Полный текст (4 545 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئاً)) . متفق عليه.
١٩٦٨- (٢) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره. فلها نصف أجره)) .
ــ
أبي هريرة وحديث أبي موسى الآتيين) إن المشارك في الطاعة مشارك في الأجر، ومعنى المشاركة إن له أجراً كما لصاحبه أجر ـ وليس معناه أن يزاحمه في أجره. والمراد المشاركة في أصل الثواب فيكون لهذا ثواب، ولهذا ثواب، وإن كان أحدهما أكثر. ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواء. بل قد يكون ثواب هذا أكثر وقد يكون عكسه - انتهى. (لا ينقص بعضهم أجر بعض) أي من أجر بعض (شيئاً) نصب مفعول ينقص أو ينقص كيزيد يتعدى إلى مفعولين الأول أجر والثاني شيئاً كزادهم الله مرضاً. قاله القسطلاني، وقال القاري: شيئاً أي من النقص أو من الأجر، والمراد أنهم في أصل الأجر سواء. وإن اختلف قدره. قال الحافظ قال ابن العربي: اختلف السلف فيما إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها فمنهم من أجازه لكن في الشيء اليسير الذي لا يؤبه به ولا يظهر به النقصان، ومنهم من حمله على ما إذا أذن الزوج ولو بطريق الإجمال وهو اختيار البخاري. ويحتمل أن يكون ذلك محمولاً على العادة. وأما النقييد بغير الإفساد فمتفق عليه، ومنهم من قال المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن، النفقة على عيال صاحب المال في مصالحه وليس ذلك بأن يفتاتوا على رب البيت بالإنفاق على الفقراء بغير إذن، ومنهم من فرق بين المرأة والخادم. فقال: المرأة لها حق في مال الزوج والنظر في بيتها فجاز لها أن تتصدق بخلاف الخادم فليس به تصرف في متاع مولاه، فيشترط الإذن فيه وهو متعقب بأن المرأة إذا استوفت حقها فتصدقت منه فقد تخصصت به وإن تصدقت من غير حقها رجعت المسألة كما كانت والله أعلم. ويأتي مزيد الكلام في شرح الحديث الذي يليه (متفق عليه) أخرجه البخاري في الزكاة وفي البيوع، ومسلم في الزكاة وأخرجه أيضاً أحمد، والترمذي وأبوداود والنسائي في الزكاة، وابن ماجه في النجارات وابن حبان والبيهقي وغيرهم.
١٩٦٨- قوله: (إذا أنفقت المرأة) أي تصدقت (من كسب زوجها) أي من ماله (من غير أمره) أي الصريح في ذلك القدر المعين (فلها نصف أجره) قيل: هذا مفسر بما إذا أخذت من مال زوجها أكثر من نفقتها وتصدقت به، فعليها غرم ما أخذت أكثر منها، فإذا علم الزوج ورضي بذلك فلها نصف أجره بما تصدقت من نفقتها ونصف أجره له بما تصدقت به أكثر من نفقتها، لأن الأكثر حق الزوج كذا ذكره القاري: وقال الحافظ: الأولى أن يحمل على ما إذا أنفقت من الذي يخصها به إذا تصدقت به بغير استئذانه، فإنه يصدق كونه من كسبه فيؤجر عليه، وكونه بغير أمره يعني يحمل التصنيف على المال الذي يعطيه الرجل في نفقة المرأة، فإذا
стр. 2872
متفق عليه.
١٩٦٩- (٣) وعن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الخازن المسلم الأمين الذي يعطي ما أمر به كاملاً مؤفراً طيبة به نفسه، فيدفعه إلى الذي أمر له به،
ــ
أنفقت منه بغير علمه كان الأجر بينهما للرجل لكونه الأصل في إكتسابه، ولكونه يؤجر على ما ينفقه على أهله وللمرأة لكونه من النفقة التي تختص بها. قال: ويحتمل أن يكون إذن لها بطريق الإجمال، لكن المنفي ما كان بطريق التفصيل، ولابد من الحمل على أحد هذين المعنيين، وإلا فحيث كان من ماله بغير إذنه لا إجمالاً ولا تفصيلاً فهي مأزورة بذلك لا مأجورة. قال النووي: قوله من غير أمره معناه من غير أمره الصريح في ذلك القدر المعين ولا ينفي ذلك وجود إذن سابق عام يتناول هذا القدر وغيره، إما بالصريح، وإما بالعرف. قال: ويتعين هذا التأويل لجمل الأجر بينهما نصفين، ومعلوم إنها إذا أنفقت من ماله بغير إذنه لا الصريح ولا المأخوذ من العرف لا يكون لها أجر بل عليها وزر فيتعين تأويله - انتهى. وقيل: في الجمع بين هذا وبين حديث عائشة إنه إذا أنفقت المرأة مع إذنه تستحق به الأجر كاملاً، ومع عدم الإذن نصف الأجر، يعني إذا عرفت منه السماحة بذلك والرضا به جاز لها الإنفاق من غير إذنه ولها نصف أجره وقيل: معنى النصف إن أجره وأجرها إذا جمعا كان لها النصف من ذلك، فلكل منهما أجر كامل، وهما اثنان فكأنهما نصفان. وقيل: إنه بمعنى الجزء، والمراد المشاركة في أصل الثواب وإن كان أحدهما أكثر بحسب الحقيقة (متفق عليه) أخرجه البخاري في البيوع وفي أواخر النكاح وفي النفقات، ومسلم في الزكاة وأخرجه أيضاً فيه أبوداود والبيهقي.
١٩٦٩- قوله: (الخازن) أي خادم المالك في الخزن (المسلم الأمين الذي يعطي ما أمر به) من الصدقة من غير زيادة ونقصان فيه بهوى (كاملاً) حال من المفعول أو صفة لمصدر محذوف (موفراً) بفتح الفاء المشددة أي تاماً فهو تأكيد وبكسرها حال من الفاعل أي مكملاً عطاءه (طيبة) أي راضية غير شحيحة (به) أي بالعطاء (نفسه) مرفوع على الفاعلية وطيبة بالنصب على الحال. وقال: ذلك إذ كثيراً مالا يرضي الإنسان بخروج شيء من يده، وإن كان ملكاً لغيره. قال الحافظ: قيد الخازن بكونه مسلماً فأخرج الكافر لأنه لا نية له وبكونه أميناً فأخرج الخائن لأنه مأزور، ورتب الأجر على إعطاءه ما يؤمر به غير ناقص لكونه خائناً أيضاً، ويكون نفسه طيبة بذلك، لئلا يعدم النية فيفقد الأجر وهي قيود لابد منها (فيدفعه) عطف على يعطي (إلى الذي أمر له) بضم الهمزة مبنياً للمفعول أي إلى الشخص الذي أمر ذلك الخازن له (به) أي بالدفع والإعطاء، وفيه شروط أربعة: شرط الإذن لقوله ما أمر به وعدم نقصان ما أمر به لقوله كاملاً موفراً وطيب النفس
стр. 2873
أحد المتصدقين)) . متفق عليه.
١٩٧٠- (٤) وعن عائشة، قالت: إن رجلاً قال للنبي ﷺ : ((إن أمي أفتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت تصدقت،
ــ
بالتصدق، لأن بعض الخزان والخدان لا يرضون بما أمروا به من التصدق وإعطاء من أمر له لا إلى مسكين آخر. فالخازن مبتدأ وما بعده صفات له وخبره (أحد المتصدقين) أي يشارك صاحب المال في الصدقة فيصير إن متصدقين، ويكون هو أحدهما هذا على أن الرواية بفتح القاف وهو الذي صرحوا به، نعم جوز الكسر على أن اللفظ جمع أي هو متصدق من المتصدقين قال الحافظ: ضبط في جميع الروايات الصحيحين بفتح القاف على التثنية. قال القرطبي: ويجوز الكسر على الجمع أي هو متصدق من المتصدقين - انتهى. وقال الشيخ زكريا الأنصاري: بفتح القاف أي هو ورب الصدقة في أصل الأجر سواء وإن اختلف مقداره فيهما فلو أعطي المالك خادمة مائة دينار ليدفعها إلى فقير على باب داره فأجر المالك أكثر، ولو أعطاه رغيفاً ليدفعه إلى الفقير في مكان بعيد، فإن كانت أجرة مشي الخادم تزيد على قيمة الرغيف فأجر الخادم أكثر وإن كانت تساويها فمقدار أجرهما سواء (متفق عليه) أخرجه البخاري في الزكاة والوكالة والإجارة، ومسلم في الزكاة وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي والبيهقي في الزكاة.
١٩٧٠- قوله: (إن رجلاً) قيل: هو سعد بن عبادة. قال الزرقاني: وجزم به غير واحد. وقيل: هو رجل آخر غير سعد بن عبادة وإليه مال العيني (إن أمي) عمرة بنت مسعود (أفتلتت) بالفاء الساكنة والمثناة المضمومة وكسر اللام بعد فوفيتان، أولاهما مفتوحة مبنياً للمفعول افتعال من فلت، يقال، أفتلت فلان أي ماتت فجأة، وأفْتُلِتَ بأمر كذا إذا فوجيء به قبل إن يستعد له، وأفتلت الشيء إذا أخذ منه فلته أي بغتة، قال الباجي: تقول العرب رأيت الهلال فلته إذا رأيته من غير قصد إليه (نفسها) بالنصب بمعنى أفتلتها الله نفسها أي روحها يعدي إلى مفعولين كاختلسه الشيء واستلبه إياه فبني الفعل للمفعول فصار الأول مضمراً وبقي الثاني منصوباً. وقيل: نفسها منصوب على التمييز. وقيل: بإسقاط حرف الجر أي من نفسها، ويروي بالرفع على أنه متعد إلى واحد ناب عن الفاعل أي أخذت نفسها فلتة يعني ماتت بغتة دون تقدم مرض ولا سبب (وأظنها) أي لعلمي بحرصها على الخير (لو تكلمت) أي لو قدرت على الكلام (تصدقت) أي من مالها بشيء أو أوصت بتصدق شيء من مالها. قال الحافظ: وظاهره إنها لم تتكلم فلم تتصدق لكن في الموطأ والنسائي والحاكم عن سعيد ابن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد عبادة عن أبيه عن جده. قال: خرج سعد بن عبادة مع النبي ﷺ -
стр. 2874
فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم)) . متفق عليه.
ــ
في بعض مغازيه وحضرت أمه الوفاة بالمدينة فقيل لها أوصي: فقالت: فبم أووصي المال، مال سعد فتوفيت قبل أن يقدم سعد فلما قدم سعد بن عبادة ذكر ذلك له فقال سعد: يا رسول الله! هل ينفعها أن أتصدق عنها فقال رسول الله ﷺ : نعم. فقال سعد: حائط كذا وكذا صدقة عنها لحائط سماه، وهذا نص في التكلم فيمكن أن يأول رواية الكتابة بأن المراد إنها لم تتكلم أي بالصدقة، ولو تكلمت تصدقت أي فكيف أمضى ذلك. أو يحمل على أن سعداً ما عرف بما وقع منها فإن الذي روى هذا الكلام في الموطأ هو سعيد بن عبادة. أو ولده شرحبيل مرسلاً، فعلى التقديرين لم يتحد راوي الإثبات، وراوي النفي. فيمكن الجمع بينهما بذلك - انتهى. وبسط العيني في إثبات المنافاة بين الراويتين، وبنى على ذلك إن الرجل المبهم في حديث عائشة رجل آخر غير سعد بن عبادة فلا حاجة على هذا إلى الجمع (فهل لها أجر إن تصدقت عنها) بكسر الهمزة إن على أنها شرطية. قال الزركشي: وهي الرواية الصحيحة ولا يصح قول من فتحها؛ لأنه إنما سأل عما لم يفعل، لكن قال البدر الدماميني: إن ثبتت لنا رواية بفتح الهمزة من أن أمكن تخريجها على مذهب الكوفيين في صحة مجيء إن المفتوحة الهمزة شرطية كان المكسورة ورجحه ابن هشام، والمعنى حينئذٍ صحيح بلا شك ذكره القسطلاني (قال نعم) لها أجر إن تصدقت عنها، وقد بين النسائي من وجه آخر جهة الصدقة المذكورة فأخرج من طريق سعيد بن المسيب عن سعد بن عبادة. قال: قلت يا رسول الله! إن أمي ماتت أفاتصدق عنها. قال: نعم. قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء. وقد سبق هذا الحديث في فضل الصدقة ومر قريباً إنه تصدق عنها بحائط، وطريق الجمع إنه تصدق عنها بالحائط من تلقاء نفسه، وبالماء بأمره ﷺ بعد سؤاله عنه والله تعالى أعلم. وفي الحديث جواز الصدقة عن الميت وإن ذلك ينفعه بوصول الثواب الصدقة إليه، ولاسيما إن كان من الولد وكذا حكم الدعاء وهو مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم:٣٩] وقد اختلف في غير الصدقة من أعمال البر هل تصل إلى الميت كالصلاة وتلاوة القرآن؟ والمختار عند الحنفية نعم قياساً على الدعاء، وعندي فيه تأمل. وفيه أنه يستحب لمن يتوفى فجأة. أن يتصدق عنه أهله وترجم البخاري على هذا الحديث باب موت الفجاءة. قيل أشار بهذا إلى أن موت الفجاءة ليس بمكروه؛ لأنه ﷺ لم يظهر منه كراهة حين أخبره الرجل بانفلات نفس أمه وهو محمول على المتهيئ للموت والمتأهب والمراقب له دون غيره، وعلى ذلك يحمل خبر ابن أبي شيبة عن عائشة وابن مسعود موت الفجاءة راحة للمؤمن وأسف على الفاجر، وخبر أبي داود موت الفجاءة أخذة أسف. ولأحمد من حديث أبي هريرة أنه ﷺ مر بجدار مائل فأسرع. وقال: أكره موت الفوات. قال ابن بطال: وكان ذلك والله أعلم لما في موت الفجاءة من خوف حرمان الوصية، وترك الاستعداد للمعاد بالتوبة
стр. 2875
﴿الفصل الثاني﴾
١٩٧١- (٥) عن أبي أمامة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع: ((لا تنفق امرأة شيئاً من بيت زوجها إلا بإذن زوجها! قيل: يا رسول الله! ولا طعام؟ قال: ذلك أفضل أموالنا)) . رواه الترمذي.
١٩٧٢- (٦) وعن سعد، قال: لما بايع رسول الله ﷺ النساء قامت امرأة جليلة كأنها من نساء مضر، فقالت: ((يا نبي الله؟ إنا كل على آبائنا وأبنائنا وأزواجنا،
ــ
وغيرها من الأعمال الصالحة. وقال ابن المنير: لعل البخاري أراد بهذه الترجمة إن من مات فجاءة فليستدرك ولده من أعمال البر ما أمكنه مما يقبل النيابة كما وقع في الحديث - انتهى. وقد مر الكلام في ذلك في الجنائز فليراجع (متفق عليه) أخرجه البخاري في أواخر الجنائز وفي الوصايا، ومسلم في الزكاة وأخرجه أيضاً أحمد ومالك في أواخر الأقضية والنسائي في الوصايا.
١٩٧١- قوله: (لا تنفق) نفي، وقيل نهي (امرأة شيئاً من بيت زوجها إلا بإذن زوجها) أي صريحاً أو دلالة كما سبق، وللبيهقي: ألا لا يحل لامرأة أن تعطى من مال زوجها شيئاً إلا بإذنه (ذلك أفضل أموالنا) ولابن ماجه: من أفضل أموالنا يعني فإذا لم تجز الصدقة بما هو أقل قدراً من الطعام بغير إذن الزوج، فكيف تجوز بالطعام الذي هو أفضل (رواه الترمذي) في الزكاة وأخرجه أيضاً ابن ماجه في التجارات والبيهقي في الزكاة جميعهم من طريق إسماعيل بن عياش الحمصي وهو صدوق في روايته عن أهل بلده عن شرحبيل بن مسلم الخولاني الشامي عن أبي أمامة، وحسنه الترمذي وسكت عليه الحافظ في الفتح.
١٩٧٢- قوله: (وعن سعد) بن أبي وقاص (جليلة) أي عظيمة القدر كبيرة، وقيل: أو طويلة القامة. وقال الخطابي: الجليلة تكون بمعنيين أحدهما تكون خليقة جسيمة. يقال: امرأة خليقة وخليقاء، كذلك والآخر أن تكون بمعنى المسنة. يقال: جل الرجل إذا كبر وأسن، وجلت المرأة إذا عجزت (كأنها من نساء مضر) وهو أبوقبيلة (إنا كل) بفتح الكاف وتشديد اللام أي ثقل وعيال (على أبائنا وأبنائنا وأزواجنا) كذا في جميع النسخ من المشكاة، وهكذا في المصابيح، والذي في أبي داود يدل على عدم الجزم بلفظ: الأزواج ولفظه على أبائنا وأبنائنا. قال أبوداود: وأرى فيه وأزواجنا، والحديث رواه البيهقي من طريق أبي داود، هكذا رواه أيضاً من طريقين آخرين. قال: في أحدهما على آبائنا وأزواجنا وفي الآخر على آبنائنا وإخواننا ونقل الخطابي في المعالم (ج٢
стр. 2876
فما يحل لنا من أموالهم! قال: الرطب تأكلنه وتهدينه)) . رواه أبوداود.
﴿الفصل الثالث﴾
١٩٧٣- (٧) عن عمير مولى آبى الحم، قال: ((أمرني مولاي أن أقدد لحماً، فجاءني مسكين، فأطعمته منه،
ــ
ص٧٩) بدون لفظ الأزواج وبني عليه شرحه ففرق بين الآباء والأبناء وبين الأزواج في الحكم المذكور (فما يحل لنا من أموالهم) أي من غير أمرهم (قال الرطب) بفتح الراء وسكون الطاء المهملة أراد به اللبن والفاكهة والبقول والمرق ونحو ذلك مما يسرع إليه الفساد من الأطعمة ولا يتقوى على الخزن، وقع فيها المسامحة بترك الاستئذان جرياً على العادة المستحسنة بخلاف اليابس من الطعام؛ لأنه يبقى على الخزن والادخار ذكره الطيبي أخذاً عن التوربشتي. وكذا قال الخطابي في المعالم (ج٢ ص٧٩) (تأكلنه وتهدينه) أي ترسلنه هدية. قال الحافظ: بعد ذكر حديث أبي أمامة المتقدم، وحديث سعد هذا ما لفظه وظاهرهما التعارض، ويمكن الجمع بأن المراد بالرطب ما يتسارع إليه الفساد فأذن فيه بخلاف غيره، ولو كان طعاماً - انتهى. وقال العيني: أخذاً عن شرح الترمذي للعراقي: فإن قلت: أحاديث هذا الباب جاءت مختلفة فمنها ما يدل على منع المرأة عن أن تنفق من بيت زوجها إلا بإذنه وهو حديث أبي أمامة، ومنها ما يدل على الإباحة بحصول الأجر لها في ذلك، وهو حديث عائشة السابق في أول الباب، ومنها ما قيد الترغيب في الإنفاق بكونه بطيب نفس منها، وبكونها غير مفسدة وهو عائشة أيضاً، ومنها ما مقيد بكونها غير مفسدة وإن كان من غير أمره وهو حديث أبي هريرة المتقدم وفيه وعد نصف الأجر، ومنها ما قيد الحكم فيه بكونه رطباً وهو حديث سعد بن أبي وقاص. قلت: كيفية الجمع بينها إن ذلك يختلف عادات باختلاف عادات البلاد وباختلاف حال الزوج من مسامحته ورضاه بذلك أو كراهته لذلك وباختلاف الحال في الشيء المنفق بين أن يكون شيئاً يسيراً يتسامح به، وبين أن يكون له خطر في نفس الزوج يبخل بمثله، وبين أن يكون ذلك رطباً يخشى فساده أن تأخر وبين أن يكون يدخر ولا يخشى عليه الفساد (رواه أبوداود) في الزكاة، وسكت عليه هو والمنذري، وأخرجه أيضاً ابن خزيمة في صحيحه والبغوي في شرح السنة والبيهقي في الزكاة (ج٤ ص١٩٣) .
١٩٧٣- قوله: (عن عمير) بالتصغير (مولى آبى اللحم) بهمزة ممدودة وكسر الباء أي مملوكه وقد تقدم ترجمتهما (أقدد لحماً) أي أقطعه بضم الهمزة وكسر الدال المشددة من القد وهو الشق طولاً (فأطعمته) أي أعطيته
стр. 2877
فعلم بذلك مولاي، فضربني، فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فدعاه، فقال: لم ضربته؟ قال: يعطي طعامي بغير أن آمره. فقال: الأجر بينكما)) . وفي رواية قال: كنت مملوكاً، فسألت رسول الله ﷺ : أتصدق من مال موالي بشيء؟ قال: نعم، والأجر بينكما نصفان)) . رواه مسلم.
ــ
(يعطي طعامي من غير أن آمره) أي بغير إذني إياه (فقال الأجر بينكما) أي إن رضيت بذلك يحل له إعطاء مثل هذا مما يجري فيه المسامحة، وليس المراد تقرير العبد على أن يعطي بغير رضى المولى. قال الطيبي: أخذاً من التوربشتي لم يرد به إطلاق بد العبد بل كره صنيع مولاه في ضربه على أمر تبين رشده فيه، فحث السيد على اغتنام الأجر والصفح عنه، فهذا تعليم وإرشاد لآبى اللحم لا تقرير لفعل العبد - انتهى. وقال النووي: هذا محمول على أن عمير تصدق بشيء ظن إن مولاه يرضي به ولم يرض به مولاه فلعمير أجر؛ لأنه فعل شيئاً يعتقده طاعة بنية الطاعة ولمولاه أجر، لأن ماله أتلف عليه وقوله: "الأجر بينكما" ليس معناه إن الأجر الذي لأحدهما يزدحمان فيه، وإن أجر نفس المال يتقاسمانه بل معناه أي لكل منكما أجر يعني إن هذه الصدقة التي أخرجها المملوك بإذن المالك يترتب على جملتها ثواب على قدر المال والعمل، فيكون ذلك مقسوماً بينهما لهذا نصيب بماله، ولهذا نصيب بعمله، فلا يزاحم صاحب المال العامل في نصيب عمله ولا يزاحم العامل صاحب المال في نصيب ماله (وفي رواية) أي لمسلم (قال) أي عمير (كنت مملوكاً فسألت رسول الله ﷺ أتصدق) كذا في جميع النسخ وكذا نقله الجزري في جامع الأصول وفي صحيح مسلم، أأتصدق بزيادة همزة الاستفهام (من مال موالي) بتشديد الياء وفي بعض النسخ من صحيح مسلم مولاي بفتح الياء وبلفظ: الأفراد وكذا وقع في جامع الأصول (بشيء) أي تافه أو مأذون فيه عادة. قال النووي: هذا محمول على أنه استأذن في الصدقة بقدر يعلم رضا سيده به (قال نعم والأجر بينكما نصفان) قال النووي: معناه قسمان وإن كان أحدهما أكثر كما قال الشاعر:
إذا مت كان الناس نصفان شامت وآخر مثن بالذي كنت أصنع
وأشار القاضي إلى أنه يحتمل أيضاً أن يكون سواء؛ لأن الأجر فضل من الله تعالى ولا يدرك بالقياس ولا هو بحسب الأعمال وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والمختار الأول - انتهى (رواه مسلم) في الزكاة والرواية الأولى أخرجها النسائي أيضاً في الزكاة، وأخرج البيهقي فيه الروايتين.
стр. 2878
(٩) باب من لا يعود في الصدقة
﴿الفصل الأول﴾
١٩٧٤- (١) عن عمر بن الخطاب، قال: ((حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه، وظننت أنه يبيعه برخص،
ــ
(باب من لا يعود في الصدقة) أي لا حقيقة ولا صورة.
١٩٧٤- قوله: (حملت) بتخفيف الميم أي أركبت رجلاً (على فرس) يعني تصدقت به عليه ليغزو عليه (في سبيل الله) قال الطيبي: أي جعلت فرساً حمولة من لم يكن المجاهدين وتصدقت بها عليه. وقال الباجي: الحمل عليها في سبيل الله على وجهين، أحدهما: أن يعلم من فيه النجدة والفروسية فيهبه له ويملكه إياده لما يعلم من نجدته ونكايته للعدو، فهذا يملكه الموهوب له ويتصرف فيه بنا يشاء من بيع وغيره، والوجه الثاني: وهو الأظهر أن يكون دفعه إلى من يعلم من حاله مواظبة الجهاد في سبيل الله التحبيس له فهذا ليس للموهوب له أن يبيعه - انتهى. وفي رواية ابن عمر عند البخاري وغيره: إن عمر تصدق بفرس في سبيل الله. قال الحافظ: أي حمل عليه رجلاً في سبيل الله كما في الراوية الأخرى، والمعنى أنه ملكه له ولذلك ساغ له بيعه، ومنهم من كان عمر قد حبسه، وإنما ساغ للرجل بيعه؛ لأنه حصل فيه هزال عجز لآجله عن اللحاق وضعف عن ذلك وانتهى إلى حالة الانتفاع به، وأجاز ذلك ابن القاسم ويدل على أنه حمل تمليك قوله: ولا تعد في صدقتك ولو كان حبساً لعلله به. وقال ابن عبد البر: أي حمله على فرس حمل تمليك فله أن يفعل فيه ما شاء في سائر أمواله - انتهى. وكان اسم هذا الفرس فيما ذكره ابن سعد في الطبقات الورد، وكان لتميم الداري فأهداه للنبي ﷺ فأعطاه لعمر، ولم يعرف الحافظ اسم الرجل الذي حمله عليه (فأضاعه) أي الفرس الرجل (الذي كان عنده) بترك القيام عليه بالخدمة والعلف والسقي وإرساله للرعي حتى صار كالشيء الضائع الهالك. قال الباجي: قوله "أضاعه" يحتمل أمرين أحدهما: أنه أضاعه بأن لم يحسن القيام عليه وقصر في مؤنته وخدمته ويبعد مثل هذا في أصحاب النبي ﷺ ، إلا أن يوجب هذا أمر، ويحتمل أن يريد به صيره ضائعاً من الهزال لفرط مباشرة الجهاد ولا تعابه له في سبيل الله تعالى. قال الحافظ: وقيل: لم يعرف مقداره فأراد بيعه بدون قيمته. وقيل: معناه استعمله في غير ما جعل له، والأول أظهر لرواية مسلم، فوجده قد أضاعه وكان قليل المال (وظننت أنه يبيعه برخص) بضم الراء وسكون الخاء مصدر رخص الشيء من كرم ضد غلا فهو رخيص، وهذا إما لتغير الفرس وضياعه أو؛ لأنه حان الرخص في سوق
стр. 2879
فسألت النبي ﷺ ، فقال: لا تشتره ولا تعد في صدقتك وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئة)) .
ــ
الفرس أو لكونه منعماً عليه (فسألت النبي ﷺ ) أي عن ذلك (لا تشتره) بهاء الضمير أو السكت وظاهر النهي التحريم، لكن الجمهور على أنه للتنزيه وأشار ﵊ إلى العلة في نهيه عن الابتياع بقوله (ولا تعد في صدقتك) أي لا تعد فيها لا بشراء ولا بغيره من سائر التملكات كالهبة فهو من عطف العام على الخاص (وإن أعطاكه بدرهم) هو مبالغة في رخصة وهو الحامل له على شراءه وهذا متعلق بقوله: لا تشتره أي ى ترغب فيه البتة ولا تنظر إلى رخصه، ولكن أنظر إلى أنه صدقتك. قال ابن الملك: ذهب بعض العلماء إلى أن شراء المتصدق صدقته حرام لظاهر الحديث، والأكثرون على أنها كراهة تنزيه لكون القبح فيه لغيره وهو أن المتصدق عليه ربما يسامح المتصدق في الثمن بسبب تقدم إحسانه فيكون كالعائد في صدقته في ذلك المقدار الذي سومح فيه. وقال الحافظ: سمي شراءه برخص عوداً في الصدقة من حيث إن الغرض منها ثواب الآخرة فإذا اشتراها برخص فكأنه اختار عرض الدنيا على الآخرة مع أن العادة تقتضي بيع مثل ذلك برخص لغير المتصدق فكيف بالمتصدق فيصير راجعاً في ذلك المقدار الذي سومح فيه - انتهى. قال النووي: قوله "لا تشتره ولا تعد في صدقتك" هذا نهي تنزيه لا تحريم فيكره لمن تصدق بشيء، أو أخرجه في زكاة أو كفارة أو نذر أو نحو ذلك من القربات أن يشتريه ممن دفعه هو إليه، أو يتهبه أو يتملكه باختياره منه. فأما إذا ورثه منه فلا كراهة فيه، وكذا لو انتقل إلى ثالث ثم اشتراه منه المتصدق فلا كراهة، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور. وقال جماعة من العلماء: النهي عن شراء صدقته للتحريم - انتهى. قلت: قد حكى العراقي في شرح الترمذي كراهة شراءه من ثالث انتقل إليه من المتصدق به عليه عن بعضهم لرجوعه فيما تركه لله كما حرم على المهاجرين سكنى مكة بعد هجرتهم منها لله تعالى. وقال ابن قدامة (ج٢ ص٦٥١) : ليس لمخرج الزكاة شراءها ممن نقض البيع صارت إليه، وروى ذلك عن الحسن وهو قول قتادة ومالك. قال أصحاب مالك: فإن اشتراها لم ينقض البيع. وقال الشافعي وغيره: يجوز لقول النبي ﷺ : لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة رجل ابتاعها بماله، ولنا ما روى عمر أنه قال حملت على فرس في سبيل الله - الحديث. وحديثهم عام، وحديثنا خاص صحيح فالعمل به. أولى من كل وجه - انتهى. مختصراً، وقد تقدم كلامه بتمامة في شرح حديث عطاء بن يسار في الفصل الثاني، من باب من لا تحل له الصدقة (فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئة) شبه العائد في صدقته باخس الحيدان في أخس أحواله تصويراً للتهجين وتنفيراً منه، قال في المصابيح: وفي ذلك دليل على المنع من الرجوع في الصدقة لما أشتمل عليه من التنفير الشديد من حيث شبه الراجع بالكلب والمرجوع فيه بالقيء والرجوع في الصدقة برجوع الكلب في
стр. 2880
وفي رواية: ((لا تعد في صدقتك، فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئة)) . متفق عليه.
١٩٧٥- (٢) عن بريدة، قال: كنت جاساً عند النبي ﷺ ، إذا أتته امرأة، فقالت: يا رسول الله! إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت. قال: ((وجب أجرك، وردها عليك الميراث.
ــ
قيئة - انتهى. وجزم بعضهم بالمحرمة: قال قتادة: لا نعلم القيء إلا حراماً. قال القسطلاني: والصحيح إنه للتنزيه؛ لأن فعل الكلب لا يوصف بتحريم إذا لا تكليف عليه فالمراد التنفير من العود بتشبيه بهذا المستقذر - انتهى. قلت: القول الراجح عندي هو ما ذهب إليه بعض العلماء من تحريم الرجوع في الصدقة، لأن الحديث ظاهر في التحريم، والتأويل المذكور بعيد جداً منافر لسياق الحديث. لاسيما الرواية الثانية وعرف الشرع في مثل هذه العبارة الزجر الشديد كما ورد النهي في الصلاة عن إقعاء الكلب ونقر الغراب والتفات الثعلب ونحو ذلك ولا يفهم من المقام إلا التحريم والتأويل البعيد مما لا يلتفت إليه (وفي رواية لا تعد في صدقتك فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئة) الفاء للتعليل أي كما يقبح أن يقيء ثم يأكل كذلك يقبح أن يتصدق بشيء ثم يجره إلى نفسه. قال الحافظ: استدل به على تحريم ذلك؛ لأن القيء حرام. قال القرطبي: وهذا هو الظاهر من سياق الحديث ويحتمل أن يكون التشبيه للتنفير خاصة لكون القيء مما يستقذر وهو قول الأكثر. وقال في موضع آخر: حمل الجمهور هذا النهي في صورة الشراء على التنزيه، وحمله قوم على التحريم. قال القرطبي وغيره: وهو الظاهر ثم الزجر المذكور مخصوص بالصورة المذكورة وما أشبهها لا ما إذا رده إليه الميراث مثلاً كما سيأتي (متفق عليه) ظاهره إن الروايتين عند الشيخين وليس الأمر كذلك فإن الرواية الثانية من أفراد البخاري لم يخرجها مسلم، والحديث أخرجه البخاري في الزكاة والهبة والجهاد، ومسلم في الهبة وأخرجه أيضاً أحمد (ج١ ص٢٥، ٣٧، ٤٠، ٥٤) ومالك والترمذي والنسائي في الزكاة، وابن ماجه في الهبة كلهم من حديث زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر وأخرج هذه القصة الجماعة من حديث ابن عمر أيضاً.
١٩٧٥- قوله: (إذا أتته امرأة) لم يعرف اسمها (تصدقت على أمي بجارية) أي ملكتها لها صدقة (وإنها) أي أمي (ماتت) وتركت تلك الجارية فهل أخذها وتعود في ملكي بالميراث، أم لا؟ (وجب أجرك) أي ثبت أجرك عند الله بالصلة (وردها) أي الجارية (عليك الميراث) أي رجع عليك بسبب لا دخل لك فيه فلا يكون سبباً لنقصان الأجر في الصدقة. وقال القاري: النسبة مجازية أي ردها الله عليك بالميراث وصارت الجارية ملكاً بالإرث وعادت لك بالوجه الحلال، والمعنى إن ليس هذا من باب العود في الصدقة، لأنه ليس أمراً اختيارياً. قال النووي: في الحديث إن من تصدق بشيء ثم ورثه لم يكره له أخذه والتصرف فيه بخلاف ما إذا
стр. 2881
قالت: يا رسول الله! إنه كان عليها صوم شهر، أفاصوم عنها؟ قال: صومي عنها. قالت: إنها لم تحج قط، أفاحج عنها؟ قال: نعم. حجي عنها)) . رواه مسلم.
ــ
أراد شراءه، فإنه يكره لحديث فرس عمر ﵁ انتهى. وقال ابن الملك أكثر العلماء على أن الشخص إذا تصدق بصدقة على قريبة ثم ورثها حلت له وقيل: يجب صرفها إلى فقير؛ لأنها صارت حقاً لله تعالى انتهى وتعليل في معرض النص فلا يقبل ولا يعقل (إنه) الشأن (كان عليها صوم شهر) لم يبين إنه صوم رمضان أو نذر أو كفارة (أفاصوم عنها) وفي رواية لأحمد فيجزئ إن أصوم عنها (قال صومي عنها) فيه دليل على أنه يصوم الولي عن الميت إذا مات، وعليه صوم كان، وبه قال أصحاب الحديث وجماعة من محدثي الشافعية وأبوثور خلافاً للجمهور. قال السندي: قوله "وعليها صوم" إطلاقه يشمل الفرض والنذر وخصه الإمام أحمد بالنذر، وقد أخذ بعض أهل العلم بإطلاقه، منهم طاووس وقتادة والحسن والزهري وأبوثور في رواية داود، وهو قول الشافعي القديم. قال النووي: وهو المختار ورجحه البيهقي، وقال لو أطلع الشافعي على جميع الطرق الحديث لم يخالف إنشاء الله تعالى ومن يقول به يدعي النسخ بأدلة غير تامة، ومنهم من يقول معنى أفأصوم عنها أم أفدي عنها تسمية الفداء صوماً لكونه بدلاً عن الصوم وكل ذلك غير تام والله أعلم - انتهى. وسيأتي بسط الكلام في هذه المسألة في باب القضاء من كتاب الصوم (قال نعم حجي عنها) أي سواء وجب عليها أم لا، أوصت به أم لا، قال ابن الملك: يجوز أن يحج أحد عن الميت بالاتفاق. وقال النووي: فيه دلالة ظاهرة لمذهب الشافعي والجمهور إن النيابة في الحج جائزة عن الميت وسيجيء مزيد الكلام في أوائل كتاب المناسك (رواه مسلم) في الصيام وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ ص٣٤٩- ٣٥١- ٣٥٩- ٣٦١) والترمذي في الزكاة وأبوداود فيه وفي الوصايا وابن ماجه في الصوم وفي الصدقات مقطعاً. هذا آخر كتاب الزكاة.
стр. 2882
(٧) كتاب الصوم
ــ
(كتاب الصوم) الصوم والصيام في اللغة: الإمساك مطلقاً، قال أهل اللغة: صام صوم وصياماً واصطام أي أمسك عن الطعام والشراب والكلام والنكاح والسير وغير ذلك. ويقال: صام النهار إذا وقف سير الشمس، وصامت الريح إذا ركدت، وماء صائم أي ساكن راكد. وقال الله تعالى: إخبار عن مريم: ﴿إني نذرت للرحمن صوماً﴾ [مريم:٢٦] أي صمتاً وإمساكاً عن الكلام وكان مشروعاً عندهم ألا ترى إلى قولها: ﴿فلن أكلم اليوم إنسيا﴾ وقال النابغة الذبياني:
خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاح وأخرى تعلك اللجما
يعني بالصائمة الممسكة عن السير قاله ابن فارس. وقيل: الممسكة عن الاعتلاف أي القائمة على غير علف. وقيل: الممسكة عن الصهيل. وفي الشرع على ما قاله النووي والحافظ إمساك مخصوص في زمن مخصوص عن شيء مخصوص بشرائط مخصوصة. وقال الراغب: هو إمساك المكلف بالنية من الخيط الأبيض أي الفجر الثاني إلى المغرب عن تناول الأطيبين، والاستمناء والاستسقاء. قال الطيبي: فهو مصف سلبي وإطلاق العمل عليه تجوز. وقيل: هو إمساك عن المفطرات حقيقة أو حكماً في وقت مخصوص من شخص مخصوص مع النية. وقال الأمير اليماني: الصوم في الشرع، إمساك مخصوص، وهو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع وغيرهما، مما ورد به الشرع في النهار على الوجه المشروع، ويتبع ذلك الإمساك عن اللغو والرفث وغيرهما من الكلام المحرم والمكروه لورود الأحاديث بالنهي عنها في الصوم، زيادة على غيره في وقت مخصوص بشروط مخصوصة تفصلها الأحاديث انتهى. وللصوم فوائد كثيرة ومصالح معقولة جليلة، لا تخفى على العاقل البصير وقد بسطها العلماء حسب ما سنح لهم من شاء الوقف عليها رجع إلى حجة الله، والحصون الحميدية وشرح الموطأ للزرقاني وغير ذلك من الكتب التي ذكرت فيها أسرار الأحكام الشرعية ومصالحها. وقال في حجة الله (ج٢ ص٣٧) بعد ذكر أسرار الصوم وحكمة تقدير مدته بالشهر وإذا وقع التصدي لتشريع عام وإصلاح جماهير الناس وطوائف العرب والعجم، أن لا يخير في ذلك الشهر ليختار كل واحداً شهراً يسهل عليه صومه، لأن في ذلك فتحاً لباب الاعتذار والتسلل وسداً لباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإخمالاً لما هو من أعظم طاعات الإسلام، وأيضاً فإن اجتماع طوائف عظيمة من المسلمين على شيء واحد في زمان واحد، يرى بعضهم بعضاً معونة لهم على الفعل ميسر لهم ومشجع إياهم، وأيضاً فإن اجتماعهم هذا سبب لنزول البركات الملكية على خاصتهم وعامتهم، وأدنى أن ينعكس أنوار كملهم على من دونهم وتحيط دعوتهم من ورائهم وإذا وجب تعيين ذلك الشهر فلا أحق من شهر نزل فيه
стр. 2883
﴿الفصل الأول﴾
١٩٧٦- (١) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء
ــ
القرآن وأرتسخت فيه الملة المصطفوية وهو مظنة ليلة القدر - انتهى. وكان مبدأ فرض صوم رمضان بعد ما صرفت القبلة إلى الكعبة بشهر في شعبان وفي رأس ثمانية عشر شهراً من الهجرة.
١٩٧٦ - قوله: (إذا دخل رمضان) أي في شهر رمضان، وهو مأخوذ من الرمضاء، يقال: رمض النهار كفرح اشتد حره وقدمه احترقت من الرمضاء للأرض الشديد الحرارة وسمي شهر رمضان به، إما لارتماض الصائمين فيه من حر الجوع والعطش، أو لارتماض الذنوب فيه، أو لرمض الحر وشدة وقوعه فيه حال التسمية، لأنهم لما نقلوا أسماء الشهور من اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها. فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر أي شدته، أو من رمض الطائر إذا جوفه من شدة العطش وقيل: سمي بذلك لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها، وهو لا ينصرف للعلمية والألف والنون وفيه دليل لما ذهب إليه الجمهور من أنه يجوز أن يقال رمضان بدون إضافة لفظ الشهر إليه، ومنعه أصحاب مالك لحديث لا تقولوا رمضان. فإن رمضان اسم من أسماء الله ولكن قولوا شهر رمضان، أخرجه ابن عدي في الكامل عن أبي هريرة مرفوعاً، وضعفه بأبي معشر نجيح المدني: وذهب كثير من الشافعية إلى أنه إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر فلا كراهة، وإلا فيكره فلا يقال: جاء رمضان. ويجوز أن يقال صمت رمضان، وإلى هذا الفرق مال ابن قدامة في المغنى. وقد رد النووي هذين القولين في شرح مسلم، وفي المجموع بأن الصواب ما ذهب إليه المحققون أن لا كراهة في إطلاق رمضان بقرينة وبلا قرينة لعدم ثبوت نهي فيه، وصوابه الباجي أيضاً وبوب البخاري في صحيحه هل يقال رمضان أو شهر رمضان؟، ومن رأى كله واسعاً واحتج للجواز بعده أحاديث، وترجم النسائي لذلك أيضاً فقال باب الرخصة في أن يقال لشهر رمضان رمضان (فتحت) بضم الفاء وتخفيف التاء وروى بتشديد التاء. وقال الزرقاني: بتشديد الفوقية ويجوز تخفيفها. وقال القاري: بالخفيف وهو أكثر كما في التنزيل وبالتشديد لتكثير المفعول (أبواب السماء) قيل: هذا من تصرف الرواة وكذا قوله أبواب الرحمة. والأصل أبواب الجنة بدليل ما يقابله وهو غلق أبواب النار. وقال ابن بطال: المراد من السماء الجنة بقرينة ذكر جهنم في مقابلة. وقال العيني: أخذا من ابن العربي لا تعارض في ذلك فأبواب السماء يصعد منها إلى الجنة؛ لأنها فوق السماء وسقفها عرش الرحمن، كما ثبت في الصحيح. وأبواب الرحمة تطلق على أبواب الجنة لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح احتجت الجنة والنار - الحديث. وفيه
стр. 2884
وفي رواية فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين.
ــ
وقال الله للجنة أنت رحمتي أرحم من أشاء من عبادي - الحديث. وقال التوربشتي: كلا الروايتين متقاربان في المعنى (وفي رواية فتحت أبواب الجنة) أي حقيقة لمن مات في رمضان أو عمل عملاً لا يفسد عليه أو مجازاً؛ لأن العمل فيه يؤدي إلى ذلك أو لكثرة الثواب والمغفرة والرحمة، بدليل رواية أبواب الرحمة، قال السندي: قوله: فتحت أبواب الجنة أي تقريباً للرحمة إلى العباد ولهذا جاء في بعض الروايات أبواب الرحمة، وفي بعضها أبواب السماء، وهذا يدل على أن أبواب الجنة كانت مغلقة ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿جنات عدن﴾ [الرعد:٢٣] مفتحة لهم الأبواب إذ ذلك لا يقتضى دوام كونها مفتحة (وغلقت) بالشديد أكثر قاله القاري (أبواب جهنم) حقيقة أو مجازاً نظير ما مر. وقال السندي: أي تبعيداً للعقاب عن العباد، وهذا يقتضي إن أبواب النار كانت مفتوحة ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها﴾ [الزمر:٧١] لجواز أن يكون هناك غلق قبيل ذلك، وغلق أبواب النار لا ينافي موت الكفرة في رمضان وتعذيبهم بالنار فيه، إذ يكفي في تعذيبهم فتح باب صغير من القبر إلى النار غير الأبواب المعهودة الكبار - انتهى. (وسلسلت الشياطين) أي شدت بالسلاسل حقيقة، والمراد مسترقوا السمع منهم أو هو مجاز على العموم أي يقل إغواءهم فيصيرون كالمسلسلين أو المراد بالشياطين بعضهم وهم المردة منهم كما سيأتي قال الحافظ. قال عياض: يحتمل أنه (أي تفتيح أبواب الجنة وتغليق أبواب جهنم وسلسلة الشياطين) على ظاهره وحقيقته وإن ذلك كله علامة الملائكة لدخول الشهر وتعظيم لحرمته ولمنع الشياطين من إيذاء المؤمنين، ويحتمل أن يكون المراد المجاز ويكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو، وإن الشياطين يقل إغواءهم وإيذاءهم فيصيرون كالمصفدين ويكون تصفيدهم عن أشياء دون أشياء ولناس دون ناس. قال ويؤيد هذا الاحتمال الثاني قوله في رواية عند مسلم: فتحت أبواب الرحمة، وجاء في حديث صفدت مردة الشياطين. قال ويحتمل أن يكون فتح أبواب الجنة عبارة عما يفحته الله لعباده من الطاعات في هذا الشهر التي لا تقع في غيره عموماً، وذلك أسباب لدخول الجنة وأبواب لها، وغلق أبواب النار عبارة عن صرف الهمم عن المعاصي الآيلة بأصحابها إلى النار وتصفيد الشياطين عبارة عن تعجيزهم عن الإغواء وتزيين الشهوات. قال الزين بن المنير: والأول أوجه ولا ضرورة تدعوا إلى صرف اللفظ عن ظاهره. وأما الرواية التي فيها أبواب الرحمة وأبواب السماء فمن تصرف الرواة، والأصل أبواب الجنة بدليل ما يقابله وهو غلق أبواب النار. وجزم التوربشتي شارح المصابيح بالاحتمال الأخير، وعبارته فتح أبواب السماء كناية عن تنزيل الرحمة وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد تارة ببذل التوفيق، وأخرى بحسن القبول والمن عليهم بتضعيف الثواب وغلق أبواب جهنم كناية عن تنزه أنفس الصوام عن رجس الفواحش، والتخلص
стр. 2885
......................
ــ
من البواعث على المعاصي بقمع الشهوات. وقال القرطبي: يصح حمله على الحقيقة ويكون معناه إن الجنة قد فتحت وزخرفت لمن مات في رمضان لفضل هذه العبادة الواقعة فيه، وغلقت أبواب النار فلا يدخلها منهم أحد مات فيه، وصفدت الشياطين لئلا تفسد على الصائمين. قال الطيبي: فائدة فتح أبواب السماء توقيف الملائكة على استحماد فعل الصائمين، وإن ذلك من الله بمنزلة عظيمة، وأيضاً فيه إنه إذا علم المكلف المعتقد ذلك بإخبار الصادق يزيد في نشاطه ويتلقاه بإربحته - انتهى. وقال الشاه ولي الله الدهلوي: أعلم أن هذا الفضل إنما هو بالنسبة إلى جماعة المسلمين فإن الكفار في رمضان أشد عمها وأكثر ضلالاً منهم في غيره لتماديهم في هتك شعائر الله ولكن المسلمين إذا صاموا وقاموا وغاص، كملهم في لجة الأنوار وأحاطت دعوتهم من رواتهم وانعكست أضوائهم على من دونهم وشملت بركاتهم جميعهم فئتهم، وتقرب كل حسب استعداده من المنجيات، وتباعد من المهلكات. صدق إن أبواب الجنة تفتح عليهم وإن أبواب جهنم تغلق عنهم، لأن أصلهما الرحمة واللعنة ولأن اتفاق أهل الأرض في صفة تجلب ما يناسبها من جود الله كما ذكرنا في الاستسقاء والحج، وصدق إن الشياطين تسلسل عنهم، وإن الملائكة تنشر فيهم، لأن الشياطين لا يؤثر إلا فيمن استعدت نفسه لأثر، وإنما استعدادها له لغلواء البهيمة، وقد انقهرت. وإن الملك لا يقرب إلا ممن استعد له، وإنما استعداده بظهور الملكية. وقد ظهرت، وأيضاً فرمضان مظنة الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم فلا جرم إن الأنوار المثالية والملكية تنتشر حينئذٍ، وإن أضدادها تنقبض - انتهى. قال القرطبي: بعد أن رجح حمله ظاهره. فإن قيل كيف نرى الشرور والمعاصي واقعه في رمضان كثيراً فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك فالجواب أنها إنما تقل عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه وروعيت آدابه يعني إن ذلك في حق الصائمين الذين حافظوا على شروط الصوم وراعوا آدبه. أو المصفد بعض الشياطين وهو المردة لأكلهم. وترجم لذلك ابن خزيمة في صحيحه، وأورد حديث أبي هريرة الآتي في الفصل الثاني. أو المقصود تقليل الشرور فيه وهذا أمر محسوس فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شر ولا معصية، لأن لذلك أسباباً الشياطين كالنفوس الخبيثة والعادات القبيصة والشياطين الأنسية، وقريب من هذا المعنى ما قيل إن صدور المعاصي في رمضان ليس من أثر الشيطان بل من أثر النفس الإمارة التي تشربت من أثر الشيطان في سائر السنة، فإن النفس لما تصبغت بلونه تصدر منها أفعاله، والفائدة إذ ذاك في تصفيد الشيطان ضعف التأثير في ارتكاب المعاصي فمن أراد التجنب عن ذلك يسهل عليه. وقال السندي: لا ينافيه وقوع المعاصي إذ يكفي في وجود المعاصي شرار النفس وخباثتها، ولا يلزم أن تكون كل معصية بواسطة شيطان وإلا لكان لكل شيطان شيطان ويتسلسل، وأيضاً
стр. 2886
وفي رواية فتحت أبواب الرحمة)) . متفق عليه.
١٩٧٧- (٢) وعن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((في الجنة ثمانية أبواب، منها:
ــ
معلوم أنه ما سبق إبليس شيطان آخر فمعصيته ما كانت إلا من قبل نفسه - انتهى. وقيل المراد من الشياطين مسترق السمع منهم فإنهم كانوا منعوا زمن نزل القرآن من استراق السمع فزيدوا التسلسل مبالغة في الحفظ. وقيل يستثنى منهم في التصفيد صاحب دعوتهم وزعيم زمرتهم لمكان الأنظار الذي سأله من الله فأجيب إليه فيقع ما يقع من المعاصي بتسويلة وإغراءه، فائدة التصفيد فض جموحه وكسر شوكته وتسكين نائرته ولو لم يكن الأمر على ذلك لم يكن لإستظهارة بالأعوان والجنود معنى. وقال ابن العربي: لا يتعين في المعاصي والمخالفة أن تكون من وسوسة الشيطان إذ يكون من النفس وشهواتها سلمنا أنه من الشيطان فليس من شرط وسوسته التي يجدها الإنسان في نفسه إتصالها بالنفس، إذ قد يكون مع بعده عنها لأنها من فعل الله فكما يوجد الألم في جسد المسحور والمعيون عند تكلم الساحر أو العاين فكذلك يوجد وسوسة من خارج، وقريب منه ما قال الباجي أنه يحتمل إن الشياطين تصفد حقيقة فتمتنع من بعض الأفعال التي لا تطيقها إلا مع الإنطلاق، وليس في ذلك دليل على امتناع تصرفها جملة، لأن المصفد هو المغلول اليد إلى العنق يتصرف بالكلام والرأي وكثير من السعي - انتهى. وقيل في تصفيد الشياطين في رمضان إشارة إلى رفع عذر المكلف كأنه يقال له قد كفت الشياطين عنك، فلا تعتل بهم في ترك الطاعة ولا فعل المعصية (وفي رواية فتحت أبواب الرحمة) أي وغلقت أبواب جهنم إلى آخره (متفق عليه) إلا رواية أبواب السماء فإنها من أفراد البخاري رواها في الصيام ورواها أيضاً في صفة إبليس في رواية أبي ذر، وأخرجها أيضاً الدارمي وإلا رواية أبواب الرحمة فإنها من أفراد مسلم، وأخرجها النسائي والرواية المتفق عليها فتحت أبواب الجنة أخرجها البخاري في الصيام، وفي صفة إبليس في رواية غير أبي ذر. ورواها أيضاً مالك والنسائي والبيهقي (ج٤ ص٢٠٢، ٣٠٣) فكان حق المصنف إن يجعل الرواية المتفق عليها أصلاً. ثم يقول: وفي رواية فتحت أبواب السماء وفي رواية فتحت أبواب الرحمة ثم يذكر وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين لكنه قلد البغوي، والجزري، ونقل من غير تصرف، والحديث أخرجه أحمد (ج٢ ص٢٨١) أيضاً.
١٩٧٧- قوله: (في الجنة ثمانية أبواب) أي في سور الجنة ثمانية أبواب، وقد سبق بيان الأبواب الثمانية في شرح حديث إنفاق الزوجين في أوائل باب فضل الصدقة (منها باب) كذا في جميع النسخ، وهكذا في المصابيح والذي في البخاري "فيها باب" وهكذا نقله السيوطي في الجامع الصغير ورواه الجوزقي والبيهقي (ج٤
стр. 2887
باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون)) . متفق عليه.
ــ
ص٣٠٥) بلفظ: إن للجنة ثمانية أبواب. منها باب يسمى الريان - الحديث. ورواية البخاري أصح وأصوب (يسمى الريان) إما لأنه بنفسه ريان لكثرة الأنهار الجارية إليه والأزهار والأثمار الطرية لديه، أو لأن وصل إليه يزول عنه عطش يوم القيامة ويدوم له الطراوة في دار المقامة. قال الزركشي: الريان، فعلان كثير الري ضد العطش سمي به لأنه جزاء الصائمين على عطشهم وجوعهم، وأكتفى بذكر الري عن الشبع لأنه يدل عليه من حيث أنه يسلتزمه. وقيل لأنه أشق على الصائم من الجوع إذ كثيراً ما يصبر على الجوع دون العطش، والريان أصله الرويان اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون فأبدلت الواو ياء، ثم أدغمت في الياء من رويت من الماء بالكسر أروى رِيا ورَيا ورِوى مثل رضي (لا يدخله) أي لا يدخل منه أي من ذلك الباب (إلا الصائمون) مجازاة لهم لما كان يصيبهم من العطش في صيامهم، والمراد بهم من غلب عليهم الصوم من بين العبادات. قال القاري: قيل: المراد به المقتصر على شهر رمضان بل ملازمة النوافل من ذلك وكثرتها قال السندي: قوله الصائمون، أي المكثرون الصيام كالعادل والظالم يقال لمن يعتاد ذلك لا لمن يفعل مرة، والظاهر إن الإكثار لا يحصل بصوم رمضان وحده بل بأن يزيد عليه ما جاء فيه إنه صيام الدهر والله أعلم - انتهى. قال العراقي: وقد استشكل بعضهم الجمع بين حديث الريان وبين الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم من حديث عمر مرفوعاً، ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو يسبغ الوضوء، ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء قالوا فقد أخبر النبي ﷺ إنه يدخل من أيها شاء، وقد لا يكون فاعل هذا الفعل من أهل الصيام بأن لا يبلغ وقت الصيام الواجب أو لا يتطوع بالصيام، والجواب عنه بوجهين أحدهما أنه يصرف عن أن يشاء باب الصيام فلا يشاء الدخول منه ويدخل من أي باب شاء غير الصيام فيكون قد دخل من الباب الذي شاءه. والثاني إن حديث عمر قد اختلفت ألفاظه فعند الترمذي فتحت له ثمانية أبواب من الجنة، يدخل من أيها شاء فهذه الرواية تدل على أن أبواب الجنة أكثر من ثمانية. منها وقد لا يكون باب الصيام من هذه الثمانية ولا تعارض حينئذٍ ذكره العيني. وقال السندي: لا ينافيه ما جاء في بعض الأعمال أن صاحبه يفتح له تمام أبواب الجنة إذ يجوز أن لا يدخل من هذا الباب إن لم يكن من الصائمين ويجوز أن لا يفعل أحد ذلك العمل إلا وفقه الله لإكثار الصوم بحيث يصير من الصائمين - انتهى. (متفق عليه) الحديث بهذا اللفظ من أفراد البخاري أورده في باب صفة أبواب الجنة من بدأ الخلق، ولفظ مسلم إن في الجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، ولا يدخل معهم أحد غيرهم. يقال: أين الصائمون فيدخلون منه، فإذا دخل آخرهم أغلق، فلم يدخل منه أحد. وهذه الرواية أخرجها البخاري في الصيام،
стр. 2888
١٩٧٨- (٣) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه.
ــ
فكان حق المصنف أن يقول رواه البخاري، ثم يشير إلى الرواية المتفق عليها، وهذه الرواية أخرجها أيضاً أحمد (ج٥ ص٣٣٣، ٣٣٥) والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن ماجه والبيهقي وغيرهم بألفاظ متقاربة، وزاد بعضهم ومن دخله لم يظمأ أبداً.
١٩٧٨ – قوله: (من صام رمضان) بنصبه على الظرفية أي فيه بأن صامه كله عند القدرة عليه أو بعضه عند عجزة ونيته الصوم لولا العجز (إيماناً) تصديقاً بأنه فرض عليه حق وأنه من أركان الإسلام ومما وعدالله عليه من الأجر والثواب قاله السيوطي. قيل نصبه على أنه مفعول لأجله أي لأجل الإيمان بالله ورسوله، والإيمان بما جاء به في فضل رمضان والأمر بصيامه أي الحامل له على ذلك، والداعي إليه هو الإيمان بالله، أو بما ورد في فضله وفرضية صومه. وقيل: نصبه على الحال بأن يكون المصدر بمعنى اسم الفاعل أي مؤمناً يعني مصدقاً بأنه حق وطاعة، أو مصدقاً بما ورد في فضله وقيل: نصبه على التمييز أو على المصدرية أي صوم إيمان أو صوم مؤمن وكذا قوله (واحتساباً) أي طلباً للثواب منه تعالى في الآخرة أو إخلاصاً أي باعثه على الصوم ما ذكر لا الخوف من الناس ولا الإستحياء منهم ولا قصد السمعة والرياء عنهم. وقال الخطابي: احتساباً أي نية وعزيمة وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه طيبة نفسه بذلك غير كاره له ولا مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه ولكن يغتنم طول أيامه لعظم الثواب. وقال البغوي: قوله: احتساباً أي طلباً لوجه الله تعالى وثوابه، يقال فلان يحتسب الأخبار ويتحسسها أي يتطلبها - انتهى. وفي العباب أحتسبت بكذا أجراً عند الله أي أعتددته أنوى به وجه الله تعالى ومنه قوله ﵊: من صام رمضان إيماناً واحتساباً (غفر له ما تقدم من ذنبه) اسم جنس مضاف فيتناول جميع الذنوب إلا أنه مخصوص عند الجمهور بالصغائر، وقد تقدم البحث في ذلك في كتاب الطهارة، وقوله " من ذنبه" يتعلق بقوله غفر أي غفر من ذنبه ما تقدم، ويجوز أن تكون من البيانية لما تقدم وهو منصوب المحل على المفعولية على الوجه الأول، ومرفوع المحل على أنه مفعول لما يسم فاعله على الوجه الثاني وزاد النسائي في السنن الكبرى من طريق قتيبة بن سفيان وما تأخر، وقد تابع قتيبة على هذه الزيادة جماعة ذكرها الحافظ في أوائل الصيام وأواخره من الفتح، وفيه رد على من أدعى تفرد قتيبة بهذه الزيادة كالمنذري أو استنكرها كابن عبد البر. وقد استشكلت هذه الزيادة بأن المغفرة تستدعى سبق ذنب والمتأخر من الذنوب لم يأت بعد فكيف يغفر. وأجيب بأن معناه إن ذنوبهم تقع مغفورة. وقيل هو كناية عن حفظ الله إياهم في المستقبل من الكبائر
стр. 2889
ومن قام إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه. ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له من تقدم من ذنبه)) . متفق عليه.
١٩٧٩- (٤) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف،
ــ
فلا تقع منهم كبيرة بعد ذلك (ومن قام رمضان) أي لياليه أو معظمها أو بعض كل ليلة بصلاة التراويح وغيرها من التلاوة والذكر والطواف ونحوها. وقال ابن الملك: غير ليلة القدر تقديراً أي لما سيأتي التصريح بها تحريراً أو معناه أدى التراويح فيها ذكره القاري. وقال الحافظ: قام رمضان أي قام لياليه مصلياً، والمراد من قيام الليل ما يحصل به مطلق القيام. وذكر النووي إن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح يعني أنه يحصل بها المطلوب من القيام لا أن قيام رمضان لا يكون إلا بها. وأغرب الكرماني فقال: اتفقوا على أن المراد قيام رمضان صلاة التراويح (ومن قام ليلة القدر) أي أحياها سواء علم بها أو لا، وليلة القدر منصوب على أنه مفعول به، لا فيه إذ المعنى من أحيي ليلة القدر. ويجوز نصبه بأنه مفعول فيه أي من أطاع الله فيها. قيل: ويكفي في ذلك ما يسمى قياماً حتى أن من أدى العشاء بجماعة فقد قام لكن الظاهر من الحديث عرفاً، كما قال الكرماني أنه لا يقال قام الليلة إلا إذا قام جميعها أو أكثرها (غفر له ما تقدم من ذنبه) قد سبق في كتاب الطهارة إن المكفرات إن صادفت السيئات تمحوها إذا كانت صغائر وتخففها إذا كانت كبائر وألا تكون موجبة لرفع الدرجات في الجنات. وقال الطيبي: رتب على كل من الأمور الثلاثة أمراً واحداً وهو الغفران، تنبيهاً على أنه نتيجة الفتوحات الإلهية ومستتبع للعواطف الربانية وذكر الولي العراقي توجيهاً آخر لذلك، وأرجع إلى شرح التقريب (ج٤ ص١٦٤) (متفق عليه) أخرجه البخاري في الإيمان والصوم، ومسلم في باب الترغيب في قيام رمضان من كتاب الصلاة، وأخرجه أيضاً أحمد، ومالك في الصلاة. والترمذي في الصوم، وأبوداود في الصلاة. والنسائي في الصوم، وابن ماجه فيه وفي الصلاة، والدارمي والبيهقي وغيرهم مختصراً ومطولاً.
١٩٧٩- قوله: (كل عمل ابن آدم) قال القاري: أي كل عمل صالح لابن آدم (يضاعف) أي ثوابه فضلاً منه تعالى (الحسنة) مبتدأ وخبر جنس الحسنات الشامل لأنواع الطاعات مضاف ومقابل (بعشر أمثالها) لقوله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام:١٦١] وهذا أقل المضاعفة وإلا فقد يزاد (إلى سبع مأة ضعف) بكسر الضاد أي مثل بل إلى أضعاف كثيرة كما في التنزيل: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً﴾ [البقرة:٢٤٥] وكما وقع في رواية بعد ذلك زيادة قوله إلى ما شاء الله تعالى. وقال بعضهم: التقدير حسنة
стр. 2890
قال الله تعالى: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به،
ــ
واللام عوض عن العائد إلى المبتدأ، وهو كل أو العائد محذوف أي الحسنة منه، وقال القاضي البيضاوي: أراد بكل عمل الحسنات من الأعمال فلذلك وضع الحسنة في الخبر موضع الضمير الراجع إلى المبتدأ وقوله (إلا الصوم) مستثنى من كلام غير محكى دل عليه ما قبله، والمعنى إن الحسنات يضاعف أجرها من عشر أمثالها إلى سبع مأة ضعف إلا الصوم فلا يضاعف إلى هذا القدر بل ثوابه لا يقدر قدره، ولا يحصيه إلا الله تعالى. ولذلك يتولى الله جزاءه بنفسه ولا يكله إلى غيره - انتهى. وفيه أنه يحتمل أن يكون أول الكلام حكاية إلا أنه لم يصرح بذلك في صدره بل في وسطه قال الحافظ: أما قول البيضاوي إن الاستثناء من كلام غير محكى، ففيه نظر. فقد يقال هو مستثنى من كل عمل وهو مروي عن الله لقوله في أثناء الحديث قال الله تعالى، ولما لم يذكره في صدر الكلام أورده في أثناءه بياناً وفائدته تفخيم شأن الكلام وأنه ﷺ لا ينطق عن الهوى - انتهى. (فإنه لي وأنا أجزي به) بفتح الهمزة وكسر الزاي يعني إن الصوم سر بيني وبين عبدي يفعله خالصاً لوجهي لا يطلع عليه العباد؛ لأن الصوم لا صورة له في الوجود بخلاف سائر العبادات وأنا العالم بجزاءه أتولى بنفسي إعطاء جزاءه لا أكله إلى غيري، وفيه إشارة إلى تفخيم العطاء وتعظيم الجزاء وإن مضاعفة جزاء الصوم من غير عدد ولا حساب. قال السندي: قد ذكروا لقوله: فإنه لي وأنا أجزي به معاني (بلغها أبوالخير الطالقاني في حظائر القدس له إلى خمسة وخمسين قولاً) لكن الموافق للأحاديث أنه كناية عن تعظيم جزاءه وأنه لا حد له، وهذا هو الذي تفيده المقابلة بما قبله في هذا الحديث وهو الموافق لقوله تعالى: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ [الزمر:١٥] وذلك لأن اختصاصه من بين سائر الأعمال بأنه مخصوص بعظيم لا نهاية لعظمته ولا حد لها، وإن ذلك العظم هو المستولى لجزاءه مما ينساق الذهن منه إلى أن جزاءه مما لا حد له. ويمكن أن يقال على هذا معنى قوله "لي أي أنا منفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيفه، وبه تظهر المقابلة بينه وبين ما جاء في بعض الأحاديث من قوله كل عمل ابن آدم له إلا الصيام هو لي أي كل عمله له بإعتبار أنه عالم بجزاءه ومقدار تضعيفه إجمالاً لما بين الله تعالى فيه إلا الصوم، فإنه الصبر الذي ما حد لجزاءه حداً. بل قال: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ [الزمر:١٠] انتهى. وقال الحافظ: قد اختلف العلماء في المراد بهذا مع أن الأعمال كلها الله تعالى وهو الذي يجزي بها على أقوال، ثم ذكر الحافظ عشرة أقوال. أحدها إن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره حكاه المأزري ونقله عياض عن أبي عبيد. قال أبوعبيد: في غريبة إن أعمال البر كلها لله وهو الذي يجزي بها فنرى والله أعلم. إنه إنما خص الصيام لأنه ليس يظهر من ابن آدم بفعله، وإنما هو شيء في القبل. ويؤيد هذا التأويل قوله ﷺ : ليس في الصيام رياء حدثنية شبابة عن عقيل عن الزهري فذكره مرسلاً. قال: وذلك لأن الأعمال لا تكون إلا
стр. 2891
.........................
ــ
بالحركات إلا الصوم فإنما هو بالنية التي تخفي عن الناس هذا وجه الحديث عندي - انتهى. قال الحافظ: وقد روى الحديث المذكور البيهقي في الشعب من وجه آخر عن الزهري موصولاً عن أبي سلمة عن أبي هريرة وإسناده ضعيف، ولفظه الصيام لا رياء فيه قال الله عزوجل هو لي وأنا أجزي به. قال الحافظ: وهذا لو صح لكان قاطعاً للنزاع. وقال القرطبي: لما كانت الأعمال يدخلها الرياء والصوم لا يطلع عليه بمجرد فعله إلا الله فإضافة الله إلى نفسه، ولهذا قال في الحديث يدع شهوته من أجلي. وقال ابن الجوزي: جميع العبادات تظهر بفعلها وقل أن يسلم ما يظهر من شوب بخلاف الصوم وارتضى هذا الجواب المازري وقرره القرطبي، بأن أعمال بني آدم لما كانت يمكن دخول الرياء فيها أضيفت إليهم بخلاف الصوم فإن حال الممسك شبعاً مثل حال الممسك تقرباً يعني في الصورة الظاهرة. قلت: (قائله الحافظ) معنى النفي في قوله لا رياء في الصوم أنه لا يدخله الرياء بفعله، وإن كان قد يدخله الرياء بالقول كمن يصوم ثم يخبر بأنه صائم فقد يدخله الرياء من هذه الحيثية فدخول الرياء في الصوم، إنما يقع من جهة الإخبار بخلاف بقية الأعمال فإن الرياء قد يدخلها بمجرد فعلها. ثانيها إن المراد بقوله: وأنا أجزي به إني أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته. وأما غيره من العبادات فقد أطلع عليها بعض الناس. قال القرطبي: معناه إن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس، وإنها تضاعف من عشرة إلى سبع مأة إلى ما شاء الله إلا الصيام، فإن الله يثيب عليه بغير تقدير ويشهد لهذا المعنى رواية الموطأ وكذلك رواية الأعمش عن أبي صالح (عند ابن ماجه) حيث قال: كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمأة ضعف إلى ما شاء الله قال الله إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به أي أجازي عليه جزاء كثيراً من غير تعيين لمقداره وهذا كقوله تعالى: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ [الزمر:١٠]- انتهى: والصابرون الصائمون في أكثر الأقوال. وسبق إلى هذا أبوعبيد في غريبة، فقال بلغني عن ابن عيينة أنه قال: ذلك واستدل له بأن الصوم هو الصبر؛ لأن الصائم يصبر نفسه عن الشهوات: وقد قال تعالى: ﴿ (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ انتهى. ثم أورد الحافظ روايات تشهد لهذا المعنى ثم ذكر باقي الأقوال وقال واتفقوا على أن المراد بالصيام صيام من سلم صيامه عن المعاصي قولاً وفعلاً، ونقل ابن العربي عن بعض الزهاد إنه مخصوص بصيام خواص الخواص. فقال: إن الصوم على أربعة أنواع: صيام العوام: وهو الصوم عن الأكل والشرب والجماع. وصيام خواص العوام: وهو هذا مع اجتناب المحرمات من قول وفعل. وصيام الخواص: وهو الصوم عن غير ذكر الله وعبادته. وصيام خواص الخواص: وهو الصوم عن غير الله فلا فطر لهم إلى يوم القيامة يعني لا يفطرون إلا برؤيته ولقائه. قال الحافظ: وهذا مقام عال لكن في حصر المراد من الحديث في هذا النوع نظر لا يخفى
стр. 2892
يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم
ــ
وأقرب الأقوال التي ذكرتها إلى الصواب الأول والثاني - انتهى. (يدع شهوته) أي يترك ما اشتهته نفسه من محظورات الصوم وهو تعليل لاختصاصه بعظم الجزاء. قال الطيبي: جملة مستأنفة وقعت موقع البيان لموجب الحكم المذكور (وطعامه) تخصيص بعد تعميم أو الشهوة كناية عن الجماع، والطعام عبارة عن سائر المفطرات، وفي رواية قدم الطعام على الشهوة ولابن خزيمة يدع الطعام والشراب من أجلي ويدع لذته من أجلي ويدع زوجته من أجلي وهذا صريح في أن المراد بالشهوة شهوة الجماع. وأصرح منه ما وقع عند الحافظ سموية يترك شهوته من الطعام والشراب والجماع (من أجلي) أي من جهة امتثال أمري وقصد رضائي وأجري. وفي الموطأ: إنما يذر شهوته وطعامه وشرابه من أجلي. قال الحافظ: قد يفهم من الإنيان بصيغة الحصر التنبيه على الجهة التي بها يستحق الصائم ذلك وهو الإخلاص الخاص به، حتى لو كان ترك المذكورات لغرض آخر كالتخمة لا يحصل الصائم الفضل المذكور (للصائم فرحتان) أي مرتان من الفرح عظيمان إحداهما في الدنيا والأخرى في الأخرى (فرحة عند فطره) أي إفطاره بالخروج عن عهدة المأمورة أو بوجدان التوفيق لإتمام الصوم أو بخلوص الصوم وسلامته من المفسدات والرفث واللغو، أو بما يرجوه من حصول الثواب أو بالأكل والشرب بعد الجوع والعطش. قال القرطبي: معناه يفرح بزوال جوعه وعطشه حيث أبيح له الفطر وهذا الفرح طبيعي وهو السابق للفهم. وقيل: إن فرحه بفطره إنما هو من حيث أنه تمام صومه وخاتمة عبادته وتخفيف من ربه ومعونة على مستقبل صومه. قال الحافظ: ولا مانع من الحمل على ما هو أعم مما ذكر ففرح كل أحد بحسبه لاختلاف مقامات الناس في ذلك، فمنهم من يكون فرحة مباحاً وهو الطبيعي، ومنهم من يكون مستحباً وهو من يكون سببه شيئاً مما ذكر (وفرحة عند لقاء ربه) أي بنيل الجزاء أو الفوز باللقاء. وقيل: هو السرور بقبول صومه وترتب الجزاء الوافر عليه (ولخلوف فم الصائم) بفتح لام الابتداء تأكيداً، وبضم الخاء المعجمة واللام وسكون الواو وبعدها فاء، من خلف فمه إذا تغيرت رائحة فمه يخلف خلوفاً بالضم لا غير. قال عياض: هذه الرواية الصحيحة وبعض الشيوخ يقوله بفتح الخاء. قال الخطابي: وهو خطأ وحكى الفارسي: الوجهين، وصوب الضم. وبالغ النووي في شرح المهذب. فقال لا يجوز فتح الخاء. واحتج غيره لذلك بأن المصادر التي جاءت على فعول بفتح أوله قليلة ذكرها سيبوية وغيره وليس هذا منها. واتفقوا على أن المراد به تغير رائحة فم الصائم بسبب الصيام كذا في الفتح. قال الباجي: الخلوف تغير رائحة فم الصائم وإنما يحدث من خلو المعدة بترك الأكل ولا يذهب بالسواك؛ لأنها رائحة النفس الخارج من المعدة. وإنما يذهب بالسواك
стр. 2893
أطيب عند الله من ريح المسك،
ــ
ما كان في الأسنان من التغير. وقال البرقي: هو تغير طعم الفم وريحه لتأخر الطعام. وقال عياض: هو ما يخلف بعد الطعام في الفم من ريحه كريهة لخلاء المعدة من الطعام (أطيب عند الله من ريح المسك) أي صاحب الخلوف عند الله أطيب وأكثر قبولاً ووجاهة وأزيد قرباً منه تعالى من صاحب المسك بسبب ريحه عندكم وهو تعالى أكثر إقبالاً عليه بسببه من إقبالكم على صاحب المسك بسببه. وفي لفظ لمسلم والنسائي أطيب عند الله يوم القيامة، وقد وقع خلاف بين ابن الصلاح وابن عبد السلام في أن أطيب رائحة الخلوف هل هو في الدنيا والآخرة أو في الآخرة فقط. فذهب ابن عبد السلام إلى أنه في الآخرة كما في دم الشهيد. واستدل برواية مسلم والنسائي هذه. وروى أبوالشيخ بإسناد فيه ضعف عن أنس مرفوعاً يخرج الصائمون من قبورهم يعرفون بريح أفواههم أفواههم أطيب عندالله من ريح المسك وذهب ابن الصلاح إلى أن ذلك في الدنيا والآخرة جميعاً، واستدل بحديث ولخلوف فم الصائم حين يخلف من الطعام أطيب عند الله من ريح المسك. قال الولي العراقي: هذه الرواية ظاهرة في أن طيبة في تلك الحالة، وحمله على أنه سبب للطيب في حالة مستقبلة تأويل مخالف للظاهر، ويؤيده ما روى الحسن بن سفيان في مسنده والبيهقي في الشعب من حديث جابر في أثناء حديث مرفوع في فضل هذه الأمة في رمضان. وأما الثانية فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك. قال المنذري: إسناده مقارب وحسنه أبوبكر السمعاني في أمالية قال وذهب جمهور العلماء إلى ذلك كالخطابي وابن عبد البر والبغوي في شرح السنة والقدوري من الحنفية، والداودي من قدماء المالكية وأبي عثمان الصابوني وأبي بكر السمعاني وأبي حفص الصفار الشافعيين في أماليهم وأبي بكر بن العربي. قال فهؤلاء أئمة المسلمين شرقاً وغرباً لم يذكروا سوى ما ذكرته ولم يذكر أحد وجهاً تخصيصاً بالآخرة بل جزموا بأنه عبارة عن الرضا والقبول ونحوهما مما هو ثابت في الدنيا والآخرة. قال: وأما ذكر يوم القيامة في تلك الرواية فلأنه يوم الجزاء. وفيه يظهر رجحان الخلوف في الميزان على المسك المستعمل لدفع الرائحة الكريهة طلباً لرضا الله تعالى حيث يؤمر بإجتنابها فقيده بيوم القيامة في رواية، وأطلق في باقي الروايات نظراً إلى أن أصل أفضليته ثابت في الدارين وهو كقوله إن ربهم بهم يومئذٍ لخبير وهو خير بهم في كل يوم - انتهى. واستشكل كون الخلوف أطيب عندالله من ريح المسك من جهة أن الله تعالى منزه عن استطابة الروائح الطيبة واستقذار الروائح الخبيثة فإن ذلك من صفات الحيوان مع أن الله يعلم الأشياء على ما هي عليه وأجيب عن ذلك بوجوه منها إنه مجاز واستعارة؛ لأنه جرت عادتنا بتقريب الروائح الطيبة منا، فاستعير ذلك في الصوم لتقريبه من الله. قال المازري: فيكون المعنى إن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك عندكم أي يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم وذكر ابن عبد البر نحوه ومنها إن المراد الله تعالى يجزيه في الآخرة فتكون نكهته أطيب
стр. 2894
والصيام جنة،
ــ
من ريح المسك كما سيأتي المكلوم وريح جرحه تفوحه مسكاً. ومنها أن المراد أن صاحب الخلوف ينال من الثواب ما هو أفضل من ريح المسك عندنا لاسيما بالإضافة إلى الخلوف وهما ضدان حكى القولين عياض. ومنها أن ذلك في حق الملائكة وأنهم يستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك فالمراد بعند الله عند ملائكته ومنها أنه يعتد برائحة الخلوف ويدخر على ما هي عليه أكثر مما يعتد بريح المسك وإن كانت عندنا نحن بخلافه حكاه عياض أيضاً. ومنها أن الخلوف أكثر ثواباً من المسك المندوب إليه في الجمع والأعياد ومجالس الحديث والذكر وسائر مجامع الخير قاله الداودي وأبوبكر بن العربي والقرطبي. وقال النووي: هو الأصح وحاصله حمل معنى الطيب على القبول والرضا ومنها إن الغرض نهي الناس عن تقذر مكالمة الصائمين بسبب الخلوف هذا، وإنما كان أثر الصوم أطيب من أثر الجهاد حيث وصف خلوف فم الصائم بأنه أطيب من ريح المسك، ودم الشهيد شبه ريحه بريح المسك مع ما فيه من المخاطرة بالنفس وبذل الروح، لأن الصوم أحد أركان الإسلام بخلاف الجهاد، ولأن الجهاد فرض كفاية، والصوم فرض عين، وفرض العين أفضل من فرض الكفاية، كما نص عليه الشافعي ذكره القسطلاني، واستدل به على كراهة السواك للصائم بعد الزوال لما فيه من إزالة الخلوف المشهود له بأنه أطيب من ريح المسك، وسيأتي الكلام فيه في شرح حديث عامر بن ربيعة في باب تنزيه الصوم (والصيام جنة) بضم الجيم وتشديد النون وهي الوقاية والستر. قال المنذري: هو ما يجنك أي يسترك ويقيك مما تخاف ومعنى الحديث إن الصوم يستر صاحبه ويحفظه من الوقوع في المعاصي - انتهى. قلت: زاد الترمذي وسعيد بن منصور جنة من النار وللنسائي من حديث عثمان بن أبي العاص جنة من النار كجنة أحدكم من القتال، ولأحمد من حديث أبي هريرة جنة وحصين حصين من النار، ولأحمد والنسائي والبيهقي من حديث أبي عبيدة بن الجراح الصيام جنة ما لم يخرقها زاد الدارمي بالغيبة. قال الحافظ: بعد ذكر هذه الروايات قد تبن بها متعلق هذا الستر وإنه من النار وبهذا جزم ابن عبد البر. وأما صاحب النهاية فقال معنى كونه جنة أي يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات. وقال القرطبي: جنة أي سترة بحسب مشروعيته فينبغي للصائم أن يصونه مما يفسده وينقص ثوابه، وإليه الإشارة بقوله: فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث إلى آخره، ويصح أن يراد أنه سترة بحسب فائدته وهو أضعاف شهوات النفس. وإليه الإشارة بقوله: يدع شهوته إلى آخره، ويصح أن يراد أنه سترة بحسب ما يحصل من الثواب وتضعيف الحسنات. وقال عياض: في الإكمال معناه سترة من الآثام أو من النار من جميع ذلك وبالأخير جزم النووي. وقال ابن العربي: إنما كان الصوم جنة من النار؛ لأنه إمساك عن الشهوات والنار محفوفة بالشهوات، فالحاصل إنه إذا كف نفسه عن الشهوات في الدنيا كان ذلك ساتراً له من النار في الآخرة. وقال الشاه ولي الله الدهلوي:
стр. 2895
وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله.
ــ
"الصيام جنة، لأنه يقى شر الشيطان والنفس ويبعد الإنسان من تأثيرهما ويخالفه عليهما فلذلك كان من حقه تكميل معنى الجنة بتنزيه لسانه عن الأقوال والأفعال الشهوية، وإليه أشار بقوله: فلا يرفث والسبعية وإليه الإشارة في قوله: ولا يصخب وإلى الأقوال بقوله سابه وإلى الأفعال بقوله قاتله - انتهى. قال الحافظ: وفي زيادة أبي عبيدة إشارة إلى أن الغيبة تضر بالصوم، وقد حكى عن عائشة وبه قال الأوزاعي إن الغيبة تفطر الصائم وتوجب عليه قضاء ذلك اليوم وأفرط ابن حزم فقال يبطله كل معصية متعمد لها ذاكر لصومه سواء كانت فعلاً أو قولاً لعموم قوله "فلا يرفث ولا يجهل" ولقوله في الحديث الآتي (في باب تنزيه الصوم) من لم يدع قول الزور والعمل به الخ. والجمهور وإن حملوا النهي على التحريم إلا أنهم خصوا الفطر بالأكل والشرب والجماع - انتهى. كلام الحافظ (وإذا) وفي بعض النسخ فإذا كما في صحيح مسلم أي إذا عرفت ما في الصوم من الفضائل الكاملة والفوائد الشاملة (كان يوم صوم أحدكم) برفع يوم على أن كان تامة. وقيل: بالنصب فالتقدير إذا كان الوقت يوم صوم أحدكم (فلا يرفث) بالمثلثة وبتثليث الفاء قاله الزركشي والقسطلاني والعيني وكذلك في القاموس. والرفث، بفتح الراء، والفاء يطلق، ويراد به الجماع. ومقدماته، ويطلق. ويراد به الفحش. ويطلق ويراد به خطاب الرجل والمرأة، فيما يتعلق بالجماع. وقال كثير من العلماء: إن المراد به في هذا الحديث الفحش وردى الكلام وقبيحه. وقيل: يحتمل أن يكون النهي لما هو أعم من ذلك (ولا يصخب) بالصاد المهملة والخاء المعجمة المفتوحة أي لا يصيح ولا يخاصم. وقيل: أي لا يرفع صوته بالهذيان وفي رواية للشيخين ولا يجهل مكان قوله ولا يصخب أي لا يفعل شيئاً من أفعال أهل الجهل كالصياح والسفه والسخرية ونحو ذلك، وفي رواية سعيد بن منصور ولا يجادل وهذا كله ممنوع على الإطلاق لكنه يتأكد بالصوم. ولذا قال القرطبي: لا يفهم من هذا إن غير يوم الصوم يباح فيه ما ذكر وإنما المراد إن المنع من ذلك يتأكد بالصوم (فإن سابه أحد) وفي رواية للشيخين شاتمة أي خاصمة باللسان (أو قاتله) قال عياض: قاتله أي دافعه ونازعه ويكون بمعنى شاتمة ولاعنه وقد جاء القتل بمعنى اللعن وفي رواية سعيد بن منصور أو ما رأه أي جادله ولأبي قرة وإن شتمه إنسان فلا يكلمه وقد استشكل ظاهر لفظ الكتاب؛ لأن المفاعلة تقتضي وقوع الفعل من الجانبين والصائم مأمور. بأن يكف نفسه عن ذلك، ولا تصدر منه الأفعال التي رتب عليها الجواب خصوصاً المقاتلة والجواب عن ذلك إن المراد بالمفاعلة التهيؤ لها أي إن تهيأ أحد لمقاتلته أو مشاتمته فليقل إني صائم فإنه إذا قال ذلك أمكن أن يكف عنه، فإن أصر دفعه بالأخف فالأخف كالصائل هذا فيمن يروم مقاتلته حقيقة، فإن كان المراد بقوله قاتله لاعنه، فالمراد بالحديث إنه لا يعامله بمثل
стр. 2896
فليقل: إني امرؤ صائم)) . متفق عليه.
﴿الفصل الثاني﴾
١٩٨٠- (٥) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا كان أول ليلة من شهر رمضان
ــ
عمله بل يقتصر على قوله إني صائم كذا في الفتح. وقال الباجي: يحتمل هذا ثلاثة أوجه يحتمل أنه يريد إن أراد أن يشاتمه أو يقاتله فليمتنع من ذلك، وليقل إني صائم. والثاني: إن لفظ المفاعلة وإن كانت أظهر في فعل الإثنين إلا أنها قد تستعمل في فعل الواحد، فيقال: سافر الرجل وعالج الطبيب المريض وعافاه الله وبارك له. والثالث: أن يريد إن وجدت المشاتمة منهما جميعاً فليذكر الصائم نفسه بصومه ولا يستديم المشاتمة والمقاتلة واستبعده الحافظ لما تقدم من رواية فإن شتمه (فليقل إني امرؤ صائم) أي فليعتذر عنده من عدم المقابلة بأن حاله لا يساعد المقابلة بمثله أو فليذكر في نفسه أنه صائم ليمنعه ذلك عن المقابلة بمثله. قال الحافظ: اتفق الروايات كلها على أنه يقول إني صائم فمنهم من ذكرها مرتين، ومنهم من اقتصر على واحدة. واختلف في المراد بهذا القول هل يخاطب بها الذي يكلمه أو يقولها في نفسه وبالثاني جزم المتولي ونقله الرافعي عن الأئمة، ورجح النووي الأول في الأذكار. وقال في شرح المهذب: كل منهما حسن والقول باللسان أقوى ولو جمعهما لكان حسناً. وقال الرؤياتي أن كان رمضان فليقل بلسانه وإن كان غيره فليقله في نفسه وأدعى ابن العربي إن موضع الخلاف في التطوع. وأما في الفرض فيقول بلسانه قطعاً. وفائدة قوله إني صائم أنه يمكن أن يكف عنه بذلك فإن أصر دفعه بالأخف فالأخف كالصائل هذا فيمن يروم مقاتلته حقيقة، فإن كان المراد بقاتله لاعنه فالمراد من الحديث أنه لا يعامله بمثل عمله بل يقتصر على قوله إني صائم. وأما تكرير قوله إني صائم فليتأكد الانزجار منه ممن يخاطبه بذلك. ونقل الزركشي إن المراد بقوله مرتين في بعض الروايات يقوله مرة بقلبه ومرة بلسانه فيستفيد بقوله بقلبه كف لسانه عن خصمه وبقوله بلسانه كف خصمه عنه. وتعقب بأن القول حقيقة باللسان، وأجيب بأنه لا يمنع المجاز (متفق عليه) والسياق المذكور لمسلم. والحديث أخرجه البخاري في الصيام واللباس والتوحيد مختصراً ومطولاً ومسلم في الصوم. وأخرجه أيضاً أحمد ومالك والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي وغيرهم بألفاظ متقاربة مختصراً ومطولاً, قد ذكر الجزري في جامع الأصول والمنذري في الترغيب شيئاً من اختلاف ألفاظه.
١٩٨٠- قوله: (إذا كان) أي وجد وتحقق على أن الكون تام وإذا كان الزمان أول ليلة على أن
стр. 2897
صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة يغلق منها باب، وينادى مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ?
ــ
الكون ناقص (صفدت) بضم الصاد المهملة وكسر الفاء المشددة أي شدت وأوثقت بالأصفاد وهي الأغلال وهو بمعنى سلسلت (الشياطين) وفي الحديث الذي يليه وتغل فيه مردة الشياطين، وفي حديث رجل من أصحاب النبي ﷺ عند أحمد والنسائي ويصفد فيه كل شيطان مريد (ومردة الجن) جمع مارد كطلبة وجهلة وهو العاتي الشديد وقال القاري: هو المتجرد للشر ومنه إلا مرد لتجرده عن الشعر وهو تخصيص بعد تعميم أو عطف تفسير وبيان كالتتميم. وقال المنذري في الترغيب: ولابن خزيمة صفدت الشياطين مردة الجن بغير واو (فلم يفتح منها باب) هو كالتأكيد لما قبله (وينادى مناد) قيل: يحتمل أنه ملك أو المراد أنه يلقي في قلوب من يريد الله إقباله على الخير كذا في قوت المغتدى. قال السندي: إن قلت أيّ فائدة في هذا النداء مع أنه غير مسموع للناس. قلت: قد علم الناس به بإخبار الصادق وبه يحصل المطلوب بأن يتذكر الإنسان كل ليلة بأنها ليلة المناداة فيتعظ بها (يا باغي الخير) أي طالب الخير (أقبل) أي على فعل الخير فهذا أو إنك فإنك تعطي جزيلاً بعمل قليل، وذلك لشرف الشهر. قال القاري: أي طالب العمل والثواب أقبل إلى الله تعالى وطاعته بزيادة الاجتهاد في عبادته، وهو أمر من الإقبال أي تعال فإن هذا أو إنك فإنك تعطى الثواب الجزيل بالعمل القليل أو معناه يا طالب الخير المعرض عنا وعن طاعتنا أقبل إلينا وعلى عبادتنا فإن الخير كله تحت قدرتنا وإرادتنا. قال العراقي: ظن ابن العربي إن قوله في الشقين يا باغي من البغي فنقل عن أهل العربية إن أصل البغي في الشر وأقله ما جاء في طلب الخير. ثم ذكر قوله تعالى: ﴿غير باغٍ ولا عاد﴾ [البقرة:١٧٣] وقوله: ﴿يبغون في الأرض بغير الحق﴾ [يونس:٢٣] والذي وقع في الآيتين هو بمعنى التعدي، وأما في هذا الحديث فمعناه الطلب، والمصدر منه بغي وبغاية بضم الباء فيهما قال الجوهري: بغيته أي طلبته - انتهى. قال شيخنا في شرح الترمذي: بعد ذكره قلت الأمر كما قال العراقي وكذلك في قوله تعالى: ﴿ذلك ما كنا نبغ﴾ [الكهف:٦٤] معناه الطلب (ويا باغي الشر أقصر) بفتح الهمزة وكسر الصاد من الإقصار وهو الكف عن الشيء مع القدرة عليه، فإن عجز عنه يقول قصرت عنه بلا آلف أي يأمن يسرع ويسعى في المعاصي. وقال القاري: أي يأمر يد المعصية أمسك عن المعاصي وأرجع إلى الله تعالى فهذا أو إن قبول التوبة وزمان الاستعداد للمغفرة ولعل طاعة المطيعين وتوبة المذنبين ورجوع المقصرين في رمضان من أثر الندائين ونتيجة إقبال الله تعالى على الطالبين، ولهذا ترى أكثر المسلمين صائمين حتى الصغار والجوار بل غالبهم الذين يتركون الصلاة يكونون حينئذٍ مصلين مع أن الصوم أصعب من الصلاة، وهو يوجب ضعف البدن الذي يقتضي الكسل عن العبادة وكثرة النوم عادة ومع ذلك ترى المساجد معمورة وبإحياء الليل مغمورة والحمد لله
стр. 2898
ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة)) . رواه الترمذي، وابن ماجه.
١٩٨١- (٦) ورواه أحمد عن رجل،
ــ
ولا حول ولا قوة إلا بالله - انتهى. (ولله عتقاء من النار) أي ولله عتقاء كثيرون من النار فلعلك تكون من زمرتهم (وذلك) أي المذكور من النداء والعتق. وقال الطيبي: الإشارة إما للنداء لبعده أو للعتق وهو القريب. وقال السيوطي: قلت الثاني أرجح بدليل الحديث وأما ونادى (هكذا وقع بلفظ الماضي عند ابن ماجه والحاكم والبيهقي في هذا الحديث) فإنه معطوف على صفدت الذي هو جواب إذا كان أول ليلة - انتهى. يريد أن النداء يكون ليلة واحدة لا في كل ليلة وحديث الرجل عند أحمد والنسائي فيه تصريح بوقوع النداء في كل ليلة كما سيأتي (كل ليلة) أي في كل ليلة من ليالي رمضان (رواه الترمذي وابن ماجه) وأخرجه أيضاً ابن خزيمة والحاكم (ج١ ص٤٢١) والبيهقي (ج٤ ص٣٠٣) كلهم من رواية أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، والحديث صحه الحاكم عن شرط الشيخين وسكت عليه الذهبي في تلخيصه. وقال الجزري: هذا إسناد صحيح. قال ميرك: بعد نقل كلام الجزري وهذا لا يخلو عن تأمل فإن أبابكر بن عياش مختلف فيه والأكثر على أنه كثير الغلط وهو ضعيف عن الأعمش. ولذا قال الترمذي غريب لا نعرفه إلا من رواية أبي بكر وسألت محمد بن إسماعيل يعني البخاري عن هذا الحديث. فقال نا الحسن بن الربيع نا أبوالأحوص عن الأعمش عن مجاهد قوله قال إذا كان أول ليلة من شهر رمضان فذكر الحديث. قال محمد: وهذا أصح عندي من حديث أبي بكر بن عياش يعني كونه موقوفاً عن مجاهد انتهى كلام الترمذي. لكن يفهم من كلام الشيخ ابن حجر العسقلاني إن الحديث المرفوع أخرجه ابن خزيمة والترمذي والنسائي (لعله في الكبرى) وابن ماجه والحاكم. قال ونحوه للبيهقي من حديث ابن مسعود. وقال فيه فتحت أبواب الجنة فلم يغلق باب منها الشهر كله - انتهى كلامه. قال ميرك: ويقوي رفع الحديث إن مثل هذا لا يقال بالرأي فهو مرفوع حكماً والله أعلم تم كلام ميرك كذا نقل القاري كلام الجزري وكلام ميرك. ثم تعقب على ميرك بوجوه لا يخلو بعضها عن كلام. وقال العيني: بعد ذكر ما حكى الترمذي عن البخاري، وقال شيخنا يعني الحافظ العراقي لم يحكم الترمذي على حديث أبي هريرة المذكور بصحة ولا حسن مع كون رجاله رجال الصحيح وكأن ذلك لتفرد أبي بكر بن عياش به، وإن كان احتج به البخاري فإنه ربما غلط كما قال أحمد ولمخالفة أبي الأحوص له في روايته عن الأعمش فإنه جعله مقطوعاً من قول مجاهد، ولذلك أدخله الترمذي في كتاب العلل وذكر أنه سأل البخاري عنه وذكر إن كونه عن مجاهد أصح عنده. وأما الحاكم فأخرجه في المستدرك وصححه وكذلك صححه ابن حبان - انتهى.
١٩٨١- قوله: (ورواه أحمد) (ج٤ ص٣١١- ٣١٢) (عن رجل) أي من أصحاب النبي ﷺ -
стр. 2899
وقال الترمذي: هذا حديث غريب.
﴿الفصل الثالث﴾
١٩٨٢- (٧) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أتاكم رمضان شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم)) .
ــ
لم يسم، ورواه النسائي أيضاً كلاهما من رواية عطاء بن السائب عن عرفجة. قال كنت في بيت فيه عتبة بن فرقد فأردت أن أحدث بحديث. قال: فكان رجل من أصحاب رسول الله ﷺ كأنه أولى بالحديث فحدث الرجل عن النبي ﷺ أنه قال في رمضان تفتح أبواب السماء وتغلق أبواب النار، ويصفد فيه كل شيطان مريد، وينادى مناد كل ليلة يا طالب الخير هلم ويا طالب الشر أمسك (وقال الترمذي هذا حديث غريب) أي إسناداً كما تقدم.
١٩٨٢- قوله: (أتاكم) أي جاءكم (رمضان) أي زمانه وفي رواية أحمد لما حضر رمضان. قال رسول الله ﷺ قد جاءكم رمضان (شهر مبارك) بدل أو بيان والتقدير هو شهر مبارك وظاهره الأخبار أي كثر خيره الحسي والمعنوي كما هو مشاهد فيه (تفتح فيه) استئناف بيان وهو بصيغة المجهول وبالتأنيث في الأفعال الثلاثة وبتخفيف الفعلين ويشددان (أبواب السماء) وفي رواية أحمد المذكورة أبواب الجنة (وتغل) بتشديد اللام من الأغلال. قال في القاموس: أغل فلاناً أدخل في عنقه أو يده الغُلّ وهو مفرد جمعه أغلال (فيه مردة الشياطين) يفهم من هذا الحديث إن المقيدين هم المردة فقط، فيكون عطف المردة على الشياطين في الحديث المتقدم عطف تفسير وبيان، ويحتمل أن يكون تقييد عامة الشياطين بغير الأغلال والله أعلم. (لله فيه) أي في ليالي رمضان على حذف مضاف أو في العشر الأخير منه (ليلة خير من ألف شهر) أي العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر (من حرم) بتخفيف الراء على بناء المفعول (خيرها) بالنصب وهو يتعدى إلى مفعولين يقال حرمة الشيء كضربه وعمله حرماناً أي منعه إياه والمحروم الممنوع أي من منع خيرها بأن لم يوفق لا حياء والعبادة فيها (فقد حرم) أي منع الخير كله كما سيجيء صريحاً ففيه مبالغة عظيمة. والمراد حرمان الثواب الكامل أو الغفران الشامل الذي يفوز به القائم في أحياء ليلها. قال الطيبي: إتحد الشرط والجزاء دلالة على فخامة الجزاء
стр. 2900
رواه أحمد، والنسائي.
١٩٨٣- (٨) وعن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: ((الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصيام: أي رب إني منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه. ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفعان)) .
ــ
أي فقد حرم خيراً لا يقادر قدره (رواه أحمد) (ج٢ ص٢٣٠) (والنسائي) كلاهما من طريق أبي قلابة عن أبي هريرة. قال الشيخ أحمد شاكر في شرح المسند (ج١٢ ص١٣٤) : إسناده صحيح. وقال المنذري في الترغيب: ولم يسمع أبوقلابة منه فيما أعلم، وفي تهذيب التهذيب يقال أنه لم يسمع من أبي هريرة، وتعقب هذا الشيخ أحمد شاكر فقال لم أجد ما يؤيد هذا أي القول بعدم سماعه منه، وأبوقلابة لم يعرف بتدليس والمعاصرة كافية في الحكم بوصل الإسناد- انتهى.
١٩٨٣- قوله: (وعن عبد الله بن عمرو) بالواو ﵄ (الصيام) أي صيام رمضان. وقيل: مطلقاً (والقرآن) أي قراءة القرآن. قال الطيبي: القرآن ههنا عبارة عن التهجد والقيام بالليل كما عبر به عن الصلاة في قوله تعالى: ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾ [الإسراء:٧٨] وإليه الإشارة بقوله: "ويقول القرآن منعته النوم بالليل- انتهى. (يشفعان) بفتح الياء وسكون المعجمة وفتح الفاء. قيل: يحتمل تجسيدهما وخلق النطق فيهما فإن المعاني والأعمال تتجسم يوم القيامة، ويحتمل إرسال ملك ينطق على لسانهما، ويحتمل المجاز والتمثيل أي يشفعان بلسان الحال. قال الطيبي: الشفاعة والقول من الصيام والقرآن إما أن يؤل أو يجري على ما عليه النص وهذا هو المنهج القويم والصراط المستقيم، فإن العقول البشرية تتلاشى وتضمحل عن إدراك العوالم الإلهية. ولا سبيل لنا إلا الأذعان له والإيمان به، ومن تأول ذهب إلى أنه استعيرت الشفاعة والقول للصيام والقرآن لإطفاء غضب الله وإعطاء الكرامة ورفع الدرجات والزلفى عند الله - انتهى. قلت: من تأول الحديث وحمله على المجاز والاستعارة والتمثيل إنما ذهب إلى ذلك لما زعم إن الأعمال أعراض، والعرض لا يكون قائماً بالذات بل بالغير وهو أمرآني لا يبقى بل يفنى فلا يمكن أن يؤذن أو يكال وهذا شيء قد أبطله الفسلفة الحديثة اليوم، وحققت إن الأعمال والأصوات والأنوار تبقى، ويمكن أن تحفظ وتخزن وتوزن وتكال فالحق والصواب، أن يحمل الحديث ظاهره. ويقال: إن الصيام والقرآن يشفعان بالقول حقيقة (أي رب) أي يا رب! (والشهوات) من عطف الأعم (بالنهار) كله (فشفعني) بالتشديد أي أقبل شفاعتي (فيه) أي في حقه (ويقول القرآن) لما كان القرآن كلامه تعالى غير مخلوق لم يقل أي رب (فيشفعان) بضم أوله وشدة الفاء المفتوحة مجهولاً أي يشفعهما الله
стр. 2901
رواه البيهقي في شعب الإيمان.
١٩٨٤- (٩) وعن أنس بن مالك قال: دخل رمضان فقال رسول الله ﷺ : ((إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا كل محروم)) . رواه ابن ماجه.
ــ
فيه أي يقبل شفاعتهما ويدخله الجنة. وقال القاري: ولعل شفاعة رمضان في محو السيئات وشفاعة القرآن في علو الدرجات (رواه البيهقي في شعب الإيمان) وأخرجه أحمد (ج٢ ص١٧٤) وفي سنده ابن لهيعة والحاكم (ج١ ص٥٥٤) وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي والطبراني في الكبير. قال الهيثمي (ج٣ ص١٨١) : رجاله رجال الصحيح. وقال المنذري: رجاله محتج بهم في الصحيح وأبونعيم في الحلية (ج٨ ص١٦١) وفيه رشدين بن سعد وابن أبي الدنيا في كتاب الجوع وغيره بإسناد حسن كما في الترغيب.
١٩٨٤- قوله: (إن هذا الشهر) الإشارة للتعظيم (قد حضركم) أي فاغتنموا حضوره بالصيام في نهاره والقيام في ليلة (وفيه ليلة) أي واحدة مبهمة من لياليه العشر الأواخر (خير من ألف شهر) أي فالتمسوه في كل ليلة رجاء أن تدركوها (من حرمها) على بناء المفعول وكذا الأفعال الباقية. قيل: المراد إنه حرم لطف الله وتوفيقه ومنع من الطاعة فيها. والقيام بها ولعل هذا هو الذي فأته العشاء تلك الليلة أيضاً قاله السندي. وقال القاري: أي حرم خيرها وتوفيق العبادة فيها ومنع عن القيام ببعضها (ولا يحرم خيرها إلا كل محروم) قال القاري: برفع كل على البدلية ويجوز نصبه على الاستثناء أي كل ممنوع من الخير لا حظ من السعادة ولا ذوق له من العبادة. قلت: قوله "إلا كل محروم" هكذا وقع في جميع وفي السنن لابن ماجه إلا محروم أي بإسقاط لفظ كل، وكذا نقله المنذري في الترغيب. قال السندي: وهو الذي لاحظ له في السعادة (رواه ابن ماجه) قال في الزوائد: في إسناده عمران ابن داور أبوالعوام القطان فيه ومشاه الإمام أحمد، ووثقه عفان والعجلي وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به وباقي رجال الإسناد ثقات - انتهى. قلت: عمران هذا قال البخاري صدوق يهم. وقال المنذري: في الترغيب إسناده إن شاء الله تعالى، وروى الطبراني في الأوسط عنه أي عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا رمضان قد جاء تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار وتغل فيه الشياطين بعداً لمن أدرك رمضان فلم يغفر له إذا لم يغفر له فمتى؟ - انتهى. قال الهيثمي: فيه الفضل بن عيسى الرقاشي وهو ضعيف.
стр. 2902
١٩٨٥- (١٠) وعن سلمان الفارسي، قال: خطبنا رسول الله ﷺ في آخر من شعبان فقال: ((يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم، شهر مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليلة تطوعاً، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزاد فيه رزق المؤمن،
ــ
١٩٨٥- قوله: (الفارسي) بكسر الراء (خطبنا رسول الله ﷺ ) يحتمل خطبة الجمعة وخطبة الموعظة (فقال) أي بعد أن حمد الله وأثنى عليه كما هو المعهود من حاله في خطبة وكأن سلمان حذف ذلك اختصاراً. قلت: ما اختصره بل اقتصره وبينه وأظهره بقوله خطبنا فإن الخطبة هي الحمد والثناء كما هو مشهور عند العلماء كذا في المرقاة (يا أيها الناس) وفي بعض النسخ أيها الناس (قد أظلكم) بالظاء المشالة أي أشرف عليكم وقرب منكم. قال في النهاية: أظلكم رمضان بالمعجمة أي أقبل عليكم ودنا منكم كأنه ألقى عليكم ظله (شهر عظيم) أي قدره لأنه سيد الشهور (صيامه) أي صيام نهاره (فريضة) أي فرضاً قطعياً (وقيام ليلة) أي أحياءه بالتراويح ونحوها (تطوعاً) أس سنة مؤكدة فمن فعله فاز بعظيم ثوابه ومن تركه حرم الخير وعوقب بعتابه قاله القاري: (من تقرب) أي إلى الله (فيه) أي في نهاره أو ليلة (بخصلة من الخير) أي من أنواع النفل (كان كمن) أي ثوابه كثواب من (أدى فريضة فيما سواه) أي من الأشهر (وهو شهر الصبر) لأن صيامه بالصبر عن المأكول والمشروب ونحوهما، وقيامه بالصبر على محنة السهر، ولذا أطلق الصبر على الصوم في قوله تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ [البقرة:١٥٣] (الصبر) أي كماله المتضمن للشكر كما حرره الغزالي من أن وجوهما على وجه الكمال متلازمان، وبكل طاعة وخصلة حميدة متعلقان، فإن الإيمان نصفان، نصفه صبر، ونصفه شكر. فترك المعصية صبر وامتثال الطاعة شكر (ثوابه الجنة) أو يقال الصبر على الطاعة وعن المعصية جزاءه الجنة لمن قام به مع الناجين: وقال ابن حجر: أي من غير مقاساة لشدائد الموقف (وشهر المواساة) أي المساهمة والمشاركة في المعاش والرزق، وأصله الهمزة فقلبت واواً تخفيفاً يقال آسى الرجل في ماله أي جعله أسوته فيه، وفيه تنبيه على الجود والإحسان على جميع أفراد الإنسان لاسيما على الفقراء والجيران (وشهر يزاد فيه رزق المؤمن) وفي بعض النسخ يزاد في رزق المؤمن فيه أي سواء كان غنياً أو فقيراً وهذا أمر مشاهد فيه، ويحتمل تعميم الرزق بالحسي والمعنوي
стр. 2903
من فطر فيه صائماً كان له مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير إن ينتقص من أجره شيء قلنا: يا رسول الله! ليس كلنا نجد ما نفطر به الصائم. فقال رسول الله ﷺ : يعطي الله هذا الثواب من فطر صائماً على مذقة لبن، أو تمرة أو شربة من ماء ومن أشبع صائماً. سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة. وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار.
ــ
(من فطر) بتشديد الطاء (فيه صائماً) أي أطعمه أو سقاه عند إفطاره من كسب حلال كما سيجيء (كان) أي التفطير (له) أي للمفطر (مغفرة لذنوبه وعتق رقبته) أي المفطر (من النار) أي سبباً لحصولهما وفي نسخة برفع المغفرة والعتق فالمعنى حصل له مغفرة وعتق (وكان له مثل أجره) أي حصل للمفطر مثل ثواب الصائم (من غير أن ينتقص) من باب الافتعال وفي الترغيب ينقص، وكذا نقله العيني (من أجره) أي من أجر الصائم (شيء) وهو زيادة إيضاح وإفادة تأكيد للعلم بعدم النقص من لفظ مثل أجره أولاً (ليس كلنا نجد ما نفطر) بالتكلم في الفعلين وفي نسخة بالغيبة فيهما قاله القاري، وذكره المنذري والعيني بالتكلم في الأول وبالغيبة في الثاني (به الصائم) كذا في بعض النسخ ووقع في بعضها بدون لفظة به وهكذا في الترغيب والعيني: قال القاري: أي لا يجد كلنا ما يشبعه وإنما الذي يجد ذلك بعضها فما حكم من لا يجد ذلك (يعطي الله هذا الثواب) أي من جنس هذا الثواب أو هذا الثواب كاملاً عند العجز عن الإشباع (على مذقة لبن) بفتح الميم وسكون الذال المعجمة أي شربة لبن يخلط بالماء يقال مذق اللبن من باب نصر أي مزجه بالماء والمذق والمذقة اللبن الممزوج بالماء (أو تمرة أو شربة من ماء) أو للتنويع في الموضعين (من حوضي) أي الكوثر في القيامة (شربة لا يظمأ) أي بعدها (حتى يدخل الجنة) أي إلى أن يدخلها، ومن المعلوم أن لا ظمأ في الجنة لقوله تعالى: ﴿وأنك لا تظمؤ فيها﴾ [طه:١١٩] فكأنه قال لا يظمأ أبداً (وهو) أي رمضان (شهر أوله رحمة) أي وقت رحمة نازلة من عند الله عامة ولولا حصول رحمته ما صام ولا قام أحد من خليقته،
لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
وقيل أي أول الشهر سبب لنزول رحمة الله التي يكون بها مستعد لظهور الأنوار الإلهية والأسرار الربانية ويخرج من ظلمات الذنوب والمعاصي (وأوسطه مغفرة) أي زمان مغفرته المترتبة على رحمته فإن الأجير قد يتعجل بعض أجره قرب فراغه منه (وآخره) وهو وقت الأجر الكامل (عتق) أي لرقابهم (من النار) والكل
стр. 2904
ومن خفف عن مملوكه فيه. غفر الله له وأعتقه من النار)) .
١٩٨٦- (١١) وعن ابن عباس، قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا دخل شهر رمضان أطلق كل أسير
ــ
بفضل الجبار وتوفيق الغفار للمؤمنين الأبرار للأعمال الموجبة للرحمة والمغفرة والعتق من النار، ولما وفقوا للطاعات وغفر ذنوبهم واعتقوا من النار صاروا أهلاً لدخول الجنة (ومن خفف) أي في الخدمة (عن مملوكه فيه) أي في رمضان رحمة عليه وإعانة له بتيسير الصيام إليه (غفر الله) أي لما فعله قبل ذلك من الأوزار (وأعتقه من النار) جزاء لاعتاقه المملوك من شدة العمل، والحديث ذكره العيني في شرح البخاري (ج١٠ ص٢٧٨- ٢٧٩) وقال رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن سلمان الفارسي ولا يصح إسناده وفي سنده إياس. قال شيخنا (يعني العراقي) الظاهر إنه ابن أبي إياس. قال صاحب الميزان: إياس بن أبي إياس عن سعيد بن المسيب لا يعرف والخبر منكر- انتهى. قلت: وقال الحافظ في اللسان (ج١ ص٤٧٥) في ترجمته وذكره العقيلي فقال مجهول، وحديثه غير محفوظ وساق له الحديث بطوله في فضل شهر رمضان. وقال: ليس يروي هذا من وجه يثبت- انتهى. وقال المنذري في الترغيب: رواه ابن خزيمة في صحيحه ثم قال إن صح الخبر، ورواه من طريقه البيهقي: ورواه أبوالشيخ ابن حبان في الثواب باختصار عنهما وفي رواية لأبي الشيخ قال رسول الله ﷺ من فطر صائماً في شهر رمضان من كسب حلال صلت عليه الملائكة ليالي رمضان كلها، وصافحه جبريل ليلة القدر، ومن صافحه جبريل ﵇ يرق قلبه وتكثر دموعه. قال: فقلت يا رسول الله! أفرأيت من لم يكن عنده، قال فقبضة من طعام قلت: أفرأيت إن لم يكن عنده لقمة خبز قال: فمذقة لبن قلت أفرأيت إن لم يكن عنده قال فشربة من ماء. قال المنذري، وفي أسانيدهم علي بن زيد بن جدعان. ورواه ابن خزيمة أيضاً والبيهقي باختصار عنه من حديث أبي هريرة وفي إسناده كثير بن زيد- انتهى. قلت: ابن جدعان هذا ضعيف سيء الحفظ. وقال الترمذي: صدوق. وكثير بن زيد مختلف فيه. وقال في التقريب: صدوق يخطىء. وحديث سلمان ذكره علي المتقي في كنز العمال وقال: أخرجه ابن خزيمة وقال إن صح الخبر والبيهقي والأصبهاني في الترغيب وابن النجار. وقال الحافظ ابن حجر في أطرافه، مداره على علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف ويوسف بن زياد الراوي عنه ضعيف جداً، وتابعه إياس عن علي بن زيد عند البيهقي. قال ابن حجر وإياس ما عرفنه- انتهى.
١٩٨٦- قوله: (أطلق كل أسير) أي محبوس ممن يستحق الحبس لحق الله أو لحق العبد بتخليصه منه قاله القاري. وقال ابن حجر: أي محبوس على كفره بعد أسره ليختار فيه ﷺ المن أو القتل مثلاً.
стр. 2905
وأعطى كل سائل)) .
١٩٨٧- (١٢) وعن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: ((إن الجنة تزخرف لرمضان من رأس الحول إلى حول قابل، قال إذا كان أول يوم من رمضان هبت ريح تحت العرش من ورق الجنة على الحور العين، فيقلن: يا رب. اجعل لنا من عبادك
ــ
وقال في اللمعات: فإن قلت كيف يجوز إطلاق كل أسير، وقد يكون على بعض الأسرار حق لأحد قلنا لم يكن إسراءه ﷺ إلا الكفار أسراء الغزوات وهو مخير فيهم بعد الأسر بين المن والإطلاق، وأخذ الفداء والاسترقاق عند أكثر الأئمة وتعين القتل أو الاسترقاق عند الحنفية ولم يكن بينهم من عليه حقوق الناس من الديون ونحوها ولو كانت فلعله ﷺ كان يرضي أهلها ويطلق والله أعلم (وأعطى كل سائل) أي زيادة على معتاده فإنه حينئذٍ أجود من الريح المرسلة، وفيه ندب العتق في رمضان والتوسعة على الفقراء فيه والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢ ص١٥٠) ونسبه إلى البزار وقال فيه أبوبكر الهذلي وهو ضعيف- انتهى. وقال السيوطي في الجامع الصغير: رواه البيهقي في الشعب عن ابن عباس وابن سعد عن عائشة. قال العزيزي: وهو حديث ضعيف- انتهى. قلت أبوبكر الهذلي هذا من رجال ابن ماجه. قيل: اسمه سلمى بن عبد الله. وقيل: روح أخباري منكر الحديث متروك.
١٩٨٧- قوله: (تزخرف) أي تزين بالذهب ونحوه (لرمضان) أي لأجل قدومه (من رأس الحول إلى الحول قابل) أي يبتدأ التزين من أول السنة منتهياً إلى سنة آتية أول الحول غرة المحرم، وحاصله إن الجنة في جميع السنة من أولها إلى آخرها مزينة لأجل رمضان وما يترتب عليه من كثرة الغفران ورفع درجات الجنان ما قبله وما بعده من الزمان، ولا يبعد أن يجعل رأس الحول مما بعد رمضان ولعله إصطلاح أهل الجنة ويناسبه كونه يوم عيد وسرور. ووقت زينة وحبور قاله القاري. قال ابن حجر: لعل المراد هنا بالحول بأن تبديء الملائكة في تزيينها أول شوال وتستمر إلى أول رمضان فتفتح أبوابها حينئذٍ ليطلع الملائكة على ما لا يطلعون عليه قبل، إعلاماً لهم بعظم شرف رمضان وشرف هذه الأمة ومجازاتهم على صومهم بمثل هذا النعيم المقيم الظاهر الباهر- انتهى. (قال) أي النبي ﷺ (هبت) أي هاجت (ريح تحت العرش) أي من تحت العرش فنثرت رائحة عطرة طيبة. قال ابن حجر: تحت العرش أي في الجنة لأن سقف الجنة عرش الرحمن كما في الحديث. وقيل: الظاهر إن الريح تنزل من تحت العرش مبتدأ باعتبار ظهورها في الجنة (من ورق الجنة) أي من ورق شجرها مبتدأ (على الحور العين) أي منتشرة على رؤسهن. والحور جمع حوراء من الحور بفتحتين شدة بياض العين في شدة سوادها، والعين بكسر العين جمع عيناء بفتحها من عَيِنَ يَعْيَن عيناً أي عظم سواد عينه في سعة (من عبادك) أي
стр. 2906
أزواجاً تقر بهم أعيننا، وتقر أعينهم بنا)) . روى البيهقي الأحاديث الثلاثة. في شعب الإيمان.
١٩٨٨- (١٣) وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: ((يغفر لأمته في آخر ليلة في رمضان،
ــ
الصالحين الصائمين القائمين (تقر) بفتح القاف وتشديد الراء أي تتلذذ (بهم) أي بطلعتهم وصحبتهم (أعيننا) أي أبصارنا قال الطيبي: هو من القر بمعنى البرد، وحقيقة قولك قر الله عينه جعل دمع عينه بارداً وهو كناية عن السرور فإن دمعته باردة. أو من القرار فيكون كناية عن الفوز بالبغيبة، فإن من فاز بها قر نفسه ولا يستشرف عينه إلى مطلوبه لحصوله. والحديث ذكره العيني (ج١٠ ص٢٦٩) والهيثمي (ج٣ ص١٤٢) نسباه إلى الطبراني في الكبير. وقالا: فيه الوليد بن الوليد القلانسي الدمشقي ضعفه الدارقطني وغيره ووثقه أبوحاتم بقوله صدوق، ونسبه على المتقي في الكنز إلى الطبراني وأبي نعيم في الحلية، والدارقطني في الأفراد. والبيهقي في الشعب، وتمام في فوائده. وابن عساكر، وقال فيه الوليد بن الوليد الدمشقي. قال أبوحاتم: صدوق. وقال الدارقطني وغيره: متروك- انتهى. وله شاهد من حديث أبي مسعود الغفاري أخرجه ابن خزيمة: في صحيحه، وأشار إلى ضعفه كما سيأتي والبيهقي من طريقه وضعفه، وأبوالشيخ في الثواب وأبويعلى والطبراني، وفي سنده جرير بن أيوب البجلي. قال ابن خزيمة: في القلب من جرير بن أيوب شيء. وقال المنذري: جرير بن أيوب هذا واه - انتهى. وقال العيني (ج١٠ ص٢٦٨) بعد ذكر هذا الحديث: هذا حديث منكر وباطل، وفي سنده جرير بن أيوب البجلي كوفي كان يضع الحديث، قاله وكيع وأبونعيم الفضل بن دكين. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال البخاري وأبوزرعة: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث - انتهى. قلت: أورد هذا الحديث ابن الجوزي في الموضوعات، وقال هو موضوع آفته جرير بن أيوب، واستدرك عليه السيوطي. وقال صاحب الكنز: لم يصب ابن الجوزي، وقال الشوكاني: بعد ذكر كلام ابن الجوزي المتقدم: وسياقه مما يشهد العقل بأنه موضوع فلا معنى لاستدراك السيوطي له على ابن الجوزي، بأنه قد رواه غير من رواه عنه ابن الجوزي، فإن الموضوع لا يخرج عن كونه موضوعاً برواية الرواة - انتهى. ولحديث الباب شاهد آخر من حديث ابن عباس ذكره المنذري ونسبه للبيهقي، وأبي الشيخ ابن حبان، وقال: ليس في إسناده من أجمع على ضعفه.
١٩٨٨- قوله: (يغفر لأمته) أي لجميع الصائمين منهم. قال الطيبي: هذا حكاية معنى ما تلفظ به ﷺ لا لفظه أي الذي هو يغفر لأمتي. قلت: الذي في مسند الإمام أحمد يغفر لهم، وهكذا وقع عند غيره ممن خرج هذا الحديث، فقوله لأمته من تصرف المصنف. والأولى أن يقول لأمتي كما يدل عليه أول الحديث (في آخر ليلة في رمضان) قال القاري: وفي نسخة "من رمضان". قلت: هذا اللفظ ههنا من زيادة المصنف زادها لتعيين الليلة.
стр. 2907
قيل يا رسول الله! أهي ليلة القدر؟ قال: لا، ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله)) . رواه أحمد.
(١) باب رؤية الهلال
﴿الفصل الأول﴾
١٩٨٩- (١) عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تصوموا
ــ
ولدلالة السياق عليها والمراد مغفرته الكاملة ورحمته الشاملة فلا ينافي ما سبق من أن أوسطه مغفرة (قيل يا رسول الله! أهي ليلة القدر؟ قال لا) أي ليس سبب المغفرة كونها ليلة القدر بل سببها كونها آخر ليلة، ويمكن أن تكون غيرها من بقية ليالي العشر الأخير (ولكن) بالتشديد ويخفف (العامل) أي ولكن سببها إن العامل (إنما يوفى) من التوفية أي يعطي وافياً (أجره) بالنصب على أنه مفعول ثان وفي نسخة بالرفع على أنه نائب الفاعل والمفعول الثاني مقدر أي إياه (إذا قضى عمله) أي فرغ منه. وقال الطيبي: قوله ولكن العامل الخ. استدرك لسؤالهم عن سبب المغفرة كأنهم ظنوا أن الليلة الأخيرة هي ليلة القدر سبب للغفران فبيين ﷺ إن سببها فراغ العبد من العمل وهو مطرد في كل عمل والله أعلم - انتهى. (رواه أحمد) هو طرف من حديث طويل أخرجه أحمد (ج٢ ص٢٩٢) والبزار والبيهقي ومحمد بن نصر في قيام الليل (ص١٠٨) وأبوالشيخ بن حبان في كتاب الثواب من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ، أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم تعطها أمة قبلهم. خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا ويزين الله عزوجل كل يوم جنته ثم يقول يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا إليك ويصفد فيه مردة الشياطين فلا يخلصوا إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره ويغفر لهم في آخر ليلة - الحديث. قال الهيثمي (ج٣ ص١٤٠) : فيه هشام بن أبوالمقدام وهو ضعيف وأشار المنذري إلى ضعف إسناده بتصديره بلفظة: روى، وإهمال الكلام عليه في آخره. وله شاهد من حديث جابر عند البيهقي ذكره المنذري بعد حديث أبي هريرة هذا. وقال إسناده مقارب أصلح مما قبله.
(باب رؤية الهلال) أي الأحكام المتعلقة بها. قال الزرقاني الأكثر على أن الهلال القمر في حالة خاصة. قال الأزهري: يسمى القمر لليلتين من أول الشهر هلالاً، وفي ليلة ست وسبع وعشرين أيضاً هلالاً وما بين ذلك يسمى قمراً وقال الجوهري: الهلال لثلاث ليال من أول الشهر ثم هو قمر بعد ذلك. وقيل: الهلال هو الشهر بعينه. قال الراغب: الهلال القمر في أول ليلة، والثانية، ثم يقال له القمر ولا يقال له هلال - انتهى.
١٩٨٩- قوله: (لا تصوموا) أي في ثلاثي شعبان عن رمضان ففي رؤية إن رسول الله ﷺ ، ذكر رمضان
стр. 2908
حتى تروا الهلال،
ــ
فقال لا تصوموا (حتى تروا الهلال) أي هلال رمضان وهذا إذا لم يكمل شعبان ثلاثين يوماً فيجب الصوم عن رمضان، وإن لم يروا هلاله، ثم إنه يتعلق بالحديث أمور يجب التنبيه عليها. الأول إن ظاهره اشتراط رؤية الجميع من المخاطبين، لكن قام الإجماع على عدم وجوب ذلك، بل المراد رؤية بعضهم وهو من يتحقق به الرؤية ويثبت. والمعنى حتى يثبت عندكم رؤية الهلال. قال الحافظ: ليس المراد تعليق الصوم بالرؤية بعضهم، وهو من يثبت به ذلك. أما واحد على رأي الجمهور أو اثنان على رأي أخرين، ووافق الحنفية على الأول إلا أنهم خصوا ذلك بما إذا كان في السماء علة من غيم وغيره، وإلا متى كان صحو لم يقبل إلا من جميع كثير يقع العلم بخبرهم - انتهى. وسيأتي بسط الكلام فيه. الثاني إن ظاهره الصوم من وقت الرؤية لكن ليس ذلك بمراد كما أنه ليس المراد الإفطار من وقت الرؤية، حتى يلزم أن يفطر قبل الغروب، إذا رأى الهلال في ذلك الوقت. بل المراد الإفطار والصوم على الوجه المشروع، فلا بد في كل منهما من معرفة ذلك الوقت. قال الحافظ: ظاهر الحديث إيجاب الصوم حين الرؤية متى وجدت ليلاً أو نهاراً، لكنه محمول على صوم اليوم المستقبل. وبعض العلماء، فرق بين ما قبل الزوال أو بعده، خالف الشيعة الإجماع فأوجبوه مطلقاً - انتهى. قلت: فرق بين ما قبل الزوال وبعده الثوري وأبويوسف وروى ذلك عن عمر. قال الباجي: لا خلاف بين الناس إنه إذا رؤى بعد الزوال فإنه لليلة القادمة. وأما إذا رؤى قبل الزوال فإن مالكاً والشافعي وأباحنيفة وجمهور الفقهاء يقولون: إنه لليلة القادمة لحديث أبي وائل أتانا كتاب عمر أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهاراً فلا تفطروا حتى يشهدو رجلان أنهما أهلاه بالأمس. وقال الثوري وابن وهب وأبويوسف وابن حبيب للماضية لما رواه النخعي عن عمر إذا رأيتم الهلال قبل الزوال فافطروا، وإذا رأيتموه بعده فلا تفطروا وهذا مفصل والأول مجمل لأنه قال نهاراً، لكن قال ابن عبد البر والأول أصح لأنه متصل والثاني منقطع فالنخعي لم يدرك عمر. قال الباجي: قال أبوبكر بن الجهم هذا لا يثبت عن عمر رواه شباك وهو مجهول قال وهذا الخلاف إنما هو إذا رؤي في يوم ثلاثين ولا يصح أن يصح أن يكون قبل ذلك - انتهى. وبسط الكلام في ذلك الشامي في رد المختار (ج٢ ص١٣٠) وابن رشد في البداية (ج١ ص١٩٤) وابن قدامة في المغنى (ج٣ ص١٦٨) . الثالث إنه جعل تحقق الرؤية غاية لعدم الصوم فلو ثبتت الرؤية لليلة الماضية وجبت الصوم من حين ثبوتها. قال ابن قدامة (ج٣ ص١٣٣) إذا أصبح مفطراً يعتقد أنه من شعبان فقامت البينة بالرؤية لزمه الإمساك والقضاء في قول عامة الفقهاء، إلا ما روى
стр. 2909
...............................
ــ
عن عطاء أنه يأكل بقية يومه. قال ابن عبد البر: لا نعلم أحداً قاله غير عطاء، الرابع إن الحديث ظاهر في النهي عن ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال أي إذا لم يكمل عدد الشعبان ثلاثين يوماً فيدخل فيه صورة الغيم وغيرها قال الحافظ: ولو وقع الاقتصار على هذه الجملة لكفى ذلك لمن تمسك به أي على منع الصوم في كل صورة لم ير فيها الهلال لكن اللفظ الذي رواه أكثر الرواة أوقع للمخالف شبهة وهو قوله "فإن غم عليكم فاقدروا له" فاحتمل أن يكون المراد التفرقة بين حكم الصحو والغيم فيكون التعليق على الرؤية متعلقاً بالصحو. وأما الغيم فله حكم آخر ويحتمل أن لا تفرقة ويكون الثاني مؤكداً للأول وإلى الأول، ذهب أكثر الحنابلة وإلى الثاني ذهب الجمهور. فقالوا: المراد بقوله فاقدروا له قدوراً له تمام العدد ثلاثين يوماً أي أنظروا في أول الشهر وأحسبوه تمام الثلاثين ويرجح هذا التأويل الروايات الأخر المصرحة بالمراد، وهي ما سيأتي من قوله فأكملوا العدة ثلاثين ونحوها، وأولى ما فسر الحديث بالحديث - انتهى. وحاصل ذلك أن النهي عن الصوم في ثلاثي شعبان حتى يروا الهلال عند الجمهور مطلق يعم الصحو والغيم وعند الحنابلة مقيد بحال الصحو. قال ابن قدامة (ج٣ ص٩٠) النهي عن صوم الشك محمول على حال الصحو وفي الجملة لا يجب الصوم إلا برؤية الهلال أو كمال شعبان ثلاثين يوماً أو يحول دون منظر الهلال غيم أو قتر - انتهى. وقد أشبع الكلام في ذلك الولي العراقي في طرح التثريب (ج٤ ص١٠٧، ١١٠) وسيأتي البسط منافي صوم يوم الشك في شرح حديث عمار. الخامس قد استدل بهذا الحديث من ذهب إلى أنه إذا رأى الهلال أهل بلد لزم جميع البلاد الصوم، لأنه ليس المراد رؤية جميع المسلمين بحيث يحتاج كل فرد إلى رؤيته بل المعتبر رؤية بعضهم كما تقدم، والمعنى لا تصوموا حتى توجد فيما بينكم الرؤية وتتحقق، فيدل هذا على أن رؤية بلد رؤية لجميع أهل البلاد فيلزم الحكم. قال الحافظ: قد تمسك بتعليق الصوم بالرؤية من ذهب إلى إلزام أهل البلد برؤية أهل بلد غيرها، ومن لم يذهب إلى ذلك قال: لأن قوله حتى تروه خطاب لأناس مخصوصين فلا يلزم غيرهم ولكنه مصروف عن ظاهره فلا يتوقف الحال على رؤية كل واحد فلا يتقيد بالبلد. وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب. أحدها لأهل كل بلده رؤيتهم وفي صحيح مسلم من حديث كريب عن ابن عباس ما يشهد له، وحكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحك سواه وحكاه الماوردى وجهاً للشافعية. ثانيها مقابلة إذا رؤى ببلدة لزم أهل البلاد كلها وهو المشهور عند المالكية، لكن حكى ابن عبد البر الإجماع على خلافة وقال: أجمعوا على أنه لا ترعى الرؤية فيما بعد من البلاد كخراسان والأندلس. قال القرطبي: قد قال شيوخنا إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع ثم نقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم. وقال ابن الماجشون: لا يلزمهم بالشهادة إلا لأهل البلد الذي يثبت
стр. 2910
................................
ــ
فيه الشهادة إلا أن يثبت عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم، لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد إذ حكمه نافذ في الجميع. وقال بعض الشافعية إن تقاربت البلاد كان الحكم واحداً وإن تباعدت فوجهان لا يجب عند الأكثر واختار أبوالطيب وطائفة الوجوب وحكاه البغوي عن الشافعي وفي ضبط البعد أوجه أحدها: اختلاف المطالع قطع به العراقيون والصيدلاني وصححه النوي في الروضة وشرح المهذب. ثانيها: مسافة القصر قطع به الإمام والبغوي وصححه الرافعي في الصغير والنووي في شرح مسلم. ثالثها: الاختلاف الأقاليم. رابعها حكاه السرخسي فقال: يلزم كل بلد لا يتصور خفاءه عنهم بلا عارض دون غيرهم. خامسها: قول ابن الماجشون المتقدم انتهى كلام الحافظ. قلت الإجماع الذي حكاه ابن عبد البر غير مسلم كيف، وقد ذهبت الحنابلة وأكثر الحنفية والمالكية وبعض الشافعية إلى إلزام جميع البلاد الصوم والإفطار برؤية أهل البلد وإلى عدم اعتبار القرب والبعد بينها في ذلك، وإلى عدم اعتبار اختلاف المطالع فيلزم أهل المشرق الصوم والإفطار برؤية أهل المغرب إذا ثبت عندهم رؤية أولئك بطريق موجب. وقال المحققون من الحنفية والمالكية وعامة الشافعية: إن كان بين البلدين مسافة قريبة لا تختلف المطالع لأجلها كبغداد والبصرة مثلاً لزم أهلهما الصوم برؤية الهلال في أحدهما وإن كان بينهما بعد كالعراق والحجاز والشام فلكل أهل بلد رؤيتهم. قال في الدر المختار: اختلاف المطالع غير معتبر على ظاهر المذهب وعليه أكثر المشائخ وعليه الفتوى فيلزم أهل المشرق برؤية أهل المغرب إذاً ثبت عندهم رؤية أولئك بطريق موجب (كأن يتحمل اثنان الشهادة أو يشهدا على حكم القاضي أو يستفيض الخبر) وقال الزيلعي (شارح الكنز) الأشبه أنه يعتبر لكن قال الكمال، الأخذ بظاهر الرواية أحوط - انتهى. وهكذا في النهر الفائق. وقال في مراقي الفلاح: إذا ثبت الهلال في بلدة لزم سائر الناس في ظاهر المذهب وعليه الفتوى وهو قول أكثر المشائخ فيلزم قضاء يوم على أهل بلدة صاموا تسعة وعشرين يوماً لعموم الخطاب وهو صوموا لرؤيته. وقيل: يختلف (أي الحكم) باختلاف المطالع واختاره صاحب التجريد وغيره كما إذا زالت الشمس عند قوم وغربت عند غيرهم فالظهر على الأولين لا المغرب لعدم انعقاد السبب في حقهم- انتهى ملخصاً. وقال المفتي أبوالسعود في شرح مراقي الفلاح: قوله كما ذهب إليه صاحب التجريد وهو الأشبه لأن انفصال الهلال من شعاع الشمس يختلف باختلاف الأقطار كما في دخول الوقت وخروجه، وهذا مثبت في علمك الأفلاك والهيئات، وأقل ما تختلف به المطالع مسيرة شهر كما في الجواهر- انتهى ملخصاً. وفي التتار خانية: الأهل بلدة إذا رأوا الهلال هل يلزم في حق كل بلدة؟ اختلف المشائخ في فبعضهم قالوا: لا يلزمه. فإنما المعتبر في حق أهل بلدة رؤيتهم وفي الخانية لا عبرة باختلاف المطالع في ظاهر الرواية وفي القدوري إن كان بين البلدتين تفاوت تختلف
следующие страницы →