← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

وقال: خالفوهم)) رواه الترمذي، وأبوداود، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وبشر بن رافع الراوي ليس بالقوي. ١٦٩٦- (٣٧) وعن علي، قال: ((كان رسول الله ﷺ أمرنا بالقيام في الجنازة، ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس) رواه أحمد. ــ (وقال خالفوهم) وفي رواية أبي داود: وقال اجلسوا خالفوهم. قال القاري: فبقى القول بأن التابع لم يقعد حتى توضع عن أعناق الرجال. (على الأرض) هو الصحيح-انتهى. وقد استدل بعضهم بهذا الحديث على نسخ القيام للجنازة، ولا يخفى ما فيه، فإنه ليس فيه ذكر القيام للجنازة أصلاً. واحتج به بعضهم على نسخ القيام للتابع، وهو أيضاً متعقب، فإن غاية ما فيه أنه يدل على الأمر بالجلوس قبل الوضع في اللحد، وهذا لا يستلزم بل ولا يقتضي نسخ القيام قبل الوضع بالأرض، فافهم، على أن الحديث ضعيف لا يقاوم حديث أبي سعيد وغيره. هذا وسبق الكلام عليه مفصلاً في شرح حديث أبي سعيد في الفصل الأول. (رواه الترمذي وأبوداود) وسكت عنه. (وابن ماجه) وأخرجه أيضاً البزار والبيهقي والحازمي. (وبشر) بكسر أوله وسكون ثانيه (بن رافع) أبوالأسباط الحارثي النجراني. (الراوي) بسكون الياء أي أحد رواة هذا الحديث. (ليس بالقوي) في الحديث. وقال أحمد: ليس بشيء ضعيف في الحديث. وقال النسائي: ضعيف. وقال الدارقطني: منكر الحديث. وقال أبوحاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث لا نرى له حديثاً قائماً. وقال البزار: لين الحديث وقد احتمل حديثه. وقال ابن عبد البر في الكنى: هو ضعيف عندهم منكر الحديث، وقال في كتاب الإنصاف: اتفقوا على إنكار حديثه وطرح ما رواه، وترك الاحتجاج به، لا يختلف علماء الحديث في ذلك. وقال البخاري: لا يتابع في حديثه، كذا في تهذيب التهذيب. وفي سنده أيضاً عبد الله بن سليمان بن جنادة بن أمية عن أبيه. وعبد الله هذا قال البخاري: فيه نظر لا يتابع على حديثه. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الحافظ: ضعيف، وأبوه سليمان بن جنادة قال أبوحاتم: منكر الحديث. وقال البخاري: هو حديث منكر، ولم يتابع في هذا. وقال ابن عدي: لم ينكر عليه البخاري غير هذا الحديث. ١٦٩٦- قوله: (أمرنا بالقيام) أمر ندب. (في الجنازة) أي في حال رؤيتها إذا مرت بنا. وقيل: قبل وضعها على الأرض. (ثم جلس بعد ذلك) لبيان الجواز. (وأمرنا بالجلوس) أي أمر إباحة وتخفيف، فلا دلالة فيه على نسخ القيام للجنازة ولا على نسخ قيام التابع، وقد تقدم الكلام عليه في شرح حديثي أبي سعيد وعلي في الفصل الأول من هذا الباب. (رواه أحمد) (ج١:ص٨٢) ورجاله ثقات وأخرجه أيضاً ابن حبان كما في التلخيص، والبيهقي (ج٤:ص٢٧) والحازمي (ص١٢١) .

стр. 2382

١٦٩٧- (٣٨) وعن محمد بن سيرين، قال: ((إن جنازة مرت بالحسن بن علي وابن عباس، فقام الحسن ولم يقم ابن عباس، فقال الحسن: أليس قد قام رسول الله ﷺ لجنازة يهودي؟ قال: نعم، ثم جلس)) رواه النسائي. ١٦٩٨- (٣٩) وعن جعفر بن محمد، عن أبيه، ((أن الحسن بن علي كان جالساً فمر عليه بجنازة، فقام الناس حتى جاوزت الجنازة، فقال الحسن: إنما مر بجنازة يهودي، وكان رسول الله ﷺ على طريقها جالساً، وكره أن تعلو رأسه جنازة يهودي، فقام)) . رواه النسائي. ــ ١٦٩٧- قوله: (إن جنازة مرت بالحسن بن علي) أي ابن أبي طالب. (قال) أي ابن عباس في جواب الحسن. (نعم) أي قام رسول الله ﷺ في أوائل الأمر. (ثم جلس) بعده، أي فعل رسول الله ﷺ كلا من الأمرين، لكن جلوسه كان متأخراً، فيكون كما سبق من حديث علي رضي الله عليه في الفصل الأول، وهذا هو الظاهر بل المتعين لأن يكون مراداً. وقد استدل به على نسخ القيام للجنازة إذا مرت به. وأجيب بأن مجرد الفعل لا يدل على النسخ لاحتمال أن القعود كان لبيان الجواز، والأمر بالقعود إن ثبت كان للإباحة والتخفيف. (رواه النسائي) ورجال إسناده ثقات، وأخرجه أيضاً أحمد (ج١:ص٢٠٠-٢٠١) وأخرجه البيهقي والنسائي أيضاً من طريق أبي مجلز: أن جنازة مرت بابن عباس والحسن بن علي، فقام أحدهما ولم يقم الآخر، فقال أحدهما: ألم يقم النبي ﷺ ؟ فقال الآخر: بلى، ثم قعد. ١٦٩٨- قوله: (عن جعفر بن محمد) المعروف بالصادق. (عن أبيه) هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبوجعفر الباقر. (وكره أن تعلو رأسه جنازة يهودي) إيماء إلى أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه. (فقام) أي عن الطريق لهذا، فهذا إنكار منه ﵁ على قيام الناس للجنازة، عكس ما سبق منه من الإنكار على ابن عباس على عدم القيام. قيل: كان هذا بعد ما علم الحسن بنسخ القيام، فأشار إلى ذلك مع ذكر العلة التي قام لأجلها رسول الله ﷺ . وقيل: كان إنكاره على ابن عباس؛ لأنه كان على الطريق، وإنكاره على الناس؛ لأنهم لم يكونوا على الطريق، قاله القاري: قلت: إسناد هذا الحديث ضعيف لانقطاعه، فلا يقاوم الحديث السابق، فلا حاجة إلى تكلف الجواب، والتاريخ غير معلوم، فلا يصح دعوى تأخر هذا الحديث. وأما الاختلاف في التعليل الواقع بينه وبين غيره من الأحاديث، فقد تقدم الكلام عليه في شرح حديث جابر في الفصل الأول. (رواه النسائي) وإسناده منقطع، فإن محمد بن علي أبا جعفر الباقر تابعي ثقة ولكن لم يدرك الحسن بن علي عم

стр. 2383

١٦٩٩- (٤٠) وعن أبي موسى، أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا مرت بكم جنازة يهودي أو نصراني أو مسلم، فقوموا لها، فلستم لها تقومون، إنما تقومون لمن معها من الملائكة)) رواه أحمد. ١٧٠٠- (٤١) وعن أنس، ((أن جنازة مرت برسول الله ﷺ فقام، فقيل: إنها جنازة يهودي، فقال: إنما قمت للملائكة)) رواه النسائي. ١٧٠١- (٤٢) وعن مالك بن هبيرة، قال. (سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين، إلا أوجب ــ أبيه؛ لأنه ولد سنة (٥٦) والحسن مات سنة (٥٠) ، قاله الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد. ١٦٩٩- قوله: (إذا مرت بكم) كذا في بعض النسخ "بكم"، وهكذا في مسند الإمام أحمد (ج٤:ص٣٩٤-٤١٣) ، وكذا ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٣:ص٢٧) . ووقع في أكثر نسخ المشكاة "بك" بضمير الإفراد، والظاهر أنه خطأ من الناسخ (جنازة يهودي أو نصراني أو مسلم) أو للتنويع. (فقوموا لها) أمر ندب. (فلستم لها تقومون) أي في الحقيقة. (إنما تقومون لمن معها من الملائكة) أي ملائكة الرحمة إن كانت الجنازة لمسلم، أو ملائكة العذاب إن كانت لكافر. قد يقال هذا مشكل؛ لأنه أثبت القيام لها، ثم نفاه عنها. وقد يجاب بأنه أثبته لها باعتبار الصورة. ونفاه عنها باعتبار باطن الأمر والحقيقة، وإنكار البليغ على رعاية الاعتبارات والحيثيات سائغ شائع، كذا في المرقاة. (رواه أحمد) (ج٤:ص٣٩١-٤١٣) وفيه ليث بن أبي سليم وهو صدوق، لكنه اختلط أخيراً ولم يتميز حديثه فترك. قاله الحافظ في التقريب. وقال الهيثمي: هو ثقة. ولكنه مدلس-انتهى. ويؤيده حديث أنس الذي يليه. ١٧٠٠- قوله: (إنما قمت) كذا في جميع النسخ، وكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ص٤٢٦) ، وكذا وقع في المستدرك للحاكم. وفي النسخ الموجودة عندنا للنسائي: إنما قمنا. (للملائكة) لا لذات الميت فيستوي فيه المسلم وغير المسلم. (رواه النسائي) وأخرجه أيضاً الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. ١٧٠١- قوله: (وعن مالك بن هبيرة) بضم الهاء مصغراً، ابن خالد بن مسلم السكوني أو الكندي، يكنى أباسعيد، صحابي نزل حمص ومصر. ولي حمص لمعاوية، وروى عنه من أهلها جماعة. وذكره محمد بن الربيع الجيزي فيمن شهد فتح مصر من الصحابة، مات في أيام مروان بن الحكم. (إلا أوجب) وذكره الحافظ في الإصابة بلفظ "إلا وجبت له الجنة"، وفي رواية أحمد "إلا غفر له"، وكذا في رواية للحاكم والبيهقي. فمعنى قوله "أوجب"

стр. 2384

فكان مالك إذا استقل أهل الجنازة جزأهم ثلاثة صفوف لهذا الحديث)) رواه أبوداود. وفي رواية الترمذي، قال: كان مالك بن هبيرة إذا صلى على جنازة فتقال الناس عليها جزأهم ثلاثة أجزاء، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلى عليه ثلاثة صفوف أوجب)) وروى ابن ماجه نحوه. ١٧٠٢- (٤٣) وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في الصلاة على الجنازة: ((اللهم أنت ربها وأنت خلقتها وأنت هديتها إلى الإسلام، وأنت قبضت روحها، ــ أي ذلك الفعل على الله الجنة أو المغفرة لذلك الميت وعداً منه وفضلاً، أو أوجب الله تعالى المغفرة أو الجنة له. (فكان مالك) أي ابن هبيرة. (إذا استقل أهل الجنازة) أي عدهم قليلاً (جزأهم) بتشديد الزاي وفي آخره همزة من التجزئة، أي فرقهم وجعل القوم الذين يمكن أن يكونوا صفاً واحداً. (ثلاثة صفوف لهذا الحديث) أي ثم صلى عليها. (رواه أبوداود) وسكت عنه. (وفي رواية الترمذي) بالإضافة. (إذا صلى) أي أراد الصلاة. (فتقالّ الناس عليها) بتشديد اللام تفاعل من القلة أي رآهم قليلين، استقل الشيء وتقاله عده ورآه قليلاً. (جزأهم ثلاثة أجزاء) أي فرقهم وجعلهم ثلاثة صفوف وفي رواية أحمد: فكان مالك يتحرى إذا قل أهل جنازة أن يجعلهم ثلاثة صفوف. (ثم قال) أي استدلالاً لفعله: (من صلى عليه ثلاثة صفوف) وأقل الصف أن يكون اثنين على الأصح. (أوجب) أي الله تعالى الجنة أو المغفرة لذلك الميت. (وروى ابن ماجه نحوه) أي معناه، وهو كان إذا أتي بجنازة فتقال من تبعها جزأهم ثلاثة صفوف ثم صلى عليها. وقال: إن رسول الله ﷺ قال: ما صف صفوف ثلاثة من المسلمين على ميت إلا أوجب-انتهى. والحديث أخرجه أيضاً أحمد (ج٤:ص٧٩) والحاكم (ج١:ص٣٦٢) والبيهقي (ج٤:ص٣٠) كلهم من طريق ابن إسحاق عن يزيد ابن أبي حبيب عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزنى عن مالك بن هبيرة، وقد سكت عنه أبوداود وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وفيه محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن. وقال الحافظ في الإصابة في ترجمة مالك بن هبيرة: قد اختلف على ابن إسحاق فيه، أدخل بعضهم عنه بين أبي الخير وبين مالك بن هبيرة الحارث بن مالك، كذا وقع في المعرفة لابن مندة، وذكره الترمذي، وقال: تفرد به إبراهيم بن سعد، ورواية الجماعة أصح عندنا-انتهى. ١٧٠٢- قوله: (أنت ربها) أي سيدها ومالكها. (وأنت خلقتها) أي ابتداء. (وأنت هديتها إلى الإسلام) المشتمل على الإيمان انتهاء. وفي بعض النسخ من سنن أبي داود: للإسلام. (وأنت قبضت روحها)

стр. 2385

وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئنا شفعاء فاغفر له)) رواه أبوداود. ١٧٠٣- (٤٤) وعن سعيد بن المسبب، قال: ((صليت وراء أبي هريرة على صبي لم يعمل خطيئة قط، فسمعته يقول: اللهم أعذه من عذاب القبر)) ــ أي أمرت بقبض روحها. (وأنت أعلم بسرها وعلانيتها) بتخفيف الياء أي باطنها وظاهرها. (جئنا) أي حضرنا. (شفاء) له بين يديك. (فاغفر له) وفي بعض النسخ من سنن أبي داود "لها" كما في رواية النسائي، وتأنيث الضمير باعتبار النفس أو الروح التي هي الأصل، والتذكير باعتبار الشخص أو الميت. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه أيضاً النسائي في اليوم والليلة، والبيهقي (ج٤:ص٤٢) . ١٧٠٣- قوله: (وعن سعيد بن المسيب) بفتح التحتية المشددة وتكسر، ابن حزن بن أبي وهب القرشي المخزومي المدني، يكنى أبا محمد، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب، كان سيد كبار التابعين، جمع بين الفقه والحديث والزهد والعباد والورع، وهو المشار إليه المنصوص عليه، وكان أعلم الناس بحديث أبي هريرة، وقضايا عمر، لقي جماعة كثيرة من الصحابة، وروى عنهم، وعنه الزهري وكثير من التابعين وغيرهم. قال مكحول إمام أهل الشام: طفت الأرض كلها في طلب العلم فما لقيت أعلم من ابن المسيب، اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل. وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علماً منه. وقال ابن المسيب: حججت أربعين حجة مات بعد التسعين وقد ناهز الثمانين. (صليت وراء أبي هريرة على) جنازة (صبي) قال الباجي: الصلاة على الصبي قربة له ورغبة في إلحاقه بصالح السلف، ولا خلاف في وجوب الصلاة عليه. (لم يعمل خطيئة قط) أي أبداً لموته قبل البلوغ، وقد رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم، قال ابن حجر قوله: لم يعمل خطيئة، صفة كاشفة، إذ لا يتصور في غير بالغ عمل ذنب-انتهى. قال القاري: ويمكن أن يحمل على المبالغة في نفي الخطيئة عنه ولو صورة. وقال الدسوقي يؤخذ من هذا أن الأطفال يسئلون، وقيل: لا يسئلون، وقيل: بالوقف، وهو الحق؛ لأنه لم يرو نص بشيء. (فسمعته) أي أبا هريرة. (يقول) في دعائه بعد قراءة الفاتحة والصلاة على النبي. (اللهم أعذه) أمر من الإعاذة أي أجره. (من عذاب القبر) قال القاضي: يحتمل أن يكون أبوهريرة اعتقد شيئاً سمعه من رسول الله ﷺ من أن عذاب القبر عام في الصغير والكبير، وأن الفتنة فيه لا تسقط عن الصغير بعدم التكليف في الدنيا، أي لأن الله تعالى يفعل ما يشاء، وقال ابن عبد البر: عذاب القبر غير فتنة القبر، ولو عذب الله عباده أجمعين كان غير ظالم لهم؛ لأنه لا يسئل عما يفعل، وقال بعضهم: ليس المراد بعذاب القبر هنا عقوبة بل مجرد الألم بالغم

стр. 2386

رواه مالك. ١٧٠٤- (٤٥) وعن البخاري تعليقاً، قال: يقرأ الحسن على الطفل فاتحة الكتاب، ويقول: اللهم اجعله لنا سلفاً وفرطاً وذخراً وأجراً. ــ والحسرة والوحشة والضغطة، وذلك يعم الأطفال وغيرهم. وقال أبوعبد الملك: يحتمل أنه قال ذلك على العادة في الصلاة على الكبير، أو ظن أنه كبير أو دعا له على معنى الزيادة أي في الدرجات، كما كانت الأنبياء ﵈ تدعوا الله أن يرحمها وتستغفره، كذا في شرح الموطأ للزرقاني، ولا يستغفر للصبي عند الحنفية، ولا يأتي بشيء من دعاء البالغين في الصلاة عليه، بل يقتصر على قوله: اللهم اجعله لنا فرطاً الخ. (رواه مالك) عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: صلت وراء أبي هريرة الخ. ١٧٠٤- قوله: (وعن البخاري تعليقاً) التعليق أن يحذف من مبدأ إسناده واحد فأكثر على التوالي ويعزى الحديث إلى من فوق المحذوف من رواته، واستعمله بعضهم في حذف كل الإسناد، كما هنا، مثاله: قال رسول الله ﷺ كذا، قال ابن عباس كذا، قال سعيد بن المسيب كذا، عن أبي هريرة كذا. قالوا: تعليقات البخاري في حكم المسانيد. وقال النووي: فما كان منه بصيغة الجزم، كقال وفعل وأمر وروى وذكر معروفاً فهو حكم بصحته عن المضاف إليه، وما ليس فيه جزم، كروي ويذكر ويحكى، ويقال وحكي عن فلان وروي وذكر مجهولاً فليس فيه حكم بصحته عن المضاف إليه، ومع ذلك فإيراده في كتاب الصحيح مشعر بصحة أصله إشعاراً يؤنس به ويركن إليه، وعلى المدقق إذا رام الاستدلال به أن ينظر في رجاله وحال سنده ليرى صلاحيته للحجة وعدمها. (قال) أي البخاري نقلاً عن الحسن: (يقرأ الحسن) أي كان يقرأ الحسن وهو البصري، وما وقع في جامع الأصول (ج٧:ص١٤٧) أنه الحسن بن علي بن أبي طالب فهو وهم من ابن الأثير. (على الطفل) أي على جنازته. (فاتحة الكتاب) أي بعد التكبيرة الأولى. (ويقول) أي بعد القراءة والصلاة على النبي. (اللهم اجعله) أي الطفل (سلفاً) بفتحتين أي متقدماً إلى الجنة لأجلنا. قال في النهاية: قيل هو من سلف المال كأنه قد أسلفه وجعله ثمناً للأجر والثواب الذي يجازى على الصبر عليه، وقيل: سلف الإنسان من تقدمه بالموت من آبائه وذوى قرابته، ولهذا سمي الصدر الأول من التابعين السلف الصالح. (وفرطاً) بالتحريك هو الذي يتقدم القوم الواردة فيهيء لهم أسباب المنزل كالأرسان والدلاء ونحوها ويرد الحياض ويستقي لهم. (وذخراً) بضم الذال وسكون الخاء أي ذخيرة. (وأجراً) أي ثواباً جزيلاً. قال ميرك: عبارة البخاري هكذا وقال الحسن: يقرأ (أي المصلى) على الطفل بفاتحة الكتاب، ويقول: اللهم اجعله لنا فرطاً وسلفاً وأجراً. فعلى

стр. 2387

١٧٠٥- (٤٦) وعن جابر، أن النبي ﷺ قال: ((الطفل لا يصلى عليه، ولا يرث، ولا يورث، حتى يستهل)) . ــ المصنف أن يقول وعن الحسن أنه قال:.. الخ، ثم يقول في آخره: رواه البخاري عنه تعليقاً، فإن البخاري من جملة المخرجين، لا من جملة الرواة الذين التزم المصنف ذكرهم، وأيضاً يفهم من رواية البخاري أن الحسن كان يأمر بذلك، ومن إيراد المصنف يفهم أنه كان يفعله، وبين العبارتين فرق ظاهر، وأيضاً فإن لفظه "ذخراً" ليست في رواية البخاري، كما ترى مع أن في عبارة المصنف تقديماً وتأخيراً أيضاً، تأمل، ولعل في نسخة المصنف من البخاري: وكان الحسن يقرأ على الطفل، وصحف قال بكان، فوقع فيما وقع، كذا في المرقاة. قال الحافظ في الفتح: وصل هذا الأثر عبد الوهاب بن عطاء الخفاف في كتاب الجنائز له عن سعيد بن أبي عروبة أنه سئل عن الصلاة على الصبي فأخبرهم عن قتادة عن الحسن أنه كان يكبر ثم يقرأ فاتحة الكتاب ثم يقول: اللهم اجعله لنا سلفاً وفرطاً وأجراً-انتهى. وهذا يؤيد ما وقع في المشكاة من أن الحسن كان يفعله، وذكر ابن الأثير هذا الأثر في جامع الأصول (ج٧ص١٤٧) عزوا إلى البخاري بلفظ: قال. (أي الحسن) يقرأ على الطفل فاتحة الكتاب ويقول: اللهم اجعله لنا سلفاً وفرطاً وذخراً وأجراً. قال الحافظ في التلخيص (ص١٦١) : روى البيهقي من حديث أبي هريرة أنه كان يصلي على النفوس: اللهم اجعله لنا فرطاً وسلفاً وأجراً. وفي جامع سفيان عن الحسن في الصلاة على الصبي: اللهم اجعله لنا سلفاً واجعله لنا فرطاً واجعله لنا أجراً. ١٧٠٥- قوله: (الطفل لا يصلى عليه ولا يرث ولا يورث حتى يستهل) أي يصيح عند ولادته، وحمله الجمهور على أن المراد منه إمارة الحياة، أي يوجد منه إمارة الحياة، وعبر بالاستهلال لأنه المعتاد وهو الذي يعرف به الحياة عادة. قال في المجمع: استهلال الصبي تصويته عند ولادته، أراد العلم بحياته بصياح أو اختلاج أو نفس أو حركة أو عطاس-انتهى. وقال ابن الهمام: الاستهلال أن يكون منه ما يدل على الحياة من حركة عضو أو رفع صوت-انتهى. وأخرج البزار عن ابن عمر مرفوعاً: استهلال الصبي العطاس. قال الحافظ: وإسناده ضعيف-انتهى. والحديث يدل على أنه لا يصلى على المولود إلا إذا استهل، وفيه اختلاف. قال الخطابي في المعالم: اختلف الناس في الصلاة على السقط، فروي عن ابن عمر أنه قال: يصلى عليه وإن لم يستهل، وبه قال ابن سيرين وابن المسيب. وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية: كلما نفخ فيه الروح وتمت له أربعة أشهر وعشر صلي عليه. وقال إسحاق: إنما الميراث بالاستهلال، فأما الصلاة فإنه يصلى عليه؛ لأنه نسمة تامة قد كتب عليها الشقاوة والسعادة، فلأي شيء تترك الصلاة عليه؟ وروي عن ابن عباس أنه قال: إذا استهل ورث وصلى عليه،

стр. 2388

رواه الترمذي، وابن ماجه إلا أنه لم يذكر: ولا يورث. ــ وعن جابر إذا استهل صلي عليه، وإن لم يستهل لم يصل عليه، وبه قال أصحاب الرأي، وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي-انتهى كلام الخطابي. وقد رجح المجد بن تيمية في المنتقى قول أحمد حيث قال: وإنما يصلى عليه إذا نفخت فيه الروح، وهو أن يستكمل أربعة أشهر، فأما إن سقط لدونها فلا؛ لأنه ليس بميت إذ لم ينفخ فيه روح، وأصل ذلك حديث ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات: يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح. متفق عليه-انتهى. قال الشوكاني بعد ذكر كلام ابن تيمية هذا: ومحل الخلاف فيمن سقط بعد أربعة أشهر ولم يستهل، وظاهر حديث الاستهلال أنه لا يصلى عليه وهو الحق؛ لأن الاستهلال يدل على وجود الحياة قبل خروج السقط كما يدل على وجودها بعده، فاعتبار الاستهلال من الشارع دليل على أن الحياة بعد الخروج من البطن معتبرة في مشروعية الصلاة على الطفل، وأنه لا يكتفى بمجرد العلم بحياته في البطن فقط-انتهى كلام الشوكاني.. (رواه الترمذي) في الجنائز بهذا اللفظ من طريق إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف الحديث، عن أبي الزبير وهو مدلس، عن جابر، عن النبي ﷺ . (وابن ماجه) في الجنائز، وفي الفرائض من طريق الربيع بن بدر عن أبي الزبير، والربيع بن بدر ضعفوه. (إلا أنه) أي ابن ماجه. (لم يذكر: ولا يورث) لفظ ابن ماجه: هكذا إذا استهل الصبي صلى عليه وورث. وأخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه والبيهقي والحاكم، وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وقال الحافظ في التلخيص (ص١٥٧) بعد ذكر هذا الحديث: أخرجه الترمذي والنسائي (في الكبرى) وابن ماجه والبيهقي، وفي إسناده إسماعيل بن مسلم المكي عن أبي الزبير وهو ضعيف. قال الترمذي: رواه أشعث وغير واحد عن أبي الزبير عن جابر موقوفاً، وكأن الموقوف أصح، وبه جزم النسائي، وقال الدارقطني في العلل: لا يصح رفعه، وقد روي عن شريك عن أبي الزبير مرفوعاً ولا يصح، ورواه ابن ماجه من طريق الربيع بن بدر عن أبي الزبير مرفوعاً، والربيع ضعيف، ورواه ابن أبي شيبة من طريق أشعث بن سوار عن أبي الزبير موقوفاً، ورواه النسائي أيضاً وابن حبان في صحيحه والحاكم من طريق إسحاق الأزرق عن سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووهم لأن أبا الزبير ليس من شرط البخاري، وقد عنعن، فهو علة هذا الخبر إن كان محفوظاً عن سفيان الثوري، ورواه الحاكم أيضاً من طريق المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير مرفوعاً، وقال: لا أعلم أحداً رفعه عن أبي الزبير غير المغيرة، وقد وقفه ابن جريج وغيره، ورواه أيضاً من طريق بقية عن الأوزاعي عن أبي الزبير مرفوعاً-انتهى كلام الحافظ في التلخيص. وفي الباب عن علي وابن عباس أخرجهما ابن عدي في الكامل.

стр. 2389

١٧٠٦- (٤٧) وعن أبي مسعود الأنصاري، قال: ((نهى رسول الله ﷺ أن يقوم الإمام فوق شيء والناس خلفه، يعني أسفل منه)) . رواه الدارقطني في المجتبى في كتاب الجنائز. (٦) باب دفن الميت ﴿الفصل الأول﴾ ١٧٠٧- (١) عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أن سعد بن أبي وقاص قال في مرضه الذي هلك فيه: ((ألحدوا ليّ لحداً، وانصبوا علي اللبن نصباً، كما صنع برسول الله ﷺ )) ــ ١٧٠٦- قوله: (نهى رسول الله ﷺ أن يقوم) أي من أن يقف. (الإمام) أي وحده في صلاة الجنازة والمكتوبة وغيرها مما تشرع فيه الجماعة. (فوق شيء والناس خلفه) أي خلف ذلك الشيء. (يعني أسفل منه) ويعلم النهي من العكس بالطريق الأولى، والحديث يدل على كراهة ارتفاع الإمام عن المؤتمين، وقد سبق الكلام عليه في باب الموقف. (رواه الدارقطني في المجتبى) اسم كتاب له، قاله القاري. والظاهر أن المراد به كتاب السنن للدارقطني المشهور. (في كتاب الجنائز) فيه إيماء إلى وجه مناسبة، ذكره في هذا الباب مع أن الأنسب ذكره في باب الموقف من هذا الكتاب. والحديث أخرجه الحاكم والبيهقي، وسكت عنه الحاكم والذهبي، وأخرجه أبوداود وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي أيضاً عن همام: أن حذيفة أمّ الناس بالمدائن على دكان، فأخذ أبومسعود بقميصه فجبذه، فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى، قد ذكرت حين مددتني. (باب دفن الميت) ١٧٠٧- قوله: (هلك) أي مات. (ألحدوا) بوصل الهمزة من لحد، كمنع، أو بقطع الهمزة من الحد. (لي) أي لأجلي. (لحداً) بفتح اللام مفعول مطلق من بابه، أو من غيره، أو مفعول به على تجريد في الفعل، أي اجعلوا لي لحداً، واللحد الشق الذي يعمل في جانب القبر القبلي لوضع الميت. (وانصبوا) بكسر الصاد من ضرب أي أقيموا. (علي) أي فوقى. (اللبن) بكسر الباء، في القاموس: اللبن ككتف المضروب من الطين مربعاً للبناء. (كما صنع برسول الله) أي بقبره. قال النووي: فيه استحباب اللحد ونصب اللبن؛ لأنه فعل ذلك برسول الله ﷺ -

стр. 2390

رواه مسلم. ١٧٠٨- (٢) وعن ابن عباس، قال: ((جعل في قبر رسول الله ﷺ قطيفة حمراء)) . ــ باتفاق الصحابة، وقد نقلوا أن عدد لبناته ﷺ تسع-انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج١ص١٦٩، ١٧٣، ١٨٤) ، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي. وفي الباب عن جابر عند ابن حبان والبيهقي، وعن ابن عمر عند أحمد، وعن عائشة عند ابن حبان، وعن علي عند الحاكم، وعن بريدة عند ابن عدي في الكامل، والطبراني في الأوسط. ١٧٠٨- قوله: (جعل في قبر رسول الله ﷺ قطيفة حمراء) هي كساء له خمل، وهو الهُدّاب، وهداب الثوب الخيوط التي تبقى في طرفيه من عرضيه دون حاشيتيه، وجعل بضم الجيم مبني للمفعول، والجاعل لذلك هو شُقْران مولى رسول الله ﷺ ، فروى الترمذي من حديثه قال: أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله ﷺ في القبر، وقال: حسن غريب. وروى ابن إسحاق في المغازي، والحاكم في الإكليل من طريقه، والبيهقي (ج٣ص٤٠٨) عنه من طريق ابن عباس قال: كان شقران حين وضع رسول الله ﷺ في حفرته أخذ قطيفة كان يلبسها ويفترشها فدفنها معه في القبر وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك فدفنت معه. وروى الواقدي عن علي بن حسين: أنهم أخرجوها. وبذلك جزم ابن عبد البر حيث قال في الاستيعاب: وطرح في قبره سمل قطيفة كان يلبسها، فلما فرغوا من وضع اللبن أخرجوها وهالوا التراب على لحده-انتهى. وقال الحافظ العراقي في ألفيته في السيرة: وفرشت في قبره قطيفة. وقيل: أخرجت، وهذا أثبت. والحديث يدل على جواز افتراش الثوب في القبر تحت الميت، وإليه ذهب البغوي وابن حزم، وذهب الجمهور إلى كراهته، وأجابوا عن هذا الحديث بأن شقران فرشها من غير علم الصحابة بذلك. قال النووي: قال العلماء وإنما جعلها شقران برأيه، ولم يوافقه أحد من الصحابة، ولا علموا بفعله. وفي رواية للترمذي إشارة إلى هذا، ذكره الزيلعي. وقيل: هذا من خصائصه ﷺ ، وقيل: دفنت معه ثم استخرجت قبل أن يهال التراب. قال النووي في شرح مسلم: هذه القطيفة ألقاها شقران، وقال: كرهت أن يلبسها أحد بعد رسول الله ﷺ ، وقد نص الشافعي وجميع أصحابنا وغيرهم من العلماء على كراهة وضع قطيفة أو مضربة أو مخدة أو نحو ذلك تحت الميت في القبر، وشذ عنهم البغوي من أصحابنا فقال في كتابه التهذيب: لا بأس بذلك لهذا الحديث، والصواب كراهته، كما قاله الجمهور، وأجابوا عن هذا الحديث بأن شقران انفرد بفعل ذلك ولم يوافقه غيره من الصحابة ولا علموا ذلك، وإنما فعله شقران لما ذكرناه عنه من كراهة أن يلبسها أحد بعد النبي ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ كان يلبسها ويفترشها، فلم تطب نفس شقران أن يتبذلها أحد بعد النبي ﷺ وخالفه غيره، فروى البيهقي عن ابن عباس أنه كره

стр. 2391

رواه مسلم. ١٧٠٩- (٣) وعن سفيان التمار: ((أنه رأى قبر النبي ﷺ مسنماً)) . ــ أن يجعل تحت الميت ثوب في قبره-انتهى كلام النووي. (رواه مسلم) وأخرجه النسائي وابن حبان أيضاً، قال الحافظ في التلخيص: وروى ابن أبي شيبة، وأبوداود في المراسيل عن الحسن نحوه، وزاد: لأن المدينة أرض سبخة-انتهى. ١٧٠٩- قوله: (وعن سفيان التمار) بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد الميم، هو سفيان بن دينار التمار أبوسعيد العصفري الكوفي، ثقة من كبار أتباع التابعين، وقد لحق عصر الصحابة، ولم تعرف له رواية عن صحابي، ووقع في جامع الأصول (ج١١ص٣٩٤) عبد الله بن عباس مكان سفيان التمار، وهو خطأ واضح وغلط بين. (أنه رأى قبر النبي ﷺ مسنماً) بتشديد النون المفتوحة، ورواه ابن أبي شيبة وزاد: وقبر أبي بكر وقبر عمر كذلك، وكذلك رواه أبونعيم وذكر هذه الزيادة التي ذكرها ابن أبي شيبة. قال الطيبي: تسنيم القبر هو أن يجعل كهيئة السنام، وهو خلاف تسطيحة. وقال السيد جمال الدين: المسنم المحدب كهيئة السنام خلاف المسطح. وقال في القاموس: التسنيم ضد التسطيح وقال: سطحه كمنعه بسطه. واستدل بهذا على أن المستحب تسنيم القبور. وقد اختلف العلماء في الأفضل من التسنيم والتسطيح أي التربيع بعد الاتفاق على جواز الكل، فذهب مالك وأحمد وأبوحنيفة وكثير من الشافعية منهم المزني إلى أن تسنيم القبر أفضل من تسطيحه، وذهب الشافعي وأكثر الشافعية إلى أن التسطيح أفضل، وتمسك الأولون بقول سفيان التمار المذكور، وبما في مصنف ابن أبي شيبة: ثنا يحيى بن سعيد عن سفيان عن أبي حصين عن الشعبي: رأيت قبور شهداء أحد جثى مسنمة، وبما قال الطبري: ثنا ابن بشار ثنا عبد الرحمن ثنا خالد بن أبي عثمان قال: رأيت قبر ابن عمر مسنماً، وبما قال إبراهيم النخعي: أخبرني من رأى قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه مسنمة ناشزة من الأرض عليها مرمر أبيض ذكره العيني، وبما قال الطبري: إن هيئة القبور سنة متبعة، ولم يزل المسلمون يسنمون قبورهم، وبما قال المزني: إن المسطح يشبه ما يصنع للجلوس بخلاف المسنم فإنه ليس موضع الجلوس، وقد نهى عن الجلوس على القبور، وبما قال ابن قدامة إن التسطيح يشبه أبنية أهل الدنيا، وهو أشبه بشعار أهل البدع يعني الرافضة. واستدل القائلون بأفضلية التسطيح، بما قال الشافعي: بلغنا أن رسول الله ﷺ سطح قبر ابنه إبراهيم ووضع عليه الحصباء ورش عليه الماء. قال القسطلاني: وفعله ﷺ حجة لا فعل غيره، وفيه أن هذا البلاغ مرسل أو معضل فلا يكون حجة، وبحديث أبي الهياج الأسدي الآتي. قال الشوكاني في السيل الجرار: حديث أبي الهياج يدل على أن التربيع

стр. 2392

رواه البخاري. ١٧١٠- (٤) وعن أبي الهياج الأسدي، ــ أفضل؛ لأن في التسنيم بعض أشراف. وأجيب عنه بأنه محمول على ما كانوا يفعلونه من تعلية القبور بالبناء الحسن العالي، قاله ابن الجوزي. وقال ابن الهمام: هذا الحديث محمول على ما كانوا يفعلونه من تعلية القبور بالبناء العالي، وليس مرادنا ذلك بتسنيم القبر بل بقدر ما يبدو من الأرض ويتميز عنها. وقال الطبري: تسوية القبور ليست بتسطيح، وبما في حديث القاسم بن محمد في آخر الفصل الثاني من هذا الباب فكشفت (عائشة) لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. قال ابن الملك: أي مسوأة مبسوطة على الأرض. قال ابن حجر: هو صريح في أن القبور الثلاثة مسطحة لا مسنمة-انتهى. قيل: ولا حجة في قول سفيان التمار، كما قال البيهقي، والنووي، والبغوي، لاحتمال أن قبره ﷺ وقبري صاحبيه لم تكن مسنمة في الأزمنة الماضية بل كانت مسطحة، ثم لما بنى جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك غيروها وصيروها مسنمة. قال البيهقي: حديث القاسم يدل على التسطيح، وهو أصح وأولى أن يكون محفوظاً. وفيه أن هذا خلاف اصطلاح أهل هذا الشأن بل حديث التمار أصح؛ لأنه مخرج في صحيح البخاري، وحديث القاسم لم يخرج في شيء من الصحيح. قال ابن قدامة: حديث التمار أثبت من حديث القائلين بالتسطيح وأصح فكان العمل به أولى-انتهى. على أن في إسناده عمرو بن عثمان بن هانيء، وهو مستور، كما في التقريب، فلا يكون حديثه هذا صحيحاً فضلاً عن أن يكون أصح من حديث التمار وإن سكت عنه أبوداود والمنذري والزيلعي والحافظ، ولو سلم صحته فليس فيه دليل على التسطيح فإن المعنى. (لا مشرفة) أي مرتفعة غاية الارتفاع، وقيل: أي عالية أكثر من شبر. (ولا لاطئة) أي مستوية على وجه الأرض. (مبطوحة بالبطحاء العرصة) أي ملقاة فيها البطحاء. قال الطحاوي بعد ذكر حديث القاسم: ليس في هذا دليل على تربيع ولا تسنيم؛ لأنه يجوز أن تكون مبطوحة بالبطحاء، وهي مسنمة، وفي التجريد للقدوري: يحتمل أن تكون مبطوحة والتسنيم في وسطها فهذا الخبر محتمل، وحديث التمار صريح في التسنيم، فليس بينهما مخالفة حتى يحتاج إلى الجمع والتوفيق هذا، وقد رجح الشوكاني التسطيح، والأفضل عندي هو التسنيم، والله تعالى أعلم. (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة (ص١٣٤) والبيهقي (ج٤ص٣) . ١٧١٠- قوله: (وعن أبي الهياج) بفتح الهاء وتشديد الياء المثناة من تحت وآخره جيم. (الأسدي) بفتح السين وبسكن اسمه حيان بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية وآخره نون، ابن حصين الكوفي من ثقات التابعين،

стр. 2393

قال: قال لي علي: ((ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته)) . رواه مسلم. ١٧١١- (٥) وعن جابر، قال: ((نهى رسول الله ﷺ : أن يجصص القبر، ــ وليس له في مسلم والترمذي وأبي داود والنسائي إلا هذا الحديث الواحد. (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ) أي ألا أرسلك للأمر الذي أرسلني له رسول الله ﷺ ، وإنما ذكر تعديته بحرف "على" لما في البعث من معنى الاستعلاء والتأمير، أي أجعلك أميراً على ذلك، كما أمرني عليه رسول الله ﷺ . (أن لا تدع) "أن" مصدرية و "لا" نافية خبر مبتدأ محذوف، أي هو أن لا تدع. وقيل: "أن" تفسيرية و "لا" ناهية أي لا تترك. (تمثالاً) أي صورة، والمراد صورة ذي روح. (إلا طمسته) أي محوته وأبطلته بقطع رأسه وتغيير وجهه ونحو ذلك. (ولا قبراً مشرفاً) بكسر الراء من أشرف إذا ارتفع، والمراد هو الذي بني عليه حتى ارتفع دون الذي أعلم عليه بالرمل والحصا والحجر ليعرف فلا يوطأ، ولا فائدة في البناء عليه فلذلك نهي عنه. (إلا سويته) قال في المجمع: الجمهور على أن الارتفاع المأمور إزالته ليس هو التسنيم، ولا ما يعرف به القبر كي يحترم، وإنما هو ارتفاع كثير تفعله الجاهلية، فإن التسنيم صفة قبره ﷺ انتهى. وتقدم كلام ابن الهمام بنحو هذا، وفي الأزهار قال العلماء: يستحب أن يرفع القبر قدر شبر، ويكره فوق ذلك، ويستحب الهدم، ففي قدره خلاف، قيل: إلى الأرض تغليظاً، وهذا أقرب إلى اللفظ أي لفظ الحديث من التسوية. وقال الشوكاني في النيل: قوله "ولا قبراً مشرفاً إلا سويته" فيه أن السنة أن لا يرفع القبر رفعاً كثيراً من غير فرق بين من كان فاضلاً ومن كان غير فاضل، والظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم، وقد صرح بذلك أصحاب أحمد وجماعة من أصحاب الشافعي ومالك، ومن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولاً أولياً القبب والمشاهد المعمورة على القبور، وأيضاً هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبي ﷺ فاعل ذلك. وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام، منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر، فجعلوها مقصداً لطلب قضاء الحوائج، وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم، وشدوا إليها الرحال، وتمسحوا بها واستغاثوا، وبالجملة أنهم لم يدعوا شيئاً مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله وإنا إليه راجعون. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج١ص٩٦و ١١١و ١٢٩و ١٤٥) والترمذي، وأبوداود، والنسائي، والبيهقي، والحاكم. ١٧١١- قوله: (نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر) أي عن تجصيص القبر أي بناءه

стр. 2394

وأن يبني عليه، وأن يقعد عليه)) . ــ بالقصة. وفي رواية لمسلم: نهى عن تقصيص القبور بالقاف والصاد المهملتين، وهو التجصيص. والقصة بفتح القاف وتشديد الصاد هي الجص. قال في الأزهار: النهى عن تجصيص القبور للكراهة، وهو يتناول البناء بذلك. وتجصيص وجهه. قلت: الحديث دليل على تحريم تجصيص القبر؛ لأن الأصل في النهي التحريم، ولا يعرف صارف عن هذا الأصل. قال العراقي: ذكر بعضهم أن الحكمة في النهي عن تجصيص القبور كون الجص أحرق بالنار، وحينئذٍ فلا بأس بالتطيين، كما نص عليه الشافعي، وقال ابن قدامة بعد ذكر هذا الحديث: فيه دليل على الرخصة في تطيين القبر لتخصيصه التجصيص بالنهي، نهى عمر بن عبد العزيز أن يبنى على القبر بآجر فأوصى بذلك، وأوصى الأسود بن يزيد أن لا تجعلوا على قبري آجراً، وقال إبراهيم: كانوا يكرهون الآجر في قبورهم. وقال ابن قدامة: سئل أحمد عن تطيين القبور فقال: أرجو أن لا يكون به بأس، ورخص في ذلك الحسن والشافعي، وروى أحمد بإسناده عن نافع عن ابن عمر: أنه كان يتعاهد قبر عاصم بن عمر، قال نافع: وتوفي ابن له، وهو غائب، فقدم فسألنا عنه فدللناه عليه فكان يتعاهد القبر ويأمر بإصلاحه، وروي عن الحسن عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يزال الميت يسمع الأذان ما لم يطين قبره. أو قال ما لم يطو قبره-انتهى. وقال الحافظ في التلخيص (ص١٦٥) : ذكر صاحب مسند الفردوس عن الحاكم: أنه روى من طريق ابن مسعود مرفوعاً: لا يزال الميت يسمع الأذان ما لم يطين قبره. وإسناده باطل، فإنه من رواية محمد بن القاسم الطالقاني، وقد رموه بالوضع، قال: وقد روى أبوبكر النجاد من طريق جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي ﷺ رفع قبره من الأرض شبراً وطين بطين أحمر من العرصة-انتهى. واختلفت الحنفية في ذلك فكرهه الكرخي. وقال في الفتاوى المنصورية والمضمرات والخانية: لا بأس به. (وأن يبنى عليه) يحتمل أن المراد البناء على نفس القبر ليرتفع عن أن ينال بالوطأ، أو المراد البناء حول القبر مثل أن يتخذ حوله متربة أو مسجد ونحو ذلك. قال العراقي: وعليه حمله النووي في شرح المهذب، وقال التوربشتي: يحتمل وجهين: أحدهما البناء على القبر بالحجارة وما يجرى مجراها، والآخر أن يضرب عليه خباء ونحوه، وكلاهما منهى عنه؛ لأنه من صنيع أهل الجاهلية، ولأنه اضاعة المال. وقال الشوكاني: فيه دليل على تحريم البناء على القبر، وفصل الشافعي وأصحابه فقالوا: إن كان البناء في ملك المباني فمكروه، وإن كان في مقبرة مسبلة فحرام، ولا دليل على هذا التفصيل. وقد قال الشافعي: رأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى، ويدل على الهدم حديث علي المتقدم-انتهى. قلت: الأمر كما قال الشوكاني. (وأن يقعد عليه) بالبناء للمفعول كالفعلين السابقين. قال الطيبي: المراد من القعود هو الجلوس، كما هو الظاهر، وقد نهى عنه لما فيه من الاستخفاف بحق أخيه المسلم، وحمله جماعة على قضاء الحاجة، والأول هو الصحيح، لما أخرجه الطبراني والحاكم عن عمارة بن حزم قال: رآني رسول الله ﷺ جالساً على قبر فقال: يا صاحب القبر انزل من على القبر، لا تؤذي صاحب القبر

стр. 2395

ولا يؤذيك. وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود: أنه سئل عن الوطء على القبر، قال: كما أكره أذى المؤمن في حياته فإني أكره أذاه بعد موته، كذا في المرقاة. وحديث عمارة هذا عزاه الهيثمي للطبراني في الكبير، وقال: وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام، وقد وثق. وذكر أثر ابن مسعود بلفظ: لأن أطأ على جمرة أحب إلى من أن أطأ على قبر مسلم، وعزاه للطبراني أيضاً قال: وفيه عطاء بن سائب وفيه كلام، وقد اختلف العلماء في الجلوس على القبر لغير قضاء الحاجة. فقال الحسن البصري وابن سيرين وسعيد بن جبير ومكحول وأحمد وإسحاق وأبوسليمان داود، وكثير من الشافعية منهم النووي بتحريم الجلوس مطلقاً. قال العيني: ويروى ذلك أي كراهة الجلوس على القبر مطلقاً أيضاً عن عبد الله وأبي بكرة وعقبة بن عامر وأبي هريرة وجابر، وإليه ذهبت الظاهرية. وقال ابن حزم في المحلى لا يحل لأحد أن يجلس على قبر، وهو قول أبي هريرة، وجماعة من السلف، واستدل لذلك بحديث جابر، وما في معناه من الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة، وهي كثيرة. وذهب أبوحنيفة وصاحباه، وجماعة من الشافعية إلى أن القعود على القبر لغير قضاء الحاجة مكروه فقط، أي يكره تنزيهاً لا تحريماً، وكذا وطؤه والاتكاء إليه. قال في الأزهار: نقلاً عن بعض العلماء: الأولى أن يحمل من هذه الأحاديث ما فيه التغليظ على الجلوس للحدث، فإنه يحرم، وما لا تغليظ فيه على الجلوس المطلق فإنه مكروه، والاتكاء والاستناد كالجلوس المطلق، نقله السيد جمال الدين. وقال مالك والطحاوي: لا يكره الجلوس على القبر، وحمل مالك أحاديث النهي على الجلوس لقضاء الحاجة. قال النووي: هو تأويل ضعيف أو باطل. وقال أحمد: ليس هذا بشيء، ولم يعجبه رأي مالك، واحتج الطحاوي لذلك القول بما روي عن ابن عمر أنه كان يجلس على القبور. وأخرج عن علي نحوه، وعن زيد بن ثابت: إنما نهى النبي ﷺ عن الجلوس على القبر لحدث غائط أو بول، ورجال إسناده ثقات. قال السندي: ويؤيد الحمل على ظاهره ما جاء من النهي عن وطئه. وقال الحافظ: ويؤيد قول الجمهور ما أخرجه أحمد (والنسائي) عن عمرو بن حزم الأنصاري مرفوعاً: لا تقعدوا على القبور. وفي رواية له، أي لأحمد عنه: رآني رسول الله ﷺ وأنا متكئ على قبر، فقال: لا تؤذ صاحب القبر، إسناده صحيح، وهو دال على أن المراد بالجلوس القعود على حقيقته. ورد ابن حزم التأويل المتقدم بأن لفظ حديث أبي هريرة عند مسلم: لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده، قال: وما عهدنا أحداً يقعد على ثيابه للغائط، فدل على أن المراد القعود على حقيقته. وقال ابن بطال: التأويل المذكور بعيد؛ لأن الحدث على القبر أقبح من أن يكره الجلوس المتعارف-انتهى. والراجح عندي هو قول الجمهور أنه يحرم الجلوس على القبر مطلقاً، والله تعالى أعلم.

стр. 2396

رواه مسلم. ١٧١٢- (٦) وعن أبي مرثد الغنوي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها)) رواه مسلم. ١٧١٣- (٧) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لأن يجلس أحدكم على جمرة ــ (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه والترمذي، وسيأتي لفظه وابن حبان والحاكم والبيهقي. ١٧١٢- قوله: (وعن أبي مرثد) بفتح الميم وسكون الراء بعدها مثلثة. (الغنوي) بمعجمة ونون مفتوحتين، نسبة إلى غني بن يعصر، اسمه كناز بفتح الكاف وتشديد النون وآخره زاي. ابن الحصين بن يربوع صحابي بدري، مشهور بكنيته، حليف حمزة بن عبد المطلب، وكان تربه. قال ابن عبد البر: آخى النبي ﷺ بينه وبين عبادة بن الصامت، شهد سائر المشاهد مع رسول الله ﷺ ، ومات سنة (١٢) من الهجرة في خلافة أبي بكر وهو ابن (٦٦) سنة، وكان فيما قيل رجلاً طويلاً كثير الشعر، ويعد في الشاميين، روى عن النبي ﷺ حديث الباب، وروى عنه واثلة بن الأسقع. (لا تجلسوا على القبور) هذا دليل واضح على تحريم الجلوس على القبر مطلقاً، وإليه ذهب الجمهور، وهو الصحيح. قال ابن الهمام: وكره الجلوس على القبر ووطؤه، وحينئذٍ فما يصنعه الناس ممن دفنت أقاربه ثم دفنت حواليه خلق من وطأ تلك القبور إلى أن يصل إلى قبر قريبه مكروه، ويكره النوم عند القبر، وقضاء الحاجة بل أولى، ويكره كل ما لم يعهد من السنة، والمعهود منها ليس إلا زيارتها. والدعاء عندها قائماً كما كان رسول الله ﷺ يفعل في الخروج إلى البقيع-انتهى. (ولا تصلوا إليها) أي مستقبلين إليها لما فيه من التعظيم البالغ. قال القاري: ولو كان هذا التعظيم حقيقة للقبر أو لصاحبه لكفر المعظم، فالتشبه به مكروه، وينبغي أن تكون كراهة تحريم. قلت: الحديث يدل على تحريم الصلاة إلى القبر مطلقاً، ويدل عليه أيضاً ما روي عن ابن عباس مرفوعاً: لا تصلوا إلى قبر ولا تصلوا على قبر. رواه الطبراني في الكبير. قال الهيثمي: وفيه عبد الله بن كيسان المروزي، ضعفه أبوحاتم، ووثقه ابن حبان. وما روى عن واثلة بن الأسقع قال: نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي إلى القبور أو نجلس عليها. أخرجه الطبراني أيضاً، وفيه الحجاج بن أرطاة. وما روي عن أنس: أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بين القبور. أخرجه البزار. قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤:ص١٣٥) وأبوداود والترمذي والبيهقي، وعزاه المنذري في مختصر السنن، والنابلسي في ذخائر المواريث للنسائي أيضاً. ١٧١٣- قوله: (لأن يجلس) بفتح اللام مبتدأ خبره خير من أن يجلس على قبر. (على جمرة) أي من النار.

стр. 2397

فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر)) رواه مسلم. ﴿الفصل الثاني﴾ ١٧١٤- (٨) عن عروة بن الزبير، قال: ((كان بالمدينة رجلان: أحدهما يلحد، والآخر لا يلحد، فقالوا: أيهما جاء أولاً عمل عمله، فجاء الذي يلحد، ــ (فتحرق) بضم التاء وكسر الراء من الإحراق، وضميره للجمرة. (ثيابه) بالنصب. (فنخلص) بضم اللام أي تصل. (إلى جلده) بكسر الجيم. قال الطيبي: جعل الجلوس على القبر وسراية مضرته إلى قلبه، وهو لا يشعر بمنزلة سراية النار من الثوب إلى الجلد. (خير له) أي أحسن له وأهون (من أن يجلس على قبر) قال صاحب البذل: ظاهر الحديث يدل على النهي عن القعود مطلقاً سواء كان للتغوط أو لغيره-انتهى. قلت: لا ريب أن الحديث ظاهر في أنه لا يجوز الجلوس على القبر مطلقاً، وقد تقدم النهي عن ذلك صريحاً، وأن الجمهور ذهبوا إلى التحريم، وأن المراد القعود على حقيقته لا للحدث. وأما ما روى الطحاوي من طريق محمد بن كعب عن أبي هريرة مرفوعاً: من جلس على قبر يبول عليه أو يغوط فكأنما جلس على جمرة، فإسناده ضعيف، وما روي عن ابن عمر أنه كان يجلس على القبر، يحمل على أنه لم يبلغه النهي، والله تعالى أعلم. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه والبيهقي. ١٧١٤- قوله: (كان بالمدينة رجلان) أي حفاران للقبور. (أحدهما) وهو أبوطلحة زيد بن سهل الأنصاري. (يلحد) بفتح الياء والحاء من لحد كمنع، وبضم الياء وكسر الحاء من الحد أن يحفر اللحد. (والآخر) وهو أبوعبيدة بن الجراح أحد العشرة المبشرة. (لا يلحد) بل يشق ويضرح أي يفعل الضريح، وهو الشق في وسط القبر. قال الباجي: يقتضي أن الأمرين جائزان ولو كان أحدهما محظوراً لما استدام عمله، ومثل هذا لا يخفى عن النبي ﷺ من عمله؛ لأنه من الأمور الظاهرة، لا سيما والذي كان لا يلحد من أفضل الصحابة وأكثرهم اختصاصاً بالنبي ﷺ انتهى. (فقالوا) أي الصحابة يعني اتفقوا بعدما اختلفوا في الشق واللحد على أن (أيهما جاء أولاً) بالتنوين منصوباً. قال القاري: وفي نسخة "أول" بالفتح والضم. قيل: الرواية في أول بالضم؛ لأنه مبني كقبل، ويجوز الفتح والنصب-انتهى. والحديث أخرجه مالك في موطئه، واختلفت النسخ المطبوعة من الموطأ في هذه اللفظة، فوقع في الهندية أولاً وفي المصرية أول. قال الزرقاني: أو بمنع الصرف للوصف ووزن الفعل، وروي أولاً بالصرف. (عمل عمله) من اللحد أو الشق في قبر النبي ﷺ . (فجاء الذي يلحد) أي قبل الآخر كما سبق في علم الله تعالى من اختياره لمختاره ﷺ . (فلحد)

стр. 2398

فلحد لرسول الله ﷺ ) رواه في شرح السنة. ١٧١٥- (٩) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اللحد لنا، والشق لغيرنا)) . ــ بفتح الحاء. (لرسول الله ﷺ ) أي حفر له اللحد. (رواه) أي البغوي. (في شرح السنة) وأخرجه أيضاً هكذا مرسلاً مالك في الموطأ، قال الزرقاني: وصله ابن سعد من طريق حماد بن سلمة عن هشام عن أبيه عن عائشة-انتهى. قلت: ووصله أيضاً أبوحاتم من هذا الطريق. قال الحافظ في التلخيص: رواه أبوحاتم في العلل عن أبي الوليد عن حماد عن هشام عن أبيه عن عائشة وقال: إنه خطأ، والصواب المحفوظ مرسل، وكذا رجح الدارقطني المرسل-انتهى. وله طريق أخرى عن عبيد بن طفيل المقري عن عبد الرحمن بن أبي مليكة القرشي عن ابن أبي مليكة عن عائشة، رواه ابن ماجه عن عمر بن شبة عن عبيد بن الطفيل. قال الحافظ في التلخيص: وإسناده ضعيف-انتهى. قلت: عبيد بن الطفيل مجهول، وعبد الرحمن بن أبي مليكة ضعيف، ورواه أحمد وابن ماجه من حديث أنس، قال الحافظ: وإسناده حسن، ورواه أحمد (ج١:ص٢٦٠-٢٩٢) وابن ماجه أيضاً وابن سعد (ج٣:ص٤٧) وابن هشام في السيرة (ج٢:ص٣٧٥) والبيهقي (ج٣:ص٤٨) من حديث ابن عباس وبين أن الذي كان يضرح هو أبوعبيدة، وأن الذي كان يلحد هو أبوطلحة. قال الحافظ في التلخيص والدراية: وفي إسناده ضعف، يعني لضعف حسين بن عبد الله بن عباس عبيد الله بن الهاشمي، تركه أحمد وابن المديني والنسائي. وقال البخاري: يقال: إنه كان يتهم بالزندقة، وقواه ابن عدي. ١٧١٥- قوله: (اللحد لنا والشق لغيرنا) معنى اللحد أنه إذا بلغ أرض القبر حفر فيه مما يلي القبلة مكاناً يوضع الميت فيه وينصب عليه اللبن. ومعنى الشق: أن يحفر في وسط أرض القبر شقاً يضع الميت فيه ويسقفه عليه بشيء. قال في اللمعات: إن كان المراد بضمير الجمع في "لنا" المسلمون، "ولغيرنا" اليهود والنصارى مثلاً، فلا شك أنه يدل على أفضلية اللحد بل على كراهة غيره، وإن كان المراد بغيرنا الأمم السابقة، ففيه إشعار بالأفضلية، وعلى كل تقدير ليس اللحد واجباً والشق منهياً، وإلا لما كان يفعله أبوعبيدة، وهو لا يكون إلا بأمر من الرسول الله ﷺ أو تقريره، ولم يتفقوا على أن أيهما جاء أولاً عمل عمله-انتهى. وقال زين العرب: تبعاً للتوربشتي أي اللحد آثرو أولى لنا والشق آثر وأولى لغيرنا، أي هو اختيار من قبلنا من أهل الإيمان، وفي ذلك بيان فضيلة اللحد، وليس فيه نهي عن الشق؛ لأن أبا عبيدة مع جلالة قدره في الدين والأمانة كان يصنعه، ولأنه لو كان منهياً لما قالت الصحابة: أيهما جاء أولاً عمل عمله، ولأنه قد يضطر إليه لرخاوة الأرض-انتهى. وقال الطيبي: ويمكن أنه ﵊ عني بضمير الجمع نفسه، أي أوثر لي اللحد، وهو إخبار عن الكائن فيكون معجزة-انتهى. وقيل: معناه اللحد لنا معاشر الأنبياء والشق جائز لغيرنا. قلت: ويؤيد ما قاله التوربشتي حديث جرير بن عبد الله عند أحمد (ج٤:ص٣٦٢-٣٦٣)

стр. 2399

رواه الترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه. ١٧١٦- (١٠) ورواه أحمد عن جرير بن عبد الله. ١٧١٧- (١١) وعن هشام بن عامر أن النبي ﷺ قال يوم أحد: ــ بلفظ: اللحد لنا والشق لأهل الكتاب. وفي سنده أبواليقظان عثمان بن عمير البجلي، وهو ضعيف. وفي رواية له (ج٤:ص٣٥٩) : الحدوا ولا تشقوا فإن اللحد لنا والشق لغيرنا، وفي سنده أبوجناب الكلبي، رواه عن زاذان عن جرير، واسمه يحيى بن أبي حية، وقد ضعفوه لكثرة تدليسه. (رواه الترمذي) وقال: حديث غريب. (وأبوداود) وسكت عنه هو والمنذري. (والنسائي وابن ماجه) وأخرجه أيضاً ابن سعد، والبيهقي كلهم عن ابن عباس. قال الحافظ: وفي إسناده عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، وهو ضعيف، وصححه ابن السكن. وقال الشوكاني: وحسنه الترمذي كما وجدنا ذلك في بعض النسخ الصحيحة من جامعه. ١٧١٦- قوله: (ورواه أحمد عن جرير بن عبد الله) رواه أحمد في (ج٤:ص٣٥٧) من طريق حجاج عن عمرو بن مرة عن زاذان عن جرير وفي (ج٤:ص٣٥٩) من طريق أبي جناب عن زاذان، وفي (ج٤:ص٣٦٢-٣٦٣) من طريق أبي اليقظان عثمان بن عمير عن زاذان، وهذا معلول بأبي اليقظان، والثاني بأبي جناب الكلبي، وحديث جرير أخرجه أيضاً ابن ماجه والطيالسي (ص٩٢) وابن أبي شيبة (ج٣:ص١٢٧) والبيهقي (ج٣:ص٤٠٨) والطبراني والبزار وأبونعيم في الحلية كلهم من طريق أبي اليقظان، وفي الباب عن جابر عند ابن شاهين. قال الحافظ في الدراية: وسنده ضعيف. وأحاديث الباب تدل على استحباب اللحد، وأنه أولى من الضرح، وإلى ذلك ذهب الأكثر، كما قال النووي، وحكى في شرح مسلم إجماع العلماء على جواز اللحد والشق. قال الشوكاني: ولا يقدح في صححه حديث ابن عباس وما في معناه تحير الصحابة عند موته ﷺ هل يلحدون له أو يضرحون؟ بأن يقال: لو كان عندهم علم بذلك لم يتحيروا؛ لأنه يمكن أن يكون من سمع منه ﷺ ذلك لم يحضر عند موته-انتهى. ١٧١٧- قوله: (وعن هشام بن عامر) بن أمية بن الحسحاس بمهملات النجاري الأنصاري صحابي ابن صحابي، يقال كان اسمه شهاباً، فغيره رسول الله ﷺ ، سكن البصرة، ومات بها، وقد عاش إلى زمن زياد، روى عن النبي ﷺ ، وعنه ابنه سعد وحميد بن هلال وأبوالدحلة قرفة بن بهيس العدوى وغيرهم، وذكر أبوحاتم أن رواية حميد بن هلال عنه مرسلة. (أن النبي ﷺ قال) أي حينما جاءته الأنصار وقالوا: أصابنا قرح وجهد والحفر علينا لكل إنسان شديد. (يوم أحد) أي وقت انتهاء غزوته عند إرادة

стр. 2400

((احفروا وأوسعوا وأعمقوا وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد، وقدموا أكثرهم قرآناً)) رواه أحمد، والترمذي، وأبوداود، والنسائي، وروى ابن ماجه إلى قوله: وأحسنوا. ــ دفن الشهداء. (احفروا) أي القبور بهمزة وصل من باب ضرب. (وأوسعوا) بقطع الهمزة. (وأعمقوا) كذلك. قال في القاموس: أعمق البئر جعلها عميقة، وفيه دليل على مشروعية إعماق القبر. وقد اختلف في حد الإعماق، فقال الشافعي: قامة. وقال عمر بن عبد العزيز: إلى السرة. وقال مالك: لا حد لإعماقه. وقيل: إلى الثدي، وأقله ما يواري الميت ويمنع السبع. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه قال: أعمقوا القبر إلى قدر قامة وبسطة، ذكره في النيل، وفي المغني (ج٢ص٤٩٧) قال أحمد: يعمق إلى الصدر، الرجل والمرأة في ذلك سواء، كان الحسن وابن سيرين يستحبان أن يعمق القبر إلى الصدر. وروى سعيد أن عمر بن عبد العزيز لما مات ابنه أمرهم أن يحفروا قبره إلى السرة ولا يعمقوا. وذكر أبوالخطاب أنه يستحب أن يعمق قدر قامة وبسطة، وهو قول الشافعي؛ لأن النبي ﷺ قال: (احفروا وأوسعوا وأعمقوا) رواه أبوداود، ولأن ابن عمر أوصى بذلك في قبره، ولأنه أحرى أن لا تناله السباع وأبعد على من ينبشه، والمنصوص عن أحمد أن المستحب تعميقه إلى الصدر؛ لأن التعميق قدر قامة وبسطة يشق ويخرج عن العادة، وقول النبي ﷺ أعمقوا ليس فيه بيان لقدر التعميق، ولم يصح أنه أوصى بذلك في قبره، ولو صح عند أبي عبد الله يعني الإمام أحمد لم يعده إلى غيره-انتهى. وقالت الحنفية: يعمق إلى الصدر وإلا فالسرة. (وأحسنوا) أي إلى الميت في الدفن، قاله في الأزهار. وقال زين العرب تبعاً للمظهر: أي اجعلوا القبر حسناً بتسوية قعره ارتفاعاً وانخفاضاً وتنقيته من التراب والقذاة وغيرهما. (وأدفنوا الاثنين والثلاثة) بالنصب أي من الأموات. (في قبر واحد) فيه جواز الجمع بين جماعة في قبر واحد، ولكن إذا دعت إلى ذلك حاجة، كما في مثل هذه الواقعة وإلا كان مكروهاً، كما ذهب إليه أبوحنيفة والشافعي وأحمد. (وقدموا أكثرهم قرآناً) أي إلى جدار اللحد ليكون أقرب إلى الكعبة، وفيه إرشاد إلى تعظيم المعظم علماً وعملاً حياً وميتاً. (رواه أحمد) (ج٤ص١٩- ٢٠) . (والترمذي) في الجهاد وصححه. (وأبوداود) في الجنائز، وسكت عنه، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره. (والنسائي) في الجنائز، وأخرجه أيضاً البيهقي (ج٣ص٤١٣وج٤ص٣٤) . (وروى ابن ماجه) في الجنائز. (إلى قوله: أحسنوا) قال الحافظ في التلخيص بعد عزو حديث هشام هذا إلى أحمد وأصحاب السنن الأربعة ما لفظه: واختلف فيه على حميد بن هلال راويه عن هشام، فمنهم من أدخل بينه وبينه ابنه سعد بن هشام، ومنهم من أدخل بينهما أبا الدهماء ومنهم من لم يذكر بينهما أحداً، ورواه أحمد (ج٥ص٤٠٨) وأبوداود والبيهقي (ج٣ص٤١٤) من حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن

стр. 2401

١٧١٨- (١٢) وعن جابر، قال: ((لما كان يوم أحد جاءت عمتي بأبي لتدفنه في مقابرنا، فنادى منادي رسول الله ﷺ : ردوا القتلى إلى مضاجعهم)) . ــ رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فرأيت النبي ﷺ على القبر يوصي الحافر: أوسع من قبل رجليه أوسع من قبل رأسه. إسناده صحيح-انتهى. ١٧١٨- قوله: (جاءت عمتي) اسمها فاطمة بنت عمرو بن حرام الأنصارية. قال الحافظ في الإصابة: ثبت ذكرها في الحديث الصحيح من رواية شعبة عن ابن المنكدر عن جابر قال: لما قتل أبي جعلت أكشف التراب عن وجهه، والقوم ينهوني، فجعلت عمتي فاطمة بنت عمرو تبكيه-الحديث. وهذا لفظ رواية الطيالسي عن شعبة. (بأبي) الباء للتعدية. (لتدفنه في مقابرنا) أي في المدينة ليقرب على أقاربه زيارة قبره والدعاء له أو لفضل اعتقدته في الدفن بالبقيع. (ردوا) بضم الراء. (القتلى) جمع القتيل وهو المقتول أي الشهداء. (إلى مضاجعهم) كذا في جميع النسخ، وكذا وقع في جامع الأصول (ج١١ص٤٢٩) . والذي في جامع الترمذي: إلى مضاجعها، أي إلى محالهم التي قتلوا فيها، والمعنى لا تنقلوا الشهداء من مقتلهم بل أدفنوهم حيث قتلوا، وهو يحتمل أن المراد منع النقل إلى أرض أخرى أو الدفن في خصوص البقعة التي قتلوا فيها، والله تعالى أعلم، وفي رواية: أن النبي ﷺ أمر بقتلى أحد أن يردوا إلى مصارعهم، وكانوا قد نقلوا إلى المدينة، ورواه البيهقي بلفظ: لما كان يوم أحد حمل القتلى ليدفنوا بالبقيع، فنادى منادي رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم، بعد ما حملت أمي أبي وخالي عديلين لتدفنهم في البقيع فردوا-انتهى. قال في الأزهار: الأمر في قوله ﷺ : ردوا القتلى للوجوب، وذلك أن نقل الميت من موضع إلى موضع يغلب فيه التغير حرام، وكان ذلك زجراً عن القيام بذلك والإقدام عليه، وهذا أظهر دليل وأقوى حجة في تحريم النقل وهو الصحيح، نقله السيد. قال القاري. والظاهر أن نهي النقل مختص بالشهداء؛ لأنه نقل ابن أبي وقاص من قصره إلى المدينة بحضور جماعة من الصحابة ولم ينكروا كما تقدم، والأظهر أن يحمل النهي على نقلهم بعد دفنهم لغير عذر، ويؤيده لفظ مضاجعهم، لعل وجه تخصيص الشهداء قوله تعالى: ﴿قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾ [آل عمران: ١٥٤] وفيه حكمة أخرى، وهو اجتماعهم في مكان واحد حياة وموتاً وبعثاً وحشراً، ويتبرك الناس بالزيارة إلى مشاهدهم-انتهى كلام القاري. وقيل المنع من النقل كان في الابتداء أي ابتداء أحد، وأما بعده فلا، لما روي أن جابراً جاء بأبيه عبد الله الذي قتل بأحد بعد ستة أشهر إلى البقيع ودفنه بها. وقال الطيبي: لعل الظاهر أنه إذا دعت ضرورة إلى النقل نقل وإلا فلا. قال القاري: وهذا القول هو القول؛ لأنه لا يظن بجابر أنه ينقل بعد النهي عن أن ينقل-انتهى.

стр. 2402

رواه أحمد، والترمذي، وأبوداود، والنسائي، والدارمي، ولفظه للترمذي. ١٧١٩- (١٣) وعن ابن عباس، قال: ((سل رسول الله ﷺ من قبل رأسه)) . ــ قال الحافظ في الفتح: اختلف في جواز نقل الميت من بلد إلى بلد، فقيل: يكره لما فيه من تأخير دفنه وتعريضه لهتك حرمته، وقيل: يستحب، والأولى تنزيل ذلك على حالتين، فالمنع حيث لم يكن هناك غرض راجح كالدفن في البقاع الفاضلة. وتختلف الكراهة في ذلك فقد تبلغ التحريم، والاستحباب حيث يكون ذلك بقرب مكان فاضل، كما نص الشافعي على استحباب نقل الميت إلى الأرض الفاضلة كمكة وغيرها والله اعلم-انتهى. وقال ابن قدامة: يستحب دفن الشهيد حيث قتل. قال أحمد: أما القتلى فعلى حديث جابر أن رسول الله ﷺ قال: ادفنوا القتلى في مصارعهم، فأما غيرهم فلا ينقل الميت من بلده إلى بلد آخر إلا لغرض صحيح، وهذا مذهب الأوزاعي وابن المنذر. قال عبد الله بن أبي مليكة: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بالحبشة. (وفي رواية البيهقي) (ج٤ص٥٧) بالحبشي على رأس أميال من مكة، فحمل إلى مكة فدفن، فلما قدمت عائشة أتت قبره ثم قالت: والله لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت، ولو شهدتك ما زرتك، ولأن ذلك أخف لمؤنته وأسلم له من التغيير، فأما إن كان فيه غرض صحيح جاز. وقال أحمد: ما أعلم بنقل الرجل يموت في بلده إلى بلد آخر بأساً. وسئل الزهري عن ذلك فقال: قد حمل سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد من العقيق إلى المدينة-انتهى. وعند الحنفية لا بأس بنقله قبل الدفن أو تسوية اللبن، قيل: مطلقاً، وقيل: إلى ما دون مدة السفر، وقيده محمد بقدر ميل أو ميلين؛ لأن مقابر البلد ربما بلغت هذه المسافة فيكره فيما زاد، وأما نقله بعد دفنه فلا يجوز مطلقاً إلا لعذر. قال في التجنيس: والعذر أن يظهر أن الأرض مغصوبة أو يأخذها شفيع. (رواه أحمد) (ج٣ص٢٩٧، ٣٠٨) . (والترمذي) في الجهاد وصححه وأقر المنذري تصحيحه. (وأبوداود) في الجنائز وسكت عنه. (والنسائي) فيه. (والدارمي) وأخرجه أيضاً ابن ماجه والبيهقي (ج٤ص٥٧) . (ولفظه) أي لفظ الحديث، والمراد هذا اللفظ. (للترمذي) قد تقدم أن في الترمذي: مضاجعها بدل قوله مضاجعهم. وفي الباب عن أبي سعيد أخرجه البزار، قال الهيثمي (ج٣ص٤٣) : إسناده حسن. ١٧١٩- قوله: (سلّ) بتشديد اللام على صيغة المجهول، في النهاية: هو إخراج الشيء بتأن ورفق وتدريج، أي جر بلطف. (رسول الله ﷺ ) أي في القبر. (من قِبل رأسه) بكسر القاف وفتح الباء أي من جهة رأسه وجانبه. قال السندي في حاشية ابن ماجه: السل بتشديد اللام الإخراج بتأن وتدريج، وهو بأن يوضع السرير في مؤخر القبر ويحمل الميت منه فيوضع في اللحد، وهذا هو المعمول به اليوم وهو الأسهل، وعن أصحابنا الحنفية: أنه يدخل

стр. 2403

الميت القبر من قبل القبلة، فيوضع في اللحد فيكون الآخذ له مستقبل القبلة حال الأخذ، والخلاف في الأفضل-انتهى. قلت: الأفضل عند الشافعي وأحمد والأكثرين هو إدخال الميت في القبر من قبل الرأس، بأن يوضع رأس الجنازة على مؤخر القبر ثم يدخل الميت القبر ويسل كذلك. واستدل لذلك بحديث ابن عباس هذا، وسيأتي الكلام فيه. وبما روى أبوبكر النجاد عن ابن عمر مثله، وبما روى أحمد كما في المغني وأبوداود والبيهقي من طريقه وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن أبي إسحاق أن الحارث (الأعور) أوصى أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد، فصلى عليه ثم أدخله القبر من قبل رجلي القبر وقال: هذا من السنة، وقد سكت عنه أبوداود والمنذري والحافظ في التلخيص. وقال الشوكاني: رجال إسناده رجال الصحيح. وقال ابن الهمام: إسناده صحيح. وقال البيهقي إسناده صحيح، وهو كالمسند لقوله من السنة، وذكر الزيلعي كلام البيهقي هذا وأقره، وبما سيأتي من حديث أبي رافع قال: سلّ رسول الله ﷺ سعداً ورش على قبره ماء، وإسناده ضعيف كما ستعرف، وبما روى ابن شاهين في الجنائز عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : يدخل الميت من قبل رجليه ويسل سلاً. قال الحافظ في الدراية: إسناده ضعيف، ورواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح لكنه موقوف على أنس-انتهى. وعزا الهيثمي أثر أنس إلى أحمد وقال: رجاله ثقات، وبما روى ابن أبي شيبة أيضاً عن وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عامر عن ابن عمر أنه أدخل ميتاً من قبل رجليه، وبما روى الطبراني في الكبير عن صفوان بن عمرو السكسكي قال: خرجنا في جنازة فإذا أهلها يدخلونها القبر من قبل القبلة فقال كرب اليحصى: قال النعمان بن بشير: إن رسول الله ﷺ قال: أن لكل بيت باباً، وباب القبر من تلقاء رجليه. قال الهيثمي: وفيه جماعة لم يعرفوا-انتهى. واختار أبوحنيفة أخذ الميت من قبل القبلة؛ لأن جانب القبلة معظم فيستحب الإدخال منه. واستدل له بحديث ابن عباس الذي يأتي بعد هذا، وهو حديث ضعيف وإن حسنه الترمذي؛ لأن مداره على الحجاج بن أرطاة، وهو مدلس ولم يذكر سماعاً، وبما روي عن ابن عباس أيضاً قال: كان النبي ﷺ وأبوبكر وعمر يدخلون الميت من قبل القبلة. رواه الطبراني في الكبير، وفيه عبد الله بن خراش، ذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما أخطأ وضعفه غيره: البخاري وأبوزرعة وأبوحاتم والدارقطني والنسائي وابن عدي الساجي، ورماه ابن عمار بالكذب. وبما روى ابن أبي شيبة أن علياً أدخل ابن المكفف من قبل القبلة، وأن ابن الحنفية أدخل ابن عباس من قبل القبلة، وبما روى ابن ماجه عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ أخذ من قبل القبلة واستل استلالاً، وفيه عطية العوفي، وهو ضعيف مدلس وقد عنعن. وبما روى ابن عدي في الكامل ومن طريقه البيهقي عن بريدة قال: أدخل النبي ﷺ من قبل القبلة-الحديث. وفيه أبوبردة عمرو بن يزيد التميمي الكوفي، وهو ضعيف في الحديث، وبما روى أبوداود في المراسيل وابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي: أن النبي ﷺ أدخل من قبل القبلة ولم يسل سلاً. قال البيهقي: والذي ذكره الشافعي من أنه أدخل النبي ﷺ من قبل رجلي القبر أشهر في أرض

стр. 2404

رواه الشافعي. ١٧٢٠- (١٤) وعنه ((أن النبي ﷺ دخل قبراً ليلاً فأسرج له بسراج، فأخذ من قبل القبلة، وقال: رحمك الله، إن كنت لأواهاً ــ الحجاز، يأخذه الخلف عن السلف فهو أولى بالإتباع والله اعلم. وقال الشافعي: ولا يتصور إدخاله من جهة القبلة لأن القبر في أصل الحائط، ذكره الزيلعي وسكت عنه. وأجاب عنه ابن الهمام بما لا يلتفت إليه، ثم قال ابن الهمام: ولو ترجح ما أسنده الشافعي فإنما كان للضرورة، وغاية فعل غيره أنه فعل صحابي ظن السنة ذلك وقد وجدنا التشريع المنقول عنه ﷺ في الحديث المرفوع خلافه. قلت: أراد به حديث ابن عباس الآتي، وهو ضعيف كما عرفت، على أنه فعل عارضه حديث عبد الله بن يزيد وهو حديث صحيح مسند على القول الصحيح وحديث أبي رافع، وحديث أنس، وحديث النعمان بن بشير، وهذه الأحاديث بعضها فعل وبعضها قول، فهي مقدمة على حديث ابن عباس، وأثر علي قد عارضه أثر أنس وأثر ابن عمر. (رواه الشافعي) في الأم (ج١ص٢٤٢) : أخبرنا الثقة عن عمر بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس. قال الحافظ في التلخيص: قيل: إن الثقة هنا هو مسلم بن خالد الزنجي، قال الشافعي: وعن ابن جريج عن عمران بن موسى مرسلاً مثله، وعن بعض أصحابه عن أبي الزناد وربيعة وأبي النضر كذلك قال لا يختلفون في ذلك، وكذا أبوبكر وعمر من طريق الشافعي رواها البيهقي (ج٤ص٥٤) وقال: هذا هو المشهور فيما بين أهل الحجاز. وقال الشافعي في الأم: هو من الأمور العامة التي يستغنى فيها عن الحديث-انتهى. ١٧٢٠- قوله: (دخل قبراً) أي قبر ميت ليدفنه. (ليلاً) فيه دليل على أن دفن الميت ليلاً لا يكره، وقد تقدم الكلام عليه. (فأسرج) ماض مجهول. (له) أي للميت أو للنبي ﷺ . (بسراج) أقيم مقام الفاعل والباء زائدة. (فأخذ) كذا في جميع النسخ الحاضرة عندنا، وفي الترمذي فأخذه، وكذا نقله الجزري أي أخذ النبي ﷺ الميت، قيل: هو عبد الله بن عبد نهم المزني ذو البجادين، دليل رسول الله ﷺ ، مات في غزوة تبوك فدفنه رسول الله ﷺ ليلاً. (من قبل القبلة) قال في الأزهار: احتج أبوحنيفة بهذا الحديث على أن الميت يوضع في عرض القبر في جانب القبلة بحيث يكون مؤخر الجنازة إلى مؤخر القبر، ورأسه إلى رأسه ثم يدخل الميت القبر. وقال الشافعي: والأكثرون يسل من قبل الرأس، بأن يوضع رأس الجنازة على مؤخر القبر ثم يدخل الميت القبر-انتهى. (إن كنت) إن مخففة من المثقلة أي أنك كنت. (لأواهاً) بتشديد الواو أي كثير التأوه من خشية الله. قال في النهاية: الأواه المتأوه المتضرع. وقيل: هو

стр. 2405

تلاءً للقرآن)) رواه الترمذي، وقال في شرح السنة: إسناده ضعيف. ١٧٢١- (١٥) وعن ابن عمر، ((أن النبي ﷺ كان إذا أدخل الميت القبر قال: باسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله)) وفي رواية: ((وعلى سنة رسول الله)) . رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وروى أبوداود الثانية. ــ الكثير البكاء أو الكثير الدعاء. (تلاء) بتشديد اللام أي كثير التلاوة. (رواه الترمذي) وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة والبيهقي كلهم من حديث المنهال بن خليفة عن الحجاج بن أرطاة عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس. قال الترمذي: حديث حسن. قال الزيلعي: وأنكر عليه (أي على الترمذي) ؛ لأن مداره على الحجاج بن أرطاة وهو مدلس ولم يذكر سماعاً. قال ابن القطان: ومنهال بن خليفة ضعفه ابن معين. وقال البخاري: فيه نظر-انتهى. (وقال) أي البغوي (في شرح السنة: إسناده ضعيف) يشير إلى كون الحجاج بن أرطاة والمنهال بن خليفة في سنده، والحجاج كثير الخطأ والتدليس، والمنهال ضعفه ابن معين والنسائي وابن حبان وغيرهم. ١٧٢١- قوله: (كان إذا أدخل) روى مجهولاً ومعلوماً. (الميت) بالرفع أو النصب. (القبر) مفعول ثان. (قال) أي النبي ﷺ . (بسم الله) أي وضعته أو وضع أو أدخله. (وبالله) أي بأمره وحكمه أو بعونه وقدرته. (وعلى ملة رسول الله) أي على طريقته ودينه. (وفي رواية وعلى سنة رسول الله) أي على طريقته وشريعته، والمراد بملة رسول الله وسنته واحد. قال الطيبي: قوله "أدخل" روى معلوماً ومجهولاً، والثاني أغلب، فعلى المجهول لفظ كان بمعنى الدوام، وعلى المعلوم بخلافه، لما روى أبوداود عن جابر قال: رأى نأس ناراً في المقبرة فأتوها، فإذا رسول الله ﷺ في القبر وهو يقول: ناولوني صاحبكم فإذا هو بالرجل الذي يرفع صوته بالذكر. قال السندي: وفيه نظر؛ لأنه إذا فرض أنه يداوم عليه إذا أدخله شخص أي شخص كان فلأن يداوم عليه إذا أدخله هو بنفسه أوفى، بل أدخل بناء المفعول يشمل إدخاله أيضاً، فكيف يستقيم الدوام فيه إذا فرض عدم الدوام عند إدخاله بنفسه، وهذا ظاهر فليتأمل-انتهى. وقال ميرك: فيه أي في كلام الطيبي نظر؛ لأنه على تقدير المعلوم يحتمل الدوام أيضاً، وعلى تقدير المجهول يحتمل عدمه أيضاً كما لا يخفى. قال القاري: وفيه أن إدخاله ﵊ الميت بنفسه الأشرف لم يكن دائماً بل كان نادراً لكن قوله: بسم الله يمكن أن يكون دائماً مع إدخاله وإدخال غيره تأمل-انتهى. (رواه أحمد) (ج٢ص٢٧، ٤١، ٥٩، ٦٩، ١٢٨) . (والترمذي) وحسنه. (وابن ماجه) أي كلهم الروايتين. (وروى أبوداود الثانية) أي الرواية الثانية وصنيع المصنف يدل على أن الحديث عند الأربعة كلهم فعلى، وفيه نظر فإن الإمام أحمد رواه فجعله حديثاً قولياً لا فعلياً، وكذا هو عند ابن حبان والحاكم والبيهقي وابن

стр. 2406

١٧٢٢- (١٦) وعن جعفر بن محمد، عن أبيه مرسلاً ((أن النبي ﷺ حثى على الميت ثلاث حثيات بيديه جميعاً، ــ الجارود وابن أبي شيبة والطبراني. والحديث قد اختلف في رفعه ووقفه، ورجح الدارقطني والنسائي الوقف، ورجح غيرهما الرفع، وهو الصواب عندي، وارجع إلى نصب الراية (ج٢ص٣٠١- ٣٠٢) والتلخيص (ص١٦٤) وشرح المسند (ج٧ص٢٨) للشيخ أحمد شاكر. وفي الباب عن أبي أمامة قال: لما وضعت أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ في القبر قال رسول الله عليه وسلم: ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾ ، بسم الله وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله -الحديث. أخرجه أحمد (ج٥ص٢٥٤) والحاكم (ج٢ص٣٤٨) والبيهقي. قال الحافظ في التلخيص (ص١٦٤) والهيثمي (ج٣ص٤٢) سنده ضعيف. وقال الذهبي: لم يتكلم عليه الحاكم وهو خبر واهٍ؛ لأن علي بن يزيد متروك، وعن واثلة عند الطبراني في الكبير، وفيه بسطام بن عبد الوهاب وهو مجهول، وعن عبد الرحمن بن اللجلاج عن أبيه عند الطبراني والبيهقي. قال الهيثمي (ج٣ص٤٤) : رجاله موثقون، وعن أبي حازم مولى الغفاريين عن البياضي عند الحاكم. ١٧٢٢- قوله: (وعن جعفر) أي الصادق (بن محمد عن أبيه) أي محمد الباقر. (مرسلاً) ؛ لأنه لم يدرك النبي ﷺ ، وحذف الصحابي، وغالب روايته عن جابر. (حثى) كرمى أي قبض التراب ورماه. (على الميت) المراد به الجنس. (ثلاث حثيات) أي حفنات. قال القاري: وروى أحمد بإسناد ضعيف أنه يقول مع الأولى: منها خلقناكم، ومع الثانية: وفيها نعيدكم، ومع الثالثة: ومنها نخرجكم تارة أخرى-انتهى. وقال الشوكاني: ويستحب أن يقول عند ذلك أي عند الحثى على الميت: ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾ ، ذكره أصحاب الشافعي-انتهى. والحديث الذي أشار إليه القاري لم أقف على مخرجه ولا على أنه من أين أخذ هذا الحديث، ولم أجد أحداً ذكره ولا يطمئن القلب بنقل القاري، فإنه ليس من أهل هذا الشأن. (بيديه جميعاً) قال ابن الملك: فالسنة لمن حضر الميت على رأس القبر أن يحثي التراب ويرميه في القبر بعد نصب اللبن، وروى البيهقي عن أبي أمامة قال: توفى رجل، فلم تصب له حسنة إلا ثلاث حثيات حثاها في قبر فغفرت له ذنوبه، وروى أبوالشيخ في مكارم الأخلاق عن أبي هريرة مرفوعاً: من حثى على مسلم احتساباً كتب الله له بكل ثراة حسنة. قال الحافظ إسناده ضعيف، وفي الباب عن عامر بن ربيعة عند البيهقي والبزار والدارقطني قال: رأيت النبي ﷺ حين دفن عثمان بن مظعون صلى عليه وكبر عليه أربعاً وحثي على قبره بيده ثلاث حثيات من التراب وهو قائم عند رأسه، وزاد البزار فأمر فرش عليه الماء، وعزاه الهيثمي إلى البزار، وقال: رجاله موثقون إلا أن شيخ البزار

стр. 2407

وأنه رش على قبر ابنه إبراهيم، ووضع عليه حصباء)) رواه في شرح السنة، وروى الشافعي من قوله: رش. ١٧٢٣- (١٧) وعن جابر، قال: ((نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبور، وأن يكتب عليها، ــ ومحمد بن عبد الله لم أعرفه-انتهى. وعن أبي المنذر عند أبي داود في المراسيل، وعن أبي هريرة عند ابن ماجه، ويأتي في الفصل الثالث، وعن علي وابن عباس عند البيهقي من فعلهما. (وأنه) أي النبي ﷺ . (رش) أي الماء. (على قبر ابنه إبراهيم) قال ابن الملك: ويسن حيث لا مطر رش القبر بماء بارد وطاهر طهور تفاؤلاً بأن الله يبرد مضجعه. وقال ابن قدامة: يستحب أن يرش على القبر ماء ليلتزق ترابه، ثم ذكر حديثي جابر وأبي رافع في رش القبر بماء، وقد ذكرهما المصنف وسيأتي الكلام فيهما. (ووضع عليها حصباء) بالمد الحصى الصغار، ففي القاموس: الحصباء الحصى، والحصى صغار الحجارة. وفي النهاية: الحصباء الحصى الصغار. قال ابن الملك: وهو يدل على أن وضع الحصا على القبر سنة. قال الشافعي فيما نقله البيهقي عنه: والحصباء لا تثبت إلا على قبر مسطح. قال ابن التركماني في الجوهر: قد يكون بأعلى القبر تسطيع يسير يوضع فيه الحصباء ولا يخرجه ذلك عن كونه مسنماً باعتبار الغالب-انتهى. (رواه) أي صاحب المصابيح. (في شرح السنة وروى الشافعي من قوله: رش) أخرج الشافعي في الأم عن إبراهيم بن محمد الأسلمي عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلاً في حديثين أحدهما إلى جميعاً والآخر أنه رش على قبر ابنه الخ. وقدم حديث الرش على حديث حثي فجميع الحديث عند الشافعي، وهو خلاف ما قاله المصنف، وحديث الرش رواه البيهقي (ج٣ص٤١١) من طريق الشافعي. قال النيموي في آثار السنن (ج٢ص١٢٥) بعد عزوه إلى الشافعي: إسناده مرسل جيد. وقال الحافظ في التلخيص (ص١٦٥) وروى أبوداود في المراسيل والبيهقي (ج٣ص٤١١) من طريق الدراوردي عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي عن أبيه نحوه، وزاد: وأنه أول قبر رش عليه وقال بعد فراغه: سلام عليكم، ولا أعلمه إلا قال: حثا عليه بيديه، رجاله ثقات مع إرساله-انتهى. وروى الطبراني في الأوسط عن عائشة: أن النبي ﷺ رش على قبر ابنه إبراهيم. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح خلا شيخ الطبراني. ١٧٢٣- قوله: (أن يجصص القبور) بالتذكير في جمع النسخ، وفي الترمذي: تجصص بالتأنيث، وفي جامع الأصول (ج١١ص٤٣٤) أن يجصص القبر أي بالتذكير وبإفراد القبر. (وأن يكتب عليها) قال السندي نقلاً عن العراقي: يحتمل النهي عن الكتابة مطلقاً ككتابة اسم صاحب القبر وتاريخ وفاته أو كتابة شيء

стр. 2408

وأن توطأ)) رواه الترمذي. ١٧٢٤- (١٨) وعنه، قال: ((رُش قبر النبي ﷺ ، وكان الذي رش الماء على قبره بلال بن رباح بقربة، ــ من القرآن وأسماء الله تعالى ونحو ذلك للتبرك؛ لاحتمال أن يوطأ أو يسقط على الأرض فيصير تحت الأرجل. وقال الحاكم في المستدرك (ج١:ص٣٧٠) بعد تخرج هذا الحديث: هذه الأسانيد صحيحة، وليس العمل عليها فإن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوب على قبورهم، وهو عمل أخذ به الخلف عن السلف. وتعقبه الذهبي في مختصره بأنه لا نعلم صحابياً فعل ذلك، وإنما هو شيء أحدثه بعض التابعين ولم يبلغهم النهي-انتهى. وقال ابن حجر: وأخذ أئمتنا أنه يكره الكتابة على القبر سواء اسم صاحبه أو غيره في لوح عند رأسه أو غيره. وقال الشوكاني: فيه تحريم الكتابة على القبور، وظاهره عدم الفرق بين كتابة اسم الميت على القبر وغيرها، وقد استثنت الهادوية رسم الاسم فجوزه لا على وجه الزخرفة، قياساً على وضعه ﷺ الحجر على قبر عثمان وهو من التخصيص بالقياس، وقد قال به الجمهور، لا أنه قياس في مقابلة النص، كما قال في ضوء النهار. ولكن الشأن في صحة هذا القياس-انتهى. (وأن توطأ) أي بالأرجل والنعال لما فيه من الاستخفاف، قال في الأزهار: والوطء لحاجة كزيارة ودفن ميت لا يكره. قال القاري: في وطء للزيارة محل بحث-انتهى. قال الشوكاني: فيه دليل على تحريم وطء القبر. (رواه الترمذي) : وقال: حديث حسن صحيح، وأخرجه أيضاً أبوداود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي. قال الحافظ: وصرح بعضهم بسماع أبي الزبير عن جابر، وهو في مسلم بدون الكتابة. وقال الحاكم: الكتابة على شرط مسلم، وهي صحيحة غريبة. وفي رواية لأبي داود والنسائي "أو يزاد عليه"، وبوب عليه البيهقي (ج٣:ص٤١٠) : لا يزاد في القبر أكثر من ترابه لئلا يرتفع جداً. قال السندي: قوله: أو "يزاد عليه" بأن يزاد التراب على التراب الذي خرج منه، أو بأن يزاد طولاً وعرضاً عن قدر جسد الميت-انتهى. ١٧٢٤- قوله: (رش) بصيغة المجهول. (قبر النبي ﷺ ) قال الطيبي: لعل ذلك إشارة إلى استنزال الرحمة الإلهية والعواطف الربانية على القبر، كما ورد في الدعاء: اللهم اغسل خطاياه بالماء والثلج والبرد، أو إلى الدعاء بالطراوة وعدم الدروس. قال ميرك: ولعل الحكمة فيه أن القبر إذا رش بالماء كان أكثر بقاء وأبعد عن التناثر والاندراس-انتهى. وقال في اللمعات: وذلك لمصلحة رآها أصحاب رسول الله ﷺ ، والعلة في رش قبر غيره ﷺ التفاؤل باستنزال الرحمة وغسل الخطايا وتطهير الذنوب، وعلل أيضاً بأن يمسك تراب القبر عن الانتشار ويمنع من الدروس. (بلال بن رباح) بالرفع وقيل بالنصب. (بقربة) بكسر القاف. (بدأ) أي ابتدأ

стр. 2409

بدأ من قبل رأسه حتى انتهى إلى رجليه)) . رواه البيهقي في دلائل النبوة. ١٧٢٥- (١٩) وعن المطلب أبي بن وداعة، قال: ((لما مات عثمان بن مظعون، أخرج بجنازته فدفن، ــ في الرش. (من قبل رأسه) من شقه الأيمن لشرفه واستمر. (حتى انتهى إلى رجليه) ظاهره أنه مرة، ويحتمل مراراً. وفيه دليل على مشروعية الرش على القبر، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وأبوحنيفة وغيرهم. (رواه البيهقي في دلائل النبوة) وأخرجه أيضاً في السنن الكبرى (ج٣:ص٤١١) من طريق الواقدي عن عبد الله بن جعفر عن ابن أبي عون عن أبي عتيق عن جابر بن عبد الله، والكلام في الواقدي معروف. وفي الباب عن عامر بن ربيعة وعائشة، وقد تقدما في شرح حديث جعفر بن محمد عن أبيه. وروى سعيد بن منصور والبيهقي (ج٣:ص٤١١) من طريق جعفر بن محمد عن أبيه مرسلاً: أن الرش على القبر على عهد رسول الله ﷺ . ١٧٢٥- قوله: (وعن المطلب) بتشديد الطاء. (بن أبي وداعة) بفتح الواو القرشي السهمي، واسم أبي وداعة الحارث بن صُبَيرة بن سعيد بن سعد بن سهم، وأم المطلب بن أبي وداعة أروى بنت الحارث بن عبد المطلب بنت عم النبي ﷺ ، صحابي أسلم يوم فتح مكة، ثم نزل الكوفة، ثم نزل بعد ذلك المدينة، وله بها دار، وبقي دهراً ومات بها، روى عنه أهل المدينة، اعلم أن هذا الحديث رواه أبوداود. (ومن طريقه البيهقي ج٣:ص٤١٢) ولم ينسب المطلب راويه، وكذا في المصابيح وقع غير منسوب. وذكره الجزري في جامع الأصول (ج١١:ص٤٣٥) منسوباً إلى عبد الله، والمصنف جعله منسوباً إلى أبي وداعة، وأخطأ في ذلك، فإن الحديث من رواية المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب بن الحارث المخزومي المدني وهو تابعي صدوق، وليس من رواية المطلب بن أبي وداعة الصحابي. قال ميرك: قال الشيخ الجزري في تصحيح المصابيح، والسلمي في تخريجه: رواه أبوداود من حديث المطلب بن عبد الله المدني، وهو المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي، وهو تابعي يروي عن أبي هريرة وعائشة وابن عمر وابن عباس، ففي الحديث إرسال، وهو الظاهر من السياق حيث قال المطلب: قال الذي يخبرني عن رسول الله ﷺ إلى آخره، والدليل على خطأ ما وقع في المشكاة ما رواه ابن سعد في الطبقات قال: حدثنا محمد بن عمر حدثنا كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: لما مات عثمان بن مظعون دفن بالبقيع، فأمر رسول الله ﷺ بشيء فوضع عند رأسه، وقال: هذا علامة قبره يدفن إليه يعني من مات بعده-انتهى. وقال الحافظ في التلخيص (ص١٦٦) : رواه أبوداود من حديث المطلب بن عبد الله بن حنطب وليس صحابياً، ولكنه قد بين أن مخبراً أخبره به ولم يسمه، ولا يضر إبهام الصحابي-انتهى. فالحديث موصول، وليس بمرسل، كما توهم ميرك. (عثمان) تقدم ترجمته. (بن مظعون) بالظاء المعجمة. (أخرج بجنازته) كأنه من باب حذف

стр. 2410

أمر النبي ﷺ رجلاً أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حملها، فقام إليها رسول الله ﷺ وحسر عن ذراعيه، قال المطلب: قال الذي يخبرني عن رسول الله ﷺ : كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله ﷺ حين حسر عنهما، ثم حملها فوضعها عند رأسه، وقال: أعلم بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي)) . رواه أبوداود. ــ العاطف، أي وأخرج جنازته وقوله: (أمر النبي ﷺ ) جواب "لما" كذا قيل: والأظهر أن جواب "لما" هو "أخرج" لوقوعه في محله "وأمر" حذف عاطفه، ويدل عليه ما في بعض نسخ السنن لأبي داود فأمر النبي ﷺ ، وكذا ذكره الحافظ في التلخيص، والجزري في جامع الأصول (ج١١ص٤٣٥) . (بحجر) أي كبير لوضع العلامة. وفي حديث أنس: أعلم النبي ﷺ قبر عثمان بن مظعون بصخرة. (فلم يستطع) أي ذلك الرجل وحده. (حملها) قال ابن الملك: تأنيث الضمير على تأويل الصخرة. وفي بعض نسخ أبي داود "حمله" بتذكير الضمير، وكذا نقله الجزري في جامع الأصول، والحافظ في التلخيص. (فقام إليها) أي الصخرة. (وحسر) أي كشف الثوب. (عن ذراعيه) بكسر الذال أي ساعديه. (ثم حملها) أي الصخرة وحده. (فوضعها عند رأسه) أي رأس قبر عثمان. (أعلم) مضارع متكلم من الإعلام. (بها) أي أعلم الناس بهذه الصخرة. وفي جامع الأصول: أتعلم أي من العلم. (قبر أخي) سماه أخاً لأخوة الإسلام تعظيماً له أو لقرابة، فإنه كان قرشياً، أو لأنه أخوه من الرضاعة، وهو الأصح، قاله القاري. (وأدفن إليه) أي إلى قربه. وقال الطيبي: أي أضم إليه في الدفن. (من مات من أهلي) قيل: أول من ضم إليه إبراهيم بن النبي ﷺ ، وفي الحديث أن وضع العلامة على القبر، كنصب حجر أو نحوه ليعرفه الناس سنة، وكذلك دفن بعض الأقارب بقرب بعض. (رواه أبوداود) وأخرجه البيهقي من طريقه. قال المنذري: في إسناده كثير بن زيد مولى الأسلميين، وقد تكلم فيه غير واحد. وقال الحافظ في التلخيص: إسناده حسن ليس فيه إلا كثير بن زيد راويه عن المطلب وهو صدوق، وقد بين المطلب أن مخبراً أخبره به ولم يسمه، ولا يضر إبهام الصحابي، ورواه ابن ماجه وابن عدي مختصراً من طريق كثير بن زيد أيضاً عن زينب بنت نبيط عن أنس. قال أبوزرعة: هذا خطأ، وأشار إلى أن الصواب رواية من رواه عن كثير عن المطلب، ورواه الطبراني في الأوسط من حديث أنس بإسناد آخر فيه ضعف، ورواه الحاكم في المستدرك (ج٣ص١٩٠) في ترجمة عثمان بن مظعون بإسناد آخر فيه الواقدي من حديث أبي رافع فذكر معناه-انتهى.

стр. 2411

١٧٢٦- (٢٠) وعن القاسم بن محمد، قال: ((دخلت على عائشة، فقلت: يا أماه! اكشفي لي عن قبر النبي ﷺ وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء)) . رواه أبوداود. ١٧٢٧- (٢١) وعن البراء بن عازب، قال: ((خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد بعد، فجلس النبي ﷺ مستقبل القبلة، ــ ١٧٢٦- قوله: (وعن القاسم بن محمد) أي ابن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. (يا أماه) بسكون الهاء وهي عمته، لكن قال: يا أماه لأنها بمنزلة أمه، أو لكونها أم المؤمنين. ووقع في جامع الأصول (ج١١ص ٣٩٤) يا أمه، أي بحذف الألف وسكون الهاء. (اكشفي لي) أي أظهري وارفعي الستارة. (وصاحبيه) أي ضجيعية، وهما أبوبكر الصديق وعمر ﵄. (لا مشرفة) أي مرتفعة غاية الارتفاع، وقيل: أي عالية أكثر من شبر. (ولا لاطئة) بالهمزة والياء أي لازقة ولاصقة بالأرض. وقال القاري: أي مستوية على وجه الأرض، يقال: لطأ بالأرض أي لصق بها. (مبطوحة) صفة لقبور أي مفروشة. (ببطحاء العرصة) أي برمل العرصة وحصاها وهي موضع. وقال الطيبي: العرصة جمعها عرصات. وهي كل موضع واسع لا بناء فيه. والبطحاء مسيل واسع فيه دقاق الحصى، والمراد بها هنا الحصى لإضافتها إلى العرصة. (الحمراء) صفة للبطحاء أو العرصة. والحديث قد استدل به للشافعي ومن وافقه على أن تسطيح القبر أفضل من تسنيمه، وقد سبق بسط الكلام وتحقيقه في شرح حديث سفيان التمار. (رواه أبوداود) وأخرجه الحاكم (ج١ص٣٦٩) والبيهقي (ج٤ص٣) وزاد: فرأيت رسول الله ﷺ مقدماً، وأبابكر رأسه بين كتفي النبي ﷺ ، وعمر رأسه عند رجلي النبي ﷺ . وفي صفة القبور الثلاثة اختلاف كثير بسطها السمهودى في الفصل الحادي والعشرين من الباب الرابع من كتابه "وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى" (ص٥٥٠- ٥٥٦) ، فعليك أن تراجعه. وحديث القاسم هذا سكت عنه أبوداود والمنذري، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. ١٧٢٧- قوله: (في جنازة رجل من الأنصار) لم أقف على تسميته. (فانتهينا) أي فوصلنا. (ولما يلحد) بصيغة المجهول. وفي النسائي: ولم يلحد، وكذا في بعض نسخ أبي داود، وليست هذه الجملة عند ابن ماجه. (بعد) أي لم يفرغ من حفر اللحد بعد مجيئنا. (فجلس النبي ﷺ مستقبل القبلة) فيه دليل على استحباب استقبال القبلة في

стр. 2412

وجلسنا معه) رواه أبوداود، والنسائي، وابن ماجه، وزاد في آخره: كأن على رؤسنا الطير. ١٧٢٨- (٢٢) وعن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: ((كسر عظم الميت ككسره حياً)) رواه مالك، وأبوداود، وابن ماجه. ــ الجلوس لمن كان منتظراً دفن الجنازة. (وجلسنا معه) هذا لفظ أبي داود، وللنسائي: وجلسنا حوله. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري. (والنسائي وابن ماجه) قال الشوكاني: رجال إسناد هذا الحديث رجال الصحيح على كلام في المنهال بن عمرو وشيخه زاذان. قلت: تقدم هذا الحديث مطولاً في "باب ما يقال عند من حضره الموت" في الفصل الثالث منه، وسبق الكلام فيه هناك مفصلاً. (وزاد) أي ابن ماجه، وفي بعض النسخ "وزادا" بلفظ التثنية، وهو الراجح، فإن الزيادة المذكورة عند النسائي أيضاً. (كأن على رؤسنا الطير) تقدم معناه. ١٧٢٨- قوله: (كسر عظم الميت) قال السيوطي في حاشية أبي داود في بيان سبب الحديث: عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فجلس النبي ﷺ على شفير القبر وجلسنا معه، فأخرج الحفار عظماً ساقاً أو عضداً، فذهب ليكسره فقال النبي ﷺ : لا تكسرها، فإن كسرك إياها ميتاً ككسرك إياها حياً، ولكن دسه في جانب القبر. (ككسره) أي العظم. (حياً) يعني في الإثم، كما في رواية القضاعي، وكذا في حديث أم سلمة عند ابن ماجه. قال الطيبي: إشارة إلى أنه لا يهان ميتاً كما لا يهان حياً. وقال الباجي: يريد أن له من الحرمة في حال موته مثل ما له منها حال حياته، وأن كسر عظامه في حال موته يحرم كما يحرم كسرها حال حياته، قال: ولا يتساويان في القصاص وغيره، وإنما يتساويان في الإثم. قال الزرقاني: الاتفاق على حرمة فعل ذلك به في الحياة والموت لا في القصاص والدية، فمرفوعان عن كاسر عظم الميت إجماعاً-انتهى. وكذا قال الطحاوي في مشكله. وحاصله أن عظم الميت له حرمة مثل ما لعظم الحي من الحرمة، فكان كاسره في انتهاك الحرمة ككاسر عظم الحي لكن لا حياة فيه، فينتفى القصاص والأرش لأنعدام المعنى الذي يوجبه وهو الحياة-انتهى. ويحتمل أن الميت يتألم كما يتألم الحي. ويؤيده ما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: أذى المؤمن في موته كأذاه في حياته. قال ابن عبد البر: يستفاد منه أن الميت يتألم بجميع ما يتألم به الحي، ومن لازمه أن يستلذ بما يستلذ به الحي. (رواه مالك وأبوداود وابن ماجه) الحديث أخرجه مالك موقوفاً من قول عائشة أنه بلغه أنها كانت تقول: كسر عظم الميت ميتاً ككسره وهو حي. قال ابن عبد البر: كذا الأكثر الرواة، ولبعضهم مالك عن أبي الرجال عن عائشة موقوفاً، ولا أعلم أحداً رفعه عن مالك-انتهى. وأخرجه أحمد وأبوداود وابن ماجه وابن حبان والبيهقي مرفوعاً، وسكت عنه أبوداود والمنذري، وحسنه ابن القطان. وقال ابن دقيق العيد والحافظ في بلوغ المرام: إنه على شرط مسلم،

стр. 2413

﴿الفصل الثالث﴾ ١٧٢٩- (٢٣) عن أنس، قال: ((شهدنا بنت رسول الله ﷺ تدفن، ورسول الله ﷺ جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان، فقال: هل فيكم من أحد لم يقارف ــ ورواه القضاعي من وجه آخر عنها، وزاد: في الإثم، وأخرجه ابن ماجه من حديث أم سلمة، وفيه هذه الزيادة، وفي سنده عبد الله بن زياد، وهو مجهول. ١٧٢٩- قوله: (شهدنا) أي حضرنا. (بنت رسول الله ﷺ ) أي جنازتها، وهي أم كلثوم زوج عثمان بن عفان ﵁، بينه الواقدي في روايته عن فليح بن سليمان عن هلال بن علي عن أنس، أخرجه ابن سعد في الطبقات في ترجمة أم كلثوم، وكذا الدولابي في الذرية الطاهرة، وكذلك رواه الطبري والطحاوي، وكانت وفاتها سنة تسع، ورواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس فسماها رقية، أخرجه البخاري في تاريخه الأوسط، والحاكم في المستدرك، وقد رده البخاري حيث قال: ما أدري ما هذا، فإن رقية ماتت والنبي ﷺ ببدر لم يشهدها. قال الحافظ: وهم حماد في تسميتها فقط، ويؤيد الأول ما رواه ابن سعد أيضاً في ترجمة أم كلثوم من طريق عمرة بنت عبد الرحمن قالت: نزل في حفرتها أبوطلحة. (تدفن) أي في حال دفنها. (ورسول الله ﷺ جالس) جملة حالية. (على القبر) أي على جانب القبر وشفيره وهو الظاهر. (تدمعان) بفتح الميم أي تسيلان دمعاً. وفيه جواز البكاء على الميت بعد موته حيث لا صياح ولا غيره مما ينكر شرعاً، وأما قوله "فإذا وجبت فلا تبكين باكية" فهو محمول على الصياح ورفع الصوت، أو على الأولوية، أو أنه مخصوص بالنساء؛ لأنه قد يفضي بكاءهن إلى ما يحذر من النياحة لقلة صبرهن، فيكون من باب سد الذريعة. (هل فيكم من أحد) من زائدة. (لم يقارف) من المقارفة بالقاف والفاء. قال في النهاية: قارف الذنب إذا أتاه ولاصقه، وقارف امرأته إذا جامعها. وفي جامع الأصول: لم يقارف أي لم يذنب ذنباً. ويجوز أن يراد الجماع فكنى عنه، ذكره الطيبي. وبالثاني جزم ابن حزم قال: ومعاذ الله أن يتزكى أبوطلحة بحضرة النبي ﷺ بأنه لم يقارف ذنباً تلك الليلة-انتهى. ويقويه أن في رواية ثابت عن أنس عند البخاري في التاريخ الأوسط: لا يدخل القبر أحد قارف أهله البارحة، فتنحى عثمان. وحكى عن الطحاوي أنه قال "لم يقارف" تصحيف، والصواب لم يقاول أي لم ينازع غيره الكلام؛ لأنهم كانوا يكرهون الحديث بعد العشاء. وتعقب بأنه تغليظ للثقة لغير مستند. قيل: سبب قوله ﷺ إن عثمان كان قد جامع بعض جواريه في تلك الليلة. فتلطف ﷺ -

стр. 2414

الليلة؟ فقال أبوطلحة: أنا. قال: فانزل في قبرها، فنزل في قبرها)) رواه البخاري. ١٧٣٠- (٢٤) وعن عمرو بن العاص قال لابنه وهو في سياق الموت: ((إذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فشنوا عليّ التراب شناً، ــ في منعه من النزول في قبر زوجته بغير تصريح. واستبعد أن يكون عثمان جامع في تلك الليلة التي حدث فيها موت زوجته لحرصه على مراعاة الخاطر الشريف. وأجيب عنه باحتمال أن يكون مرض المرأة طال واحتاج عثمان إلى الوقاع، ولم يكن يظن موتها تلك الليلة، وليس في الخبر ما يقتضي أنه واقع بعد موتها، بل ولا حين احتضارها. (الليلة) أي البارحة بقرينة السؤال. (فقال أبوطلحة) زيد بن سهل الأنصاري. (أنا) لم أقارف الليلة. (قال) ﵊: (فانزل في قبرها) فيه دليل على أنه لا ينزل في قبر الميت إلا الرجال متى وجدوا وإن كان الميت امرأة بخلاف النساء لضعفهن عن ذلك غالباً، ولأنه معلوم أنه كان لبنت النبي ﷺ محارم من النساء كفاطمة وغيرها. وفيه أنه يقدم الرجال الأجانب الذين بعد عهدهم بالملاذ في مواراة الميت على الأقارب الذين قرب عهدهم بذلك كالأب والزوج. وعلل بعضهم من لم يقارف بأنه حينئذٍ يأمن من أن يذكره الشيطان بما كان منه تلك الليلة. قال النووي لا يشكل هذا الحديث على قولهم: إن المحارم والزوج أولى من صالح الأجانب لاحتمال أنه ﵊ وعثمان كان لهما عذر منعهما نزول القبر، نعم يؤخذ من الخبر أنه لو كان ثمة صلحاء، وأحدهم بعيد العهد بالجماع قدم. (فنزل) أي أبوطلحة. (في قبرها) زاد في بعض الروايات: فقبرها أي لحدها. (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً أحمد والبيهقي والترمذي في الشمائل. ١٧٣٠- قوله: (قال لابنه) أي عبد الله. (وهو) أي عمرو. (في سياق الموت) في مسلم: سياقة الموت. قال النووي: بكسر السين أي حال حضور الموت-انتهى. يقال: ساق المريض نفسه وسيق إذا شرع في نزع الروح. (إذا أنا مت) بضم الميم وكسرها. (فلا تصحبني) بفتح الحاء من باب سمع أي لا تترك أن يكون مع جنازتي. (نائحة) أي صائحة بالبكاء ونادبة بالنداء. (ولا نار) كان من عادة الجاهلية إرسال النار مع الميت، وقد هدم النبي ﷺ شعار الجاهلية وأبطله. وقيل: لأنه سبب للتفاؤل القبيح. وقيل: المراد به البخور الذي يوضع في المجمر. (فإذا دفنتموني) أي أردتم دفني. (فشنوا) بضم الشين، أمر من شن الماء إذا صبه متفرقاً. (عليّ) بتشديد الياء. (التراب شناً) قال النووي: سنوا علي التراب سناً، ضبطناه بالسين المهملة وبالمعجمة، وكذا قال القاضي: إنه بالمعجمة والمهملة قال: وهو الصب. وقيل: بالمهملة الصب في سهولة ورفق، وبالمعجمة التفريق.

стр. 2415

ثم أقيموا حول قبري قدر ما ينحر جزور ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم وأعلم ماذا أراجع به رسل ربي)) رواه مسلم. ١٧٣١- (٢٥) وعن عبد الله بن عمر، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((إذا مات أحدكم فلا تحبسوه، وأسرعوا به إلى قبره، وليقرأ عند رأسه فاتحة البقرة، وعند رجليه بخاتمة البقرة)) ــ (أقيموا حول قبري) للدعاء بالتثبيت. (قدر ما ينحر جزور) بفتح الجيم وهي من الإبل، قاله النووي. وقال القاري: أي بعير وهو مؤنث اللفظ وإن أريد به المذكر، فيجوز تذكير "ينحر" وتأنيثه. (حتى أستأنس بكم) أي بدعائكم واستغفاركم وسؤالكم التثبيت. (وأعلم) أي من غير وحشة. (ماذا أراجع) أي أجاوب به. (رسل ربي) أي سؤال الملكين. وفي الحديث فوائد: منها إثبات فتنة القبر وسؤال الملكين، وهو مذهب أهل الحق، ومنها استحباب المكث عند القبر بعد دفن لحظة نحو ما ذكر لما ذكر. (رواه مسلم) في كتاب الإيمان في حديث طويل، وأخرجه أيضاً البيهقي (ج٥ص٥٦) . ١٧٣١- قوله: (فلا تحبسوه) أي لا تؤخروا دفنه من غير عذر. قال ابن الهمام: يستحب الإسراع بتجهيزه كله من حين يموت. (وأسرعوا به إلى قبره) هو تأكيد وإشارة إلى سنة الإسراع في الجنازة، وقد سبق الكلام فيه. (وليقرأ) بالتذكير وبسكون اللام ويكسر. (عند رأسه) أي بعد الدفن. (فاتحة البقرة) أي إلى المفلحون. (وعند رجليه بخاتمة) وفي بعض النسخ: خاتمة (البقرة) أي من ﴿آمن الرسول﴾ الخ قال الطيبي: لعل تخصيص فاتحتها لاشتمالها على مدح كتاب الله، وأنه هدى للمتقين الموصوفين بالخلال الحميدة من الإيمان بالغيب وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وخاتمتها لاحتوائها على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله. وإظهار الاستكانة وطلبت الغفران والرحمة، والتولي إلى كنف الله تعالى وحمايته-انتهى. وفيه دليل على جواز قراءة أول البقرة وخاتمتها عند القبر بعد الدفن. ويدل عليه أيضاً ما روى البيهقي (ج٤ص٥٦) عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه أنه قال لبنيه: إذا أدخلتموني قبري فضعوني في اللحد، وقولوا: بسم الله وعلى سنة رسول الله ﷺ ، وسُنّوا علي التراب سناً، واقرؤوا عند رأسي أول البقرة وخاتمتها، فإني رأيت ابن عمر يستحب ذلك، وهذا موقوف على ابن عمر، كما ترى، وليس بمرفوع، وكذا الحديث الذي نحن في شرحه، كما سيأتي، ونقل الزيلعي حديث عبد الرحمن بن العلاء عن الطبراني بلفظ: عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه قال: قال لي أبي اللجلاج أبوخالد: يا بني إذا أنا مت فالحد لي، فإذا وضعتني في اللحد فقل: باسم الله وعلى ملة رسول الله ثم شن التراب على شناً، ثم اقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها، فإني سمعت رسول الله ﷺ -

стр. 2416

يقول ذلك، وهذا كما ترى مرفوع، وقد سكت عنه الزيلعي. وقال الهيثمي: رجاله موثقون. وقد استدل بالحديثين على إهداء ثواب قراءة القرآن للميت. وفيه نظر، فإنه ليس فيهما ذكر للإهداء وجعل ثواب القراءة للميت. والظاهر أن قراءة أول البقرة وخاتمتها عند القبر كانت ليأنس بها الميت فيختص ذلك بأن يكون عند القبر عقب الدفن لا مطلقاً. واختلف العلماء في وصول ثواب قراءة القرآن وغيرها من العبادات البدنية للميت كالصلاة والصوم والذكر، بعد ما اتفقوا على أنه ينتفع الميت بما تسبب إليه في حياته، وبدعاء المسلمين، واستغفارهم له، والصدقة والحج. فذهب أحمد وأبوحنيفة إلى وصول ثواب القراءة وغيرها من العبادات البدنية. واستدل لهما بأحاديث ذكرها القاري في المرقاة نقلاً عن شرح الصدور للسيوطي، وقد نقلها شيخنا في شرح الترمذي (ج٢ ص٢٦) وفي كتاب الجنائز له (ص١٠٣-١٠٤) ، وهي ضعيفة كلها لا تصلح للاستدلال والاحتجاج، وبالقياس على الدعاء والصدقة والحج. وذهب مالك والشافعي إلى أن ذلك لا يصل. واستدل لهما بدلائل ذكرها ابن القيم في كتاب الروح (ص١٩٦- ١٩٧) ثم بسط في الجواب عنها، ولبعض شيوخنا رسالة لطيفة في الأردوية في هذه المسألة رتبها على مقدمة ومقصد وخاتمة، وسماها "إهداء ثواب" وبسط الكلام في تحقيق المقام فأجاد، فعليك أن تطالعها، وقد اختار هو القول بعدم وصول ثواب قراءة القرآن إلى الميت، وإليه يميل قلبي، فإنه لم يقم على إهداء ثواب القراءة دليل شرعي لا من قرآن ولا من سنة صريحة صحيحة ولا من إجماع، ولا يكفي في مثل هذه المسألة حديث ضعيف أو أثر صحابي فضلاً عن القياس أو أثر التابعي ومن دونه. وقد صرح ابن القيم الذي هو قائل بوصول ثواب القراءة إلى الميت بأنه لم يصح عن السلف شيء في ذلك، واعتذر عن هذا بأنهم كانوا يخفون أعمال البر، واعترض عليه بأنه لو كان معروفاً لكان عن اعتقاد مشروعيته، وحينئذٍ يبلغونه ولا يكتمونه، بل لتوفرت الدواعي على نقله عنهم بالتواتر؛ لأنه من رغائب جميع الناس. هذا، وقد رد صاحب تفسير المنار (ج٨ ص٢٥٧- ٢٥٨) على ابن القيم رداً حسناً فيما طول له الكلام من إثبات إهداء الثواب إلى الأموات، فارجع إليه إن شئت. قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣٩] ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي ومن تبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله ﷺ أمته، ولا حثهم عليه ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقسية والآراء. فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما ومنصوص من الشارع عليهما- انتهى. وفي الاختيارات لشيخ الإسلام تقى الدين بن تيمية: ولم يكن من

стр. 2417

رواه البيهقي في شعب الإيمان وقال: والصحيح أنه موقوف عليه. ١٧٣٢- (٢٦) وعن ابن أبي مليكة، قال: ((لما توفي عبدارحمن بن أبي بكر بالحبشى، وهو موضع، فحمل إلى مكة فدفن بها، فلما قدمت عائشة أتت قبر عبد الرحمن بن أبي بكر فقالت: ... ... وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر، حتى قيل: لن يتصدعا ــ عادة السلف إذا صلوا تطوعاً أو صاموا تطوعاً أو حجوا تطوعاً أو قرؤوا القرآن، يهدون ثواب ذلك إلى أموات المسلمين، فلا ينبغي العدول عن طريق السلف، فإنه أفضل وأكمل- انتهى. (رواه البيهقي في شعب الإيمان) ونقله الهيثمي عن الطبراني في الكبير، وقال: وفيه يحيى بن عبد الله البابلتي. وهو ضعيف- انتهى. قلت: هو يحيى بن عبد الله بن الضحاك البابلتى أبوسعيد الحراني ضعفه أبوزرعة وغيره. وقال أبوحاتم لا يعتد به. وقال ابن عدى: له أحاديث صالحة تفرد ببعضها، وأثر الضعف على حديثه بين. وقال الحافظ في التقريب: ضعيف. وقال الخليلي: شيخ مشهور أكثر عن الأوزاعي، وطعنوا في سماعه عنه. قال ابن معين: لم يسمع والله من الأوزاعي شيئاً. (وقال) البيهقي. (والصحيح أنه موقوف عليه) أي على ابن عمر. ١٧٣٢- قوله: (وعن ابن أبي مليكة) هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي ملكية بالتصغير تقدم ترجمته. (عبد الرحمن بن أبي بكر) أي الصديق أمه أم رومان والدة عائشة فهو شقيق عائشة، كان أسن ولد أبي بكر، أسلم قبيل الفتح، وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة أو عبد العزى، فغيره النبي ﷺ وسماه عبد الرحمن، وكان امرأًً صالحاً لم يجرب عليه كذبه قط، وكان أشجع رجال قريش وأرماهم بسهم، وحضر اليمامة مع خالد بن الوليد فقتل سبعة من كبارهم، وشهد الفتوح الأخرى وشهد الجمل مع أخته عائشة، وكان أخوه محمد يومئذٍ مع علي ﵃ أجمعين، وأبى عبد الرحمن على معاوية البيعة ليزيد، وبعث إليه معاوية بعد ذلك بمائة ألف درهم فردها عليه وأبى أن يأخذها، وقال: لا أبيع ديني بدنياي، فخرج إلى مكة فمات بها قبل أن تتم البيعة ليزيد. وقيل: مات بطريق مكة فجأة سنة (٥٣) وقيل بعد ذلك، وتوفيت عائشة بعد ذلك بيسير سنة (٥٩) . (بالحبشى) بضم الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة وتشديد الياء آخر الحروف، موضع قريب بمكة على اثني عشر ميلاً من مكة. وقيل: على نحو عشرة أميال منها. وقال الجوهري: جبل بأسفل مكة. (وهو موضع) تفسير من الراوي. (فحمل) أي نقل من الحبشى. (فلما قدمت عائشة) أي إلى مكة حاجة. (فقالت) أي منشدة مشيرة إلى أن طول الاجتماع في الدنيا بعد زواله يكون كأقصر زمن وأسرعه، كما هو شأن الفاني جميعه. (وكنا كندماني جذيمة) قال الشمني في شرح المغني: هذا البيت لتميم بن نويرة يرثي أخاه مالكاً الذي قتله خالد بن الوليد في خلافة

стр. 2418

فلما تفرقنا، كأني ومالكاً لطول اجتماع لم نبت ليلة معاً ثم قالت: والله لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت، ولو شهدتك ما زرتك)) . ــ أبي بكر الصديق. وجذيمة بفتح الجيم وكسر الذال. قال الطيبي: جذيمة هذا كان ملكاً بالعراق والجزيرة وضم إليه العرب وهو صاحب الزباء- انتهى. وفي القاموس: الزباء ملكة الجزيرة وتعد من ملوك الطوائف، أي كنا كندمانى جذيمة وجليسيه، وهما مالك وعقيل كانا منادميه وجليسيه وأنيسيه مدة أربعين سنة. (حقبة) بالكسر أي المدة طويلة. (حتى قيل لن يتصدعا) أي إلى أن قال الناس لن يتفرقا. (فلما تفرقنا) أي بالموت. (كأني ومالكاً) هو أخو الشاعر الميت. (لطول اجتماع) قيل اللام بمعنى مع أو بعد كما في قوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ [الإسراء:٧٨] ومنه: صوموا لرويته، أي بعد رؤيته. (لم نبت ليلة معاً) أي مجتمعين. (ثم قالت) أي عائشة: (لو حضرتك) أي وقت الدفن. (ما دفنت) بصيغة المجهول. (إلا حيث مت) أي منعتك أن تنقل من مكان إلى مكان، بل دفنت حيث مت، وقد سبق الكلام في نقل الميت فيما تقدم، وكأنها ذهبت إلى منع النقل مطلقاً. (ولو شهدتك) أي حضرت وفاتك. (ما زرتك) قال الطيبي: لأن النبي ﷺ لعن زوارات القبور-انتهى. ويرد عليه أن عائشة كيف زارت مع النهي وإن كانت لم تشهد وقت موته ودفنه، ويمكن أن يجاب عنه بأن النهي محمول على تكثير الزيارة؛ لأنه صيغة مبالغة، ولذا قالت: لو شهدتك ما زرتك؛ لأن التكرار ينبىء عن الإكثار. وفيه أنه ورد اللعن على مطلق الزيارة في بعض الروايات أي بغير صيغة المبالغة. فقد روى أحمد وأبوداود وغيرهما عن ابن عباس مرفوعاً: لعن الله زائرات القبور. وقد تقدم في باب المساجد مع الكلام عليه. وقيل: النهي محمول على زيارتهن لمحرم كالنوح وغيره مما اعتدنه. واختلف العلماء في زيارة القبر للنساء، فذهب الأكثر إلى الجواز. ومحله ما إذا أمنت الفتنة، ويؤيد الجواز حديث أنس الآتي في باب البكاء قال: مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبرها، فقال: اتقي الله واصبري الخ. فإنه ﷺ لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر وتقريره حجة. قال البيهقي: ليس في خبر أنس أنه نهاها إلى الخروج إلى المقبرة، ويؤيد الجواز أيضاً ما رواه مسلم من حديث عائشة قالت: كيف أقول يا رسول الله تعني إذا زرت القبور، قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين-الحديث. سيأتي في باب زيارة القبور، وممن حمل الإذن في زيارة القبور على عمومه للرجال والنساء عائشة، كما يدل عليه حديث الباب وأصرح منه ما روى الحاكم (ج١:ص٣٧٦) والبيهقي (ج٤:ص٧٨) والأثرم في سننه كلهم من طريق ابن أبي مليكة أنها أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، كان نهى ثم أمر بزيارتها، وسيأتي مزيد الكلام عليه في باب

стр. 2419

رواه الترمذي. ١٧٣٣- (٢٧) وعن أبي رافع، قال: ((سل رسول الله ﷺ سعداً ورش على قبره ماء)) . رواه ابن ماجه. ١٧٣٤- (٢٨) وعن أبي هريرة: ((أن رسول الله ﷺ صلى على جنازة، ثم أتى القبر فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثاً)) . رواه ابن ماجه. ــ زيارة القبور. (رواه الترمذي) ولم يحكم عليه بشيء من الصحة والضعف. قال شيخنا: ورجاله ثقات إلا أن ابن جريح مدلس، ورواه عن عبد الله بن أبي مليكة بالعنعنة. ١٧٣٣- قوله: (سلّ رسول الله ﷺ سعداً) أي ابن معاذ بأن وضع السرير في مؤخر القبر ثم حمل سعداً من قبل رأسه وأدخله في القبر، وهو الأفضل عند الشافعي وأحمد، وقد سبق الكلام فيه مفصلاً. (ورش على قبره ماء) فيه مشروعية رش القبر بالماء ولا خلاف فيها. (رواه ابن ماجه) بإسناد ضعيف. قال في الزوائد في إسناده مندل بن علي ضعيف، ومحمد بن عبيد الله بن أبي رافع متفق على ضعفه-انتهى. قلت: محمد بن عبيد الله هذا. قال البخاري فيه: منكر الحديث. وقال أبوحاتم: ضعيف الحديث منكر الحديث جداً وذاهب. وقال الدارقطني: متروك، وله معضلات. وقال ابن معين: ليس بشيء، وذكره ابن حبان في الثقات، كذا في تهذيب الحافظ. وقال الزيلعي في نصب الراية (ج٢:ص٣٠٠) بعد ذكر الحديث: ومندل بن علي ضعيف-انتهى. فالحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج بإنفراده، لكن قد تقدم في الرش والسل أحاديث أخرى، وهي تؤيد حديث أبي رافع هذا. ١٧٣٤- قوله: (فحثى عليه) أي رمى على قبره بالتراب. (ثلاثاً) أي ثلاث حثيات. (رواه ابن ماجه) قال الحافظ في التلخيص (ص١٦٥) بعد نقل هذا الحديث عن ابن ماجه: وقال أبوحاتم في العلل: هذا حديث باطل قلت: (قائله الحافظ) إسناده ظاهره الصحة. قال ابن ماجه: حدثنا العباس بن الوليد الدمشقي ثنا يحيى بن صالح ثنا سلمة بن كلثوم ثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ صلى على جنازة الخ، ليس لسلمة بن كلثوم في سنن ابن ماجه وغيرها إلا هذا الحديث الواحد، ورجاله ثقات، وقد رواه ابن أبي داود في كتاب "التفرد" له من هذا الوجه، وزاد في المتن أنه كبر عليه أربعاً، وقال بعده: ليس يروى في حديث صحيح أنه ﷺ كبر على جنازة أربعاً إلا هذا، فهذا حكم منه بالصحة على هذا الحديث، لكن أبوحاتم إمام لم يحكم عليه بالبطلان إلا بعد أن تبين له، وأظن العلة فيه عنعنة الأوزاعي وعنعنة شيخه، وهذا كله

стр. 2420

١٧٣٥- (٢٩) وعن عمرو بن حزم، قال: ((رآني النبي ﷺ متكئاً على قبر، فقال: لا تؤذ صاحب هذا القبر، أو لا تؤذه)) . رواه أحمد. (٧) باب البكاء على الميت ﴿الفصل الأول﴾ ١٧٣٦- (١) عن أنس، قال: ((دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف ــ إن كان يحيى بن صالح هو الوحاظي شيخ البخاري-انتهى كلام الحافظ. وقد نقل الشوكاني كلام الحافظ هذا في النيل وسكت عليه. ١٧٣٥- قوله: (وعن عمرو بن حزم) بفتح الحاء وسكون الزاي. (تؤذ صاحب القبر) أي لا تهنه فإن روح الميت لا يرضى بالإتكاء على قبره لتضمنه الإهانة. (أو لا تؤذه) أي بالضمير موضع لفظ صاحب القبر وهو شك من الراوي، ورواه النسائي بلفظ: لا تقعدوا على القبور، وكذا وقع في رواية لأحمد، كما قال الحافظ في الفتح. وفي الحديث دليل لما ذهب إليه الجمهور من أن المراد بالجلوس القعود على حقيقته لا الحدث، وفيه بيان علة المنع من الجلوس وهو التأذى. (رواه أحمد) وأخرجه أيضاً النسائي. قال الحافظ في الفتح: إسناده صحيح، وفي الباب عن عمارة بن حزم أخي عمرو بن حزم قال رآني رسول الله ﷺ جالساً على قبر فقال: أنزل من القبر لا تؤذ صاحب القبر. أخرجه أحمد من طريق نعيم بن زياد الحضرمي عن عمارة، ذكره الحافظ في الإصابة. (ج٢:ص٥١٤) وعزاه الهيثمي للطبراني، وقال: وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام، وقد وثق. (باب البكاء) بالمد على الأفصح أي جوازه. (على الميت) أي بدون نياحة. ١٧٣٦- قوله: (على أبي سيف) بفتح السين، قال عياض: اسمه البراء بن أوس الأنصاري، وأم سيف زوجته هي أم بردة واسمها خولة بنت المنذر الأنصارية. قال الحافظ في الفتح: جمع بذلك بين ما وقع في هذا الحديث الصحيح وبين قول الواقدي فيما رواه ابن سعد في الطبقات عنه عن يعقوب بن أبي صعصعة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قال: لما ولد إبراهيم تنافست فيه نساء الأنصار أيتهن ترضعه، فدفعه رسول الله ﷺ إلى أم بردة بنت المنذر بن زيد بن لبيد من بني عدي بن النجار، وزوجها البراء بن أوس بن خالد بن الجعد من بني عدي بن النجار، فكانت ترضعه وكان رسول الله ﷺ يأتيه في بني النجار-انتهى. وما جمع به غير مستبعد، إلا أنه لم يأت عن أحد من الأئمة التصريح بأن البراء بن أوس يكنى أبا سيف، ولا أن أبا سيف يسمى البراء
следующие страницы →