Полный текст (4 545 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
لا إله إلا الله، دخل الجنة)) رواه أبوداود.
١٦٣٧ - (٨) وعن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اقرأوا سورة يس على موتاكم))
ــ
وقوله (لا إله إلا الله) محله النصب أو الرفع على الخبرية أو الاسمية. وقال القسطلاني: وآخر بالنصب لأبي ذر خبر كان تقدم على اسمها وهو لا إله إلا الله، وساغ كونها مسنداً إليها مع أنها جملة، لأن المراد بها لفظها فهي في حكم المفرد. ولغير أبي ذر آخر بالرفع اسم كان- انتهى. قيل: المراد بقول: لا إله إلا الله الشهادتان؛ لأنه علم لهما. قال الحافظ: والمراد بقول: لا إله إلا الله في هذا الحديث وغيره كلمتا الشهادة، فلا يرد إشكال ترك ذكر الرسالة. قال الزين بن المنير: قول لا إله إلا الله لقب جري على المنطق بالشهادتين شرعاً- انتهى. قلت: الظاهر أن المراد به كلمة التوحيد فقط، أي من غير زيادة محمد رسول الله، لأن المطلوب قولها عند الموت من حيث أنها كلمة ذكر لا من حيث أنها كلمة إسلام كما سبق تحقيقه في شرح حديث التلقين (دخل الجنة) أي قبل العذاب دخولاً خاصاً أو بعد أن عذب بقدر ذنوبه والأول الأظهر ليتميز عن غيره من المؤمنين الذين لم يكن آخر كلامهم هذه الكلمة، قاله القاري. وقال ابن رسلان: معنى ذلك أنه لابد له من دخول الجنة فإن عاصياً غير تائب فهو في أول أمره في خطر المشيئة. يحتمل أن يغفر الله له، ويحتمل أن يعاقبه ويدخل الجنة بعد العقاب، ويحتمل أن يكون من وفق لأن يكون آخر كلامه لا إله إلا الله، يكون ذلك علامة على أن الله تعالى يعفو عنه فلا يكون في خطر المشيئة تشريفاً له على غيره ممن لم يوفق أن يكون آخر كلامه ذلك- انتهى. قلت: الاحتمال الثاني أي احتمال أن قول ذلك عند الموت علامة على عفو الله تعالى عنه ومسقط لما تقدم له، هو الراجح عندي، فيدخل قائلها عند الموت الجنة قبل العذاب مع السابقين والله تعالى اعلم، ولأجل ذلك يستحب أن تذكر هذه الكلمة عند من حضره الموت ليتفطن لها ويتكلم بها فتكون آخر كلامه ويدخل الجنة (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً أحمد والحاكم (ج١ص٣٥١) وسكت عنه أبوداود، والمنذري، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وقال الحافظ في التلخيص: وأعله ابن القطان بصالح بن أبي عريب، وأنه لا يعرف وتعقب بأنه روى عن جماعة، وذكره ابن حبان في الثقات-انتهى. وفي الباب عن علي رواه الطبراني في الأوسط وفيه أبوبلال الأشعري، ضعفه الدارقطني. وفي الباب أيضاً أحاديث أخرى، ذكرها الحافظ في التلخيص، والهيثمي في مجمع الزوائد.
١٦٣٧- قوله: (وعن معقل) بفتح الميم وسكون المهملة وكسر القاف (بن يسار) المزني صحابي أسلم قبل الحديبية وشهد بيعة الرضوان، وكنيته أبوعلي المشهور وهو الذي حفر وفجر نهر معقل بالبصرة بأمر عمر فنسب إليه ونزل البصرة وبنى بها داراً ومات بها في آخر خلافته معاوية، وقيل في ولاية يزيد وذكره البخاري في الأوسط في فصل من مات بين الستين إلى السبعين (اقرؤا سورة يس على موتاكم) أي على من حضره مقدمات الموت، لأن الميت
стр. 2277
رواه أحمد، وأبوداود، وابن ماجه.
ــ
لا يقرأ عليه. وقيل لأن سورة يس مشتملة على أصول العقائد من البعث والقيامة فيتقوى بسماعها التصديق والإيمان حتى يموت. وقيل: المراد به من قضى نحبه، وهو في بيته أو دون مدفنه أو في القبر، لأن اللفظ نص في الأموات وتناوله للحي المحتضر مجاز فلا يصار إليه إلا لقرينة. وقيل: الأولى الجمع عملاً بالقولين. والراجح عندي هو الأول، لما روى أحمد (ج٤ص١٠٥) عن أبي المغيرة ثنا صفوان حدثني المشيخة: أنهم حضروا غضيف بن الحارث الثمالي حين اشتد سوقه فقال: هل منكم أحد يقرأها يس؟ قال: فقرأها صالح بن شريح السكوني فلما بلغ أربعين منها قبض، قال: فكان المشيخة يقولون إذا قرئت عند الميت خفف عنه بها. قال الحافظ في التلخيص: وأسنده صاحب الفردوس (الديلمي) من طريق مروان بن سالم عن صفوان بن عمرو عن شريح عن أبي الدرداء وأبي ذر قالا: قال رسول الله ﷺ : ما من ميت يموت فيقرأ عنده يس إلا هون الله عليه- انتهى. قال الأمير اليماني بعد ذكر الحديثين: وهذان يؤيدان ما قاله ابن حبان من أن المراد به المحتضر، وهما أصرح في ذلك مما استدل به. وقال في اللمعات: الظاهر أن المراد المحتضر، وعليه العمل. وقال ابن القيم في كتاب الروح (ص١٤) : حديث معقل يحتمل أن يراد به قراءتها على المحتضر عند موته مثل قوله: لقنوا موتكم لا إله إلا الله، ويحتمل أن يراد به القراءة عند القبر والأول أظهر لوجوه: أحدها: أنه نظير قوله: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله. الثاني: انتفاع المحتضر بهذه السورة لما فيها من التوحيد والمعاد والبشرى بالجنة لأهل التوحيد وغبطة من مات عليه بقوله: ﴿يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين﴾ . فيستبشر الروح بذلك فيحب لقاء الله فيحب الله لقاءه، فإن هذه السورة قلب القرآن، ولها خاصية عجيبة في قراءتها عند المحتضر. الثالث: أن هذا عمل الناس وعادتهم قديماً وحديثاً يقرؤن يس عند المحتضر. الرابع: أن الصحابة لو فهموا من قوله ﷺ اقرؤا يس عند موتاكم قراءتها عند القبر لما أخلوا به وكان ذلك أمرا معتاداً مشهوراً بينهم. الخامس: أن انتفاعه باستماعها وحضور قلبه وذهنه عند قراءتها في آخر عهده بالدنيا هو المقصود، وأما قراءتها عند القبر فإنه لا يثاب على ذلك، لأن الثواب إما بالقراءة أو بالاستماع وهو عمل وقد انقطع من الميت- انتهى. (رواه أحمد) (ج٥ص٢٦- ٢٧) (وأبوداود وابن ماجه) وأخرجه أيضاً ابن حبان والحاكم (ج١ص٥٦٥) والبيهقي (ج٣ص٣٨٣) وابن أبي شيبة (ج٤ص٧٤) كلهم من طريق سليمان التيمي عن أبي عثمان غير النهدي عن أبيه عن معقل بن يسار، وعزاه الحافظ في التلخيص وبلوغ المرام والمنذري في تلخيص السنن للنسائي أيضاً. قال الحافظ: ولم يقل النسائي عن أبيه، ونقل في العون عن المزي أن الحديث أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة. والحديث قد سكت عنه أبوداود. وقال المنذري أبوعثمان وأبوه ليسا بمشهورين. وقال الحافظ: أعله ابن القطان بالاضطراب وبالوقف وبحهالة حال أبي عثمان وأبيه، ونقل أبوبكر بن العربي عن الدارقطني أنه قال: هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث - انتهى. وقال النووي
стр. 2278
١٦٣٨- وعن عائشة، قالت: ((إن رسول الله ﷺ قبل عثمان بن مظعون وهو ميت، وهو يبكي حتى سال دموع النبي ﷺ على وجه عثمان)) رواه الترمذي، وأبوداود، وابن ماجه.
١٦٣٩- وعنها، قالت: ((إن أبابكر قبل النبي ﷺ
ــ
في الأذكار: إسناده ضعيف. وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: أبوعثمان وليس بالنهدي. قيل: اسمه سعد روى عن معقل بن يسار. وقيل: عن أبيه عن معقل روى عنه سليمان التيمي. قال ابن المديني: ولم يرو عنه غيره، وهو مجهول. وقال الآجري عن أبي داود: هو ابن عثمان السكنى، وذكره ابن حبان في الثقات- انتهى. وقال في التقريب: أبوعثمان شيخ لسليمان التيمي، قال في روايته عنه وليس بالنهدي. قيل اسمه سعد مقبول.
١٦٣٨- قوله: (قبل) من التقبيل (عثمان بن مظعون) بالظاء المعجمة أي بعد ما غسل وكفن، كما في الاستيعاب (وهو ميت) حال من المفعول (وهو) أي النبي ﷺ (يبكي حتى سال دموع النبي ﷺ على وجه عثمان) لفظ الترمذي: وهو يبكي أو قالت عيناه تذرفان، وعند أبي داود: حتى رأيت الدموع تسيل، ولفظ ابن ماجه: فكأني أنظر إلى دموعه تسيل على خديه. ورواه البيهقي بلفظ: بكى حتى رأيت الدموع تسيل على وجنتيه. وعند الحاكم: وهو يبكي قال وعيناه تهرقان. وذكر المجد بن تيمية في المنتقى بلفظ: قبل رسول الله ﷺ عثمان بن مظعون، وهو ميت حتى رأيت الدموع تسيل على وجهه، وعزاه لأحمد وابن ماجه والترمذي. وهذه الروايات كما ترى ليس فيها تصريح أنه سال الدموع على وجه عثمان بل هي تحتمل أنه سال الدموع على خدي النبي ﷺ أو على خدي عثمان، ولم أقف على رواية تعين الاحتمال الثاني أو تؤيده، والحديث يدل على أن تقبيل المسلم بعد الموت والبكاء عليه جائز (رواه الترمذي، وأبوداود، وابن ماجه) وأخرجه أيضاً أحمد والحاكم (ج١ص٣٦١) والبيهقي (ج٣ص٤٠٧) وسكت عنه أبوداود، وصححه الترمذي. وقال المنذري بعد نقل تصحيح الترمذي، وفي إسناد الحديث عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة- انتهى. ورواه البزار من حديث عامر بن ربيعة قال الهيثمي: إسناده حسن.
١٦٣٩- قوله: (إن أبابكر قبل النبي ﷺ أي بين عينيه، كما في رواية النسائي، والترمذي في الشمائل. وفي رواية للبخاري: كشف عن وجهه ثم أكب عليه، فقبله. وفي رواية لأحمد: أتاه من قبل رأسه فحدر فاه فقبل جبهته ثم قال: وانبياه ثم رفع رأسه فحدر فاه وقبل جبهته ثم قال: واصفياه ثم رفع رأسه وحدر فاه وقبل جبهته ثم قال: واخليلاه. ولابن أبي شيبة عن ابن عمر: فوضع فاه على جبين رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 2279
وهو ميت)) رواه الترمذي، وابن ماجه.
١٦٤٠- (١١) وعن حصين بن وحوح، أن طلحة بن البراء مرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقال: ((إني لا أرى طلحة إلا قد حدث به الموت، فآذنوني به وعجلوا، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله)) . .
ــ
فجعل يقبله ويبكي ويقول: بأبي وأمي طبت حياً وميتاً: وللطبراني من حديث جابر: أن أبابكر قبل جبهته (وهو ميت) قال الحافظ: فيه جواز تقبيل الميت تعظيماً وتبركاً. قال الشوكاني: لأنه لم ينقل أنه أنكر أحد من الصحابة على أبي بكر فكان إجماعاً- انتهى. (رواه الترمذي) أي موصولاً في شمائله بلفظ: أن أبابكر قبل النبي ﷺ بعد ما مات. وأما في جامعه، فذكره معلقاً حيث قال بعد رواية حديث عائشة المتقدم، وفي الباب عن ابن عباس وجابر وعائشة قالوا: إن أبابكر قبل النبي ﷺ وهو ميت (وابن ماجه) في الجنائز، وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي والبيهقي (ج٣ص٤٠٦) وأخرجه البخاري في باب مرض النبي ﷺ ووفاته عن عائشة وابن عباس أن أبابكر قبل النبي ﷺ بعد موته، فالأولى بل الصواب إيراد هذا الحديث في الصحاح أي الفصل الأول.
١٦٤٠- قوله: (وعن حصين) بضم حاء وفتح صاد مهملتين (بن وحوح) بفتح واوين وسكون حاء مهملة أولى، الأنصاري الأوسي المدني، صحابي، له حديث واحد في ذكر طلحة بن البراء، ذكر ابن الكلبي: أنه استشهد بالقادسية، كذا في تهذيب التهذيب (أن طلحة بن البراء) البلوى الأنصاري، صحابي، وهو الذي قال فيه رسول الله ﷺ إذ مات وصلى عليه: اللهم الق طلحة وأنت تضحك إليه وهو يضحك إليك، وكان لقي رسول الله ﷺ وهو غلام فجعل يلصق برسول الله ﷺ ويقبل قدميه ويقول مرني بما أحبَبْتَ يا رسول الله فلا أعصي لك أمراً فسر رسول الله ﷺ وأعجب به ثم مرض ومات فصلى رسول الله ﷺ على قبره وذلك أنه توفي البراء ليلاً فقال: أدفنوني وألحقوني بربي ولا تدعوا رسول الله ﷺ فإني أخاف عليه اليهود وأن يصاب في سببي فأخبر رسول الله ﷺ حين أصبح فجاء حتى وقف على قبره وصف الناس معه فصلى ودعا له (إني لا أرى) بضم الهمزة أي أظن (إلا قد حدث به الموت) أي ظهرت فيه آثار الموت ومقدماته (فآذنوني) بالمد وكسر الذال (به) أي إذا مات فأخبروني بموته حتى أصلي عليه (وعجلوا) أي تجهيزه وتكفينه (فإنه) أي الشأن (لا ينبغي لجيفة مسلم) أي جئته. وفي رواية: لجسد مسلم (أن تحبس) أي تقام وتوقف (بين ظهراني أهله) أي بين أهله والظهر مقحم أي لا تتركوا الميت زماناً طويلاً لئلا ينتن ويزيد حزن أهله عليه. قال الطيبي: أن المؤمن عزيز كريم فإذا استحال جيفة ونتناً استقذرته النفوس وينفر عنه الطباع، فينبغي أن
стр. 2280
رواه أبوداود.
﴿الفصل الثالث﴾
١٦٤١- (١٢) عن عبد الله بن جعفر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لقنوا موتاكم لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، قالوا: يا رسول الله! كيف للأحياء؟ قال: أجود وأجود)) رواه ابن ماجه.
ــ
يسرع فيما يواريه فذكر الجيفة ههنا كذكر السوأة في قوله تعالى: ﴿كيف يواري سوأة أخيه﴾ [المائدة: ٣١] قال ميرك: وليس في قوله جيفة مسلم دليل على نجاسته- انتهى. والحديث يدل على مشروعية التعجيل بالميت والإسراع في تجهيزه، وتشهد له أحاديث الإسراع بالجنازة، قاله الشوكاني: (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً البيهقي (ج٣ص٣٨٦) والطبراني وابن شاهين وابن أبي عاصم وابن أبي خيثمة والبغوي وغيرهم، وسكت عنه أبوداود، وفيه عروة بن سعيد الأنصاري، ويقال عزرة بن سعيد عن أبيه، وهو وأبوه مجهولان. وقال الحافظ في الإصابة في ترجمة حصين بن وحوح، وعلى ما ذكر ابن الكلبي من أنه قتل بالقادسية يكون هذا الحديث مرسلاً، لأن سعيداً والد عروة لم يدرك زمن القادسية، فإما أن يكون حصين بن وحوح آخر ممن أدركهم سعيد، وإما أن يكون لم يقتل بالقادسية، كما قال ابن الكلبي- انتهى.
١٦٤١- قوله: (عن عبد الله بن جعفر) أي ابن أبي طالب القرشي الهاشمي، يكنى أباجعفر، ولدته أمه أسماء بنت عميس بأرض الحبشة، وهو أول مولود، ولد في الإسلام بها وقدم مع أبيه المدينة وحفظ عن رسول الله ﷺ ، وروى عنه كان جواداً ظريفاً خليقا عفيفاً حليماً يسمى بحر الجود، ويقال: أنه لم يكن في الإسلام أسخى منه وأخباره في الكرم شهيرة. وقال ابن حبان: كان يقال له قطب السخاء، روى عنه خلق كثير، توفي بالمدينة سنة (٨٠) وهو ابن (٨٠) سنة وقيل ابن (٩٠) وصلى عليه أبان بن عثمان، وهو يومئذ أمير المدينة، وذلك العام يعرف بعام الجحاف لسيل كان بمكة أجحف بالحاج وذهب بالإبل وعليها الحمولة (لقنوا موتاكم) أي المشرفين على الموت (العظيم) صفة للرب أو العرش، والثاني أبلغ ووصفه بالعظمة؛ لأنه أكبر المخلوقات ومحيط بالمكونات (الحمد الله) أي على الحياة والممات (كيف) أي هذا التلقين (للأحياء) أي للأصحاء أيحسن أم لا (أجود وأجود) أي أحسن وأحسن كرر للتأكيد والمبالغة. قال الطيبي: التكرار للاستمرار أي جودة وهذا معنى الواو فيه (رواه ابن ماجه) وفي سنده إسحاق بن عبد الله بن
стр. 2281
١٦٤٢- (١٣) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل صالحاً قالوا: أخرجي أيتها النفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، أخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء
ــ
جعفر، وهو مستور، روى عنه كثير بن زيد الأسلمي المدني، وهو صدوق، فيه لين، ذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه ابن عمار الموصلي، ونقل السندي عن البوصيري، أنه قال في الزوائد: في إسناده إسحاق لم أر من وثقة ولا من جرحه، وكثير بن زيد، قال فيه أحمد: ما أرى به بأساً. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال مرة: ليس به بأس. وقال مرة: صالح. وقال أبوحاتم: صالح ليس بالقوى. وقال النسائي: ضعيف. وقيل: ثقة، وباقي رجاله ثقات-انتهى. والحديث أخرجه أيضاً الحكيم الترمذي، والطبراني كما في الكنز (ج٨ص٧٨) .
١٦٤٢- قوله: (الميت) أي جنسه، والمراد من قرب موته (تحضره الملائكة) أي ملائكة الرحمة أو ملائكة العقوبة، قاله ابن حجر. قيل: وهذه الملائكة هم أعوان ملك الموت في قبض الأرواح، وحاصل الأحاديث في ذلك أن ملك الموت يقبض الأرواح والأعوان يكونون معه يعملون عمله بأمره والله تعالى هو الذي يزهق الروحُ بأمره، وبه يجمع بين الآيات والأحاديث المختلفة التي أضيف التوفي فيها تارة إلى الله تعالى، وتارة إلى ملك الموت، وتارة إلى أعوانه من الملائكة، فملك الموت يقبض الروح من الجسد بأمره تعالى، ثم يسلمها إلى ملائكة الرحمة إن كان مؤمناً، وملائكة العذاب إن كان كافراً وعند معاينتهم يعاين ما يصير إليه من رحمة وعذاب (صالحاً) أي مؤمناً. وقيل: أو قائماً بحقوق الله تعالى وحقوق عباده (أخرجي) أي من جسدك الطيب والخطاب للنفس فيستقيم هذا الخطاب مع عموم الميت للذكر والأنثى (أيتها النفس) أي الروح (كانت في الجسد الطيب) قال الطيبي: الظاهر كنت، ليطابق النداء وأخرجي لكن اعتبر اللام الموصولة أي النفس التي طابت كائنة في الجسد، ويحتمل أن يكون صفة أخرى للنفس، لأن المراد ليست نفساً معينة بل الجنس مطلقاً- انتهى. (أخرجي) فيه دلالة على أن الروح جسم لطيف يوصف بالدخول والخروج والصعود والنزول، وهو خطاب ثان أو تأكيد لقوله (حميدة) أي محمودة (بروح) بفتح الراء أي راحة أو رحمة (وريحان) أي رزق أو طيب، والتنوين فيهما للتعظيم والتكثير (ورب) أي وبملاقاة رب (غير غضبان) بعدم الانصراف. وقيل: بالانصراف. قال ابن حجر: وعدل إليه عن راض رعاية للفاصلة أي السجع (فلا تزال) أي النفس (يقال لها ذلك) أي ما تقدم من أنواع البشارة زيادة في سرورها بسماعها ما تقر به عينها (ثم يعرج بها) بصيغة المجهول (إلى السماء)
стр. 2282
فيفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان، فيقال: مرحباً بالنفس الطيبة: كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا تزال يقال لها ذلك، حتى تنتهي إلى السماء التي فيها الله، فإذا كان الرجل السوء، قال: أخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، أخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فما تزال يقال لها ذلك، حتى تخرج ثم يعرج إلى السماء فيفتح لها
ــ
أي الدنيا (فيفتح لها) أي بعد الاستفتاح أو قبله، وعند أحمد: فيستفتح لها (فيقال) أي يقول ملائكة السماء (من هذا فيقولون) أي يقول ملائكة الرحمة الذين معه (فلان) أي هذا فلان أي روحه (فلا تزال) أي هي (يقال لها ذلك) أي ما ذكر من الأمر بالدخول والبشارة بالصعود من سماء إلى سماء (حتى تنتهي) أي تصل إلى السماء (التي فيها الله) أي أمره وحكمه أي ظهور ملكه وهو العرش، قاله القاري. وقيل: أي فيها يظهر ويلقي حكمه. وقيل: أي قدرته ورحمته الخاصة (فإذا كان الرجل) بالرفع. وقيل: بالنصب على أن كان تامة أو ناقصة (السوء) بفتح السين وضمها صفة الرجل (قال) أي ملك الموت أو رئيس ملائكة العذاب أو كل واحد منهم فيطابق ما سبق بصيغة الجمع (ذميمة) أي مذمومة (وأبشري) قال الطيبي: استعارة تهكمية، كقوله تعالى: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ [آل عمران: ٢١] أو على المشاكلة والازدواج وحميم وغساق مقابل لروح وريحان (بحميم) أي ماء حار غاية الحرارة (وغساق) بتخفيف وتشديد ما يغسق أي يسيل من صديد أهل النار. وقيل: البارد المنتن (وآخر) قال القاري: عطف على حميم أي وبعذاب آخر. وفي نسخة: بضم الهمزة أي وبأنواع آخر من العذاب (من شكله) أي مثل ما ذكر في الحرارة والمرارة (أزواج) بالجر أي أصناف. قال الطيبي: أي مذوقات آخر مثل الغساق في الشدة والفظاعة أزواج أجناس- انتهى. ولا وجه لإرجاع الضمير إلى الغساق وحده وإن كان هو أقرب مذكور فالصحيح ما ذكرناه من أن إفراد الضمير باعتبار ما ذكر. قال: وآخر في محل الجر عطف على حميم وأزواج صفة لآخر وإن كان مفرداً، لأنه في تأويل الضروب والأصناف كقول الشاعر: معي جياعاً. والظاهر أنه في تأويل النوع والصنف، كذا قال القاري. وقال السندي: وآخر أي بأخر وأزواج، بدل منه أي بأصناف ومن شكله جار ومجرور وقع حالاً من أزواج أي وبأصناف كائنة من جنس المذكور من الحميم والغساق (ثم يعرج إلى السماء) كذا في أكثر النسخ، ووقع في بعض النسخ ثم يعرج بها إلى السماء، وهو مطابق لما في مسند الإمام أحمد وابن ماجه (فيفتح لها) أي يستفتح لها لقوله تعالى: ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء﴾ [الأعراف: ٤٠] وعند
стр. 2283
فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال لا مرحباً بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنها لا تفتح لك أبواب السماء، فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر)) . رواه ابن ماجه.
١٦٤٣- (١٤) وعنه، أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدانها)) قال حماد: فذكر من طيب ريحها وذكر المسك، قال ويقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض،
ــ
أحمد فيستفتح لها (فترسل) أي ترد وسيأتي أنها تطرح (ثم تصير) أي ترجع (إلى القبر) وتكون محبوسة في أسفل السافلين، بخلاف روح المؤمن فإنها تسرح في الجنة حيث تشاء، ولها تعلق بجسده أيضاً تعلقاً كلياً بحيث يتنعم في قبره وينظر إلى منازله في الجنة بحسب مرتبته فأمر الروح وأحوال البرزخ والآخرة كلها على خوارق العادات فلا يشكل شيء منها على المؤمن بالآيات (رواه ابن ماجه) في الزهد بإسناد صحيح، قاله المنذري في الترغيب. وقال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح، رجاله ثقات- انتهى. والحديث أخرجه أيضاً أحمد (ج٢ص٣٤٤) وذكره ابن القيم في كتاب الروح، وعزاه لابن منذه، وذكر توثيق رواته عن الحافظ أبي نعيم.
١٦٤٣- قوله: (تلقاها ملكان) وفي الحديث السابق ذكر الملائكة بإرادة ما فوق الواحد أو يلقي بعضهم ملكان، وبعضهم أكثر. وقال القاري: هذا تفصيل للمجمل السابق ويحتمل أنهما الكريمان الكاتبان ولا ينافي الجمع فيما مر، أما على قول من يقول أقل الجمع اثنان فظاهر، وأما على قول غيره فلاحتمال أن الحاضرين جمع المفوض إليه منهم ذلك اثنان والبقية أو الكل يقولون لروحه اخرجي أيتها النفس أو القائل واحد ونسب إلى الكل مجازاً كقوله تعالى: ﴿فعقروها﴾ [الشمس: ١٤] وكقولهم قتله بنو فلان، ويؤيده حديث البراء الآتي (يصعدانها) بضم الياء (قال حماد) وهو ابن زيد الأزدي البصري، راوي الحديث عن بديل عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة (فذكر) أي رسول الله ﷺ أو الصحابي، وهو أبوهريرة وكان سبب ذلك نسيان رواية لفظ النبوة في هذا دون معناه، فذكره بسياق يشعر بذلك، قاله القاري. والظاهر أن فاعل ذكر بديل بن ميسرة شيخ حماد بن زيد (من طيب ريحها) أي أوصافها عظيمة من طيب ريحها (وذكر المسك) أي بطريق التشبيه أي رائحة كرائحة المسك. وقال القاري: أي ومن أنواع ذلك المسك. وقال الطيبي: أي وذكر المسك لكن لم يعلم أن ذلك كان طريقة التشبيه أو الاستعارة أو غير ذلك. وقال الأبهري: الأظهر أن يقال وذكر أن طيب ريحها أطيب من ريح المسك (قال) أي النبي ﷺ (ويقول أهل السماء) أراد به الجنس أي كل سماع (روح طيبة) مبتدأ أو خبر لمحذوف هو هي وقوله (جاءت) الآن (من قبل الأرض) بكسر القاف وفتح الموحدة
стр. 2284
صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق به إلى ربه، ثم يقول: انطلقوا به إلى آخر الأجل. قال: وإن الكافر إذا خرجت روحه، قال حماد: وذكر من نتنها وذكر لعناً، ويقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض، فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل. قال أبوهريرة: فرد رسول الله ﷺ ريطة كانت عليه على أنفه هكذا. رواه مسلم.
١٦٤٤- (١٥) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا حضر المؤمن
ــ
أي من جهتها صفة ثانية (صلى الله عليك) أي أنزل الرحمة عليك، والخطاب للروح. قال الطيبي: في عليك التفات من الغيبة في قوله: جاءت إلى الخطاب، وفائدته مزيد اختصاص لها بالصلاة عليها (وعلى جسد كنت تعمرينه) بضم الميم. قال الطيبي: استعارة شبه تدبيرها الجسد بالعمل الصالح بعمارة من يتولى مدينة ويعمرها بالعدل والإحسان (فينطلق به) على بناء المفعول (إلى ربه) وفي حديث براءة الآتي إلى السماء السابعة (ثم يقول) أي الرب سبحانه (انطلقوا به) أي الآن أي ليكون مستقراً في الجنة أو عندها (إلى آخر الأجل) قال القاري: المراد بالأجل هنا مدة البرزخ، يعني اذهبوا به إلى المكان الذي أعد له إلى وقت القيامة. قال الطيبي: يعلم من هذا أن لكل أحد أجلين أولاً وآخراً ويشهد له قوله تعالى: ﴿ثم قضى أجلا وأجل مسمى﴾ [الأنعام: ٢] عنده أي أجل الموت وأجل القيامة. وقال القاضي: المراد هنا انطلقوا بروح المؤمن إلى سدرة المنتهى، وفي روح الكافر انطلقوا بروح الكافر إلى سجين فهي منتهى الأجل. ويحتمل أن المراد إلى انقضاء الدنيا (وذكر من نتنها) بسكون التاء (وذكر لعناً) أي مع النتن فإن البعد من لوازم النتن (روح خبيثة جاءت) أي قاربت السماء (فيقال انطلقوا به) قال الطيبي: ذكر ههنا يقال وفي الأول يقول رعاية لحسن الأدب حيث نسب الرحمة إلى الله سبحانه ولم ينسب إليه الغضب كما في قوله تعالى: ﴿أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم﴾ [الفاتحة: ٧] (فرد رسول الله ﷺ ريطة) أي طرف ريطة وهي بفتح الراء وإسكان الياء التحتية كل ملاءة على طاقة واحدة ليست لفقتين، وقيل: كل ثوب رقيق (كانت عليه) أي على بطنه ﵊ (على أنفه) متعلق برد. قال الطيبي: رد رسول الله ﷺ الريطة على الأنف لما كوشف بروح الكافر وشم من نتن ريح روحه كما أنه غطى رأسه حين مر بالحجر لما شاهد من عذاب أهلها، وقيل: رد ﵇ الريطة على أنفه ليرى أصحابه كيف تتقي الملائكة نتن ريح تلك الروح بوضع شيء على الأنف لئلا تتضرر بذلك (هكذا) أي كفعلي هذا وكان أبوهريرة وضع ثوبه على أنفه بكيفية خاصة صدرت منه ﵊ (رواه مسلم) قبيل كتاب الفتن.
١٦٤٤- قوله: (إذا حضر المؤمن) على بناء المفعول أي حضره الموت. وفي رواية الحاكم: إذا احتضر
стр. 2285
أتت ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي راضية مرضياً عنك، إلى روح الله وريحان، ورب غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك، حتى إنه ليناوله بعضهم بعضاً حتى يأتوا به أبواب السماء، فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض! فيأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشد فرحاً به من أحدكم بغايبه يقدم عليه، فيسألونه: ماذا فعل فلان؟ فيقولون: دعوه،
ــ
وفي رواية ابن حبان: إذا قبض (أتت) وفي النسائي: أتته (ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء) ولعل روحه تلف فيها وترفع إلى السماء والكفن الدنيوي يصحب الجسد الصوري، قاله القاري. وفي رواية أبي حاتم: أن المؤمن إذا حضره الموت حضرته ملائكة الرحمة فإذا قبض جعلت روحه في حريرة بيضاء فينطلق بها إلى باب السماء (اخرجي) الخطاب للنفس فيستقيم هذا الخطاب مع عموم المؤمنين للذكر والأنثى (راضية) عن الله سابقاً وبثواب الله لاحقاً (مرضياً عنك) أي أولاً وآخراً. وفي بعض النسخ: مرضية عنك، كما في النسائي (إلى روح الله) بفتح الراء أي رحمته أو راحة منه (وريحان) أي رزق أو مشموم (كأطيب ريح المسك) حال أي حال كونه مثل أطيب ريح المسك. وقيل: صفة مصدر محذوف أي خروجاً كخروج أطيب ريح المسك، يعني تخرج خروجاً مثل ريح مسك بفتق فأرتها وهو قد فاق سائر أرواح المسك (حتى أنه) أي روح المؤمن (ليناوله بعضهم بعضاً) أي يتداولونه ويصعدون به من يد إلى يد تكريماً وتعظيماً وتبركاً وتشريفاً لا كسلاً وتعباً (حتى يأتوا به) وفي رواية الحاكم: يشمونه حتى يأتوا به (أبواب السماء) أي باب بعد باب. وفي النسائي والمستدرك: باب السماء، وهو منصوب بنزع الخافض أي إلى أن يأتوا به، وهو غاية للمناولة (فيقولون) أي بعض الملائكة لبعض ملائكة السماء على جهة التعجب من غاية عظمة طيبة (فيأتون به) وفي رواية الحاكم: فكلما أتوا سماء قالوا ذلك حتى يأتوا به (أرواح المؤمنين) منصوب بنزع الخافض أي إلى مقر أرواحهم في عليين (فلهم) الضمير للمؤمنين أو لأرواحهم (أشد فرحاً) قال الطيبي: اللام المفتوحة لام الابتداء مؤكدة نحو قوله تعالى: ﴿لهو خير للصابرين﴾ [النحل: ١٢٦] وهم مبتدأ وأشد خبره، ولا يبعد أن تكون اللام جارة، والتقدير لهم فرح هو أشد فرحاً على توصيف الفرح بكونه فرحاً على المجاز فيكون الفرح فرحاً على سبيل المبالغة. قلت: ويؤيد الأول رواية الحاكم بلفظ: فلهم أفرح به (به) أي بقدومه (من أحدكم) أي من فرح أحدكم (بغائبه يقدم عليه) أي حال قدومه (فيسألونه) أي بعض أرواح المؤمنين (ماذا فعل فلان) على بناء الفاعل، والمراد ما شأنه وحاله (ماذا فعل فلان) تأكيد أو المراد شخص آخر، وهو الآظهر (فيقولون) أي بعض أخر من الأرواح (دعوه) أي أتركوه، زاد في رواية الحاكم: حتى
стр. 2286
فإنه كان في غم الدنيا. فيقول: قد مات، أما أتاكم؟ فيقولون: قد ذهب به إلى أمه الهاوية. وإن الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسح، فيقولون: اخرجي ساخطة مسخوطاً عليك إلى عذاب الله عزوجل. فتخرج كأنتن ريح جيفة، حتى يأتون به إلى باب الأرض، فيقولون: ما أنتن هذه الريح، حتى يأتون به أرواح الكفار. رواه أحمد، والنسائي.
١٦٤٥- (١٦) وعن البراء بن عازب، قال: خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولما يلحد،
ــ
يستريح. قال الطيبي: أي يقول بعضهم لبعض دعوا القادم فإنه حديث عهد بتعب الدنيا (فإنه) أي الشأن (كان) أي القادم (في غم الدنيا) أي إلى الآن ما استراح من همها (فيقول) أي القادم في جواب السؤال (قد مات) أي فلان المسؤل (أما أتاكم) أي أما جاءكم (فيقولون) وفي رواية الحاكم: فإذا قال لهم أما أتاكم فإنه قد مات قال فيقولون أي أرواح المؤمنين (قد ذهب به) على بناء المفعول (إلى أمه الهاوية) أي أنه لم يلحق بنا فقد ذهب به إلى النار، والهاوية من أسماء النار كأنها العميقة تهوي أهل النار فيها مهوى بعيداً، وهي بدل أو عطف بيان، وتسمية النار إما باعتبار أنها مأوى صاحبها كالأم مأوى الولد ومفزعه، ومنه قوله تعالى: ﴿فأمه هاوية﴾ [القارعة:٩] (إذا احتضر) بصيغة المجهول (بمسح) بكسر الميم البلاس. وقال النووي: هو ثوب من الشعر غليظ معروف (اخرجي) أي إلى غضب الله (ساخطة) أي كارهة غير راضية عن الله حياً وميتاً (مسخوطاً) أي مغضوباً (إلى عذاب الله) متعلق بأخرجي (حتى يأتون به) بإثبات النون ورفعه على حكاية الحال الماضية على حد ﴿وزلزلوا حتى يقول الرسول﴾ في قراءة نافع بالرفع أي حتى أتوا به (إلى باب الأرض) فيرد إلى أسفل السافلين (فيقولون) أي ملائكة الأرض (حتى يأتون به) وفي رواية الحاكم كلما أتوا على أرض قالوا ذلك حتى يأتوا به فيتعين أن يكون حتى غاية لقولهم ذلك (أرواح الكفار) ومحلها سجين، وهو موضع في مقر جهنم (رواه أحمد) (ج٤ص٢٨٧- ٢٨٨) (والنسائي) في الجنائز، وأخرجه أيضاً البزار، وأبوحاتم، وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم (ج١ص٣٥٢- ٣٥٣) وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.
١٦٤٥- قوله: (خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار) أي إلى البقيع (فانتهينا إلى القبر) أي وصلنا إليه (ولما يلحد) من اَلْحد أو لَحَد كمنع على بناء المفعول أو الفاعل أي الحفار،
стр. 2287
فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله، كأن على رؤسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: ((استعيذوا بالله من عذاب القبر، مرتين أو ثلاثاً، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت ﵇، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة! اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء،
ــ
يقال الحد الميت ولحده أي دفنه وألحد اللحد ولحده أي حفره وألحد للميت ولحد له حفر له لحداً، ولما بمعنى لم، وفيه توقع، فدل على نفي اللحد فيما مضى وعلى توقعه فيما يستقبل، والجملة حال أي وصلنا إلى القبر حال كون الميت لم يحفر اللحد له بعد (فجلس رسول الله ﷺ ) في انتظار أن يحفر اللحد (وجلسنا حوله كأن) بتشديد النون. وفي رواية: وكأن (على رؤسنا الطير) بالنصب على أنه اسم كأن، وهذا كناية عن غاية السكون أي لا يتحرك منا أحد ولا يتكلم توقيراً لمجلسه ﷺ ، والمعنى جلسنا ساكنين متأدبين في حضرته متواضعين بحيث يكاد يقعد الطير على رؤسنا والطير لا يكاد يقعد إلا على شيء لا تحرك له وكانوا ﵃ يراعون أوقاته فأحياناً يتكلمون عنده ويضحكون وأحياناً يتأدبون ولا يتحركون. قال الجزري: وصفهم بالسكون والوقار وأنهم لم يكن فيهم طيش ولا خفة؛ لأن الطير لا تكاد تقع إلا على شيء ساكن (وفي يده عود ينكت) بضم الكاف (به في الأرض) أي يؤثر بطرف العود الأرض فعل المتفكر المهموم، ذكره الطيبي. يقال: نكت الأرض بقضيب أي ضربها به حال التفكر فأثر فيها، ويسمى المعنى الدقيق الذي أخرج بدقة نظر وإمعان فكر نكتة؛ لأن من عادة المتفكر أن ينكت (مرتين أو ثلاثاً) ظرف لقال وأو للشك من الراوي (في انقطاع من الدنيا) أي إدبار منها (وإقبال من الآخرة) أي اتصال بها (كأن وجوههم الشمس) أي وجه كل واحد منهم كالشمس (وحنوط) بفتح الحاء. قال الطيبي: الحنوط ما يخلط من الطيب لأكفان الموتى وأجسادهم (حتى يجلسوا منه مد البصر) أي قريبا منه (الطيبة) وفي رواية الحاكم وابن منده: المطمئنة (اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان) أي ليس أمامك إلا المغفرة والرضوان، وفيه بشارة دفع العذاب وكمال الثواب (قال) أي النبي ﷺ (فتخرج) أي روحه (تسيل) حال (كما تسيل القطرة) أي كسيلان القطرة في السهولة (من السقاء) بكسر السين أي القربة وفي المسند: من في السقاء، والمقصود بيان أن الروح تخرج من البدن بسهولة. قال القاري: لا منافاة بين اضطراب
стр. 2288
فيأخذها، فإذا أخذها، لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها فلا يمرون ـ يعني بها ـ على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة،
ــ
الجسد وسهولة خروج الروح بل قد يكون الأول سبباً للثاني كما أن رياضة النفس وتضعيف البدن عند الصوفية موجب لقوة الروح على العبادة والمعرفة. وقال ابن حجر: ولا ينافي ذلك ما مر أن المؤمن يشدد عليه عند النزع دون غيره، لأن محله فيما قبل خروج الروح، واعترض عليه القاري بأن حالة النزع هو وقت خروج الروح فبين كلاميه تناقض- انتهى. فتأمل. (فيأخذها) أي ملك الموت (لم يدعوها) بفتح الدال أي لم يتركوها (في يده طرفة عين) أدباً معه أو اشتياقاً إليها. قال الطيبي: فيه إشارة إلى أن ملك الموت إذا قبض روح العبد سلمها إلى أعوانه الذين معهم كفن من أكفان الجنة- انتهى. والطرفة بفتح الطاء وسكون الراء المرة من طرف أي يك بلك زدن يقال: طَرَفَ بصره أو طرف بعينه يَطْرِف طرفاً أي أطبق أحد جفنيه على الآخر (ويخرج منها) أي من الروح ريح أو شيء (كأطيب نفحة مسك) أي مثل أطيبها فالكاف مثليه. قال الطيبي: صفة موصوف محذوف هو فاعل يخرج منها رائحة كأطيب نفحة مسك- انتهى. والنفحة المرة من نفح الطيب أي انتشرت رائحته ونفحة الطيب رائحته (فيصعدون) أي أعوان ملك الموت أو ملائكة الرحمة منهم أو من غيرهم (يعني بها) هذا كلام الصحابي أو الراوي على ملأ أي جمع عظيم (من الملائكة) أي الذين بين السماء والأرض (إلا قالوا) أي الملأ (ما هذا الروح) بفتح الراء أي الريح وضمها (فيقولون) أي ملائكة الرحمة (فلان بن فلان) أي روحه أو روحه (بأحسن أسماءه) أي ألقابه وأوصافه (التي كانوا) أي أهل الدنيا (يسمونه) أي يذكرونه (بها) أي بتلك الأسماء (حتى) أي لا يزال الملائكة يسألون ويجابون كذلك (حتى ينتهوا بها) أي بتلك الروح (فيستفتحون له) الضمير للروح فإنه يذكر ويؤنث (فيفتح) بالتذكير والجار نائب الفاعل (لهم) قال ابن حجر: أفرد الضمير، لأنه المقصود بالاستفتاح، ثم جمع إشارة إلى أنهم لا يفارقونه بل يستمرون معه (فيشيعه) من التشييع، وهو الخروج مع أحد لتوديعه أو لتبليغه منزله يعني يستقبله ويصحبه بعد دخوله في السماء (حتى ينتهي به) بصيغة المجهول والجار
стр. 2289
فيقول الله عزوجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارةً أخرى. قال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ . فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت. فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي،
ــ
نائب الفاعل (اكتبوا) أي أثبتوا (كتاب عبدي) الإضافة للتشريف، ولذا قال في الكافر اكتبوا كتابه أي اجعلوا كتابة عبدي بكتابة اسمه (في عليين) أي في دفتر المؤمنين وديوان المقربين، والظاهر أنه اسم موضع في السماء السابعة، فيه كتاب الأبرار فالمراد بكتاب العبد صحيفة أعماله. وقال الأبهري: أي في كتاب عبدي، يعني أنه في عليين أو في عوال أو غرف من الجنة مآلاً. قال ابن حجر في فتاواه: أرواح المؤمنين في عليين، وأرواح الكفار في السجين، ولكل روح بجسدها اتصال معنوي لا يشبه الاتصال في الحياة الدنيا بل أشبه شيء به حال النائم وإن كان هو أشد من حال النائم اتصالاً، قال: وإذا نقل الميت من قبر إلى قبر فالاتصال المذكور مستمر وكذا لو تفرقت الأجزاء- انتهى مختصراً. (وأعيدوه) الآن (إلى الأرض) أي إلى جسده الذي دفن في الأرض (فإني منها خلقتهم) أي أجساد بني آدم (وفيها أعيدهم) أي أجسادهم وأرواحهم (فتعاد روحه في جسده) ظاهر الحديث أن عود الروح إلى جميع أجزاء بدنه فلا التفات إلى ما قيل إن العود إنما يكون إلى البعض أو إلى النصف فإنه محتاج إلى النقل الصحيح (فيأتيه ملكان) أي المنكر والنكير لكن في صورة مبشر وبشير. وفي بعض الأحاديث جاء سؤال ملك ولا تعارض في ذلك بل الكل صحيح المعنى فإن هذا الاختلاف بالنسبة إلى الأشخاص (ما هذا الرجل الذي بعث فيكم) أي أرسل إليكم يعنون محمداً ﷺ وعبر بذلك امتحاناً لئلا يتلقن تعظيمه من عبارة القائل والإشارة لما في الذهن فإنه لم يرد حديث صحيح ولا ضعيف في أنه يكشف للميت حتى يرى النبي ﷺ فلا التفات إلى قول القبوريين ومن شاكلهم بأن رسول الله ﷺ يشهد بذاته في الخارج في قبر كل ميت عند سؤال الملكين (وما علمك) أي ما سبب علمك برسالته ومن أين علمت ذلك وما حجتك على رسالته (فآمنت به) أي بالكتاب أو بالرسول أو بما فيه وعلمت جميع ما ذكرت من معانيه (وصدقت) أي تصديقا قلبياً وما اكتفيت بالإيمان اللساني أو هو تأكيد (أن صدق عبدي) أن تفسيرية؛ لأن في النداء معنى القول
стр. 2290
فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، قال: فيأتيها من روحها وطيبها، فيفسح له في قبره مد بصره، قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: رب أقم الساعة! حتى أرجع إلى أهلي ومالي. قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه،
ــ
وقيل مصدرية (فأفرشوه) بقطع الهمزة أي أعطوه فراشاً أو أفرشوا له فراشاً، فالهمزة لتأكيد التعدية، ففي القاموس: أفرش فلاناً بساطاً بسطه له كفرشه فرشاً وفرشه تفريشاً (من الجنة) أي من فرشها (وألبسوه) بقطع الهمزة أي أكسوه (من الجنة) أي من ثيابها (وافتحوا له) أي لأجله (باباً) أي من القبر (إلى الجنة) أي جهتها (من روحها) بفتح الراء أي من نسيمها (وطيبها) أي رائحتها (فيفسح) بالتخفيف أي يوسع له (في قبره مد بصره) أي منتهى بصره، وهو مختلف باختلاف البصر (ويأتيه) أي المؤمن (رجل) وفي رواية الحاكم: ويتمثل له رجل (أبشر بالذي يسرك) أي بما يجعلك مسروراً (فيقول) أي المؤمن (له من أنت) قال الطيبي: لما سره بالبشارة قال له: إني لا أعرفك من أنت حتى أجازيك بالثناء والمدح، ثم قال وقوله من أنت متضمن معنى المدح مجملاً أي بمعونة المقام، وقرينه الحال ثم قال: والفاء في (فوجهك) لتعقيب البيان بالمجمل على عكس قول الشقي للملك من أنت (الوجه) أي وجهك هو الكامل في الحسن والجمال والنهاية في الكمال وحق لمثل هذا الوجه أن يجيء بالخير ويبشر بمثل هذه البشارة وقوله (يجيء بالخير) جملة استئنافية، وقيل الموصول مقدر أي وجهك الوجه الذي يجيء بالخير (فيقول) أي المصور بصورة الرجل (فيقول رب أقم الساعة رب أقم الساعة) التكرار للإلحاح في الدعاء (حتى أرجع إلى أهلي) أي من الحوار العين والخدم (ومالي) من القصور والبساتين وغيرهما مما يطلق عليه اسم المال، وقيل المراد بالأهل أقاربه من المؤمنين وبمالي ما يشتمل الحور والقصور. قال ميرك: طلب إقامة القيامة لكي يصل إلى ما أعد له من الثواب والدرجات، ويؤيده ما ذكر في الكافر حكاية عنه: رب لا تقم الساعة لكي يهرب به عما يعد له من العقاب. وقال الطيبي: لعله عبارة عن طلب أحياءه لكي يرجع إلى الدنيا ويزيد في العمل الصالح والإنفاق في سبيل الله حتى يزيد ثواباً ويرفع في درجاته يعني لكنه لما علم أن ليس الأحياء بعد الموت إلا بالبعث يوم القيامة طلب قيام الساعة كناية عن الأحياء، وقيل: يحتمل أن يكون قول المؤمن في القبر: حتى أرجع إلى أهلي ومالي لفرط سروره وغاية فرحة ويكون تمنيه الرجوع إلى أهله
стр. 2291
معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة! اخرجي إلى سخط من الله، قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة، إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسماءه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، فيستفح له، فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء
ــ
ليخبرهم بذلك كما يقول ويتمنى المسافر الذي حصل له التنعم في بلد الغربة (معهم المسوح) بضم الميم جمع المسح بكسرها وهو البلاس واللباس الخشن (إلى سخط الله) أي آثار غضب الله من أنواع عقابه، وفي المسند إلى سخط من الله وغضب، وكذا عند الحاكم) (فتفرق) بحذف إحدى التائين أي الروح (في جسده) أي تنتشر في أعماق البدن فزعا وكراهة للخروج إلى ما يسخن عينه من العذاب الأليم، كما أن أرواح المؤمن تخرج وتسيل، كما تسيل القطرة من السقاء فرحاً إلى ما تقربه عينه من الكرامة (فينتزعها) أي ملك الموت يستخرج روحه بعنف وشدة ومعالجة (كما ينزع) بالبناء للمجهول، وفي المسند كما ينتزع (السفود) كتنور الحديدة التي يشوى عليها اللحم، وفي رواية لأحمد: السفود الكثير الشعب (من الصفوف المبلول) قال الطيبي: شبه نزع روح الكافر من أقصى عروقه بحيث يصحبه العروق، كما قال في الرواية الأخرى وتنزع نفسه مع العروق بنزع السفود وهو الحديدة التي يشوي بها اللحم فيبقى معها بقية من المحروق فيستصحب عند الجذب شيئاً من ذلك الصوف مع قوة وشدة وبعكسه شبه خروج روح المؤمن من جسده بترشح الماء وسيلانه من القربة المملوءة ماء مع سهولة ولطف (لم يدعوها في يده طرفة عين) أي مبادرة إلى الأمر (ويخرج منها) أي من روح الكافر (فيصعدون) افتضاحاً لها وإظهارا لرداءتها (بأقبح أسماءه) أي يذكرونه بأشنع أوصافه (التي كان يسمي) أي ذلك الكافر (بها) أي بتلك الأسماء (ثم قرأ رسول الله ﷺ أي استشهاداً على ما ذكر من عدم الفتح للكافر قوله تعالى: ﴿إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها﴾ [الأعراف: ٤٠،٣٦] (لا تفتح) بالتأنيث مع التشديد قراءة الجمهور (لهم) أي لأرواحهم (أبواب السماء) أي شيء منها، وقيل: المعنى لا تفتح أبواب السماء
стр. 2292
ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ فيقول الله عزوجل: اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحاً، ثم قرأ: ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق﴾ ، فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان، فيجلسانه فيقولان له:
ــ
لأدعيتهم إذا دعوا، قاله مجاهد، والنخعي. وقيل: لأعمالهم أي لا تقبل بل ترد عليهم فيضرب بها في وجوههم قال العلامة الشوكاني في فتح القدير (ج٢ ص١٩٥) : ولا مانع من حمل الآية على ما يعم الأرواح والدعاء والأعمال ولا ينافيه ورود من أنها لا تفتح أبواب السماء لواحد من هذه، فإن ذلك لا يدل على عدم فتحها لغيره مما يدخل تحت عموم الآية ﴿ولا يدخلون الجنة حتى يلج﴾ أي يدخل من الولوج وهو الدخول بشدة ولذلك يقال هو الدخول في ضيق فهو أخص من مطلق الدخول ﴿الجمل﴾ هو الذكر من الإبل، ولا يقال للبعير جمل إلا إذا بزل أي دخل في السنة التاسعة، وقيل: إنما يسمى جملاً إذا أربع أي بلغ أربع سنين ﴿في سم الخياط﴾ السم مثلث السين لغة لكن السبعة على الفتح، وقرى شاذاً بالكسر والضم وهو الثقب اللطيف الضيق والخياط الآلة التي يخاط بها كالمخيط فعال ومفعل كإزار ومئزر ولحاف وملحف والمراد به الإبرة في هذه الآية، وخص الجمل بالذكر من بين سائر الحيوانات، لأنه أكبر من سائر الحيوانات جسماً عند العرب، ويضرب به المثل عندهم في كبر الذات وعظم الجرم، وخص سم الخياط لكونه غاية الضيق وأضيق المنافذ ودخول الجمل مع عظم جسمه في ثقب الإبرة الضيق غير ممكن فكذا ما توقف عليه (في سجين) قيل هو كتاب جامع الأعمال الشياطين والكفرة، وقيل هو مكان في أسفل الأرض السابعة، وهو محل إبليس وجنوده (في الأرض) حال لازمه أو بدل بإعادة الجار بدل كل من بعض (السفلى) أي السابعة، وفيه إشارة إلى محل جهنم، وهو الأشهر من خلاف فيه (فتطرح روحه طرحاً) أي ترمي رمياً شديداً ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر﴾ أي سقط ﴿من السماء﴾ إلى الأرض ﴿فتخطفه﴾ بفتح الطاء المخففة (الطير) أي تسلب لحمه وتقطعه بمخالبها وتذهب به ﴿أو تهوى به الريح﴾ أي تقذفه وترمى به. قال القاري: أو للتنويع أو للتخيير في التمثيل (في مكان سحيق) أي بعيد لا يصل إليه أحد بحال. قال الزمخشري: يجوز في هذا التشبيه أن يكون من المركب والمفرق فإن كان تشبيهاً مركباً فكأنه قال: من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكاً ليس بعده هلاك بأن صور حالة من خر من السماء فاختطفته الطير متفرقاً موزعاً في حواصلها أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض الأماكن البعيدة وإن كان مفرقاً فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء والذي ترك الإيمان وأشرك بالله بالساقط من السماء والأهواء المردية بالطير المختطفة والشيطان الموقع في الضلال بالريح التي تهوى بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة- انتهى. قال الطيبي: أو تهوى به الريح أي عصفت
стр. 2293
من ربك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فينادي منادى من السماء: أن كذب فافرشوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر. فيقول: أنا عملك الخبيث. فيقول: رب لا تقم الساعة. وفي رواية نحوه، وزاد فيه: إذا خرج روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، وليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله
ــ
به أي هوت به في بعض المطارح البعيدة، وهذا استشهاد مجرد لقوله ﷺ في سجين في الأرض السفلى فتطرح روحه طرحاً لا أنه بيان لحال الكافر حينئذ؛ لأنه شبه في الآية من يشرك بالله بالساقط من السماء والأهواء التي توزع أفكاره بالطير المختطفة والشيطان الذي يغويه ويطرح به في وادي الضلالة بالريح الذي هو يهوى بما عصف به في بعض المهاوي المتلفة (هاه هاه) بسكون الهاء الأخيرة فيهما كلمة يقولها المبهوت المتحير في الجواب من الدهشة والخوف (أن كذب) هذا الكافر في النفي الدراية عنه مطلقاً بل عرف الله وأشرك به وتبين الدين وما تدين به وظهرت رسالة النبي بالمعجزات عنده وما أطاعه (فافرشوه من النار) زاد في رواية أبي داود والحاكم: وألبسوه من النار (فيأتيه من حرها) أي يأتيه بعض حرها في قبره، وأما تمامه ففي الآخرة قال تعالى: ﴿ولعذاب الآخرة أشد وأبقى﴾ [طه:١٢٧] (وسمومها) بفتح السين، وهي الريح الحارة (ويضيق) بصيغة المجهول من التضييق (حتى تختلف فيه) أي في قبره وفي بدنها (أضلاعه) أي عظام جنبه بأن يدخل عظام الجنب الأيمن في عظام الأيسر وعظام الجنب الأيسر في الأيمن من شدة التضييق. وأما ضغطة القبر للمؤمن فإنما هي ضمة للأرض كمعانقة الأم المشتاقة لولدها (يسوءك) أي يحزنك (فوجهك الوجه) أي الكامل في القبح (أنا عملك الخبيث) أي المركب من خبث عقائدك وأعمالك وأخلاقك فالمعاني تتجسد وتتصور في قوالب المباني (وفي رواية) أي لأحمد (ونحوه) أي معنى ما ذكر من الألفاظ (وزاد) أي الروي (فيه) أي في نحوه في بيان حال المؤمن (إذا خرج روحه) أي روح المؤمن (وكل ملك في السماء) أريد بها الجنس (ليس من أهل باب)
стр. 2294
أن يعرج بروحه من قبلهم، وتنزع نفسه- يعني الكافر- مع العروق، فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وتغلق أبواب السماء ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن لا يعرج روحه من قبلهم)) رواه أحمد.
ــ
أي من أبواب كل سماء (أن يعرج بروحه) بالبناء للمفعول أي يعرج الملائكة به (من قبلهم) بكسر القاف وفتح الباء أي من جهتهم وقال ﷺ في ذكر حال الكافر (وتنزع) بصيغة المجهول (نفسه) أي روحه (يعني الكافر) تفسير من المؤلف (مع العروق) إشارة إلى كراهة خروجه وشدة الجذب في نزع روحه (وتغلق) أي دونه (أبواب السماء) أي جميعها (ليس من أهل باب) أي من أبواب سماء الدنيا (أن لا يعرج روحه) بالتذكير وبصيغة المجهول ويصح أن يكون للفاعل أي أن لا يصعد روحه. وفي المسند: أن لا تعرج روحه أي بالتأنيث (من قبلهم) كراهة لظاهره وباطنه، والحديث نص في أن الروح تعاد إلى الميت في قبره وقت السؤال، وهو مذهب جميع أهل السنة من سائر الطوائف. قال ابن تيمية: الأحاديث الصحيحة المتواترة تدل على عود الروح إلى البدن وقت السؤال وسؤال البدن بلا روح، قول قاله طائفة وأنكره الجمهور، وقابله آخرون، فقالوا: السؤال للروح بلا بدن، وهذا قاله ابن مرة، وابن حزم، وكلاهما غلط، والأحاديث الصحيحة ترده. وارجع للتفصيل إلى كتاب الروح لابن القيم (رواه أحمد) الرواية الأولى في (ص٢٨٧-٢٨٨) والثانية في (ج٢ ص٢٩٥-٢٩٦) وكلتاهما من رواية المنهال بن عمرو عن زادان عن البراء بن عازب، وأخرجه من هذا الطريق أبوداود في السنة، وسكت عنه، والحاكم (ج١ ص٣٧- ٣٨- ٣٩) وصححه ووافقه الذهبي، وأبوعوانة وصححه، والبيهقي وقال: حديث صحيح الإسناد، وأخرجه أبوداود أيضاً والنسائي وابن ماجه كلهم في الجنائز من طريق المنهال مختصراً أي إلى قوله جلسنا حوله، وأخرجه ابن مندة مطولاً في كتاب الروح والنفس من طريق عيسى بن المسيب عن عدي بن ثابت عن البراء، ومن طريق خصيف الجزري عن مجاهد عن البراء. وقال السيوطي بعد ذكر الحديث من رواية أحمد: ورواه أبوداود في سننه، والحاكم في مستدركه، وابن أبي شيبة في مصنفه، وأبوداود الطيالسي وعبد بن حميد في مسنديهما، وهناد بن السري في الزهد، وابن جرير وابن أبي حاتم وغيره من طريق صحيحة- انتهى. ونسبه على المتقى في الكنز (ج٨ ص٩٤) إلى ابن خزيمة والضياء أيضاً. وقال المنذري في الترغيب بعد ذكر الحديث من رواية أحمد ما لفظه: هذا الحديث حديث حسن رواته محتج بهم في الصحيح، وهو مشهور بالمنهال بن عمرو عن زادان عن البراء، كذا قال أبوموسى الأصبهاني والمنهال روى له البخاري حديثاً واحداً. وقال ابن معين والعجلي: المنهال ثقة. وقال أحمد: تركه شعبة على عمد.
стр. 2295
١٦٤٦- (١٧) وعن عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه، قال: لما حضرت كعباً الوفاة أتته أم بشر بنت البراء بن معرور،
ــ
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: لأنه سمع من داره صوت قراءة بالتطريب. وقال عبد الله بن احمد سمعت أبي يقول: أبوبشر أحب إلى من المنهال. وزاذان ثقة مشهور ألانه بعضهم، وروى له مسلم حديثين في صحيحه، ورواه البيهقي من طريق المنهال بنحو رواية أحمد، ثم قال: وهذا حديث صحيح الإسناد، وقد رواه عيسى بن المسيب عن عدي بن ثابت عن البراء عن النبي ﷺ ، وقال ابن القيم في كتاب الروح (ص٧٥) هذا حديث ثابت مشهور مستفيض صححه جماعة من الحفاظ، ولا نعلم أحداً من أئمة الحديث طعن فيه، بل رووه في كتبهم وتلقوه بالقبول وجعلوه أصلاً من أصول الدين في عذاب القبر ونعيمه ومسائلة منكر ونكير وقبض الأرواح وصعودها إلى بين يدي الله ثم رجوعها إلى القبر، قال: ورواه عن البراء غير زاذان، ورواه عنه عدي بن ثابت ومجاهد بن جبر ومحمد بن عقبة وغيرهم، وقد جمع الدارقطني طرقه في مصنف مفرد، وزاذان من الثقات وروى له مسلم في صحيحه، ثم ذكر توثيقه عن ابن معين والعجلى وابن عدي، قال: والمنهال أحد الثقات العدول، ثم ذكر توثيقه عن ابن معين والعجلى، قال وأعظم ما قيل فيه: إنه سمع من بيته صوت غناء، وهذا لا يوجب القدح في روايته وإطراح حديثه- انتهى.
١٦٤٦- قوله: (وعن عبد الرحمن بن كعب) أي ابن مالك الأنصاري السلمي أبوالخطاب المدني، ثقة من كبار التابعين، ويقال ولد في عهد النبي ﷺ ، مات في خلافة سليمان بن عبد الملك (عن أبيه) أي كعب ابن مالك الأنصاري السلمي الصحابي المشهور الشاعر، وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا. قال السندي في حاشية ابن ماجه: قوله: عن عبد الرحمن بن كعب عن أبيه هكذا في النسخ التي رأيت، والظاهر أن قوله عن أبيه زيد، والحديث من قول عبد الرحمن نفسه، فإنه شاهده ورواه لا أنه أخذه عن أبيه، وهو الأوفق باللفظ، لكن إمكان الأخذ موجود، فيمكن أن عبد الرحمن ما كان حاضراً ثم سمعه من أبيه قبل موته ثم مات. وأما لفظ لما حضرت كعبا الوفاة فأمره سهل- انتهى. (قال) أي عبد الرحمن (أتته) أي كعباً (أم بشر) بكسر الباء، ويقال لها: أم بشر أيضاً. قيل: اسمها خليدة ولم يصح. قال الحافظ: والذي ظهر لي بعد البحث أن خليدة والدة بشر بن البراء ابن معرور (بنت البراء معرور) الأنصارية صحابية روت عن النبي ﷺ ، وروى عنها عبد الله بن كعب ابن مالك ومجاهد وعبد الرحمن بن كعب بن مالك. وأما أبوها فهو البراء بن معرور بن صخر الأنصاري السلمي الخزرجي أبوبشر كان من النفر الذين بايعوا البيعة الأولى بالعقبة، وهو أول من بايع وأول من استقبل الكعبة حياً وميتاً، وهو أول من أوصى بثلث ماله، وهو أحد النقباء مات في صفر قبل قدوم النبي ﷺ المدينة بشهر، فلما
стр. 2296
فقالت: يا أباعبد الرحمن! إن لقيت فلانا فأقرأ عليه مني السلام. فقال: غفر الله لك يا أم بشر! نحن أشغل من ذلك، فقالت: يا أباعبد الرحمن! أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن أرواح المؤمنين في طير
ــ
قدم رسول الله ﷺ المدينة أتى قبره في أصحابه فكبر عليه وصلى وقد أمر البراء أهله عند موته أن يوجهوه إلى الكعبة فوجه قبره إليها. ومعرور بفتح الميم وسكون العين المهملة وضم الراء الأولى (يا أباعبد الرحمن) كنيته كعب (إن لقيت) أي بعد موتك (فلاناً) أي روحه قيل: تعني أباها البراء، ففي رواية للطبراني في الكبير: إن لقيت أبي فاقرأ مني السلام، وذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢ص٣٢٩) . وقيل: المراد به ولدها مبشر ففي رواية لأحمد (ج٢ص٤٥٥) قالت أم مبشر للكعب بن مالك وهو شاك اقرأ على ابني السلام تعني مبشراً، فقال: يغفر الله لك يا أم مبشر- الحديث. وقيل: المراد ولدها بشر، فقد أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب القبور عن أبي لبيبة الأشهلى قال: لما مات بشر بن البراء بن معرور وجدت أمه وجداً شديداً فقالت: يا رسول الله! لا يزال الهالك يهلك من بني سلمة فهل تتعارف الموتى؟ فأرسل إلى بشر بالسلام، قال: نعم والذي نفسي بيده إنهم يتعارفون كما يتعارف الطير في رؤس الأشجار، وكان لا يهلك هالك من بني سلمة إلا جاءته أم بشر. فقالت: يا فلان عليك السلام فيقول وعليك، فتقول: اقرأ على بشر مني السلام (نحن أشغل) أي بأعمالنا وجزاءها (من ذلك) أي مما تقولين من تعارف الموتى وإبلاغ سلام الأحياء إياهم (أما سمعت رسول الله ﷺ إلخ) أي لست ممن يشغل عن ذلك، بل أنت ممن ورد فيهم هذه الكرامة وقولها فهو ذلك أي الفضل والكرامة التي ترجى لك ذاك، فتكون أنت في غاية السرور والحبور لا مشغولاً ومخذولاً، كذا في اللمعات. وقال الطيبي: هذا جواب عن اعتذاره بقوله: نحن أشغل أي لست ممن يشغل عما كلفتك، بل أنت ممن قال فيه رسول الله ﷺ كيت وكيت (إن أرواح المؤمنين) ظاهر هذا السوق العموم، فيتناول كل مؤمن شهيداً كان أم غير شهيد، وإليه ذهب ابن القيم وابن كثير، فقالا: أرواح المؤمنين كلهم في الجنة شهداء كانوا أو غير شهداء إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرة ولا دين، وتلقاهم ربهم بالعفو عنهم والرحمة لهم، لأن هذا الحديث وكذا الحديث الآتي لم يخص فيهما شهيداً من غير شهيد. وقيل: المراد بالمؤمنين الشهداء خاصة دون غيرهم لما في رواية أحمد (ج٦ص٣٨٦) والترمذي من طريق عمرو بن دينار عن الزهري عن ابن كعب بن مالك عن أبيه مرفوعاً أن أرواح الشهداء الخ، وهذا اختاره ابن القرطبي وابن عبد البر، فقالا: الكرامة المذكورة في الحديث خاصة بالشهداء دون غيرهم، لأن القرآن والسنة إنما يدلان على ذلك، فالروايات المطلقة تحمل على المقيدة (في طير) جمع
стр. 2297
خضر
ــ
طائر، ويطلق على الوحد (خضر) بضم فسكون جمع أخضر أي تدخل في أجواف طير وأبدانها، ففي رواية للطبراني: أن أرواح المؤمنين في أجواف طير خضر، ذكرها الهيثمي، وليس ذلك حبساً للأرواح وتسجناً لجواز أن يقدر الله تعالى في تلك الأجواف من السرور والنعيم ما تجده في الفضاء الواسع يعني أنها تجد فيها من النعيم ما لا يوجد في الفضاء أو تكون الطيور وأجوافها بمنزلة المراكب للأرواح ترتع وتسرح بها في الجنة وتتنعم أو تكون الطيور للأرواح كالهوادج للجالسين فيها والله اعلم. وقيل: المعنى أن الأرواح تجعل في صور طير أي أن الروح نفسها تتشكل وتتمثل بأمر الله طائرا كتمثل الملك بشراً. قال السيوطي في حاشية أبي داود: إذا فسرنا الحديث أن الروح يتشكل طيراً فالأشبه أن ذلك في القدرة على الطيران فقط لا في صورة الخلقة، لأن شكل الإنسان أفضل الأشكال- انتهى. قال السندي: هذا إذا كان الروح الإنساني له شكل في نفسه ويكون على شكل الإنسان وأما إذا كان لا شكل له، بل يكون مجرداً أو أراد الله تعالى أن يتشكل ذلك المجرد لحكمة ما فلا يبعد أن يتشكل من أول الأمر على شكل الطائر- انتهى. قلت: اختلف ألفاظ الرواية في أن الروح والنسمة تكون طيراً أو تكون في جوف طير كما اختلفت في أن هذه الكرامة للشهداء خاصة أو لجميع المؤمنين شهداء كانوا أم غير الشهداء، وقد تقدم شيء من الكلام على الاختلاف الثاني. وأما الاختلاف الأول فرجح القرطبي وابن عبد البر والقاضي عياض رواية من روى أن الروح والنسمة طير أو كطير أو في صورة طير، وأنكروا رواية في أجواف طير وبحواصل طير، لأنها حينئذ تكون محصورة مضيقاً عليها. ورد بأن رواية في أجواف طير في صحيح مسلم فلا يمكن إنكارها والتأويل محتمل كما تقدم. وذهب آخرون إلى الجمع والتوفيق. قال ابن القيم في كتاب الروح (ص١٥٧) : إن الله سبحانه جعل أرواح الشهداء في أجواف طير خضر فإنهم لما بذلوا أنفسهم لله حتى أتلفها أعداءه فيه أعاضهم منها في البرزخ أبداناً خيراً منها تكون فيها إلى يوم القيامة، ويكون نعيمها بواسطة تلك الأبدان أكمل من نعيم الأرواح المجردة عنها، ولهذا كانت نسمة المؤمن في صورة طير أو كطير ونسمة الشهيد في جوف طير. وتأمل لفظ الحديثين، فإنه قال (أي في حديث كعب الآتي) نسمة المؤمن طير، فهذا يعم الشهيد وغيره، ثم خص الشهيد بأن قال هي في جوف طير، ومعلوم أنها إذا كانت في جوف طير صدق عليها أنها طير-انتهى. قال ابن كثير في هذا الحديث: إن روح المؤمن على شكل طير في الجنة، وأما أرواح الشهداء ففي حواصل طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، كما رواه أحمد عن ابن عباس مرفوعاً، فهي كالراكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها فهو بشرى لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة أيضاً وتسرح فيها وتأكل من ثمارها، كذا في شرح الموطأ للزرقاني. ومال القاري إلى الجمع بوجه
стр. 2298
تعلق بشجر الجنة؟ قال: بلى، قالت: فهو ذلك)) . رواه ابن ماجه، والبيهقي في كتاب البعث والنشور.
ــ
آخر حيث قال في أجواف طير خضر أي في صورة طير كما تقول رأيت ملكاً في صورة إنسان- انتهى. وحاصله أن مؤدي رواية في أجواف طير هو كون الروح أو النسمة في صورة طير فكأنه أرجع هذه الرواية إلى رواية النسمة طير أو كطير أو في صورة طير (تعلق) بفتح المثناة فوق وسكون المهملة وضم اللام أي ترعى من أعلي شجر الجنة، قاله المنذري. وقال الجزري: أي تأكل وهو في الأصل للإبل إذا أكلت العضاه، يقال: علقت تعلق علوقاً فنقل إلى الطير- انتهى. وقال ابن عبد البر: يروي بفتح اللام وهو الأكثر ويروي بضم اللام والمعنى واحد وهو الأكل والرعي. وقيل بفتح اللام أي يتعلق ويتشبث بها ويقع عليها تكرمة للمؤمن وثواباً له، وبضم اللام بمعنى يشيب منها العلقة من الطعام (بشجر الجنة) وفي رواية لأحمد والطبراني في شجر الجنة. قيل: الظاهر أن يقال تعلق شجر الجنة أو من شجر الجنة، كما وقع في رواية لأحمد من ثمر الجنة. وفي الترمذي: من ثمر الجنة أو شجر الجنة. قيل: الباء زائدة. وقيل: تعديته بالباء تفيد الاتصال، لعله كنى به عن الأكل، لأنها إذا اتصلت بشجر الجنة وتشبثت بها أكلت من ثمرها وأرادت أم بشر بذلك أنهم أحياء فيمكن إرسال السلام إليهم (فهو ذلك) وفي بعض النسخ: فهو ذاك، كما في ابن ماجه. قال القاري: وقد تعلق بهذا الحديث وأمثاله بعض القائلين بالتناسخ وانتقال الأرواح وتنعيمها في الصور الحسان المرفهة وتعذيبها في الصور القبيحة، وزعموا أن هذا هو الثواب والعقاب، وهذا باطل مردود لا يطابق ما جاءت به الشرائع من إثبات الحشر والنشر والجنة والنار، ولهذا قال في الحديث الآتي حتى يرجعه الله إلى جسده، وفي بعض حواشي شرح العقائد: اعلم أن التناسخ عند أهله هو رد الأرواح إلى الأبدان الأخر في هذا العالم (أي عالم الدنيا يعني بالتوالد والتناسل) لا في الآخرة، إذ هم ينكرون الآخرة والجنة والنار ولذا كفروا- انتهى. قال شيخنا في شرح الترمذي على بطلان التناسخ دلائل كثيرة واضحة في الكتاب والسنة: منها قوله تعالى: ﴿حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون، لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا، إنها كلمةٌ هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون﴾ [المؤمنون: ١٠٠] (رواه ابن ماجه) في الجنائز من طريق محمد بن إسحاق عن الحارث بن فضيل عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه، وأخرجه الطبراني في الكبير وفيه أيضاً محمد بن إسحاق. قال الهيثمي: وهو مدلس وبقية رجاله الصحيح - انتهى. وأخرجه أحمد والترمذي من طريق عمرو بن دينار عن الزهري عن ابن كعب بن مالك عن أبيه مختصراً بدون القصة، ورواه أحمد من طريق معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: قالت أم مبشر لكعب بن مالك وهو شاك: اقرأ على ابني السلام تعني مبشراً، فقال: يغفر الله لك يا أم مبشر- الحديث. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد باختلاف يسير، وعزاه للطبراني في الكبير، وقال: رجاله رجال الصحيح. قلت: واختلف في سماع الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك. وسيأتي الكلام فيه في تخريج الحديث الذي بعدها هذا.
стр. 2299
١٦٤٧- (١٨) وعنه، عن أبيه، أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: ((إنما نسمة المؤمن طير تعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله في جسده، يوم يبعثه)) رواه مالك، والنسائي، والبيهقي في كتاب البعث والنشور.
ــ
١٦٤٧- قوله: (وعنه) أي عن عبد الرحمن (عن أبيه) أي كعب بن مالك (إنما نسمة المؤمن) بفتح النون والسين المهملة أي روحه. قال النووي: النسمة يطلق على ذات الإنسان جسماً وروحاً وعلى الروح مفردة، وهو المراد ههنا لقوله: حتى يرجعه الله في جسده. وبنحو ذلك قال ابن عبد البر. وقال الخليل بن أحمد: النسمة الإنسان، قال والنسمة الروح والنسيما هبوب الريح- انتهي. والمراد روح المؤمن الشهيد، كما جاء في بعض روايات الحديث أرواح كل مؤمن شهيداً كان أو غير شهيد (طير) وفي رواية: طائر. وظاهره أن الروح يتشكل ويتمثل بأمر الله تعالى طائراً كتمثل الملك بشراً. ويحتمل أن المراد أن الروح يدخل في بدن طائر كما يدل عليه رواية: بأجواف طير وفي طير (تعلق) بالتأنيث وفي الموطأ يعلق أي بالتذكير، وكذا عند أحمد من طريق مالك عن الزهري أي ترعى وتسرح (حتى يرجعه الله) أي يرده (في جسده يوم يبعثه) أي يوم القيامة (رواه مالك) في الجنائز عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري أنه أخبره أن أباه كعب بن مالك كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال إلخ. (والنسائي) في الجنائز، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٣:ص٤٥٥) وابن ماجه في الزهد كلهم من طريق مالك عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب أنه أخبره أن أباه كعب بن مالك إلخ. قال ابن عبد البر: في رواية مالك هذه بيان سماع الزهري لهذا الحديث من عبد الرحمن بن كعب بن مالك، وكذلك رواه يونس عن الزهري قال سمعت عبد الرحمن بن كعب بن مالك يحدث عن أبيه. وكذلك رواه الأوزاعي عن الزهري حدثني عبد الرحمن بن كعب. وقد أعل محمد بن يحيى الذهلي هذا الحديث بأن شعيب بن أبي حمزة ومحمد بن أخي الزهري وصالح بن كيسان رووه عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن جده كعب فيكون منقطعاً، وقال صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن عبد الرحمن أنه بلغه أن كعب بن مالك كان يحدث، قال الذهلي وهذا المحفوظ عندنا. وخالفه في هذا غيره من الحفاظ فحكموا لمالك والأوزاعي. قال ابن عبد البر: فاتفق مالك ويونس والأوزاعي والحارث بن فضيل على رواية هذا الحديث عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه، قال ابن عبد البر: ولا وجه عندي لما قاله الذهلي من ذلك ولا دليل عليه، واتفاق مالك ويونس والأوزاعي ومحمد بن إسحاق أولى بالصواب، والنفس إلى قولهم وروايتهم أسكن، وهم من الحفظ والإتقان بحيث لا يقاس بهم من خالفهم في هذا الحديث- انتهى. قلت: ورواية شعيب عند أحمد (ج٣:ص٤٥٦) وفيها تصريح بسماع الزهري عن عبد الرحمن بن كعب قال أحمد: حدثنا أبواليمان قال أنبأنا
стр. 2300
١٦٤٨- (١٩) وعن محمد بن المنكيدر، قال: دخلت على جابر بن عبد الله، وهو يموت، فقلت: ((اقرأ على رسول الله ﷺ ) . رواه ابن ماجه.
(٤) باب غسل الميت وتكفينه
ــ
شعيب عن الزهري قال أنا عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن كعب بن مالك الأنصاري كان يحدث أن النبي ﷺ قال إلخ. والظاهر عندي أن الزهري سمع هذا الحديث من عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه كعب، كما قال مالك ومن معه، وسمع أيضاً من ابن أخيه عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن جده كعب بن مالك، كما قال صالح بن كيسان، ودعوى كون هذه الرواية منقطعة مخدوشة. قال الحافظ: وقع في جهاد صحيح البخاري تصريحه بالسماع من جده- انتهى. وبرواية مالك ومن معه يرد ما قال أحمد بن صالح إنه لم يسمع الزهري من عبد الرحمن ابن كعب شيئاً، إنما روى عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب. وأما تأويل رواية مالك ومن وافقه بأن عبد الرحمن المذكور فيها هو عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ونسب في رواية مالك إلى جده فبعيد جداً.
١٦٤٨- قوله: (وعن محمد بن المنكدر) ثقة فاضل من أوساط التابعين. قال المؤلف: من مشاهير التابعين جميع بين العلم والزهد العبادة مات سنة ثلاثين ومائة أو بعدها (دخلت على جابر بن عبد الله) بن حرام الأنصاري صحابي ابن صحابي غزا تسع عشرة غزوة (وهو يموت) أي في سياق الموت ونزعه (اقرأ على رسول الله ﷺ رواه ابن ماجه) في الجنائز قال في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات إلا أنه موقوف- انتهى. وروى البخاري في تأريخه من طريق أم سلمة بنت معقل عن جدتها خلدة بنت عبد الله بن أنس قال: جاءت أم البنين بنت أبي قتادة بعد موت أبيها بنصف شهر إلى عبد الله بن أنيس وهو مريض، فقالت يا عم: اقرأ أبي مني السلام. ذكره الحافظ في الإصابة في ترجمة عبد الله بن أنيس الجهني، وفي هذا وفي حديث محمد بن المنكدر وحديث عبد الرحمن بن كعب دليل على جواز إرسال السلام إلى الأموات، لكنها موقوفة ولم أجد حديثاً مرفوعاً صريحاً صحيحاً أو ضعيفاً يدل على ذلك.
(باب غسل الميت وتكفينه) أي بيان أحكامها وآدابها. واعلم أنه اختلف في حكم غسل الميت. فذهب الجمهور إلى أن فرض كفاية على الأحياء. واختلفت المالكية في ذلك، فقال بعضهم بالوجوب كالجمهور، وذهب بعضهم إلى أنه سنة على الكفاية، حكى ذلك الخلاف ابن رشد في البداية، والحافظ في الفتح، والدسوقي وغيرهم. قال الحافظ: قد نقل النووي الإجماع على أن غسل الميت فرض كفاية وهو ذهول شديد، فإن الخلاف مشهور عند الماليكة حتى أن القرطبي رجع في شرح مسلم أنه سنة. ولكن الجمهور على وجوبه، وقد رد ابن العربي على
стр. 2301
﴿الفصل الأول﴾
١٦٤٩- (١) عن أم عطية، قالت:
ــ
من لم يقل بذلك. وقد توارد به القول والعمل وغسل الطاهر المطهر فكيف بمن سواه- انتهى. واستدل للوجوب بقوله ﷺ في المحرم: اغسلوه، وبقوله في حديث أم عطية اغسلنها كما سيأتي. قلت: غسل الأموات ثابت في هذه الشريعة ثبوتاً قطعياً ولم يسمع في أيام النبوة أنه مات ميت غير شهيد فترك غسله، بل هذه الشريعة في غسل الأموات ثابتة من لدن أبينا آدم ﵊، فقد روى الحاكم في المستدرك (ج٢ص٥٤٥) من طريق ثابت البناني عن الحسن عن عتي بن ضمرة السعدي عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال: لما توفى آدم غسلته الملائكة بالماء وتراً وألحدوا له، وقالوا هذه سنة آدم في ولده. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (ج٥ص١٣٦) مطولاً من طريق حميد عن الحسن عن عتي عن أبي بن كعب موقوفاً عليه، ورواه البيهقي (ج٣ص٤٠٤) مرفوعا من طريق خارجة ابن مصعب (وهو متروك) عن يونس بن عبيد عن الحسن عن عتي عن أبي وموقوفاً من طريق هشيم عن يونس. واختلف في أن غسل الميت تعبد أو للنظافة، فالمشهور عند الجمهور أنه غسل تعبدي فيشترط فيه ما يشترط في بقية الأغسال الواجبة والمندوبة. وقال ابن شعبان وغيره من المالكية: إنه للتنظيف فيجزىء بالماء المضاف كماء الورد ونحوه وقال محمد بن شجاع البلخي: سبب وجوب الغسل هو الحدث، لأن الموت لا يخلو عن سابقة حدث لوجود استرخاء المفاصل وزوال العقل وهو القياس في الحي، لأن الإنسان لا ينجس لكرامته، وإنما اقتصر في الحي على الأعضاء للحرج لكثرة تكرر سبب الحدث، فلما لم يلزم سبب الحرج في الميت عاد الأصل، قال: وليس غسله للتطهير أي لإزالة نجاسة تحل بالموت، فإن الآدمي لا ينجس بالموت بتشرب الدم المسفوح في أجزاءه كرامة له؛ لأنه لو تنجس لما حكم بطهارته بالغسل كسائر الحيوانات التي حكم بنجاستها بالموت، وقد روى عن ابن عباس أنه قال: المسلم لا ينجس حياً ولا ميتاً. وقال عامة مشائح الحنفية: إن غسله للتطهير من النجاسة، قالوا إن بالموت يتنجس الميت لما فيه من الدم المسفوح كما يتنجس سائر الحيوانات التي لها دم مسفوح إلا أنه إذا غسل يحكم بطهارته كرامة له فكانت الكرامة عندهم في الحكم عندهم في الحكم بالطهارة عند وجود السبب المطهر في الجملة. والراجح عندنا أن غسله إنما هو للتعبد وأنه لا ينجس بالموت كما قال ابن عباس، والله اعلم.
١٦٤٩- قوله: (عن أم عطية) اسمها نسيبة بنت كعب الأنصارية وكانت تغسل الميتات، وقد شهدت غسل ابنة رسول الله ﷺ وحكت ذلك فأتقنت، وحديثها أصل في غسل الميت، ومدار حديثها على محمد وحفصة
стр. 2302
دخل علينا رسول الله ﷺ ونحن نغسل ابنته، فقال: اغسلنها ثلاثاً أو خمساً
ــ
ابني سيرين، وحفظت منها حفصة ما لم يحفظ محمد بن سيرين. قال ابن المنذر: ليس في أحاديث الغسل للميت أعلى من حديث أم عطية وعليه عول الأئمة (دخل علينا) أي معشر النسائي (ونحن نغسل ابنته) لم تقع في شيء من روايات البخاري ابنته هذه مسماه. والمشهور أنها زينب زوج أبي العاص بن الربيع والدة أمامة التي تقدم ذكرها في باب ما لا يجوز من العمل في الصلاة وما يباح منه، وزينب أكبر بنات النبي ﷺ ، وكانت وفاتها في أول سنة ثمان، وقد وردت مسماة في هذا عند مسلم من طريق عاصم الأحول عن حفصة عن أم عطية قالت: لما ماتت زينب بنت رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ : اغسلنها إلخ. وقيل: إنها أم كلثوم زوج عثمان، كما في ابن ماجه من رواية أبي بكر بن أبي شيبة عن عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أم عطية قالت: دخل علينا ونحن نغسل ابنته أم كلثوم. قال الحافظ: هذا الإسناد على شرط الشيخين، وكما وقع في المبهمات لابن بشكوال من طريق الأوزاعي عن محمد بن سيرين عن أم عطية قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم- الحديث، وكما وقع في الذرية الطاهرة للدولابي من طريق أبي الرجال عن عمرة أن أم عطية كانت ممن غسل أم كلثوم ابنة النبي ﷺ . قال الحافظ: فيمكن ترجيح ذلك لمجيئه من طرق متعددة وفيه أنه وقع في رواية للبخاري قول ابن سيرين: ولا أدري أي بناته، وهذا يدل على أن تسميتها في رواية ابن ماجه وابن بشكوال ممن دون ابن سيرين، وأن أيوب لم يسمع تسميتها من حفصة بنت سيرين ولا ينافي هذا تسمية الآخر لها بزينب، لأنه علم ما لم يعلمه أيوب، وقد صرح عاصم في روايته عن حفصة عند مسلم أنها زينب. وأما رواية الدولابي فلا يلزم منها أن تكون البنت في حديث الباب أم كلثوم، لأن أم عطية كانت غاسلة الميتات، كما جزم به ابن عبد البر، فيمكن أن تكون حضرت لهما جميعاً (اغسلنها) أمر لأم عطية ومن معها من النساء. قال ابن بزيزة: استدل به على وجوب غسل الميت. قال ابن دقيق العيد: لكن قوله ثلاثاً ليس للوجوب على المشهور من مذاهب العلماء، فيتوقف الاستدلال به على تجويز إرادة المعنيين المختلفين بلفظ واحد، لأن قوله ثلاثاً غير مستقل بنفسه، فلابد أن يكون داخلاً تحت صيغة الأمر فيراد بلفظ الأمر الوجوب بالنسبة إلى أصل الغسل والندب بالنسبة إلى الايتار- انتهى. فمن جوز ذلك كالشافعية جوز الاستدلال بهذا الأمر على الوجوب، ومن لم يجوزه حمل الأمر على الندب لهذه القرينة. واستدل على الوجوب بدليل آخر كما سبق (ثلاثاً أو خمساً) وفي رواية للنسائي اغسلنها وتراً ثلاثاً أو خمساً و"أو" هنا للترتيب لا للتخيير. قال النووي: المراد اغسلنها وتراً وليكن ثلاثاً فإن احتجن إلى زيادة فخمساً. وحاصله أن الايتار مطلوب والثلاث مستحبة، فإن حصل الانقاء بها لم يشرع ما فوقها، والأزيد وتراً حتى يحصل الانقاء، والواجب من ذلك مرة واحدة عامة للبدن- انتهى. وقال ابن العربي: في قوله: أو خمساً إشارة إلى أن المشروع هو الايتار، لأنه نقلهن
стр. 2303
أو أكثر من ذلك، إن رأيتن ذلك بماء وسدر،
ــ
من الثلاث إلى الخمس وسكت عن الأربع (أو أكثر من ذلك) أي من الخمس بكسر الكاف، لأنه خطاب للمؤنث. ويدل الحديث على أنه لا تحديد في غسل الميت، بل المطلوب التنظيف، لكن لابد من مراعاة الايتار، فقد وقع في رواية للشيخين كما سيأتي: ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً، وفي رواية لهما ولأبي داود والنسائي: أو سبعاً أو أكثر من ذلك، وهذا ظاهر في شرعية الزيادة على السبع إن احتيج إلى ذلك (إن رأيتن ذلك) بكسر الكاف خطاب لأم عطية، فإنها كانت رئيستهن فخصت بالخطاب وعممن في قوله رأيتن. قال الطيبي: رأيت من الرأي أي إن احتجتن إلى أكثر من ثلاث أو خمس للانقاء لا للتشهي فافعلنه. وفيه دليل على التفويض إلى اجتهاد الغاسل، ويكون ذلك بحسب الحاجة لا التشهي. قال ابن المنذر: إنما فوض الرأي إليهن بالشرط المذكور وهو الايتار (بماء وسدر) بكسر السين شجر النبق، والنبق حمله وثمره. والمراد في الحديث ورق السدر، قيل الحكمة فيه: أنه يقلع الأوساخ وينقى البشرة وينعمها ويشد العصب. قال ابن التين: قوله: بماء والسدر هو السنة في ذلك، والخطمي مثله، فإن عدم فما يقوم مقامه كالأشنان والنطرون. قال الزين: قوله: بماء وسدر متعلق بقوله اغسلنها، وظاهره أن السدر يخلط في كل مرة من مرات الغسل وهو مشعر بأن غسل الميت للتنظيف لا للتطهير، لأن الماء المضاف (أي الماء المقيد وهو الذي خالطه طاهر كالأشنان والصابون والزعفران والباقلاء فغير إحدى صفاته طعمه أو لونه أو ريحه وبقي رقيقاً كالماء المطلق) لا يتطهر به (أي عند الأئمة الثلاثة خلافاً للحنفية) . قال الحافظ: وقد يمنع كون الماء يصير مضافاً بذلك لاحتمال أن لا يغير السدر وصف الماء بأن يمعك (أي يدلك) بالسدر ثم يغسل بالماء في كل مرة، فإن لفظ الخبر لا يأبى ذلك وقال القرطبي: يجعل السدر في ماء ويخضخض إلى أن تخرج رغوته ويدلك به جسده، ثم يصب عليه الماء القراح فهذه غسله. وقيل. تطرح ورقات السدر في الماء أي لئلا يمازج الماء فيتغير وصفه المطلق. وحكى عن أحمد أنه أنكر ذلك، وقال يغسل في كل مرة بالماء والسدر. قال ابن قدامة: هذا المنصوص عن أحمد. قال صالح: قال أبي: الميت يغسل بماء وسدر ثلاث غسلات. قلت: فيبقى عليه فقال: أي شيء يكون هو أنقى له. وذكر عن عطاء أن ابن جريج قال له إنه يبقى عليه السدر إذا غسل به كل مرة، فقال عطاء هو طهور. قال ابن قدامة. قول أحمد هذا دال على أن تغيير الماء بالسدر لا يخرجه عن طهوريته. وقيل الغسلة الأولى تكون بالماء وحده وفي الثانية تكون بماء وسدر، لأن الغسل أولاً هو الفرض، فوجب أن يكون بالماء وحده وما بعد ذلك فإنما هو على وجه التنظيف والتطييب فلا يضره ما خالطه مما يزيد في تنظيفه. وقيل: يغسل أولاً بالماء والسدر ثم بالماء وحده، لأن فرض الغسل إنما يجب أن يكون بعد المبالغة في تنظيفه. وقيل غير ذلك ولا يخفى أن هذه التأويلات كلها مخالفة لظاهر قوله اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو أكثر من ذلك بماء وسدر
стр. 2304
واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور، فإذا فرغتن آذنني، فلما فرغنا آذناه، فألقى إلينا حقوه، فقال: أشعرنها إياه. وفي رواية: اغسلنها وتراً ثلاثا أو خمساً أو سبعاً، وأبدأن
ــ
في حديث أم عطية، وقوله: اغسلوه بماء وسدر في حديث ابن عباس الآتي في المحرم، وقوله: اغسليها بعد ذلك ثلاث مرات بماء وسدر في حديث أم سليم عند الطبراني، فالراجح عندنا هو أنه يغسل في كل مرة بماء وسدر بأن يغلي الماء بالسدر ثم يغسل به، وقد روي أبوداود بإسناد صحيح عن ابن سيرين أنه كان يأخذ الغسل عن أم عطية يغسل بالسدر مرتين والثالثة بالماء والكافور. وقال ابن الهمام: الأولى كون الأوليين بالسدر كما هو ظاهر كتاب الهداية لما في أبي داود عن ابن سيرين أنه كان يأخذ الغسل عن أم عطية يغسل بالسدر مرتين والثالث بالماء والكافور، وسنده صحيح- انتهى. (واجعلن في الآخرة) أي المرة الآخرة (كافوراً أو شيئاً من كافور) هو شك من الراوي أي اللفظتين قال. والأول محمول على الثاني، لأنه نكرة في سياق الإثبات، فيصدق بكل شئ منه. وجزم في رواية للبخاري باللفظ الأول. وظاهره أنه يجعل الكافور في الماء، ولا يضر الماء تغييره به. قيل: الحكمة في الكافور مع كونه يطيب رائحة الموضع لأجل من يحضر من الملائكة وغيرهم أنه فيه تجفيفاً وتبريداً وقوة نفوذ وخاصية في تصليب بدن الميت وطرد الهوام عنه وردع ما يتخلل من الفضلات ومنع إسراع الفساد إليه وهو أقوى الأرابيح الطيبة في ذلك، وهذا هو السر في جعله في الغسلة الأخيرة، إذ لو كان في الأولى مثلاً لأذهبه الماء، وإذا عدم الكافور قام غيره مقامه مما فيه هذه الخواص أو بعضها (فإذا فرغتن) من غسلها (آذنني) بمد الهمزة وكسر الذال المعجمة وفتح النون الأولى المشددة وكسر الثانية من الإيذان، وهو الأعلام، والنون الأول أصلية ساكنة، والثانية ضمير فاعل، وهي مفتوحة والثالثة للوقاية (فلما فرغنا) من غسلها (آذناه) بالمد أي أعلمناه بالفراغ (فألقى إلينا) وفي رواية: فأعطانا (حقوه) بفتح الحاء المهملة، ويجوز كسرها بعدها قاف ساكنة أي إزارة. والحقو في الأصل معقد الإزار فسمى به ما يشد على الحقو توسعاً للمجاورة (أشعرنها) بهمزة القطع أي زينب ابنته (إياه) أي الحقو أي اجعلنه شعارها. والشعار والثوب الذي يلي الجسد، لأنه يلى شعره يعني اجعلنه تحت الأكفان بحيث يلاقي بشرتها. والمراد إيصال البركة إليها والحكمة في تأخير الإزار إلى أن يفرغن من الغسل ولم يناولهن إياه أولاً ليكون قريب العهد من جسده الكريم حتى لا يكون بين انتقاله من جسده إلى جسدها فاصل، وهو أصل في التبرك بآثار الصالحين واختلف في صفة أشعارها إياه، فقيل: يجعل لها مئزراً. وقيل: تلف فيه، وهو الصواب. وفي الحديث جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل. وقد نقل ابن بطال الاتفاق على ذلك (وفي رواية) أي للشيخين (اغسلنها وتراً ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً) ظاهره أنه لا يزاد على السبع، لأنه نهاية ما ورد في عدد التطهير، لكن ورد في رواية أخرى للشيخين وغيرهما الإذن بالزيادة عند الحاجة كما تقدم (أبدأن)
стр. 2305
بميامنها ومواضع الوضوء منها، وقالت: فضفرنا شعرها ثلاثة قرون، فألقيناها خلفها)) متفق عليه.
ــ
يجمع المؤنث من بدأ يبدأ (بميامنها) جمع ميمنة أي بالأيمن من بدنها من اليد والجنب والرجل يعني ابدأن بغسل أعضاء اليمين منها قبل المياسر في الغسل والوضوء (ومواضع الوضوء منها) أي وابدأن بغسل مواضع الوضوء قبل باقي الأعضاء، قال الحافظ: ليس بين الأمرين تناف لإمكان البداءة بمواضع الوضوء وبالميامن معاً. وقال الزين بن المنير: ابدأن يميامنها أي في الغسلات التي لا وضوء فيها ومواضع الوضوء منها أي في الغسلة المتصلة بالوضوء. وفيه دليل على شرعية الوضوء للميت. وأصرح منه ما ورد في حديث أم سليم عند الطبراني: فإذا فرغت من غسل سفلتها غسلاً نقياً بماء وسدر فوضئيها وضوء الصلاة ثم اغسليها. قال العيني: وضوء الميت سنة كما في الاغتسال في حالة الحياة غير أنه لا يمضمض ولا يستنشق، لأنهما متعسران لتعذر إخراج الماء من الأنف والفم قال ابن قدامة في المغني: يوضأه وضوء الصلاة فيغسل كفيه ثم يأخذ خرقة خشنه، فيبلها ويجعلها على إصبعه فيمسح أسنانه وأنفه حتى ينظفهما ويكون ذلك في رفق ثم يغسل وجهه ويتم وضوءه، قال: ولا يدخل الماء فاه ولا منخريه في قول أكثر أهل العلم، كذلك قال سعيد بن جبير والنخعي والثوري وأبوحنيفة. وقال الشافعي: يمضمض ويستنشق كما يفعل الحي (وقالت) أم عطية في جملة حديثها (فضفرنا) بالضاد المعجمة وتخفيف الفاء من الضفر (شعرها) أي نسجنا شعر رأسها عريضاً. قال العيني: الضفر نسج الشعر عريضاً، وكذلك التضفير. وقال الطيبي: من الضفيرة وهي النسج، ومنه ضفر الشعر وإدخال بعضه في بعض (ثلاثة قرون) أي ضفائر جمع القرن وهو الخصلة من الشعر (فألقيناها) أي الضفائر (خلفها) أي وراء ظهرها. وفي رواية: ضفرنا شعرها ناصيتها وقرنيها أي اجعلنا ناصيتها ضفيرة وقرنيها أي جانبي رأسها ضفيرتين. والمراد بالقرون في رواية الكتاب الضفائر والذوائب. ووقع في رواية: مشطناها ثلاثة قرون أي سرحنا شعرها بالمشط ثم جعلناه ثلاث ضفائر. وفيه حجة للشافعي ومن وافقه على استحباب تسريح شعر الميت وجعله ثلاث ضفائر وإلقاءها خلف ظهره. وقال ابن القاسم: لا أعرف الضفر. وقال العيني من الحنفية: يجعل ضفيرتين على صدرها فوق الدرع. وقال بعضهم: يسدل شعرها بين ثديها من الجانبين جميعاً تحت الخمار ولا يسدل شعرها خلف ظهرها، قالوا: ليس في الحديث إشارة من النبي ﷺ إلى هذه الأمور، وإنما المذكور فيه الأخبار عن أم عطية عن فعلهن، وليس فيه أن النبي ﷺ علم بذلك. وأجيب بأن الأصل أن لا يفعل بالميت شيء من القرب إلا بإذن من الشارع محقق. وقال النووي: الظاهر إطلاعه ﷺ على ذلك وتقريره له- انتهى. وهو عجيب، ففي صحيح ابن حبان أن النبي ﷺ أمر بذلك. ولفظه: واجعلن لها ثلاثة قرون وترجم عليه ذكر البيان بأن أم عطية
стр. 2306
متفق عليه.
١٦٥٠- (٢) وعن عائشة، قالت: ((إن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب
ــ
إنما مشطت قرونها بأمر النبي ﷺ لا من تلقاء نفسها، وفي السنن لسعيد بن منصور: اغسلنها وتراً واجعلن شعرها ضفائر، وفي حديث أم سليم عن النبي ﷺ واضفرن شعرها ثلاثة قرون قصة وقرنين ولا تشبهنها بالرجال. وقد ظهر بهذا بطلان قول من قال من الحنفية بأن ضفرها ومشطها وإلقاءها خلف ظهرها من باب الزينة، وهذه ليست بحال الزينة. (متفق عليه) إلا قولها فألقيناها خلفها، فإنه للبخاري فقط. والحديث أخرجه أيضاً أحمد ومالك والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وابن أبي شيبة والبيهقي وغيرهم.
١٦٥٠- قوله: (إن رسول الله ﷺ كفن) بصيغة المجهول من التكفين. (في ثلاثة أثواب) في طبقات ابن سعد إزاراً ورداء ولفافة. وفيه رد على من قال: إن المشروع في كفن الرجل إلى سبعة ثياب. واستدل لذلك بما روى أحمد (ج١ص٩٤، ١٠٢) والبزار وابن سعد في طبقاته (ج٢ص٦٧) ، وابن عدي في الكامل، وابن حبان في الضعفاء من حديث علي بن أبي طالب: أن النبي ﷺ كفن في سبعة أثواب. وأجيب عنه بأن في سنده عندهم عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد وهم هو فيه. قال الحافظ في التلخيص (ص١٥٥) : هو سيء الحفظ لا يصلح حديثه للاحتجاج إذا خالف الثقات كما هنا، وقد خالف هو رواية نفسه، فإنه روى عن جابر أنه ﷺ كفن في ثوب نمرة. قال الحافظ: وروى الحاكم من حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر ما يعضد رواية عقيل عن ابن الحنفية بمعنى أنه ﷺ كفن في سبعة. قلت: ويعارضه ما روى ابن ماجه من طريق سليمان بن موسى عن نافع عن ابن عمر أنه كفن رسول الله ﷺ في ثلاث رياط بيض سحولية. قال في الزوائد: إسناده حسن. وقد قال الترمذي: تكفينه في ثلاثة أثواب أصح ما ورد في كفنه. وقال الحاكم: إنها تواترت الأخبار عن علي وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن مغفل وعائشة في تكفين النبي ﷺ في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة، ذكره الشوكاني في النيل. وقال في السيل الجرار: لم يرو في عدد الأكفان شيء يعتمد عليه إلا ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة، قال: ولم يثبت في تكفينه ﷺ ما يخالف هذا، وكل ما روي في ذلك فهو لا يصلح لمعارضة هذا مع كونه في نفسه غير صحيح لا يحل العمل به فضلاً عن أن يعارض ما في الصحيحين وغيرهما. وفيه أيضاً رد على المالكية حيث أن المرجح عندهم في كفن الرجل خمسة ثياب: إزار ولفافتان وقميص وعمامة، وعلى الشافعي حيث قال بجواز الخمسة من غير استحباب، واستدل لذلك بما روى سعيد بن منصور أنه كفن ابنه واقداً في خمسة أثواب: قميص وعمامة وثلاث لفائف، ولا يخفى أنه فعل صحابي، وقد خالف فيه ما روى هو وغيره من الصحابة في تكفين النبي ﷺ . وفيه أيضاً
стр. 2307
يمانية، بيض سحولية، من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة)) .
ــ
رد على من استحسن من المتأخرين من الحنفية زيادة العمامة للعالم، وقال بأربعة أثواب في كفنه، واحتج بفعل ابن عمر المذكور. ولا يخفى ما فيه، فالصواب هو عدم الزيادة على الثلاثة. قال ابن قدامة: وتكره الزيادة على ثلاثة أثواب في الكفن لما فيه من إضاعة المال. (يمانية) بالتخفيف، وأصله يمنية بالتشديد نسبة إلى اليمن، لكن قدمت إحدى اليائين ثم قلبت الفاء أو حذفت وعوض عنها بألف على خلاف القياس. وقال الشوكاني: يمانية بتخفيف الياء على اللغة الفصيحة المشهورة. وحكى سيبويه والجوهري وغيرهما لغة في تشديدها. ووجه الأول أن الألف بدل من ياء النسبة فلا يجتمعان، فيقال يمنية بالتخفيف، وكلاهما نسبة إلى اليمن. (بيض) بكسر الباء جمع أبيض، فيستحب الثياب البيض للكفن؛ لأن الله تعالى لم يكن ليختار لنبيه إلا الأفضل. وسيأتي حديث ابن عباس بلفظ: وكفنوا فيها. (أي في الثياب البيض) موتاكم. قال النووي: استحباب التكفين في البياض مجمع عليه. (سحولية) بضم السين والحاء المهملتين ولام، ويروي بفتح أوله نسبة إلى سحول قرية باليمن. وقال الأزهري: بالفتح المدينة، وبالضم الثياب. وقيل: النسبة إلى القرية بالضم. وأما بالفتح فنسبة إلى القصار؛ لأنه يسحل الثياب أي ينقيها، كذا في الفتح. وقال النووي بضم السين وفتحها وهو أشهر، وهو رواية الأكثرين قال في النهاية تبعاً للهروى: فالفتح منسوب إلى السحول وهو القصار؛ لأنه يسحلها أي يغسلها أو إلى سحول وهي قرية باليمن. وأما الضم فهو جمع سحل وهو الثوب الأبيض النقي، ولا يكون إلا من قطن، وفيه شذوذ؛ لأنه نسب إلى الجمع. وقيل: إن اسم القرية بالضم أيضا-انتهى. وفي الصحاح السحل الثوب الأبيض من الكرسف من ثياب اليمن، والجمع سحول وسحل مثل سقف، ثم ذكر هذا الحديث، ثم قال: ويقال سحول موضع باليمن وهي تنسب إليه. (من كرسف) بضم الكاف والسين بينهما راء ساكنة أي من قطن. ووقع في رواية للبيهقي: سحولية جدد. (ليس فيها قميص ولا عمامة) أي ليس موجوداً أصلاً، بل هي الثلاثة فقط. فالمقصود نفي وجودهما جملة. قال النووي: معناه لم يكفن في قميص ولا عمامة، وإنما كفن في ثلاثة أثواب غيرهما ولم يكن مع الثلاثة شيء آخر، هكذا فسره الشافعي وجمهور العلماء، وهو الصواب الذي يقتضيه ظاهر الحديث. وقيل: معناه لم يكن القميص والعمامة من جملة الثلاثة، بل كانا زائدين على الثلاثة فيكون ذلك خمسة، وهو تفسير مالك. قال العراقي: وهو خلاف الظاهر. قال السندي: بل يرده حديث أبي بكر: في كم كفن رسول الله ﷺ ؟ فقالت عائشة: في ثلاثة أثواب، فقال أبوبكر لثوب عليه كفنوني فيه مع ثوبين آخرين، وهو حديث صحيح. (أخرجه مالك والبخاري وغيرهما) . قال بعض الحنفية: سألها أبوبكر وإن تولى تكفينه علي والعباس وابنه الفضل؛ لأنها كانت في البيت شاهدت ذلك-انتهى. قلت: ويؤيد التفسير الأول ما رواه ابن سعد في طبقاته عن عائشة بلفظ: ليس في كفنه
стр. 2308
قميص ولا عمامة، والأفضل أن يكفن الرجل في ثلاث لفائف بيض ليس فيها قميص ولا عمامة ولا يزيد عليها، وإليه ذهب الجمهور. قال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العمل من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم وهو مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل، والمستحب عند الحنفية ثلاثة ثياب كالجمهور، لكن الثلاثة عند الحنفية: إزار. (من القرن إلى القدم. وقيل: من الحقو إلى القدم كإزار الحي) ، وقميص غير مخيط ولا مكفوف ولا مزرر بلا جيب ودخاريص وكمين (من الرقبة إلى القدمين، وقيل: إلى نصف الساق) ولفافة، وكان محمد بن سيرين يستحب أن يكون قميص الميت كقميص الحي مكففاً مزرراً. واستدل الحنفية على استحباب القميص بما في قصة عبد الله بن أبي أن النبي ﷺ أعطى ابنه قميصه ليكفنه فيه. وفيه أن غاية ما فيه أنه يدل على جواز التكفين في القميص ولا اختلاف فيه، وإنما الاختلاف في الأفضلية، وفعل ذلك النبي ﷺ تكرمة لابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي وإجابة لسؤاله حين سأله ذلك ليتبرك به أبوه. وقيل: إنما فعل ذلك جزاء لعبد الله بن أبي عن كسوته العباس قميصه يوم بدر، فيكون مختصاً بهذه القضية، على أن قميصه ﷺ هذا كان مخيطاً مكفوف الأطراف ذا الكمين والجيب، والمستحب عند الحنفية هو غير هذا كما تقدم. واستدلوا أيضاً بما روى النسائي والطحاوي والبيهقي (ج٤ص١٥- ١٦) في قصة الأعرابي من حديث شداد بن الهاد أن النبي ﷺ كفنه في جبته ﷺ . وفيه ما تقدم أنه إنما يدل على الجواز ولا اختلاف فيه، على أنه يخالف الحنفية من جهة أن المستحب عندهم إنما هو القميص الغير المخيط بلا كمين، والجبة المذكورة كانت مخيطة مكفوفة الأطراف ذات كمين واستدلوا أيضاً بما روى عن عبد الله بن مغفل أنه قال: إذا أنا مت فاجعلوا في غسلي كافوراً، وكفنوني في بردين وقميص، فإن النبي ﷺ فعل ذلك، أخرجه الحاكم (ج٣ص٥٧٨) والطبراني في الكبير، وابن سعد في طبقاته (ج٢ص٦٨) ، وبما روى البزار وابن عدي في الكامل عن جابر بن سمرة أن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيض قميص وإزار ولفافة، وبما روى أحمد وأبوداود وابن ماجه والبيهقي وابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب نجرانية: الحلة ثوبان وقميصه الذي توفي فيه، وبما روى محمد بن الحسن في كتاب الآثار، وابن سعد في طبقاته عن إبراهيم أن النبي ﷺ كفن في حلة يمانية وقميص، وأخرجه ابن سعد أيضاً وعبد الرزاق عن الحسن نحوه، وبما روى الطبراني في الأوسط عن أنس أن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب أحدها قميص. قال الهيثمي: إسناده حسن، وبما روى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو قال: يكفن الميت في ثلاثة أثواب قميص وإزار ولفافة. وأجيب بأن هذه الأحاديث لا تنتهض لمعارضة حديث عائشة الثابت في الصحيحين وغيرهما؛ لأنها كلها مدخولة، أما حديث ابن مغفل ففيه صدقة بن موسى. قال الحافظ:
стр. 2309
صدوق، له أوهام. قلت: وضعفه ابن معين وأبوداود والنسائي والدولابي والساجي. وقال أبوأحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال الترمذي: ليس عندهم بذاك القوي. وقال البزار: ليس بالحافظ عندهم، وقال في موضع آخر: ليس به بأس. وأما حديث جابر بن سمرة فقد تفرد به ناصح بن عبد الله المحلمي، وهو منكر الحديث قاله البخاري غيره. وأما حديث ابن عباس ففيه يزيد بن أبي زياد وقد تغير، وهذا من ضعيف حديثه. قال النووي: هذا الحديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به؛ لأن يزيد بن أبي زياد مجمع على ضعفه، سيما وقد خالف روايته رواية الثقات. وقال السندي: ولا يخفى أن التكفين في القميص الذي مات فيه وغسل فيه مستبعد عادة أيضاً لكونه يبل الأكفان. وقال ابن الهمام: قد ذكروا أنه ﵊ غسل في قميصه الذي توفي فيه فكيف يلبسونه الأكفان فوقه وفيه بللها-انتهى. على أنه يخالف الحنفية؛ لأن قميصه الذي توفي فيه كان مخيطاً مكفوف الأطراف ذا الجيب والدخاريص والكمين؛ لأنه هو المعتاد في قميص الحي. وهذا خلاف الحنفية، ولذا أول بعضهم حديث عائشة بأن المراد فيه نفي القميص ذي الكمين والدخاريص لا نفي القميص مطلقاً، قالوا: لو كفن أحد في قميصه قطع جيبه ولبته وكماه. وأما حديث إبراهيم النخعي فمرسل، وكذا حديث الحسن، المرسل ليس بحجة على الصحيح خصوصاً في مقابلة الحديث الصحيح. وأما حديث أنس ففي كونه حسناً قابلاً للاحتجاج نظر، فإن صحة الإسناد أو حسنه لا يستلزم صحة الحديث أو حسنه كما تقرر في مقره. وحديث أنس هذا وإن حسن الهيثمي إسناده فهو شاذ لكونه مخالفاً لحديث عائشة الصحيح المخرج في الصحيحين وغيرهما. على أنه لا يطمئن القلب بتحسين الهيثمي، فإن له أوهاماً في كتابه، وقد تتبع الحافظ أوهامه فيه فبلغه فعاتبه فترك التتبع. وأما أثر عبد الله بن عمرو فهو من قوله ورأيه، وقد خالف به ما اختاره الله لنبيه ﷺ . هذا، وقد تأول بعض الحنفية حديث عائشة بأن معناه ليس فيها قميص أي جديد. وقيل: ليس فيها القميص الذي غسل فيها. وقيل: معناه ليس فيها قميص مخيط مكفوف الأطراف ذو الكمين والدخاريص، فإن قميص الكفن ليس له دخاريص ولا كمان حتى لو كفن في قميصه قطع جيبه ولبته وكماه، قاله الكبيري من الحنفية. وحاصل هذا أن محمل رواية عائشة نفي القميص المخيط مع الكمين، ومحمل الروايات المتقدمة المثبتة أن الثوب الواحد من الثلاثة كان على هيئة القميص. قلت: تفسير الشافعي ومن وافقه هو الظاهر وما عداه تعسف لا يخفى عسفه على المنصف، وإنما ارتكبه من ارتكبه تمشية للمذهب فلا يلتفت إليه. وأما الجمع فإنما يصار إليه عند المعارضة والمعادلة، ولا يعادل حديث الصحيحين أحاديث غيرهما، فالعمل على حديث عائشة هو الأولى. قال ابن قدامة: هو أصح حديث روي في كفن رسول الله ﷺ ، وعائشة أقرب إلى النبي ﷺ وأعرف
стр. 2310
متفق عليه.
١٦٥١- (٣) وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أكفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه)) رواه مسلم.
١٦٥٢- (٤) وعن عبد الله بن عباس، قال: ((إن رجلاً كان مع النبي ﷺ
ــ
بأحواله، ولهذا لما ذكر لها قول الناس: إن النبي ﷺ كفن في برد، قالت: قد أتى بالبرد، ولكنهم لم يكفنوه فيه، فحفظت ما أغفله غيرها، وقالت أيضاً: أدرج النبي ﷺ في حلة يمنيه كانت لعبد الله بن أبي بكر ثم نزعت عنه فرفع عبد الله بن أبي بكر الحلة، وقال: أكفن فيها، ثم قال: لم يكفن فيها رسول الله ﷺ وأكفن فيها! فتصدق بها، رواه مسلم. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد، ومالك، والترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه وابن أبي شيبة والبيهقي وغيرهم.
١٦٥١- قوله: (إذا كفن) بتشديد الفاء. (أحدكم أخاه) وفي رواية النسائي: إذا ولي أحدكم أخاه بفتح الواو وكسر اللام المخففة من الولاية أي تولى أمر تجهيزه وتكفينه. (فليحسن) بضم الياء وفتح الحاء وتشديد السين المهملة المكسورة. وقيل: بإسكان الحاء وتخفيف السين. قال النووي: كلاهما صحيح. (كفنه) قيل بسكون الفاء مصدر أي تكفينه فيشمل الثوب وهيئته وعمله، والمعروف الفتح. قال النووي في شرح المهذب: هو الصحيح، والمراد بتحسين الكفن بياضه ونظافته ونقاءه وسبوغه وكثافتة (أي كونه صفيقاً) وستره وتوسطه، وكونه من جنس لباسه في الحياة لا أفخر منه ولا أحقر، وليس المراد بإحسانه السرف فيه والمغالاة (أي كونه غالي الثمن) ونفاسته لحديث علي الآتي: لا تغالوا في الكفن، فإنه يسلب سلباً سريعاً. قال التوربشتي: معنى الحديث أن يختار لأخيه المسلم من الثياب أتمها وأنظفها وأنصعها لوناً على ما ورد به السنة، ولم يرد بالتحسين ما يؤثره المبذرون أشراً ورياء وسمعة من الثياب الرفيعة، فإن ذلك منهي عنه بأصل الشرع، وهو النهي عن إضاعة المال، ثم ذكر حديث علي، ثم قال: وفي حديث جابر هذا زيادة مبينة للمعنى الذي ذكرناه ولم يذكره في المصابيح، وقد ذكر مسلم الحديث بتمامه، وهو أن النبي ﷺ خطب يوماً فذكر رجلاً من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل. (أي غير جيد يعني حقير غير كامل) وقبر ليلاً فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل ليلاً حتى يصلى عليه إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك. وقال النبي ﷺ : إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي والبيهقي (ج٣ص٤٠٣) والحاكم (ج١ص٣٦٩) أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي قتادة.
١٦٥٢- قوله: (إن رجلاً) قال الحافظ: لم أقف على تسميته. (كان مع النبي ﷺ ) أي بعرفة عند
стр. 2311
فوقصته ناقته وهو محرم فمات، فقال رسول الله صلى اله عليه وسلم: اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً)) .
ــ
الصخرات راكباً على ناقته فوقع عنها. (فوقصته) بفتح الواو بعدها قاف ثم صاد مهملة. (ناقته) أي كسرت عنقه قال في النهاية: الوقص كسر العنق وقَصَت عنقه اقِصُها وقْصَاً ووقَصَت به راحلته كقولك: خذ الخِطامَ وبالخطام ولا يقال وقصت العنق نفسها ولكن يقال وقص الرجل فهو موقوص-انتهى. قال الكرماني: إن كان الكسر حصل بسبب الوقوع فإسناد الوقص إلى الناقة مجاز، وإن حصل من الناقة بأن أصابته بعد أن وقع فحقيقة. (اغسلوه بماء وسدر) فيه دليل على وجوب غسل الميت. وفيه إباحة غسل المحرم الحي بالسدر خلافاً لمن كرهه له، قاله ابن المنذر. (وكفنوه في ثوبيه) أي إزاره وردائه اللذين لبسهما في الإحرام، وفيه أن الوتر ليس بشرط في الصحة، وأن الثلاث في حديث عائشة المتقدم ليست واجبة، وإنما هي مستحبة، وهو قول الجمهور. وأما الواحد الساتر لجميع البدن فلا بد منه بالاتفاق. وقيل: يحتمل اقتصاره له على التكفين في ثوبيه لكونه مات فيهما وهو متلبس بتلك العبادة الفاضلة. ويحتمل أنه لم يجد غيرهما. وفيه أن الكفن من رأس المال؛ لأنه ﷺ أمر به ولم يستفصل هل عليه دين مستغرق أم لا؟ وفيه استحباب تكفين المحرم في ثياب إحرامه، وأنه لا يكفن في المخيط. وفيه التكفين في الثياب الملبوسة وهو مجمع عليه. (ولا تمسوه بطيب) بضم المثناة الفوقية وكسر الميم من الإمساس. وقيل بفتح التاء والميم من المس. وفي رواية: لا تحنطوه. (ولا تخمروا) بالتشديد أي لا تغطوا ولا تستروا. (رأسه) في النهي عن تخمير الرأس دليل على بقاء حكم الإحرام، وكذا في المنع عن التحنيط. وأصرح من ذلك التعليل بقوله: (فإنه يبعث) أي يحشر (يوم القيامة ملبياً) أي بصفة الملبين بنسكه الذي مات فيه من الحج قائلاً: لبيك اللهم لبيك. وفي رواية النسائي: فإنه يبعث يوم القيامة محرماً. والحديث دليل لما ذهب إليه الشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وعطاء أن المحرم إذا مات يبقى في حقه حكم الإحرام فلا يغطى رأسه ولا يحنط ويكفن في ثوبي الإحرام. وخالف في ذلك مالك وأبوحنيفة. قال ابن دقيق العبد: وهو مقتضى القياس لانقطاع العبادة بزوال محل التكليف وهو الحياة، لكن اتبع الشافعي الحديث، وهو مقدم على القياس. قلت: استدل الحنفية والمالكية بما رواه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً: إذا مات ابن آدم انقطع عمله. وأجيب بأن تكفينه في ثوبي إحرامه وتبقيته على هيئة إحرامه من عمل الحي بعده كغسله والصلاة عليه، فلا معنى لما ذكروه. وأجاب الحنفية والمالكية عن حديث ابن عباس بأن النبي ﷺ لعله عرف بالوحي بقاء إحرامه بعد موته فهو خاص بذلك الرجل، وبأنه واقعة حال لا عموم لها، وبأنه علل بقوله: فإنه يبعث ملبياً، وهذا الأمر لا يتحقق في غيره وجوده، فيكون خاصاً به. قال الشيخ
стр. 2312
متفق عليه. وسنذكر حديث خباب: قتل
ــ
عبد الحي اللكنوي في التعليق الممجد بعد ذكر هذه الأجوبة ما لفظه: ولا يخفى على المنصف أن هذا كله تعسف، فإن البعث ملبياً ليس بخاص به بل هو عام في كل محرم حيث ورد: يبعث كل عبد على ما مات عليه، أخرجه مسلم، وورد من مات على مرتبة من هذه المراتب بعث عليها يوم القيامة، أخرجه الحاكم. وورد أن المؤذن يبعث وهو يؤذن والملبي يبعث وهو يلبي، أخرجه الأصبهاني في الترغيب والترهيب. وورد غير ذلك مما يدل عليه أيضاً كما بسطه السيوطي في البدور السافرة، فهذا التعليل لا دلالة له على الاختصاص، وإنما علل به لأنه لما حكم بعدم التخمير المخالف لسنن الموتى نبه على حكمة فيه وهو أنه يبعث ملبياً، فينبغي إبقاءه على صورة الملبين، واحتمال الاختصاص بالوحي مجرد احتمال لا يسمع، وكونه واقعة حال لا عموم لها إنما يصح إذا لم يكن فيه تعليل. وأما إذا وجد وهو عام فيكون الحكم عاماً. والجواب عن أثر ابن عمر يعني الذي رواه محمد بن مالك عن نافع أن ابن عمر كفن ابنه واقد بن عبد الله وقد مات محرماً بالجحفة وخمر رأسه أنه يحتمل أنه لم يبلغه الحديث، ويحتمل أن يكون بلغه وحمله على الأولوية، وجوز التخمير. ولعل هذا هو الذي لا يتجاوز الحق عنه-انتهى كلام الشيخ اللكنوي. وقال الحافظ في الفتح: قال أبوالحسن بن القصار: لو أريد تعميم هذا الحكم في كل محرم لقال: فإن المحرم كما جاء أن الشهيد يبعث وجرحه يثعب دماً. وأجيب بأن الحديث ظاهر في أن العلة في الأمر المذكور كونه كان في النسك، وهي عامة في كل محرم. والأصل أن كل ما ثبت لواحد في زمن النبي ﷺ ثبت لغيره حتى يتضح التخصيص. قال الحافظ: وأورد بعضهم أنه لو كان إحرامه باقياً لوجب أن يكمل به المناسك ولا قائل به. وأجيب بأن ذلك ورد على خلاف الأصل فيقتصر به على مورد النص، ولا سيما وقد وضح أن الحكمة في ذلك استبقاء شعار الإحرام كاستبقاء دم الشهيد-انتهى. وفي الحديث أن الإحرام يتعلق بالرأس، وأن من شرع في عمل طاعة ثم حال بينه وبيت إتمامه الموت رجي له أن الله يكتبه في الآخرة من أهل ذلك العمل. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الجنائز والحج، ومسلم في الحج، وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي في الحج، وأبوداود والنسائي في الجنائز، وابن ماجه في الحج والبيهقي (ج٣ص٣٩٠) قال ابن الهمام عند قول صاحب الهداية: "والإزار من القرن إلى القدم واللفافة كذلك" لا إشكال أن اللفافة من القرن إلى القدم، وأما كون الإزار كذلك فلا أعلم وجه مخالفة إزار الميت إزار الحي من السنة. وقد قال ﵊ في ذلك المحرم: كفنوه في ثوبيه وهما إزاره ورداءه، ومعلوم أن إزاره من الحقو، وكذا حديث ليلى بنت قانف قالت: كنت فيمن يغسل أم كلثوم بنت النبي ﷺ فكان أول ما أعطانا الحقاء ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم أدرجت بعد في الثوب الآخر. رواه أبوداود، وروى حقوه في حديث غسل زينب، وهذا ظاهر في أن إزار الميت كإزار الحي من الحقو فيجب كونه في المذكر كذلك لعدم الفرق في هذا-انتهى. (وسنذكر حديث خباب) بالتشديد. (قتل) قال الطيبي: مجهول حكاية ما في
стр. 2313
مصعب بن عمير في "باب جامع المناقب" إن شاء الله تعالى.
﴿الفصل الثاني﴾
١٦٥٣- (٥) عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألبسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم، ومن خير أكحالكم الإثمد،
ــ
الحديث بدل من قوله حديث خباب أي سنذكر هذا اللفظ وهو قتل. (مصعب بن عمير) أي إلى آخره. (في باب جامع المناقب) . قال القاري: هذا اعتذار قولي واعتراض فعلي على صاحب المصابيح زعماً من المؤلف أن حديث خباب أليق بذلك الباب مع أنه ليس كذلك. وها أنا أذكر الحديث على ما في الكتاب. قال خباب بن الأرت: قتل مصعب بن عمير يوم أحد فلم نجد شيئاً نكفنه فيه إلا نمرة، وهي بفتح النون وكسر الميم شملة مخططة بخطوط بيض في سود، كنا إذا غطينا أي سترنا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطينا بها رجليه خرج رأسه، فقال ﵊: ضعوها مما يلي أي يقرب رأسه، واجعلوا على رجليه الإذخر-انتهى. وهذا كحديثه عن حمزة في ما تقدم وهما دليلان على أن كفن الضرورة ثوب واحد، وعلى أن ستر جميع الميت واجب-انتهى. قلت: حديث خباب هذا قد أورده مخرجوه في الجنائز إلا الترمذي، فإنه أورده في المناقب، وقد تبعه المؤلف. ولا شك أنه أليق بالجنائز. وأورده البخاري في الهجرة والمغازي والرقاق أيضاً، وقد استدل به على أنه إذا ضاق الكفن عن ستر جميع البدن ولم يوجد غيره جعل مما يلي الرأس وجعل النقص مما يلي الرجلين.
١٦٥٣- قوله: (ألبسوا) بفتح الباء. (من ثيابكم) من تبعيضية أو بيانية مقدمة. (البياض) أي ذات البياض. وفي رواية لأحمد: البيض بكسر الباء جمع الأبيض، فلا تجوز، وكذا وقع عند أبي داود والبيهقي. (فإنها) أي الثياب البيض. (من خير ثيابكم) لدلالتها غالباً على التواضع وعدم الكبر والعجب والخيلاء ولكونها أطهر وأطيب. (وكفنوا فيها موتاكم) عطف على ألبسوا أي ألبسوها في حياتكم وكفنوا فيها موتاكم. والحديث يدل على استحباب لبس البيض من الثياب وتكفين الموتى فيها. قال الشوكاني: الأمر في الحديث ليس للوجوب بل للندب، أما في اللباس فلما ثبت عنه ﷺ من لبس غيره، وإلباس جماعة من الصحابة ثياباً غير بيض، وتقريره لجماعة منهم على غير لبس البياض. وأما في الكفن فلما ثبت عند أبي داود، قال الحافظ بإسناد حسن من حديث جابر مرفوعاً: إذا توفى أحدكم فوجد شيئاً فليكفن في ثوب حبرة. (ومن خير أكحالكم) بفتح الهمزة جمع الكحل. (الإثمد) بكسر الهمزة والميم بينهما مثلثة وساكنة، وحكي فيه ضم الهمزة، حجر معروف
стр. 2314
فإنه ينبت الشعر ويجلو البصر)) . رواه أبوداود، والترمذي، وروى ابن ماجه إلى موتاكم.
١٦٥٤- (٦) وعن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تغالوا في الكفن
ــ
أسود يضرب إلى الحمرة يكون في بلاد الحجاز وأجوده يؤتي به من أصبهان. واختلف هل هو اسم الحجر الذي يتخذ منه الكحل أو هو نفس الكحل؟ ذكره ابن سيدة وأشار إليه الجوهري، كذا في الفتح. وقال التوربشتي: هو الحجر المعدني. وقيل: هو الكحل الأصفهاني ينشف الدمعة والقروح ويحفظ صحة العين، ويقوي غصنها لا سيما للشيوخ والصبيان. (فإنه ينبت) بضم الياء وكسر الباء. (الشعر) بفتح العين، ويجوز إسكانها أي شعر الهدب، وهو بالفارسية مزه، وهو الذي ينبت على أشفار العين. (ويجلو البصر) من الجلاء أي يحسن النظر ويزيد نور العين، وينظف الباصرة بدفعه المواد الرديئة النازلة إليها من الرأس. قال القاري: والأفضل عند النوم إتباعاً له ﷺ ، ولأنه أشد تأثيراً وأقوى سرياناً حينئذٍ-انتهى. قلت: لفظ أحمد في رواية: خير أكحالكم الإثمد عند النوم ينبت الشعر ويجلو البصر. (رواه أبوداود) في اللباس أي بتمامه، وسكت عنه (والترمذي) في الجنائز إلى قوله: موتاكم، وصحه، ونقل المنذري تصحيحه وأقره. (وروى ابن ماجه) في الجنائز واللباس (إلى موتاكم) فيه أن الترمذي أيضاً رواه إلى قوله: موتاكم، فلا وجه لتخصيص المصنف ابن ماجه بكونه رواه مختصراً، نعم روى الترمذي في اللباس من طريق آخر عن ابن عباس مرفوعاً: اكتحلوا بالإثمد وأنه يجلو البصر وينبت الشعر. قال الترمذي: حديث حسن، وحديث الباب أخرجه أحمد مطولاً (ج١ص٢٤٧، ٢٧٤، ٣٢٨، ٣٥٥، ٣٦٣) ومقتصراً على ذكر الإثمد (ج١ص٢٣١) وأخرجه أيضاً البيهقي مطولاً (ج٣ص٢٤٥) والحاكم نحو رواية ابن ماجه (ص٣٥٤) وصححه وأقره الذهبي، ونسبة الحافظ في التلخيص (ص١٣٨) للشافعي وابن حبان أيضاً، والسيوطي في الجامع الصغير للطبراني. وقال الحافظ: صححه ابن القطان، وفي الباب عن سمرة عند الترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم، وسيأتي في اللباس، وعن عمران بن حصين عند الطبراني، وعن أنس عند أبي حاتم في العلل، والبزار في مسنده، وعن ابن عمر عند ابن عدي في الكامل، وعن أبي الدرداء عند ابن ماجه يرفعه: أحسن ما زرتم الله به في قبوركم ومساجدكم البياض.
١٦٥٤- قوله: (لا تغالوا) بفتح التاء واللام أي لا تتغالوا، فحذفت إحدى التائين تخفيفاً، وقد يروى بضم التاء واللام من المغالاة، وهو إكثار الثمن أي لا تبالغوا ولا تجاوزوا الحد. (في الكفن) أي في كثرة قيمته قال ابن الأثير الجزري: أصل الغلاء الارتفاع ومجاوزة القدر في كل شيء غاليت الشيء وبالشيء وغلوت فيه أغلو إذا جاوزت فيه الحد-انتهى. ويقال: غالى في الأمر أي بالغ فيه، وغالى بالشيء أي اشتراه بثمن غالٍ.
стр. 2315
فإنه يسلب سلباً سريعاً)) رواه أبوداود.
١٦٥٥- (٧) وعن أبي سعيد الخدري، أنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد، فلبسها، ثم قال: سمعت
رسول الله ﷺ يقول: ((الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها)) .
ــ
وفي الحديث أن الحد الوسط في الكفن هو المستحب المستحسن. (فإنه) أي الكفن. (يسلب) على بناء المفعول أي يبلى. (سلباً سريعاً) أي بلياً سريعاً، ففي مغالاة الكفن إضاعة المال. قال الطيبي: استعير السلب لبلى الثوب مبالغة في السرعة-انتهى. وقال المناوي: كأنه قال لا تشتروا الكفن بثمن غال فإنه يبلى بسرعة، ووقع في بعض النسخ من أبي داود: فإنه يسلبه بذكر ضمير المفعول، وهكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج١١ص٤١٥) وهو بصيغة المجهول، قيل نائب الفاعل ضمير الميت، والضمير المنصوب للكفن، وقيل الأول للكفن والثاني للميت أي أن الكفن يسلب عن الميت. (رواه أبوداود) من رواه الشعبي عن علي، وأخرجه أيضاً البيهقي (ص٤٠٣) من طريق أبي داود، وقد سكت عنه أبوداود، ونقل القاري عن ميرك: أنه قال حسنه النووي والمنذري، قاله ابن الملقن. وقال الحافظ في التلخيص: في إسناده عمرو بن هاشم أبومالك الجنبي مختلف فيه، وفيه انقطاع بين الشعبي وعلي؛ لأنه قال الدارقطني أنه لم يسمع منه سوى حديث واحد-انتهى. وقال المنذري: في إسناده عمرو بن هاشم، وفيه مقال، وذكر ابن أبي حاتم، وأبوأحمد الكرابيسي: أن الشعبي رأى علي بن أبي طالب، وذكر أبوعلي الخطيب أنه سمع منه، وروى عنه عدة أحاديث-انتهى.
١٦٥٥- قوله: (جدد) بضمتين جمع جديد. (فلبسها) بكسر الباء. (ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها) قال في اللمعات: ظاهرة أن أبا سعيد إنما لبس ثياباً جدداً امتثالاً لظاهر هذا الحديث بأن المراد ظاهره، وهو أن البعث يكون في الثياب، واستشكل ذلك بأنه قد ورد في الحديث الصحيح: يحشر الناس حفاة عراة، فأجاب بعضهم بأن البعث غير الحشر، وكأنه أراد أن البعث هو إخراج الموتى من القبر، والحشر نشرهم في عرصات القيامة، فيحتمل أن يكون البعث في الثياب والحشر عراة، يعني يخرجون من القبور بثيابهم ثم تتناثر وتتساقط في المحشر، وهذا الكلام بعيد في غاية البعد. وقال المحققون من أهل الحديث: أن الثياب في قوله ﷺ : الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها، كناية عن الأعمال التي يموت عليها، وقد ورد: يبعث العبد على ما مات عليه من عمل صالح أو سيء، والعرب يكنى بالثياب عن الأعمال لملابسة الرجل بها ملابسة الثياب، وقيل في قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ [المدثر:٤] أي أعمالك فأصلح-انتهى. وقال الهروي: ليس قول من ذهب به إلى الأكفان بشيء؛ لأن الإنسان إنما يكفن بعد موته. وقال الحافظ في التلخيص:
следующие страницы →