← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

فوقصته ناقته وهو محرم فمات، فقال رسول الله صلى اله عليه وسلم: اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً)) . ــ الصخرات راكباً على ناقته فوقع عنها. (فوقصته) بفتح الواو بعدها قاف ثم صاد مهملة. (ناقته) أي كسرت عنقه قال في النهاية: الوقص كسر العنق وقَصَت عنقه اقِصُها وقْصَاً ووقَصَت به راحلته كقولك: خذ الخِطامَ وبالخطام ولا يقال وقصت العنق نفسها ولكن يقال وقص الرجل فهو موقوص-انتهى. قال الكرماني: إن كان الكسر حصل بسبب الوقوع فإسناد الوقص إلى الناقة مجاز، وإن حصل من الناقة بأن أصابته بعد أن وقع فحقيقة. (اغسلوه بماء وسدر) فيه دليل على وجوب غسل الميت. وفيه إباحة غسل المحرم الحي بالسدر خلافاً لمن كرهه له، قاله ابن المنذر. (وكفنوه في ثوبيه) أي إزاره وردائه اللذين لبسهما في الإحرام، وفيه أن الوتر ليس بشرط في الصحة، وأن الثلاث في حديث عائشة المتقدم ليست واجبة، وإنما هي مستحبة، وهو قول الجمهور. وأما الواحد الساتر لجميع البدن فلا بد منه بالاتفاق. وقيل: يحتمل اقتصاره له على التكفين في ثوبيه لكونه مات فيهما وهو متلبس بتلك العبادة الفاضلة. ويحتمل أنه لم يجد غيرهما. وفيه أن الكفن من رأس المال؛ لأنه ﷺ أمر به ولم يستفصل هل عليه دين مستغرق أم لا؟ وفيه استحباب تكفين المحرم في ثياب إحرامه، وأنه لا يكفن في المخيط. وفيه التكفين في الثياب الملبوسة وهو مجمع عليه. (ولا تمسوه بطيب) بضم المثناة الفوقية وكسر الميم من الإمساس. وقيل بفتح التاء والميم من المس. وفي رواية: لا تحنطوه. (ولا تخمروا) بالتشديد أي لا تغطوا ولا تستروا. (رأسه) في النهي عن تخمير الرأس دليل على بقاء حكم الإحرام، وكذا في المنع عن التحنيط. وأصرح من ذلك التعليل بقوله: (فإنه يبعث) أي يحشر (يوم القيامة ملبياً) أي بصفة الملبين بنسكه الذي مات فيه من الحج قائلاً: لبيك اللهم لبيك. وفي رواية النسائي: فإنه يبعث يوم القيامة محرماً. والحديث دليل لما ذهب إليه الشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وعطاء أن المحرم إذا مات يبقى في حقه حكم الإحرام فلا يغطى رأسه ولا يحنط ويكفن في ثوبي الإحرام. وخالف في ذلك مالك وأبوحنيفة. قال ابن دقيق العبد: وهو مقتضى القياس لانقطاع العبادة بزوال محل التكليف وهو الحياة، لكن اتبع الشافعي الحديث، وهو مقدم على القياس. قلت: استدل الحنفية والمالكية بما رواه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً: إذا مات ابن آدم انقطع عمله. وأجيب بأن تكفينه في ثوبي إحرامه وتبقيته على هيئة إحرامه من عمل الحي بعده كغسله والصلاة عليه، فلا معنى لما ذكروه. وأجاب الحنفية والمالكية عن حديث ابن عباس بأن النبي ﷺ لعله عرف بالوحي بقاء إحرامه بعد موته فهو خاص بذلك الرجل، وبأنه واقعة حال لا عموم لها، وبأنه علل بقوله: فإنه يبعث ملبياً، وهذا الأمر لا يتحقق في غيره وجوده، فيكون خاصاً به. قال الشيخ

стр. 2312

متفق عليه. وسنذكر حديث خباب: قتل ــ عبد الحي اللكنوي في التعليق الممجد بعد ذكر هذه الأجوبة ما لفظه: ولا يخفى على المنصف أن هذا كله تعسف، فإن البعث ملبياً ليس بخاص به بل هو عام في كل محرم حيث ورد: يبعث كل عبد على ما مات عليه، أخرجه مسلم، وورد من مات على مرتبة من هذه المراتب بعث عليها يوم القيامة، أخرجه الحاكم. وورد أن المؤذن يبعث وهو يؤذن والملبي يبعث وهو يلبي، أخرجه الأصبهاني في الترغيب والترهيب. وورد غير ذلك مما يدل عليه أيضاً كما بسطه السيوطي في البدور السافرة، فهذا التعليل لا دلالة له على الاختصاص، وإنما علل به لأنه لما حكم بعدم التخمير المخالف لسنن الموتى نبه على حكمة فيه وهو أنه يبعث ملبياً، فينبغي إبقاءه على صورة الملبين، واحتمال الاختصاص بالوحي مجرد احتمال لا يسمع، وكونه واقعة حال لا عموم لها إنما يصح إذا لم يكن فيه تعليل. وأما إذا وجد وهو عام فيكون الحكم عاماً. والجواب عن أثر ابن عمر يعني الذي رواه محمد بن مالك عن نافع أن ابن عمر كفن ابنه واقد بن عبد الله وقد مات محرماً بالجحفة وخمر رأسه أنه يحتمل أنه لم يبلغه الحديث، ويحتمل أن يكون بلغه وحمله على الأولوية، وجوز التخمير. ولعل هذا هو الذي لا يتجاوز الحق عنه-انتهى كلام الشيخ اللكنوي. وقال الحافظ في الفتح: قال أبوالحسن بن القصار: لو أريد تعميم هذا الحكم في كل محرم لقال: فإن المحرم كما جاء أن الشهيد يبعث وجرحه يثعب دماً. وأجيب بأن الحديث ظاهر في أن العلة في الأمر المذكور كونه كان في النسك، وهي عامة في كل محرم. والأصل أن كل ما ثبت لواحد في زمن النبي ﷺ ثبت لغيره حتى يتضح التخصيص. قال الحافظ: وأورد بعضهم أنه لو كان إحرامه باقياً لوجب أن يكمل به المناسك ولا قائل به. وأجيب بأن ذلك ورد على خلاف الأصل فيقتصر به على مورد النص، ولا سيما وقد وضح أن الحكمة في ذلك استبقاء شعار الإحرام كاستبقاء دم الشهيد-انتهى. وفي الحديث أن الإحرام يتعلق بالرأس، وأن من شرع في عمل طاعة ثم حال بينه وبيت إتمامه الموت رجي له أن الله يكتبه في الآخرة من أهل ذلك العمل. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الجنائز والحج، ومسلم في الحج، وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي في الحج، وأبوداود والنسائي في الجنائز، وابن ماجه في الحج والبيهقي (ج٣ص٣٩٠) قال ابن الهمام عند قول صاحب الهداية: "والإزار من القرن إلى القدم واللفافة كذلك" لا إشكال أن اللفافة من القرن إلى القدم، وأما كون الإزار كذلك فلا أعلم وجه مخالفة إزار الميت إزار الحي من السنة. وقد قال ﵊ في ذلك المحرم: كفنوه في ثوبيه وهما إزاره ورداءه، ومعلوم أن إزاره من الحقو، وكذا حديث ليلى بنت قانف قالت: كنت فيمن يغسل أم كلثوم بنت النبي ﷺ فكان أول ما أعطانا الحقاء ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم أدرجت بعد في الثوب الآخر. رواه أبوداود، وروى حقوه في حديث غسل زينب، وهذا ظاهر في أن إزار الميت كإزار الحي من الحقو فيجب كونه في المذكر كذلك لعدم الفرق في هذا-انتهى. (وسنذكر حديث خباب) بالتشديد. (قتل) قال الطيبي: مجهول حكاية ما في

стр. 2313

مصعب بن عمير في "باب جامع المناقب" إن شاء الله تعالى. ﴿الفصل الثاني﴾ ١٦٥٣- (٥) عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألبسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم، ومن خير أكحالكم الإثمد، ــ الحديث بدل من قوله حديث خباب أي سنذكر هذا اللفظ وهو قتل. (مصعب بن عمير) أي إلى آخره. (في باب جامع المناقب) . قال القاري: هذا اعتذار قولي واعتراض فعلي على صاحب المصابيح زعماً من المؤلف أن حديث خباب أليق بذلك الباب مع أنه ليس كذلك. وها أنا أذكر الحديث على ما في الكتاب. قال خباب بن الأرت: قتل مصعب بن عمير يوم أحد فلم نجد شيئاً نكفنه فيه إلا نمرة، وهي بفتح النون وكسر الميم شملة مخططة بخطوط بيض في سود، كنا إذا غطينا أي سترنا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطينا بها رجليه خرج رأسه، فقال ﵊: ضعوها مما يلي أي يقرب رأسه، واجعلوا على رجليه الإذخر-انتهى. وهذا كحديثه عن حمزة في ما تقدم وهما دليلان على أن كفن الضرورة ثوب واحد، وعلى أن ستر جميع الميت واجب-انتهى. قلت: حديث خباب هذا قد أورده مخرجوه في الجنائز إلا الترمذي، فإنه أورده في المناقب، وقد تبعه المؤلف. ولا شك أنه أليق بالجنائز. وأورده البخاري في الهجرة والمغازي والرقاق أيضاً، وقد استدل به على أنه إذا ضاق الكفن عن ستر جميع البدن ولم يوجد غيره جعل مما يلي الرأس وجعل النقص مما يلي الرجلين. ١٦٥٣- قوله: (ألبسوا) بفتح الباء. (من ثيابكم) من تبعيضية أو بيانية مقدمة. (البياض) أي ذات البياض. وفي رواية لأحمد: البيض بكسر الباء جمع الأبيض، فلا تجوز، وكذا وقع عند أبي داود والبيهقي. (فإنها) أي الثياب البيض. (من خير ثيابكم) لدلالتها غالباً على التواضع وعدم الكبر والعجب والخيلاء ولكونها أطهر وأطيب. (وكفنوا فيها موتاكم) عطف على ألبسوا أي ألبسوها في حياتكم وكفنوا فيها موتاكم. والحديث يدل على استحباب لبس البيض من الثياب وتكفين الموتى فيها. قال الشوكاني: الأمر في الحديث ليس للوجوب بل للندب، أما في اللباس فلما ثبت عنه ﷺ من لبس غيره، وإلباس جماعة من الصحابة ثياباً غير بيض، وتقريره لجماعة منهم على غير لبس البياض. وأما في الكفن فلما ثبت عند أبي داود، قال الحافظ بإسناد حسن من حديث جابر مرفوعاً: إذا توفى أحدكم فوجد شيئاً فليكفن في ثوب حبرة. (ومن خير أكحالكم) بفتح الهمزة جمع الكحل. (الإثمد) بكسر الهمزة والميم بينهما مثلثة وساكنة، وحكي فيه ضم الهمزة، حجر معروف

стр. 2314

فإنه ينبت الشعر ويجلو البصر)) . رواه أبوداود، والترمذي، وروى ابن ماجه إلى موتاكم. ١٦٥٤- (٦) وعن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تغالوا في الكفن ــ أسود يضرب إلى الحمرة يكون في بلاد الحجاز وأجوده يؤتي به من أصبهان. واختلف هل هو اسم الحجر الذي يتخذ منه الكحل أو هو نفس الكحل؟ ذكره ابن سيدة وأشار إليه الجوهري، كذا في الفتح. وقال التوربشتي: هو الحجر المعدني. وقيل: هو الكحل الأصفهاني ينشف الدمعة والقروح ويحفظ صحة العين، ويقوي غصنها لا سيما للشيوخ والصبيان. (فإنه ينبت) بضم الياء وكسر الباء. (الشعر) بفتح العين، ويجوز إسكانها أي شعر الهدب، وهو بالفارسية مزه، وهو الذي ينبت على أشفار العين. (ويجلو البصر) من الجلاء أي يحسن النظر ويزيد نور العين، وينظف الباصرة بدفعه المواد الرديئة النازلة إليها من الرأس. قال القاري: والأفضل عند النوم إتباعاً له ﷺ ، ولأنه أشد تأثيراً وأقوى سرياناً حينئذٍ-انتهى. قلت: لفظ أحمد في رواية: خير أكحالكم الإثمد عند النوم ينبت الشعر ويجلو البصر. (رواه أبوداود) في اللباس أي بتمامه، وسكت عنه (والترمذي) في الجنائز إلى قوله: موتاكم، وصحه، ونقل المنذري تصحيحه وأقره. (وروى ابن ماجه) في الجنائز واللباس (إلى موتاكم) فيه أن الترمذي أيضاً رواه إلى قوله: موتاكم، فلا وجه لتخصيص المصنف ابن ماجه بكونه رواه مختصراً، نعم روى الترمذي في اللباس من طريق آخر عن ابن عباس مرفوعاً: اكتحلوا بالإثمد وأنه يجلو البصر وينبت الشعر. قال الترمذي: حديث حسن، وحديث الباب أخرجه أحمد مطولاً (ج١ص٢٤٧، ٢٧٤، ٣٢٨، ٣٥٥، ٣٦٣) ومقتصراً على ذكر الإثمد (ج١ص٢٣١) وأخرجه أيضاً البيهقي مطولاً (ج٣ص٢٤٥) والحاكم نحو رواية ابن ماجه (ص٣٥٤) وصححه وأقره الذهبي، ونسبة الحافظ في التلخيص (ص١٣٨) للشافعي وابن حبان أيضاً، والسيوطي في الجامع الصغير للطبراني. وقال الحافظ: صححه ابن القطان، وفي الباب عن سمرة عند الترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم، وسيأتي في اللباس، وعن عمران بن حصين عند الطبراني، وعن أنس عند أبي حاتم في العلل، والبزار في مسنده، وعن ابن عمر عند ابن عدي في الكامل، وعن أبي الدرداء عند ابن ماجه يرفعه: أحسن ما زرتم الله به في قبوركم ومساجدكم البياض. ١٦٥٤- قوله: (لا تغالوا) بفتح التاء واللام أي لا تتغالوا، فحذفت إحدى التائين تخفيفاً، وقد يروى بضم التاء واللام من المغالاة، وهو إكثار الثمن أي لا تبالغوا ولا تجاوزوا الحد. (في الكفن) أي في كثرة قيمته قال ابن الأثير الجزري: أصل الغلاء الارتفاع ومجاوزة القدر في كل شيء غاليت الشيء وبالشيء وغلوت فيه أغلو إذا جاوزت فيه الحد-انتهى. ويقال: غالى في الأمر أي بالغ فيه، وغالى بالشيء أي اشتراه بثمن غالٍ.

стр. 2315

فإنه يسلب سلباً سريعاً)) رواه أبوداود. ١٦٥٥- (٧) وعن أبي سعيد الخدري، أنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد، فلبسها، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها)) . ــ وفي الحديث أن الحد الوسط في الكفن هو المستحب المستحسن. (فإنه) أي الكفن. (يسلب) على بناء المفعول أي يبلى. (سلباً سريعاً) أي بلياً سريعاً، ففي مغالاة الكفن إضاعة المال. قال الطيبي: استعير السلب لبلى الثوب مبالغة في السرعة-انتهى. وقال المناوي: كأنه قال لا تشتروا الكفن بثمن غال فإنه يبلى بسرعة، ووقع في بعض النسخ من أبي داود: فإنه يسلبه بذكر ضمير المفعول، وهكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج١١ص٤١٥) وهو بصيغة المجهول، قيل نائب الفاعل ضمير الميت، والضمير المنصوب للكفن، وقيل الأول للكفن والثاني للميت أي أن الكفن يسلب عن الميت. (رواه أبوداود) من رواه الشعبي عن علي، وأخرجه أيضاً البيهقي (ص٤٠٣) من طريق أبي داود، وقد سكت عنه أبوداود، ونقل القاري عن ميرك: أنه قال حسنه النووي والمنذري، قاله ابن الملقن. وقال الحافظ في التلخيص: في إسناده عمرو بن هاشم أبومالك الجنبي مختلف فيه، وفيه انقطاع بين الشعبي وعلي؛ لأنه قال الدارقطني أنه لم يسمع منه سوى حديث واحد-انتهى. وقال المنذري: في إسناده عمرو بن هاشم، وفيه مقال، وذكر ابن أبي حاتم، وأبوأحمد الكرابيسي: أن الشعبي رأى علي بن أبي طالب، وذكر أبوعلي الخطيب أنه سمع منه، وروى عنه عدة أحاديث-انتهى. ١٦٥٥- قوله: (جدد) بضمتين جمع جديد. (فلبسها) بكسر الباء. (ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها) قال في اللمعات: ظاهرة أن أبا سعيد إنما لبس ثياباً جدداً امتثالاً لظاهر هذا الحديث بأن المراد ظاهره، وهو أن البعث يكون في الثياب، واستشكل ذلك بأنه قد ورد في الحديث الصحيح: يحشر الناس حفاة عراة، فأجاب بعضهم بأن البعث غير الحشر، وكأنه أراد أن البعث هو إخراج الموتى من القبر، والحشر نشرهم في عرصات القيامة، فيحتمل أن يكون البعث في الثياب والحشر عراة، يعني يخرجون من القبور بثيابهم ثم تتناثر وتتساقط في المحشر، وهذا الكلام بعيد في غاية البعد. وقال المحققون من أهل الحديث: أن الثياب في قوله ﷺ : الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها، كناية عن الأعمال التي يموت عليها، وقد ورد: يبعث العبد على ما مات عليه من عمل صالح أو سيء، والعرب يكنى بالثياب عن الأعمال لملابسة الرجل بها ملابسة الثياب، وقيل في قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ [المدثر:٤] أي أعمالك فأصلح-انتهى. وقال الهروي: ليس قول من ذهب به إلى الأكفان بشيء؛ لأن الإنسان إنما يكفن بعد موته. وقال الحافظ في التلخيص:

стр. 2316

رواه أبوداود. ١٦٥٦- (٨) وعن عبادة بن الصامت، عن رسول الله ﷺ قال: ((خير الكفن الحلة، وخير الأضحية الكبش الأقرن)) . رواه أبوداود، ــ والقصة التي في حديث أبي سعيد ترد ذلك. (أي تأويل الثياب بالأعمال) وهو أعلم بالمراد ممن بعده، وحكى الخطابي في الجمع بينهما. (أي بين ظاهر حديث أبي سعيد وحديث يحشر الناس حفاة عراة) أنه يبعث في ثيابه ثم يحشر عرياناً، والله أعلم-انتهى. وقال ابن الديبع الشيباني: هذا أي حديث أبي سعيد مختص بالشهيد، كما قاله القرطبي، وبه يجمع بينه وبين حديث: تحشرون حفاة عراة غرلاً-الحديث.. (رواه أبوداود) وسكت عليه هو والمنذري، وأخرجه أيضاً الحاكم (ج١ص٣٤٠) والبيهقي (ج٣ص٣٨٤) وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وأخرجه ابن حبان بدون القصة. ١٦٥٦- قوله: (خير الكفن الحلة) إزار ورداء بضم الحاء المهملة وتشديد اللام واحدة الحلل، برود اليمن، ولا يطلق إلا على ثوبين من جنس واحد، والمقصود والله أعلم أنه لا ينبغي الاقتصار على الثوب الواحد، والثوبان خير منه، وإن أريد السنة والكمال فثلاث على ما عليه الجمهور. قال السندي: لعل المراد أنها من خير الكفن، والمطلوب بيان وفائها في التكفين-انتهى. والحاصل أن الحلة وهي ثوبان خير من ثوب واحد، والثلاثة أفضل وأكمل. وقيل: يحتمل أن يكون المراد أنه ينبغي أن يكون الكفن من برود اليمن، وفيها خطوط خضر أو حمر. قال المظهر: اختار بعض الأئمة أن يكون الكفن من برود اليمن لهذا الحديث، والأصح أن البيض أفضل لحديث عائشة، وحديث ابن عباس المتقدمين. وقال ابن الملك: الأكثرون على اختيار البيض، وإنما قال ذلك في الحلة؛ لأنها كانت يومئذٍ أيسر عليهم-انتهى. (وخير الأضحية الكبش الأقرن) ماله قرنان حسنان معتدلان، والمراد تفضيل الذكر على الأنثى، أو المراد أن التضحية بالكبش الأقرن أفضل من الاشتراك في بدنة أو بقرة، لا أنه أفضل من البدنة أو من البقرة كما أخذ به مالك. قال الطيبي: ولعل فضيلة الكبش الأقرن على غيره لعظم جثته وسمنه في الغالب-انتهى. (رواه أبوداود) في الجنائز، وأخرجه أيضاً الحاكم (ج٤ص٢٢٨) والبيهقي (ج٣ص٤٠٣) وأخرجه ابن ماجه مقتصراً منه على ذكر الكفن، والحديث سكت عنه أبوداود والمنذري، والحافظ في التلخيص، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وفي سنده عندهم حاتم بن أبي نصر القنسريني، ذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن القطان الفاسي: لم يرو عنه غير هشام بن سعد، فهو مجهول، كذا في تهذيب التهذيب، وقال في التقريب: إنه مجهول، وفي سنده أيضاً نسي الكندي، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب

стр. 2317

ورواه الترمذي، وابن ماجه، عن أبي أمامة. ١٦٥٧- (٩) وعن ابن عباس، قال: ((أمر رسول الله ﷺ بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم)) . رواه أبوداود، وابن ماجه. ــ والخلاصة: مجهول. (ورواه الترمذي وابن ماجه) في الأضحية. (عن أبي أمامة) قال الحافظ: في إسناده عُفيَر بن معدان، وهو ضعيف، وقال الترمذي: هذا حديث غريب وعُفَير بن معدان يضعف في الحديث. ١٦٥٧- قوله: (أمر رسول الله ﷺ بقتلى أحد) بضمتين، وقتلى جمع قتيل، والباء بمعنى في، أي أمر أصحابه في حقهم. (أن ينزع) بصيغة المجهول. (عنهم الحديد) أي السلاح والدروع. (والجلود) مثل الفرو والكساء الغير المطلخ بالدم. (وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم) أي المتلطخة بالدم، قاله القاري. وهذا ظاهر في أنهم لم يغسلوا، وفي ترك غسل الشهيد أحاديث ذكرها ابن تيمية في المنتقى، والشوكاني في النيل، والحديث يدل على مشروعية دفن الشهيد بما قتل فيه من الثياب، ونزع الحديد والجلود عنه وكل ما هو آلة للحرب، ويدل عليه أيضاً ما روى أحمد عن عبد الله بن ثعلبة أن رسول الله ﷺ قال يوم أحد: زملوهم في ثيابهم، وما روى أبوداود من حديث جابر ﵁ قال: رمى رجل بسهم في صدره أو في حلقه فمات، فأدرج في ثيابه كما هو ونحن مع رسول الله ﷺ ، وإسناده على شرط مسلم. قال الشوكاني: قد روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي أنه قال: ينزع من الشهيد الفرو والخف والقلنسوة والعمامة والمنطقة والسراويل، إلا أن يكون أصاب السراويل دم، وفي إسناده أبوخالد الواسطي، والكلام فيه معروف، وقد روى ذلك أحمد بن عيسى في أماليه من طريق الحسين بن علوان عن أبي خالد المذكور عن زيد بن علي، والحسين بن علوان متكلم فيه أيضاً، والظاهر أن الأمر بدفن الشهيد بما قتل فيه من الثياب للوجوب-انتهى. قلت: أبوخالد الواسطي اسمه عمرو بن خالد القرشي مولى بني هاشم متروك الحديث، كذبه أحمد وابن معين، وأبوداود ووكيع وغيرهم. قال أحمد: كذاب يروي عن زيد بن علي عن آبائه أحاديث موضوعة يكذب. وقال الحاكم: يروي عن زيد بن علي الموضوعات، ونسبه إلى الوضع إسحاق بن راهويه وأبوزرعة أيضاً، والحسين بن علوان الكلبي ضعيف جداً. قال أبوحاتم والنسائي والدارقطني: متروك الحديث. وكذبه يحيى والنسائي، وقال صالح جزرة وابن حبان: كان يضع الحديث، وقد ظهر بهذا أن أثر علي هذا لا يصلح لاستدلال من استدل به من الحنفية كصاحب البدائع وغيره على نزع الخف والمنطقة والقلنسوة عن الشهيد. (رواه أبوداود وابن ماجه) في الجنائز، وأخرجه أيضاً أحمد (ج١ص٢٤٧) كلهم من رواية علي بن عاصم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن

стр. 2318

﴿الفصل الثالث﴾ ١٦٥٨- (١٠) عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، أن عبد الرحمن بن عوف أتى بطعام وكان صائماً، فقال: قتل مصعب بن عمير ــ ابن عباس. قال الحافظ في التلخيص (ص١٥٩) : في إسناده ضعف؛ لأنه من رواية عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير، وهو مما حدث به عطاء بعد الاختلاط-انتهى. قلت: قال أحمد من سمع من عطاء بن السائب قديماً فسماعه صحيح، ومن سمع منه حديثاً لم يكن بشيء، سمع منه قديماً سفيان وشعبة، وسمع منه حديثاً جرير وخالد وإسماعيل وعلي بن عاصم، كذا في تهذيب التهذيب (ج٧ص٢٠٤) . وفي الباب أحاديث وقد تقدم بعضها، فينجبر بها ضعف هذا الحديث. ١٦٥٨- قوله: (عن سعد بن إبراهيم) أي ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي، ولي قضاء المدينة، وكان ثقة فاضلاً عابداً من صغار التابعين. رأى ابن عمر وسمع أباه وغيره، مات سنة (١٢٥) ، وقيل بعدها وهو ابن. (٧٢) سنة. (عن أبيه) أي إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري. قال المصنف: ادخل على عمر ﵁ وهو صغير، سمع أباه وسعد بن أبي وقاص، روى عنه ابنه والزهري. وقال الحافظ في التقريب: قيل له رؤية وسماعه من عمر أثبته يعقوب بن شيبة، مات سنة (٩٥) وقيل: (٩٦) . قال في التهذيب: قال العجلي تابعي ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة، يعد في الطبقة الأولى من التابعين، ولا نعلم أحداً من ولد عبد الرحمن روى عن عمر سماعاً غيره، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين. (أن عبد الرحمن بن عوف) الزهري القرشي أحد العشرة المبشرة أسلم قديماً ومناقبه شهيرة. (أتى) بضم الهمزة مبنياً للمفعول أي جيء (بطعام) أي للإفطار وكان خبزاً ولحماً كما في الشمائل للترمذي. (وكان) أي عبد الرحمن يومئذٍ (صائماً) ذكر ابن عبد البر أن ذلك كان في مرض موته. (قتل) بضم القاف مبنياً للمفعول. (مصعب بن عمير) بضم الميم وسكون الصاد وفتح العين المهملتين نائب عن الفاعل، وعمير بضم العين مصغراً القرشي العبدري. قال ابن عبد البر: كان مصعب بن عمير من أجلة الصحابة وفضلائهم، أسلم قديماً والنبي ﷺ في دار الأرقم، وكتم إسلامه خوفاً من أمه وقومه، فعلمه عثمان بن طلحة فأعلم أهله، فأوثقوه فلم يزل محبوساً إلى أن هرب مع من هاجر إلى الحبشة، ثم رجع إلى مكة فهاجر إلى المدينة، وشهد بدراً، ثم شهد أحداً، ومعه اللواء، فاستشهد، قتله عمرو بن قمئة الليثي، وهو ابن أربعين سنة وأزيد شيئاً، وكان رسول الله ﷺ قد بعث مصعباً إلى المدينة قبل الهجرة بعد العقبة الثانية يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين، وكان يدعى القاري والمقري، وهو أول من جمع الجمعة بالمدينة قبل الهجرة، وكان في الجاهلية من أنعم الناس عيشاً وألينهم لباساً وأحسنهم جمالاً،

стр. 2319

وهو خير مني، كفن في بردة، إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه، وأراه قال: وقتل حمزة وهو خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا، ولقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي، حتى ترك الطعام)) . ــ وكان أبواه يحبانه، وكانت أمه تكسوه أحسن ما يكون من الثياب، وكان أعطر أهل مكة يلبس الحضرمي من النعال، فلما أسلم وزهد في الدنيا وتقشف فتشف جلده تخشف الحية. ويقال إن فيه نزلت وفي أصحابه: ﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله﴾ الآية [الأحزاب: ٢٣] . (وهو خير مني) قاله تواضعاً وهضماً لنفسه، وإلا فقد صرح العلماء بأن العشرة المبشرة أفضل من غيرهم. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون ما استقر عليه الأمر من تفضيل العشرة على غيرهم بالنظر إلى من لم يقتل في زمن النبي ﷺ . (كفن في بردة) وفي رواية للبخاري: فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا برده، بالضمير العائد على مصعب، وفي رواية: إلا بردة، بلفظ واحدة البرود، وفي حديث خباب عند البخاري: قتل مصعب بن عمير ولم يترك إلا نمرة. (إن غطي) بضم الغين أي ستر. (رأسه) بالرفع أي بالبردة. (بدت) أي ظهرت رجلاه. (وإن غطي رجلاه بدا رأسه) أي ظهر، وسيأتي في جامع المناقب أنه غطي بها رأسه وجعل على رجليه الإذخر. (وأراه) بضم الهمزة أي أظنه. (قال) أي عبد الرحمن. (وقتل حمزة) هو حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبدمناف القرشي الهاشمي أبوعمارة عم النبي ﷺ وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب، ولد قبل النبي ﷺ بسنتين، وقيل بأربع، أسلم قديماً في السنة الثانية من البعثة، ولازم نصر رسول الله ﷺ وهاجر معه، وقد ذكر ابن إسحاق قصة إسلامه مطولة، وقيل: كان إسلامه بعد دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم في السنة السادسة، فاعتز الإسلام بإسلامه، وشهد بدراً وأبلى فيها بلاء حسناً مشهوراً، واستشهد يوم أحد، قتله وحشي بن حرب الحبشي، وقد مثّل به وبأصحابه يومئذٍ، وكان ذلك في النصف من شوال سنة (٣) من الهجرة، فعاش دون الستين، ولقبه النبي ﷺ أسد الله، وسماه سيد الشهداء، روى عنه علي والعباس وزيد بن حارثة. (وهو خير مني) وروى الحاكم في مستدركه من حديث أنس أن حمزة كفن أيضاً كذلك. (ثم بسط) بضم الباء أي وسع وكثر. (لنا) أراد نفسه وبقية مياسير الصحابة. (من الدنيا ما بسط) أشار إلى ما فتح لهم من الفتوح والغنائم وحصل من الأموال، وكان لعبد الرحمن بن عوف من ذلك الحظ الوافر. (ولقد خشينا أن تكون حسناتنا) وفي رواية: طيباتنا. (عجلت لنا) أي أعطيت عاجلاً لنا أي في حياتنا الدنيا. (ثم جعل) عبد الرحمن (يبكي) قال العيني: كان خوفه وبكاؤه وإن كان أحد العشرة المشهود لهم بالجنة مما كان عليه الصحابة من الإشفاق والخوف من التأخر عن اللحاق بالدرجات العلى. (حتى ترك الطعام) أي في

стр. 2320

رواه البخاري. ١٦٥٩- (١١) وعن جابر، قال: ((أتى رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي بعد ما أدخل حفرته، ــ وقت الإفطار، وفي الحديث دليل على أن الكفن من جميع المال أي من رأسه لا من الثلث، وهو قول جمهور العلماء؛ لأنه ﷺ كفن مصعباً في نمرته، وكذا حمزة في بردته، ولم يلتفت إلى غريم ولا إلى وصية ولا إلى وارث، وبدأ بالتكفين على ذلك كله، فعلم أن التكفين مقدم وأنه من رأس المال؛ لأن جميع مالهما كان لكل منهما بردة، وفيه فضل الزهد، وأن الفاضل في الدين ينبغي له أن يمتنع من التوسع في الدنيا لئلا تنقص حسناته، وإلى ذلك أشار عبد الرحمن بقوله: خشينا أن تكون حسناتنا عجلت، وفيه أنه ينبغي ذكر سير الصالحين وتقللهم في الدنيا لتقل رغبته فيها، والبكاء خوفاً من تأخر اللحاق بالأخيار والإشفاق من ذلك، وفيه إيثار الفقر على الغنى، وإيثار التخلي للعبادة على تعاطي الاكتساب، فلذلك امتنع عبد الرحمن من تناول ذلك الطعام مع أنه كان صائماً. (رواه البخاري) في الجنائز والمغازي، وأخرجه البيهقي (ج٣ص٤٠١) أيضاً ويظهر من كلام الحافظ في الفتح أن الحديث عند أحمد أيضاً حيث قال: في رواية أحمد عن غندر عن شعبة وأحسبه لم يأكله-انتهى. ولم أجده في مسند عبد الرحمن بن عوف. ١٦٥٩- قوله: (عبد الله) بالنصب مفعول أتى، أي جاء قبره. (بن أبيّ) بضم الهمزة وفتح الباء الموحدة وتشديد الياء آخر الحروف ابن سلول: (هي علم لأم عبد الله فيكتب الابن بالألف؛ لأنه صفة لعبد الله لا صفة أبي) وعبد الله بن أبيّ هذا كان رأس المنافقين، وكان سيد الخزرج في الجاهلية، وهو الذي تولى كبر الإفك في قصة الصديقة، وهو الذي قال: ﴿ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ ، وقال: ﴿لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا﴾ [المنافقون: ٧] . ورجع يوم أحد بثلث العسكر إلى المدينة بعد أن خرجوا مع رسول الله ﷺ . قال الواقدي: مرض عبد الله بن أبيّ في ليال بقين من شوال، ومات في ذي القعدة سنة تسع منصرف رسول الله ﷺ من تبوك، وكان مرضه عشرين ليلة وكان رسول الله ﷺ يعوده فيها. (إلى آخر ما قال) وجاءه رسول الله ﷺ بناء على وصيته أو باستدعاء ولده المؤمن عبد الله بن عبد الله بن أبيّ، وكان اسم ابنه الحباب، فسماه رسول الله ﷺ بعبد الله كاسم أبيه، وهو من فضلاء الصحابة وخيارهم، شهد المشاهد واستشهد يوم اليمامة في خلافة أبي بكر، وكان أشد الناس على أبيه، ولو أذن له رسول الله ﷺ فيه لضرب عنقه. (بعد ما أدخل حفرته) بضم الحاء المهملة أي قبره. وفي رواية النسائي: أتى النبي ﷺ قبر عبد الله بن أبي واقد وضع في حفرته

стр. 2321

فأمر به، فأخرج، فوضعه على ركبتيه، فنفث فيه من ريقه، وألبسه قميصه، قال: وكان كسا عباساً قميصاً)) . ــ فوقف عليه. (فأخرج) أي من قبره. (فنفث فيه) أي في جلده كما في تفسير الثعلبي. (وألبسه قميصه) إنجازاً لوعده في تكفينه في قميصه، والحديث صريح في أن إعطاء القميص وإلباسه إياه كان بعد ما أدخل ووضع في القبر، وهذا معارض لما في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر لما مات عبد الله بن أبي جاء ابنه فقال: يا رسول الله، أعطني قميصك أكفنه فيه، فأعطاه قميصه وقال: آذاني أصلي عليه فآذنه، فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر- الحديث. وقد جمع بينهما بأن المراد من قوله في حديث ابن عمر "فأعطاه" أي أنعم له بذلك، فأطلق على الوعد اسم العطية مجازاً لتحقق وقوعها، وكان أهل عبد الله بن أبيّ خشوا على النبي ﷺ المشقة في حضوره، فبادروا إلى تجهيزه قبل وصول النبي ﷺ ، فلما وصل وجدهم قد دلوه في حفرته فأمر بإخراجه إنجازاً لوعده في تكفينه في القميص والصلاة عليه. وقيل: المراد من حديث جابر أن الواقع بعد إخراجه من حفرته، هو النفث، وأما القميص فقد كان ألبس، والجمع بينهما في الذكر لا يدل على وقوعهما معاً؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب ولا المعية، فلعله أراد أن يذكر ما وقع في الجملة من إكرامه ﷺ له من غير إرادة الترتيب. وقيل: أعطاه النبي ﷺ أحد قميصيه أولاً، ولما دفن أعطاه الثاني بسؤال ولده عبد الله. وفي الإكليل للحاكم ما يؤيد ذلك، كذا في الفتح وغيره، ولا يخفى أن هذه التوجيهات لا يندفع بها الإيراد بالكلية، فإن حديث ابن عمر صريح في أنه حضر الصلاة عليه وأعطاه القميص، ورواية ابن عباس عن عمر عند الترمذي في تفسير سورة التوبة، وقد صححا أشد صراحة في ذلك، ففيها دعي رسول الله ﷺ للصلاة عليه فقام إليه. (إلى أن قال:) ثم صلى عليه ومشى معه فقام على قبره حتى فرغ منه، فإنه صريح في أنه ﷺ كان مع الجنازة إلى أن أتي به القبر، وحديث جابر يفيد أنه جاء بعد ذلك وألبسه القميص بعد، نبه على ذلك السندي في حاشية النسائي. وقال الولي العراقي في شرح التقريب: ويحتمل الجمع بين الحديثين بصرف حديث ابن عمر عن ظاهره، إما بأن يكون ولده إنما طلب القميص بعد تكفينه وإدخاله حفرته، أو طلبه من أول موته لكن تأخر إعطاءه له حتى أدخل قبره، والفاء التي في قوله "فأعطاه قميصه" لا تنافي هذا؛ لأن زمن تجهيزه زمن يسير لا ينافي التعقيب. وفي الحديث جواز إخراج الميت من قبره لحاجة أو لمصلحة، وأن التكفين في القميص ليس ممتنعاً سواء كان مكفوف أو غير مكفوف، خلافاً لمن قال: إن القميص لا يسوغ إلا إذا كانت أطرافه غير مكفوفة أو كان غير مزرر ليشبه الرداء، وفي الخلافيات للبيهقي من طريق ابن عون قال: كان محمد بن سيرين يستحب أن يكون قميص الميت كقميص الحي مكففاً مزرراً. (قال) أي جابر. (وكان) أي عبد الله بن أبيّ (كسا عباساً) عمه ﷺ حين أسر ببدر (قميصاً) وفي

стр. 2322

متفق عليه. (٥) باب المشي بالجنازة والصلاة عليها ــ الجهاد عند البخاري عن جابر أيضاً قال: لما كان يوم بدر أتى بأسارى، وأتى بالعباس ولم يكن عليه ثوب، فنظر النبي ﷺ له قميصاً، فوجدوا قميص عبد الله بن أبيّ يقدر عليه. (إنما كان كذلك لأن العباس كان بين الطوال وكذلك كان عبد الله بن أبيّ) فكساه النبي ﷺ إياه فلذلك نزع النبي ﷺ قميصه الذي ألبسه. قال ابن عيينة: كانت له عند النبي ﷺ يد فأحب أن يكافئه. (كي لا يكون لمنافق عليه يد لم يكافئه عليها) . وقيل: أعطاه قميصه إكراماً لولده وكان مسلماً بريئاً من النفاق. وقيل: تأليفاً لغيره من قومه رجاء أن يسلموا لما يرونه يتبرك بقميصه ﷺ . وقيل: لأنه سأله ذلك وكان لا يرد سائلاً. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الجنائز والجهاد واللباس، ومسلم في التوبة، وأخرجه أيضاً النسائي والبيهقي. فائدة المشروع في كفن المرأة أن يكون خمسة أثواب: إزاراً، ودرعاً، وخماراً، ولفافتين؛ لما روى أحمد وأبوداود من حديث ليلى بنت قانف الثقفية قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ عند وفاتها، وكان أول ما أعطانا رسول الله ﷺ الحقا، ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر، قالت: ورسول الله ﷺ عند الباب معه كفنها يناولنا ثوباً ثوباً. وروى الخوارزمي من طريق إبراهيم بن حبيب بن الشهيد عن هشام بن حسان عن حفصة عن أم عطية أنها قالت: وكفناها في خمسة أثواب وخمرناها كما نخمر الحي. قال الحافظ: وهذه الزيادة صحيحة الإسناد. قال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن تكفن المرأة في خمسة أثواب كالشعبي والنخعي والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور. قال الشافعي: تكفن في خمسة: ثلاث لفائف، وإزار وخمار، وفي القديم قميص، ولفافتان. وهو الأصح واختاره المزني. وقال أحمد: تكفن في قميص، وميزر، ولفافة، ومقنعة. (خمار) وخرقة خامسة تشهد بها فخذاها تحت الإزار. قال ابن قدامة: والذي عليه أكثر أصحابنا وغيرهم أن الأثواب الخمسة: إزار، ودرع، وخمار، ولفافتان، وهو الصحيح لحديث ليلى بنت قانف، ولما روت أم عطية أن النبي ﷺ ناولها إزاراً، ودرعاً، وخماراً، وثوبين-انتهى. والمندوب لها عند المالكية سبع: إزار، وقميص، وخمار، وأربع، لفائف. (باب المشي) أي آدابه (بالجنازة) أي بالسرير الذي عليه الميت. (والصلاة) عطف على المشي. (عليها) أي على الجنازة أي الميت.

стр. 2323

﴿الفصل الأول﴾ ١٦٦٠- (١) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عليه وسلم: ((أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك ــ ١٦٦٠- قوله: (أسرعوا) أمر من الإسراع، نقل ابن قدامة: أن الأمر بالإسراع للندب بلا خلاف بين العلماء، وشذ ابن حزم فقال بوجوبه، والمراد بالإسراع الإسراع المتوسط بين الخبب أي شدة السعي وبين المشي المعتاد، بدليل قوله في حديث أبي بكرة عند أحمد والنسائي: وإنا لنكاد نرمل بالجنازة رملاً، ومقاربة الرمل ليس بالسعي الشديد، قاله العراقي. وأما ما وقع في أبي داود بلفظ: ونحن نرمل رملاً، فقال العيني: مراده الإسراع المتوسط، ويدل عليه ما روى ابن أبي شيبة في مصنفه من حديث عبد الله بن عمرو: إن أباه أوصاه قال: إذا أنت حملتني على السرير فامش مشياً بين المشيين-الحديث. قال البيهقي في المعرفة: قال الشافعي الإسراع بالجنازة هو فوق سجية المشي المعتاد، ويكره الإسراع الشديد. قال الحافظ: وهو قول الجمهور، والحاصل أنه يستحب الإسراع بها لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت أو مشقة على الحامل أو المشيع. وأما ما روى أحمد (ج٤ص٤٠٦) من حديث أبي موسى أنه قال: مرت برسول الله ﷺ جنازة تمخض مخض الزق فقال: عليكم بالقصد، فالظاهر أنه كان يفرط في الإسراع بها، ولعله خشي انفجارها أو خروج شيء منها. (بالجنازة) أي بحملها إلى قبرها. قال السندي: ظاهره الأمر للحملة بالإسراع في المشي، ويحتمل الأمر بالإسراع في التجهيز وتعجيل الدفن بعد تيقن موته. وقال النووي: والأول هو المتعين لقوله: فشر تضعونه عن رقابكم، ولا يخفى أنه يمكن تصحيحه على المعنى الثاني بأن يجعل الوضع عن الرقاب كناية عن التبعيد عنه وترك التلبس به-انتهى. قيل: ويؤيده أن الكل لا يحملونه. قلت: ويؤيده أيضاً ما روى الطبراني. قال الحافظ: بإسناد حسن من حديث ابن عمر مرفوعاً: إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره، وما تقدم من حديث حصين بن وحوح مرفوعاً: لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله. (فإن تك) أصله فإن تكن حذفت النون للتخفيف، والضمير فيه للجنازة التي هي عبارة عن الميت. (صالحة) نصب على الخبرية. (فخير) خبر مبتدأ محذوف أي فهي خير أي الجنازة بمعنى الميت لمقابلته بقوله: فشر، فحينئذٍ لا بد من اعتبار الاستخدام في ضمير إليه الراجع إلى الخير أو هو مبتدأ خبره محذوف، والتقدير فلها خير، أو فهناك خير لكن لا تساعده المقابلة، قاله السندي. وقال القاري: فخير أي فحالها خير أو فعلها خير. (تقدمونها) بالتشديد. (إليه) قال القاري: أي فإن كان حال ذلك الميت حسناً طيباً فأسرعوا به حتى يصل إلى تلك الحالة الطيبة عن قريب. (وإن تك) أي الجنازة (سوى ذلك) أي غير صالحة.

стр. 2324

فشر تضعونه عن رقابكم)) . متفق عليه. ١٦٦١- (٢) وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا وضعت الجنازة، فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت لأهلها: يا ويلها ــ (فشر) أي فهو شر (تضعونه عن رقابكم) فلا مصلحة لكم في مصاحبتها؛ لأنها بعيدة من الرحمة، ويؤخذ منه ترك صحبة أهل البطالة وغير الصالحين. وفي الحديث دليل على ندب المبادرة بتجهيز الميت ودفنه لكن بعد تحقق موته، فإن من المرضى من يخفى موته ولا يظهر إلا بعد مضي زمان كالمسبوت ونحوه. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد ومالك، والترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه. ١٦٦١- قوله: (إذا وضعت الجنازة) يحتمل أن المراد بالجنازة الميت، أي إذا وضع الميت على السرير، ويحتمل أن المراد بها السرير أي إذا وضع السرير على الكتف، والأول أولى؛ لقوله بعد ذلك: فإن تك صالحة قالت، فإن المراد هناك الميت، ويؤيده حديث أبي هريرة عند النسائي وأبي داود الطيالسي بلفظ: إذا وضع الرجل الصالح على سريره، كذا قيل. قال السندي: بل هو المتعين، إذ على الثاني يكون قوله: فاحتملها الرجال على أعناقهم تكراراً، ولا يمكن جعله تأكيداً إذ لا يناسبها الفاء فليتأمل، نعم ضمير احتملها بالسرير أنسب إذ هو المحمول أصالة والميت تبعاً، لكن يكفي في صحة إرادة الميت كونه محمولاً تبعاً، ويحتمل أن يكون المراد بالضمير السرير بالاستخدام-انتهى. قلت: وقع في رواية للبخاري واحتملها الرجال بالواو بدل الفاء فلا يبعد أن يكون تأكيداً، نعم التأسيس أولى من التأكيد. وقال القاري: إذا وضعت الجنازة أي بين يدي الرجال وهيئت ليحملوها. (قالت) حقيقة بلسان القال بحروف وأصوات يخلقها الله تعالى فيها. قال ابن بزيرة: قوله في آخر الحديث "يسمع صوتها كل شيء" دال على أنه قول بلسان القال لا بلسان الحال، قيل: يحتمل أن القائل الروح أو الجسد بواسطة رد الروح إليه، وقيل: دعوى إعادة الروح إلى الجسد قبل الدفن يحتاج إلى دليل، والله عزوجل قادر على أن يحدث نطقاً في الميت إذا شاء. (قدموني) أي لثواب العمل الصالح الذي عملته. قال السندي: كأنه يعتقد أنهم يسمعون قوله، فيقول لهم ذلك، أو أنه تعالى يجري على لسانه ذلك ليخبر عنه رسوله ﷺ للناس، فتحصل الفائدة بواسطة ذلك الإخبار، والله تعالى اعلم. (قالت لأهلها) قال الطيبي: أي لأجل أهلها إظهاراً لوقوعها في الهلكة، وكل من وقع في الهلكة دعا بالويل. (يا ويلها) أي ويل الجنازة أي يا هلاكي احضر فهذا أوانك، وكان القياس أن يقول يا ويلي، فعدل إلى إضافة الويل إلى ضمير الغائب حملاً على المعنى، كراهة أن يضيف الويل إلى نفسه، أو كأنه لما أبصر نفسه غير صالحة نفر عنها وجعلها كأنها

стр. 2325

أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمع الإنسان لصعق)) رواه البخاري. ١٦٦٢- (٣) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا رأيتم الجنازة فقوموا، ــ غيره، ويؤيد الأول أن في رواية أبي هريرة عند النسائي: يا ويلتى أين تذهبون بي، فدل على أن ذلك من تصرف الرواة. (أين تذهبون بها) قالته لأنها تعلم أنها لم تقدم خيراً، وأنها تقدم على ما يسوءها فتكره القدوم عليه. (يسمع صوتها) المنكر بذلك الويل (كل شيء) أي حتى الجماد، وقيل أي من الحيوان. (إلا الإنسان) بالنصب على الاستثناء. (ولو سمع الإنسان) أي صوتها بالويل المزعج (لصعق) أي لغشي عليه أو مات من شدة هول ذلك، وهذا في غير الصالح؛ لأن الصالح من شأنه اللطف والرفق في كلامه، فلا يناسب الصعق من سماع كلامه، وقيل: يحتمل حصول الصعق من سماع كلام الصالح أيضاً لكونه غير مألوف. قال السندي: وهذا مبني على أن المراد لو سمعه أحياناً وإلا فلو سمعه على الدوام لما بقي غير مألوف، والله أعلم-انتهى. وفيه بيان حكمة عدم سماع الإنسان من أنه يختل نظام العالم ويكون الإيمان شهودياً لا غيبياً، واستدل البخاري بقوله: فاحتملها الرجال على منع النساء من حمل الجنازة وإن كان الميت امرأة، فقد بوب على هذا الحديث "باب حمل الرجال الجنازة دون النساء"، وقد استشكل ذلك لكونه إخباراً فلا يكون حجة في منع النساء؛ لأنه ليس فيه أن لا يكون الواقع إلا ذلك، وأجيب بأن كلام الشارع مهما أمكن حمله على التشريع لا يحمل على مجرد الإخبار عن الواقع. وقد روى أبويعلى من حديث أنس قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فرأى نسوة فقال: أتحملنه؟ قلن: لا، أتدفنه؟ قلن: لا، قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات. ونقل النووي في شرح المهذب: أنه لا خلاف في هذه المسألة بين العلماء، والسبب فيه أن في الحمل على الأعناق والأمر بالإسراع مظنة الانكشاف غالباً، وهو مباين للمطلوب منهن من التستر، مع ضعف نفوسهن عن مشاهدة الموتى غالباً فكيف بالحمل، مع ما يتوقع من صراخهن عند حمله ووضعه، وأيضاً لا بد أن يشيع الجنازة الرجال، فلو حملها النساء لكان ذلك ذريعة إلى اختلاطهن بالرجال، فيفضي إلى الفتنة، نعم إن لم يوجد غيرهن تعين عليهن. (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً النسائي. ١٦٦٢- قوله: (إذا رأيتم الجنازة فقوموا) فيه مشروعية القيام للجنازة إذا مرت بالمكلف القاعد وإن لم يقصد تشييعها، وظاهره عموم جنازة من مؤمن وغيره، ويؤيده قيامه ﷺ لجنازة يهودي مرت به، وقد علل ذلك بأن الموت فزع. وفي رواية: أليست نفساً، وسيأتي الكلام على ذلك. واختلف العلماء في حكم القيام للجنازة لمن مرت به، فذهب جماعة من السلف والخلف، كما قال ابن عبد البر في التمهيد إلى وجوبه. وقال مالك والشافعي وأبوحنيفة وصاحباه: أنه منسوخ. وذهب أحمد ومن وافقه إلى أنه مستحب. قال

стр. 2326

فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع)) . ــ الشوكاني: ذهب أحمد وإسحاق بن راهويه وابن حبيب وابن الماجشون من المالكية: إلى أن القيام للجنازة لم ينسخ والقعود منه ﷺ ، كما في حديث الآتي إنما هو لبيان الجواز فمن جلس فهو في سعة ومن قام فله أجر، وكذا قال ابن حزم: أن قعوده ﷺ بعد أمره بالقيام يدل على أن الأمر للندب، ولا يجوز أن يكون نسخاً. قال النووي: والمختار أنه مستحب، وبه قال المتولي، وصاحب المهذب من الشافعية، وممن ذهب إلى استحباب القيام ابن عمر وأبومسعود وقيس بن سعد وسهل بن حنيف، كما يدل على ذلك الروايات المذكورة في الباب. (أي باب ما جاء في القيام للجنازة إذا مرت من كتاب المنتقى) . وقال أبوحنيفة ومالك والشافعي: أن القيام منسوخ بحديث علي الآتي، قال الشافعي: إما أن يكون القيام منسوخاً أو يكون لعلة، وأيهما كان فقد ثبت أنه تركه بعد فعله، والحجة في الآخر من أمر رسول الله ﷺ انتهى. وقد دل كلام الشوكاني على أن الإمام أحمد ذهب إلى استحباب القيام للجنازة. وقال عياض: ذهب أحمد إلى التوسعة والتخيير، ويؤيده ما حكاه الترمذي عن أحمد أنه قال: إن شاء قام وإن شاء قعد. وقال ابن قدامة: إذا مرت به جنازة لم يستحب له القيام لها لقول علي: قام رسول الله ﷺ ثم قعد. قال أحمد: إن قام لم أعبه وإن قعد فلا بأس، وذكر ابن أبي موسى والقاضي: أن القيام مستحب؛ لأن النبي ﷺ أمر بالقيام. قال ابن قدامة: وقد ذكرنا أن آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك القيام بها، والأخذ بالآخر من أمره أولى-انتهى. وسيأتي بيان ما هو الراجح في ذلك في شرح حديث علي الآتي. (فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع) يحتمل أن المراد حتى توضع على الأرض أو توضع في اللحد، وقد روي عن أبي هريرة باللفظين إلا أنه أشار البخاري إلى ترجيح رواية حتى توضع بالأرض بقوله: باب من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال. وصرح أبوداود بترجيحها حيث قال بعد رواية حديث أبي سعيد من طريق سهيل بن أبي صالح بلفظ: إذا تبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع، وروى الثوري هذا الحديث عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال فيه: حتى توضع بالأرض، ورواه أبومعاوية عن سهيل قال: حتى توضع في اللحد، وسفيان أحفظ من أبي معاوية-انتهى. وكذا قال الأثرم. قال الحافظ: ورواه جرير عن سهيل أي عن أبي صالح عن أبي سعيد فقال: حتى توضع حسب، وزاد قال سهيل ورأيت أبا صالح لا يجلس حتى توضع عن مناكب الرجال. أخرجه أبونعيم في المستخرج بهذه الزيادة والبيهقي (ج٤ص٢٦) وهو في مسلم بدونها. قال الحافظ: ورجح رواية: حتى توضع بالأرض عند البخاري بفعل أبي صالح لأنه راوي الخبر، وهو أعرف بالمراد منه، ورواية أبي معاوية مرجوحة، كما قال أبوداود-انتهى. قلت: المختار عند القائلين باستحباب قيام التابع قبل الوضع هو أن المراد بالوضع وضعها بالأرض. وفي المحيط للحنفية: الأفضل أن لا يجلسوا حتى يسووا عليه التراب، وحجته رواية أبي معاوية. وفي البدائع والخانية والعناية وغيرها خلافه، حيث صرحوا بأنه لا بأس بالجلوس بعد الوضع بالأرض. والحديث

стр. 2327

يفيد النهي عن جلوس المشيع أي الماشي مع الجنازة قبل أن توضع على الأرض. واختلف العلماء في ذلك، فذهب بعض السلف إلى أنه يجب القيام حتى توضع، واحتج له برواية سعيد عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: ما رأينا رسول الله ﷺ شهد جنازة قط فجلس حتى توضع. أخرجه النسائي. قال الشوكاني: ولا يخفى أن مجرد الفعل لا ينتهض دليلاً للوجوب، فالأولى الاستدلال له بحديث أبي سعيد فإن فيه النهي عن القعود قبل وضعها، وهو حقيقة للتحريم وترك الحرام واجب، ومثل ذلك حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعاً: من صلى على جنازة ولم يمش معها فليقم حتى تغيب عنه، فإن مشى معها فلا يقعد حتى توضع-انتهى. وقال الأوزاعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسين: يستحب له أن لا يجلس حتى توضع عن أعناق الرجال، حكى عنهم ذلك النووي، والحافظ في الفتح، ونقله ابن المنذر عن أكثر الصحابة والتابعين، وحكى في الفتح عن الشعبي والنخعي: أنه يكره القعود قبل أن توضع، وهو مذهب الحنفية والحنابلة، كما في كتب فروعهم. واختلف الشافعية في ذلك فقال بعضهم: قيام المشيع قبل وضع الجنازة بالأرض منسوخ كالقيام لمن مرت به، وهو الذي حكاه ابن قدامة عن الشافعي، وقال بعضهم كقول الجمهور: أنه يستحب له أن لا يقعد حتى توضع، واستدل للنسخ بما سيأتي من حديث عبادة بن الصامت. (عند الترمذي وأبي داود وابن ماجه والبيهقي) (ج٤ص٢٨) والبزار والحازمي (ص١٣٠) قال: كان رسول الله ﷺ إذا اتبع الجنازة لم يقعد حتى توضع في اللحد، فعرض له حبر فقال: هكذا نصنع يا محمد، فجلس رسول الله ﷺ وقال: اجلسوا وخالفوهم. وأجيب عنه بأنه حديث ضعيف كما ستعرف، فلا يسوغ الاستدلال به على نسخ السنة الثابتة بالأحاديث الصحيحة. قال الحافظ في الفتح: لو لم يكن إسناده ضعيفاً لكان حجة في النسخ. وقال الحازمي بعد روايته: هذا حديث غريب. ولو صح لكان صريحاً في النسخ، غير أن حديث أبي سعيد أصح وأثبت فلا يقاومه هذا الإسناد-انتهى. على أن هذا الحديث إنما يدل على نسخ القيام قبل الوضع في اللحد لا على نسخ القيام قبل الوضع بالأرض، والمطلوب إثبات هذا لا ذاك. قال القاري في شرح قوله "خالفوهم" فبقي القول بأن التابع لم يقعد حتى توضع عن أعناق الرجال هو الصحيح، مع أن قوله: حتى توضع في اللحد يرده ما في حديث البراء الطويل المتقدم كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس فجلسنا حوله. واستدل للنسخ أيضاً بما سيأتي من حديث علي قال: كان رسول الله ﷺ أمرنا بالقيام في الجنازة، ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس، أخرجه أحمد (ج١ص٨٢) وابن حبان والحازمي (ص١٢١) وأخرجه البيهقي (ج٤ص٢٧) بلفظ: ثم قعد بعد ذلك وأمرهم بالقعود. وأجاب عنه الشوكاني بأن هذا الحديث إن صح صلح للنسخ لقوله فيه: وأمرنا بالجلوس، ولكنه لم يخرج هذه الزيادة مسلم ولا الترمذي ولا أبوداود (ولا ابن ماجه ولا أحمد في أكثر رواياته) ، بل اقتصروا على قوله: ثم قعد.

стр. 2328

متفق عليه. ــ (ومجرد الفعل لا يدل على نسخ القول؛ لاحتمال أن قعوده كان لبيان الجواز) قال: واقتصار جمهور المخرجين لحديث علي وحفاظهم على مجرد القعود بدون ذكر زيادة الأمر بالجلوس مما يوجب عدم الاطمينان إليها، والتمسك بها في النسخ لما هو من الصحة في الغاية. وأجاب عنه ابن حزم (ج٥ ص١٥٤) بأن الأمر فيه للإباحة والتخفيف، قال: كنا نقطع بالنسخ بهذا الخبر، لولا ما روينا من طريق النسائي عن سعيد المقبري عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا جميعاً: ما رأينا رسول الله ﷺ شهد جنازة قط فجلس حتى توضع، قال: فهذا عمله ﵇ المداوم، وأبوهريرة وأبوسعيد ما فارقاه ﵇ حتى مات، فصح أن أمره بالجلوس إباحة وتخفيف، وأمره بالقيام وقيامه ندب – انتهى. قلت: والظاهر أن المراد بالقيام المذكور في حديث علي هو القيام للجنازة إذا مرت به، لا قيام التابع والمشيع. وأما رواية الحازمي (ص١٣٠) بلفظ: قال علي: قدمنا مع رسول الله ﷺ المدينة أول ما قدمنا، فكان النبي ﷺ لا يجلس حتى توضع الجنازة، ثم جلسب بعد وجلسنا معه، فكان يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله ﷺ ، ففي كونها صالحة للاستدلال نظر، قال الحازمي: هذا الحديث بهذه الألفاظ غريب أيضاً. قلت: وكذا رواية البيهقي (ج٤ ص٢٧) بلفظ: قام رسول الله ﷺ مع الجنائز حتى توضع وقام الناس معه، ثم قعد بعد ذلك وأمرهم بالقعود، غريب أيضاً. نعم يشكل رواية الترمذي والنسائي والبيهقي (ج٤ ص٢٧) بلفظ: عن علي بن أبي طالب أنه ذكر القيام على الجنازة حتى توضع، فقال علي بن أبي طالب: قام رسول الله ﷺ ثم قعد، ورواية البيهقي (ج٤ ص٢٨) بلفظ: رأى علي الناس قياماً ينتظرون الجنازة أن توضع، فأشار إليهم بدرة معه أو سوط أن اجلسوا، فإن رسول الله ﷺ قد جلس بعد ما كان يقوم؛ لأن هاتين الروايتين تدلان على أن المراد القيام مطلقاً، وأن الذي فهمه عليّ ﵁ هو الترك مطلقاً، ولهذا أمر بالقعود من رأى قائماً ينتظر الجنازة أن توضع. ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن الذي استند إليه عليّ في الأمر بقعود المنتظرين إنما هو فعله ﷺ ، ومن المعلوم أن مجرد الفعل لا يدل على النسخ؛ لأنه يحتمل أن قعوده كان لبيان الجواز، وأن النهي في حديث أبي سعيد للتنزيه لا للتحريم، فتأمل. والقول الراجح عندي هو ما ذهب إليه الجمهور من أنه يستحب أن لا يجلس التابع والمشيع للجنازة حتى توضع بالأرض. وأن النهي في قوله: فلا يقعد، محمول على التنزيه. والله تعالى أعلم. ويدل على استحباب القيام إلى أن توضع ما رواه البيهقي (ج٤ ص٢٧) من طريق أبي حازم قال: مشيت مع أبي هريرة وابن عمر وابن الزبير والحسن بن علي أمام الجنازة حتى انتهينا إلى المقبرة، فقاموا حتى وضعت ثم جلسوا، فقلت لبعضهم، فقال: إن القائم مثل الحامل يعني في الأجر. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي والبيهقي (ج٤ص٢٦) .

стр. 2329

١٦٦٣- (٤) وعن جابر، قال: ((مرت جنازة، فقام لها رسول الله ﷺ وقمنا معه، فقلنا: يا رسول الله! إنها يهودية، فقال: إن الموت فزع، فإذا رأيتم الجنازة فقوموا)) . متفق عليه. ــ ١٦٦٣- قوله: (إنها) أي الميتة (يهودية) أو الجنازة جنازة يهودية، وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: إنها جنازة يهودي. (إن الموت فزع) بفتحتين. قال القرطبي: معناه أن الموت يفزع منه إشارة إلى استعظامه. ومقصود الحديث أن لا يستمر الإنسان على الغفلة بعد رؤية الموت لما يشعر ذلك من التساهل بأمر الموت، فمن ثم استوى فيه كون الميت مسلماً أو غير مسلم. وقال غيره: جعل نفس الموت فزعاً مبالغة، كما يقال رجل عدل. قال البيضاوي: هو مصدر جرى مجرى الوصف للمبالغة، أو فيه تقدير الموت ذو فزع-انتهى. ويؤيد الثاني رواية النسائي بلفظ: إن للموت فزعاً. وعن أبي هريرة عند ابن ماجه وعن ابن عباس عند البزار مثله. قال البزار: وفيه تنبيه على أن تلك الحالة ينبغي لمن رآها أن يقلق من أجلها ويضطرب، ولا يظهر منه عدم الاحتفال والمبالاة. (فإذا رأيتم الجنازة فقوموا) أي تعظيماً لهول الموت وفزعه لا تعظيماً للميت، فلا يختص القيام بميت دون ميت. واعلم أنه اختلف الأحاديث في تعليل القيام بجنازة اليهودي أو اليهودية، ففي هذا الحديث التعليل بقوله: إن الموت فزع، وفي حديث سهل بن حنيف وقيس الآتي التعليل بكونها نفساً، وفي حديث أنس عند النسائي والحاكم: إنما قمنا للملائكة، ونحوه لأحمد من حديث أبي موسى، وسيأتي هذان الحديثان في الفصل الثالث، وفي حديث عبد الله بن عمرو عند أحمد والحاكم والبيهقي: إنما تقومون للذي يقبض النفوس، وأخرجه ابن حبان بلفظ: إعظاماً لله الذي يقبض الأرواح. ولا معارضة في هذه التعليلات، إذ يجوز تعدد الأغراض والعلل، فيكون القيام مطلوباً تعظيما لأمر الموت والملائكة جميعاً وغير ذلك. قال الحافظ: لا منافاة فيها لأن القيام للفزع من الموت فيه تعظيم لأمر الله وتعظيم للقائمين بأمره في ذلك وهم الملائكة. وأما ما أخرجه أحمد من حديث الحسن بن علي: قام رسول الله ﷺ تأذياً بريح اليهودي. زاد الطبراني من حديث عبد الله بن عياش: فآذاه ريح بخورها. وللنسائي والطبري من وجه آخر عن الحسن: كره أن تعلو رأسه جنازة يهودي، فإن ذلك لا يعارض الأخبار الأولى الصحيحة. أما أولاً فلأن أسانيدها لا تقاوم تلك في الصحة، وأما ثانياً فلأن التعليل بذلك راجع إلى ما فهمه الراوي، والتعليل الماضي صريح من لفظ النبي ﷺ ، فكأن الراوي لم يسمع بالتعليل منه فعلل باجتهاده، كذا في الفتح. (متفق عليه) واللفظ لمسلم. ولفظ البخاري: مر بنا جنازة فقام لها النبي ﷺ وقمنا، فقلنا يا رسول الله! إنها جنازة يهودي، قال:

стр. 2330

١٦٦٤- (٥) وعن علي، قال: ((رأينا رسول الله صلى الله ﷺ قام فقمنا، وقعد فقعدنا، ــ إذا رأيتم الجنازة فقوموا. قال ميرك: في قوله: متفق عليه، نظر من وجهين أحدهما أن جملة إن الموت فرع من أفراد مسلم عن البخاري، والثاني أن لفظ البخاري: إنها جنازة يهودي-انتهى. والحديث أخرجه أبوداود والنسائي والبيهقي أيضاً. ١٦٦٤- قوله: (رأينا رسول الله ﷺ قام) أي لرؤية الجنازة. (فقمنا) أي تبعاً له. (وقعد فقعدنا) وفي رواية لمسلم: قام رسول الله ﷺ ثم قعد. قال البيضاوي: يحتمل قول علي: ثم قعد، أي بعد أن جاوزته وبعدت عنه. ويحتمل أن يريد كان يقوم في وقت ثم ترك القيام أصلاً، وعلى هذا يكون فعله الأخير قرينة في أن المراد بالأمر الوارد في ذلك الندب. ويحتمل أن يكون نسخاً للوجوب المستفاد من ظاهر الأمر. والأول أرجح؛ لأن احتمال المجاز يعني في الأمر أولى من دعوى النسخ-انتهى. وقال الترمذي: معنى قول علي: قام النبي ﷺ في الجنازة ثم قعد، يقول: كان النبي ﷺ يقوم إذا رأى الجنازة ثم ترك ذلك بعد، فكان لا يقوم إذا رأى الجنازة، قال: وهذا الحديث ناسخ للحديث الأول: إذا رأيتم الجنازة فقوموا-انتهى. وكذا استدل به على النسخ كل من ذهب إلى نسخ القيام للجنازة لمن مرت به. وتعقبه النووي بأن حديث علي هذا ليس صريحاً في النسخ لاحتمال أن القعود فيه لبيان الجواز، فلا يصح دعوى النسخ؛ لأن النسخ إنما يكون إذا تعذر الجمع بين الأحاديث، ولم يتعذر بل هو ممكن، كما تقدم. وقال ابن حزم في المحلى (ج٥ص١٥٤) : قعوده ﷺ بعد بأمره بالقيام يدل على أن الأمر للندب. ولا يجوز أن يكون نسخاً؛ لأن النسخ لا يكون إلا بنهي أو بترك معه نهي-انتهى. وأما حديث علي الآتي بلفظ: أمرنا بالقيام في الجنازة، ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس، فقد تقدم جوابه عن الشوكاني وابن حزم في شرح حديث أبي سعيد. وأما ما رواه أحمد (ج١ص١٤٢) والحازمي (ص١٢١) من طريق أبي معمر وهو عبد الله بن سخبرة قال: كنا مع علي فمر به جنازة فقام لها ناس، فقال علي: من أفتاكم هذا؟ فقالوا أبوموسى. قال إنما فعل ذلك رسول الله ﷺ مرة، فكان يتشبه بأهل الكتاب، فلما نهي انتهى، لفظ أحمد، ولفظ الحازمي: فلما نسخ ذلك ونهي عنه انتهى. ففيه أنه لا يصلح النسخ ما ثبت بالأحاديث المخرجة في الصحيحين وغيرهما؛ لأن مداره على ليث بن أبي سليم وهو صدوق يهم، قاله البخاري. وقال الحافظ: صدوق اختلط أخيراً، ولم يتميز حديثه فترك-انتهى. ولا يغتر برواية الثوري هذا الحديث عن ليث، فإن رواية الثقات عن الضعفاء الواهمين لا يدل على كون الرواية صالحة للاحتجاج، كما لا يخفى. وقد روى هذا الحديث أحمد بأطول من هذا من طريق ليث في مسند أبي موسى الأشعري (ج٤ص٤١٣) وفيه فإذا نهي انتهى، فما عاد لها بعد، ورواه النسائي من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر قال: كنا عند علي فمرت به جنازة فقاموا

стр. 2331

يعني في الجنازة)) . رواه مسلم، وفي رواية مالك، وأبي داود: ((قام في الجنازة، ثم قعد بعد)) . ١٦٦٥- (٦) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً، وكان معه حتى يصلي عليها ــ لها، فقال علي: ما هذا؟ قالوا أمر أبي موسى، فقال: إنما قام رسول الله ﷺ لجنازة يهودية ولم يعد بعد ذلك-انتهى. وهذا كما ترى، ليس فيه ذكر النسخ والنهي، وهو موافق لرواية مسلم والترمذي وأبي داود وأكثر روايات أحمد، فهو مقدم على رواية ليث، ولأن ابن نجيح اتفق الأئمة على توثيقه. ولعلك عرفت بما ذكرنا أنه لا يصلح شيء مما يذكره الجمهور لنسخ القيام للجنازة. والقول الراجح عندي هو ما ذهب إليه أحمد أنه مخير، إن قام فلا عيب عليه، وإن قعد فلا بأس به، والله تعالى اعلم. (رواه مسلم) وأخرجه أحمد (ج١ص٨٣، ١٣١، ١٣٨) والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٤ص٢٧) . (وفي رواية مالك وأبي داود قام في الجنازة) أي لها. (ثم قعد بعد) هذا لفظ أبي داود. وسياق الموطأ: كان يقوم في الجنائز ثم جلس بعد. قال ميرك: وكأنه اعتراض على صاحب المصابيح، حيث أورد الحديث في الصحاح بلفظ مالك وأبي داود دون مسلم. والجواب من قبل صاحب المصابيح أنه يحتمل أنه اختار لفظ أبي داود؛ لأنه أصرح في النسخ. (على زعمه) من عبارة مسلم كما لا يخفى، وإنما أورده لبيان أن الأمر بالقيام للجنازة المفهوم من الحديث السابق منسوخ، لا لأنه المقصود من الباب، تأمل-انتهى. ١٦٦٥- قوله: (من اتبع) بتشديد التاء المثناة الفوقية من الإتباع. قال القاري: وفي نسخة صحيحة: من تبع أي بدون الألف. وكسر الباء. قلت: وقع في أكثر روايات البخاري: اتبع بالتشديد. وفي رواية الأصيلي وابن عساكر: تبع بغير ألف وكسر الموحدة (جنازة مسلم) يقال: تبع القوم بالكسر يَتْبَعهم بالفتح تَبْعاً وتَبَاعةً إذا مشي خلفهم أو مروا به فمضى معهم، واتَّبَع القوم مثل تبعهم. (إيماناً) أي بالله ورسوله. وقيل أي تصديقاً بأنه حق. وقيل: تصديقاً بما وعد عليه من الأجر. (واحتساباً) أي طلباً للثواب لا مكافاة ومخافة، ونصبهما على العلة أو على أنهما حالان أي مؤمناً ومحتسباً. (وكان معه) أي استمر مع جنازته. (حتى يصلي عليها) بصيغة المعلوم. وضمير الفاعل يرجع إلى من. ويروي بفتح اللام على صيغة المجهول، وقوله: عليها، مفعول ناب عن الفاعل، فعلى الرواية الأولى لا يحصل الموعود به إلا لمن توجد منه الصلاة، وعلى الثانية قد يقال يحصل له ذلك ولو لم يصل. والصواب أنه لا يحصل له القيراطان بالدفن من غير صلاة؛ لأن المراد أن يصلي هو أيضاً جمعاً بين الروايتين وحملاً للمطلق على المقيد. قال الحافظ: رواية فتح اللام محمولة على رواية الكسر، فإن حصول القيراط

стр. 2332

ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن، فإنه يرجع بقيراط)) ــ متوقف على وجود الصلاة من الذي يحصل له-انتهى. وقال ابن المنير: إن القيراط لا يحصل إلا لمن اتبع وصلى أو اتبع وشيع وحضر الدفن، لا لمن اتبع مثلاً وشيع ثم انصرف بغير صلاة، وذلك لأن الإتباع إنما هو وسيلة لأحد مقصودين إما الصلاة وإما الدفن، فإذا تجردت الوسيلة عن المقصد لم يحصل المترتب على المقصود وإن كان يترجى أن يحصل لذلك، فضل ما يحتسب. (ويفرغ من دفنها) بالبناء للفاعل، ويروى بالبناء للمفعول، والجار والمجرور نائب الفاعل، والفعلان منصوبان بأن مضمرة بعد حتى. (من الأجر) حال من قوله: بقيراطين. قال الطيبي: أي كائناً من الثواب، فمن بيانية تقدمت على المبين. (بقيراطين) مثنى قيراط أي بقسطين ونصيبين عظيمين، والباء تتعلق بيرجع. والقيراط بكسر القاف أصله قراط بتشديد الراء بدليل جمعه على قراريط فأبدل من أحد الرائين ياء، كما في الدينار أصله دنار بدليل جمعه على دنانير. قال الجوهري القيراط نصف دانق والدانق سدس الدرهم، فعلى هذا يكون القيراط جزءاً من اثني عشر جزءاً من الدرهم. وقال صاحب النهاية، القيراط جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عشره في أكثر البلاد. وأهل الشام يجعلونه جزءاً من أربعة وعشرين، وقد يطلق ويراد به بعض الشيء، وذكر القيراط تقريباً للفهم لما كان الإنسان يعرف القيراط ويعمل العمل في مقابلته، فضرب له المثل بما يعلم، ثم لما كان مقدار القيراط المتعارف حقيراً نبه على عظم القيراط الحاصل لمن فعل ذلك فقال: (كل قيراط مثل أحد) بضمتين، قال الحافظ: ذهب الأكثر إلى أن المراد بالقيراط ههنا جزء من أجزاء معلومة عند الله تعالى، وقد قربها النبي ﷺ للفهم بتمثيله القيراط بأُحد. قال الطيبي: قوله: مثل أُحد، تفسير للمقصود من الكلام لا للفظ القيراط. والمراد منه على الحقيقة أنه يرجع بنصيب كبير من الأجر، وذلك لأن لفظ القيراط مبهم من وجهين، فبين الموزون بقوله: من الأجر، وبين المقدار منه بقوله: مثل أحد. والحاصل أنه تمثيل واستعارة. والقيراط عبارة عن ثواب معلوم عند الله تعالى عبر عنه ببعض أسماء المقادير، وفسر بجبل عظيم تعظيماً له وهو أحد. وخص التمثيل بأحد لأنه كان قريباً من المخاطبين يشترك أكثرهم في معرفته كما ينبغي، ولأنه كان أكثر الجبال إلى النفوس المؤمنة حبًّا؛ لأنه الذي قال في حقه: إنه جبل يحبنا ونحبه. ويجوز أن يكون على حقيقته بأن يجعل الله ذلك العمل يوم القيامة جسماً قدر جبل أحد ويوزن. وفي حديث واثلة عند ابن عدي: كتب له قيراطان أخفهما في ميزانه يوم القيامة أثقل من جبل أحد، فأفادت هذه الرواية بيان وجه التمثيل بجبل أحد، وأن المراد به زنة الثواب المرتب على ذلك العمل. ووقع في رواية للنسائي: كل واحد منهما أعظم من أحد. وعند مسلم: أصغرهما مثل أحد. ولا مخالفة فيها؛ لأن ذلك يختلف باختلاف أحوال المتبعين. (ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن) أي الجنازة. (فإنه يرجع بقيراط) أي من الأجر. قال النووي: اعلم أن

стр. 2333

متفق عليه. ١٦٦٦- (٧) وعنه: أن النبي ﷺ نعى للناس النجاشي ــ الصلاة يحصل بها قيراط إذا انفردت، فإن انضم إليها الإتباع حتى الفراغ من الدفن حصل له قيراط ثان، فلمن صلى وحضر الدفن القيراطان، ولمن اقتصر على الصلاة قيراط واحد. ولا يقال: يحصل بالصلاة مع الدفن ثلاثة قراريط كما يتوهمه بعضهم من ظاهر بعض الأحاديث؛ لأن هذا النوع صريحاً، والحديث المطلق والمحتمل محمول عليه. وأما رواية من صلى على جنازة فله قيراط. ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان. فمعناه فله تمام قيراطين بالمجموع، قال وفي الحديث تنبيه على مسألة أخرى، وهي أن القيراط الثاني مقيد بمن اتبعها وكان معها في جميع الطريق حتى تدفن، فلو صلى وذهب إلى القبر وحده ومكث حتى جاءت الجنازة وحضر الدفن لم يحصل له القيراط الثاني-انتهى. وفي الحديث الحث على الصلاة على الميت واتباع جنازته وحضور دفنه. وفيه الحض على الاجتماع لذلك، والتنبيه على عظيم فضل الله، وتكريمه للمسلم في تكثير الثواب لمن يتولى أمره بعد موته. وفيه تقدير الأعمال بنسبة الأوزان إما تقريباً للأفهام، وإما على حقيقته بأن يجعلها أعياناً. قال الحافظ: قد تمسك بقوله: من أتبع من زعم أن المشي خلف الجنازة أفضل ولا حجة فيه؛ لأنه يقال تبعه إذا مشى خلفه وإذا مر به فمشى معه، وكذلك أتبعه بالتشديد وهو افتعل منه فإذا هو مقول بالاشتراك وبين المراد الحديث الآخر المصحح عند ابن حبان وغيره من حديث ابن عمر بالمشي أمامها. وأما أتبعه بالإسكان فهو بمعنى لحقه إذا كان سبقه ولم تأت به الرواية ههنا-انتهى. (متفق عليه) واللفظ للبخاري في كتاب الإيمان والحديث أخرجه أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي أيضاً. وفي الباب عن جماعة من الصحابة ذكرهم الحافظ في الفتح. ١٦٦٦- قوله: (نعى للناس النجاشي) أي أخبرهم بموته. في القاموس. نعاه له نعواً ونعياً أخبره بموته. والنجاشي بفتح النون وتخفيف الجيم وبعد الألف شين معجمة ثم ياء ثقيلة كياء النسب. وقيل بالتخفيف ورجحه الصنعاني. وهو لقب لكل من ملك الحبشة. وحكى المطرزي تشديد الجيم عن بعضهم وخطأه، كذا في الفتح. وقال العيني: النجاشي بفتح النون وكسرها، كلمة للحبش تسمى بها ملوكها، والمتأخرون يلقبونه الأبحري. قال ابن قتيبة: هو بالنبطية، ذكره ابن سيدة، وكان اسمه أصحمة، كما في رواية للشيخين، وهو بفتح الهمزة وسكون الصاد وبفتح الحاء المهملتين على وزن أربعة، ووقع في مصنف ابن أبي شيبة صحمة بفتح الصاد وسكون الحاء، ووقع في بعض الروايات أصخمة بخاء معجمة وإثبات الألف. قال الإسماعيلي: وهو غلط. وحكى الكرماني أن في بعض النسخ صحبة بالموحدة بدل الميم. ومعنى أصحمة بالعربية عطية، قاله ابن قتيبة وغيره.

стр. 2334

والنجاشي هذا هو الذي هاجر المسلمون إليه، وكتب إليه النبي ﷺ مع عمرو بن أمية الضمرى سنة ست أو سبع من الهجرة في المحرم. فأخذ كتاب النبي ﷺ فوضعه على عينيه، ونزل عن سريره فجلس على الأرض تواضعاً، ثم أسلم على يدي جعفر بن أبي طالب وكتب إلى النبي ﷺ بذلك، وتوفي في رجب سنة تسع من الهجرة منصرف النبي ﷺ من تبوك، ونعاه النبي ﷺ يوم توفي، هكذا قال جماعة من أهل السير والتاريخ، منهم الواقدي وابن سعد وابن جرير وآخرون. قال في الخميس نقلاً عن المواهب: وأما النجاشي الذي ولى بعده وكتب إليه النبي ﷺ يدعوه إلى الإسلام فكان كافراً لم يعرف إسلامه ولا اسمه، وقد خلط بعضهم ولم يميز بينهما-انتهى. وقال ابن القيم: ليس الأمر كما قال الواقدي وغيره، فإن أصحمة النجاشي الذي صلى عليه رسول الله ﷺ ليس هو الذي كتب إليه. (مع عمرو بن أمية) وهو الثاني، ولا يعرف إسلامه بخلاف الأول، فإنه مات مسلماً، وقد روى مسلم في صحيحه من حديث قتادة عن أنس قال: كتب رسول الله ﷺ إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه رسول الله ﷺ . قال ابن حزم: إن هذا النجاشي الذي بعث إليه رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمرى لم يسلم. قال ابن القيم: والظاهر قول ابن حزم-انتهى. وأجاب أهل السير عن حديث أنس بأنه وهم من بعض الرواة، أو أنه عبر ببعض ملوك الحبشة عن الملك الكبير، أو يحمل على أنه لما توفي قام مقامه آخر فكتب إليه أي في سنة تسع، وهذا هو الراجح. وحاصله أنه ﷺ كتب إلى النجاشي الذي صلى عليه وإلى النجاشي الذي تولى بعده على يد عمرو بن أمية أو غيره، فيكون هذه الكتابة متأخرة عن الكتابة لأصحمة الرجل الصالح الذي آمن به ﷺ ، وأكرم أصحابه، وصلى هو عليه، فلا مخالفة بين رواية أهل السير ورواية مسلم، فتأمل. وفي الحديث دليل على جواز النعي أي الإعلام بالموت، وقد بوب عليه البخاري "باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه". قال الحافظ: فائدة هذه الترجمة الإشارة إلى أن النعي ليس ممنوعاً كله، وإنما نهي عما كان أهل الجاهلية يصنعونه، فكانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور والأسواق، ثم ذكر عن ابن سيرين أنه قال: لا أعلم بأساً أن يؤذن الرجل صديقه وحميمه، قال: وحاصله أن محض الإعلام بذلك لا يكره، فإن زاد على ذلك فلا، وقد كان بعض السلف يشدد في ذلك، حتى كان حذيفة إذا مات له الميت يقول: لا تؤذنوا أحداً، إني أخاف أن يكون نعياً، إني سمعت رسول الله ﷺ بأذني هاتين ينهى عن النعي، أخرجه الترمذي وابن ماجه بإسناد حسن. قال ابن العربي: يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات: الأولى إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح، فهذا سنة، الثانية دعوة الحفل للمفاخرة، فهذه تكره، الثالثة الإعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك. فهذا يحرم.

стр. 2335

اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، ــ (اليوم) ظرف نعي أي في اليوم. (الذي مات فيه) وهو في رجب سنة تسع من الهجرة منصرفه من تبوك كما تقدم وذلك معجزة عظيمة منه ﷺ حيث أعلمهم بموته في اليوم الذي توفي فيه مع بُعد عظيم ما بين المدينة والحبشة. (وخرج بهم إلى المصلى) وفي رواية ابن ماجه: فخرج وأصحابه إلى البقيع. قال الحافظ: والمراد بالبقيع بقيع بطحان، أو يكون المراد بالمصلي موضعاً معداً للجنائز ببقيع الغرقد غير مصلى العيدين، والأول أظهر، وقال في شرح حديث ابن عمر في رجم اليهوديين بلفظ "فأمر بهما فرجماً قريباً من موضع الجنائز عند المسجد". حكى ابن بطال عن ابن حبيب أن مصلى الجنائز بالمدينة كان لاصقاً بمسجد النبي ﷺ من ناحية جهة المشرق-انتهى. فإن ثبت ما قال، وإلا فيحتمل أن يكون المراد بالمسجد هنا المصلي المتخذ للعيدين والاستسقاء؛ لأنه لم يكن عند المسجد النبوي مكان يتهيأ فيه الرجم، وسيأتي في قصة ماعز "فرجمناه بالمصلي"-انتهى. وقد تمسك بهذا الحديث من قال بكراهة صلاة الجنازة في المسجد، سواء كان القوم والميت في المسجد، أو كان الميت خارج المسجد، والقوم كلهم أو بعضهم في المسجد، وهذا لأنه ﷺ خرج بأصحابه إلى المصلي فصف بهم وصلى عليه، ولو ساغ أن يصلي عليه في المسجد لما خرج بهم، والقول بالكراهة للحنفية والمالكية. واستدل لهم أيضاً ما رواه أبوداود وابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعاً: من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له. وأجيب بأنه ليس فيه نهي عن الصلاة في المسجد. ويحتمل أن يكون خرج بهم إلى المصلي لغير المعنى الذي ذكروه، وقد ثبت أنه ﷺ صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد، فكيف يترك هذا الصريح لأمر محتمل، بل الظاهر أنه إنما خرج بالمسلمين إلى المصلي لقصد تكثير الجمع الذين يصلون عليه، ولتعظيم شأنه، ولإشاعة كونه مات على الإسلام، فقد كان بعض الناس لم يدر بكونه أسلم، كما روى ابن أبي حاتم في التفسير، والدارقطني في الأفراد، والبزار من حديث أنس. وأما حديث أبي هريرة فأجيب عنه بوجوه، منها أنه ضعيف ضعفه أحمد بن حنبل وابن حبان وابن عدي والبيهقي والخطابي وابن المنذر والنووي وغيرهم. قلت: في سنده صالح بن نبهان مولى التوأمة، وقد تفرد به وهو صدوق، اختلط بآخره، ورواه عنه ابن أبي ذئب، واختلفوا في أنه سمع هذا الحديث من صالح قبل الاختلاط أو بعده. قال ابن معين: سمع منه ابن أبي ذئب قبل أن يخرف. وقال ابن المديني: سماع ابن أبي ذئب منه قبل الخرف. وقال الجوزجاني: تغير أخيراً، فحديث ابن أبي ذئب عنه مقبول لسنه وسماعه القديم. وقال ابن عدي: لا بأس به إذا روى عنه القدماء مثل ابن أبي ذئب وابن جريج. ويعارض هذا كله ما روى الترمذي عن البخاري عن أحمد بن حنبل قال: سمع ابن أبي ذئب من صالح أخيراً، وروى عنه منكراً، حكاه ابن القطان عن الترمذي. وما نقل الزيلعي عن ابن عدي أنه عد هذا

стр. 2336

الحديث من منكرات صالح، والظاهر أن ابن أبي ذئب سمع منه قبل الاختلاط وبعده، ولم يدر أنه أخذ هذا الحديث منه قبل الاختلاط أو بعده. قال ابن حبان: اختلط حديثه الأخير بحديثه القديم ولم يتميز فاستحق الترك-انتهى. وعلى هذا لا يكون هذا الحديث صالحاً للاحتجاج، ومنها ما قال النووي: إن الذي في النسخ المشهورة المحققة المسموعة من سنن أبي داود "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء عليه" فلا حجة لهم حينئذٍ. ومنها ما قاله النووي أيضا: إنه لو ثبت الحديث بلفظ "فلا شيء له" لوجب تأويله بأن له بمعنى عليه ليجمع بين الروايتين، ولئلا يخالف قوله فعله في الصلاة على ابني بيضاء في المسجد، ومنها أن معنى قوله: فلا شيء له، أي فلا أجر له، كما في رواية، والروايات يفسر بعضها بعضاً، والمراد فلا أجر له كاملاً. قال القاري: الأظهر أن يحمل على نفي الكمال كما في نظائره، والدليل عليه ما في مسلم عن عائشة: والله لقد صلى النبي ﷺ على ابني بيضاء في المسجد سهيل وأخيه. وقال الخطابي: ثبت أن أبا بكر وعمر صلى عليهما في المسجد، ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما، وفي تركهم الإنكار دليل الجواز-انتهى. قلت: وكذا يحمل على نفي الكمال رواية ابن ماجه: فليس له شيء. قال السندي: ظاهره أن المعنى فليس له أجر، كما في رواية، وسلب الأجر من الفعل الموضوع للأجر يقتضي عدم الصحة، ولذا جاء في رواية ابن أبي شيبة في مصنفه: فلا صلاة له، لكن يشكل بأن الصلاة صحيحة إجماعاً، فيحمل على أنه ليس له أجر كامل، ويمكن أن يقال: معنى فلا شيء فلا أجر له لأجل كونه صلى في المسجد، فالحديث لبيان أن صلاة الجنازة في المسجد ليس لها أجر لأجل كونها في المسجد كما في المكتوبات، فأجر أصل الصلاة باق، وإنما الحديث لإفادة سلب الأجر بواسطة ما يتوهم من أنها في المسجد، فيكون الحديث مفيداً لإباحة الصلاة في المسجد من غير أن يكون لها بذلك فضيلة زائدة على كونها خارجها، وينبغي أن يتعين هذا الاحتمال دفعاً للتعارض وتوفيقاً بين الأدلة بحسب الإمكان، وعلى هذا فالقول بكراهة الصلاة في لمسجد مشكل، نعم ينبغي أن يكون الأفضل خارج المسجد بناء على الغالب أنه ﷺ كان يصلي خارج المسجد، وفعله في المسجد كان مرة أو مرتين-انتهى كلام السندي. وأما ما قال بعض الحنفية: إن العمل استقر على ترك الصلاة عليها في المسجد؛ لأن الناس قد أنكروا وعابوا على عائشة وغيرها من أزواج النبي ﷺ صلاتهن على جنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد النبوي، وكان هؤلاء المنكرون من الصحابة فمردود بأن عائشة لما أنكرت ذلك الإنكار سلموا لها، فدل على أنها حفظت ما نسوه، وقد روى أبوبكر بن أبي شيبة وغيره أن عمر صلى على أبي بكر في المسجد، وأن صهيباً صلى على عمر في المسجد، زاد في رواية ووضعت الجنازة في المسجد تجاه المنبر. قال الحافظ: وهذا يقتضى الإجماع على جواز ذلك-انتهى.

стр. 2337

فصف بهم، وكبر أربع تكبيرات. ــ وقال ابن قدامة: كان هذا بمحضر من الصحابة فلم ينكر فكان إجماعاً-انتهى. وأما دعوى الطحاوي والعيني ومن تبعهما أن الجواز كان أولاً ثم بحديث أبي هريرة، أو أنه كان لعذر وضرورة مثل المطر أو الاعتكاف فمردودة، وكل ما ذكروه لإثبات النسخ فمما لا طائل تحته. قال البيهقي: لو كان عند أبي هريرة نسخ حديث عائشة لذكره يوم صلى على أبي بكر الصديق في المسجد ويوم صلى على عمر بن الخطاب في المسجد، ولذكره من أنكر على عائشة أمرها بإدخاله المسجد، أو ذكره أبوهريرة حين روت فيه الخبر، وإنما أنكره من لم يكن له معرفة بالجواز، فلما روت فيه الخبر سكتوا ولم ينكروه ولا عارضوه بغيره-انتهى. والحق أنه يجوز الصلاة على الجنائز في المسجد من غير كراهة، والأفضل الصلاة عليها خارج المسجد؛ لأن أكثر صلاته ﷺ على الجنائز كان في المصلى. ولبعض أفاضل بلدة بنارس من أهل الحديث رسالتان لطيفتان في هذه المسألة، قد بسط في الثانية القول في الجواب عن حديث أبي هريرة بما لا مزيد عليه. (فصف بهم) لازم، والباء بمعنى مع، أي صف معهم، أو متعد والباء زائدة للتوكيد أي صفهم، قاله الزرقاني. وفيه دليل على أن من سنة هذه الصلاة الصف كسائر الصلوات، ويتقدمهم إمامهم، ففي رواية من حديث جابر: فصفوا خلفه. وفي أخرى: فصفنا وراءه. وفي أخرى: فقمنا فصفنا صفين. وفي أخرى: قال جابر كنت في الصف الثاني. وفي كل هذا رد على من استحب أن يكون المصلون على الجنازة سطراً واحداً، نقله ابن العربي عن مالك. (وكبر أربع تكبيرات) فيه دليل على أن المشروع في تكبير الجنازة أربع، وسيأتي الكلام في ذلك. وفي هذه القصة دليل على مشروعية الصلاة على الميت الغائب في بلد آخر، وفيه أقوال: الأول تشرع مطلقاً، سواء كان الميت في جهة القبلة أو لم تكن، وسواء كان بين البلدين مسافة القصر أو لم تكن، وسواء كان بأرض لم يصل عليه فيها أو كان بأرض صلى عليه فيها، وبه قال الشافعي وأحمد وجمهور السلف حتى قال ابن حزم لم يأت عن أحد من الصحابة منعه. والثاني منعه مطلقاً وهو للحنفية والمالكية. والثالث يجوز في اليوم الذي مات فيه الميت أو ما قرب منه لا إذا طالت المدة، حكاه ابن عبد البر، والرابع يجوز ذلك إذا كان الميت في جهة القبلة، فلو كان بلد الميت مستدبر القبلة مثلاً لم يجز، قال به ابن حبان، وحجته حجة الذي قبله الجمود على قصة النجاشي. والخامس أنه يصلي على الغائب إذا كان بأرض لا يصلي عليه فيها كالنجاشي، فإنه مات بأرض لم يسلم أهلها واختاره ابن تيمية، ونقله الحافظ في الفتح عن الخطابي وإنه استحسنه الروياني من الشافعية. قال الحافظ: وهو محتمل إلا أنني لم أقف في شيء من الأخبار أنه لم يصل عليه في بلده أحد. وتعقبه الزرقاني بأن هذا مشترك الإلزام، فلم يرد في شيء من الأخبار

стр. 2338

أنه صلى عليه أحد في بلده كما جزم به أبوداود، ومحله في اتساع الحفظ معلوم-انتهى. قال في عون المعبود: نعم ما ورد فيه شيء نفياً ولا إثباتاً، لكن من المعلوم أن النجاشي أسلم شاع إسلامه ووصل إليه جماعة من المسلمين مرة بعد مرة وكرة بعد كرة، فيبعد كل البعد أنه ما صلى عليه أحد في بلده. وقال ابن قدامة في المغني (ج٢ص٥١٣) إن هذا بعيد؛ لأن النجاشي ملك الحبشة وقد أسلم وأظهر إسلامه، فيبعد أن يكون لم يوافقه أحد يصلي عليه-انتهى. واستدل بعضهم لما قال الخطابي وغيره بما روى الطيالسي وأحمد وابن ماجه والطبراني والضياء من حديث حذيفة بن أسيد أن النبي ﷺ خرج بهم، فقال: صلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم، قالوا: من هو؟ قال النجاشي، ولا حجة فيه لهم، بل فيه حجة عليهم، فإنه ليس فيه أنه لم يصل عليه أحد في بلده. والمراد بأرضكم أرض المدينة كان النبي ﷺ قال: إن النجاشي إن مات في أرضكم المدينة لصليتم عليه كما تصلون على من تشهدون جنازته. لكنه مات في غير أرضكم، فصلوا عليه صلاة الغائب، فهذا تشريع منه وسنة للأمة الصلاة على كل غائب. واعتذر من منع من صلاة الجنازة على الغائب مطلقاً عن هذه القصة بأن ذلك خاص بالنجاشي؛ لأنه كشف له ﷺ ورفع الحجب عنه، حتى رآه كما كشف له عن بيت المقدس حين سألته قريش عن صفته، فصلى عليه وهو يرأه صلاته على الحاضر المشاهد وإن كان على مسافة من البعد، فتكون صلاته كصلاة الإمام على ميت رآه ولم يره المأمومون، ولا خلاف في جوازها، واستندوا لذلك إلى ما ذكر الواقدي في أسبابه عن ابن عباس قال: كشف للنبي ﷺ عن سرير النجاشي حتى رآه وصلى عليه، ولابن حبان من حديث عمران بن حصين: فقام وصفوا خلفه وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه، ولأبي عوانة: فصلينا خلفه ونحن لا نرى إلا أن الجنازة قدامنا، قالوا ويدل على الخصوصية أيضاً أن النبي ﷺ لم يصل على غائب غيره، وقد مات من الصحابة خلق كثير وهم غايبون عنه وسمع بهم، فلم يصل عليهم إلا غائباً واحداً، ورد أنه طويت له الأرض حتى حضره أو رفع له الحجاب حتى رآه، وهو معاوية بن معاوية المزني كما روى الطبراني وابن مندة والبيهقي وابن سعد وغيرهم من حديث أنس، والطبراني وأبوأحمد والحاكم من حديث أبي أمامة. وأجيب عن ذلك بأن الأصل عدم الخصوصية، ولو فتح باب هذا الخصوص؛ لأنسد كثير من أحكام الشرع. قال الخطابي: زعم أن النبي ﷺ كان مخصوصاً بهذا الفعل فاسد؛ لأن رسول الله ﷺ إذا فعل شيئاً من أفعال الشريعة كان علينا إتباعه والإيتساء به، والتخصيص لا يعلم إلا بدليل، ومما يبين ذلك أنه ﷺ خرج بالناس إلى الصلاة فصف بهم وصلوا معه، فعلم أن هذا التأويل فاسد. وقال ابن قدامة: نقتدي بالنبي ﷺ ما لم يثبت ما يقتضي اختصاصه، ولأن الميت مع البعد لا تجوز الصلاة عليه

стр. 2339

متفق عليه. ١٦٦٧- (٨) وعن عبد الرحمن بن أبي ليلي، قال: كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعا وإنه كبر على جنازة، خمسا، فسألناه فقال: كان رسول الله ﷺ يكبرها. ــ وإن رئي. ثم لو رآه النبي ﷺ لاختصت الصلاة به. وقد صف النبي ﷺ فصلى بهم-انتهى. وأما الاستناد للتخصيص إلى ما ذكروه من حديث ابن عباس وحديث عمران بن حصين فليس بشيء، فإن حديث ابن عباس ذكره الواقدي في أسبابه بغير إسناد، كما قال الحافظ في الفتح فلا يلتفت إليه. وأما حديث عمران بن حصين المذكور بلفظ: وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه، وبلفظ: لا نرى إلا أن الجنازة قدامنا فلأن المراد به أنهم صلوا عليه كما يصلون على الميت الحاضر من غير فرق. ويدل عليه حديث عمران نفسه عند الترمذي وغيره بلفظ: فقمنا فصففنا كما يصف على الميت وصلينا عليه كما يصلي على الميت. ويؤيده أيضاً حديث مجمع عند الطبراني بلفظ: فصففنا خلفه صفين وما نرى شيئاً-انتهى. قال ابن العربي المالكي: قال المالكية ليس ذلك إلا لمحمد، قلنا: وما عمل به محمد تعمل به أمته يعني؛ لأن الأصل عدم الخصوصية، قالوا: طويت له الأرض وأحضرت الجنازة بين يديه، قلنا إن ربنا عليه لقادر، وإن نبينا لأهل ذلك، ولكن لا تقولوا إلا ما رويتم، ولا تخترعوا حديثاً من عند أنفسكم ولا تحدثوا إلا بالثابتات ودعوا الضعاف، فإنها سبيل تلاف إلى ما ليس له تلاف. وأما ما قالوا لإثبات الخصوصية من أن النبي ﷺ لم يصل على غائب غيره إلا غائباً واحداً، وهو معاوية بن معاوية المزني. ففيه أنه يكفي لثبوت مشروعية أمر واستحبابه ورود حديث صحيح قولي أو فعلي أو تقريري، ولا يلزم لذلك كون ذلك الأمر مروياً عن جماعة من الصحابة في وقائع متعددة، وإلا لارتفع كثير من الأحكام الشرعية التي معمول بها عند جماعة من الأئمة، كيف وقد صرح الحنفية بمشروعية صلاة الاستسقاء وجوازها جماعة مع زعمهم أنه ﷺ لم يصل للاستسقاء إلا مرة واحدة، هذا وقد بسط الكلام في هذه المسألة في عون المعبود، فعليك أن تراجعه. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد ومالك والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي. ١٦٦٧- قوله: (كان رسول الله ﷺ يكبرها) أي الخمس أحياناً. وقد استدل به من قال: إن تكبيرات الجنازة خمس، واختلف السلف في ذلك، فحكي الخمس عن حذيفة كما سيأتي، وزيد بن أرقم كما في حديث الباب، وابن مسعود كما في الفتح والمحلى، وعيسى مولى حذيفة كما عند سعيد بن منصور، وأصحاب معاذ بن جبل كما في المحلى والمغني، وأهل الشام من الصحابة والتابعين كما في المحلى، وأبي يوسف من أصحاب أبي حنيفة،

стр. 2340

كما في المبسوط، وهو مذهب الظاهرية. واستدل لهذا القول أيضاً بما روى ابن ماجه من طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كبر خمساً، وكثير فيه كلام كثير إلا أن الترمذي صحح له غير حديث، والراوي عنه إبراهيم بن علي الرافعي ضعفه البخاري وابن حبان ورماه بعضهم بالكذب، وبما روى أحمد والطحاوي من طريق يحيى بن عبد الله الجابر عن عيسى مولى حذيفة عن حذيفة أنه صلى على جنازة فكبر خمساً، وفيه أنه رفعه إلى النبي ﷺ ، وحكي عن بعض السلف ما يدل على أن الزيادة على الأربع تخصيص بأهل الفضل، فروى سعيد بن منصور وغيره عن علي أنه كبر على سهل بن حنيف ستاً، وقال: إنه بدري. وروى الطحاوي وابن أبي شيبة والدارقطني والبيهقي عن عبد خير قال: كان علي يكبر على أهل بدر ستاً وعلى أصحاب رسول الله ﷺ خمساً وعلى سائر المسلمين أربعاً. وروى البيهقي عن علي أنه صلى على أبي قتادة فكبر عليه سبعاً، وقال: إنه كان بدرياً، وحكى عن بعضهم التخيير والإقتداء بالإمام في عدد التكبير، فروى ابن المنذر عن ابن مسعود أنه قال: التكبير تسع وسبع وخمس وأربع، وكبر ما كبر الإمام، وروى ابن حزم عنه أنه قال: كبروا عليها ما كبر أئمتكم لا وقت ولا عدد، وحكى عن بعضهم أن التكبيرات ثلاث، روى ذلك عن ابن عباس وأنس كما في الفتح والمحلى، وعن محمد بن سيرين وجابر بن يزيد أبي الشعثاء كما في المحلى أيضاً. وذهب الجمهور من السلف والخلف منهم الأئمة الثلاثة إلى أنها أربع لا أقل ولا أكثر. قال ابن قدامة في المغني (ج٢ص٥١٦) : أكثر أهل العلم يرون التكبير أربعاً، منهم عمر وابنه وزيد بن ثابت وجابر وابن أبي أوفى والحسن بن علي والبراء بن عازب وأبوهريرة وعقبة بن عامر ومحمد بن الحنفية وعطاء والأوزاعي، وهو قول مالك وأبي حنيفة والثوري والشافعي-انتهى. واستدل الجمهور لما ذهبوا إليه بما روي عن جماعة من الصحابة تكبيره ﷺ أربعاً، فمنهم أبوهريرة وجابر أخرج حديثهما الشيخان في قصة الصلاة على النجاشي، ومنهم عثمان بن عفان أخرج حديثه ابن ماجه، وفيه خالد بن إلياس واتفقوا على تضعيفه، ومنهم ابن عباس عند الشيخين، وابن أبي أوفى عند أحمد وابن ماجه والطحاوي والبيهقي، ويزيد بن ثابت عند أحمد وابن ماجه والبيهقي أيضاً، وسهل بن حنيف عند الطحاوي والبيهقي، وأبوسعيد عند البزار والطبراني، وفيه عبد الرحمن بن مالك بن مغول وهو متروك، وأنس عند أبي يعلى، وفيه محمد بن عبيد الله العزرمي وهو متروك، وأبي بن كعب عند الطبراني والبيهقي، وجابر عند أحمد والطبراني والبيهقي، وعامر بن ربيعة عند الطبراني، وفيه القاسم بن عبد الله العمري وهو متروك، وأبوقتادة عند الطحاوي. قال الجمهور: إن ما فوق الأربع من التكبيرات منسوخ بحديث أبي هريرة في قصة النجاشي؛ لأن إسلام أبي هريرة متأخر، وموت النجاشي كان بعد إسلام أبي هريرة بمدة. وفيه ما قال ابن الهمام: إن هذا

стр. 2341

مسلم لو علم التاريخ في أحاديث من أثبت أنه ﷺ كبر خمساً أو غير ذلك. واستدلوا للنسخ أيضاً بما روي أنه ﷺ كبر أربعاً في آخر صلاة صلاها، روي ذلك من حديث ابن عباس عند البيهقي والدارقطني والطبراني وأبي نعيم وابن حبان في الضعفاء، ومن حديث عمر عند الدارقطني والحازمي، ومن حديث ابن عمر عند الحارث بن أبي أسامة، ومن حديث أنس عند الحازمي. وأجيب عن ذلك بأن طرق هذه الأحاديث ضعيفة واهية كما بسطها الزيلعي. وقال الحازمي: قد روي آخر صلاته كبر أربعاً من عدة روايات كلها ضعيفة. وقال البيهقي بعد رواية حديث ابن عباس من طريق النضر بن عبد الرحمن: قد روي هذا من وجوه أخر كلها ضعيفة-انتهى. وروى ابن عبد البر في الاستذكار بسنده عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يكبر على الجنائز أربعاً وخمساً وستاً وسبعاً فثمانياً، حتى جاءه موت النجاشي فخرج إلى المصلى فصف الناس وراءه وكبر عليه أربعاً، ثم ثبت النبي ﷺ على أربع حتى توفاه الله عزوجل، ذكره الزيلعي في نصب الراية، والحافظ في التلخيص والدراية، ولم يتكلما عليه، فإن ثبت وصح هذا كان حجة على أن آخر الأمر كان أربعاً، لكن لا يكون رافعاً للنزع؛ لأن اقتصاره على الأربع لا ينفي مشروعية الخمس بعد ثبوتها عنه، وغاية ما فيه جواز الأمرين، قاله الشوكاني. ورجح الجمهور ما ذهبوا إليه بمرجحات: الأول أن الأربع ثبتت من طريق جماعة من الصحابة أكثر عدداً ممن روى عنهم الخمس كما تقدم، الثاني أنها في الصحيحين، الثالث أنه أجمع على العمل بها الصحابة، فروى البيهقي من طريق علي بن الجعد ثنا شعبة عن عمرو بن مرة سمعت سعيد بن المسيب يقول: إن عمر قال: كل ذلك قد كان أربعاً وخمساً، فاجتمعنا على أربع، ورواه ابن المنذر من وجه آخر عن شعبة، وروى البيهقي أيضاً عن أبي وائل قال: كانوا يكبرون على عهد رسول الله ﷺ أربعاً وخمساً وستاً وسبعاً، فجمع عمر أصحاب رسول الله ﷺ . فأخبر كل رجل منهم بما رأى، فجمعهم عمر على أربع تكبيرات، ومن طريق إبراهيم النخعي اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ في بيت أبي مسعود، فأجمعوا على أن التكبير على الجنازة أربع. واستدل بعضهم بإجماع الصحابة على الأربع على نسخ ما فوق الأربع. قال الطحاوي بعد رواية أثر إبراهيم النخعي بسنده: فهذا عمر قد رد الأمر في ذلك إلى أربع تكبيرات بمشورة أصحاب رسول الله ﷺ بذلك، وهم حضروا من فعل رسول الله ﷺ ما رواه حذيفة وزيد بن أرقم، فكأن ما فعلو من ذلك عندهم هو أولى مما قد كانوا علموا، فذلك نسخ لما قد كانوا علموا؛ لأنهم مأمونون على ما قد فعلوا كما كانوا مأمونين على ما رووا-انتهى. وقال البيهقي بعد رواية حديث ابن عباس في كون الأربع آخر أمره: قد روي هذا اللفظ من وجوه أخرى كلها ضعيفة، إلا أن اجتماع أكثر الصحابة على الأربع كالدليل على ذلك. وأجيب عن الأول من هذه المرجحات والثاني بأنه إنما يرجح بهما عند التعارض. ولا تعارض

стр. 2342

رواه مسلم. ١٦٦٨- (٩) وعن طلحة بن عبد الله بن عوف، قال: ((صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ فاتحة الكتاب، فقال: ــ بين الأربع والخمس، لأن الخمس مشتملة على زيادة غير معارضة، وعن الثالث بأن في ثبوت إجماع الصحابة على الأربع نظراً، حيث ثبت أن زيد بن أرقم كبر بعد عمر خمساً، وكذا ثبت الزيادة على الأربع عن علي وعن الصحابة بالشام، وثبت النقص عن الأربع عن أنس وابن عباس، وثبت التوسعة وعدم التوقيت عن ابن مسعود كما تقدم، اللهم إلا أن يقال: إن هؤلاء الصحابة ما علموا بالنسخ، فكانوا يعملون بما عليه الأمر أولاً. وذهب أحمد إلى مشروعية الأربع، وقال: إذا كبر الإمام خمساً تابعه المأموم ولا يتابعه في زيادة عليها. قال ابن قدامة (ج٢ص٥١٤) : لا يختلف المذهب أنه لا يجوز الزيادة على سبع تكبيرات ولا أنقص من أربع، والأولى أربع لا يزاد عليها، واختلفت الرواية فيما بين ذلك. فظاهر كلام الخرقي أن الإمام إذا كبر خمساً تابعه المأموم ولا يتابعه في زيادة عليها، ورواه الأثرم عن أحمد. وروى حرب عن أحمد إذا كبر خمساً لا يكبر معه ولا يسلم إلا مع الإمام، قال الخلال: وكل من روى عن أبي عبد الله يخالفه، وممن لم ير متابعة الإمام في زيادة على أربع الثوري ومالك وأبوحنيفة والشافعي، واختارها ابن عقيل. قال ابن قدامة: ولنا ما روي عن زيد بن أرقم، فذكر حديث الباب وحديث حذيفة وأثر علي وغيره، ثم قال: ومعلوم أن المصلين مع زيد بن أرقم كانوا يتابعونه-انتهى. وفي المسألة أقوال أخرى. والراجح عندي أنه لا ينبغي أن يزاد على أربع؛ لأن فيه خروجاً من الخلاف، ولأن ذلك هو الغالب من فعله ﷺ ، لكن الإمام إذا كبر خمساً تابعه المأموم؛ لأن ثبوت الخمس لا مرد له من حيث الرواية والعمل، وثبوت نسخ الزيادة على الأربع أو إجماع الصحابة على الأربع منظور فيه كما تقدم. ولا يجوز النقصان من الأربع؛ لأنه لم يرو شيء في النقص من أربع مرفوعاً، والله تعالى أعلم. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤ص٣٦٧، ٣٧٢) والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي والحازمي. ١٦٦٨- قوله: (وعن طلحة بن عبد الله بن عوف) الزهري المدني القاضي ابن أخي عبد الرحمن بن عوف، يلقب طلحة الندى، ثقة مكثر فقيه من أوساط التابعين، روى عن عمه عبد الرحمن بن عوف وابن عباس وعثمان بن عفان وغيرهم، وعنه الزهري وسعد بن إبراهيم وغيرهما، مات سنة (٩٧) وهو ابن (٧٢) سنة. (صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ فاتحة الكتاب فقال) أي إنما قرأت الفاتحة أو رفعت بها صوتي كما في رواية.

стр. 2343

لتعلموا أنها سنة)) . ــ (لتعلموا أنها) أي قرأة الفاتحة على الجنازة. (سنة) وفي رواية للنسائي: فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر حتى أسمعنا، فلما فرغ أخذت بيده فسألته، فقال: سنة وحق. وللحاكم من طريق ابن عجلان: أنه سمع سعيد بن أبي سعيد يقول: صلى ابن عباس على جنازة فجهر بالحمد لله، ثم قال إنما جهرت لتعلمون أنها سنة. والمراد بالسنة: الطريقة المألوفة عنه ﷺ لا ما يقابل الفريضة، فإنه اصطلاح عرفي حادث. قال الأشرف: الضمير المؤنث لقراءة الفاتحة، وليس المراد بالسنة أنها ليست بواجبة بل ما يقابل البدعة، أي أنها طريقة مروية. وقال القسطلاني: إنها أي قراءة الفاتحة في الجنازة سنة. أي طريقة للشارع، فلا ينافي كونها واجبة. وقد علم أن قول الصحابي: من السنة كذا، حديث مرفوع عند الأكثر. قال الشافعي في الأم: وأصحاب النبي ﷺ لا يقولون: السنة إلا لسنة رسول الله ﷺ إن شاء الله تعالى-انتهى. وليس في حديث الباب بيان محل القراءة، وقد وقع التصريح به في حديث جابر بلفظ: وقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى، أخرجه الشافعي في الأم، ومن طريقه الحاكم (ج١ص٣٥٨) ، ومن طريق الحاكم البيهقي في سننه (ج٤ص٣٩) وسنده ضعيف، وفي حديث أبي أمامة عند النسائي بإسناد على شرط الشيخين بلفظ: قال: السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة. وفي رواية عزاها الحافظ في الفتح لعبد الرزاق والنسائي من حديث أي أمامة قال: السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر، ثم يقرأ بأم القرآن، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يخلص الدعاء للميت، ولا يقرأ إلا في الأولى. قال الحافظ: إسناده صحيح. والحديث دليل على مشروعية قراءة فاتحة الكتاب في صلاة الجنازة. وقد حكى ابن المنذر ذلك عن ابن مسعود والحسن بن علي وابن الزبير والمسور بن مخرمة، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق، ونقل ابن المنذر أيضاً عن أبي هريرة وابن عمر أنه ليس فيها قراءة، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأصحابه وسائر الكوفيين، كذا في النيل. قلت: وممن كان يقرأ أيضاً من الصحابة أبوهريرة وأبوالدرداء وأنس بن مالك وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومن التابعين سعيد بن المسيب والحسن البصري ومجاهد والزهري، كما في المحلى. قال ابن التركماني: ومذهب الحنفية أن القراءة في صلاة الجنازة لا تجب ولا تكره، ذكره القدورى في التجريد-انتهى. ويكره القراءة عند المالكية إلا أن يقصد الخروج من الخلاف. قال الدسوقي: إن قصد بقراءة الفاتحة الخروج من خلاف الشافعي فلا كراهة، لكن لا بد من الدعاء قبلها أو بعدها-انتهى. واستدل مالك بعمل أهل المدينة، إذ قال: قراءة فاتحة الكتاب فيها ليست بمعمول بها في بلدنا بحال. وفيه أن عمل أهل المدينة ليس بحجة شرعية، وإنما الحجة هو قول الله وقول رسوله، على أنه قد روي عن أبي أمامة وسعيد وابن المسيب وغيرهم من علماء المدينة القراءة في الصلاة على الجنازة، وبما روى هو

стр. 2344

عن نافع أن عبد الله بن عمر كان لا يقرأ في الصلاة على الجنازة. وفيه أنه معارض بعمل غيره من الصحابة. ويمكن أن يكون المراد لا يقرأ أي شيئاً من القرآن إلا فاتحة الكتاب، وأيضاً هو نفي يقدم عليه الإثبات، وأيضاً قول الصحابي لا يكون حجة بالاتفاق إذا نفاه السنة، وبأن صلاة الجنازة مشابهة للطواف في أنها لا ركوع فيها ولا سجود فلا تفتقر للقراءة. وفيه أنه قياس في مقابلة النص، على أنه قد أطلق عليها لفظ الصلاة فيكون لها حكم الصلاة في القراءة وغيرها إلا ما خص، وأيضاً اتفقوا على أنها تفتقر إلى التكبير والقيام والنية والتسليم واستقبال القبلة والطهارة، فشبهها بالصلاة أبين وأقوى منه بالطواف. واستدل الحنفية كما في البدائع وغيره بما روى أحمد عن ابن مسعود قال: لم يوقت لنا في الصلاة على الميت قراءة ولا قول. وفيه أنه إنما قال: لم يوقت أي لم يقدر، ولا يدل هذا على نفي أصل القراءة، وقد روي عنه أنه قرأ على جنازة بفاتحة الكتاب، ثم إنه لا يعارض ما روي من الأحاديث المرفوعة في القراءة؛ لأنه نفي فيقدم عليه الإثبات، وبأنها لما لم تقرأ بعد التكبيرة الثانية دل على أنها لا تقرأ فيما قبلها؛ لأن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة، ولما لم يتشهد في آخرها دل على أنه لا قراءة فيهما، ذكره الطحاوي. وفيه أن هذا الاستدلال ليس بشيء؛ لأنه قياس في مقابلة النص فلا يلتفت إليه، وبأنها شرعت للدعاء، ومقدمة الدعاء الحمد والثناء والصلاة على النبي ﷺ لا القراءة. وفيه ما تقدم آنفاً أنه تعليل في مقابلة النص فهو مردود، على أن فاتحة الكتاب مشتملة على الحمد والثناء، فينبغي أن يكون افتتاح صلاة الجنازة بالفاتحة أولى وأحسن، فلا وجه لإنكارها والمنع عنها. وقوله لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب يتناول بإطلاقه صلاة الجنازة، فيكون لها في القراءة حكم الصلوات الأخر إلا ما خص منها. وأجاب الحنفية عن حديث ابن عباس وما في معناه بأن قراءة الفاتحة في الصلاة على الميت كانت بنية الدعاء والثناء لا بنية القراءة والتلاوة. قال الطحاوي: من قرأها من الصحابة يحتمل أن يكون على وجه الدعاء لا التلاوة. وفيه أن هذا ادعاء محض لا دليل عليه، واحتمال ناشيء من غير دليل، فلا يلتفت إليه. والحق والصواب أن قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة واجبة، كما ذهب إليه الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم؛ لأنهم أجمعوا على أنها صلاة، وقد ثبت حديث لا صلاة، إلا بفاتحة الكتاب، فهي داخلة تحت العموم، وإخراجها منه يحتاج إلى دليل، ولأنها صلاة يجب فيها القيام فوجبت فيها القراءة كسائر الصلوات، ولأنه ورد الأمر بقراءتها صريحاً، فقد روى ابن ماجه بإسناد فيه ضعف يسير عن أم شريك قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب، وروى الطبراني في الكبير من حديث أم عفيف قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ على ميتنا بفاتحة الكتاب. قال الهيثمي: وفيه عبد المنعم أبوسعيد وهو ضعيف-انتهى. والأمر من أدلة الوجوب. وروى الطبراني في

стр. 2345

الكبير أيضاً من حديث أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله ﷺ : إذا صليتم على الجنازة فاقرؤا بفاتحة الكتاب. قال الهيثمي: وفيه معلى بن حمران ولم أجد من ذكره، وبقية رجاله موثقون وفي بعضهم كلام، هذا وقد صنف حسن الشرنبلالي من متأخري الحنفية في هذه المسألة رسالة سماها "النظم المستطاب لحكم القراءة في صلاة الجنازة بأم الكتاب"، وحقق فيها أن القراءة أولى من ترك القراءة، ولا دليل على الكراهة، وهو الذي اختاره الشيخ عبد الحي اللكنوي في تصانيفه كعمدة الرعاية والتعليق الممجد وإمام الكلام، ثم إنه استدل بحديث ابن عباس على الجهر بالقراءة في الصلاة على الجنازة؛ لأنه يدل على أنه جهر بها حتى سمع ذلك من صلى معه. وأصرح من ذلك ما ذكرنا من رواية النسائي بلفظ: صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر حتى أسمعنا، فلما فرغ أخذت بيده فسألته، فقال: سنة وحق. وفي رواية أخرى له أيضا: صليت خلف ابن عباس على جنازة فسمعته يقرأ فاتحة الكتاب الخ. ويدل على الجهر بالدعاء حديث عوف بن مالك الآتي، فإن الظاهر أنه حفظ الدعاء المذكور لما جهر به النبي ﷺ في الصلاة على الجنازة. وأصرح منه حديث واثلة في الفصل الثاني. واختلف العلماء في ذلك، فذهب بعضهم إلى أنه يستحب الجهر بالقراءة والدعاء فيها. واستدلوا بالروايات التي ذكرناها آنفاً. وذهب الجمهور إلى أنه لا يندب الجهر بل يندب الإسرار. قال ابن قدامة: ويسر القراءة والدعاء في صلاة الجنازة، لا نعلم بين أهل العلم فيه خلافاً-انتهى. واستدلوا لذلك بما ذكرنا من حديث أبي أمامة قال: السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة. الحديث أخرجه النسائي، ومن طريقه ابن حزم في المحلى (ج٥ص١٢٩) . قال النووي في شرح المهذب: رواه النسائي بإسناد على شرط الصحيحين، وقال: أبوأمامة هذا صحابي-انتهى. وبما روى الشافعي في الأم (ج١ص٢٣٩) ، والبيهقي (ج٤ص٣٩ من طريقه) عن مطرف بن مازن عن معمر عن الزهري قال: أخبرني أبوأمامة بن سهل أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سراً في نفسه-الحديث. وضعفت هذه الرواية بمطرف، لكن قواها البيهقي بما رواه في المعرفة والسنن من طريق عبيد الله بن أبي زياد الرصافي عن الزهري بمعنى رواية مطرف، وبما روى الحاكم (ج١ص٣٥٩) ، والبيهقي من طريقه (ج٤ص٤٢) عن شرحبيل بن سعد قال: حضرت عبد الله بن عباس صلى على جنازة بالأبواء فكبر ثم قرأ بأم القرآن رافعاً صوته بها، صلى على النبي ﷺ ، ثم قال: اللهم عبدك وابن عبدك-الحديث. وفي آخره ثم انصرف, فقال: يا أيها الناس إني لم أقرأ علناً (أي جهراً) إلا لتعلموا أنها سنة. قال الحافظ في الفتح: وشرحبيل مختلف في توثيقه-انتهى. وأخرج ابن الجارود في المنتقى من طريق زيد بن طلحة التيمي قال: سمعت ابن عباس قرأ على جنازة فاتحة الكتاب وسورة وجهر بالقراءة، وقال: إنما جهرت

стр. 2346

رواه البخاري. ١٦٦٩- (١٠) وعن عوف بن مالك، قال: ((صلى رسول الله ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: اللهم اغفر له وارحمه، وعافه، واعف عنه، ــ لأعلمكم أنها سنة. وذهب بعضهم إلى أنه يخير بين الجهر والإسرار. وقال بعضهم أصحاب الشافعي: إنه يجهر بالليل كالليلية ويسر بالنهار. قال شيخنا في شرح الترمذي قول ابن عباس: إنما جهرت لتعلموا أنها سنة، يدل على أن جهره كان للتعليم أي لا لبيان أن الجهر بالقراءة سنة، قال: وأما قول بعض أصحاب الشافعي: يجهر بالليل كالليلية فلم أقف على رواية تدل على هذا-انتهى. وهذا يدل على أن الشيخ مال إلى قول الجمهور أن الإسرار بالقراءة مندوب، هذا ورواية ابن عباس عند النسائي بلفظ: فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، تدل على مشروعية قراءة سورة مع الفاتحة في الجنازة. قال الشوكاني: لا محيص عن المصير إلى ذلك؛ لأنها زيادة خارجة من مخرج صحيح. قلت: ويدل عليه أيضاً ما ذكره ابن حزم في المحلى (ج٥ص١٢٩) معلقاً عن محمد بن عمرو بن عطاء أن المسور بن مخرمة صلى على الجنازة، فقرأ في التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة قصيرة رفع بهما صوته فلما فرغ قال: لا أجهل أن تكون هذه الصلاة عجماء ولكن أردت أن أعلمكم أن فيها قراءة. (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً الترمذي وأبوداود والنسائي والشافعي وابن حبان والحاكم والبيهقي وابن الجارود. ١٦٦٩- قوله: (فحفظت من دعائه وهو يقول) وفي رواية لمسلم: سمعت النبي ﷺ وصلى على جنازة يقول. وفي رواية النسائي: سمعت رسول الله ﷺ يصلي على ميت فسمعت في دعائه وهو يقول. قال الشوكاني: جميع ذلك يدل على أن النبي ﷺ جهر بالدعاء، وهو خلاف ما صرح به جماعة من استحباب الإسرار بالدعاء وقد قيل إن جهره ﷺ بالدعاء لقصد تعليمهم، قال: والظاهر أن الجهر والإسرار بالدعاء جائزان-انتهى. وتأول النووي قوله حفظت من دعائه أي علمنيه بعد الصلاة فحفظته-انتهى. ويرد هذا التأويل قوله في رواية أخرى: سمعته صلى على جنازة يقول. قال الشوكاني: ليس في هذا الحديث تعيين الموضع الذي يقال فيه هذا الدعاء وغيره من الأدعية المأثورة فيقوله المصلي على الجنازة بعد أي تكبيرة أراد-انتهى. وإلى مشروعية الدعاء بعد كل تكبيرة ذهب المالكية وعند الحنابلة والشافعية والحنفية الدعاء بعد التكبيرة الثالثة. (اللهم اغفر له) بمحو السيئات. (وارحمه) بقبول الطاعات. وقال ابن حجر: تأكيد أو أعم. (وعافه) أمر من المعافاة، والهاء ضمير. وقيل: للسكت، والمعنى خلصه من المكروهات. وقال الطيبي: أي سلمه من العذاب والبلايا. (واعف عنه) أي عما وقع منه من التقصيرات. وقال ابن حجر: عافه أي سلمه من كل موذ واعف عنه تأكيداً وأخص أي سلمه من خطر

стр. 2347

وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، ــ الذنوب. (وأكرم نزله) بضمتين وقد يسكن الزاي أي أحسن نصيبه من الجنة، وهو في الأصل قرى الضيف يعني ما يعد ويقدم للضيف من طعام وشراب، والمراد هنا الأجر والثواب والرحمة والمغفرة. (ووسع) بكسر السين المشددة. (مدخله) بفتح الميم أي موضع دخوله الذي يدخل فيه، وهو قبره. قال ميرك: بفتح الميم، كذا في المسموع من أفواه المشائخ، والمضبوط في أصل سماعنا، وضبط الشيخ الجزري في مفتاح الحصن: بضم الميم، وكلاهما صحيح بحسب المعنى-انتهى؛ لأن معناه مكان الدخول أو الإدخال، وإنما اختار الشيخ الضم؛ لأن الجمهور من القراء قرؤا بالضم في قوله تعالى: ﴿وندخلكم مدخلاً كريماً﴾ [النساء: ٣١] وانفرد الإمام نافع بالفتح، والضم أيضاً بحسب المعنى أنسب؛ لأن دخوله ليس بنفسه بل بإدخال غيره. (واغسله) بهمزة وصل أي اغسل ذنوبه. (بالماء والثلج والبرد) بفتحتين وهو حب الغمام، أي طهره من الذنوب والمعاصي أنواع الرحمة، كما أن هذه الأشياء أنواع المطهرات من الوسخ والدنس، فالغرض منه تعميم أنواع الرحمة والمغفرة في مقابلة أصناف المعصية والغفلة. (ونقه) بتشديد القاف المكسورة أمر من التقنية بمعنى التطهير، والهاء ضمير للميت أو للسكت. (من الخطايا كما نقيت) وفي رواية لمسلم: ينقى. (الثوب الأبيض من الدنس) بفتحتين، الوسخ تشبيه للمعقول بالمحسوس، وهو تأكيد لما قبله أراد به المبالغة في التطهير من الخطايا والذنوب. (وأبدله) أمر من الإبدال أي عوضه. (داراً) أي من القصور أو من سعة القبور. (خيراً من داره) أي في الدنيا الفانية. (وأهلاً خيراً من أهله) يشمل الزوجة والخدم. (وزوجاً خيراً من زوجه) هذا من عطف الخاص على العام. وقيل المراد بالأهل الخدم خاصة. قال القاري: (زوجاً) أي زوجة من الحور العين، أو من نساء الدنيا في الجنة. (خيراً من زوجة) أي من الحور العين، ونساء الدنيا أيضاً، فلا يشكل أن نساء الدنيا يكن في الجنة أفضل من الحور لصلاتهن وصيامهن، كما ورد في الحديث. وأما قول ابن حجر: "وخيراً" ليست على بابها من كونها أفعل تفضيل، إذ لا خيرية في الدنيا بالنسبة للآخرة، فليس على بابه إذ الكلام في النسبة الحقيقية لا في النسبة الإضافية. قال تعالى: ﴿والآخرة خير وأبقى﴾ [الأعلى:١٧] وقال: ﴿والآخرة خير لمن اتقى﴾ [النساء:٧٧]-انتهى. قال السيوطي: قال طائفة من الفقهاء هذا خاص بالرجل، ولا يقال في الصلاة على المرأة: أبدلها زوجاً خيراً من زوجها، لجواز أن تكون لزوجها في الجنة، فإن المرأة لا يمكن الاشتراك فيها والرجل يقبل ذلك، كذا ذكر السندي في حاشية النسائي. وقال الشامي: المراد بالإبدال في الأهل والزوجة إبدال الأوصاف لا الذوات لقوله: ﴿ألحقنا بهم ذريتهم﴾ [الطور:٢١]

стр. 2348

وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار)) . وفي رواية: ((وقه فتنة القبر وعذاب النار، قال: حتى تمنيت أنا أكون ذلك الميت)) . رواه مسلم. ١٦٧٠- (١١) وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، ((أن عائشة لما توفي سعد بن أبي وقاص قالت: ادخلوا به المسجد حتى أصلي عليه، ــ ولخبر الطبراني وغيره: أن نساء الجنة من نساء الدنيا أفضل من الحور العين، وفيمن لا زوجة له على تقديرها له أن لو كانت، ولأنه صح الخبر بأن المرأة لآخر أزواجها أي إذا مات، وهي في عصمته. وفي حديث رواه جمع، لكنه ضعيف: المرأة منا ربما يكون لها زوجان في الدنيا فتموت ويموتان ويدخلان الجنة، لأيهما هي؟ قال: لأحسنهما خلقاً كان عندها في الدنيا، وتمامه في تحفة ابن حجر المكي-انتهى. (وأدخله الجنة) أي ابتداء. (وأعذه) أمر من الإعاذة أي أجره وخلصه. (وفي رواية وقه) بهاء الضمير أو السكت أمر من وقى يقي أي أحفظه. (فتنة القبر) أي التحير في جواب الملكين المؤدي إلى عذاب القبر. (قال) أي عوف. (أنا) تأكيد للضمير المتصل. (ذلك الميت) بالنصب على الخبرية أي لدعاء رسول الله ﷺ على ذلك الميت. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً النسائي، وابن ماجه والبيهقي، وابن أبي شيبة، وأخرجه الترمذي مختصراً، ونقل عن البخاري أنه قال: أصح شيء في هذا الباب هذا الحديث. ١٦٧٠- قوله: (لما توفي سعد بن أبي وقاص) أي في قصره بالعقبق على عشرة أميال من المدينة سنة (٥٥) على المشهور، وحمل إلى المدينة على أعناق الرجال ليدفن بالبقيع، وذلك في خلافة معاوية وعلى المدينة مروان. (ادخلوا به المسجد) قال الباجي: إنما أمرت بذلك لامتناعها هي وسائر أزواج النبي ﷺ من الخروج مع الناس إلى جنازته لكراهية خروجهن إلى الجنائز. (حتى أصلي عليه) فيه دليل على جواز صلاة النساء على الجنائز. قال الباجي: وهذا الذي يقتضيه مذهب مالك. وقال الشافعي: لا يصلي النساء على الجنائز، والدليل على صحة ذلك أن هذه صلاة يصح أن يفعلها الرجال، فصح أن يفعلها النساء كصلاة الجمعة. وهل يجوز أن يفعلها النساء دون الرجال؟ قال ابن القاسم وأشهب: يجوز ذلك وإن اختلفا في صفتهما-انتهى. وقال ابن قدامة: يصلي النساء جماعة إمامتهن في وسطهن. نص عليه أحمد، وبه قال أبوحنيفة. وقال الشافعي: يصلين مفردات لا يسبق بعضهن بعضاً وإن صلين جماعة جاز، ولنا أنهن من أهل الجماعة فيصلين جماعة كالرجال، وما ذكروه من كونهن منفردات لا يسبق بعضهن بعضاً تحكم لا يصار إليه إلا بنص أو إجماع، وقد صلى أزواج النبي ﷺ على سعد بن أبي وقاص-انتهى. قلت: ويدل على صلاة النساء مع الرجال جماعة ما رواه الحاكم: أن أبا طلحة دعا رسول الله ﷺ إلى عمير

стр. 2349

فأنكر ذلك عليها، فقالت: والله لقد صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء في المسجد: سهيل وأخيه)) . ــ ابن أبي طلحة حين توفي فأتاهم رسول الله ﷺ فصلى عليه في منزلهم فتقدم رسول الله ﷺ وكان أبوطلحة وراءه وأم سليم وراء أبي طلحة ولم يكن معهم غيرهم. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين، وسنة غريبة في إباحة صلاة النساء على الجنائز، ووافقه الذهبي. (فأنكر ذلك) أي إدخاله في المسجد. (عليها) أي على عائشة. وفي رواية لمسلم: لما توفي سعد بن أبي وقاص أرسل أزواج النبي ﷺ أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه ففعلوا، فوقف به على حجرهن يصلين عليه. ثم أخرج به من باب الجنائز الذي كان إلى المقاعد، فبلغهن أن الناس عابوا ذلك وقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد، فبلغ ذلك عائشة فقالت: ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به، عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد الخ. (والله لقد صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء) لقب للأم، واسمها دعد بفتح الدال وسكون العين المهملتين بنت الجحدم الفهرية. (في المسجد) وفي رواية لمسلم: في جوف المسجد. (سهيل) بالتصغير. (وأخيه) سهل. وقيل: صفوان: واعلم أن المعروفين ببني البيضاء ثلاثة إخوة: سهل وسهيل وصفوان. وأمهم البيضاء اسمها دعد، والبيضاء وصف، وأبوهم وهب بن ربيعة القرشي الفهري. كان سهل ممن قام في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم. قال أبوحاتم: كان ممن أظهر إسلامه بمكة. وقال ابن عبد البر: أسلم سهل بمكة، وأخفى إسلامه فأخرجته قريش معهم إلى بدر، فأسر يومئذٍ مع المشركين، فشهد له عبد الله بن مسعود أنه رآه بمكة يصلي فخلى عنه، ومات بالمدينة، وبها مات أخوه سهيل، وصلى عليهما رسول الله ﷺ في المسجد، فيما رواه ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة قالت: والله ما صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء إلا في المسجد سهل وسهيل. وزعم الواقدي أن سهل بن بيضاء مات بعد النبي ﷺ . وأما سهيل فكان قديم الإسلام هاجر إلى الحبشة قدم على رسول الله ﷺ بمكة فأقام معه حتى هاجر وهاجر سهيل، فجمع الهجرتين جميعاً، ثم شهد بدراً والمشاهد كلها، ومات بالمدينة في حياة النبي ﷺ بعد رجوعه من تبوك سنة تسع، ولا عقب له. وأما صفوان فقد شهد بدراً مع رسول الله ﷺ ، وقتل يومئذٍ ببدر شهيداً، قتله طعيمة بن عدي فيما قاله ابن إسحاق وموسى بن عقبة وابن سعد وأبوحاتم، وجزم ابن حبان بأنه مات سنة (٣٠) ، وقيل: في شهر رمضان سنة (٣٨) وبه جزم الحاكم أبوأحمد تبعاً للواقدي. واختلف في المراد بالأخ المذكور في الحديث، فقيل: سهل جزم به ابن عبد البر، وقيل: صفوان. قال أبونعيم: اسم أخي سهيل صفوان، ووهم من سماه سهلاً، ولم يزد مالك في روايته على سهيل. والحديث يدل على جواز إدخال الميت في المسجد والصلاة عليه

стр. 2350

رواه مسلم. ١٦٧١- (١٢) وعن سمرة بن جندب، قال: ((صليت وراء رسول الله ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها، فقام وسطها)) . ــ فيه، وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، والجمهور خلافاً لمالك في المشهور عنه وأبي حنيفة. وأجاب بعض من كره ذلك عن الحديث بأن الأمر استقر على ترك ذلك؛ لأن الذين أنكروا على عائشة كانوا من الصحابة، ورد بأن عائشة لما أنكرت ذلك الإنكار سلموا لها. فدل على أنها حفظت ما نسوه وأن الأمر استقر على الجواز، ويدل على ذلك الصلاة على أبي بكر وعمر في المسجد، كما تقدم، قاله الشوكاني. وقال السندي في حاشية النسائي: الحديث ظاهر في الجواز في المسجد، نعم كانت عادته ﷺ خارج المسجد، فالأقرب أن يقال: الأولى أن تكون خارج المسجد مع الجواز فيه، والله تعالى أعلم-انتهى. وقد تقدم بسط الكلام فيه شرح حديث قصة النجاشي. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد، ومالك، والترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي، والطحاوي. ١٦٧١- قوله: (صليت وراء رسول الله ﷺ على امرأة) هي أم كعب الأنصارية، كما في مسلم. (ماتت في نفاسها) بكسر النون أي حين ولادتها. وقال القسطلاني: "في" هنا للتعليل، كما في قوله ﷺ : إن امرأة دخلت النار في هرة، أي ماتت بسبب نفاسها. (فقام) أي وقف للصلاة. (وسطها) أي حذاء وسطها، وهو بسكون السين وفتحها بمعنى فلذا جوز الوجهان، وقد فرق بعضهم بينهما، قاله السندي. وقال الطيبي: الوسط بالسكون يقال فيما كان متفرق الأجزاء كالناس والدواب وغير ذلك، وما كان متصل الأجزاء والرأس فهو بالفتح. وقيل: كل منهما يقع موقع الآخر، وكأنه أشبه. وقال صاحب المغرب: الوسط بالفتح كالمركز للدائرة، وبالسكون داخل الدائرة، وقيل: كل ما يصلح فيه بين فبالفتح وما لا فبالسكون-انتهى. وقال القسطلاني: من سكن السين جعله ظرفاً، ومن فتح جعله اسماً، والمراد على الوجهين عجيزتها، وكون هذه المرأة في نفاسها وصف غير معتبر، وإنما هو حكاية أمر واقع، وأما كونها امرأة فالظاهر أنه معتبر، كما يدل عليه حديث أنس الآتي في آخر الفصل الثاني، والحديث فيه دليل على أن السنة أن يقوم الإمام، وكذا المنفرد في صلاة الجنازة حذاء وسط المرأة، أي عند عجيزتها. قال الأمير اليماني: وهذا مندوب، وأما الواجب فإنما هو استقبال جزء من الميت رجلاً أو امرأة. واختلف العلماء في حكم الاستقبال في حق الرجل والمرأة، فقال أبوحنيفة في المشهور عنه: إنهما سواء، فيقوم الإمام بحذاء صدرها. وقال مالك: يقوم حذاء الرأس منهما، ونقل عنه أن يقوم من الرجل عند وسطه
следующие страницы →