← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

رواه البخاري. ١٦٦٩- (١٠) وعن عوف بن مالك، قال: ((صلى رسول الله ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: اللهم اغفر له وارحمه، وعافه، واعف عنه، ــ لأعلمكم أنها سنة. وذهب بعضهم إلى أنه يخير بين الجهر والإسرار. وقال بعضهم أصحاب الشافعي: إنه يجهر بالليل كالليلية ويسر بالنهار. قال شيخنا في شرح الترمذي قول ابن عباس: إنما جهرت لتعلموا أنها سنة، يدل على أن جهره كان للتعليم أي لا لبيان أن الجهر بالقراءة سنة، قال: وأما قول بعض أصحاب الشافعي: يجهر بالليل كالليلية فلم أقف على رواية تدل على هذا-انتهى. وهذا يدل على أن الشيخ مال إلى قول الجمهور أن الإسرار بالقراءة مندوب، هذا ورواية ابن عباس عند النسائي بلفظ: فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، تدل على مشروعية قراءة سورة مع الفاتحة في الجنازة. قال الشوكاني: لا محيص عن المصير إلى ذلك؛ لأنها زيادة خارجة من مخرج صحيح. قلت: ويدل عليه أيضاً ما ذكره ابن حزم في المحلى (ج٥ص١٢٩) معلقاً عن محمد بن عمرو بن عطاء أن المسور بن مخرمة صلى على الجنازة، فقرأ في التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة قصيرة رفع بهما صوته فلما فرغ قال: لا أجهل أن تكون هذه الصلاة عجماء ولكن أردت أن أعلمكم أن فيها قراءة. (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً الترمذي وأبوداود والنسائي والشافعي وابن حبان والحاكم والبيهقي وابن الجارود. ١٦٦٩- قوله: (فحفظت من دعائه وهو يقول) وفي رواية لمسلم: سمعت النبي ﷺ وصلى على جنازة يقول. وفي رواية النسائي: سمعت رسول الله ﷺ يصلي على ميت فسمعت في دعائه وهو يقول. قال الشوكاني: جميع ذلك يدل على أن النبي ﷺ جهر بالدعاء، وهو خلاف ما صرح به جماعة من استحباب الإسرار بالدعاء وقد قيل إن جهره ﷺ بالدعاء لقصد تعليمهم، قال: والظاهر أن الجهر والإسرار بالدعاء جائزان-انتهى. وتأول النووي قوله حفظت من دعائه أي علمنيه بعد الصلاة فحفظته-انتهى. ويرد هذا التأويل قوله في رواية أخرى: سمعته صلى على جنازة يقول. قال الشوكاني: ليس في هذا الحديث تعيين الموضع الذي يقال فيه هذا الدعاء وغيره من الأدعية المأثورة فيقوله المصلي على الجنازة بعد أي تكبيرة أراد-انتهى. وإلى مشروعية الدعاء بعد كل تكبيرة ذهب المالكية وعند الحنابلة والشافعية والحنفية الدعاء بعد التكبيرة الثالثة. (اللهم اغفر له) بمحو السيئات. (وارحمه) بقبول الطاعات. وقال ابن حجر: تأكيد أو أعم. (وعافه) أمر من المعافاة، والهاء ضمير. وقيل: للسكت، والمعنى خلصه من المكروهات. وقال الطيبي: أي سلمه من العذاب والبلايا. (واعف عنه) أي عما وقع منه من التقصيرات. وقال ابن حجر: عافه أي سلمه من كل موذ واعف عنه تأكيداً وأخص أي سلمه من خطر

стр. 2347

وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، ــ الذنوب. (وأكرم نزله) بضمتين وقد يسكن الزاي أي أحسن نصيبه من الجنة، وهو في الأصل قرى الضيف يعني ما يعد ويقدم للضيف من طعام وشراب، والمراد هنا الأجر والثواب والرحمة والمغفرة. (ووسع) بكسر السين المشددة. (مدخله) بفتح الميم أي موضع دخوله الذي يدخل فيه، وهو قبره. قال ميرك: بفتح الميم، كذا في المسموع من أفواه المشائخ، والمضبوط في أصل سماعنا، وضبط الشيخ الجزري في مفتاح الحصن: بضم الميم، وكلاهما صحيح بحسب المعنى-انتهى؛ لأن معناه مكان الدخول أو الإدخال، وإنما اختار الشيخ الضم؛ لأن الجمهور من القراء قرؤا بالضم في قوله تعالى: ﴿وندخلكم مدخلاً كريماً﴾ [النساء: ٣١] وانفرد الإمام نافع بالفتح، والضم أيضاً بحسب المعنى أنسب؛ لأن دخوله ليس بنفسه بل بإدخال غيره. (واغسله) بهمزة وصل أي اغسل ذنوبه. (بالماء والثلج والبرد) بفتحتين وهو حب الغمام، أي طهره من الذنوب والمعاصي أنواع الرحمة، كما أن هذه الأشياء أنواع المطهرات من الوسخ والدنس، فالغرض منه تعميم أنواع الرحمة والمغفرة في مقابلة أصناف المعصية والغفلة. (ونقه) بتشديد القاف المكسورة أمر من التقنية بمعنى التطهير، والهاء ضمير للميت أو للسكت. (من الخطايا كما نقيت) وفي رواية لمسلم: ينقى. (الثوب الأبيض من الدنس) بفتحتين، الوسخ تشبيه للمعقول بالمحسوس، وهو تأكيد لما قبله أراد به المبالغة في التطهير من الخطايا والذنوب. (وأبدله) أمر من الإبدال أي عوضه. (داراً) أي من القصور أو من سعة القبور. (خيراً من داره) أي في الدنيا الفانية. (وأهلاً خيراً من أهله) يشمل الزوجة والخدم. (وزوجاً خيراً من زوجه) هذا من عطف الخاص على العام. وقيل المراد بالأهل الخدم خاصة. قال القاري: (زوجاً) أي زوجة من الحور العين، أو من نساء الدنيا في الجنة. (خيراً من زوجة) أي من الحور العين، ونساء الدنيا أيضاً، فلا يشكل أن نساء الدنيا يكن في الجنة أفضل من الحور لصلاتهن وصيامهن، كما ورد في الحديث. وأما قول ابن حجر: "وخيراً" ليست على بابها من كونها أفعل تفضيل، إذ لا خيرية في الدنيا بالنسبة للآخرة، فليس على بابه إذ الكلام في النسبة الحقيقية لا في النسبة الإضافية. قال تعالى: ﴿والآخرة خير وأبقى﴾ [الأعلى:١٧] وقال: ﴿والآخرة خير لمن اتقى﴾ [النساء:٧٧]-انتهى. قال السيوطي: قال طائفة من الفقهاء هذا خاص بالرجل، ولا يقال في الصلاة على المرأة: أبدلها زوجاً خيراً من زوجها، لجواز أن تكون لزوجها في الجنة، فإن المرأة لا يمكن الاشتراك فيها والرجل يقبل ذلك، كذا ذكر السندي في حاشية النسائي. وقال الشامي: المراد بالإبدال في الأهل والزوجة إبدال الأوصاف لا الذوات لقوله: ﴿ألحقنا بهم ذريتهم﴾ [الطور:٢١]

стр. 2348

وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار)) . وفي رواية: ((وقه فتنة القبر وعذاب النار، قال: حتى تمنيت أنا أكون ذلك الميت)) . رواه مسلم. ١٦٧٠- (١١) وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، ((أن عائشة لما توفي سعد بن أبي وقاص قالت: ادخلوا به المسجد حتى أصلي عليه، ــ ولخبر الطبراني وغيره: أن نساء الجنة من نساء الدنيا أفضل من الحور العين، وفيمن لا زوجة له على تقديرها له أن لو كانت، ولأنه صح الخبر بأن المرأة لآخر أزواجها أي إذا مات، وهي في عصمته. وفي حديث رواه جمع، لكنه ضعيف: المرأة منا ربما يكون لها زوجان في الدنيا فتموت ويموتان ويدخلان الجنة، لأيهما هي؟ قال: لأحسنهما خلقاً كان عندها في الدنيا، وتمامه في تحفة ابن حجر المكي-انتهى. (وأدخله الجنة) أي ابتداء. (وأعذه) أمر من الإعاذة أي أجره وخلصه. (وفي رواية وقه) بهاء الضمير أو السكت أمر من وقى يقي أي أحفظه. (فتنة القبر) أي التحير في جواب الملكين المؤدي إلى عذاب القبر. (قال) أي عوف. (أنا) تأكيد للضمير المتصل. (ذلك الميت) بالنصب على الخبرية أي لدعاء رسول الله ﷺ على ذلك الميت. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً النسائي، وابن ماجه والبيهقي، وابن أبي شيبة، وأخرجه الترمذي مختصراً، ونقل عن البخاري أنه قال: أصح شيء في هذا الباب هذا الحديث. ١٦٧٠- قوله: (لما توفي سعد بن أبي وقاص) أي في قصره بالعقبق على عشرة أميال من المدينة سنة (٥٥) على المشهور، وحمل إلى المدينة على أعناق الرجال ليدفن بالبقيع، وذلك في خلافة معاوية وعلى المدينة مروان. (ادخلوا به المسجد) قال الباجي: إنما أمرت بذلك لامتناعها هي وسائر أزواج النبي ﷺ من الخروج مع الناس إلى جنازته لكراهية خروجهن إلى الجنائز. (حتى أصلي عليه) فيه دليل على جواز صلاة النساء على الجنائز. قال الباجي: وهذا الذي يقتضيه مذهب مالك. وقال الشافعي: لا يصلي النساء على الجنائز، والدليل على صحة ذلك أن هذه صلاة يصح أن يفعلها الرجال، فصح أن يفعلها النساء كصلاة الجمعة. وهل يجوز أن يفعلها النساء دون الرجال؟ قال ابن القاسم وأشهب: يجوز ذلك وإن اختلفا في صفتهما-انتهى. وقال ابن قدامة: يصلي النساء جماعة إمامتهن في وسطهن. نص عليه أحمد، وبه قال أبوحنيفة. وقال الشافعي: يصلين مفردات لا يسبق بعضهن بعضاً وإن صلين جماعة جاز، ولنا أنهن من أهل الجماعة فيصلين جماعة كالرجال، وما ذكروه من كونهن منفردات لا يسبق بعضهن بعضاً تحكم لا يصار إليه إلا بنص أو إجماع، وقد صلى أزواج النبي ﷺ على سعد بن أبي وقاص-انتهى. قلت: ويدل على صلاة النساء مع الرجال جماعة ما رواه الحاكم: أن أبا طلحة دعا رسول الله ﷺ إلى عمير

стр. 2349

فأنكر ذلك عليها، فقالت: والله لقد صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء في المسجد: سهيل وأخيه)) . ــ ابن أبي طلحة حين توفي فأتاهم رسول الله ﷺ فصلى عليه في منزلهم فتقدم رسول الله ﷺ وكان أبوطلحة وراءه وأم سليم وراء أبي طلحة ولم يكن معهم غيرهم. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين، وسنة غريبة في إباحة صلاة النساء على الجنائز، ووافقه الذهبي. (فأنكر ذلك) أي إدخاله في المسجد. (عليها) أي على عائشة. وفي رواية لمسلم: لما توفي سعد بن أبي وقاص أرسل أزواج النبي ﷺ أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه ففعلوا، فوقف به على حجرهن يصلين عليه. ثم أخرج به من باب الجنائز الذي كان إلى المقاعد، فبلغهن أن الناس عابوا ذلك وقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد، فبلغ ذلك عائشة فقالت: ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به، عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد الخ. (والله لقد صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء) لقب للأم، واسمها دعد بفتح الدال وسكون العين المهملتين بنت الجحدم الفهرية. (في المسجد) وفي رواية لمسلم: في جوف المسجد. (سهيل) بالتصغير. (وأخيه) سهل. وقيل: صفوان: واعلم أن المعروفين ببني البيضاء ثلاثة إخوة: سهل وسهيل وصفوان. وأمهم البيضاء اسمها دعد، والبيضاء وصف، وأبوهم وهب بن ربيعة القرشي الفهري. كان سهل ممن قام في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم. قال أبوحاتم: كان ممن أظهر إسلامه بمكة. وقال ابن عبد البر: أسلم سهل بمكة، وأخفى إسلامه فأخرجته قريش معهم إلى بدر، فأسر يومئذٍ مع المشركين، فشهد له عبد الله بن مسعود أنه رآه بمكة يصلي فخلى عنه، ومات بالمدينة، وبها مات أخوه سهيل، وصلى عليهما رسول الله ﷺ في المسجد، فيما رواه ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة قالت: والله ما صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء إلا في المسجد سهل وسهيل. وزعم الواقدي أن سهل بن بيضاء مات بعد النبي ﷺ . وأما سهيل فكان قديم الإسلام هاجر إلى الحبشة قدم على رسول الله ﷺ بمكة فأقام معه حتى هاجر وهاجر سهيل، فجمع الهجرتين جميعاً، ثم شهد بدراً والمشاهد كلها، ومات بالمدينة في حياة النبي ﷺ بعد رجوعه من تبوك سنة تسع، ولا عقب له. وأما صفوان فقد شهد بدراً مع رسول الله ﷺ ، وقتل يومئذٍ ببدر شهيداً، قتله طعيمة بن عدي فيما قاله ابن إسحاق وموسى بن عقبة وابن سعد وأبوحاتم، وجزم ابن حبان بأنه مات سنة (٣٠) ، وقيل: في شهر رمضان سنة (٣٨) وبه جزم الحاكم أبوأحمد تبعاً للواقدي. واختلف في المراد بالأخ المذكور في الحديث، فقيل: سهل جزم به ابن عبد البر، وقيل: صفوان. قال أبونعيم: اسم أخي سهيل صفوان، ووهم من سماه سهلاً، ولم يزد مالك في روايته على سهيل. والحديث يدل على جواز إدخال الميت في المسجد والصلاة عليه

стр. 2350

رواه مسلم. ١٦٧١- (١٢) وعن سمرة بن جندب، قال: ((صليت وراء رسول الله ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها، فقام وسطها)) . ــ فيه، وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، والجمهور خلافاً لمالك في المشهور عنه وأبي حنيفة. وأجاب بعض من كره ذلك عن الحديث بأن الأمر استقر على ترك ذلك؛ لأن الذين أنكروا على عائشة كانوا من الصحابة، ورد بأن عائشة لما أنكرت ذلك الإنكار سلموا لها. فدل على أنها حفظت ما نسوه وأن الأمر استقر على الجواز، ويدل على ذلك الصلاة على أبي بكر وعمر في المسجد، كما تقدم، قاله الشوكاني. وقال السندي في حاشية النسائي: الحديث ظاهر في الجواز في المسجد، نعم كانت عادته ﷺ خارج المسجد، فالأقرب أن يقال: الأولى أن تكون خارج المسجد مع الجواز فيه، والله تعالى أعلم-انتهى. وقد تقدم بسط الكلام فيه شرح حديث قصة النجاشي. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد، ومالك، والترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي، والطحاوي. ١٦٧١- قوله: (صليت وراء رسول الله ﷺ على امرأة) هي أم كعب الأنصارية، كما في مسلم. (ماتت في نفاسها) بكسر النون أي حين ولادتها. وقال القسطلاني: "في" هنا للتعليل، كما في قوله ﷺ : إن امرأة دخلت النار في هرة، أي ماتت بسبب نفاسها. (فقام) أي وقف للصلاة. (وسطها) أي حذاء وسطها، وهو بسكون السين وفتحها بمعنى فلذا جوز الوجهان، وقد فرق بعضهم بينهما، قاله السندي. وقال الطيبي: الوسط بالسكون يقال فيما كان متفرق الأجزاء كالناس والدواب وغير ذلك، وما كان متصل الأجزاء والرأس فهو بالفتح. وقيل: كل منهما يقع موقع الآخر، وكأنه أشبه. وقال صاحب المغرب: الوسط بالفتح كالمركز للدائرة، وبالسكون داخل الدائرة، وقيل: كل ما يصلح فيه بين فبالفتح وما لا فبالسكون-انتهى. وقال القسطلاني: من سكن السين جعله ظرفاً، ومن فتح جعله اسماً، والمراد على الوجهين عجيزتها، وكون هذه المرأة في نفاسها وصف غير معتبر، وإنما هو حكاية أمر واقع، وأما كونها امرأة فالظاهر أنه معتبر، كما يدل عليه حديث أنس الآتي في آخر الفصل الثاني، والحديث فيه دليل على أن السنة أن يقوم الإمام، وكذا المنفرد في صلاة الجنازة حذاء وسط المرأة، أي عند عجيزتها. قال الأمير اليماني: وهذا مندوب، وأما الواجب فإنما هو استقبال جزء من الميت رجلاً أو امرأة. واختلف العلماء في حكم الاستقبال في حق الرجل والمرأة، فقال أبوحنيفة في المشهور عنه: إنهما سواء، فيقوم الإمام بحذاء صدرها. وقال مالك: يقوم حذاء الرأس منهما، ونقل عنه أن يقوم من الرجل عند وسطه

стр. 2351

متفق عليه. ١٦٧٢- (١٣) وعن ابن عباس ((أن رسول الله ﷺ مر بقبر دفن ليلاً، ــ ومن المرأة عند منكبيها. وقال أحمد كما في المغني والخطابي: يقوم من المرأة حذاء وسطها ومن الرجل حذاء صدره. وحكى الترمذي عن أحمد: أنه ذهب إلى أنه يقوم من المرأة عند وسطها ومن الرجل عند رأسه، كما هو مقتضى حديث أنس آخر حديث الفصل الثاني، وهو مذهب الشافعي وإسحاق وأبي يوسف، وهو الحق لما يدل عليه حديث سمرة وحديث أنس الآتي، وهو رواية عن أبي حنيفة. قال في الهداية: وعن أبي حنيفة أنه يقوم من الرجل بحذاء رأسه ومن المرأة بحذاء وسطها؛ لأن أنساً فعل ذلك وقال: هو السنة-انتهى. ورجح الطحاوي قول أبي حنيفة هذا على قوله المشهور حيث قال في شرح الآثار: قال أبوجعفر: القول الأول أحب إلينا لما قد شده الآثار التي روينا عن رسول الله ﷺ انتهى. وقال بعضهم: يقوم حذاء رأس الرجل وثدي المرأة، واستدل بفعل علي، وقال بعضهم: يستقبل صدر المرأة وبينه وبين السرة من الرجل. قال الشوكاني بعد ذكر هذه الأقوال: وقد عرفت أن الأدلة دلت على ما ذهب إليه الشافعي، وأن ما عداه لا مستند له من المرفوع إلا مجرد الخطأ في الاستدلال، أو التعويل على محض الرأي، أو ترجيح ما فعله الصحابي على ما فعله النبي ﷺ ، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. نعم لا ينتهض مجرد الفعل دليلاً للوجوب، ولكن النزاع فيما هو الأولى والأحسن، ولا أحسن من الكيفية التي فعلها المصطفى ﷺ انتهى كلام الشوكاني. قلت: وأجاب الحنفية عن حديث أنس وسمرة: بأنه لا ينافي كون الصدر وسطاً، بل الصدر وسط البدن باعتبار توسط الأعضاء، إذ فوقه يداه ورأسه وتحته بطنه وفخذاه، أو يأوّل فيقال: يحتمل أنه وقف بحذاء صدر كل واحد منهما إلا أنه مال في أحد الموضعين إلى الرأس وفي الآخر إلى العجز أي العورة، فظن الراوي أنه فرق بين الأمرين لتقارب المحلين، كذا قال ابن الهمام في شرح الهداية، والكاساني في البدائع: ولا أدري أي شيء ألجأهم إلى هذا التأويل، وتكلف الجواب والتمحل، مع أنه لم يرد حديث مرفوع صحيح أو ضعيف يوافق مذهبهم بأن يدل على عدم الفرق بين الرجل والمرأة والقيام بحذاء صدرهما، بل ورد ما يخالفهم، ولذلك قال شيخنا في شرح الترمذي بعد ذكر كلام ابن الهمام: هذا مما لا يلتفت إليه بعد ما ثبت أنه ﷺ كان يقوم حذاء رأس الرجل وحذاء عجيزة-انتهى. (متفق عليه) وأخرجه أحمد، والترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي. ١٦٧٢- قوله: (مر بقبر دفن) بضم الدال وكسر الفاء. (ليلاً) نصب على الظرفية أي دفن صاحبه فيه ليلاً، فهو من قبيل ذكر المحل وإرادة الحال. قيل: اسم صاحب القبر طلحة بن البراء بن عمير البلوى، حليف الأنصار،

стр. 2352

فقال: متى دفن هذا؟ قالوا: البارحة، قال: أفلا آذنتموني؟ قالوا: دفناه في ظلمة الليل فكرهنا أن نوقظك، فقام فصففنا خلفه، فصلى عليه)) . ــ روى قصته أبوداود والبيهقي مختصراً من حديث حصين بن وحوح، وقد تقدم. (متى دفن) بصيغة المجهول. (هذا) الميت. (البارحة) أي دفن الليلة الماضية. (أفلا آذنتموني) بمد الهمزة أي أدفنتموه فلا أعلمتموني بموته حين مات. (فكرهنا أن نوقظك) أي ننبهك من النوم. (فصففنا) بفائين. (فصلى عليه) أي على قبره صبيحة دفنه، وفيه جواز الدفن بالليل؛ لأن النبي ﷺ اطلع على ذلك ولم ينكره، بل أنكر عليهم عدم إعلامهم بأمره. ويدل عليه أيضاً حديث ابن عباس عند الترمذي: إن النبي ﷺ دخل قبراً ليلاً فأسرج له سراج فأخذه من قبل القبلة-الحديث. وحديث جابر عند أبي داود والحاكم قال: رأى ناس ناراً في المقبرة فأتوها، فإذا رسول الله ﷺ في القبر، وإذا هو يقول: ناولوني صاحبكم-الحديث. وحديث أبي ذر عند ابن أبي شيبة قال: كان رجل يطوف بالبيت يقول: أوه أوه، قال أبوذر: فخرجت ذات ليلة فإذا النبي ﷺ في المقابر يدفن ذلك الرجل ومعه مصباح، ذكره العيني. وحديث أبي أمامة بن سهل عند مالك والبيهقي وابن عبد البر في دفن المسكينة ليلاً. وحديث أبي سعيد عند ابن ماجه وغير ذلك من الأحاديث: وقد دفن النبي ﷺ ليلاً، كما رواه أحمد عن عائشة. ودفن أبوبكر وعمر ليلاً، ودفن علي فاطمة ليلاً، وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد في الأصح المشهور عنه، وأبوحنيفة وإسحاق والجمهور، وكرهه قتادة والحسن البصري وسعيد بن المسيب وأحمد في رواية. وقال ابن حزم: لا يجوز أن يدفن أحد ليلاً إلا عن ضرورة، وكل من دفن ليلاً منه ﷺ ومن أزواجه وأصحابه فإنما ذلك لضرورة أوجبت ذلك من خوف زحام أو خوف الحر على من حضر، وحر المدينة شديداً، وخوف تغير أو غير ذلك مما يبيح الدفن ليلاً، لا يحل لأحد أن يظن بهم خلاف ذلك. واستدل هؤلاء بحديث جابر عند أحمد ومسلم وأبي داود: إن النبي ﷺ خطب يوماً فذكر رجلاً من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل وقبر ليلاً فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل ليلاً حتى يصلى عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك، وقال النبي ﷺ : إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه، وأجاب الجمهور عنه بأن النهي ليس لأجل كراهة الدفن ليلاً، بل لأنهم كانوا يفعلون ذلك بالليل لرداءة الكفن وإساءته، كما يدل عليه أول الحديث وآخره. وقال الطحاوي: أراد رسول الله ﷺ بالنهي عن الدفن ليلاً أن يصلي على جميع المسلمين؛ لما يكون لهم في ذلك من الفضل، يعني فيحتسب تأخير دفنه إلى الصباح إن رجي بتأخيره صلاة من ترجي بركته. وقيل: يحتمل أن يكون نهى عن ذلك أولاً ثم رخص. وقيل: المنهي عنه الدفن قبل الصلاة، وتعقب بأن الدفن قبل الصلاة منهي عنه مطلقاً سواء كان بالليل أو بالنهار. والظاهر أن النهي

стр. 2353

عن الدفن بالليل ولو بعد الصلاة، ففي رواية ابن ماجه من حديث جابر مرفوعاً: لا تدفنوا موتاكم بالليل إلا أن تضطروا. وفي الحديث أيضاً دليل على صحة الصلاة على القبر بعد دفن الميت سواء صلى عليه قبل الدفن أم لا. وبه قال أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، روي ذلك عن أبي موسى وابن عمر وعائشة وعلى وابن مسعود وأنس وسعيد بن المسيب وقتادة، وإليه ذهب الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وابن وهب وداود وسائر أصحاب الحديث، ويدل لهم أيضاً أحاديث من بين صحاح وحسان وردت في الباب عن جماعة من الصحابة، أشار إليها الحافظ في التلخيص (ص١٦٢) ، وساق أكثرها بأسانيدها ابن عبد البر في التمهيد. وقال النخعي والثوري ومالك وأبوحنيفة: لا تعاد الصلاة على الميت إلا للولي إذا كان غائباً، ولا يصلى على القبر إلا كذلك، وعنهم إن دفن قبل أن يصلى عليه شرع الصلاة عليه وإلا فلا، وأحاديث الباب ترد عليهم مطلقاً، وقد اعتذر عنها مالك بأنه ليس عمل أهل المدينة عليها، ولا يخفى ما فيه، وأجاب غيره بأن ذلك من خصائصه ﷺ ، واحتجوا لهذا بقوله ﷺ في حديث أبي هريرة عند مسلم: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وأن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم. قالوا: صلاته ﷺ كانت لتنوير القبر، وذا لا يوجد في صلاة غيره، فلا يكون الصلاة على القبر مشروعاً. وأجاب ابن حبان عن ذلك بأن في ترك إنكاره ﷺ على من صلى معه على القبر بيان جواز ذلك لغيره، وأنه ليس من خصائصه. وتعقب بأن الذي يقع بالتبعية لا ينتهض دليلاً للأصالة. ومن جملة ما أجاب به الجمهور عن قوله: إن هذه القبور مملوءة ظلمة الخ أنه مدرج، كما سيأتي. قلت: واستدل بعضهم للخصوصية بقوله ﷺ في حديث يزيد بن ثابت عند أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي: إن صلاتي له رحمة. قال السندي: قد أخذ منه الخصوص من ادعى ذلك، وهذه دلالة غير قوية. وقال الشوكاني: إن الاختصاص لا يثبت إلا بدليل، ومجرد كون الله ينور القبور بصلاته ﷺ على أهلها لا ينفي مشروعية الصلاة على القبر لغيره، لا سيما بعد قوله ﷺ : صلوا كما رأيتموني أصلي. وقال ابن حزم: ليس في الكلام المذكور دليل على أنه خصوص له، وإنما في هذا الكلام بركة صلاته ﷺ وفضيلتها على صلاة غيره فقط، وليس فيه نهي غيره عن الصلاة على القبر أصلاً، بل قد قال الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١] انتهى. قال الشوكاني: وهذا باعتبار من كان قد صلى عليه قبل الدفن، وأما من لم يصل عليه ففرض الصلاة عليه الثابت بالأدلة وإجماع الأمة باقٍ، وجعل الدفن مسقطاً لهذا الفرض محتاج إلى دليل-انتهى. هذا واختلف في المدة التي تشرع فيها الصلاة على القبر، فقال أحمد وإسحاق وأصحاب الشافعي: إلى شهر. قال أحمد: أكثر ما سمعنا أن النبي ﷺ صلى على قبر أم سعد بن عبادة بعد شهر. وقيل: يصلي عليه ما لم يبل

стр. 2354

متفق عليه ١٦٧٣- (١٤) وعن أبي هريرة: ((أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد، أو شاب، ففقدها رسول الله ﷺ فسأل عنها، أو عنه، فقالوا: مات، قال: أفلا كنتم آذنتموني؟ قال: فكأنهم صغروا أمرها، أو أمره، ــ جسده. وقال أبوحنيفة: يصلي عليه الولي إلى ثلاث ولا يصلي عليه غيره بحال. وقيل: يصلي عليه أبداً، واختاره ابن عقيل من الحنابلة؛ لأن النبي ﷺ صلى على شهداء أحد بعد ثمان سنين، ولأن المراد من الصلاة عليه الدعاء، وهو جائز في كل وقت. قال الأمير اليماني: وهو الحق إذ لا دليل على التحديد بمدة-انتهى. ومال شيخنا إلى ترجيح قول أحمد، ومن وافقه، فقال: الظاهر الاقتصار على المدة التي تثبت عن رسول الله ﷺ . وأما القياس على مطلق الدعاء وتجويزه في كل وقت ففيه نظر، كما لا يخفى-انتهى. (متفق عليه) أخرجه البخاري بألفاظ هذا أحدها، أورده في باب صفوف الصبيان مع الرجال على الجنائز، وأخرجه أيضاً ابن ماجه، وأخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، والدارقطني، والبيهقي مختصراً. ١٦٧٣- قوله: (أن امرأة سوداء) سماها البيهقي في روايته من حديث ابن بريدة عن أبيه: أم محجن. (كانت تقم المسجد) بضم القاف وتشديد الميم أي تكنسه وتطهره من القمامة أي الكناسة. وفي بعض الطرق: كانت تلقط الخرق والعيدان من المسجد. (أو شاب) أي كان يقم ورفعه على أنه عطف على محل اسم أن. وفي صحيح مسلم: أو شاباً أي بالنصب منوناً عطفاً على امرأة، وكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج٧ص١٥٤) . وقد رواه ابن خزيمة من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة. فقال: امرأة سوداء من غير شك، وبه جزم أبوالشيخ في كتاب الصلاة، له بسند مرسل. قال القسطلاني: فالشك هنا من ثابت على الراجح، وسماها في رواية البيهقي: أم محجن. (ففقدها) أو ففقده أي لم يرها حاضرة في المسجد. (فسأل) أي النبي ﷺ الناس. (عنها أو عنه) على الشك. (فقالوا) أي بعضهم، وفي حديث بريدة المتقدم: أن الذي باشر جواب النبي ﷺ منهم هو أبوبكر الصديق ﵁. (مات) أو ماتت. (قال) أي النبي ﷺ . (أفلا كنتم آذنتموني) أي أخبرتموني بموته أو بموتها لأصلي عليه أو عليها. (قال) أي أبوهريرة حكاية عما وقع منهم في جواب قوله: أفلا الخ. (فكأنهم) أي المخاطبين (صغروا) أي حقروا. (أمرها أو أمره) أي وعظموا أمر النبي ﷺ بتكليفه للصلاة عليه، ولابن خزيمة: قالوا مات من الليل فكرهنا أن نوقظك، وكذا في

стр. 2355

فقال: دلوني على قبره، فدلوه فصلى عليها، ثم قال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم)) . متفق عليه. ولفظه مسلم. ١٦٧٤- (١٥) وعن كريب مولى ابن عباس، عن عبد الله بن عباس: ((أنه مات له ابن بقديد أو بعسفان، فقال: يا كريب! انظر ما اجتمع له من الناس، ــ حديث بريدة، ووقع في رواية للبخاري: فحقروا شأنه. قال القسطلاني: لا ينافي ما سبق من التعليل بأنهم كرهوا أن يوقظوه ﵊ في الظلمة خوف المشقة، إذ لا تنافي بين التعليلين. (فقال) النبي ﷺ : (دلوني) بضم الدال أمر من الدلالة. (على قبره) أو قبرها. (فدلوه) بفتح الدال وضم اللام المشددة. (فصلى عليها) أو عليه، يعني على قبرها. فيه رد على الحنفية والمالكية حيث منعوا الصلاة على القبر. (إن هذه القبور) قال ابن الملك المشار إليها القبور التي يمكن أن يصلي عليها النبي ﷺ . (ظلمة) بالنصب على التمييز. (على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم) قال الطيبي: وهو كأسلوب الحكيم، أي ليس النظر في الصلاة على الميت إلى حقارته ورفعة شأنه، بل هي بمنزلة الشفاعة، يعني فلا تختص بميت دون ميت. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أبوداود وابن ماجه والبيهقي كلهم من رواية حماد بن زيد عن ثابت البناني عن أبي رافع عن أبي هريرة. (ولفظه لمسلم) أخرجه من طريق أبي كامل الجحدري عن حماد بن زيد. اعلم أن جملة "إن هذه القبور" إلى آخر الحديث من أفراد مسلم وليس للبخاري. قال الحافظ: إنما لم يخرج البخاري هذه الزيادة؛ لأنها مدرجة في هذا الإسناد، وهي من مراسيل ثابت، بيّن ذلك غير واحد من أصحاب حماد بن زيد، وقد أوضحت ذلك بدلائله في كتاب بيان المدرج. قال البيهقي: الذي يغلب على القلب أن تكون هذه الزيادة في غير رواية أبي رافع عن أبي هريرة، فإما أن تكون عن ثابت عن النبي ﷺ مرسلة، كما رواه أحمد بن عبدة ومن تابعه، أو عن ثابت عن أنس، كما رواه خالد بن خداش، وقد رواه غير حماد عن ثابت عن أبي رافع فلم يذكرها-انتهى. قال الحافظ: ووقع في مسند أبي داود الطيالسي عن حماد بن زيد وأبي عامر الخزاز كلاهما عن ثابت بهذه الزيادة، وفي الحديث فضل تنظيف المسجد، والسؤال عن الخادم والصديق إذا غاب، وفيه المكافأة بالدعاء والترغيب في شهود جنائز أهل الخير وندب الصلاة على الميت الحضر عند قبره لمن يصل عليه والإعلام بالموت. ١٦٧٤- قوله: (وعن كريب) بالتصغير) بالتصغير. (أنه مات له) أي لعبد الله. (بقديد) بالتصغير موضع قريب بعسفان. (أو بعسفان) بضم العين شك من الراوي. (ما اجتمع له) ما موصولة بينها. (من الناس) ويمكن أن يكون

стр. 2356

قال: فخرجت فإذا ناس قد اجتمعوا له، فأخبرته، فقال: تقول هم أربعون؟ قال: نعم، قال: أخرجوه، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه)) . رواه مسلم ١٦٧٥- (١٦) وعن عائشة، عن النبي ﷺ قال: ((ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة، كلهم يشفعون له، إلا شفعوا فيه)) . ــ ما بمعنى من. (فأخبرته) أي بهم أو باجتماعهم. (فقال) أي ابن عباس. (تقول) بالخطاب أي تظن. وفي رواية أحمد قال: يقول أي قال كريب يقول لي ابن عباس. (هم أربعون قال) أي كريب. (نعم) وظاهر الكلام أن يقول "قلت" ففيه تجريد، وذكره الجزري في جامع الأصول (ج٧ص١٦١) بلفظ: قال: قلت: نعم. وفي رواية ابن ماجه فقال: ويحك كم تراهم أربعين؟ قلت: لا بل هم أكثر. (قال) أي ابن عباس. (أخرجوه) أي الميت. (فيقوم) أي للصلاة. (على جنازته أربعون رجلاً) أي فيصلون عليه ويدعون له. (لا يشركون بالله شيئاً) وفي رواية ابن ماجه: ما من أربعين مؤمن يشفعون لمؤمن (إلا شفعهم الله) بتشديد الفاء أي قبل شفاعتهم. (فيه) أي في حق ذلك الميت. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج١ص٢٧٧) وابن ماجه، وأخرج أبوداود والبيهقي من طريقه المسند منه فقط. ١٦٧٥- قوله: (ما من ميت) أي مسلم. (تصلي عليه أمة) أي جماعة. (من المسلمين) وفي رواية الترمذي والنسائي: لا يموت أحد من المسلمين فيصلي عليه أمة من المسلمين. (يبلغون) أي في العدد. (مائة كلهم يشفعون له) بسكون الشين وفتح الفاء أي يدعون له. (إلا شفعوا) بتشديد الفاء على بناء المفعول، أي قبلت شفاعتهم. (فيه) أي في حقه، وفي الحديث استحباب تكثير جماعة الجنازة، ويطلب بلوغهم إلى هذا العدد الذي يكون من موجبات الفوز. وقد قيد ذلك بأمرين: الأول: أن يكونوا شافعين فيه، أي مخلصين له الدعاء سائلين له المغفرة. الثاني: أن يكونوا مسلمين ليس فيهم من يشرك بالله شيئاً، كما في حديث ابن عباس المتقدم، ويأتي حديث مالك بن هبيرة بلفظ: من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب. ولا اختلاف في هذه الأحاديث الثلاثة. قال القاضي: قيل: هذه الأحاديث خرجت أجوبة لسائلين، سألوا عن ذلك، فأجاب كل واحد عن سؤاله. قال النووي: ويحتمل أن يكون النبي ﷺ أخبر بقبول شفاعة مائة فأخبر به، ثم بقبول شفاعة أربعين، ثم ثلاثة صفوف وإن قل عددهم فأخبر به، قال: ويحتمل أيضاً أن يقال هذا مفهوم عدد، ولا يحتج به جماهير الأصوليين، فلا يلزم من

стр. 2357

رواه مسلم ١٦٧٦- (١٧) وعن أنس، قال: ((مروا بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال النبي ﷺ : وجبت، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شراً، ــ الإخبار عن قبول شفاعة مائة منع قبول ما دون ذلك. وكذا في الأربعين مع ثلاثة صفوف، وحينئذٍ كل الأحاديث معمول بها، وتحصل الشفاعة بأقل الأمرين من ثلاثة صفوف وأربعين-انتهى كلام النووي. وقال التوربشتي في شرح المصابيح: لا تضاد بين حديث عائشة وحديث ابن عباس؛ لأن السبيل في أمثال هذا الحديث إن الأقل من العددين متأخر؛ لأن الله تعالى إذا وعد المغفرة لمعنى واحد لم يكن من سنته أن ينقص من الفضل الموعود بعد ذلك، بل يزيد عليه فضلاً وتكرماً على عباده. فجعلنا حديث ابن عباس في أربعين متأخراً عن حديث عائشة في المائة للمعنى الذي ذكرنا-انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي والنسائي والبيهقي، وروى ابن ماجه بمعناه عن أبي هريرة، ومسلم عن أنس، والطبراني في الكبير عن ابن عمر، وفيه مبشر بن أبي المليح، قال الهيثمي: لم أجد من ذكره. ١٦٧٦- قوله: (مروا) أي الصحابة، وفي رواية مر بضم الميم على البناء للمفعول. (فأثنوا عليها) أي ذكروها بأوصاف حميدة. فقوله: خيراً تأكيد أو دفع لما يتوهم من على (خيراً) صفة لمصدر محذوف فأقيمت مقامه فنصبت أي ثناء حسناً، أو هو منصوب بنزع الخافض أي أثنوا عليها بخير. وفي رواية الحاكم: فقالوا كان يحب الله ورسوله ويعمل بطاعة الله ويسعى فيها. وقال التي أثنوا عليها شراً فقالوا: كان يبغض الله ورسوله ويعمل بمعصية الله ويسعى فيها، ففيه تفسير ما أبهم من الخير والشر في رواية الشيخين. (وجبت) أي ثبتت له الجنة. (ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شراً) قال الطيبي: استعمال الثناء في الشر مشاكلة أو تهكم-انتهى. قال القاري: ويمكن أن يكون أثنوا في الموضعين بمعنى وصفوا، فيحتاج حينئذٍ إلى القيد، ففي القاموس الثناء وصف بمدح أو ضم أو خاص بالمدح-انتهى. وإنما مكنوا من الثناء بالشر مع الحديث الصحيح في البخاري في النهي عن سب الأموات؛ لأن النهي عن سبهم إنما هو في حق غير المنافقين والكفار وغير المتظاهر بالفسق أو البدعة، فأما هؤلاء فلا يحرم ذكرهم بالشر للتحذير من طريقتهم ومن الإقتداء بآثارهم والتخلق بأخلاقهم، وهذا الحديث محمول على أن الذي أثنوا عليه شراً كان مشهوراً بنفاق أو نحوه، قاله النووي. قال الحافظ: يرشد إلى ذلك ما رواه أحمد من حديث أبي قتادة بإسناد صحيح أنه ﷺ لم يصل على الذي أثنوا عليه شراً وصلى على الآخر-انتهى. وقيل النهي عن سب الأموات محمول على ما بعد الدفن، والجواز على ما قبله ليتعظ به من يسمعه من فساق الأحياء، وقيل: يحتمل أن

стр. 2358

فقال: وجبت، فقال عمر: ما وجبت؟ فقال: هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض) . ــ يكون حديث أنس وما في معناه قبل ورود النهي العام. وقيل: إن هذا كان على معنى الشهادة، والمنهي عنه هو على معنى السب، وما كان على جهة الشهادة وقصد التحذير لا يسمى سباً في اللغة. (فقال النبي ﷺ وجبت) أي حقت له النار. (فقال عمر ما وجبت) أي ما المراد بقولك وجبت في الموضعين، أراد التصريح بما يعلم من قيام القرينة. (هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة، وهذا) أي الآخر. (أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار) قال الحافظ: المراد بالوجوب الثبوت، إذ هو في صحة الوقوع كالشيء الواجب، والأصل أنه لا يجب على الله شيء بل الثواب فضله والعقاب عدله، لا يسئل عما يفعل. وفي رواية مسلم: من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة، وهو أبين في العموم من رواية البخاري، وفيه رد على من زعم أن ذلك خاص بالميتين المذكورين لغيب اطلع الله نبيه عليه، وإنما هو خبر عن حكم أعلمه الله به. (أنتم شهداء الله في الأرض) قيل: الخطاب مخصوص بالصحابة؛ لأنهم كانوا ينطقون بالحكمة بخلاف من بعدهم. وقيل: بل المراد هم ومن كانوا على صفتهم من الإيمان. وقيل: الصواب أن ذلك يختص بالثقات والمتقين. ونقل الطيبي عن بعض شراح المصابيح: أنه قال ليس معنى قوله "أنتم شهداء الله" أن ما يقول الصحابة والمؤمنون في حق شخص يكون كذلك؛ لأن من يستحق الجنة لا يصير من أهل النار بقولهم "ولا من يستحق النار" يصير من أهل الجنة بقولهم، بل معناه أن الذي أثنوا عليه خيراً رأوا منه الصلاح والخيرات في حياته، والخيرات والصلاح علامة كون الرجل من أهل الجنة، والذي أثنوا عليه شراً رأوا منه الشر والفساد، والشر والفساد من علامة النار، فترجى الجنة لمن شهد له بالخير، ويخاف النار لمن شهد له بالشر وتعقبه. الطيبي بأن قوله "وجبت" بعد ثناء الصحابة حكم عقب وصفاً مناسباً، وهو يشعر بالعلية، وكذا الوصف بقوله "أنتم شهداء الله في الأرض"؛ لأن الإضافة للتشريف، وأنهم بمكان ومنزلة عالية عند الله، وهو أيضاً كالتزكية من رسول الله ﷺ لأمته وإظهار عدالتهم بعد أداء شهادتهم لصاحب الجنازة، فينبغي أن يكون لها أثر ونفع في حقه، وأن الله تعالى يقبل شهادتهم ويصدق ظنونهم في حق المثنى عليه، كرامة لهم وتفضيلاً عليهم كالدعاء والشفاعة، فيوجب لهم الجنة والنار على سبيل الوعد والوعيد؛ لأن وعده حق لا بد من وقوعه، فهو كالواجب إذ لا أثر للعمل ولا الشهادة في الوجوب. وإلى معنى الحديث يرمز قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً﴾ [البقرة: ١٤٣] أي جعلناكم عدولاً خيار الشهود لتشهدوا على غيركم، ويكون الرسول رقيباً عليكم ومزكياً لكم ويبين عدالتكم. وقال النووي: قيل:

стр. 2359

متفق عليه. وفي رواية: ((المؤمنون شهداء الله في الأرض)) . ١٦٧٧- (١٨) وعن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة، قلنا: وثلاثة؟ قلنا: واثنان؟ قال: واثنان، ثم لم نسأله عن الواحد) رواه البخاري. ــ هذا مخصوص بمن أثنى عليه أهل الفضل وكان ثناءه لهم مطابقاً لأفعاله فهو من أهل الجنة فإن كان غير مطابق فلا وكذا عكسه قال: والصحيح أنه على عمومه وإطلاقه، وإن كل مسلم مات فألهم الله الناس أو معظمهم الثناء عليه كان ذلك دليلاً على أنه من أهل الجنة سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا إذ العقوبة غير واجبة بل هو في خطر المشيئة، فإذا ألهم الله الناس الثناء عليه استدللنا بذلك على أنه تعالى قد شاء المغفرة له، وبهذا تظهر فائدة الثناء، وإلا فإذا كانت أفعاله مقتضية للجنة لم يكن للثناء فائدة. وقد أثبت النبي ﷺ له فائدة-انتهى. قال الحافظ: وهذا في جانب الخير واضح، ويؤيده ما رواه أحمد وابن حبان والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس مرفوعاً: ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من جيرانه الأدنين أنهم لا يعلمون منه إلا خيراً قال الله تعالى: قد قبلت قولكم وغفرت له مالا تعلمون. وأما جانب الشر فظاهر الأحاديث أنه كذلك، لكن إنما يقع ذلك في حق من غلب شره على خيره، وقد وقع في رواية النضر بن أنس عن أبيه عند الحاكم في آخر الحديث: إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر-انتهى. (متفق عليه) واللفظ للبخاري في الجنائز، وأخرجه أيضاً أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي. وأخرجه أحمد، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة بنحوه. (وفي رواية) أي للبخاري في الشهادات: (المؤمنون) اللام للجنس. (شهداء الله في الأرض) الإضافة تشريفية، ومشعرة بأنهم عند الله بمنزلة في قبول شهادتهم. ١٦٧٧- قوله: (أيما مسلم شهد له أربعة) من المسلمين وظاهره العموم، كما اختاره النووي. (بخير) أي أثنوا عليه بحميل. (أدخله الله الجنة) بفضله، تصديقاً لظن المؤمنين في حقه. (قلنا) أي عمر وغيره: (وثلاثة) أي وما حكم ثلاثة. (قال) أي النبي ﷺ : (وثلاثة) أي وكذلك ثلاثة، وقيل: هو وما قبله عطف تلقين. (ثم لم نسأله عن الواحد) قيل: الحكمة في الاقتصار على الاثنين؛ لأنهما نصاب الشهادة غالباً. وقال الزين بن المنير: إنما لم يسأل عمر عن الواحد استبعاداً منه أن يكتفي في مثل هذا المقام العظيم بأقل من النصاب. (رواه البخاري) في الجنائز والشهادات من طريق عبد الله بن بريدة عن أبي الأسود الديلي التابعي الكبير المشهور

стр. 2360

١٦٧٨- (١٩) وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا)) رواه البخاري. ١٦٧٩- (٢٠) وعن جابر، (أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ــ عن عمر. قال الحافظ: لم أره من رواية عبد الله بن بريدة عن أبي الأسود إلا معنعناً، وقد حكى الدارقطني في كتاب التتبع عن علي بن المديني أن ابن بريدة إنما يروي عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود، ولم يقل في هذا الحديث: سمعت أبا الأسود. قال الحافظ: وابن بريدة ولد في عهد عمر، فقد أدرك أبا الأسود بلا ريب، لكن البخاري لا يكتفي بالمعاصرة، فلعله أخرجه شاهداً، واكتفى للأصل بحديث أنس الذي قبله والله أعلم-انتهى. والحديث أخرجه أيضاً أحمد، والترمذي، والنسائي، والبيهقي. ١٦٧٨- قوله: (لا تسبوا الأموات) ظاهره النهي عن سب الأموات على العموم، وقد خصص هذا العموم بما تقدم في حديث أنس أنه قال ﷺ عند ثنائهم بالخير والشر: وجبت، أنتم شهداء الله في الأرض، ولم ينكر عليهم ولم ينههم عن الثناء بالشر، بل أقرهم على ذلك. وقيل: إن اللام في الأموات عهدية، والمراد بهم المسلمون. وقد ذكرنا توجيهات أخرى في شرح حديث أنس. قال الشوكاني: والوجه تبقية الحديث على عمومه إلا ما خصه دليل كالثناء على الميت بالشر. (على جهة الشهادة) وجرح المجروحين من الرواة أحياء وأمواتاً لإجماع العلماء على جواز ذلك، وذكر مساوي الكفار والفساق للتحذير منهم والتنفير عنهم. (فإنهم قد أفضوا) بفتح الهمزة والضاد أي وصلوا. (إلى ما قدموا) من التقديم أي لأنفسهم من الأعمال، والمراد جزاءها أي فلا ينفع سبهم فيهم، كما ينفع سب الحي في النهي والزجر حتى لا يقع في الهلاك، نعم قد يتضمن سبهم مصلحة الحي، كما إذا كان لتحذيره عن طريقهم مثلاً فيجوز كما تقدم. (رواه البخاري) في الجنائز، وفي الرقاق، وأخرجه أيضاً أحمد، والنسائي، والبيهقي. ١٦٧٩- قوله: (كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد) جمل قتيل أي شهداء غزوة أحد. (في ثوب واحد) أي من الكفن للضرورة، ولا يلزم منه تلاقي بشرتهما إذ يمكن حيلولتهما بنحو إذخر، ويحتمل أن الثوب كان طويلاً فقطعه بينهما نصفين وكفن كل واحد على حياله، ويؤيد الأول بل يعينه قول جابر في تمام الحديث عند البخاري: فكفن أبي وعمي في نمرة واحدة. وقال المظهر في شرح المصابيح قوله: في ثوب واحد، أي في قبر واحد، إذ يجوز تجريدهما في ثوب واحد بحيث تتلاقى بشرتاهما. قال السندي: نقله عنه غير واحد وأقروه عليه،

стр. 2361

ثم يقول: أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة، وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصل عليهم، ــ لكن النظر في الحديث يرده، بقي أنه ما معنى ذلك، والشهيد يدفن بثيابه التي كانت عليه، فكان هذا فيمن قطع ثوبه ولم يبق على بدنه أو بقي منه قليل لكثرة الجروح، وعلى تقدير بقاء شيء من الثوب السابق فلا إشكال، لكونه فاصلاً عن ملاقاة البشرة، وأيضاً قد اعتذر بعضهم عنه بالضرورة. وقال بعضهم: جمعهما في ثوب واحد هو أن يقطع الثوب الواحد بينهما-انتهى. (أيهم أكثر أخذاً للقرآن) بالنصب على التمييز في أخذاً. وفي رواية الترمذي: حفظاً للقرآن. (فإذا أشير له) أي للنبي ﷺ (إلى أحدهما قدمه) أي ذلك الأحد. (في اللحد) بفتح اللام وسكون الحاء، أي الشق في عرض القبر جانب القبلة، سمى لحداً لأنه شق يعمل في ناحية القبر، مائلاً عن وسطه، قدر ما يوضع الميت في جهة القبلة، والإلحاد لغة الميل، وفيه دليل على جواز تكفين الرجل في ثوب واحد لأجل الضرورة، وفيه جمع الرجلين فصاعداً في لحد لأجل الضرورة، ففي رواية عبد الرزاق: كان يدفن الرجلين والثلاثة في قبر واحد. وروى أصحاب السنن عن هشام بن عامر الأنصاري قال: جاءت الأنصار إلى رسول الله ﷺ يوم أحد فقالوا: أصابنا قرح وجهد، فقال: احفروا وأوسعوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في قبر. صححه الترمذي، ومثله المرأتان والثلاث. وفيه أنه يقدم الأكثر أخذاً للقرآن على غيره لفضيلة القرآن، كنظيره في الإمامة في الحياة، ويقاس عليه سائر جهات الفضل إذا جمعوا في اللحد. (وقال) أي النبي ﷺ : (أنا شهيد على هؤلاء) كلمة على في مثله تحمل على معنى اللام، أي أنا شفيع لهؤلاء وأشهد لهم بأنهم بذلوا أرواحهم وتركوا حياتهم لله تعالى، وفيه تشريف لهم وتعظيم وإلا فالأمر معلوم عنده تعالى. (ولم يصل عليهم) قال الحافظ في الفتح: هو مضبوط في روايتنا بفتح اللام، وهو اللائق بقوله بعد ذلك "ولم يغسلوا" وسيأتي من وجه آخر بلفظ: ولم يصل عليهم ولم يغسلهم، وهذه بكسر اللام، والمعنى ولم يفعل ذلك بنفسه ولا بأمره- انتهى. وفيه دليل على أنه لا يصلى على الشهيد المقتول في معركة الكفار، ويدل عليه أيضاً ما روى أحمد والترمذي وحسنه، وأبوداود والدارقطني والحاكم عن أنس: إن شهداء أُحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم-انتهى. وفي ذلك خلاف بين العلماء معروف، فقال مالك والشافعي وإسحاق وأحمد في المشهور عنه: بمنع الصلاة عليه عملاً بحديثي جابر وأنس. وقال الثوري وأبوحنيفة: يجب الصلاة عليه كسائر الأموات عملاً بعموم أدلة الصلاة على الميت، وبأحاديث رُويت في الصلاة على قتلى أحد حمزة وغيره من الشهداء، وقد سردها الزيلعي في نصب الراية، والحافظ في التلخيص، وبعضها حسن، وبما روى البخاري وغيره عن عقبة بن عامر: أنه ﷺ صلى على قتلى أحد، وبما روى أبوداود،

стр. 2362

وسكت عنه هو والمنذري عن أبي سلام عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: طلب رجل من المسلمين رجلاً من جهينة فضربه فأخطأه وأصاب نفسه بالسيف، فابتدره أصحاب رسول الله ﷺ فوجدوه قد مات، فلفه رسول الله ﷺ بثيابه ودمائه وصلى عليه -انتهى مختصراً. وبما روى النسائي والطحاوي والحاكم والبيهقي عن شداد بن الهاد الليثي الصحابي: أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبي ﷺ فآمن به واتبعه ... الحديث، وفيه أنه استشهد فصلى عليه النبي ﷺ ، وذهب أحمد في رواية إلى أن الصلاة عليه مستحبة، قال ابن قدامة: صرح بذلك أي بالاستحباب في رواية المروذي فقال: الصلاة عليه أجود وإن لم يصلوا عليه أجزأ- انتهى. وقال ابن حزم: إن صلى على الشهيد فحسن وإن لم يصل عليه فحسن، واستدل بحديثي جابر وعقبة، وقال: ليس يجوز أن يترك أحد الأثرين المذكورين للآخر، بل كلاهما حق مباح، وليس هذا مكان نسخ؛ لأن استعمالهما معاً ممكن في أحوال مختلفة، وأجاب الحنفية عن حديثي جابر وأنس: بأن النفي محمول على نفي الصلاة منفرداً، ولكنه كان يصلي على تسعة تسعة أو عشرة عشرة، وحمزة معهم، كما تدل عليه الروايات، أو المعنى أنه لم يصل على أحد كصلاته على حمزة حيث صلى عليه مراراً لمزيد الرحمة والرأفة والبركة، وصلى على غيره مرة، ثم أعاد الصلاة عليهم بأن صلى عليهم بعد ثمان سنين صلاته على الميت وكان توديعاً لهم. وقال بعضهم: إنه لم يصل عليهم يوم أحد أي حال الوقعة، وعليه يحمل رواية جابر وأنس: ثم صلى عليهم قبيل وفاته، استدراكاً لما فاته كما يشهد له حديث عقبة بن عامر عند البخاري وغيره: أنه صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين، كالمودع للأحياء والأموات، قالوا: ترك الصلاة عليهم يوم أحد لاشتغاله عنهم قلة فراغه لذلك، وكان يوماً صعباً على المسلمين، فعذروا بترك الصلاة عليهم يومئذٍ، قالوا: وتجوز الصلاة على القبر ما لم يتفسخ الميت، والشهداء لا يتفسخون ولا يحصل لهم تغير، فالصلاة عليهم لا تمتنع أي وقت كان. وأجابوا أيضاً بأن أحاديث الصلاة مثبتة والإثبات مقدم على النفي. وأجاب الشافعية عن حديث عقبة بن عامر بأن المراد بالصلاة فيه الدعاء والاستغفار كقوله: ﴿وصل عليهم﴾ لا الصلاة على الميت المعهودة. قال النووي: المراد بالصلاة هنا الدعاء، وأما كونه مثل الذي على الميت، فمعناه أنه دعا لهم بمثل الدعاء الذي كانت عادته أن يدعو به للموتى، والتشبيه لا يقتضي التسوية من كل وجه، فقوله "صلاته على الميت" لا يمنع من حمل الصلاة على الدعاء والاستغفار. قال الأمير اليماني: ويؤيد كونه دعا لهم عدم الجمعية بأصحابه، إذ لو كانت صلاة الجنازة المعهودة لأشعر أصحابه وصلاها جماعة، كما فعل في صلاته على النجاشي، فإن الجماعة أفضل قطعاً، وأهل أحد أولى الناس بالأفضل، ولأنه لم يرو عنه أنه صلى على قبر فرادى. وقال في فيض الباري (ج٢ ص٤٧٨) بعد ذكر التأويل النووي

стр. 2363

المذكور، ورد عليه العيني فقال: إنه ليس بتأويل بل تحريف، فإن المفعول المطلق للتشبيه، فقوله "صلاته على الميت" صريح في أنه صلى عليهم، كما يصلى على الجنائز. أقول والصواب، كما قاله النووي. فإني تتبعت الروايات فتبين أن صلاته كانت في السنة التي مات فيها، وكانت في المسجد النبوي، وإليه يشير لفظ البخاري: ثم انصرف إلى المنبر، وأين كان المنبر في أُحد؟ فخروجه ﷺ في تلك الواقعة إنما هو في المسجد لا إلى أُحد، وإنما أراد بذلك أن يدعوا لهم قبيل خروجه من الدنيا أيضاً لمزيد فضلهم، قال: وسها من زعم أن خروجه كان إلى أحد فإنه بثلاثة أميال عن المدينة-انتهى. وأجابوا عن أحاديث الصلاة على قتلى أحد مع حمزة بأن كلها مدخولة لا يخلو واحد منها عن كلام. قال المجد بن تيمية في المنتقى: وقد رويت الصلاة عليهم بأسانيد لا تثبت-انتهى. وقد أعل الشافعي بعض روايات الصلاة على قتلى أُحد، وعلى حمزة بأنه متدافع، قال في كتاب الأم (ج١ص٣٣٧) : كيف يستقيم أنه ﵇ صلى على حمزة سبعين صلاة إذا كان يؤتى بتسعة وحمزة عاشرهم، وشهداء أحد إنما كانوا اثنين وسبعين شهيداً، فإذا صلى عليهم عشرة عشرة فالصلاة إنما تكون سبع صلوات أو ثمانياً، فمن أين جاءت سبعون صلاة؟ وأجيب عنه بأن المراد صلى على سبعين نفساً وحمزة معهم كلهم، فكأنه صلى عليه سبعين صلاة. وأجاب الزيلعي وابن التركماني عنه بوجه آخر. ثم قال الشافعي: وإن كان عني سبعين تكبيرة فنحن وهم نزعم أن التكبير على الجنائز أربع، فهي إذا كانت تسع صلوات تكون ستاً وثلاثين تكبيرة، فمن أين جاءت أربع وثلاثون؟ وأجاب بعض الحنفية عنه بأنه إن كان مراد الإمام الشافعي أن الأمر استقر على أربع تكبيرات في الجنائز فمسلّم، وهذا لا يرد التأويل؛ لأنه ثبت أنه ﵇ كبر على الجنائز ثلاثاً وأربعاً وخمساً وأكثر من ذلك، وفي جنازة حمزة كبر تسعاً. كما رواه الطحاوي (ص٢٩٠) من حديث عبد الله بن الزبير والطبراني في الكبير والأوسط من حديث ابن عباس. قال الهيثمي: وإسناده حسن وإن أراد أنه ﵇ لم يكبر على جنازة أكثر من أربع تكبيرات قط، وإنه وإننا متفقان على هذا فهذا ليس بصحيح-انتهى. وأجاب البيهقي عن حديث شداد بن الهاد بأنه يحتمل أن يكون الأعرابي بقي حياً حتى انقضت الحرب ثم مات، فصلى عليه رسول الله ﷺ ، والذين لم يصل عليهم بأُحد ماتوا قبل انقضاء الحرب-انتهى. ولا يخفى ما فيه فإنه احتمال غير ناشىء عن دليل فلا يلتفت إليه. وأجاب بعضهم بأنه مرسل؛ لأن شداد بن الهاد تابعي. وفيه أن شدادا هذا صحابي معروف شهد الخندق وما بعدها، فالحديث موصول. وأما حديث أبي سلام الذي استدل به للصلاة على الشهيد، فقال الشوكاني: لم أقف للمانعين من الصلاة على جواب عليه، وهو من أدلة المثبتين؛ لأنه قتل في المعركة بين يدي رسول الله ﷺ وسماه شهيداً وصلى عليه-انتهى. والقول الراجح عندي ما حكي عن أحمد: أن الصلاة على الشهيد مستحبة غير واجبة، وإن صلى عليه كان

стр. 2364

ولم يغسلوا)) . رواه البخاري. ١٦٨٠- (٢١) وعن جابر بن سمرة، قال: ((أتى النبي ﷺ بفرس معرور، فركبه حين انصرف من جنازة ابن الدحداح، ــ حسناً، وإن لم يصل أجزأ. وقد أطال الشوكاني الكلام في هذه المسألة واختار الصلاة على الشهيد. (ولم يغسلوا) إبقاء لأثر الشهادة عليهم. وفي حديث أحمد عن جابر أيضاً أنه ﷺ قال في قتلى أُحد: لا تغسلوهم فإن كل جرح أو كلم أو دم يفوح مسكاً يوم القيامة، ولم يصل عليهم، فبين الحكمة في ذلك. (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً الترمذي والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي. فائدة: قال الشوكاني: قد اختلف في الشهيد الذي وقع الخلاف في غسله والصلاة عليه هل هو مختص بمن قتل في المعركة أو أعم من ذلك؟ فعند الشافعي أن المراد بالشهيد قتيل المعركة في حرب الكفار، وخرج بقوله: في المعركة، من جرح في المعركة وعاش بعد ذلك حياة مستقرة، وخرج: بحرب الكفار، من مات في قتال المسلمين كأهل البغي، وخرج بجميع ذلك من يسمى شهيداً بسبب غير السبب المذكور، ولا خلاف أن من جمع هذه القيود شهيد، وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد: أن من جرح في المعركة إن مات قبل الارتثاث فشهيد، والارتثاث أن يحمل ويأكل أو يشرب أو يوصي أو يبقى في المعركة يوماً وليلة حياً، وذهبت الهادوية إلى أن من جرح في المعركة يقال له شهيد وإن مات بعد الارتثاث، وأما من قتل مدافعاً عن نفس أو مال أو في المصر ظلماً، فقال أبوحنيفة وأبويوسف والهادوية: إنه شهيد. وقال الإمام يحيى والشافعي: إنه وإن قيل شهيد فليس من الشهداء الذين لا يغسلون، وذهبت العترة والحنفية والشافعي في قول له: إن قتيل البغاة شهيد، قالوا: إذ لم يغسل على أصحابه وهو توقيف-انتهى كلام الشوكاني. ومن أحب البسط والتفصيل رجع إلى المغني (ج٢ص٥٢٨، ٥٣٦) . ١٦٨٠- قوله: (أتي) بصيغة المجهول. (بفرس معرور) كذا في النسخ الموجودة بكسر الراء الثانية منوناً، أي عار من السرج ونحوه، وهكذا في جامع الأصول (ج١١ص٤٢١) ، وفي المصابيح، وكذا وقع عند أحمد (ج٥ص٩٠) . قال في مجمع البحار: في الحديث أتي بفرس معرور، أي لا سرج عليه ولا غيره، وأعرورى فرسه إذا ركبه عرياناً، فهو لازم ومتعد، أو يكون أتى بفرس معرورى على المفعول-انتهى. وقال الطيبي أعرورى الفرس أي ركبه عرياناً، فالفارس معرور والفرس معرورى هذا هو القياس، لكن الرواية صحت بالكسر-انتهى. والذي في نسخ صحيح مسلم الموجودة عندنا: معرورى. قال النووي: معناه بفرس عرى وهو بضم الميم وفتح الرائين منوناً. قال أهل اللغة: أعروريت الفرس إذا ركبته عرياً فهو معرورى. قالوا: ولم يأت افعوعل معدى إلا قولهم أعروريت الفرس واحلوليت الشيء. (فركبه) أي النبي ﷺ (حين انصرف من جنازة ابن الدحداح)

стр. 2365

ونحن نمشي حوله)) . رواه مسلم. ﴿الفصل الثاني﴾ ١٦٨١- (٢٢) عن المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ قال: ((الراكب يسير خلف الجنازة، ــ بفتح مهملتين وسكون حاء مهملة أولى. قال الحافظ في الإصابة (ج١ص١٩١) : هو ثابت بن الدحداح بن نعيم ابن غم بن أياس حليف الأنصار، ويقال: ثابت بن الدحداحة، ويكنى أبا الدحداح، وأبا الدحداحة. روى الطبراني من طريق ابن إسحاق حدثني موسى بن يسار عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال: رأيت رسول الله ﷺ في جنازة ثابت بن الدحداح- الحديث. وهو في صحيح مسلم من حديث جابر بن سمرة، لكن لم يسمه قال: صلينا على ابن الدحداح. وفي رواية علي أبي الدحداح. قال الواقدي في غزوة أحد حدثني عبد الله بن عمار الخطمي قال: أقبل ثابت بن الدحداحة يوم أحد فقال: يا معشر الأنصار إن كان محمد قتل فإن الله حي لا يموت، فقاتلوا عن دينكم، فحمل بمن معه من المسلمين، فطعنه خالد فأنفذه فوقع ميتاً. قال الواقدي وبعض أصحابنا يقول: إنه جرح ثم برأ من جراحاته تلك ومات على فراشه من جرح كان أصابه ثم انتقض به مرجع النبي ﷺ من الحديبية. قال الحافظ: وهو الراجح. (ونحن نمشي حوله) قال النووي: فيه مشي الجماعة مع كبيرهم الراكب وأنه لا كراهة فيه في حقه ولا في حقهم إذا لم يكن فيه مفسدة، وإنما يكره ذلك إذا حصل فيه انتهاك للتابعيين، أو خيف إعجاب أو نحو ذلك من المفاسد-انتهى. والحديث يدل على جواز الركوب عند الانصراف من الجنازة، ويدل عليه أيضاً ما روي عن ثوبان أن رسول الله ﷺ أتي بدابة وهو مع جنازة فأبى أن يركبها، فلما انصرف أتي بدابة فركب، فقيل له فقال: إن الملائكة كانت تمشي فلم أكن لأركب وهم يمشون، فلما ذهبوا ركبت. أخرجه أبوداود، وسكت عنه هو والمنذري. وقال الشوكاني: رجال إسناده رجال الصحيح. قال العلماء: لا يكره الركوب في الرجوع من الجنازة اتفاقاً؛ لانقضاء العبادة. (رواه مسلم) وفي رواية له صلى رسول الله ﷺ على ابن الدحداح ثم أتى بفرس عرى فعقله رجل فركبه، فجعل يتوقص به ونحن نتبع به نسعى خلفه-انتهى. والحديث أخرجه أحمد والترمذي والنسائي والبيهقي أيضاً. ١٦٨١- قوله: (الراكب يسير خلف الجنازة) أي الأفضل في حقه ذلك. وفيه دليل على جواز الركوب في الذهاب مع الجنازة. ويعارضه ما سيأتي من حديث ثوبان قال: خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة فرآى ناساً ركباناً، فقال: ألا تستحيون أن ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب! قال شيخنا في شرح الترمذي: والجمع بين هذين الحديثين بوجوه: منها أن حديث المغيرة في حق المعذور بمرض أو شلل أو عرج ونحو ذلك.

стр. 2366

والماشي يمشي خلفها وأمامها، وعن يمينها، وعن يسارها قريباً منها، والسقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة)) رواه أبوداود. وفي رواية أحمد، والترمذي، والنسائي وابن ماجه ــ وحديث ثوبان في حق غير المعذور، ومنها أن حديث ثوبان محمول على أنهم كانوا قدام الجنازة أو طرفها، فلا ينافي حديث المغيرة، ومنها أن حديث المغيرة لا يدل على عدم الكراهة، وإنما يدل على الجواز، فيكون الركوب جائزاً مع الكراهة-انتهى. (والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريباً منها) أي كلما يكون أقرب منها في الجوانب الأربعة فهو أفضل للمساعدة في الحمل عند الحاجة. وفيه دليل على جواز المشي أمام الجنازة وخلفها وعن يمينها وعن شمالها، وأن جميع الجهات في حق الماشي سواء. وفيه خلاف بين العلماء، كما ستعرف. (والسقط) قال في القاموس: السقط مثلثة الولد لغير تمام-انتهى. (يصلى عليه) إذا استهل أو تيقنت حياته، ثم مات عند الجمهور، ومطلقاً عند أحمد إذا ولد بعد نفخ الروح فيه وتمام أربعة أشهر وعشر. (ويدعى لوالديه) إن كانا مسلمين. (بالمغفرة) وفي رواية لأحمد والحاكم: بالعافية. (والرحمة) أي في الصلاة عليه. وظاهره أنه لا يجب الدعاء له بخصوصه، ونقل ميرك عن الأزهار أنه ليس المراد به الاقتصار على ذلك، بل يجب له ويستحب لهما بقوله: اللهم اجعله شفيعاً لأبويه وسلفاً وذخراً وعظة واعتباراً، وثقل به موازينهما، وافرغ الصبر على قلوبهما، ولا تفتنهما بعده، واغفرلهما وله-انتهى. وسيأتي شيء من الكلام على الدعاء للطفل في آخر الفصل الثالث. (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤:ص٢٤٨-٢٤٩) والحاكم (ج١:ص٣٦٣) لكن لم يذكر في الماشي خلفها وأمامها، وأخرجه البيهقي من طريق أبي داود والحاكم، وسكت عنه أبوداود والمنذري. وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري. (وفي رواية أحمد) (ج٤:ص٢٤٧-٢٥٢) . (والترمذي والنسائي وابن ماجه) وأخرجها أيضاً الحاكم (ج١:ص٣٥٥-٣٦٣) وقال: حديث صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره. قلت: مدار الحديث بلفظيه عند من خرجه على زياد بن جبير، وقد اختلف عليه أصحابه، فرواه عن يونس بن عبيد موقوفاً أوشك في رفعه، كما وقع عند أبي داود والحاكم (ج١:ص٣٦٣) وأحمد (ج٤:ص٢٤٩) وأبي داود الطيالسي وابن أبي شيبة، ورواه عنه سعيد بن عبيد الله فرفعه، كما وقع عند أحمد (ج٤:ص٢٥٢) والنسائي وابن ماجه والترمذي والحاكم (ج١:ص٣٥٥-٣٦٣) وابن أبي شيبة وابن عبد البر في التمهيد، وكذا رواه مرفوعاً المغيرة بن عبيد الله عند النسائي والمبارك عند أحمد (ج٢:ص٢٤٨) ، والجزم مقدم على الشك فالراجع رفعه. والمحفوظ أنه رواه زياد بن جبير عن أبيه عن المغيرة بن شعبة، كما وقع عند جميع المخرجين. وأما ما وقع

стр. 2367

قال: ((الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلى عليه)) . وفي المصابيح عن المغيرة بن زياد. ١٨٢٨- (٢٣) وعن الزهري، عن سالم عن أبيه، قال: ((رأيت رسول الله ﷺ وأبابكر وعمر يمشون أمام الجنازة)) ــ عند ابن ماجه في باب شهود الجنائز "زياد بن جبير سمع المغيرة بن شعبة"، فهو شاذ أو رواه زياد عن أبيه عن المغيرة، ثم سمعه عن المغيرة مباشرة أو بالعكس، والله أعلم. (الراكب خلف الجنازة) قال السندي: أي اللائق بحالة أن يكون خلف الجنازة. (والماشي حيث شاء منها) أي يمشي حيث أراد من الجنازة أمامها وخلفها وعن يمينها وعن يسارها. فإن حاجة الحمل تدعو إلى جميع ذلك. (والطفل يصلى عليه) هذا بعمومه يشمل من استهل ومن لا، وبه أخذ أحمد وغيره. ولكن الجمهور أخذوا بحديث جابر الآتي في آخر الفصل الثالث بلفظ: الطفل لا يصلى عليه حتى يستهل، ترجيحاً للنهي على الحل عند التعارض، وحملاً للمطلق على المقيد. ويأتي الكلام هناك مفصلاً. (وفي المصابيح عن المغيرة بن زياد) الظاهر أنه من خطأ الناسخ، إذ ليس في عدد الصحابة والتابعين أحد بهذا الاسم والنسب. ١٦٨٢- قوله: (وعن الزهري عن سالم عن أبيه) أي عبد الله بن عمر. (قال: رأيت رسول الله ﷺ وأبابكر وعمر) زاد في رواية عند أحمد وابن حبان والنسائي والبيهقي ذكر عثمان. (يمشون أمام الجنازة) فيه دليل على أن المشي أمام الجنازة أفضل؛ لأنه حكاية عادة، وكانت عادتهم اختيار الأفضل، واختلف العلماء بعد الاتفاق على جواز المشي أمام الجنازة وخلفها ويمينها ويسارها اختلافاً في الأولوية على أقوال: الأول: أن المشي أمامها أولى وأفضل. قال ابن قدامة: وإليه ذهب أكثر أهل العلم، روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وابن عمرو وأبي هريرة والحسن بن علي وابن الزبير وأبي قتادة وأبي أسيد وعبيد بن عمير وشريح والقاسم بن محمد والزهري ومالك والشافعي. وروى البيهقي بسنده عن زياد بن قيس الأشعري قال: أتيت المدينة، فرأيت أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار يمشون أمام الجنازة، وروى مثله عن أبي صالح أيضاً، كما في المغني والمحلى. الثاني: أن المشي خلفها أفضل، وبه قال أبوحنيفة وأصحابه وأهل الظاهر، ويروى ذلك عن علي وابن مسعود وأبي الدرداء وعمرو بن العاص، وبه قال إبراهيم النخعي والأوزاعي، واستدل لذلك بحديث ابن مسعود الذي بعده، وهو حديث ضعيف لا يصلح للاستدلال، كما ستعرف، وبحديث أبي هريرة المتقدم في أول الجنائز في ذكر حقوق المسلم بلفظ: إتباع الجنائز، وبلفظ:: إذا مات فاتبعه، وبحديث أبي هريرة أيضاً في الفصل

стр. 2368

رواه أحمد، وأبوداود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: وأهل الحديث كأنهم يرونه مرسلاً. ــ الأول من هذا الباب بلفظ: من اتبع جنازة مسلم الخ. قالوا: والإتباع لا يكون إلا إذا مشى خلفها. وقد أسلفنا جوابه في أول الجنائز نقلاً عن الفتح فتذكر. واستدلوا أيضاً بأحاديث سردها الزيلعي في نصب الراية (ج٢: ص٢٩٠-٢٩٣) لا يخلوا واحد منها عن كلام، ورجحوا تلك الأحاديث بالمعنى؛ لأن المشي خلفها أقرب إلى الاتعاظ والاعتبار والانتباه؛ لأنه يعاين الجنازة، ولأنه يكون الماشي خلفها مستعداً للمساعدة والمعاونة في حمل الجنازة عند الحاجة. قالوا: والمروي عن النبي ﷺ لبيان الجواز أو لتسهيل الأمر على الناس عند الازدحام، وهو تأويل فعل أبي بكر وعمر لما روى عبد الرزاق وابن أبي شيبة (ج٤:ص١٠٠-١٠١) عن ابن ابزى. الثالث: التخيير والتوسعة، وأن الكل سواء. قيل: هو قول الثوري، وإليه ميل البخاري، ورواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة (ج٤:ص١٠٠) عن أنس. الرابع: التفصيل يعني أن أمام الجنازة أفضل في حق الماشي وخلفها أفضل في حق الراكب، وإليه ذهب أحمد، كما يظهر من المغني، وكما صرح به الزيلعي. الخامس: أن الماشي يمشي حيث شاء والراكب خلفها لحديث المغيرة المتقدم، نسب هذا القول الأمير اليماني إلى الثوري. السادس: إن كان مع الجنازة مشى أمامها، وإلا فخلفها، حكاه الحافظ في الفتح عن النخعي. والظاهر عندي هو القول الثاني، والله تعالى أعلم. (رواه أحمد) (ج٢:ص٨) . (وأبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجه) وأخرجه أيضاً الدارقطني وابن حبان والبيهقي وابن أبي شيبة كلهم من طريق ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه، ورواه أيضاً موصولاً عن الزهري ابن أخيه محمد بن عبد الله عند أحمد (ج٢:ص١٢٢) ومنصور وبكر بن وائل عند الترمذي والنسائي، وزياد بن سعد عند الترمذي والنسائي. قال ابن عبد البر: وصله عن الزهري عن سالم عن أبيه جماعة ثقات من أصحاب الزهري، منهم ابن عيينة ومعمر ويحيى بن سعيد وموسى بن عقبة وابن أخي ابن شهاب وزياد بن سعد وعباس بن الحسن الحراني على اختلاف على بعضهم، ثم أسند رواياتهم، ذكره السيوطي في شرح الموطأ. (وقال الترمذي: وأهل الحديث كأنهم يرونه مرسلاً) عبارة الترمذي في جامعه: وروى معمر ويونس بن يزيد ومالك وغيرهم من الحفاظ عن الزهري أن النبي ﷺ كان يمشي أمام الجنازة، وأهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل في ذلك أصح، ثم روى الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: حديث الزهري في هذا مرسلاً أصح من حديث ابن عيينة، وقال النسائي: وصله خطأ، وهم فيه ابن عيينة، وخالفه مالك. فرواه عن الزهري مرسلاً، وهو الصواب، قال: وإنما أتي عليه فيه من جهة أن الزهري رواه عن سالم عن أبيه أنه

стр. 2369

١٦٨٣- (٢٤) وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الجنازة متبوعة ولا تتبع، ليس معها من تقدمها)) ــ كان يمشي أمام الجنازة قال: وكان النبي ﷺ وأبوبكر وعمر يمشون أمام الجنازة. فقوله: "وكان النبي ﷺ " إلى آخره من كلام الزهري لا من كلام ابن عمر-انتهى. وبهذا اللفظ الذي أشار إليه النسائي رواه أحمد في (ج٢:ص٣٧) عن عبد الرزاق وابن بكر قالا: أخبرنا ابن جريج قال: قال ابن شهاب الخ. وفي (ج٢:ص١٤٠) عن حجاج ثنا ليث ثنى عقيل بن خالد عن ابن شهاب الخ. وعن حجاج قال: قرأت على ابن جريج حدثني زياد بن سعد أن ابن شهاب قال: حدثني سالم عن عبد الله بن عمر أنه كان يمشي بين يدي الجنازة، وقد كان رسول الله ﷺ وأبوبكر وعمر وعثمان يمشون أمامها. قال في التلخيص: قال عبد الله: قال أبي ما معناه: القائل "وقد كان رسول الله ﷺ " إلى آخره هو الزهري، والحديث عن الزهري مرسل، وحديث سالم فعل ابن عمر، وحديث ابن عيينة وهم. وقد ذكر الدارقطني في العلل اختلافاً كثيراً فيه على الزهري. قال: والصحيح قول من قال عن الزهري عن سالم عن أبيه أنه كان يمشي، قال: وقد مشى رسول الله ﷺ وأبوبكر وعمر، واختار البيهقي ترجيح الموصول؛ لأنه من رواية ابن عيينة وهو ثقة حافظ. وعن علي بن المديني قال: قلت لابن عيينة: يا أبا محمد! خالفك الناس في هذا الحديث، فقال: استيقن الزهري حدثني مراراً لست أحصيه يعيده ويبديه، سمعته من فيه عن سالم عن أبيه. قلت: (القائل هو الحافظ) : وهذا لا ينفى عنه الوهم، فإنه ضابط؛ لأنه سمعه منه عن سالم عن أبيه، والأمر كذلك إلا أن فيه إدراجاً، لعل الزهري أدمجه، إذ حدث به ابن عيينة وفصله لغيره. وقد أوضحته في المدرج بأتم من هذا، وجزم أيضاً بصحته ابن المنذر وابن حزم، وقد روى يونس عن الزهري عن أنس مثله، أخرجه الترمذي، وقال: سألت عنه البخاري فقال: هذا خطأ، أخطأ فيه محمد بن بكر-انتهى كلام الحافظ. ١٦٨٣- قوله: (الجنازة متبوعة) أي يسن لمن شيع جنازة أن يمشي خلفها. (ولا تتبع) وفي رواية لأحمد: وليست يتابعه، وكذا عند ابن ماجه. قال "لا تتبع" بفتح التاء والباء ويرفع العين على النفي، وبسكونها على النهي، أي لا تتبع هي الناس فلا تكون عقيبهم، وهو تصريح بما علم ضمناً. (ليس معها من تقدمها) أي لا يعد مشيعاً لها. قال الطيبي: قوله "لا تتبع" صفة مؤكدة أي متبوعة غير تابعة، وقوله "ليس معها من تقدمها" تقرير بعد تقرير يعني من تقدم الجنازة ليس ممن يتبعها فلا يثبت له الأجر-انتهى. وبه أخذ أبوحنيفة ومن وافقه. والحديث ضعيف غير صالح للاحتجاج، كما ستعرف وقوله "ليس معها" كذا هو في أبي داود وابن ماجه، وكذا في البيهقي وابن أبي شيبة، وكذا ذكره الزيلعي في نصب الراية، والجزري في جامع الأصول (ج١:ص٤١٩) نقلاً

стр. 2370

رواه الترمذي، وأبوداود، وابن ماجه، قال الترمذي: وأبوماجد الراوي رجل مجهول. ١٦٨٤- (٢٥) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تبع جنازة وحملها ثلاث مرار، فقد قضى ما عليه من حقها)) رواه الترمذي. ــ عن الترمذي وأبي داود. والذي في الترمذي "ليس منها"، وكذا وقع عند أحمد (ج١:٤١٩) ، وكذا ذكر الحافظ في التلخيص، ووقع عند أحمد (ج١:ص٣٩٤، ٤١٥) "ليس منا". والحديث ذكره السيوطي في الجامع الصغير ونسبه لابن ماجه. قال المناوي: "ليس منا" كذا رأيته بخط المؤلف يعني السيوطي. وفي نسخ أي للجامع الصغير "منها" وهو أوضح-انتهى. (رواه الترمذي وأبوداود وابن ماجه) وأخرجه أيضاً أحمد وابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه وأبويعلى والطحاوي، كلهم من حديث يحيى الجابر عن أبي ماجد الحنفي عن عبد الله بن مسعود. وقد ضعف هذا الحديث البخاري والترمذي والنسائي وابن عدي والبيهقي وغيرهم؛ لأن أبا ماجد الحنفي مجهول، قاله الدارقطني وأحمد بن حنبل والترمذي والساجي وابن عدي والبيهقي. (قال الترمذي: وأبوماجد) ويقال: أبوماجدة الحنفي العجلي الكوفي، اسمه عائذ بن نضلة، قاله أبوحاتم. (رجل مجهول) وقال الدارقطني: مجهول متروك. وقال ابن عدي: لا يعرف. وقال الساجي: مجهول منكر الحديث: وقال ابن المديني: لم يرو عنه غير يحيى الجابر، وله غير حديث منكر. وقال الترمذي في علله الكبرى: قال البخاري: أبوماجد منكر الحديث، وكذا قال النسائي في الضعفاء (ص٣٣) ، وقال البخاري في الكنى (ص٦٨٧) : قال الحميدي: قال ابن عيينة: قلت ليحيى: من أبوماجد؟ قال طائر طرأ علينا، فحدثنا وهو منكر الحديث، وقال نحو هذا في الضعفاء (ص٣٨) والصغير (ص١١٢) . ١٦٨٤- قوله: (من تبع جنازة) لإنسان مسلم، سواء كان بجنبها أو أمامها أو خلفها، خلافاً لمن خص التبعية بالخلف، فالمراد تبيعيتها من أي جهة. (وحملها ثلاث مرار) والذي في الترمذي "مرات" وكذا في جامع الأصول (ج١١:ص٤١٨) . قال المناوي: يحتمل أن المراد أن يحمل حتى يتعب فيستريح، ثم يفعل كذلك ثانياً وثالثاً. وقال ابن الملك: يعني يعاون الحاملين في الطريق ثم يتركها ليستريح ثم يحملها في بعض الطريق، يفعل كذلك ثلاث مرات. (فقد قضى ما عليه من حقها) أي من حق الجنازة بيان لما قال ميرك أي من جهة المعاونة لا من دين وغيبة ونحوهما-انتهى. وقد عدّ ﷺ فيما مر أول كتاب الجنائز أن من جملة الحقوق التي للمؤمن على المؤمن أن يشيع جنازته من غير أن يقيده بحملها ثلاث مرات. (رواه الترمذي) من طريق عباد بن منصور عن أبي المهزم عن أبي هريرة، وأخرجه ابن أبي شيبة (ج٤:ص١٠٣) موقوفاً من هذا الطريق.

стр. 2371

وقال: هذا حديث غريب. ١٦٨٥- (٢٦) وقد روى في شرح السنة: ((أن النبي ﷺ حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين)) . ــ (وقال: في هذا حديث غريب) وقال أيضاً: ورواه بعضهم بهذا الإسناد ولم يرفعه. وأبو مهزم اسمه يزيد بن سفيان وضعفه شعبة-انتهى. وقال البخاري: تركه شعبة. وقال مسلم بن إبراهيم عن شعبة: رأيت أبا المهزم ولو أعطوه فلسين لحدثهم سبعين حديثاً. قال الحافظ: وفي رواية عنه: لوضع، ذكرها الحاكم، وزاد روى المناكير. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال ابن معين: ضعيف، وقال مرة لا شيء. وقال الدارقطني: ضعيف يترك، كذا في تهذيب التهذيب للحافظ: فحديث أبي هريرة هذا ضعيف. قال شيخنا: لم يحكم الترمذي عليه بالضعف، وهو ضعيف؛ لأن في سنده أبا المهزم، وهو متروك –انتهى. ١٦٨٥- قوله: (وقد روى) أي البغوي. قال القاري: وفي نسخة بصيغة المجهول. (في شرح السنة أن النبي ﷺ حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين) بفتح العين أي قائمتي السرير، ورواه ابن سعد في الطبقات عن الواقدي عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن شيوخ من بني عبد الأشهل أن رسول الله ﷺ حمل جنازة سعد بن معاذ من بيته بين العمودين حتى خرج به من الدار. قال الواقدي: والدار تكون ثلاثين ذراعاً-انتهى. قلت: الواقدي مكشوف الحال، وابن أبي حبيبة ضعيف، وشيوخه مجاهيل. وقال النووي في الخلاصة، ورواه الشافعي بسند ضعيف، وقال في شرح المهذب (ج٥:ص٢٦٩) ذكره البيهقي في كتاب المعرفة، وأشار إلى تضعيفه. وقال الحافظ في التلخيص: رواه الشافعي من بعض أصحابه عن النبي ﷺ أنه حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين، ورواه ابن سعد عن الواقدي عن ابن أبي حبيبة عن شيوخ بني عبد الأشهل-انتهى. والحديث فيه دليل على مشروعية الحمل للميت، وأنه ليس دناءة في حمل الجنازة، وأنه من حملها وضع السرير على كاهله بين العمودين المقدمين، وبه قال الشافعي، لكن الحديث ضعيف. نعم ثبتت الآثار في الباب عن الصحابة وغيرهم. واختلف العلماء في ذلك. قال ميرك نقلاً عن الأزهار: هذا أي حمل الجنازة على الكاهل بين العمودين مذهب الشافعي، بأن يحملها ثلاثة يقف أحدهم قدامها بين العمودين واثنان خلفها كل واحد منهما يضع عموداً على عاتقه، هذا عند حمل الجنازة من الأرض، ثم لا بأس أن يعاونهم من شاء كيف شاء، والأفضل عند أبي حنيفة التربيع، بأن يحملها أربعة يأخذ كل واحد عموداً على عاتقه-انتهى. وذهبت الحنابلة إلى أن التربيع سنة، وأنه أفضل من الحمل بين العمودين، وإن حمل بين العمودين كان حسناً ولم يكره. وذهب مالك

стр. 2372

إلى أنه يحمل كما شاء الحامل، إن شاء من أحد قوائمه، وإن شاء بين العمودين. قال ابن قدامة: التربيع سنة في حمل الجنازة لقول ابن مسعود: إذا تبع أحدكم جنازة فليأخذ بجوانب السرير الأربع، ثم ليتطوع بعد أو ليذر فإنه من السنة، رواه سعيد بن منصور في سننه. وهذا يقتضي سنة النبي ﷺ انتهى. قلت: وأخرجه أيضاً ابن ماجه وابن أبي شيبة والبيهقي وأبوداود الطيالسي وعبد الرزاق والطبراني، ورجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعاً؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه شيئاً. وفي الباب آثار عن أبي الدرداء عند ابن أبي شيبة، وفيه عامر بن جَشِيب وثقه الدارقطني، وقال: إنه لم يسمع من أبي الدرداء، وعن ابن عباس عند ابن أبي شيبة أيضاً، وفيه مندل العنزى، وهو ضعيف، وعن ابن عمر عند عبد الرزاق وابن أبي شيبة أيضاً، وعن أبي هريرة عند عبد الرزاق، وفيه أبوالمهزم وهو ضعيف. قال ابن قدامة: وصفة التربيع المسنون أن يبدأ فيضع قائمة السرير اليسرى على كتفه اليمنى من عند رأس الميت، ثم يضع القائمة اليسرى من عند الرجل على الكتف اليمنى، ثم يعود أيضاً إلى القائمة اليمنى من عند رأس الميت فيضعها على كتفه اليسرى، ثم ينتقل إلى اليمنى من عند رجليه، وبهذا قال أبوحنيفة والشافعي. وعن أحمد أنه يدور عليها فيأخذ بعد ياسرة المؤخرة يامنة المؤخرة ثم المقدمة، وهو مذهب إسحاق، وروي عن ابن مسعود وابن عمر وسعيد بن جبير وأيوب، ولأنه أخف، ووجه الأول أنه أحد الجانبين فينبغي أن يبدأ فيه بمقدمه كالأول. فأما الحمل بين العمودين فقال ابن المنذر: روينا عن عثمان وسعد بن مالك وابن عمر وأبي هريرة وابن الزبير أنهم حملوا بين عمودي السرير، وقال به الشافعي وأحمد وأبوثور وابن المنذر، وكرهه النخعي والحسن وأبوحنيفة وإسحاق، والصحيح الأول؛ لأن الصحابة قد فعلوه، وفيهم أسوة حسنة. وقال مالك: ليس في حمل الميت توقيت يحمل من حيث شاء، ونحوه قال الأوزاعي، واتباع الصحابة ﵃ فيما فعلوه وقالوه أحسن وأولى-انتهى كلام ابن قدامة. قلت: الآثار المروية عن الصحابة في الحمل بين العمودين، روى بعضها ابن سعد في الطبقات (ج٨ص٦٠) وسعيد بن منصور في سننه، كما في المحلى (ج٥ص١٦٨- ١٦٩) والطبراني في معجمه، وروى أكثرها الشافعي في كتاب الأم (ج١ص٢٣١) ورواها البيهقي من طريق الشافعي في المعرفة وفي السنن (ج٤ص٢٠) وقد ذكرها الزيلعي في نصب الراية (ج٢ص٢٨٨) والحافظ في التلخيص (ص١٥٦) . قال النووي في شرح المهذب (ج٥ص٢٦٩) : والآثار المذكورة عن الصحابة رواها الشافعي والبيهقي بأسانيد ضعيفة إلا أثر سعد بن أبي وقاص فصحيح، والله أعلم-انتهى. قلت: وقد صح عن ابن عمر أيضاً الحمل بين العمودين، رواه سعيد بن منصور في سننه كما في المحلى (ج٥ص١٦٨) . والقول الراجح عندي هو ما ذهب إليه أحمد أن التربيع سنة، وهو أفضل من الحمل بين العمودين، وإن حمل بين العمودين كان حسناً ولم يكره، والله تعالى أعلم.

стр. 2373

١٦٨٦- (٢٧) وعن ثوبان، قال: ((خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة، فرأى ناساً ركباناً، فقال: ألا تستحيون؟! إن ملائكة الله على أقدامهم، وأنتم على ظهور الدواب)) . رواه الترمذي وابن ماجه، وروى أبوداود نحوه، قال الترمذي: وقد روى عن ثوبان موقوفاً. ١٦٨٧- (٢٨) وعن ابن عباس: ((أن النبي ﷺ قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب)) . ــ ١٦٨٦- قوله: (ألا تستحيون إن ملائكة الله) إن هذه بكسر الهمزة. (وأنتم على ظهور الدواب) وفي رواية ابن ماجه: إن ملائكة الله يمشون على أقدامهم وأنتم ركبان، أي تمشون ركباناً. والحديث يدل على كراهة الركوب لمن كان متبعاً للجنازة، ويعارضه حديث المغيرة المتقدم من إذنه للراكب أن يمشي خلف الجنازة، وتقدم وجه الجمع بينهما. وقال السندي في شرح حديث ثوبان: إنه يدل على أنه لا ينبغي الركوب في جنائز الصلحاء الذين يرجى حضور الملائكة في جنائزهم، وأنه ترك الأولى، وإلا فالركوب قد جاء ما يدل على جوازه-انتهى. (رواه الترمذي وابن ماجه) واللفظ للترمذي، أخرجه من طريق عيسى بن يونس عن أبي بكر بن أبي مريم عن راشد بن سعد عن ثوبان، وأخرجه ابن ماجه من طريق بقية بن الوليد عن أبي بكر بن أبي مريم. (وروى أبوداود نحوه) أي بمعناه، وهو أن رسول الله ﷺ أتي بدابة وهو مع الجنازة فأبي أن يركب، فلما انصرف أتي بدابة فركب فقيل له، فقال: إن الملائكة كانت تمشي فلم أكن لأركب وهم يمشون، فلما ذهبوا ركبت-انتهى. وقد سكت عنه أبوداود والمنذري. وقال الشوكاني: رجاله رجال الصحيح. (قال الترمذي: وقد روي) أي الحديث المذكور (عن ثوبان موقوفاً) أخرجه البيهقي من طريق بقية ثنا أبوبكر بن أبي مريم حدثني راشد بن سعد عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ أنه خرج في جنازة فرأى ناساً خروجاً على دوابهم ركباناً فقال لهم ثوبان: ألا تستحيون ملائكة الله على أقدامهم وأنتم ركبان. قال البيهقي: هذا هو المحفوظ بهذا الإسناد موقوف، ثم رواه البيهقي من طريق عيسى بن يونس مرفوعاً، ثم قال ورواه ثور بن يزيد عن راشد بن سعد موقوفاً عن ثوبان. وفي ذلك دلالة على أن الموقوف أصح، وكذا قاله البخاري-انتهى. لكن هذا الموقوف في حكم المرفوع؛ لأن مثل هذا لا يقال من قبل الرأي، ولم يتكلم الترمذي على حديث ثوبان المرفوع بحسن ولا ضعف، وفي إسناده أبوبكر بن أبي مريم، كما تقدم، وهو ضعيف، وكان قد سرق بيته فاختلط، قاله الحافظ في التقريب. والحديث أخرجه أيضاً الحاكم (ج١ص٣٥٦) مرفوعاً من طريق أبي بكر بن أبي مريم، وسكت عنه هو والذهبي. ١٦٨٧- قوله: (أن النبي ﷺ قرأ على الجنازة) أي في الصلاة على الجنازة. (بفاتحة الكتاب)

стр. 2374

رواه الترمذي، وأبوداود، وابن ماجه. ١٦٨٨- (٢٩) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء)) رواه أبوداود، وبن ماجه. ١٦٨٩- (٣٠) وعنه، قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا صلى على الجنازة، قال: اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، ــ بعد التكبيرة الأولى كما تقدم. (رواه الترمذي) من طريق إبراهيم بن عثمان عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس. ومن هذا الوجه أخرجه ابن ماجه، قال الترمذي: ليس إسناده بذاك القوي. إبراهيم بن عثمان هو أبوشيبة الواسطي منكر الحديث. والصحيح عن ابن عباس قوله: من السنة القراءة على الجنازة بفاتحة الكتاب، ثم أسنده الترمذي من طريق طلحة بن عبد الله بن عوف، قال الحافظ بعد ذكر قول الترمذي هذا ما لفظه: هذا مصير منه يعني من الترمذي إلى الفرق بين الصيغتين. (أي بين قوله "إن النبي ﷺ قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب" وبين قوله "من السنة القراءة على الجنازة بفاتحة الكتاب") ولعله أراد الفرق بالنسبة إلى الصراحة والاحتمال-انتهى. (وأبوداود) ولفظه: عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: صليت مع ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب فقال: إنها من السنة-انتهى. فنسبة الحديث مرفوعاً صريحاً إلى أبي داود غير صحيح. ١٦٨٨- قوله: (فأخلصوا له الدعاء) أي أدعوا له بالإخلاص التام؛ لأن القصد بهذه الصلاة إنما هو الشفاعة للميت، وإنما يرجى قبولها عند توفر الإخلاص والابتهال. وقيل: معناه خصوه بالدعاء، ولا يخفى ما فيه. قال الشوكاني: فيه دليل على أنه يتعين دعاء مخصوص من الأدعية الواردة، وأنه ينبغي للمصلي على الميت أن يخلص الدعاء له، سواء كان محسنا أو مسيئاً، فلأن ملابس المعاصي أحوج الناس إلى دعاء إخوانه المسلمين وأفقرهم إلى شفاعتهم، ولذلك قدموه بين أيديهم وجاءوا به إليهم. (رواه أبوداود) وسكت عنه (وابن ماجه) وأخرجه أيضاً ابن حبان والبيهقي، وفيه ابن إسحاق وقد عنعن، لكن أخرجه ابن حبان من طريق أخرى عنه مصرحاً بالسماع، كذا في التلخيص (ص١٦١) . ١٦٨٩- قوله: (وشاهدنا) أي حاضرنا. (وصغيرنا وكبيرنا) ههنا إشكال وهو أن المغفرة مسبوقة بالذنوب، فكيف تتعلق بالصغير ولا ذنب له، وذكروا في دفعه وجوهاً، فقال السندي: المقصود في مثله التعميم. وقال ابن حجر: الدعاء بالمغفرة في حق الصغير لرفع الدرجات. وقال القاري: يمكن أن يكون المراد بالصغير والكبير الشاب والشيخ. وقال التوربشتي: سئل أبوجعفر الطحاوي عن معنى الاستغفار للصبيان مع أنه لا ذنب لهم، فقال

стр. 2375

وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده)) . رواه أحمد، وأبوداود، والترمذي، وابن ماجه. ــ معناه السؤال من الله أن يغفر لهم ما كتب في اللوح المحفوظ أن يفعلوه بعد البلوغ من الذنوب حتى إذا كانوا فعلوه كان مغفوراً، وإلا فالصغير غير مكلف لا حاجة له إلى الاستغفار-انتهى. وسيأتي زيادة تحقيق لهذا المبحث في أواخر الفصل الثالث. (وذكرنا وأنثانا) قال الطيبي: المقصود من القرائن الأربع الشمول والاستيعاب، فلا يحمل على التخصيص نظراً إلى مفردات التركيب، كأنه قيل: اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات كلهم أجمعين. (فأحيه على الإسلام) أي الاستسلام والإنقياد للأوامر والنواهي. (فتوفه على الإيمان) أي التصديق القلبي، إذ لا نافع حينئذٍ غيره. قيل: خص الوفاة بالإيمان لأن الإسلام أكثر ما يطلق على الأعمال الظاهرة وليس هذا وقتها. (لا تحرمنا أجره) بفتح التاء وكسر الراء من باب ضرب، أو بضم أوله من باب أفعل. قال السيوطي: بفتح التاء وضمها لغتان فصيحتان، والفتح أفصح، يقال: حرمه وأحرمه أي منعه، والمراد أجر موته، فإن المؤمن أخو المؤمن، فموته مصيبة عليه يطلب فيها الأجر، نقله في عون المعبود عن فتح الودود. (ولا تفتنا) بتشديد النون من باب ضرب. (بعده) أي لا تجعلنا مفتونين بعد الميت بل اجعلنا معتبرين بموته عن موتنا ومستعدين لرحلتنا. وقال ابن الملك أي لا تلق علينا الفتنة بعد الإيمان، والمراد بها ههنا خلاف مقتضى الإيمان. (رواه أحمد وأبوداود) وفي رواية أبي داود: فأحيه على الإيمان، وتوفه على الإسلام وفي آخره: لا تضلنا بعده. (والترمذي) وانتهت روايته عند قوله "فتوفه على الإيمان". (وابن ماجه) وفي روايته: لا تضلنا بعده، كما في رواية أبي داود: والحديث أخرجه أيضاً ابن حبان والحاكم كلهم من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، وقد سكت عليه أبوداود. وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي، قال الحاكم: وله شاهد صحيح على شرط مسلم، فرواه من طريق عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عائشة نحوه، وأخرجه البيهقي من طريق الحاكم. وأعله الترمذي بعكرمة بن عمار، وقال: إنه يهم في حديثه، واختلف في حديث أبي هريرة، فرواه هشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة وعلي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن النبي ﷺ مرسلاً. ورواه أيوب بن عتبة وهقل بن زياد وشعيب بن إسحاق عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ موصولاً. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة، فقال: الحفاظ لا يذكرون أبا هريرة، إنما يقولون أبوسلمة عن النبي ﷺ مرسلاً، ولا يوصله بذكر أبي هريرة إلا غير متقن، والصحيح أنه مرسل-انتهى. ورواه همام بن يحيى عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي ﷺ ، أخرجه أحمد (ج٤ص١٧٠) والبيهقي.

стр. 2376

١٦٩٠- (٣١) ورواه النسائي عن أبي إبراهيم الأشهلى، عن أبيه، وانتهت روايته عند قوله: ((وأنثانا)) . وفي رواية أبي داود: ((فأحيه على الإيمان، وتوفه على الإسلام)) . وفي آخره: ((ولا تضلنا بعده)) . ١٦٩١- (٣٢) وعن واثلة بن الأسقع، قال: ((صلى بنا رسول الله ﷺ على رجل من المسلمين، فسمعته يقول: اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك ــ ١٦٩٠- قوله: (ورواه النسائي) وكذا أحمد (ج٤ص١٧٠) والترمذي والبيهقي كلهم من طريق يحيى بن أبي كثير. (عن أبي إبراهيم الأشهلى) المدني الأنصاري. قال الحافظ في التقريب: مقبول من الثالثة، وهي الطبقة الوسطى من التابعين. قال الترمذي: سألت البخاري عن اسم أبي إبراهيم الأشهلى فلم يعرفه، وقد توهم بعض الناس أنه عبد الله بن أبي قتادة وهو غلط، أبوإبراهيم من بني عبد الأشهل وأبوقتادة من بني سلمة. (عن أبيه) أنه سمع النبي ﷺ يقول في الصلاة على الميت: اللهم اغفرلنا الخ، قال الترمذي: حديث والد أبي إبراهيم حديث حسن صحيح، قال: سمعت محمداً يعني البخاري يقول: أصح هذه الروايات حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي إبراهيم الأشهلى عن أبيه، ولوالده صحبة، وحديث أبي سلمة عن أبي هريرة وعائشة وأبي قتادة غير محفوظ، وأصح حديث في هذا الباب حديث عوف بن مالك. (وانتهت روايته) أي رواية النسائي. (عند قوله وأنثانا) وكذا رواية أحمد والترمذي والبيهقي. (وفي رواية أبي داود: فأحيه على الإيمان وتوفه على الإسلام) ، قال في فتح الودود: المشهور الموجود في رواية الترمذي وغيره: فأحيه على الإسلام وتوفه على الإيمان، وهو الظاهر المناسب لأن الإسلام هو التمسك بالأركان الظاهرية، وهذا لا يتأتى إلا في حالة الحياة. وأما الإيمان فهو التصديق الباطني وهو الذي المطلوب عليه الوفاة، فتخصيص الأول بالإحياء والثاني بالإماتة هو الوجه-انتهى. وقال القاري: الرواية المشهورة هي العمدة، ورواية أبي داود إما من تصرفات الرواة نسياناً، أو بناء على زعم أنه لا فرق بين التقديم والتأخير وجواز النقل بالمعنى، أو يقال: فأحيه على الإيمان أي وتوابعه من الأركان، وتوفه على الإسلام أي على الانقياد والتسليم؛ لأن الموت مقدمة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم-انتهى. وقال الشوكاني: لفظ فأحيه على الإسلام هو الثابت عند الأكثر. (ولا تضلنا بعده) من الإضلال، أي لا توقعنا في الضلال بعد موته. ١٦٩١- قوله: (إن فلان بن فلان) فيه دليل مشروعية تسمية الميت باسمه واسم أبيه، وهذا إن كان معروفاً، وإلا جعل مكان ذلك إن عبدك هذا أو نحوه. (في ذمتك) أي في أمانك وعهدك وحفظك. قال ابن الأثير في جامع الأصول (ج٧ص٥٣٥) : الذمة والذمام الضمان، تقول: فلان في ذمتي أي في ضماني. وقيل:

стр. 2377

وحبل جوارك، فقه من فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحق، اللهم اغفر له، وارحمه، إنك أنت الغفور الرحيم)) . رواه أبوداود، وابن ماجه. ١٦٩٢- (٣٣) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم)) ــ الذمة والذمام الأمان والعهد. (وحبل جوارك) بكسر الجيم. قيل: عطف تفسيري. وقيل: الحبل العهد أي في كنف حفظك وعهد طاعتك. وقيل: أي في سبيل قربك، وهو الإيمان. والأظهر أن المعنى أنه متمسك ومتعلق بالقرآن، كما قال تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله﴾ [آل عمران: ١٠٣] وفسره جمهور المفسرين بكتاب الله، والمراد بالجوار: الأمان، والإضافة بيانية يعني الحبل الذي يورث الاعتصام به الأمن والأمان والإسلام والإيمان، قاله القاري. وقال ابن الأثير في جامع الأصول: الحبل العهد والأمان، ومنه قوله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً﴾ أي بعهده، وكان من عادة العرب أن يخيف بعضهم بعضاً، فكان الرجل إذا أراد سفراً أخذ عهداً من سيد قبيلة، فيأمن بذلك مادام في حدوده. (أي مجاوراً أرضه) حتى (ينتهي) إلى آخر فيأخذ مثل ذلك، فهذا حبل الجوار أي العهد والأمان مادام مجاوراً أرضه. وقال الطيبي: الحبل العهد والأمان "وحبل جوارك" بيان لقوله "في ذمتك"، نحو أعجبني زيد وكرمه، والأصل أن فلاناً في عهدك، فنسب إلى الجوار ما كان منسوباً إلى الله تعالى، فجعل للجوار عهداً مبالغة في كمال حمايته، فالحبل مستعار للعهد لما فيه من التوثقة وعقد القول بالأيمان المؤكدة. (فقه) صيغة أمر من الوقاية بالضمير أو بهاء السكت. (من فتنة القبر) أي امتحان السؤال فيه أو من أنواع عذابه من الضغطة والظلعة وغيرهما. (وأنت أهل الوفاء) أي بالوعد، فإنك لا تخلف الميعاد. (والحق) أي أنت أهل الحق، فالمضاف مقدر. (رواه أبوداود) وسكت عليه هو والمنذري. ١٦٩٢- قوله: (اذكروا محاسن موتاكم) جمع حسن على غير قياس، والأمر للندب. (وكفوا) بضم الكاف أمر للوجوب أي امتنعوا. (عن مساويهم) جمع سوء على غير قياس أيضاً، أي لا تذكروهم إلا بخير، ويستثنى منه الثناء على الميت بالشر عند رؤية الجنازة قبل الدفن لما تقدم من حديث أنس، وجرح المجروحين من الرواة أحياء وأمواتاً لإجماع العلماء على جواز ذلك، وذكر مساوئ الكفار والفساق للتحذير منهم والتنفير عنهم. والمراد بالفاسق من ارتكب بدعة يفسق بها ويموت عليها، وأما الفاسق بغير ذلك فإن علمنا أنه مات وهو مصر على فسقه والمصلحة في ذكره جاز ذكر مساوية وإلا فلا. قال حجة الإسلام: غيبة الميت أشد من غيبة الحي، وذلك لأن عفو الحي واستحلاله ممكن ومتوقع في الدنيا بخلاف الميت. وفي الأزهار قال العلماء: وإذا رأى الغاسل من

стр. 2378

رواه أبوداود، والترمذي. ١٦٩٣- (٣٤) وعن نافع أبي غالب، قال: ((صليت مع أنس بن مالك على جنازة رجل، فقام حيال رأسه، ثم جاؤا بجنازة امرأة من قريش، فقالوا: يا أبا حمزة! صل عليها، فقام حيال وسط السرير، فقال له العلاء بن زياد: ــ الميت ما يعجبه كاستنارة وجهه وطيب ريحه وسرعة انقلابه على المغتسل استحب أن يتحدث به، وإن رأى ما يكره كنتنه وسواد وجهه أو بدنه أو انقلاب صورته حرم أن يتحدث به. (رواه أبوداود والترمذي) وأخرجه أيضاً الحاكم والبيهقي من طريقه كلهم من رواية عمران بن أنس المكي عن عطاء عن ابن عمر، وسكت عنه أبوداود. وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. وقال الترمذي: حديث غريب سمعت محمداً يعني البخاري يقول: عمران بن أنس المكي منكر الحديث، وروى بعضهم عن عطاء عن عائشة-انتهى. ويؤيده ما تقدم من حديث عائشة: لا تسبوا الأموات، ويؤيده أيضاً ما رواه النسائي عن عائشة قالت: ذكر عند النبي ﷺ هالك بسوء، فقال: لا تذكروا هلكاكم إلا بخير. ١٦٩٣- قوله: (وعن نافع) ويقال: رافع أبوغالب الباهلي مولاهم الخياط البصري، ثقة من صغار التابعين، وثقة ابن معين وأبوحاتم وموسى بن هارون الحمال وابن حبان. (أبي غالب) عطف بيان. قال الطيبي: كأن الكنية كانت أعرف وأشهر فجيء بها بياناً لنافع. (صليت مع أنس بن مالك على جنازة رجل) أي عبد الله بن عمير، كما في رواية أبي داود، وكذا نقله ابن الأثير في جامع الأصول (ج٧:ص١٤٨) ، وكذا وقع في رواية البيهقي، ولم أجد ترجمته في شيء من الكتب، ووقع في بعض النسخ من سنن أبي داود: عبد الله بن عمر مكبراً، وليس هو عبد الله بن عمر بن الخطاب، فإن الظاهر أن هذه القصة وقعت بالبصرة لما أن أنس بن مالك قطن البصرة، وهو آخر من مات بها من الصحابة، وعبد الله بن عمر بن الخطاب مات بمكة، ودفن بذي طوى، وصلى عليه الحجاج. قيل: المحفوظ في رواية أبي داود: عبد الله بن عمير بالتصغير، وعبد الله بن عمر تصحيف، والله أعلم. (حيال رأسه) بكسر الحاء أي حذاءه ومقابله. وفي أبي داود: عند رأسه. (بجنازة امرأة من قريش) وفي رواية أبي داود: المرأة الأنصارية. قال القاري: فالقضية إما متعددة وإما متحدة، فتكون المرأة قرشية أنصارية-انتهى. (فقالوا) أي أولياؤها: (يا أبا حمزة) كنية أنس. (حيال وسط السرير) بسكون السين وفتحها بمعنى، فلذا جوز الوجهان، وقد فرق بعضهم بينهما. (العلاء بن زياد) هو العلاء بن زياد بن مطر بن شريح العدوي أبونصر

стр. 2379

هكذا رأيت رسول الله ﷺ قام على الجنازة مقامك منها؟ ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم)) رواه الترمذي، وابن ماجه، وفي رواية أبي داود نحوه مع زيادة، وفيه: ((فقام عند عجيزة المرأة)) . ﴿الفصل الثالث﴾ ١٦٩٤- (٣٥) عن عبد الرحمن بن أبي ليلة، قال: ((كان سهل بن حنيف، وقيس بن سعد ــ البصري أحد العباد من ثقات التابعين، مات في ولاية الحجاج سنة (٩٤) . (هكذا) بحذف الاستفهام. (قام على الجنازة) أي من المرأة. (قال) أي أنس. (نعم) فيه دليل على أن المصلي على المرأة يقف حذاء وسطها، وعلى الرجل حذاء رأسه، وقد تقدم بسط الكلام عليه في شرح حديث سمرة. (رواه الترمذي) وحسنه. (وابن ماجه) واللفظ للترمذي، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٣:ص١١٨-٢٠٤) والبيهقي (ج٤:ص٣٣) وابن حزم في المحلى (ج٥:ص١٢٤) . (وفي رواية أبي داود نحوه مع زيادة) أخرجه أبوداود مطولاً، وسكت عنه، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره. (وفيه) أي في كتاب أبي داود. (فقام) أي أنس. (عند عجيزة المرأة) بفتح مهملة وكسر جيم، قال الجزري: العجيزة العجز وهي للمرأة خاصة والعجز مؤخر الشيء-انتهى. قال في اللمعات: هو بيان حال وسط السرير. وقال الشوكاني: لا منافاة بين رواية أبي داود، وبين قوله في حديث سمرة "فقام وسطها"؛ لأن العجيزة يقال لها وسط-انتهى. وأجاب الحنفية عن حديث أنس هذا بأن ذلك كان قبل اتخاذ النعش للنساء، ورد بأنه قد صرح في رواية أبي داود بأن أنساً قد صلى كذلك والمرأة كان عليها نعش أخضر. ١٦٩٤-قوله. (كان سهل بن حنيف) بضم الحاء وفتح النون الأنصاري الأوسي المدني، صحابي من أهل بدر. قال ابن عبد البر: شهد بدراً والمشاهد كلها، وثبت مع رسول الله ﷺ يوم أُحد، وكان بايعه على الموت، ثم صحب علياً من حين بويع، فاستخلفه على البصرة، ثم شهد معه صفين، وولاه فارس، مات سنة (٣٨) وصلى عليه علي وكبر ستاً. وقال ابن سعد: آخي رسول الله ﷺ بينه وبين علي، ولما توفي كبر عليه علي خمساً ثم التفت إليهم فقال: إنه بدري. (وقيس بن سعد) بسكون العين ابن عبادة بضم العين الأنصاري الخزرجي، صحابي جليل، وكان ضخماً حسناً جسيماً طويلاً إذا ركب الحمار خطت رجلاه، وكان من النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير. قال ابن عبد البر: كان أحد الفضلاء الجلة وأحد دهاة العرب، وأهل الرأي والمكيدة في الحروب مع النجدة والبسالة والسخاء والكرم، وكان شريف قومه غير مدافع، وكان أبوه وجده كذلك. شهد قيس مع رسول الله ﷺ المشاهد، وأعطاه رسول الله ﷺ الراية يوم فتح مكة. إذ نزعها من أبيه لشكوى قريش من

стр. 2380

قاعدين بالقادسية، فمر عليهما بجنازة، فقاما، فقيل لهما: إنها من أهل الأرض، أي من أهل الذمة، فقالا: إن رسول الله ﷺ مرت به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: أليست نفساً؟)) متفق عليه. ١٦٩٥- (٣٦) وعن عبادة بن الصامت، قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا تبع جنازة لم يقعد حتى توضع في اللحد، فعرض له حبر من اليهود، فقال له: إنا هكذا نصنع يا محمد! قال: فجلس رسول الله ﷺ . ــ سعد يومئذٍ، وصحب قيس علياً وشهد معه مشاهده، وكان قد أمره علي مصر فاحتال عليه معاوية فلم ينخدع له، فاحتال على أصحاب علي حتى حسنوا له تولية محمد بن أبي بكر فولاه مصر، ففسدت عليه مصر، وارتحل قيس فشهد مع علي صفين، ثم كان مع الحسن بن علي حتى صالح معاوية، فرجع قيس إلى المدينة فأقام بها ومات في آخر خلافة معاوية سنة (٦٠) وقيل بعد ذلك، وكان رجلاً سناطاً، ليس في وجهه شعرة ولا شيء من لحية وكان مع ذلك جميلا. ً قال ابن عبد البر: وكذلك كان شريح وعبد الله بن الزبير لم يكن في وجوههم شعر، قال: وخبره في السراويل عند معاوية كذب وزور مختلق ليس له إسناد، ولا يشبه أخلاق قيس ولا مذهبه في معاوية ولا سيرته في نفسه-انتهى. وحكاياته في سخاء وجوده كثيرة مشهورة، ذكرها ابن عبد البر وغيره. (قاعدين) بالتثنية والنصب خبر كان. (بالقادسية) بالقاف وكسر الدال والسين المهملتين وتشديد التحتية، مدينة صغيرة ذات نخل ومياه، بينها وبين الكوفة مرحلتان أو خمسة عشر فرسخاً. (فمر) بضم الميم على بناء المجهول. وفي رواية: فمروا بصيغة الجمع المعلوم. (إنها) أي الجنازة. (أي من أهل المدينة) تفسير لأهل الأرض أي من أهل الجزية المقرين بأرضهم؛ لأن المسلمين لما فتحوا البلاد أقروهم على عمل الأرض وحمل الخراج. (أليست نفساً) ماتت فالقيام لها لأجل صعوبة الموت وتذكره لا لذات الميت. ومقتضى هذا التعليل أن القيام يستحب لكل جنازة، وقد تقدم بسط الكلام في مسألة القيام للجنازة إذا مرت به، وأجاب القائلون بالنسخ عن هذا الحديث بأنه منسوخ، وأن سهل بن حنيف وقيس بن سعد لم يعلما بالنسخ، ومن علم حجة على من لم يعلم. وتعقب بأنه لم يثبت النسخ بحديث صحيح صريح، فلا يتمشى ذلك. (متفق عليه) وأخرجه أحمد (ج٦:ص٦) والنسائي والبيهقي (ج٤:ص٢٧) . ١٦٩٥- قوله: (فعرض) أي ظهر (حبر) بفتح الحاء المهملة وتكسر أي عالم. (فقال) أي الحبر. (له) ﷺ : (إنا) أي معشر اليهود. (هكذا نضع) أي إذا تبعنا جنازة نقوم، ولا نجلس حتى توضع في اللحد. (فجلس رسول الله ﷺ ) أي مخالفة لليهود. وهذا لا يدل على نسخ القيام لها إذا مرت ولا على قيام التابع والمشيع.

стр. 2381

وقال: خالفوهم)) رواه الترمذي، وأبوداود، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وبشر بن رافع الراوي ليس بالقوي. ١٦٩٦- (٣٧) وعن علي، قال: ((كان رسول الله ﷺ أمرنا بالقيام في الجنازة، ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس) رواه أحمد. ــ (وقال خالفوهم) وفي رواية أبي داود: وقال اجلسوا خالفوهم. قال القاري: فبقى القول بأن التابع لم يقعد حتى توضع عن أعناق الرجال. (على الأرض) هو الصحيح-انتهى. وقد استدل بعضهم بهذا الحديث على نسخ القيام للجنازة، ولا يخفى ما فيه، فإنه ليس فيه ذكر القيام للجنازة أصلاً. واحتج به بعضهم على نسخ القيام للتابع، وهو أيضاً متعقب، فإن غاية ما فيه أنه يدل على الأمر بالجلوس قبل الوضع في اللحد، وهذا لا يستلزم بل ولا يقتضي نسخ القيام قبل الوضع بالأرض، فافهم، على أن الحديث ضعيف لا يقاوم حديث أبي سعيد وغيره. هذا وسبق الكلام عليه مفصلاً في شرح حديث أبي سعيد في الفصل الأول. (رواه الترمذي وأبوداود) وسكت عنه. (وابن ماجه) وأخرجه أيضاً البزار والبيهقي والحازمي. (وبشر) بكسر أوله وسكون ثانيه (بن رافع) أبوالأسباط الحارثي النجراني. (الراوي) بسكون الياء أي أحد رواة هذا الحديث. (ليس بالقوي) في الحديث. وقال أحمد: ليس بشيء ضعيف في الحديث. وقال النسائي: ضعيف. وقال الدارقطني: منكر الحديث. وقال أبوحاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث لا نرى له حديثاً قائماً. وقال البزار: لين الحديث وقد احتمل حديثه. وقال ابن عبد البر في الكنى: هو ضعيف عندهم منكر الحديث، وقال في كتاب الإنصاف: اتفقوا على إنكار حديثه وطرح ما رواه، وترك الاحتجاج به، لا يختلف علماء الحديث في ذلك. وقال البخاري: لا يتابع في حديثه، كذا في تهذيب التهذيب. وفي سنده أيضاً عبد الله بن سليمان بن جنادة بن أمية عن أبيه. وعبد الله هذا قال البخاري: فيه نظر لا يتابع على حديثه. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الحافظ: ضعيف، وأبوه سليمان بن جنادة قال أبوحاتم: منكر الحديث. وقال البخاري: هو حديث منكر، ولم يتابع في هذا. وقال ابن عدي: لم ينكر عليه البخاري غير هذا الحديث. ١٦٩٦- قوله: (أمرنا بالقيام) أمر ندب. (في الجنازة) أي في حال رؤيتها إذا مرت بنا. وقيل: قبل وضعها على الأرض. (ثم جلس بعد ذلك) لبيان الجواز. (وأمرنا بالجلوس) أي أمر إباحة وتخفيف، فلا دلالة فيه على نسخ القيام للجنازة ولا على نسخ قيام التابع، وقد تقدم الكلام عليه في شرح حديثي أبي سعيد وعلي في الفصل الأول من هذا الباب. (رواه أحمد) (ج١:ص٨٢) ورجاله ثقات وأخرجه أيضاً ابن حبان كما في التلخيص، والبيهقي (ج٤:ص٢٧) والحازمي (ص١٢١) .

стр. 2382

١٦٩٧- (٣٨) وعن محمد بن سيرين، قال: ((إن جنازة مرت بالحسن بن علي وابن عباس، فقام الحسن ولم يقم ابن عباس، فقال الحسن: أليس قد قام رسول الله ﷺ لجنازة يهودي؟ قال: نعم، ثم جلس)) رواه النسائي. ١٦٩٨- (٣٩) وعن جعفر بن محمد، عن أبيه، ((أن الحسن بن علي كان جالساً فمر عليه بجنازة، فقام الناس حتى جاوزت الجنازة، فقال الحسن: إنما مر بجنازة يهودي، وكان رسول الله ﷺ على طريقها جالساً، وكره أن تعلو رأسه جنازة يهودي، فقام)) . رواه النسائي. ــ ١٦٩٧- قوله: (إن جنازة مرت بالحسن بن علي) أي ابن أبي طالب. (قال) أي ابن عباس في جواب الحسن. (نعم) أي قام رسول الله ﷺ في أوائل الأمر. (ثم جلس) بعده، أي فعل رسول الله ﷺ كلا من الأمرين، لكن جلوسه كان متأخراً، فيكون كما سبق من حديث علي رضي الله عليه في الفصل الأول، وهذا هو الظاهر بل المتعين لأن يكون مراداً. وقد استدل به على نسخ القيام للجنازة إذا مرت به. وأجيب بأن مجرد الفعل لا يدل على النسخ لاحتمال أن القعود كان لبيان الجواز، والأمر بالقعود إن ثبت كان للإباحة والتخفيف. (رواه النسائي) ورجال إسناده ثقات، وأخرجه أيضاً أحمد (ج١:ص٢٠٠-٢٠١) وأخرجه البيهقي والنسائي أيضاً من طريق أبي مجلز: أن جنازة مرت بابن عباس والحسن بن علي، فقام أحدهما ولم يقم الآخر، فقال أحدهما: ألم يقم النبي ﷺ ؟ فقال الآخر: بلى، ثم قعد. ١٦٩٨- قوله: (عن جعفر بن محمد) المعروف بالصادق. (عن أبيه) هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبوجعفر الباقر. (وكره أن تعلو رأسه جنازة يهودي) إيماء إلى أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه. (فقام) أي عن الطريق لهذا، فهذا إنكار منه ﵁ على قيام الناس للجنازة، عكس ما سبق منه من الإنكار على ابن عباس على عدم القيام. قيل: كان هذا بعد ما علم الحسن بنسخ القيام، فأشار إلى ذلك مع ذكر العلة التي قام لأجلها رسول الله ﷺ . وقيل: كان إنكاره على ابن عباس؛ لأنه كان على الطريق، وإنكاره على الناس؛ لأنهم لم يكونوا على الطريق، قاله القاري: قلت: إسناد هذا الحديث ضعيف لانقطاعه، فلا يقاوم الحديث السابق، فلا حاجة إلى تكلف الجواب، والتاريخ غير معلوم، فلا يصح دعوى تأخر هذا الحديث. وأما الاختلاف في التعليل الواقع بينه وبين غيره من الأحاديث، فقد تقدم الكلام عليه في شرح حديث جابر في الفصل الأول. (رواه النسائي) وإسناده منقطع، فإن محمد بن علي أبا جعفر الباقر تابعي ثقة ولكن لم يدرك الحسن بن علي عم

стр. 2383

١٦٩٩- (٤٠) وعن أبي موسى، أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا مرت بكم جنازة يهودي أو نصراني أو مسلم، فقوموا لها، فلستم لها تقومون، إنما تقومون لمن معها من الملائكة)) رواه أحمد. ١٧٠٠- (٤١) وعن أنس، ((أن جنازة مرت برسول الله ﷺ فقام، فقيل: إنها جنازة يهودي، فقال: إنما قمت للملائكة)) رواه النسائي. ١٧٠١- (٤٢) وعن مالك بن هبيرة، قال. (سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين، إلا أوجب ــ أبيه؛ لأنه ولد سنة (٥٦) والحسن مات سنة (٥٠) ، قاله الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد. ١٦٩٩- قوله: (إذا مرت بكم) كذا في بعض النسخ "بكم"، وهكذا في مسند الإمام أحمد (ج٤:ص٣٩٤-٤١٣) ، وكذا ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٣:ص٢٧) . ووقع في أكثر نسخ المشكاة "بك" بضمير الإفراد، والظاهر أنه خطأ من الناسخ (جنازة يهودي أو نصراني أو مسلم) أو للتنويع. (فقوموا لها) أمر ندب. (فلستم لها تقومون) أي في الحقيقة. (إنما تقومون لمن معها من الملائكة) أي ملائكة الرحمة إن كانت الجنازة لمسلم، أو ملائكة العذاب إن كانت لكافر. قد يقال هذا مشكل؛ لأنه أثبت القيام لها، ثم نفاه عنها. وقد يجاب بأنه أثبته لها باعتبار الصورة. ونفاه عنها باعتبار باطن الأمر والحقيقة، وإنكار البليغ على رعاية الاعتبارات والحيثيات سائغ شائع، كذا في المرقاة. (رواه أحمد) (ج٤:ص٣٩١-٤١٣) وفيه ليث بن أبي سليم وهو صدوق، لكنه اختلط أخيراً ولم يتميز حديثه فترك. قاله الحافظ في التقريب. وقال الهيثمي: هو ثقة. ولكنه مدلس-انتهى. ويؤيده حديث أنس الذي يليه. ١٧٠٠- قوله: (إنما قمت) كذا في جميع النسخ، وكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ص٤٢٦) ، وكذا وقع في المستدرك للحاكم. وفي النسخ الموجودة عندنا للنسائي: إنما قمنا. (للملائكة) لا لذات الميت فيستوي فيه المسلم وغير المسلم. (رواه النسائي) وأخرجه أيضاً الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. ١٧٠١- قوله: (وعن مالك بن هبيرة) بضم الهاء مصغراً، ابن خالد بن مسلم السكوني أو الكندي، يكنى أباسعيد، صحابي نزل حمص ومصر. ولي حمص لمعاوية، وروى عنه من أهلها جماعة. وذكره محمد بن الربيع الجيزي فيمن شهد فتح مصر من الصحابة، مات في أيام مروان بن الحكم. (إلا أوجب) وذكره الحافظ في الإصابة بلفظ "إلا وجبت له الجنة"، وفي رواية أحمد "إلا غفر له"، وكذا في رواية للحاكم والبيهقي. فمعنى قوله "أوجب"

стр. 2384

فكان مالك إذا استقل أهل الجنازة جزأهم ثلاثة صفوف لهذا الحديث)) رواه أبوداود. وفي رواية الترمذي، قال: كان مالك بن هبيرة إذا صلى على جنازة فتقال الناس عليها جزأهم ثلاثة أجزاء، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلى عليه ثلاثة صفوف أوجب)) وروى ابن ماجه نحوه. ١٧٠٢- (٤٣) وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في الصلاة على الجنازة: ((اللهم أنت ربها وأنت خلقتها وأنت هديتها إلى الإسلام، وأنت قبضت روحها، ــ أي ذلك الفعل على الله الجنة أو المغفرة لذلك الميت وعداً منه وفضلاً، أو أوجب الله تعالى المغفرة أو الجنة له. (فكان مالك) أي ابن هبيرة. (إذا استقل أهل الجنازة) أي عدهم قليلاً (جزأهم) بتشديد الزاي وفي آخره همزة من التجزئة، أي فرقهم وجعل القوم الذين يمكن أن يكونوا صفاً واحداً. (ثلاثة صفوف لهذا الحديث) أي ثم صلى عليها. (رواه أبوداود) وسكت عنه. (وفي رواية الترمذي) بالإضافة. (إذا صلى) أي أراد الصلاة. (فتقالّ الناس عليها) بتشديد اللام تفاعل من القلة أي رآهم قليلين، استقل الشيء وتقاله عده ورآه قليلاً. (جزأهم ثلاثة أجزاء) أي فرقهم وجعلهم ثلاثة صفوف وفي رواية أحمد: فكان مالك يتحرى إذا قل أهل جنازة أن يجعلهم ثلاثة صفوف. (ثم قال) أي استدلالاً لفعله: (من صلى عليه ثلاثة صفوف) وأقل الصف أن يكون اثنين على الأصح. (أوجب) أي الله تعالى الجنة أو المغفرة لذلك الميت. (وروى ابن ماجه نحوه) أي معناه، وهو كان إذا أتي بجنازة فتقال من تبعها جزأهم ثلاثة صفوف ثم صلى عليها. وقال: إن رسول الله ﷺ قال: ما صف صفوف ثلاثة من المسلمين على ميت إلا أوجب-انتهى. والحديث أخرجه أيضاً أحمد (ج٤:ص٧٩) والحاكم (ج١:ص٣٦٢) والبيهقي (ج٤:ص٣٠) كلهم من طريق ابن إسحاق عن يزيد ابن أبي حبيب عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزنى عن مالك بن هبيرة، وقد سكت عنه أبوداود وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وفيه محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن. وقال الحافظ في الإصابة في ترجمة مالك بن هبيرة: قد اختلف على ابن إسحاق فيه، أدخل بعضهم عنه بين أبي الخير وبين مالك بن هبيرة الحارث بن مالك، كذا وقع في المعرفة لابن مندة، وذكره الترمذي، وقال: تفرد به إبراهيم بن سعد، ورواية الجماعة أصح عندنا-انتهى. ١٧٠٢- قوله: (أنت ربها) أي سيدها ومالكها. (وأنت خلقتها) أي ابتداء. (وأنت هديتها إلى الإسلام) المشتمل على الإيمان انتهاء. وفي بعض النسخ من سنن أبي داود: للإسلام. (وأنت قبضت روحها)

стр. 2385

وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئنا شفعاء فاغفر له)) رواه أبوداود. ١٧٠٣- (٤٤) وعن سعيد بن المسبب، قال: ((صليت وراء أبي هريرة على صبي لم يعمل خطيئة قط، فسمعته يقول: اللهم أعذه من عذاب القبر)) ــ أي أمرت بقبض روحها. (وأنت أعلم بسرها وعلانيتها) بتخفيف الياء أي باطنها وظاهرها. (جئنا) أي حضرنا. (شفاء) له بين يديك. (فاغفر له) وفي بعض النسخ من سنن أبي داود "لها" كما في رواية النسائي، وتأنيث الضمير باعتبار النفس أو الروح التي هي الأصل، والتذكير باعتبار الشخص أو الميت. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه أيضاً النسائي في اليوم والليلة، والبيهقي (ج٤:ص٤٢) . ١٧٠٣- قوله: (وعن سعيد بن المسيب) بفتح التحتية المشددة وتكسر، ابن حزن بن أبي وهب القرشي المخزومي المدني، يكنى أبا محمد، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب، كان سيد كبار التابعين، جمع بين الفقه والحديث والزهد والعباد والورع، وهو المشار إليه المنصوص عليه، وكان أعلم الناس بحديث أبي هريرة، وقضايا عمر، لقي جماعة كثيرة من الصحابة، وروى عنهم، وعنه الزهري وكثير من التابعين وغيرهم. قال مكحول إمام أهل الشام: طفت الأرض كلها في طلب العلم فما لقيت أعلم من ابن المسيب، اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل. وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علماً منه. وقال ابن المسيب: حججت أربعين حجة مات بعد التسعين وقد ناهز الثمانين. (صليت وراء أبي هريرة على) جنازة (صبي) قال الباجي: الصلاة على الصبي قربة له ورغبة في إلحاقه بصالح السلف، ولا خلاف في وجوب الصلاة عليه. (لم يعمل خطيئة قط) أي أبداً لموته قبل البلوغ، وقد رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم، قال ابن حجر قوله: لم يعمل خطيئة، صفة كاشفة، إذ لا يتصور في غير بالغ عمل ذنب-انتهى. قال القاري: ويمكن أن يحمل على المبالغة في نفي الخطيئة عنه ولو صورة. وقال الدسوقي يؤخذ من هذا أن الأطفال يسئلون، وقيل: لا يسئلون، وقيل: بالوقف، وهو الحق؛ لأنه لم يرو نص بشيء. (فسمعته) أي أبا هريرة. (يقول) في دعائه بعد قراءة الفاتحة والصلاة على النبي. (اللهم أعذه) أمر من الإعاذة أي أجره. (من عذاب القبر) قال القاضي: يحتمل أن يكون أبوهريرة اعتقد شيئاً سمعه من رسول الله ﷺ من أن عذاب القبر عام في الصغير والكبير، وأن الفتنة فيه لا تسقط عن الصغير بعدم التكليف في الدنيا، أي لأن الله تعالى يفعل ما يشاء، وقال ابن عبد البر: عذاب القبر غير فتنة القبر، ولو عذب الله عباده أجمعين كان غير ظالم لهم؛ لأنه لا يسئل عما يفعل، وقال بعضهم: ليس المراد بعذاب القبر هنا عقوبة بل مجرد الألم بالغم
следующие страницы →