Полный текст (4 545 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
أزواجاً تقر بهم أعيننا، وتقر أعينهم بنا)) . روى البيهقي الأحاديث الثلاثة. في شعب الإيمان.
١٩٨٨- (١٣) وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: ((يغفر لأمته في آخر ليلة في رمضان،
ــ
الصالحين الصائمين القائمين (تقر) بفتح القاف وتشديد الراء أي تتلذذ (بهم) أي بطلعتهم وصحبتهم (أعيننا) أي أبصارنا قال الطيبي: هو من القر بمعنى البرد، وحقيقة قولك قر الله عينه جعل دمع عينه بارداً وهو كناية عن السرور فإن دمعته باردة. أو من القرار فيكون كناية عن الفوز بالبغيبة، فإن من فاز بها قر نفسه ولا يستشرف عينه إلى مطلوبه لحصوله. والحديث ذكره العيني (ج١٠ ص٢٦٩) والهيثمي (ج٣ ص١٤٢) نسباه إلى الطبراني في الكبير. وقالا: فيه الوليد بن الوليد القلانسي الدمشقي ضعفه الدارقطني وغيره ووثقه أبوحاتم بقوله صدوق، ونسبه على المتقي في الكنز إلى الطبراني وأبي نعيم في الحلية، والدارقطني في الأفراد. والبيهقي في الشعب، وتمام في فوائده. وابن عساكر، وقال فيه الوليد بن الوليد الدمشقي. قال أبوحاتم: صدوق. وقال الدارقطني وغيره: متروك- انتهى. وله شاهد من حديث أبي مسعود الغفاري أخرجه ابن خزيمة: في صحيحه، وأشار إلى ضعفه كما سيأتي والبيهقي من طريقه وضعفه، وأبوالشيخ في الثواب وأبويعلى والطبراني، وفي سنده جرير بن أيوب البجلي. قال ابن خزيمة: في القلب من جرير بن أيوب شيء. وقال المنذري: جرير بن أيوب هذا واه - انتهى. وقال العيني (ج١٠ ص٢٦٨) بعد ذكر هذا الحديث: هذا حديث منكر وباطل، وفي سنده جرير بن أيوب البجلي كوفي كان يضع الحديث، قاله وكيع وأبونعيم الفضل بن دكين. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال البخاري وأبوزرعة: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث - انتهى. قلت: أورد هذا الحديث ابن الجوزي في الموضوعات، وقال هو موضوع آفته جرير بن أيوب، واستدرك عليه السيوطي. وقال صاحب الكنز: لم يصب ابن الجوزي، وقال الشوكاني: بعد ذكر كلام ابن الجوزي المتقدم: وسياقه مما يشهد العقل بأنه موضوع فلا معنى لاستدراك السيوطي له على ابن الجوزي، بأنه قد رواه غير من رواه عنه ابن الجوزي، فإن الموضوع لا يخرج عن كونه موضوعاً برواية الرواة - انتهى. ولحديث الباب شاهد آخر من حديث ابن عباس ذكره المنذري ونسبه للبيهقي، وأبي الشيخ ابن حبان، وقال: ليس في إسناده من أجمع على ضعفه.
١٩٨٨- قوله: (يغفر لأمته) أي لجميع الصائمين منهم. قال الطيبي: هذا حكاية معنى ما تلفظ به ﷺ لا لفظه أي الذي هو يغفر لأمتي. قلت: الذي في مسند الإمام أحمد يغفر لهم، وهكذا وقع عند غيره ممن خرج هذا الحديث، فقوله لأمته من تصرف المصنف. والأولى أن يقول لأمتي كما يدل عليه أول الحديث (في آخر ليلة في رمضان) قال القاري: وفي نسخة "من رمضان". قلت: هذا اللفظ ههنا من زيادة المصنف زادها لتعيين الليلة.
стр. 2907
قيل يا رسول الله! أهي ليلة القدر؟ قال: لا، ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله)) . رواه أحمد.
(١) باب رؤية الهلال
﴿الفصل الأول﴾
١٩٨٩- (١) عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تصوموا
ــ
ولدلالة السياق عليها والمراد مغفرته الكاملة ورحمته الشاملة فلا ينافي ما سبق من أن أوسطه مغفرة (قيل يا رسول الله! أهي ليلة القدر؟ قال لا) أي ليس سبب المغفرة كونها ليلة القدر بل سببها كونها آخر ليلة، ويمكن أن تكون غيرها من بقية ليالي العشر الأخير (ولكن) بالتشديد ويخفف (العامل) أي ولكن سببها إن العامل (إنما يوفى) من التوفية أي يعطي وافياً (أجره) بالنصب على أنه مفعول ثان وفي نسخة بالرفع على أنه نائب الفاعل والمفعول الثاني مقدر أي إياه (إذا قضى عمله) أي فرغ منه. وقال الطيبي: قوله ولكن العامل الخ. استدرك لسؤالهم عن سبب المغفرة كأنهم ظنوا أن الليلة الأخيرة هي ليلة القدر سبب للغفران فبيين ﷺ إن سببها فراغ العبد من العمل وهو مطرد في كل عمل والله أعلم - انتهى. (رواه أحمد) هو طرف من حديث طويل أخرجه أحمد (ج٢ ص٢٩٢) والبزار والبيهقي ومحمد بن نصر في قيام الليل (ص١٠٨) وأبوالشيخ بن حبان في كتاب الثواب من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ، أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم تعطها أمة قبلهم. خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا ويزين الله عزوجل كل يوم جنته ثم يقول يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا إليك ويصفد فيه مردة الشياطين فلا يخلصوا إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره ويغفر لهم في آخر ليلة - الحديث. قال الهيثمي (ج٣ ص١٤٠) : فيه هشام بن أبوالمقدام وهو ضعيف وأشار المنذري إلى ضعف إسناده بتصديره بلفظة: روى، وإهمال الكلام عليه في آخره. وله شاهد من حديث جابر عند البيهقي ذكره المنذري بعد حديث أبي هريرة هذا. وقال إسناده مقارب أصلح مما قبله.
(باب رؤية الهلال) أي الأحكام المتعلقة بها. قال الزرقاني الأكثر على أن الهلال القمر في حالة خاصة. قال الأزهري: يسمى القمر لليلتين من أول الشهر هلالاً، وفي ليلة ست وسبع وعشرين أيضاً هلالاً وما بين ذلك يسمى قمراً وقال الجوهري: الهلال لثلاث ليال من أول الشهر ثم هو قمر بعد ذلك. وقيل: الهلال هو الشهر بعينه. قال الراغب: الهلال القمر في أول ليلة، والثانية، ثم يقال له القمر ولا يقال له هلال - انتهى.
١٩٨٩- قوله: (لا تصوموا) أي في ثلاثي شعبان عن رمضان ففي رؤية إن رسول الله ﷺ ، ذكر رمضان
стр. 2908
حتى تروا الهلال،
ــ
فقال لا تصوموا (حتى تروا الهلال) أي هلال رمضان وهذا إذا لم يكمل شعبان ثلاثين يوماً فيجب الصوم عن رمضان، وإن لم يروا هلاله، ثم إنه يتعلق بالحديث أمور يجب التنبيه عليها. الأول إن ظاهره اشتراط رؤية الجميع من المخاطبين، لكن قام الإجماع على عدم وجوب ذلك، بل المراد رؤية بعضهم وهو من يتحقق به الرؤية ويثبت. والمعنى حتى يثبت عندكم رؤية الهلال. قال الحافظ: ليس المراد تعليق الصوم بالرؤية بعضهم، وهو من يثبت به ذلك. أما واحد على رأي الجمهور أو اثنان على رأي أخرين، ووافق الحنفية على الأول إلا أنهم خصوا ذلك بما إذا كان في السماء علة من غيم وغيره، وإلا متى كان صحو لم يقبل إلا من جميع كثير يقع العلم بخبرهم - انتهى. وسيأتي بسط الكلام فيه. الثاني إن ظاهره الصوم من وقت الرؤية لكن ليس ذلك بمراد كما أنه ليس المراد الإفطار من وقت الرؤية، حتى يلزم أن يفطر قبل الغروب، إذا رأى الهلال في ذلك الوقت. بل المراد الإفطار والصوم على الوجه المشروع، فلا بد في كل منهما من معرفة ذلك الوقت. قال الحافظ: ظاهر الحديث إيجاب الصوم حين الرؤية متى وجدت ليلاً أو نهاراً، لكنه محمول على صوم اليوم المستقبل. وبعض العلماء، فرق بين ما قبل الزوال أو بعده، خالف الشيعة الإجماع فأوجبوه مطلقاً - انتهى. قلت: فرق بين ما قبل الزوال وبعده الثوري وأبويوسف وروى ذلك عن عمر. قال الباجي: لا خلاف بين الناس إنه إذا رؤى بعد الزوال فإنه لليلة القادمة. وأما إذا رؤى قبل الزوال فإن مالكاً والشافعي وأباحنيفة وجمهور الفقهاء يقولون: إنه لليلة القادمة لحديث أبي وائل أتانا كتاب عمر أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهاراً فلا تفطروا حتى يشهدو رجلان أنهما أهلاه بالأمس. وقال الثوري وابن وهب وأبويوسف وابن حبيب للماضية لما رواه النخعي عن عمر إذا رأيتم الهلال قبل الزوال فافطروا، وإذا رأيتموه بعده فلا تفطروا وهذا مفصل والأول مجمل لأنه قال نهاراً، لكن قال ابن عبد البر والأول أصح لأنه متصل والثاني منقطع فالنخعي لم يدرك عمر. قال الباجي: قال أبوبكر بن الجهم هذا لا يثبت عن عمر رواه شباك وهو مجهول قال وهذا الخلاف إنما هو إذا رؤي في يوم ثلاثين ولا يصح أن يصح أن يكون قبل ذلك - انتهى. وبسط الكلام في ذلك الشامي في رد المختار (ج٢ ص١٣٠) وابن رشد في البداية (ج١ ص١٩٤) وابن قدامة في المغنى (ج٣ ص١٦٨) . الثالث إنه جعل تحقق الرؤية غاية لعدم الصوم فلو ثبتت الرؤية لليلة الماضية وجبت الصوم من حين ثبوتها. قال ابن قدامة (ج٣ ص١٣٣) إذا أصبح مفطراً يعتقد أنه من شعبان فقامت البينة بالرؤية لزمه الإمساك والقضاء في قول عامة الفقهاء، إلا ما روى
стр. 2909
...............................
ــ
عن عطاء أنه يأكل بقية يومه. قال ابن عبد البر: لا نعلم أحداً قاله غير عطاء، الرابع إن الحديث ظاهر في النهي عن ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال أي إذا لم يكمل عدد الشعبان ثلاثين يوماً فيدخل فيه صورة الغيم وغيرها قال الحافظ: ولو وقع الاقتصار على هذه الجملة لكفى ذلك لمن تمسك به أي على منع الصوم في كل صورة لم ير فيها الهلال لكن اللفظ الذي رواه أكثر الرواة أوقع للمخالف شبهة وهو قوله "فإن غم عليكم فاقدروا له" فاحتمل أن يكون المراد التفرقة بين حكم الصحو والغيم فيكون التعليق على الرؤية متعلقاً بالصحو. وأما الغيم فله حكم آخر ويحتمل أن لا تفرقة ويكون الثاني مؤكداً للأول وإلى الأول، ذهب أكثر الحنابلة وإلى الثاني ذهب الجمهور. فقالوا: المراد بقوله فاقدروا له قدوراً له تمام العدد ثلاثين يوماً أي أنظروا في أول الشهر وأحسبوه تمام الثلاثين ويرجح هذا التأويل الروايات الأخر المصرحة بالمراد، وهي ما سيأتي من قوله فأكملوا العدة ثلاثين ونحوها، وأولى ما فسر الحديث بالحديث - انتهى. وحاصل ذلك أن النهي عن الصوم في ثلاثي شعبان حتى يروا الهلال عند الجمهور مطلق يعم الصحو والغيم وعند الحنابلة مقيد بحال الصحو. قال ابن قدامة (ج٣ ص٩٠) النهي عن صوم الشك محمول على حال الصحو وفي الجملة لا يجب الصوم إلا برؤية الهلال أو كمال شعبان ثلاثين يوماً أو يحول دون منظر الهلال غيم أو قتر - انتهى. وقد أشبع الكلام في ذلك الولي العراقي في طرح التثريب (ج٤ ص١٠٧، ١١٠) وسيأتي البسط منافي صوم يوم الشك في شرح حديث عمار. الخامس قد استدل بهذا الحديث من ذهب إلى أنه إذا رأى الهلال أهل بلد لزم جميع البلاد الصوم، لأنه ليس المراد رؤية جميع المسلمين بحيث يحتاج كل فرد إلى رؤيته بل المعتبر رؤية بعضهم كما تقدم، والمعنى لا تصوموا حتى توجد فيما بينكم الرؤية وتتحقق، فيدل هذا على أن رؤية بلد رؤية لجميع أهل البلاد فيلزم الحكم. قال الحافظ: قد تمسك بتعليق الصوم بالرؤية من ذهب إلى إلزام أهل البلد برؤية أهل بلد غيرها، ومن لم يذهب إلى ذلك قال: لأن قوله حتى تروه خطاب لأناس مخصوصين فلا يلزم غيرهم ولكنه مصروف عن ظاهره فلا يتوقف الحال على رؤية كل واحد فلا يتقيد بالبلد. وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب. أحدها لأهل كل بلده رؤيتهم وفي صحيح مسلم من حديث كريب عن ابن عباس ما يشهد له، وحكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحك سواه وحكاه الماوردى وجهاً للشافعية. ثانيها مقابلة إذا رؤى ببلدة لزم أهل البلاد كلها وهو المشهور عند المالكية، لكن حكى ابن عبد البر الإجماع على خلافة وقال: أجمعوا على أنه لا ترعى الرؤية فيما بعد من البلاد كخراسان والأندلس. قال القرطبي: قد قال شيوخنا إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع ثم نقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم. وقال ابن الماجشون: لا يلزمهم بالشهادة إلا لأهل البلد الذي يثبت
стр. 2910
................................
ــ
فيه الشهادة إلا أن يثبت عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم، لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد إذ حكمه نافذ في الجميع. وقال بعض الشافعية إن تقاربت البلاد كان الحكم واحداً وإن تباعدت فوجهان لا يجب عند الأكثر واختار أبوالطيب وطائفة الوجوب وحكاه البغوي عن الشافعي وفي ضبط البعد أوجه أحدها: اختلاف المطالع قطع به العراقيون والصيدلاني وصححه النوي في الروضة وشرح المهذب. ثانيها: مسافة القصر قطع به الإمام والبغوي وصححه الرافعي في الصغير والنووي في شرح مسلم. ثالثها: الاختلاف الأقاليم. رابعها حكاه السرخسي فقال: يلزم كل بلد لا يتصور خفاءه عنهم بلا عارض دون غيرهم. خامسها: قول ابن الماجشون المتقدم انتهى كلام الحافظ. قلت الإجماع الذي حكاه ابن عبد البر غير مسلم كيف، وقد ذهبت الحنابلة وأكثر الحنفية والمالكية وبعض الشافعية إلى إلزام جميع البلاد الصوم والإفطار برؤية أهل البلد وإلى عدم اعتبار القرب والبعد بينها في ذلك، وإلى عدم اعتبار اختلاف المطالع فيلزم أهل المشرق الصوم والإفطار برؤية أهل المغرب إذا ثبت عندهم رؤية أولئك بطريق موجب. وقال المحققون من الحنفية والمالكية وعامة الشافعية: إن كان بين البلدين مسافة قريبة لا تختلف المطالع لأجلها كبغداد والبصرة مثلاً لزم أهلهما الصوم برؤية الهلال في أحدهما وإن كان بينهما بعد كالعراق والحجاز والشام فلكل أهل بلد رؤيتهم. قال في الدر المختار: اختلاف المطالع غير معتبر على ظاهر المذهب وعليه أكثر المشائخ وعليه الفتوى فيلزم أهل المشرق برؤية أهل المغرب إذاً ثبت عندهم رؤية أولئك بطريق موجب (كأن يتحمل اثنان الشهادة أو يشهدا على حكم القاضي أو يستفيض الخبر) وقال الزيلعي (شارح الكنز) الأشبه أنه يعتبر لكن قال الكمال، الأخذ بظاهر الرواية أحوط - انتهى. وهكذا في النهر الفائق. وقال في مراقي الفلاح: إذا ثبت الهلال في بلدة لزم سائر الناس في ظاهر المذهب وعليه الفتوى وهو قول أكثر المشائخ فيلزم قضاء يوم على أهل بلدة صاموا تسعة وعشرين يوماً لعموم الخطاب وهو صوموا لرؤيته. وقيل: يختلف (أي الحكم) باختلاف المطالع واختاره صاحب التجريد وغيره كما إذا زالت الشمس عند قوم وغربت عند غيرهم فالظهر على الأولين لا المغرب لعدم انعقاد السبب في حقهم- انتهى ملخصاً. وقال المفتي أبوالسعود في شرح مراقي الفلاح: قوله كما ذهب إليه صاحب التجريد وهو الأشبه لأن انفصال الهلال من شعاع الشمس يختلف باختلاف الأقطار كما في دخول الوقت وخروجه، وهذا مثبت في علمك الأفلاك والهيئات، وأقل ما تختلف به المطالع مسيرة شهر كما في الجواهر- انتهى ملخصاً. وفي التتار خانية: الأهل بلدة إذا رأوا الهلال هل يلزم في حق كل بلدة؟ اختلف المشائخ في فبعضهم قالوا: لا يلزمه. فإنما المعتبر في حق أهل بلدة رؤيتهم وفي الخانية لا عبرة باختلاف المطالع في ظاهر الرواية وفي القدوري إن كان بين البلدتين تفاوت تختلف
стр. 2911
..............................
ــ
به المطالع لا يلزمه وذكر الشيخ شمس الأئمة الحلواني أنه الصحيح من مذهب أصحابنا - انتهى. وقال الزيلعي في شرح الكنز: أكثر المشائخ على أنه لا يعتبر باختلاف المطالع. والأشبه أن يعتبر لأن كل قوم مخاطبون بما عندهم. وانفصال الهلال عن شعاع الشمس يختلف باختلاف الأقطار. والدليل على اعتباره ما روى عن كريب أن أم الفضل بعثته إلى معاوية - الحديث انتهى. وقال في مختارات النوازل أهل بلدة صاموا تسعة وعشرين يوماً بالرؤية وأهل بلدة أخرى صاموا ثلاثين يوماً بالرؤية، فعلى الأولين قضاء يوم إذا لم تختلف المطالع بينهما. وأما إذا اختلفت لا يجب القضاء- انتهى. وقال ابن عابدين: أعلم أن نفس اختلاف المطلع لا نزاع فيه بمعنى أنه قد يكون بين البلدتين بعد بحيث يطلع الهلال ليلة كذا في إحدى البلدتين دون الأخرى وكذا مطالع الشمس، لأن انفصال الهلال عن شعاع الشمس يختلف باختلاف الأقطار حتى إذا زالت الشمس في المشرق لا يلزم أن تزول في المغرب وكذا طلوع الفجر وغروب الشمس بل كلما تحركت الشمس درجة فتلك طلوع فجر لقوم وطلوع شمس لآخرين وغروب لبعض، ونصف ليل لغيرهم كما في الزيلعي. وقدر البعد الذي تختلف فيه المطالع مسيرة شهر فأكثر على ما في القهستاني عن الجواهر، وإنما الخلاف في اعتبار المطالع بمعنى أنه هل يجب على كل قوم مطلعهم ولا يلزم أحداً العمل بمطلع غيره أم لا يعتبر اختلافها، بل يجب العمل بالأسبق رؤية حتى لو رؤى في المغرب ليلة الجمعة، وفي المشرق ليلة السبت، وجب على أهل المشرق العمل بما رآه أهل المغرب. فقيل: بالأول واعتمده الزيلعي وصاحب الفيض وهو الصحيح عند الشافعية، لأن كل قوم مخاطبون بما عندهم كما في أوقات الصلاة وأيده في الدرر بما مر من عدم وجوب العشاء والوتر على فاقد وقتهما، وظاهر الرواية الثاني وهو المعتمد عندنا وعند المالكية والحنابلة لتعلق الخطاب عاماً بمطلق الرؤية في حديث صوموا لرؤيته بخلاف أوقات الصلاة - انتهى. قلت: لا مناص من اعتبار اختلاف المطالع في باب الصوم أيضاً وقد أضطر إلى الاعتراف به صاحب فتح الملهم حيث قال: بعد تقوية مذهب عامة الحنفية أي القول بعدم اعتباره ما لفظه، نعم! ينبغي أن يعتبر اختلافها إن لزم منه التفاوت بين البلدتين بأكثر من يوم واحد، لأن النصوص مصرحة بكون الشهر تسعة وعشرين أو ثلاثين فلا تقبل الشهادة ولا يعمل بها فيما دون أقل العدد ولا في أزيد من أكثره - انتهى. وقال صاحب العرف الشذى: في عامة كتبنا أنه لا عبرة لاختلاف المطالع في الصوم. وأما في فطر كل يوم والصلوات الخمس (وكذا الحج والأضحية) فيعتبر اختلاف المطالع. وقال الزيلعي. شارح الكنز. إن عدم عبرة اختلاف المطالع إنما هو في البلاد المتقاربة لا النائية. وقال كذلك في تجريد القدوري وقال به الجرجاني. أقول لا بد من تسليم قول الزيلعي وإلا فيلزم وقوع العيد يوم السابع والعشرين، أو الثامن والعشرين، أو الحادي والثلاثين أو الثاني والثلاثين. فإن هلال بلاد قسطنطينية ربما يتقدم على هلالنا بيومين فإذا صمنا على هلالنا ثم بلغنا رؤية هلال بلاد قسطنطينة يلزم تقديم العيد،
стр. 2912
.................................
ــ
أو يلزم تأخير العيد. إذا صام رجل من بلاد قسطنطينية ثم جاءنا قبل العيد- انتهى. وقال في حاشية شرح الإقناع من فروع الشافعية: وتثبت رؤيته في حق من لم يره ممن مطلعه موافق مطلع محل الرؤية بأن يكون غروب الشمس والكواكب وطلوعها في البلدين في وقت واحد، فإن غرب شيء من ذلك أو طلع في أحد البلدين قبله في الآخر لم يجب على من لم يره برؤية البلد الآخر وهذا أمر مرجعه إلى طول البلد وعرضها، سواء قربت المسافة أو بعدت. نعم! متى حصلت الرؤية للبلد الشرقي لزم رؤيته في البلد الغربي دون عكسه. كما في مكة المشرفة ومصر، فيلزم من رؤيته بمكة في مصر لا عكسه. لأن رؤية الهلال من أفراد الغروب - انتهى. قلت: قد استدل من اعتبر اختلاف المطالع في باب الصوم بما روى أحمد ومسلم والترمذي وأبوداود والنسائي وغيرهم عن كريب إن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل على رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال فقال متى رأيتم الهلال فقال رأيناه ليلة الجمعة فقال: أنت رأيته فقلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، أو نراه فقلت: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ . قال النووي: هذا الحديث ظاهر الدلالة على أنهم إذا رأوا، الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم. قال: وقال بعض أصحابنا تعم الرؤية في موضع جميع أهل الأرض، وعلى هذا إنما لم يعمل ابن عباس بخبر كريب لأنه شهادة فلا تثبت بواحد لكن ظاهر حديثه إنه لم يرده لهذا أو إنما رده، لأن الرؤية لا يثبت حكمها في حق البعيد - انتهى. وقال السندي في حاشية النسائي: قوله هكذا أمرنا رسول الله ﷺ يحتمل أن المراد به أنه أمرنا أن لا نقبل شهادة الواحد في حق الإفطار أو أمرنا أن نعتمد على رؤية أهل بلدنا ولا نعتمد على رؤية غيرهم، وإلى المعنى الثاني تميل ترجمة المصنف "اختلاف أهل الآفاق في الرؤية" وغيره (كالترمذي وأبي داود والمجد بن تيمية) لكن المعنى الأول محتمل فلا يستقيم الاستدلال وكأنهم رأوا أن المتبادر هو الاحتمال الثاني فبنوا عليه الاستدلال والله تعالى أعلم. وأطال الشوكاني الكلام في الجواب عن هذا الاستدلال، وتعقبه بوجوه من شاء الوقوف عليها رجع إلى النيل، وقد ذكر كلامه شيخنا في شرح الترمذي وسكت عليه، وعندي كلام الشوكاني مبني على التحامل يرده ظاهر سياق الحديث. والشام في جهة الشمالية من المدينة مائلاً إلى المشرق وبينهما قريب من سبعمائة ميل، فالظاهر إن ابن عباس ﵁ إنما لم يعتمد على رؤية أهل الشام، واعتبر اختلاف المطالع لأجل هذا البعد الشاسع. واختلف القائلون باعتبار اختلاف المطالع في تحديد المسافة التي يعتبر فيها اختلاف المطالع وأكثر الفقهاء على أنها مسيرة شهر كما تقدم، وفي تحديد هذه المسافة بالميل إشكال لا يخفى وينبغي أن يرجع لذلك إلى علم الهيئة الجديدة ويعتمد على الجغرافيا الحديثة. وقد قالوا: إن كان الهلال في بلد على ارتفاع ثمان درجات من الأفق عند الغروب
стр. 2913
ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم
ــ
الشمس يعني إن كان ارتفاعه من الأفق عند غروبها بحيث أنه لا يغرب إلا في اثنتين وثلاثين دقيقة فلا بد أن يكون فوق الأفق في جميع البلاد الشرقية إلى خمس مائة ميل وستين ميلاً من ذلك البلد، ويرى في جميع هذه البلاد الشرقية الكائنة في هذه المسافة الطويلة لولا المانع من الغيم والقتر ونحوهما قالوا: يزيد أو ينقص درجة واحدة على كل سبعين ميلاً فيكون الهلال على ارتفاع سبع درجات في موضع هو على سبعين ميلاً في المشرق من بلد الرؤية، وعلى تسع درجات في موضع هو على سبعين ميلاً في المغرب من بلد الرؤية، فإذا حصلت رؤية الهلال في بلد وثبتت يكون تحقق الرؤية في البلاد الواقعة في المغرب من ذلك البلد من مسلمات علم الهيئة. وقد ظهر بهذا أن الهلال إذا رؤى في بلد عربي ينبغي أن تعتبر هذه الرؤية إلى خمس مائة ميل وستين ميلاً في جهة المشرق من ذلك البلد، وأما في البلاد الغربية منه فتعتبر مطلقاً أي من غير تقييد بمسافة معينة والله تعالى أعلم (ولا تفطروا) أي من صومه (حتى تروه) أي هلال شوال. قال الحافظ: استدل بالحديث على وجوب الصوم والفطر على من رأى الهلال وحده وإن لم يثبت بقوله وهو قول الأئمة الأربعة في الصوم. واختلفوا في الفطر. فقال الشافعي: يفطر ويخفيه أي لئلا يتهم. وقال الأكثر يستمر صائماً احتياطاً - انتهى. وقال في المغنى: (ج٣ ص١٦٠) ولا يفطر إذ رآه وحده، وروى هذا عن مالك والليث. وقال الشافعي: يحل له أن يأكل حيث لا يراه أحد لأنه تيقنه من شوال فجاز له الأكل كما لو قامت به بينة. ولنا ما روى أبورجاء عن أبي قلابة أن رجلين قدما المدينة، وقد رأيا الهلال وقد أصبح الناس صياماً فأتيا عمر فذكرا ذلك له فقال: لأحدهما أصائم أنت؟ قال: بل مفطر، قال ما حملك على هذا قال لم أكن لأصوم، وقد رأيت الهلال. وقال: للآخر، قال أنا صائم ما حملك على هذا. قال: لم أكن لأفطر والناس صيام فقال للذي أفطر لولا مكان هذا لأوجعت رأسك ثم نودي في الناس أن أخرجوا، أخرجه سعيد بن منصور عن ابن علية عن أيوب عن أبي رجاء. وإنما أراد ضربه لإفطاره برؤيته، ودفع عنه الضرب لكمال الشهادة به وبصاحبه ولو جاز له الفطر لما أنكر عليه ولا توعده. وقالت عائشة: إنما يفطر يوم يفطر الإمام وجماعة المسلمين ولم يعرف لهما مخالف في عصرهما فكان إجماعاً، ولأنه يوم محكوم به رمضان فلم يجز الفطر فيه كاليوم الذي قبله، وفارق ما إذا قامت البينة فإنه محكوم به من شوال بخلاف مسألتنا، وقولهم إنه تيقن أنه من شوال. قلنا لا يثبت اليقين لأنه يحتمل أن يكون الرائي خيل إليه. كما روى أن رجلاً في زمن عمر قال لقد رأيت الهلال فقال له أمسح عينك فمسحها ثم قال له تراه قال لا، قال لعل شعرة من حاجبتك تقوست على عينك فظننتها هلالاً أو ما هذا معناه - انتهى. وقال الحنفية: يصوم في الصورتين احتياطاً كما في الهداية. قلت: يؤيد قول الجمهور ما روى عن عائشة مرفوعاً الفطر يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحي الناس أخرجه الترمذي وصححه والدارقطني. وقال الصواب وقفه (فإن غم عليكم) بضم المعجمة وتشديد الميم أي غطى الهلال في ليلة الثلاثين. قال الجزري في النهاية: يقال
стр. 2914
فاقدروا له،
ــ
غم علينا الهلال إذا حال دون رؤيته غيم أو نحوه من غممت الشيء إذا غطيته وفي غم ضمير الهلال، ويجوز أن يكون غم مسنداً إلى الظروف أي الجار والمجرور أي فإن كنتم مغموماً فأكملوا العدة - انتهى. وهذا لفظ البخاري، وعند مسلم أغمي عليكم. قال الحافظ: أغمى وغم وغمي بتشديد الميم وتخفيفها فهو مغموم الكل بمعنى. وقال الجزري في جامع الأصول (ج٧ ص٥٣٨) يقال غُمَّ الهلال واُغمِيّ وغُمِّيَ إذ أغطاه شيء من غيم أو غيره فلم يظهر- انتهى. وقال ابن العربي: بناء غم للستر والتغطية ومنه الغم فإنه يغطى القلب عن استرساله في آماله ومنه الغمام وهي السحابة (فاقدروا له) بهمزة الوصل وضم الدال وكسرها. قال الشوكاني قال أهل اللغة: يقال قدرت الشيء أقدره وأقُدره بكسر الدال وضمها وقدرته وأقدرته كلها بمعنى واحد وهي من التقدير. وقال الجزري في جامع الأصول. يقال: قَدَرْتُ الأمر أقُدره وأُقَدِّره إذا نظرت فيه ودبرته، والمعنى قدروا عدد الشهر حتى تكملوه ثلاثين يوماً. وقال الخطابي في المعالم: معناه التقدير له بإكمال العدد ثلاثين يقال قدرت الشيء أقدره قدراً بمعنى قدّرته تقديراً ومنه قوله تعالى: ﴿فقدرنا فنعم القادرون﴾ [المرسلات:٢٣]- انتهى. واختلف في معنى هذا اللفظ على ثلاثة أقوال. الأول إن معناه قدروا له تمام العدد ثلاثين يوماً أي أقدروا عدد الشهر الذي كنتم فيه ثلاثين يوماً يعني أنظروا في أول الشهر واحسبوا ثلاثين يوماً كما جاء مفسراً في الرواية اللاحقة، وفي حديث أبي هريرة الذي يليها، ولذا أخرهما المؤلف لأنهما مفسران وأولى ما فسر الحديث بالحديث. وهذا مذهب الجمهور كما تقدم في كلام الحافظ. وقال العيني: وهو مذهب جمهور فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام والمغرب، منهم مالك والشافعي والأوزاعي والثوري وأبوحنيفة وأصحابه وعامة أهل الحديث إلا أحمد ومن قاله بقوله – انتهى. الثاني إن معناه ضيقوا له وقدروه تحت السحاب. قال ابن قدامة: (ج٣ ص٩٠) معنى قوله أقدروا له أي ضيقوا له العدد من قوله تعالى: ﴿ومن قدر عليه رزقه﴾ [الطلاق:٧] أي ضيق عليه وقوله ويبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. والتضييق له أن يجعل شعبان تسعة وعشرين يوماً. وقد فسره ابن عمر بفعله (يعني لأنه كان يصوم ذلك اليوم) وهو راويه. وأعلم بمعناه - انتهى. واختار هذا التفسير أكثر الحنابلة وغيرهم ممن يجوز الصوم يوم ليلة الغيم عن رمضان كما في المغنى (ج٣ ص٨٩) ويكفي في رد ذلك الأحاديث المفسرة المبينة والروايات المصرحة بالثلاثين وقد سردها الولي العراقي (ج٤ ص١٠٦، ١٠٩) والعيني (ج١٠ ص٢٧٢) وأشار إلى بعضها الحافظ كما سيأتي وفعل ابن عمر اجتهاد منه مخالف لأحاديث إكمال العدة ثلاثين يوماً. الثالث معناه فاقدروه بحساب المنازل قاله أبوالعباس بن سريج من الشافعية ومطرف بن عبد الله من التابعين وابن قتيبة. قال ابن عبد البر: لا يصح عن مطرف، وأو صح ما وجب إتباعه عليه لشذوذه فيه ولمخالفة الحجة له وأما ابن قتيبة فلا يعرج إليه في مثل هذا. ونقل
стр. 2915
وفي رواية قال: ((الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) . متفق عليه.
ــ
ابن العربي عن ابن سريج إن قوله فاقدروا له خطاب لمن خصه الله تعالى بهذا العلم وإن قوله فأكملوا العدة خطاب للعامة. قال ابن العربي: فصار وجوب رمضان عنده مختلف الحال يجب على قوم بحساب الشمس والقمر وعلى آخرين بحساب العدد قال وهذا بعيد عن النبلاء وبسط الكلام في الرد على هذا القول. قال المازري: احتج من قال معناه بحساب المنجمين بقوله تعالى: ﴿وبالنجم هم يهتدون﴾ [النحل:١٧] والآية عند الجمهور محمولة على الاهتداء في السير في البر والبحر. قال النووي: عدم البناء على حساب المنجمين لأنه حدس وتخمين وإنما يعتبر منه ما يعرف به القبلة والوقت - انتهى. قلت: ويرد هذا القول حديث ابن عمر الآتي إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب وقوله ﷺ بالخطاب العام صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وقوله في نفس الحديث لا تصوموا حتى تروه (وفي رواية قال الشهر تسع وعشرون ليلة) ظاهره حصر الشهر في تسع وعشرين مع أنه لا ينحصر فيه بل قد يكون ثلاثين. وأجيب بما قال الخطابي في المعالم: (ج٢ ص٩٣) يريد أن الشهر قد يكون تسعاً وعشرين وليس يريد أن كل شهر تسعة وعشرون. وإنما احتاج إلى بيان ما كان موهوماً أن يخفى عليهم لأن الشهر في العرف وغالب العادة ثلاثون، فوجب أن يكون البيان فيه مصروفاً إلى النادر دون المعروف منه - انتهى. وقال الحافظ: واللام للعهد والمراد شهر بعينه أو هو محمول على الأكثر الأغلب لقول ابن مسعود ما صمنا مع النبي ﷺ تسعاً وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين أخرجه أبوداود والترمذي ومثله عن عائشة عند أحمد بإسناد جيد. ويؤيد قول الخطابي قوله في حديث أم سلمة في الإيلاء إن الشهر يكون تسعة وعشرين يوماً. وقال ابن العربي: قوله الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا معناه حصره من جهة أحد طرفيه أي أنه يكون تسعة وعشرين وهو أقلة ويكون ثلاثين وهو أكثره فلا تأخذوا أنفسكم بصوم الأكثر احتياطاً ولا تقتصروا على الأقل تخفيفاً ولكن اجعلوا عبادتكم مرتبطة ابتداء وانتهاء باستهلاله - انتهى. وفيه حث على طلب الهلال ليلة الثلاثين وتنبيه على ترائية لتسع وعشرين (فلا تصوموا) أي على قصد رمضان (حتى تروه) أي هلاله (فإن غم) أي هلاله (عليكم) بغيم ونحوه (فأكملوا) أي أتموا (العدة) مفعول به أي عدة شعبان كما في حديث أبي هريرة الآتي (ثلاثين) أي يوماً وهو منصوب على الظرف. وقيل: التقدير أكملوا هذه العدة وثلاثين بدل منه بدل الكل كذا في المرقاة (متفق عليه) الرواية الأولى أخرجها الشيخان وأخرجها أيضاً أحمد (ج٢ ص٦٣) ومالك والنسائي والدارمي والبيهقي والرواية الثانية تفرد بها البخاري وأخرجها مسلم وأحمد (ج٢ ص٥، ١٣) ومالك أيضاً وأبوداود والبيهقي والدارمي. وقالوا: فإن غم عليكم فاقدروا له. ورواها الدارقطني وقال: فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين. والحديث أخرجه
стр. 2916
١٩٩٠- (٢) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم
ــ
ابن ماجه والحاكم أيضاً. قال الحافظ: حديث ابن عمر اتفق الرواة عن مالك عن نافع فيه على قوله فاقدروا له، وجاء من وجه آخر عن نافع بلفظ: فاقدروا ثلاثين كذلك أخرجه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع، وهكذا أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع. قال عبد الرزاق: وأخبرنا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع. وقال: فعدوا ثلاثين واتفق الرواة عن مالك عن عبد الله بن دينار أيضاً فيه على قوله فاقدروا له، وكذلك رواه الزعفراني وغيره عن الشافعي وكذا رواه إسحاق الحربي وغيره في الموطأ عن القعنبي، وأخرجه الربيع بن سليمان والمزني عن الشافعي فقال فيه كما قاله البخاري هنا عن القعنبي، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين. قال البيهقي في المعرفة: (وفي السنن الكبرى ج٤ ص٢٠٥) إن كانت رواية الشافعي والقعنبي من هذين الوجهين محفوظة فيكون مالك، قد رواه على الوجهين. قلت: (قائلة الحافظ) ومع غرابة هذا اللفظ من هذا الوجه فله متابعات منها ما رواه الشافعي أيضاً من طريق سالم عن ابن عمر بتعيين الثلاثين، ومنها ما رواه ابن خزيمة من طريق عاصم ابن محمد بن زيد عن أبيه عن ابن عمر بلفظ: فإن غم عليكم فكملوا ثلاثين، وله شواهد من حديث حذيفة عند ابن خزيمة، وأبي هريرة وابن عباس عند أبي داود والنسائي وغيرهما، وعن أبي بكر وطلق بن علي عند البيهقي وأخرجه من طرق عنهم وعن غيرهم- انتهى كلام الحافظ.
١٩٩٠- قوله: (صوموا) أي أنووا الصيام وبيتوا على ذلك أو صوموا إذا دخل وقت الصوم وهو من فجر الغد (لرؤيته) أي لأجل رؤية الهلال فاللام للتعليل ولا يلزم تقديم الصوم على الرؤية كما زعمت الروافض كما لا يقتضي قوله أكرم زيداً لدخوله تقديم الإكرام على الدخول، والضمير للهلال وإن لم يسبق له ذكر لدلالة السياق عليه على حد قوله حتى توارت بالحجاب. وقيل: اللام للتوقيت كهي في قوله: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ [الإسراء:٧٨] أي وقت دلوكها. وفيه أن الصوم بعد الرؤية بزمان طويل يتحقق، وأن الإقامة بعد تحقق الدلوك فلا جامع بينهما وفيه أيضاً إنه لا بد حينئذٍ من احتمال تجوز، وخروج عن الحقيقة لأن وقت الرؤية وهو الليل ليس محلاً للصوم. وأجيب عن هذا بأن المراد بقوله صوموا أي أنووا الصيام والليل كله ظرف للنية - انتهى. وفيه نظر لأن فيه المجاز الذي فر منه لأن الناوي ليس صائماً حقيقة بدليل أنه يجوز له الأكل والشرب بعد النية إلى أن يطلع الفجر. وقال ابن مالك وابن هشام: اللام في الآية والحديث بمعنى بعد أي بعد زوالها وبعد رؤية الهلال (وأفطروا) أي اجعلوا عيد الفطر (لرؤيته) أي لأجلها أو بعدها أو وقتها (فإن غم عليكم) قال الحافظ: وقع في حديث أبي هريرة من طريق المستملى فإن غم أي بضم المعجمة
стр. 2917
فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)) .
ــ
وتشديد الميم ومن طريق الكشمهيني أغمى ومن رواية السرخسي غبي بفتح الغين المعجمة وتخفيف الموحدة وأغمى وغم وغمى بتشديد الميم وتخفيفها وبضم المعجمة فيهما الكل بمعنى. وأما غبي فمأخوذ من الغباوة وهي عدم الفطنة وهي استعارة لخفاء الهلال. ونقل ابن العربي أنه روى عمى بالعين المهملة من العمى. قال وهو بمعناه لأنه ذهاب البصر عن المشاهدات أو ذهاب البصيرة عن المعقولات- انتهى. وقال القسطلاني: غبى بضم المعجمة وتشديد الموحدة المكسورة مبنياً للمفعول وللحموي فإن غبي بفتح المعجمة وكسر الموحدة كعلم. وقال عياض: غبي بفتح الغين وتخفيف الباء لأبي ذر وعند القابسي بضم الغين وشد الباء المكسورة وكذا قيده الأصيلي والأول أبين، ومعناه خفي عليكم وهو من الغباوة وهو عدم الفطنة استعارة لخفاء الهلال وللكشمهيني أغمى بضم الهمزة مبنياً للمفعول من الإغماء يقال أغمي عليه الخبر إذا استعجم وللمستملي غم بضم المعجمة وتشديد الميم - انتهى. (فأكملوا عدة شعبان) أي أتموا عدده (ثلاثين) أي فكذا رمضان بطريق الأولى وفيه تصريح بأن عدة الثلاثين المأمور بها في حديث ابن عمر المتقدم تكون من شعبان، لكن قد وقع الاختلاف في هذه الزيادة فرواها البخاري كما ترى بلفظ: فأكملوا عدة شعبان ثلاثين، وهذا أصرح ما ورد في ذلك. وقد قيل: إن آدم شيخه انفرد بذلك. قال الإسماعيلي في صحيحه الذي أخرجه على البخاري تفرد به البخاري عن آدم عن شعبة فقال: فيه فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً، وقد رويناه عن غندر وعبد الرحمن بن مهدي وابن علية وعيسى بن يونس وشبابة وعاصم بن علي والنضر ابن شميل ويزيد بن هارون كلهم عن شعبة لم يذكر أحد منهم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً. وإنما قالوا فيه فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين. قال الإسماعيلي: فيجوز أن يكون آدم رواه على التفسير من عنده وإلا فليس لانفراد البخاري عنه بهذا اللفظ من رواه عنه وجه - انتهى. قال الحافظ في الفتح: الذي ظنه الإسماعيلي صحيح فقد رواه البيهقي (ج٤ ص٢٠٥) من طريق إبراهيم بن يزيد عن آدم بلفظ: فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوماً يعني عدوا شعباً ثلاثين (وكذا رواه الدارقطني من طريق علي بن داود عن آدم ص٢٣٠) فوقع للبخاري إدراج التفسير في نفس الخبر ويؤيده رواية أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين فإنه يشعر بأن المأمور بعدده هو شعبان. وقد رواه مسلم من طريق الربيع بن مسلم عن محمد بن زياد بلفظ: فأكملوا العدد وهو يتناول كل شهر فدخل فيه شعبان وروى الدارقطني وصححه وابن خزيمة في صحيحه من حديث عائشة كان رسول الله ﷺ يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم لرؤية رمضان فإن غم عليه عد ثلاثين يوماً، ثم صام وأخرجه أبوداود وغيره أيضاً. وروى أبوداود والنسائي وابن خزيمة من طريق ربعى عن حذيفة مرفوعاً لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثم صوموا حتى تروا الهلال أو
стр. 2918
متفق عليه.
١٩٩١- (٣) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنا أمة أمية،
ــ
تكملوا العدة- انتهى. وقال صاحب التنقيح: أي ابن عبد الهادي المقدسي الحنبلي ما ذكره الإسماعيلي من أن آدم ابن أبي أياس يجوز أن يكون رواه على التفسير من عنده للخير فغير قادح في صحة الحديث لأن النبي ﷺ ، أما أن يكون قال اللفظين هو ظاهر اللفظ، وأما أن يكون قال: أحدهما وذكر الراوي اللفظ الآخر بالمعنى فإن اللام في قوله"فأكملوا العدة" للعهد أي عدة الشهر والنبي ﵊ لم يخص بالإكمال شهراً دون شهر، إذا غم فلا فرق بين شعبان وغيره إذ لو كان شعبان غير مراد من هذا الإكمال لبينه، لأن ذكر الإكمال عقيب قوله صوموا وأفطروا فشعبان وغيره مراد من قوله فأكملوا العدة فلا تكون رواية فأكملوا عدة شعبان مخالفة لرواية فأكملوا العدة بل مبينة لها. أحدهما: أطلق لفظاً يقتضي العموم في الشهر، والثاني ذكر فرداً من الأفراد قال ويشهد له حديث أخرجه أبوداود والترمذي (وأحمد والطحاوي والنسائي) عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس لا تصوموا قبل رمضان صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حال بينكم وبينه سحاب فكملوا العدة ثلاثين ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً قال الترمذي: حديث حسن صحيح ورواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما ورواه الطيالسي (ومن طريقه البيهقي) حدثنا أبوعوانة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حال بينكم وبينه غمامة أو ضبابة فأكملوا شهر شعبان ثلاثين ولا تستقبلوا رمضان بصوم يوم من شعبان. قال: وبالجملة فهذا الحديث نص في المسألة وهو صحيح كما قال الترمذي. قال: والذي دلت عليه الأحاديث في هذه المسألة وهو مقتضى القواعد إن كل شهر غم أكمل ثلاثين سواء في ذلك شعبان ورمضان وغيرهما وعلى هذا فقوله، فأكملوا العدة يرجع إلى الجملتين وهما قوله صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة أي غم عليكم في صومكم أو فطركم هذا هو الظاهر من اللفظ وباقي الأحاديث تدل على ذلك كقوله فإن غم عليكم فاقدروا له- انتهى. وذكر نحو ذلك الولي العراقي في طرح التثريب (ج٤ ص١٠٨- ١٠٩) (متفق عليه) واللفظ للبخاري كما عرفت، ورواه مسلم بلفظ: فصوموا ثلاثين يوماً وفي رواية له فأكملوا العدد وفي أخرى فعدوا ثلاثين والحديث أخرجه أيضاً أحمد والنسائي وابن ماجه والدارمي والدارقطني والبيهقي.
١٩٩١- قوله: (إنا) أي معاشر العرب. وقيل: أراد نفسه القدسية (أمة) أي جماعة. قال الجوهري: الأمة الجماعة. وقال الجزري: في جامع الأصول (ج٧ ص٥٣٩) الأمة الجيل من الناس (أمية) أي التي لا تكتب ولا تقرأ. قيل: هو منسوب إلى أمة العرب فإنهم غالباً لا يكتبون ولا يقرءون والكاتب فيهم نادر وقيل: منسوب إلى الأم لأن هذه صفة النساء غالباً أو باقون على الحالة التي ولدتنا عليها الأمهات لم نتعلم قراءة
стр. 2919
لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا وعقد الإبهام في الثالثة. ثم قال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا وهكذا يعني تمام الثلاثين.
ــ
ولا كتابة أي فلذلك ما كلفنا الله تعالى بحساب أهل النجوم ولا بالشهور الشمسية الخفية بل كلفنا بالشهور القمرية الجلية لكنها مختلفة كما بين بالإشارة مرتين فالعبرة حينئذٍ للرؤية. وقيل: منسوب إلى أم القرى وهي مكة أي أنا أمة مكية (لا نكتب ولا نحسب) بضم السين من باب نصر، وهذا تفسير وبيان لكونهم أمة أمية أي لا نعرف حساب النجوم وتسييرها فلم نكلف في تعريف مواقيت صومنا ولا عبادتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتابة إنما ربطت عبادتنا بأعلام واضحة وأمور ظاهرة لائحة يستوي في معرفة الحُسّاب وغيرهم. قال الحافظ: قيل للعرب أميون لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة قال الله تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم﴾ [الجمعة:٢] ولا يرد على ذلك أنه كان فيهم من يكتب ويحسب لأن الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة. والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضاً إلا النذر اليسير فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التيسير، واستمر الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً، ويوضحه قوله في الحديث الماضي فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ولم يقل فسلوا أهل الحساب. والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم، وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير في ذلك وهم الروافض، ونقل عن بعض الفقهاء موافقتهم. قال الباجي: وإجماع السلف الصالح حجة عليهم. وقال ابن بزيزة: هو مذهب باطل فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم لأنها حدس وتخمين ليس فيها قطع ولا ظن غالب مع أنه لو أربط الأمر بها لضاق إذ لا يعرفها إلا القليل - انتهى. ثم تمم ﵊ المعنى المذكور بإشارته بيده من غير لفظ إشارة يفهمها الأخرس والأعجمي (الشهر) مبتدأ (هكذا) مشار بها إلى نشر الأصابع العشر (وهكذا) ثانياً (وهكذا) ثالثاً خبره بالربط بعد العطف (وعقد الإبهام) أي أحد الإبهامين أو التقدير من إحدى اليدين أو إبهام اليمين على أن اللام عوض عن المضاف إليه (في الثالثة) أي في المرة الثالثة من فعله هكذا فصار الجملة تسعة وعشرين (ثم قال الشهر) أي تارة أخرى (هكذا وهكذا وهكذا) قال الطيبي: أي عقد الإبهام في المرة الأولى في الثالثة ليكون العدد تسعاً وعشرين، ولم يعقد الإبهام في المرة الثانية ليكون العدد ثلاثين. وقال الحافظ: أي أشار أولاً بأصابع يديه العشر جميعاً مرتين وقبض الإبهام في المرة الثالثة، وهذا المعبر عنه بقوله (وفي الرواية الأخرى) تسع وعشرون. وأشار مرة أخرى بهما ثلاث مرات وهو المعبر عنه بقوله ثلاثون (يعني تمام الثلاثين) تفسير من الراوي لفعله ﵊ هكذا وهكذا وهكذا في المرة الأخيرة. والتقدير قال الراوي يعني أي يريد ﷺ بكونه هنا لم يعقد
стр. 2920
يعني مرة تسعاً وعشرين، ومرة ثلاثين)) . متفق عليه.
١٩٩٢- (٤) وعن أبي بكرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((شهرا عيد لا ينقصان
ــ
الإبهام تمام الثلاثين، ثم زاد البيان فبين الكيفية في المرتين جميعاً والتقدير قال الراوي أيضاً زيادة في الإيضاح تأسّياً به ﷺ . (يعني) أي يريد ﷺ بمجموع ما ذكره أن الشهر يكون (مرة تسعاً وعشرين ومرة ثلاثين) قال ابن حجر: وإنما بالغ في البيان بما ذكر مع الإشارة المذكورة ليبطل الرجوع إلى ما عليه الحساب والمنجمون وبه يبطل ما مر عن ابن سريج ومن وافقه - انتهى. قال ابن بطال: في الحديث رفع لمراعاة النجوم بقوانين التعديل، وإنما المعول رؤية الأهلة وقد نهينا عن التكلف ولا شك إن مراعاة ما غمض حتى لا يدرك إلا بالظنون غاية التكلف. وفي الحديث مستدل لمن رأى الحكم بالإشارة المفهمة وأعمال أدلة الإيماء في النكاح والطلاق ونحوهما (متفق عليه) أي على أصل الحديث وإلا فقوله الشهر هكذا وهكذا إلى قوله تمام ثلاثين لفظ مسلم، ولفظ البخاري الشهر هكذا وهكذا يعني مرة تسعاً وعشرين ومرة ثلاثين. قال الحافظ: هكذا ذكره آدم شيخ البخاري مختصراً، وفيه اختصار عما رواه غندر عن شعبة أخرجه مسلم عن ابن المثنى وغيره عن غندر ثم ذكر اللفظ المذكور عن مسلم وفي رواية للبخاري الشهر هكذا وهكذا وخنس الإبهام في الثالثة والمصنف تبع في ذلك البغوي فإنه ذكر في المصابيح كذلك ولا يخفى ما فيه والحديث أخرجه أيضاً أحمد (ج٢ ص٢٣، ٥٢، ١٢٢و ١٢٩) وأبوداود والنسائي والبيهقي.
١٩٩٢- قوله: (شهرا عيد) أي شهر رمضان وشهر ذي الحجة وإنما سمي شهر رمضان شهر عيد بطريق المجاورة. قال السندي: عد شهر رمضان شهر عيد مع أن العيد بعده، والجواب أن المقارنة مجوزة للإضافة. وقال الحافظ: أطلق على رمضان أنه شهر عيد لقربه من العيد ونظيره قوله ﷺ : المغرب وتر النهار. أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر وصلاة المغرب ليلية جهرية وأطلق كونها وتر النهار لقربها (لا ينقصان) اختلف في معناه على أقوال فقيل: أي لا ينقصان في الفضيلة إن كانا تسعة وعشرين أو ثلاثين قاله إسحاق بن راهويه. والمراد أنه لا يكونان ناقصين في الثواب وإن وجدا ناقصين في عدد الحساب. فثواب تسع وعشرين كثواب ثلاثين منهما، وحاصله أنه لا يتفاوت أجر ثلاثين وتسعة عشرين كأنه أراد سد أن يخطر ذلك في قلب أحد. قال النووي: الأصح إن معناه لا ينقص أجرهما والثواب المرتب عليها وإن نقص عددهما هذا هو الصواب المعتمد، والمعنى إن كل ما ورد عنهما من الفضائل والأحكام حاصل، سواء كان رمضان ثلاثين أو تسعاً وعشرين، سواء صادف الوقوف اليوم التاسع أو غيره. قال الحافظ: ولا يخفى أن محل ذلك إذا لم يحصل تقصير في ابتغاء الهلال، وفائدة
стр. 2921
..................................
ــ
الحديث رفع ما يقع في القلوب من شك لمن صام تسعاً وعشرين أو وقف في غير يوم عرفة، وقد استشكل بعض العلماء إمكان الوقوف في الثاني اجتهاداً وليس مشكلاً لأنه ربما ثبتت الرؤية بشاهدين لأن أول ذي الحجة الخميس مثلا فوقفوا يوم الجمعة ثم تبين أنهما شهدا زوراً - انتهى. وقال الكرماني: استشكل ذكر ذي الحجة لأنه إنما يقع الحج في العشر الأول منه فلا دخل لنقصان الشهر وتمامه، وأجيب بأنه مؤول بأن الزيادة والنقص إذا وقعا في ذي القعدة يلزم منهما نقص عشر ذي الحجة الأول أو زيادته فيقفون الثامن أو العشر فلا ينقص أجر وقوفهم عما لا غلط فيه ذكره القسطلاني. وقال الطيبي: ظاهر سياق الحديث في بيان اختصاص الشهرين بمزية ليست في سائرها ليس المراد أن ثواب الطاعة في سائرها قد ينقص دونهما فينبغي أن يحمل على الحكم ورفع الحرج والجناح عما عسى أن يقع فيه خطأ في الحكم لاختصاصهما بالعيدين وجواز احتمال وقوع الخطأ فيها، ومن ثم لم يقتصر على قوله رمضان وذو الحجة بل قال: شهرا عيد- انتهى. وقال الزين بن المنير: أقرب الأقوال إن المراد أن النقص الحسي باعتبار العدد ينجبر بأن كلا منهما شهر عيد عظيم فلا ينبغي وصفهما بالنقصان بخلاف غيرهما من الشهور. قال الحافظ: وحاصله يرجع إلى تأييد قول إسحاق وقيل: معناه لا ينقصان معاً في سنة واحدة على طريق الأكثر الأغلب، وإن ندر وقوع ذلك. وحاصله إنهما غالباً لا يجتمعان في سنة واحدة على النقص، بل إن كان أحدهما ناقصاً كان الآخر وافياً، وهذا أكثري لا كلي فقد جاء وجودهما ناقصين معاً وقيل: معناه لا ينقصان في نفس الأمر لكن ربما حال دون رؤية الهلال مانع وهذا أشار إليه ابن حبان ولا يخفى بعده وقيل معناه لا ينقصان في عام بعينه وهو العام الذي قال فيه ﷺ تلك المقالة، وهذا حكاه ابن بزيزة ومن قبله أبوالوليد بن رشد، ونقله المحب الطبري عن أبي بكر بن فورك وقيل: المعنى لا ينقصان في الأحكام وبهذا جزم البيهقي وقبله الطحاوي، فقال: معنى لا ينقصان إن الأحكام فيهما وإن كانا تسعة وعشرين متكاملة غير ناقصة عن حكمها إذا كانا ثلاثين وقيل: المراد أنهما في الفضل سواء لقوله في الحديث الآخر: (ما من أيام العمل فيها أفضل من عشر ذي الحجة) ، فالمعنى أنه لا ينقص ثواب العمل في أحدهما عن العمل في الآخر ويقرب منه ما ذكره الخطابي والتوربشتي من أنه أراد تفضيل العمل في عشر ذي الحجة وأنه لا ينقص في الأجر والثواب عن شهر رمضان لأن فيه المناسك والعشر وقيل: المراد إن شهرا عيد لا ينقصان عند الله أجراً وثواباً بل الأجر والثواب فيهما على الأعمال دائماً على حد واحد لا يتفاوت ذلك بالسنين والأعوام مثلاً لأن رمضان أحياناً يكون في الشتاء، وأحياناً يكون في الصيف، وكذا الحجة الخ. فبين إن الأجر في الكل سواء، وفي الحديث حجة لمن قال أن الثواب ليس مرتباً
стр. 2922
رمضان وذو الحجة)) . متفق عليه.
١٩٩٣- (٥) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صوماً، فليصم ذلك اليوم)) .
ــ
على وجود المشقة دائماً بل لله أن يتفضل بالحق الناقص بالتام في الثواب (رمضان وذوالحجة) بدلان أو بيانان أو هما خبر مبتدأ محذوف أي أحدهما رمضان، والآخر ذوالحجة (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ ص٣٨و٤٧- ٤٨، ٥١) وأبوداود والترمذي وابن ماجه والطحاوي والبيهقي.
١٩٩٣- قوله: (لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم) الخ وعند الإسماعيلي (لا تقدموا بين يدي رمضان بصوم) وفي رواية لأحمد (لا تقدموا قبل رمضان بصوم) ، وللترمذي في رواية (لا تقدموا شهر رمضان بصيام قبله) . قال الحافظ: أي لا يتقدم رمضان بصوم يوم يعد منه بقصد الاحتياط له فإن صومه مرتبط بالرؤية فلا حاجة إلى التكلف. قال العلماء: معنى الحديث لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط لرمضان. قال الترمذي: لما أخرجه العمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول شهر رمضان لمعنى رمضان - انتهى. وقال السيوطي: في قوت المغتذي إنما نهى عن فعل ذلك لئلا يصوم احتياطاً لاحتمال أن يكون من رمضان وهو معنى قول الترمذي لمعنى رمضان وإنما ذكر اليومين لأنه قد يحصل الشك في يومين بحصول الغيم والظلمة في شهرين أو ثلاثة فلذا عقب ذكر اليوم باليومين - انتهى. قلت: وعندي في تقييد هذا النهي بنية الاحتياط لرمضان نظر كما سيأتي (إلا أن يكون رجل) كان تامة أي إلا أن يوجد رجل قاله الحافظ (كان يصوم صوماً) أي نفلاً معتاداً كذا لأبي ذر عن الحموي والمستملي وفي رواية الكشمهيني يصوم صومه (فليصم ذلك اليوم) أي ذلك الوقت فإنه مأذون له فيه وللترمذي، وفي رواية إلا أن يوافق ذلك صوماً كان يصومه أحدكم وفي رواية للنسائي إن رجل كان يصوم صياماً أتى ذلك اليوم على صيامه، يعني آتى يوم عادته مع صيام رمضان متصلاً به وفي رواية لأحمد إلا رجل كان يصوم صياماً فليصله به. قال الخطابي: معنى الاستثناء أن يكون قد اعتاد صوم الاثنين والخميس (مثلاً) فيوافق صوم اليوم المعتاد فيصومه ولا يتعمد صومه إن لم تكن له عادة قال السندي: قوله (لا يتقدمن أحدكم رمضان) الخ أي لا يستقبلنه بصوم يوم أو يومين (يعني تعظيم لرمضان) وحمله كثير من العلماء على أن بنية رمضان أو لتكثير عدد صيامه أو لزيادة احتياطه بأمر رمضان أو على صوم يوم الشك ولا يخفى إن قوله أو يومين لا يناسب الحمل على صوم الشك إذ لا يقع الشك عادة في يومين والاستثناء بقوله (إلا أن يكون رجل) الخ لا يناسب التأويلات الأول إذ لازمه جواز صوم يوم أو يومين قبل رمضان لمن يعتاده بنية رمضان مثلاً وهذا فاسد. والوجه أن يحمل النهي
стр. 2923
......................................
ــ
على الدوام أي لا تداوموا على التقدم لما فيه من إبهام لحوق هذا الصوم برمضان إلا لمن يعتاد المداومة على صوم آخر الشهر مثلاً فإنه لو داوم عليه لا يتوهم في صومه اللحوق برمضان والله تعالى أعلم. انتهى كلام السندي. وقال الأمير اليماني: الحديث دليل على تحريم صوم يوم أو يومين قبل رمضان. ثم ذكر كلام الترمذي المتقدم ثم قال وقوله لمعنى رمضان تقييد للنهي بأنه مشروط بكون الصوم احتياطاً، لا، لو كان الصوم صوماً مطلقاً كالنفل المطلق والنذر ونحوه، قلت: (قائله الأمير اليماني) ولا يخفى أنه بعد هذا التقييد يلزم منه جواز تقدم رمضان بأي صوم كان وهو خلاف ظاهر النهي فإنه عام لم يستثن منه إلا صوم من اعتاد صوم أيام معلومة ووافق ذلك آخر يوم من شعبان، ولو أراد ﷺ الصوم المقيد بما ذكر لقال إلا متنفلاً أو نحوه هذا اللفظ، وإنما نهى عن تقدم رمضان لأن الشارع قد علق الدخول في صوم رمضان برؤية هلاله فالمتقدم عليه مخالف للنص أمراً ونهياً _ انتهى. وقال الحافظ: وفي الحديث رد على من قال بجواز صوم النفل المطلق وأبعد من قال المراد بالنهي التقدم بنية رمضان واستدل بلفظ التقدم لأن التقدم على الشيء بالشيء إنما يتحقق إذا كان من جنسه فعلى هذا يجوز الصيام بنية النفل المطلق لكن السياق يأبى هذا التأويل ويدفعه - انتهى. وقد اختلف في الحكمة في النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين فقيل: هي الخوف من أن يزاد في رمضان ما ليس منه كما نهى عن صيام يوم العيد لذلك حذراً مما وقع فيه أهل الكتاب في صيامهم، فزادوا فيه بآرائهم وأهوائهم وقيل: هي التقوى على صيام رمضان ليدخل فيه بقوة ونشاط فإن مواصله الصيام تضعف عن صيام الفرض، وفيه نظر لأن مقتضى الحديث إنه لو تقدمه بصوم ثلاثة أيام فصاعداً جاز وسنذكر ما فيه. وقيل: الحكمة فيه خشية اختلاط النفل بالفرض، وفيه نظر أيضاً لأنه يجوز لمن له عادة كما في الحديث. وقيل لزوم التقدم بين يدي الله ورسوله، فإنه ﵊ قد علق الصوم بالرؤية فهو كالعلة للحكم فمن تقدمه بصوم يوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم. قال الحافظ: وهذا هو المعتمد. ومعنى الاستثناء إن من كان له ورد فقد أذن له فيه لأنه اعتاده وألفه، وترك المألوف شديد وليس ذلك من استقبال رمضان في شيء ويلتحق بذلك القضاء والنذر لوجوبهما. قال بعض العلماء يستثنى القضاء والنذر بالأدلة القطعية على وجوب الوفاء بهما فلا يبطل القطعي بالظني. وفي الحديث إبطال لما يفعله الرافضة والباطنية من تقدم الصوم بيوم أو يومين قبل رؤية هلال رمضان، وزعمهم إن اللام في قوله (صوموا لرؤيته) في معنى مستقبلين لها، وذلك لأن الحديث يفيد أن اللام لا يصح حملها على هذا المعنى وإن وردت له في مواضع. ومفهوم الحديث جواز الصوم إذا كان التقدم بأكثر من يومين. وقيل: يمتد المنع لما قبل ذلك، وبه قطع
стр. 2924
متفق عليه.
﴿الفصل الثاني﴾
١٩٩٤- (٦) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)) .
ــ
كثير من الشافعية. وأجابوا عن الحديث بأن المراد منه التقدم بالصوم، فحيث وجد منع. وإما اقتصر على يوم أو يومين لأنه الغالب ممن يقصد ذلك. وقالوا: ابتداء المنع من أول السادس عشر من شعبان لحديث أبي هريرة التالي وقال الرؤياني من الشافعية: يحرم التقدم بيوم أو يومين للحديث الذي نحن في شرحه، ويكره التقدم من نصف شعبان للحديث الآخر. وقيل: يجوز من بعد انتصافه ويحرم قبل رمضان بيوم أو يومين. أما جواز الأول فلأنه الأصل، وحديث أبي هريرة الآتي ضعيف. قال أحمد وابن معين: إنه منكر. وأما تحريم الثاني فلحديث الباب. قال الأمير اليماني: وهو جمع حسن، وقال جمهور العلماء: يجوز الصوم تطوعاً بعد النصف من شعبان وضعفوا الحديث الوارد فيه. واستدل البيهقي بحديث الباب على ضعفه. فقال الرخصة في ذلك بما هو أصح من حديث الانتصاف. وكذا صنع قبله الطحاوي واستظهر بحديث ثابت عن أنس مرفوعاً أفضل الصيام بعد رمضان شعبان، لكن إسناده ضعيف. واستظهر أيضاً بحديث عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال لرجل: (هل صمت من سرر شعبان شيئاً، قال: لا، قال: فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين) . والمراد بالسرر (بفتحتين) عند الجمهور هنا آخر الشهر سميت بذلك لاستسرار القمر فيها. وهي ليلة ثمانية وعشرين وتسع وعشرين وثلاثين. ثم جمع الطحاوى بين حديث الانتصاف وحديث التقدم بيوم أو يومين بأن حديث الانتصاف محمول على من يضعفه الصوم، وحديث التقدم مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان. قال الحافظ: وهو جمع حسن. قلت: الظاهر عندي أنه يحرم التقدم بيوم أو يومين مطلقاً إلا لمن يكون له الصوم معتاد فيأتي ذلك على صيامه فيجوز له أن يصوم ذلك، ويتقدم قبل رمضان بيوم أو يومين، وفي حكم المعتاد النذر والقضاء كما تقدم، وعلى هذا يحمل حديث السرر كما سيأتي في باب صوم التطوع. وأما حديث الانتصاف وهو حديث صحيح كما ستعرف فهو محمول على من يضعفه الصوم، أو على من صامه بلا سبب، أو على من لم يصله بما قبله أي لم يصم قبل نصف الشهر والله تعالى أعلم. وسيأتي مزيد الكلام فيه عند شرحه (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٢ ص٢٢٤- ٢٨١) والترمذي، وأبوداود والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، والدارقطني والبيهقي، والطحاوي وغيرهم.
١٩٩٤- قوله: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) هذا لفظ أبي داود، وللترمذي إذا بقي نصف من
стр. 2925
رواه أبوداود، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي.
ــ
شعبان فلا تصوموا، وللدارمي إذا كان النصف من شعبان فامسكوا عن الصوم، وعند ابن ماجه (فلا صوم حتى يجيء رمضان) . قال ابن القطان في كتابه: روى فأمسكوا كما تقدم، وروى فكفوا (عند النسائي في الكبرى) وبين هذين اللفظين ولفظ الترمذي وأبي داود فرق، فإن هذين اللفظين لمن كان صائماً عن التمادي في الصوم. ولفظ الترمذي نهى لمن كان صائماً ولمن لم يكن صائماً عن الصوم بعد النصف ذكره الزيلعي. قال القاري: والنهي للتنزيه رحمة على الأمة أن يضعفوا عن حق القيام بصيام رمضان على وجه النشاط، وأما من صام شعبان كله فيتعود بالصوم ويزول عنه الكلفة. ولذا قيد بالإنتصاف أو نهي عنه لأنه نوع من التقدم والله أعلم. قال القاضي: المقصود استجمام من لا يقوى على تتابع الصيام فاستجب الإفطار كما استحب إفطار عرفة ليتقوى على الدعاء. فأما من قدر فلا نهي له ولذا جمع النبي ﷺ بين الشهرين في الصوم - انتهى. قال القاري: وهو كلام حسن لكن يخالف مشهور مذهبه أن الصيام بلا سبب بعد نصف شعبان مكروه. وقال المنذري: من قال إن النهي عن الصيام بعد النصف من شعبان لأجل التقوى على صيام رمضان والاستجمام له، فقد أبعد. فإن نصف شعبان إذا أضعف كان كل شعبان أحرى أن يضعف، وقد جوز العلماء صيام جميع شعبان. وفي شرح ابن حجر المكي. قال بعض أئمتنا: يجوز بلا كراهة الصوم بعد النصف مطلقاً تمسكاً بأن الحديث غير ثابت أو محمول على من يخاف الضعف بالصوم ورده المحققون بما تقرر بأن الحديث ثابت بل صحيح، وبأنه مظنة للضعف وما نيط بالمظنة لا يشترط فيه تحققها - انتهى. (رواه أبوداود) الخ وأخرجه أيضاً أحمد والبيهقي كلهم من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة. قال الترمذي: حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ - انتهى. وصححه ابن حبان أيضاً. وقال أحمد وابن معين: إنه منكر كما تقدم. وقال أبوداود، في سننه: وكان عبد الرحمن يعني ابن مهدي لا يحدث به. قلت: لأحمد لم قال لأنه كان عنده أن النبي ﷺ كان يصل شعبان برمضان، وقال عن النبي ﷺ خلافة. قال أبوداود: وليس هذا عندي خلافة ولم يجيء به غير العلاء عن أبيه - انتهى. وقال المنذري في تلخيصه: حكى أبوداود عن الإمام أحمد أنه قال هذا حديث منكر. قال: وكان عبد الرحمن يعني ابن المهدي لا يحدث به، ويحتمل أن يكون الإمام أحمد إنما أنكره من جهة العلاء بن عبد الرحمن فإن فيه مقالاً لائمة هذا الشأن قال، والعلاء بن عبد الرحمن وإن كان فيه مقال فقد حدث عنه الإمام مالك مع شدة انتقاده للرجال وتحريه في ذلك، وقد احتج به مسلم في صحيحه، وذكر له أحاديث انفرد بها رواتها. وكذلك فعل البخاري أيضاً وللحفاظ في الرجال مذاهب فعل كل منهم ما أدى إليه اجتهاده من القبول والرد ﵃ انتهى كلام المنذري. قال شيخنا في شرح الترمذي: الحق عندي إن الحديث صحيح والله تعالى أعلم.
стр. 2926
١٩٩٥- (٧) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أحصوا هلال شعبان لرمضان)) رواه الترمذي.
ــ
١٩٩٥- قوله: (أحصوا) بفتح الهمزة وضم الصاد المهملة أمر من الإحصاء. قال تعالى: ﴿وأحصوا العدة﴾ [الطلاق:١] قال القاري: والإحصاء، في الأصل العد بالحصا، أي عدوا (هلال شعبان) أي أيامه (لرمضان) أي لأجل رمضان أو للمحافظة على صوم رمضان. وقال في المفاتيح: يقال أحصى الرجل إذا علم وعد عدداً، يعني أطلبوا هلال شعبان وأعلموه وعدوا أيامه لتعلموا دخول رمضان، وقال الطيبي: الإحصاء أبلغ من العد في الضبط لما فيه من أنواع الجهد في العد. ومن ثم كنى عنه بالطاقة في قوله استقيموا ولن تحصوا- انتهى. وقال ابن حجر: أي اجتهدوا في إحصاءه وضبطه بأن تتحروا مطالعه وتتراؤا منازله لأجل تكونوا على بصيرة في إدراك هلال رمضان على حقيقة حتى لا يفوتكم منه شيء. وقال العراقي: يحتمل أن المراد أحصوا استهلاله حتى تكملوا العدة إن غم عليكم، أو المراد تحروا هلال شعبان وأحصوه لرمضان ليترتب عليه الاستكمال أو بالرؤية - انتهى. وهذا الحديث مختصر من حديث، وقد رواه الدارقطني بتمامه (ص٢٣٠) فزاد ولا تخلطوا برمضان إلا أن يوافق ذلك صياماً كان يصومه أحدكم وصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فإنها ليست تغمى عليكم العدة- انتهى. (رواه الترمذي) قال: حدثنا مسلم بن حجاج نا يحيى بن يحيى نا أبومعاوية عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ومسلم بن حجاج هذا هو صاحب الصحيح. قال العراقي: لم يرو الترمذي في كتابه شيئاً عن مسلم صاحب الصحيح إلا هذا الحديث وهو من رواية الأقران فإنهما اشتركا في كثير من شيوخهما - انتهى. والحديث أخرجه الحاكم (ج١ ص٢٥) عن أبي بكر بن إسحاق الفقيه عن إسماعيل بن قتيبة عن يحيى عن أبي معاوية مختصراً. بلفظ الترمذي وأخرجه الدارقطني عن محمد بن مخلد عن مسلم بن حجاج مطولاً كما تقدم، وأخرجه البيهقي (ج٤ ص٢٠٦) من طريق الحاكم مختصراً، ومن طريق الدارقطني مطولاً، وصححه الحاكم ثم الذهبي على شرط مسلم. وقال الترمذي: حديث أبي هريرة لا نعرفه مثل هذا إلا من حديث أبي معادية والصحيح ما روى عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ لا تقوموا شهر رمضان بيوم ولا يومين، وهكذا روى عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة نحو الحديث محمد بن عمرو - انتهى. وقد تعقبه شيخنا في شرح الترمذي بأن حديث أبي معاوية عن محمد بن عمرو. بلفظ أحصوا هلال شعبان. وما روى عن محمد بن عمرو بلفظ: لا تقوموا شهر رمضان الخ. حديثان يدلان على معنيين فالأول يدل على إحصاء هلال شعبان والتحفظ به. وقد روى أبوداود عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره- الحديث. والحديث الآخر يدل على النهي عن تقدم رمضان بيوم أو بيومين. فالظاهر أن محمد
стр. 2927
١٩٩٦- (٨) وعن أم سلمة، قالت: ما رأيت النبي ﷺ : ((يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان)) . رواه أبوداود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
١٩٩٧- (٩) وعن عمار بن ياسر، قال: ((من صام اليوم الذي يشك فيه
ــ
ابن عمرو يروي هذين الحديثين عن أبي سلمة عن أبي هريرة فروى عنه أبومعاوية الحديث الأول، وروى عنه غيره الحديث الآخر فعلى هذا يكون الحديثان صحيحين فتفكر والله تعالى أعلم.
١٩٩٦- قوله: (وعن أم سلمة) بفتح اللام أم المؤمنين (ما رأيت النبي ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان) أي فإنه كان يصوم شعبان كله أو معظمه أي أكثره، وهذا لفظ الترمذي. ولأبي داود لم يكن يصوم من السنة شهراً تاماً إلا شعبان يصله برمضان. وعند النسائي في رواية ما رأيت رسول الله ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلا أنه كان يصل شعبان برمضان وله في أخرى ولابن ماجه كان رسول الله ﷺ يصل شعبان برمضان. قال السندي: أي فيصومهما جميعاً ظاهره أنه يصوم شعبان كله كما في حديث عائشة (عند الشيخين وغيرهما) إنه كان يصوم شعبان كله لكن قد جاء من حديث عائشة أيضاً ما يدل على خلافه، فلذلك حمل على أنه كان يصوم غالبه فكأنه يصوم كله وإنه يصله برمضان - انتهى. وسيأتي بسط معنى هذا الحديث في باب صيام التطوع إن شاءالله تعالى، وسبب إيراده ههنا أنه يوهم بظاهره التعارض بينه وبين ما روى من النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، ومن النهي عن الصوم بعد نصف شعبان الأول وهذا الوهم ليس بشيء. قال الشوكاني: لا تعارض بين ما روى عنه ﷺ من صوم كل شعبان أو أكثره، ووصله برمضان وبين أحاديث النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين. وكذا ما جاء من النهي عن صوم نصف شعبان الثاني فإن الجمع بينها ظاهر بأن يحمل النهي على من يدخل تلك الأيام في صيام يعتاده، وقد تقدم تقييد أحاديث النهي عن التقدم بقوله ﷺ إلا أن يكون شيئاً يصومه أحدكم- انتهى. (رواه أبوداود الخ.) قد تقدم بيان ألفاظهم وقد أخرجه أيضاً الترمذي في شمائله والدارمي والطحاوي والبيهقي، وحسنه الترمذي وسكت عنه أبوداود والمنذري.
١٩٩٧- قوله: (من صام اليوم الذي يشك) على بناء المجهول مسنداً إلى (فيه) قال الطيبي: إنما أتى بالموصول ولم يقل يوم الشك للمبالغة تنبيهاً على أن صوم يوم فيه أدنى شك سبب لعصيان صاحب الشرع فكيف بمن صام يوم أشك فيه قائم وثابت ونحوه قوله تعالى: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا﴾ [هود:١١٣] أي الذين أونس منهم أدنى ظلم فكيف بالظالم المستمر عليه - انتهى. قلت: الحديث رواه الحاكم ومن طريقه البيهقي بلفظ من صام يوم الشك وكذا ذكره البخاري في صحيحه تعليقاً. وقال الحافظ بعد ذكر كلام الطيبي: قلت: قد وقع في
стр. 2928
فقد عصى أباالقاسم ﷺ ) .
ــ
كثير من الطريق بلفظ: يوم الشك- انتهى. والمراد من اليوم الذي يشك فيه يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال في ليلته بغيم ساتر أو نحوه فيجوز كونه من رمضان وكونه من شعبان وهذا عندنا وسيأتي بيان الاختلاف في تعريفه (فقد عصى أباالقاسم ﷺ ) هو كنيته رسول الله ﷺ : قيل: فائدة تخصيص ذكر هذه الكنية الإشارة إلى أنه هو الذي يقسم بين عباد الله أحكامه زماناً ومكاناً وغير ذلك. قال الحافظ: استدل به على تحريم صوم يوم الشك لأن الصحابي لا يقول ذلك من قبل رأيه فيكون من قبيل المرفوع. قال ابن عبد البر: هو مسند عندهم لا يختلفون في ذلك، وخالفهم أبوالقاسم الجوهري المالكي فقال: هو موقوف. والجواب إنه موقوف لفظاً مرفوع حكماً - انتهى. قال الخطابي في المعالم (ج٢ ص٩٩) اختلف الناس في معنى النهي عن صيام يوم الشك. فقال قوم إنما نهي عن صيامه إذا نوى به أن يكون عن رمضان. فأما من نوى به صوم يوم من شعبان فهو جائز، هذا قول مالك بن أنس والأوزاعي وأصحاب الرأي ورخص فيه على هذا الوجه أحمد وإسحاق وقالت طائفة لا يصام ذلك اليوم عن فرض ولا تطوع للنهي فيه وليقع الفصل بذلك بين شعبان ورمضان هكذا. قال عكرمة: وروى معناه عن أبي هريرة وابن عباس وكانت عائشة وأسماء تصومان ذلك اليوم وكانت عائشة تقول لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوماً من رمضان. وكان مذهب عبد الله بن عمر بن الخطاب صوم يوم الشك إذا كان من ليلة في السماء سحاب أو قترة فإن كان صحواً ولم ير الناس الهلال أفطر مع الناس وإليه ذهب أحمد بن حنبل. وقال الشافعي: إن وافق يوم الشك يوماً كان يصومه صامه، وإلا لم يصمه- انتهى. وقال ابن الجوزي في التحقيق لأحمد في هذه المسألة: وهي ما إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان ثلاثة أقوال: أحدها: يجب صومه على أنه من رمضان، ثانيها: لا يجوز فرضاً ولا نفلاً مطلقاً بل قضاء وكفارة ونذراً ونفلاً يوافق عادة وبه قال الشافعي. وقال مالك وأبوحنيفة: لا يجوز عن فرض رمضان ويجوز عما سوى ذلك. ثالثها: المرجع إلى رأي الإمام في الصوم والفطر كذا ذكر الحافظ في الفتح قلت: اختلف الأئمة في تعريف يوم الشك وحكم صومه وفيما إذا صامه بنية رمضان أو واجب آخر أو نية التطوع وتوضيح المقام أن السماء إذا كانت مُصْحِيةً ليلة الثلاثين من شعبان ولم يروا الهلال فصبيحة هذه الليلة هي مصداق يوم الشك في المشهور عن الإمام أحمد ولا يجوز صومه: قال ابن قدامة (ج٣ ص٨٦) إن لم يروا الهلال ليلة الثلاثين من شعبان وكانت السماء مصحية لم يكن لهم صيام ذلك اليوم إلا أن يوافق صوماً كانوا يصومونه لما روى عن أبي هريرة من النهي عن تقدم صوم رمضان بيوم أو يومين. وقال عمار: من صام اليوم الذي يشك
стр. 2929
.....................................
ــ
فيه فقد عصى أباالقاسم ﷺ : قال ابن قدامة: والنهي عن صوم يوم الشك محمول على حال الصحو- انتهى. وقال الحافظ في الفتح: المشهور عن أحمد إنه خص يوم الشك بما إذا تقاعد الناس عن رؤية الهلال أو شهد برؤيته من لا يقبل الحاكم شهادته، فأما إذا حال دون منظره شيء فلا يسمى شكاً- انتهى. وإن كانت السماء في ليلة الثلاثين مغيمة فعن أحمد في ذلك ثلاث روايات. قال الخرقي: إن حال دون منظره غيم أو قتر وجب صيامه، وقد أجزأ إذا كان من شهر رمضان. قال ابن قدامة: (ج٣ ص٨٩) اختلف الرواية عن أحمد في هذه المسألة فروى عنه مثل ما نقل الخرقي اختارها أكثر شيوخ أصحابنا وروى عنه أن الناس تبع للإمام، فإن صام صاموا، وإن أفطر أفطروا. وعن أحمد رواية ثالثة لا يجب صومه ولا يجزئه عن رمضان إن صامه، وهو قول أكثر أهل العلم - انتهى مختصراً. وفي الروض المربع من فروع الحنابلة إن لم ير الهلال مع الصحو ليلة الثلاثين من شعبان أصبحوا مفطرين، وكره الصوم لأنه يوم الشك المنهي عنه وإن حال دونه غيم أو قتر، فظاهر المذهب يجب صومه حكماً ظنياً احتياطاً بنية رمضان. قال في الأنصاف: وهو المذهب عند الأصحاب ونصروه وصنفوا فيه التصانيف وردواً حجج المخالف. قالوا نصوص أحمد تدل عليه - انتهى. وفي شرح الإقناع للشافعية ويكره صوم يوم الشك كراهة تنزيه. قال الأسنوي: وهو المعروف المنصوص الذي عليه الأكثرون والمعتمد في المذهب تحريمه كما في الروضة والمنهاج والمجموع إلا أن يوافق عادة له في تطوعه وله صومه عن قضاء أو نذر فلو صامه بلا سبب لم يصح كيوم العيد بجامع التحريم، فإن قيل: هلا استحب صوم يوم الشك إذا أطبق الغيم خروجاً من خلاف الإمام أحمد حيث قال بوجوب صومه حينئذٍ. أجيب بأنا لا نراعي الخلاف إذا خالف سنة صريحة، وهي ههنا خبر، إذا غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين ويوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا تحدث الناس برؤيته (أي بلا ثبت) أو شهد بها عدد ترد شهادتهم كصبيان أو نساء أو عبيد أو فسقة وظن صدقهم. وإنما لم يصح صومه عن رمضان لأنه لم يثبت كونه منهم- انتهى. وقال الدردير من المالكية: وإن غيمت السماء ليلة الثلاثين ولم ير الهلال فصبيحته يوم الشك الذي نهي عن صومه على أنه من رمضان. وأما لو كانت السماء مصحية لم يكن يوم الشك لأنه إن لم ير كان من شعبان جزماً وصيم يوم الشك عادة وتطوعاً أي ابتداء بلا عادة وقضاء ولنذر صادف لا أحتياطاً على أنه إن كان من رمضان احتسب به وإلا كان تطوعاً فلا يجوز. قال الدسوقي وإذا صامه وصادف أنه من رمضان فلا يجزئه لتزلزل النية - انتهى. وعند الحنفية على المشهور في مذهبهم يوم الشك هو الثلاثين من شعبان وإن لم يكن في السماء علة من الغيم، ونحوه لعدم اعتبار اختلاف المطالع ظاهر المذهب، وجواز تحقق الرؤية في بلدة أخرى هكذا في الدر المختار وشرحه. وقال في الهداية: لا يصومون
стр. 2930
.....................................
ــ
يوم الشك إلا تطوعاً، وهذه المسألة على وجوه. أحدها: أن ينوي صوم رمضان وهو مكروه (أي تحريماً وهذا هو محمل النهي عن صوم يوم الشك عندهم) ثم إن ظهر أن اليوم من رمضان يجزئه وإن ظهر أنه من شعبان كان تطوعاً، وإن أفطر (أي أفسده) لم يقضه. والثاني: أن ينوي عن واجب آخر (كنذر وكفارة وقضاء) وهو مكروه أيضاً إلا أن هذا دون الأول في الكراهة (يعني أنه مكروه تنزيهاً) ثم إن ظهر أنه من رمضان يجزيه لأصل النية، وإن ظهر أنه من شعبان فقد قيل يكون تطوعاً، وقيل: يجزيه عن الذي نواه وهو الأصح. والثالث: أن ينوي التطوع وهو غير مكروه، والمراد بقوله ﷺ لا تتقدموا رمضان بصوم يوم ولا بصوم يومين نهي التقدم بصوم رمضان، لأنه يؤديه قبل أوانه. ثم إن وافق صوماً كان يصومه فالصوم أفضل بالإجماع، وكذا إذا صام ثلاثة أيام من آخر الشهر فصاعداً وإن افرده، فقيل الفطر أفضل احترازاً عن ظاهر النهي. وقيل: الصوم أفضل إقتداء بعلي وعائشة فإنهما كان يصومانه. والمختار أن يصوم المفتي بنفسه أخذاً بالإحتياط ويفتي العامة بالتلوم إلى وقت الزوال ثم بالإفطار نفياً للتهمة - انتهى مختصراً. وقال السندي: حمل حديث عمار هذا علماءنا الحنفية على أن يصوم بنية رمضان شكاً أو جزماً. وأما إذا جزم بأنه نفل فلا كراهة، وبعضهم قال بالكراهة مطلقاً، والحكم بأنه عصى تغليظ على تقدير القول بالكراهة - انتهى. قلت والراجح عندي: إن يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء مغيمة في ليلته ولم ير الهلال أو تحدث الناس برؤيته بلا ثبت أو شهد بها من لم تقبل شهادته، ولا يجوز صومه لا بنية رمضان شكاً أو جزماً ولا بنية النفل إلا أن يوافق صوماً كان يصومه وله صومه عن قضاء أو كفارة أو نذر، وإذا صامه بنية رمضان وصادف أنه من رمضان لم يجزئه وكذا إذا صامه عن واجب آخر أو تطوعاً والله تعالى أعلم. قال الشوكاني في النيل: قد استدل بهذه الأحاديث (أي بحديث عمار، وبأحاديث الأمر بالصوم برؤية الهلال، وبأحاديث النهي عن استقبال رمضان بالصوم، وبأحاديث النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين) على المنع من صوم يوم الشك. قال: وذهب جماعة من الصحابة إلى صومه، منهم علي وعائشة وعمر وابن عمر وأنس بن مالك وأسماء بنت أبي بكر وأبوهريرة ومعاوية وعمرو بن العاص وغيرهم. وجماعة من التابعين، فذكر أسماءهم وذكر أدلة المجوزين لصومه وتكلم عليها، وليس فيها ما يفيد مطلوبهم ثم قال: قال ابن عبد البر: وممن روى عن كراهة صوم يوم الشك عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وابن مسعود وحذيفة وابن عباس وأبوهريرة وأنس بن مالك. ثم قال والحاصل أن الصحابة مختلفون في ذلك. وليس قول بعضهم بحجة على أحد، والحجة ما جاءنا عن الشارع وقد استوفيت الكلام على هذه المسألة في الأبحاث التي كتبتها على رسالة الجلال. وقال
стр. 2931
رواه أبوداود، والترمذي، والنسائي وابن ماجه والدارمي.
ــ
في السيل الجرار: الوارد في هذه الشريعة المطهرة الصوم للرؤية أو لكمال العدة ثم زاد الشارع هذا أيضاحاً وبياناً، فقال فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً، فهذا بمجرده يدل على المنع من صوم يوم الشك فكيف، وقد انضم إلى ذلك ما هو ثابت في الصحيحين وغيرهما من نهيه ﷺ لأمته عن أن يتقدموا رمضان بيوم أو يومين فإذا لم يكن هذا نهياً عن صوم يوم الشك فلسنا ممن يفهم كلام العرب ولا ممن يدري بواضحة فضلاً عن غامضة: ثم انضم إلى ذلك حديث عمار فذكره وذكر تصحيحه عن الترمذي وابن خزيمة وابن حبان قلت: ولابن الجوزي تصنيف مستقل في هذه المسألة سماه "درء اللوم والضيم في صوم يوم الغيم" حكى فيه عن الصحابة الذين تقدم ذكرهم في كلام الشوكاني القول بصوم يوم الشك. قال الولي العراقي في طرح التثريب (ج٤ ص١١٠) قد رد والدي ﵀ يعني الزين العراقي على ابن الجوزي في حكايته هذا القول عن هؤلاء الصحابة فذكره مفصلاً ثم قال: قال والدي فلم يقل به أحد من العشرة الذين ذكرهم ابن الجوزي ألا ابن عمر وأسماء وعائشة. واختلف عن أبي هريرة. قال البيهقي: ومتابعه السنة الثابتة وما عليه أكثر الصحابة وعوام أهل العلم أولى بنا - انتهى. (رواه أبوداود الخ) وأخرجه أيضاً ابن حبان وابن خزيمة والحاكم والدارقطني والطحاوي والبيهقي من طريق الحاكم وذكره البخاري في صحيحه تعليقاً بصيغة الجزم أخرجوه من رواية عمرو بن قيس الملائي عن أبي إسحاق السبيعي عن صلة بن زفر، قال: كنا عند عمار في اليوم الذي يشك فيه فأتى بشأة مصلية، فقال كلوا فتنحى بعض القوم فقال إني صائم، فقال عمار من صام الخ وقد صححه الترمذي وسكت عليه أبوداود ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره. وصححه ابن حبان وابن خزيمة. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وقال الدارقطني: حديث صحيح ورواته كلهم ثقات. وقال العراقي في شرح الترمذي: جمع الصاعاني في تصنيف له الأحاديث الموضوعة فذكر فيه حديث عمار المذكور، وما أدري ما وجه الحكم عليه بالوضع وليس في إسناده من يتهم بالكذب وكلهم ثقات. وقال: قد كتبت على الكتاب المذكور كراسة في الرد عليه في أحاديث، منها هذا الحديث قال نعم في اتصاله نظر. فقد ذكر المزي في الأطراف أنه روى عن أبي إسحاق السبيعي أنه قال حدثت عن صلة بن زفر، لكن جزم البخاري بصحته إلى صلة، فقال في صحيحه. وقال صلة وهذا يقتضي صحته عنده. وقال البيهقي في المعرفة: إن إسناده صحيح - انتهى. وفي الباب عن أبي هريرة أخرجه البزار وفي سنده عبد الله بن سعيد المقبري وهو ضعيف. وأخرجه أيضاً الدارقطني وفي سنده الواقدي والبيهقي (ج٤ ص٢٠٨) وفي سنده أبوعباد وهو عبد الله بن سعيد المقبري المتقدم، وعن ابن عباس أخرجه الخطيب في تاريخه ورواه إسحاق بن راهويه فلم يجاوز به عكرمة.
стр. 2932
١٩٩٨- (١٠) وعن ابن عباس، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال- يعني هلال رمضان - فقال: ((أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن محمداً رسول الله قال: نعم، قال: يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غداً)) . رواه أبوداود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه والدارمي.
ــ
١٩٩٨- قوله: (جاء أعرابي) أي واحد من الأعراب، وهم سكان البادية. وجاء الأعرابي من الحرة كما في رواية لأبي داود والدارقطني والحاكم (إني رأيت الهلال) وفي رواية ابن خزيمة وابن حبان إني رأيت الهلال الليلة ولابن ماجه وأبي يعلى الموصلي أبصرت الهلال الليلة، وللدارقطني والحاكم جاء ليلة هلال رمضان. وفيه دليل على أن الأخبار كاف ولا يحتاج إلى لفظ الشهادة ولا إلى الدعوى (يعني هلال رمضان) أي قال الحسن بن علي الخلال شيخ أبي داود في حديثه يعني هلال رمضان (فقال أتشهد أن لا إله إلا الله الخ.) قال ابن الملك: دل على أن الإسلام شرط في الشهادة (أذن في الناس) من الإيذان أو التأذين، والمراد مطلق النداء والأعلام أي ناد فيهم وأعلمهم (أن يصوموا غداً) وفي رواية فليصوموا غداً، وفيه دليل على العمل بخبر الواحد وقبوله في الصوم دخولا فيه. قال السندي: قبول خبر الواحد محمول على ما إذا كان بالسماء علة تمنع أبصار الهلال وقوله ﷺ له أتشهد أن لا إلا الله تحقيق لإسلامه. وفيه أنه إذا تحقق إسلامه وفي السماء غيم يقبل خبره في هلال رمضان مطلقاً سواء كان عدلاً أم لا، حراً أم لا، وقد يقال كان المسلمون يومئذ كلهم عدولاً فلا يلزم قبول شهادة غير العدول إلا أن يمنع ذلك قوله تعالى: ﴿وإن جاءكم فاسق بنبأ﴾ [الحجرات:٦ٍ] الآية والله تعالى أعلم. وقال المظهر: دل الحديث على أن من لم يعرف منه فسق تقبل شهادته - انتهى. وأنت تعلم إن الصحابة كلهم عدول. وقال ابن الهمام: قد يتمسك بهذا الحديث لقبول شهادة المستور لكن الحق أن لا يتمسك به بالنسبة إلى هذا الزمان لأن ذكره الإسلام بحضرته ﵊ حين سأله عن الشهادتين إن كان هذا أول إسلامه فلا شك في ثبوت عدالته، لأن الكافر إذا أسلم أسلم عدلاً إلى أن يظهر خلافه منه، وإن كان أخباراً عن حاله السابق فكذلك لأن عدالته قد ثبتت بإسلامه فيجب الحكم ببيقاءها ما لم يظهر الخلاف ولم يكن الفسق غالباً على أهل الإسلام في زمانه ﵊ فتعارض الغلبة ذلك الأصل، فيجب التوقف إلى ظهورها كذا في المرقاة. وقال الشوكاني: أجيب عن الاستدلال بحديث الأعرابي على عدم اشتراط العدالة بأنه أسلم في ذلك الوقت والإسلام يجب ما قبله فهو عدل بمجرد تكلمه بكلمة الإسلام، وإن لم ينضم إليها عمل في تلك الحال (رواه أبوداود الخ) وأخرجه أيضاً ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والطبراني وأبويعلى الموصلي والبيهقي
стр. 2933
١٩٩٩- (١١) وعن ابن عمر، قال: ((ترأي الناس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ إني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه)) .
ــ
كلهم من حديث سماك ابن حرب عن عكرمة عن ابن عباس. قال الترمذي: هذا حديث فيه اختلاف وأكثر أصحاب سماك يروونه عن عكرمة عن النبي ﷺ مرسلاً، ورواه النسائي مسنداً ومرسلاً وذكر أن المرسل أولى بالصواب وإن سماكاً إذا تفرد بشيء لم يكن حجة، لأنه كان يلقن فليتلقن- انتهى. وقال في المرقاة: وذكر البيهقي أن الحديث جاء من طرق موصولاً، ومن طرق مرسلاً، وإن كانت طرق الاتصال صحيحة- انتهى. وقال الحافظ في بلوغ المرام: صححه ابن خزيمة وابن حبان- انتهى. وقال الحاكم: هذا الحديث صحيح قد احتج البخاري بأحاديث عكرمة، واحتج مسلم بأحاديث سماك. وقال ابن حبان: ومن زعم أن هذا الخبر تفرد به سماك وإن رفعه غير محفوظ فهو مردود بحديث ابن عمر يعني الذي يلي هذا.
١٩٩٩- قوله: (تراأي الناس الهلال) قال المظهر في المفاتيح. الترائي أن يرى بعض القوم بعضاً، والمراد به ههنا إنه اجتمع الناس لطلب الهلال ورؤيته لقوله (فأخبرت) أي وحدي (إني رأيته) أي الهلال (فصام) أي رسول الله ﷺ (وأمر الناس بصيامه) أي بصيام رمضان. وفيه دليل كحديث ابن عباس على قبول خبر الواحد في رؤية هلال شهر رمضان. قال الخطابي: وإليه ذهب الشافعي في أحد قوليه (قال النووي وهو الأصح وقال الولي العراقي: هو أشهر قولي الشافعي عند أصحابه وأصححهما لكن آخر قوليه إنه لا بد من عدلين. ففي الأم، قال الربيع قال الشافعي: بعد لا يجوز على رمضان إلا شاهدان) هو قول أحمد بن حنبل، وكان أبوحنيفة وأبويوسف يجيزان على هلال شهر رمضان شهادة الرجل الواحد العدل وإن كان عبداً، وكذلك المرأة الواحد وإن كانت أمة، ولا يجيزان في هلال الفطر إلا رجلين أو رجلاً وامرأتين وكان الشافعي لا يجيز في ذلك شهادة النساء، وكان مالك والأوزاعي وإسحاق بن راهويه (والليث والثوري والشافعي في أحد قولية) يقولان لا يقبل على هلال شهر رمضان ولا على هلال الفطر أقل من شاهدين عدلين - انتهى. قلت: مذهب الحنفية في هذه المسألة ما في الدر المختار قيل بلا دعوى وبلا لفظ أشهد وبلا حكم ومجلس قضاء. لأنه خبر لا شهادة للصوم مع علة كغيم وغبار خبر عدل ومستور لا فاسق، ولو كان العدل قنا أو أنثى أو محدوداً في قذف تاب وشرط للفطر مع العدالة والعلة نصاب الشهادة. ولفظ أشهد وعدم الحد في قذف لتعلق نفع العبد لكن لا تشترط الدعوى، وقبل بلا علة جمع عظيم يقع العلم بخبرهم (لعبد خفاءه عما سوى الواحد) وهو مفوض إلى رأي الإمام من غير تقدير بعدد- انتهى. واستدل للجمهور على قبول خبر الواحد في هلال رمضان بحديث ابن عباس المتقدم، وحديث ابن عمر ولأنه خبر عن وقت الفريضة فيما طريقة المشاهدة فقبل من واحد كالخبر بدخول وقت الصلاة، ولأنه خبر
стр. 2934
...............................
ــ
ديني يشترك فيه المخبر. والمخبر فقبل من واحد عدل كالرواية: واستدل لمالك ومن وافقه على أنه لا يقبل في هلال رمضان إلا شهادة اثنين بما روى عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، أنه خطب في اليوم الذي شك فيه، فقال ألا إني جالست أصحاب رسول الله ﷺ وسألتهم، وأنهم حدثوني أن رسول الله ﷺ قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وانسكوا لها فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين يوماً، فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا أخرجه أحمد، وأخرجه النسائي ولم يقل فيه مسلمان، وأخرجه أيضاً الدارقطني وذكره الحافظ في التلخيص (ص١٨٧) ولم يذكر فيه قدحاً وقال الشوكاني في النيل والسيل: إسناده لا بأس به. واستدل لهم أيضاً بحديث أمير مكة الحارث بن حاطب قال عهد إلينا رسول الله ﷺ أن ننسك للرؤية فإن لم نره، وشهد شاهداً عدل نسكنا بشهادتهما أخرجه أبوداود والدارقطني. وقال هذا إسناد متصل صحيح وأجاب الجمهور عن هذين الحديثين، بأن التصريح بالاثنين غاية ما فيه المنع من قبول الواحد بالمفهوم، وحديث ابن عباس وحديث ابن عمر المذكوران يدلان على قبوله بالمنطوق، ودلالة المنطوق أرجح من دلالة المفهوم، فيجب تقديمهما. كذا قال الشيخ في شرح الترمذي. والشوكاني في السيل الجرار. وابن قدامة في المغنى (ج٣ ص١٥٨) : وأما هلال شوال فلا يقبل فيه إلا شهادة اثنين عدلين في قول الفقهاء جميعهم إلا أباثور فإنه قال يقبل قول واحد وإليه ذهب ابن حزم ورجحه الشوكاني في النيل وغيره واحتج الجمهور بحديث عبد الرحمن بن زيد وحديث الحارث بن حاطب أمير مكة المتقدمين وبحديث ربعى بن حراش عن رجل من أصحاب النبي ﷺ . قال اختلف الناس: في آخر يوم من رمضان فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي ﷺ بالله أنها رأيا الهلال أمس عشية فأمر رسول الله ﷺ الناس أن يفطروا. أخرجه أحمد وأبوداود وسكت عنه هو والمنذري وأخرجه الدارقطني. وقال: إسناده حسن ثابت. وقال الشوكاني: رجاله رجال الصحيح - انتهى. قالوا: هذه الأحاديث تدل على أن الأصل في أمر الهلال شهادة عدلين، وإن المدار فيه على شاهدي عدل، لكن استثنى منه هلال رمضان لحديثي ابن عباس وابن عمر ﵃، فإنهما نصان في قبول شهادة العدل الواحد في رؤية هلال رمضان. واحتج لهم أيضاً بما روى الدارقطني والطبراني في الأوسط والبيهقي من طريق طاووس. قال: شهدت المدينة وبها ابن عمر وابن عباس فجاء رجل إلى واليها فشهد عنده على رؤية هلال شهر رمضان فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته، فأمراه أن يجيزه. قالا: إن رسول الله ﷺ أجاز شهادة واحد على رؤية الهلال رمضان، وكان لا يجيز شهادة الإفطار إلا بشهادة رجلين. قال الدارقطني: تفرد به حفص بن عمر الأيلي وهو ضعيف الحديث - انتهى. وأما ما ذهب إليه الحنفية من الفرق بين الغيم والصحو أي باشتراط الجم الغفير في الصحو ففيه نظر، لأنه لا دليل على هذا، لا من كتاب الله ولا من سنة رسوله ولا من قول صحابي. قال السندي في حاشية النسائي: قوله فإن شهد شاهدان (في حديث
стр. 2935
رواه أبوداود، والدارمي.
﴿الفصل الثالث﴾
٢٠٠٠- (١٢) عن عائشة، قالت: ((كان رسول الله ﷺ يتحفظ من شعبان مالا يتحفظ من غيره. ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يوماً ثم صام)) . رواه أبوداود.
ــ
عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب) أي ولو بلا علة وإلا فمع العلة يكفي الواحد في رمضان كما تقدم (أي من حديث ابن عباس) وقد قال بهذا الإطلاق بعض المتأخرين من أصحابنا كالجمهور وهو الوجه، واشتراط الجم الغفير بلا غيم لا يخلو عن خفاء من حيث الدليل والله تعالى أعلم - انتهى. وبسط في الرد عليهم الخطابي في المعالم (ج٢ ص١٠٣) وابن قدامة في المغنى (ج٣ ص١٥٨) فارجع إليهما (رواه أبوداود والدارمي) وأخرجه أيضاً ابن حبان والدارقطني والحاكم والبيهقي وابن حزم، وسكت عنه أبوداود وصححه ابن حبان وابن حزم. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم وسكت عنه الذهبي. وقال النووي: إسناده على شرط مسلم.
٢٠٠٠- قوله: (يتحفظ من شعبان) أي يتكلف في عد أيامه لمحافظة صوم رمضان ويحصيها ولا يهملها (ما لا يتحفظ من غيره) لعدم تعلق أمر شرعي لغيره إلا شهر الحج وهو لا يحتاج إليه كل أحد في كل سنة قاله القاري (ثم يصوم لرؤية رمضان) أي إذا رؤى الهلال ليلة ثلاثين من شعبان (فإن غم عليه الهلال ليلة الثلاثين من شعبان (عد) أي شعبان (ثلاثين يوماً ثم صام) أي بعد إكمال شعبان ثلاثين يوماً (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً الحاكم والدارقطني والبيهقي كلهم من طريق معاوية بن صالح عن عبد الله بن أبي قيس عن عائشة، وقد سكت عنه أبوداود وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وقال الحافظ في تلخيص: إسناده صحيح وفي الدراية هو على شرط مسلم. وقال الدارقطني: إسناده حسن صحيح. وقال المنذري: بعد نقل كلام الدارقطني ما لفظه، ورجال إسناده كلهم محتج بهم في الصحيحين على الاتفاق والإنفراد، ومعاوية بن صالح الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس، وإن كان قد تكلم فيه بعضهم فقد احتج به مسلم في صحيحه. وقال البخاري: قال علي بن المديني كان عبد الرحمن بن مهدي يوثقه. وقال أحمد بن حنبل: كان ثقة. وقال أبوزرعة الرازي ثقة- انتهى. وقال ابن الجوزي: هذه عصبية من الدارقطني كان يحيى بن سعيد لا يرضى معاوية بن صالح. وقال أبوحاتم: لا يحتج به. قال في التنقيح: ليست العصبية من الدارقطني، وإنما العصبية منه فإن معاوية بن صالح ثقة صدوق وثقه أحمد وابن مهدي وأبوزرعة، واحتج به مسلم في صحيحه ولم يرو شيئاً خالف فيه الثقات وكون يحيى بن سعيد
стр. 2936
٢٠٠١- (١٣) وعن أبي البختري، قال: ((خرجنا للعمرة فلما نزلنا ببطن نخلة، ترآينا الهلال. فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، فلقينا ابن عباس، فقلنا: إنا رأينا الهلال فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، فقال: أي ليلة رأيتموه؟ قلنا: ليلة كذا وكذا. فقال: إن رسول الله ﷺ مدة للرؤية فهو لليلة رأيتموه)) .
ــ
لا يرضاه غير قادح فيه، فإن يحيى شرطه في الرجال، وكذلك قال لو لم أرو إلا عمن أرضى ما رويت إلا عن خمسة وقول أبي حاتم لا يحتج به غير قادح أيضاً فإنه لم يذكر السبب وقد تكررت هذه اللفظة منه في رجال كثيرين من أصحاب الصحاح الثقات الإثبات من غير بيان السبب كخالد الحذاء وغيره والله تعالى أعلم. ذكره الزيلعي (ج٢ ص٤٣٩) .
٢٠٠١- قوله: (وعن أبي البختري) بفتح الموحدة والتاء المثناة بينهما خاء معجمة ساكنة، واسمه سعيد ابن فيروز، وهو ابن أبي عمران الطائي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فيه تشيع قليل، كثير الإرسال من أوساط التابعين. قال أبونعيم: مات في الجماجم سنة (٨٣) وقال ابن سعد: قتل بُدجَيْل مع ابن الأشعث سنة (٨٣) (ببطن نخلة) بفتح نون وسكون المعجمة غير منصرف. قال ابن حجر: قرية مشهورة شرقية مكة تسمى الآن بالمضيق (ترأينا الهلال) أي اجتمعنا لرؤيته. وقال النووي: أي تكلفنا النظر إلى جهته لنراه (هو ابن ثلاث) أي صاحب ثلاث ليال لعلوم درجته. قال السندي: وهذا بعيد إلا وأن يكون أول الشهر مشتبهاً فافهم (فلقينا) أي نحن (ابن عباس) بالنصب. قال السندي: يحتمل أن يكون مجازاً عن لقاء رسولهم. ويحتمل أنهم لقوه بعد أن أرسلوا إليه الرسول وعلى الوجهين لا منافاة بين هذه الرواية الآتية والله تعالى (أنا) أي معشر القوم (رأينا الهلال) أي مرتفعاً جداً (أي ليلة) قال القاري: بالرفع وفي نسخة صحيحة بالنصب وهو أفصح من أيّة ليلة (رأيتموه) أي الهلال فيها (ليلة كذا) أي رأيناه ليلة كذا وهو الاثنين مثلاً (وكذا) يعني عينوا الليلة التي رأوه فيها ولم يظهر لي وجه تكرير كذا (فقال إن رسول الله ﷺ مده) . قال النووي: هكذا هو في بعض النسخ من صحيح مسلم وفي بعضها فقال إن رسول الله ﷺ قال: إن الله مده (للرؤية) قال النووي: جميع النسخ من صحيح مسلم متفقة على مده من غير ألف في هذه الرواية. قال الطيبي: أي جعل مدة رمضان رؤية الهلال (فهو) أي رمضان (لليلة رأيتموه) قال ابن حجر: بإضافة ليلة إلى الجملة. قال القاري: وفي النسخ المصححة بالتنوين، ويدل عليه ما سبق من قوله،
стр. 2937
وفي رواية عنه. قال: ((أهللنا رمضان ونحن بذات عرق، فأرسلنا رجلاً إلى ابن عباس يسأله، فقال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى قد أمده لرؤيته، فإن أغمى عليكم فأكملوا العدة)) . رواه مسلم.
(٢) باب
ــ
أي ليلة رأيتموه غايته أنه يقدر فيها فيهما. والمعنى رمضان حاصل لأجل رؤية الهلال في تلك الليلة ولا عبرة بكبره. وأما قول ابن حجر فهو حاصل فهو حاصل وقت ليلة الرؤية فغير صحيح لإضافة الوقت إلى الليلة وهي الوقت أيضاً - انتهى. فتأمل (وفي رواية عنه) أي عن أبي البختري (أهللنا هلال رمضان) في النهاية أهل المحرم بالحج إذ لبى ورفع صوته ومنه إهلال الهلال واستهلاله إذا رفع الصوت بالتكبير عند رؤيته - انتهى. فمعناه رأيناه هلال رمضان (ونحن بذات عرق) بكسر العين وسكون الراء. قال ابن حجر: فوق بطن نخلة بنحو يوم إذ هي على مرحلتين من مكة وبطن نخلة على مرحلة (يسأله) أي عما وقع بيننا مما تقدم (قد أمده لرؤيته) قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ أمده بألف في أوله. قال القاضي: قال بعضهم الوجه أن يكون أّمَده بتشديد الميم من الأمَد أو أَمدَّه من الإمداد. قال القاضي والصواب عندي: بقاء الرواية على وجهها ومعناه أطال مدته إلى الرؤية (أي أطال مدة شعبان إلى رؤية هلال رمضان) يقال منه مد وأمد قال الله تعالى: ﴿وإخوانهم يمدونهم في الغي﴾ [الأعراف:٢٠٢] قرئ بالوجهين أي يطيلون لهم. قال: وقد يكون أمده من المدة التي جعلت له. قال صاحب الأفعال: أمددتك مدة أي أعطيتكما - انتهى. قال الأبي الهاء في أمده عائد على الشهر بمعنى أن الله قد حكم بمد الشهر الأول إلى رؤية هلال الشهر الثاني (فإن أغمى عليكم) أي أخفى عليكم بنحو غيم (فأكملوا العدة) أي عدة شعبان ثلاثين يوماً كما في رواية للدارقطني. فيه أنه لا اعتبار بكبر الهلال وصغره وإنما العبرة بالرؤية أو بالكمال العدة ثلاثين. قال ابن حجر: لا ينافي هذه الرواية ما قبلها لاحتمال أنهم تراءوه بذات عرق وتنازعوا فيه فأرسلوا يسألونه فأجابهم بذلك. فلما وصلوا بطن نخلة رأوه فسألوه شفاها، فأجابهم بما يطابق الجواب الأول. وحاصلهما أنه لا بد في الحكم بدخول رمضان ليلة ثلاثي شعبان من رؤية هلاله ذكره القاري (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً الدارقطني وأخرج البيهقي الرواية الثانية.
(باب) : أي في مسائل متفرقة من كتاب الصوم.
стр. 2938
﴿الفصل الأول﴾
٢٠٠٢- (١) عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تسحروا فإن في السحور بركة)) .
ــ
٢٠٠٢- قوله: (تسحروا) تفعل من السحر بفتحتين وهو قبيل الصبح والمراد الأكل في ذلك الوقت أي تناولوا شيئاً ما وقت السحر لما روى عن أنس مرفوعاً تسحروا ولو بجرعة من ماء أخرجه أبويعلى بسند ضعيف. قال الحافظ: يحصل السحور بأكل ما يتناوله المرأ من مأكول ومشروب. وقد أخرج أحمد (ج٣ ص١٢، ٤٤) من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: السحور بركة فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء فإن الله وملائكة يصلون على المتسحرين، ولسعيد بن منصور من طريق أخرى مرسلة تسحروا ولو بلقمة- انتهى. وظاهر الأمر وجوب التسحر ولكنه صرفه عنه إلى الندب ما من مواصلته ﷺ ومواصلة أصحابه ونقل ابن المنذر الإجماع على أن التسحر مندوب (فإن في السحور بركة) بالنصب اسم "إن" والسحور بفتح السين اسم ما يتسحر به من الطعام والشراب، وبالضم أكله أي المصدر والفعل نفسه. قال السندي: الوجهان جائزان ههنا, والبركة في الطعام باعتبار ما في أكله من الأجر والثواب والتقوية على الصوم وما يتضمنه من الذكر والدعاء في ذلك الوقت والفتح هو المشهور رواية. وقال الجزري: في النهاية أكثر ما يروي بالفتح. وقيل: الصواب بالضم لأنه المصدر والأجر في الفعل لا في الطعام يعني إن الأكل هو محل البركة لا نفس الطعام والحق جواز الوجهين كما عرفت. قال ابن دقيق العيد: البركة محتملة لأن تضاف إلى كل واحد من الفعل والمتسحر به معاً. وقال الحافظ: السحور بفتح السين وبضمها لأن المراد بالبركة الأجر والثواب فيناسب الضم لأنه مصدر بمعنى التسحر أو البركة لكونه يقوي على الصوم وينشط له ويخفف المشقة فيه فيناسب الفتح لأنه ما يتسحر به. وقيل: البركة ما يتضمن من الاستيقاظ والدعاء في السحر والأولى أن البركة في السحور تحصل بجهات متعددة وهي إتباع السنة ومخالفة أهل الكتاب والتقوى به على العبادة، والزيادة في النشاط ومدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع، والتسبب بالصدقة على من يسأل إذ ذاك أو يجتمع معه على الأكل والتسبب للذكر والدعاء وقت مظنة الإجابة وتدارك نية الصوم لمن أغفلها قبل أن ينام. قال ابن دقيق العيد (ج٢ ص٢٠٨) هذه البركة يجوز أن تعود إلى الأمور الأخروية فإن إقامة السنة توجب الأجر وزيادته، ويحتمل أن تعود إلى الأمر الدنيوية كقوة البدن على الصوم وتيسيره من غير إضرار بالصائم. قال: ومما يعلل به استحباب السحور المخالفة لأهل الكتاب فإنه يمتنع عندهم السحور وهذا أحد الوجوه المقتضية للزيادة في الأجور الأخروية وقال (ج٢ ص٢٠٩- ٢١٠)
стр. 2939
متفق عليه.
٢٠٠٣- (٢) وعن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : ((فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر)) . رواه مسلم.
٢٠٠٤- (٣) وعن سهل، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يزال الناس بخير
ــ
أيضاً، وللمتصوفة في هذا يعني مسألة السحور كلام من جهة اعتبار معنى الصوم. وحكمته وهي كسر شهوة البطن والفرج والسحور قد يباين ذلك. قال والصواب: أن يقال ما زاد في المقدار حتى تنعدم هذه الحكمة بالكلية لا يستحب كعادة المترفين في التأنق في المآكل والمشارب وكثرة الاستعداد لها وما لا ينتهي إلى ذلك فهو مستحب على وجه الإطلاق. وقد يختلف مراتب هذا الاستحباب باختلاف مقاصد الناس وأحوالهم واختلاف مقدار ما يستعملون- انتهى. (متفق عليه) وأخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي والبيهقي. وفي الباب عن ابن مسعود وأبي هريرة عند النسائي وأبي سعيد أحمد والطبراني في الأوسط بنحو حديث أنس.
٢٠٠٣- قوله: (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب) "ما" زائدة أضيف إليها الفصل بمعنى الفرق قاله القاري وقال السندي: الفصل بمعنى الفاصل و"ما" موصولة وإضافته من إضافة الموصوف إلى الصفة، أي الفارق الذي بين صيامنا وصيام أهل الكتاب (أكلة السحر) قال النووي: الأكلة بفتح الهمزة هكذا ضبطناه وهكذا ضبطه الجمهور وهو المشهور في روايات بلادنا، وهي عبارة عن المرة الواحدة من الأكل كالغدوة والعشوة، وإن كثر المأكول فيها. وأما الأكلة بالضم فهي اللقمة الواحدة، وادعى القاضي عياض أن الرواية فيه بالضم، ولعله أراد رواية فيها بالضم. قال: والصواب الفتح لأنه المقصود هنا - انتهى كلام النووي. وقال القرطبي في ضبطه: بالضم بعد لأن الأكلة بالضم هي اللقمة وليس المراد إن المتسحر يأكل لقمة واحدة. قال: ويصح أن يقال عبر عما يتسحر به باللقمة لقلته- انتهى. وقال السندي: الأكلة بالضم لا تخلوا عن إشارة إلى أنه يكفي اللقمة في حصول الفرق- انتهى. والسحر بفتحتين آخر الليل. قال التوربشتي: والمعنى إن السحور هو الفارق بين صيامنا وصيام أهل الكتاب لأن الله تعالى أباحه لنا إلى الصبح بعد ما كان حراماً علينا أيضاً في بدء الإسلام وحرمه عليهم بعد أن يناموا، أو مطلقاً، ومخالفتنا إياهم في ذلك تقع موقع الشكر لتلك النعمة (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤ ص٢٠٢) والترمذي وأبوداود والنسائي والدارمي والبيهقي.
٢٠٠٤- قوله: (لا يزال الناس بخير) قال الحافظ: في حديث أبي هريرة يعني الآتي في الفصل الثالث لا يزال الدين ظاهراً وظهور الدين مستلزم لدوام الخير. وقال الشاه ولي الله الدهلوي: هذا إشارة إلى أن هذه المسألة
стр. 2940
ما عجلوا الفطر)) . متفق عليه.
٢٠٠٥- (٤) وعن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس
ــ
دخل فيها التحريف من أهل الكتاب فبمخالفتهم ورد تحريفهم قيام الملة (ما عجلوا الفطر) أي ما داموا على هذه السنة. قال السندي: أي مدة تعجيلهم "فما" ظرفية والمراد ما لم يؤخروا عن أول وقته بعد تحقق الوقت - انتهى. قال النووي: معناه لا يزال أمر الأمة منتظماً وهم بخير ماداموا محافظين على هذه السنة وإذا أخروه كان ذلك علامة على فساد يقعون فيه - انتهى. وقال الحافظ: زاد أبوذر في حديثه وأخروا السحور أخرجه أحمد "وما" ظرفية أي مدة فعلهم ذلك إمتثالاً للسنة واقفين عند حدها غير متنطعين بعقولهم ما يغير قواعدها، زاد أبوهريرة في حديثه لأن اليهود والنصارى يؤخرون أخرجه أبوداود وغيره. وتأخير أهل الكتاب له أمد وهو ظهر النجم. وقد روى ابن حبان والحاكم من حديث سهل أيضاً بلفظ: لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم، وفيه بيان العلة في ذلك. قال المهلب: والحكمة في ذلك أن لا يزاد في النهار من الليل ولأنه أرفق بالصائم وأقوى له على العبادة. واتفق العلماء على أن محل ذلك إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية أو بإخبار عدلين وكذا عدل واحد في الأرجح - انتهى كلام الحافظ. قال التوربشتي: ولو أن بعض الناس أخر الفطر وقصده في ذلك تأديب النفس ودفع جماحها أو مواصلة العشاءين بالنوافل غير معتقد وجوب التأخير لم يضره ذلك. قال القاري: بل يضره حيث يفوته السنة وتعجيل الإفطار بشربة ماء لا ينافي في التأديب. والمواصلة مع أن في التعجيل إظهار العجز المناسب للعبودية ومبادرة إلى قبول الرخصة من الحضرة الربوبية- انتهى. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥:ص٢٣١-٢٣٤- ٢٤٦-٢٣٧-٢٣٩) والترمذي ومالك وابن ماجه والدارمي والبيهقي، وأخرج ابن حبان وابن خزيمة والحاكم بنحوه.
٢٠٠٥- قوله: (إذا أقبل الليل) أي ظلامه (من ههنا) أي من جهة المشرق ففي حديث عبد الله بن أبي أوفى عند البخاري إذا رأيتم الليل أقبل من ههنا وأشارة بأصبعه قبل المشرق (وأدبر النهار) أي ضياءه فكل على حذف مضاف (من ههنا) أي من جهة المغرب (وغربت) بفتح الراء أي غابت (الشمس) أي كلها. قال الطيبي: وإنما قال غربت الشمس مع الاستغناء عنه لبيان كمال الغروب، كيلا يظن أنه يجوز الإفطار لغروب بعضها- انتهى. وقال الحافظ: ذكر في هذا الحديث ثلاثة أمور، لأنها وإن كانت متلازمة في الأصل لكنها قد تكون في الظاهر غير متلازمة، فقد يظن إقبال الليل من جهة المشرق ولا يكون إقباله حقيقة، بل لوجود أمر يغطي ضوء
стр. 2941
فقد أفطر الصائم)) . متفق عليه.
٢٠٠٦ - (٥) وعن أبي هريرة، قال: نهى رسول الله ﷺ : ((عن الوصال في الصوم.
ــ
الشمس، وكذلك إدبار النهار. فمن ثم قيد بقوله "وغربت الشمس" إشارة إلى تحقق الإقبال والابادر وإنهما بواسطة غروب الشمس لا بسبب آخر (فقد أفطر الصائم) أي أنقضى صومه شرعاً وتم ولا يوصف الآن بأنه صائم فإن بغروب الشمس خرج النهار ودخل الليل والليل ليس محلاً للصوم قاله النووي. وقال الحافظ: أي دخل في وقت الفطر وجاز له أن يفطر كما يقال أنجد إذا أقام بنجد وأتهم إذا أقام بتهامة (وأصبح إذا دخل في وقت الصبح وأمسى وأظهر كذلك) . ويحتمل أن يكون معناه فقد صار مفطراً في الحكم (وإن لم يفطر حساً) لكون الليل ليس ظرفاً للصيام الشرعي. وقد رد هذا الإحتمال ابن خزيمة. وأومأ إلى ترجيح الأول (من المعنيين اللذين ذكرهما الحافظ) فقال قوله فقد "أفطر الصائم" لفظ خبر ومعناه الأمر أي فليفطر الصائم ولو كان المراد فقد صار مفطراً كان فطر جميع الصوام واحداً ولم يكن للترغيب في تعجيل الافطار معنى - انتهى. ورجح الحافظ المعنى الأول بما وقع في حديث عبد الله بن أبي أوفى عند أحمد (ج٤:ص٣٨٢) من طريق شعبة عن سليمان الشيباني بلفظ: إذا جاء الليل من ههنا فقد حل الافطار. وقال الطيبي: ويمكن أن يحمل الأخبار على الإنشاء إظهاراً للحرص على وقوع المأمور به. قال ابن حجر: أي إذا أقبل الليل فليفطر الصائم وذلك إن الخيرية منوطة بتعجيل الافطار فكأنه قد وقع وحصل وهو يخبر عنه (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج١:ص٢٨-٣٥-٤٨-٥٤) والترمذي وأبوداود والدارمي وابن خزيمة والبيهقي (ج٤:ص٢١٦-٢٣٧) .
٢٠٠٦- قوله: (نهى عن الوصال في الصوم) هو تتابع الصوم من غير فطر بالليل. وقال الحافظ: هو الترك في ليالي الصيام لما يفطر بالنهار بالقصد فيخرج من أمسك اتفاقاً ويدخل من أمسك جميع الليل أو بعضه- انتهى. وقال الطحاوي: هو أن يصوم ولا يفطر بعد الغروب أصلاً حتى يتصل صوم الغد بالأمس والفرق بين صيام الوصال وصيام الدهر، إن من صام يومين أو أكثر ولم يفطر ليلتهما فهو مواصل، وليس هذا صوم الدهر ومن صام عمره وأفطر جميع لياله هو صائم الدهر، وليس بمواصل. فهما حقيقتان مختلفان متغائرتان. والحديث دليل على تحريم الوصال لأنه الأصل في النهى. واختلف العلماء في ذلك على أقوال كما ستعرف، وقد أبيح الوصال إلى السحر لحديث أبي سعيد عند البخاري ومسلم لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر، وفي حديث أبي سعيد هذا دليل على أن إمساك بعض الليل مواصلة واختلف العلماء في حكم الوصال بترك الافطار مطلقاً
стр. 2942
..................................
ــ
فذهب أهل الظاهر إلى القول بتحريمه صرح به ابن حزم وصححه ابن العربي من المالكية، وللشافعية فيه وجهان، التحريم والكراهة التنزيهه، والراجح الأصح عندهم التحريم. قال ابن قدامة: ظاهر قول الشافعي أنه محرم تقريراً لظاهر النهى - انتهى. وذهب مالك وأحمد وأبوحنيفة وإتباعهم إلى أنه غير محرم بل مكروه تنزيهاً وذهب جماعة من السلف إلى جوازه مطلقاً وقيل محرم في حق من يشق عليه ويباح لمن لا يشق عليه. قال الحافظ: اختلف في المنع المذكور في أحاديث النهى عن الوصال. فقيل على سبيل التحريم. وقيل: على سبيل الكراهة. وقيل: يحرم على من شق عليه ويباح لمن لا يشق عليه، وقد اختلف السلف (أي الصحابة والتابعون) في ذلك فنقل التفصيل عن عبد الله بن الزبير وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه أنه كان يواصل خمسة عشر يوماً، وذهب إليه من الصحابة أيضاً أخت أبي سعيد الخدري، ومن التابعين عبد الرحمن بن أبي نعم وعامر بن الزبير وإبراهيم بن يزيد التيمي وأبوالجوزاء كما نقله أبونعيم في ترجمته في الحلية وغيرهم رواه الطبري وغيره من حجتهم في ذلك ما ثبت عنه ﷺ أنه واصل بأصحابه بعد النهى لما أبو أن ينتهوا عن الوصال فواصل بهم يوماً ثم يوماً ثم رأوا الهلال. فقال: لو تأخر لزدتكم كالتنكيل لهم حين أبو أن ينتهوا، فلو كان النهى للتحريم لما أقرهم على فعله، فعلم أنه أراد بالنهى الرحمة لهم والتخفيف عنهم كما صرحت به عائشة في حديثها عند الشيخين، حيث قالت نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة لهم، وهذا مثل ما نهاهم عن قيام الليل خشية أن يفرض عليهم ولم ينكر على من بلغه أنه فعله ممن لم يشق عليه فمن لم يشق عليه ولم يقصد موافقة أهل الكتاب ولا رغب عن السنة في تعجيل الفطر لم يمنع من الوصال ويدل على أنه ليس بمحرم حديث أبي داود عن رجل من الصحابة، قال نهى النبي ﷺ عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما أبقاء على أصحابه إسناده صحيح كما قال الحافظ: وأبقاءه متعلق بقوله نهى وروى البزار والطبراني من حديث سمرة نهى النبي ﷺ عن الوصال وليس بالعزيمة وإسناده ضعيف كما قال الهيثمي: لكنه يصلح شاهداً للحديث السابق ومن أدلة الجواز إقدام الصحابة على الوصال بعد النهى فإن ذلك يدل على أنهم فهموا أن النهى للتنزيه لا للتحريم وإلا لما لقدموا عليه ويؤيد أنه ليس بمحرم أيضاً ما روى أحمد والطبراني وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم في تفسيريهما بإسناد صحيح إلى ليلى امرأة بشير بن الخصاصية، قالت أردت أن أصوم يومين مواصلة فمنعني بشير. وقال: إن النبي ﷺ نهى عن هذا، وقال يفعل ذلك النصارى ولكن صوموا كما أمركم الله تعالى: ﴿أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧] فإذا كان الليل فأفطروا لفظ ابن أبي حاتم قال الحافظ: فيه أنه ﷺ سوى في علة النهى بين الوصال وبين تأخير الفطر حيث قال في كل منهما أنه فعل أهل الكتاب ولم يقل أحد بتحريم تأخير الفطر سوى بعض من لا يعتد به من أهل
стр. 2943
..................................
ــ
الظاهر- انتهى. قال الشوكاني: فلا أقل من أن تكون هذه الأدلة التي ذكروها صارفة للنهى عن الوصال عن حقيقته- انتهى. قال الحافظ: ويدل على أنه ليس بمحرم من حيث المعنى ما فيه من فطم النفس عن شهواتها وقمعها عن ملذاتها فلهذا استمر على القول بجوازه مطلقاً أو مقيداً بمن لم يشق عليه من تقدم ذكره - انتهى. واحتج من ذهب إلى تحريم الوصال بما ثبت من النهى عنه في حديث أبي هريرة وحديث أنس وحديث ابن عمر وحديث عائشة متفق عليهن، فإن النهى حقيقة في التحريم. وقد تقدم الجواب عن هذا في كلام الشوكاني فتفكر. واحتجوا أيضاً بقوله ﷺ في حديث عمر المتقدم إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم إذ لم يجعل الليل محلاً لسوى الفطر، فالصوم فيه مخالفة لوضعه كيوم الفطر وأجاب هؤلاء عن قول عائشة رحمة لهم بأن هذا لا يمنع التحريم فإن من رحمته لهم إن حرمه عليهم. وأما مواصلته بأصحابه بعد نهيه فلم يكن تقريراً بل تقريعاً وتنكيلاً فاحتمل منهم ذلك لأجل مصلحة النهى في تأكيد زجرهم، لأنهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمة النهى. وكان ذلك ادعى إلى قلوبهم لما يترتب عليهم من الملل في العبادة، والتقصير فيما هو أهم منه وأرجح من وظائف الصلاة والقراءة وغير ذلك والجوع الشديد ينافي ذلك، وقد صرح بأن الوصال يختص به لقوله: "لست في ذلك مثلكم" وقوله:"لست كهيئتكم" هذا مع ما انضم إلى ذلك من استحباب تعجيل الفطر كما تقدم كذا في الفتح والأقرب من الأقوال المذكورة عندي هو التفصيل والله تعالى أعلم. وأما الوصال إلى السحر فاختلفوا فيه أيضاً. قال مالك: أنه مكروه لعموم النهى. وقال أحمد: لا يكره بل يجوز لكن تعجيل الفطر أفضل أي ترك الوصال إلى السحر أولى ولم يتعرض له فقهاء الحنفية، والذي يظهر من كلامهم وكلام الشافعية أن الوصال إلى السحر ليس بشيء. قال الحافظ: ذهب أحمد وإسحاق وابن المنذر وابن خزيمة وجماعة من المالكية (والبخاري وطائفة من أهل الحديث) إلى جواز الوصال إلى السحر لحديث أبي سعيد المذكور، وهذا الوصال لا يترتب عليه شيء مما يترتب على غيره (أي الوصال بعدم الافطار مطلقاً) لأنه في الحقيقة بمنزلة عشاءه إلا أنه يؤخره لأن الصائم له في اليوم والليلة، أكلة فإذا أكلها في السحر كان قد نقلها من أول الليل إلى آخره وكان أخف لجسمه في قيام الليل، ولا يخفى إن محل ذلك ما لم يشق على الصائم وإلا فلا يكون قربة وانفصل أكثر الشافعية عن ذلك بأن الإمساك إلى السحر ليس وصالاً بل الوصال أن يمسك في الليل جميعه كما يمسك في النهار، وإنما أطلق على الإمساك إلى السحر وصالاً لمشابهته الوصال في الصورة. ويحتاج إلى ثبوت الدعوى بأن الوصال إنما هو حقيقة في إمساك جميع الليل. وقد ورد أن النبي ﷺ كان يواصل من سحر إلى سحر أخرجه أحمد وعبد الرزاق من حديث علي، والطبراني من حديث جابر، وأخرجه سعيد بن منصور مرسلاً - انتهى. والقول الراجح عندي هو
стр. 2944
فقال له رجل إنك تواصل يا رسول الله! قال: وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني)) .
ــ
ما ذهب إليه أحمد والله تعالى أعلم (فقال له رجل) كذا في هذه الرواية وفي أكثر الأحاديث قالوا: بالجمع. قال الحافظ: وكأن القائل واحد، ونسب القول إلى الجميع لرضاهم به ولم أقف على تسمية القائل في شيء من الطرق (إنك تواصل يا رسول الله) أي ووصلك دال على إباحته فأجابهم ﷺ بأن ذ لك من خصائصه حيث (قال وأيكم مثلي) بكسر الميم، وفي رواية لمسلم لستم في ذلك مثلي، وفي حديث أنس لست كأحد منكم، وفي حديث ابن عمر لست مثلكم، وفي حديث أبي سعيد لست كهيئتكم، قال الحافظ: بعد ذكر رواية الكتاب وهذا الاستفهام يفيد التوبيخ المشعر بالاستبعاد وقوله: "مثلي" أي على صفتي أو منزلتي من ربي (إني) استيناف مبين لنفي المساواة بعد نفيها بالاستفهام الإنكاري (أبيت) وفي حديث أنس عند البخاري في التمنى إني أظل، وهو محمول على مطلق الكون لا على حقيقة اللفظ، لأن المتحدث عنه هو الإمساك ليلاً لا، نهاراً، وأكثر الروايات إنما هو بلفظ: أبيت فكأن بعض الرواة عبر عنها بلفظ: أظل نظراً إلى اشتراكهما في مطلق الكون يقولون كثيراً أضحى فلان كذا مثلا، ولا يريدون تخصيص ذلك بوقت الضحى ومنه قوله تعالى: ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً﴾ [النحل:٥٨] فإن المراد به مطلق الوقت ولا اختصاص لذلك بنهار دون ليل (يطعمني ربي) قال الطيبي: إما خبر وإما حال إن كان تامة وفي التعبير بالرب إشارة إلى خصيصة المقام بشأن الربوبية (ويسقيني) بفتح الياء ويضم، واختلف في معنى قوله: "يطعمني ويسقيني" على قولين الأول أنه على ظاهره وحقيقته وأنه ﷺ كان يؤتى بطعام وشراب من عند الله كرامة له يتناولهما في ليالي صيامه وتعقبه ابن بطال والقرطبي وابن قدامة ومن تبعهم بأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلاً لأنه حينئذٍ يكون مفطراً وقد أقرهم على قولهم إنك تواصل وأجيب بأن ما يؤتى به الرسول على سبيل الكرامة من طعام الجنة وشرابها لا تجري عليه أحكام المكلفين فيه كما غسل صدره ﷺ في طست الذهب، مع أن استعمال أواني الذهب الدينيوية حرام. وقال ابن المنير: الذي يفطر شرعاً إنما هو الطعام المعتاد وأما الخارق للعادة كالمحضر من الجنة فعلى غير هذا المعنى وليس تعاطيه من جنس الأعمال، وإنما هو من جنس الثواب كأكل أهل الجنة، والكرامة لا تبطل العبادة وثانيهما وهو قول الجمهور إنه مجاز واختلفوا في توجيهه على أقوال. أحدها أنه مجاز عن لازم الطعام والشراب وهو القوة فكأنه قال يعطيني قوة الآكل والشارب ويفيض علي ما يسد مسد الطعام والشراب ويقوي على أنواع الطاعات من غير ضعف في القوة ولإكلال في الأعضاء والثاني إن الله يخلق فيه من الشبع والرى ما يغنيه عن الطعام والشراب فلا يحس بجوع ولا عطش والفرق بينه وبين الأول أنه على الأول يعطى القوة من غير شبع ولا ري مع الجوع
стр. 2945
متفق عليه.
﴿الفصل الثاني﴾
٢٠٠٧- (٦) عن حفصة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((من لم يجمع الصيام
ــ
والظمأ. وعلى الثاني يعطي القوة مع الشبع والري، ورجح الأول بأن الثاني ينافي حال الصائم ويفوت المقصود من الصيام والوصال لأن الجوع هو روح هذه العبادة بخصوصها. قال القرطبي: ويبعده أيضاً النظر إلى حاله ﷺ فإنه كان يجوع أكثر مما يشبع ويربط على بطنه الحجارة من الجوع والثالث إن المراد أنه يشغلني بالتفكر في عظمته والتملى بمشاهدته والتغذى بمعارفه وقرة العين بمحبته والاستغراق في مناجاته والإقبال عليه عن الطعام والشراب وإلى هذا جنح ابن القيم حيث قال المراد به ما يغذيه الله به من المعارف وما يفيض على قلبه من لذة مناجاته وقرة عينه بقربه وتنعمه بحبه والشوق إليه وتوابع ذلك من الأحوال التي هي غذاء القلوب ونعيم الأرواح وقرة العين وبهجة النفوس وللروح والقلب بها أعظم غذاء وأجوده وأنفعه. وقد يقوى هذا الغذاء حتى يغنى عن غذاء الأجسام مرة من الزمان كما قيل:
لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد
لها بوجهك نور يستضاء به ... ومن حديثك في أعقابها حاد
إذا اشتكت من كلال السير أوعدها ... روح القدوم فتحيا عند ميعاد
ومن له أدنى تجربة وشوق يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الحيواني، ولاسيما المسرور الفرحان الظافر بمطلوبه الذي قد قرت عينه بمحبوبه وتنعم بقربه والرضا عنه وألطف محبوبه وهداياه وتحفه تصل إليه كل وقت ومحبوبه حفى به معتز بأمره مكرم له غاية الإكرام مع المحبة التامة له أفليس في هذا أعظم غذاء لهذا المحب فكيف بالحبيب الذي لا شيء أجل منه ولا أعظم ولا أجمل ولا أكمل ولا أعظم إحساناً إذا امتلأ قلب المحب بحبه وملك حبه جميع أجزاء قلبه وجوارحه وتمكن منه حبه أعظم تمكن وهذا حاله مع حبيبه أفليس هذا المحب عند حبيبه يطعمه ويسقيه ليلاً ونهاراً- انتهى. وفي الحديث دليل على أن الوصال من خصائصه ﷺ وعلى أن غيره ممنوع منه إلا ما وقع فيه الترخيص من الإذن فيه إلى السحر. واختلف في المنع المذكور على أقوال تقدم ذكرها وبيان ما هو الراجح منها (متفق عليه) أخرجه البخاري في الصيام وفي التغرير من كتاب المحاربين وفي التمنى والاعتصام ومسلم في الصيام، وأخرجه أيضاً أحمد ومالك والدارمي والبيهقي (ج٤:ص٢٨٢) .
٢٠٠٧- قوله: (من لم يجمع الصيام) بضم الياء وسكون الجيم من الإجماع. قال الخطابي، والمنذري
следующие страницы →