Полный текст (4 545 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك)) .
ــ
ما تولى الله بيانه في الكتاب، وأحكم فرضه فليس به حاجة إلى زيادة من بيان النبي ﷺ ، وبيان شهادات الأصول والوجه الآخر ما ورد ذكره في الكتاب مجملاً، ووكل بيانه إلى النبي ﷺ فهو يفسره قولاً وفعلاً. أو يتركه على إجماله ليتنبه فقهاء الأمة ويستدركوه استنباطاً وإعتباراً بدلائل الأصول، وكل ذلك بيان مصدره عن الله تعالى ورسوله ﷺ (فجزأها) بتشديد الزاي فهمز من التجزئة أي قسم أصحابها (ثمانية أجزاء) أي أصناف أو قسم مصارفها ثمانية أنواع (فإن كنت من تلك الأجزاء) أي من أصحاب تلك الأجزاء (أعطيتك) كذا في جميع النسخ، وكذا نقله المجد بن تيمية في المنتقى، ووقع في سنن أبي داود أعطيتك حقك، وكذا نقله الجزري في جامع الأصول، والبغوي في المصابيح، والخطابي في المعالم. وكذا وقع عند البيهقي. والظاهر أنه سقط لفظ حقك من نسخ المشكاة من النساخ، أو قلد المصنف في ذلك صاحب المنتقى. قال الخطابي (ج٢:ص٥٦) : في قوله "فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك" دليل على أنه لا يجوز جمع الصدقة كلها في صنف واحد، وإن الواجب تفرقتها على أهل السهمان بحصصهم، ولو كان معنى الآية بيان المحل دون الحصص لم يكن للتجزئة معنى، ويدل على صحة ذلك قوله "أعطيتك حقك" فبين إن لأهل كل جزء على حدة حقاً، وإلى هذا ذهب عكرمة وهو قول الشافعي قلت: اختلف الأئمة في أنه هل يجوز إن تصرف جميع الصدقة إلى صنف واحد من الأصناف المنصوصة مع وجود جميعها، أم هم شركاء في الصدقة، لا يجوز أن يخص بها صنف دون صنف. فذهب مالك وأبوحنيفة وأصحابه وأحمد إلى أنه يجوز للإمام أن يصرفها في صنف واحد، ويجوز أن يعطيها شخصاً واحداً، وهو قول حذيفة وابن عباس وعمر. وبه قال سعيد بن جبير، والحسن والنخعي وعطاء. واليه ذهب الثوري وأبوعبيد والشعبي. وقال الشافعي وأصحابه: لا يجوز ترك صنف منهم مع وجوده بل يجب التعميم في القسمة، واستيعاب الأصناف والتسوية بينها، وروى عن النخعي أنه قال إن كان المال كثيراً يحتمل الأصناف قسمه عليهم، وإن كان قليلاً جاز وضعه في صنف واحد. وقال مالك: يتحرى موضع الحاجة منهم، ويقدم الأولى فالأولى. وقال أحمد: تفريقها وتعميمها أولى ويجزئه أن يضعه في صنف واحد. وقال الحنفية: صاحب المال مخير إن شاء أعطى جميعهم، وإن شاء اقتصر على صنف واحد، وكذا يجوز أن يقتصر على شخص واحد من أي صنف شاء. قال ابن رشد: وسبب اختلافهم معارضة اللفظ للمعنى فإن اللفظ يقتضى القسمة بين جميعها، والمعنى يقتضى أن يؤثر بها أهل الحاجة إذ كان المقصود بها سد الخلة فكان تعديدهم في الآية عند هؤلاء، إنما ورد لتمييز الجنس أعنى أهل الصدقات لا تشريكهم في الصدقة، فالأول أظهر من جهة اللفظ، وهذا أظهر من المعنى. ومن الحجة للشافعي ما رواه أبوداود عن الصدائي - انتهى. قلت: المشهور إن اللام في الآية للصيرورة عند المالكية وللملك عند
стр. 2732
.........................
ــ
الشافعية وهو الذي يقتضيه مذهبهم، وعند الحنفية للاختصاص لا للملك يعني إنهم مختصون بالزكاة، ولا تكون لغيرهم كقولهم الخلافة لقريش، والسقاية لبني هاشم أي لا يوجد ذلك في غيرهم فتكون اللام لبيان محل صرفها أي المقصود من الآية بيان الأصناف التي يجوز الدفع إليهم لا تعيين الدفع لهم. قال الطيبي: إنما سمي الله تعالى الأصناف الثمانية في آية الصدقات إعلاماً منه إن الصدقة لا تخرج عن هذه الأصناف، لا إيجاب التقسيم فيما بينهم جميعاً، يدل عليه إيراد الآية بأداة الحصر. أي إنما الصدقات لهؤلاء الأصناف، لا لغيرهم - انتهى. والتمليك ركن من أركان الزكاة عند الحنفية، واستدلوا لذلك بوجوه بسطها ابن الهمام وغيره. منها: إن الله تعالى سماها صدقة وحقيقة الصدقة تمليك المال من الفقير. ومنها: قوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ [البقرة:٤٣] والإيتاء هو التمليك. ومنها: قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ [التوبة:٦٠] الآية. وقوله تعالى: ﴿وفي أموالهم حقٌ للسائل والمحروم﴾ [الذاريات:١٩] قال في البدائع: والإضافة بحرف اللام تقتضي الاختصاص بجهة الملك إذا كان المضاف إليه من أهل الملك. وقال بعضهم: اللام في الآية للعاقبة. قال في العناية: معناه إن المقبوض يصير ملكاً لهم في العاقبة فهم مصاريف ابتداء لا مستحقون ثم يحصل لهم الملك في العاقبة بدلالة اللام واعترض عليه بأنه لا يدل لام العاقبة على التمليك، كما في قوله تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً﴾ [الكهف:٨] وكما قال الشاعر:
لدوا للموت وابنوا للخراب
ومنها: قوله ﷺ في حديث معاذ: تؤخذ من أغنياءهم وترد على فقراءهم. قالوا: الرد على الفقراء لا يكون إلا بتمليكهم إياها، وأجاب الحنفية عن حديث الصدائي بأنه ضعيف وعلى تسليم صحته ليس فيه دلالة إلا على أن الزكاة لا تصرف إلا إلى هذه الأجزاء الثمانية، لا إنها تصرف إلى جميع هذه الأجزاء، وإنما جزأ الله ثمانية لئلا تخرج الصدقة عن تلك الأجزاء. وقال الشوكاني في وبل الغمام: بعد الإشارة إلى تضعيف هذا الحديث ما نصه وعلى فرض صلاحيته للاحتجاج فالمراد بتجزئة الصدقة تجزئة مصارفها كما هو ظاهر الآية التي قصدها ﷺ ، ولو كان المراد تجزئة الصدقة نفسها. وإن كل جز لا يجوز صرفه في غير الصنف المقابل له لما جاز صرف نصيب ما هو معدوم من الأصناف إلى غيره وهو خلاف الإجماع، وأيضاً لو سلم ذلك لكان باعتبار مجموع الصدقات التي تجتمع عند الإمام لا باعتبار صدقة كل فرد، فلم يبق ما يدل على وجوب التقسيط بل يجوز إعطاء بعض المستحقين بعض الصدقات، وإعطاء بعضهم بعضاً، نعم إذا جمع الإمام جميع صدقات أهل قطر من الأقطار وحضر عنده جميع الأصناف الثمانية كان لكل صنف حق في مطالبته، بما فرضه الله تعالى له، وليس عليه تقسيط ذلك بينهم بالسوية ولا تعميمهم بالعطاء، بل له أن يعطى بعض الأصناف أكثر من البعض الآخر، وله أن يعطى بعضهم
стр. 2733
رواه أبوداود.
﴿الفصل الثالث﴾
١٨٥١- (١٦) عن زيد بن أسلم، قال: ((شرب عمر بن الخطاب ﵁ لبناً فأعجبه، فسأل الذي سقاه، من أين هذا اللبن؟ فأخبره إنه ورد
ــ
دون بعض، إذا رأى في ذلك صلاحاً عائداً على الإسلام وأهل مثلاً إذا جمعت لديه الصدقات وحضر الجهاد وحقت المدافعة على حوزة الإسلام من الكفار أو البغاة، فإن له تأثير صنف المجاهدين بالصرف إليهم، وإن استغرق جميع الحاصل من الصدقات، وهكذا إذا اقتضت المصلحة تأثير غير المجاهدين - انتهى. قلت: واستدل للأئمة الثلاثة بقوله تعالى: ﴿إن تبدو الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ [البقرة:٢٧١] وقد تناول جنس الصدقات. والضمير عائد إلى الصدقات وهو عام يتناول جميع الصدقات وبقوله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن أعلمهم صدقة تؤخذ من أغنياءهم فترد في فقراءهم فلم يذكر في الآية ولا في الحديث، إلا صنفاً واحداً. وبقوله ﷺ لقبيصة حين تحمل حمالة أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها، فذكر دفعها إلى صنف واحد وهو من الغارمين، وأمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر وهو شخص واحد، وقسم الذهبية التي بعث بها إليه علي من اليمن بين المؤلفة قلوبهم، وهم صنف واحد. وإنما يؤخذ من أهل اليمن الصدقة، وبما روى في ذلك من آثار الصحابة كحذيفة وابن عباس وعمر وعلي ﵃. قلت: أقرب أقوال الأئمة في هذه المسألة وأرجحها عندي قول مالك وإبراهيم النخعي وهو مختار الشوكاني، كما يدل عليه كلامه الذي نقلنا من وبل الغمام (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً الدارقطني (ص٢١٨) والطحاوي (ج١:ص٣٠٤) والبيهقي (ج٧:ص٦) وسكت عنه أبوداود والبيهقي. وقال المنذري: في إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي وقد تكلم فيه غير واحد - انتهى. قلت: تفرد به عبد الرحمن وقد ضعفه القطان وابن مهدي وابن معين وابن حنبل وغيرهم وضعفه أيضاً البيهقي. وقال الترمذي: رأيت البخاري يقوى أمره. وقال هو مقارب الحديث. وقال الحافظ في التقريب: ضعيف في الحفظ وكان رجلاً صالحاً.
١٨٥١- قوله: (فأعجبه) قال القاري: أي وافق هوى نفسه فأنكره بالاستدلال القلبي أو الالهمام الغيبي (فسأل الذي سقاه من أين) حصل لك (هذا اللبن) قال الغزالي: سأل عمر ﵁ اذرابه فانه أعجبه طعمه ولم يكن على ما كان يألفه كل ليلة، وهذا من أسباب الريبة وحمله على الورع ذكره القاري (ورد) أي مر
стр. 2734
عل ماء قد سماه، فإذا نعم من نعم الصدقة وهم يسقون، فحلبوا من ألبانها فجعلته في سقائى فهو هذا. فأدخل عمر يده، فاستقاء)) . رواه مالك والبيهقي في شعب الإيمان.
ــ
(على ماء قد سماه) أي عينه باسمه (فإذا) المفاجأة (نعم) بفتحتين (من نعم الصدقة) وردت هذا الماء (وهم) أي الرعاة (يسقون) أي النعم من ذلك الماء (فحلبوا) وفي نسخ الموطأ الموجودة عندنا فحلبوا لي أي بزيادة لفظه لي بعد حلبوا وكذا وقع عند البيهقي من رواية مالك لكن رقم عليها في نسخ الموطأ علامة النسخة، ونقله في جامع الأصول كما في المشكاة (فجعلته) أي اللبن (في سقائى) بكسر السين (فأدخل عمر يده) أي في فمه أو حلقه (فاستقاءه) أي فتقيأه حتى أخرجه من جوفه. قال الطيبي: هذا غاية الورع والتنزه من الشبه. وقال ابن عبد البر: محمله عند أهل العلم إن الذي سقاه ليس ممن تحل له الصدقة إذ لعله غني أو مملوك فاستقاءه لئلا ينتفع به، وأصله محظور وإن لم يأته قصداً، وهذا نهاية الورع، ولعله أعطى مثل ذلك أو قيمته للمساكين. ولو كان الذي حلب له هذا اللبن مستحقاً للصدقة لما حرم على عمر قصد شربه كما لم يحرم على النبي ﷺ أكل اللحم الذي تصدق به على بريرة، وقال هو عليها صدقة. ولنا هدية، وما فعله عمر ليس بواجب؛ لأنه استهلكه بالشرب ولا فائدة في قذفه إلا المبالغة في الورع. قلت: وجاء مثل هذا عن أبي بكر أيضاً. قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان عن ابن المنكدر إن أبابكر شرب لبناً فقيل له إنه من الصدقة فتقيأه. وروى البخاري في باب أيام الجاهلية من حديث عائشة قالت: كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج وكان أبوبكر يأكل من خراجه فجاءه يوماً بشيء فأكل منه أبوبكر فقال له الغلام تدري ما هذا؟ فقال أبوبكر: وما هو. قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة إلا إني خدعته فلقيني فأعطاني بذلك فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبوبكر يده فقاء كل شيء في بطنه. وذكر الحافظ في الفتح له عدة قصص نحو هذا وهو من كمال ورعه ﵁ (رواه مالك) أي عن زيد بن أسلم إنه قال: شرب عمر بن الخطاب لبناً الخ. وهذا منقطع. ورواه الشافعي عن مالك عن زيد بن أسلم (والبيهقي في شعب الإيمان) وأخرجه أيضاً في السنن الكبرى (ج٧:ص١٤) من طريق مالك وترجم له باب الخليفة ووالي الإقليم العظيم الذي لا يلي قبض الصدقة ليس لهما في سهم العاملين عليها حق وذكر فيه أيضاً ما روى هو وسعيد ابن منصور وأبوعبيد (ص٦٠٥) من طريق سليمان بن يسار إن ابن أبي ربيعة قدم بصدقات سعى عليها، فلما قدم الحرة خرج عمر بن الخطاب فقرب إليه تمراً ولبناً وزبداً، فأكلوا وأبى عمر أن يأكل. فقال ابن ربيعة: والله أصلحك الله إنا نشرب ألبانها ونصيب منها، فقال: يا ابن أبي ربيعة! لست كهيئتك إنك تتبع أذنابها - انتهى.
стр. 2735
(٤) باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له
﴿الفصل الأول﴾
١٨٥٢- (١) عن قبيصة بن مخارق، قال: تحملت حمالة. فأتيت رسول الله ﷺ : أسأله فيها، فقال: ((أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها ثم قال: يا قبيصة! إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة، فحلت له المسألة يصيبها ثم يمسك. ورجل أصابته جائحة
ــ
(باب من لا تحل له المسألة ومن تحله له)
١٨٥٢- قوله: (عن قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة فمثناة تحتية فصاد مهملة (بن مخارق) بضم الميم وتخفيف المعجمة بعدها راء مكسورة ثم قاف، هو قبيصة بن مخارق بن عبد الله أبوبشر الهلالي صحابي، وفد على النبي ﷺ وروى عنه سكن البصرة (تحملت حمالة) بفتح الحاء وتخفيف الميم وهو المال يتحمله الإنسان عن غيره من دية أو غرامة كان يقع حرب بين فريقين، ويسفك فيها الدماء فيدخل بينهم رجل يتحمل ديات القتلي ليصلح ذات البين. والتحمل أن يحملها عنهم على نفسه أي يتكفلها ويلتزمها في ذمته. قال الخطابي: تفسير الحمالة، أن يقع بين القوم التشاجر في الدماء والأموال ويحدث بسببهما العدواة والشحناء ويخاف من ذلك الفتق العظيم فيتوسط الرجل فيما بينهم، ويسعى في إصلاح ذات البين ويتضمن مالاً لأصحاب الطوائل يترضاهم بذلك حتى تسكن الثائرة وتعود بينهم الألفة - انتهى. قال الشوكاني: قد كانت العرب إذا وقعت بينهم فتنة اقتضت غرامة في دية أو غيرها قام أحدهم فتبرع بالتزام ذلك، والقيام به حتى ترتفع تلك الفتنة الثائرة، ولا شك إن هذا من مكارم الأخلاق، وكانوا إذا علموا إن احدهم تحمل حمالة بادروا إلى معونته وأعطوه ما تبرأ به ذمته، وإذا سأل لذلك لم يعد نقصاً في قدره بل فخراً - انتهى. (أسأله فيها) أي في الحمالة بمعنى لأجلها (أقم) أمر من الإقامة بمعنى اثبت واصبر. وقال السندي: أي كن في المدينة مقيماً (حتى تأتينا الصدقة) أي يحضرنا مالها (فنأمر لك) بنصب الراء (بها) أي بالصدقة أو بالحمالة (إن المسألة) أي السؤال (لا تحل إلا لأحد ثلاثة) أي لا تحل إلا لصاحب ضرورة ملجئة إلى السؤال كأصحاب هذه الضرورات (رجل) بدل "من أحد". وقال ابن الملك: بدل من "ثلاثة" وبالرفع خبر مبتدأ محذوف أي أحدهم (فحلت له المسألة) أي جازت (حتى يصيبها) أي الحمالة (ثم يمسك) أي عن السؤال؛ لأن السؤال حل له لأجل الحمالة فلما أصابها إرتفعت الإباحة فيجب أن يمسك عنه (ورجل) بالوجهين (أصابته جائحة)
стр. 2736
اجتاحت ماله، فحلت له المسألة، حتى يصيب قواماً من عيش، أو قال سداداً من عيش. ورجل أصابته فاقة، حتى يقوم ثلاثة من ذوى الحجى من قومه لقد أصابت فلاناً فاقة فحلت له المسألة، حتى يصيب قواماً من عيش، أو قال سداداً من عيش. فما سواهن من المسألة يا قبيصة؟ سحت يأكلها صاحبها سحتاً)) .
ــ
هي الآفة التي تهلك الثمار والأموال وتستأصلها كالغرق والحرق والبرد للزرع والثمار، من جاحه يجوحه إذا استأصله (إجتاحت) أي استأصلت وأتلفت (ماله) من ثمار بستانه أو غيرها من الأموال (قواماً) بكسر القاف أي ما يقوم به حاجته ويسد به خلته (من عيش) أي معيشة من قوة ولباس (أو قال) شك من الراوي (سداد) بكسر السين ما تسد به حاجته وخلته. قال النووي: القوام والسداد بكسر القاف والسين وهما بمعنى، وهو ما يغنى من شيء وما تسد به الحاجة. وقال المنذري: القوام بفتح القاف وكسرها أفصح هو ما يقوم به حال الإنسان من مال غيره، والسداد بكسر السين هو ما يسد حاجته المعوذ ويكفيه (ورجل) بالوجهين (فاقة) أي حاجة أي كان غنياً موسراً ثم افتقر وأصابته فاقة ولم يعرف حاله (حتى يقوم) أي على رؤس الأشهاد (ثلاثة من ذوي الحجي) بكسر الحاء المهملة وفتح الجيم بعدها ألف مقصورة، أي العقل والفطنة (من قومه لقد أصابت فلاناً فاقة) أي يقوم ثلاثة قائلين هذا القول. قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ أي من صحيح مسلم حتى يقوم ثلاثة وهو صحيح، أي يقومون بهذا الأمر فيقولون لقد أصابته فاقة - انتهى. وقال الصغاني: هكذا وقع في كتاب مسلم يقوم، والصحيح يقول باللام، وكذا أخرجه أبوداود وكذا في المصابيح. وأجيب بأن تقدير القول مع القيام آكد. قال السندي: وهذا كناية عن كون تلك الفاقة محققة لا مخيلة حتى لو استشهد عقلاء قومه بتلك الفاقة لشهدوا بها، والفرق بين هذا القسم والقسم السابق، إن الفاقة في القسم الأول ظاهرة بين غالب الناس وفي هذا القسم خفية عنهم (وما سواهن) أي هذه الأقسام الثلاثة من المسألة (سحت) بضم السين وسكون الحاء المهملتين وروى بضم الحاء وهو الحرام. وسمي سحتاً؛ لأنه يسحت البركة أي يذهبها ويمحقها (يأكلها) أي يأكل ما يحصل له بالمسألة قاله الطيبي: والحاصل يأكل حاصلها. وقال في سبل السلام: يأكلها أي الصدقة، أنث لأنه جعل السحت عبارة عنها وإلا فالضمير له (صاحبها) أي المسألة (سحتاً) نصب على التمييز أو بدل من ضمير يأكلها وجعله ابن حجر حالاً. قال ابن الملك: وتأنيث الضمير بمعنى الصدقة والمسألة - انتهى. والحديث دليل على أنها تحرم المسألة من الزكاة إلا لثلاثة الأول لمن تحمل حمالة، وظاهره وإن كان غنياً فإنه
стр. 2737
.....................
ــ
لا يلزمه تسليمه من ماله، وهذا هو أحد الخمسة الذين يحل لهم أخذ الصدقة وإن كانوا أغنياء كما سلف في حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد. والثاني: من أصاب ماله آفة سماوية أو أرضية كالبرد والغرق ونحوه بحيث لم يبق له ما يقوم بعيشه حلت له المسألة، حتى يحصل له ما يقوم بحالة ويسد خلته. والثالث: من أصابته فاقة ولكن لا تحل له إلا بشرط أن يشهد له من قومه؛ لأنهم أخبر بحاله ثلاثة من ذوي العقول، لا من غلب عليه البغاوة والتغفيل هو محمول على من كان معروفاً بالغنى ثم افتقر. أما إذا لم يكن كذلك فإنه يحل له السؤال وإن لم يشهدوا له بالفاقة، ويقبل قوله وظاهره إعتبار شهادة ثلاثة على الإعسار، وقد ذهب إلى ذلك ابن خزيمة وبعض أصحاب الشافعي. وقال الجمهور: تقبل شهادة عدلين كسائر الشهادات غير الزنا، وحملوا الحديث على الاستحباب. قال الخطابي: في هذا الحديث علم كثير وفوائد جمة، وذلك إنه قد جعل من تحل له المسألة من الناس أقساماً ثلاثة غنياً وفقيرين، وجعل الفقر على ضربين، فقراً ظاهراً، وباطناً، فالغنى الذي تحل له المسألة، هو صاحب الحمالة، وهي الكفالة والحميل الضمين والكفيل، ثم ذكر تفسير الحمالة كما نقلنا عنه. ثم قال فهذا الرجل صنع معروفاً وابتغى بما أتاه صلاحاً فليس من المعروف أن تورك الغرامة عليه في ماله، ولكن يعان على أداء ما تحمله منه ويعطى من الصدقة قدر ما يبرأ به ذمته ويخرج من عهدة ما تضمنه منه: وأما النوع الأول من نوعي أهل الحاجة فهو رجل أصابته جائحة في ماله فأهلكته، والجائحة في غالب العرف هي ما ظهر أمره من الآفات كالسيل يغرق متاعه، والنار تحرقه، والبرد يفسد زرعه وثماره في نحو ذلك من الأمور، وهذه الأشياء لا تخفى آثارها عند وقوعها، فإذا أصاب الرجل شيء منها فذهب ماله وافتقر حلت له المسألة. ووجب على الناس أن يعطوه الصدقة من غير بينة يطالبونه بها على ثبوت فقره وإستحقاقه إياها. وأما النوع الآخر: فإنما هو فيمن كان له ملك ثابت وعرف له يسار ظاهر فأدعى تلف ماله من لص طرقه أو خيانة ممن أودعه أو نحو ذلك من الأمور التي لا يبين لها أثر ظاهر في المشاهدة والعيان. فإذا كان ذلك، ووقعت في أمره الريبة في النفوس لم يعط شيئاً من الصدقة إلا بعد إستبراء حاله، والكشف عنه بالمسألة عن أهل الاختصاص به والمعرفة بشأنه، وذلك معنى قوله "حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجي من قومه" الخ. واشتراطه "الحجي" تأكيد لهذا المعنى أي لا يكونوا من أهل الغباوة والغفلة ممن يخفى عليهم بواطن الأمور، وليس هذا من باب الشهادة، ولكن من باب التبين والتعريف. وذلك أنه لا مدخل لعدد الثلاثة في شيء من الشهادات، فإذا قال نفر من قومه، أو جيرانه أو ذوى الخبرة بشأنه إنه صادق فيما يدعيه أعطى الصدقة. قال الخطابي: وفي قوله "أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها" دليل على جواز نقل الصدقة من بلد إلى أهل بلد آخر، وفيه إن الحد الذي ينتهي إليه العطاء في الصدقة هو الكفاية التي يكون بها قوام العيش وسداد الخلة، وذلك يعتبر في كل إنسان بقدر حاله ومعيشته ليس في حد معلوم يحمل عليه الناس كلهم مع اختلاف
стр. 2738
رواه مسلم.
١٨٥٣- وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل الناس أموالهم تكثراً، فإنما يسأل جمراً، فليستقل أو ليستكثر)) رواه مسلم.
١٨٥٤- وعن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم))
ــ
أحوالهم - انتهى. والظاهر من الأحاديث تحريم السؤال إلا للثلاثة المذكورين أو أن يكون المسئول السلطان كما سيأتي (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد (ج٣:ص٤٧٧) و (ج٥:ص٦٠) والشافعي (ج٢:ص٦٢) وأبوداود والنسائي والدارقطني وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي (ج٧:ص٢١-٢٣) وأبوعبيد (ص٢٣٠-٥٤٧) .
١٨٥٣- قوله: (من سأل الناس أموالهم) أي شيئاً من أموالهم يقال، سألته الشيء وعن الشيء. قال الطيبي: قوله "أموالهم" بدل اشتمال "من الناس" وقد تقرر عند العلماء إن البدل هو المقصود بالذات، وإن الكلام سبق لأجله فيكون القصد من سؤال هذا السائل نفس المال والإكثار منه لا دفع الحاجة، فيكون مثل هذا المال كنز يترتب عليه فإنما يسأل جمراً - انتهى. (تكثراً) مفعول له أي ليكثر به ماله لا للاحتجاج. وقيل: أي بطريق الإلحاح والمبالغة في السؤال (فإنما يسأل جمراً) أي قطعة من نار جهنم يعني ما أخذ سبب للعقاب بالنار، وجعله جمراً للمبالغة فهذا كقوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً، إنما يأكلون في بطونهم ناراً﴾ [النساء:١٠] أي ما يوجب ناراً في العقبى، ويجوز أن يكون على ظاهره، وإن الذي يأخذه يصير جمراً حقيقة يعذب ويكوى به كما ثبت في مانعى الزكاة (فليستقل) من السؤال أو الجمر (أو ليستكثر) أي ليطلب قليلاً أو كثيراً ولينظر في عاقبته وهذا توبيخ له وتهديد كما في قوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ [الكهف:٢٩] لا إلاذن والتخيير. قال في السبل قوله "فليستقل" أمر للتهكم ومثله ما عطف عليه، أو للتهديد من باب اعملوا ما شئتم وهو مشعر بتحريم السؤال للاستكثار (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد وابن ماجه والبيهقي.
١٨٥٤- قوله: (ما يزال الرجل) والمرأة (يسأل الناس) أموالهم أي تكثراً وهو غنى كما سيأتي (مزعة لحم) مزعة بضم الميم وحكى كسرها وسكون الزاى بعدها مهملة أي قطعة من لحم أو نتفة منه. وقال ابن التين: ضبطه بعضهم بفتح الميم والزاي. والذي أحفظه من المحدثين الضم. قال الخطابي: يحتمل وجوهاً. أن يأتي
стр. 2739
متفق عليه.
١٨٥٥ - (٤) وعن معاوية، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تلحفوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحد منكم شيئاً فتخرج له مسألة مني شيئاً، وأنا كاره، فيبارك له فيما أعطيته))
ــ
ذليلاً ساقطاً لا جاه له ولا قدر، كما يقال لفلان وجه عند الناس فهو كناية. وأن يكون قد نالته العقوبة في وجهه فعذب حتى سقط لحمه على معنى مشاكلة عقوبة الذنب مواضع الجناية من الأعضاء كقوله ﷺ : رأيت ليلة أسرى بي قوماً تقرض سفاههم فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هم الذين يقولون ما لا يفعلون. وأن يبعث ووجهة عظم كله فيكون ذلك علامة له وشعاراً يعرف به، وإن لم يكن من عقوبة مسته في وجهه -انتهى. قال الحافظ: الأول صرف للحديث عن ظاهره وقد يؤيده ما أخرجه الطبراني والبزار من حديث مسعود بن عمر. ومرفوعاً، لا يزال العبد يسأل وهو غني حتى يخلق وجهه فلا يكون له عند الله وجه. ومال المهلب إلى حمله على ظاهره، وإلى أن السر فيه إن الشمس تدنو يوم القيامة، فإذا جاء لا لحم بوجهه كانت أذية الشمس له أكثر من غيره قال. والمراد به من سأل تكثراً وهو غني لا تحل له الصدقة، وأما من سأل وهو مضطر فذلك مباح له فلا يعاقب عليه - انتهى. قلت: ظاهر الحديث يدل على ذم تكثير السؤال وقبحه، وإن كل مسألة تذهب من وجهه قطعة لحم حتى لا يبقى فيه شيء لقوله "لا يزال" وفهم البخاري إنه وعيد لمن يسأل تكثراً، يعني سأل ليجمع الكثير من غير احتياج إليه، فإنه ترجم له بباب من سأل تكثراً، والفرق بينهما ظاهر فقد يسأل الرجل دائماً، وليس متكثراً لدوام افتقاره واحتياجه لكن لما كان المتوعد عليه على ما تشهد به القوائد هو السائل عن غني وكثرة، وإن سؤال ذي الحاجة مباح نزل البخاري - الحديث. على من يسأل ليكثر ماله (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٢:ص١٥-٨٨) والنسائي والبيهقي (ج٤:ص١٩٦) .
١٨٥٥- قوله: (وعن معاوية) أي ابن أبي سفيان (لا تلحفوا في المسألة) مصدر بمعنى السؤال أي لا تبالغوا ولا تلحوا من الحف في المسألة إذا ألح فيها. قال تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافاً﴾ [البقرة: ٢٧٣] واشتقاق الحف من اللحاف؛ لأنه يشتمل على وجوه الطلب كإشتمال اللحاف في التغطية (فوالله لا يسألني) أي بالإلحاف (فتخرج) بالتأنيث منصوباً ومرفوعاً والنسبة مجازية سببية في الإخراج (وأنا له) أي لذلك الشيء يعني لإعطائه أو لذلك الإخراج الدال عليه تخرج والواو للحال (فيبارك) بالنصب مجهولاً (له فيما أعطيته) أي على تقدير الإلحاف. قال الطيبي: بالنصب بعد الفاء على معنى الجمعية أي لا يجتمع إعطائي كارهاً مع البركة - انتهى. وسره إن النفوس اللاحقة بالملاء الأعلى تكون الصورة الذهنية فيها من الكراهة والرضا بمنزلة الدعاء المستجاب
стр. 2740
رواه مسلم.
١٨٥٦ - (٥) وعن الزبير بن العوام، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطب على ظهره، فيبيعها.
ــ
والله أعلم، كذا في حجة الله البالغة. قال القاري: وفي نسخة بالرفع فيقدر هو فيكون كقوله تعالى: ﴿ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾ [المرسلات:٣٦] انتهى. وفي رواية لمسلم قال: أي معاوية سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما أنا خازن فمن أعطيته عن طيب نفس فمبارك له فيه، ومن أعطيته عن مسألة وشره نفس كان كالذي يأكل ولا يشبع. قال النووي في شرح مسلم: اتفق العلماء على النهى عن السؤال لغير ضرورة، واختلف أصحابنا في مسألة القادر على الكسب على وجهين: أصحهما أنها حرام لظاهر الأحاديث. والثاني: حلال مع الكراهة بثلاثة شروط أن لا يذل نفسه، ولا يلح في السؤال، ولا يؤذي المسئول فان فقد أحد هذه الشروط فهي حرام بالاتفاق - انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤:ص٩٨) والنسائي والدارمي والبيهقي (ج٤:ص١٩٦) وفي الباب عن ابن عمر عند أبي يعلى ذكره المنذري في الترغيب، وقال رواته محتج بهم في الصحيح.
١٨٥٦- قوله: (وعن الزبير بن العوام) بفتح العين المهملة وتشديد الواو وهو الزبير بن العوام بن خويلد ابن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب أبوعبد الله الأسدي القرشي حواري رسول الله ﷺ وابن عمته صفية بنت عبد المطلب وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى أسلم وله اثنتا عشر سنة. وقيل: ثمان سنين. وكان عم الزبير وهو نوفل بن خويلد يعلق الزبير في حصير ويدخن عليه بالنار ليرجع إلى الكفر فيقول: لا أكفر أبداً، شهد بدراً وما بعدها، وهاجر الهجرتين. وهو أول من سل سيفاً في سبيل الله وذلك إن الشيطان نفخ نفخة فقال: أخذ رسول الله ﷺ فأقبل الزبير يشق الناس بسيفه، والنبي ﷺ بأعلى مكة. وفي رواية فقيل: قتل رسول الله ﷺ فخرج الزبير متجرداً بالسيف صلتاً روى عن النبي ﷺ ، وعنه إبناه عبد الله وعروة والأحنف وغيرهم، وكان في صدره أمثال العيون من الطعن والرمي أصابه مع رسول الله ﷺ في سبيل الله، قتل في جمادى الآخرة سنة (٣٦) بعد منصرفة من وقعة الجمل، وله ست أو سبع وستون سنة. وكان الذي قتله عمرو بن جرموز التميمي قتله غدراً بوادي السباع ناحية البصرة ودفن فيه، وقال علي ﵁ لمن آذنه بقتله: بشر قائل ابن صفية بالنار (لأن يأخذ) بفتح اللام (أحدكم حبله) أي فيجمع حطباً ثم يربط به (فيأتي بحزمة حطب على ظهره) قال ابن الملك: الحزمة بضم الحاء قدر ما يحمل بين العضدين والصدر، ويستعمل فيما يحمل على الظهر من الحطب. وقال في الصراح: حزمة بالضم بند هيزم (فبيعها) قيل:
стр. 2741
فيكف الله بها وجهه، فيكف الله بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه)) . رواه البخاري.
١٨٥٧- (٦) وعن حكيم بن حزام، قال: ((سألت رسول الله ﷺ : فأعطاني، ثم سألته فأعطاني ثم قال لي: يا حكيم! إن هذا المال خضر حلو.
ــ
منصوب بتقدير"إن" أي فإن يبيع تلك الحزمة (فكيف) بالنصب أيضاً (الله بها) أي فيمنع الله بسبب الحزمة وثمنها (وجهه) أي من أن يريق ماءه بالسؤال (خير له) قال الحافظ: ليست "خير" هنا بمعنى التفضيل إذ لا خير في السؤال مع القدرة على الاكتساب، والأصح عند الشافعية إن سؤال من هذا حاله حرام. ويحتمل أن يكون المراد بالخير فيه بحسب اعتقاد السائل وتسميته الذي يعطاه خيراً، وهو في الحقيقة شر - انتهى. وقال السندي في حاشية مسلم: قوله "خير له" الخ. أي لو فرض في السؤال خيريه لكان هذا خبراً منه، إلا فمعلوم أنه لا خيرية في السؤال. وقال في حاشية ابن ماجه: الكلام من قبيل "وإن تصوموا خيراً لكم" والمراد إن ما يلحق الإنسان بالاحتزام من التعب الدنيوي خير له مما يلحقه بالسؤال من التعب الأخروي، فعند الحاجة ينبغي له أن يختار الأول ويترك الثاني (من أن يسأل الناس) أي من سؤال الناس، ولو كان الاكتساب بعمل شاق كالاحتطاب. وقد روى عن عمر فيما ذكره ابن عبد البر مكسبة فيها بعض الدناءة خير من مسألة الناس (أعطوه) فحملوه ثقل المنة مع ذل السؤال (أو منعوه) فاكتسب الذل والخيبة والحرمان يعني يستوي الأمر إن في أنه خير له. وفي الحديث الحض على التعفف عن المسألة والتنزه عنها ولو أمتهن المرأ نفسه في طلب الرزق، وارتكب المشقة في ذلك ولولا قبح المسألة في نظر الشرع لم يفضل ذلك عليها، وذلك لما يدخل على السائل من ذل السؤال ومن ذل الرد، إذا لم يعط. ولما يدخل على المسؤل من الضيق في ماله أن أعطى كل سائل، وفيه فضيلة الاكتساب بعمل اليد (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً أحمد (ج١:ص١٤٦-١٦٨) وابن ماجه والبيهقي (ج٤:ص١٩٥) وفي الباب عن أبي هريرة عند مالك والشيخين والترمذي والنسائي.
١٨٥٧- قوله: (وعن حكيم بن حزام) بفتح المهملة في الأول وكسرها في الثاني، وتخفيف الزاي المعجمة (سألت رسول الله ﷺ فأعطاني ثم سألته فأعطاني) كذا وقع في هذه الرواية بتكرير الإعطاء مرتين وفي سائر الروايات بتكرير السؤال والإعطاء ثلاثاً (ثم قال لي) أي بعد الإعطاء الثالث كما في سائر الروايات (إن هذا المال خضر) بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين، أي طرى ناعم مرغوب فيه غاية الرغبة (حلو) بضم الحاء المهملة وسكون اللام، أي لذيذ عند النفس تميل إليه بالطبع غاية الميل. وقيل: الخضر في العين طيب، والحلو يكون في الفم طيباً: إذ لا تمل العين من النظر إلى الخضر، ولا يمل الفم من أكل الحلو فكذلك النفس حريصة بجمع المال
стр. 2742
فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع،
ــ
لا تمل عنه. والمعنى إن هذا المال في الرغبة فيه، والميل إليه وحرص النفوس عليه كالفاكهة خضر في المنظر حلو في الذوق، ففيه تشبيه المال في الرغبة والميل إليه بالفاكهة الخضرة المستلذة المستحلاة الطعم. فان الأخضر مرغوب فيه على انفراده بالنسبة إلى اليابس والحلو كذلك على انفراده بالنسبة إلى الحامض، فالإعجاب بهما إذا اجتمعا أشد. وفيه إشارة إلى عدم بقاءه، لأن الخضروات لا تبقى ولا تراد للبقاء وذكر الخبر في هذه الرواية، ووقع في سائر الروايات إن هذا المال خضرة حلوة. قيل: أنث الخبر لأن المراد الدنيا. وقيل: لأن التقدير إن صورة هذا المال أو يكون التأنيث للمعنى؛ لأنه اسم جامع لأشياء كثيرة، والمراد بالخضرة الروضة الخضراء، أو الشجرة الناعمة والحلوة المستحلاة الطعم. قال في المصابيح: إذا كان قوله "خضرة" صفة للروضة أو المراد بها نفس الروضة الخضرة لم يكن ثم إشكال البتة، وذلك أن توافق المبتدأ والخبر في التأنيث. إنما يجب إذا كان الخبر صفة مشقة غير سببية نحو هند حسنة أو حكمها كالمنسوب. أما في الجوامد فيجوز نحو هذه الدار مكان طيب وزيد نسمة عجيبة - انتهى. وقال الحافظ: معناه إن صورة حسنة مونقة، والعرب تسمى كل شيء مشرق ناضر أخضر. وقال ابن الأنباري: قوله "خضرة حلوة" ليس هو صفة المال وإنما هو للتشبيه كأنه قال المال كالبقلة الخضراء الحلوة أو التاء فيه باعتبار ما يشتمل عليه المال من زهرة الدنيا. أو على معنى فائدة المال أي إن الحياة به أو العيشة أو إن المراد بالمال هنا الدنيا؛ لأنه من زينتها. قال الله تعالى: ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا﴾ [الكهف:٤٦] وقد وقع في حديث أبي سعيد في السنن الدنيا خضرة حلوة فيتوافق الحديثان، ويحتمل أن تكون التاء فيهما للمبالغة (فمن أخذه) أي المال أخذاً متلبساً (بسخاوة) بفتح السين المهملة (نفس) أي من غير حرص عليه أو بغير شره ولا إلحاح أي من أخذه بغير سؤال ولا إشراف ولا تطلع ولا طمع وهذا بالنسبة إلى الآخذ، ويحتمل أن يكون بالنسبة إلى المعطى أي بسخاوة نفس المعطى أي انشراح صدره بما يعطيه يعني من أخذه ممن يعطى منشرحاً باعطاءه إياه طيب النفس لا بسؤال اضطره إليه أو نحوه مما لا تطيب معه نفس المعطى، والظاهر هو الأول (ومن أخذه بإشراف نفس) أي مكتسباً له بطلب النفس وحرصها عليه وتعرضها له وطعمها فيه وتطلعها اليه وهذا بالنسبة إلى الآخذ، ويحتمل أن يكون بالنسبة إلى المعطى أي بكراهيته من غير طيب نفس بالاعطاء كذا قيل: والظاهر هو الأول (لم يبارك له) أي الآخذ (فيه) أي في المعطى (وكان) أي السائل الآخذ الصدقة في هذه الصورة لما يسلط عليه من عدم البركة وكثرة الشره والنهمة (كالذي يأكل ولا يشبع) أي كذى الجوع الكاذب بسبب سقم من غلبة خلط سوداوي أو آفة ويسمى جوع
стр. 2743
واليد العليا خير من اليد السفلى. واليد العليا خير من اليد السفلى. قال حكيم. فقلت: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً، حتى أفارق الدنيا)) .
ــ
الكلب كلما أزداد جوعاً فلا يجد شبعاً ولا ينجع فيه الطعام، والمراد أنه لا ينقطع شهاءه فيبقى في حيرة الطلب على الدوام ولا ينقضي شهواته التي لأجلها طلبه. وفي الحديث على التعفف والرضا بما تيسر في عفاف، وإن كان قليلاً، وإنه لا يغتر الإنسان بكثرة ما يحصل له بإشراف ونحوه فإنه لا يبارك له فيه (واليد العليا) أي المنفقة (خير من اليد السفلى) أي السائلة. قال السندي: المشهور تفسير اليد العليا بالمنفقة وهو الموافق للأحاديث. وقيل: عليه كثيراً ما يكون السائل خيراً من المعطى فكيف يستقيم هذا التفسير وليس بشيء إذا الترجيح من جهة الإعطاء والسؤال، السؤال لا من جميع الوجوه والمطلوب الترغيب في التصدق والتزهيد في السؤال، ومنهم من فسر العليا بالمتعففة عن السؤال حتى صفحوا المنفقة في الحديث (يعني حديث ابن عمر الآتي) بالمتعففة والمراد بالعلو قدر أو على الوجهين فالسفلى هي السائلة. إما لأنها تكون تحت يد المعطى وقت الإعطاء أو لكونها ذليلة بذل السؤال والله أعلم. بحقيقة الحال - انتهى. قلت: القول الراجح المعول عليه هو أن المراد بالعليا هي المنفقة وبالسفلى السائلة. لما روى أحمد والطبراني بإسناد صحيح عن حكيم بن خزام مرفوعاً: يد الله فوق يد المعطى، ويد المعطى فوق يد المعطى، ويد المعطى أسفل الأيدي، وللطبراني من حديث عدي الجذامي مرفوعاً مثله. وروى النسائي وابن حبان والدارقطني من حديث طارق المحاربي. قال: قدمنا المدينة فإذا النبي ﷺ قائم على المنبر يخطب الناس وهو يقول: يد المعطى العليا. ولابن أبي شيبة والبزار من طريق ثعلبة بن زهدم مثله، ولأبي داود وابن خزيمة والحاكم من حديث أبي الأحوض عوف بن مالك عن أبيه مرفوعاً الأيدي ثلاثة. فيد الله: العليا. ويد المعطى: التي تليها. ويد السائل: السفلى. ولأحمد والبزار من حديث عطية السعدي اليد المعطية هي العليا، والسائلة هي السفلى. قال الحافظ بعد ذكر هذه الأحاديث: فهذه الأحاديث متضافرة على أن اليد العليا هي المنفقة المعطية وإن السفلى هي السائلة وهذا هو المعتمد وهو قول الجمهور - انتهى. وفي تفسير ذلك أقوال أخرى ذكرها الحافظ في الفتح. ثم قال وكل هذه التأويلات تضمحل عند الأحاديث المتقدمة المصرحة بالمراد فأولى ما فسر الحديث بالحديث - انتهى. (لا أزرأ) بفتح الهمزة وإسكان الراء وفتح الزاي بعدها همزة أي لا انقص (أحداً) أي مال أحد بالسؤال عنه والأخذ منه (بعدك) أي بعد سؤالك هذا أو بعد قولك هذا (شيئاً) مفعول ثان "لأرزأ" بمعنى أنقص أي لا آخذ من أحد شيئاً بعدك، وفي رواية قلت: فواالله لا تكون يدي بعدك تحت يد من أيدي العرب (حتى أفارق الدنيا) أي إلى أن أموت ولم يرزأ حكيم أحداً من الناس بعد رسول الله ﷺ حتى توفي لعشر سنين من إمارة معاوية مبالغة في الاحتراز، إذا مقتضى الجبلة الإشراف والحرص والنفس سراقة، ومن حام حول الحمى
стр. 2744
متفق عليه.
١٨٥٨- (٨) وعن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ : قال وهو على المنبر وهو يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة: ((اليد العليا خير من اليد السفلى" واليد العليا هي المنفقة والسفلى هي السائلة)) .
ــ
يوشك أن يقع فيه. وفي الحديث فوائد، ذكرها الحافظ في الفتح نقلاً عن ابن أبي جمرة فارجع إليه (متفق عليه) أخرجه البخاري في الزكاة والوصايا والخمس والرقاق، ومسلم في الزكاة. واللفظ للبخاري في الوصايا، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٣:ص٤٣٤) والترمذي والنسائي والبيهقي وغيرهم.
١٨٥٨- قوله: (وهو على المنبر) جملة إسمية وقعت حالاً (وهو) أي والحال أنه (يذكر الصدقة) أي فضلها والحث عليها (والتعفف عن المسألة) أي الكف عن السؤال وهذا لفظ مسلم عن قتيبة عن مالك عن نافع ابن عمر، وكذا رواه النسائي عن قتيبة، وكذا وقع في الموطأ. ولفظ البخاري من طريق القعنبي عن مالك، وذكر الصدقة والتعفف. والمسألة أي بالواو بدل عن قبل المسألة، ولأبي داود من هذا الطريق، وهو يذكر الصدقة والتعفف منها والمسألة، والضمير في "منها" عائد على "الصدقة" المتقدم ذكرها أي والتعفف من أخذ الصدقة، والمعنى أنه كان يحض الغنى على الصدقة والفقير على التعفف عن المسألة أو يحضة على التعفف ويذم المسألة (واليد العليا) قال النووي: المراد بالعلو علو الفضل والمد ونيل الثواب. وقال الباجي: هو بمعنى أنه أرفع درجة ومحلاً في الدنيا والآخرة، (هي المنفقة) اسم فاعل من انفق يعني المعطية (والسفلى هي السائلة) هذا التفسير مدرج في الحديث فروى أحمد (ج٢:ص١٥٢) بإسناد صحيح عن ابن عمر إنه كتب إلى عبد العزيز بن مروان إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ابدأ بمن تعول واليد العليا خير من اليد السفلى، وإني لأحسب اليد العليا المعطية والسفلى السائلة. فهذا يشعر بأن التفسير من كلام ابن عمر، ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة والبيهقي (ج٤:ص١٩٨) من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: كنا نتحدث إن اليد العليا هي المنفقة. واعلم إنه اتفق الرواة عن مالك على قوله: المنفقة، والحديث رواه البخاري أيضاً عن عارم عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ لكن لم يسق متن هذا الطريق وأشار أبوداود إلى الاختلاف فيه على أيوب عن نافع، ثم على حماد بن زيد عن أيوب. وحاصل هذا الاختلاف أنه قال: أكثر الرواة عن حماد ابن زيد عن أيوب اليد العليا المنفقة. وقال مسدد عن حماد عند ابن عبد البر في التمهيد. وأبوالربيع الزهراني عن حماد عند يوسف بن يعقوب القاضي في كتاب الزكاة المتعففة، يعني بالعين والفائيين وكذا قال عبد الوارث عن
стр. 2745
متفق عليه.
١٨٥٩- (٩) وعن أبي سعيد الخدري، قال: ((إن أناساً من الأنصار، سألوا رسول الله ﷺ
ــ
أيوب "المتعففة" بدل المنفقة قال الحافظ: لم أقف على رواية عبد الوارث موصولة، وقد أخرجه أبونعيم في المستخرج من طريق سليمان بن حرب عن حماد بلفظ: واليد العليا يد المعطى، وهذا يدل على أن من رواه عن نافع بلفظ: المتعففة فقد صحف، قلت: ويدل عليه أيضاً ما روى أحمد (ج٢:ص٩٨) عن يونس عن حماد بلفظ: اليد العليا المعطية، ورواه موسى بن عقبة عن نافع فاختلف عليه أيضاً فقال عبد الله بن المبارك: عند أحمد (ج٢:ص٦٧) وحفص بن ميسرة عند البيهقي (ج٤:ص١٩٨) وفضيل بن سليمان عند ابن حبان كلهم عن موسى بن عقبة المنفقة. وقال إبراهيم بن طهمان عنه: عند البيهقي (ج٤:ص١٩٨) المتعففة يعني بعين وفاءيين، ورجح الخطابي في المعالم (ج٢:ص٧٠) رواية المتعففة فقال: إنها أشبه وأصح في المعنى، وذلك إن ابن عمر ذكر أن رسول الله ﷺ قال هذا الكلام، وهو يذكر الصدقة والتعفف منها فعطف الكلام على سببه الذي خرج عليه وعلى ما يطابقه في معناه أولى. ورجح ابن عبد البر في التمهيد رواية المنفقة فقال: إنها أولى وأشبه بالصواب من قول من قال المتعففة. وقال النووي في شرح مسلم: إنها الصحيح قال: ويحتمل صحة الروايتين فالمنفقة أعلى من السائلة والمتعففة أولى من السائلة - انتهى. قلت: قد سبق ما يدل على أنه لفظة المتعففة بالعين والفاءيين مصحفة عن المنفقة وتقدم أيضاً إن الأحاديث متظافرة على أن اليد العليا هي المنفقة المعطية، فالصحيح هي رواية المنفقة لا المتعففة والله تعالى أعلم. وفي الحديث الحث على الصدقة والإنفاق في وجوه الطاعة وفيه كراهة السؤال والتنفير عنه، ومحله إذا لم تدع إليه ضرورة من خوف هلاك ونحوه (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد مختصراً (ج٢:ص٦٧-٩٨) ومالك في الجامع من الموطأ وأبوداود والنسائي والبيهقي وغيرهم.
١٨٥٩- قوله: (إن أناساً) وفي بعض النسخ ناساً أي بترك الهمزة (من الأنصار) لم يعرف أسماءهم ولكن قال الحافظ: روى النسائي من طريق عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه ما يدل على أن أباسعيد راوي هذا الحديث خوطب بشيء من ذلك ولفظه في حديثه (في باب من الملحف) سرحتني أمي إلى النبي ﷺ يعني لأسأله من حاجة شديدة فأتيته فقعدت فاستقبلني وقال من استغنى أغناه الله - الحديث. وزاد فيه ومن سأل وله قيمة أوقية فقد الحف فقلت: ناقتي الياقوتة خير من أوقية فرجعت ولم أسأله - انتهى. واعترضه العيني بأنه ليس فيه شيء يدل على كونه مع الأنصار في حالة سؤالهم النبي ﷺ (سألوا رسول الله ﷺ كذا في عامة النسخ
стр. 2746
فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفد ما عنده. فقال: "ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر،
ــ
وكذا في المصابيح وهكذا وقع في الصحيحين والموطأ وجامع الترمذي وسنن أبي داود والنسائي، ووقع في بعض نسخ المشكاة سألوا عن رسول الله ﷺ والظاهر إنه غلط من الناسخ (فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم) بتكرير السؤال والإعطاء مرتين ووقع ذلك في بعض النسخ من صحيحي البخاري ومسلم ثلاث مرات (حتى نفد) بكسر الفاء وبالدال المهملة أي فرغ وفني (ما عنده) من المال (ما يكون عندي من خير) أي مال ومن بيان لما "وما" موصولة لا شرطية وإلا لوجب "يكن" بحذف الواو والفاء في قوله (فلن أدخره عنكم) لتضمن المبتدأ معنى الشرط، وأدخره بتشديد الدال المهملة، أي كل شيء من المال موجود عندي فلن أحبسه وأخبأه وأمنعكم إياه منفرداً به عنكم أو لن أجعله ذخيرة لغيركم معرضاً عنكم (ومن يسعف) بفاء واحدة مشددة. قال القاري: وفي بعض النسخ بالفك، ويظهر من كلام الحافظ والقسطلاني إن في رواية الكشمهيني يستعفف أي بفاءيين، للحموي والمستملى يستعف أي بفاء واحدة مشددة، يعني من يطلب من نفسه العفة عن السؤال. قال الطيبي: أويطلب العفة من الله تعالى فليس السين لمجرد التأكيد. قال الجزري: الاستعفاف طلب العفاف، والتعفف، وهو الكف من الحرام والسؤال من الناس أي من طلب العفة وتكلفها أعطاه الله إياها. وقيل: الاستعفاف، الصبر والنزاهة عن الشيء يقال: عف يعف عفة فهو عفيف - انتهى. (يعفه الله) بضم التحتية وكسر المهملة ونصب الفاء المشددة أي يرزقه الله العفة أي الكف عن السؤال والحرام ولأبي ذر، يعفه الله برفع الفاء قاله القسطلاني. وقال في المجمع: يعفه من الاعفاف وبفتح فاء مشددة، وضمه بعضهم إتباعهم بضم الهاء - انتهى. قال القاري: يعفه الله أي يجعله عفيفاً من الاعفاف وهو إعطاء العفة، وهي الحفظ عن المناهي يعني من قنع بأدنى قوت وترك السؤال تسهل عليه القناعة وهي كنز لا يفنى. وقال ابن التين: معناه إما أن يرزقه من المال ما يستغنى به عن السؤال، وإما أن يرزقه القناعة (ومن يستغن) أي بالله عمن سواه أو يظهر للغنى بالاستغناء عن أموال الناس والتعفف عن السؤال حتى يحسبه الجاهل غنياً من التعفف (يغنه الله) أي يجعله غنياً أي بالقلب ففي الحديث ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غني النفس. ولو حمل على غنى المال لم يبعد أي يعطيه ما يغنيه عن الخلق (ومن يتصبر) بفتح الفوقية وتشديد الموحدة المفتوحة أي يعالج الصبر على ضيق العيش وغيره من مكاره الدنيا. وقال السندي: أي يتكلف في تحمل مشاق الصبر وفي التعبير بباب التكلف إشارة إلى أنه ملكة الصبر تحتاج في الحصول إلى الاعتبار، وتحمل المشاق من الإنسان. وقال القاري: أي يطلب توفيق الصبر من الله لأنه قال تعالى: ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾
стр. 2747
يصبره الله. وما أعطى أحد عطاء، هو خير وأوسع من الصبر)) . متفق عليه.
١٨٦٠ - (١٠) وعن عمر بن الخطاب، قال كان النبي ﷺ يعطيني العطاء
ــ
[النحل:١٢٧] أو يأمر نفسه بالصبر، ويتكلف في التحمل عن مشاقة، وهو تعميم بعد تخصيص؛ لأن الصبر يشتمل على صبر الطاعة والمعصية والبليلة أو من يتصبر عن السؤال والتطلع إلى ما في أيدي الناس بأن يتجرع مرارة ذلك ولا يشكو حاله لغير ربه (يصبره الله) بضم أوله وتشديد الموحدة المكسورة من التصبير أي يسهل عليه الصبر فتكون الجمل مؤكدات، ويؤيد إرادة معنى العموم قوله الآتي وما أعطى أحد الخ. وقال الباجي: معناه من يتصد للصبر ويؤثره يعينه الله تعالى عليه ويوفقه (وما أعطى) بضم الهمزة مبنياً للمفعول (أحد) بالرفع نائب عن الفاعل (عطاء) بالنصب مفعول ثان "لأعطى" وفي الترمذي ما أعطى أحد شيئاً وفي رواية مسلم وأبي داود من عطاء (هو خير) أي أفضل كذا في جميع نسخ المشكاة الحاضرة ووقع في صحيح مسلم "خير" بلا لفظ هو، وهو مقدر. وهكذا وقع في بعض نسخ البخاري، ووقع في بعضها "خيراً" بالنصب على أنه صفة عطاء، وهكذا في المصابيح. قال العيني: قوله "خيراً" بالنصب صفة عطاء" ويروي خير بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو خير انتهى. (وأوسع) عطف على خير (من الصبر) لجمعه مكارم الأخلاق؛ ولأنه كما قال الباجي: أمر يدوم له الغنى به بما يعطي وإن كان قليلاً ولا يفنى، ومع عدمه لا يدوم له الغنى وإن كثر. وربما يغنى ويمتد إلى أكثر منه مع عدم الصبر. وقال ابن الجوزي: إنما جعل الصبر خير العطاء؛ لأنه حبس النفس عن فعل ما تحبه والزامها بفعل ما تكره في العاجل مما لو فعله أو تركه لتأذى به في الآجل. وقال القاري: وذلك لأن مقام الصبر أعلى المقامات؛ لأنه جامع لمكارم الصفات والحالات، ولذا قدم على الصلاة في قوله تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ [البقرة:٤٥] ومعنى كونه أوسع أنه تتسع به المعارف والمشاهد والأعمال والمقاصد - انتهى. وفي الحديث إعطاء السائل مرتين أو ثلاثاً والاعتذار إليه والحض على التعفف، وفيه جواز السؤال للحاجة وإن كان الأولى تركه والصبر حتى يأتيه رزقه بغير مسألة، وفيه الحث على الصبر على ضيق العيش وغيره من مكاره الدنيا وإن الصبر أفضل ما يعطاه المرأ لكون الجزاء عليه غير مقدر ولا محدود، وفيه ما كان عليه ﷺ من السخاء وإنفاذ أمر الله (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد ومالك في كتاب الجامع من الموطأ. والترمذي في البر والصلة وأبوداود والنسائي والبيهقي في الزكاة.
١٨٦٠- قوله: (يعطيني العطاء) قيل كان ذلك أجر عمله في الصدقة كما يدل عليه حديث ابن الساعدي في الفصل الثالث. وقال الحافظ: قوله: "يعطيني العطاء أي من المال الذي يقسمه في المصالح" قال وفي حديث ابن
стр. 2748
فأقول: ((أعطه أفقر إليه مني فقال: خذه فتموله وتصدق به، فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف، ولا سائل، فخذه، ومالا، فلا تتبعه نفسك)) .
ــ
السعدي عند مسلم إن عطية النبي ﷺ لعمر بسبب العمالة. ولهذا قال الطحاوي: ليس معنى هذا الحديث في الصدقات، وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام وليست هي من جهة الفقر، ولكن شيء من الحقوق، فلما قال عمر: أعطه من هو أفقر إليه مني، لم يرض بذلك. لأنه إنما أعطاه لمعنى غير الفقر، قال ويؤيده قوله: خذه فتموله فدل ذلك على أنه ليس من الصدقات (فأقول أعطه) بقطع الهمزة والضمير للعطاء أو للسكت (أفقر) أي أحوج (إليه مني) قال الكرماني: جاز الفصل بين أفعل التفضيل وبين كلمة "من" لأن الفاصل ليس أجنبياً بل هو الصق به من الصلة. لأنه محتاج إليه بحسب جوهر اللفظ، والصلة محتاج إليه بحسب الصيغة (خذه) أي بالشرط المذكور بعد (فتموله) بتشديد الواو أي أقبله وأدخله في ملكك ومالك أي اجعله مالاً لك يعني إن كنت محتاجاً (وتصدق به) أي على أفقر منك إن كان فاضلاً عنك عما لابد لك منه قاله القاري. وفي رواية لمسلم أو تصدق به بلفظ "أو" بدل الواو. وقال السندي: أي إذا أخذت فان شئت أبقه عنك مالاً، وإن شئت تصدق به - انتهى. وهو أمر إرشاد على الصحيح. قال ابن بطال: أشار ﷺ على عمر بالأفضل؛ لأنه وإن كان مأجوراً بإيثاره لعطائه عن نفسه من هو أفقر إليه منه، فإن أخذه للعطاء ومباشرته للصدقة بنفسه أعظم لأجره، وهذا يدل على عظيم فضل الصدقة بعد التمول لما في النفوس من الشح على المال (فما جاءك من هذا المال) إشارة إلى جنس المال أو المال الذي أعطاه وفي رواية إذا جاءك من هذا المال شيء (وأنت غير مشرف) بضم الميم وسكون المعجمة وبعدها راء مكسورة ففاء من الإشراف، وهو التعرض للشيء والحرص عليه والتطلع اليه من قولهم: أشرف على كذا إذا تطاول له. وقيل: للمكان المرتفع شرف لذلك أي والحال إنك غير طامع ولا ناظر له. قال أبوداود: سألت أحمد عن إشراف النفس فقال: بالقلب. وقال يعقوب بن محمد: سألت أحمد عنه فقال: هو أن يقول مع نفسه يبعث إلى فلان بكذا. وقال الأثرم: يضيق عليه أن يرده إذا كان كذلك (ولا سائل) أي ولا طالب له (فخذه) ولا ترده. وأطلق الأخذ أولاً وعلقه ثانياً بالشرط فحمل المطلق على المقيد وهو مقيد أيضاً بكونه حلالاً، فلو شك فيه فالاحتياط الرد وهو الورع نعم يجوز أخذه عملاً بالأصل (ومالاً) يكون على هذه الصفة بأن لم يجيء إليك ومالت نفسك إليه (فلا تتبعه نفسك) في الطلب واتركه وقوله: لا تتبعه بضم الفوقية الأولى وسكون الثانية وكسر الموحدة وسكون العين من الإتباع مخففاً، أي فلا تجعل نفسك تابعة له ناظرة إليه لأجل أن
стр. 2749
متفق عليه.
﴿الفصل الثاني﴾
١٨٦١- (١١) عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((المسائل كدوح، يكدح بها الرجل وجهه،
ــ
يحصل عندك، أشار إلى أن المدار على عدم تعلق النفس بالمال، لا على عدم أخذه ورده على المعطى قاله السندي. واختلف العلماء فيمن جاءه مال هل يجب قبوله أم يندب على ثلاثة مذاهب حكاها الطبري بعد إجماعهم على أن قوله خذه أمر ندب. قال النووي: الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور إنه مستحب في غير عطية السلطان، وأما عطية السلطان يعني الجائز فحرمها قوم، وأباحها آخرون، وكرهها قوم. والصحيح أنه إن غلب الحرام فيما في يد السلطان حرمت، وكذا إن أعطى من لا يستحق وإن لم يغلب الحرام فمباح، إن لم يكن في القابض مانع يمنعه من استحقاق الأخذ. وقالت طائفة الأخذ واجب من السلطان وغيره وقال آخرون هو مندوب في عطية السلطان دون غيره، ويرد هذا حديث خالد بن عدي عند أحمد وغيره مرفوعاً بلفظ: من بلغه معروف عن أخيه عن غير مسألة ولا إشراف نفس فليقبله، ولا يرده الحديث. وقد بسط الكلام في ذلك العيني (ج٩:ص٥٥-٥٦) فليرجع إليه، وفي حديث الباب إن للإمام أن يعطى بعض رعيته إذا رأى لذلك وجهاً، وإن كان غيره أحوج إليه منه، وإن رد عطية الإمام ليس من الأدب ولاسيما من الرسول ﷺ لقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ [الحشر:٧] وفيه منقبة لعمر، وبيان فضله وزهده وإيثاره (متفق عليه) أخرجه البخاري في الزكاة وفي الأحكام، ومسلم في الزكاة واللفظ للبخاري في الأحكام وأخرجه النسائي والبيهقي أيضاً.
١٨٦١- قوله: (المسائل) جمع المسألة وجمعت لاختلاف أنواعها والمراد هنا سؤال الرجل أموال الناس (كدوح) بضم الكاف جمع كدح، أي خدوش وجروح يعني آثار القشر (يكدح) بفتح الدال أي يجرح ويخدش (بها) أي بالمسائل (وجهه) يوم القيامة. قيل: هي كناية عن الذلة والهون، وهذا لفظ أبي داود والنسائي، ولفظ الترمذي والنسائي في رواية المسألة كد يكد بها الرجل وجهه قال الجزري: الكد الاتعاب، يقال: كد يكد في عمله، إذا أستعجل وتعب. وأراد بالوجه ماءه ورونقه - انتهى. وقال السيوطي في قوت المغتذي: كد بفتح الكاف وتشديد الدال المهملة، وفي رواية أبي داود: كدوح بضم الكاف والدال وحاء مهملة. وقد ذكر اللفظين معاً أبو موسى المديني في ذيله على الغريبين، وفسر الكدوح بالخدوش في الوجه،
стр. 2750
فمن شاء أبقى على وجهه، ومن شاء تركه، إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان، أو في أمر لا يجد منه بدا)) .
ــ
والكد بالتعب والنصب. قال العراقي ويجوز أن يكون الكدح بمعنى الكد من قوله تعالى: ﴿إنك كادح﴾ [الانشقاق:٦] وهو السعي والحرص- انتهى. ما في قوت المغتذي (فمن شاء أبقى) أي الكدح (على وجهه) أي بالسؤال (ومن شاء تركه) أي الكدح بترك السؤال. وقال القاري: (فمن شاء) أي الإبقاء (أبقى على وجهه) أي ماء وجهه من الحياء بترك السؤال والتعفف (ومن شاء) أي عدم الإبقاء (تركه) أي ذلك الإبقاء - انتهى. وقوله "تركه" هكذا في جميع النسخ، وفي أبي داود ترك، أي بدون الضمير المنصوب. ولفظ النسائي فمن شاء كدح وجهه ومن شاء ترك. قال السندي أي الكدوح أو السؤال وهذا ليس بتخيير بل هو توبيخ مثل قوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ [الكهف:٢٩] (إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان) أي ذا حكم وسلطة بيده بيت المال فيسأل حقه أي ولو منع الغناء، لأن السؤال مع الحاجة دخل في قوله: أو في أمر لابد منه قال الخطابي في المعالم (ج٢:ص٦٦) قوله: إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان، هو أن يسأله حقه من بيت المال الذي في يده، وليس هذا على معنى استباحة الأموال التي تحويها أيدي بعض السلاطين من غصب أملاك المسلمين - انتهى. وقال الأمير اليماني في السبل: أما سؤال الرجل من السلطان فإنه لا مذمة فيه لأنه إنما يسأل مما هو حق له في بيت المال، ولا منة للسلطان على السائل. لأنه وكيل فهو كسؤال الإنسان وكيله أن يعطيه من حقه الذي لديه، وظاهره وإن سأل السلطان تكثراً فإنه لا بأس فيه ولا إثم، لأنه جعله قسيماً للأمر الذي لا بد منه. وقد فسر الأمر الذي لا بد منه حديث قبيصة وحديث أنس، وفيه لا يحل السؤال إلا لثلاثة ذي فقر مدقع أو دم موجع أو غرم مفظع - انتهى. (أو في أمر) أي أو يسأل في أمر (لا يجد منه) أي من أجله (بدا) أي علاجاً آخر غير السؤال. وفيه دليل على جواز المسألة عند الضرورة والحاجة التي لابد عندها من السؤال كما في الحمالة والجائحة والفاقة، بل يجب حال الاضطرار في العرى والجوع. وهذا لفظ أبي داود، وعند الترمذي والنسائي في رواية أو في أمر لابد منه. قال الأمير اليماني: أي لا يتم له حصوله مع ضرورته إلا بالسؤال وحديث قبيصة مبين ومفسر للأمر الذي لابد منه - انتهى ولفظ النسائي في رواية أخرى أو شيئاً لا يجد منه بدا. قال السندي. وظاهره إنه عطف على "ذا سلطان" ولا يستقيم إذا السؤال يتعدى إلى مفعولين الشخص والمطلوب المحتاج إليه، وذا سلطان هو الأول، وترك الثاني للعموم، وشيئاً ههنا لا يصلح أن يكون الأول بل هو الثاني، إلا أن يراد بشيئاً شخصا ومعنى، لا يجد منه أي من سؤاله بدا وهو تكلف بعيد. فالأقرب أن يقال تقديره أو يسأل شيئاً الخ. وحذف ههنا المفعول الأول لقصد العموم أو يقدر يسأل ذا سلطان أي شيء كان أو غيره شيئاً لا يحدث منه بدا،
стр. 2751
رواه أبوداود والترمذي والنسائي.
١٨٦٢- (١٢) وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل الناس وله ما يغنيه، جاء يوم القيامة، ومسألته في وجهه خموش أو خدش أو كدح. قيل: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب))
ــ
فهو من عطف شيئين على شيئين إلا أنه حذف من كل منهما ما ذكر مماثله في الآخر من صنعة الاحتباك - انتهى. قال العراقي في شرح الترمذي: ورد التخصيص في السؤال في أربعة أماكن، وهي أن يسأل سلطاناً أو في أمر لابد منه أو ذا رحم في حاجة، أو الصالحين. فأما السلطان فهو الذي بيده أموال المصالح، وأما الأمر الذي لابد منه فهو الحاجة التي لابد منها، وأما ذو الرحم، فلما ورد في الصدقة على ذي الرحم من الفضل ولذهاب بعض العلماء إلى وجوب النفقة عليه مع وصف الفقر والعجز، فرخص في سؤاله. وأما سؤال الصالحين فهو في حديث ابن الفراسي (يعني أول أحاديث الفصل الثالث من هذا الباب) قال: ثم يحتمل أن يراد بالصالحين الصالحون من أرباب الأموال الذين لا يمنعون ما عليهم من الحق، وقد لا يعلمون المستحق من غيره، فإذا عرفوا بالسؤال المحتاج أعطوه مما عليهم من حقوق الله تعالى، ويحتمل أن يراد بهم من يتبرك بدعاءه وترجى إجابته إذا دعا الله له، ويحتمل أن يراد الساعون في مصالح الخلق بسؤالهم لمن علموا استحقاقه ممن عليه حق فيعطيهم أرباب الأموال بوثوقهم بصلاحهم كذا في شرح التقريب (ج٤:ص٧٩-٨٠) (رواه أبوداود والترمذي والنسائي) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥:ص١٠-١٩) وابن حبان والبيهقي (ج٤:ص١٩٧) وصححه الترمذي وسكت عنه أبوداود ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره.
١٨٦٢- قوله: (وله ما يغنيه) أي عن السؤال (ومسألته) أي أثرها (في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح) بضم أوائلها ألفاظ متقاربة المعاني جمع خمش وخدش وكدح "فأو" هنا لشك الراوي إذا لكل يعرب عن أثر ما يظهر على الجلد واللحم من ملاقاة الجسد ما يقشر أو يجرح، ولعل المراد بها آثار مستنكرة في وجهه حقيقة أو أمارات ليعرف، ويشهر بذلك بين أهل الموقف. أو لتقسيم منازل السائل فإنه معقل أو مكثر أو مفرط في المسألة، فذكر الأقسام على حسب ذلك. والخمش أبلغ في معناه من الخدش وهو أبلغ من الكدح إذا لخمش في الوجه، والخدش في الجلد، والكدح فوق الجلد وقيل: الخدش قشر الجلد يعودوا لخمش قشرة بالأظفار. والكدح العض وهي في أصلها مصادر لكنها لما جعلت أسماء الآثار جمعت كذا في المرقاة (وما يغنيه) أي ما الغنى المانع عن السؤال، وليس المراد بيان الغنى الموجب للزكاة أو المحرم لأخذها من غير سؤال (خمسون درهماً أو قيمتها)
стр. 2752
رواه أبوداود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي.
ــ
أي قيمة الخمسين من الذهب. وفيه دليل على أن من ملك خمسين درهماًً أو قيمتها من الذهب يحرم عليه السؤال، وهذا فرد من أفراد الغنى المانع عن السؤال إذ لا عبرة للمفهوم، فلا دليل فيه على إباحة السؤال لمن كان عنده أقل من خمسين درهماً مما بينه النبي ﷺ في أحاديث آخر. وقيل هذا الحديث منسوخ بحديث الأوقية وهو منسوخ ما يغديه ويعشيه. وقيل يجمع بين هذه الأحاديث بأن القدر الذي يحرم السؤال عنده هو أكثرها وهي الخمسون عملاً بالزيادة. وقال في حجة الله البالغة (ج٢: ص٣٤-٣٥) جاء في تقدير الغنية المانعة من السؤال إنها أوقية أو خمسون درهماً، وجاء أيضاً إنها ما يغديه ويعشيه، وهذه الأحاديث ليست متخالفة عندنا. لأن الناس على منازل شتى، ولكل واحد كسب، لا يمكن أن يتحول عنه أعنى الامكان المأخوذ في العلوم الباحثة عن سياسة المدن، لا المأخوذ في علم تهذيب النفس. فمن كان كاسباً بالحرفة فهو معذور حتى يجد آلات الحرفة، ومن كان زارعاً حتى يجد الزرع، ومن كان تاجراً حتى يجد البضاعة، ومن كان على الجهاد مسترزقاً بما يروح ويغدو من الغنائم، كما كان أصحاب رسول الله ﷺ فالضابط فيه أوقية أو خمسون درهماً، ومن كان كاسباً بحمل الأثقال في الأسواق أو احتطاب الحطب وبيعه وأمثال ذلك فالضابط فيه ما يغديه ويعشيه والله أعلم-انتهى. وقد استدل بهذا الحديث لأحمد وإسحاق ومن وافقهما على أن الغناء المانع من أخذ الصدقة هو ملك خمسين درهماً وتعقب بأنه ليس في الحديث إن من ملك خمسين درهماً لم تحل له الصدقة، إنما فيه أنه كره المسألة فقط، فلا يحل له أخذ الزكاة بالسؤال. وأما الأخذ من غير سؤال فلا دليل فيه على منعه، وقد تقدم بسط الكلام في ذلك فتذكر (رواه أبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي) وأخرجه أيضاً أحمد (ج١: ص٣٨٨-٤٤١) وأبوعبيد (ص٥٥٠) والحاكم (ج١:ص٤٠٧) والدارقطني (ص ٢١٢) والبيهقي (ج٧:ص٢٤) كلهم من حديث حكيم بن جبير عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن ابن مسعود، وحكيم بن جبير ضعيف. قال الدارقطني: متروك. وقال الجوزجاني: كذاب. وقال ابن معين وأبوداود: ليس بشيء. وقال أحمد وأبوحاتم: ضعيف منكر الحديث. وقال النسائي: ليس بالقوى. وقال البخاري في التاريخ: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، وتكلم فيه شعبة وتركه من أجل هذا الحديث ببني لأنه مخالف للأصول والروايات المعتبر في تحديد الغنى لكن لم ينفرد به حكيم بن جبير فقد تابعه على ذلك زبيد بن الحارث الأيامي عند الترمذي وأبي داود والنسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي. فرواه الترمذي من طريق شريك عن حكيم بن جبير، ثم قال حديث حسن. وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث، ثم روى من طريق يحيى بن آدم، حدثنا سفيان عن حكيم بن جبير بهذا الحديث، فقال له عبد الله بن عثمان صاحب شعبة لو غير حكيم حدث بهذا، فقال له سفيان
стр. 2753
١٨٦٣- (١٣) وعن سهل بن الحنظلية، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل، وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار. قال النفيلي:
ــ
وما لحكيم؟ لا يحدث عنه شعبة؟ قال نعم قال سفيان سمعت زبيداً يحدث بهذا عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد-انتهى. ورواه أبوداود والنسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي من طريق يحيى بن آدم عن سفيان الثوري عن حكيم بن جبير. وزاد أبوداود والحاكم والبيهقي في آخرة. قال يحيى (هو ابن آدم) فقال عبد الله بن عثمان لسفيان حفظي إن شعبة لا يروي عن حكيم، فقال سفيان فقد حدثناه زبيد عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد-انتهى. وعند النسائي قال يحيى قال سفيان، وسمعت زبيداً يحدث عن محمد بن عبد الرحمن، وعند ابن ماجه فقال رجل لسفيان إن شعبة لا يحدث عن حكيم، فقال سفيان فقد حدثنا، زبيد عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد فقد ظهر من هذا كله إن الحديث صحيح من جهة زبيد اليامي، لم ينفرد به حكيم بن جبير. وقد تكلف بعضهم في تضعيفه مع هذا بما لا يطمئن به القلب. فقال الحافظ في الفتح: بعد ذكر رواية سفيان عن زبيد نقلاً عن الترمذي ما لفظه، ونص أحمد في علل الخلال وغيرها على أن رواية زبيد موقوفة -انتهى. وقال ابن معين: يرويه سفيان عن زبيد، ولا أعلم أحداً يرويه عنه غير يحيى بن آدم وهذا وهم. لو كان كذا لحدث به الناس عن سفيان ولكنه حديث منكر يعني، وإنما المعروف بروايته حكيم ذكره الذهبي والمنذري. وذكر البيهقي (بعد حكاية متابعة زبيد لحكيم بن جبير) عن يعقوب بن سفيان. قال هي حكاية بعيدة، لو كان حديث حكيم بن جبير عند زبيد، ما خفي على أهل العلم -انتهى. ولا يخفى ما فيه من التكلف. والظاهر إن الحديث صحيح من طريق زبيد الأيامي ولا مخالفة بينه وبين الأحاديث الأخرى كما أسلفنا. وسيأتي أيضاً والله تعالى أعلم.
١٨٦٣- قوله: (وعن سهل بن الحنظلية) صحابي أنصاري أوسي، كان ممن بايع تحت الشجرة، وشهد أحد أو الخندق والمشاهد كلها ما خلا بدراً وكان فاضلاً عالماً معتزلاً عن الناس، كثير الصلاة والذكر لا يجالس أحداً. سكن الشام ومات بدمشق في أول خلافة معاوية ولا عقب له. قال سعيد بن عبد العزيز: كان لا يولد له فكان يقول لي لأن يكون لي سقط في الإسلام أحب إلي مما طلعت عليه الشمس. والحنظلية أمه، وقيل أم أبيه، وقيل أم جده. واختلف في إسم أبيه فقيل الربيع، وقيل عبيد، وقيل عمرو، وقيل عقيب بن عمرو بن عدي بن زيد بن جشم بن حارثة بن الحارث بن الخررج بن عمرو بن مالك بن الأوس. (من سأل وعنده) الواو للحال (ما يغنيه) أي عن السؤال (فإنما يستكثر من النار) يعني من جمع أموال الناس بالسؤال من غير ضرورة. فكأنه جمع لنفسه نار جهنم (قال النفيلي) بضم النون وفتح الفاء وهو عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل، بنو وفاء مصغراً أبوجعفر النفيلي الحراني ثقة حافظ، وهو شيخ أبي داود السجستاني صاحب السنن. قال الحافظ: روى عنه
стр. 2754
وهو أحد رواته، في موضع آخر، وما الغنى الذي لا ينبغي معه المسألة؟ قال: قدر ما يغديه ويعشيه. وقال: في موضع آخر أن يكون له شبع يوم، أو ليلة يوم)) . رواه أبوداود.
ــ
أبوداود فأكثر وروى له الباقون سوى مسلم بواسطة الذهلي مات سنة (٢٣٤) (وهو أحد رواته) أي الحديث (في موضع آخر) أي في رواية أخرى يعني مرة أخرى (وما الغنى الذي لا ينبغي) أي لا يحل (معه المسألة) أي مكان قوله وما يغنيه. ففي أبي داود بعد قوله من النار. وقال النفيلي في موضع آخر: من جمر جهنم فقالوا يا رسول الله! وما يغنيه. وقال النفيلي في موضع آخر وما الغنى الخ (قال) أي رسول الله ﷺ (قدر ما يغديه) بفتح الغين المعجمة وتشديد الدال المهملة (ويعشيه) بفتح العين المهملة وتشديد الشين المعجمة أي ما يكفي غداءه وعشاءه، وفي رواية ابن حبان وأحمد أو يعشيه بحرف التخيير، والتغدية إطعام طعام الغدوة. والتعشية إطعام طعام العشاء يعني من كان له قوت هذين الوقتين لا يجوز له أن يسأل في ذلك اليوم. قال الخطابي في المعالم (ج٢:ص٥٨) : اختلف الناس في تأويل قوله ما يغديه ويعشيه. فقال بعضهم: من وجد غداء يومه وعشاءه لم تحل له المسألة على ظاهر الحديث. وقال بعضهم: إنما هو فيمن وجد غداء وعشاء على دائم الأوقات، فإذا كان عنده ما يكفيه لقوته المدة الطويلة فقد حرمت عليه المسألة. وقال آخرون: هذا منسوخ بحديث الخمسين وحديث الأوقية -انتهى. قال المنذري: إدعاء النسخ مشترك بينهما، ولا أعلم مرجحاً لأحدهما على الآخر. وقال البيهقي (ج٧:ص٢٨) وليس شيء من هذه الأحاديث، بمختلف، فكان النبي ﷺ علم ما يغنى كل واحد منهم فجعل غناه به، وذلك لأن الناس يختلفون في قدر كفاياتهم فمنهم من يغنيه خمسون درهماً لا يغنيه أقل منها، ومنهم من له كسب يدر عليه كل يوم ما يغديه ويعشيه ولا عيال له مستغن به -انتهى. وهذا مما تقدم عن حجة الله. وحمل أبوعبيد حديث سهل هذا على من سأل مسألة ليكتثر بها (وقال) أي النفيلي (في موضع آخر) أي في الجواب عما يغنيه (أن يكون له شبع يوم) بكسر الشين وسكون الموحدة وفتحها وهو الأكثر، أي ما يشبعه من الطعام أول يومه وآخره. قال ابن الملك: بسكون الباء ما يشبع وبفتح الباء المصدر (أو ليلة ويوم) شك من الراوي وقوله "شبع يوم أو ليلة ويوم" هكذا في جميع النسخ الحاضرة. ووقع في أبي داود شبع يوم أو ليلة أو ليلة ويوم، وهكذا في رواية البيهقي، والظاهر إنه سقط لفظ "ليلة" في الموضع الأول في نسخ المشكاة من الناسخ. وحاصل الاختلاف الذي وقع في رواية النفيلي إنه حدث أباداود بهذا الحديث مرتين، فمرة قال من سأل وعنده ما تغنيه، فإنما يستكثر من النار، فقالوا يا رسول الله! وما يغنيه قال: قدر ما يغديه ويعشيه ومرة قال (أي النفيلي) من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمرة جهنم فقالوا يا رسول الله! وما الغنى الذي لا ينبغي معه المسألة، قال قدر أن يكون له شبع يوم وليلة أو ليلة ويوم (رواه أبوداود) وفيه قصة، وأخرجه، أيضاً أحمد
стр. 2755
١٨٦٤- (١٤) وعن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل منكم، وله أوقية أو عدلها، فقد سأل إلحافاً)) رواه مالك، وأبوداود، والنسائي.
١٨٦٥- (١٥) وعن حبشي بن جنادة،
ــ
(ج٤:ص١٨٠-١٨١) وأبوعبيد (ص ٥٥١-٥٥٢) والبيهقي (ج٧:ص٢٥) وابن حبان وابن خزيمة وسكت عنه أبوداود والمنذري.
١٨٦٤- قوله: (عن رجل من بني أسد) له صحبة كما يدل عليه سياق الحديث عند مخرجيه ولم يعرف اسمه ولا يضر ذلك، لأن الصحابة كلهم عدول (وله أوقية) بضم الهمزة وكسر القاف وتشديد التحتية أي أربعون درهماً من الفضة (أو عدلها) بكسر العين وبفتح أي ما يساويها من ذهب عرض. وقال الخطابي: قوله "أو عدلها" يريد قيمتها، يقال هذا عدل الشيء أي ما يساويه في القيمة، وهذا عدله بكسر العين أي نظيره ومثله في الصورة والهيئة -انتهى. قال السندي: هذا يدل على أن التحديد بخمسين درهماً ليس مذكوراً على وجه التحديد، بل هو مذكور على وجه التمثيل (فقد سأل إلحافاً) أي ملحفاً أو سؤالاً إلحافاً، وهو أن يلازم المسؤل حتى يعطيه. والمراد أنه خالف ثناء الله تعالى بقوله تعالى ﴿لا يسألون الناس إلحافاً﴾ [البقرة: ٢٧٣] وقال القاري: أي سأل إلحاحاً وإسرافاً من غير إضطرار. وقال الباجي: يقال الحف في المسألة إلح فيها، وذلك يقتضى أنه ورد على أمر قد تقرر فيه، إن الإلحاف في المسألة ممنوع، فجعل من الإلحاف الممنوع سؤال من له أوقية -انتهى. قلت: قد تقدم حديث معاوية لا تلحفوا في المسألة وهو صريح في النهى عن الإلحاح في السؤال. واستدل أبوعبيد بحديث الأسدي وما في معناه على ما ذهب إليه من تحديد الغنى المحرم للصدقة يملك أربعين درهماً ولا يخفى ما فيه (رواه مالك) في أواخر الموطأ عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد (وأبوداود والنسائي) كلاهما من طريق مالك، وأخرجه البيهقي (ج٧:ص٢٤) من طريق أبي داود وأحمد (ج٥،٤ص:٣٦-٤٣٠) من حديث سفيان عن زيد بن أسلم، وأبوعبيد (ص ٥٥٠) من حديث سفيان وهشام بن سعد عن زيد بن أسلم. وفي الحديث قصة عند مالك وأبي داود والنسائي وأبي عبيد، وقد سكت عنه أبوداود والمنذري، وله شاهد من حديث أبي سعيد عند أحمد وأبي داود والنسائي وغيرهم بلفظ: من سأل وله قيمة أوقية فقد الحف.
١٨٦٥- قوله: (وعن حبشي) بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة بعدها معجمة ثم تحتية ثقيلة، وهو اسم بلفظ النسب (بن جنادة) بضم الجيم ابن نصر السلولي صحابي، شهد حجة الوداع، ثم نزل الكوفة يكنى
стр. 2756
قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن المسألة لا تحل لغنى، ولا لذى مرة سوى، إلا لذى فقر مدقع، أو غرم مفظع. ومن سأل الناس ليثرى به ماله، كان خموشاً في وجهه يوم القيامة، ورضفاً يأكله من جهنم، فمن شاء فليقل، ومن شاء فليكثر)) . رواه الترمذي.
ــ
أباالجنوب بفتح الجيم. قال العسكري: شهد مع علي مشاهده، وروى في فضله أحاديث (ولا لذى مرة) بكسر الميم وتشديد الراء هي الشدة والقوة أي لذي قوة وقدرة على الكسب (سوى) بفتح السين المهملة وتشديد الياء هو التام الخلق السالم من موانع الاكتساب (إلا لذى فقر مدقع) بضم الميم وسكون المهملة وكسر القاف، وهو الفقر الشديد الملصق صاحبه بالدقعاء، وهي الأرض التي لا نبات بها يقال ادقع الرجل أي لصق بالدقعاء أي الأرض والتراب، وجوع مدقع أي شديد (أو غرم) بضم الغين المعجمة وسكون الراء، هو ما يلزم أداءه تكلفاً، لا في مقابلة عوض (مفظع) بضم الميم وسكون الفاء وكسر الظاء المعجمة هو الشديد الشنيع قاله المنذري. وقال القاري: غرم مفظع أي دين شنيع مثقل. قال الطيبي: والمراد ما استدان لنفسه وعياله في مباح، قال ويمكن أن المراد به ما لزمه من الغرامة بنحو دية وكفارة (ليثرى) أي يكثر ويزيد (به) أي بسبب السؤال أو بالمأخوذ (ماله) برفع اللام ويثرى بفتح الياء وسكون الثاء المثلثة وفتح الراء من ثرى كرضى، أو بضم الياء وسكون الثاء وكسر الراء من الأثراء. قال في القاموس: الثروة كثرة العدد من الناس والمال، وثرى القوم كثروا ونموا. والمال كذلك، وثرى كرضى كثر ماله كاثرى - انتهى. وفي النهاية: الثرى المال، وأثرى القوم كثروا وكثروا أموالهم- انتهى. (كان) أي السؤال أو المال (خموشاً) أي عبساً (ورضفاً) بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة بعدها فاء هو الحجارة المحماة (يأكله من جهنم) أي فيها (فمن شاء فليقل) بكسر القاف وتشديد اللام المفتوحة من الأقلال أي ليقلل هذا السؤال، أو ما يترتب عليه من النكال (من شاء فليقل) بكسر القاف وتشديد اللام المفتوحة من الأقلال أي ليقلل هذا السؤال، أو ما يترتب عليه من النكال (ومن شاء فليكثر) من الإكثار وهما أمر تهديد، ونظيره قوله تعالى ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين ناراً﴾ [الكهف:٢٩] (رواه الترمذي) من حديث مجالد بن سعيد عن عامر الشعبي عن حبشي، وقال حديث غريب من هذا الوجه، قال شيخنا: لم يحكم الترمذي على هذا الحديث بشيء من الصحة أو الضعف، والحديث ضعيف. لأن في سنده مجالداً وهو ضعيف -انتهى. قلت: مجالد هذا ضعفه يحيى بن سعيد وابن معين والدارقطني وابن سعد، وقال أحمد ليس بشيء. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به وكان ابن مهدي لا يروي عنه. وقال أبوحاتم والنسائي: ليس بالقوي. ووثقه النسائي مرة. وقال ابن عدي: له عن الشعبي عن جابر أحاديث صالحة وعن غير جابر، وعامة ما يرويه غير محفوظة. وقال العجلي: جائز الحديث. وقال البخاري: صدوق. وقال محمد بن المثنى: يحتمل حديثه للصدق كذا
стр. 2757
١٨٦٦- (١٦) وعن أنس، أن رجلاً من الأنصار، أتى النبي ﷺ يسأله، فقال: ((أما في بيتك شيء؟ بلى حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه من الماء، قال ائتني بهما، فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله ﷺ بيده وقال: من يشتري هذين؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهم، قال: "من يزيد على درهم"؟ مرتين أو ثلاثاً، قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه فأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري، وقال: "أشتر بأحدهما طعاماً فأنبذه إلى أهلك، وأشتر بالآخر قدوماً، فائتني به" فأتاه به،
ــ
في تهذيب التهذيب. وقال في التقريب: ليس بالقوى، وقد تغيير في آخر عمره - انتهى. والحديث أخرجه أحمد (ج٤:ص١٦٥) وأبوعبيد (ص٥٥٣) من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن حبشي مختصراً بلفظ: من سأل من غير فقر فكأنهما يأكل الجمرة، وعزاه المنذري في الترغيب للطبراني في الكبير وابن خزيمة، وقال رجال الطبراني رجال الصحيح، ورواه البيهقي بلفظ: الذي يسأل من غير حاجة كمثل الذي يلتقط الجمر.
١٨٦٦- قوله: (إن رجلاً من الأنصار) لم يعرف اسمه (يسأله) حال أو استئناف بيان (أما في بيتك شيء) بهمزة إستفهام تقرير "وما نافية" (بلى حلس) أي في حلس بكسر الحاء المهملة وسكون اللام، بعدها سين مهملة كساء يلي ظهر البعير يفرش تحت القتب. قال المنذري: وسمي به غيره مما يداس ويمتهن من الأكسية ونحوها (نلبس) بفتح الباء (بعضه) أي بالتغطية لدفع البرد و (نبسط) بضم السين (بعضه) أي بالفرش (وقعب) بفتح القاف وسكون العين المهملة قدح من خشب (نشرب فيه من الماء) من تبعيضية أو زائدة على مذهب الأخفش، وفي رواية ابن ماجه. وقدح نشرب فيه الماء أي بحذف من (ائتني بهما) أي بالحلس والقعب (أنا آخذهما) بضم الخاء ويحتمل كسرها (قال من يزيد على درهم مرتين) ظرف لقال (أو ثلاثاً) شك من الراوي (قال رجل) أي آخر (فأعطاهما إياه) أي فأعطى النبي ﷺ الحلس، والقعب الرجل الآخر (فأخذ الدرهمين) كذا في جميع النسخ الحاضرة والذي في سنن أبي داود وأخذ أي بالواو بدل الفاء، وكذا وقع في رواية ابن ماجه، وكذا نقله الخطابي والمنذري (فأعطاهما) أي الدرهمين (اشتر) بكسر الراء (بأحدهما) أي أحد الدرهمين (فأنبذه) بكسر الباء أي أطرحه وألقه (قدوماً) بفتح القاف وتخفيف الدال المهملة المضمومة وجوز تشديدها آلة النجر والنحت أي فأساً (فأتاه به) أي بالقدوم بعدما
стр. 2758
فشد فيه رسول الله ﷺ عوداً بيده ثم قال:"اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يوماً" فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاءه وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوباً وببعضها طعاماً. فقال رسول الله ﷺ : هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في يوم وجهك يوم القيامة. إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو لذى غرم مفظع، أو لذى دم موجع)) . رواه أبوداود، وروى ابن ماجه إلى قوله "يوم القيامة".
ــ
اشتراه (فشد فيه رسول الله ﷺ عوداً) أي أدخل في ذلك القدوم عوداً وأحكمه (بيده) الكريمة تفضلا، وإمتناعاً عليه (احتطب) أي اطلب الحطب وأجمع (ولا أرينك خمسة عشر يوماً) أي لا تكن هنا هذه المدة حتى لا أراك وهذا مما أقيم فيه المسبب مقام السبب، والمراد نهى الرجل عن ترك الاكتساب في هذه المدة، لا نهى نفسه عن الرؤية (نكتة) بضم النون وسكون الكاف أثر كالنقطة أي حال كونها علامة قبيحة أو أثراً من العيب (في وجهك يوم القيامة) أي على رؤس الأشهاد (إن المسألة لا تصلح) أي لا تحل ولا تجوز (لذي فقر مدقع) أي شديد يفضي بصاحبه إلى التراب لا يكون عنده ما بقي به من التراب (أو لذى غرم مفظع) أي فظيع شنيع ثقيل (أو لذي دم موجع) بكسر الجيم أي مؤلم وهو أن يتحمل دية فيسعى فيها حتى يؤديها إلى أولياء المقتول، فإن لم يؤديها قتل المحتمل عنه فيوجعه قتله. قال المنذري: ذو الدم الموجع هو الذي يتحمل دية عن قريبه أو حميمه أو نسيبه القاتل يدفعها إلى أولياء المقتول، ولو لم يفعل قتل قريبه أو حميمه الذي يتوجع لقتله -انتهى. وفي الحديث من الفقة جواز بيع المزايدة وهذا ليس بالسوم على سوم أخيه لأن السوم، هو أن يقف الراغب والبائع على البيع ولم يعقداه، فيقول الآخر للمبائع أنا أشتريه وهذا حرام بعد استقرار الثمن، وأما السوم بالسلعة التي تباع لمن يزيد فليس بحرام. وفيه الأكل من عمل يده، والأمر بالاكتساب بالمباحات كالحطب والحشيش النابتين في موات. وفيه جواز المسألة لهؤلاء الثلاثة (رواه أبوداود) في الزكاة. وأخرجه أيضاً أحمد والبيهقي (ج٧:ص٢٥) و (روى ابن ماجه) أي في باب المزايدة من أبواب النجارات (إلى يوم القيامة) هذا سهو من المصنف، فإن ابن ماجه روى الحديث بطوله إلى قوله دم موجع، وأخرج الترمذي والنسائي في البيوع من هذا الحديث قصة بيع القدح فقط. والحديث سكت عنه أبوداود وحسنه الترمذي، وقال لا نعرفه إلا من حديث الأخضر بن عجلان عن أبي بكر عبد الله الحنفي عن أنس، وعله ابن القطان بجهل حال أبي بكر الحنفي ونقل عن البخاري أنه قال: لا يصح حديثه كذا في التلخيص (ص٢٣٧) .
стр. 2759
١٨٦٧- (١٧) وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله، أوشك الله له بالغنى، إما بموت عاجل، أو غنى آجل)) . رواه أبوداود، والترمذي.
﴿الفصل الثالث﴾
١٨٦٨- عن ابن الفراسي، أن الفراسي،
ــ
١٨٦٧- قوله: (من أصابته فاقة) أي حاجة شديدة وأكثر استعمالها في الفقر وضيق المعيشة (فأنزلها بالناس) أي عرضها عليهم وأظهرها بطريق الشكاية لهم وطلب إزالة فاقته منهم. قال الطيبي: نزل بالمكان ونزل من علو ومن المجاز نزل به مكروه وأنزلت حاجتي على كريم، وخلاصته إن من اعتمد في سدها على سؤالهم (لم تسد) بصيغة المجهول (فاقته) أي لم تقض حاجته ولم تزل فاقته وكلما تسد حاجة أصابته أخرى أشد منها (ومن أنزلها بالله) بأن اعتمد في إزالتها على مولاه (أوشك الله له) أي أسرع له وعجل (بالغنى) بكسر الغين مقصوراً. قال في القاموس: الغنى كالى ضد الفقر وإذا فتح مد (إما بموت عاجل) قيل يموت قريب له فيرثه. وقيل: معناه أن يميته الله فيستغنى عن المال (أو غنى) بكسر وقصر (آجل) كذا وقع في جميع النسخ الحاضرة بموت عاجل، أو غنى آجل بالعين في الأول، وبالهمزة في الثاني، وفي نسخ السنن لأبي داود بالعين في الموضين، وكذا وقع في نسخ مختصر السنن للمنذري كما في العون. ولفظ الترمذي برزق عاجل أو آجل. وقال الطيبي: هو هكذا أي بالعين في الموضعين في أكثر نسخ المصابيح وجامع الأصول، وفي سنن أبي داود والترمذي أو غنى آجل بهمزة ممدودة وهو أصح دراية لقوله تعالى ﴿إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾ [النور:٣٢] انتهى. قلت: في نسخ أبي داود الحاضرة عندنا غنى عاجل بالعين كما تقدم (رواه أبوداود) في الزكاة (والترمذي) في الزهد. وأخرجه أحمد (ج١:ص٣٨٩-٤٤٢) بلفظ: برزق عاجل أو موت آجل (ج١:ص٤٠٧) بلفظ: آجل عاجل أو غنى عاجل والحاكم (ج١:ص٤٠٨) والبيهقي من طريق الحاكم (ج٤:ص١٩٦) وصححه الترمذي والحاكم والذهبي، وسكت عنه أبوداود. ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره.
١٨٦٨- قوله: (عن ابن الفراسي) بكسر الفاء وخفة الراء بعدها ألف ثم سين مهملة ثم ياء مشددة. قال في التقريب: ابن الفراسي عن النبي ﷺ . وقيل: عن أبيه عن النبي ﷺ لا يعرف اسمه (إن الفراسي) قال ابن
стр. 2760
قال: قلت لرسول الله ﷺ أسأل يا رسول الله؟ فقال النبي ﷺ : لا، وإن كنت لا بد فسل الصالحين)) . رواه أبوداود، والنسائي.
١٨٦٩- (١٩) وعن ابن الساعدي،
ــ
عبد البر، ويقال فراس أي بغير ياء النسبة، وهو من بني فراس بن مالك بن كنانة، حديثه عند أهل مصر فذكر هذا الحديث. قال: وله حديث آخر مثل حديث أبي هريرة في البحر هو الطهور ماءه والحل ميتته، كلاهما يرويه الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن بكر بن سوادة عن مسلم بن مخشى عن الفراسى. ومنهم من يقول عن مسلم ابن مخشى عن ابن الفراسي عن أبيه عن النبي ﷺ : يعد في أهل مصر وحديثه عنهم -انتهى. وقال الحافظ في الإصابة: فراس (بغير ياء في آخره) له صحبة قاله البخاري. ثم ذكر هذا الحديث من روايته ثم قال هكذا رأيت في نسخة قديمة من تاريخ البخاري في حرف الفاء، وكذا ذكر ابن السكن إن البخاري سماه فراساً. قال: وقال غيره الفراسي من بني فراس بن مالك بن كنانة ولا يوقف على اسمه، ومخرج حديثه عن أهل مصر، وذكره البغوي وابن حبان بلفظ: النسب كما هو المشهور لكن صنيعه تقتضى إنه اسم بلفظ: النسب. والمعروف إنه نسبه وإن اسمه لا يعرف، والمعروف في الحديث عن ابن الفراسي عن أبيه. وقيل: عن ابن الفراسي فقط، وهو مرسل -انتهى. (قال قلت لرسول الله ﷺ وفي بعض النسخ قال لرسول الله أي بحذف "قلت" وهكذا وقع في السنن لأبي داود والنسائي والبيهقي، ومسند الإمام أحمد (أسأل) على تقدير حرف الإستفهام، والمراد أسأل المال من غير الله المتعال وإلا فلا منع للسؤال من الله تعالى بل هو المطلوب (فقال النبي ﷺ : لا) أي لا تسأل من غير الله شيئاً فإن السؤال ذل (وإن كنت لا بد) كذا في جميع النسخ الحاضرة وفي أبي داود والنسائي والبيهقي ومسند الإمام أحمد، وإن كنت سائلاً لا بد أي لا بد لك منه ولا غنى لك عنه (فسل الصالحين) أي القادرين على قضاء الحاجة أو أخيار الناس لأنهم لا يحرمون السائلين ويعطون ما يعطون عن طيب نفس، ولأنهم لا يعطون إلا من الحلال ولا يكونون إلا كرماء رحماء ولا يهتكون العرض، ولأنهم يدعون لك فيستجاب، وقد سلف شيء من الكلام في معناه في شرح حديث سمرة بن جندب (رواه أبوداود والنسائي) وأخرجه أحمد (ج٤:ص٣٣٤) والبيهقي (ج٤:ص١٩٧) والبخاري في تاريخه (ج٤:ص١٣٧-١٣٨) وسكت عنه أبوداود.
١٨٦٩- قوله: (وعن ابن الساعدي) بالألف بعد السين وبكسر العين وبياء النسبة، وهو عبد الله بن السعدي، واسم السعدي، وقدان. وقيل: عمرو، ووقدان جده، وقيل: اسمه قدامة بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب. وإنما قيل له: ابن السعدي لأن أباه كان مسترضعاً في بني
стр. 2761
قال استعملني عمر على الصدقة، فلما فرغت منها وأديتها إليه، أمرني بعمالة، فقلت: إنما عملت لله وأجري على الله، قال خذ ما أعطيت، فإني قد عملت على عهد رسول الله ﷺ فعلمني، فقلت: مثل قولك، فقال لي رسول الله ﷺ : ((إذا أعطيتك شيئاً من غير أن تسأله فكل وتصدق)) .
ــ
سعد بن بكر بن هوازن، وفد عبد الله بن سعدي على النبي ﷺ وصحبه قديماً. وسكن الأردن روى عن النبي ﷺ وعن عمر بن الخطاب حديث العمالة، وروى عنه حويطب بن عبد العزى وبسر بن سعيد وغيرهما. قال الحافظ في الفتح: ومات عبد الله بن السعدي بالمدينة سنة سبع وخمسين، ويقال بل مات في خلافة عمر والأول أقوى. قلت: الأول قول الواقدي. والثاني قول ابن حبان. وقال ابن عساكر: لا أراه محفوظاً وقوله ابن الساعدي هكذا وقع في رواية الليث بن سعد عن بكير بن الأشج عن بسر بن سعيد عند أبي داود والنسائي ومسلم، وخالفه عمرو بن الحارث عن بكير عند مسلم. فقال ابن السعدي قال الحافظ: وهو المحفوظ. وقال عياض: الصواب ابن السعدي كما في الرواية الأخرى. وإنما قيل: له السعدي لأنه استرضع في بني سعد بن بكر. وأما الساعدي فلا يعرف له وجه. وابنه عبد الله من الصحابة وهو قرشي عامري مالكي. وقال النووي: أما قوله الساعدي فأنكروه قالوا وصوابه السعدي كما رواه الجمهور منسوب إلى بني سعد بن بكر كما سبق. قلت: وهكذا وقع في رواية السائب بن يزيد عن حويطب بن عبد العزى عن عبد الله بن السعدي عند البخاري والنسائي (إستعملني عمر) أي جعلني عاملاً (على الصدقة) أي على أخذها وجمعها (فلما فرغت منها) أي من أخذها وجبابتها (وأديتها إليه) أي إلى عمر (أمر لي بعمالة) بضم العين المهملة وتخفيف الميم أي أجرة العمل. قال الجوهري: العمالة بالضم رزق العامل على عمله، وذكر الحافظ في الفتح رواية من فوائد أبي بكر النيشابوري، تدل على أن العمالة المذكورة كانت ألف دينار والله تعالى أعلم. (قال) أي عمر (خذ ما أعطيت) على بناء المفعول والأمر للاستحباب عند الجمهور (فعملني) بتشديد الميم أي أعطاني أجرة عملي، والمعنى أراد إعطاءها وأمر لي بالعطاء (فقلت مثل قولك) فيه منقبة لعمر وبيان فضله وزهده وإيثاره، وكذا لإبن السعدي فقد وافق فعله فعل عمر سواء (إذا أعطيت) بصيغة المجهول (شيئاً من غير أن تسأله فكل وتصدق) أي خذه ولا ترده، واصنع ما شئت من الأكل والتصدق. وقيل: أي كل حال كونك فقيراً وتصدق حال كونك غنياً. قال الشوكاني: في الحديث دليل على أن عمل الساعي سبب لإستحقاقه الأجرة كما أن وصف الفقر والمسكنة هو السبب في ذلك، وإذا كان العمل هو السبب اقتضى قياس قواعد الشرع إن المأخوذ في مقابلته أجرة، ولهذا قال أصحاب الشافعي تبعاً له إنه يستحق أجرة المثل. وفيه أيضاً دليل على أن من نوع التبرع يجوز له أخذة الأجر بعد ذلك، ولهذا قال المصنف
стр. 2762
رواه أبوداود.
١٨٧٠- (٢٠) وعن علي، أنه سمع يوم عرفة رجلاً يسأل الناس. فقال: ((أفي هذا اليوم، وفي هذا المكان تسأل من غير الله؟ فخفقه بالدرة)) . رواه رزين.
ــ
يعني المجد بن تيمية صاحب المنتقى. وفيه دليل على أن نصيب العامل يطيب له وإن نوى التبرع أو لم يكن مشروطاً - انتهى. وقال المنذري: في الحديث جواز أخذ الأجرة على إعمال المسلمين وولاياتهم الدينية والدنيوية، قيل: وليس معنى الحديث في الصدقات وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام على أغنياء الناس وفقراءهم، واستشهد بقوله في بعض طرقه فتموله. وقال الفقير: لا ينبغي أن يأخذ من الصدقة ما يتخذه مالاً كان عن مسألة أو غير مسألة -انتهى. قال ابن المنذر حديث ابن السعدي حجة في جواز أرزاق القضاة عن وجوهها. وقال الطبري: في حديث عمر الدليل الواضح على أن لمن شغل بشيء من إعمال المسلمين أخذ الرزق على عمله ذلك، كالولاة والقضاة وجباة الفيء وعمال الصدقة. وشبههم لإعطاء رسول الله ﷺ عمر العمالة على عمله، وذكر ابن المنذر إن زيد بن ثابت كان يأخذ الأجر على القضاء. واحتج أبوعبيد في ذلك بما فرض الله للعاملين على الصدقة. وجعل لهم منها حقاً لقيامهم وسعيهم فيها (رواه أبوداود) فيه تساهل فإن الحديث أخرجه مسلم والنسائي بهذا اللفظ، والبخاري في الأحكام بنحوه فكان على المصنف أن يقول رواه مسلم وأبوداود والنسائي أو يقول متفق عليه.
١٨٧٠- قوله: (فقال) أي علي (أفي هذا اليوم وفي هذا المكان) أي أفي زمان إجابة الدعاء ومكان قبول الثناء وحصول الرجاء (تسأل من غير الله) أي شيئاً حقيراً مثل الغداء أو العشاء. قال الطيبي: أي هذا المكان وهذا اليوم، ينافيان السؤال من غير الله، ويلحق بذلك السؤال في المساجد إذ لم تبن إلا للعبادة - انتهى. قلت قد روى أبوداود والبيهقي في باب المسألة في المساجد، والحاكم من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر قال: قال رسول الله ﷺ : هل فيكم أحد أطعم اليوم مسكيناً. فقال أبوبكر: دخلت المسجد فإذا أنا بسائل يسأل فوجدت كسرة خبز في يد عبد الرحمن فأخذتها منه فدفعتها إليه - انتهى. وهذا بظاهره يدل على جواز السؤال في المساجد والإعطاء فيها، خلافاً لمن ذهب إلى تحريم السؤال فيها، وكراهة الإعطاء مطلقاً (فخفقه) أي ضربه وهو من باب ضرب ونصر يقال: خفقه بالسيف أي ضربه به ضرباً خفيفاً، والمخفق السيف العريض، والمخفقة الدرة يضرب بها. وقال الطيبي: الخفق الضرب بالشيء العريض (بالدرة) بكسر الدال وتشديد الراء في القاموس هي التي يضرب بها (رواه رزين) .
стр. 2763
١٨٧١- (٢١) وعن عمر، قال: ((تعلمن أيها الناس! إن الطمع فقر، وإن الإياس غنى، وإن المرأ إذا يئس عن شيء استغنى عنه)) . رواه رزين.
ــ
١٨٧١- قوله: (تعلمن) بضم الميم. قال الطيبي: أي لتعلمن وفيه شذوذان إيراد اللام في أمر المخاطب وحذفها مع كونها مرادة. وقيل: يحتمل أن يكون تعلمن جواب قسم مقدر، واللام المقدرة هي المفتوحة أي والله لتعلمن ذكره القاري، وفي بعض النسخ تعلمون وهو خبر بمعنى الأمر (إن الطمع) أي في الخلق (فقر) أي حاضر أو يجر إليه (وإن الإياس) بكسر الهمزة بمعنى اليأس من الناس (وإن المرأ) تفسير لما تقدم (إذا يئس) وفي نسخة صحيحة إذا أيس (عن شيء استغنى عنه) ولذا قيل اليأس إحدى الراحتين (رواه رزين) ذكر هذا الأثر والذي قبله رزين في تجريده من غير سند ولم أقف على من أخرج أثر علي، وأما أثر عمر فأخرجه أبونعيم في الحلية كما سيأتي. وقد ذكره أيضاً ابن رجب في شرح الأربعين (ص٢١٧) والغزالي في الإحياء (ج٤:ص١٩٥) من غير أن يذكرا مخرجه وسكت العراقي أيضاً عن تخريجه في المغنى، ولفظ الإحياء "إن الطمع فقر" واليأس غنى وأنه من يئس عما في أيدي الناس وقنع استغنى عنهم، ورواه أبونعيم في الحلية (ج١:ص٥٠) قال: حدثنا أبوبكر بن همدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا أبومعاوية ووكيع عن هشام بن عروة عن أبيه قال: قال عمر. في خطبة: تعلمون أن الطمع فقر وأن اليأس غنى وأن الرجل إذا يئس عن شيء "استغنى عنه" رواه ابن وهب عن الثوري عن هشام عن أبيه عن زبيد (بضم الزاي بعدها ياء معجمة باثنتين من تحتها مكررة) ابن الصلت (بمهملة وبمثناة فوق في آخره) عن عمر: حدثنا أبي ثنا إبراهيم بن محمد ثنا أحمد بن سعيد ثنا ابن وهب به. انتهى ما في الحلية. قلت: عروة عن عمر منقطع لأن عروة ولد في آخر خلافة عمر (أي لست سنين خلت من خلافة عمر) كما في تهذيب التهذيب للحافظ والتذكرة للذهبي. وقيل: ولد في خلافة عثمان، وأما زبيد بن الصلت عن عمر فهو متصل لأن زبيداً قد أدرك عمر، قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (ج١/ق٢/ص٦٢٢) زبيد بن الصلت المديني روى عن أبي بكر ﵁ مرسل، وعن عمر وقد أدركه، روى عنه عروة بن الزبير
стр. 2764
١٨٧٢- (٢٢) وعن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من يكفل لي أن لا يسأل الناس شيئاً، فأتكفل له بالجنة؟ فقال ثوبان: أنا: فكان لا يسأل أحداً شيئاً)) . رواه أبوداود، والنسائي.
ــ
والزهري وعبد الله بن إبراهيم بن قارظ ثم ذكر عن يحيى بن معين أنه قال زبيد بن الصلت ثقة. انتهى. وأثر عمر من طريق هشام عن أبيه أخرجه أيضاً وكيع بن الجراح في الزهد (ج٢:ص٤٢٦) وأحمد في الزهد (١١٧) وأبونعيم في الحلية (ج٦:ص٣٢٨) وابن المبارك في الزهد (٢٢٣) والمروزي في زيادات زهد ابن المبارك (٣٥٤) وابن الجوزي في مناقب عمر في مختصره (١٨١) وروى أحمد في الزهد والبيهقي والحاكم في المستدرك (ج٤:ص٣٢٦) عن سعد بن أبي وقاص قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أوصني وأوجز فقال له: عليك بالإياس مما في أيدي الناس وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر- الحديث. قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد. وقال الذهبي: صحيح. وأما ما روى الطبراني من حديث ابن مسعود قال: سئل رسول الله ﷺ ما الغنى؟ قال: اليأس مما في أيدي الناس، ففي إسناده إبراهيم بن زياد العجلي وهو متروك.
١٨٧٢- قوله: (من يكفل) بفتح الياء وضم الفاء مرفوعاً في بعض النسخ بصيغة الماضي من التكفل، وكذا وقع في سنن أبي داود ولفظ النسائي من يضمن و"من" استفهامية أي أيكم يضمن ويلتزم ويتقبل (لي أن لا يسأل الناس شيئاً) أي من مالهم وإلا فطلب ماله عليهم لا يضر، والمراد من يديم على ذلك (فأتكفل) بالنصب والرفع أي أتضمن وأتقبل (له بالجنة) أي أولاً من غير سابقة عقوبة، وفيه إشارة إلى بشارة حسن الخاتمة (فقال ثوبان أنا) أي تضمنت أو أتضمن (فكان) أي ثوبان بعد ذلك (لا يسأل أحداً شيئاً) وفي رواية عند أحمد وابن ماجه، فكان ثوبان يقح سوطه وهو راكب أي على بعيره فلا يقول لأحد ناولنيه حتى ينزل فيأخذه (رواه أبوداود والنسائي) واللفظ لأبي داود، ولفظ النسائي من يضمن لي واحدة وله الجنة. قال يحيى: (أحد
стр. 2765
١٨٧٣- (٢٣) وعن أبي ذر، قال دعاني رسول الله ﷺ : ((وهو يشترط على أن لا تسأل الناس شيئاً قلت نعم. قال: ولا سوطك إن سقط منك حتى تنزل إليه فتأخذه)) . رواه أحمد.
((٥)) باب الإنفاق وكراهية الإمساك
﴿الفصل الأول﴾
١٨٧٤- (١) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو كان لي مثل أحد ذهباً
ــ
رواته) ههنا كلمة معناها أن لا يسأل الناس شيئاً -انتهى. والحديث أخرجه أحمد (ج٥: ص٢٧٥-٢٧٦-٢٧٧-٢٧٩-٢٨١) وابن ماجه والحاكم (ج١:ص٤١٢) والبيهقي (ج٤:ص١٩٧) وسكت عنه أبوداود والمنذري في مختصر السنن. وقال في الترغيب: إسناده صحيح وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
١٨٧٣- قوله: (دعاني رسول الله ﷺ أي إلى المبايعة الخاصة كما يدل عليه أو الحديث قال أي أبوذر بايعني رسول الله ﷺ خمساً، وأوثقني سبعاً وأشهد الله على تسعاً أن لا أخاف في الله لومة لائم. قال أبوالمثنى: أحد رواته. قال أبوذر: فدعاني رسول الله ﷺ فقال هل لك إلى بيعة ولك الجنة قلت نعم وبسطت يدي فقال رسول الله ﷺ : وهو يشترط علي الخ، (وهو يشترط علي) أي والحال أنه يقول لي على جهة الاشتراط أبايعك على (أن لا تسأل الناس شيئاً) بفتح اللام وكسرها وعلى الأول أكثر النسخ. قال الطيبي: إن مفسرة داخلة على النهى لما في يشترط من معنى القول. قيل: ويحتمل أن تكون مصدرية كذا في المرقاة (قلت نعم) أي بايعتك على ذلك (قال) أي النبي ﷺ للمبالغة (ولا سوطك) أي ولا تسأل أحداً أن يناوله لك (إن سقط منك حتى تنزل إليه فتأخذه) أي بنفسك وهذا مبالغة في النهى عن السؤال وحسم لمادته وإن لم يكن من السؤال المحرم (رواه أحمد) (ج٥:ص١٧٢) وفي رواية له (ج٥:ص١٨١) إن النبي ﷺ قال ستة أيام ثم أعقل يا أباذر ما أقول لك بعد. فلما كان اليوم السابع، قال أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته وإذا أسات فأحسن ولا تسألن أحداً شيئاً وإن سقط سوطك، ولا تقبض أمانة. قال المنذري في الترغيب والهيثمي في مجمع الزوائد (ج٣:ص٩٣) رجاله ثقات.
(باب الإنفاق وكراهية الإمساك) الإنفاق إخراج المال من اليد، يقال أنفق المال أي صرفه وأنفده وكل ما فاءه نون وعينه فاء، فهو دال على معنى الذهاب والخروج نحو نفر، ونفس ونفح ونفث ونفي ونفع وأمثالها والإمساك البخل.
١٨٧٤- قوله: (لو كان لي مثل أحد) بضمتين جبل معروف بالمدينة (ذهباً) تمييز لمثل وفي رواية مسلم
стр. 2766
لسرني أن لا يمر على ثلاث ليال، وعندي منه شيء، إلا شيء أرصده لدين)) . رواه البخاري.
١٨٧٥- (٢) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من يوم يصبح
ــ
ما يسرني أن لي أحداً ذهباً، وفي رواية للبخاري فلما أبصر أحداً قال ما أحب أنه تحول لي ذهباً يمكث عندي منه دينار فوق ثلاث. قال الحافظ: ويمكن الجمع بين قوله مثل أحد وبين قوله تحول لي أحد بحمل المثلية على شيء يكون وزنه من الذهب وزن أحد، والتحويل على أنه إذا انقلب ذهباً كان قدر وزنه أيضاً (لسرني) باللام قبل السين جواب لو أي أعجبني وجعلني في سرور (أن لا يمر علي) وفي رواية أن لا تمر بي (ثلاث ليال) قيل قيد بالثلاث لأنه لا يتهيأ تفريق قدر أحد من الذهب في أقل منها غالباً ويعكر عليه رواية يوم وليلة، فالأولى أن يقال الثلاثة أقصى ما يحتاج إليه في تفرقة مثل ذلك والواحدة أقل ما يمكن (وعندي منه شيء) قال ابن الملك الواو فيه للحال يعني لسرني عدم مرور ثلاث ليال والحال أن يكون فيها شيء منه عندي، والنفي في الحقيقة راجع إلى الحال (إلا شيء) وفي رواية إلا شيئاً بالنصب، قال الطيبي: وجه الرفع إن قوله "شيء" في حيز النفي أي لسرني أن لا يبقى منه شيء إلا شيء - انتهى. ووجه النصب إن المستثنى منه مطلق عام، والمستثنى مقيد خاص ووقع تفسير شيء في رواية بدينار (أرصده) بضم الهمزة وكسر الصاد أي أعده وأحفظه (لدين) بفتح الراء أي لأداء دين لأن قضاء الدين واجب فهو مقدم على الصدقة المندوبة، وهذا الإرصاد أعم من أن يكون لصاحب دين غائب حتى يحضر فيأخذه أو لأجل وفاء دين مؤجل حتى يحل فيوفى. قال القاري: قوله "لدين" أي لأداء دين كان على لأن أداء الدين مقدم على الصدقة، وكثير من جهلة العوام وظلمة الطغام يعملون الخيرات والمبرات، وعليهم حقوق الخلق ولم يلتفتوا إليها، وكثير من المتصوفة غير العارفة يجتهدون في الرياضات وتكثير الطاعات والعبادات وما يقومون بما يجب عليهم من الديانات -انتهى. وفي الحديث الحث على الإنفاق في وجوه الخيرات وأنه ﷺ كان في أعلى درجات الزهد في الدنيا بحيث أنه لا يحب أن يبقى في يده شيء من الدنيا إلا لإنفاقه فيمن يستحقه. وأما لإرصاده لمن له حق، وإما لتعذر من يقبل ذلك من لتقييده في رواية بقوله أجد من يقبله ويؤخذ منه جواز تأخير الزكاة الواجبة عن الإعطاء إذا لم يوجد من يستحق أخذها، وينبغي لمن وقع له ذلك أن يعزل القدر الواجب من ماله، ويجتهد في حصول من يأخذه، فإن لم يجد فلا حرج عليه، ولا ينسب إلى تقصير في حبسه. وفيه تقديم وفاء الدين على صدقة التطوع، وفيه جواز الاستقراض، وفيه الحث على وفاء الديون، وأداء الأمانات (رواه البخاري) في الرقاق بهذا اللفظ، وأخرجه أيضاً في الاستقراض وفي التمنى نحوه، وأخرجه أحمد (ج٢: ص٢٥٦-٣١٦) ومسلم أيضاً فكان على المصنف أن يقول متفق عليه.
١٨٧٥- قوله: (ما من يوم) "ما" نافية و"من" زائدة لتأكيد الإستغراق والمعنى ليس يوم (يصبح
стр. 2767
العباد فيه، إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً. ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً)) . متفق عليه.
ــ
العباد فيه) صفة يوم (إلا ملكان) مبتدأ خبره (ينزلان) أي فيه وهذه الجملة مع ما يتعلق بها في محل الخبر وهو مستثنى من محذوف أي على وجه إلا هذا الوجه كذا في المرقاة. وقال القسطلاني: "ما" بمعنى ليس و"يوم" اسمه و"من" زائدة و"يصبح العباد" صفة "يوم" وملكان مستثنى من محذوف وهو خبر ما أي ليس يوم موصوف بهذا الوصف ينزل فيه أحد إلا ملكان، فحذف المستثنى منه ودل عليه بوصف الملكين ينزلان (فيقول أحدهما) الخ قال السندي: لا فائدة في هذا القول على تقدير عدم سماع الناس ذلك، إذ لا يحصل به ترغيب ولا ترهيب بدون السماع، لأنا نقول تبليغ الصادق يقوم مقام السماع فينبغي للعاقل أن يلاحظ كل يوم هذا الدعاء بحيث كأنه يسمعه من الملكين فيفعل بسبب ذلك ما لو سمع من الملكين لفعل. وهذا هو فائدة أخبار النبي ﷺ بذلك على أن المقصود بالذات الدعاء لهذا، وعلى هذا سواء علموا به أم لا، والله تعالى أعلم (اللهم أعط) بقطع همزة أعط (منفقاً) أي منفق مال. وقيل: أي من ينفق من محله في محله (خلفاً) بفتح اللام أي عوضاً عظيماً وهو العوض الصالح أو عوضاً في الدنيا وبدلاً في العقبى لقوله تعالى ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾ [سبأ: ٣٩] وقوله ابن آدم أنفق أنفق عليك، قيل أبهم الخلف لتتناول المال والثواب وغيرهما، فكم من منفق مات قبل أن يقع له الخلف المالي، فيكون خلفه الثواب المعدله في الآخرة، أو يدفع عنه من السوء ما يقابل ذلك (ويقول) الملك (الآخر اللهم أعط ممسكاً) أي من يمسك عن خيره لغيره (تلفاً) بفتح اللام أي هلاكاً وضياعاً زاد ابن أبي حاتم من حديث أبي الدرداء فأنزل الله تعالى في ذلك ﴿فأما من أعطى واتقى إلى قوله العسرى﴾ [الليل:٥] وقوله اللهم أعط ممسكاً تلفاً هو من قبيل المشاكلة لأن التلف ليس بعطية. قال الحافظ: تضمنت الآية الوعيد بالتيسير لمن ينفق في وجوه البر، والوعيد بالتعسير لعكسه والتيسير المذكور أعم من أن يكون لأحوال الدنيا وأحوال الآخرة، وكذا دعاء الملك بالخلف يحتمل الأمرين، وأما الدعاء بالتلف فيحتمل تلف ذلك المال بعينه، أو تلف نفس صاحب المال أو المراد به فوات أعمال البر بالتشاغل بغيرها. قال النووي: الإنفاق الممدوح ما كان في الطاعات، وعلى العيال والضيفان والصدقات ونحو ذلك بحيث لا يذم ولا يسمى سرفاً والإمساك المذموم الإمساك عن هذا. وقال القرطبي: هو يعم الواجبات والمندوبات لكن الممسك عند المندوبات لا يستحق هذا الدعاء إلا أن يغلب عليه البخل المذموم بحيث لا تطيب نفسه بإخراج الحق الذي عليه ولو أخرجه (متفق عليه) وأخرجه ابن حبان والطبراني بنحوه كما في الترغيب. وفي الباب عن أبي الدرداء عند أحمد وابن حبان والحاكم والبيهقي.
стр. 2768
١٨٧٦- (٣) وعن أسماء، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((انفقي ولا تحصى فيحصى الله عليك، ولا توعي، فيوعي الله عليك ارضخي ما استطعت)) .
ــ
١٨٧٦- قوله: (وعن أسماء) بنت الصديق الأكبر (قالت قال) لي (رسول الله ﷺ انفقي) بهمزة قطع وكسر فاء (ولا تحصى) بضم أوله وكسر الصاد صيغة نهى المؤنث من الإحصاء، أي لا تعدي ما أنفقته فتستكثريه (فيحصى الله عليك) بنصب فيحصى مع كسر صاده جواب النهى أي حتى يعطيك الله أيضاً بحساب ولا يرزقك من غير حساب. والمراد التعليل، وقيل معناه ولا تبقى شيئاً للإدخار فإن من أبقى شيئاً إحصاه وقوله "فيحصى الله عليك" أي فيقل الرزق عليك بقطع البركة ومنع الزيادة ويجعله كالشيء المعدود أو فيحاسبك عليه في الآخرة. قال الطيبي: أصل "الإحصاء" الإحاطة بالشيء حصراً وتعداد أي معرفة قدره وزناً أو عدداً والمراد به ههنا عد الشيء للتبقية والقنية وإدخاره للإعتداد به وترك الإنفاق منه في سبيل الله، وإحصاء الله تعالى يحتمل وجهين، أحدهما أنه يحبس عنك مادة الرزق ويقلله بقطع البركة حتى يصير كالشيء المعدود، والآخر أنه يحاسبك ويناقشك عليه في الآخرة. وقال النووي: هذا من مقابلة اللفظ باللفظ للتجنيس كما قال تعالى ﴿ومكروا ومكر الله﴾ [آل عمران: ٥٤] ومعناه يمنعك كما منعت ويفتر عليك كما فترت ويمسك فضله عنك كما أمسكته (ولا توعى) بعين مهملة من أوعبت المتاع في الوعاء أوعية إذا جعلته فيه ووعيت الشيء حفظته والمراد لازم الايعاء وهو الإمساك (فيوعي الله عليك) بضم التحتية وكسر العين والنصب لكونه جواباً للنهى مقروناً بالفاء، وإسناده إلى الله مجاز عن الإمساك أي لا تجمعي في الوعاء وتبخلي بالنفقة فتجازى بمثل ذلك. وقال الخطابي: لا توعي أي لا تخبئي الشيء في الوعاء أي لأن مادة الرزق متصلة بإتصال النفقة منقطعة بانقطاعها فلا تمنعي فضلها فتحرمي مادتها وفي رواية لا توكي فيوكي الله عليك بالكاف بدل العين فيهما، والإيكاء شد رأس الوعاء بالوكاء، وهو الرباط الذي يربط به، يقال أوكى ما في سقاءه إذا شده بالوكاء، وهو الخيط الذي يشد به رأس القربة، وأوكى علينا أي بخل أي لا توكى مالك عن الصدقة خشية نفاده ولا تمنعي ما في يدك، وتدخري فتنقطع مادة الرزق عنك. وفيه أن السخاء يفتح أبواب الرزق والبخل بخلافه قال النووي: معنى الحديث الحث على النفقة في الطاعة والنهى عن الإمساك والبخل (إرضخي) من باب فتح والرضخ براء وضاد معجمة وخاء كذلك العطية القليلة أي أعطى وأنفقي من غير أحجاف. وقيل أي أعطى شيئاً وإن كان يسيراً، يقال رضخه أعطاه عطاء غير كثير أو قليلاً من كثير (ما استطعت) أي ما دمت مستطيعة قادرة على الرضخ فما ظرفية أي مدة إستطاعتك، أو موصولة أي الذي استطعته، أو نكرة موصوفة أي شيئاً إسطعته. قال النووي: معناه مما يرضى به الزبير، وتقديره إن لك في الرضخ مراتب مباحة بعضها فوق بعض وكلها يرضاها الزبير فافعلي أعلاها أو يكون معناه ما استطعت مما هو ملك لك. وقال ابن الملك: وإنما أمرها
стр. 2769
متفق عليه.
١٨٧٧- (٤) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال تعالى أنفق يا ابن آدم! أنفق عليك)) .
١٨٧٨- (٥) وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا ابن آدم! إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك.
ــ
ﷺ بالرضخ لما عرف من حالها إنها لا تقدر تتصرف في مالها ولا في مال زوجها بغير إذنه إلا في الشيء اليسير الذي جرت العادة فيها بالتسامح من قبل الأزواج كالكسرة والتمرة والطعام الذي يفضل في البيت ولا يصلح للإدخار لتسارع الفساد إليه أو فيما سبق إليها من نفقتها وحصتها، ولهذا كانت تستفتيه فيما ادخل عليها الزبير وفي صحيح مسلم إن أسماء جاءت النبي ﷺ فقالت يا نبي الله! ليس لي شيء إلا ما ادخل على الزبير فهل علي جناح إن أرضخ مما يدخل علي، فقال: أرضخي ما استطعت ولا توعي فيوعي الله عليك. قال النووي: هذا محمول على ما أعطاها الزبير لنفسها بسبب نفقة وغيرها أو مما هو ملك الزبير ولا يكره الصدقة منه بل يرضى بها على عادة غالب الناس (متفق عليه) أخرجه البخاري في الزكاة والهبة، ومسلم في الزكاة واللفظ للبخاري، وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي والبيهقي.
١٨٧٧- قوله: (أنفق) بفتح الهمزة وكسر الفاء مجزوم على الأمر أي على عباد الله، وفي ترك تقييد النفقة بشيء معين ما يرشد إلى أن الحث على الإنفاق يشمل جميع أنواع الخير (أنفق عليك) بضم الهمزة وكسر الفاء مجزوم جواباً بصيغة المضارع أي أعطك خلفه بل أكثر من أضعافاً مضاعفة وهو معنى قوله تعالى ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾ [سبا:٣٩] فيتضمن الحث على الإنفاق يعني في وجوه الخير والتبشير بالخلف من فضل الله تعالى (متفق عليه) هذا طرف من حديث طويل أخرجه البخاري في تفسير سورة هود، ومسلم في الزكاة وأخرجه البخاري أيضاً مقتصراً على هذا القدر، في باب ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾ من كتاب التوحيد، وهو من الأحاديث القدسية وقد أخرجه أحمد (ج٢:ص٣١٤) والبيهقي أيضاً.
١٨٧٨- قوله: (يا ابن آدم إن تبذل) بضم الذال المعجمة وفي مسلم يا ابن آدم إنك إن تبذل (الفضل) هو ما زاد على قدر الحاجة، "وإن" مصدرية مع مدخولها مبتدأ خبره (خير لك) أي بذل الزيادة على قدر الحاجة خير لك في الدنيا والآخرة (وإن تمسكه) أي إمساك ذلك الفضل ومنعه (شر لك) أي عندالله وعند
стр. 2770
ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول)) . رواه مسلم.
١٨٧٩- (٦) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين، عليهما جنتان من حديد.
ــ
الناس. قال النووي: قوله "إنك إن تبذل الفضل" الخ هو بفتح همزة أن ومعناه إن بذلك الفاضل عن حاجتك وحاجة عيالك فهو خير لك لبقاء ثوابه، وإن أمسكته فهو شر لك لأنه إن أمسك عن الواجب استحق العقاب عليه، وإن أمساك عن المندوب فقد نقص ثوابه وفوت مصلحة نفسه في آخرته وهذا كله شر (ولا تلام على كفاف) بفتح الكاف وهو من الرزق القوت وهو ما كف عن الناس وأغنى عنهم. وقيل: الكفاف ما كف عن الحاجة إلى الناس مع القناعة، لا يزيد على قدر الحاجة أي لا تذم على إمساك كفاف، وحفظه يعني إن حفظت من مالك قدر حاجتك لا لوم عليك وإن حفظت ما فضل على قدر حاجتك فأنت بخيل، والبخيل ملوم، قال النووي: معنى قوله "لا تلام على كفاف" إن قدر الحاجة لا لوم على صاحبه في حفظه وإمساكه، وهذا إذا لم يتوجه في الكفاف حق شرعي كمن كان له نصاب زكوى، ووجبت الزكاة بشروطها وهو محتاج إلى ذلك النصاب لكفافه، وجب عليه إخراج الزكاة ويحصل كفايته من جهة مباحة (وأبدأ) أي ابتدأ في إعطاء الزائد على الكفاف (بمن تعول) أي بمن تمونه ويلزمك نفقته. يقال عال الرجل عياله يعولهم إذا قام بما يحتاجون إليه من قوت كسوة أي إبداء في إنفاق الفضل (أي ما يزيد على ما يحصل منه الكفاف) بعيالك ووسع عليهم أولاً زيادة على نفقتهم الواجبة والمقصود إن العيال والقرابة أحق من غيرهم؟ وفيه الإبتداء بالأهم فالأهم (رواه مسلم) في الزكاة وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي في الزهد والبيهقي (ج٤:ص١٨٢) .
١٨٧٩- قوله: (مثل البخيل والمتصدق) وفي رواية المنفق أي صفتهما (جنتان) بضم الجيم وتشديد النون تثنية جنة، وهو كل ما وقى الإنسان واجنه وأحصنه، والمراد به هنا الدرع. وقيل: الجنة في الأصل الحصن، وسميت بها الدرع لأنها تجن صاحبها أي تحصنه، وقوله "جنتان: هكذا وقع في جميع النسخ الحاضرة بالنون، وكذا في المصابيع، وكذا في جامع الأصول، وكذا نقله المنذري في الترغيب، وهكذا في صحيح مسلم، وهي رواية إبراهيم بن نافع عن الحسن بن مسلم عن طاووس عن أبي هريرة. ووقع عند البخاري في هذه الرواية جبتان بالباء المؤحدة تثنية جبة، وهو اللباس المعروف. ويظهر من كلام الحافظ في الزكاة إن المحفوظ في هذه الرواية بالموحدة ومن رواه فيها بالنون فقد صحف. ورجحت رواية النون لقوله من حديد ولقوله قلصت وأخذت كل حلقة بمكانها. قال الحافظ: ولا مانع من إطلاع الجبة بالباء على الدرع. وقال السندي: إطلاق الجبة بالباء
следующие страницы →