدواعي إلى نقله، كما نقلوا ما قبله بأسانيد كثيرة، والله أعلم بالصواب – انتهى كلام الشيخ أحمد. هذا وقد تقدم أن الحنفية اختاروا وحدة الركوع في كل ركعة كسائر
стр. 2093
.......................
ــ
الصلوات ثم اختلفوا. فقال بعضهم: الأرجح أن النبي ﷺ ركع ركوعين في كل ركعة والباقي أوهام وروايات وحدة الركوع محمولة على الاختصار، وأن النبي ﷺ وإن ركع ركوعين لكنه لم يعلمنا إلا أن نأتي بها كأحدث صلاة صلاها وفيها ركوع واحد، فتعدد الركوع مخصوص به ﷺ ، وكان النبي ﷺ أراد بقوله: ((صلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة)) أن لا تصلوا أنتم، كما رأيتم من تعدد الركوع، ولكن صلوا كصلاة الصبح – انتهى مختصراً محصلاً. وأجيب عنه بأن كل ما صح وثبت من فعله ﷺ يكون سنة لنا ما لم يقم دليل على اختصاصه به ولا دليل على كون تعدد الركوع في صلاة الكسوف مختصاً به ﷺ ، فدعوى الاختصاص مردودة، وأما قوله ﷺ : ((صلوا كأحدث صلاة ... )) الخ فليس بصريح ولا بظاهر فيما قالوا به فإنه يحتمل معاني أخرى كما تقدم عن السندي وابن حزم وغيرهما مفصلاً وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال والتشبيه لا يجب أن يكون من جميع الجهات فلا يترك به الأحاديث الصريحة التي هي أصح منه لكونها مروية في الصحيحين وغيرهما. وقال بعضهم أحاديث الفعل متعارضة فيطرح الكل ويؤخذ بالأصل، والأصل في الركوع الاتحاد دون التعدد وقد جاء في بعض الروايات كذلك. وفيه إن من شرط التعارض التساوي في الثبوت والقوة وهو منتفٍ ههنا، فإن أحاديث الفعل ليست بمتساوية بل روايات تثنية الركوع أصح وأرجح وأقوى وأشهر لاتفاق الشيخين على تخريجها، فيجب تقديمها وترجيحها ويتعين الأخذ بها ولا يجوز طرحها. وقال بعضهم: أحاديث وحدة الركوع مرجحة بوجوه: منها أن روايات تعدد الركوع متعارضة، وهي مع ذلك تخالف قوله ﷺ : ((صلوا كأحدث صلاة ... )) الخ والعبرة للقول إذا خالف الفعل. وفيه أنه لا تعارض بين روايات التعدد لكون أحاديث تثنية الركوع أصح وأرجح وأقوى فتقدم على غيرها ولا تخالف بينها وبين القول المذكور فإن المقصود منه التشبيه في بعض الصفات وهي عدد الركعات والجهر بالقراءة لا في جميعها وإلا فينبغي للحنفية أن يقولوا باستنان الجهر بالقراءة في صلاة كسوف الشمس وأن لا يقولوا باستحباب تطويل القراءة والركوع والسجود بل يكرهوا الإطالة، لكنهم قد صرحوا بأن صلاة الكسوف مستثناة من كراهة التطويل وقالوا: يطيل فيها الركوع والسجود والقراءة، واستدلوا لذلك بروايات الفعل، ولو فرضنا التعارض بين روايات الفعل والقول فالقول إنما يقدم ويرجح على الفعل إذا لم يمكن الجمع بينهما وكان القول مساوياً للفعل في القوة والثبوت، والأمر ههنا ليس كذلك. ومنها أن روايات وحدة الركوع موافقة للقياس أي موافقة للأصول المعهودة فزيادة ركن في الصلاة لم تعهد. قال الحافظ: أشار الطحاوي إلى أن قول أصحابه أجري على القياس في صلاة النوافل لكن اعترض بأن القياس مع وجود النص يضمحل، وبأن صلاة الكسوف أشبه بصلاة العيد وبنحوها مما يجمع فيه من طلق النوافل، فامتازت صلاة الجنازة بترك الركوع والسجود، وصلاة العيدين بزيادة التكبيرات، وصلاة الخوف بزيادة الأفعال
стр. 2094
...............................
ــ
الكثيرة واستدبار القبلة، فلذلك اختصت صلاة الكسوف بزيادة الركوع، فالأخذ به جامع بين العمل بالنص والقياس بخلاف من لم يعمل به – انتهى. وقد رد على هذا الوجه ابن حزم أيضاً فأجاد، فعليك أن ترجع إلى المحلى (ج٥ ص١٠١) . ومنها أن روايات التعدد متعارضة مضطربة. قال ابن الهمام: أحاديث تعدد الركوع مضطربة، والاضطراب موجب للضعف فوجب تركها. وفيه أن الاختلاف الواقع في روايات الفعل ليس اضطراباً قادحاً مورثاً للضعف فإن الاختلاف في الحديث من جهة الإسناد أو المتن إنما يورث الاضطراب الموجب للضعف إذا استوت وجوه الاختلاف وتساوت الروايات المختلفة، وأما إذا ترجحت إحداها بوجه من وجوه الترجيح قدمت ولا يعل الراجح بالمرجوح، يعني يكون العبرة للراجح، وههنا روايات تثنية الركوع أصح وأرجح وأقوى فيكون لها الاعتبار لا لروايات الزيادة على الركوعين ولا لروايات وحدة الركوع. هذا وتأول بعضهم أحاديث تعدد الركوع بتأويلات كلها أضاحيك نذكرها عبرة للناظرين وفي ذكرها غنى عن الرد. فمنها ما ذكره الفخر الزيلعي في شرح الكنز: أنه – ﵊ – كان يرفع رأسه ليختبر حال الشمس هل انجلت أم لا فظنه بعضهم ركوعاً فأطلق عليه اسمه فلا يعارض ما روينا يعني من أحاديث وحدة الركوع – انتهى. قال الحافظ في الفتح: أجاب بعض الحنفية عن زيادة الركوع بحمله على رفع الرأس لرؤية الشمس هل انجلت أم لا، فإذا لم يرها انجلت رجع إلى ركوعه ففعل ذلك مرة أو مراراً فظن بعض من رآه يفعل ذلك ركوعاً زائداً. وتعقب بالأحاديث الصحيحة الصريحة في أنه أطال القيام بين الركوعين، ولو كان الرفع لرؤية الشمس فقط لم يحتج إلى تطويل ولا سيما الأخبار الصريحة بأنه ذكر ذلك الاعتدال ثم شرع في القراءة، فكل ذلك يرد هذا الحمل، ولو كان كما زعم هذا القائل لكان فيه إخراج لفعل الرسول عن العبادة المشروعة، أو لزم منه إثبات هيئة في الصلاة لا عهد بها وهو ما فر منه – انتهى كلام الحافظ. ومنها ما ذكره صاحب المحيط البرهاني: أن النبي ﷺ إنما ركع ركوعين على وجه الصورة لا على وجه الحقيقة؛ لأنه قربت إليه الجنة والنار، وإنما رفع رسول الله ﷺ رأسه من الركوع فزعاً حين قربت منه النار، وكان ذلك رفعاً على وجه الصورة لا الحقيقة. ورد بما وقع من التصريح في الأحاديث الصحيحة بتطويل القيام الثاني وتطويل الركوع الذي بعده، وكذا تطويل الاعتدال الذي يليه السجود، وهذا كالصريح في أنه ﷺ ركع ركوعين ركوعاً حقيقة لا صورياً، وأن رفع الرأس لم يكن فزعاً على وجه الصورة، بل كان قياماً حقيقياً قرأ فيه قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى، ولو كان الرفع أي القيام فزعاً والركوع لأنه قربت إليه الجنة لم يقع التطويل فيهما كما لم يقع في تقدمه وتأخره، ويرد ذلك أيضاً أن الذي وقع منه ﷺ حين قربت إليه الجنة والنار
стр. 2095
................................
ــ
إنما هو التقدم والتأخر كما صرح به في رواية مسلم وغيره لا الركوع ورفع الرأس منه. ومنها ما ذكره صاحب العرف الشذى: أن الركوع الثاني لم يكن ركوعاً صلوياً بل كان ركوع آية وتخشع وتضرع يعني كان بدل السجود للآيات مما رأى النبي ﷺ من الجنة والنار ممثلتين في جدار القبلة، فتعدد الركوع كتعدد السجود في الصلاة عند تلاوة آية السجدة، فكما تتعدد السجدة لداعية كذلك يجوز أن يكون النبي ﷺ ركع ركوعين؛ لأنه شاهد فيما ما لم يكن يشاهد في عامة الصلوات والسجود عند ظهور آية معروف. قال أبوعبد الله البلخي: إن الزيادة ثبتت في صلاة الكسوف لا للكسوف بل لأحوال اعترضت حتى روي أنه ﷺ تقدم في الركوع حتى كان كمن يأخذ شيئاً ثم تأخر كمن ينفر عن شيء، فيجوز أن تكون الزيادة منه باعتراض تلك الأحوال، كذا في البدائع، وحاصل هذا كله أنه تعدد الركوع مختص بالنبي ﷺ . وهذا نحو ما تقدم من المحيط البرهاني، وقد تقدم جوابه، ويزاد عليه أنه لا فرق بين الركوعين في الصورة، فكما أن الركوع الأول كان ركوع صلاة لا ركوع آية وتخشع كذلك كان الركوع الثاني ركوع صلاة لا ركوع آية، ومن يدعي الفرق بينهما فليأت بدليل صريح قوي على ذلك، ولا يكفي في مثل هذا الإمكان والاحتمال والتجويز، ويدل على بطلان هذا القول ودعوى الاختصاص عمل الصحابة بتعدد الركوع بعد النبي ﷺ ، ويبطله أيضاً أن التقدم والتأخر إنما وقع من النبي ﷺ في حال قيامه الثاني من الركعة الثانية كما رواه سعيد بن منصور في سننه لا في الركوع كما قال البلخي. ومنها ما قال الفخر الزيلعي في شرح الكنز: أنه ﷺ طول الركوع فيها فمل بعض القوم فرفعوا رؤوسهم أو ظنوا أنه – ﵊ – رفع رأسه فرفعوا رؤوسهم أو رفعوا رؤوسهم على عادة الركوع المعتاد، فوجدوا النبي ﷺ راكعاً فركعوا ثم فعلوا ثانياً وثالثاً كذلك ففعل من خلفهم كذلك ظناً منهم أن ذلك من النبي ﷺ ، ثم روى كل واحد منهم على ما وقع في ظنه، ومثل هذا الاشتباه قد يقع لمن كان في آخر الصفوف، فعائشة في صفوف النساء، وابن عباس في صفوف الصبيان، وحكى الطحطاوي على المراقي هذا التأويل عن الإمام محمد، وقال فروى كل واحد على حسب ما عنده من الاشتباه، قال بعض من كتب على الموطأ من أهل عصرنا: هذا أوجه؛ لأنه تجمع به الروايات كلها – انتهى. قلت: بل هو أسخف من جميع ما تأولوا به روايات تعدد الركوع فضلاً عن أن يكون وجيهاً أو أوجه، لا يخفى ركاكته وسخافته على من له أدنى فهم، ولله در صاحب فيض الباري حيث اعترف بركاكته فقال: وما قالوا – أي في تأويل أحاديث تعدد الركوع – أن النبي ﷺ كان ركع فيه ركوعاً طويلاً وكان الصحابة يرفعون رؤوسهم يرون أنه هل قام منه أم لا فتوهم المتأخرون منهم تعدد الركوع فإنه ركيك عندي وإن كان أصله من المبسوط للسرخسي – انتهى. قلت: ويبطل هذا التأويل أن عائشة وأسماء – وهما ممن روى تثنية الركوع – لم تكونا في صفوف النساء، بل صلتا في حجرة
стр. 2096
متفق عليه.
١٤٩٥- (٢) وعنها قالت: جهر النبي ﷺ في صلاة الخسوف بقراءته.
ــ
عائشة قريباً من القبلة، وابن عباس لم يكن في صفوف الصبيان، بل صلى بجنب النبي ﷺ ، كما رواه الطبراني والبيهقي في المعرفة، علاوة أن الزيادة في الركوع قد رويت من حديث جابر بن عبد الله وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة وأبي بن كعب وابن عمر وحذيفة وعلي وغيرهم، وهؤلاء كانوا رجالاً لا صبياناً ولا نساء، ولا دليل على أنهم قاموا في آخر الصفوف، أو كانوا خلف الصف الأول أو الثاني، فنسبة اشتباه الأمر إلى جميع هؤلاء غلط بلا شك. ومنها ما ذكر بعض من كتب على الموطأ من أهل عصرنا أنه يحتمل أن الركوع كان بدل سجود التلاوة، لما ورد في الروايات من قراءة سورة الحج، وفيها سجدتان عندهم، والركوع بدل السجود كافٍ. قلت: هذا تأويل فاسد باحتمال غير ناشيء عن دليل فهو مردود، وأما الرواية التي أشار إليها هذا البعض فأخرجها البيهقي في السنن (ج٣ ص٣٣٠) عن علي موقوفاً عليه من فعله، وفيه حنش بن ربيعة، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة كما تقدم في باب الأضحية في ترجمة حنش، وفيه أيضاً أن علياً قرأ سورة الحج ويس في الركعة الأولى ثم ركع أربع ركعات ثم سجد – أي بعد الركوع الرابع -، ثم قام فقرأ سورة الحج ويس ثم صنع كما صنع في الركعة الأولى، ثمان ركعات وأربع سجدات، فلو كانت الركوعات الزائدة بدل السجدتين في سورة الحج لم يزد عددها على ست ركوعات مع ضم ركوعي الصلاة، وههنا قد صرح بأنه ركع ثمان ركعات، وهذا يبطل الاحتمال الذي اخترعها هذا البعض، وقد رواه ابن أبي شيبة وأحمد (ج١ ص١٤٣) وابن خزيمة والطحاوي وابن جرير وأبوالقاسم بن منده في كتاب الخشوع والبيهقي أيضاً (ج٣ ص٣٣٠، ٣٣١) عن علي مرفوعاً من طريق حنش، وليس فيه ذكر سورة الحج، بل في رواية أحمد: فقرأ يس أو نحوها، وفي لفظ عند غير أحمد: بالحجر أو يس، وفي لفظ: يس والروم، وفي لفظ: سورة من المئين أو نحوها، وأما ما ذكر في كفاية الركوع عن سجدة التلاوة فهو دعوى بلا برهان فلا يلتفت إليها، وقد تقدم الكلام عليه في باب سجدة التلاوة. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً النسائي والبيهقي (ج٤ ص٣٢٠) وأخرجه أبوداود مختصراً، وأخرجه البخاري ومسلم أيضاً من حديث عبد الله بن عمرو.
١٤٩٥- قوله (جهر النبي ﷺ في صلاة الخسوف) أي خسوف الشمس، كما صرح في رواية الإسماعيلي، وإسحاق بن راهويه وابن حبان، وفي رواية لأحمد (ج٦ ص٧٦) وفيه رد على من فسر لفظ الصحيحين بخسوف القمر (بقراءته) هذا نص في أن قراءته ﷺ في صلاة كسوف الشمس كانت جهراً لا سراً، وهو يدل على أن السنة في صلاة الكسوف هي الجهر بالقراءة لا الإسرار، ويدل لذلك أيضاً حديث أسماء عند البخاري، قال الزيلعي في نصب الراية (ج٢ ص٢٣٢) ، والحافظ في الدراية (ص١٣٧) ، وابن الهمام في فتح
стр. 2097
............................
ــ
القدير، والعيني في البناية: وللبخاري من حديث أسماء بنت أبي بكر قالت: جهر النبي ﷺ في صلاة الكسوف – انتهى. ويدل له أيضاً ما روى ابن خزيمة والطحاوي عن علي مرفوعاً وموقوفاً من الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف، قال الطحاوي بعد رواية الحديث عن علي موقوفاً: ولو لم يجهر النبي ﷺ حين صلى علي معه لما جهر علي أيضاً؛ لأنه علم أنه السنة فلم يترك الجهر، والله أعلم، ذكره العيني. وقد اختلفت الأئمة في ذلك، فقال بالجهر أبويوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة وأحمد وإسحاق وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهما من محدثي الشافعية وابن العربي من المالكية، وقال الطبري: يخير بن الجهر والإسرار، وقال الأئمة الثلاثة: يسر في الشمس ويجهر في القمر، كذا في الفتح، قلت: وحكى الترمذي عن مالك الجهر، وقال القاضي عياض والقرطبي: إن معن بن عيسى والواقدي رويا عن مالك الجهر، قيل: هي رواية شاذة، والمشهور عنه هو الإسرار، وقال ابن العربي في العارضة: اختلف قول مالك، فروى المصريون أنه يسر، وروى المدنيون أنه يجهر، والجهر عندي أولى – انتهى. واحتج للشافعي ومن وافقه بقول ابن عباس: قرأ نحواً من سورة البقرة، أخرجه الشيخان. قال الشافعي: لو جهر بالقراءة لم يحتج إلى تقديره. وذكر البيهقي عنه أنه قال: فيه دليل على أنه لم يسمع ما قرأ؛ لأنه لو سمعه لم يقدر بغيره، وقال القرطبي: هذا دليل لمن قال يخفي القراءة؛ لأنه لو جهر لعلم ما قرأ، وقال المنذري: هذا الحديث يدل على الإسرار. وتعقب باحتمال أن يكون بعيداً منه في صفوف الصبيان، لكن ذكر الشافعي تعليقاً عن ابن عباس أنه صلى بجنب النبي ﷺ في الكسوف فلم يسمع منه حرفاً، ورواه الطبراني في معجمه موصولاً قال: ثنا علي بن المبارك، ثنا زيد بن المبارك، ثنا موسى بن عبد العزيز، ثنا الحكيم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، وأخرجه البيهقي أيضاً في المعرفة من طريق الحكم بن أبان، وقال: يدفع حمله على البعد رواية الحكم بن أبان: صليت إلى جنبه – انتهى. قلت: موسى بن عبد العزيز صدوق سيء الحفظ، والحكم بن أبان صدوق له أوهام، قاله الحافظ في التقريب. فرواية الطبراني لا تقاوم روايات الجهر الصحيحة الصريحة. واحتج له أيضاً بقول عائشة عند أبي داود: فحزرت قراءته فرأيت أنه قرأ سورة البقرة. قال الخطابي: هذا يدل على أنه لم يجهر بالقراءة فيها، ولو جهر لم تحتج فيها إلى الحزر والتخمين، وبحديث ابن عباس قال: صليت مع النبي ﷺ الكسوف فلم أسمع منه فيها حرفاً، أخرجه أحمد (ج١ ص٢٩٣، ٣٥٠) وأبويعلى وأبونعيم في الحلية، والطحاوي (ج١ ص١٩٧) ، والبيهقي (ج٣ ص٣٣٥) ، وفيه ابن لهيعة، وبحديث سمرة الآتي في الفصل الثاني، وبأنها صلاة نهار فلا يجهر فيها كصلاة الظهر، وأجيب عن هذا كله بأن روايات الجهر نصوص صريحة صحيحة، والأحاديث المذكورة ليست بنص في السر ونفي الجهر، فكيف تعارض روايات الجهر
стр. 2098
متفق عليه.
ــ
بمثل هذا! قال ابن قدامة: هذا نفي محتمل لأمور كثيرة، فكيف يترك من أجله الحديث الصحيح الصريح! وقياسهم منتقض بالجمعة والعيدين والاستسقاء، وقياس هذه الصلاة على هذه الصلوات أولى من قياسها على الظهر لبعدها منها وشبهها بهذه – انتهى. وقال ابن التركماني في الجوهر النقي: حديث عائشة صحيح صريح في الجهر، وأحاديث هذا الباب – يعني أحاديث عائشة وابن عباس وسمرة – فيها دلالة على الإسرار، فكان المصير إلى ذلك الحديث أولى – انتهى. وقال العيني: روايات الجهر أصح. وقال ابن حزم: ليس لهم فيه – أي في حديث سمرة – حجة؛ لأنه ليس فيه أنه – ﵇ – لم يجهر، وإنما فيه لا نسمع له صوتاً، وصدق سمرة في أنه لم يسمعه، ولو كان بحيث يسمعه لسمعه كما سمعت عائشة – ﵂ – التي كانت قريباً من القبلة في حجرتها، وكلاهما صادق، ثم لو كان فيه لم يجهر لكان خبر عائشة زائداً على ما في خبر سمرة، والزائد أولى – انتهى. وقال الزيلعي (ج٢ ص٢٣٤) : واعلم أن الحديث يعني حديث ابن عباس بلفظ: نحواً من سورة البقرة، وما في معناه غير صريح في الإخفاء، وإن كان العلماء كلهم يحملوه عليه، ولكن قد ينسى الإنسان الشيء المقروء بعينه، وهو مع ذلك ذاكر لقدره، فيقول: قرأ فلان نحو سورة البقرة وهو قد سمع ما قرأ ثم نسيه، والله أعلم – انتهى. وقال البخاري: حديث عائشة في الجهر أصح من حديث سمرة – انتهى. وقال الحافظ: حديث عائشة مثبت للجهر ومعه قدر زائد، فالأخذ به أولى، وحديث سمرة إن ثبت لا يدل على نفي الجهر. قال ابن العربي: الجهري عندي أولى؛ لأنها صلاة جامعة ينادى لها ويخطب ـ فأشبهت العيد والاستسقاء، والله أعلم. وقال الشوكاني في النيل: إن كانت صلاة الكسوف لم يقع منه ﷺ إلا مرة واحدة، كما نص على ذلك جماعة من الحفاظ، فالمصير إلى الترجيح متعين، وحديث عائشة أرجح لكونه في الصحيحين، ولكونه متضمناً للزيادة، ولكونه مثبتاً، ولكونه معتضداً بما أخرجه ابن خزيمة وغيره عن علي مرفوعاً من إثبات الجهر. وقال في السيل الجرار: رواية الجهر أصح وأكثر، وراوي الجهر مثبت وهو مقدم على النافي – انتهى. وسيأتي شيء من الكلام فيه في شرح حديث سمرة. وتأول بعض الحنفية حديث عائشة بأنه ﷺ جهر بآية أو آيتين. قال في البدائع: نحمل ذلك على أنه جهر ببعضها اتفاقاً، كما روي أن النبي ﷺ كان يسمع الآية والآيتين في صلاة الظهر أحياناً – انتهى. وهذا تأويل باطل؛ لأن عائشة كانت تصلي في حجرتها قريباً من القبلة، وكذا أختها أسماء، ومن كان كذلك لا يخفى عليه قراءة النبي ﷺ ، فلو كانت قراءته في صلاة الكسوف سراً وكان يجهر بآية وآيتين أحياناً، كما فعل كذلك في صلاة الظهر، لما عبرت عن ذلك بأنه كان يجهر بالقراءة في صلاة الكسوف، كما لم يقل أحد ممن روى قراءته في صلاة الظهر أنه جهر فيها بالقراءة (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي
стр. 2099
١٤٩٦- (٣) وعن عبد الله بن عباس قال: انخسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فصلى رسول الله ﷺ والناس معه، فقام قياماً طويلاً نحواً من قراءة سورة البقرة، ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع فقام قياماً طويلاً، وهو دون القيام الأول،
ــ
وأبوداود وابن حبان والحاكم (ج١ ص٣٣٤) وأبوداود الطيالسي والطحاوي والبيهقي (ج٣ ص٣٣٦) والدارقطني.
١٤٩٦- قوله (انخسفت الشمس) بنون بعد ألف الوصل ثم خاء، كذا في البخاري في باب صلاة الكسوف جماعة، وفي مسلم: انكسفت، وفي الموطأ: خسفت، وكذا عند البخاري في باب كفران العشير من كتاب النكاح. (فصلى رسول الله ﷺ والناس معه) أي صلى صلاة الكسوف بالجماعة (فقام قياماً طويلاً) صفة لقياما أو لزماناً مقدر (نحواً) أي تقريباً، وبيانه قوله (من قراءة سورة البقرة) أي من مقدار قراءتها، وفي مسلم: قدر نحو سورة البقرة، وفي النسائي: قرأ نحواً من سورة البقرة، وفي رواية لعائشة: خسفت الشمس في حياة النبي ﷺ ، فخرج إلى المسجد فصف الناس وراءه فكبر فاقترأ قراءة طويلة، وفي رواية: فقرأ بسورة طويلة، وفيه دليل على مشروعية تطويل القيام بقراءة سورة طويلة في صلاة الكسوف، وهو مستحب عند الجميع، وحكى الزبيدي في شرح الإحياء عن الشافعية استحباب الإطالة وإن لم يرض بها الناس، وعن ابن الهمام أنها مستثناة من كراهة التطويل. (ثم ركع ركوعاً طويلاً) وهو الركوع الأول، قال الحافظ: لم أر في شيء من الطرق بيان ما قال فيه، إلا أن العلماء اتفقوا على أنه لا قراءة فيه، وإما فيه الذكر من تسبيح وتكبير ونحوهما – انتهى. قال ابن دقيق العيد: لم يجد فيه حداً، وقد ذكر أصحاب الشافعي فيه أنه نحو من مائة آية، واختار غيرهم عدم التحديد إلا بما يضر بم خلفه، وقال القسطلاني: يسبح قدر مائة آية من البقرة، وقال ابن قدامة: يسبح قدر مائة. وقال المالكية: يركع كالقيام الذي قبله، ويؤيده ما في حديث جابر عند مسلم: ثم ركع نحواً مما قام. (ثم رفع) أي رأسه من الركوع (فقام قياماً طويلاً) وهو الاعتدال الأول (وهو دون القيام الأول) وفي رواية لعائشة: ثم كبر فركع ركوعاً طويلاً، ثم قال: سمع الله لمن حمده فقام ولم يسجد، وقرأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى. وقدرها الشافعية والحنابلة بنحو سورة آل عمران، لكن في رواية لعائشة عند أبي داود: أنها حزرت قراءته بآل عمران بعد القيام من السجدتين أي في قيام الركعة الثانية. وزاد في رواية لعائشة عند البخاري: ربنا ولك الحمد بعد قوله: سمع الله لمن حمده، قال الحافظ: استدل به على استحباب الذكر المشروع في الاعتدال في أول القيام الثاني من الركعة الأولى. واستشكله بعض متأخري الشافعية من جهة كونه قيام قراءة لا قيام اعتدال بدليل اتفاق العلماء ممن
стр. 2100
ثم ركع ركوعاً طويلاً، وهو دون الركوع الأول،
ــ
قال بزيادة الركوع في كل ركعة على قراءة الفاتحة فيه، وإن كان محمد بن مسلمة المالكي خالف فيه، والجواب أن صلاة الكسوف جاءت على صفة مخصوصة فلا مدخل للقياس فيها، بل كل ما ثبت أنه ﷺ فعله فيها كان مشروعاً؛ لأنها أصل برأسه، وبهذا المعنى رد الجمهور على من قاسها على صلاة النافلة حتى منع من زيادة الركوع فيها – انتهى. وقال العيني: وأجاب عن ذلك شيخنا العراقي بقوله: في استشكاله نظر لصحة الحديث فيه، بل لو زاد الشارع عليه ذكراً آخر لما كان مستشكلاً – انتهى. (ثم ركع ركوعاً طويلاً) وهو الركوع الثاني (وهو دون الركوع الأول) قال القسطلاني: وقدروه بثمانين آية، وقال ابن قدامة: يركع بقدر ثلثي ركوعه الأول – انتهى. واختلف في أن أي الركوعين من الركعتين فرض، وبإدراك أي الركوعين يكون مدركاً للركعة؟ فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الأصل والفرض هو الركوع الأول وقيامه، وأما الركوع الثاني وقيامه فتابع وزائد وسنة كتكبيرات العيد، فمن أدرك الإمام في الركوع الأول من الركعة الأولى أو الثانية أدرك الركعة، كما في سائر الصلوات، ومن أدركه في الركوع الثاني من أي ركعة فلا يدرك شيئاً، وعكسه المالكية فقالوا: الزائد والتابع والسنة في كل من الركعتين القيام الأول والركوع الأول، والفرض إنما هو الركوع الثاني والقيام الثاني في كل ركعة، فمن أدرك الإمام في الركوع الثاني من الركعة الأولى أدرك الركعة ولم يقض شيئاً، وإن أدرك الركوع الثاني من الركعة الثانية يقضي الأولى بقيامها فقط ولا يقضي القيام الثالث. وقال ابن قدامة في المغني: إذا أدرك الإمام في الركوع الثاني احتمل أنه تفوته الركعة، قال القاضي: لأنه قد فاته من الركعة ركوع أشبه ما لو فاته الركوع من غير هذه الصلاة، ويحتمل أن تصح صلاته؛ لأنه يجوز أن يصلي هذه الصلاة بركوع واحد، فاجتزئ به في حق المسبوق – انتهى. واعلم أنه لم يرد تعيين ما قرأ به ﷺ إلا في حديث لعائشة عند الدارقطني (ص١٨٨) أنه قرأ في الركعة الأولى بالعنكبوت أو الروم، وفي الثانية بـ"يس"، وأخرجه البيهقي (ج٣ ص٢٣٦) وفيه أنه قرأ في الركعة الأولى بـ"العنكبوت"، وفي الثانية بـ"لقمان" أو "الروم"، وفي حديث علي عند البيهقي (ج٣ ص٣٣٠) أنه قرأ بـ"يس" ونحوها، وفي آخره ثم حدثهم أن رسول الله ﷺ كذلك فعل، وفي رواية عنده: أنه قرأ في الركعة الأولى سورة الحج ويس ثم ركع أربع ركعات ثم سجد في الرابعة ثم قام فقرأ بسورة الحج ويس وهو موقوف من فعله، ويأتي حديث أبي بن كعب أنه ﷺ قرأ بسورة من الطوال، وتقدم الإشارة إلى حديث عائشة عند أبي داود والبيهقي (ج٣ ص٣٣٥) أنها قالت: حزرت قراءته فرأيت أنه قرأ سورة البقرة ثم سجد سجدتين ثم قام فأطال القراءة، فحزرت فرأيت أنه قرأ سورة آل عمران، وهذا كله يدل على أنه لا تعيين في القراءة في صلاة الكسوف، فيختير
стр. 2101
ثم رفع، ثم سجد،
ــ
المصلي من القرآن ما شاء، وإن التطويل أولى، والله تعالى أعلم. قال الشوكاني: لا بد من القراءة بالفاتحة في كل ركعة لما تقدم من الأدلة الدالة على أنها لا تصح ركعة بدون الفاتحة. قال النووي: واتفق العلماء على أنه يقرأ الفاتحة في القيام الأول من كل ركعة، واختلفوا في القيام الثاني، فمذهبنا ومذهب مالك وجمهور أصحابه أنها لا تصح الصلاة إلا بقراءتها فيه، وقال محمد بن مسلمة من المالكية: لا تتعين الفاتحة في القيام الثاني – انتهى. قال الباجي: يستفتح القراءة في الركعة الأولى والثالثة بأم القرآن، وأما الثانية والرابعة فإنه يقرأ فيهما بالسورة، وهل يقرأ الفاتحة أم لا؟ قال مالك: نعم، وقال محمد بن مسملة: لا، وجه الأول أنها ركعة بقراءة، فوجب الفاتحة كالأولى، ووجه الثاني: أن الركعتين في حكم الركعة الواحدة، بدليل أن المأموم يجزيه إدراك أحدهما، فالقراءتان في حكم القراءة الواحدة، فوجب أن لا يتكرر الفاتحة – انتهى. وقال ابن دقيق العيد في شرح العمدة (ج٢ ص١٣٩) : كأنه رآها ركعة واحدة زيد فيها ركوع، والركعة الواحدة لا تثنى الفاتحة فيها، وهذا يمكن أن يؤخذ من الحديث، كما سننبه عليه في موضعه – انتهى. وقال في شرح حديث عائشة بلفظ: فاستكمل أربع ركعات وأربع سجدات (ج٢ ص١٤٢) . أطلق الركعات على عدد الركوع، وجاء في موضع آخر في ركعتين، وهذا هو الذي أشرنا إلى أنه متمسك من قال من أصحاب مالك إنه لا يقرأ الفاتحة في الركوع الثاني من حيث أنه أطلق على الصلاة ركعتين، والله أعلم. (ثم رفع) أي رأسه من الركوع الثاني (ثم سجد) أي سجدتين، لم يذكر فيه تطويل الاعتدال الذي يتعقبه السجود، ووقع في حديث جابر عند مسلم تطويل هذا الاعتدال، ولفظه: ثم رفع فأطال ثم سجد. قال النووي: هي رواية شاذة مخالفة لرواية الأكثرين، فلا يعمل بها، أو المراد زيادة الطمأنينة في الاعتدال لا إطالته نحو الركوع. وتعقب بما رواه النسائي وابن خزيمة وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو أيضاً ففيه: ثم ركع فأطال حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع فأطال حتى قيل: لا يسجد، ثم سجد فأطال حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع فجلس فأطال الجلوس حتى قيل: لا يسجد، ثم سجد. لفظ ابن خزيمة من طريق الثوري عن عطاء بن السائب عن أبيه عنه. قال الحافظ: والثوري سمع من عطاء قبل الاختلاط، فالحديث صحيح – انتهى. قلت: قد صرح الشافعية والحنابلة في فروعهم بعدم تطويل الاعتدال الذي يلي السجود، وهو مقتضى مذهب الحنفية والمالكية، وكأنهم اتفقوا على عدم مشروعية هذا الاعتدال، وهذا ليس بشيء بعد ما ثبت بالسنة الصحيحة الصريحة، وعدم ذكره في باقي الروايات أي السكوت عنه لا يدل على شذوذه، ولم يذكر في حديث ابن عباس تطويل السجود، ولكنه مذكور في حديث عائشة وغيرها، وقد تقدم الكلام في هذا، قال الحافظ: ولم أقف في شيء من الطرق على تطويل الجلوس بين السجدتين إلا في حديث عبد الله بن عمرو، وقد
стр. 2102
ثم قام فقام قياماً طويلاً، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قياماً طويلاً،
ــ
نقل الغزالي الاتفاق على ترك إطالته، فإن أراد الاتفاق المذهبي فلا كلام وإلا فهو محجوج بهذه الرواية – انتهى. وقال النووي في الأذكار: قال أصحابنا: لا يطول الجلوس بين السجدتين، بل يأتي به على العادة في غيرها، وهذا الذي قالوه فيه نظر، فقد ثبت في حديث صحيح إطالته، وقد ذكرت ذلك واضحاً في شرح المهذب، فالاختيار استحباب إطالته – انتهى. قال صاحب الأوجز: وهكذا ينبغي للحنفية أن يصرحوا باستحباب تطويله؛ لأن الرواية التي استدلوا بها في الكسوف صريحة في تطويله، وفي مسند أبي حنيفة من حديث ابن عمر: فكان جلوسه بين السجدتين قدر سجوده ... الحديث. (ثم قام) أي إلى الركعة الثانية (فقام قياما طويلاً) كذا في البخاري في باب كفران العشير من كتاب النكاح، وفي مسلم: ثم قام قياماً طويلاً، أي من غير تكرار قام، وكذا في البخاري في باب صلاة الكسوف جماعة. (وهو دون القيام الأول) يحتمل أن يراد منه القيام الأول من الركعة الأولى أو القيام الذي يليه. قال ابن عبد البر: أي ذلك كان فلا حرج إن شاء الله تعالى. وفي المدونة قال مالك: إنما يعني دون القيام الذي يليه، وكذلك قال في الركوع إنما يعني دون الركوع الذي يليه، وقال ابن بطال: لا خلاف أن الركعة الأولى بقيامها وركوعيها تكون أطول من الركعة الثانية بقيامها وركوعيها، وقال النووي: اتفقوا على أن القيام الثاني وركوعه فيهما أقصر من القيام الأول وركوعه فيهما، واختلفوا في القيام الأول من الثانية وركوعه هل هما أقصر من القيام الثاني من الأولى وركوعه أو يكونان سواء؟ قيل: وسبب هذا الخلاف فهم معنى قوله: وهو دون القيام الأول، هل المراد به الأول من الثانية أو يرجع إلى الجميع؟ فيكون كل قيام دون الذي قبله، ورواية الإسماعيل لحديث عائشة بلفظ: الأولى فالأولى أطويل، تعين هذا الثاني ويرجحه أيضاً أنه لو كان المراد من قوله: القيام الأول، أول قيام من الأولى فقط لكان القيام الثاني والثالث مسكوتاً عن مقدارهما فالأول أكثر فائدة، كذا في الفتح. قلت: وقدر الشافعية هذه القيام الثالث بنحو سورة النساء، والرابع بنحو المائدة، وأشكل بأن الراجح المختار أن القيام الثالث أقصر من الثاني، والنساء أطول من آل عمران، وأجاب الزرقاني بأنه إذا أسرع بقراءتها ورتل آل عمران كانت أطول، وقال السبكي في شرح المنهاج: قد ثبت بالأخبار تقدير القيام الأول بنحو البقرة وتطويله على الثاني والثالث، ثم الثالث على الرابع. وأما نقص الثالث عن الثاني أو زيادته عليه فلم يرد فيه شيء فيما أعلم فلأجله لا بعد في ذكر سورة النساء فيه وآل عمران في الثاني، نعم إذا قلنا بزيادة ركوع ثالث فيكون أقصر من الثاني. ذكره القسطلاني. (ثم ركع ركوعاً) ثالثاً طويلاً (وهو دون الركوع الأول) قدروه بنحو سبعين آية (ثم رفع) رأسه من الركوع الثالث (فقام قياماً) رابعاً (طويلاً) وقدروه بنحو المائدة
стр. 2103
وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع، ثم سجد، ثم انصرف وقد تجلت الشمس، فقال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد
ــ
(وهو دون القيام الأول) أي الثالث (ثم ركع ركوعاً) رابعاً (طويلاً) وقدروه بنحو خمسين آية تقريباً (وهو دون الركوع الأول) أي الثالث (ثم رفع) رأسه للقومة (ثم سجد) أي سجدتين كذلك (ثم انصرف) من الصلاة (وقد تجلت الشمس) بفوقية وشد لام أي انكشفت، وفي حديث جابر عند مسلم: فانصرف وقد آضت الشمس، وعند أبي داود: فقضى الصلاة وقد طلعت الشمس، وفي حديث قبيصة عند النسائي: فوافق انصرافه انجلاء الشمس، وفي حديث عبد الله بن عمرو عند أبي داود ففرغ من صلاته وقد امحصت الشمس، والمراد أنه انصرف من الصلاة بالسلام بعد التشهد، والحال أن الشمس انجلت بين جلوسه للتشهد والسلام، كما في حديث عبد الله بن عمر، وعند البخاري: ثم جلس ثم جلى عن الشمس، وفي حديث سمرة عند أبي داود والنسائي: فوافق تجلي الشمس جلوسه في الركعة الثانية ثم سلم، وفي حديث عبد الله بن عمرو عند النسائي: ثم رفع رأسه – أي من السجدة – وانجلت الشمس، وفي حديث أبي بن كعب الآتي: ثم جلس كما هو مستقبل القبلة يدعو حتى انجلى كسوفها، فهذه الروايات كلها تدل على أن الانجلاء كان في الجلوس آخر الصلاة، وحديث عبد الرحمن بن سمرة عند مسلم يدل بظاهره أن انجلاء الشمس وقع قبل الشروع في الصلاة، وأن النبي ﷺ ابتدأ صلاة الكسوف بعد الانجلاء، وهو خلاف جميع الروايات وخلاف ما ذهب إليه العلماء، وسيأتي توجيهه. (فقال) بإلفاء، وللأصيلي: وقال. ذكره القسطلاني يعني أنه خطب فقال في خطبته بعد الحمد والثناء على الله. (إن الشمس والقمر) فيه إيماء إلى أن حكم صلاة كسوف الشمس وخسوف القمر واحد. (آيتان) أي علامتان (من آيات الله) أي الدالة على وحدانيته وقدرته وعظمته أو على تخويف عباده من بأسه وسطوته، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً﴾ [الإسراء: ٥٩] ، وقوله ﷺ في حديث أبي بكرة وأبي موسى عند البخاري: يخوف الله بهما عباده)) أو أنهما مسخران لقدرة الله وتحت حكمه ليس لهما سلطان في غيرهما ولا قدرة على الدفع عن أنفسهما. (لا يخسفان) بفتح فسكون فكسر على أنه لازم، ويجوز ضم أوله على متعدٍ أي لا يذهب الله نورهما، وأتى بالتذكير تغليباً للقمر طبق القمرين. (لموت أحد) من العظماء كما توهمه بعض الناس تبعاً لما كان يعتقده أهل الجاهلية أن كسوف الشمس والقمر لا يكون إلا لموت عظيم، وقد وقع في رواية للبخاري من حديث أبي بكرة بيان سبب هذا القول، ولفظها: وذلك أن ابناً للنبي ﷺ يقال له إبراهيم مات، فقال الناس في ذلك، وعند ابن حبان: فقال الناس: إنما كسفت الشمس لموت إبراهيم، وفي حديث النعمان بن بشير الآتي: ثم
стр. 2104
ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله، قالوا: يا رسول الله! رأيناك تناولت شيئاً في مقامك هذا، ثم رأيناك تعكعكت، فقال: إني رأيت الجنة،
ــ
قال: إن أهل الجاهلية كانوا يقولون: إن الشمس والقمر لا ينخسفان إلا لموت عظيم ... الخ، وفي هذا الحديث إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب في الأرض، وهو نحو قوله في الحديث المشهور: ((يقولون مطرنا بنوء كذا ... )) ، قال الخطابي: كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغير في الأرض من موت أو ضرر، فأعلم النبي ﷺ أنه اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خلقان مسخران ليس لهما سلطان في غيرهما ولا قدرة على الدفع عن أنفسهما. (ولا لحياته) أي لولادته، وهي تتمة للتقسيم وإلا فلم يدع أحد أن الكسوف لحياة أحد أو ذكر لدفع توهم من يقول: لا يلزم من نفي كونه سبباً للفقدان لا يكون سبباً للإيجاد، فعمم الشارع النفي لدفع هذا التوهم. (فإذا رأيتم ذلك) أي الكسوف في أحد منهما لاستحالة كسوفهما معاً في وقت واحد عادة، واستدل به على مشروعية صلاة خسوف القمر (فاذكروا الله) بالصلاة والتسبيح والتكبير والدعاء والتهليل والاستغفار وسائر الأذكار (تناولت شيئاً) أي قصدت تناول شيء وأخذه كذا للأكثر: تناولت، بصيغة الماضي، وفي رواية الكشمهيني: تناول، بحذف إحدى التائين تخفيفاً وضم اللام بالخطاب من المضارع، ويروى تتناول على الأصل بإثباتها (في مقامك هذا) أي في الموضع الذي صليت فيه (تكعكعت) بتاء مثناة فوقية في أوله وكافين مفتوحتين ومهملتين ساكنتين بعد كل منهما، أي تأخرت أو تقهقرت، وفي رواية: كعكعت، بحذف التاء أوله، وهو يقتضي مفعولاً أي رأيناك كعكعت نفسك، قال أبوعبيد: كعكته فتكعكع، وهو يدل على أن كعكع متعدٍ وتكعكع لازم، واختلف في أنه ثلاثي مزيد أو رباعي مجرد، وقول الجوهري وغيره يدل على أنه ثلاثي مزيد فيه؛ لأنه نقل عن يونس كع يكع بالضم. وقال سيبويه: بالكسر أجود كمد وفر إذا نكص على عقيبه، وفي رواية مسلم: رأيناك كففت أي نفسك بفائين خفيفتين من الكف وهو المنع (فقال) أي النبي ﷺ (إني رأيت الجنة) أي رؤية عين بأن الحجب كسفت له دونها فرآها على حقيقتها وطويت المسافة بينهما حتى أمكنه أن يتناول منها كبيت المقدس حيث وصفه لقريش، وهذا أشبه بظاهر هذا الحديث، ويؤيده ما روى البخاري من حديث أسماء في أوائل صفة الصلاة بلفظ: ((دنت مني الجنة حتى لو اجترأت عليها لجئتكم بقطاف من قطافها)) . ومنهم من حمله على أنه مثلت له في الحائط كما تنطبع الصورة في المرآة فرأى جميع ما فيها، ويؤيده حديث أنس عند البخاري في كتاب التوحيد: ((لقد عرضت علي الجنة والنار آنفاً في عرض هذا الحائط وأنا أصلي)) ، وفي رواية: ((لقد مثلت)) ، ولمسلم (لقد صورت)) ، ولا يقال: إن الانطباع إنما هو في الأجسام
стр. 2105
فتناولت منها عنقوداً، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار
ــ
الصقيلة؛ لأن ذلك شرط عادي فيجوز أن تنخرق العادة خصوصاً للنبي ﷺ ، لكن هذه قصة أخرى وقعت في صلاة الظهر، ولا مانع أن يرى الجنة والنار مرتين بل مراراً على صور مختلفة، وأبعد من قال: إن المراد بالرؤية رؤية العلم، قال القرطبي: لا إحالة في بقاء هذه الأمور على ظواهرها، ولاسيما على مذهب أهل السنة أن الجنة والنار قد خلقتا، وهما موجودتان الآن، فيرجع إلى أن الله تعالى خلق لنبيه إدراكاً خاصاً به أدرك الجنة والنار على حقيقتهما (فتناولت) بين سعيد بن منصور في سننه من وجه آخر أن التناول كان حين قيامه الثاني من الركعة الثانية، ذكره الحافظ. (منها) أي من الجنة (عنقوداً) بضم العين، وهو من العنب ونحوه ما تراكم من حبه، وقيل: المراد قطعة من العنب (ولو أخذته) وفي رواية أخرى للبخاري: ((ولو أصبته)) ، واستشكل هذا مع قوله: ((فتناولت)) ، وأجيب بأنه يحمل التناول على تكلف الأخذ لا حقيقة الأخذ. وقيل: المراد تناولت لنفسي، ولو أخذته لكم وأعطيتكم، حكامه الكرماني وليس بجيد. وقيل: المراد بقوله: تناولت، وضعت يدي عليه بحيث كنت قادراً على تحويله، لكن لم يقدر لي قطفه ولو أخذته أي لو تمكنت من قطفه، يدل عليه قوله في حديث عقبة بن عامر عند ابن خزيمة: أهوى بيده ليتناول شيئاً، وفي حديث أسماء المذكور: حتى لو اجترأت عليها، وكأنه لم يؤذن له في ذلك فلم يجترئ عليه. وقيل: الإرادة مقدرة، أي أردت أن أتناول ثم لم أفعل، ويؤيده حديث جابر عند مسلم: ((ولقد مددت يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه ثم بدا لي أن لا أفعل)) ، ومثله للبخاري من حديث عائشة في آخر الصلاة بلفظ: ((حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفاً من الجنة حين رأيتموني جعلت أتقدم)) ، ولعبد الرزاق من طريق مرسلة: ((أردت أن آخذ منها قطفاً لأريكموه فلم يقدر)) ، ولأحمد من حديث جابر ((فحيل بيني وبينه)) ، كذا في الفتح (لأكلتم منه) أي من العنقود (ما بقيت الدنيا) وجه ذلك أنه يخلق الله تعالى مكان كل حبة تقتطف حبة أخرى كما هو المروي في خواص ثمر الجنة، والخطاب عام في كل جماعة يتأتى منهم السماع والأكل إلى يوم القيامة لقوله ((ما بقيت الدنيا)) ، وسبب تركه ﷺ تناول العنقود، قال ابن بطال: لأنه من طعام الجنة، وهو لا يفني والدنيا فانية لا يجوز أن يؤكل فيها ما لا يفنى. وقيل: لأنه لو تناوله ورآه الناس لكان إيمانهم بالشهادة لا بالغيب فيخشى أن يقع رفع التوبة والتكليف فلا ينفع نفساً إيمانها. وقيل: لأن الجنة جزاء الأعمال والجزاء بها لا يقع إلا في الآخرة. (ورأيت النار) كانت رؤيته ﷺ النار قبل رؤيته للجنة لما وقع في رواية عبد الرزاق المذكورة ((عرضت على النبي ﷺ النار فتأخر عن مصلاه حتى أن الناس ليركب بعضهم بعضاً، وإذا رجع عرضت عليه الجنة فذهب يمشي حتى وقف في مصلاه)) ، ولمسلم من حديث جابر: ((لقد جيء بالنار حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها)) ، وفيه: ((ثم جيء بالجنة
следующие страницы →