← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

منة فهو له صدقة)) رواه الدارمي. ١٩٣٤- (٣٢) وعن البراء، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من منح منحة لبن أو ورق، أو هدى زقاقاً، كان له مثل عتق رقبة)) . ــ أي كل طالب رزق من إنسان أو بهيمة أو طائر من عفوته أي أتيته أطلب معروفة وعافية الماء واردته. وفي بعض الروايات العوافي أي طلاب الرزق (منه) أي من حاصل الأرض وريعها أو من المأكول أو من النبات وفي سنن الدارمي منها (فهو له صدقة) أي إذا كان له راضياً أو متحملاً صابراً (رواه الدارمي) في البيوع. وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي في الكبرى، وابن حبان والضياء في المختارة، كلهم من رواية هشام بن عروة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن رافع عن جابر، وهذا إسناد صحيح. قال الحافظ في التلخيص: صرح عند ابن حبان بسماع هشام من عبيد الله وبسماعه من جابر، ورواه أيضاً من طريق وهب بن كيسان عن جابر الجملة الأولى. واستدل به ابن حبان على أن الذمي لا يملك الموات. لأن لأجر إنما يكون للمسلم وتعقبه المحب الطبري بأن الكافر يتصدق ويجازي عليه في الدنيا كما ورد به الحديث: قلت (قائلة الحافظ) وقول ابن حبان أقرب للصواب، وظاهر الحديث معه، والمتبادر إلى الفهم منه، إن إطلاق الأجر إنما يراد به الأخروي. ١٩٣٤-قوله: (وعن البراء) أي ابن عازب (من منح) أي أعطى (منحة لبن) في الترمذي منيحة لبن، وقد سبق معناهما، والإضافة فيها بيانية. قال القاري: والأظهر إن في المنحة تجريداً بمعنى مطلق العطية ليصح العطف بقوله (أو ورق) بكسر الراء وسكونها، وهي قرض الدراهم. لأن المنحة مردودة- انتهى. وقال في اللمعات: المنحة العطية فإضافته إلى اللبن ظاهر، ثم ذكر المراد من منحة اللبن. ثم قال: وعطف الورق على اللبن، إن كان المنحة بمعنى العطية، فظاهر. وإن كان بمعنى الناقة أو الشاة المعطاة فمجاز، ومشاكلة. والمراد من منحة الورق، قرض الدراهم، وإنما فسروه به، لأن المنحة من شأنها إن ترد على صاحبها. وقال الجزري: منحة الورق القرض، ومنحة اللبن أن يعطيه ناقة، أو شأة ينتفع بلبنها ويعيدها، وكذلك إذا أعطاه لينتفع بوبرها وصوفها زماناً، ثم يردها. ومنه الحديث المنحة مردودة- انتهى. (أو هدى زقاقاً) قال الجزري: الزقاق بالضم الطريق، يريد من دل الضال أو الأعمى على طريقة. وقيل: أراد من تصدق بزقاق من النخل وهي السكة منها. والأول أشبه لأن هدى من الهداية لا من الهدية- انتهى. قلت: وقع في حديث النعمان بن بشير عند أحمد أهدى زقاقاً من الإهداء، فالمراد بالزقاق في هذا الحديث هو السكة أي الصف والسطر من النخل، وبالإهداء التصدق (كان له) أي ثبت له (مثل عتق رقبة) أي كان ما ذكر له مثل إعتاق رقبة، ووجه الشبه نفع الخلق والإحسان إليهم

стр. 2837

رواه الترمذي. ١٩٣٥- (٣٣) وعن أبي جرى جابر بن سليم، قال: ((أتيت المدينة، فرأيت رجلاً يصدر الناس عن رأيه، لا يقول شيئاً إلا صدوراً عنه. قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله. قال: قلت: عليك السلام يا رسول الله! مرتين. قال لا تقل عليك السلام. عليك السلام تحية الميت، ــ (رواه الترمذي) في البر والصلة. وقال: هذا حديث صحيح غريب. وأخرجه أيضاً أحمد وابن حبان في صحيحه، والبغوي في شرح السنة، وفي الباب عن النعمان بن بشير عند أحمد (ج٤ ص٢٧٢) بلفظ: من منح منيحة ورقاً أو ذهباً أو سقي لبناً أو أهدى زقاقاً فهو كعدل رقبة. ١٩٣٥- قوله: (وعن أبي جرى) بضم الجيم وفتح الراء وتشديد الياء (جابر بن سليم) بالتصغير. ويقال: سليم بن جابر الهجيمي بالتصغير التميمي من بلهجيم ابن عمرو بن تميم صحابي معروف، روى عنه جماعة. منهم أبوتميمة الهجيمى ومحمد بن سيرين. قال الحافظ: قال البخاري جابر بن سليم أصح، وكذا ذكر البغوي والترمذي وابن حبان وغيرهم (يصدر الناس) أي يرجعون (عن رأية) يعني يعملون بقوله ورأيه والصدور الرجوع عن المنهل بعد الري قال الطيبي وغيره: أي ينصرفون عما رآه ويستصوبونه شبه المنصرفين عن حضرته بعد توجههم إليه ليسألوا عن مصالح معادهم ومعاشهم وأمور دينهم. واغترافهم من بحار علمه وفضله بالصادرين عن ورودهم على المنهل وارتوائهم (لا يقول شيئاً إلا صدرواً عنه) أي يأخذون منه كل ما حكم به ويقبلون حكمه وقوله (لا تقل عليك السلام) أي ابتداء وهو نهي تنزيه قاله القاري (عليك السلام) في أبي داود فإن عليك السلام (تحية الميت) أي في زمان الجاهلية. قال الخطابي: هذا يوهم إن السنة في تحية الميت أن يقال له عليك السلام كما يفعله كثير من العامة. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه دخل المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، فقدم الدعاء على اسم المدعو له كهو في تحية الإحياء، وإنما كان ذلك القول منه إشارة إلى ما جرت به العادة، منهم في تحية الأموات إذ كانوا يقدمون اسم الميت على الدعاء، وهو مذكور في إشعارهم كقول الشاعر: عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته إن شاء أن يترحما وكقول الشماخ: عليك سلام من أمير وباركت يد الله في ذاك الأديم الممزق والسنة لا تختلف في تحية الإحياء والأموات بدليل حديث أبي هريرة الذي ذكرناه والله أعلم- انتهى. وقال ابن القيم في زاد المعاد: وكان هديه في ابتداء السلام، أن يقول السلام عليكم ورحمة الله وكان يكره أن يقول

стр. 2838

قل: السلام عليك. قلت: أنت رسول الله، فقال: أنا رسول الله، الذي إن أصابك ضر فدعوته كشفه عنك. وإن أصابك عام سنة، فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفر أو فلاة فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك. قلت: أعهد إلي. قال: لا تسبن أحداً. قال: فما سببت بعده ــ المبتدي عليك السلام، ثم ذكر ابن القيم حديث أبي جرى هذا. ثم قال: وقد أشكل هذا الحديث على طائفة وظنوه معارضاً لما ثبت عنه ﷺ في السلام على الأموات بلفظ: السلام عليكم بتقديم السلام فظنوا إن قوله فإن عليك السلام تحية الموتى إخبار عن المشروع وغلطوا في ذلك غلطاً أوجب لهم ذلك ظن التعارض، وإنما معنى قوله فإن عليك السلام تحية الموتى إخبار عن الواقع لا المشروع أي إن الشعراء وغيرهم يحيون الموتى بهذه اللفظة كقول قائلهم: عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما فما كان هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما فكره النبي ﷺ أن يحي بتحية الأموات ومن كراهته لذلك لم يرد على المسلم، وكان يرد على المسلم، وعليك السلام بالواو. وبتقديم عليك على لفظ السلام - انتهى. قال شيخنا في شرح الترمذي: في قوله ومن كراهته لذلك لم يرد على المسلم نظر. فإنه قد وقع في رواية الترمذي، ثم رد على النبي ﷺ قال وعليك ورحمة الله انتهى. (الذي) صفة لله تعالى يدل عليه رواية أحمد قلت: يا رسول الله! إلى ما تدعو قال أدعو إلى الله وحده الذي إن مسك ضر فدعوته كشف عنك، والذي إن ضللت بأرض قفر فدعوته رد عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت عليك (إن أصابك) وفي أبي داود الذي إذا أصابك (ضر) بضم الضاد ويفتح (فدعوته) بصيغة الخطاب (كشفه عنك) أي دفع ذلك الضر وإزالة عنك (عام سنة) أي قحط وجدب. قال المنذري: السنة هي العام المقحط الذي لم تنبت فيه الأرض شيئاً، سواء نزل غيث، أو لم ينزل (أنبتها لك) أي صيرها ذات نبات لك أي بدلها خصباً (بأرض قفر) قال القاري: وفي نسخة بالإضافة والقفر بفتح القاف وسكون الفاء، أي خالية عن الشجر، والماء. قال أهل اللغة القفر الخلاء من الأرض لا ماء فيه ولا ناس ولا كلأ يقال: أرض قَفر وأرض قِفار (أو فلاة) بفتح الفاء وهي المفازة والصحراء الواسعة، وأو للشك. وقيل: للتنويع على أن المراد بالقفر المفازة المهلكة، وبالفلاة المفازة الخطرة (فضلت راحلتك) أي غابت عنك (أعهد إلي) بفتح الهاء أي أوصني بما ينفعني (لا تسبن أحداً) بضم السين أي لا تشمته (فما سبب بعده) أي بعد عهده أحداً

стр. 2839

حراً ولا عبداً ولا بعيراً ولا شأة، قال: ولا تحقرن شيئاً من المعروف، وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، إن ذلك من المعروف، وارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار، فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة، وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك، فلا تعيره بما تعلم فيه، فإنما وبال ذلك عليه)) . رواه أبوداود، وروى الترمذي منه حديث السلام. وفي رواية: فيكون لك أجر ذلك ووباله عليه. ــ (حراً ولا عبداً ولا بعيراً ولا شأة) أي لا إنساناً ولا حيواناً (وإن تكلم أخاك) قيل: أي وكلم أخاك تكليماً فحذف الفعل العامل، وأضيف المصدر إلى الفاعل أي تكليمك أخاك ثم وضع الفعل، مع أن موضع المصدر وهو معطوف على النهي كذا في الشرح، وهو تكلف ذكره الطيبي. وقال غيره: قوله "وإن تكلم أخاك" إما عطف على شيء وإن ذلك من المعروف مستأنف علة له، أو مبتدأ وإن ذلك خبره (وأنت منبسط إليه وجهك) بالرفع على أنه فاعل منبسط والجملة حال (إن ذلك) بكسر الهمزة على الاستئناف التغليبي، وفي بعض النسخ بفتحها للعلة. والمعنى إن ما ذكر من التكليم مع انبساط الوجه وطلاقته (من) جملة (المعروف) وفي رواية لأحمد ولا تحقرن من المعروف شيئاً ولو إن تكلم أخاك ووجهك إليه منبسط (فإن أبيت) رفع إزارك إلى نصف الساق (فإلى الكعبين) أي فأرفعه إليهما ولا تتجاوز عنهما (وإياك وإسبال الإزار) أي اجتنب وأحذر إرسال الإزار وإرخاءه نازلاً عن الكعبين (فإنها) أي أي هذه الفعلة أو الخصلة التي هي تسبيل الإزار (من المخيلة) بفتح الميم وكسر الخاء وسكون الياء من الاختيال، وهو الكبر واستحقار الناس (وإن امرأ شتمك) أي سبك (وعيرك) أي وبخك عيبك (بما يعلم فيك) أي لأمك وعذلك لما يعلم فيك من عيبك (فلا تعيره بما تعلم فيه) أي فضلاً عما لا تعلم فيه (فإنما وبال ذلك) أي آثم ما ذكر من الشتم والتعيير (عليه) أي على ذلك المرء ولا يضرك شيء وفي رواية لأحمد فإن أجر ذلك لك ووباله عليه (رواه أبوداود) في اللباس (وروى الترمذي) في الاستئذان (منه) أي من الحديث (حديث السلام) أي صدر الحديث وهو ما يتعلق بالسلام (وفي رواية فيكون لك أجر ذلك ووباله عليه) لم أقف على هذه الرواية وروى أحمد بنحوها، والحديث أخرجه أحمد (ج٣ ص٤٨٢- ٤٨٣) (وج٥ ص٦٣- ٦٤) وابن حبان في صحيحه، وابن عبد البر في الاستيعاب مطولاً، والنسائي في الكبرى مختصراً وسكت عنه أبوداود وصححه الترمذي، والنووي، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره.

стр. 2840

١٩٣٦- (٣٤) وعن عائشة، أنهم ذبحوا شأة، فقال النبي ﷺ : ((ما بقي منها؟ قالت: ما بقي منها إلا كتفها، قال: بقي كلها غير كتفها)) . رواه الترمذي، وصححه. ١٩٣٧- (٣٥) وعن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من مسلم كسا مسلماً ثوباً إلا كان في حفظ من الله مادام عليه منه خرقة)) . رواه أحمد، والترمذي. ــ ١٩٣٦- قوله: (إنهم ذبحوا) أي أصحاب النبي ﷺ أو أهل بيت ﵃ وهو الظاهر (ما بقي منها) على الاستفهام أي أي شيء بقي من الشاة (قالت ما بقي منها إلا كتفها) أي التي لم يتصدق بها (قال بقي كلها غير كتفها) بالنصب والرفع أي ما تصدقت به فهو باق، وما بقي عندك فهو غير باق. إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ما عندكم ينفد وما عند الله باق﴾ [النحل:٩٦] وقال المنذري: معناه إنهم تصدقوا بها إلا كتفها (رواه الترمذي) في الزهد (وصححه) نقل المنذري في الترغيب تصيح الترمذي وأقره، وفي الباب عن أبي هريرة عند البزار ذكره الهيثمي (ج٣ ص١٠٩) وقال: رجاله ثقات. ١٩٣٧-قوله: (إلا كان في حفظ) قال الطيبي: أي في حفظ أيّ حفظ (من الله) قال ابن الملك: وإنما لم يقل في حفظ الله ليدل التنكير على نوع تفخيم وشيوع، وهذا في الدنيا، وأما في الآخرة فلا حصر ولا عدل لثوابه- انتهى. قلت: قوله "في حفظ من الله" هكذا في جميع النسخ، وكذا وقع في المصابيح والذي في جامع الترمذي في حفظ الله أي بالإضافة، وهكذا نقله المنذري في الترغيب والسيوطي في الجامع الصغير، والجزري في جامع الأصول (ج١٠ص ٣١٩) (ما دام عليه) أي على من كساه (منه) أي من الثوب (خرقة) أي قطعة. قال المناوي: يعني حتى يبلي. وقال: ومفهوم هذا الحديث إنه لو كسا ذمياً لا يكون له هذا الوعد (رواه أحمد) لم أجده في مسنده عبد الله بن عباس ولعله ذكره في أثناء مسند غيره من الصحابة، أو هذا سهو من المصنف ويقوى ذلك إنه لم ينسبه المنذري في الترغيب والسيوطي في الجامع الصغير لأحمد والله أعلم (والترمذي) في الزهد وأخرجه الحاكم (ج٤ ص١٩٦) بلفظ: من كسا مسلماً ثوباً لم يزل في ستر الله ما دام عليه منه خيط أو سلك، والحديث حسنه الترمذي. وقال الحاكم: صحيح الإسناد وتعقبه الذهبي. فقال خالد ضعيف- انتهى. قلت: في سند هذا الحديث خالد بن طهمان أبوالعلاء الخفاف الكوفي. قال في تهذيب التهذيب. قال ابن معين: ضعيف خلط قبل موته بعشر سنين، وكان قبل ذلك ثقة وكان في تخليطه كلما جاؤا به يقر به. وقال أبوحاتم: هو من عتق الشيعة محله الصدق وذكره ابن حبان في الثقات وقال يخطئ ويهم. وقال في التقريب: صدوق رمى بالتشيع ثم اختلط.

стр. 2841

١٩٣٨- (٣٦) وعن عبد الله بن مسعود، يرفعه، قال: ((ثلاثة يحبهم الله: رجل قام من الليل يتلو كتاب الله، ورجل يتصدق بصدقة بيمينه يخفيها أراه قال: من شماله، ورجل كان في سرية فانهزم أصحابه، فاستقبل العدو)) . رواه الترمذي. وقال: هذا حديث غير محفوظ، أحد رواته أبوبكر بن عياش، كثير الغلط. ــ ١٩٣٨- قوله: (يرفعه) أي يرفع الحديث إلى النبي ﷺ ولو لم يقل هذا لأوهم أن يكون الحديث موقرفاً على ابن مسعود لقوله بعده (قال ثلاثة) ولم ينسبه إلى النبي ﷺ (رجل قام من الليل) أي للتهجد فيه (يتلو كتاب الله) أي القرآن في صلاته وخارجها (بيمينه) فيه إيماء إلى الأدب في العطاء بأن يكون باليمين، رعاية للأدب وتفاؤلاً باليمين والبركة (يخفيها) أي يخفى تلك الصدقة غاية الإخفاء خوفاً من السمعة والرياء مبالغة في قصد المحبة والرضاء (أراه) بضم الهمزة من الإراءة أي أظنه (من شماله) أي يخفيها من شماله أريد به كمال المبالغة (ورجل كان في سرية) أي جيش صغير (فانهزم أصحابه) دونه (فاستقبل العدو) وحده أي وقاتلهم لتكون كلمة الله هي العليا (رواه الترمذي) في آخر صفة الجنة من حديث أبي بكر بن عياش عن منصور بن المعتمر عن ربعى بن حراش عن عبد الله بن مسعود (هذا حديث غير محفوظ) في نسخ الترمذي الموجودة عندنا، هذا حديث غريب غير محفوظ وقال الترمذي: بعده هذا، والصحيح ما روى شعبة وغيره عن منصور عن ربعي بن حراش عن زيد بن ظبيان عن أبي ذر، عن النبي ﷺ (وأبوبكر بن عياش) بتحتانية مشددة وشين معجمة (كثير الغلط) أي في الحديث مع كونه إماماً في القراءة. قال في التقريب: أبوبكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي المقري الحناط بمهملة ونون مشهور بكنيته، والأصح إنها اسمه يعنى أنه مختلف في اسمه (على عشرة أقوال) والصحيح إنه لا اسم له إلا كنيته، ثقة عابد إلا أنه لما كبر ساء حفظه وكتابه صحيح. وقال في مقدمة الفتح: قال أحمد ثقة وربما غلط وقال أبو نعيم: لم يكن في شيوخنا أكثر غلطاً منه، وسئل أبو حاتم عنه وعن شريك فقال: هما في الحفظ سواء، غير أن أبا بكر بن عياش أصح كتاباً منه. وقال ابن حبان: كان يحيى القطان وعلي بن المديني يسيئان الرأي فيه وذلك أنه لما كبر ساء حفظه فكان يهم، وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقاً عالماً بالحديث، إلا أنه كثير الغلط. وقال يعقوب بن شيبة: كان له علم وفقه، ورواية. وفي حديثه اضطراب. قلت: لم يرو له مسلم إلا في مقدمة صحيحة، وروى له البخاري أحاديث أكثرها بمتابعة غيره. وأعلم أن مقصود الترمذي أن أبا بكر بن عياش غلط في شيخ منصور، واسم الصحابي أيضاً. وأراد بحديث شعبة بإسناده عن أبي ذر- الحديث، الذي بعده. وهو حديث صحيح أخرجه الترمذي وغيره. ...

стр. 2842

١٩٣٩- (٣٧) وعن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يبغضهم الله، فأما الذين يحبهم الله: فرجل أتى قوماً فسآلهم بالله ولم يسألهم لقرابة بينه وبينهم فمنعوه، فتخلف رجل بأعيانهم، فأعطاه سراً، لا يعلم بعطيته إلا الله والذي أعطاه. وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به، فوضعوا رؤوسهم، فقام يتملقنى ويتلو آياتي. ورجل كان في سرية، فلقي العدو، فهزموا، فأقبل بصدره ــ ١٩٣٩- قوله: (ثلاثة يحبهم الله) أي أكثر من غيرهم (فأما الذين يحبهم الله فرجل) ظاهره إن السائل أحد الثلاثة الذين يحبهم الله وليس كذلك بل معطيه، فلا بد من تقدير مضاف أي فأحدهم معطى رجل، وكذا قوله "وقوم" بتقدير مضاف أي والثاني عابد قوم (أتى قوماً فسألهم بالله) أي مستعطفاً بالله قائلا أنشدكم بالله أعطوني (ولم يسألهم لقرابة) أي ولم يقل أسألكم أو أعطوني بحق قرابة بيني وبينكم، قال في المفاتيح: يعنى إذا سأل بالله وجب إجابته تعظيماً لاسم الله تعالى فإذا منعوه فقد اجترموا جرماً عظيماً فإذا أعطاه واحد سراً فله فضيلتان إحداهما أنه أعظم اسم الله تعالى. والثانية إنه تصدق سراً وصدقة السر له فضيلة (فمنعوه) أي الرجل العطاء (فتخلف رجل بأعيانهم) قال القاري: الباء للتعدية أي بأشخاصهم وتقدم. وقيل: أي تأخر رجل من بينهم إلى جانب حتى لا يروه بأعيانهم من أشخاصهم. وقال الطيبي أي ترك القوم المسؤول عنهم خلفه فتقدم فأعطاه سراً، والمراد من الأعيان الأشخاص. ويحتمل أن يكون المراد أنه سبقهم بهذا الخير فجعلهم خلفه، وفي رواية الطبراني فتخلف رجل عن أعيانهم وهذا أشبه وأسد من طريق المعنى، وإن كانت الرواية الأولى أوثق من طريق السند. والمعنى أنه تخلف أي تأخر عن أصحابه حتى خلا بالسائل فأعطاه سراً، وفي رواية للنسائي فتخلفهم رجل بأعقابهم. قال السندي: أي فخرج من بينهم بحيث صار خلفهم في ظهورهم فقوله "بأعقابهم" بمعنى في ظهورهم بمنزلة التأكيد لما يدل عليه تخلفهم (لا يعلم بعطيته إلا الله والذي أعطاه) تقرير لمعنى السر (وقوم) أي الثاني قائم قوم أو قاري قوم (أحب إليهم) أي ألذ وأطيب (مما يعدل به) على بناء المفعول أي من كل شيء يقابل ويساوي بالنوم. وقيل: أي مما يجعل عديلاً له، ومثلاً ومساوياً في العادة (فوضعوا رؤوسهم) أي فناموا وفي رواية نزلوا فوضعوا رؤوسهم (فقام) وفي بعض نسخ الترمذي قام رجل أي منهم (يتملقني) هذا على حكاية كلام الله تعالى في شأن ذلك الرجل لا على الالتفات والملق بفتحتين الزيادة في التودد، والدعاء والتضرع أي يتواضع لدى ويتضرع إلى (ويتلوا آياتي) أي يقرأ ألفاظها ويتبعها بالتأمل في معانيها (ورجل) أي والثالث رجل (فهزموا) أي أصحابه (فأقبل بصدره) أي خلاف من ولى

стр. 2843

حتى يقتل أو يفتح أو يفتح له، والثلاثة الذين يبغضهم الله: الشيخ الزاني، والفقير المختال، والغني الظلوم)) . رواه الترمذي. والنسائي. ١٩٤٠- (٣٨) وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لما خلق الله الأرض، جعلت تميد، فخلق الجبال، فقال: بها علليها، فاستقرت، فعجبت الملائكة من شدة الجبال. فقالوا يا رب! هل من خلقك ــ دبره بتوليه ظهره، وقوله "بصدره" تأكيد الإقبال فإنه لا يكون إلا بالصدر وقيل: هذا أبلغ في الإقبال والجرأة من أن يقابل بوجهه (حتى يقتل أو يفتح له) على بناء المفعول فيهما أي حتى يفوز بإحدى الحسنين، وفي رواية أحمد والنسائي حتى يقتل أو يفتح الله له (الشيخ الزاني) قال القاري: يحتمل أن يراد بالشيخ الشيبة ضد الشاب، وأن يراد به المحصن ضد البكر كما في الآية المنسوخة التلاوة الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما (والفقير المختال) أي المكبر (والغني الظلوم) أي كثير الظلم في المطل وغيره، وفي رواية لأحمد والمكثر البخيل، بدل والغني الظلوم وإنما خص الشيخ وأخويه بالذكر لأن هذه الخصال فيهم أشد مذمة وأكثر نكرة (رواه الترمذي) في آخر صفة الجنة. وقال: هذا حديث صحيح، وهذا أصح من حديث أبي بكر بن عياش عن منصور عن ربعي عن ابن مسعود (والنسائي) في صلاة الليل، وفي الزكاة، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ ص١٥٣) وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم (ج١ ص٤١٦) وصححه ووافقه الذهبي. ١٩٤٠-قوله: (لما خلق الله الأرض) أي أرض الكعبة ودحيت وبسطت من جوانبها وبقيت كلوحة على وجه الماء (جعلت تميد) بالدال المهملة أي شرعت تميل وتتحرك وتضطرب شديدة ولا تستقر حتى قالت الملائكة لا ينتفع الإنس بها (فخلق الجبال) قيل: أولها أبوقيس (فقال بها عليها) أي امرؤ أشار يكون الجبال واستقرارها على الأرض (فاستقرت) أي الجبال عليها أو فثبتت الأرض في مكانها أو ما مادت ولا مالت من حالها ومحلها. قال الطيبي: قد مر مراراً أن القول يعبر به عن كل فعل وقرينة اختصاصه اقتضاء المقام، فالتقدير ألقى بالجبال على الأرض. كما قال تعالى: ﴿وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم﴾ [النحل: ١٥] فالباء زائدة على المفعول كما في قوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة:١٩٥] وإيثار القول على الإلقاء والإرسال لبيان العظمة والكبرياء، وإن مثل هذا الأمر العظيم يتأتي من عظيم قدرته بمجرد القول. وقيل: ضمن القول معنى الأمر أي أمر الجبال قائلاً أرسى عليها. وقيل: أي ضرب بالجبال على الأرض حتى استقرت (هل من خلقك) أي من

стр. 2844

شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم الحديد. فقالوا: يا رب! هل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: نعم، النار. فقالوا: يا رب! هل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال نعم؟ ألماء. فقالوا: يا رب! هل من خلقك شيء أشد من الماء؟ قال: نعم، الريح. فقالوا: يا رب! هل من خلقك شيء أشد من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم تصدق صدقة بيمينه يخفيها من شماله)) . رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب. وذكر حديث معاذ: الصدقة تطفئ الخطيئة، في كتاب الإيمان. ﴿الفصل الثالث﴾ ١٩٤١- (٣٩) عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من عبد مسلم ينفق من كل مال له زوجين ... ــ مخلوقاتك (قال نعم الحديد) فإنه يكسر به الحجر ويقلع به الجبال (قال نعم النار) فإنها تلين الحديد وتذيبه (قال نعم الماء) لأنه يطفىء النار (قال نعم الريح) من أجل أنها تفرق الماء وتنشفه. وقال الطيبي: فإن الريح تسوق السحاب الحامل للماء (نعم ابن آدم تصدق صدقة الخ) أي التصدق من بني آدم أشد من الريح ومن كل ما ذكر وذلك. لأن فيه مخالفة النفس وقهر الطبيعة والشيطان، ولا يحصل ذلك من شيء مما ذكر، أو لأن صدقته تطفئ غضب الرب وغضب الله تعالى لا يقابله شيء في الصعوبة والشدة وإذا فرض نزول عذاب الله بالريح على أحد، وتصدق في السر على أحد تدفع العذاب المذكور. فكان أشد من الريح قاله في اللمعات. وقال الطيبي: فإن من جبلة ابن آدم والقبض البخل الذي هو من طبيعة الأرض، ومن جبلته الإستعلاء وطلب انتشار الصيت، وهما من طبيعتي النار والريح، فإذا راغم بالإعطاء جبلته الأرضية وبالإخفاء جبلته النارية، والريحية كان أشد من الكل - انتهى. (رواه الترمذي) في آخر أبواب التفسير من طريق العوام بن حوشب عن سليمان بن أبي سليمان عن أنس وسليمان هذا قال الذهبي فيه لا يكاد يعرف وقال ابن معين لا أعرفه والحديث ذكره المنذري في باب الترغيب في صدقة السر. وقال: رواه الترمذي والبيهقي وغيرهما (وقال: هذا حديث غريب) وتمام كلامه لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه (وذكر) بصيغة المجهول (حديث معاذ الصدقة تطفئ الخطيئة) أي تزيل الذنوب وتمحوها كما قال إن الحسنات يذهبن السيئات (في كتاب الإيمان) أي في حديث طويل هناك فيكون من باب إسقاط المكرر. ١٩٤١- قوله: (ينفق) أي يتصدق (من كل مال له) أي من أي مال له كان (زوجين) أي اثنين

стр. 2845

في سبيل الله، إلا استقبلته حجبة الجنة، كلهم يدعوه إلى ما عنده. قلت: وكيف ذلك؟ قال: إن كانت إبلاً فبعيرين، وإن كانت بقرة فبقرتين)) . رواه النسائي. ١٩٤٢- (٤٠) وعن مرثد بن عبد الله قال حدثني بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((إن ظل المؤمن يوم القيامة صدقته)) . ــ (في سبيل الله) أي ابتغاء وجهه ومرضاة ربه (حجبة الجنة) بفتحتين جمع حاجب أي بوابو أبوابها (كلهم يدعوه) أي كل واحد منهم. وقال القاري: أفرد الضمير للفظ كل، أو المعنى كل واحد منهم يدعوه (إلى ما عنده) أي من النعم العظام والمنح الفخام أو إلى باب هو واقف عنده بالاستدعاء والعرض والغرض أن يتشرف بدخوله منه (وكيف ذلك) أي كيف ينفق زوجين مما يتملكه بالعدد المخصوص (إن كانت إبلاً) الضمير راجع إلى كل مال باعتبار الجماعة أو باعتبار الخبر فإن الإبل مؤنث. وزاد في رواية لأحمد قبله إن كانت رجلان فرجلان وإن كانت خيلاً ففرسان (وإن كانت بقرة) كذا في النسخ الموجودة عندنا، والذي في النسائي، وإن كانت بقراً. وهكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج١٠ ص٣٢٠) وهكذا وقع عند أحمد (ج٥ ص١٥١) والحاكم (ج٢ ص٨٦) (فبقرتين) زاد في رواية حتى عد أصناف المال كله (رواه النسائي) في باب فضل النفقة في سبيل الله من كتاب الجهاد وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ ص١٥١، ١٥٣، ١٥٩) وابن حبان والحاكم (ج٢ ص٨٦) وصححه ووافقه الذهبي. ١٩٤٢-قوله: (بعض أصحاب رسول الله ﷺ ) لعله عقبة بن عامر ﵁ فإن الحديث روى أحمد وغيره نحوه من رواية مرثد بن عبد الله عن عقبة بن عامر أيضاً (إن ظل المؤمن يوم القيامة صدقته) قال الطيبي: هذا من التشبيه المقلوب المحذوف الأداة، لأن الأصل إن الصدقة كالظل في أنها تحميه عن أذى الحر يوم القيامة، فجعل المشبه مشبهاً به مبالغة كقول الشاعر: وبدا الصباح كأن غرته وجه الخليفة حين يمتدح قال القاري: والأظهر إن معناه ظل المؤمن يوم القيامة صدقته، الكائنة في الدنيا أي إحسانه إلى الناس، وهو إما بأن تجسد صدقته أو يجسم ثوابها. وقد تخص الصدقة بمالها ظل حقيقي كثوب وخيمة كما ورد في بعض الأخبار- انتهى. قلت: ويؤيد هذا المعنى ما روى عن عقبة بن عامر عند أحمد (ج٤ ص١٤٧) وابن خزيمة وابن حبان والحاكم (ج١ ص٤١٦) كل امرىء في ظل صدقته حتى يقضي بين الناس، أو قال يحكم بين الناس. قال الأمير اليماني: كون الرجل في ظل صدقته يحتمل الحقيقة، وأنها تأتي أعيان الصدقة فتدفع عنه حر الشمس،

стр. 2846

رواه أحمد. ١٩٤٣ - (٤١) وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من وسع على عياله في النفقة يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته)) . قال سفيان: إنا قد جربناه فوجدناه كذلك. رواه رزين. ١٩٤٤، ١٩٤٥، ١٩٤٦، - (٤٢، ٤٣، ٤٤) وروى البيهقي، في شعب الإيمان عنه، وعن أبي هريرة، ــ أو المراد في كنفها وحمايتها - انتهى. قلت الحمل على الحقيقة هو المعتمد (رواه أحمد) وأخرجه أيضاً ابن خزيمة كما في الترغيب. ١٩٤٣- قوله: (من وسع) بتشديد السين (على عياله) أي أهل بيته الذين تجب نفقتهم عليه (يوم عاشوراء) بالمد عاشر المحرم (وسع الله عليه) دعاء أو خبر (سائر سنته) أي باقيها أو جميعها. وفي رواية جابر عند البيهقي طول سنته، وفي حديث أبي سعيد عند الطبراني سنته كلها، وفي حديث ابن عمر عند الخطيب إلى رأس السنة المقبلة (قال سفيان) أي الثوري فإنه المراد عند الإطلاق في الاصطلاح المحدثين (أنا) أي نحن وأصحابنا (قد جربناه) أي الحديث لنعلم صحته أو جربنا الوسع (فوجدناه) أي جزاءه (كذلك) أي على توسيع الطعام. والحديث رواه ابن عبد البر في الاستذكار من طريق شعبة عن أبي الزبير عن جابر وزاد في آخره قال جابر جربناه فوجدناه كذلك. وقال أبو الزبير: مثله وقال شعبة مثله (رواه رزين) أي عن ابن مسعود وحده قال في التنقيح: الحديث ذكره رزين في جامعة وليس في شيء من أصوله. ١٩٤٤- ١٩٤٥- ١٩٤٦- قوله: (وروى البيهقي في شعب الإيمان عنه) أي عن ابن مسعود، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير، كلاهما من حديث الهيصم بن شداخ عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ابن مسعود. قال البيهقي في الشعب تفرد به الهيصم عن الأعمش. وقال العقيلي: الهيصم مجهول، والحديث غير محفوظ. وقال ابن حبان: الهيصم يروي الطامات لا يجوز أن يحتج به. وقال الهيثمي: هو ضعيف جداً. وقال الحافظ ابن حجر: في أمالية: اتفقوا على ضعف الهيصم وعلى تفرد به (وعن أبي هريرة) وأخرجه أيضاً ابن عدي وفي سنده عندهما سليمان بن أبي عبد الله التابعي الراوي عن أبي هريرة. قال العقيلي: سليمان مجهول. والحديث غير محفوظ قال السيوطي في التعقبات: واللآلى بعد ذكر كلام العقيلي قال الحافظ أبوالفضل العراقي في أمالية: حديث أبي هريرة قد ورد من طرق صحح بعضها الحافظ أبوالفضل بن ناصر وسليمان الذكور ذكره ابن حبان في الثقات، فالحديث حسن على رأيه - انتهى. قلت: سليمان هذا من رجال أبي داود روى له هو حديثاً في حرم

стр. 2847

وأبي سعيد، وجابر وضعفه. ــ المدينة. قال أبوحاتم: ليس بالمشهور فيعتبر بحديثه. وقال البخاري: وأبوحاتم أدرك المهاجرين والأنصار. وقال في التقريب: هو مقبول. قلت: وفي سنده أيضاً عند ابن عدي حجاج بن نصير عن محمد بن ذكوان الأزدي الجهضمي وهما ضعيفان. قال البخاري وأبوحاتم والنسائي: محمد بن ذكوان منكر الحديث. ولأبي هريرة حديث آخر نحوه ذكره السيوطي في اللآلئ (ج٢ ص٦٢- ٦٣) روى من وجه آخر ضمن حديث طويل. قال السيوطي: بعد ذكره موضوع ورجاله ثقات. والظاهر إن بعض المتأخرين وضعه وركبه على هذا الإسناد (وأبي سعيد) وأخرجه أيضاً إسحاق بن راهويه في مسنده كلاهما من طريق عبد الله بن نافع عن أيوب بن سليمان ابن ميناء عن رجل عن أبي سعيد الخدري. قال الحافظ ابن حجر في أماليه: لولا الرجل المبهم لكان إسناداً جيداً لكنه يقوي بما أخرجه الطبراني في الأوسط، من طريق محمد بن إسماعيل الجعفري عن عبد الله بن سلمة الربعي عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد. قال الحافظ ابن حجر: الجعفري ضعفه أبوحاتم وشيخه، ضعفه أبوزرعة ورجال الإسناد كلهم مدنيون معروفون - انتهى. قلت: محمد بن إسماعيل الجعفري قال أبوحاتم إنه منكر الحديث، يتكلمون فيه. وقال أبونعيم الأصبهاني: متروك. وذكره ابن حبان في الثقات، وشيخه عبد الله بن سلمة الربعي. قال العقيلي وأبوزرعة: منكر الحديث. وقال أبوزرعة مرة متروك. (وجابر) أخرجه من طريق محمد بن يونس عن عبد الله بن إبراهيم الغفاري عن عبد الله بن أبي بكر ابن أخي محمد بن المنكدر عن محمد بن المنكدر عن جابر. قال البيهقي: هذا إسناد ضعيف. وقال العراقي: ولحديث جابر طريق آخر على شرط مسلم أخرجها ابن عبد البر في الاستذكار، من رواية محمد بن معاوية عن الفضل بن الحباب عن هشام ابن عبد الملك الطيالسي، عن شعبة عن أبي الزبير عن جابر. قال العراقي: هذا أصح طرق الحديث. وقال الحافظ في لسان الميزان (ج٤ ص٤٣٩- ٤٤٠) هذا الحديث منكر جداً. ما أدري من الآفة فيه. وشيوخ ابن عبد البر الثلاثة موثوقون، وشيخهم محمد بن معاوية هو ابن الأحمر راوي السنن عن النسائي وثقه ابن حزم وغيره والظاهر إن الغلط فيه من أبي خليفة الفضل بن الحباب فلعل ابن الأحمر سمعه منه بعد احتراق كتبه - انتهى. وقد روى أيضاً هذا من حديث ابن عمر عند الدارقطني في الأفراد. وقد ورد أيضاً موقوفاً على عمر أخرجه ابن عبد البر بسند رجاله ثقات، لكنه من رواية ابن المسيب عنه. وقد اختلف في سماعه منه، ورواه البيهقي في الشعب من رواية إبراهيم بن محمد بن المنتشر. قال كان يقال من وسع على عياله - الحديث (وضعفه) أي البيهقي هذا الحديث. قلت: اختلفت العلماء في حديث التوسعة على العيال يوم عاشوراء فحكم جمع بالوضع، ومنهم ابن الجوزي وابن تيمية والعقيلي والزكشي، وحسنه بعضهم بكثرة طرقه مع القول بضعف أفرادها. ومنهم البيهقي ومن حذا حذوه. قال البيهقي في الشعب: بعد ذكر الحديث من رواية ابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد وجابر

стр. 2848

١٩٤٧- (٤٥) وعن أبي أمامة: قال: قال أبو ذر: يا نبي الله! أرأيت الصدقة ماذا هي؟ قال: ((أضعاف مضاعفة، وعند الله المزيد)) . رواه أحمد. (٧) باب أفضل الصدقة ﴿الفصل الأول﴾ ١٩٤٨، ١٩٤٩- (١، ٢) عن أبي هريرة، وحكيم بن حزام، قالا: قال رسول الله ﷺ : ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غني، ــ فهذه الأسانيد وإن كانت ضعيفة، فهي إذا ضم بعضها إلى بعض أحدثت قوة- انتهى. وقد تقدم إن العراقي قد حسن حديث أبي هريرة من طريق سليمان بن أبي عبد الله، وصحح بعض طرقه أبوالفض بن ناصر وسبق أيضاً إن العراقي قال: في حديث جابر عند ابن عبد البر أنه على شرط مسلم. وإنه أصح طرقه، وحكم الحافظ ابن حجر بكوه منكراً. ومال السخاوي في المقاصد الحسنة إلى تحسين هذا الحديث. والسيوطي إلى أنه ثابت صحيح كما صرح به القاري في موضوعاته الكبير. والمعتمد عندي هو ما ذهب إليه البيهقي إن له طرقاً بعضها بعضاً، إن أسانيده الضعيفة أحدثت قوة بإلتضام والله تعالى أعلم. ١٩٤٧- قوله: (أرأيت) أي أخبرني (الصدقة) بالرفع مبتدأ والخبر جملة (ماذا هي) أي أي شيء ثوابها (أضعاف) أي هي يعني ثوابها أضعاف أي من عشرة (مضاعفة) أي إلى سبعمائة (وعند الله المزيد) أي الزيادة تفضلاً كما قال تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦] ونظيره قوله تعالى: ﴿وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيما﴾ [النساء:٤٠] فقوله "من لدنه" أي من عنده تفضلاً على تفضل. قال الطيبي: الجملة الاستفهامية خبر بالتأويل أي الصدقة أقول فيها ماذا هي، والسؤال عن حقيقة الصدقة لا يطابق الجواب بقوله أضعاف. لكنه وارد على أسلوب الحكيم أي لا تسأل عن حقيقتها، فإنها معلومة. وأسأل عن ثوابها ليرغبك فيها- انتهى. (رواه أحمد) (ج٥ ص٢٦٥) في حديث طويل وأخرجه أيضًا الطبراني في الكبير، وفي إسناده عندهما علي بن يزيد الإلهاني. وفيه كلام وثقه أحمد وابن حبان. قال البخاري: منكر الحديث. وقال الدارقطني: متروك. وقال أبوزرعة: ليس بقوى. ورواه أحمد أيضاً عن أبي ذر نفسه (ج٥ ص١٧٨- ١٧٩) وفيه أبوعمر الدمشقي وهو متروك. قاله الهيثمي. (باب أفضل الصدقة) ١٩٤٨- ١٩٤٩-قوله: (خير الصدقة ما كان عن ظهر غني) أي ما كان عفواً قد فضل عن غني والظهر

стр. 2849

............................... ــ قد يزاد في مثل هذا تمكيناً وأشباعاً للكلام كأن صدقته مستندة إلى ظهر قوى من المال. والمعنى أفضل الصدقة ما أبقت بعدها غني يعتمده صاحبها ويستظهر به على مصالحه ونوائبه التي تنوبه لقوله في رواية أخرى أفضل الصدقة، ما ترك غني. وفي أخرى خير الصدقة ما أبقت غني، ونحوه قولهم ركب متن السلامة والتنكير في قوله غني للتعظيم. وقيل المعنى أفضل الصدقة ما أخرجه الإنسان من ماله بعد أن يستبقي منه قدر الكفاية، ولذلك قال بعده وأبدأ بمن تعول، والمقصود إن خير الصدقة ما وقع من غير محتاج إلى ما يتصدق به لنفسه أو لمن تلزمه نفقته. وقال القرطبي في المفهم: المختار إن معنى الحديث أفضل الصدقة ما وقع بعد القيام بحقوق النفس والعيال، بحيث لا يصير المتصدق محتاجاً بعد صدقته إلى أحد. فمعنى الغني في هذا الحديث، حصول ما تدفع به الحاجة الضرورية كالأكل عند الجوع المشوش الذي لا صبر عليه، وستر العورة والحاجة إلى ما يدفع به عن نفسه الأذى وما هذا سبيله، فلا يجوز الإيثار به، بل يحرم وذلك إنه إذا آثر غيره به أدى إلى إهلاك نفسه أو الإضرار بها، أو كشف عورته، فمراعاة حقه أولى على كل حال، فإذا سقطت هذه الواجبات صح الإيثار، وكانت صدقته هي الأفضل لأجل ما يتحمله من مضض الفقر، وشدة مشقته فهذا تندفع به التعارض بين الأدلة - انتهى. وقيل ظهر غنى عبارة عن تمكن المتصدق عن غنى ما مثل قولهم هو على ظهر سير أي متمكن منه، وتنكير غنى ليفيد أن لا بد للمتصدق من غنى ما، أما غنى النفس وهو الاستغناء عما بذل بسخاوة النفس ثقة بالله تعالى كما كان من أبي بكر ﵁. وأما غنى المال الحاصل في يده، والأول أفضل اليسارين لقوله ﵊ ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس. وإلا لا يستحب له أن يتصدق بجميع ماله، ويترك نفسه وعياله في الجوع والشدة. وقيل من للسببية والظهر زائد أي خير الصدقة ما كان سببها غنى في المتصدق. وقيل المراد خير الصدقة ما أغنيت به من أعطيته عن المسألة أي أفضل الصدقة ما ترك غنى في المتصدق عليه بأن تجزل له العطية. وأعلم أنه أختلف العلماء في الصدقة بجميع المال. قال النووي: مذهبنا أنه مستحب لمن لا دين عليه ولا له عيال، لا يصبرون بشرط أن يكون ممن يصبر على الإضاقة والفقر، فإن لم يجتمع هذه الشروط فهو مكروه قال الطبري وغيره: قال الجمهور من تصدق بماله كله في صحة بدنه وعقله حيث لا دين عليه، وكان صبوراً على الإضافة ولا عيال له، أو له عيال يصبرون أيضاً فهو جائز فإن فقد شيء من هذه الشروط كره. وقال بعضهم: هو مردود، وروى عن عمر حيث رد على غيلان الثقفي قسمة ماله، ويمكن أن يحتج له بقصة المدبر فإنه ﷺ باعه وأرسل ثمنه إلى الذي دبره لكونه كان محتاجاً، وقال آخرون: يجوز من الثلث، ويرد عليه الثلثان، وهو قول الأوزاعي ومكحول. وعن مكحول أيضاً يرد ما زاد على النصف. قال الطبري: والصواب

стр. 2850

وأبدأ بمن تعول)) . رواه البخاري، ورواه مسلم عن حكيم وحده. ١٩٥٠- (٣) وعن أبي مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أنفق المسلم نفقة على أهله، وهو يحتسبها كانت له صدقة)) . ــ عندنا الأول من حيث الجواز، والمختار من حيث الاستحباب أن يجعل ذلك من الثلث جمعاً بين قصة أبي بكر حيث تصدق بماله كله. وحديث كعب بن مالك حيث قال له رسول الله ﷺ ، أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك (وأبدأ بمن تعول) أي ابتدئ في الإنفاق والإعطاء بمن يلزمك نفقته من العيال، فإن فضل شيء فليكن للأجانب. يقال عال الرجل أهله إذا مانهم أي قام بما يحتاجون إليه من قوت وكسوة، وهو أمر بتقديم ما يجب على ما لا يجب. قال الحافظ: فيه تقديم نفقة نفسه وعياله لأنها منحصرة فيه بخلاف نفقة غيرهم وفيه الابتداء بالأهم فالأهم في الأمور الشرعية. وقال ابن المنذر: اختلف في نفقة من بلغ من الأولاد، ولا مال له ولا كسب، فأوجبت طائفة النفقة لجميع الأولاد، أطفالاً كانوا، أو بالغين، إناثاً وذكراناً. إذا لم يكن لهم أموال يستغنون بها. وذهب الجمهور إلى أن الواجب أن ينفق عليهم حتى يبلغ الذكر أو تتزوج الأنثى ثم لا نفقة على الأب إلا أن كانوا زمني. فإن كانت لهم أموال فلا وجوب على الأب. والحق الشافعي ولد الولد، وإن سفل بالولد في ذلك- انتهى. (رواه البخاري) أي عنهما في الزكاة وروى عن أبي هريرة أيضاً في النفقات، وأخرجه عنه أيضاً أحمد وأبوداود، والنسائي والدارمي (ورواه مسلم) في الزكاة (عن حكيم وحده) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٣ ص٤٠٢- ٤٣٤) والنسائي والدارمي. ١٩٥٠- قوله: (إذا أنفق المسلم نفقة) حذف المقدار ليفيد التعميم أي أيّ نفقة كانت كبيرة أو صغيرة (على أهله) أي زوجته وولده، وأقاربه أو زوجته فقط. قال الحافظ: قوله "على أهله" يحتمل أن يشمل الزوجة والأقارب، ويحتمل أن يختص بالزوجة، ويلحق به من عداها بطريق الأولى، لأن الثواب إذا ثبت فيما هو واجب فثبوته فيما ليس بواجب أولى (وهو) أي والحال أنه (يحتسبها) أي يريد بها وجه الله تعالى بأن يتذكر أنه يجب عليه الإنفاق فينفق بنية أداء ما أمر به. قال الحافظ: المراد بالاحتساب القصد إلى طلب الأجر. وقال القرطبي: قوله "يحتسبها" أفاد بمنطوقه إن الأجر في الإنفاق إنما يحصل بقصد القربة، سواء كانت واجبة، أو مباحة. وأفاد بمفهومه إن من لم يقصد القربة لم يؤجر لكن تبرأ ذمته من النفقة الواجبة. لأنها معقولة المعنى (كانت) أي النفقة (له صدقة) أي كالصدقة في الثواب لا حقيقة قال الحافظ: المراد بالصدقة الثواب، وإطلاقها على النفقة مجاز، وقرينته الإجماع على جواز الإنفاق على الزوجة الهاشمية مثلاً، وهو من مجاز التشبيه. والمراد

стр. 2851

متفق عليه. ١٩٥١- (٤) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك)) . رواه مسلم. ١٩٥٢- (٥) وعن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله، ــ به أصل الثواب لا في كميته ولا كيفيته، ويستفاد منه إن الأجر لا يحصل بالعمل إلا مقروناً بالنية. وقال الطبري: ما ملخصه الإنفاق على الأهل واجب، والذي يعطيه يؤجر على ذلك بحسب قصده، ولا منافاة بين كونها واجبة، وبين تسميتها صدقة، بل هي أفضل من صدقة التطوع. وقال المهلب: النفقة على الأهل واجبة بالإجماع، وإنما سماها الشارع صدقة خشية أن يظنوا إن قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه، وقد عرفوا ما في الصدقة من الأجر فعرفهم أنها لهم صدقة، حتى لا يخرجوها إلى غير الأهل إلا بعد أن يكفرهم المؤنة ترغيباً لهم في تقديم الصدقة الواجبة قبل صدقة التطوع. وقال ابن المنير: تسمية النفقة صدقة من جنس تسمية الصداق نحلة، فلما كان احتياج المرأة إلى الرجل كاحتياجه إليها في اللذة والتأنيس والتحصن، وطلب الولد كان الأصل أن لا يجب لها عليه شيء إلا أن الله تعالى خص الرجل بالفضل على المرأة وبالقيام عليها ورفعه عليها بذلك درجة، فمن ثم جاز إطلاق النحلة على الصداق والصدقة على النفقة (متفق عليه) أخرجه البخاري في الإيمان والمغازي والنفقات، ومسلم في الزكاة، واللفظ للبخاري في النفقات، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤ ص١٢٠، ١٢٢، وج ٥ ص٢٧٣) والترمذي في البر، والنسائي في الزكاة، والدارمي في الاستئذان. ١٩٥١- قوله: (دينار) مبتدأ صفته (أنفقته) بصيغة الخطاب (في سبيل الله) أي في الغزو أو المراد به العموم يعني في سبيل الخير (في رقبة) أي في فكها أو إعتاقها. قال الطيبي: دينار وما عطف عليه مبتدأ، وخبره الجملة التي هي (أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك) فيه دليل على أن إنفاق الرجل على أهله أفضله من الإنفاق في سبيل الله، ومن الإنفاق في الرقاب ومن التصدق على المساكين. وإنما كان الإنفاق على الأهل، أفضل، لأنه فرض، والفرض أفضل من النفل، أو لأنه صدقة وصلة (رواه مسلم) في الزكاة وأخرجه أيضاً أحمد. ١٩٥٢- قوله: (أفضل دينار) يراد به العموم أي أكثر الدنانير ثواباً إذا أنفقت (دينار بنفقة على عياله) ...

стр. 2852

ودينار ينفقه على دابته في سبيل الله ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله)) . رواه مسلم. ١٩٥٣- (٦) وعن أم سلمة، قالت: قلت: يا رسول الله! إلي أجران أنفق على بني أبي سلمة، إنما بني. فقال: ((أنفقي عليهم فلك أجر ما أنفقت عليهم)) . متفق عليه. ــ أي من يعوله وتلزمه مؤنته من نحو زوجة وولد وخادم، وهذا إذا نوى به وجه الله كما تقدم (على دابته) أي دابة مرطوبة (في سبيل الله) يعني التي أعدها للغزو عليها، وفي رواية ابن ماجه على فرس في سبيل الله (على أصحابه) أي حال كونهم مجاهدين (في سبيل الله) يعني على رفقته الغزاة. وقيل: المراد بسبيله كل طاعة. قال القاري: يعني الإنفاق على هؤلاء الثلاثة على الترتيب أفضل من الإنفاق على غيرهم ذكره ابن الملك. ولا دلالة في الحديث على الترتيب، لأن الواو لمطلق الجمع، إلا أن يقال الترتيب الذكرى الصادر من الحكيم لا يخلو عن حكمة، فالأفضل ذلك إلا أن يوجد مخصص. ولذا قال ﵊: إبدؤا بما بدأ الله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة:١٥٨]- انتهى. (رواه مسلم) في الزكاة، وفي آخره. قال أبوقلابة: (أي راوي الحديث) بدأ بالعيال، ثم قال أبوقلابة: وأي رجل أعظم أجراً من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم الله به ويغنيهم، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ ص٢٧٧، ٢٧٩، ٢٨٤) والترمذي في البر وابن ماجه في الجهاد. ١٩٥٣- قوله: (وعن أم سلمة) بفتح السين واللام أم المؤمنين زوج النبي ﷺ (إلى) بسكون الياء وفتحها أي هل لي (أجر إن أنفق) بفتح الهمزة أي في إنفاقي (على بني أبي سلمة) أبوسلمة هذا هو عبد الله بن عبد الأسد، وكان زوج أم سلمة قبل النبي ﷺ ، فتزوجها النبي ﷺ بعده، ولها من أبي سلمة أولاد سلمة، وعمر، ومحمد، وزينب، ودرة (إنما هم بني) منه بفتح الموحدة وكسر النون وتشديد الياء، وأصله بنون، فلما أضيف إلى ياء المتكلم سقطت نون الجمع فصار بنوى، فاجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بسكون فأدغمت الواو بعد قلبها ياء في الياء، فصار بني بضم النون وتشديد الياء، ثم أبدلت الضمة كسرة لأجل الياء فصار بني (أنفقي عليهم) بفتح الهمزة وكسر الفاء (فلك أجر ما أنفقت عليهم) قال الحافظ: رواه الأكثر بالإضافة على أن تكون "ما" موصولة وجوز أبوجعفر الغزناطي نزيل حلب تنوين أجر على أن تكون "ما" ظرفية – انتهى. والحديث ترجم له البخاري باب الزكاة على الزوج، والأيتام في الحجر. قال الحافظ: ليس في حديث أم سلمة تصريح بأن الذي كانت تنفقه عليهم من الزكاة، فكان القدر المشترك من الحديث حصول الإنفاق على الأيتام- انتهى. (متفق عليه) أخرجاه في الزكاة واللفظ للبخاري، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٦ ص٢٩٢، ٣١٠، ٣١٤) .

стр. 2853

١٩٥٤- (٧) وعن زينب امرأة عبد الله بن مسعود، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((تصدقن يا معشر النساء! ولو من حليكن. قالت: فرجعت إلى عبد الله فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد، وإن رسول الله ﷺ أمرنا بالصدقة. فأته فأسأله، فإن كان ذلك يجزئ عني وإلا صرفتها إلى غيركم؟ قالت: فقال لي عبد الله: بل إئتيه أنتِ. قالت: فانطلقت، فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله ﷺ ، حاجتي حاجتها قالت: وكان رسول الله ﷺ قد ألقيت عليه المهابة، فقالت: فخرج علينا بلال، فقلنا له: إئت رسول الله ﷺ فأخبره أن أمرأتين بالباب تسألانك: أتجزيء الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما؟ ــ ١٩٥٤- قوله: (يا معشر النساء) أي جماعتهن (ولو من حليكن) بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء جمعاً ويجوز فتح الحاء وسكون اللام مفرداً (فرجعت إلى) زوجي (عبد الله) بن مسعود (إنك رجل خفيف ذات اليد) كناية عن الفقر أي قليل المال (قد أمرنا بالصدقة) أي بإعطاءها أو بالتصدق (فأته) أي فأحضره (فأسأله) وفي بعض النسخ فسله، وفي رواية للبخاري، وكانت زينب تنفق على عبد الله، وأيتام في حجرها. فقالت: لعبد الله سل رسول الله ﷺ أيجزئ عني أن أنفق عليك، وعلى أيتام في حجري من الصدقة. قال الحافظ: لم أقف على تسمية الأيتام الذين كانوا في حجرها (فإن كان ذلك) أي التصدق عليك (يجزئ) بضم الياء وآخره همزة أي يكفي، وفي بعض النسخ يجزي بفتح الياء وكسر الزاي وسكون الياء أي يغني ويقضي (عني) أي تصدقت عليكم (وإلا) أي وإن لم تجزئني (صرفتها) أي عنكم (إلى غيركم) من المستحقين (بل إئتيه أنتِ) قيل: لعل امتناعه لأن سؤاله ينبئ عن الطمع (فإذا امرأة من الأنصار) أي واقفة وحاضرة (بباب رسول الله ﷺ ) قيل: اسم هذه المرأة الأنصارية زينب امرأة أبي مسعود يعني عقبة بن عمرو الأنصاري كما عند ابن الأثير في أسد الغابة، وفي رواية النسائي فإذا امرأة من الأنصار يقال لها زينب (حاجتي حاجتها) مبتدأ وخبر أي عينها أو تشبيه بليغ وفي رواية للبخاري حاجتها مثل حاجتي (قالت) أي زينب (وكان رسول الله ﷺ قد ألقيت) بصيغة المجهول (عليه المهابة) بفتح الميم أي أعطى الله رسوله هيبة وعظمة يهابه الناس ويعظمونه، ولذا ما كان أحد يجترئ على الدخول عليه. قال الطيبي: كان دل على الاستمرار، ومن ثم كان أصحابه في مجلسه كأن على رؤوسهم الطير، وذلك عزة منه ﵊ لأكبر وسوء خلقه، وإن تلك العزة ألبسها الله تعالى إياه ﷺ لا من تلقاء نفسه (فخرج علينا بلال) المؤذن (في حجورهما) بضم الحاء حجر بالفتح والكسر

стр. 2854

ولا تخبره من نحن. قالت: فدخل بلال على رسول الله ﷺ فسأله، فقال له رسول الله ﷺ : من هما؟ قال: امرأة من الأنصار وزينب. فقال رسول الله ﷺ : أي الزيانب؟ قال امرأة عبد الله. فقال رسول الله ﷺ : لهما أجران أجر القرابة، وأجر الصدقة)) . ــ يقال فلان في حجر فلان أي في كنفه ومنعه، والمعنى في تربيتهما. وفي رواية الطيالسي أنهم بنو أخيها وبنو أختها (ولا تخبره) بجزم الراء (من نحن) أي لا تعين اسمنا بل قل تسألك امرأتان إرادة الإخفاء مبالغة في نفي الرياء أو رعاية للأفضل، وهذا أيضاً يصلح أن يكون وجهاً لعدم دخولهما. وقيل: المعنى لا تخبره أي بلا سؤال وإلا فعند السؤال يجب الإخبار فلا يمكن المنع عنه ولذلك أخبر بلال بعد السؤال (من هما) أي المرأتان (قال) أي بلال مخبراً عنهما ومعيناً لإحداهما لوجوبه عليه بطلب الرسول، واستخباره ﵊ (امرأة من الأنصار وزينب فقال رسول الله ﷺ أي الزيانب) أي أي زينب منهن فعرف باللام مع كونه علماً لما نكر حتى جمع. قال ابن الملك: وإنما لم يقل آية لأنه يجوز التذكير والتأنيث. قال الله تعالى: ﴿وما تدري نفس بأي أرض تموت﴾ [لقمان:٣٤] انتهى. (قال) بلال زينب (امرأة عبد الله) بن مسعود ولم يذكر بلال في الجواب معها زينب امرأة أبي مسعود الأنصاري اكتفاء باسم من هي أكبر وأعظم (فقال رسول الله ﷺ ) نعم يجزيْ عنهما (لهما) أي لكل منهما (أجران أجر القرابة) أي أجر، وصلها (وأجر الصدقة) أي أجر منفعة الصدقة وهذا ظاهره إن زينب امرأة عبد الله لم تشافهه بالسؤال ولا شافهها بالجواب، وحديث أبي سعيد عند البخاري في باب الزكاة على الأقارب يدل على أنها شافهته وشافهها لقولها فيه يا نبي الله!! إنك أمرت، وقوله فيه صدق زوجك. فقيل: تحمل هذه المراجعة على المجاز، وإنما كانت على لسان بلال، ويحتمل أن تكونا قضيتين إحداهما في سؤالهما عن تصدقها بحيلها على زوجها وولده، والأخرى في سؤالها عن النفقة واستدل بهذا الحديث على جواز دفع المرأة زكاتها إلى زوجها وهو قول الشافعي والثوري وصاحبي أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك وعن أحمد، ومنعه أبوحنيفة ومالك وأحمد في رواية. والحديث إنما يتم دليلاً للقول الأول بعد تسليم إن هذه الصدقة صدقة واجبة. وبذلك جزم المازري، ويؤيد ذلك قولها أيجزئ عني، وعليه يدل تبويب البخاري بلفظ: باب الزكاة على الزوج والأيتام وقد تعقب القاضي عياض المازري بأن قوله ولو من حليكن، وقوله فيما ورد في بعض الروايات عند الطحاوي وغيره إنها كانت امرأة صنعاء اليدين فكانت تنفق عليه وعلى ولده، يدلان على أنها صدقة

стр. 2855

متفق عليه، واللفظ لمسلم. ــ تطوع، وبه جزم النووي وغيره وتألوا قوله أيجزئ عني أي في الوقاية من النار كأنها خافت إن صدقتها على زوجها لا تحصل لها المقصود. قال ابن الهمام: الأجزاء وإن كان في عرف الفقهاء الحادث لا يستعمل غالباً إلا في الواجب لكن كان في ألفاظهم لما هو أعم من النفل لأنه لغة الكفاية فالمعنى، هل يكفي التصدق عليه في تحقيق مسمى الصدقة، وتحقيق مقصودها من التقرب إلى الله تعالى. واحتجوا أيضاً على أنها صدقة تطوع بما في البخاري من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ ، قال: لها زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم. قالوا: لأن الولد لا يعطي من الزكاة الواجبة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره فعلم أنها صدقة تطوع وتعقب هذا بأن الذي يمتنع إعطاءه من الصدقة الواجبة من تلزم المعطى نفقته والأم لا يلزمها نفقة ابنها مع وجود أبيه. وبأن قوله وولدك محمول على أن الإضافة للتربية لا للولادة فكأنه ولدها من غيرها كما يشعر به ما وقع في رواية أخرى على زوجها وأيتام في حجرها وسموا أيتاماً، باعتبار اليتم من الأم وأجيب عن الأول بأن الأم يلزمها نفقة ولدها إذا كان أبوه فقيراً عاجزاً عن التكسب جداً عند الحنفية، وعن الثاني بأنه خلاف الظاهر وأما الرواية الأخرى فالظاهر إنها قضية أخرى كما تقدم واحتج لأبي حنيفة على منع إعطاءها زكاتها لزوجها بأنها تعود إليها بالنفقة فكأنها ما خرجت عنها ورُدَّ هذا بأنه يلزمه منع صرفها صدقة التطوع في زوجها الاحتمال الرجوع مع أنه يجوز صرفها فيه اتفاقاً. والظاهر عندي أنه يجوز لها دفع زكاتها إلى زوجها لدخول الزوج في عموم الأصناف المسلمين في الزكاة، وليس في المنع نص، ولا إجماع ولا قياس صحيح. قال الشوكاني: الظاهر أنه يجوز صرف زكاتها إلى زوجها. وأما أولاً، فلعدم المانع من ذلك ومن قال أنه لا يجوز فعليه الدليل. وأما ثانياً، فلأن ترك استفصاله ﷺ لها ينزل منزلة العموم فلما لم يستفصلها عن الصدقة هل هي تطوع أو واجب، فكأنه قال يجزئ عنك فرضاً كان أو تطوعاً- انتهى. وهكذا ذكر الحافظ في الفتح. ثم قال: وأما ولدها فليس في الحديث تصريح بأنها تعطي ولدها من زكاتها بل معناه إنها إذا أعطت زوجها فأنفقه على ولدها كانوا أحق من الأجانب فالإجزاء يقع بالإعطاء للزوج، والوصول إلى الولد بعد بلوغ الزكاة محلها- انتهى. وأما الزوج فاتفقوا على أنه لا يجوز له صرف صدقة واجبة في زوجته. قالوا: لأن نفقتها واجبة عليه فتستغني بها عن الزكاة ذكره ابن المنذر كما في المغني والفتح. قال الأمير اليماني: وعندي فيه توقف لأن غنى المرأة بوجوب النفقة على زوجها لا يصيرها غنية الغني الذي يمنع من الزكاة لها- انتهى. وقوله وولدك في حديث أبي سعيد يدل على أجزاء الزكاة في الولد إلا أنه أدعي ابن المنذر الإجماع على عدم جواز صرفها إلى الولد. وحملوا الحديث على أنه في غير الواجبة أو إن الصرف إلى الزوج وهو المنفق على الأولاد أو أنهم لم يكونوا منها من غيرها، والإضافة إليها للتربية (متفق عليه) أخرجاه في الزكاة وأخرجه

стр. 2856

١٩٥٥- (٨) وعن ميمونة بنت الحارث: أنها أعتقت وليدة في زمان رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: ((أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك)) . متفق عليه. ١٩٥٦- (٩) وعن عائشة، قالت: يا رسول الله! إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: ((إلى أقربهما منك ــ أيضاً أحمد (ج٦ ص٣٦٣) والنسائي في الزكاة، وأخرجه ابن ماجه فيه مختصراً جداً. ١٩٥٥- قوله: (وعن ميمونة بنت الحارث) أم المؤمنين الهلالية (إنها أعتقت وليدة) أي أمة وللنسائي إنها كانت لها جارية سوداء. قال الحافظ: ولم أقف على إسمها (في زمان رسول الله ﷺ ) أي ولم تستأذنه (فذكرت ذلك) أي الاعتقاق (لرسول الله ﷺ ) هذا لفظ مسلم، وفي رواية البخاري فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه قالت أشعرت يا رسول الله! إني أعتقت وليدتي قال أو فعلت قالت نعم (لو أعطيتها) بكسر التاء (أخوالك) باللام جمع الخال وأخوالها كانوا من بني هلال أيضاً وإسم أمها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث. قال العيني: وقع في رواية الأصيلي للبخاري أخواتك بالتاء بدل اللام. قال عياض: ولعله أصح من رواية أخوالك بدليل رواية مالك في المؤطا فلو أعطيتها أختيك ولا تعارض فيحتمل أنه ﵊. قال: ذلك كله (كان) إعطائك لهم (أعظم لأجرك) من عتقها ومفهومه إن الهبة لذوي الرحم أفضل من العتق كما قاله ابن بطال، ويؤيده حديث سلمان بن عامر الآتي لكن ليس ذلك على إطلاقه بل يختلف باختلاف الأحوال. وقد وقع في رواية النسائي بيان وجه الأفضلية في إعطاء الأخوال، وهو احتياجهم إلى من يخدمهم. ولفظه أفلا فديت بها بنت أختك من رعاية الغنم على أنه ليس في حديث الباب نص على أن صلة الرحم أفضل من العتق؛ لأنها واقعة عين فالحق إن ذلك يختلف باختلاف الأحوال كما قررنا. وفي الحديث فضيلة صلة الأرحام والإحسان إلى الأقارب وفيه الإعتناء بالأقارب الأم إكراماً لحقها، وهو زيادة في برها، وفيه جواز تبرع المرأة بمالها بغير إذن زوجها إذا كانت رشيدة (متفق عليه) أخرجه البخاري في الهبة ومسلم في الزكاة، واللفظ لمسلم وأخرجه أيضاً أحمد (ج٦ ص٣٣٢) وأبوداود في الزكاة والحاكم (ج١ ص٤١٥) والنسائي في الكبرى. ١٩٥٦- قوله: (فإلى أيهما أهدي) بضم الهمزة من الإهداء يعني أولاً، وفي رواية أبي داود بأيهما ابدأ (إلى أفقربهما منك) من متعلقة بالقرب في أقرب لا صلة التفضيل؛ لأن أفعل التفضيل قد أضيف فلا يجمع بين الإضافة،

стр. 2857

باباً)) . رواه البخاري. ١٩٥٧ - (١٠) وعن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك)) . رواه مسلم. ــ و"من" المتعلقة بأفعل التفضيل (باباً) نصب على التمييز أي أشدهما قرباً. قيل: الحكمة فيه إن الأقرب يرى ما يدخل في بيت جاره من هدية وغيرها يعني أنه أكثر اختلاطاً أو أظهر إطلاعاً فيتشوف لها بخلاف إلا بعد، وإن الأقرب أسرع إجابة لما يقع لجاره من المهمات وينوبه من النوائب، ولاسيما في أوقات الغفلة بديء به على من بعد. وفي الحديث الاعتبار في الجوار بقرب الباب لأقرب الجدار. قال ابن أبي جمرة: الإهداء إلى الأقرب مندوب، لأن الهدية في الأصل ليست واجبة، فلا يكون الترتيب فيها واجباً. ويؤخذ منه إن العمل بما هو أعلى أولى. قلت: ليس المراد من الحديث إنحصار الإهداء إلى الأقرب كما هو ظاهر الحديث، بل المراد إن الجار الأقرب أنسب بالإبتداء أو بمزيد الإحسان، لقوله تعالى: ﴿والجار ذي القربى والجار الجنب﴾ [النساء:٣٦] ولحديث أبي ذر الآتي واختلف في حد الجوار فجاء عن علي ﵁: من سمع النداء فهو جار، وعن عائشة: حد الجوار أربعون داراً من كل جانب، وعن كعب بن مالك عند الطبراني بسند ضعيف مرفوعاً إلا أن الأربعين داراً جار، وأخرج ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أربعون داراً عن يمينه وعن يساره ومن خلفه ومن بين يديه. وهذا يحتمل كالأولى ويحتمل أن يريد التوزيع فيكون من كل جانب عشرة (رواه البخاري) في الشفعة وفي الهبة وفي الأدب، وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود في الأدب. ١٩٥٧- قوله: (إذا طبخت) بفتح الباء (مرقة) أي فيها لحم أو لا والمرقة بالتحريك وكذا المرق الماء الذي أغلي فيه اللحم أو غيره كالسلق وغيره (فأكثر) أمر من الإكثار (ماءها) أي على المعتاد لنفسك (وتعاهد جيرانك) بكسر الجيم وسكون الياء جمع الجار يعني أعط جيرانك من ذلك الطبيخ نصيباً يعني لا تجعل ماء قدرك قليلاً فإنك حينئذٍ لا تقدر على تعهد جيرانك بل اجعل ماء قدرك كثير التبلغ نصيباً منه إلى جيرانك، وإن لم يكن لذيذاً قاله المظهر. وقال التوربشتي: قوله تعهد جيرانك أي تفقدهم بزيادة طعامك وجدد عهدك بذلك، وتحفظ به حق الجوار. والتعهد التحفظ بالشيء وتجديد العهد به، والتعاهد ما كان بين اثنين من ذلك، يقال تعاهد الشيء وتعهده واعتهده، أي تحفظ به وتفقده وجدد العهد به (رواه مسلم) في البر وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ ص١٤٩) والترمذي وابن ماجه في الأطعمة وابن حبان بألفاظ مختلفة متقاربة.

стр. 2858

﴿الفصل الثاني﴾ ١٩٥٨- (١١) عن أبي هريرة، قال: يا رسول الله! أي الصدقة أفضل؟ قال: ((جهد المقل، وابدأ بمن تعول)) . رواه أبوداود. ١٩٥٩- (١٢) وعن سليمان بن عامر، ــ ١٩٥٨- قوله: (أي الصدقة أفضل قال جهد المقل) بضم الميم وكسر القاف من الإقلال أي قليل المال يقال أقل الرجل أي قل ماله وافتقر. قال في النهاية: الجهد بالضم الوسع والطاقة، وبالفتح المشقة. وقيل: المبالغة والغاية. وقيل: هما لغتان في الوسع والطاقة. فأما في المشقة والغاية فالفتح لا غير، ومن المضموم حديث الصدقة أي الصدقة أفضل. قال: جهد المقل أي قدر ما يحتمله حال القليل المال - انتهى. والجمع بينه وبين ما تقدم من قوله ﷺ خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، إن الفضيلة متفاوتة بحسب الأشخاص وقوة التوكل وضعف اليقين. قال البيهقي (ج٤ ص١٨٠) يختلف ذلك باختلاف أحوال الناس في الصبر على الشدة والفاقة والاكتفاء بأقل الكفاية، وساق أحاديث تدل على ذلك. وقال ابن الملك: أي أفضل الصدقة ما قدر عليه الفقير الصابر على الجوع أن يعطيه، والمراد بالغني في قوله خير الصدقة ما كان عن ظهر عني من لا يصبر على الجوع والشدة توفيقاً بينهما، فمن يصبر فالإعطاء في حقه أفضل، ومن لا يصبر فالأفضل في حقه أن يمسك قوته، ثم يتصدق بما فضل - انتهى. وقال الشوكاني: بعد ذكر المعارضة بين الحديثين، ويؤيد هذا المعنى أي حديث جهد المقل قوله تعالى: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ [الحشر:٩] ويؤيد الأول حديث الظهر قوله تعالى: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط﴾ [الإسراء:٢٩] ويمكن الجمع بأن الأفضل لمن كان يتكفف الناس إذا تصدق بجميع ماله أن يتصدق عن ظهر غني، والأفضل لمن يصبر على الفاقة أن يكون متصدقاً بما يبلغ إليه جهده، وإن لم يكن مستغنياً عنه. ويمكن أن يكون المراد بالغني غني النفس، كما في حديث أبي هريرة عند الشيخين ليس الغني عن كثرة العرض ولكن الغني عن النفس - انتهى. (رواه أبوداود) في الزكاة وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه أيضاً أحمد، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والذهبي، وأخرجه البيهقي (ج٤ ص١٨٠) من طريق الحاكم. ١٩٥٩- قوله: (وعن سليمان بن عامر) كذا في جميع النسخ الحاضرة مصغراً وهو خطأ من النساخ، والصواب سلمان مكبراً، هكذا وقع في جميع الأصول وكتب الرجال وليس في الصحابة أحد اسمه سليمان بن عامر بالتصغير، وسلمان هذا هو سلمان بن عامر بن أوس بن حجر بن عمرو بن الحارث الضبي صحابي، سكن البصرة،

стр. 2859

قال: قال رسول الله ﷺ : ((الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة)) . رواه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي. ١٩٦٠- (١٣) وعن أبي هريرة، جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: عندي دينار قال: ((أنفقه على نفسك، قال عندي آخر. قال: أنفقه على ولدك، ــ وكان في حياة النبي ﷺ شيخاً عاش إلى خلافة معاوية. قال الدولابي: قتل يوم الجمل وهو ابن مائة سنة، روى عنه محمد وحفصة ابنا سيرين وابنة أخيه الرباب أم الرائح بنت صليع بن عامر، وحفيده عبد العزيز بن بشر بن سلمان. قال مسلم: ليس في الصحابة ضبي غيره كذا نقله ابن الأثير وأقره هو ومن تبعه، وقد وجد في الصحابة جماعة ممن لهم صحبة، أو اختلف في صحتهم من بني ضبة، منهم يزيد بن نعامة الضبي جزم البخاري بأن له صحبة وكدير الضبي مختلف في صحبته وحنظلة بن ضرار الضبي. قال ميرك: قوله سليمان بن عامر صوابه سلمان مكبراً، بلا ياء، وسليمان سهو من الكتاب أو من صاحب الكتاب والله أعلم بالصواب - انتهى. قلت: الظاهر إن الخطأ من الكتاب فإن المؤلف قال في الصحابة: سلمان بن عامر هو سلمان بن عامر الضبي عداده في البصريين. قال بعض أهل العلم: ليس في الصحابة من الرواة ضبي غيره - انتهى كلامه. وقد ذكره بعد سلمان الفارسي فدل على أن السهو ههنا من الكتاب، لأنه لو كان من صاحب الكتاب لذكره في عداد سليمان قبل سلمة بن الأكوع (الصدقة على المسكين الخ) إطلاقه يشمل الفرض والندب فيدل على جواز أداء الزكاة إلى القرابة مطلقاً. قال الشوكاني: قد استدل بالحديث على جواز صرف الزكاة إلى الأقارب سواء كان ممن تلزم لهم النفقة أم لا، لأن الصدقة المذكورة فيد لم تقيد بصدقة التطوع، ولكنه قد تقدم عن ابن المنذر أنه حكى الإجماع على عدم جواز صرف الزكاة إلى الأولاد - انتهى. (صدقة) أي واحدة (وهي على ذي الرحم) أي ذي القرابة (ثنتان) أي صدقتان اثنتان يعني ففيهما أجران فهذا حث على التصدق على الرحم والاهتمام به. (صدقة وصلة) يعني إن الصدقة على الأقارب أفضل؛ لأنه خيران، ولا شك أنهما أفضل من واحد. قال العزيزي: لكن هذا غالبي، وقد يقتضي الحال العكس (رواه أحمد) (ج٤ ص١٧، ١٨، ٢١٤) (والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي) أخرجوه في الزكاة (ج٣ ص١١٦، ١١٧) . ١٩٦٠- قوله: (جاء رجل) لم يعرف اسمه (عندي دينار) أي وأريد أن أنفقه (أنفقه على نفسك) وفي رواية: تصدق بدل أنفق، وكذا فيما بعده أي أقض به حوائج نفسك (قال عندي آخر قال أنفقه على ولدك) فيه دليل على أنه يلزم الأب نفقة ولده المعسر، فإن كان الولد صغيراً فذلك إجماع، وإن كان كبيراً ففيه اختلاف

стр. 2860

قال عندي آخر، قال: أنفقه على أهلك، قال عندي آخر، قال: أنفقه على خادمك، قال: عندي آخر، قال: أنت أعلم)) . رواه أبوداود، والنسائي. ١٩٦١- (١٤) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أخبركم ــ كما تقدم (قال عندي آخر قال أنفقه على أهلك) أي زوجتك كما في رواية قال الطيبي: إنما قدم الولد على الزوجة لشدة افتقاره إلى النفقة بخلافها، فإنه لو طلقها لأمكنها أن تتزوج بآخر. وقال الخطابي في المعالم (ج٢ ص٨١) هذا الترتيب إذا تأملته علمت أنه ﷺ قدم الأولى فالأولى والأقرب. وهو أنه أمره بأن يبدأ بنفسه ثم بولده؛ لأن ولده كبعضه فإذا ضيعه هلك، ولم يجد من ينوب عنه في الإنفاق عليه، ثم ثلث بالزوجة وأخرها عن درجة الولد؛ لأنه إذ لم يجد ما ينفق عليها فرق بينهما، وكان لها من يمونها من زوج أو ذي رحم تجب نفقتها عليه. ثم ذكر الخادم؛ لأنه يباع عليه إذا عجز عن نفقته فتكون النفقة على من يبتاعه ويملكه. ثم قال له فيما بعد أنت أبصر أي أن شئت تصدقت وإن شئت أمسكت - انتهى. قلت: اختلفت الرواية في تقديم الولد على الزوجة فقدمه عليها في رواية الشافعي، وأبي داود والحاكم، وقدم الزوجة على الولد في رواية أحمد والنسائي وابن حبان قال ابن حزم: اختلف يحيى القطان والثوري (عن ابن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة) فقدم يحيى الزوجة على الولد، وقدم سفيان الولد على الزوجة فينبغي أن لا يقدم أحدهما على الأخر بل يكونان سواء، لأنه قدم صح أن النبي ﷺ كان إذا تكلم تكلم ثلاثاً، فيحتمل أن يكون في إعادته إياه، مرة قدم الولد، ومرة قدم الزوجة، فسار سواء. قال الحافظ في التلخيص: (ص٣٣٤) بعد ذكر كلام ابن حزم. قلت: وفي صحيح مسلم من رواية جابر تقديم الأهل على الولد من غير تردد فيمكن أن ترجح به إحدى الروايتين - انتهى. ولفظ حديث جابر عند مسلم قال: إبدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلا هلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك الخ. قال الشوكاني: يمكن ترجيح تقديم الزوجة على الولد بما وقع من تقديمها. في حديث جابر (أنت أعلم) بحال من يستحق الصدقة من أقاربك وجيرانك وأصحابك (رواه أبوداود والنسائي) في الزكاة لكن اللفظ المذكور ليس لواحد منهما ولم أجد هذا اللفظ في مسند الإمام أحمد والمستدرك للحاكم أيضاً، نعم ذكره بهذا اللفظ البغوي في المصابيح، وتبعه المصنف في ذلك. والحديث أخرجه أيضاً أحمد (ج٢ ص٢٥١، ٤٧١) والشافعي وابن حبان والحاكم (ج١ ص٤٥١) وسكت عنه أبوداود. وقال المنذري: في إسناده محمد بن عجلان، وقد تقدم الكلام عليه وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي وسكت عليه الحافظ في التلخيص وبلوغ المرام. ١٩٦١- قوله: (ألا) حرف تنبيه (أخبركم) استئناف ويحتمل أن يكون "ألا" مركباً من "لا"

стр. 2861

بخير الناس؟ رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، ألا أخبركم بالذي يتلوه؟ رجل معتزل في غنيمة له يؤدي حق الله فيها. ــ النافية واستفهام التقرير، ويكون لفظ بلى مقدراً. قال الباجي: وقد علن أنهم يوردون ذلك على سبيل التنبيه لهم على الإصغاء إليه والإقبال على ما يخبر به والتفرغ لفهمه (بخير الناس) أي بمن هو من خير الناس، وكذلك قوله "بشر الناس" أي بمن هو من شر الناس. وقيل: أطلق للمبالغة في الحث على الأول والتحذير الثاني، وفي الموطأ ألا أخبركم بخير الناس منزلاً. قال الباجي: أي أكثرهم ثواباً وأرفعهم درجة. قال عياض: وهذا عام مخصوص وتقديره من خير الناس، وإلا فالعلماء الذين حملوا الناس على الشرائع والسنن وقادوهم إلى الخير أفضل وكذا الصديقون كما جاءت به الأحاديث ويؤيده إن في رواية للنسائي: إن من خير الناس رجلاً عمل في سبيل الله على ظهر فرسه بمن التي للتبعيض - انتهى. قال الحافظ وفي رواية للحاكم (ج٢ ص٧١) سئل أي المؤمنين أكمل إيماناً، قال: الذي يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله الخ. وكأن المراد بالمؤمن من قام بما تعين عليه القيام به، ثم حصل هذه الفضيلة، وليس المراد من اقتصر على الجهاد وأهمل الواجبات العينية، وحينئذٍ فيظهر فضل المجاهد لما فيه من بذل نفسه وماله لله تعالى، ولما فيه من النفع المتعدي (رجل) بالرفع على تقدير هو وبالجر على البدلية (ممسك) صفة رجل (بعنان) بكسر العين لجام (فرسه) وفي رواية آخذ برأس فرسه (في سبيل الله) وفي الموطأ رجل آخذ بعنان فرسه يجاهد في سبيل الله. قال الباجي: يريد والله أعلم أنه مواظب على ذلك ووصفه بأنه آخذ بعنان فرسه يجاهد في سبيل الله بمعنى أنه لا يخلو في الأغلب من ذلك راكباً له، أو قائداً معظم أمره ومقصوده من تصرفه فوصف بذلك جميع أحواله، وإن لم يكن آخذاً بعنان فرسه في كثير منها - انتهى. (بالذي يتلوه) أي يتبعه ويقربه في الخيرية، وفي رواية بالذي يليه، وفي الموطأ ألا أخبركم بخير الناس منزلاً بعده. قال الباجي وصف رسول الله ﷺ أفضل المنازل ونص عليها ورغب فيها من قوى عليها وأخبر بعد ذلك من قصر عن هذه الفضيلة وضعف عنها، فليس كل الناس يستطيع الجهاد ولا يقدر على أن يكون آخذاً بعنان فرسه فيه، ففي الناس ضعيف والكبير وذو الحاجة والفقير (رجل معتزل) أي متباعد عن الناس منفرد عنهم إلى موضع خال من البوادي والصحاري (في غنيمة له) أي مثلاً وهو تصغير غنم وهو مؤنث سماعي ولذلك صغرت بالتاء، والمراد قطعة غنم (يؤدي حق الله فيها) وفي رواية مالك: يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً. وللدارمي والنسائي: معتزل في شعب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعتزل شرور الناس. قال الباجي: فمنزلة هذا منزلة بعد منزلة المجاهد من أفضل المنازل لأداء الفرائض وإخلاصه لله تعالى العبادة وبعده عن الرياء والسمعة. إذا خفي ولم يكن ذلك شهرة له، ولأنه لا يؤذي أحداً ولا يذكره ولا تبلغ درجته درجة المجاهد، لأن المجاهد يذب عن المسلمين

стр. 2862

ألا أخبركم بشر الناس؟ يسأل بالله ولا يعطي به)) . رواه الترمذي، والنسائي، والدارمي. ١٩٦٢- (١٥) وعن أم بجيد، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((ردوا السائل ولو بظلف محرق ــ ويجاهد الكافرين حتى يدخلهم في الدين فيتعدى فضله إلى غيره ويكثر الانتفاع به، وهذا المعتزل لا يتعدى نفعه إلى غيره. وفي حديث أبي سعيد عند البخاري. قيل: يا رسول الله! أي الناس أفضل فقال رسول الله ﷺ : مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله، قالوا: ثم من؟ قال مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله، ويدع الناس من شره قال الحافظ: وإنما كان المؤمن المعتزل يتلوه في الفضيلة، لأن الذي يخالط الناس لا يسلم من ارتكاب الآثام فقد لا يفي هذا بهذا، ففيه فضل العزلة والإنفراد لما فيه من السلامة من الغيبة واللغو ونحو ذلك. لكن قال الجمهور محل ذلك عند وقوع الفتن، لحديث الترمذي مرفوعاً: المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجراً من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم. ويؤيده قوله ﷺ : يأتي الناس زمان يكون خير الناس فيه منزلة من أخذ بعنان فرسه في سبيل الله يطلب الموت في مظانه، ورجل في شعب من هذه الشعاب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويدع الناس إلا من خير، رواه مسلم، وللترمذي وحسنه، والحاكم وصححه عن أبي هريرة، إن رجلاً مر بشعب فيه عيينة من ماء عذبة أعجبته فقال: لو أعتزلت ثم استأذن النبي ﷺ : فقال لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاماً. وقال النووي: في الحديث دليل لمن قال بتفضيل العزلة على الخلة، وفي ذلك خلاف مشهور، فمذهب الشافعي وأكثر العلماء إن الاختلاط أفضل بشرط رجاء السلامة من الفتن، ومذهب طوائف من الزهاد إن إلاعتزال أفضل. واستدلوا بالحديث. وأجاب الجمهور بأنه محمول على زمان الفتن والحروب أو فيمن لا يسلم الناس منه ولا يصبر على أذاهم، وقد كانت الأنبياء صلوات الله عليهم. وجماهير الصحابة والتابعين، والعلماء والزهاد، مختلطين، ويحصلون منافع الاختلاط بشهود الجمعة والجماعة والجنائز وعيادة المريض وحلق الذكر وغير ذلك - انتهى. قال ابن عبد البر: إنما وردت الأحاديث بذكر الشعب والجبل؛ لأن ذلك في الأغلب يكون خالياً من الناس، فكل موضع يبعد عن الناس فهو داخل في المعنى (رجل يسأل بالله ولا يعطي به) سبق بيان معناه في الفصل الثالث من باب الإنفاق (رواه الترمذي) أخرجه الترمذي في فضائل الجهاد وحسنه والنسائي في الزكاة والدارمي في الجهاد. واللفظ للترمذي وأخرجه أيضاً أحمد (ج٢ ص٢٣٧، ٣١٩، ٣٢٢) وابن حبان في صحيحه، كلهم من حديث عطاء بن يسار عن ابن عباس، ورواه مالك في الجهاد عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري عن عطاء بن يسار مرسلاً. ١٩٦٢- قوله: (ردوا) بضم الراء أمر من الرد أي أعطوا (السائل) هذا لفظ النسائي، وفي الموطأ ردوا المسكين (ولو بظلف محرق) أي لا تجعلوا السائل محروماً بل أعطوه ولو كان ظلفاً محرقاً يعني تصدقوا

стр. 2863

رواه مالك، والنسائي، وروى الترمذي، وأبوداود معناه. ١٩٦٣- (١٦) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من استعاذ منكم بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوا فادعوها له حتى تروا ــ بما تيسر وإن قل (رواه مالك) في باب المساكين من كتاب الجامع من الموطأ، عن زيد بن أسلم عن ابن بجيد الأنصاري ثم الحارثي (اسمه محمد) عن جدته (والنسائي) في باب رد السائل من كتاب الزكاة من طريق مالك، وكذا أحمد (ج٦ ص٤٣٥) (وروى الترمذي وأبوداود معناه) وكذا الإمام أحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي، وقد تقدم في الفصل الثالث من باب الإنفاق. ١٩٦٣- قوله: (من استعاذ منكم بالله) كذا في جميع النسخ الحاضرة، ووقع في المصابيح من استعاذكم بالله، وهكذا في مسند الإمام أحمد (ج٢ ص٩٩) وسنن أبي داود في الأدب والمستدرك للحاكم (ج١ ص٤١٢) والبيهقي في الزكاة (ج٤ ص١٩٩) ولأبي داود فيه وللنسائي من استعاذ بالله، وهكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج١٠ ص٣١٨) وكذا وقع في المسند (ج١ ص٦٨، ١٢٧) (فأعيذوه) أي إذا طلب أحد منكم أن تدفعوا عنه شركم أو غيركم بالله، مثل أن يقول يا فلان بالله عليك، أو أسألك بالله أن تدفعني شر فلان أو أحفظني من فلان، فأجيبوه واحفظوه لتعظيم اسم الله. قال الطيبي: أي من استعاذ بكم وطلب منكم دفع شركم أو شر غيركم عنه قائلاً بالله أن تدفع عني شرك، فأجيبوه وادفعوا عنه الشر تعظيماً لاسم الله تعالى، فالتقدير من استعاذ منكم متوسلاً بالله مستعطفاً به، ويحتمل أن تكون الباء صلة استعاذ أي من استعاذ بالله فلا تتعرضوا له، بل أعيذوه وادفعوا عنه الشر فوضع أعيذوا موضع أدفعوا ولا تتعرضوا مبالغة (ومن سأل) هذا لفظ أبي داود وفي رواية أحمد والنسائي والحاكم ومن سألكم (بالله فأعطوه) أي إن وجدتم يعني تعظيماً لاسم الله وشفقة على خلق الله، وزاد النسائي ومن استجار بالله فأجيروه (ومن دعاكم فأجيبوه) وجوباً إن كان لوليمة عرس، وندباً في غيرها. وقيل: يجب الإجابة مطلقاً، وهذا إن لم يكن مانع شرعي (ومن صنع إليكم معروفاً) أي أحسن إليكم إحساناً قولياً أو فعلياً (فكافئوه) بمثله أو خير منه من المكافأة مهموز اللام وهي المجازاة أي أحسنوا إليه مثل ما أحسن إليكم أو خيراً منه (فإن لم تجدوا ما تكافئوه) أي بالمال، والأصل تكافئون فسقط النون بلا ناصب وجازم تخفيفاً (فأدعوا له) أي للمحسن يعني فكافئوه بالدعاء له (حتى تروا) بضم التاء أي تظنوا وبفتحها أي

стр. 2864

أن قد كافأتموه)) . رواه أحمد وأبوداود، والنسائي. ٤١٩٦- (١٧) وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يسأل بوجه الله إلا الجنة)) . رواه أبوداود. ــ تعلموا. وتحسبوا، قلت: وقع في رواية أحمد حتى تعلموا (أن قد كافأتموه) أي كرروا الدعاء وبالغوا له فيه جهدكم حتى تعلموا قد أديتم حقه. وقد جاء من حديث أسامة مرفوعاً من صنع إليه معروفاً فقال لفاعله جزاك الله خيراً، فقد أبلغ في الثناء، أخرجه الترمذي وغيره، فدل هذا الحديث على أن من قال لأحد جزاك الله خيراً مرة واحدة فقد أدى العوض وإن كان حقه كثيراً (رواه أحمد) (ج٢ ص٦٨، ٩٦، ٩٩، ١٢٧) (وأبوداود) في الزكاة وفي الأدب (والنسائي) في الزكاة واللفظ لأبي داود وأخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه والحاكم (ج١ ص٤١٢- ٤١٣) والبيهقي (ج٤ ص١٩٩) وسكت عنه أبوداود والمنذري وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وقال النووي: في رياضة حديث صحيح وفي الباب عن ابن عباس أخرجه أبوداود,. ١٩٦٤- قوله: (لا يسأل بوجه الله إلا الجنة) والجنة لا يسأل عن الناس فلزم أن يكون. فيه وجهان: أحدهما: المنع عن السؤال لوجه الله؛ لأنه لما قال لا يسأل الخ فلا يسأل عنهم شيء لوجه الله تعالى. وثانيهما: لا يسأل من الله تعالى من متاع الدنيا لحقارتها، وإنما يسأل الجنة، والمقصود المبالغة قاله في اللمعات. وقال الطيبي: أي لا تسألوا من الناس شيئاً بوجه الله، مثل أن تقولوا أعطني شيئاً بوجه الله تعالى أو بالله، فإن اسم الله أعظم من أن يسأل به متاع الدنيا بل أسألوا به الجنة أو لا تسألوا الله متاع الدنيا بل رضاه، والجنة والوجه يعبر به عن الذات - انتهى. وقال في فتح الودود: قوله "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة" إذ كل شيء حقير دون عظمته تعالى والتوسل بالعظيم في الحقير تحقير له نعم الجنة أعظم مطلب للإنسان فصار التوسل به تعالى فيها مناسباً- انتهى. وأرجع إلى فتح القدير للمناوي. قال القاري: قوله "إلا الجنة" بالرفع أي لا يسأل بوجه الله شيء إلا الجنة مثل أن يقال: اللهم إنا نسألك بوجه الكريم أن تدخلنا جنة نعيم، ولا يسأل روى غائباً نفيا ونهياً مجهولاً ورفع الجنة، ونهيا مخاطباً معلوماً مفرداً ونصب الجنة (رواه أبوداود) في الزكاة وسكت عنه. وقال المنذري: في إسناده سليمان بن معاذ. قال الدارقطني: سليمان بن معاذ هو سليمان بن قرم، وذكر ابن عدي هذا الحديث في ترجمة سليمان بن قرم. هذا الحديث لا أعرفه إلا من طريق أبي العباس القلوري أحمد بن عمرو (الذي روى عنه أبوداود) عن يعقوب بن إسحاق الحضرمي عن سليمان بن قرم عن محمد بن المنكدر عن جابر، هذا آخر كلامه. وسليمان بن قرم

стр. 2865

﴿الفصل الثالث﴾ ١٩٦٥- (١٨) عن أنس، قال: ((كان أبوطلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، ــ تكلم فيه غير واحد - انتهى. قلت: قد فرق بين سليمان بن قرم وسليمان بن معاذ الضبي ابن حبان تبعاً للبخاري ثم ابن قطان وابن عدي، وقال غير واحد إن سليمان بن معاذ هو سليمان بن قرم، منهم أبوحاتم والدارقطني والطبراني وعبد الغني بن سعيد. قال أحمد: سليمان بن قرم ثقة، وقال مرة: لا أرى به بأساً لكنه كان يفرط في التشيع، وضعفه النسائي وابن معين. وقال أبوزرعة: ليس بذلك. وقال أبوحاتم: ليس بالمتين، وقال ابن عدي: له أحاديث حسان إفراد. وقال ابن حبان: كان رافضياً غالياً في الرفض ويقلب الأخبار مع ذلك، وذكره الحاكم في باب من عيب على مسلم إخراج حديثهم. وقال: غمزوه في التشيع وسوء الحفظ جميعاً. وقال الحافظ: سيء الحفظ يتشيع، والحديث أخرجه أيضاً البيهقي (ج٤ ص١٩٩) والضياء المقدسي في المختار كما في الجامع الصغير. ١٩٦٥- قوله: (كان أبوطلحة) زيد بن سهل الخزرجي زوج أم سليم أم أنس (أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل) بنصب أكثر خبر كان ومالاً تميز أي من حيث المال والجار للبيان. قال الباجي: هذا يقتضي أنه يجوز للرجل الصالح الاستكثار من المال الحلال (وكان أحب أمواله إليه) بنصب أحب خبر كان وبيرحاء اسمه ويجوز العكس، والمراد بأمواله الحوائط. قال ابن عبد البر: كانت دار أبي جعفر والدار التي تلها إلى قصر بني حديلة حوائط لأبي طلحة. قال: وكان قصر بني حديلة حائطاً لأبي طلحة يقال لها بيرحاء فذكر الحديث. ومراده بدار أبي جعفر التي صارت إليه بعد ذلك وعرفت به، وهو أبوجعفر المنصور الخليفة المشهور العباسي. وأما قصر بني حديلة فنسب إليهم بسبب المجاورة، وإلا فالذي بناه هو معاوية بن أبي سفيان وبنو حديلة بطن من الأنصار، وكانوا بتلك البقعة فعرفت بهم. فلما اشترى معاوية حصة حسان، بنى فيها هذا قصر فعرف بقصر بني حديلة. وفيه جواز إضافة حب المال إلى الرجل العالم الفاضل ولا نقص عليه في ذلك، وقد أخبر تعالى عن الإنسان ﴿وإنه لحب الخير لشديد﴾ [العاديات:٨] والخير هنا المال اتفاقاً كذا في الفتح. وقال الباجي: هذا يقتضي جواز حب الرجل الصالح المال. قال عز اسمه: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين﴾ [آل عمران:١٤] الآية. قال عمر ﵁: اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نحب ما زينت لنا فاجعلنا ممن يأخذه بحقه فينفقه في وجهه (بيرحاء) بفتح الموحدة وسكون التحتية وفتح الراء وبالمهملة والمد وفي ضبطه اضطراب كثير. فنقل الحافظ في

стр. 2866

وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: فلما نزلت هذه الآية ﴿لن تنالوا البر ــ الفتح وتبعه العيني عن نهاية ابن الأثير الجزري فتح الموحدة وكسرها، وفتح الراء وضمها مع المد، والقصر. قال: فهذه ثمان لغات - انتهى. والذي في النهاية بيرحاء بفتح الفاء وكسرها، وبفتح الراء وضمها والمد فيهما، وبفتحهما والقصر، هذا نصه بحروفه، ونقله عنه الطيبي كذلك بلفظه. وعلى هذا فتكون خمسة لا ثمانية. قال الحافظ: وفي رواية حماد بن سلمة يعني عند مسلم بريحا بفتح أوله وكسر الراء وتقديمها على التحتانية، وفي سنن أبي داود بأريحا مثله لكن بزيادة ألف. وقال الباجي: أفصحها بفتح الباء وسكون الياء، وفتح الراء مقصوراً وكذا جزم به الصنعاني. وقال: إنه اسم أرض كانت لأبي طلحة، وهي فيعلى من البراح، وهو المكان المتسع الظاهر. قال: ومن ذكره بكسر الموحدة وظن أنها بئر من آبار المدينة فقد صحف، وكذا قال الزمخشري في الفائق والمجد في القاموس وقال في اللامع: لا تنافي بين ذلك فإن الأرض أو البستان تسمى باسم البئر التي فيه. وقال الحافظ: أيضاً وقع عند مسلم بريحا بفتح الموحدة وكسر الراء وتقديمها على التحتانية الساكنة ثم حاء مهملة ورجحها صاحب الفائق. وقال: هي وزن فعيلاء من البراح وهي الأرض الظاهرة المنكشفة، وعند أبي داود بأريحاء وهو بإشباع الموحدة والباقي مثله. ووهم من ضبطه بكسر الموحدة وفتح الهمزة فإن أريحاء من الأرض المقدسة، ويحتمل إن كان محفوظاً أن تكون سميت بإسمها. قال عياض: رواية المغاربة إعراب الراء والقصر في حاء، وخطأ هذا الصوري. وقال الباجي: أدركت أهل العلم بالمشرق، ومنهم أبوذر يفتحون الراء في كل حال، أي في الرفع والنصب والخفض زاد الصوري، وكذلك الباء أي أوله. قال: واتفق أبوذر وغيره من الحفاظ على أن من رفع الراء حال الرفع فقد غلط، ونقل أبوعلي الصدفي عن أبي ذر الهروي أنه جزم إنها مركبة من كلمتين. بير كلمة وحاء كلمة ثم صارت كلمة واحدة، واختلف في حاء هل هي اسم رجل أو امرأة أو مكان أضيفت إليه البئر أو هي كلمة زجر للإبل، لأن الإبل كانت ترعى هناك وتزجر بهذه اللفظة، فأضيفت البئر إلى اللفظة المذكورة - انتهى. (وكانت) أي بيرحاء (مستقبلة المسجد) أي مسجد النبي ﷺ ومعناه إن المسجد في جهة قبلتها، فلا ينافي بعدها عنه على هذه المسافة الموجودة اليوم (يدخلها) زاد في رواية ويستظل بها (ويشرب من ماء فيها) أي بيرحاء (طيب) بالجر صفة للمجرور السابق أي حلو الماء. قال الباجي: يريد عذباً. وهذا يقتضى تبسط الرجل في مال من يعرف رضاه بذلك، وإن لم يستأمره. وقال الحافظ: فيه استعذاب الماء وتفضيل بعضه على بعض، وإباحة الشرب من دار الصديق، ولو لم يكن حاضراً إذا علم طيب نفسه واتخاذ الحوائط والبساتين، ودخول أهل العلم والفضل فيها والاستظلال بظلها. والراحة والتنزه فيها. وقد يكون ذلك مستحباً يثاب عليه إذا قصد به إجمام النفس من تعب العبادة وتنشيطها في الطاعة (لن تنالوا البر) أي لن تبلغوا حقيقة البر الذي هو كمال الخير، أو لن تنالوا بر الله الذي هو الرحمة والرضا

стр. 2867

حتى تنفقوا مما تحبون﴾ قام أبوطلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إن الله تعالى يقول: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ وإن أحب مالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله تعالى، أرجوا برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله! حيث أراك الله. فقال رسول الله ﷺ : ((بخ بخ، ذلك مال رابح، ــ والجنة (حتى تنفقوا مما تحبون) أي من بعض ما تحبون من أموالكم (قام أبوطلحة إلى رسول الله ﷺ ) زاد في رواية عند ابن عبد البر ورسول الله ﷺ على المنبر (وإن أحب أموالي إلي) بتشديد الياء (بيرحاء) بالرفع خبران (وإنها صدقة لله تعالى) وفي رواية لمسلم: لما نزلت الآية: قال أبوطلحة: أرى ربنا يسألنا عن أموالنا فاستشهدك يا رسول الله! إني جعلت أرضي بيرحاء لله. قال الحافظ: في قوله: إن أحب أموالي إلي بيرحاء لله تعالى الخ فضيلة لأبي طلحة؛ لأن الآية تضمنت الحث على الإنفاق من المحبوب فترقى هو إلى إنفاق أحب المحبوب فصوب ﷺ رأيه وشكر عن ربه فعله، ثم أمره أن يخص بها أهله وكنى عن رضاه بذلك بقوله بخ. وقال الباجي: هذا يدل على أن أباطلحة تأول هذه الآية على أنها تقتضي أنه إنما ينال البر بصدقة ما يحب الإنسان من ماله، وقد فعل ذلك زيد بن حارثة جاء بفرسه. وقال: هذا أحب أموالي إلي فتصدق به، وكان الربيع بن خثيم إذا سمع سائلاً يقول: أعطوه سكراً فإن الربيع يحب السكر (أرجو برها) أي خيرها (وذخرها) بضم الذال المعجمة أي أجرها يعني أقدمها فادخرها لأجدها (عند الله) يعني لا أريد ثمرتها العاجلة الدنيوية الفانية، بل أطلب مثوبتها الآجلة الأخروية الباقية (فضعها) أمر من وضع يصنع أي أصرفها (حيث أراك الله) أي في مصرف علمك الله إياه ففوض أبوطلحة تعيين مصرفها إليه ﵊ لا وقفيتها (بخ بخ) بفتح الباء وسكون المعجمة فيهما كهل وبل وكسرها مع التنوين فيهما وبالتنوين في الأول والسكون في الثاني وهو الاختيار. وبالضم مع التنوين فيهما، وبالتشديد مع كسر وضم فيهما لغات، كرر للمبالغة وهي كلمة تقال لتفخيم الأمر والتعجب من حسنه وعند مدحه والرضاء به. قال في القاموس: قل في الأفراد بخ ساكنة وبخ مكسورة وبخ منونة وبخ منونة مضمومة، وتكرر بخ بخ للمبالغة، الأولى منون، والثاني مسكن. ويقال: بخ بخ مسكنين، وبخ بخ منونين، وبخ بخ مشددين، كلمة تقال عند الرضا والإعجاب بالشيء أو الفخر والمدح - انتهى. فمن نونه شبهه بأسماء الأفعال كصه ومه (ذلك) أي ما ذكرته أو التذكير لأجل الخبر وهو قوله (مال رابح) بالموحدة من الربح أي ذو ربح كلا بن وتامر أي يربح صاحبة في الآخرة. وقيل: هو فاعل بمعنى مفعول أي هو مال مربوح فيه. ويروى رائح بالياء التحتية من الرواح نقيض الغدو، أي رائح عليك أجره ونفعه في الآخرة يعني أنه قريب الفائدة يصل نفعه إليك كل رواح لا تحتاج

стр. 2868

وقد سمعت ما قلت: وإني أرى تجعلها في الأقربين. فقال أبوطلحة: أفعل يا رسول الله! فقسما أبوطلحة في أقاربه وبني عمه)) . ــ أن تتكلف فيه إلى مشقة وسير. وقيل: معناه يروح بالأجر ويغدو به. واكتفى بالرواح عن الغدو لعلم السامع أو من شأنه الرواح، وهو الذهاب والفوات فإذا ذهب في الخير فهو أولى. وأدعى الإسماعيلي إن رواية التحتية تصحيف. (وقد سمعت) بصيغة المتكلم (ما قلت) بصيغة الخطاب (وإني أرى) زيادة الفضل والأجر (في أن تجعلها) صدقة (في الأقربين) وفي رواية أجعله لفقراء أقاربك أي ليكون جمعاً بين الصلة والصدقة (أفعل) برفع اللام فعلاً مستقبلاً (فقسمها) أي بيرحاء (في أقاربه وبني عمه) من عطف الخاص على العام. والمراد أقارب أبي طلحة، وفي رواية فقسمها بين حسان بن ثابت وأبي بن كعب، وفي رواية فجعلها أبوطلحة في ذي رحمه، وكان منهم حسان وأبي بن كعب. وهذا يدل على أنه أعطى غيرهما معهما. وفي مرسل أبي بكر بن حزم عند ابن أبي زبالة فرده على أقاربه أبي بن كعب وحسان بن ثابت وأخيه، أو ابن أخيه شداد بن أوس ونبيط بن جابر، فتقاوموه فباع حسان حصته من معاوية بمائة ألف درهم. قال النووي: فيه إن القرابة يراعى حقها في صلة الأرحام وإن لم يجتمعوا إلا في أب بعيد لأنه ﷺ أمر أباطلحة أن يجعل صدقته في الأقربين فجعلها في أبي بن كعب وحسان بن ثابت، وإنما يجتمعان معه في الجد السابع - انتهى. قلت: يجتمع حسان مع أبي طلحة في الأب الثالث وهو حرام، وأما أبي فيجتمع معه في الأب السادس وهو عمرو بن مالك بن النجار فعمرو هذا يجمع حسان وأباطلحة وأبيا. قال الحافظ: هذا أي بيع حسان حصته منه من معاوية يدل على أن أباطلحة ملكهم الحديقة المذكورة ولم يقفها عليهم، إذ لو وقف لما ساغ لحسان أن يبيعها فيعكر على من استدل بشيء من قصة أبي طلحة في مسائل الوقف، إلا فيما لا تخالف فيه الصدقة الوقف، ويحتمل أن يقال شرط أبوطلحة عليهم لما وقفها عليهم أن من احتاج إلى بيع حصته منهم جاز له بيعها، وقد قال بجواز هذا بعض أهل العلم كعلي ﵁ وغيره - انتهى. وفي المحلى شرح الموطأ: ظاهره جواز بيع الوقف، وقد أجمعوا على خلافه وأجاب عنه الكرماني بأن التصدق على معين تمليك له. وقال العسقلاني: وتبعه العيني أنه يجوز أن يقال إن أباطلحة شرط عند وقفه عليهم أنه يجوز لمن أحتاج أن يبيع حصته وذلك جائز عند بعضهم - انتهى. قال الحافظ: وفي الحديث أنه لا يعتبر في القرابة من يجمعه، والواقف أب معين لا رابع ولا غيره؛ لأن أبياً إنما يجتمع مع أبي طلحة في الأب السادس، وأنه لا يجب تقديم القريب على القريب إلا بعد. لأن حساناً وأخاه إلى أبي طلحة من أبي ونبيط، ومع ذلك فقد أشرك معهما أبيا ونبيط بن جابر. وفيه أنه لا يجب الاستيعاب؛ لأن بني حرام الذي اجتمع فيه أبوطلحة وحسان كانوا بالمدينة كثيراً فضلا عن عمرو بن مالك الذي يجمع أباطلحة وأبياً - انتهى. وفي الحديث فوائد غير

стр. 2869

متفق عليه. ١٩٦٦- (١٩) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أفضل الصدقة أن تشبع كبداً جائعاً)) . رواه البيهقي، في شعب الإيمان. ــ تقدم ذكرها الحافظ وغيره، منها زيادة صدقة التطوع على نصاب الزكاة خلافاً لمن قيدها به، وصدقة الصحيح بأكثر من ثلثة؛ لأنه ﷺ لم يستفصل أباطلحة عن قدر ما تصدق به. وقال لسعد بن أبي وقاص: الثلث والثلث كثير، وإن الآية تعم الإنفاق الواجب والمستحب. ومنها مشاورة أهل الفضل في كيفية الصدقة والطاعة، ومنها أنه إذا تصدق بأرض مشهورة متميزة ولم يبين حدودها جاز. ومنها أنه تتم الصدقة قبل تعيين جهة مصرفها ثم يعين بعد ذلك فيما شاء إلى غير ذلك من الفوائد. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الزكاة والوصايا والوكالة والأشربة والتفسير، ومسلم في الزكاة وأخرجه أيضاً أحمد، ومالك في الجامع من الموطأ وأبوداود في الزكاة والنسائي في الوقف والطيالسي وابن خزيمة والطحاوي والدارقطني والبيهقي وأبوحاتم وغيرهم مطولاً ومختصراً بألفاظ متقاربة ذكر بعضها الجزري في جامع الأصول (ج٧ ص٣٠٦- ٣٠٧- ٣٠٨) . ١٩٦٦- قوله: (أفضل الصدقة أن تشبع) بضم التاء (كبداً جائعاً) قال الطيبي: وصف الكبد بصفة صاحبة على الإسناد المجازي، وهو من جعل الوصف المناسبة علة للحكم، وفائدته العموم ليتناول أنواع الحيوان سواء كان مؤمناً أو كافراً ناطقاً أو غير ناطق، والله تعالى أعلم - انتهى. وتقدم المستثنى (رواه البيهقي) وأخرجه أيضاً أبوالشيخ في الثواب والأصبهاني كلهم من رواية زربي (بفتح أوله وسكون الراء بعدها موحدة ثم تحتانية مشددة) ابن عبد الله الأزدي البصري إمام مسجد هشام بن حسان عن أنس. ولفظ أبي الشيخ والأصبهاني قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ما من عمل أفضل من إشباع كبد جائعة. والحديث. أدخله ابن الجوزي في الموضوعات. وقال الصغاني: موضوع. قال ابن حبان: فيه زربي منكر الحديث على قلته. ويروي عن أنس ما لا أصل له فلا يحتج به. قلت زربي هذا روى له الترمذي وابن ماجه وأخرج له ابن خزيمة في صحيحه، لكن قال إن ثبت الخبر. وقال الترمذي: له أحاديث مناكير عن أنس وغيره. وقال ابن عدي: أحاديثه وبعض متونها منكرة وذكره العقيلي في الضعفاء. وقال البخاري: فيه نظر. وقال السيوطي في تعقباته على ابن الجوزي: للحديث شواهد كثيرة تقتضي تحسينه، منها حديث جابر إن من موجبات المغفرة إطعام المسلم الشبعان أخرجه البيهقي في الشعب - انتهى. وقال العزيزي في شرح الجامع الصغير: رمز المصنف يعني السيوطي أي لحسن حديث أنس ولعله لاعتضاده.

стр. 2870

(٨) باب صدقة المرأة من مال الزوج ﴿الفصل الأول﴾ ١٩٦٧- (١) عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة. كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك، ــ (باب صدقة المرأة من مال الزوج) وفي بعض النسخ باب ما تنفقه المرأة من مال زوجها ووقع في بعضها لفظ باب فقط. ١٩٦٧- قوله: (إذا أنفقت المرأة) أي تصدقت كما في رواية (من طعام بيتها) أي من طعام زوجها الذي في بيتها المتصرفة فيه (غير مفسدة) نصب على الحال أي غير مسروفة في التصدق بأن لا تتعدى إلى الكثرة المؤدية إلى النقص الظاهر، وهذا محمول على إذن الزوج لها بذلك صريحاً أو دلالة. وقيل: هذا جار على عادة أهل الحجاز، فإن عادتهم أن يأذنوا لزوجاتهم وخدمهم بأن يضيفوا الأضياف ويطعموا السائل والمسكين والجيران، فحرض رسول الله ﷺ أمته على هذه العادة الحسنة والخصلة المستحسنة. وهذا الحديث ليس فيه دلالة صريحاً على جواز تصدق المرأة من مال الزوج بغير إذنه. قال البغوي: عامة العلماء على أنه لا يجوز لها التصدق من مال زوجها بغير إذنه، وكذلك الخادم. والحديث الدال على الجواز أخرج على مادة أهل الحجاز أنهم يطلقون الأمر للأهل والخادم في التصدق والإنفاق مما حضر في البيت عند حضور السائل ونزول الضيف، كما قال ﵊: لا توعى فيوعى الله عليك - انتهى. وكذلك قال الخطابي في المعالم: (ج٢ ص٧٨) وخص الطعام بالذكر لغلبة المسامحة به عادة وإلا فغيره مثله إذا الغرض إن المالك إذن في ذلك صريحاً أو دلالة (كان لها أجرها بما أنفقت) أي بسبب إنفاقها (ولزوجها أجره بما كسب) أي بسبب كسبه وتحصيله (وللخازن) أي الذي يكون بيده حفظ الطعام المتصدق منه من خادم وقهرمان وقيم لأهل المنزل (مثل ذلك) أي الأجر أي بالشروط المذكورة في حديث أبي الآتي، وفي رواية للبخاري لها أجرها وله مثله (أي مثله أجرها) وللخازن مثل ذلك. قال الحافظ: ظاهره يقتضي تساويهم في الأجر، ويحتمل أن يكون المراد بالمثل حصول الأجر في الجملة وإن كان أجر الكاسب، أوفر لكن التعبير في حديث أبي هريرة الآتي بقوله: فلها نصف أجره يشعر بالتساوي. قال: والمراد بقوله: لا ينقص بعضهم أجر بعض، عدم المساهمة والمزاحمة في الأجر. ويحتمل أن يراد مساواة بعضهم بعضاً والله أعلم - انتهى. وقال النووي: معنى هذه الأحاديث (يعني حديث عائشة هذا وحديث

стр. 2871

لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئاً)) . متفق عليه. ١٩٦٨- (٢) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره. فلها نصف أجره)) . ــ أبي هريرة وحديث أبي موسى الآتيين) إن المشارك في الطاعة مشارك في الأجر، ومعنى المشاركة إن له أجراً كما لصاحبه أجر ـ وليس معناه أن يزاحمه في أجره. والمراد المشاركة في أصل الثواب فيكون لهذا ثواب، ولهذا ثواب، وإن كان أحدهما أكثر. ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواء. بل قد يكون ثواب هذا أكثر وقد يكون عكسه - انتهى. (لا ينقص بعضهم أجر بعض) أي من أجر بعض (شيئاً) نصب مفعول ينقص أو ينقص كيزيد يتعدى إلى مفعولين الأول أجر والثاني شيئاً كزادهم الله مرضاً. قاله القسطلاني، وقال القاري: شيئاً أي من النقص أو من الأجر، والمراد أنهم في أصل الأجر سواء. وإن اختلف قدره. قال الحافظ قال ابن العربي: اختلف السلف فيما إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها فمنهم من أجازه لكن في الشيء اليسير الذي لا يؤبه به ولا يظهر به النقصان، ومنهم من حمله على ما إذا أذن الزوج ولو بطريق الإجمال وهو اختيار البخاري. ويحتمل أن يكون ذلك محمولاً على العادة. وأما النقييد بغير الإفساد فمتفق عليه، ومنهم من قال المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن، النفقة على عيال صاحب المال في مصالحه وليس ذلك بأن يفتاتوا على رب البيت بالإنفاق على الفقراء بغير إذن، ومنهم من فرق بين المرأة والخادم. فقال: المرأة لها حق في مال الزوج والنظر في بيتها فجاز لها أن تتصدق بخلاف الخادم فليس به تصرف في متاع مولاه، فيشترط الإذن فيه وهو متعقب بأن المرأة إذا استوفت حقها فتصدقت منه فقد تخصصت به وإن تصدقت من غير حقها رجعت المسألة كما كانت والله أعلم. ويأتي مزيد الكلام في شرح الحديث الذي يليه (متفق عليه) أخرجه البخاري في الزكاة وفي البيوع، ومسلم في الزكاة وأخرجه أيضاً أحمد، والترمذي وأبوداود والنسائي في الزكاة، وابن ماجه في النجارات وابن حبان والبيهقي وغيرهم. ١٩٦٨- قوله: (إذا أنفقت المرأة) أي تصدقت (من كسب زوجها) أي من ماله (من غير أمره) أي الصريح في ذلك القدر المعين (فلها نصف أجره) قيل: هذا مفسر بما إذا أخذت من مال زوجها أكثر من نفقتها وتصدقت به، فعليها غرم ما أخذت أكثر منها، فإذا علم الزوج ورضي بذلك فلها نصف أجره بما تصدقت من نفقتها ونصف أجره له بما تصدقت به أكثر من نفقتها، لأن الأكثر حق الزوج كذا ذكره القاري: وقال الحافظ: الأولى أن يحمل على ما إذا أنفقت من الذي يخصها به إذا تصدقت به بغير استئذانه، فإنه يصدق كونه من كسبه فيؤجر عليه، وكونه بغير أمره يعني يحمل التصنيف على المال الذي يعطيه الرجل في نفقة المرأة، فإذا

стр. 2872

متفق عليه. ١٩٦٩- (٣) وعن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الخازن المسلم الأمين الذي يعطي ما أمر به كاملاً مؤفراً طيبة به نفسه، فيدفعه إلى الذي أمر له به، ــ أنفقت منه بغير علمه كان الأجر بينهما للرجل لكونه الأصل في إكتسابه، ولكونه يؤجر على ما ينفقه على أهله وللمرأة لكونه من النفقة التي تختص بها. قال: ويحتمل أن يكون إذن لها بطريق الإجمال، لكن المنفي ما كان بطريق التفصيل، ولابد من الحمل على أحد هذين المعنيين، وإلا فحيث كان من ماله بغير إذنه لا إجمالاً ولا تفصيلاً فهي مأزورة بذلك لا مأجورة. قال النووي: قوله من غير أمره معناه من غير أمره الصريح في ذلك القدر المعين ولا ينفي ذلك وجود إذن سابق عام يتناول هذا القدر وغيره، إما بالصريح، وإما بالعرف. قال: ويتعين هذا التأويل لجمل الأجر بينهما نصفين، ومعلوم إنها إذا أنفقت من ماله بغير إذنه لا الصريح ولا المأخوذ من العرف لا يكون لها أجر بل عليها وزر فيتعين تأويله - انتهى. وقيل: في الجمع بين هذا وبين حديث عائشة إنه إذا أنفقت المرأة مع إذنه تستحق به الأجر كاملاً، ومع عدم الإذن نصف الأجر، يعني إذا عرفت منه السماحة بذلك والرضا به جاز لها الإنفاق من غير إذنه ولها نصف أجره وقيل: معنى النصف إن أجره وأجرها إذا جمعا كان لها النصف من ذلك، فلكل منهما أجر كامل، وهما اثنان فكأنهما نصفان. وقيل: إنه بمعنى الجزء، والمراد المشاركة في أصل الثواب وإن كان أحدهما أكثر بحسب الحقيقة (متفق عليه) أخرجه البخاري في البيوع وفي أواخر النكاح وفي النفقات، ومسلم في الزكاة وأخرجه أيضاً فيه أبوداود والبيهقي. ١٩٦٩- قوله: (الخازن) أي خادم المالك في الخزن (المسلم الأمين الذي يعطي ما أمر به) من الصدقة من غير زيادة ونقصان فيه بهوى (كاملاً) حال من المفعول أو صفة لمصدر محذوف (موفراً) بفتح الفاء المشددة أي تاماً فهو تأكيد وبكسرها حال من الفاعل أي مكملاً عطاءه (طيبة) أي راضية غير شحيحة (به) أي بالعطاء (نفسه) مرفوع على الفاعلية وطيبة بالنصب على الحال. وقال: ذلك إذ كثيراً مالا يرضي الإنسان بخروج شيء من يده، وإن كان ملكاً لغيره. قال الحافظ: قيد الخازن بكونه مسلماً فأخرج الكافر لأنه لا نية له وبكونه أميناً فأخرج الخائن لأنه مأزور، ورتب الأجر على إعطاءه ما يؤمر به غير ناقص لكونه خائناً أيضاً، ويكون نفسه طيبة بذلك، لئلا يعدم النية فيفقد الأجر وهي قيود لابد منها (فيدفعه) عطف على يعطي (إلى الذي أمر له) بضم الهمزة مبنياً للمفعول أي إلى الشخص الذي أمر ذلك الخازن له (به) أي بالدفع والإعطاء، وفيه شروط أربعة: شرط الإذن لقوله ما أمر به وعدم نقصان ما أمر به لقوله كاملاً موفراً وطيب النفس

стр. 2873

أحد المتصدقين)) . متفق عليه. ١٩٧٠- (٤) وعن عائشة، قالت: إن رجلاً قال للنبي ﷺ : ((إن أمي أفتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت تصدقت، ــ بالتصدق، لأن بعض الخزان والخدان لا يرضون بما أمروا به من التصدق وإعطاء من أمر له لا إلى مسكين آخر. فالخازن مبتدأ وما بعده صفات له وخبره (أحد المتصدقين) أي يشارك صاحب المال في الصدقة فيصير إن متصدقين، ويكون هو أحدهما هذا على أن الرواية بفتح القاف وهو الذي صرحوا به، نعم جوز الكسر على أن اللفظ جمع أي هو متصدق من المتصدقين قال الحافظ: ضبط في جميع الروايات الصحيحين بفتح القاف على التثنية. قال القرطبي: ويجوز الكسر على الجمع أي هو متصدق من المتصدقين - انتهى. وقال الشيخ زكريا الأنصاري: بفتح القاف أي هو ورب الصدقة في أصل الأجر سواء وإن اختلف مقداره فيهما فلو أعطي المالك خادمة مائة دينار ليدفعها إلى فقير على باب داره فأجر المالك أكثر، ولو أعطاه رغيفاً ليدفعه إلى الفقير في مكان بعيد، فإن كانت أجرة مشي الخادم تزيد على قيمة الرغيف فأجر الخادم أكثر وإن كانت تساويها فمقدار أجرهما سواء (متفق عليه) أخرجه البخاري في الزكاة والوكالة والإجارة، ومسلم في الزكاة وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي والبيهقي في الزكاة. ١٩٧٠- قوله: (إن رجلاً) قيل: هو سعد بن عبادة. قال الزرقاني: وجزم به غير واحد. وقيل: هو رجل آخر غير سعد بن عبادة وإليه مال العيني (إن أمي) عمرة بنت مسعود (أفتلتت) بالفاء الساكنة والمثناة المضمومة وكسر اللام بعد فوفيتان، أولاهما مفتوحة مبنياً للمفعول افتعال من فلت، يقال، أفتلت فلان أي ماتت فجأة، وأفْتُلِتَ بأمر كذا إذا فوجيء به قبل إن يستعد له، وأفتلت الشيء إذا أخذ منه فلته أي بغتة، قال الباجي: تقول العرب رأيت الهلال فلته إذا رأيته من غير قصد إليه (نفسها) بالنصب بمعنى أفتلتها الله نفسها أي روحها يعدي إلى مفعولين كاختلسه الشيء واستلبه إياه فبني الفعل للمفعول فصار الأول مضمراً وبقي الثاني منصوباً. وقيل: نفسها منصوب على التمييز. وقيل: بإسقاط حرف الجر أي من نفسها، ويروي بالرفع على أنه متعد إلى واحد ناب عن الفاعل أي أخذت نفسها فلتة يعني ماتت بغتة دون تقدم مرض ولا سبب (وأظنها) أي لعلمي بحرصها على الخير (لو تكلمت) أي لو قدرت على الكلام (تصدقت) أي من مالها بشيء أو أوصت بتصدق شيء من مالها. قال الحافظ: وظاهره إنها لم تتكلم فلم تتصدق لكن في الموطأ والنسائي والحاكم عن سعيد ابن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد عبادة عن أبيه عن جده. قال: خرج سعد بن عبادة مع النبي ﷺ -

стр. 2874

فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم)) . متفق عليه. ــ في بعض مغازيه وحضرت أمه الوفاة بالمدينة فقيل لها أوصي: فقالت: فبم أووصي المال، مال سعد فتوفيت قبل أن يقدم سعد فلما قدم سعد بن عبادة ذكر ذلك له فقال سعد: يا رسول الله! هل ينفعها أن أتصدق عنها فقال رسول الله ﷺ : نعم. فقال سعد: حائط كذا وكذا صدقة عنها لحائط سماه، وهذا نص في التكلم فيمكن أن يأول رواية الكتابة بأن المراد إنها لم تتكلم أي بالصدقة، ولو تكلمت تصدقت أي فكيف أمضى ذلك. أو يحمل على أن سعداً ما عرف بما وقع منها فإن الذي روى هذا الكلام في الموطأ هو سعيد بن عبادة. أو ولده شرحبيل مرسلاً، فعلى التقديرين لم يتحد راوي الإثبات، وراوي النفي. فيمكن الجمع بينهما بذلك - انتهى. وبسط العيني في إثبات المنافاة بين الراويتين، وبنى على ذلك إن الرجل المبهم في حديث عائشة رجل آخر غير سعد بن عبادة فلا حاجة على هذا إلى الجمع (فهل لها أجر إن تصدقت عنها) بكسر الهمزة إن على أنها شرطية. قال الزركشي: وهي الرواية الصحيحة ولا يصح قول من فتحها؛ لأنه إنما سأل عما لم يفعل، لكن قال البدر الدماميني: إن ثبتت لنا رواية بفتح الهمزة من أن أمكن تخريجها على مذهب الكوفيين في صحة مجيء إن المفتوحة الهمزة شرطية كان المكسورة ورجحه ابن هشام، والمعنى حينئذٍ صحيح بلا شك ذكره القسطلاني (قال نعم) لها أجر إن تصدقت عنها، وقد بين النسائي من وجه آخر جهة الصدقة المذكورة فأخرج من طريق سعيد بن المسيب عن سعد بن عبادة. قال: قلت يا رسول الله! إن أمي ماتت أفاتصدق عنها. قال: نعم. قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء. وقد سبق هذا الحديث في فضل الصدقة ومر قريباً إنه تصدق عنها بحائط، وطريق الجمع إنه تصدق عنها بالحائط من تلقاء نفسه، وبالماء بأمره ﷺ بعد سؤاله عنه والله تعالى أعلم. وفي الحديث جواز الصدقة عن الميت وإن ذلك ينفعه بوصول الثواب الصدقة إليه، ولاسيما إن كان من الولد وكذا حكم الدعاء وهو مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم:٣٩] وقد اختلف في غير الصدقة من أعمال البر هل تصل إلى الميت كالصلاة وتلاوة القرآن؟ والمختار عند الحنفية نعم قياساً على الدعاء، وعندي فيه تأمل. وفيه أنه يستحب لمن يتوفى فجأة. أن يتصدق عنه أهله وترجم البخاري على هذا الحديث باب موت الفجاءة. قيل أشار بهذا إلى أن موت الفجاءة ليس بمكروه؛ لأنه ﷺ لم يظهر منه كراهة حين أخبره الرجل بانفلات نفس أمه وهو محمول على المتهيئ للموت والمتأهب والمراقب له دون غيره، وعلى ذلك يحمل خبر ابن أبي شيبة عن عائشة وابن مسعود موت الفجاءة راحة للمؤمن وأسف على الفاجر، وخبر أبي داود موت الفجاءة أخذة أسف. ولأحمد من حديث أبي هريرة أنه ﷺ مر بجدار مائل فأسرع. وقال: أكره موت الفوات. قال ابن بطال: وكان ذلك والله أعلم لما في موت الفجاءة من خوف حرمان الوصية، وترك الاستعداد للمعاد بالتوبة

стр. 2875

﴿الفصل الثاني﴾ ١٩٧١- (٥) عن أبي أمامة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع: ((لا تنفق امرأة شيئاً من بيت زوجها إلا بإذن زوجها! قيل: يا رسول الله! ولا طعام؟ قال: ذلك أفضل أموالنا)) . رواه الترمذي. ١٩٧٢- (٦) وعن سعد، قال: لما بايع رسول الله ﷺ النساء قامت امرأة جليلة كأنها من نساء مضر، فقالت: ((يا نبي الله؟ إنا كل على آبائنا وأبنائنا وأزواجنا، ــ وغيرها من الأعمال الصالحة. وقال ابن المنير: لعل البخاري أراد بهذه الترجمة إن من مات فجاءة فليستدرك ولده من أعمال البر ما أمكنه مما يقبل النيابة كما وقع في الحديث - انتهى. وقد مر الكلام في ذلك في الجنائز فليراجع (متفق عليه) أخرجه البخاري في أواخر الجنائز وفي الوصايا، ومسلم في الزكاة وأخرجه أيضاً أحمد ومالك في أواخر الأقضية والنسائي في الوصايا. ١٩٧١- قوله: (لا تنفق) نفي، وقيل نهي (امرأة شيئاً من بيت زوجها إلا بإذن زوجها) أي صريحاً أو دلالة كما سبق، وللبيهقي: ألا لا يحل لامرأة أن تعطى من مال زوجها شيئاً إلا بإذنه (ذلك أفضل أموالنا) ولابن ماجه: من أفضل أموالنا يعني فإذا لم تجز الصدقة بما هو أقل قدراً من الطعام بغير إذن الزوج، فكيف تجوز بالطعام الذي هو أفضل (رواه الترمذي) في الزكاة وأخرجه أيضاً ابن ماجه في التجارات والبيهقي في الزكاة جميعهم من طريق إسماعيل بن عياش الحمصي وهو صدوق في روايته عن أهل بلده عن شرحبيل بن مسلم الخولاني الشامي عن أبي أمامة، وحسنه الترمذي وسكت عليه الحافظ في الفتح. ١٩٧٢- قوله: (وعن سعد) بن أبي وقاص (جليلة) أي عظيمة القدر كبيرة، وقيل: أو طويلة القامة. وقال الخطابي: الجليلة تكون بمعنيين أحدهما تكون خليقة جسيمة. يقال: امرأة خليقة وخليقاء، كذلك والآخر أن تكون بمعنى المسنة. يقال: جل الرجل إذا كبر وأسن، وجلت المرأة إذا عجزت (كأنها من نساء مضر) وهو أبوقبيلة (إنا كل) بفتح الكاف وتشديد اللام أي ثقل وعيال (على أبائنا وأبنائنا وأزواجنا) كذا في جميع النسخ من المشكاة، وهكذا في المصابيح، والذي في أبي داود يدل على عدم الجزم بلفظ: الأزواج ولفظه على أبائنا وأبنائنا. قال أبوداود: وأرى فيه وأزواجنا، والحديث رواه البيهقي من طريق أبي داود، هكذا رواه أيضاً من طريقين آخرين. قال: في أحدهما على آبائنا وأزواجنا وفي الآخر على آبنائنا وإخواننا ونقل الخطابي في المعالم (ج٢
следующие страницы →