Полный текст (4 545 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
لسرني أن لا يمر على ثلاث ليال، وعندي منه شيء، إلا شيء أرصده لدين)) . رواه البخاري.
١٨٧٥- (٢) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من يوم يصبح
ــ
ما يسرني أن لي أحداً ذهباً، وفي رواية للبخاري فلما أبصر أحداً قال ما أحب أنه تحول لي ذهباً يمكث عندي منه دينار فوق ثلاث. قال الحافظ: ويمكن الجمع بين قوله مثل أحد وبين قوله تحول لي أحد بحمل المثلية على شيء يكون وزنه من الذهب وزن أحد، والتحويل على أنه إذا انقلب ذهباً كان قدر وزنه أيضاً (لسرني) باللام قبل السين جواب لو أي أعجبني وجعلني في سرور (أن لا يمر علي) وفي رواية أن لا تمر بي (ثلاث ليال) قيل قيد بالثلاث لأنه لا يتهيأ تفريق قدر أحد من الذهب في أقل منها غالباً ويعكر عليه رواية يوم وليلة، فالأولى أن يقال الثلاثة أقصى ما يحتاج إليه في تفرقة مثل ذلك والواحدة أقل ما يمكن (وعندي منه شيء) قال ابن الملك الواو فيه للحال يعني لسرني عدم مرور ثلاث ليال والحال أن يكون فيها شيء منه عندي، والنفي في الحقيقة راجع إلى الحال (إلا شيء) وفي رواية إلا شيئاً بالنصب، قال الطيبي: وجه الرفع إن قوله "شيء" في حيز النفي أي لسرني أن لا يبقى منه شيء إلا شيء - انتهى. ووجه النصب إن المستثنى منه مطلق عام، والمستثنى مقيد خاص ووقع تفسير شيء في رواية بدينار (أرصده) بضم الهمزة وكسر الصاد أي أعده وأحفظه (لدين) بفتح الراء أي لأداء دين لأن قضاء الدين واجب فهو مقدم على الصدقة المندوبة، وهذا الإرصاد أعم من أن يكون لصاحب دين غائب حتى يحضر فيأخذه أو لأجل وفاء دين مؤجل حتى يحل فيوفى. قال القاري: قوله "لدين" أي لأداء دين كان على لأن أداء الدين مقدم على الصدقة، وكثير من جهلة العوام وظلمة الطغام يعملون الخيرات والمبرات، وعليهم حقوق الخلق ولم يلتفتوا إليها، وكثير من المتصوفة غير العارفة يجتهدون في الرياضات وتكثير الطاعات والعبادات وما يقومون بما يجب عليهم من الديانات -انتهى. وفي الحديث الحث على الإنفاق في وجوه الخيرات وأنه ﷺ كان في أعلى درجات الزهد في الدنيا بحيث أنه لا يحب أن يبقى في يده شيء من الدنيا إلا لإنفاقه فيمن يستحقه. وأما لإرصاده لمن له حق، وإما لتعذر من يقبل ذلك من لتقييده في رواية بقوله أجد من يقبله ويؤخذ منه جواز تأخير الزكاة الواجبة عن الإعطاء إذا لم يوجد من يستحق أخذها، وينبغي لمن وقع له ذلك أن يعزل القدر الواجب من ماله، ويجتهد في حصول من يأخذه، فإن لم يجد فلا حرج عليه، ولا ينسب إلى تقصير في حبسه. وفيه تقديم وفاء الدين على صدقة التطوع، وفيه جواز الاستقراض، وفيه الحث على وفاء الديون، وأداء الأمانات (رواه البخاري) في الرقاق بهذا اللفظ، وأخرجه أيضاً في الاستقراض وفي التمنى نحوه، وأخرجه أحمد (ج٢: ص٢٥٦-٣١٦) ومسلم أيضاً فكان على المصنف أن يقول متفق عليه.
١٨٧٥- قوله: (ما من يوم) "ما" نافية و"من" زائدة لتأكيد الإستغراق والمعنى ليس يوم (يصبح
стр. 2767
العباد فيه، إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً. ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً)) . متفق عليه.
ــ
العباد فيه) صفة يوم (إلا ملكان) مبتدأ خبره (ينزلان) أي فيه وهذه الجملة مع ما يتعلق بها في محل الخبر وهو مستثنى من محذوف أي على وجه إلا هذا الوجه كذا في المرقاة. وقال القسطلاني: "ما" بمعنى ليس و"يوم" اسمه و"من" زائدة و"يصبح العباد" صفة "يوم" وملكان مستثنى من محذوف وهو خبر ما أي ليس يوم موصوف بهذا الوصف ينزل فيه أحد إلا ملكان، فحذف المستثنى منه ودل عليه بوصف الملكين ينزلان (فيقول أحدهما) الخ قال السندي: لا فائدة في هذا القول على تقدير عدم سماع الناس ذلك، إذ لا يحصل به ترغيب ولا ترهيب بدون السماع، لأنا نقول تبليغ الصادق يقوم مقام السماع فينبغي للعاقل أن يلاحظ كل يوم هذا الدعاء بحيث كأنه يسمعه من الملكين فيفعل بسبب ذلك ما لو سمع من الملكين لفعل. وهذا هو فائدة أخبار النبي ﷺ بذلك على أن المقصود بالذات الدعاء لهذا، وعلى هذا سواء علموا به أم لا، والله تعالى أعلم (اللهم أعط) بقطع همزة أعط (منفقاً) أي منفق مال. وقيل: أي من ينفق من محله في محله (خلفاً) بفتح اللام أي عوضاً عظيماً وهو العوض الصالح أو عوضاً في الدنيا وبدلاً في العقبى لقوله تعالى ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾ [سبأ: ٣٩] وقوله ابن آدم أنفق أنفق عليك، قيل أبهم الخلف لتتناول المال والثواب وغيرهما، فكم من منفق مات قبل أن يقع له الخلف المالي، فيكون خلفه الثواب المعدله في الآخرة، أو يدفع عنه من السوء ما يقابل ذلك (ويقول) الملك (الآخر اللهم أعط ممسكاً) أي من يمسك عن خيره لغيره (تلفاً) بفتح اللام أي هلاكاً وضياعاً زاد ابن أبي حاتم من حديث أبي الدرداء فأنزل الله تعالى في ذلك ﴿فأما من أعطى واتقى إلى قوله العسرى﴾ [الليل:٥] وقوله اللهم أعط ممسكاً تلفاً هو من قبيل المشاكلة لأن التلف ليس بعطية. قال الحافظ: تضمنت الآية الوعيد بالتيسير لمن ينفق في وجوه البر، والوعيد بالتعسير لعكسه والتيسير المذكور أعم من أن يكون لأحوال الدنيا وأحوال الآخرة، وكذا دعاء الملك بالخلف يحتمل الأمرين، وأما الدعاء بالتلف فيحتمل تلف ذلك المال بعينه، أو تلف نفس صاحب المال أو المراد به فوات أعمال البر بالتشاغل بغيرها. قال النووي: الإنفاق الممدوح ما كان في الطاعات، وعلى العيال والضيفان والصدقات ونحو ذلك بحيث لا يذم ولا يسمى سرفاً والإمساك المذموم الإمساك عن هذا. وقال القرطبي: هو يعم الواجبات والمندوبات لكن الممسك عند المندوبات لا يستحق هذا الدعاء إلا أن يغلب عليه البخل المذموم بحيث لا تطيب نفسه بإخراج الحق الذي عليه ولو أخرجه (متفق عليه) وأخرجه ابن حبان والطبراني بنحوه كما في الترغيب. وفي الباب عن أبي الدرداء عند أحمد وابن حبان والحاكم والبيهقي.
стр. 2768
١٨٧٦- (٣) وعن أسماء، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((انفقي ولا تحصى فيحصى الله عليك، ولا توعي، فيوعي الله عليك ارضخي ما استطعت)) .
ــ
١٨٧٦- قوله: (وعن أسماء) بنت الصديق الأكبر (قالت قال) لي (رسول الله ﷺ انفقي) بهمزة قطع وكسر فاء (ولا تحصى) بضم أوله وكسر الصاد صيغة نهى المؤنث من الإحصاء، أي لا تعدي ما أنفقته فتستكثريه (فيحصى الله عليك) بنصب فيحصى مع كسر صاده جواب النهى أي حتى يعطيك الله أيضاً بحساب ولا يرزقك من غير حساب. والمراد التعليل، وقيل معناه ولا تبقى شيئاً للإدخار فإن من أبقى شيئاً إحصاه وقوله "فيحصى الله عليك" أي فيقل الرزق عليك بقطع البركة ومنع الزيادة ويجعله كالشيء المعدود أو فيحاسبك عليه في الآخرة. قال الطيبي: أصل "الإحصاء" الإحاطة بالشيء حصراً وتعداد أي معرفة قدره وزناً أو عدداً والمراد به ههنا عد الشيء للتبقية والقنية وإدخاره للإعتداد به وترك الإنفاق منه في سبيل الله، وإحصاء الله تعالى يحتمل وجهين، أحدهما أنه يحبس عنك مادة الرزق ويقلله بقطع البركة حتى يصير كالشيء المعدود، والآخر أنه يحاسبك ويناقشك عليه في الآخرة. وقال النووي: هذا من مقابلة اللفظ باللفظ للتجنيس كما قال تعالى ﴿ومكروا ومكر الله﴾ [آل عمران: ٥٤] ومعناه يمنعك كما منعت ويفتر عليك كما فترت ويمسك فضله عنك كما أمسكته (ولا توعى) بعين مهملة من أوعبت المتاع في الوعاء أوعية إذا جعلته فيه ووعيت الشيء حفظته والمراد لازم الايعاء وهو الإمساك (فيوعي الله عليك) بضم التحتية وكسر العين والنصب لكونه جواباً للنهى مقروناً بالفاء، وإسناده إلى الله مجاز عن الإمساك أي لا تجمعي في الوعاء وتبخلي بالنفقة فتجازى بمثل ذلك. وقال الخطابي: لا توعي أي لا تخبئي الشيء في الوعاء أي لأن مادة الرزق متصلة بإتصال النفقة منقطعة بانقطاعها فلا تمنعي فضلها فتحرمي مادتها وفي رواية لا توكي فيوكي الله عليك بالكاف بدل العين فيهما، والإيكاء شد رأس الوعاء بالوكاء، وهو الرباط الذي يربط به، يقال أوكى ما في سقاءه إذا شده بالوكاء، وهو الخيط الذي يشد به رأس القربة، وأوكى علينا أي بخل أي لا توكى مالك عن الصدقة خشية نفاده ولا تمنعي ما في يدك، وتدخري فتنقطع مادة الرزق عنك. وفيه أن السخاء يفتح أبواب الرزق والبخل بخلافه قال النووي: معنى الحديث الحث على النفقة في الطاعة والنهى عن الإمساك والبخل (إرضخي) من باب فتح والرضخ براء وضاد معجمة وخاء كذلك العطية القليلة أي أعطى وأنفقي من غير أحجاف. وقيل أي أعطى شيئاً وإن كان يسيراً، يقال رضخه أعطاه عطاء غير كثير أو قليلاً من كثير (ما استطعت) أي ما دمت مستطيعة قادرة على الرضخ فما ظرفية أي مدة إستطاعتك، أو موصولة أي الذي استطعته، أو نكرة موصوفة أي شيئاً إسطعته. قال النووي: معناه مما يرضى به الزبير، وتقديره إن لك في الرضخ مراتب مباحة بعضها فوق بعض وكلها يرضاها الزبير فافعلي أعلاها أو يكون معناه ما استطعت مما هو ملك لك. وقال ابن الملك: وإنما أمرها
стр. 2769
متفق عليه.
١٨٧٧- (٤) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال تعالى أنفق يا ابن آدم! أنفق عليك)) .
١٨٧٨- (٥) وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا ابن آدم! إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك.
ــ
ﷺ بالرضخ لما عرف من حالها إنها لا تقدر تتصرف في مالها ولا في مال زوجها بغير إذنه إلا في الشيء اليسير الذي جرت العادة فيها بالتسامح من قبل الأزواج كالكسرة والتمرة والطعام الذي يفضل في البيت ولا يصلح للإدخار لتسارع الفساد إليه أو فيما سبق إليها من نفقتها وحصتها، ولهذا كانت تستفتيه فيما ادخل عليها الزبير وفي صحيح مسلم إن أسماء جاءت النبي ﷺ فقالت يا نبي الله! ليس لي شيء إلا ما ادخل على الزبير فهل علي جناح إن أرضخ مما يدخل علي، فقال: أرضخي ما استطعت ولا توعي فيوعي الله عليك. قال النووي: هذا محمول على ما أعطاها الزبير لنفسها بسبب نفقة وغيرها أو مما هو ملك الزبير ولا يكره الصدقة منه بل يرضى بها على عادة غالب الناس (متفق عليه) أخرجه البخاري في الزكاة والهبة، ومسلم في الزكاة واللفظ للبخاري، وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي والبيهقي.
١٨٧٧- قوله: (أنفق) بفتح الهمزة وكسر الفاء مجزوم على الأمر أي على عباد الله، وفي ترك تقييد النفقة بشيء معين ما يرشد إلى أن الحث على الإنفاق يشمل جميع أنواع الخير (أنفق عليك) بضم الهمزة وكسر الفاء مجزوم جواباً بصيغة المضارع أي أعطك خلفه بل أكثر من أضعافاً مضاعفة وهو معنى قوله تعالى ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾ [سبا:٣٩] فيتضمن الحث على الإنفاق يعني في وجوه الخير والتبشير بالخلف من فضل الله تعالى (متفق عليه) هذا طرف من حديث طويل أخرجه البخاري في تفسير سورة هود، ومسلم في الزكاة وأخرجه البخاري أيضاً مقتصراً على هذا القدر، في باب ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾ من كتاب التوحيد، وهو من الأحاديث القدسية وقد أخرجه أحمد (ج٢:ص٣١٤) والبيهقي أيضاً.
١٨٧٨- قوله: (يا ابن آدم إن تبذل) بضم الذال المعجمة وفي مسلم يا ابن آدم إنك إن تبذل (الفضل) هو ما زاد على قدر الحاجة، "وإن" مصدرية مع مدخولها مبتدأ خبره (خير لك) أي بذل الزيادة على قدر الحاجة خير لك في الدنيا والآخرة (وإن تمسكه) أي إمساك ذلك الفضل ومنعه (شر لك) أي عندالله وعند
стр. 2770
ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول)) . رواه مسلم.
١٨٧٩- (٦) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين، عليهما جنتان من حديد.
ــ
الناس. قال النووي: قوله "إنك إن تبذل الفضل" الخ هو بفتح همزة أن ومعناه إن بذلك الفاضل عن حاجتك وحاجة عيالك فهو خير لك لبقاء ثوابه، وإن أمسكته فهو شر لك لأنه إن أمسك عن الواجب استحق العقاب عليه، وإن أمساك عن المندوب فقد نقص ثوابه وفوت مصلحة نفسه في آخرته وهذا كله شر (ولا تلام على كفاف) بفتح الكاف وهو من الرزق القوت وهو ما كف عن الناس وأغنى عنهم. وقيل: الكفاف ما كف عن الحاجة إلى الناس مع القناعة، لا يزيد على قدر الحاجة أي لا تذم على إمساك كفاف، وحفظه يعني إن حفظت من مالك قدر حاجتك لا لوم عليك وإن حفظت ما فضل على قدر حاجتك فأنت بخيل، والبخيل ملوم، قال النووي: معنى قوله "لا تلام على كفاف" إن قدر الحاجة لا لوم على صاحبه في حفظه وإمساكه، وهذا إذا لم يتوجه في الكفاف حق شرعي كمن كان له نصاب زكوى، ووجبت الزكاة بشروطها وهو محتاج إلى ذلك النصاب لكفافه، وجب عليه إخراج الزكاة ويحصل كفايته من جهة مباحة (وأبدأ) أي ابتدأ في إعطاء الزائد على الكفاف (بمن تعول) أي بمن تمونه ويلزمك نفقته. يقال عال الرجل عياله يعولهم إذا قام بما يحتاجون إليه من قوت كسوة أي إبداء في إنفاق الفضل (أي ما يزيد على ما يحصل منه الكفاف) بعيالك ووسع عليهم أولاً زيادة على نفقتهم الواجبة والمقصود إن العيال والقرابة أحق من غيرهم؟ وفيه الإبتداء بالأهم فالأهم (رواه مسلم) في الزكاة وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي في الزهد والبيهقي (ج٤:ص١٨٢) .
١٨٧٩- قوله: (مثل البخيل والمتصدق) وفي رواية المنفق أي صفتهما (جنتان) بضم الجيم وتشديد النون تثنية جنة، وهو كل ما وقى الإنسان واجنه وأحصنه، والمراد به هنا الدرع. وقيل: الجنة في الأصل الحصن، وسميت بها الدرع لأنها تجن صاحبها أي تحصنه، وقوله "جنتان: هكذا وقع في جميع النسخ الحاضرة بالنون، وكذا في المصابيع، وكذا في جامع الأصول، وكذا نقله المنذري في الترغيب، وهكذا في صحيح مسلم، وهي رواية إبراهيم بن نافع عن الحسن بن مسلم عن طاووس عن أبي هريرة. ووقع عند البخاري في هذه الرواية جبتان بالباء المؤحدة تثنية جبة، وهو اللباس المعروف. ويظهر من كلام الحافظ في الزكاة إن المحفوظ في هذه الرواية بالموحدة ومن رواه فيها بالنون فقد صحف. ورجحت رواية النون لقوله من حديد ولقوله قلصت وأخذت كل حلقة بمكانها. قال الحافظ: ولا مانع من إطلاع الجبة بالباء على الدرع. وقال السندي: إطلاق الجبة بالباء
стр. 2771
قد أضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما، فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة، إنبسطت عنه. وجعل البخيل كلما هم بصدقة، قلصت وأخذت، كل حلقة بمكانها)) .
ــ
على الجنة بالنون مجازاً غير بعيد، فينبغي أن يكون الجنة بالنون هو المراد في الروايتين (قد اضطرت أيديهما) قال القسطلاني: بفتح الطاء ونصب التحتية الثانية من أيديهما عند أبي ذر على المفعولية ولغيره بضم الطاء وسكون التحتية مرفوع نائب عن الفاعل. وقال القاري: بضم الطاء أي شدت وضمت والصقت، وفي نسخة بفتح الطاء ونصب أيديهما على أن ضمير الفعل إلى جنس الجنة المفهوم من التثنية (إلى ثديهما) بضم المثلثة وكسر الدال المهملة وتشديد المثناة التحتية جمع ثدى بفتح فسكون (وتراقيهما) بفتح مثناة فوق وكسر قاف جمع ترقوة بفتح التاء المثناة وسكون الراء وضم القاف وفتح الواو، وهما العظمان المشرفان في أعلى الصدر من رأس المنكبين إلى طرف ثغرة النحر (فجعل) أي طفق (المتصدق كلما تصدق) أي هم يتصدق بصدقة (إنبسطت) أي انتشرت الجنة واتسعت وسبغت (عنه) أي عن المتصدق زاد في رواية حتى تغشى أنامله (بفتح الشين المعجمة أي تسترها) وتعفو أثره (بنصب الراء أي تستر أثره، ويقال عفا الشيء وعفوته أنا، لازم ومتعد، ويقال عفت الدار إذا غطاها التراب. والمعنى إن الصدقة تستر خطاياه كما يغطي الثوب الذي يجر على الأرض أثر صاحبه إذا مشى بمرور الذيل عليه) . (هم بصدقة) أي قصد إليها (قلصت) بالقاف واللام المخففة والصاد المهملة المفتوحات أي انضمت وانجمعت وانقبضت جنته عليه (وأخذت كل حلقة) بسكون اللام من الجنة (بمكانها) يعني اشتدت والتصقت الحلق بعضها ببعض، والباء زائدة. قال التوربشتي: معنى الحديث إن الجواد الموفق إذا هم بالصدقة اتسع لذلك صدره وطاوعته نفسه انبسطت بالبذل والعطاء يداه كالذي لبس درعاً فاسترسلت عليه، وأخرج منها يديه فانبسطت حتى خلصت إلى ظهور قدميه فاجنته وحصنته، وإن البخيل إذا أراد الإنفاق حرج به صدره واشمأزت عنه نفسه، وانقبضت عنه يداه كالذي أراد أن يستجن بالدرع وقد غلت يداه إلى عنقه فحال ما ابتلى به بينه وبين ما يبتغيه فلا يزيده لبسها إلا ثقلاً، ووبالاً والتزاماً في العنق والتواء وأخذاً بالترقوة -انتهى. وقال الحافظ في الفتح: قال الخطابي وغيره: وهذا مثل ضرب النبي ﷺ للبخيل والمتصدق فشبهما برجلين أراد كل واحد منهما أن يلبس درعاً يستتر به من سلاح عدوه فصبها على رأسه ليلبسها، والدروع أول ما تقع على الصدر والثديين إلى أن يدخل الإنسان يديه في كميها، فجعل المنفق كمن لبس درعاً سابغة فاسترسلت عليه حتى سترت جميع بدنه، وهو معنى قوله حتى تعفو أثره أي تستر جميع بدنه. وجعل البخيل كمثل رجل غلت يداه إلى عنقه كلما أراد لبسها اجتمعت في عنقه فلزمت ترقوته، وهو معنى قوله قلصت أي تضامت واجتمعت. والمراد إن الجواد إذا هم بالصدقة إنفسخ لها صدره وطابت نفسه فتوسعت في الإنفاق أي وطاوعت يداه بالإنفاق فامتدتا بالعطاء، والبخيل
стр. 2772
متفق عليه.
١٨٨٠- (٧) وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة،
ــ
إذا حدث نفسه بالصدقة شحت نفسه فضاق صدره وانقبضت يداه ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ [الحشر:٩]- انتهى. وقال الطيبي: أوقع المتصدق مقابل البخيل، والمقابل الحقيقي السخي إيذاناً بأن السخاء ما أمر به الشرع وندب إليه من الإنفاق لا ما يتعافاه المبذرون، وخص المشبه بهما بلبس الجبتين من الحديد إعلاماً بأن الشح والقبض من جبلة الإنسان وخلقته، وإن السخاء من عطاء الله وتوفيقه يمنحه من يشاء من عباده المفلحين. وخص اليد بالذكر لأن السخي والبخيل يرصفان ببسط اليد وقبضها، فإذا أريد المبالغة في البخل قيل مغلولة يده إلى عنقه وثديه وترقيه. وإنما عدل عن الغل إلى الدرع لتصور معنى الإنبساط والتقلص والأسلوب من التشبيه المفرق شبه السخي الموفق، إذا قصد التصدق يسهل عليه ويطاوعه قلبه بمن عليه الدرع، ويده تحت الدرع. فإذا أراد أن يخرجها منها وينزعها يسهل عليه والبخيل على عكسه -انتهى. وقال المنذري: شبه نعم الله تعالى ورزقه بالجنة وفي رواية بالجبة فالمنفق كلما انفق إتسعت عليه النعم وسبغت ووفرت حتى تستره ستراً كاملاً شاملاً. والبخل كلما أراد أن ينفق منعه الشح والحرص وخوف النقص فهو بمنعه يطلب أن يزيد ما عنده، وإن تتسع عليه النعم فلا تتسع ولا تستر منه ما يروم ستره والله سبحانه أعلم -انتهى. وزاد في رواية بعد قوله كل حلقة بمكانها "قال أي أبوهريرة: فأنا رأيت رسول الله ﷺ يقول بأصبعه في جيبه فلو رأيته يوسعها ولا تتوسع". قال النووي: وفي هذا دليل على لباس القميص وكذا ترجم عليه البخاري باب جيب القميص من عند الصدر لأنه المفهوم من لباس النبي ﷺ في هذه القصة مع أحاديث أخرى صحيحة وردت في ذلك. قال الحافظ نقلاً عن ابن بطال: وموضع الدلالة منه إن البخيل إذا أراد إخراج يده أمسكت في الموضع الذي ضاق عليها وهو الثدي والتراقى وذلك في الصدر، قال فبان إن جيبه كان في صدره لأنه لم كان في يده لم تضطر يداه إلى ثدييه وتراقيه. (متفق عليه) أخرجه البخاري بهذا اللفظ في باب جيب القميص من عند الصدر وغيره من كتاب اللباس، ومسلم في الزكاة وأخرجه البخاري أيضاً في الزكاة وفي الجهاد وفي الطلاق، وأحمد في مواضع منها في (ج٢:ص٢٤٥-٢٤٦) والنسائي والبيهقي في الزكاة.
١٨٨٠- قوله: (اتقوا الظلم) الذي هو مجاوزة الحد والتعدي على الخلق (فإن الظلم) في الدنيا (ظلمات) على صاحبه (يوم القيامة) فلا يهتدي بسببها يوم يسعى نور المؤمنين بين أيديهم وبأيمانهم فالظلمة حسية محمولة على
стр. 2773
واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم)) . رواه مسلم.
١٨٨١- (٨) وعن حارثة بن وهب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تصدقوا، فإنه يأتي عليكم زمان
ــ
ظاهرها. وقيل: معنوية يعني إن المراد بالظلمات الشدائد وبه فسروا قوله تعالى ﴿قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر﴾ [الأنعام:٦٣] أي شدائدهما، ويحتمل أنها عبارة عن الأنكال والعقوبات (واتقوا الشح) مثلث الشين قيل: الشح أشد البخل وأبلغ في المنع من البخل. وقيل: هو البخل مع الحرص لكنز المال وإدخاره. الشح بخل الرجل بما في يد غيره كأن رأى إنساناً يتصدق فقال له لا تفعل ذلك فإنه يذهب مالك فتصير فقيراً أحرص على حفظ مالك ينفعك، والبخل هو المنع من مال نفسه. وقيل: البخل يكون في المال والشح يكون فيه وفي غيره من معروف أو طاعة. وقيل: الشح الحرص على ما ليس عنده والبخل بما عنده (فإن الشح أهلك من كان قبلكم) من الأمم فداءه قديم وبلاءه عظيم. قال القاضي: يحتمل أن هذا الهلاك، هو الهلاك الذي أخبر عنهم به في الدنيا بأنهم سفكوا دماءهم، ويحتمل أنه هلاك الآخرة، وهذا الثاني أظهر، ويحتمل أنه أهلكهم في الدنيا والآخرة (حملهم على أن سفكوا دماءهم) أي إسألوها بقتل بعضهم بعضاً حرصاً على استئثار المال (واستحلوا محارمهم) أي ما حرم الله من أموالهم وغيرها. وقال الطيبي: إنما كان الشح سبباً لذلك لأن في بذل المال ومؤاساة الأخوان التحاب والتواصل، وفي الإمساك والشح التهاجر والتقاطع وذلك يؤدي إلى التشاجر والتعادي من سفك الدماء، واستباحة المحارم من الفروج والإعراض والأموال وغيرها -انتهى. (رواه مسلم) في البر والصلة وأخرجه أيضاً أحمد والبخاري في الأدب المفرد.
١٨٨١- قوله: (وعن حارثة) بالحاء المهملة والمثلثة (بن وهب) بفتح الواو وسكون الهاء الخزاعي أخي عبد الله بن الخطاب لأمه (تصدقوا) أي اغتنموا التصدق عند وجود المال وعند حصول من يقبله وأقبلوا منة الفقير في أخذه منكم، فالمعنى تصدقوا قبل أن لا تتصدقوا على سنن حجوا قبل أن لا تحجوا. قاله القاري. فإن قيل: إن من أخرج صدقته مثاب على نيته، وإن لم يجد من يقبلها، فالجواب إن الواجد يثاب ثواب المجازاة والفضل والناوي يثاب ثواب الفضل فقط. والأول أرجح (فإنه يأتي عليكم) وفي رواية، فسيأتي والخطاب لجنس الأمة والمراد بعضهم (زمان) أي قرب الساعة وهو زمان المهدي ونزول عيسى ﵇، وقيل: هو زمان ظهور أشراط الساعة كما ورد لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل صدقة وحتى
стр. 2774
يمشي الرجل بصدقته، فلا يجد من يقبلها، يقول الرجل: لو جئت بها بالأمس لقبلتها، فأما اليوم فلا حاجة لي بها)) . متفق عليه.
١٨٨٢- (٩) وعن أبي هريرة، قال: قال رجل: يا رسول الله! أي الصدقة أعظم أجراً. قال: ((إن تصدق
ــ
يعرضه، فيقول الذي يعرضه عليه لا إرب لي فيه (يمشي الرجل) أي الإنسان فيه. (بصدقته) أي يذهب بها وجملة "يمشي" في محل رفع على أنها صفة لزمان، والعائد محذوف أي فيه (فلا يجد من يقبلها) قال النووي: سبب عدم قبولهم الصدقة في آخر الزمان لكثرة الأموال وظهور كنوز الأرض ووضع البركات فيها كما ثبت في الصحيح بعد هلاك يأجوج ومأجوج (وهو زمان المهدي ونزول عيسى ﵇ وقتله آمالهم وقرب الساعة وعدم إدخارهم المال وكثرة الصدقات. وقال القسطلاني: وهذا إنما يكون في الوقت الذي يستغنى الناس عن المال فيه لاشتغالهم بأنفسهم عند الفتنة فلا يلوون على الأهل فضلاً عن المال، وهذا في زمن الدجال، أو يكون ذلك لفرط الأمن والعدل البالغ بحيث يستغنى كل أحد بما عنده عما عند غيره. وهذا يكون في زمن المهدي وعيسى، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز وبه جزم البيهقي، فلا يكون من أشراط الساعة وفي تاريخ يعقوب بن سفيان من طريق يحيى بن أسيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بسند جيد قال لا، والله ما مات عمر بن عبد العزيز حتى قعد الرجل يأتينا بالمال العظيم، فيقول اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء فما يبرح حتى يرجع بماله فنتذكر من نضعه فيه فلا نجده فيرجع فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس. وسبب ذلك بسط عمر بن عبد العزيز العدل وإيصال الحقوق إلى أهلها حتى استغنوا، كذا ذكره في السراج المنير، ورجح الحافظ هذا الأخير إذ قال وهذا أرجح. لأن الذي رواه عدي بن حاتم ثلاثة أشياء أمن الطريق والاستيلاء على كنوز كسرى وفقد من يقبل الصدقة من الفقراء. فذكر عدي إن الأوليين وقعا وشاهد هما، وإن الثالث سيقع فكان كذلك لكن بعد موت عدي في زمن عمر بن عبد العزيز وسببه بسط العدل وإيصال الحقوق لأهلها، حتى استغنوا. وأما فيض المال الذي يقع في زمن عيسى ﵇، فسببه كثرة المال وقلة الناس واستشعارهم بقيام الساعة -انتهى. (يقول الرجل) أي الذي يريد المتصدق أن يعطيه إياها (لو جئت بها) أي بالصدقة (بالأمس) أي قبل ذلك من الزمن الماضي حال فقري (لقبلتها فأما اليوم) أي الآن (فلا حاجة لي بها) وفي رواية فيها. وفي الحديث الحث على الصدقة والمبادرة والإسراع بها وإغتنام إمكانها قبل تعذرها (متفق عليه) أخرجه البخاري في الزكاة وفي الفتن، ومسلم في الزكاة، واللفظ للبخاري وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤:ص٣٠٦) والنسائي.
١٨٨٢- قوله: (قال رجل) قال الحافظ: لم أقف على تسميته (إن تصدق) بتخفيف الصاد أي تتصدق
стр. 2775
وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى. ولا تمهل، حتى إذا بلغت الحلقوم. قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان)) .
ــ
بالتاءيين فحذفت إحداهما تخفيفاً، ويحتمل أن يكون بتشديد الصاد والدال جميعاً، وأصله تتصدق فأبدلت إحدى التائيين صاداً، وأدغمت الصاد في الصاد، وهي في موضع رفع خبر لمبتدأ محذوف أي هي تصدقك أو أعظم الصدقة أجراً إن تصدق (وأنت صحيح) جملة اسمية وقعت حالاً. والمراد بالصحيح في هذا الحديث من لم يدخل في مرض مخوف كذا قيل (شحيح) خبر بعد خبر أي من شأنه الشح للحاجة إلى المال. وقال ابن الملك: قوله "شحيح" تأكيد وبيان للصحيح لأن الرجل في حال صحته يكون شحيحاً، وفي رواية: وأنت صحيح حريص (تخشى الفقر) أي بصرف المال خبر بعد خبر أو حال بعد حال أو استئناف بيان قاله القاري: والمراد أن تقول في نفسك لا تتلف مالك كيلا تصير فقيراً فتحتاج إلى الناس (وتأمل) بضم الميم من نصر (الغنى) أي ترجوه وتطمع فيه يعني وتقول أترك مالك في بيتك لتكون غنياً ويكون لك عز عند الناس بسبب غناك (ولا تمهل) من الإمهال وهو بالنصب عطفاً على تصدق أو بالجزم على النهى أو بالرفع على أنه خبر أي ولا تؤخر الصدقة أي ولا تمهل نفسك (حتى إذا بلغت) أي الروح (الحلقوم) بضم الحاء المهملة مجرى النفس، والمراد قاربت بلوغه إذ لو بلغته حقيقة لم تصح وصيته ولا صدقته ولا شيء من تصرفاته بإتفاق الفقهاء، ولم يجر للروح ذكر إغتناء بدلالة السياق (لفلان) كناية عن الموصى له (كذا) كناية عن الموصى به، والجملة مبتدأ وخبر (وقد كان لفلان) أي الوارث قيل: جملة حالية أي وقد صار المال الذي تتصرف فيه في هذه الحالة ثلثاه حقاً للوارث وأنت تتصدق بجميعه فكيف يقبل منك. وقال القسطلاني: أي وقد صار ما أوصى به للوارث فيبطله إن شاء إذا زاد على الثلث، أو أوصى به لوارث آخر. وقيل: المعنى أنه قد خرج عن تصرفه وكمال ملكه واستقلاله بما شاء من التصرف، فليس له في وصيته كبير ثواب وكثير فضل بالنسبة إلى صدقة الصحيح الشحيح، وحاصل معنى الحديث أفضل الصدقة إن تتصدق في حال صحتك، واختصاص المال بك وشح نفسك، بأن تقول لا تتلف مالك كيلا تصير فقيراً لا في حال سقمك وسياق موتك، لأن المال حينئذ خرج عنك وتعلق بغيرك يعني أعظم الصدقة أجراً إن تصدق حال حياتك مع احتياجك إليه، فإن الصدقة في هذه الحالة أشد مراغمة للنفس، لأن فيه مجاهدة النفس على إخراج المال الذي هو شقيق الروح مع قيام مانع الشح، وليس هذا إلا من قوة الرغبة في القربة وصحة العقد فكان أفضل وأعظم أجراً من غيره. وقال الخطابي: معنى الحديث إن الشح غالب في حال الصحة فإذا سمح فيها وتصدق كان أصدق في نيته وأعظم لأجره بخلاف من أشرف على الموت وأيس من الحياة، ورأى مصير المال لغيره فإن صدقته حينئذ ناقصة بالنسبة إلى حالة الصحة والشح، ورجاء البقاء وخوف الفقر. قال: وفيه دليل على أن المرض يقصر
стр. 2776
متفق عليه.
١٨٨٣- (١٠) وعن أبي ذر، قال: انتهيت إلى النبي ﷺ وهو جالس في ظل الكعبة فلما رآني قال: ((هم الأخسرون ورب الكعبة، فقلت: فداك أبي وأمي من هم الأكثرون أموالاً، إلا من قال
ــ
يد المالك عن بعض ملكه، وإن سخاوته بالمال في مرضه لا تمحو عنه سمة البخل، ولذلك شرط أن يكون صحيح البدن شحيحاً بالمال يجد له وقعاً في قلبه لما يأمله من طول العمر، ويخالف من حدوث الفقر. قال الحافظ: وفي الحديث أن تنجيز وفاء الدين والتصدق في الحياة وفي الصحة أفضل منه بعد الموت وفي المرض، وأشار ﷺ إلى ذلك بقوله وأنت صحيح حريص تأمل الغنا إلى آخره، لأنه في حال الصحة يصعب عليه إخراج المال غالباً لما يخوفه به الشيطان ويزين له من إمكان طول العمر. والحاجة إلى المال كما قال تعالى: ﴿الشيطان يعدكم الفقر﴾ [البقرة:٢٦٨] الآية وأيضاً فإن الشيطان ربما زين له الحيف في الوصية أو الرجوع عن الوصية فتيحمض تفضيل الصدقة الناجزة. قال بعض السلف عن بعض أهل الترف يعصون الله تعالى في أموالهم مرتين يبخلون بها وهي في أيديهم، يعني في الحياة ويسرفون فيها إذا خرجت عن أيديهم يعني بعد الموت، وأخرج الترمذي بإسناد حسن وصححه ابن حبان عن أبي الدرادء مرفوعاً قال مثل الذي يعتق ويتصدق عند موته مثل الذي يهدي إذا شبع وهو يرجع إلى معنى حديث الباب. وروى أبوداود وصححه ابن حبان من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً لأن يتصدق الرجل في حياته وصحته بدرهم خير له، من أن يتصدق عند موته بمائة - انتهى. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الزكاة وفي الوصايا، ومسلم في الزكاة، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٢ ص٢٣١، ٢٥٠) وابن ماجه في الوصايا، والنسائي فيه وفي الزكاة والبيهقي وغيرهم.
١٨٨٣- قوله: (هم الأخسرون) هم ضمير عن غير مذكور لكن يأتي تفسيره وهو قوله هم الأكثرون وفيه أنه يصح رجع الضمير إلى الحاضر في الذهن ثم تفسيره للمخاطب إذا سأل عنه (ورب الكعبة) الواو للقسم (فداك أبي وأمي) بفتح الفاء لأنه ماض خبر بمضى الدعاء، ويحتمل كسر الفاء والقصر لكثرة الاستعمال أي يفديك أبي وأمي وهما أعز الأشياء عندي قاله القاري. قال العراقي الرواية المشهورة بفتح الفاء والقصر على أنها جملة فعليه, وروى بكسر الفاء والمد على الجملة الاسمية - انتهى. (من هم) أي من الأخسرون الذين أجملتهم (هم الأكثرون أموالاً) قال القاري: لعل جمع التمييز لإرادة الأنواع أو المقابلة الجمع بالجمع أي الأخسرون مالاً هم الأكثرون مالاً. قال ابن الملك: يعني من كان ماله أكثر خسرانه أكثر (إلا من قال) أي فعل بماله. والقول
стр. 2777
هكذا وهكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، وقليل ما هم)) . متفق عليه.
﴿الفصل الثاني﴾
١٨٨٤- (١١) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((السخي قريب من الله قريب من الجنة، قريب من الناس،
ــ
يطلق في لسان العرب على الأفعال كلها. قال الطيبي: يقال قال بيده أي أشار، وقال بيده أي أخذ، وقال برجله أي ضرب، وقال بالماء على يده أي صبه، وقال بثوبه أي رفعه فيطلقون القول على جميع الأفعال أتساعاً (هكذا وهكذا وهكذا) أي إلا من صدق بماله وبذله ونثره في كل جانب فقوله: "قال هكذا" الخ كناية عن التصدق العام في جميع جهات الخير (من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله) هو بيان لقوله هكذا وهكذا وهكذا واكتفي في الإشارة بثلاثة مع أن الجوانب المذكورة أربعة اكتفاء. وقيل المراد بالثلاث الجمع لأنه أقل مراتب الجمع، ولذا قال ابن الملك أي الأمن تصدق به من جوانبه الأربع على المحاتجين، أي فليس من الخاسرين بل من الفائزين، ويمكن أن يراد بالثلاث القدام والخلف وأحد الجانبين وهذه رواية مسلم، وفي رواية البخاري وقع هكذا وهكذا مرتين. فالمراد بها التكرار والتكثير. قال القاري. وقال في الحديث بمعنى أشار بيده إشارة مثل هذه الإشارة ومن بيان الإشارة، والأظهر أن يتعلق من بالفعل لمجيء عن، والتقدير مبتدأ من بين يديه، ومن خلفه ومجاوزاً عن يمينه وشماله (وقليل ما هم) جملة اسمية "فهم" مبتدأ مؤخر، "وقليل" خبره. وما زائدة مؤكدة للقلة أو صفة يعني ومن يفعل ذلك قليل. قال النووي: في حديث الحث على الصدقة في وجوه الخير وأنه لا يقصر على نوع من وجوه البر، بل ينفق في كل وجه من وجوه الخير يحضر، وهو المراد بإشاراته ﷺ إلى قدام ووراء والجانبين، وفيه جواز الحلف بغير تحليف بل هو مستحب إذا كان فيه مصلحة كتوكيد أمر مهم وتحقيقه ونفي المجاز عنه. (متفق عليه) واللفظ لمسلم أخرجه من طريق المعرور بن سويد عن أبي ذر وأخرجه البخاري من طريق زيد بن وهب عن أبي ذر في الاستقراض والاستئذان والرقاق. بلفظ الأكثرون هم الأقلون إلا من قال بالمال هكذا وهكذا، وأشار أبوشهاب (أحد رواته عند البخاري) بين يديه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم رواه بهذا اللفظ في الاستقراض في أثناء حديث، وروى مسلم أيضاً من طريق ابن وهب بنحوه، وأخرجه أحمد من الطريقتين، والترمذي والنسائي من طريق المعرور بن سويد.
١٨٨٤- قوله: (السخي) هو الذي اختار رضا المولى في بذله على الغني (قريب من الله) أي من رحمته (قريب من الجنة) بصرف المال وإنفاقه فيما ينبغي فالسخاء سبب موصل إلى الجنة (قريب من الناس) لأن السخي
стр. 2778
بعيد من النار. والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار. ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل)) . رواه الترمذي.
ــ
يحبه جميع الناس، ولو لم يحصل لبعضهم نفع من سخاوته كمحبة العادل (بعيد من النار) هو لازم لما قبله من قوله قريب من الجنة (والبخيل) هو الذي لا يؤدي الواجب عليه. وقيل: المراد بالسخاوة والبخل هنا أداء الزكاة ومنعها. وقيل: المراد الاتصاف بهذين الخلقين مطلقاً (بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار) معنى هذه الجملة ظاهر مما قبلها، والأشياء تتبين بأضدادها. قال العلقمي: من أدى زكاة ماله فقد امتثل أمر الله وعظمه وأظهر الشفقة على خلق الله تعالى، وواساهم بماله، فهو قريب من الله وقريب من الناس فلا تكون منزلته إلا الجنة، ومن لم يؤدها فأمره إلى عكس ذلك ولذا كان جاهل سخي أحب إلى الله تعالى من عابد بخيل- انتهى. (ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل) يريد بالجاهل ههنا ضد العابد، لأنه ذكره بازاءه يعني رجلاً يؤدي الفرائض ولا يؤدي النوافل، وهو سخي أحب إلى الله تعالى من رجل يكثر النوافل وهو بخيل، لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة، والمراد بحب الدنيا حب المال (رواه الترمذي) في البر والصلة من طريق سعيد بن محمد الوراق عن يحيى بن سعيد عن الأعرج عن أبي هريرة. قال: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث يحيى بن سعيد عن الأعرج عن أبي هريرة إلا من حديث سعيد بن محمد، وقد خولف سعيد بن محمد في رواية هذا الحديث إنما يروي عن يحيى بن سعيد عن عائشة شيء مرسل - انتهى. قلت: حديث أبي هريرة أخرجه العقيلي، وقال ليس لهذا الحديث أصل وسعيد الوراق. قال ابن معين: ليس بشيء. قال السيوطي في اللآلي (ج٢ ص٤٨) أخرجه الترمذي وابن حبان في الروضة والبيهقي في الشعب والخطيب في ذم البخلاء من طرق عن سعيد الوراق به. قال ابن حبان: غريب. وقال البيهقي تفرد به الوراق وهو ضعيف. وقال السيوطي: في التعقبات لم ينفرد به الوراق، بل تابعه عبد العزيز بن أبي حازم أخرجه الديلمي. وحديث عائشة أخرجه البيهقي في الشعب، وفيه تليد بن سليمان وسعيد بن مسلمة وكلاهما ضعيفان، والطبراني في الأوسط وفيه سعيد الوراق، والخطيب في ذم البخلاء وفيه خالد بن يحيى القاضي عن غريب بن عبد الواحد وهما مجهولان. وروى أيضاً من حديث أنس وفيه محمد بن تميم يضع ومن حديث جابر أخرجه البيهقي في الشعب، وفيه سعيد بن مسلمة، ومن حديث ابن عباس أخرجه تمام في فوائده ذكر هذه الأحاديث السيوطي في اللآلى (ج٢ ص٤٨، ٤٩) مع الكلام فيها وقال الشوكاني في الفوائد المجموعة: وقد روى هذا الحديث من طرق لا تقوم بها الحجة عن أنس وابن عباس وعائشة، وجابر بألفاظ مختلفة وقال الدارقطني لهذا الحديث طرق لا يثبت منها شيء.
стр. 2779
١٨٨٥- (١٢) وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لأن يتصدق المرأ في حياته بدرهم خير له، من أن يتصدق بمائة عند موته)) . رواه أبوداود.
١٨٨٦- (١٣) وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل الذي يتصدق عند موته، أو يعتق كالذي يهدي إذا شبع)) . رواه أحمد،
ــ
١٨٨٥- قوله: (لأن يتصدق المرأ في حياته) وصحته أي في الحالة التي يكون فيها شحيحاً (بدرهم) أي مثلاً. وقال الطيبي: المراد التقليل (خير له من أن يتصدق بمائة) أي مثلاً: وقال الطيبي: جاء في بعض الروايات بماله بدل بمائة" والمراد التكثير، والمعنى بماله كله وهو أبلغ (عند موته) أي احتضار موته فكأنه ميت قاله الطيبي: وإنما كان ذلك خيراً من هذا لأنه يشق عليه إخراج ماله لما يخوفه به الشيطان من الفقر، وطول العمر فالصدقة فيها مزيد قهر للنفس والشيطان وقصر الأمل والوثوق بما عند الله تعالى (رواه أبوداود) في الوصايا وسكت عنه، وقال المنذري: في إسناده شرحبيل بن سعد الأنصاري الخطمي مولاهم المدني كنيته أبوسعيد ولا يحتج به - انتهى. قلت: شرحبيل هذا ضعفه النسائي والدارقطني، ولينه أبوزرعة واختلف فيه قول ابن معين وذكره ابن حبان في الثقات وخرج ابن خزيمة وابن حبان حديثه في صحيحيهما. وقال ابن سعد: كان شيخاً قديماً روى عن زيد بن ثابت وعامة الصحابة، وبقي حتى اختلط واحتاج، وله أحاديث وليس يحتج به. وقال في التقريب: صدوق اختلط بآخره مات سنة (١٢٣) وقد قارب المائة - انتهى. والحديث عزاه السيوطي في جامع الصغير لابن حبان أيضاً.
١٨٨٦- قوله: (عند موته) أي احتضاره (أو يعتق) أي عند موته (كالذي يهدي) من أهدى (إذا شبع) كسَمِن أي كالذي يعطي بعد ما قضي حاجته وهو قليل الجدوى ولا يعتاده إلا دنيء الهمة، وإنما مثل بذلك لأن الثاني أشهر وإلا فالعكس أولى، فإن الذي شبع ربما يتوقع حاجته إلى ذلك الشيء بخلاف الذي يعتق أو يتصدق عند موته إلا أن يقال قد لا يصبر عند موته فيحتاج إلى ذلك الشيء فلذلك يعد إعتاقه وتصدقه فضلية ما لكن هذا إذا لم يكن بطريق الوصية قاله السندي. وقال الطيبي: شبه تأخير الصدقة عن أوانه ثم تداركه في غير أوانه بمن تفرد بالأكل واستأثر بنفسه، ثم إذا شبع يعطيه غيره. وإنما يحمد إذا كان عن إيثار كما قال الله تعالى: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ [الحشر- ٩] وما أحسن موقع يهدي في هذا المقام ودلالتها على الاستهزاء والسخرية بالمهدي إليه - انتهى. قال القاري: والأظهر إن المراد أنه مرتبة ناقصة، لأن التصدق والاعتاق حال الصحة أفضل كما إن السخاوة عند المجاعة أكمل (رواه أحمد) (ج٥ ص١٩٧)
стр. 2780
والنسائي، والدارمي، والترمذي. وصححه.
١٨٨٧- (١٤) وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((خصلتان لا تجتمعان في مؤمن، البخل وسوء الخلق)) .
ــ
(والنسائي والدارمي والترمذي) في الوصايا، واللفظ للدارمي إلا قوله:إذا شبع" فإنه للترمذي ولأحمد في رواية ولفظ الدارمي بعد ما شبع وللنسائي وأحمد في رواية بعد ما شبع (وصححه) أي الترمذي وأخرجه أيضاً البيهقي (ج٤ ص٩١٠) والحاكم (ج٢ ص٢١٣) وصححه وأقره الذهبي.
١٨٨٧- قوله: (خصلتان لا تجتمعان في مؤمن) أي كامل الإيمان (البخل وسوء الخلق) قيل أي لا ينبغي أن يجتمعا فيه. وقال التوربشتي: تأويل هذا الحديث أن نقول أراد به اجتماع الخصلتين فيه مع بلوغ النهاية منهما بحيث لا ينفك عنهما، ولا ينفكان عنه، ويوجد منه الرضاء بهما، فأما الذي يؤنس عنه شيء من ذلك بحيث يبخل حيناً ويقلع عنه حيناً أو يسوء خلقه وقتاً دون وقت، أو في أمر دون أمر أو يندر منه فيندم عليه أو يلوم نفسه أو تدعوه النفس إلى ذلك فينازعها فإنه بمعزل عن ذلك، ومنه الحديث الآخر لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبداً على نحو ما ذكرنا في معنى هذا الحديث. وأرى له وجهاً آخر وهو أن نقول الشح خلة غريزية جبل عليها الإنسان فهو كالوصف اللازم له ومركزها النفس قال تعالى: ﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾ [النساء: ٣٢٨] فإذا انتهى سلطانه إلى القلب واستولى عليه عرى القلب عن الإيمان لأنه يشح بالطاعة فلا يسمح به، ولا يبذل الانقياد لأمر الله تعالى، والشح بخل مع حرص فهو أبلغ في المنع من البخل، فالبخل يستعمل في الفتنة بالمال والشح في سائر ما يمتنع النفس عن الاسترسال فيه من بذل مال، أو طاعة أو معروف ووجود الشح في نفس الإنسان ليس بمذموم، لأنه طبعية خلقها الله تعالى في النفوس كالشهوة والحرص للابتلاء ولمصلحة عمار والعالم، وإنما المذموم أن يستولي سلطانه على القلب والله تعالى أعلم - انتهى كلام التوربشتي. وقال الطيبي: يمكن أن يحمل سوء الخلق على ما يخالف الإيمان فإن الخلق الحسن، هو ما به امتثال الأوامر واجتناب النواهي لا ما يتعارف بين الناس لما ورد عن عائشة ﵂ وكان خلقه القرآن، وأفراد البخل من سوء الخلق وهو بعضه وجعله معطوفاً عليه، يدل على أنه أسوأها وأشنعها ويؤيد هذا التأويل حديث أبي هريرة ﵁ لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبداً والله أعلم- انتهى. وقوله خصلتان لا تجتمعان في مؤمن خبر موصوف والمبتدأ البخل وسوء الخلق، قاله ابن الملك. وقال ابن حجر: "خصلتان" مبتدأ سوّغه إبدال المعرفة منه في قوله البخل وسوء الخلق والخبر لا تجتمعان" وقال القاري: الظاهر إن "لا تجتمعان" صفة مخصصة مسوغة لكون المبتدأ
стр. 2781
رواه الترمذي.
١٨٨٨- (١٥) وعن أبي بكر الصديق، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يدخل الجنة خب ولا بخيل ولا منان)) . رواه الترمذي.
١٨٨٩- (١٦) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((شرما في الرجل
ــ
نكرة، والخبر قوله البخل وسوء الخلق (رواه الترمذي) في البر والصلة، وأخرجه البخاري في لأدب المفرد. وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صدقة ابن موسى- انتهى. وصدقة ابن موسى ضعفه ابن معين، وأبوداود والنسائي والدولابي والساجي، وقال الترمذي: ليس عندهم بذلك القوى. وقال في التقريب: صدوق له أوهام.
١٨٨٨- قوله: (لا يدخل الجنة) أي دخولاً أولياً (خب) بفتح الخاء المعجمة وتكسر أي لئيم، يسعى بين الناس بالفساد. قال المنذري: هو الخداع الساعي بين الناس بالشر والفساد (ولا بخيل) يمنع الواجب من المال. وقيل: أي مانع الزكاة أو مانع للقيام بمؤنة ممونة (ولا منان) من المنة أي يمن على الفقراء بعد العطاء، أو من المن بمعنى القطع لما يحب أن يوصل. وقيل: لا يدخل الجنة مع هذه الصفة حتى يجعل طاهراً منها. إما بالتوبة عنها في الدنيا أو بالعقوبة بقدرها تمحيصها في العقبى، أو بالعفو عنه تفضيلاً وإحساناً، ويؤيده قوله تعالى: ﴿ونزعنا ما في صدروهم من غل﴾ [الأعراف: ٤٣] كذا في المرقاة. وقال التوربشتي معنى قوله "لا يدخل الجنة" أي لا يدخلها مع الداخلين في العريل من غير ما بأس، بل يصاب منه بالعذاب ويمحص حتى يذهب عنه آثار تلك الخصال، هذا هو السبيل في تأويل أمثال هذا الحديث ليوافق أصول الدين. قال ومما ينبغي للفطن أن يقدمه في هذا الباب ليكون من التأويل على بصيرة أن يعلم أن للشارع ﷺ أن يقتصر في مثل هذه المواطن على القول المجل إبقاء للخوف في نفوس المكلفين وتحذيراً لهم عما فيه المنقصة في الدين بأبلغ ما يكون من الرجز. ثم يرده العلماء الراسخون إلى أصول الدين- انتهى. (رواه الترمذي) في البر والصلة، وأخرجه أيضاً أحمد (ج١ ص٤، ٧) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب- انتهى. والظاهر إن إسناده ضعيف لأن فيه صدقة بن موسى المتقدم ورواه عن فرقد السبخي عن مرة عن أبي بكر وفرقد صدوق عابد لكنه لين الحديث كثير الخطاء قال أحمد: رجل صالح يقوي في الحديث لم يكن صاحب حديث، وقال أيضاً يروي عن مرة منكرات.
١٨٨٩- قوله: (شرما في الرجل) أي من خصال الذميمة وقوله "ما في الرجل" هكذا وقع في جميع النسخ الحاضرة، وكذا في المصابيح وكذا نقله المنذري في الترغيب، ووقع في سنن أبي داود ما في رجل،
стр. 2782
شح هالع، وجبن خالع)) . رواه أبوداود، وسنذكر حديث أبي هريرة: لا يجتمع الشح والإيمان، في كتاب الجهاد إنشاء الله تعالى.
﴿الفصل الثالث﴾
١٨٩٠- (١٧) عن عائشة، إن بعض أزواج النبي ﷺ قلن
ــ
وهكذا نقله الخطابي في المعالم، والسيوطي في الجامع الصغير (شح هالع) أي مخزن جازع والهلع أشد الجزع والضجر أي شح يحمل على الحرص على تحصيل المال والجزع على ذهابه. كما قال الله تعالى: ﴿إن الإنسان خلق هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً﴾ [المعارج: ١٩-٢١] وقال الخطابي في المعالم (ج٢ ص٢٤١) أصل "الهلع" الجزع والهالع هنا الهلع. ويقال إن الشح أشد من البخل، ومعناه البخل الذي يمنعه من إخراج الحق الواجب عليه، فإذا استخرج منه هلع وجزع منه (وجبن) بضم الجيم وسكون الباء (خالع) أي شديد كأنه يخلع قلبه من شدة تمكنه منه، والمعنى خوف شديد متمكن يترتب عليه خلع قلبه فلا يستطيع القتال والمحاربة مع الكفار والإقدام عليه. وهاتان الخصلتان وإن وجدتا في النساء إلا أن الغالب وجودهما في الرجال. ولذا قال في صدر الحديث شرما في رجل، ولم يقل والمرأة مع أنها مثله في ذلك قاله الحفني. وقال التوربشتي: خص الرجل إما لأنهما ممدوحان للنساء في نوع منهما أو لأن مذمة الرجال بهما فوق مذمة النساء بهما والله أعلم. (رواه أبوداود) في الجهاد من طريق موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عبد العزيز بن مروان عن أبي هريرة. وأخرجه أيضاً البخاري في تاريخه، وابن حبان في صحيحه، وسكت عنه أبوداود. وقال محمد بن طاهر: وهو إسناد متصل، وقد احتج مسلم بموسى بن علي عن أبيه (وسنذكر حديث أبي هريرة) الذي رواه النسائي في الجهاد وابن حبان والحاكم (لا يجتمع الشح والإيمان) أي في قلب عبد وقد تقدم معناه في كلام التوربشتي. وقال السندي: أي لا ينبغي للمؤمن أن يجمع بينهما إذ الشح أبعد شيء من الإيمان، أو المراد بالإيمان كماله أو المراد قلما يجتمع الشح والإيمان، واعتبر ذلك بمنزلة العدم وأخبر بأنهما لا يجتمعان. ويؤيد الوجهين الأخيرين ما وقع في رواية لا يجمع الله تعالى الإيمان والشح في قلب مسلم - انتهى. (في كتاب الجهاد) لأن أول الحديث وصدره يليق بكتاب الجهاد ولذا أورده النسائي والحاكم فيه ولفظه عند النسائي لا يجمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبداً. وفي رواية وجه الرجل، وفي أخرى في منخري مسلم، ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدأ.
١٨٩٠- قوله: (إن بعض أزواج النبي ﷺ قلن) الضمير للبعض الغير المعين، لكن عند
стр. 2783
للنبي ﷺ : أينا أسرع بك لحوقاً؟ قال: ((أطولكن يداً، فأخذوا قصبة يذرعونها، وكانت سودة أطولهن يداً، فعلمنا بعد إنما كان طول يدها الصدقة، وكانت أسرعنا لحوقاً به زينب
ــ
ابن حبان من طريق يحيى بن حماد عن أبي عوانة عن فراس عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: فقلت وهو يفيد إن عائشة هي السائلة (أينا) بضم التحتية المشددة بغير علامة التأنيث لأن سيبوية يشبه تأنيث أي بتأنيث كل في قولهم كلتهن، يعني ليست بفصيحة ذكره الزمخشري في سورة لقمان. وفي رواية النسائي أتينا بالتاء وأينا مبتدأ خبره (أسرع بك لحوقاً) نصب على التمييز أي من حيث اللحوق بك يعنى يدركك بالموت، والمقصود استكشاف أنه من يموت بعده ﷺ من أزواجه بلا واسطة (قال) ﷺ (أطولكن) بالرفع خبر مبتدأ محذوف دل عليه السؤال أي أسرعكن لحوقاً بي أطولكن (يداً) نصب على التمييز وإنما لم يقل طولاكن بلفظ: فعلى مع أن القياس هذا، لأن في مثله يجوز الإفراد. والمطابقة لمن أفعل التفضيل له يعني أكثركن صدقة فإن اليد تطلق ويراد بها المنة والنعمة مجازاً (فأخذوا قصبة) بفتح القاف والصاد (يذرعونها) بالذال المعجمة أي يقدرونها بذراع كل واحدة كي يعلمن أيهن أطول جارحة يعني يقيسون أيديهن بها بناء على فهمهن، إن المراد باليد الجارحة. وإنما ذكر بلفظ: جمع المذكر والقياس ذكر لفظ جمع المؤنث اعتبار لمعنى الجمع، لا للفظ جماعة النساء أو عدل إليه تعظيماً لشأنهن كقول الشاعر:
وإن شئت حرمت النساء سواكم
(وكانت) كذا وقع في جميع النسخ الحاضرة، وفي البخاري "فكانت" أي بالفاء بدل "الواو" وكذا عند النسائي (سودة) بفتح السين بنت زمعة (أطولهن يداً) أي من طريق المساحة (فعلمنا بعد) مبني على الضم أي بعد هذا حين ماتت أو نساءه لحوقاً به. وقال القسطلاني: أي بعد إن تقرر كون سودة أطولهن يداً بالمساحة (إنما) بفتح الهمزة لكونه في موضع المفعول لعلمنا (كان طول يدها) كلام إضافي مرفوع لأنه اسم كان (الصدقة) بالنصب وقوله "كان" كذا في جميع النسخ، وفي البخاري كانت بالتأنيث. قال الحافظ: الصدقة بالرفع، وطول يدها بالنصب لأنه الخبر- انتهى. أي علمنا أنه ﷺ لم يرد باليد العضو وبالطول طولها بل أراد العطاء وكثرته فاليد ههنا استعارة للصدقة، والطول ترشيح لها لأنه ملائم للمستعارة منة (وكانت أسرعنا لحوقاً به زينب) كذا في النسخ الحاضرة عندنا بذكر زينب هنا، وفي البخاري وقع بدون ذكرها كما صرح به الحافظ والعيني وغيرهما. قال ميرك: وقع في بعض نسخ المشكاة هنا بعد قوله لحوقاً به زيادة لفظ زينب ملحقاً وليس بصحيح، لأن في عامة نسخ البخاري وقع بحذفها كما صرح به الحافظ ابن حجر في شرحه - انتهى. ورواية البخاري توهم
стр. 2784
.................................
ــ
إن سودة كانت أسرع لحوقاً بالنبي ﷺ قال النووي وقع هذا الحديث في كتاب الزكاة من البخاري بلفظ: منعقد يوهم إن أسرعهن لحاقاً سودة وهذا الوهم باطل بالإجماع، يعني لأن أول نساءه لحوقاً به زينب، لا سودة، وإن كانت سودة أطولهن جارحة. والصواب ما ذكره مسلم في صحيحه وهو المعروف عند أهل الحديث، إنها زينب فالصحيح تقدير زينب أو وجوده وقال الحافظ أبوعلي الصيرفي: ظاهر هذا اللفظ إن سودة كانت أسرع لحوقاً وهو خلاف المعروف عند أهل العلم، إن زينب أول من مات من الأزواج، ثم نقله عن مالك والواقدي. وقال ابن بطال هذا الحديث سقط منه ذكر زينب لاتفاق أهل السير على أن زينب أول من مات من أزواج النبي ﷺ يعني إن الصواب وكانت زينب أسرعنا لحوقاً به وقال ابن الجوزي: هذا الحديث غلط من بعض الرواة والعجب من البخاري كيف لم ينبه عليه ولا أصحاب التعاليق ولا علم بفساد ذلك الخطابي فإنه فسره، وقال لحوق سودة من إعلام النبوة وكل ذلك وهم، وإنما هي زينب فإنها كانت أطولهن يداً بالعطاء كما رواه مسلم. وأجاب ابن رشيد بأن عائشة لا تعني سودة بقولها فعلمنا بعد أي بعد أن أخبرت عن سودة بالطول الحقيقي، ولم تذكر سبباً للرجوع عن الحقيقة إلى المجاز إلا الموت، فتعين الحمل على المجاز- انتهى. وحينئذ فالضمير "في" وكانت في الموضعين عائد على الزوجة التي عناها ﷺ بقوله أطولكن يداً، وإن كانت لم تذكر إذ هو متعين لقيام الدليل على أنها زينب كما في مسلم، مع اتفاقهم على أنها أولهن موتاً فتعين أن تكون هي المرادة، وهذا من إضمار ما لا يصلح غيره كقوله حتى توارت بالحجاب، وعلى هذا فلم يكن سودة مرادة قطعاً وليس الضمير عائداً عليها. وقال الزين بن المنير: وجه الجمع إن قولها فعلمنا بعد يشعر إشعاراً قوياً إنهن حملن طول اليد على ظاهره، ثم علمن بعد ذلك خلافه، وإنه كناية عن كثرة الصدقة والذي علمنه آخراً خلاف ما اعتقدنه أولَا. وقد انحصر الثاني في زينب للاتفاق على أنها أولهن موتاً فتعين أن تكون هي المرادة، وكذلك بقية الضمائر بعد قوله فكانت واستغنى عن تسميتها لشهرتها بذلك- انتهى. وقال الكرماني: يحتمل أن يقال إن في الحديث اختصاراً أو إكتفاء بشهرة القصة لزينب، أو يؤل الكلام بأن الضمير راجح إلى المرأة التي علم رسول الله ﷺ ، إنها أول من يلحق به وكانت كثيرة الصدقة. قلت: ولكن وقع في رواية النسائي تعيين سودة ولفظه: فكانت سودة أسرعهن لحوقاً به، وكذا وقع التصريح بذلك في رواية أحمد وابن سعد والبخاري في التاريخ الصغير، والبيهقي في الدلائل وابن حبان في صحيحه قال ابن سعد: قال لنا محمد بن عمر يعني الواقدي هذا الحديث، وهل في سودة وإنما هو زينب هو في زينب بنت جحش فهي أول نساءه لحوقاً به، وتوفيت في خلافة عمر، وبقيت سودة إلى أن توفيت
стр. 2785
وكانت تحب الصدقة)) . رواه البخاري وفي رواية مسلم،
ــ
في خلافة معاوية في شوال سنة أربع وخمسين. وأجاب الحافظ عن هذه الروايات المصرحة بسودة بأنه يمكن أن يكون تفسيره بسودة من بعض الرواة لكون غيرها لم يتقدم له ذكر، فلما لم يطلع على قصة زينب وكونها أول الأزواج لحوقاً به جعل الضمائر كلها السودة، وهذا عندي من أبي عوانة فقد خالفه في ذلك ابن عيينة عن فراس. وروى يونس بن بكير في زيادة المغازي والبيهقي في الدلائل بإسناده عنه عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي التصريح بأن ذلك لزينب لكن قصر زكريا في إسناده فلم يذكر مسروقاً، ولا عائشة، ولفظه: فلما توفيت زينب علمن إنها كانت أطولهن يداً في الخير والصدقة. ويؤيده ما رواه الحاكم في المناقب من مستدركه من طريق يحيى بن سعيد عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : لأزواجه أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً قالت: عائشة: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله ﷺ : نمد أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا فعرفنا حينئذ إن النبي ﷺ : إنما أراد بطول اليد الصدقة. وكانت زينب امرأة صناعة باليد، وكانت تدبغ وتخرز وتتصدق في سبيل الله. قال الحاكم: على شرط مسلم. وهي رواية مفسرة مبينة مرحجة لرواية عائشة بنت طلحة عن عائشة في أمر زينب عند مسلم. وروى ابن أبي خيثمة من طريق القاسم بن معن قال: كانت زينب أول نساء النبي ﷺ لحوقاً به وكذا روى البخاري في التاريخ من طريق الشعبي عن عبد الرحمن بن أبزي وابن سعد، من طريق برزة بنت رافع ما يدل على أن زينب توفيت في خلافة عمر، وإنها كانت أزواج النبي ﷺ لحوقاً به. فهذه روايات يعضد بعضها بعضاً ويحصل من مجموعها إن في رواية أبي عوانة وهماً- انتهى كلام الحافظ مخلصاً. وقد جمع بعضهم بين الروايتين. فقال الطيبي: يمكن أن يقال فيما رواه البخاري، ومن صرح بتسمية سودة المراد الحاضرات من أزواجه دون زينب فكانت سودة أولهن موتاً، يعني أن يكون خطابه ﷺ . في رواية البخاري لمن كان حاضراً عنده إذ ذاك من الزوجات وإن سودة وعائشة كانتا ثمة، وزينب غائبة لم تكن حاضرة، فالألية لسودة باعتبار من حضر ويرد هذا ما رواه ابن حبان إن نساء النبي ﷺ اجتمعن عنده لم تغادر منهن واحدة (وكانت) أي زينب (تحب الصدقة) أي إعطاءها وكانت لها صناعة كما تقدم (رواه البخاري) في الزكاة من حديث موسى بن إسماعيل عن أبي عوانة عن فراس عن الشعبي عن مسروق عن عائشة، وأخرجه أيضاً في التاريخ الصغير بهذا الإسناد، وكذا ابن حبان في صحيحه والبيهقي في الدلائل. وأخرجه أحمد وابن سعد عن عفان عن أبي عوانة، والنسائي وابن حبان أيضاً من طريق يحيى بن حماد عن أبي عوانة (وفي رواية لمسلم) أخرجها في
стр. 2786
قالت: وكانت يتطاولن قالت: أيتهن أطول يداً، فكانت أطولنا يداً زينب، لأنها كانت تعمل بيدها تتصدق)) .
١٨٩١- (١٨) وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((قال: رجل
ــ
الفضائل من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة (قالت) أي عائشة (وكانت) أي جماعة النساء وفي بعض النسخ فكانت، وفي مسلم فكن (يتطاولن) يتقايسن طول أيديهن (أيتهن) بالضم (أطول يداً) قال الطيبي: محله النصب على أنه حال أو مفعول به أي يتطاولن ناظرات أيتهن (قالت) عائشة (فكانت أطولنا يداً) أي بالصدقة (زينب) وكانت امرأة قصيرة. قال النووي: معنى الحديث إنهن ظنن إن المراد بطول اليد الحقيقة وهي الجارحة فكن يذرعن أيديهن بقصبة، فكانت سودة أطولهن جارحة. وكانت زينب أطولهن يداً في الصدقة، وفعل الخير فماتت زينب أولهن، فعلموا أن المراد طول اليد في الصدقة والجود. وقال أهل اللغة يقال فلان طويل الباع إذا كان سمحاً ًجواداً، وضده قصير اليد والباع (لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق) أي تدبغ الجلود بيدها ثم تبيعها وتتصدق بثمنها. قال الطيبي: تعليل بمنزلة البيان لقولها يتطاولن، وإن المراد المعنوي لا الصوري - انتهى. وفي الحديث علم من أعلام النبوة ظاهر وفيه إطلاق اللفظ المشترك بين الحقيقة والمجاز بغير قرينة، وهو لفظ أطولكن إذا لم يكن محذور. قال الزين بن المنير: لما كان السؤال عن آجال مقدرة لا تعلم إلا بالوحي أجابهن بلفظ غير صريح وأحالهن على ما لا يتبين إلا بآخره، وساغ ذلك لكونه ليس من الأحكام التكليفية. وفيه إن من حمل الكلام على ظاهره وحقيقته لم يلم، وإن كان مراد المتكلم مجازه، لأن نسوة النبي ﷺ حملن طول اليد على الحقيقة فلم ينكر عليهن. وزينب هذه هي ابنة جحش ابن أرباب بن يعمر الأسدية أم المؤمنين، وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ . تزوجها النبي ﷺ سنة ثلاث. وقيل سنة خمس. ونزلت بسببها آية الحجاب وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة وفيها نزلت. ﴿فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها﴾ وكان إسمها برة فسماها زينب، وقد وصف عائشة زينب بالوصف الجميل في قصة الأفك، وإن الله عصمها بالورع، وإنها كانت صالحة صوامة قوامة صناعاً تصدق بذلك على المساكين. وكان عطاءها اثنى عشر ألفاً لم تأخذه إلا عاماً واحداً، وقسمه في أهل رحمها. قال الواقدي: تزوجها النبي ﷺ وهي بنت خمس وثلاثين سنة وماتت سنة عشرين، وهي بنت خمسين وصلى عليها عمر بن الخطاب. روت عن النبي ﷺ أحاديث، وروى عنها ابن أخيها محمد بن عبد الله بن جحش، وأم حبيبة بنت أبي سفيان وزينب بنت أبي سلمة، ولهم صحبة ومذكور مولاها وغيرهم.
١٨٩١- قوله: (قال رجل) أي من بني إسرائيل كما عند أحمد من طريق ابن لهيعة عن الأعرج عن أبي هريرة
стр. 2787
لا تصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على سارق، فقال: اللهم لك الحمد، على سارق؟
ــ
ولم يعرف اسمه، والاستدلال به مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يظهر النسخ والإنكار (لا تصدقن) زاد في رواية الليلة وكررها في المواضع الثلاثة، وهذا من باب الالتزام كالنذر، والقسم فيه مقدر. كأنه قال: والله لا تصدقن، وعلى هذا فصار الصدقة واجبة فصح الاستدلال به في صدقة الفرض (فخرج) من بيته (بصدقته) أي التي نوى بها ليضعها في يد مستحق (فوضعها في يد سارق) أي وهو لا يعلم إنه سارق فأذاع السارق إنه تصدق عليه الليلة (فأصبحوا) أي القوم الذين كان فيهم ذلك المتصدق (يتحدثون) في موضع نصب خبر أصبح (تصدق) بضم التاء والصاد على البناء للمفعول (الليلة) كذا في جميع النسخ بذكر الليلة في المواضع الثلاثة، وهكذا وقع في جامع الأصول (ج٧ ص٣٠١) للجزري، وكذا نقله المنذري في الترغيب، وقد صرحا كالمصنف بعد ذكر الحديث بأنه لفظ البخاري. ولكن لم يقع ذكر الليلة في نسخ البخاري الموجودة عندنا إلا في موضع واحد، وهو قوله الآتي: فأصبحوا يتحدثون تصدق الليلة على زانية، وهكذا في المنتقي للمجد بن تيمية، وكذا وقع عند مسلم. والظاهر إن صاحب المشكاة قلد في ذلك جامع الأصول والله أعلم. قال الحافظ: قوله: تصدق على سارق في رواية أبي عوانة عن أبي أمية عن أبي اليمان: تصدق الليلة على سارق، وفي رواية ابن لهيعة عند أحمد: تصدق الليلة على فلان السارق، ولم أر في شيء من الطرق تسمية أحد من الثلاثة المتصدق عليهم- انتهى. وهو إخبار بمعنى التعجب والإنكار (فقال) المتصدق (اللهم لك الحمد على سارق) أي على تصدقي على سارق لا، لي لأن صدقتي وقعت بيد من لا يستحقها فلك الحمد حيث كان ذلك بإرادتك لا بإرادتي، فإن إرادتك كلها جميلة، ولا يحمد على المكروه سواك. وقدم الخبر على المبتدأ في قوله "لك الحمد" للاختصاص. وقال الطيبي: لما جزم بوضعها في موضعها بدلالة التنكير في بصدقة، وأبرز كلامه في معرض القسم تأكيداً أو قطعاً للقبول بها جوزي بوضعها في يد سارق فحمد الله وشكره، على أنه لم يقدر أن يتصدق على من هو أسوأ حالاً منه أي لك الحمد لأجل وقوع الصدقة في يده دون من هو أشد حالاً منه أو أجرى الحمد مجرى التبيع في استعماله عند مشاهدة ما يتعجب منه تعظيماً لله يعني ذكر الحمد في موضع التعجب كما يذكر التسبيح في موضعه. فلما تعجلوا من فعله تعجب هو أيضاً فقال: اللهم لك الحمد على سارق - انتهى. قال الحافظ: لا يخفي بعد هذا الوجه. وأما الذي قبله فأبعد عنه والذي يظهر الأول وأنه سلم وفوض ورضي بقضاء الله فحمد الله على تلك الحال لأنه المحمود على جميع الحال لا يحمد على المكروه سواه. وقد ثبت أن النبي ﷺ كان إذا رأى ما لا يعجبه، قال اللهم لك الحمد على كل حال،
стр. 2788
لا تصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية. فقال: اللهم لك الحمد، على زانية، لا تصدقن بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على غني، فقال: اللهم لك الحمد، على سارق وزانية وغني؟ فأتى، فقيل له، أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما الغني فلعله يعتبر فينفق مما أعطاه الله)) .
ــ
(لا تصدقن) أي الليلة وكما في رواية مسلم، وفيه فضل صدقة السر وفضل الإخلاص (بصدقة) أخرى على مستحق (فخرج بصدقته) ليضعها في يد مستحق (فوضعها في يد) امرأة (زانية فأصبحوا) أي بنو إسرائيل (يتحدثون) تعجبا أو إنكارا (تصدق) بصيغة المجهول أيضاً وكذلك تصدق الثالث (الليلة على زانية فقال) المتصدق (اللهم لك الحمد على) تصدقي (على زانية) حيث كان بإرادتك لا بإرادتي (فأتى) في رواية الطبراني في مسند الشاميين فساءه ذلك فأتى في منامه، وكذلك أخرجه أبونعيم والإسماعيلي ورؤيا غير الأنبياء وإن كان لا حجة فيها لكن هذا الرؤيا قد قررها النبي ﷺ . فحصل الاحتجاج بتقريره ﷺ (فقيل له أما صدقتك على سارق) زاد في رواية أبي عوانة: قد قبلت، وفي رواية مسلم وأحمد: أما صدقتك فقد قبلت، وفي رواية الطبراني: إن الله قد فبل صدقتك (فلعله أن يستعف عن سرقته) بفتح السين وكسر الراء أي إما مطلقاً أو مدة الاكتفاء (وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها بالقصر وفيه إيماءؤ إلى أن الغالب في السارق والزانية إنهما يرتكبان المعصية للحاجة. (وأما الغني فلعله يعتبر) أي يتعظ ويتذكر (فينفق) بالرفع فيه وفي يعتبر وفي رواية أي يعتبر فينفق (مما أعطاه الله) في الحديث دلالة على أن الصدقة كانت عندهم مختصة بأهل الحاجة من أهل الخير، ولهذا تعجبوا من الصدقة على الأصناف الثلاثة. وفيه إن نية المتصدق إذا كانت صالحة قبلت صدقته، ولو لم تقع الموقع وهذا في صدقة التطوع. واختلف الفقهاء في الأجزاء إذا كان ذلك في زكاة الفرض. قال الحافظ: ولا دلالة في الحديث على الأجزاء ولا على المنع، ومن ثم ترجم البخاري على هذا الحديث بلفظ: الاستفهام فقال "باب إذا تصدق على غني وهو لا يعلم" ولم يجزم بالحكم. قلت: قد تقدم وجه الاستدلال به على الأجزاء في الصدقة الواجبة بأن قوله "لا تصدقن" من باب الالتزام كالنذر فصار الصدقة واجبة عليه. وقد قرر النبي ﷺ رؤيا المتصدق في قبول صدقته، فصح الاستدلال به في زكاة الفرض والله تعالى أعلم. قال ابن قدامة (ج٢
стр. 2789
متفق عليه. ولفظه للبخاري.
١٨٩٢- (١٩) وعنه، عن النبي ﷺ ، قال: ((بينا رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتاً في سحابة: أسق حديقة فلان،
ــ
ص٦٦٧) إذا عطي من يظنه فقيراً فبان غنياً فعن أحمد فيه روايتان إحداهما يجزئه أي تسقط عنه الزكاة ولا تجب عليه الإعادة، أختارها أبوبكر، وهذا قول الحسن وأبي عبيد وأبي حنيفة. لأن النبي ﷺ أعطى الرجلين الجلدين وقال: إن شئتما أعطيتكما ولاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب. وقال للرجل الذي سأله الصدقة: إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك ولو اعتبر حقيقة لما أكتفى بقولهم. ثم ذكر ابن قدامة حديث أبي هريرة هذا الذي نحن في شرحه. ثم قال: والرواية الثانية لا يجزئه، وعليه الإعادة، لأنه دفع الواجب إلى غير مستحقه فلم يخرج من عهدته كما لو دفعها إلى كافر، وهذا قول الثوري والحسن بن صالح وأبي يوسف وابن المنذر وللشافعي قولان كالروايتين - انتهى. قلت: المسألة عند الحنفية إنه لو دفع الزكاة بتحر لمن يظنه مصرفاً فبان إنه غني وأبوه أو ابنه لا يعيد؛ لأنه أتى بما وسعه حتى لو دفع بلا تحر لم يحزان اخطأ. واستدل ابن الهمام لذلك بما روى البخاري عن معن بن يزيد. قال كان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها فأتيته بها فقال: والله ما إياك أردت فخاصمته إلى رسول الله ﷺ : فقال لك ما نويت يا يزيد! ولك ما أخذت يا معن - انتهى. قال ابن الهمام: وهو وإن كان واقعة حال يجوز فيها كون تلك الصدقة كانت نفلاً، لكن عموم لفظ ما في قوله ﵊: لك ما نويت يفيد المطلوب ذكره القاري فتأمل. قال الحافظ: فإن قيل: إن الخبر يعني حديث الباب إنما تضمن قصة خاصة وقع الإطلاع فيها على قبول الصدقة، برؤيا صادقة اتفاقية فمن أين يقع تعميم الحكم وتعدية إلى غيرها، فالجواب إن التنصيص في هذا الخبر على رجاء الاستعفاف هو الدال على تعدية الحكم، فيقتضي ارتباط القبول بهذه الأسباب. وفي الحديث استحباب إعادة الصدقة إذا لم تقع الموقع، وإن الحكم للظاهر حتى يتبين سواه، وبركة التسليم والرضا وذم التضجر بالقضاء كما قال بعض السلف: لا تقطع الخدمة ولو ظهر لك عدم القبول (متفق عليه) أخرجاه في الزكاة وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي في الزكاة، والبيهقي (ج٤ ص١٩٢وج٧ ص٣٤) (ولفظه للبخاري) أي ولمسلم معناه، وقد تقدم الإشارة إلى ما فيه من التسامح.
١٨٩٢-قوله: (بينا) بإشباع الفتحة ألفاً أي بين أوقات (رجل بفلاة) بفتح الفاء أي بصحراء واسعة (أسق) بقطع همزة ووصله (حديقة فلان) الحديقة بفتح الحاء المهملة بستان إذا كان عليه حائط، وقال
стр. 2790
فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته، يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله ما اسمك قال: فلان، الاسم الذي سمع في السحابة، فقال له: يا عبد الله! لم تسألني عن اسمي فقال: إني سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه، يقول اسق حديقة فلان لإسمك، فما تصنع فيها، قال: أما إذا قلت هذا،
ــ
النووي: الحديقة، القطعة من النخيل. وتطلق على الأرض ذات الشجر- انتهى. وفلان كناية منه ﵊ عن اسم صاحب الحديقة كما سيأتي بيانه (فتنحى ذلك السحاب) أي ذهب إلى حديقته. قال النووي: معنى تنحا قصد يقال: تنحيت الشيء موانتحيته ونحوته إذا قصدته (فأفرغ ماءه) أي صبه (في حرة) بفتح الحاء وتشديد الراء وهي أرض ذات حجارة سود (فإذا شرجة) بفتح الشين المعجمة وإسكان الراء بعدها جيم وتاء تأنيث مسيل الماء إلى الأرض السهلة، وقال النووي جمعها شراج بكسر الشين، وهي مسائل الماء في الحرار (من تلك الشراج) أي الواقعة في تلك الحرة (قد استوعبت) أي بالأخذ يقال: استوعب الشيء أي أخذه بأجمعه واستوفاه (ذلك الماء) أي النازل من السحاب الواقع في الحرة (فتتبع) أي ذلك الرجل (الماء) أي أثره (يحول) بتشديد الواو (الماء) أي من مكان إلى مكان من حديقته (بمسحائة) بكسر الميم وبالسين والحاء المهملتين ما يسحي به أي يجرف ويقشر ويكسح كالمجرفة من الحديد أو غيره (فقال) أي الرجل (له) أي لصاحب الحديقة (ما اسمك) أي المخصوص (قال فلان الإسم) قال القاري: بالرفع وقيل بالنصب. قال الطيبي: هو صرح بإسمه لكن رسول الله ﷺ كنى عنه بفلان، ثم فسر بقوله: الاسم الذي سمع في السحابة) ولعل العدول عن التصريح إلى الكناية للإشارة إلى أن معرفة الأسماء في بعض المواضع ليست من الأمور المهمة. وقوله. الإسم كذا وقع في جميع النسخ الحاضرة عندنا، وفي مسلم للإسم بزيادة لام الجر في أوله، وكذا وقع في الترغيب للمنذري (لم) بكسر اللام (تسألني) كذا في جميع النسخ، وهكذا في بعض النسخ من صحيح مسلك وفي بعضها لم سألتني (هذا ماءه يقول) أي ذلك الصوت يعني صاحبه للسحاب وفي بعض النسخ، ويقول بزيادة الواو قبل يقول، وهو خلاف ما في مسلم (اسق حديقة فلان لاسمك) قال الطيبي: أي قلت أنا فلان لاسمك المخصوص وبدله فإن الهاتف صرح بالإسم والكناية من السامع (فما تصنع فيها) أي في حديقتك من الخير حتى تستحق هذه الكرامة (قال أما) بتشديد الميم (إذا قلت) وفي بعض النسخ إذ قلت كما في مسلم
стр. 2791
فأني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثة وآكل أنا وعيالي ثلثاً، وأرد فيها ثلثة)) . رواه مسلم.
١٨٩٣ - (٢٠) وعنه، إنه سمع النبي ﷺ يقول: ((إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص وأقرع، وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكاً، فأتى الأبرص، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب عنه قذره، وأعطى لوناً حسناً وجلداً حسناً. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل، أو قال: البقر، شك إسحاق
ــ
(إلى ما يخرج منها) أي من زرع الحديقة وثمرها (وأورد فيها) أي وأصرف في الحديقة للزرعة والعمارة (ثلثة) في الحديث ضل الصدقة والإحسان إلى المساكين وأبناء السبيل وفضل أكل الإنسان من كسبه، والإنفاق على العيال (رواه مسلم) في الزهد في أواخر من صحيحه وأخرجه أيضاً أحمد (ج٢ ص٢٩٦) وأبوداود الطيالسي.
١٨٩٣- قوله: (إن ثلاثة من بني إسرائيل) كذا في جميع النسخ الحاضرة والذي في الصحيحين: إن ثلاثة في بني إسرائيل (أبرص) هو الذي أبيض ظاهر بدنه أي جلده لفساد مزاجه (وأقرع) وهو الذي ذهب شعر رأسه لآفة (وأعمى) هو الذي ذهب بصره. قال القاري: منصوبات على البدلية من الثلاثة ولم يعرف أسماءهم (فأراد الله) هذا لفظ مسلم، وفي البخاري بدأ الله بفتح الموحدة والمهملة المخففة بغير همز، ومعناه سبق في علم الله فأراد إظهاره لا إن ظهر له بعد أن كان خافياً إذ أن ذلك محال في حق الله تعالى، وخطأ هذا الكرماني في شرحه تبعاً لابن قرقول، ولفظه في مطالعه ضبطناه عن مقتنى شيوخنا بالهمز أي ابتدأ الله أن يبتليهم قال ورواه كثير من الشيوخ بغير همز وهو خطأ، وقد سبقه إلى التخطئة الخطابي وليس كذلك، فقد ثبتت الرواية به ووجه، وأولى ما يحمل عليه كما في الفتح. إن المراد قضى الله أن يبتليهم. وأما البدء الذي يراد به تغير الأمر عما كان عليه فلا (أن يبتليهم) أي يمتحنهم ليعرفوا أنفسهم أي ليعرفهم الناس. قال الطيبي: قوله: "فأراد الله" خبر إن عند من يجوز دخول الفاء في خبرها، ومن لم يجوز قدر الخبر أي فيما أقص عليكم فقوله: "فأراد تفسير للمجمل، ولو رفع أبرص وما عطف عليه بالخبرية تعين للتفسير - انتهى. يعني إن رفعها بتقدير أحدهم أبرص أو منهم أبرص (فبعث إليهم ملكاً) أي في صورة رجل مسكين (ويذهب عني) بالرفع أي يزول عني (الذي قد قذرني الناس) بفتح القاف وكسر الذال المعجمة أي اشمأزوا من رؤيتي وعدوني مستقذراً وكرهوني من أجله وهو البرص (فمسحه) أي مسح على جسمه (فذهب عنه قذره) بفتحتين يعني برصه (وأعطى) بضم الهمزة (شك إسحاق) أحد
стр. 2792
إلا أن الأبرص أو الأقرع، قال أحدهما: الإبل، وقال الآخر: البقر. قال: فأعطي ناقة عشراء، فقال: بارك الله لك فيها. قال: فأتى الأقرع، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا الذي قد قذرني الناس. قال: فمسحه فذهب عنه، قال: وأعطي شعراً حسناً. قال فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر. فأعطي بقرة حاملاً، قال: بارك الله لك فيها، قال: فأتى الأعمى، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إلي بصري، فأبصر به الناس، قال: فمسحه، فرد الله إليه بصره. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطي شأة والداً، فأنتج هذان، وولد هذا، فكان لهذا
ــ
رواته وهو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري المدني أبويحيى ثقة حجة من الطبقة الوسطى من التابعين، روى عن أبيه وأنس وعبد الرحمن بن أبي عمرة وغيرهم، وعنه همام ومالك والأوزاعي وغيرهم مات سنة (١٣٢) وقيل: بعدها (إلا أن الأبرص والأقرع) استثناء من الشك (قال أحدهما الإبل وقال الآخر البقر) أي لم يشك إسحاق في هذا بل في التعيين. قاله الطيبي: ولفظ البخاري هو شك في ذلك إن الأبرص أو الأقرع. قال أحدهما الإبل، وقال الآخر البقر (فأعطي) بضم الهمزة أي الذي تمنى الإبل (ناقة عشراء) بضم العين وفتح الشين المعجمة والراء ممدوداً الحامل التي أتى عليها في حملها عشرة أشهر من يوم طرقها الفحل، وهي من أنفس المال، وقد يطلق على الحامل مطلقاً. وقال النووي: العشراء الحامل القريبة الولادة (ويذهب عنى هذا) أي القرع (الذي قد قذرني الناس) أي كرهوا مخالطتي من أجله (فمسحه) أي الملك على رأسه (فذهب عني) أي قرعه (فأبصر) بالنصب والرفع من الأبصار (فمسحه) أي على عينيه (شأة والداً) أي وضعت ولدها وهو معها وقيل: الحامل. وقيل: التي عرف منها كثرة النتاج (فأنتج) بصيغة الفاعل من الإنتاج أي تولى الولادة. وقال ابن حجر: أي استولد الناقة والبقرة (هذان) أي صاحبا الإبل والبقر وهما الأبرص والأقرع (وولد) فعل ماض معلوم من التوليد بمعنى الإنتاج (هذا) أي صاحب الشأة وهو الأعمى. قال النووي: قوله: "فأنتج" هذان وولدا هذا، هكذا الرواية فأنتج رباعي وهي لغة قليلة الاستعمال، والمشهور نتج ثلاثي. وممن حكى اللغتين الأخفش ومعناه تولى الولادة وهي النتج والإنتاج. ومعنى ولد هذا بتشديد اللام معنى أنتج والناتج للإبل، والمولد للغنم وغيرها هو كالقابلة للنساء - انتهى. وقال الكرماني: قد راعى عرف الاستعمال حيث قال فيهما أنتج وفي الشأة ولد (فكان لهذا)
стр. 2793
وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم. قال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك. أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيراً أتبلغ به في سفري. فقال: الحقوق كثيرة. فقال: إنه كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيراً فأعطاك الله مالاً؟
ــ
أي الذي اختار الإبل (وادٍ) قد امتلأ (من الإبل ولهذا) الذي اختار البقر (وادٍ) قد امتلأ (من البقر ولهذا) الذي اختار الغنم وهو الأعمى (وادٍ من الغنم) (قال) أي النبي ﷺ (ثم إنه) أي الملك (أتى الأبرص) الذي كان مسحه فذهب برصه (في صورته) أي في صورة التي كان عليها لما اجتمع به وهو أبرص ليكون ذلك أبلغ في إقامة الحجة عليه قاله الحافظ. وقال الطيبي: أي في الصورة التي جاء الأبرص عليها أول مرة ولا يبعد أن يكون الضمير راجعاً إلى الأبرص لعله يتذكر حاله ويرحم عليه بماله، والأول أظهر في الحجة عليه، حيث جاء في صورته التي تسبب في جماله وحصول كثرة ماله (فقال) له إني (رجل مسكين) زاد في رواية: وابن السبيل (قد انقطعت بي الحبال في سفري) قال السيد: الباء بمعنى من كما في قوله تعالى: ﴿يشرب بها عباد الله﴾ [الدهر: ٦] قال القاري: الأظهر إن الباء للسبيية والملابسة كما في قوله: ﴿وتقطعت بهم الأسباب﴾ [البقرة: ١٦٦] والحبال بكسر المهملة بعدها موحدة خفيفة جمع حبل، أي الأسباب التي يقطعها في طلب الرزق. وقيل: العقبات. وقيل: الحبل هو المستطيل من الرمل، ولبعض رواة مسلم الجبال بالمهملة والتحتانية جمع حيلة، أي لم يبق لي حيلة. ولبعض رواة البخاري الجبال بالجيم والموحدة وهو تصحيف قاله الحافظ: أي طال سفري وقعدت عن بلوغ حاجتي (فلا بلاغ) أي كفاية (لي اليوم إلا بالله) أي إيجاد يعني ليس لي ما أبلغ به غرضي إلا بالله (ثم بك) أي بطريق التنزل على وجه التسبب والمجاز فثم هنا لتراخي الرتبة والتنزل في المرتبة لا للترقي وهذا ونحوه من الملائكة معاريض لا أخبار والمراد به ضرب المثل ليتيقظ المخاطب (أسألك) أي مقسماً عليك (بالذي) أي بالله الذي (أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال) أي الإبل (بعيراً) مفعول أسألك أي أطلب منك بعيراً (أتبلغ به في سفري) بهمزة فوقية وموحدة ولام مشددة مفتوحات، ثم معجمة من البلغة وهي الكفاية والمعنى أتوصل به إلى مرادي (الحقوق كثيرة) أي حقوق المال كثيرة علي ولم أقدر على أدائها أو حقوق المستحقين كثيرة فلم يحصل لك البعير، وقد أراد به دفعة وهو غير صادق فيه (فقال إنه) أي الشأن (يقذرك الناس) بفتح التحتية والذال المعجمة من باب علم أي يكرهونك ويقذرونك (فقيراً) حال (فأعطاك الله مالاً)
стр. 2794
فقال: إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر. فقال: إن كنت كاذباً، فصيرك الله إلى ما كنت. قال: وأتى الأقرع في صورته. فقال: له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل ما رد على هذا، فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت. قال: وأتى الأعمى في صورته وهيأته. فقال: رجل مسكين وابن سبيل، انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك، شأة أتبلغ بها في سفري. فقال: قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت. فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله.
ــ
كذا في جميع النسخ الحاضرة بزيادة لفظ مالاً، ووقع في الصحيحين بحذفه وهو الصواب، فيعم إعطاء المال والجمال (إنما ورثت) بفتح الواو وكسر الراء المخففة، وقيل: بضم الواو وتشديد الراء المكسورة (كابراً) حال (عن كابر) أي كبيراً عن كبير في العز والشرف والثروة أي ورثته عن آبائي الذين ورثوه من أجداد الذين ورثوه من آباءهم، حال كون كل واحد منهم كبيراً ورث عن كبير في العز والشرف. وقال القاري: والمعنى حال كوني أكبر قومي سناً ورياسة ونسباً وآخذاً عن آبائي الذين هم كذلك حساً، وهذا من باب الإكتفاء في الجواب، فإنه يلزم عرفاً من التكذيب في شيء تكذيبه في آخر (فقال) له الملك (إن كنت كاذباً) في مقالتك هذه (فيصيرك الله إلى ما كنت) من البرص والفقر، والجملة جواب الشرط، وأدخل الفاء في الفعل الماضي، لأنه دعاء وعبر بالماضي لقصد المبالغة في الدعاء عليه، والشرط ليس على حقيقته، لأن الملك لم يشك في كذبه، بل هو مثل قول العامل إذا سوف في عمالته إن كنت عملت فأعطني حقي (وأتى الأقرع في صورته) زاد في رواية البخاري وهيئته (وابن السبيل) أي مسافر (لا أجهدك) قال القاري: بفتح الهمزة والهاء وفي نسخة: بضم الهمزة وكسر الهاء (اليوم بشيء) كذا في جميع النسخ بشيء، وكذا وقع في البخاري ووقع في مسلم شيئاً (أخذته لله) قال النووي: قوله: "لا أجهدك اليوم شيئاً" الخ هكذا هو في رواية الجمهور أجهدك بالجيم والهاء، وفي رواية ابن ماهان أحمدك بالحاء المهملة والميم، ووقع في البخاري بالوجهين لكن الأشهر في مسلم بالجيم. وفي البخاري بالحاء ومعنى الجيم لا أشق عليك برد شيء تأخذه أو تطلبه من مالي. والجهد المشقة، ومعناه بالحاء لا أحمدك بترك شيء تحتاج إليه أو تريده، فتكون لفظة الترك محذوفة مرادة كما قال الشاعر:
ليس على طول الحياة تندم
أي فوات طول الحياة- انتهى. وقال الحافظ: في رواية كريمة وأكثر روايات مسلم لا أجهدك بالجيم والهاء
стр. 2795
فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي عنك، وسخط على صاحبيك)) . متفق عليه.
١٨٩٤- (٢١) وعن أم بجيد، قالت، قلت: يا رسول الله! إن المسكين ليقف على بابي حتى استحي فلا أجد في بيتي ما أدفع في يده، فقال رسول الله ﷺ : ((ادفعي في يده ولو ظلفاً محرقاً)) .
ــ
قال القسطلاني: ولأبي ذر لا أحمدك بالحاء المهملة، والميم بدل الجيم والهاء لشيء باللام بدل الموحدة أي لا أحمدك على ترك شيء تحتاج إليه من مالي (فإنما ابتليتم) أي أنت ورفيقاك. والمعنى أختبركم الله هل تذكرون سوء حالتكم وشدة حاجتكم أولاً وتشكرون نعمة ربكم عليكم آخراً (فقد رضي عنك) بضم أوله على البناء للمفعول في رضي وسخط، وفي رواية البخاري فقد رضي الله عنك بإظهار الفاعل. وفي الحديث جواز ذكر ما اتفق لمن مضى ليتعظ به من سمعه، ولا يكون ذلك غيبة فيهم ولعل هذا هو السر في ترك تسميتهم وفيه التحذير من كفران النعم والترغيب في شكرها، والاعتراف بها وحمد الله عليها وفيه فضل الصدقة والحث على الرفق بالضعفاء وإكرامهم وتبليغهم مآربهم وفيه الزجر عن البخل لأنه حمل صاحبه على الكذب وعلى جحد نعمة الله تعالى (متفق عليه) أخرجه البخاري في ذكر بني إسرائيل من كتاب الأنبياء ومسلم واللفظ لمسلم.
١٨٩٤- قوله: (وعن أم بجيد) بضم الموحدة وفتح الجيم الأنصارية الحارثية. قيل: اسمها حواء صحابية، وكانت من المبايعات. روى حديثها عبد الرحمن ومحمد ابنا بجيد الأنصاريان عن جدتهما أم بجيد الأنصارية. قال ابن عبد البر: في الكنى أم بجيد الأنصارية الحارثية. قيل: اسمها حواء وفي ذلك اضطراب وهي مشهورة بكنيتها، وقال في ترجمة حواء الأنصارية جدة ابن بجيد، حدثنا عبد الوارث حدثنا أحمد بن زهير حدثنا سعيد بن منصور حدثنا حفص بن ميسرة حدثنا زيد بن أسلم عن عمرو بن معاذ الأنصاري عن جدته حوار قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول ردوا السائل ولو بظلف محرق، وروى المقبري عن عبد الرحمن بن بجيد الأنصاري عن جدته قالت: قال رسول الله ﷺ : يا نساء المؤمنات لا تحقرن إحداكن لجارتها ولو فرسن شأة، وقد ذكرنا الاضطراب في هذا الإسناد في كتاب التمهيد (ليقف على بابي) أي سائلاً، وهذا لفظ أحمد وفي رواية له: فيقوم على بابي (ما أدفع في يده) أي شيئاً أضع في يده (ولو ظلفا) بكسر الظاء المعجمة وإسكان اللام، وبالفاء وهو للبقر والغنم كالحافر للفرس. وقال في القاموس: الظلف بالكسر للبقر والشأة والظبي وشبهة بمنزلة القدم لنا. وقال الباجي: هو ظفر كل ما اجتر و"لو" للتقليل أي أعطوا السائل ولو كان شيئاً قليلا كالظلف (محرقاً) اسم مفعول من الإحراق وقيداً لإحراق مبالغة في رد السائلي بأدنى ما تيسر أي تصدقي بما تيسر
стр. 2796
رواه أحمد، وأبوداود، والترمذي. وقال: هذا حديث حسن صحيح.
١٨٩٥- (٢٢) وعن مولى لعثمان رضي الله تعالى عنه، قال: ((أهدي لأم سلمة بضعة من لحم، وكان النبي ﷺ يعجبه اللحم، فقالت لخادم: ضعيه في البيت لعل النبي ﷺ يأكله، فوضعته في كوة البيت. وجاء سائل فقام على الباب، فقال: تصدقوا، بارك الله فيكم. فقالوا: بارك الله فيك، فذهب السائل، فدخل النبي ﷺ فقال: يا أم سلمة! هل عندكم شيء أطعمه؟
ــ
وإن قل، ولا ترديه محروماً بلا شيء مهما أمكن حتى إن وجدت شيئاً حقيراً مثل الظلف المحرق أعطيه إياه. وقال أبوبكر بن العربي في شرح الترمذي: اختلف في تأويله. فقيل: ضربه مثلاً للمبالغة كما جاء من بنى لله مسجداً ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة. وقيل: إن الظلف المحرق كان له عندهم قدر، بأنهم يسحقونه ويسفونه- انتهى. وقال الزرقاني: قيد بالإحراق أي الشيء كما هو عادتهم فيه لأن النيئ قد لا يؤخذ، وقد يرميه آخذه فلا ينتفع بخلاف المشوي- انتهى. قال الباجي: حض بذلك ﷺ على أن يعطي المسكين شيئاً ولا يرده خائباً وإن كان ما يعطاه ظلفاً محرقاً، وهو أقل ما يمكن أن يعطي ولا يكاد أن يقبله المسكين ولا ينتفع به إلا في وقت المجاعة والشدة (رواه أحمد) (ج٦ ص٣٨٢- ٣٨٣) (وأبوداود والترمذي) واللفظ لأحمد وأخرجه أيضاً النسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم (ج١ ص٤١٧) والبيهقي (ج٤ ص١٧٧) وأبونعيم وابن سعد، وأخرجه مالك في كتاب الجامع من الموطأ عن زيد بن أسلم عن ابن بجيد الأنصاري، ثم الحارثي عن جدته إن رسول الله ﷺ قال: ردوا المسكين ولو بظلف محرق، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٦ ص٤٣٥) والنسائي من طريق مالك، وسيأتي في باب أفضل الصدقة (وقال) أي الترمذي (هذا حديث حسن صحيح) وسكت عنه أبوداود ونقل المنذري تصحيح الترمذي، وأقره وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
١٨٩٥- قوله: (وعن مولى لعثمان) بن عفان ﵁ وكان له عدة موالي حمران بن إبان وهانيء البرري وأبوصالح وأبوسهلة ويوسف، ولا أدري من هذا الذي روى هذه القصة (أهدى) بضم الهمزة (لأم سلمة) أم المؤمنين زوج النبي ﷺ (بضعة) بكسر الباء وفتحها أي قطعة (من لحم) وهو مطبوخة (وكان النبي ﷺ يعجبه اللحم) بضم التحتية جملة معترضة (فقالت للخادم) واحد الدم يقع على الذكر والأنثى لجرية مجرى الأسماء، وهو هنا أنثى لقوله (ضعيه) أي اللحم (في كوة البيت) بفتح الكاف وضمه أي في ثقبه (فقال) أي السائل (تصدقوا) أي يا أهل البيت (يا أم سلمة هل عندكم) فيه تعظيم أو تغليب (شيء أطعمه) بفتح الهمزة
стр. 2797
فقالت: نعم، قالت للخادم: إذهبي فأتى رسول الله ﷺ بذلك اللحم. فذهبت، فلم تجد في الكوة إلا قطعة مروة. فقال النبي ﷺ : فإن ذلك اللحم عاد مروة لما لم تعطوه السائل)) . رواه البيهقي "في دلائل النبوة".
١٨٩٦- (٢٣) وعن ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أخبركم بشر الناس منزلاً؟ قيل: نعم، قال: الذي يسأل بالله ولا يعطى به)) . رواه أحمد.
ــ
والعين المهملة بينهما طاء ساكنة أي آكله (فأتى) أي فهاتي (إلا قطعة مروة) بفتح الميم وسكون الراء أي حجر أبيض (عاد) أي صار (لما) بكسر اللام وتخفيف الميم وبفتح اللام وتشديد (لم تعطوه) أي منه (السائل) في الحديث الزجر عن البخل والإمساك (رواه البيهقي لم أقف على سنده، والظاهر إنه منقطع، لأن مولى عثمان المذكور لم يحضر القصة ولم يسم من حدثه بها.
١٨٩٦- قوله: (الذي يسأل بالله ولا يعطى به) على بناء الفاعل فيهما أي يسأل غيره بحق الله ثم إذا سئل هو به لا يعطي بل ينكص ويبخل، ويحتمل أن يكون قوله يسئل مبنياً للمفعول أي يسأله غيره بالله فلا يجيب يعني يسأله صاحب حاجة بأن يقول أعطني لله وهو يقدر، ولا يعطي شيئاً بل يرده خائباً. قال الطيبي: الباء كالباء في كتبت بالقلم أي يسأل بواسطة ذكر الله، أو للقسم والاستعطاف أي يقول السائل أعطوني شيئاً بحق الله. وقال ابن حجر: أي مقسماً عليه بالله استعطافاً إليه وحملاً له على الإعطاء بأن يقال له بحق الله أعطني كذا لله. ولا يعطي مع ذلك شيئاً أي والصورة إنه مع قدرة علم اضطرار السائل إلى ما سأله، وعلى هذا حمل قول الحليمي أخذاً من هذا الحديث وغيره، إن رد السائل بوجه الله كبيرة- انتهى. واختار السندي الاحتمال الأول واستبعد الثاني إذ قال، قوله الذي يسأل بالله بناء على الفاعل أي الذي يجمع بين القبيحين أحدهما السؤال بالله، والثاني: عدم الإعطاء لمن يسأل به تعالى فما يراعي حرمة اسمه تعالى في الوقتين جميعاً، وأما جعله مبنياً للمفعول فبعيد إذ لا صنع للعبد في أن يسأله السائل بالله فلا وجه للجمع بينه وبين ترك الإعطاء في هذا المحمل، والوجه في إفادة ذلك المعنى أن يقال الذي لا يعطي إذا سئل بالله ونحوه، والله تعالى أعلم- انتهى. فتأمل (رواه أحمد) (ج١ ص٢٣٧، ٣١٩و ٣٢٢) وأخرجه أيضاً الترمذي في فضائل الجهاد، وحسنه، والنسائي في الزكاة، وابن حبان في صحيحه كلهم من حديث عطاء بن يسار عن ابن عباس بأتم من هذا، وسيأتي مطولاً في باب أفضل الصدقة، وأخرجه أيضاً أحمد من حديث أبي هريرة. وفي الباب أيضاً عن أبي موسى الأشعري بلفظ: ملعون من سأل بوجه الله وملعون من
стр. 2798
١٨٩٧- (٢٤) وعن أبي ذر رضي الله تعالى عنه، ((أنه استأذن على عثمان، فأذن له وبيده عصاه، فقال عثمان: يا كعب! إن عبد الرحمن توفي وترك مالاً، فما ترى فيه. فقال: إن كان يصل فيه حق الله فلا بأس عليه. فرفع أبوذر عصاه فضرب كعباً. وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما أحب لو أن لي هذا الجبل ذهباً أنفقه ويتقبل مني أذر خلفي منه ست أواقي، أنشدك بالله يا عثمان! سمعته؟ ثلاث مرات، قال: نعم)) . رواه أحمد.
ــ
سئل بوجه الله ثم منع سائله ما لم يسئل هجراً، رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن أورد المنذري الأحاديث الثلاثة في باب ترهيب السائل أن يسأل بوجه الله غير الجنة، وترهيب المسؤل بوجه الله أن يمنع.
١٨٩٧ - قوله: (استأذن على عثمان) أي للدخول عليه (وبيده عصا) الواو للحال والضمير لأبي ذر (يا كعب) أي كعب الأحبار (إن عبد الرحمن) أي ابن عوف (وترك مالاً) أي كثيراً بحيث جاء ربع ثمنه ثمانين ألف دينار (فما ترى فيه) أي فما تقول في حق المال أو صاحبه وهو الأظهر، والمعنى هل تضر كثرة ماله في نقص كماله (فقال) أي كعب (إن كان) شرطية، ويحتمل أن تكون مخففة (يصل فيه) أي ماله (حق الله فلا بأس عليه) أي لا كراهة فيه ولا نقص له (فضرب) أي بعصاه (كعباً) قال الطيبي: فإن قيل كيف يضربه وقد علم أنه ليس بكنز بعد إخراج حق الله منه، قلت: إنما ضربه لأنه نفى البأس على سبيل الاستغراق حيث جعله مدخولاً. للا التي النفي الجنس، وكم من بأس فإنه يحاسب ويدخل الجنة بعد فقراء المهاجرين بزمان طويل أي بخمسة مائة سنة- انتهى. وقال في اللمعات: كان أبوذر من فقراء الصحابة وزهادهم، وكان مذهبه ترك الكل والاختيار التجريد وعدم الادخار أي ولذلك ضرب كعباً، وإلا فما أدى زكاته فليس بكنز ولا وعيد عليه، لاسيما إذا وصلت فيه الحقوق من الصدقات النافلة. واختلاف أبي ذر مع معاوية في هذه المسألة في زمن عثمان مشهور (هذا الجبل) إشارة إلى الجبل المستحضر في الذهن مثلاً أو يكون إشارة إلى جبل أحد، وقد وقع ذكره صريحاً (أنفقه) حال (ويتقبل مني) فيه مبالغة أي مع أنه يتقبل ويترتب عليه الثواب (أذر) مفعول أحب بتقدير إن بالرفع بعد حذفها كقوله وتسمع بالمعيدي أي ما أحب أن أترك (ست أواقي) بتشديد الياء ويجوز تخفيفها، وفي المسند ست أواق بحذف الياء، وكذا في مجمع الزوائد (أسمعته) بفتح الهمزة وضم المعجمة (بالله) أي أقسم به عليك، وفي المسند أنشدك الله وكذا نقله في مجمع الزوائد (أسمعته) أي هذا الحديث (ثلاث مرات) ظرف لأنشدك أو لا سمعته (رواه أحمد) في مسند عثمان (ج١ ص٦٣) من طريق ابن لهيعة عن أبي قبيل عن مالك
стр. 2799
١٨٩٨- (٢٥) وعن عقبة بن الحارث، قال: ((صليت وراء النبي ﷺ بالمدينة العصر، فسلم، ثم قام مسرعاً، فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نساءه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته. قال: ذكرت شيئاً من تبر عندنا فكرهت أن يحبسني، فأمرت بقسمته)) .
ــ
ابن عبد الله الزيادي عن أبي ذر وابن لهيعة قد ضعفه غير واحد ومالك بن عبد الله مستور، وأخرجه أيضاً ابن عبد الحكم في فتوح مصر (ص٢٨٦) كما قال الحافظ في التعجيل (ص٣٨٩) : ولأبي ذر حديث آخر في معناه أخرجه أحمد (ج٥ ص١٤٥) .
١٨٩٨- قوله: (وعن عقبة) بضم عين وسكون قاف (بن الحارث) بن عامر بن نوفل بن عبدمناف بن قصي القرشي النوفلي المكي، صحابي من مسلمة الفتح وهو أبوسِروعة الذي قتل خبيب بن عدي في قول أهل الحديث ويقال إن أباسروعة أخوه، وإنهما أسلما جميعاً يوم الفتح، وهو قول أهل النسب وصوبه العسكري. وقيل: إن أباسروعة أخو عقبة لأمه وجزم به مصعب الزبيري. قال الحافظ: قد أطبق أهل الحديث على أن أباسروعة هو عقبة هذا، وقولهم أو لا إن شاء الله تعالى بقي عقبة إلى بعد الخمسين (فسلم ثم قام) وفي رواية: فسلم فقام (مسرعاً فتخطى) بغير همز أي تجاوز (رقاب الناس) أي متوجهاً (إلى بعض حجر نسائه) بضم الحاء وفتح الجيم جمع حجرة (ففزع الناس) بكسر الزاي أي خافوا (من سرعته) أي من أجل إسراعه وكانت تلك عادتهم إذا رأوا منه غير ما يعهدونه خشية أن ينزل فيهم شيء يسؤهم (فخرج) ﷺ من الحجرة (عليهم) وفي رواية إليهم (فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته) وفي رواية فقلت أو قيل له أي عن سبب سرعته. وهو شك من الراوي (قال) وفي البخاري فقال (ذكرت) بفتح الذال والكاف أي تفكرت وأنا في الصلاة (شيئاً من تبر) وفي رواية تبراً من الصدقة، والتبر، بكسر المثناة وسكون الموحدة ذهب غير مضروب. وقيل: ذهب أو فضة غير مضروب (فكرهت أن يحبسني) أي يمنعني ويشغلني التفكر فيه عن التوجه والإقبال على الله تعالى، وفهم منه ابن بطال معنى آخر. فقال فيه: إن تأخير الصدقة يحبس صاحبها يوم القيامة في الموقف (فأمرت) أي أهل البيت (بقسمته) بكسر القاف والمثناة الفوقية بعد الميم وفي رواية بقسمة بفتح القاف من غير مثناة وفي الحديث إن المكث بعد الصلاة ليس بواجب وإن للإمام أن ينصرف متى شاء وإن التخطي لما لا غنى عنه مباح، وإن عروض الذكر في الصلاة في أجنبي عنها من وجوه الخير وتذكر ما لا يتعلق بالصلاة فيها لا يفسدها، ولا ينافي خشوعها ولا يقدح في كمالها، وإن إنشاء العزم في أثناءها على الأمور المحمودة لا يضر، وفيه إن الخير ينبغي أن
стр. 2800
رواه البخاري. وفي رواية له، قال: ((كنت خلفت في البيت تبراً من الصدقة، فكرهت أن أبيته) .
١٨٩٩- (٢٦) وعن عائشة ﵂، قالت: ((كان لرسول الله ﷺ عندي في مرضه ستة دنانير أو سبعة، فأمرني رسول الله ﷺ أن أفرقها، فشغلني وجع نبي الله ﷺ ، ثم سألني عنها ما فعلت الستة والسبعة؟ قلت: لا والله، لقد كان شغلني وجعك. فدعا بها، ثم وضعها في كفه. فقال: ما ظن نبي الله لو لقي الله عزوجل وهذه عنده)) . رواه أحمد.
ــ
يبادر به فإن الآفات تعرض والموانع تمنع والموت لا يؤمن، والتسويف غير محمود والتعجيل به أخلص للذمة وأنفى للحاجة وأبعد من المطل المذموم وأرضى للرب وأمحى للذنب، وفيه جواز الاستنابة مع القدرة على المباشرة (رواه البخاري) أي بهذا اللفظ في باب من صلى بالناس فذكر حاجته فتخطاهم قبيل كتاب الجمعة (وفي رواية له) أوردها في باب من أحب تعجيل الصدقة من يومها من كتاب الزكاة (كنت خلفت) بتشديد اللام أي تركت خلفي (أن أبيته) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد المثناة التحتية أي أتركه حتى يدخل عليه الليل، يقال بات الرجل دخل في الليل، وبيته تركه حتى دخل الليل. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في باب يفكر الرجل الشيء في الصلاة من أواخر الصلاة، وفي باب من أسرع في مشيه لحاجة أو قصد من كتاب الاستئذان. وأخرجه أحمد (ج٤ ص٣٨٤) والنسائي في الصلاة.
١٨٩٩- قوله: (أو سبعة) بالتنوين وتركه (أن أفرقها) بتشديد الراء (فشغلني وجع نبي الله ﷺ ) أي مرضه عن تفريقها (ما فعلت الستة أو السبعة) شك من الراوي وهو بالرفع. قال الطيبي: وإذا روى بالنصب كان فعلت على خطاب عائشة- انتهى. والتقدير ما فعلت بالستة أو السبعة يعني هل فرقتها أم لا (قالت لا والله) أي ما فرقتها، ولعل وجه القسم تحقيق التقصير ليكون سبباً لقبول العذر (ما ظن نبي الله) بالإضافة (وهذه) أي الدنانير (عنده) أي ثابتة وباقية. قال الطيبي: في وضع رسول الله ﷺ الدنانير. في كفه، ووضع المظهر موضع المضمر، وتخصيص ذكر نبي الله، ثم الإشارة بقوله هذه تصوير لتلك الحالة الشنيعة واستهجان بها وإيذان بأن حال النبوة منافية، لأن يلقي الله ومعه هذا الدنيء الحقير- انتهى. (رواه أحمد) ولعائشة رواية أخرى بمعناه رواها أحمد أيضاً قالت: أمرني رسول الله ﷺ أن أتصدق بذهب كان عندها في مرضه. قالت: فأفاق قال ما فعلت، قلت ما رأيت منك. قال فهلم بها فجاءت بها إليه سبعة أو تسعة، أبوحازم يشك دنانير، فقال حين جاءت بها ما ظن محمد لو لقي الله وهذه عنده، وما تنفى هذه من محمد ﷺ لو لقي الله وهذه عنده. قال الهيثمي: رواه
стр. 2801
١٩٠٠- (٢٧) وعن أبي هريرة، أن النبي ﷺ دخل على بلال، وعنده صبرة من تمر، فقال: ((ما هذا يا بلال؟ قال: شيء أدخرته لغد. فقال: أما تخشى أن ترى له غداً بخاراً في نار جهنم يوم القيامة. أنفق بلال! ولا تخش من ذي العرش إقلالاً)) .
١٩٠١- (٢٨) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((السخاء شجرة في الجنة،
ــ
أحمد بأسانيد ورجال أحدها الصحيح - انتهى. وروى الطبراني في الكبير نحوه من حديث سهل بن سعد بسند، رجاله ثقات ذكره الهيثمي (ج٣ ص١٢٤) والمنذري في باب الإنفاق والترهيب من الإمساك، وروى أحمد وأبويعلى نحواً من هذا من حديث أم سلمة ذكره الهيثمي في باب الإنفاق من الزهد.
١٩٠٠- قوله: (صبرة) بضم الصاد وسكون الموحدة أي تمر مجتمع كالكومة (ما هذا) أي التمر (إن ترى له) أي لهذا الشيء أو التمر (غداً) أي يوم القيامة (بخاراً في نار جهنم) أي أثراً يصل إليك فهو كناية عن قربة منها (يوم القيامة) أي جميع زمانها أو هو تأكيد لغد (أنفق بلال) أي يا بلال (ولا تخش من ذي العرش إقلالاً) أي فقراً أو إعداماً، وهذا أمر بتحصيل مقام الكمال، وإلا فقد جوز ادخار المال سنة للعيال، وكذا الضعفاء الأحوال. وما أحسن موقع ذي العرش في هذا المقام أي أتخشى أن يضيع مثلك من يدبر الأمر من السماء إلى الأرض قاله الطيبي. وقيل: إن هذا الحديث ونحوه كان في صدر الإسلام حين كان الادخار ممنوعاً ثم نسخ النهي وأبيح الادخار. وإنما دخل الدخيل على كثير من الناس لعدم علمهم بالنسخ كذا قاله السيوطي: والحديث نسبه المصنف إلى البيهقي كما سيأتي، وأخرجه أيضاً البزار وأبويعلى والطبراني في الكبير والأوسط. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠ ص ٢٤١) : والمنذري في الترغيب بإسناد حسن. وقال السيوطي. قال الحافظ ابن حجر في زوائد: إسناده حسن - انتهى. وروى نحوه من حديث ابن مسعود أخرجه البزار بإسناد حسن والطبراني في الكبير ذكره المنذري والهيثمي (ج٣ ص١٢٦ وج١٠ ص٢٤١) ومن حديث بلال أخرجه الطبراني في الكبير والبزار، وفي أسناديهما محمد بن الحسن بن زبالة وهو ضعيف، وللطبراني طريق آخر وفيه طلحة ابن زيد القرشي وهو أيضاً ضعيف. ومن حديث عائشة أخرجه الحكيم في نوارده والبيهقي في الشعب، ذكر طرق هذه الأحاديث السيوطي في اللآلي. وقال في هامش مجمع الزوائد: بسط الكلام على الحديث على الحديث ومخرجيه في كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على السنة الناس للعجلوني.
١٩٠١- قوله: (شجرة) أي كشجرة (في الجنة) لعله شبه السخاء بها في عظمها وكونها ذات أغصان وشعب كثيرة قاله الطيبي. قال القاري: ويمكن أن يكون صفة السخاء مصورة بشجرة في الجنة. قال الطيبي: جنس الشجرة الدنيوية نوعان: متعارف، وغير متعارف. وهي شجرة السخاء الثابت أصلها في الجنة وفرعها في الدنيا فمن أخذ
стр. 2802
فمن كان سخياً أخذ بغصن منها فلم يتركه الغصن حتى يدخله الجنة، والشح شجرة في النار، فمن كان شحيحاً أخذ بغصن منها، فلم يتركه حتى يدخله النار)) . رواهما البيهقي في شعب الإيمان.
١٩٠٢- (٢٩) وعن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((بادروا بالصدقة
ــ
بغصن منها في الدنيا أوصله إلى أصل الجنة في العقبى كما أشار بقوله (فمن كان سخياً) أي في علم الله أو في الدنيا (أخذ بغصن منها) أي بنوع من أنواع السخاء (فلم يتركه الغصن) أي ولو آخر الأمر (حتى يدخله الجنة والشح) أي البخل (حتى يدخله النار) أي أولاً. وقيل: معنى الحديث أي السخاء يدل على قوة الإيمان لاعتقاد إن الله تعالى ضمن الرزق فمن تمسك بهذا الأصل أوصله إلى الجنة. والبخل يدل على ضعف الإيمان لعدم وثوقه بضمان الرحمن، وذلك يجره إلى دار الهوان. وفي الحديث فضل السخاء والجود وذم البخل والشح (رواهما) أي هذا الحديث والذي قبله (البيهقي) قد تقدم الكلام على الحديث الأول ومن أخرجه، وأما هذا الحديث فأخرجه أيضاً ابن عدي، وفيه داود ابن الحصين روى عن الأعرج عن أبي هريرة. قال ابن الجوزي: داود حدث عن الثقات بما لا يشبه حديث الإثبات قلت: داود هذا من رجال الستة ثقة إلا في عكرمة، ورمى برأي الخوارج قيل والبلاء هنا ممن دونه. وللحديث شواهد، منها حديث الحسن أخرجه البيهقي من طريق سعيد بن مسلمة عن جعفر بن محمد عن جده مرفوعاً. قال ابن الجوزي: سعيد بن مسلمة الأموي ليس بشيء. قال السيوطي في التعقبات: قال البيهقي إسناده ضعيف وسعيد ابن مسلمة لم يتهم بكذب، بل قال البخاري ضعيف، ووثقه ابن عدي فقال: أرجو أنه ممن لا يترك حديثه، وقد أخرج له الترمذي وابن ماجه ومثل هذا يحسن حديثه إذا توبع، وداود بن الحصين وإن كان فيه كلام إلا أنه محدث مشهور، ووثقه الجمهور. وأخرج له الأئمة الستة وأكثر ما عيب عليه الابتداع، وأنكر ابن المديني وأبوداود أحاديثه عن عكرمة خاصة. قال أبوداود: أحاديثه عن عكرمة مناكير وأحاديثه عن شيوخه مستقيمة، فهذه الطريق على انفرادها جيدة، فكيف وطريق الحسن شاهدة لها. ومنها حديث أبي سعيد أخرجه الخطيب، وفيه محمد بن مسلمة وهو ضعيف جداً، ومنها حديث جابر أخرجه الخطيب وفيه عاصم بن عبد الله وهو ضعيف، وشيخه عبد العزيز بن خالد كذاب، ومنها حديث عائشة أخرجه ابن حبان وفيه إسماعيل بن عباد متروك، وشيخه الحسين ابن علوان وضاع. ومنها حديث عبد الله بن جراد أخرجه البيهقي والخطيب وابن عساكر. قال البيهقي: ضعيف الإسناد. ومنها حديث أنس أخرجه ابن عساكر. ومنها حديث معاوية أخرجه الديلمي ذكر هذه الأحاديث السيوطي في اللآلي (ج٢ ص٤٩- ٥٠) وبسط طرقها.
١٩٠٢- قوله: (بادروا) أي بالموت أو المرض أو غيركم (بالصدقة) أي بإعطائها للمستحقين وفي
стр. 2803
فإن البلاء لا يتخطاها)) رواه رزين.
(٦) باب فضل الصدقة
﴿الفصل الأول﴾
١٩٠٣- (١) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تصدق بعدل تمرة
ــ
مجمع الزوائد (ج٣ ص١١٠) والترغيب للمنذري واللآلي للسيوطي عزوا للطبراني. باكروا بالصدقة مكان بادروا أي سارعوا بها (فإن البلاء لا يتخطاها) أي لا يجاوزها يعني لا يلحق صاحبها. قال القاري: أي لا يتجاوزها بل يقف دونها أو يرجع عنها. قال الطيبي: تعليل للأمر بالمبادرة وهو تمثيل. قيل: جعلت الصدقة والبلاء كفرسي رهان، فأيهما سبق لم يلحقه الآخر ولم يخطه، والتخطي تفعل من الخطو- انتهى. قال الطيبي: والأولى إنه جعل الصدقة ستراً وحجاباً بين يدي المتصدق، ولا يتخطاها البلاء حتى يصل إليه (رواه رزين) قد تقدم إن هذا الحديث عزاه الهيثمي والمنذري والسيوطي للطبراني في الأوسط. قال الهيثمي: فيه عيسى بن عبد الله بن محمد وهو ضعيف. وقال المنذري: رواه الطبراني وذكره رزين في جامعه وليس في شيء من الأصول وكذا قال الشيخ محمد طاهر الفتني في تذكرة الموضوعات (ص٦٤) وللحديث طريق آخر أخرجه ابن أبي الدنيا وابن عدي وأبوالشيخ في الثواب، والبيهقي من حديث أنس. قال ابن الجوزي في موضوعاته فيه أبويوسف لا يعرف وبشر بن عبيد منكر الحديث وتعقبه السيوطي. فقال أبويوسف: هو القاضي المشهور صاحب أبي حنيفة، وبشر ابن عبيد ذكره ابن حبان في الثقات، وله شاهد من حديث على أخرجه الطبراني في الأوسط بسند ضعيف. وقال البيهقي في السنن الكبرى: (ج٤ ص١٨٩) بعد روايته من طريق يحيى بن سعيد عن المختار ابن فلفل عن أنس هذا موقوف، وكان في كتاب شيخنا أبي نصر أحمد علي الفامي مرفوعاً، وهو وهم وروى عن أبي يوسف القاضي عن المختار بن فلفل عن أنس مرفوعاً - انتهى.
(باب فضل الصدقة) هي ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة، واجباً كان أو تطوعاً. سميت بذلك؛ لأنها تنبيء عن صدق رغبة صاحبها في مراتب الجنان أو تدل على تحقيق تصديق صاحبها في إظهار الإيمان.
١٩٠٣- قوله: (من تصدق بعد تمرة) بسكون الميم والعدل عند الجمهور بفتح العين المثل، وبالكسر الحمل بكسر الحاء أي بقيمة تمرة. وقال الفراء: العدل بالفتح المثل من غير جنسه، وبالكسر من جنسه. وقيل: بالعكس وقيل: بالفتح مثله في القيمة وبالكسر في النظر وأنكر البصريون هذه التفرقة. وقال الكسائي: هما بمعنى كما إن لفظ
стр. 2804
من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها
ــ
المثل لا يختلف وضبط في هذه الرواية للأكثر بالفتح قاله الحافظ (من كسب) أي صناعة أو تجارة أو زراعة أو غيرها ولو إرثاً وهبة. قال الحافظ: معنى الكسب المكسوب، والمراد به ما هو أعم من تعاطى التكسب أو حصول المكسوب بغير تعاط كالميراث، وكأنه ذكر الكسب لكونه الغالب في تحصيل المال (طيب) أي حلال، وقد يطلق على المستلذ بالطبع، والمراد هنا هو الحلال. وقال القرطبي: أصل الطيب المستلذ بالطبع، ثم أطلق على المطلق بالشرع وهو الحلال (ولا يقبل الله إلا الطيب) جملة معترضة بين الشرط والجزاء لتقرير ما قبله، وفيه دليل على أن غير الحلال مقبول. قال السندي: هذه جملة معترضة لبيان أنه لا ثواب في غير الطيب لا أن ثوابه دون هذا الثواب إذ قد يتوهم من التقييد إنه شرط لهذا الثواب بخصوصه، لا لمطلق الثواب، فمطلق الثواب يكون بدونه أيضاً فذكرت هذه الجملة دفعاً لهذا التوهم، ومعنى عدم قبوله إنه لا يثيب عليه ولا يرضى به انتهى. قال القرطبي: وإنما لا يقبل الله الصدقة بالحرام؛ لأنه غير مملوك للمصدق وهو ممنوع من التصرف فيه، والمتصدق به متصرف فيه. فلو قبل منه لزم أن يكون الشيء مأموراً ومنهياً من وجه واحد، وهو محال - انتهى. (فإن الله يتقبلها بيمينه) قيل: هو كناية عن حسن القبول ووقوعها منه عزوجل موقع الرضا، وذكر اليمين للتشريف والتعظيم وكلتا يدي الرحمن يمين. قال المازري: هذا الحديث وشبهه إنما عبر به على ما اعتادوا في خطابهم ليفهموا عنه فكنى عن قبول الصدقة بأخذها باليمين وعن تضعيف أجرها بالتربية. وقال عياض: لما كان الشيء الذي يرتضي ويعز يتلقى باليمين ويؤخذ بها استعمل في مثل هذا واستعير للقبول والرضا كما قال الشاعر:
إذا ما رأية رفعت لمجد تلقاه عرابة باليمين
وقال الزين بن المنير: الكناية عن الرضا والقبول بالتلقي باليمين لتثبيت المعاني المعقولة من الأذهان، وتحقيقها في النفوس تحقيق المحسوسات أي لا يتشكك في القبول كما لا يتشكك من عاين التلقي للشيء بيمينه، لا أن التناول كالتناول المعهود ولا أن المتناول به جارحة - انتهى. قلت: الحق في هذا وأمثاله من أحاديث الصفات هو ما روى عن السلف أن يؤمن المرأ به كما جاء ويجزيه على ظاهره، ولا يتعرض له، بتأويل وتفسير ولا تحريف ولا تمثيل ولا تعطيل، بل يكل علمه ويفوض كيفه إلى العليم الخبير. قال الترمذي في جامعه: قال أهل العلم من أهل السنة والجماعة: نؤمن بهذه الأحاديث ولا نتوهم فيها تشبيهاً، ولا نقول كيف هكذا. روى عن مالك وابن عيينة وابن المبارك وغيرهم أنهم قالوا: في هذه الأحاديث أمروها بلا كيف، وأنكرت الجهمية هذه الروايات - انتهى. (ثم يربيها) التربية كناية عن الزيادة أي يزيدها ويعظمها حتى تثقل في الميزان (لصاحبها) أي لصاحب الصدقة أو تلك التمرة
стр. 2805
كما يربي أحدكم فلوه، حتى تكون مثل الجبل)) . متفق عليه.
١٩٠٤ - (٢) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله
ــ
وفي رواية لصاحبه أي لصاحب المال، والأول أنسب بما قبلها (كما يربي أحدكم فلوه) بفتح الفاء وضم اللام وفتح الواو المشددة المهر، وهو ولد الفرس حين يفلي أي يفطم، وهو حينئذٍ يحتاج إلى تربية غير الأم. وقيل: هو كل فطيم من ذات حافر، والجمع أفلاء كعدو وأعداء، وقال أبوزيد: إذا فتحت الفاء شددت الواو، وإذا كسرتها سكنت اللام كجرو، وضرب به المثل لأنه يزيد زيادة بينة. فإن صاحب النتاج لا يزال يتعاهده ويتولى تربيته، ولأن الصدقة نتاج عمله وأحوج ما يكون النتاج إلى التربية إذا كان فطيماً، فإذا أحسن القيام والعناية به انتهى إلى حد الكمال وكذلك عمل ابن آدم لاسيما الصدقة التي يجاذبها الشح، ويتشبث بها الهوى ويقتفيها الرياء ويكدرها الطبع فلا تكاد تخلص إلى الله إلا موسومة بنقايص لا يجبرها إلا نظر الرحمن. فإذا تصدق العبد من كسب طيب مستعد للقبول فتح دونها باب الرحمة فلا يزال نظر الله يكسبها نعت الكمال ويوفيها حصة الثواب حتى ينتهي بالتضعيف إلى نصاب يقع المناسبة بينه وبين ما قدم من العمل، وقوع المناسبة بين التمرة والجبل كذا قال التوربشتي. (حتى تكون) بالتأنيث أي الصدقة أو ثوابها أو تلك التمرة (مثل الجبل) أي في الثقل وفي رواية لمسلم: حتى تكون أعظم من الجبل، ولابن جرير: حتى يوافي بها يوم القيامة وهي أعظم من أحد يعني التمرة، وهي عند الترمذي بلفظ: حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد. قال الحافظ: والظاهر إن المراد بعظمها إن عينها تعظم لتثقل في الميزان، ويحتمل أن يكون ذلك معبراً به عن ثوابها (متفق عليه) وأخرجه أحمد في عشرة مواضع والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة والبيهقي وأبوعوانة، ورواه مالك عن سعيد بن يسار مرسلاً لم يذكر أباهريرة.
١٩٠٤- قوله: (ما نقصت صدقة) "ما" نافية و "من" في قوله (من مال) زائدة أو تبعيضية أو بيانه أي ما نقصت صدقة مالاً أو بعض مال أو شيئاً من مال، بل تزيد إضعاف ما يعطي منه، بأن ينجبر نقص الصورة بالبركة الخفية أو بالعطية الجلية في الدنيا أو بالمثوبة العلية المرتبة عليه في الآخرة. (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً) يعني لو ظلم أحد أحداً، ويقدر المظلوم على الانتقام عن الظالم فيعفو عنه يزيد الله عزاه في الدنيا، بسبب هذا العفو. فإن من عرف بالعفو والصفح ساد وعظم في القلوب وزاد عزه وإكرامه. أو المراد يزيد عزه في الآخرة بأن يعظم ثوابة وأجره هناك، أو المراد في الدنيا والآخرة جميعاً (وما تواضع أحد لله) بأن أنزل نفسه
следующие страницы →