← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

١٩٠٠- (٢٧) وعن أبي هريرة، أن النبي ﷺ دخل على بلال، وعنده صبرة من تمر، فقال: ((ما هذا يا بلال؟ قال: شيء أدخرته لغد. فقال: أما تخشى أن ترى له غداً بخاراً في نار جهنم يوم القيامة. أنفق بلال! ولا تخش من ذي العرش إقلالاً)) . ١٩٠١- (٢٨) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((السخاء شجرة في الجنة، ــ أحمد بأسانيد ورجال أحدها الصحيح - انتهى. وروى الطبراني في الكبير نحوه من حديث سهل بن سعد بسند، رجاله ثقات ذكره الهيثمي (ج٣ ص١٢٤) والمنذري في باب الإنفاق والترهيب من الإمساك، وروى أحمد وأبويعلى نحواً من هذا من حديث أم سلمة ذكره الهيثمي في باب الإنفاق من الزهد. ١٩٠٠- قوله: (صبرة) بضم الصاد وسكون الموحدة أي تمر مجتمع كالكومة (ما هذا) أي التمر (إن ترى له) أي لهذا الشيء أو التمر (غداً) أي يوم القيامة (بخاراً في نار جهنم) أي أثراً يصل إليك فهو كناية عن قربة منها (يوم القيامة) أي جميع زمانها أو هو تأكيد لغد (أنفق بلال) أي يا بلال (ولا تخش من ذي العرش إقلالاً) أي فقراً أو إعداماً، وهذا أمر بتحصيل مقام الكمال، وإلا فقد جوز ادخار المال سنة للعيال، وكذا الضعفاء الأحوال. وما أحسن موقع ذي العرش في هذا المقام أي أتخشى أن يضيع مثلك من يدبر الأمر من السماء إلى الأرض قاله الطيبي. وقيل: إن هذا الحديث ونحوه كان في صدر الإسلام حين كان الادخار ممنوعاً ثم نسخ النهي وأبيح الادخار. وإنما دخل الدخيل على كثير من الناس لعدم علمهم بالنسخ كذا قاله السيوطي: والحديث نسبه المصنف إلى البيهقي كما سيأتي، وأخرجه أيضاً البزار وأبويعلى والطبراني في الكبير والأوسط. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠ ص ٢٤١) : والمنذري في الترغيب بإسناد حسن. وقال السيوطي. قال الحافظ ابن حجر في زوائد: إسناده حسن - انتهى. وروى نحوه من حديث ابن مسعود أخرجه البزار بإسناد حسن والطبراني في الكبير ذكره المنذري والهيثمي (ج٣ ص١٢٦ وج١٠ ص٢٤١) ومن حديث بلال أخرجه الطبراني في الكبير والبزار، وفي أسناديهما محمد بن الحسن بن زبالة وهو ضعيف، وللطبراني طريق آخر وفيه طلحة ابن زيد القرشي وهو أيضاً ضعيف. ومن حديث عائشة أخرجه الحكيم في نوارده والبيهقي في الشعب، ذكر طرق هذه الأحاديث السيوطي في اللآلي. وقال في هامش مجمع الزوائد: بسط الكلام على الحديث على الحديث ومخرجيه في كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على السنة الناس للعجلوني. ١٩٠١- قوله: (شجرة) أي كشجرة (في الجنة) لعله شبه السخاء بها في عظمها وكونها ذات أغصان وشعب كثيرة قاله الطيبي. قال القاري: ويمكن أن يكون صفة السخاء مصورة بشجرة في الجنة. قال الطيبي: جنس الشجرة الدنيوية نوعان: متعارف، وغير متعارف. وهي شجرة السخاء الثابت أصلها في الجنة وفرعها في الدنيا فمن أخذ

стр. 2802

فمن كان سخياً أخذ بغصن منها فلم يتركه الغصن حتى يدخله الجنة، والشح شجرة في النار، فمن كان شحيحاً أخذ بغصن منها، فلم يتركه حتى يدخله النار)) . رواهما البيهقي في شعب الإيمان. ١٩٠٢- (٢٩) وعن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((بادروا بالصدقة ــ بغصن منها في الدنيا أوصله إلى أصل الجنة في العقبى كما أشار بقوله (فمن كان سخياً) أي في علم الله أو في الدنيا (أخذ بغصن منها) أي بنوع من أنواع السخاء (فلم يتركه الغصن) أي ولو آخر الأمر (حتى يدخله الجنة والشح) أي البخل (حتى يدخله النار) أي أولاً. وقيل: معنى الحديث أي السخاء يدل على قوة الإيمان لاعتقاد إن الله تعالى ضمن الرزق فمن تمسك بهذا الأصل أوصله إلى الجنة. والبخل يدل على ضعف الإيمان لعدم وثوقه بضمان الرحمن، وذلك يجره إلى دار الهوان. وفي الحديث فضل السخاء والجود وذم البخل والشح (رواهما) أي هذا الحديث والذي قبله (البيهقي) قد تقدم الكلام على الحديث الأول ومن أخرجه، وأما هذا الحديث فأخرجه أيضاً ابن عدي، وفيه داود ابن الحصين روى عن الأعرج عن أبي هريرة. قال ابن الجوزي: داود حدث عن الثقات بما لا يشبه حديث الإثبات قلت: داود هذا من رجال الستة ثقة إلا في عكرمة، ورمى برأي الخوارج قيل والبلاء هنا ممن دونه. وللحديث شواهد، منها حديث الحسن أخرجه البيهقي من طريق سعيد بن مسلمة عن جعفر بن محمد عن جده مرفوعاً. قال ابن الجوزي: سعيد بن مسلمة الأموي ليس بشيء. قال السيوطي في التعقبات: قال البيهقي إسناده ضعيف وسعيد ابن مسلمة لم يتهم بكذب، بل قال البخاري ضعيف، ووثقه ابن عدي فقال: أرجو أنه ممن لا يترك حديثه، وقد أخرج له الترمذي وابن ماجه ومثل هذا يحسن حديثه إذا توبع، وداود بن الحصين وإن كان فيه كلام إلا أنه محدث مشهور، ووثقه الجمهور. وأخرج له الأئمة الستة وأكثر ما عيب عليه الابتداع، وأنكر ابن المديني وأبوداود أحاديثه عن عكرمة خاصة. قال أبوداود: أحاديثه عن عكرمة مناكير وأحاديثه عن شيوخه مستقيمة، فهذه الطريق على انفرادها جيدة، فكيف وطريق الحسن شاهدة لها. ومنها حديث أبي سعيد أخرجه الخطيب، وفيه محمد بن مسلمة وهو ضعيف جداً، ومنها حديث جابر أخرجه الخطيب وفيه عاصم بن عبد الله وهو ضعيف، وشيخه عبد العزيز بن خالد كذاب، ومنها حديث عائشة أخرجه ابن حبان وفيه إسماعيل بن عباد متروك، وشيخه الحسين ابن علوان وضاع. ومنها حديث عبد الله بن جراد أخرجه البيهقي والخطيب وابن عساكر. قال البيهقي: ضعيف الإسناد. ومنها حديث أنس أخرجه ابن عساكر. ومنها حديث معاوية أخرجه الديلمي ذكر هذه الأحاديث السيوطي في اللآلي (ج٢ ص٤٩- ٥٠) وبسط طرقها. ١٩٠٢- قوله: (بادروا) أي بالموت أو المرض أو غيركم (بالصدقة) أي بإعطائها للمستحقين وفي

стр. 2803

فإن البلاء لا يتخطاها)) رواه رزين. (٦) باب فضل الصدقة ﴿الفصل الأول﴾ ١٩٠٣- (١) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تصدق بعدل تمرة ــ مجمع الزوائد (ج٣ ص١١٠) والترغيب للمنذري واللآلي للسيوطي عزوا للطبراني. باكروا بالصدقة مكان بادروا أي سارعوا بها (فإن البلاء لا يتخطاها) أي لا يجاوزها يعني لا يلحق صاحبها. قال القاري: أي لا يتجاوزها بل يقف دونها أو يرجع عنها. قال الطيبي: تعليل للأمر بالمبادرة وهو تمثيل. قيل: جعلت الصدقة والبلاء كفرسي رهان، فأيهما سبق لم يلحقه الآخر ولم يخطه، والتخطي تفعل من الخطو- انتهى. قال الطيبي: والأولى إنه جعل الصدقة ستراً وحجاباً بين يدي المتصدق، ولا يتخطاها البلاء حتى يصل إليه (رواه رزين) قد تقدم إن هذا الحديث عزاه الهيثمي والمنذري والسيوطي للطبراني في الأوسط. قال الهيثمي: فيه عيسى بن عبد الله بن محمد وهو ضعيف. وقال المنذري: رواه الطبراني وذكره رزين في جامعه وليس في شيء من الأصول وكذا قال الشيخ محمد طاهر الفتني في تذكرة الموضوعات (ص٦٤) وللحديث طريق آخر أخرجه ابن أبي الدنيا وابن عدي وأبوالشيخ في الثواب، والبيهقي من حديث أنس. قال ابن الجوزي في موضوعاته فيه أبويوسف لا يعرف وبشر بن عبيد منكر الحديث وتعقبه السيوطي. فقال أبويوسف: هو القاضي المشهور صاحب أبي حنيفة، وبشر ابن عبيد ذكره ابن حبان في الثقات، وله شاهد من حديث على أخرجه الطبراني في الأوسط بسند ضعيف. وقال البيهقي في السنن الكبرى: (ج٤ ص١٨٩) بعد روايته من طريق يحيى بن سعيد عن المختار ابن فلفل عن أنس هذا موقوف، وكان في كتاب شيخنا أبي نصر أحمد علي الفامي مرفوعاً، وهو وهم وروى عن أبي يوسف القاضي عن المختار بن فلفل عن أنس مرفوعاً - انتهى. (باب فضل الصدقة) هي ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة، واجباً كان أو تطوعاً. سميت بذلك؛ لأنها تنبيء عن صدق رغبة صاحبها في مراتب الجنان أو تدل على تحقيق تصديق صاحبها في إظهار الإيمان. ١٩٠٣- قوله: (من تصدق بعد تمرة) بسكون الميم والعدل عند الجمهور بفتح العين المثل، وبالكسر الحمل بكسر الحاء أي بقيمة تمرة. وقال الفراء: العدل بالفتح المثل من غير جنسه، وبالكسر من جنسه. وقيل: بالعكس وقيل: بالفتح مثله في القيمة وبالكسر في النظر وأنكر البصريون هذه التفرقة. وقال الكسائي: هما بمعنى كما إن لفظ

стр. 2804

من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها ــ المثل لا يختلف وضبط في هذه الرواية للأكثر بالفتح قاله الحافظ (من كسب) أي صناعة أو تجارة أو زراعة أو غيرها ولو إرثاً وهبة. قال الحافظ: معنى الكسب المكسوب، والمراد به ما هو أعم من تعاطى التكسب أو حصول المكسوب بغير تعاط كالميراث، وكأنه ذكر الكسب لكونه الغالب في تحصيل المال (طيب) أي حلال، وقد يطلق على المستلذ بالطبع، والمراد هنا هو الحلال. وقال القرطبي: أصل الطيب المستلذ بالطبع، ثم أطلق على المطلق بالشرع وهو الحلال (ولا يقبل الله إلا الطيب) جملة معترضة بين الشرط والجزاء لتقرير ما قبله، وفيه دليل على أن غير الحلال مقبول. قال السندي: هذه جملة معترضة لبيان أنه لا ثواب في غير الطيب لا أن ثوابه دون هذا الثواب إذ قد يتوهم من التقييد إنه شرط لهذا الثواب بخصوصه، لا لمطلق الثواب، فمطلق الثواب يكون بدونه أيضاً فذكرت هذه الجملة دفعاً لهذا التوهم، ومعنى عدم قبوله إنه لا يثيب عليه ولا يرضى به انتهى. قال القرطبي: وإنما لا يقبل الله الصدقة بالحرام؛ لأنه غير مملوك للمصدق وهو ممنوع من التصرف فيه، والمتصدق به متصرف فيه. فلو قبل منه لزم أن يكون الشيء مأموراً ومنهياً من وجه واحد، وهو محال - انتهى. (فإن الله يتقبلها بيمينه) قيل: هو كناية عن حسن القبول ووقوعها منه عزوجل موقع الرضا، وذكر اليمين للتشريف والتعظيم وكلتا يدي الرحمن يمين. قال المازري: هذا الحديث وشبهه إنما عبر به على ما اعتادوا في خطابهم ليفهموا عنه فكنى عن قبول الصدقة بأخذها باليمين وعن تضعيف أجرها بالتربية. وقال عياض: لما كان الشيء الذي يرتضي ويعز يتلقى باليمين ويؤخذ بها استعمل في مثل هذا واستعير للقبول والرضا كما قال الشاعر: إذا ما رأية رفعت لمجد تلقاه عرابة باليمين وقال الزين بن المنير: الكناية عن الرضا والقبول بالتلقي باليمين لتثبيت المعاني المعقولة من الأذهان، وتحقيقها في النفوس تحقيق المحسوسات أي لا يتشكك في القبول كما لا يتشكك من عاين التلقي للشيء بيمينه، لا أن التناول كالتناول المعهود ولا أن المتناول به جارحة - انتهى. قلت: الحق في هذا وأمثاله من أحاديث الصفات هو ما روى عن السلف أن يؤمن المرأ به كما جاء ويجزيه على ظاهره، ولا يتعرض له، بتأويل وتفسير ولا تحريف ولا تمثيل ولا تعطيل، بل يكل علمه ويفوض كيفه إلى العليم الخبير. قال الترمذي في جامعه: قال أهل العلم من أهل السنة والجماعة: نؤمن بهذه الأحاديث ولا نتوهم فيها تشبيهاً، ولا نقول كيف هكذا. روى عن مالك وابن عيينة وابن المبارك وغيرهم أنهم قالوا: في هذه الأحاديث أمروها بلا كيف، وأنكرت الجهمية هذه الروايات - انتهى. (ثم يربيها) التربية كناية عن الزيادة أي يزيدها ويعظمها حتى تثقل في الميزان (لصاحبها) أي لصاحب الصدقة أو تلك التمرة

стр. 2805

كما يربي أحدكم فلوه، حتى تكون مثل الجبل)) . متفق عليه. ١٩٠٤ - (٢) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله ــ وفي رواية لصاحبه أي لصاحب المال، والأول أنسب بما قبلها (كما يربي أحدكم فلوه) بفتح الفاء وضم اللام وفتح الواو المشددة المهر، وهو ولد الفرس حين يفلي أي يفطم، وهو حينئذٍ يحتاج إلى تربية غير الأم. وقيل: هو كل فطيم من ذات حافر، والجمع أفلاء كعدو وأعداء، وقال أبوزيد: إذا فتحت الفاء شددت الواو، وإذا كسرتها سكنت اللام كجرو، وضرب به المثل لأنه يزيد زيادة بينة. فإن صاحب النتاج لا يزال يتعاهده ويتولى تربيته، ولأن الصدقة نتاج عمله وأحوج ما يكون النتاج إلى التربية إذا كان فطيماً، فإذا أحسن القيام والعناية به انتهى إلى حد الكمال وكذلك عمل ابن آدم لاسيما الصدقة التي يجاذبها الشح، ويتشبث بها الهوى ويقتفيها الرياء ويكدرها الطبع فلا تكاد تخلص إلى الله إلا موسومة بنقايص لا يجبرها إلا نظر الرحمن. فإذا تصدق العبد من كسب طيب مستعد للقبول فتح دونها باب الرحمة فلا يزال نظر الله يكسبها نعت الكمال ويوفيها حصة الثواب حتى ينتهي بالتضعيف إلى نصاب يقع المناسبة بينه وبين ما قدم من العمل، وقوع المناسبة بين التمرة والجبل كذا قال التوربشتي. (حتى تكون) بالتأنيث أي الصدقة أو ثوابها أو تلك التمرة (مثل الجبل) أي في الثقل وفي رواية لمسلم: حتى تكون أعظم من الجبل، ولابن جرير: حتى يوافي بها يوم القيامة وهي أعظم من أحد يعني التمرة، وهي عند الترمذي بلفظ: حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد. قال الحافظ: والظاهر إن المراد بعظمها إن عينها تعظم لتثقل في الميزان، ويحتمل أن يكون ذلك معبراً به عن ثوابها (متفق عليه) وأخرجه أحمد في عشرة مواضع والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة والبيهقي وأبوعوانة، ورواه مالك عن سعيد بن يسار مرسلاً لم يذكر أباهريرة. ١٩٠٤- قوله: (ما نقصت صدقة) "ما" نافية و "من" في قوله (من مال) زائدة أو تبعيضية أو بيانه أي ما نقصت صدقة مالاً أو بعض مال أو شيئاً من مال، بل تزيد إضعاف ما يعطي منه، بأن ينجبر نقص الصورة بالبركة الخفية أو بالعطية الجلية في الدنيا أو بالمثوبة العلية المرتبة عليه في الآخرة. (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً) يعني لو ظلم أحد أحداً، ويقدر المظلوم على الانتقام عن الظالم فيعفو عنه يزيد الله عزاه في الدنيا، بسبب هذا العفو. فإن من عرف بالعفو والصفح ساد وعظم في القلوب وزاد عزه وإكرامه. أو المراد يزيد عزه في الآخرة بأن يعظم ثوابة وأجره هناك، أو المراد في الدنيا والآخرة جميعاً (وما تواضع أحد لله) بأن أنزل نفسه

стр. 2806

إلا رفعه الله)) . رواه مسلم. ١٩٠٥ - (٣) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله، دعي من أبواب الجنة، ــ عن مرتبة يستحقها لرجاء التقرب إلى الله دون غرض غيره (إلا رفعه الله) أما في الدنيا بأن يثبت له بتواضعه في القلوب منزلة، ويرفعه عند الناس ويجل مكانه أو في الآخرة بأن يرفع درجته وثوابه فيها بتواضعه في الدنيا أو المراد رفعه في الدنيا والآخرة جميعاً. قال الطيبي: من جبلة الإنسان الشح ومتابعة السبعية من إيثار الغضب والانتقام والاسترسال في الكبر الذي هو من نتائج الشيطانية، فأراد الله تعالى أن يقلعها من سنخها فحث أولاً على الصدقة ليتحلى بالسخاء والكرم، وثانياً على العفو ليتعزز بعزم الحلم والوقار، وثالثاً على التواضع ليرفع درجته في الدارين - انتهى. (رواه مسلم) في البر والصلة والأدب وأخرجه أيضاً أحمد (ج٢ ص٢٣٥) والترمذي في البر والصلة، والبيهقي في الزكاة وأخرجه مالك مرسلاً. ١٩٠٥- قوله: (من أنفق زوجين) أي شيئين (من شيء من الأشياء) أي من أي صنف من أصناف المال من نوع واحد، وقد جاء مفسراً مرفوعاً بعيرين شاتين حمارين درهمين. قال الحافظ: الزوج يطلق على الواحد وعلى الاثنين وهو ههنا على الواحد جزماً. وقال في مجمع البحار: الزوج خلاف الفرد، وأراد أن يشفع كل ما يشفع من شيء بمثله إن كان دراهم فدرهمين أو دنانير فدينارين وكذا سلاحاً وغيره. قيل: ويحتمل أن يراد ي به تكرار الإنفاق مرة بعد مرة ففسر الإنفاق بما ينفقه، لأنه إذا أنفق درهماً في سبيل الله ثم عاد فأنفق آخر يصير زوجين. ومعنى كلام الإنفاق بعد الإنفاق أي يتعود ذلك ويتخذه دأباً. وقال القاضي قال الهروي: في تفسير هذا الحديث قيل: وما زوجان قال: فرسان أو عبدان أو بعيران. وقال ابن عرفة: كل شيء قرن بصاحبه فهو زوج يقال: زوجت بين الإبل إذا قرنت بعيراً ببعير. وقيل: درهم ودينار أو درهم وثوب. قال: والزوج يقع على الإثنين ويقع على الواحد وقيل: إنما يقع على الواحد إذا كان معه آخر، ويقع الزوج أيضاً على الصنف. وفسر بقوله تعالى: ﴿وكنتم أزواجاً ثلاثة﴾ [الواقعة: ٧] والمطلوب تشفيع صدقة بأخرى والتنبيه على فضل الصدقة والنفقة في الطاعة الاستكثار منها وقال ابن الأثير: الأصل في الزوج الصنف والنوع من كل شيء، وكل شيئين مقترنين شكلين كانا أو صنفين فهما زوجان، وكل واحد منهما زوج، يريد من أنفق صنفين من ماله في سبيل الله (في سبيل الله) أي في طلب ثواب الله، وهو أعم من الجهاد وغيره من العبادات. وقيل: المراد به الجهاد خاصة وأول أصح وأظهر كذا قال القاضي عياض. (دعي) بضم الدال أي نودي، وقد ورد بيان الداعي من وجه آخر ولفظه دعاه خزنة الجنة، كل خزنة باب أي قل هلم أي خزنة كل باب فهو من المقلوب (من أبواب الجنة) كذا في جميع

стр. 2807

وللجنة أبواب، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ــ النسخ مقتصراً عليه، وهكذا وقع في المصابيح. وفي الصحيحين بعد هذا يا عبد الله! هذا خير. قيل معناه: لك هنا خير وثواب وغبطة. وقيل: معناه هذا الباب فيما نعتقده خير لك من غيره من الأبواب لكثرة ثوابه ونعيمه فتعال فادخل منه ولابد من تقدير ما ذكرناه إن كل مناد يعتقد ذلك الباب أفضل من غيره قاله النووي. وقال الحافظ: قوله هذا خير ليس اسم التفضيل بل المعنى هذا أخير من الخيرات والتنوين فيه للتعظيم وبه تظهر الفائدة، يعني إن لفظ "خير" بمعنى فاضل لا بمعنى أفضل، وإن كان اللفظ قد يوهم ذلك ففائدته ترغيب السامع في طلب الدخول من ذلك الباب (وللجنة أبواب) أي ثمانية كما في الأحاديث الصحيحة (فمن كان من أهل الصلاة) أي المؤدين للفرائض المكثرين من النوافل وكذا ما يأتي فيما بعد (دعي من باب الصلاة) أي قيل يا عبد الله! أدخل الجنة من هذا الباب. قال الحافظ: ومعنى الحديث إن كان عامل يدعى من باب ذلك العمل وقد جاء ذلك صريحاً من وجه آخر، عن أبي هريرة لكل عامل باب من أبواب الجنة يدعى منه بذلك العمل. أخرجه أحمد وابن أبي شيبة بإسناد صحيح - انتهى. والحاصل إن من أكثر نوعاً من العبادة خص بباب يناسبها ينادي منها جزاء وفاقاً. وقال السندي: في حاشية مسلم قوله: فمن كان من أهل الصلاة الخ الظاهر من هذه الرواية إن من أنفق زوجين ينادي في الجنة من باب واحد، وهو الباب الذي غلب على المنفق عمل أهله، ففائدة الإنفاق هو تكريمه بالمناداة وإلا فهو يدخل الجنة من ذلك الباب بناء على أنه من أهله، وهذا هو الذي عليه التفضيل، وهو قوله: "فمن كان من أهل الصلاة" الخ وهو الذي يوافقه سؤال أبي بكر ﵁ على الوجه المذكور في هذه الرواية. وأما حمل قوله: نودي على النداء من جميع الأبواب، وجعل قوله: فمن كان من أهل الصلاة الخ منقطعاً عن ذكر المنفق زوجين، بل هو بيان لأبواب الجنة وأهليها فذاك بعيد جداً في نفسه، ومع ذلك لا يناسبه سؤال أبي بكر على الوجه المذكور في هذه الرواية إلا أن يتكلف فيه. ويقال معنى وهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها أي غير المنفق زوجين، وهو مع بعده يستلزم بمقتضى قوله ﷺ : وأرجو أن تكون منهم، إن أبابكر ليس من المنفقين زوجين بل من غيرهم، فوجب حمل هذه الرواية على المناداة من باب واحد وحينئذٍ يظهر التنافي بحسب الظاهر بين هذه الرواية وبين الآية (يعني حديث أبي هريرة عند الشيخين بلفظ: من أنفق زوجين في سبيل الله دعاه خزنة الجنة كل خزنة باب أي قل هلم: فقال أبوبكر: يا رسول الله! ذاك الذي لا توى عليه، قال رسول الله ﷺ : إني لأرجو أن تكون منهم) فإنها تفيد إن المناداة من جميع الأبواب، وتفيد إن أبابكر ما سأل إن أحداً ينادي من تمام الأبواب أو لا، بل مدح الذي ينادي من تمام الأبواب. وهذه الرواية تخالف تلك في الأمرين كما لا يخفي فالخلاف إما لسهو وقع من بعض الرواة وهو الظاهر

стр. 2808

ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، فقال أبوبكر: ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، ــ في مثل هذا، وإما لحمله على أنهما واقعتان في المجلسين أنه ﷺ أوحي إليه أولاً بالمناداة من باب واحد، وثانياً بالمناداة من تمام الأبواب فأخبر في كل مجلس بما أوحي إليه، وسأل أبوبكر في المجلس الأول عمن ينادي من تمام الأبواب، وفي المجلس مدح ذلك المنادي على ما اللائق بكل مجلس، وبشره النبي ﷺ في المجلسين بأن ينادي من تلك الأبواب والله تعالى أعلم بالصواب - انتهى كلام السندي. (ومن كان من أهل الجهاد) أي ممن يغلب عليه الجهاد (ومن كان من أهل الصدقة) أي المكثرين منها (ومن كان من أهل الصيام) أي الذي الغالب عليه الصيام، وإلا فكل المؤمنين أهل للكل (دعي من باب الريان) بفتح الراء وتشديد التحتانية، وزن فعلان. من الري. اسم علم لباب من أبواب الجنة يختص بدخول الصائمين منه، وهو مما وقعت المناسبة فيه بين لفظه ومعناه، لأنه مشتق من الري وهو مناسب لحال الصائمين، لأنهم بتعطيشهم أنفسهم في الدنيا يدخلون من باب الريان ليأمنوا من العطش. قال الحافظ: وقع في الحديث ذكر أربعة أبواب من أبواب الجنة وقد ثبت إن أبواب الجنة ثمانية وبقي من الأركان الحج فله باب بلا شك. وأما الثلاثة الأخرى فمنها، باب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس. رواه أحمد بن حنبل عن أشعث عن الحسن مرسلاً: إن لله باباً في الجنة لا يدخله إلا من عفا عن مظلمة. ومنها الباب الأيمن وهو باب المتوكلين الذي يدخل منه من لا حساب عليه ولا عذاب. وأما الثالث فلعله باب الذكر عند الترمذي ما يؤميء إليه، ويحتمل أن يكون باب العلم، ويحتمل أن يكون المراد بالأبواب التي يدعي منها أبواب من داخل أبواب الجنة الأصلية، لأن الأعمال الصالحة أكثر عدداً من ثمانية - انتهى. وقال القاضي: قد جاء ذكر بقية أبواب الجنة الثمانية في حديث آخر في باب التوبة وباب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، وباب الراضين. فهذه سبعة أبواب جاءت في الأحاديث وجاء في حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب إنهم يدخلون من الباب الأيمن فلعله باب الثامن - انتهى. وروى الحاكم بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ إن للجنة باباً يقال له باب الضحى، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الذين كانوا يدامون على صلاة الضحى، هذا بابكم فادخلوه برحمة الله، ذكره ابن القيم في زاد المعاد (ج١ ص٩٣) (ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة) بفتح الضاد وكلمة "ما" للنفي و "من" زائدة وهي اسم "ما" أي ليس ضرورة واحتياج على من دعي من باب واحد من تلك الأبواب إن لم يدع من سائرها لحصول

стр. 2809

فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم)) . ــ المقصود وهو دخول الجنة، وهذا نوع تمهيد قاعدة السؤال في قوله (فهل يدعي أحد من تلك الأبواب كلها) أي سألت عن ذلك بعد معرفتي بأن لا ضرورة ولا احتياج لمن يدعي من باب واحد إلى الدعاء من سائر الأبواب إذ يحصل مراده بدخول الجنة (قال نعم) أي يكون جماعة يدعون من جميع تلك الأبواب تعظيماً وتكريماً لهم لكثرة صلاتهم وجهادهم وصيامهم وغير ذلك من أبواب الخير. قال الحافظ: في الحديث إشعار بقلة من يدعي من تلك الأبواب كلها، وفيه إشارة إلى أن المراد ما يتطوع به من الأعمال المذكورة لا واجباتها، لكثرة من يجتمع له العمل بالواجبات كلها بخلاف التطوعات فقل من يجتمع له العمل بجميع أنواع التطوعات. ثم من يجتمع له ذلك إنما يدعي من جميع الأبواب على سبيل التكريم له، وإلا فدخوله إنما يكون من باب واحد وهو باب العمل الذي يكون أغلب عليه والله أعلم. وأما ما أخرجه مسلم عن عمر من توضأ ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله - الحديث. وفيه فتحت له أبواب الجنة يدخل من أيها شاء فلا ينافي ما تقدم، وإن كان ظاهره إنه يعارضه؛ لأنه يحمل على أنها تفتح له على التكريم ثم عند دخوله لا يدخل إلا من باب العمل الذي يكون أغلب عليه كما تقدم - انتهى. (وأرجو أن تكون منهم) الرجاء من الله ومن نبيه ﷺ واقع محقق ففيه إن الصديق من أهل هذه الأعمال كلها، ووقع في حديث ابن عباس عند ابن حبان في نحو هذا الحديث التصريح بالوقوع لأبي بكر ولفظه: قال أجل وأنت هو يا أبابكر: أي لأنه ﵁ كان جامعاً لهذه الخيرات كلها. أما التعبير بعنوان الرجاء في حديث الباب فقيل: إنه خرج مخرج الأدب مع الله تعالى إذ لا يجب عليه سبحانه شيء وهو سبحانه أكرم من أن يخلف رجاء رسول الله ﷺ . تنبيه الإنفاق في الصلاة والجهاد والعلم والحج ظاهر. وأما الإنفاق في غيرها فمشكل، ويمكن أن يكون المراد بالإنفاق في الصلاة فيما يتعلق بوسائلها من تحصيل آلاتها من طهارة وتطهير ثوب وبدن ومكان. والإنفاق في الصيام بما يقويه على فعله وخلوص القصد فيه. والإنفاق في العفو عن الناس يمكن أن يقع بترك ما يجب له من حق والإنفاق في التوكل بما ينفقه على نفسه في مرضه المانع له من التصرف في طلب المعاش مع الصبر على المعصية، أو ينفق على من أصابه مثل ذلك طلباً للثواب. والإنفاق في الذكر على نحو من ذلك. وقيل: المراد بالإنفاق في الصلاة والصيام بذل النفس والبدن فيهما فإن العرب تسمى ما يبذله المرأ من نفسه نفقة. كما يقال أنفقت في طلب العلم عمري وبذلت فيه نفسي، وهذا معنى حسن، وأبعد من قال المراد بقوله زوجين النفس والمال لأن المال في الصلاة والصيام ونحوهما ليس بظاهر إلا بالتأويل المتقدم وكذلك من قال النفقة في الصيام تقع بتفطير الصائم والإنفاق عليه، لأن ذلك يرجع إلى باب الصدقة كذا في

стр. 2810

متفق عليه. ١٩٠٦- (٤) وعنه، قال رسول الله ﷺ : ((من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبوبكر: أنا. قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبوبكر: أنا. قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبوبكر: أنا. قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبوبكر: أنا. فقال رسول الله ﷺ ما اجتمعن في امرء إلا دخل الجنة)) . رواه مسلم. ١٩٠٧- (٥) وعنه، قال رسول الله ﷺ : ((يا نساء المسلمات ــ الفتح: (متفق عليه) أخرجه البخاري في الصيام وفي فضائل أبي بكر، وأخرجه في الجهاد وبدء الخلق مختصراً. وأخرجه مسلم في الزكاة وأخرجه أيضاً أحمد (ج٢ ص٢٦٨) ومالك والنسائي في الجهاد والترمذي في مناقب أبي بكر. ١٩٠٦ – قوله: (من أصبح منكم اليوم صائماً) من استفهامية "وأصبح" بمعنى صار وخبره "صائماً" أو بمعنى دخل في الصباح فتكون تامة، وصائماً حال من ضميره (قال أبو بكر أنا) قال الطيبي: ذكر "أنا" هنا للتعيين في الأخبار لا للاعتداء بنفسه كما يذكر في مقام المفاخرة، وهذا هو الذي كرهه الصوفية، وقد ورد: ﴿قل إنما أنا بشرٌ مثلكم﴾ [الكهف:١١٠] وما أنا من المتكلفين إلى غير ذلك وأما رده ﵊ على جابر حيث أجاب بعد دق الباب بأنا، قائلاً أنا، أنا فلعدم العتيين في مقام الأخبار يعني سبب كراهة له الاقتصار عليه المؤدي إلى عدم تعريفه نفسه، ثم لو عرفه بصوته لما استفهمه. (ما اجتمن) أي ما وجدت هذه الخصال الأربعة وحصلت في يوم واحد (في امريء إلا دخل الجنة) أي بلا محاسبة وإلا فمجرد الإيمان يكفي لمطلق الدخول، أو معناه دخل الجنة من أي باب شاء كما تقدم والله تعالى أعلم. (رواه مسلم) في الزكاة وأخرجه أيضاً ابن خزيمة كما في الترغيب والبيهقي في الزكاة. ١٩٠٧- قوله: (يا نساء المسلمات) قال عياض: في إعرابه ثلاثة أوجه أصححها وأشهرها نصب النساء وجر المسلمات على الإضافة وهي رواية المشارقة من إضافة الشيء إلى صفته كمسجد الجامع، وهو عند الكوفيين جائزة على ظاهره. وعند البصريين يقدرون فيه موصوفاً أي مسجد المكان الجامع، وتقدر هنا يا نساء الأنفس المسلمات أو الجماعات المسلمات. وقال السهيلي: وغيره جاء برفع الهمزة على أنه منادى مفرد ويجوز في المسلمات الرفع صفة على اللفظ على معنى يا أيها النساء المسلمات، والنصب صفة على الموضع كما يقال يا زيد العاقل برفع زيد ونصب

стр. 2811

لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شأة)) متفق عليه. ١٩٠٨-١٩٠٩- (٦-٧) وعن جابر وحذيفة، قالا: قال رسول الله ﷺ : ((كل معروف صدقة)) ــ العاقل، وكسر التاء هنا علامة النصب. وروى بنصب الهمزة على أنه منادى مضاف وكسر التاء للخفض بالإضافة كقولهم مسجد الجامع وهو مما أضيف فيه الموصوف إلى الصفة في اللفظ فالبصريون يتأولونه على حذف الموصوف وإقامة صفته مقامه نحو يا نساء الأنفس المسلمات أو يا نساء الطوائف المؤمنات، أي لا الكافرات. وقيل: تقديره يا فاضلات المسلمات كما يقال هؤلاء رجال القوم أي أفاضلهم. والكوفيون يدعون أن لا حذف فيه ويكتفون باختلاف الألفاظ في المغايرة. (لا تحقرن) بفتح حرف المضارعة وكسر القاف وبالنون الثقيلة أي لا تستحقرن إهداء شيء (جارة) مؤنث الجار (لجارتها) متعلق بمحذوف أي لا تحقرن جارة هدية مهداة لجارتها (ولو فرسن شأة) بكسر الفاء والسين المهملة بينهما راء ساكنة وآخره نون هو عظم قليل اللحم، وهو للبعير موضع الحافر للفرس. ويطلق على الشاة مجازاً ونونه زائدة. وقيل: أصلية وأشير بذلك إلى المبالغة في إهداء الشيء اليسير وقبوله لا إلى حقيقة الفرسن، لأنه لم يجر العادة بإهداءه أي لا تمتنع جارة من الهدية لجارتها لاستقلالها وإحتقارها الموجود عندها، بل ينبغي أن تجود لها بما تيسر، وإن كان قليلاً فهو خير من العدم، وذكر الفرسن على سبيل المبالغة. ويحتمل أن يكون النهى للمهدي إليها وإنها لا تحتقر ما يهدى إليها ولو كان قليلاً، وحمله على الأعم من ذلك أولى. قال الطيبي: ويمكن أن يقال هو من باب النهى عن الشيء والأمر بضده وهو كناية عن التحابب والتوادد، كأنه قيل: لتحاب جارة جارتها بإرسال هدية ولو كانت حقيرة، ويتساوى فيه الفقير والغنى. وخص النهى بالنساء، لأنهن موارد الشنأن والمحبة ولأنهن أسرع إنفعالاً في كل منهما. وفي الحديث الحض على التهادي ولو باليسير لما فيه من استجلاب المودة وإذهاب الشحناء، ولما فيه من التعاون على أمر المعيشة والهدية إذا كانت يسيرة فهي أول على المحبة وأسقط للمؤنة وأسهل على المهدي لاطراح التكلف والكثير قد لا يتيسر كل وقت والمواصلة باليسير تكون كالكثير. وفي حديث عائشة يا نساء المؤمنين! تهادوا ولو فرسن شأة فإنه ينبت المودة ويذهب الضغائن (متفق عليه) أخرجه البخاري في أول الهبة وفي الأدب ومسلم في الزكاة، وأخرجه أيضاً أحمد في مواضع منها في (ج٢:ص٢٦٤-٣٠٧) والترمذي في الهبة. ١٩٠٨-١٩٠٩- قوله: (كل معروف صدقة) أي له حكمها في الثواب يعني ثوابه كثواب الصدقة بالمال، قال الراغب: المعروف اسم كل فعل يعرف حسنه بالشرع والعقل معاً، ويطلق على الاقتصاد لثبوت النهى عن

стр. 2812

متفق عليه ١٩١٠- (٨) وعن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق)) . رواه مسلم. ١٩١١- (٩) وعن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((على كل مسلم صدقة، ــ السرف. وقال ابن أبي جمرة: يطلق اسم المعروف على ما عرف بأدلة الشرع إنه من أعمال البر سواء جرت به العادة أم لا. قال: والمراد بالصدقة الثواب فإن قارنته النية أجر صاحبه جزماً وإلا ففيه احتمال. قال: وفي هذا الكلام إشارة إلى أن الصدقة لا تنحصر في الأمر المحسوس منه فلا تختص بأهل اليسار مثلاً، بل كل واحد قادر على أن يفعلها في أكثر الأحوال بغير مشقة. وقال ابن بطال: دل هذا الحديث على أن كل شيء يفعله المرأ أو يقوله من الخير يكتب له به صدقة، وقد فسر ذلك في حديث أبي موسى الأشعري المذكور بعد حديث أبي ذر، وزاد عليه إن الإمساك عن الشر صدقة وفي الحديث بيان إن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، وفيه إنه لا يحتقر شيئاً من المعروف وإنه ينبغي أن لا يبخل به بل ينبغي أن يحضره (متفق عليه) ظاهره يقتضى إلا كلاً من البخاري ومسلم أخرجه من حديث جابر، وحذيفة معاً. وليس كذلك فقد أخرجه البخاري في الهبة من حديث جابر ومسلم في الزكاة من حديث حذيفة، فحديث جابر من أفراد البخاري، وحديث حذيفة من أفراد مسلم. وأصل الحديث مع قطع النظر عن الروايتين متفق عليه. وأخرجه أبوداود في الأدب والبيهقي في الزكاة من حديث حذيفة. وأخرجه أحمد والترمذي في البر والصلة من حديث جابر مثله وزاد في آخره. ومن المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وإن تفرغ من دلوك في إناء أخيك، وأخرجه أيضاً الدارقطني والحاكم من حديث جابر، وزاد وما انفق الرجل على أهله كتب له به صدقة وما وقى به المرأ عرضه فهو صدقة، ذكره الحافظ في الفتح. ١٩١٠- قوله: (لا تحقرن) أي أنت يا أباذر (من المعروف) تقدم بيان معناه (شيئاً ولو إن تلقى أخاك بوجه طليق) الوجه الطليق الذي فيه بشاشة وفرح أي إفعل الخيرات كلها قليلها وكثيرها، ومن الخيرات أن يكون وجهك ذابشاشة وفرح إذا رأيت مسلماً، فإنه يوصل إلى قلبه سروراً إذا تركت العبوس وتطلقت عليه ولا شك إن إيصال السرور إلى قلوب المسلمين حسنه، وقوله "طليق" كذا وقع في جميع النسخ الحاضرة وهكذا في المصابيح ووقع في نسخ مسلم طلق أي بحذف الياء. قال النووي روى طلق على ثلاثة أوجه إسكان اللام وكسرها وطليق بزيادة ياء ومعناه سهل منبسط وفيه الحث على فعل المعروف وما تيسر منه وإن قل حتى طلاقه الوجه عند اللقاء (رواه مسلم) في البر والصلة وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥:ص١٧٣) والبيهقي (ج٤:ص١٨٨) . ١٩١١- قوله: (على كل مسلم صدقة) أي كل يوم كما في حديث أبي هريرة الآتي والمراد على سبيل

стр. 2813

قالوا: فإن لم يجد؟ قال: فليعمل بيديه فينفع نفسه، ويتصدق. قالوا: فإن لم يستطع أو لم يفعل؟ قال: فيعين ذا الحاجة الملهوف، قالوا: فإن لم يفعله؟ قال: فيأمر بالخير. ــ الاستحباب المتأكد ولا حق في المال سوى الزكاة إلا على سبيل الندب ومكارم الأخلاق كما قاله الجمهور ذكره القسطلاني. وقال النووي: قال العلماء المراد صدقة ندب وترغيب لا إيجاب وإلزام. وقال الحافظ: قوله على كل مسلم صدقة أي على سبيل الاستحباب المتأكد أو على ما هو أعم من ذلك. والعبارة صالحة للإيجاب والاستحباب كقوله ﵇ "على المسلم ست خصال" فذكر منها ما هو مستحب إنفاقاً. كذا قال في الزكاة وقال في الأدب: قوله على كل مسلم صدقة أي في مكارم الأخلاق، وليس ذلك بفرض إجماعاً. قال ابن بطال: وأصل الصدقة ما يخرجه المرأ من ماله متطوعاً به، وقد يطلق على الواجب لتحرى صاحبه الصدق بفعله: ويقال: لكل ما يحابى به المرأ من حقه صدقة، لأنه تصدق بذلك على نفسه. (قالوا فإن لم يجد) أي ما يتصدق به كأنهم فهموا من لفظ الصدقة العطية فسألوا عمن ليس عنده شيء، فبين لهم أن المراد بالصدقة ما هو أعم من ذلك ولو بإغاثة الملهوف والأمر بالمعروف، وهل تلتحق هذه الصدقة؟ بصدقة التطوع التي تحسب يوم القيامة من الفرض الذي أخل به. فيه نظر، الذي يظهر أنها غيرها لما تبين من حديث عائشة الآتي إنها شرعت بسبب عتق المفاصل، حيث قال في آخر هذا الحديث فإنه يمسى يومئذ. وقد زحزح نفسه عن النار قاله الحافظ (فليعمل) كذا في جميع النسخ الحاضرة والذي في البخاري في الزكاة يعمل وفي الأدب فيعمل وفي مسلم يعتمل (بيديه) بالتثنية (فينفع نفسه) بما يكسبه من صناعة وتجارة ونحوهما بإنفاقه عليها، ومن تلزمه نفقته ويستغنى بذلك عن السؤال لغيره (ويتصدق) فينفع غيره ويؤجر. قال القسطلاني: وقوله فيعمل فينفع ويتصدق، بالرفع في الثلاثة خبر بمعنى الأمر قاله ابن مالك قال ابن بطال: فيه التنبيه على العمل والتكسب ليجد المرأ ما ينفق على نفسه ويتصدق به ويغنيه عن ذل السؤال، وفيه الحث على فعل الخير مهما أمكن وإن من قصد شيئاً منها فتعسر فلينتقل إلى غيره (فإن لم يستطع) أي بأن عجز عن العمل (أو لم يفعل) ذلك عجزاً أو كسلاً والشك من الراوي (فيعين) أي بالفعل أو بالقول أو بهما (ذاالحاجة الملهوف) بالنصب صفة لذا الحاجة المنصوب على المفعولية، والملهوف، عند أهل اللغة يطلق على المتحسر وعلى المضطر وعلى المظلوم. يقال: لهف بكسر الهاء يلهف بفتحها لهفاً بإسكانها أي حزن وتحسر، وكذلك التلهف ذكره النووي. وقال الحافظ: الملهوف، المستغيث وأعم من أن يكون مظلوماً أو عاجزاً. وقيل: هو المكروب المحتاج (فإن لم يفعله) أي عجزاً أو كسلاً، وفي البخاري فإن لم يفعل. أي يحذف الضمير المنصوب (فيأمر بالخير) وهو يشمل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والإفادة العلمية والنصيحة العملية وفي البخاري في الأدب فيأمر بالخير أو قال بالمعروف، وفي مسلم يأمر بالمعروف أو الخير، وهذا شك من الراوي، وللبخاري في الزكاة فليعمل بالمعروف.

стр. 2814

قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: فيمسك عن الشر، فإنه له صدقة)) . متفق عليه. ١٩١٢- (١٠) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((كل سلامي ــ وزاد أبوداود الطيالسي في مسنده وينهى عن المنكر (فيمسك عن الشر) وفي رواية فليمسك أي نفسه أو الناس (فإنه) أي الإمساك عن الشر (له) أي للمسك (صدقة) أي على نفسه لأنه إذا أمسك عن الشر لله تعالى كان له أجر على ذلك كالتصدق بالمال. وحاصل الحديث إن الشفقة على خلق الله متأكدة وهي إما بمال حاصل، وهو الشق الأول: أو بمقدور التحصيل. وهو الثاني: أو بغير مال وهو إما فعل وهو الإعانة والإغاثة أو ترك وهو الإمساك عن الشر. لكن قال الزين بن المنير: إن حصول ذلك للمسك إنما يكون مع نية القربة به بخلاف محض الترك، وقضية الحديث ترتيب الأمور الأربعة وليس مراداً، وإنما هو للتسهيل على من عجز عن واحد منها، وإلا فمن أمكنه فعل جميعها أو عدد منها معاً فليفعل. ومقصود الحديث إن إعمال الخير تنزل منزل الصدقات في الأجر ولاسيما في حق من لا يقدر عليها ويفهم منه إن الصدقة في حق القادر عليها أفضل من الأعمال القاصرة. وقال ابن أبي جمرة: ترتيب هذا الحديث إنه ندب إلى الصدقة وعند العجز عنها ندب إلى ما يقرب منها، أو يقوم مقامها وهو العمل ولانتفاع، وعند العجز عن ذلك ندب إلى ما يقوم مقامه وهو الإغاثة، وعند عدم ذلك ندب إلى فعل المعروف أي من سوى ما تقدم كإماطة الأذى، وعند عدم ذلك ندب إلى الصلاة فإن لم يطق فترك الشر وذلك آخر المراتب. قال: ومعنى "الشر" هنا ما منعه الشرع ففيه تسلية للعاجز عن فعل المندوبات إذا كان عجزه عن ذلك عن غير إختيار. قال الحافظ: وأشار بالصلاة إلى ما وقع آخر حديث أبي ذر عند مسلم ويجزى عن ذلك كله ركعتا الضحى، وهو يؤيد ما قدمناه إن هذه الصدقة لا يكمل منها ما يختل من الفرض، لأن الزكاة لا تكمل الصلاة ولا العكس. فدل على افتراق الصدقتين، واستشكل الحديث مع ما تقدم ذكر الأمر بالمعروف وهو من فروض الكفاية فكيف تجزيء عنه صلاة الضحى وهي من التطوعات، والذي يظهر في الجواب أن المراد إن صلاة الضحى تقوم مقام الثلثمائة وستين حسنة التي يستحب للمرأ أن يسعى في تحصيلها كل يوم ليعتق مفاصله التي هي بعددها، لا إن المراد إن صلاة الضحى تغنى عن الأمر بالمعروف وما ذكر معه وإنما كان كذلك لأن الصلاة عمل بجميع الجسد فتتحرك المفاصل كلها فيها بالعبادة، وكأن صلاة الضحى خصت بالذكر لكونها أول تطوعات النهار بعد الفرض وراتبته. وقد أشار في حديث أبي ذر، وكذا في حديثي أبي هريرة وعائشة الآتيين إلى أن صدقة السلامي نهارية (متفق عليه) أخرجه البخاري في الزكاة وفي الأدب، ومسلم في الزكاة وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤:ص٣٩٥-٤١١) والنسائي في الزكاة والبيهقي فيه (ج٤:ص١٨٨) . ١٩١٢- قوله: (كل سلامي) بضم السين المهملة وتخفيف اللام وفتح الميم مقصوراً، أي أنملة من أنامل

стр. 2815

من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: يعدل بين الإثنين صدقة، ويعين الرجل على دابته فيحمل ــ الأصابع أو مفصل من المفاصل الثلاثمائة وستين التي في كل أحد. وقيل: هي ما بين كل مفصلين من أصابع الإنسان. وقيل: كل عظم مجوف من صغاراً العظام مثل عظام الأصابع وقيل: كل عظم في البدن واحدة وجمعه سواء. وقيل: جمعه سلاميات وقوله كل سلامي مبتدأ مضاف وقوله (من الناس) أي من كل واحد منهم صفة لسلامي (عليه صدقة) جملة من المبتدأ والخبر خبر للمبتدأ الأول: وقوله عليه مشكل. قال ابن مالك: المعهود في كل إذا أضيف إلى نكرة من خبر وتمييز وغيرهما أن يجيء على وفق المضاف إليه، نحو قوله تعالى ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ [الأنبياء:٣٥] وهنا جاء على وفق كل سلامي عليه صدقة، وكان القياس أن يقول عليها صدقة. لأن السلامي مؤنثة لكن دل مجيئها في هذا الحديث على الجواز، أي جواز مطابقة المضاف، ويحتمل أن يكون ضمن السلامي معنى العظم أو المفصل فأعاد الضمير عليه كذلك. والمعنى على كل مسلم مكلف بعدد كل مفصل من عظامه صدقة لله تعالى على سبيل الشكر له، بأن جعل في عظامه مفاصل يتمكن بها من قبض أصابعه ويديه ورجليه وغير ذلك، وبسطها فإن هذه نعمة عظيمة. فإنه لو جعل أعضاءه بغير مفصل يكون كلوح أو خشب لا يقدر على القبض والبسط والقيام والقعود والاضطجاع. وأوجب الصدقة على السلامي مجازاً، وفي الحقيقة على صاحبها قال الطيبي: ولعل تخصيص السلامي وهي المفاصل من الأصابع بالذكر لما في أعمالها من دقائق الصنائع التي تتحير الأوهام فيها، ولذلك قال تعالى ﴿بلى قادرين على أن نسوي بنانه﴾ [القيامة:٤] أي نجعل أصابع يديه ورجليه مستوية شيئاً واحداً، كخف البعير وحافر الحمار، فلا يمكن أن يعمل بها شيئاً مما يعمل بأصابعه المفرقة ذات المفاصل من فنون الأعمال دقتها وجلها، ولهذا السر غلب الصغار من العظام على الكبار-انتهى. (كل يوم) بالنصب على الظرفية أي في كل يوم (تطلع فيه الشمس) على صاحب السلامي وهي صفة تخصص اليوم عن مطلق الوقت بمعنى النهار. وقال السندي: وصف اليوم بذلك لإفادة التنصيص كما قالوا في قوله تعالى ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه﴾ [الأنعام:٣٨] والحاصل إن الشيء إذا وصف بوصف يعم جميع أفراده يصير نصاً في التعميم. قال المنادي: وليس المراد هنا بالصدقة المالية فقط، بل كنى بها عن نوافل الطاعة كما يفيده قوله (يعدل) فأعله الشخص المسلم المكلف وهو في تأويل المصدر مبتدأ خبره صدقة، تقديره أن يعدل مثل قوله تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. وقد قال تعالى ﴿ومن آيته يريكم البرق﴾ [الروم:٢٤] (بين الإثنين) متحاكمين أو متخاصمين أو متهاجرين. وقيل: يعدل بين الإثنين أي يصلح بينهما بالعدل (صدقة) أي أجره كأجر الصدقة (ويعين) المسلم المكلف (الرجل) أي يساعده (على دابته) أي دابة الرجل أو المعين (فيحمل)

стр. 2816

عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة ويميط الأذى عن الطريق صدقة)) . متفق عليه. ١٩١٣- (١١) وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل. فمن كبرالله، وحمدالله، وهلل الله، وسبح الله، واستغفرالله، وعزل حجراً عن طريق الناس، أو شوكة، أو عظماً، أو أمر بمعروف، أو نهى عن المنكر، عدد تلك الستين والثلاثمائة، فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار)) . رواه مسلم. ــ بفتح التحتية وسكون المهملة وكسر الميم (عليها) المتاع أو نفس الرجل بأن يعينه في الركوب أو يحمله كما هو (أو يرفع عليها متاعه) شك من الراوي أو تنويع (والكلمة الطيبة) أي مطلقاً أو مع الناس (وكل خطوة) بفتح الخاء المرة الواحدة وبالضم ما بين القدمين (يخطوها إلى الصلاة) ذاهباً وراجعاً (ويميط) بضم أوله أي يزيل وينحى (الأذى) أي ما يؤذى المارة من نحو شوك وعظم وحجر (متفق عليه) رواه البخاري بهذا اللفظ في باب من أخذ بالركاب من الجهاد، وأخرج في باب فضل من حمل متاع صاحبه في السفر بنحوه، وفي الصلح مختصراً وأخرجه مسلم في الزكاة أيضاً أحمد والبيهقي في الزكاة. ١٩١٣- قوله: (من بنى آدم) بيان لإفادة التعميم (على ستين وثلاثمائة مفصل) بالإضافة وهو بفتح الميم وكسر الصاد، ملتقى العظمين في البدن (فمن كبرالله) أي عظمه أو قال الله أكبر قاله القاري: (وهلل الله) أي وحده أو قال لا إله إلا الله (وسبح الله) أي نزهه عما لا يليق به من الصفات، أو قال سبحان الله (وعزل) أي بعد ونحى (أو شوكة أو عظماً) أو للتنويع (أو أمر) وفي رواية، وأمر بالواو مكان أو (عدد تلك الستين) أي بعددها نصب بنزع الخافض متعلق بالأذكار وما بعدها أو بفعل مقدر، يعني من فعل الخيرات المذكورة ونحوها عدد تلك الستين. (الثلاث مائة) بإضافة ثلاث إلى مائة مع تعريف الأول وتنكير الثاني، والمعروف لأهل العربية عكسه، وهو تنكير الأول وتعريف الثاني. وأجيب بأن الألف واللام زائدتان، فلا اعتداد بدخولهما قال الطيبي: ولو ذهب إلى أن التعريف بعد الإضافة كما في الخمسة عشر بعد التركيب لكان وجهاً حسناً. وقيل: مائة منصوب على التمييز على قول بعض أهل العربية. (فإنه يمشي) بفتح الياء وبالشين المعجمة من المشى، وفي رواية يمسى بضمها وبالسين المهملة من الإمساء وكلاهما صحيح قاله النووي: (يؤمئذ) أي وقت إذ فعل ذلك (وقد زحزح نفسه) أي بعدها ونحاها (رواه مسلم) في الزكاة، وأخرجه أيضاً البيهقي (ج٤:ص١٨٨) .

стр. 2817

١٩١٤- (١٢) وعن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهى عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله! يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه فيه وزر؟ ــ ١٩١٤- قوله: (وكل تكبيرة) بالرفع على المبتدأ والخبر (صدقة) قال النووي: رويناه بوجهين رفع صدقة ونصبه، فالرفع على الاستيناف، والنصب عطف على اسم إن وعلى النصب، يكون كل تكبيرة مجروراً فيكون من العطف على عاملين مختلفين، فإن الواو قامت مقام الباء وكذا قوله (وكل تحميده صدقة وكل تهليلة صدقة) الخ. قال القاضي: يحتمل تسميتها صدقة إن لها أجراً كما للصدقة أجر، وإن هذه الطاعات تماثل الصدقات في الأجود وسماها صدقة على طريق المقابلة وتجنيس الكلام. وقيل: معناه إنها صدقة على نفسه (وأمر بالمعروف صدقة) أسقط المضاف هنا إعتماداً على ما سبق ذكره الطيبي. وقال النووي: فيه إشارة إلى ثبوت حكم الصدقة في كل فرد من أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أكثر منه في التسبيح والتحميد والتهليل، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية. وقد يتعين ولا يتصور وقوعه نفلاً، والتسبيح والتحميد والتهليل نوافل، ومعلوم إن أجر الفرض أكثر من أجر النفل لقوله عزوجل وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلى مما افترضته عليه أخرجه البخاري (وفي بضع أحدكم صدقة) بضم الموحدة يطلق على الجماع ويطلق على الفرج نفسه، وكلاهما تصح إرادته هنا قاله النووي: وإدخال في إشارة إلى أن ذاته ليست صدقة. بل ما ضمنه من التحصين، وأداء حق الزوجة وطلب الولد الصالح والأمور المذكورة ذواتها صدقة. لأنها إذكار وقربات كذا في اللمعات، وقال الطيبي: الباء في قوله: "إن بكل تسبيحة صدقة" بمعنى "في " وإنما أعيدت في قوله وفي بضع أحدكم لأن هذا النوع من الصدقة أغرب. قال النووي: في هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات بالنيات الصادقات، فالجماع يكون عبادة إذا نوى به قضاء حق الزوجة ومعاشرتها بالمعروف الذي أمر الله تعالى به، أو طلب ولد صالح أو إعفاف نفسه أو إعفاف الزوجة ومنعهما جميعاً من النظر إلى حرام، أو الفكر فيه أوالهم به أو غير ذلك من المقاصد الصالحة (أيأتي أحدنا شهوته) أي أيقضيها ويفعلها (ويكون له فيها أجر) والأجر غير معروف في المباح (أرأيتم) أي أخبروني (لو وضعها) أي شهوة بضعه (أكان عليه فيه) أي في الوضع (وزر) قال الطيبي: أقحم همزة الإستفهام على سبيل التقرير بين "لو" وجوابها تأكيداً للإستخبار في أرأيتم. (فكذلك) أي فعلى

стр. 2818

فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر)) . رواه مسلم. ١٩١٥- (١٣) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((نعم الصدقة اللحقة ــ القياس (إذا وضعها في الحلال) وعدل عن الحرام مع أن النفس تميل إليه وتستلذ به أكثر من الحلال. فإن لكل جديد لذة، والنفس بالطبع إليها أميل، والشيطان إلى مساعدتها أقبل، والمؤنة فيها عادة أقل (كان له أجر) وفي بعض النسخ أجراً بالنصب. قال النووي: ضبطنا أجراً بالنصب والرفع وهما ظاهران. قال القاري فالأجر ليس في نفس قضاء الشهوة بل في وضعها موضعها كالمبادرة إلى الأفطار في العيد وكأكل السحور وغيرهما من الشهوات النفسية الموافقة للأمور الشرعية. ولذا قيل الهوى إذا صادف الهدى فهو كالزبد مع العسل ويشير إليه قوله تعالى ﴿ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله﴾ [القصص:٥٠] انتهى. (رواه مسلم) في الزكاة في حديث أوله أن ناساً من أصحاب النبي ﷺ قالوا: للنبي ﷺ ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم. قال أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به إن بكل تسبيحة صدقة الخ. وأخرجه في كتاب الصلاة بلفظ: يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهى عن المنكر صدقة، وبجزيء من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى. وقد تقدم في باب صلاة الضحى، وحديث الباب أخرجه أحمد والبيهقي أيضاً. ١٩١٥- قوله: (نعم الصدقة) بالرفع فاعل نعم وهذا لفظ البخاري في الأشربة، ووقع في الهبة بلفظ: نعم المنيحة بدل نعم الصدقة. قال: أهل اللغة. المنحة بكسر الميم، المنحية بفتحها مع زيادة الياء على وزن عظيمة هي العطية، وتكون في الحيوان وفي الثمار وهي قد تكون عطية للرقبة بمنافعها فيملكها المعطي له وهي الهبة وقد تكون عطية اللبن أو التمرة مدة، وتكون الرقبة باقية على ملك صاحبها ويردها إذا انقضى اللبن أو التمر الماذون فيه. قال أبوعبيدة المنحية. عند العرب على وجهين أحدهما أن يعطي الرجل صاحبه صلة فتكون له، والآخر أن يعطيه ناقة أو شاة ينتفع بحلبها ووبرها زمناً، ثم يردها. والمراد بها في هذا الحديث عارية ذوات الألبان ليؤخذ لبنها ثم ترد هي لصاحبها قال ابن التين: من روى نعم الصدقة روى بالمعنى لأن المنحة العطية. والصدقة أيضاً عطية. قال الحافظ لا تلازم بينهما فكل صدقة عطية وليس كل عطية صدقة، وإطلاق الصدقة على المنيحة مجاز، ولو كانت المنحة صدقة لما حلت للنبي ﷺ ، بل هي من جنس الهبة والهدية -انتهى. (اللقحة) بكسر اللام وسكون القاف بمعنى الملقوحة وهي الناقة ذات اللبن القريبة العهد بالولادة. قال أهل اللغة اللقحة بكسر اللام وبفتحها، واللقوح الناقة الحلوب الغزيرة اللبن. قال العيني: اللقحة مرفوع لأنه صفة صدقة، وقال أبوالبقاء: هي المخصوصة

стр. 2819

الصفى منحة، والشأة الصفي منحة تغدو بإناء وتروح بآخر)) . متفق عليه. ١٩١٦- (١٤) وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مسلم يغرس غرساً، ــ بالمدح (الصفي) بفتح الصاد وكسر الفاء وتشديد التحتية أي الكريمة الغزيرة اللبن بمعنى مفعول أي مصطفاة مختارة وهي صفة ثانية للصدقة أو صفة للقحة واستعملت بغير هاء على الأشهر في الرواية، لأن الفعيل إذا كان بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث. وقال العيني: روى أيضاً الصفية بناء التأنيث (منحة) منصوب على التميز. قال ابن مالك: في التوضيح فيه وقوع التميز بعد فاعل نعم ظاهراً، وقد منعه سيبوية إلا مع إضمار الفاعل نحو بئس للظالمين بدلاً وجوزه المبرد وهو الصحيح -انتهى. وقال في المصابيح: يحتمل أن يقال إن فاعل نعم في الحديث مضمر، والمنيحة الموصوفة بما ذكر هي المخصوصة بالمدح ومنحة تمييز تأخر عن المخصوص فلا شاهد فيه على ما قال، ولا يرد على سيبوية حينئذٍ. قيل: هذا صحيح لكن يؤيد قول المبرد قول الشاعر: تزود مثل أبيك زاداً فنعم الزاد زاد أبيك زاداً فذلك جائز وإن كان قليلاً. والشاة الصفى صفة وموصوف عطف على ما قبله أي ونعم الصدقة الشاة الصفى (تغدو بإناء) أي من اللبن (وتروح بآخر) بالمد أي يحلب من لبنها ملء إناء وقت الغدوة وملء إناء آخر وقت الرواح وهو المساء، والجملة صفة مادحة لمنحة أو استئناف جواب عمن سأل عن سبب كونها ممدوحة. وفيه إشارة إلى أن المستعير لا يستأصل لبنها قاله الحافظ. (متفق عليه) واللفظ للبخاري في باب شرب اللبن من الأشربة، ورواه مسلم في الزكاة بلفظ: إلا رجل يمنح أهل بيت ناقة تغد ويعس وتروح بعس، إن أجرها لعظيم، وأخرجه أيضاً أحمد والبيهقي (ج٤ ص١٨٤) . ١٩١٦- قوله: (ما من مسلم) أخرج الكافر لأنه رتب على ذلك، كون ما أكل منه يكون له صدقة، والمراد بالصدقة الثواب في الآخرة، وذلك يختص بالمسلم دون الكافر، لأن القرب إنما تصح من المسلم فإن تصدق الكافر أو فعل شيئاً من وجوه البر لم يكن له أجر في الآخرة، نعم ما أكل من زرع الكافر يثاب عليه في الدنيا كما ثبت دليله. وأما من قال يخفف عنه بذلك من عذاب الآخرة فيحتاج إلى دليل. ونقل عياض الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب، لكن بعضهم أشد عذاباً من بعضهم بحسب جرائمهم. وأما حديث أبي أيوب عند أحمد مرفوعاً ما من رجل يغرس، وحديث ما من عبد فظاهرهما يتناول المسلم والكافر لكن يحمل المطلق على المقيد، والمراد بالمسلم الجنس فتدخل المرأة المسلمة (يغرس) بكسر الراء (غرساً) يقال غَرس الشجر يغرسه غَرساً وغِراسة وَغرسه أي أثبته في الأرض والغرس، بفتح المعجمة وسكون الراء

стр. 2820

أو يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة، إلا كانت له صدقة)) . متفق عليه. ــ مصدر وبمعنى المغروس (أو يزرع) أو للتنويع لأن الزرع غير الغرس (زرعاً) نصبه، كذا نصب غرساً على المصدرية، أو على المفعولية (فيأكل منه) أي مما ذكر من المغروس أو المزروع (إنسان) ولو بالتعدي (أو طير أو بهيمة) أي ولو بإختياره (إلا كانت له صدقة) قال الطيبي: الرواية برفع الصدقة على أن كانت تامة - انتهى. قال القاري: وفي نسخة بالنصب على أن الضمير راجع إلى المأكول وأنث لتأنيث الخبر- انتهى. ولفظ الصحيحين: إلا كان له به صدقة. قال القسطلاني: بالرفع اسم كان وفي الحديث فضل الغرس والزرع والحض على عمارة الأرض ويستنبط منه اتخاذ الضيعة والقيام عليها، ويحمل ما ورد من التنفير عن ذلك على ما إذا شغل عن أمر الدين، ويحمل حديث الباب على اتخاذها للكفاف أو نفع المسلمين بها، وتحصيل ثوابها، وفي رواية لمسلم إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة. ومقتضاه إن أجر ذلك يستمر ما دام الغرس أو الزرع مأكولاً منه، ولو مات زارعه أو غارسه ولو انتقل ملكه إلى غيره. وظاهر الحديث إن الأجر يحصل لمتعاطي الزرع أو الغرس، ولو كان ملكه لغيره. لأنه أضاف إلى أم مبشر كما في رواية مسلم ثم سألها عمن غرسه. قال الطيبي: نكر مسلماً وأوقعه في سياق النفي، وزاد من الاستغراقية وعم الحيوان ليدل على سبيل الكناية على أن أي مسلم كان حراً أو عبداً، مطيعاً، أو عاصياً يعمل أي عمل من المباح ينتفع بما عمله أي حيوان كان يرجع نفعه إليه ويثاب عليه وفيه جواز نسبة الزرع إلى الآدمي وما ورد في المنع منه حديث غير قوى أخرجه ابن أبي حاتم من حديث أبي هريرة مرفوعاً، لا يقل أحدكم زرعت، ولكن ليقل حرثت ألم تسمع لقول الله تعالى: ﴿أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون﴾ [الواقعة: ٦٤] ورجاله ثقات إلا أن مسلم بن أبي مسلم الجرمي. قال فيه ابن حبان: ربما أخطأ وروى عبد بن حميد من طريق أبي عبد الرحمن السلمي بمثله من قوله غير مرفوع كذا في الفتح واستدل به على أن الزراعة أفضل المكاسب وقال به كثيرون وقيل: الكسب باليد. وقيل: التجارة. وقد يقال كسب اليد أفضل من حيث الحل والزرع من حيث عموم الانتفاع، وحينئذٍ فينبغي أن يختلف ذلك باختلاف الحال فحيث أحتيج إلى الأقوات أكثر تكون الزراعة أفضل للتوسعة على الناس، وحيث احتيج إلى المتجر لانقطاع الطرق تكون التجارة أفضل، وحيث أحتيج إلى الصنائع تكون أفضل قاله القسطلاني (متفق عليه) أخرجه البخاري في المزارعة وفي الأدب، ومسلم في المزارعة. وأخرجه أيضاً أحمد، والترمذي في الأحكام. وفي الباب أحاديث أخرة عن جماعة من الصحابة ذكرها المنذري، في باب الترغيب في الزرع وغرس الأشجار للثمرة، والهيثمي في أواخر الزكاة، وفي أوائل البيوع.

стр. 2821

١٩١٧- (١٥) وفي رواية لمسلم عن جابر، ((وما سرق منه له صدقة)) . ١٩١٨- (١٦) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((غفر لامرأة مومسة مرت بكلب على رأس ركي، يلهث كاد يقتله العطش، فنزعت خفها فأوثقته بخمارها، فنزعت له من الماء فغفر لها بذلك، قيل: إن لنا في البهائم أجراً، قال: في كل ذات كبد رطبة أجر)) . ــ ١٩١٧- قوله: (وفي رواية لمسلم عن جابر وما سرق منه له صدقة) أي يحصل له مثل ثواب تصدق المسروق، والحاصل أنه بأي سبب يؤكل مال المسلم له الثواب، وفيه تسلية له بالصبر على نقصان المال. ١٩١٨- قوله: (غفر) بضم أوله مبنياً للمفعول أي غفر الله (لامرأة) لم تسم وفي رواية للبخاري ومسلم إن الذي سقى الكلب رجل، وهذا يقتضي تعدد القصة (مومسة) أي مومسات بني إسرائيل، وهي بميم مضمومة فواو ساكنة، فميم مكسورة فسين مهملة، أي زانية من الومس، وهو الاحتكاك. والمومسة المرأة الفاجرة المجاهرة بالفجور (مرت بكلب) أي على كلب كائن (على رأس ركي) بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد التحتية أي بئر. وقيل: بئر لم تطو. وقال الحافظ: الركي البئر مطوية أو غير مطوية، وغير المطوية يقال لها جب وقليب ولا يقال لها بئر حتى تطوى. وقيل: الركي البئر قبل أن تطوي فإذا طويت فهي الطوى- انتهى. (يلهث) بفتح الهاء وبالمثلثة أي يخرج لسانه عطشاً. يقال: لهث بفتح الهاء وكسرها يلهث بفتح الهاء لا غير لهثاً بإسكانها إذا أخرج لسانه من شدة العطش والحر والتعب وكذلك الطائر ولهث الرجل إذا أعيا. ويقال: إذا بحث بيده ورجليه. وقيل: اللهث إرتفاع النفس من الأعياء (كاد يقتله العطش) أي قارب أن يهلكه (فنزعت خفها) أي خلعته من رجلها (فأوثقته) أي شدته (بخمارها) بكسر الخاء المعجمة أي بنصفيها بدلا من الحبل (فنزعت) بهما (له) أي للكلب (من الماء) أي من ماء البئر يعني استقت للكلب بخفها من الركية (فغفر لها بذلك) أي بسبب سقيها للكلب وهذا تأكيد للخبر وفيه إن الله تعالى قد يتجاوز عن الكبيرة بالفعل اليسير من غير توبة تفضلاً منه (قيل إن) أي أأن (لنا في البهائم) أي في سقيها أو الإحسان إليها (أجراً) أتى بالاستفهام المؤكد للتعجب (في كل ذات كبد) بفتح الكاف وكسر الموحدة، ويجوز سكون الكاف وسكون الموحدة يذكر ويؤنث (رطبة) أي حية. والمراد رطوبة الحياة، أو لأن الرطوبة لازمة للحياة فهو كناية. وقيل: هو من باب وصف الشيء بما يؤل إليه أي كبد يرطبها السقي ويصيرها رطبة. والمعنى في كل كبد حري لمن سقاها حتى تصير رطبة

стр. 2822

متفق عليه. ١٩١٩، ١٩٢٠- (١٧، ١٨) وعن ابن عمر، وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ : ((عذبت امرأة في هرة أمسكتها حتى ماتت من الجوع، فلم تكن تطعمها ولا ترسلها فتأكل من خشاش الأرض)) . ــ (أجر) بالرفع مبتدأ قدم خبره. والتقدير أجر حاصل أو كائن أو ثابت في أرواء كل ذات كبد حية من جميع الحيوانات. وقيل: يحتمل أن تكون في سببية كقولك في النفس الدية. قال الداودي: المعنى في كل كبد حي أجر وهو عام في جميع الحيوانات. وقال أبوعبد الملك: قوله: " في كل كبد" مخصوص ببعض البهائم مما لا ضرر فيه، لأن المأمور بقتله كالخنزير لا يجوز أن يقوى ليزداد ضرره. وكذا قال النووي: إن عمومه مخصوص بالحيوان المحترم وهو ما لم يؤمر بقتله، فيحصل الثواب بسقيه ويلتحق به إطعامه وغير ذلك من وجوه الإحسان إليه. وقال ابن التين: لا يمتنع إجراءه على عمومه يعني فيسقي ثم يقتل، لأنا أمرنا بأن نحسن القتلة ونهيا عن المثلة وفي الحديث الحث على الإحسان إلى الناس لأنه إذا حصلت المغفرة بسبب سقي الكلب فسقى المسلم، أعظم أجراً وأستدل به على جواز صدقة التطوع للمشركين، وينبغي أن يكون محله ما إذا لم يوجد هناك مسلم، فالمسلم أحق وكذا إذا دار الأمر بين البهيمة والآدمي المحترم واستويا في الحاجة، فالآدمي أحق كذا في الفتح (متفق عليه) واللفظ للبخاري في آخر بدأ الخلق قبل كتاب الأنبياء إلا أن قوله قيل إن لنا في البهائم الخ. ليس في هذه الرواية بل هو في قصة الرجل الذي سقى الكلب. والحديث أخرجه البخاري في ذكر بني إسرائيل بلفظ: بينهما كلب يطيف بركية كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فسقته فغفر لها به، وأخرجه مسلم في كتاب قتل الحيات. ١٩١٩- ١٩٢٠- قوله: (عذبت) بضم العين وكسر المعجمة مبنياً للمفعول (إمرأة) قال الحافظ: لم أقف على اسمها، ووقع في رواية أنها حميرية، وفي أخرى أنها من بني إسرائيل، ولا تضاد بينهما لأن طائفة من حمير كانوا قد دخلوا في اليهودية فيكون نسبتها إلى بني إسرائيل. لأنهم أهل دينها وإلى حمير، لأنهم قبيلتها يعني نسبت إلى دينها تارة وإلى قبيلتها أخرى (في هرة) أي في شأنها وبسببها ولأجلها ففي تعليلية سببية، والهرة أنثى السنور والهر الذكر (أمسكتها) أي ربطتها المرأة وحبستها ومنعتها من الصيد (حتى ماتت) أي الهرة (من الجوع) فيه دليل على تحريم قبل الهرة وتحريم حبسها بغير طعام وشراب (فلم تكن تطعمها) من الإطعام (فتأكل) بالنصب على جواب النفي (من خشاش الأرض) بفتح الخاء المعجمة ويجوز ضمها وكسرها وبمعجمتين بينهما ألف الأولى

стр. 2823

متفق عليه. ١٩٢١- (١٩) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مر رجل بغصن شجرة ــ خفيفة. والمراد حشرات الأرض وهو أمها من فارة ونحوها قال الطيبي: وذكر الأرض هنا كذكرها في قوله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض﴾ [الأنعام-٣٨] للاحاطة والشمول ثم ظاهر هذا الحديث إن المرأة عذبت بسبب قتل هذه الهرة بالحبس وأختلف في أنها مؤمنة كانت أو كافرة. قال القرطبي وعياض: يحتمل أن تكون المرأة كافرة فعذبت بكفرها وزيدت عذاباً بسبب ظلمها على الهرة، واستحقت ذلك لكونها ليست مؤمنة تغفر صغائرها باجتناب الكبائر، ويحتمل أن تكون مسلمة وعذبت بسبب الهرة. وقال النووي: الصواب إنها كانت مسلمة وإنها دخلت النار بسببها كما هو ظاهر الحديث، وهذه المعصية ليست صغيرة، بل صارت بإصرارها كبيرة. وليس في الحديث أن تخلد في النار- انتهى. وهذا يدل على أنهم لم يطلعوا على نقل في ذلك. قال الحافظ: ويؤيد كونها كافرة ما أخرجه البيهقي في البعث والنشور وأبونعيم في تاريخ أصبهان من حديث عائشة. وفيه قصة لها مع أبي هريرة وهو بتمامة عند أحمد- انتهى. وقال الديرمي: كانت هذه المرأة كافرة كما رواه البزار في مسنده، وأبونعيم في تاريخ أصبهان، والبيهقي في البعث والنشور عن عائشة، فاستحقت التعذيب بكفرها وظلمها. وقال القاري: ليس في الحديث دلالة على إصرار هذه المرأة، ويجوز التعذيب على الصغيرة كما في العقائد سواء اجتنب مرتكبها الكبيرة أم لا، لدخولها تحت قوله تعالى: ﴿ويفغر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء- ٤٨] خلافاً لبعض المعتزلة فيما إذا اجتنب الكبائر لظاهر قوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ [النساء-٣١] وعنه أجوبة عند أهل السنة ليس هذا محلها- انتهى. (متفق عليه) رواه البخاري عن ابن عمر بمعناه في باب فضل السقي من كتاب الشرب، وفي أواخر بدء الخلق، وفي ذكر بني إسرائيل. ورواه من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة في بدء الخلق نحوه، ولم يذكر لفظه بل أحال على حديث ابن عمر قبله بمعناه. وأما مسلم فرواه في كتاب قتل الحياة وغيرها، وفي الأدب عنهما من طرق بألفاظ مختلفة متقاربة، ليس اللفظ المذكور هنا واحداً منها كما لا يخفى على من نظر في طرق هذا الحديث، وألفاظها، فالمذكور هنا هو معنى ما رواه الشيخان، وقد أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة من ثمانية أوجه، منها في (ج٢ ص٢٦١ و٢٦٩ و٢٨٦) ونسبه الشيخ أحمد شاكر في شرح المسند لابن ماجه أيضاً، وقال: حديث عبد الله بن عمر في هذا ليس في المسند فيما رأيت مع أنه في الصحيحين. ١٩٢١- قوله: (مر رجل بغصن شجرة) وفي رواية البخاري، غصن شوك والغصن بضم المعجمة مفرد

стр. 2824

على ظهر طريق، فقال: لأنحين هذا عن طريق المسلمين لا يؤذيهم، فأدخلهم الجنة)) . متفق عليه. ١٩٢٢- (٢٠) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس)) . رواه مسلم. ١٩٢٣- (٢١) وعن أبي برزة، قال: يا نبي الله! علمن شيئاً أنتفع به. قال: ((أعزل الأذى عن طريق المسلمين)) . ــ الأغصان، والغصون وهي أطراف الشجرة ما دامت فيها ثابتة قاله ابن الأثير: (على ظهر طريق) أي ظاهره لا في جنبيه (لأنحين) بتشديد الحاء أي لأبعدن (لا يؤذيهم) بالرفع على أنه استئناف فيه معنى التعليل أي لكيلا يؤذيهم (فأدخل) ماض مجهول (الجنة) بالنصب على أنه مفعول ثان أي فنحاه فأدخل الجنة بهذا الخير. وقال الطيبي: يمكن إن إدخاله الجنة بمجرد النية الصالحة، وإن لم ينحه وأن يكون قذ نحاه- انتهى. وفي الحديث فضل إماطة ما يؤذي الناس عن طريقهم. وفيه إن قليل الخير يحصل به كثير الأجر. وفيه التنبيه على فضيلة كل ما نفع المسلمين وأزال عنهم ضرراً (متفق عليه) واللفظ لمسلم وقد أخرجه في الأدب وأخرجه في الأدب وأخرجه البخاري في المظالم في باب من أخذ الغصن وما يؤذي الناس في الطريق فرمى به بلفظ بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له فغفر له. قال ابن المنير: وإنما ترجم به لئلا يتخيل إن الرمي بالغصن وغيره ما يؤذي تصرف في ملك الغير بغير إذنه فيمتنع، فأراد أن يبين إن ذلك لا يمتنع لما فيه من الندب إليه. ثم ذكر حديث أبي برزة الآتي، والحديث أخرجه أيضاً أحمد في ستة مواضع، والترمذي في البر والصلة، وأبوداود وابن ماجه في الأدب، ورواه مالك بمعناه ضمن حديث مطول. ١٩٢٢- قوله: (لقد رأيت رجلاً يتقلب) أي يتردد ويتنعم في الجنة (في شجرة) أي لأجلها وبسببها (قطعها من ظهر الطريق) قال النووي: أي يتنعم في الجنة بملاذها بسبب قطعة الشجرة من الطريق وإبعادها عنه (كانت تؤذي الناس) أي كانوا يتأذون بها. قال القاري: وفيه مبالغة على قتل المؤذي وإزالته بأي وجه يكون (رواه مسلم) في الأدب. ١٩٢٣- قوله: (علمني شيئاً) وفي رواية ابن ماجه دلني على عمل (انتفع به) قال القاري: روى مجزوماً جواباً للأمر، ومرفوعاً صفة لشيء أي انتفع بعمله (إعزل) بكسر الهمزة والزاي المعجمة بينهما عين مهملة ساكنة أي أبعد ونح (الأذى عن طريق المسلمين) أي إذا رأيت في ممرهم ما يؤذيهم كشوك وحجر فنحه عنهم، فإن

стр. 2825

رواه مسلم. وسنذكر حديث عدي بن حاتم: اتقوا النار في باب علامات النبوة إن شاء الله تعالى. ﴿الفصل الثاني﴾ ١٩٢٤- (٢٢) عن عبد الله بن السلام، قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة، جئت، فلما تبينت وجهه، ــ فذلك من شعب الإيمان. قيل أبوبرزة من كبار الصحابة فنبه بأدنى شعب الإيمان على أعلاها أي لا تترك باباً من الخير. وروى مسلم هذا الحديث من وجه آخر. قال أبوبرزة: قلت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله! إني لا أدري لعسى أن تمضي وأبقى بعدك فزودني شيئاً ينفعني الله به. فقال رسول الله ﷺ : إفعل كذا إفعل كذا أبوبكر بن شعيب (راوي الحديث) نسيه وأمر الأذى عن الطريق (رواه مسلم) في الأدب، كذا ابن ماجه ونسبه في التنقيح إلى البخاري في الأدب المفرد وابن سعد والطبراني في الكبير. (وسنذكر حديث عدي بن حاتم) هو عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي أبوطريف ولد الجواد المشهور صحابي شهير، أسلم في سنة تسع. وقيل: سنة عشر. وكان نصرانياً قبل ذلك. وثبت على إسلامه في الردة وأحضر صدقة قومه إلى أبي بكر، وحضر فتوح العراق وشهد مع علي الجمل وفقعت عينه يومئذ ثم شهد أيضاً مع علي صفين والنهروان، ثم سكن الكوفة ومات بها سنة (٦٨) وهو ابن مائة وعشرين سنة. وقيل: مات وهو ابن مائة وثمانين سنة، وكان سيداً شريفاً في قومه خطيباً، حاضر الجواب فاضلاً كريماً. روى عنه أنه قال ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء، وما دخل وقت صلاة قط إلا وأنا أشتاق إليها. روى عن النبي ﷺ وعن عمر وروى عنه جماعة من البصريين والكوفيين (إتقو النار) تمامه ولو بشق تمرة بكسر المعجمة أي بنصفها أو جانبها. والمعنى إدفعوها عن أنفسكم بالخيرات. ولو كان الإتقاء بالتصدق ببعض تمرة يعني لا تستقلوا شيئاً من الصدقة فإن لم تجدوا فبكلمة أي يطيب بها قلب المسلم، أو بكلمة من كلمات الأذكار فإنها بمنزلة صدقة الفقير (في باب علامات النبوة) أي ضمن حديث طويل لعدي مذكور في الباب، وكان صاحب المصابيح أتى ببعض الحديث أو بحديث مستقل هنا مناسبة لهذا الباب، فعده المؤلف من باب التكرار فأسقطه وأكتفى بذكره في ذلك الباب والله أعلم بالصواب. ١٩٢٤- قوله: (لما قدم النبي ﷺ المدينة جئت) في الناس لأنظر إليه (فلما تبينت وجهه) أي عرفته. قال في الصراح: استبنته أنا عرفته وتبينته أنا كذلك - انتهى. وقيل أي تأملته وتفرست بأمارات لائحة في سيماه وهذا

стр. 2826

عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول ما قال: ((يا أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام)) . رواه الترمذي وابن ماجه، والدارمي. ١٩٢٥- (٢٣) وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أعبدوا الرحمن، وأطعموا الطعام، وأفشوا السلام، تدخلوا الجنة بسلام)) . رواه الترمذي، ــ لفظ ابن ماجه في الأطعمة، وللدارمي فلما رأيت وجهه، ولفظ الترمذي في صلاة الليل، فلما استبنت وجه رسول الله ﷺ (عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب) بالإضافة وينون أي بوجه ذي كذب لما لاح عليه من سواطع أنوار النبوة (فكان أول ما قال) بالرفع وينصب قاله القاري. ولفظ الترمذي وابن ماجه "فكان أول شيء تكلم به أن قال" قال السندي: أول شيء بالنصب على أنه خبر كان واسمها أن قال الخ وللدارمي، فكان أول ما سمعته يقول (يا أيها الناس) خطاب العام بكلمات جامعة للمعاملة مع الخلق والحق (أفشوا) من الإفشاء (السلام) أي أكثروه وبينوه فيما بينكم وقيل أي أظهروه وعموا به الناس ولا تخصوا المعارف (وأطعموا) من الإطعام (الطعام) أراد به قدراً زائداً على الواجب في الزكاة سواء فيه الصدقة والهدية والضيافة. (وصلوا) بكسر المهملة من وصل يصل وصلاً وصلة (الأرحام) جمع رحم بفتح أوله وكسر ثانية، وبكسر أوله وسكون ثانية. وهي القرابة يقال: وصل رحمه أي أحسنه إلى الأقربين إليه من ذوي النسب، وعطف عليهم ورفق بهم (وصلوا) بتشديد اللام (بالليل والناس نيام) بكسر النون جمع نائم أو مصدر بمعنى اسم فاعل أي لأنه وقت الغفلة فلأرباب الحضور مزيد المثوبة أو لبعده عن الرياء والسمعة. (تدخلوا الجنة بسلام) أي سالمين من المكروه أو التعب والمشقة أو يسلم عليكم الملائكة (رواه الترمذي) في الزهد وصححه (وابن ماجه) في صلاة الليل وفي الأطعمة واللفظ له (والدارمي) في صلاة الليل، وفي الاستئذان. ونسبه المنذري في الترغيب للترمذي، والحاكم، ونقله عن الترمذي أنه قال: حديث حسن صحيح، وعن الحاكم أنه قال: صحيح على شرط الشيخين. وفي الباب عن أبي هريرة عند الحاكم من وجهين. وقال في كل منهما حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي في الأول بأن عبيد الله ابن أبي حميد قال أحمد: ترك حديثه. وقال المنذري: عبيد الله بن أبي حميد متروك ووافقه الذهبي في الثاني. ١٩٢٥- قوله: (أعبدوا الرحمن) أي أفردوه بالعبادة (تدخلوا الجنة بسلام) أي فإنكم إذا فعلتم ذلك ومتم عليه دخلتم الجنة آمنين، لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون (رواه الترمذي) في الأطعمة وصححه

стр. 2827

وابن ماجه. ١٩٢٦- (٢٤) وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الصدقة لتطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء)) . رواه الترمذي. ١٩٢٧- (٢٥) وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((كل معروف صدقة، ــ (وابن ماجه) في الأدب، وأخرجه ابن حبان في صحيحه بلفظ: أعبدوا الرحمن وأفشو السلام، وأطعموا الطعام تدخلوا الجنان. ١٩٢٦- قوله: (إن الصدقة لتطفئ غضب الرب) أي سخطه على من عصاه (وتدفع ميتة السوء) بكسر الميم وسكون الياء، أصلها موته مصدر للنوع، كالجلسة أبدلت واوه ياء لسكونها وكسرة ما قبلها وهي الحالة التي يكون عليها الإنسان في الموت. والسوء بفتح السين ويضم. والمراد بميتة السوء الحالة السيئة التي يكون عليها عند الموت، مما يؤدي إلى كفران النعمة من الآلام والأوجاع المفضية إلى الفزع والجزع والغفلة عن ذكر الله. ومنها موت الفجاءة وسائر ما يشغله عن الله مما يؤدي إلى سوء الخاتمة. وقيل: إن المراد إنها تقية من الفتانات عند الموت، أو أنه يوفق للتوبة فلا يموت، وهو عاص مصر على ذنب. أو أنه يموت ميتة سالمة من نحو هدم وغرق وحرق ولا مانع من إرادة الجميع. وقال العراقي: الظاهر إن المراد بها ما استعاذ منه النبي ﷺ من الهدم والتردي والغرق والحرق، وأن يتخبطه الشيطان عند الموت، وأن يقتل في سبيل الله مدبراً. وقال بعضهم: هي موت الفجاءة. وقيل: ميتة الشهرة كالمصلوب- انتهى. (رواه الترمذي) في الزكاة. وقال: هذا حديث حسن غريب، وأخرجه ابن حبان في صحيحه، وروى ابن المبارك في كتاب البر شطره الأخير، ولفظه إن الله ليدرأ بالصدقة سبعين باباً من ميتة السوء كذا في الترغيب للمنذري. ١٩٢٧- قوله: (كل معروف صدقة) قد سبق بيان معناه. وقال التوربشتي: المعروف اسم لكل فعل يعرف حسنه بالشرع، أو يعرف بالعقل من غير أن ينازع فيه الشرع. وكذلك القول المعروف. وقد قيل: للأقتصاد في الجود معروف، لأنه مستحسن بالشرع والعقل. والصدقة ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة، وذلك لأن عليه أن يتحرى الصدق فيها. وقد استعمل في الواجبات وأكثر ما يستعمل في التطوع به، ويستعمل أيضاً في الحقوق التي تجافي عنها الإنسان. قال تعالى: ﴿والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ [المائدة-٤٥] أي تجافى عن القصاص الذي هو حقه وقد أجرى في التنزيل ما يسامح به المعسر مجرى الصدقة قال تعالى: ﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾ [البقرة- ٢٧] فقوله "كل معروف صدقة" أي محل فعل المعروف محل

стр. 2828

وإن من المعروف أن تلقي أخاك بوجه طلق، وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك)) . رواه أحمد والترمذي. ١٩٢٨- (٢٦) وعن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تبسمك في وجه أخيك صدقة وأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة ونصرك الرجل الردي البصر ــ التصدق بالمال ويقع التبرع بذلك موقعه في القربة، فالمعروف والصدقة. وإن اختلفا في اللفظ والصيغة فإنهما يتقاربان في المعنى، ويتفقان في الأمر المطلوب منهما وقد عرفنا الاختلاف بينهما من الكتاب. قال تعالى: ﴿إلا من أمر بصدقة أو معروف﴾ [النساء:١١٤] وعرفنا الاتفاق بينهما في المعنى من السنة- انتهى. (وإن من المعروف) أي من جملة أفراده (إن تلقى أخاك) أي المسلم (بوجه) بالتنوين (طلق) تقدم ضبطه، ومعناه يعني تلقاه منبسط الوجه متهللة (وإن تفرغ) من الإفراغ أي تصب (من دلوك) أي عند استقاءك (في إناء أخيك) لئلا يحتاج إلى الاستقاء، أو لاحتياجه إلى الدلو (رواه أحمد) (ج٣ ص٢٤٤) (والترمذي) في البر والصلة من طريق المنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال القاري: وفي كثير من نسخ الترمذي حسن، فقط. وليس في سنده غير المنكدر بن محمد المنكدر. قال الذهبي: فيه لين وقد وثقه أحمد كذا ذكره ميرك- انتهى. قلت: صدر الحديث متفق عليه، كما سبق، والمنكدر بن محمد بن المنكدر لين الحديث كما قال الحافظ في التقريب: وقد تفرد بتوثيقه أحمد، ولينه غيره وتكلموا فيه من جهة حفظه. ١٩٢٨-قوله: (تبسمك) هو أن تظهر الأسنان بدون صوت، فإن كان بصوت لطيف يسمعه من يقربه فقط. كان ضحكاً. فإن كان الصوت قوياً يسمعه البعيد سمي قهقهة (في وجه أخيك) في الدين (صدقة) كذا في جميع النسخ الحاضرة، وكذا نقله المنذري في الترغيب، وعليه بني القاري شرحه كما سيأتي. ووقع في نسخ الترمذي لك صدقة، وهكذا نقله السيوطي في الجامع الصغير، يعني إظهارك البشاشة. والبشر إذا لقيته تؤجر عليه كما تؤجر على الصدقة (وأمرك بالمعروف) أي بما عرفه الشرع والعقل بالحسن (ونهيك عن المنكر) أي ما أنكره وقبحه (صدقة) كذلك (وإرشادك الرجل) أي الإنسان (في أرض الضلال) أضيفت إلى الضلال كأنها خلقت له، وهي التي لا علامة فيها للطريق فيضل فيها الرجل. (لك صدقة) بالمعنى المقرر قال القاري: زيد لك في هذه القرينة والتي بعدها لمزيد الاختصاص (ونصرك) أي أعانتك (الرجل الردي البصر) بالهمز ويدغم أي الذي

стр. 2829

لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة)) . رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. ١٩٢٩- (٢٧) وعن سعد بن عبادة، قال: يا رسول الله! إن أم سعد ماتت، فأي الصدقة أفضل؟ ــ لا يبصر أصلاً أو يبصر قليلاً. قال القاري: وضع النصر موضع القياد مبالغة في الإعانة كأنه ينصره على كل شيء يؤذيه- انتهى. قلت: وقع في نسخ الترمذي بصرك للرجل بالباء الموحدة، وكذا نقله العزيزي، والحفني في شرح الجامع الصغير، والجزري في جامع الأصول (ج١٠ ص٣٤٢) وهكذا وقع في صحيح ابن حبان كما في الترغيب، والبصر محركة حس العين والعلم والرؤية. والمراد تبصيرك الرجل الردي البصر لك صدقة. وقيل: المعنى إذا بصرت رجلاً ردي البصر فأعنته كان ذلك لك صدقة (وإماطتك) أي إزالتك وتنحيتك (الحجر والشوك والعظم) أي ونحوها (عن الطريق) أي طريق المسلمين المسلوك أو المتوقع السلوك (وإفراغك) أي صبك (من دلوك في دلو أخيك) في الدين (لك صدقة) فكيف إذا لم يكن لأخيك دلو (رواه الترمذي) في البر والصلة (وقال هذا حديث غريب) في نسخ الترمذي الحاضرة عندنا حديث حسن غريب، ويؤيده قول المنذري في الترغيب "رواه الترمذي وحسنه" والحديث أخرجه أيضاً البخاري في الأدب المفرد، وابن حبان في صحيحه. ١٩٢٩- قوله: (إن أم سعد) أراد به نفسه، واسم أمه عمرة بنت مسعود بن قيس بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار صحابية، وكانت من المبايعات توفيت في زمن النبي ﷺ في سنة خمس من الهجرة. قال ابن سعد: ماتت والنبي ﷺ في غزوة دومة الجندل في شهر ربيع الأول، وابنها سعد بن عبادة معه، قال: فلما جاء النبي ﷺ المدينة أتى قبرها فصلى عليها. قال الحافظ: وثبت أنها لما ماتت سأل والدها النبي ﷺ عن الصدقة عنها ولها أربع أخوات اسم كل منهن أيضاً عمرة أسلمن وبايعن. قال الحافظ: في الإصابة عمرة بنت مسعود بن قيس بن عمرو بن زيد مناة والدة سعد بن عبادة ماتت في حياة النبي ﷺ سنة خمس. وعمرة بنت مسعود الصغرى خالة سعد بن عبادة، كانت زوج أوس بن زيد بن أصرم ثم تزوجها سهل بن ثعلبة. وعمرة بنت مسعود بن قيس الأنصارية أخت اللتين قبلها. قال ابن سعد كن خمس أخوات اسم كل منهن عمرة أسلمن وبايعن، وهذه هي الثالثة أمها عميرة بنت عمرو بن حزام تزوجها ثابت بن المنذر والد حسان وعمرة بنت مسعود الرابعة شقيقة التي قبلها تزوجها زيد بن مالك وعمرة بنت مسعود الخامسة شقيقة اللتين قبلها وهي والدة قيس بن عمرو من بني النجار (فأي الصدقة أفضل) أي لها بوصول ثوابها إليها، وفي رواية لأبي داود

стр. 2830

((قال الماء فحفر بئراً وقال: هذه لأم سعد)) . رواه أبوداود، والنسائي. ١٩٣٠- (٢٨) وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيما مسلم كسا مسلماً ثوباً على عرى، كساه الله من خضر الجنة. وأيما مسلم أطعم مسلماً على جوع، ــ أي الصدقة أعجب إليك (قال الماء) وفي رواية أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان. قال: سقى الماء أي في ذلك الوقت لقلته بالمدينة يومئذ، أو على الدوام، لأنه أحوج الأشياء عادة قال القاري: إنما كان الماء أفضل، لأنه أعم نفعاً في الأمور الدينية والدنيوية خصوصاً في تلك البلاد الحارة ولذلك من الله تعالى: ﴿وأنزل من السماء ماءً طهوراً لنحيي به بلدةً ميتةً ونسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسي كثيراً﴾ [الفرقان: ٤٨، ٤٩] كذا ذكره الطيبي. وفي الأزهار الأفضلية من الأمور النسبية، وكان هناك أفضل لشدة الحر والحاجة وقلة الماء (فحفر) أي سعد وفي بعض النسخ. قال: أي الراوي عن سعد فحفر، وهكذا وقع في أبي داود (بئر) بالهمز ويبذل (وقال) أي سعد (هذه لأم سعد) أي هذا البئر صدقة لها أو ثواب هذه البئر لها، وفيه فضيلة سقى الماء، وفضيلة الصدقة عن الميت، وإن ثواب الصدقة المالية يصل إلى الميت وهو أمر مجمع عليه، لاختلاف فيه عند أهل السنة (رواه أبوداود) في أواخر الزكاة (والنسائي) في الوصايا. واللفظ لأبي داود، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ ص٢٨٥وج٧ ص٦) وابن ماجه في الأدب، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما. والحاكم (ج١ ص٤١٤) والبيهقي (ج٤ ص١٨٥) وقد سكت عنه أبوداود. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. وتعقبه الذهبي في تلخيصه، والمنذري في ترغيبه. قال الذهبي بعد ذكر كلام الحاكم قلت: لا، فإنه غير متصل. وقال المنذري: بل هو منقطع الإسناد عند الكل فإنهم كلهم رووه عن سعيد بن المسيب عن سعد ولم يدركه سعيد، فإن سعداً توفي بالشام سنة خمس عشرة. وقيل سنة إحدى عشرة ومولد سعيد بن المسيب سنة خمس عشرة، ورواه أبوداود والنسائي والحاكم أيضاً. وأحمد عن الحسن البصري عن سعد ولم يدركه أيضاً، فإن مولد الحسن سنة إحدى وعشرين، ورواه أبوداود أيضاً وغيره عن أبي إسحاق السبيعي عن رجل عن سعد- انتهى كلام المنذري. وقد ذكر نحو ذلك في مختصر السنن. ١٩٣٠- قوله: (أيما مسلم) "ما" زائدة وأي مرفوع على الابتداء (كسا) أي ألبس (على عرى) بضم فسكون أي على حالة عرى أو لأجل عرى أو لدفع عرى، وهو يشمل عرى العورة وسائر الأعضاء (كساه الله من خضر الجنة (بضم الخاء وسكون الضاد المعجمتين، جمع أخضر أي من الثياب الخضر فيها من باب إقامة الصفة مقام الموصوف، وخصها لأنها أحسن ألواناً (أطعم مسلماً) متصفاً بكونه (على جوع) يعني مسلماً جائعاً

стр. 2831

أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى على ظمأ، سقاه الله من الرحيق المختوم)) . رواه أبوداود والترمذي. ١٩٣١- (٢٩) وعن فاطمة بنت قيس، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إن في المال لحقاً سوى الزكاة، ــ (أطعمه الله) يوم القيامة (من ثمار الجنة) فيه إشارة إلى أن ثمارها أفضل أطعمتها (على ظمأ) بفتحتين مقصوراً وقد يمد أي عطش (من الرحيق المختوم) أي يسقيه من خمر الجنة الذي ختم عليه بمسك جزاء وفاقاً، إذ الجزاء من جنس العمل. قال القاري الرحيق صفوة لخمر، والشراب الخالص الذي لا غش فيه، والمختوم هو المصون الذي لم ينبذل لأجل ختامه ولم يصل إليه غير أصحابه، وهو عبارة عن نفاسته- انتهى. قال المناوي: والمراد أنه يخص بنوع من ذلك أعلى وإلا فكل من دخل الجنة كساه الله من ثيابها، وأطعمه وسقاه من ثمارها وخمرها. وفي الحديث الحث على أنواع البر وإعطاءها من هو مفتقر إليها وكون الجزاء عليها من جنس العمل (رواه أبوداود) في أواخر الزكاة (والترمذي) في أواخر الزهد وأخرجه أيضاً البيهقي من طريق أبي داود (ج٤ ص١٨٥) قال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد روى هذا عن عطية عن أبي سعيد الخدري موقوفاً، وهو أصح عندنا وأشبه- انتهى. قلت: في سند المرفوع عند الترمذي أبوالجارود الأعمى الكوفي. ورواه عن عطية العوفي عن أبي سعيد وأبوالجارود. قال الحافظ: فيه رافضي كذبه يحيى بن معين وعطية العوفي صدوق، لكنه يخطيء كثيراً شيعي مدلس، والحديث رواه أبوداود أيضاً بسند آخر أي من طريق أبي خالد الدالاني عن نبيح عن أبي سعيد. وقد سكت عنه هو، وقال المنذري: في مختصر السنن في إسناده أبوخالد يزيد بن عبد الرحمن المعروف. بالدالاني، وقد أثنى عليه غير واحد وتكلم فيه غير واحد، وقال في الترغيب حديثه حسن- انتهى. ١٩٣١-قوله: (وعن فاطمة بنت قيس) هي فاطمة ابنة قيس بن خالد القرشية الفهرية أخت الضحاك بن قيس الأمير يقال: كانت أكبر منه بعشر سنين صحابية مشهورة، وكانت من المهاجرات الأول، وكانت ذات جمال وعقل وكمال، وفي بيتها اجتمع أصحاب الشورى عند قتل عمر بن الخطاب ﵁، وخطبوا خطبتهم المأثورة، وكانت عند أبي عمر بن حفص المخزومي، وطلقها فتزوجت بعده أسامة بن زيد. وهي التي روت قصة الجساسة بطولها فانفردت بها مطولة رواها عنها الشعبي، لما قدمت الكوفة على أخيها، وهو أميرها وفي طلاقها ونكاحها بعد سنن كثيرة مستعملة، روى عنها جماعة منهم الشعبي والنخعي وأبوسلمة (إن في المال لحقاً سوى الزكاة) عند الترمذي عن فاطمة قالت: سألت أو سئل النبي ﷺ عن الزكاة فقال: إن في المال الخ

стр. 2832

ثم تلا الآية ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب﴾ ــ وفي رواية الدارقطني قلت: يا رسول الله في المال حق سوى الزكاة قال نعم ثم قرأ ﴿وآتى المال على حبه﴾ [البقرة:١٧٧] وفي رواية البيهقي عن فاطمة بنت قيس أنها سألت النبي ﷺ أو قالت: سئل عن هذه الآية: ﴿وفي أموالهم حق معلوم﴾ [المعارج:٢٤] قال إن في هذا المال حقاً سوى الزكاة وتلا هذه الآية ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم﴾ [البقرة:١٧٧] قال المناوي: قوله إن في المال لحقاً سوى الزكاة كفكاك أسير وإطعام مضطر وإنقاذ محترم فهذه حقوق واجبة غيرها، لكن وجوبها عارض فلا تدافع بينه وبين خبر "ليس" في المال حق سوى الزكاة- انتهى. وقال القاري: وذلك مثل أن لا يحرم السائل والمستقرض وأن لا يمنع متاع بيته من المستعير كالقدر والقصة وغيرهما ولا يمنع أحد الماء والملح والنار وكذا ذكره الطيبي وغيره- انتهى. قلت: حديث ليس في المال حق سوى الزكاة لا يعرف له إسناد يثبت. قال البيهقي: والذي يرويه أصحابنا في التعاليق ليس في المال حق سوى الزكاة، فلست أحفظ فيه إسناداً- انتهى. نعم روى في معناه عن أبي هريرة مرفوعاً إذا أديت الزكاة فقد قضيت ما عليك أخرجه الترمذي وحسنه، وابن ماجه والحاكم، وصححه والبيهقي: ورواه أبوداود في المراسيل، عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلاً. وروى الحاكم وصححه، والبيهقي من طريقة عن جابر مرفوعاً إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره. ورجح أبوزرعة والبيهقي، وغيرهما وقفه كما عند البزار. وأما ما وقع في سنن ابن ماجه في باب ما أدى زكاته فليس بكنز، من حديث فاطمة بنت قيس إنها سمعت النبي ﷺ يقول: ليس في المال حق سوى الزكاة. فالظاهر إنه خطأ من الناسخ، أو من الراوي كما سيأتي وقال أبوالطيب السندي في شرح الترمذي: قوله فقد قضيت ما عليك أي من حقوق المال. وهذا يقتضي أنه ليس عليه واجب مالي غير الزكاة، وباقي الصدقات كلها تطوع. وهو يشكل بصدقة الفطر والنفقات الواجبة إلا أن يقال الكلام في حقوق المال، وليس شيء من هذه الأشياء من حقوق المال، بمعنى أنه يوجبه المال، بل يوجبه أسباب أخر كالفطر والقرابة والزوجية وغير ذلك. فالحقوق التي يوجبها المال فقط، تقتضي بالزكاة- انتهى. وقيل المراد بقوله فقد قضيت ما عليك أي قضيت أعظم ما عليك من الحق. وقيل: المراد بقوله ليس "في المال حق سوى الزكاة أي ليس في المال حق مثل الزكاة سواها (ثم تلا) أي قرأ استشهاداً (ليس البر) بالرفع والنصب ﴿أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب﴾ [الآية] أي ﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبّين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة﴾ [البقرة:١٧٧] قال الطيبي وجه الاستشهاد أنه تعالى ذكر إيتاء المال في هذه الوجوه، ثم قفاه بإيتاء الزكاة فدل ذلك على أن في المال حقاً سوى الزكاة. قيل: الحق حقان: حق يوجبه الله تعالى على عباده. وحق

стр. 2833

رواه الترمذي، وابن ماجه، والدارمي. ــ يلتزمه العبد على نفسه الزكية الموقاة من الشح، الذي جبلت عليه. وعليه إشارة بقوله: على حبه أي حب الله أو حب رسوله الإيتاء - انتهى. وقال السندي في حاشية ابن ماجه: وحاصل الاستدلال إن الآية قد جمع فيها بين إيتاء المال على حبه وبين إيتاء الزكاة بالعطف المقتضى للمغايرة. وهذا دليل على أن في المال حقاً سوى الزكاة لتصح المغايرة (رواه الترمذي) الخ وأخرجه أيضاً البيهقي كلهم من طريق شريك عن أبي حمزة عن الشعبي عن فاطمة. قال الترمذي: هذا حديث إسناده ليس بذلك. وأبوحمزة ميمون الأعور يضعف، وروى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي هذا الحديث قوله، وهذا أصح - انتهى. وقال البيهقي: هذا حديث يعرف بأبي حمزة وميمون الأعور، وقد جرحه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فمن بعدهما من حفاظ الحديث- انتهى. ونسب الشوكاني هذا الحديث في فتح القدير (ج١ ص١٥١) لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي والدارقطني وابن مردويه أيضاً، وفي سنده عند الدارقطني نصر بن مزاحم وأبوبكر الهذلي وكلاهما متروك الحديث. تنبيه عزا المصنف حديث فاطمة باللفظ الذي ذكره إلى ابن ماجه أيضاً، وكذا صنع المزي في الأطراف كما قال المناوي في الكشف، ونسبه الشوكاني أيضاً في فتح القدير (ج١ ص١٥١) لابن ماجه وهذا مبني على ما وقع في أكثر نسخ ابن ماجه أو في كثير منها بلفظ: في المال حق سوى الزكاة. وقد وقع في بعض نسخة في الباب المذكور مكانه بلفظ: ليس في المال حق سوى الزكاة. قال الولي العراقي في طرح التثريب (ج١ ص١١) في شرح قوله "ومن حقها حلبها يوم وردها" في هذا دليل لمن يرى في المال حقوقاً غير الزكاة وهو مذهب أبي ذر غير واحد من التابعين. وفي جامع الترمذي عن فاطمة بنت قيس عن النبي ﷺ : (إن في المال حقاً سوى الزكاة) وهو عند ابن ماجه بلفظ: في المال حق سوى الزكاة، وفي بعض نسخه ليس في المال حق سوى الزكاة. واقتصر والدي يعني الزين العراقي ﵀ في شرح الترمذي على نقل هذا اللفظ الثاني. وقال: قال البيهقي في السنن الكبرى (ج٤ ص٨٤) إن هذا الحديث يرويه أصحابنا في التعاليق ولست أحفظ فيه إسناداً، ثم اعترض عليه والدي رواية ابن ماجه له، وقد عوفت ما في ذلك - انتهى. قلت: وكذا أعترض عليه الحافظ في التلخيص (ص١٧٣) هذه الرواية وهذا كله كما ترى يدل على اختلاف نسخ ابن ماجه في ذلك، ويدل على ذلك أيضاً إن الجزري ذكر في جامع الأصول (ج٧ ص٢٩٨) اللفظ الأول. واقتصر في تخريجه على ذكر الترمذي، ولم يذكر ابن ماجه، وبين اللفظين تخالف وتباين ظاهر. والصواب عندي ما وقع في أكثر نسخ ابن ماجه بلفظ: في المال حق سوى الزكاة لأن هذا موافق لرواية الترمذي والدارمي والدارقطني وابن جرير وغيرهم. وأما ما وقع في بعض نسخه بلفظ، ليس في المال حق سوى الزكاة فهو خطأ من الناسخ، وجنح من لم يقف على اختلاف النسخ في

стр. 2834

١٩٣٢- (٣٠) وعن بهيسة، عن أبيها، قالت: قال: يا رسول الله! ما الشيء الذي يحل منعه؟ قال: ((الماء، ــ ذلك وقد رأى في نسخته اللفظ الثاني إلى أن رواية ابن ماجه خطأ من الراوي ووهم منه، وأن المحفوظ هي رواية الترمذي والدارمي وغيرهما، لأن مدار رواية ابن ماجه على يحيى بن آدم عن شريك، وقد خالفه الأسود ابن عامر المعروف بشاذ أن عند الترمذي والبيهقي ومحمد بن الطفيل عند الدارمي والترمذي كلاهما روياه عن شريك بلفظ إن في المال حقاً سوى الزكاة. وتطرق الوهم إلى الواحد. أقرب منه إلى الاثنين، ويدل على ذلك أيضاً الاستشهاد بالآية في رواية الترمذي والدارقطني والبيهقي كما لا يخفى على المتأمل. قال السندي في حاشية ابن ماجه من نظر بين روايتين يرى أن رواية المصنف يعني ابن ماجه أقرب إلى الخطأ من رواية الترمذي لقوة رواية الترمذي بالدليل الموافق لها فيتأمل - انتهى. ١٩٣٣- قوله: (وعن بهيسة) بضم الموحدة وفتح الهاء وسكون الياء التحتية بعدها سين مهملة. قال في التقريب: بهيسة بالمهملة مصغراً الفزارية لا تعرف من الثالثة (وهي الطبقة الوسطى من التابعين) ويقال لها إن صحبة. وقال في تهذيب التهذيب: بهيسة الفزارية عن أبيها عن النبي ﷺ قال: ابن حبان لها صحبة. وقال ابن القطان قال عبد الحق: مجهولة، وهي كذلك. وقال في الإصابة: في ترجمة بهيسة لولا قول ابن حبان إن لها صحبة لما كان في الخبر ما يدل على صحبتها لأن سياق ابن مندة إن أباها استأذن النبي ﷺ فأدخل يده في قميصه، وسياق أبي داود والنسائي عن أبيها إنه استأذن وهو المعتمد - انتهى. وقال الذهبي: في التجريد، بهيسة أدركت النبي ﷺ وروت عن أبيها، روى سيار بن منظور عن أبيه عنها، وعلم عليها د، ع وذكرها ابن الأثير في أسد الغابة. وقال أدركت النبي ﷺ وروت عن أبيها ثم ذكر حديث الباب (عن أبيها) اسمه عمير بالتصغير صحابي، قال الحافظ: في تهذيب التهذيب أبوبهيسة الفزاري عن النبي ﷺ : وعنه بنته بهيسة، ترجم له ابن مندة وغيره في الكنى، وسماه ابن عبد البر في الاستيعاب عميراً. وقال في الأسماء من الإصابة: عمير الفزاري والد بهيسة ذكره أبوعمر فسماه عميراً، ولم أره لغيره ويأتي في الكنى- انتهى. وقال في الكنى أبوبهيسة الفزاري ذكره أبوالبشر الدولابي في الكنى، وأورد له من طريق كهمس عن سيار بن منظور عن أبيه هذا الحديث. ثم قال بعد بيان الاختلاف فيه، وذكر ابن عبد البر اسم والد بهيسة عمير- انتهى. وذكره الذهبي في تجريده في الأسماء والكنى. وقال لم يصح حديثه (قالت قال) أي أبوها (ما الشيء الذي لا يحل منعه: قال الماء) أي عند عدم احتياج صاحب الماء إليه وإنما أطلق بناء على وسعه عادة. وقيل: المراد إن الماء من الأشياء المحقرة التي لا ينبغي للإنسان منعها من المحتاج والجار، وسيأتي بسط الكلام عليه في باب المنهي عنها من

стр. 2835

قال يا نبي الله! ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: الملح، قال: يا نبي الله! ما الشيء الذي لا يحل منعه، قال: أن تفعل الخير لك)) رواه أبوداود. ١٩٣٣- (٣١) وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أحيا أرضاً ميتة فله فيها أجر، وما أكلت العافية ــ البيوع، وفي باب إحياء الموات والشرب. (قال يا نبي الله) تفنن في العبارة (قال الملح) لكثرة احتياج الناس إليه وبذله عرفاً. قال الشوكاني: ظاهر الحديث عدم الفرق بين ما كان في معدنه أو قد انفصل عنه ولا فرق بين جميع أنواعه الصالحة للانتفاع بها. وقال الخطابي: معنى هذا الحديث الملح إذا كان في معدنه في أرض أو جبل غير مملوك، فإن أحداً لا يمنع من أخذه. وأما إذا صار في حيز مالكه فهو أولى به، وله منعه ويبعه والتصرف فيه كسائر أملاكه - انتهى. (إن تفعل الخير) مصدرية أي فعل الخير جميعه (خير لك) يعنى فعل الخير الذي تدعو إليه نفسك الزكية خير لك لا يحل لك منعه، فهذه القرينة أعم من الأوليين فهي كالتذييل لهما. قال القاري: قوله إن تفعل الخير لك لقوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره﴾ [الزلزال: ٧] والخير لا يحل منعه فهذا تعميم بعد تخصيص وإيماء إلى أن قوله لا يحل بمعنى لا ينبغي (رواه أبوداود) في الزكاة وفي البيوع وأخرجه أيضاً الدارمي في البيوع بلفظ: ما الشيء الذي لا يحل منعه. فقال: الملح والماء فقال ما الشيء الذي لا يحل منعه قال إن تفعل الخير خير لك قال ما الشيء الذي لا يحل منعه. قال إن تفعل الخير خير لك_ وانتهى إلى الملح والماء - انتهى. ونسبه المجد بن تيمية في المنتقى لأحمد وأبي داود والحديث سكت عنه أبوداود والمنذري وأعله عبد الحق وابن قطان بأن بهيسة لا تعرف. قال الشوكاني وتعقب: بأنه ذكرها ابن حبان وغيره في الصحابة، ولحديثها شواهد يريد بها، ما روى في الباب من حديث أبي هريرة عند ابن ماجه بسند صحيح، ثلاث لا يمنعن. الماء والكلأ، والنار. ومن حديث عائشة عند ابن ماجه أيضاً قالت: يا رسول الله: ما الشيء الذي لا يحل منعه قال الماء، والملح، والنار- الحديث. وإسناده ضعيف، ومن حديث أنس عند الطبراني. في الصغير خصلتان لا يحل منعهما. الماء والنار، قال أبوحاتم في العلل هذا حديث منكر ومن حديث عبد الله بن سرجس عند العقيلي في الضعفاء نحو حديث بهيسة. ومن حديث ابن عباس عند ابن ماجه. ومن حديث ابن عمر عند الطبراني بلفظ: المسلمون شركاء في ثلاث. في الماء، والكلأ، والنار. ١٩٣٣- قوله: (من أحياء أرضاً ميتة) أي زرع أرضاً يابسة شبهها بالميت بجامع عدم النفع، وشبه تعميرها بالسقي والزرع أو الغرس بالإحياء بجامع النفع (فله فيها) أي في نفس أحيائها (أجر وما أكلت العافية)

стр. 2836

منة فهو له صدقة)) رواه الدارمي. ١٩٣٤- (٣٢) وعن البراء، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من منح منحة لبن أو ورق، أو هدى زقاقاً، كان له مثل عتق رقبة)) . ــ أي كل طالب رزق من إنسان أو بهيمة أو طائر من عفوته أي أتيته أطلب معروفة وعافية الماء واردته. وفي بعض الروايات العوافي أي طلاب الرزق (منه) أي من حاصل الأرض وريعها أو من المأكول أو من النبات وفي سنن الدارمي منها (فهو له صدقة) أي إذا كان له راضياً أو متحملاً صابراً (رواه الدارمي) في البيوع. وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي في الكبرى، وابن حبان والضياء في المختارة، كلهم من رواية هشام بن عروة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن رافع عن جابر، وهذا إسناد صحيح. قال الحافظ في التلخيص: صرح عند ابن حبان بسماع هشام من عبيد الله وبسماعه من جابر، ورواه أيضاً من طريق وهب بن كيسان عن جابر الجملة الأولى. واستدل به ابن حبان على أن الذمي لا يملك الموات. لأن لأجر إنما يكون للمسلم وتعقبه المحب الطبري بأن الكافر يتصدق ويجازي عليه في الدنيا كما ورد به الحديث: قلت (قائلة الحافظ) وقول ابن حبان أقرب للصواب، وظاهر الحديث معه، والمتبادر إلى الفهم منه، إن إطلاق الأجر إنما يراد به الأخروي. ١٩٣٤-قوله: (وعن البراء) أي ابن عازب (من منح) أي أعطى (منحة لبن) في الترمذي منيحة لبن، وقد سبق معناهما، والإضافة فيها بيانية. قال القاري: والأظهر إن في المنحة تجريداً بمعنى مطلق العطية ليصح العطف بقوله (أو ورق) بكسر الراء وسكونها، وهي قرض الدراهم. لأن المنحة مردودة- انتهى. وقال في اللمعات: المنحة العطية فإضافته إلى اللبن ظاهر، ثم ذكر المراد من منحة اللبن. ثم قال: وعطف الورق على اللبن، إن كان المنحة بمعنى العطية، فظاهر. وإن كان بمعنى الناقة أو الشاة المعطاة فمجاز، ومشاكلة. والمراد من منحة الورق، قرض الدراهم، وإنما فسروه به، لأن المنحة من شأنها إن ترد على صاحبها. وقال الجزري: منحة الورق القرض، ومنحة اللبن أن يعطيه ناقة، أو شأة ينتفع بلبنها ويعيدها، وكذلك إذا أعطاه لينتفع بوبرها وصوفها زماناً، ثم يردها. ومنه الحديث المنحة مردودة- انتهى. (أو هدى زقاقاً) قال الجزري: الزقاق بالضم الطريق، يريد من دل الضال أو الأعمى على طريقة. وقيل: أراد من تصدق بزقاق من النخل وهي السكة منها. والأول أشبه لأن هدى من الهداية لا من الهدية- انتهى. قلت: وقع في حديث النعمان بن بشير عند أحمد أهدى زقاقاً من الإهداء، فالمراد بالزقاق في هذا الحديث هو السكة أي الصف والسطر من النخل، وبالإهداء التصدق (كان له) أي ثبت له (مثل عتق رقبة) أي كان ما ذكر له مثل إعتاق رقبة، ووجه الشبه نفع الخلق والإحسان إليهم

стр. 2837

رواه الترمذي. ١٩٣٥- (٣٣) وعن أبي جرى جابر بن سليم، قال: ((أتيت المدينة، فرأيت رجلاً يصدر الناس عن رأيه، لا يقول شيئاً إلا صدوراً عنه. قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله. قال: قلت: عليك السلام يا رسول الله! مرتين. قال لا تقل عليك السلام. عليك السلام تحية الميت، ــ (رواه الترمذي) في البر والصلة. وقال: هذا حديث صحيح غريب. وأخرجه أيضاً أحمد وابن حبان في صحيحه، والبغوي في شرح السنة، وفي الباب عن النعمان بن بشير عند أحمد (ج٤ ص٢٧٢) بلفظ: من منح منيحة ورقاً أو ذهباً أو سقي لبناً أو أهدى زقاقاً فهو كعدل رقبة. ١٩٣٥- قوله: (وعن أبي جرى) بضم الجيم وفتح الراء وتشديد الياء (جابر بن سليم) بالتصغير. ويقال: سليم بن جابر الهجيمي بالتصغير التميمي من بلهجيم ابن عمرو بن تميم صحابي معروف، روى عنه جماعة. منهم أبوتميمة الهجيمى ومحمد بن سيرين. قال الحافظ: قال البخاري جابر بن سليم أصح، وكذا ذكر البغوي والترمذي وابن حبان وغيرهم (يصدر الناس) أي يرجعون (عن رأية) يعني يعملون بقوله ورأيه والصدور الرجوع عن المنهل بعد الري قال الطيبي وغيره: أي ينصرفون عما رآه ويستصوبونه شبه المنصرفين عن حضرته بعد توجههم إليه ليسألوا عن مصالح معادهم ومعاشهم وأمور دينهم. واغترافهم من بحار علمه وفضله بالصادرين عن ورودهم على المنهل وارتوائهم (لا يقول شيئاً إلا صدرواً عنه) أي يأخذون منه كل ما حكم به ويقبلون حكمه وقوله (لا تقل عليك السلام) أي ابتداء وهو نهي تنزيه قاله القاري (عليك السلام) في أبي داود فإن عليك السلام (تحية الميت) أي في زمان الجاهلية. قال الخطابي: هذا يوهم إن السنة في تحية الميت أن يقال له عليك السلام كما يفعله كثير من العامة. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه دخل المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، فقدم الدعاء على اسم المدعو له كهو في تحية الإحياء، وإنما كان ذلك القول منه إشارة إلى ما جرت به العادة، منهم في تحية الأموات إذ كانوا يقدمون اسم الميت على الدعاء، وهو مذكور في إشعارهم كقول الشاعر: عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته إن شاء أن يترحما وكقول الشماخ: عليك سلام من أمير وباركت يد الله في ذاك الأديم الممزق والسنة لا تختلف في تحية الإحياء والأموات بدليل حديث أبي هريرة الذي ذكرناه والله أعلم- انتهى. وقال ابن القيم في زاد المعاد: وكان هديه في ابتداء السلام، أن يقول السلام عليكم ورحمة الله وكان يكره أن يقول

стр. 2838

قل: السلام عليك. قلت: أنت رسول الله، فقال: أنا رسول الله، الذي إن أصابك ضر فدعوته كشفه عنك. وإن أصابك عام سنة، فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفر أو فلاة فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك. قلت: أعهد إلي. قال: لا تسبن أحداً. قال: فما سببت بعده ــ المبتدي عليك السلام، ثم ذكر ابن القيم حديث أبي جرى هذا. ثم قال: وقد أشكل هذا الحديث على طائفة وظنوه معارضاً لما ثبت عنه ﷺ في السلام على الأموات بلفظ: السلام عليكم بتقديم السلام فظنوا إن قوله فإن عليك السلام تحية الموتى إخبار عن المشروع وغلطوا في ذلك غلطاً أوجب لهم ذلك ظن التعارض، وإنما معنى قوله فإن عليك السلام تحية الموتى إخبار عن الواقع لا المشروع أي إن الشعراء وغيرهم يحيون الموتى بهذه اللفظة كقول قائلهم: عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما فما كان هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما فكره النبي ﷺ أن يحي بتحية الأموات ومن كراهته لذلك لم يرد على المسلم، وكان يرد على المسلم، وعليك السلام بالواو. وبتقديم عليك على لفظ السلام - انتهى. قال شيخنا في شرح الترمذي: في قوله ومن كراهته لذلك لم يرد على المسلم نظر. فإنه قد وقع في رواية الترمذي، ثم رد على النبي ﷺ قال وعليك ورحمة الله انتهى. (الذي) صفة لله تعالى يدل عليه رواية أحمد قلت: يا رسول الله! إلى ما تدعو قال أدعو إلى الله وحده الذي إن مسك ضر فدعوته كشف عنك، والذي إن ضللت بأرض قفر فدعوته رد عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت عليك (إن أصابك) وفي أبي داود الذي إذا أصابك (ضر) بضم الضاد ويفتح (فدعوته) بصيغة الخطاب (كشفه عنك) أي دفع ذلك الضر وإزالة عنك (عام سنة) أي قحط وجدب. قال المنذري: السنة هي العام المقحط الذي لم تنبت فيه الأرض شيئاً، سواء نزل غيث، أو لم ينزل (أنبتها لك) أي صيرها ذات نبات لك أي بدلها خصباً (بأرض قفر) قال القاري: وفي نسخة بالإضافة والقفر بفتح القاف وسكون الفاء، أي خالية عن الشجر، والماء. قال أهل اللغة القفر الخلاء من الأرض لا ماء فيه ولا ناس ولا كلأ يقال: أرض قَفر وأرض قِفار (أو فلاة) بفتح الفاء وهي المفازة والصحراء الواسعة، وأو للشك. وقيل: للتنويع على أن المراد بالقفر المفازة المهلكة، وبالفلاة المفازة الخطرة (فضلت راحلتك) أي غابت عنك (أعهد إلي) بفتح الهاء أي أوصني بما ينفعني (لا تسبن أحداً) بضم السين أي لا تشمته (فما سبب بعده) أي بعد عهده أحداً

стр. 2839

حراً ولا عبداً ولا بعيراً ولا شأة، قال: ولا تحقرن شيئاً من المعروف، وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، إن ذلك من المعروف، وارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار، فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة، وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك، فلا تعيره بما تعلم فيه، فإنما وبال ذلك عليه)) . رواه أبوداود، وروى الترمذي منه حديث السلام. وفي رواية: فيكون لك أجر ذلك ووباله عليه. ــ (حراً ولا عبداً ولا بعيراً ولا شأة) أي لا إنساناً ولا حيواناً (وإن تكلم أخاك) قيل: أي وكلم أخاك تكليماً فحذف الفعل العامل، وأضيف المصدر إلى الفاعل أي تكليمك أخاك ثم وضع الفعل، مع أن موضع المصدر وهو معطوف على النهي كذا في الشرح، وهو تكلف ذكره الطيبي. وقال غيره: قوله "وإن تكلم أخاك" إما عطف على شيء وإن ذلك من المعروف مستأنف علة له، أو مبتدأ وإن ذلك خبره (وأنت منبسط إليه وجهك) بالرفع على أنه فاعل منبسط والجملة حال (إن ذلك) بكسر الهمزة على الاستئناف التغليبي، وفي بعض النسخ بفتحها للعلة. والمعنى إن ما ذكر من التكليم مع انبساط الوجه وطلاقته (من) جملة (المعروف) وفي رواية لأحمد ولا تحقرن من المعروف شيئاً ولو إن تكلم أخاك ووجهك إليه منبسط (فإن أبيت) رفع إزارك إلى نصف الساق (فإلى الكعبين) أي فأرفعه إليهما ولا تتجاوز عنهما (وإياك وإسبال الإزار) أي اجتنب وأحذر إرسال الإزار وإرخاءه نازلاً عن الكعبين (فإنها) أي أي هذه الفعلة أو الخصلة التي هي تسبيل الإزار (من المخيلة) بفتح الميم وكسر الخاء وسكون الياء من الاختيال، وهو الكبر واستحقار الناس (وإن امرأ شتمك) أي سبك (وعيرك) أي وبخك عيبك (بما يعلم فيك) أي لأمك وعذلك لما يعلم فيك من عيبك (فلا تعيره بما تعلم فيه) أي فضلاً عما لا تعلم فيه (فإنما وبال ذلك) أي آثم ما ذكر من الشتم والتعيير (عليه) أي على ذلك المرء ولا يضرك شيء وفي رواية لأحمد فإن أجر ذلك لك ووباله عليه (رواه أبوداود) في اللباس (وروى الترمذي) في الاستئذان (منه) أي من الحديث (حديث السلام) أي صدر الحديث وهو ما يتعلق بالسلام (وفي رواية فيكون لك أجر ذلك ووباله عليه) لم أقف على هذه الرواية وروى أحمد بنحوها، والحديث أخرجه أحمد (ج٣ ص٤٨٢- ٤٨٣) (وج٥ ص٦٣- ٦٤) وابن حبان في صحيحه، وابن عبد البر في الاستيعاب مطولاً، والنسائي في الكبرى مختصراً وسكت عنه أبوداود وصححه الترمذي، والنووي، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره.

стр. 2840

١٩٣٦- (٣٤) وعن عائشة، أنهم ذبحوا شأة، فقال النبي ﷺ : ((ما بقي منها؟ قالت: ما بقي منها إلا كتفها، قال: بقي كلها غير كتفها)) . رواه الترمذي، وصححه. ١٩٣٧- (٣٥) وعن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من مسلم كسا مسلماً ثوباً إلا كان في حفظ من الله مادام عليه منه خرقة)) . رواه أحمد، والترمذي. ــ ١٩٣٦- قوله: (إنهم ذبحوا) أي أصحاب النبي ﷺ أو أهل بيت ﵃ وهو الظاهر (ما بقي منها) على الاستفهام أي أي شيء بقي من الشاة (قالت ما بقي منها إلا كتفها) أي التي لم يتصدق بها (قال بقي كلها غير كتفها) بالنصب والرفع أي ما تصدقت به فهو باق، وما بقي عندك فهو غير باق. إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ما عندكم ينفد وما عند الله باق﴾ [النحل:٩٦] وقال المنذري: معناه إنهم تصدقوا بها إلا كتفها (رواه الترمذي) في الزهد (وصححه) نقل المنذري في الترغيب تصيح الترمذي وأقره، وفي الباب عن أبي هريرة عند البزار ذكره الهيثمي (ج٣ ص١٠٩) وقال: رجاله ثقات. ١٩٣٧-قوله: (إلا كان في حفظ) قال الطيبي: أي في حفظ أيّ حفظ (من الله) قال ابن الملك: وإنما لم يقل في حفظ الله ليدل التنكير على نوع تفخيم وشيوع، وهذا في الدنيا، وأما في الآخرة فلا حصر ولا عدل لثوابه- انتهى. قلت: قوله "في حفظ من الله" هكذا في جميع النسخ، وكذا وقع في المصابيح والذي في جامع الترمذي في حفظ الله أي بالإضافة، وهكذا نقله المنذري في الترغيب والسيوطي في الجامع الصغير، والجزري في جامع الأصول (ج١٠ص ٣١٩) (ما دام عليه) أي على من كساه (منه) أي من الثوب (خرقة) أي قطعة. قال المناوي: يعني حتى يبلي. وقال: ومفهوم هذا الحديث إنه لو كسا ذمياً لا يكون له هذا الوعد (رواه أحمد) لم أجده في مسنده عبد الله بن عباس ولعله ذكره في أثناء مسند غيره من الصحابة، أو هذا سهو من المصنف ويقوى ذلك إنه لم ينسبه المنذري في الترغيب والسيوطي في الجامع الصغير لأحمد والله أعلم (والترمذي) في الزهد وأخرجه الحاكم (ج٤ ص١٩٦) بلفظ: من كسا مسلماً ثوباً لم يزل في ستر الله ما دام عليه منه خيط أو سلك، والحديث حسنه الترمذي. وقال الحاكم: صحيح الإسناد وتعقبه الذهبي. فقال خالد ضعيف- انتهى. قلت: في سند هذا الحديث خالد بن طهمان أبوالعلاء الخفاف الكوفي. قال في تهذيب التهذيب. قال ابن معين: ضعيف خلط قبل موته بعشر سنين، وكان قبل ذلك ثقة وكان في تخليطه كلما جاؤا به يقر به. وقال أبوحاتم: هو من عتق الشيعة محله الصدق وذكره ابن حبان في الثقات وقال يخطئ ويهم. وقال في التقريب: صدوق رمى بالتشيع ثم اختلط.
следующие страницы →