← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

٢٤٤٤- (٦) وعن عبد الله بن سرجس قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر يتعوذ من وعثاء السفر وكآبة المنقلب والحور بعد الكور، ودعوة المظلوم، ــ ٢٤٤٤- قوله: (وعن عبد الله بن سرجس) بفتح السين وكسر الجيم على وزن نرجس مصروفًا، (إذا سافر يتعوذ) ، أي بالله (وكآبة المنقلب) بفتح الكاف وهمزة ممدودة أو ساكنة كرأفة ورآفة. في القاموس: الكأب والكأبة والكآبة: الغم وسوء الحال والانكسار من حزن والمنقلب بفتح اللام مصدر بمعنى الانقلاب أو اسم مكان والإضافة ظرفية. قال الخطابي: معناه أن ينقلب إلى أهله كئيبًا حزينًا لعدم قضاء حاجته أو إصابة آفة له أو يجدهم مرضى أو مات منهم بعضهم. وقال الجزري: المعنى أنه يرجع من سفره بأمر يحزنه إما إصابة في سفره وإما قدم عليه مثل أن يعود غير مقضي الحاجة أو أصابت ماله آفة أو يقدم على أهله فيجدهم مرضى أو قد فقد بعضهم (والحور بعد الكور) بفتح فسكون فيهما والحاء مهملة، أي من الانتقاص بعد الزيادة والاستكمال يعني من نقصان الحال والمال بعد زيادتهما وتمامهما، أي من أن ينقلب حالنا من السراء إلى الضراء ومن الصحة إلى المرض، وقيل: من فساد الأمور بعد صلاحها، وقيل: من التفرق بعد الاجتماع، وأصل الحور نقض العمامة بعد لفها، وأصل الكور من تكوير العمامة وهو لفها وجمعها، وقيل الحور الرجوع عن الجماعة بعد أن كان فيهم. وروى مسلم في صحيحه: ((من الحور بعد الكون)) بالنون مصدر كان يكون كونًا من كان التامة دون الناقصة يعني من النقصان والتغير بعد الثبات والاستقرار. وقيل: معناه الرجوع عن الحالة المستحسنة بعد أن كان عليها وفي، كلامهم حار بعد ما كان يريد كان على حالة جميلة فحار عن ذلك أي: رجع. قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ * بَلَى﴾ (٨٤: ١٤، ١٥) أي: لن يرجع. قال النووي في شرح مسلم: هكذا هو في معظم النسخ من صحيح مسلم ((بعد الكون)) بالنون بل لا يكاد يوجد في بلادنا إلا بالنون وكذا ضبطه الحفاظ المتقنون في صحيح مسلم. وقال في الأذكار: رواية النون أكثر وهي التي في أكثر أصول صحيح مسلم بل هي المشهورة فيها. قال الترمذي بعد ذكر الروايتين: وكلاهما له وجه. قال: يقال: إنما هو الرجوع من الإيمان إلى الكفر أو من الطاعة إلى المعصية، إنما يعني الرجوع من شيء إلى شيء من الشر. قال النووي بعد ذكر كلام الترمذي هذا وكذا قال غيره من العلماء معناه بالراء والنون جميعًا الرجوع من الاستقامة أو الزيادة إلى النقص. قالوا ورواية مأخوذة من تكوير العمامة وهو لفها وجمعها، ورواية النون مأخوذة من الكون مصدر كان يكون كونًا إذا وجد واستقر أي أعوذ بك من النقص بعد الوجود والثبات. قال المازري في رواية الراء: قيل أيضًا: أن معناه أعوذ بك من الرجوع عن الجماعة بعد أن كنا فيها، يقال: كار عمامته إذا لفها، وحارها إذا نقضها. وقيل: نعوذ بك من أن تفسد أمورنا بعد صلاحها كفساد العمامة بعد استقامتها على الرأس، وعلى رواية النون قال أبو عبيد سئل عاصم عن معناه فقال: ألم تسمع قولهم حار بعد ما كان أي إنه كان على حالة جميلة فرجع عنها - انتهى (ودعوة المظلوم) أي أعوذ بك من الظلم

стр. 3677

وسوء المنظر في الأهل والمال. رواه مسلم. ٢٤٤٥- (٧) وعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ ــ فإنه يترتب عليه دعاء المظلوم، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب. ففيه التحذير من الظلم ومن التعرض لأسبابه. قال الطيبي: فإن قلت: دعوة المظلوم يحترز عنها سواء كانت في الحضر أو السفر. قلت: كذلك الحور بعد الكور لكن السفر مظنة البلايا والمصائب والمشقة فيه أكثر فخصت به، أو لأن دعوة المظلوم المسافر الذي لا يلقى الإعانة والإغاثة أقرب إلى الإجابة لاجتماع الكربة والغربة وعدم الإعانة والإغاثة (وسوء المنظر) بفتح الظاء المعجمة (في الأهل والمال) وهو كل ما يسوء النظر إليه وسماعه فيهما. قال الباجي: يريد الاستعاذة من أن يكون في أهله وماله ما يسوء النظر إليه. يقال: منظر حسن ومنظر قبيح. وقال القاري: أي من أن يطمع ظالم أو فاجر في المال والأهل. وقال السندي: المراد بسوء المنظر كل منظر يعقب النظر إليه سوءًا. (رواه مسلم) في المناسك وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥: ص٨٢، ٨٣) والترمذي في الدعوات، والنسائي في الاستعاذة، وفي السير من الكبرى، وفي اليوم والليلة، وابن ماجة في الدعاء، وابن السني (ص١٥٧) والبغوي (ج٥: ص١٣٦) . ٢٤٤٥- قوله: (وعن خولة) بفتح المعجمة وسكون الواو (بنت حكيم) بن أمية السلمية يقال: كنيتها أم شريك ويقال لها أيضًا: خويلة بالتصغير صحابية شهيرة. يقال: إنها كانت من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي ﷺ وكانت قبل تحت عثمان ابن مظعون. قال ابن عبد البر: وكانت صالحة فاضلة روت عن النبي ﷺ ، وعنها سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير وغيرهما. قال الخزرجي: لها خمسة عشر حديثًا انفرد لها مسلم بحديث. يعني الذي نحن بصدد شرحه. قال القاري: وليس لها في الكتب (أي صحيح مسلم، وجامع الترمذي، والسنن الكبرى للنسائي، وسنن ابن ماجة، والموطأ) سوى هذا الحديث الواحد (من نزل منزلاً) في سفر أو حضر ولا وجه لتقييده بالسفر مع التنكير. قال الزرقاني: منزلاً أي مظنة للهوام والحشرات ونحوهما مما يؤذي ولو في غير سفر (فقال) في صحيح مسلم: ((ثم قال)) وهكذا في جامع الأصول والأذكار وكذا وقع عند الترمذي وأحمد في رواية وفي أخرى له ((فقال)) وفي رواية لمسلم ((إذا نزل أحدكم منزلاً فليقل)) وفي الموطأ وشرح السنة ((من نزل منزلاً فليقل)) وهو أمر ندب يدل عليه رواية الكتاب، ورواية أحمد بلفظ ((لو أن أحدكم إذا نزل منزلاً قال: أعوذ)) الحديث. (أعوذ) أي أعتصم (بكلمات الله) قال الهروي وغيره: الكلمات هي القرآن وقيل أسماءه وصفاته لأن كل واحد منها تامة لا نقص فيها لأنها قديمة والنقصان إنما يكون في المحدثات. وقيل هي جميع ما أنزله على أنبياءه لأن الجمع المضاف إلى المعارف يعم أي يقتضي العموم (التامات) أي الكاملات التي

стр. 3678

مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ. لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ. رواه مسلم. ٢٤٤٦- (٨) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رسول الله ﷺ ــ لا يدخل فيها نقص ولا عيب، وقيل: هي النافعات الكافيات الشافيات من كل ما يتعوذ منه. يعني أنها تنفع المقولة له وتحفظه من الآفات وتكفيه. قال الجزري: وصف كلمات بالتمام إذ لا يجوز أن يكون شيء من كلامه ناقصًا ولا فيه عيب كما يكون في كلام الآدميين. وقيل: معنى التمام ههنا: أن ينتفع بها المتعوذ وتحفظه من الآفات - انتهى. وقال الباجي: وصفها بالتمام على الإطلاق يحتمل أن يريد به أنه لا يدخلها نقص وإن كان كلمات غيره يدخلها النقص، ويحتمل أن يريد بذلك الفاضلة، يقال: فلان تام وكامل أي فاضل، ويحتمل أن يريد به الثابت حكمها، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾ (٧: ١٣٧) انتهى. قال الخطابي: كان الإمام أحمد يستدل به على أن كلام الله غير مخلوق لأنه ﷺ لا يستعيذ بمخلوق (من شر ما خلق) عبر بما للتعميم (لم يضره) بفتح الراء وضمها (شيء) أي من المخلوقات. قال المناوي: الشيء عند أهل السنة الموجود ويدخل فيه الموجودات كلها (حتى يرتحل) أي ينتقل (من منزله ذلك) قال الباجي: يريد أن تعوذه يتناول مدة مقامه فيه. قال الزرقاني: وشرط نفع ذلك الحضور والنية وهي استحضار أنه ﷺ أرشده إلى التحصن به وأنه الصادق المصدوق، فلو قاله أحد واتفق أنه ضره شيء فلأنه لم يقله بنية وقوة يقين وليس ذلك خاصًا بمنازل السفر بل عام في كل موضع جلس فيه أو نام. وقال المناوي: والظاهر حصول ذلك لكل داع بقلب حاضر وتوجه تام فلا يختص بمجاب الدعوة. قال القاري: في الحديث رد على ما كان يفعله أهل الجاهلية من كونهم، إذا نزلوا منزلاً قالوا: نعوذ بسيد هذا الوادي ويعنون به كبير الجن ومنه قوله تعالى في سورة الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ (٧٢: ٦) (رواه مسلم) في الدعاء، وأخرجه أيضًا البخاري في خلق أفعال العباد، وأحمد (ج٦: ص٣٧٧، ٤٠٩) ، والترمذي في الدعوات، والنسائي في الكبرى، ومالك في كتاب الجامع من الموطأ، وابن ماجة في الطب، وابن السني (ص١٦٨) والدارمي (ص٣٥٩) ، والبغوي (ج٥: ص١٤٥) ، وابن أبي شيبة، والطبراني، وزاد البخاري، والبغوي في آخره ((إن شاء الله)) وفي الباب عن عبد الرحمن بن عائش أخرجه أبو نعيم في المعرفة، وفي اليوم والليلة كما في الإصابة (ج٢: ص٤٠٦) ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠: ص١٣٣) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. ٢٤٤٦- قوله (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ) وفي خلق أفعال العباد والموطأ، وشرح السنة عن أبي صالح عن أبي هريرة ((أن رجلاً من أسلم قال: ما نمت هذه الليلة فقال له رسول الله ﷺ : من أي شيء؟ فقال: لدغتني عقرب)) الحديث. وهكذا وقع في رواية لأحمد، وهذا ظاهر في أن اللديغ رجل من أسلم، وروى أبو داود عن أبي صالح عن رجل من أسلم قال: كنت جالسًا عند رسول الله ﷺ فجاء رجل من أصحابه فقال يا رسول الله: لدغت الليلة فلم أنم

стр. 3679

فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي الْبَارِحَةَ. قَالَ: أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرَّكَ. رواه مسلم. ٢٤٤٧- (٩) وعنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ وَأَسْحَرَ يَقُولُ: سَمِعَ سَامِعٌ بِحَمْدِ اللَّهِ ــ الحديث. وأخرجه النسائي كذلك، وهذا يدل على أن اللديغ رجل آخر غير الأسلمي، ويحتمل أنهما قصتان وقعت القصة مرة للرجل الأسلمي وأخرى لغيره. والله تعالى أعلم. (فقال يا رسول الله ما لقيت) ما استفهامية للتعجب أي أي شيء لقيت، أي لقيت أمرًا عظيمًا ووجعًا شديدًا. أو موصولة والخبر محذوف، أي الذي لقيته لا أقدر وصفه لعظم شدته (من عقرب لدغتني البارحة) ، أي الليلة الماضية (قال) أي النبي ﷺ : (أما) بفتح الهمزة وخفة الميم (لو قلت) شرطية (من شر ما خلق) ، أي من شر خلقه وهو ما يفعله المكلفون من إثم ومضارة بعض لبعض من نحو ظلم وبغي وقتل وضرب وشتم وغيرهم من نحو لدغ ونهش وعض، وزاد ابن السني ((ثلاثًا)) ، أي لو قلت هذا التعوذ ثلاث مرات (لم تضرك) أي العقرب بأن يحال بينك وبين كمال تأثيرها بحسب كمال المتعوذ وقوته وضعفه لأن الأدوية الإلهية تمنع من الداء بعد حصوله وتمنع من وقوعه وإن وقع لم يضره. قال القرطبي: جربت ذلك فوجدته صدقًا تركت ليلة فلدغتني عقرب فتفكرت فإذا أنا نسيت هذا التعوذ. (رواه مسلم) في الدعاء، وأخرجه أيضًا أحمد، ومالك في كتاب الجامع من الموطأ، وأبو داود في الطب، والنسائي في الكبرى، وابن ماجة في الطب، وابن السني في عمل اليوم والليلة (ص٢٢٧) ، والبغوي (ج٥: ص١٤٦) وزاد في آخره ((إن شاء الله)) وروى أحمد (ج٢: ص١٩١) ، والترمذي، والحاكم (ج٤: ص٤١٦) ، وابن حبان عن سهيل عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ واللفظ لأحمد قال: من قال إذا أمسى ثلاث مرات ((أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)) لم يضره حمة تلك الليلة. قال (سهيل) : فكان أهلنا قد تعلموها فكانوا يقولونها فلدغت جارية منهم فلم تجد لها وجعًا. ورواه الطبراني بلفظ: من قال إذا أمسى ((أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)) لم يضره شيء. وزاد أحمد في آخر حديث سهيل عن أبيه عن رجل من أسلم قال سهيل فكان أبي (أي أبو صالح) إذا لدغ أحد منا يقول: قالها؟ فإن قالوا نعم قال: كأنه يرى أنها لا تضره. ٢٤٤٧- قوله (كان إذا كان في سفر وأسحر) ، أي دخل في وقت السحر بفتحتين وهو قبيل الصبح، وقال الزمخشري هو السدس الأخير من الليل (سمع سامع بحمد الله) روى سمع بفتح الميم وتشديدها من التسميع بمعنى الإسماع للغير كذا ضبطه القاضي عياض وصاحب المطالع وأشار إلى أنه رواية أكثر رواة مسلم. قالا: ومعناه بلغ سامع قولي هذا لغيره وقال مثله تنبيهًا على الذكر في السحر والدعاء في ذلك، وروي بكسر الميم وتخفيفها من السمع وكذا ضبطه الخطابي وآخرون. قال الخطابي: معناه شهد شاهد وهو أمر بلفظ الخبر يريد به الإشهاد على ما يقوله وحقيقته ليسمع السامع

стр. 3680

وَحُسْنِ بَلائِهِ عَلَيْنَا رَبَّنَا صَاحِبْنَا وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ النَّارِ. رواه مسلم. ٢٤٤٨- (١٠) وعن ابْنِ عُمَرَ قال: كَانَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ــ وليشهد الشاهد حمدنا لله تعالى وحسن بلائه، أي إنعامه علينا فإنا نعترف بذلك ونشهده عليه، وقال في اللمعات بعد ذكر الروايتين: وعلى الوجهين هو خبر بمعنى الأمر فالمعنى على الأول ليبلغ سامع قولي هذا إلى غيره ليسعى إلى الحمد والذكر والدعاء في هذا الوقت. وعلى الثاني ليسمع كل من يأتي منه السماع وليشهد على حمدنا لله تعالى. وقال التوربشتي: الحمل على الخبر أولى وأقوى لظاهر اللفظ، والمعنى أن من كان له سمع فقد سمع بحمدنا وحسن بلائه، أي حسن إنعامه وأفضاله علينا وأن كلا الأمرين أي حمدنا لله تعالى على نعمه وإنعامه علينا قد اشتهر واستفاض حتى لا يكاد يخفى على ذي سمع (وحسن بلائه علينا) ، أي حسن إنعامه وأفضاله علينا. قال الجزري في جامع الأصول: حسن البلاء النعمة والبلاء الاختبار والامتحان فالاختبار بالخير ليتبين الشكر وبالشر ليظهر الصبر. وقال التوربشتي: أراد بالبلاء النعمة والله سبحانه يبلو عباده تارة بالمضار ليصبروا وطوراً بالمسار ليشكروا ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٢١: ٣٥) فالمحنة والمنحة جميعًا بلاء لمواقع الاختبار وكلاهما نعمة باعتبار حصول الأجر والمنحة أعظم البلائين لا سيما لذوي النفوس الكاملة لأنها الموجبة للقيام بحقوق الشكر والقيام بها أتم وأصعب وأعلى وأفضل من القيام بحقوق الصبر (ربنا صاحبنا) بسكون الموحدة صيغة الأمر من المصاحبة، أي كن لنا صاحبًا بالإعانة والإغاثة والكلاءة والحفظ. قال النووي: أي احفظنا وحطنا واكلأنا ومن صحبه الله لم يضره شيء (وأفضل علينا) أمر من الإفضال، أي أحسن إلينا وتفضل علينا بإدامة النعمة والتوفيق للقيام بحقوقها (عائذًا بالله من النار) اسم فاعل أقيم مقام المصدر كقولهم قم قائمًا، أي قيامًا فالنصب على المصدر يعني نعوذ بالله عياذًا، أو حال من فاعل يقول فيكون من كلام الراوي. ويجوز أن يكون من كلام الرسول فيكون حالاً من فاعل فعل مقدر هو أقول بصيغة المتكلم والتقدير: أقول ذلك عائذًا بالله من النار. وإليه مال النووي حيث قال: منصوب على الحال، أي أقول هذا في حال استعاذتي واستجارتي بالله من النار. (رواه مسلم) في الدعاء، وأخرجه أيضًا أبو داود في الأدب، والنسائي، وابن السني (ص١٦٤) ، والحاكم (ج١: ص٤٤٦) ، وأبو عوانة، وزاد أبو داود والحاكم بعد قوله بحمده ((ونعمته)) وزاد أيضًا الحاكم وأبو عوانة ((يقول ذلك ثلاث مرات ويرفع صوته)) كذا في الحصن. ٢٤٤٨- قوله (إذا قفل) بقاف ثم فاء أي رجع وزنه ومعناه، ومنه تسمى القافلة، في النهاية: قفل أي عاد من سفره وقد يقال للسفر قفول في الذهاب والمجئي وأكثر ما يستعمل في الرجوع (من غزو أو حج أو عمرة) كأنه قصد استيعاب أنواع سفره ﷺ ببيان أنه لا يخرج عن هذه الثلاثة وإلا فظاهره اختصاص ذلك بهذه الأمور الثلاث وليس الحكم كذلك عند الجمهور بل يشرع قول ذلك في كل سفر إذا كان سفر طاعة كصلة الرحم وطلب العلم لما يشمل الجميع من اسم الطاعة. وقيل: يتعدى أيضًا إلى المباح لأن المسافر فيه لا ثواب له فلا يمتنع عليه فعل ما يحصل له الثواب

стр. 3681

يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ آئِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ ــ وقيل: يشرع في سفر المعصية أيضًا لأن مرتكبها أحوج إلى تحصيل الثواب من غيرع، وهذا التعليل متعقب لأن الذي يخصه بسفر الطاعة لا يمنع من سافر في مباح ولا في معصية من الإكثار من ذكر الله وإنما النزاع في خصوص هذا الذكر في هذا الوقت المخصوص فذهب قوم إلى الاختصاص لكونها عبادات مخصوصة شرع لها ذكر مخصوص فتختص به كالذكر المأثور عقب الأذان وعقب الصلاة وإنما اقتصر الصحابي على الثلاث لانحصار سفر النبي ﷺ فيها (يكبر) أي يقول الله أكبر (على كل شرف) بفتح المعجمة والراء بعدها فاء وهو المكان العالي، قال الجزري: الشرف ما ارتفع من الأرض. ووقع في رواية مسلم بلفظ ((إذا أوفى (أي ارتفع وعلا وأشرف واطلع) على ثنية (بمثلثة ثم نون ثم تحتانية مشددة هي العقبة في الجبل وقيل المرتفع من الأرض كالنشر والرابية وقيل هو طريق بين جبلين) أو فدفد)) (بفتح الفاء بعدها دال مهملة ثم فاء ثم دال والأشهر تفسيره بالمكان المرتفع، وقيل هو الأرض المستوية، وقيل الفلاة الخالية من شجر وغيره، وقيل غليظ الأودية ذات الحصى، وقيل الجلد من الأرض في ارتفاع وجمعه فدافد) قال الطيبي وجه التكبير على الأماكن العالية وهو استحباب الذكر عند تجدد الأحوال والتقلبات وكان ﷺ يراعي ذلك في الزمان والمكان لأن اختلاف أحوال العبد في الصباح والمساء والصعود والهبوط وما أشبه ذلك مما ينبغي أن لا ينسى ربه عند ذلك فإنه هو المتصرف في الأشياء بقدرته المدبر لها قبل صنعه - انتهى. وقال الزين العراقي: مناسبة التكبير على المرتفع أن الاستعلاء محبوب للنفس وفيه ظهور وغلبة فينبغي للمتلبس به أن يذكر عنده أن الله أكبر من كل شيء ويشكر له ذلك ويستمطر منه المزيد (ثم يقول: لا إله إلا الله) إلخ. قال الحافظ: يحتمل أنه كان يأتي بهذا الذكر عقب التكبير وهو على المكان المرتفع ويحتمل أن التكبير يختص بالمكان المرتفع وما بعده إن كان متسعًا أكمل الذكر المذكور فيه وإلا فإذا هبط سبح كما في حديث جابر (الآتي في أواخر الفصل الثالث من هذا الباب) ويحتمل أن يكمل الذكر مطلقًا عقب التكبير ثم يأتي بالتسبيح إذا هبط. قال القرطبي: وفي تعقيب التكبير بالتهليل إشارة إلى أنه المنفرد بإيجاد جميع الموجودات وأنه المعبود في جميع الأماكن (آئبون) بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي نحن آئبون أي راجعون وليس المراد الإخبار بمحض الرجوع فإنه تحصيل الحاصل بل الرجوع في حالة مخصوصة وهي تلبسهم بالعبادة المخصوصة والاتصاف بالأوصاوف المذكورة (تائبون) أي إلى ربنا من التوبة وهي الرجوع عما هو مذموم إلى ما هو محمود شرعًا وفيه إشارة إلى التقصير في العبادة قاله ﷺ على سبيل التواضع أو تعليمًا لأمته أو المراد أمته وقد تستعمل التوبة لإرادة الاستمرار على الطاعة فيكون المراد أن لا يقع منهم ذنب (عابدون ساجدون لربنا حامدون) كلها رفع بتقدير نحن والجار والمجرور

стр. 3682

صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ. متفق عليه. ٢٤٤٩- (١١) وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى قال: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْأَحْزَابِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: ــ متعلق بحامدون أو وبساجدون أو بهما أو بالصفات الخمسة على طريق التنازع (صدق الله وعده، أي فيما وعد به من إظهار دينه في قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ (٤٨: ٢٠) وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ﴾ (٢٤: ٥٥) الآية: وهذا في سفر الغزو ومناسبته لسفر الحج والعمرة قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (٤٨: ٢٧) (ونصر عبده) يريد نفسه الكريمة (وهزم الأحزاب وحده) ، أي من غير فعل أحد من الآدميين، واختلف في المراد بالأحزاب هنا فقيل هم كفار قريش ومن وافقهم من العرب واليهود الذين تحزبوا، أي تجمعوا في غزوة الخندق ونزلت في شأنهم سورة الأحزاب، وقيل: المراد أعم من ذلك، أي أحزاب الكفار في جميع الأيام والمواطن. قال النووي: والمشهور الأول، وقيل: فيه نظر لأنه يتوقف على أن هذا الذكر إنما شرع من بعد الخندق، وأجيب: بأن غزوات النبي ﷺ التي خرج فيها بنفسه محصورة والمطابق منها لذلك غزوة الخندق والأصل في الأحزاب أنه جمع حزب وهو القطعة المجتمعة من الناس، فاللام إما جنسية، أي كل من تحزب من الكفار وإما عهدية والمراد من تقدم وهو الأقرب قاله الحافظ. وقال القاري: قوله: وهزم الأحزاب أي القبائل المجتمعة من الكفار لحرب النبي ﷺ وكانوا اثني عشر ألفًا توجهوا من مكة إلى المدينة واجتمعوا حولها سوى من انضم إليهم من اليهود ومضى عليهم قريب من شهر لم يقع بينهم حرب إلا الترامي بالنبل والحجارة زعمًا منهم أن المؤمنين لم يطيقوا مقابلتهم فلا بد أنهم يهربون فأرسل الله عليهم ريحًا في ليلة شاتية سفت التراب على وجوههم وأطفأت نيرانهم وقلعت أوتادهم وأكفأت قدورهم وأرسل الله ألفًا من الملائكة فكبرت في ذوائب عسكرهم فهاصت الخيل وقذف في قلوبهم الرعب فانهزموا ونزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾ (٣٣: ٩) قال الزرقاني: وفي الحديث جواز السجع في الدعاء والكلام بلا تكلف وإنما ينهى عن التكلف لأنه يشغل عن الإخلاص ويقدح في النية (متفق عليه) أخرجه البخاري في أواخر أبواب العمرة من كتاب الحج وفي الجهاد وفي المغازي وفي الدعوات ومسلم في الحج، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص٦، ١١، ١٦، ٢٢، ٣٩، ٦٤، ١٠٦) ، ومالك في جامع الحج من الموطأ، وأبو داود في الجهاد، والنسائي في السير، وفي اليوم والليلة، وابن السني (ص١٦٥، ١٦٦، ١٦٩) ، ونسبه الجزري في جامع الأصول، وابن الجزري في الحصن، والسيوطي في الجامع الصغير للترمذي أيضًا، ولم يذكر المنذري في مختصر السنن والنابلسي في ذخائر المواريث، والعيني في العمدة الترمذي في من خرج هذا الحديث. ٢٤٤٩- قوله (دعا رسول الله ﷺ يوم الأحزاب) ، أي في غزوة الخندق (فقال) ، تفسير لقوله دعا أو ودعا بمعنى

стр. 3683

اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ سَرِيعَ الْحِسَابِ اللَّهُمَّ اهْزِمْ الْأَحْزَابَ اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ. متفق عليه. ــ أراد الدعاء (اللهم) ، أي يا الله يا (منزل الكتاب) من الإنزال. وقيل: من التنزيل والمراد بالكتاب القرآن. وقيل: الجنس فيشمل سائر الكتب المنزلة على الأنبياء (سريع الحساب) يعني يا سريع الحساب. قال الكرماني: إما أن يراد به أنه سريع حسابه بمجئي وقته، وإما أنه سريع في الحساب أي مسرع حساب الخلق يوم القيامة. قال السندي: قوله: ((منزل الكتاب سريع الحساب)) لكونهما للفصل بين الحق والباطل يقتضيان دفع أهل الباطل وهدم بنيانهم، فينبغي التوسل بهما لذلك - انتهى. ووقع في رواية للشيخين ((منزل الكتاب مجري السحاب هازم الأحزاب)) قيل أشار بهذا الدعاء إلى وجوه النصر عليهم فبالكتاب إلى القرآن الموعود فيه بالنصر على الكفار قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ (٩: ١٤) فيكون المراد شدة الطلب للنصر كنصره هذا الكتاب بخذلان من يكفر به ويجحده وبمجري السحاب إلى القدرة الظاهرة في تسخير السحاب تنبيهًا على سرعة إجراء ما يقدره فإنه قدر جريان السحاب على أسرع حال وكأنه يسأل بذلك سرعة النصر والظفر. وبهازم الأحزاب إلى تجريد التوكل واعتقاد أن الله هو المنفرد بالفعل من غير حول منا ولا قوة. قال القسطلاني: أو المراد التوسل إليه بنعمة فأشار بالأولى إلى نعمة الدين بإنزال الكتاب وبالثانية إلى نعمة الدنيا وحياة النفوس بإجراء السحاب الذي جعله سببًا في نزول الغيث والأرزاق، وبالثالثة إلى أنه حصل بها حفظ النعمتين فكأنه قال: اللهم كما أنعمت بعظيم نعمتك الأخروية والدنيوية وحفظهما فأبقهما وقد وقع هذا السجع اتفاقًا من غير قصد - انتهى. وقال الحافظ: وفيه أي في الدعاء التنبيه على عظم هذه النعم الثلاث فإن بإنزال الكتاب حصلت النعمة الأخروية وهي الإسلام وبإجراء السحاب حصلت النعمة الدنيوية وهي الرزق وبهزيمة الأحزاب حصل حفظ النعمتين وكأنه قال: اللهم كما أنعمت بعظيم النعمتين الأخروية والدنيوية وحفظهما فأبقهما (اللهم اهزم الأحزاب) ، أي اكسرهم وبدد شملهم فهزمهم الله تعالى بأن أرسل عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها كما في سورة الأحزاب (اللهم اهزمهم) تأكيد وتعميم (وزلزلهم) قال النووي، أي أزعجهم وحركهم بالشدائد قال أهل اللغة الزلزال والزلزلة الشدائد التي تحرك الناس. وقال الحافظ: المراد الدعاء عليهم إذا انهزموا أن لا يستقر لهم قرار، وقال الداودي أراد أن تطيش عقولهم وترعد أقدامهم عند اللقاء فلا يثبتوا. قال القسطلاني: إنما خص الدعاء عليهم بالهزيمة والزلزلة دون أن يدعو عليهم بالهلاك لأن الهزيمة فيها سلامة نفوسهم وقد يكون ذلك رجاء أن يتوبوا من الشرك ويدخلوا في الإسلام، والإهلاك الماحق لهم مفوت لهذا المقصد الصحيح. وفي رواية الإسماعيلي في هذا الحديث من وجه آخر زيادة في هذا الدعاء وهي أنه ﷺ دعا أيضًا فقال: اللهم أنت ربنا وربهم ونحن عبيدك وهم عبيدك نواصينا ونواصيهم بيدك فاهزمهم وانصرنا عليهم. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الجهاد، والمغازي، والدعوات، والتوحيد، ومسلم في الجهاد، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤: ص٣٥٣، ٣٥٤، ٣٨١) ، والترمذي، وأبو داود في الجهاد، والنسائي في السير، وفي عمل اليوم والليلة، وابن ماجه في الجهاد، والحميدي في مسنده (ج٢: ص٣١٤) والبغوي في شرح السنة (ج٥: ص١٥٢) .

стр. 3684

٢٤٥٠- (١٢) وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ: نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي فَقَرَّبْنَا إِلَيْهِ طَعَامًا وَوَطْبَةً فَأَكَلَ مِنْهَا ثُمَّ أُتِيَ بِتَمْرٍ فَكَانَ يَأْكُلُهُ وَيُلْقِي النَّوَى بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ وَيَجْمَعُ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى. وفي رواية ــ ٢٤٥٠- قوله (وعن عبد الله بن بسر) بضم الموحدة وإسكان الباء (نزل رسول الله ﷺ ) ، أي ضيفًا (على أبي) ، أي والدي (فقربنا إليه طعامًا ووطبة) بواو مفتوحة وطاء ساكنة فموحدة في جميع نسخ المشكاة. قال النضر: الوطبة الحيس يجمع بين التمر والأقط والسمن. قلت: روي هذا اللفظ في صحيح مسلم على وجوه شتى. واختلف في أنه أيها أصح. قال القاضي عياض: في المشارق في حرف الواو: وطيئة بفتح الواو وكسر الطاء بعدها همزة ممدودة (كسفينة) هو التمر يخرج نواه ويعجن باللبن. وقال ابن دريد: هي عصيدة التمر. وقال ابن قتتيبة: هي الغرارة يكون فيها القديد والكعك وغيره. قيل: الوطيئة على وزن وثيقة هي الصحيح وهي طعام كالحيس سمي به لأنه يوطأ باليد أي يمرس وقيل هو سقاء اللبن ورد بأنه لا يؤكل منها بل يشرب إلا أن يقال بأنه غلب الأكل على الشرب وبأن قوله ثم أتي بشراب ينافيه إلا أن يراد به الماء. وروي وطئة بفتح الواو وكسر الطاء بعدها همزة غير ممدودة قال النووي: ونقل القاضي عياض عن رواية بعضهم في صحيح مسلم وطئة بفتح الواو وكسر الطاء بعدها همزة وادعى أنه الصواب وهكذا ادعاه آخرون. والوطئة بالهمزة عند أهل اللغة طعام يتخذ من التمر كالحيس. وروى السمرقندي رطبة بضم الراء وفتح الطاء بعدها موحدة واحدة الرطب وكذا ذكر الحميدي. وقال هكذا جاء فيما رأينا من نسخ مسلم رطبة بالراء وهو تصحيف من الراوي وإنما هو بالواو، وهذا الذي ادعاه على نسخ مسلم هو فيما رآه وإلا فأكثرها بالواو وكما قال النووي والجزري. وقال النووي: قوله: وطبة بالواو وإسكان الطاء وبعدها باء موحدة وهكذا رواه النضر بن شميل هذا الحديث عن شعبة والنضر إمام من أئمة اللغة وفسره النضر بأنه الحيس يجمع التمر البرني والأقط المدقوق والسمن. وكذا ضبطه أبو مسعود الدمشقي وأبو بكر البرقاني وآخرون وهكذا هو عندنا في معظم النسخ ثم ذكر النووي رواية الرطبة ووهنها قيل وعلى الروايات يحمل الطعام على الخبز (فأكل منها) أي من الوطبة. قال القاري: وكان الظاهر أن يقال منهما أو منه بتأويل المذكور فهو من قبيل ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ (٩: ٣٤) في رجع الضمير إلى أقرب ما ذكر وترك الآخر للوضوح فهو من باب الاكتفاء (ثم أتي بتمر) أي جئي به (ويلقي) بضم أوله (النوى) جنس النواة (بين إصبعيه) بتثليث الهمزة والموحدة ففيه تسع لغات والأشهر كسر الهمزة وفتح الموحدة (ويجمع السبابة) أي المسبحة (والوسطى) قال النووي: قوله ((ويلقي النوى بين إصبعيه)) ، أي يجعله بينهما لقلته ولم يلقه في إناء التمر لئلا يختلط بالتمر. وقيل كان يجمعه على ظهر الإصبعين ثم يرمي به. قلت: ويؤيد الثاني ما وقع في رواية أحمد (ج٤: ص١٨٨) ، وابن السني (ص١٥٢) ((فكان يأكل التمر ويضع النوى على ظهر إصبعيه، ثم يرمي به)) ويؤيده أيضًا الروية الآتية (وفي رواية) هذه الرواية ليست في

стр. 3685

فجعل يلقى النوى على ظهر إصبعيه السبابة والوسطى، ثُمَّ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ. فَقَالَ أَبِي: وَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ: ادْعُ اللَّهَ لَنَا. فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مَا رَزَقْتَهُمْ وَاغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ. رواه مسلم. (الفصل الثاني) ٢٤٥١- (١٣) عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلالَ قَالَ: اللَّهُمَّ أَهله ــ صحيح مسلم بل هي في سنن أبي داود (فجعل يلقي النوى على ظهر إصبعيه السبابة والوسطى) ، بالجر بدل أو بيان ويجوز الرفع والنصب وفي رواية لأحمد وكذا الترمذي ((فكان يأكله ويلقي النوى بإصبعيه يجمع السبابة والوسطى)) قال السيوطي: لم يلق النوى في إناء التمر لأنه ﷺ نهى أن يجعل الآكل النوى على الطبق. رواه البيهقي وعلله الترمذي بأنه قد يخالطه الريق ورطوبة الفم فإذا خالطه ما في الطبق عافته النفس. كذا في فتح الودود (ثم أتي) بصيغة المجهول (بشراب) ، أي بماء أو ما يقوم مقامه، وفي جميع الروايات بعد ذلك ((ثم ناوله الذي عن يمينه)) وفيه أن الشراب ونحوه يدار على اليمين (وأخذ) ، أي وقد أخذ، جملة حالية معترضة بين القول والمقول وأخذ منه أن يسن أخذ ركاب الأكابر ولجامه والضيف تواضعًا واستمالة (ادع الله لنا) إلخ، فيه أنه ينبغي للمضيف أن يسأل الدعاء من الضيف، وفيه استحباب طلب الدعاء من الفاضل ودعاء الضيف بتوسعة الرزق والمغفرة والرحمة، وقد جمع ﷺ في هذا الدعاء خيرات الدنيا والآخرة قاله النووي. (واغفر لهم) ، أي ذنوبهم (وارحمهم) بالتفضل عليهم بالواوين فيهما في جميع نسخ المشكاة، وهكذا وقع عند أحمد، والترمذي، وأبي داود. قال الجزري: والذي رويناه في جميع أصول مسلم ((فاغفر لهم)) بالفاء وكذلك ((فارحمهم)) في أكثرها (رواه مسلم) في الأشربة، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤: ص١٨٧، ١٨٨، ١٨٩، ١٩٠) ، والترمذي في الدعوات، وأبو داود في الأشربة، والنسائي في اليوم والليلة، وابن أبي شيبة، وابن السني في اليوم والليلة (ص١٥٢) . ٢٤٥١- قوله (عن طلحة بن عبيد) التيمي المدني أحد العشرة المبشرة (كان إذا رأى الهلال) الهلال يكون أول ليلة والثانية والثالثة، ثم هو قمر. وقال في القاموس: الهلال غرة القمر أو لليلتين أو إلى ثلاث أو إلى سبع وليلتين من آخر الشهر ست وعشرين وسبع وعشرين وفي غير ذلك قمر - انتهى. والمشهور أنه من أول الشهر إلى ثلاث واقتصر عليه في المهذب، وإنما قيل: له هلال لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه من الإهلال الذي هو رفع الصوت (اللهم أهله) بفتح الهمزة وكسر الهاء وتشديد اللام مفتوحة دعاء بصيغة الأمر من الإهلال. قال الجزري: أهل الهلال وأهل واستهل إذا رؤى وأبصر، وأهله الله أطلعه، وأهللته إذا أبصرته. وأصل الإهلال رفع الصوت كأنهم إذا رأوا الهلال رفعوا أصواتهم بالتكبير ومنه الإهلال في الإحرام وهو رفع الصوت بالتلبية. قال الطيبي: أهله يروى مدغمًا

стр. 3686

عَلَيْنَا بِالْيُمْنِ وَالإِيمَانِ وَالسَّلامَةِ وَالإِسْلَامِ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ. رواه الترمذي وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ــ ومفكوكًا أي أطلعه (علينا) مقترنًا (بالأمن) كذا في جميع نسخ المشكاة، وكذا في المصابيح، والمستدرك (ج٤: ص٢٨٥) ، وهكذا وقع في بعض نسخ الترمذي، والدارمي، وابن السني، ووقع في بعض نسخ هذه الكتب الثلاثة باليمن بالياء مضمومة وهكذا وقع في المسند، وهو البركة. قال الحكيم الترمذي: اليمن: السعادة، والإيمان: الطمأنينة بالله. كأنه يسأل دوامهما والسلامة والإسلام: أن يدوم الإسلام ويسلم له شهره فإن لله تعالى في كل شهر حكمة وقضاء وشأنًا في الملكوت - انتهى. (والإيمان) ، أي بدوامه وكماله (والسلامة) ، أي عن كل مضرة وسوء، (والإسلام) ، أي دوامه. قال القاضي: الإهلال في الأصل رفع الصوت ثم نقل إلى رؤية الهلال لأن الناس يرفعون أصواتهم إذا رأوه بالإخبار عنه ولذلك سمي الهلال هلالاً نقل منه إلى طلوعه لأنه سبب لرؤيته ومنه إلى إطلاعه، وهو في الحديث بهذا المعنى، أي أطلعه علينا وأرنا إياه مقترنًا بالأمن والإيمان: أي باطنًا، والسلامة والإسلام، أي ظاهرًا ونبه بذكر الأمن والسلامة على دفع كل مضرة وبالإيمان والإسلام على جلب كل منفعة على أبلغ وجه وأوجز عبارة. (ربي وربك الله) خطاب للهلال على طريق الإلتفات ولما توسل به لطلب الأمن والإيمان دل على عظم شأن الهلال فقال ملتفتًا إليه ربي وربك الله تنزيهًا للخالق أن يشارك في تدبير ما خلق وردًا للأقاويل الداحضة في الآثار العلوية. وفي الحديث تنبيه على أن الدعاء مستحب عند ظهور الآيات وتقلب أحوال النيرات، وعلى أن التوجه فيه إلى الرب لا إلى المربوب، والإلتفات في ذلك إلى صنع الصانع لا إلى المصنوع، ذكره التوربشتي. وقال الشوكاني: في الحديث مشروعية الدعاء عند رؤية الهلال بما اشتمل عليه هذا الحديث. (رواه الترمذي) في الدعوات، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص١٦٣) والدارمي في أول الصوم، والحاكم في الأدب (ج٤: ص٢٨٥) ، والبخاري في التاريخ الكبير (٢، ١، ١٠٩) في ترجمة بلال بن يحيى بن طلحة، وابن السني (ص٢٠٧) ، والبغوي (ج٥: ص١٢٨) ، ونسبه في الحصن لابن حبان أيضًا، قال الشوكاني: وزاد ابن حبان بعد قوله والإسلام ((والتوفيق لما تحب وترضى)) ، والحديث رواه كلهم من طريق سليمان بن سفيان المدني عن بلال بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله عن أبيه عن جده طلحة بن عبيد الله (وقال: هذا حديث حسن غريب) ، وقال الشيخ أحمد شاكر في شرح المسند (ج٢: ص٣٦٥) : إسناده حسن ورمز لحسنه السيوطي في الجامع الصغير، وسكت عنه الحاكم والذهبي. قلت: سليمان بن سفيان ضعفه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي وغيرهم، وفي التهذيب (ج٤: ص١٩٤) عن الترمذي في العلل المفردة عن البخاري ((منكر الحديث)) ، وفيه أيضًا أن ابن حبان ذكره في الثقات، وقال ((كان يخطئ)) وهذا أعدل ما فيه. قال ورواه البخاري في الكبير في ترجمة بلال ولم يذكر له علة ولذلك رجحنا تحسينه إلا أن البخاري لم يذكر سليمان بن سفيان في الضعفاء - انتهى. وقال المناوي في فيض القدير (ج٥: ص١٣٦) بعد نقل تحسين الترمذي: وهو مستند

стр. 3687

٢٤٥٢، ٢٤٥٣- (١٤، ١٥) وعن عمر بن الخطاب وأَبِي هُرَيْرَةَ قَالا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ رَأَى مُبْتَلًى فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلاً إلا لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ الْبَلَاءُ كائنًا من كان. ــ المصنف يعني السيوطي في رمزه لحسنه ونوزع بأن الحديث عد من منكرات سليمان وقد ضعفه ابن المدني وأبو حاتم والدارقطني. وقال ابن معين: ليس بثقة. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان يخطئ. وقال الحافظ ابن حجر: صححه الحاكم وغلط في ذلك فإن فيه سليمان بن سيفان ضعوه وإنما حسنه الترمذي لشواهده - انتهى. قلت: لم يحكم الحاكم في المستدرك (ج٤: ص٢٨٥) على هذا الحديث بشيء بل سكت عنه هو والذهبي، وأما شواهده - انتهى. فمنها ما رواه الدارمي وابن حبان والطبراني عن ابن عمر مثل حديث طلحة وزاد ((والتوفيق لما تحب وترضى)) وفي سنده عندهم عثمان بن إبراهيم الحاطبي. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠: ص١٣٩) فيه ضعف وبقية رجاله ثقات. ومنها ما رواه ابن السني (ص٢٠٨) عن حدير أبي فوزة السلمي بلفظ ((كان إذا رأى الهلال قال: اللهم أدخله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والسكينة والعافية والرزق الحسن)) وحدير هذا مختلف في صحبته ذكره جماعة. ومنهم الذهبي في تجريده (ج١: ص١٣٣) في الصحابة وذكره ابن حبان في التابعين. ٢٤٥٢، ٢٤٥٣ - قوله (ما من رجل رأى مبتلى) أي في أمر بدني: كبرص وجذام، وقصر فاحش أو طول مفرط، أو عمى أو عرج، أو اعوجاج يد ونحوها. أو ديني: بنحو فسق وظلم، وبدعة وكفر وغيرها (الحمد الله الذي عافاني) ، أي نجاني وسلمني (مما ابتلاك به) فإن العافية أو سمع من البلية لأنها مظنة الجزع والفتنة وحينئذٍ تكون محنة أي محنة والمؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف كما ورد،.قال العلماء: إن كان مبتلى بالفسوق يقوله جهرًا ويسمعه لينزجر عنها، وإن كان مريضًا أو ناقص الخلقة يقوله سرًا لئلا يتألم قلبه بذلك. ولا يلزم من لفظ الخطاب الجهر والإسماع، والطيبي حمله على القسم الأول بقرينة الخطاب حيث قال هذا إذا كان مبتلى بالمعاصي والفسوق، وأما إذا كان مريضًا أو ناقص الخلقة لا يحسن الخطاب. قال القاري: الصواب أنه يأتي به لورود الحديث بذلك وإنما يعدل عن رفع الصوت إلى إخفاءه في غير الفاسق بل في حقه أيضًا إذا كان يترتب عليه مفسدة ولذا قال الترمذي بعد إيراد الحديث المرفوع: وقد روى عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: إذا رأى صاحب بلاء يتعوذ يقول ذلك في نفسه ولا يسمع صاحب البلاء - انتهى. ويسمع صاحب البلاء الديني إذا أراد زجره يرجو انزجاره (وفضلني على كثير ممن خلق) ، أي صيرني أفضل منهم أي أكثر خيرًا أو أحسن حالاً. وقال القاري: أي في الدين والدنيا والقلب والقالب (تفضيلاً) مصدر مؤكد لما قبله (كائنًا ما كان) الظاهر أنه حال من الفاعل يدل على ذلك آخر حديث عمر كما سيأتي، أي حال كون ذلك البلاء أي شيء كان، وقال الطيبي: حال من الفاعل أو الهاء في

стр. 3688

رواه الترمذي. ٢٤٥٤- (١٦) ورواه ابن ماجة عن ابن عمر، وقَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وعمرو بن دينار الراوي ليس بالقوي. ــ لم يصبه وهذا الوجه. وذهب المظهر إلى أنه من المفعول. وقال: أي في حال ثباته وبقائه ما كان أي ما دام باقيًا في الدنيا كذا في المرقاة. (رواه الترمذي) في الدعوات عن عمر وأبي هريرة. قلت: روى الترمذي أولاً من حديث عمرو بن دينار مولى آل الزبير عن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر عن عمر أن رسول الله ﷺ قال: من رأى صاحب بلاء فقال: ((الحمد لله الذي عافاني مم ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً)) إلا عوفي من ذلك البلاء كائنًا ما كان ما عاش. وقد ضعف الترمذي إسناد هذا الحديث حيث قال: هذا حديث غريب وعمرو بن دينار قهرمان آل الزبير ليس بالقوي في الحديث وقد تفرد بأحاديث عن سالم بن عبد الله بن عمر ثم روى الترمذي من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : من رأى مبتلى فقال: ((الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً)) لم يصبه ذلك البلاء. قال الترمذي بعد إخراجه: حديث حسن غريب من هذا الوجه. قال ميرك: روى الترمذي من حديث أبي هريرة وحسن إسناده، ومن حديث عمر بن الخطاب بمعناه وضعفه - انتهى. فإطلاق المصنف ليس على بابه، وتصرفه في سياق المتن ليس مما يستحسن، والظاهر أنه تبع في سوق المتن البغوي صاحب المصابيح وزاد أبا هريرة في ذكر مخرج الحديث ولم يلتفت إلى تغاير سنديهما ولا إلى تحسين الترمذي لحديث أبي هريرة، وحديث عمر أخرجه أيضًا البغوي في شرح السنة (ج٥: ص١٣٠) وأخرج البيهقي كما في الجامع الصغير، والبزار، والطبراني في الصغير والأوسط، كما في الترغيب (ج٤: ص٨٤) ، ومجمع الزوائد (ج١٠: ص١٣٨) من حديث أبي هريرة وحده. وقال فيه: فإذا قال ذلك شكر تلك النعمة. قال المنذري والهيثمي: إسناده حسن، وأخرج ابن السني (ص١٠١) من حديث عمر وحده عن النبي ﷺ قال: ما من رجل يفجأه صاحب بلاء فيقول الحمد لله إلخ. وفيه أيضًا عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير. ٢٤٥٤- قوله (ورواه ابن ماجة) في آخر الدعاء (عن ابن عمر) بلا واو بلفظ ((من فجئه (بكسر الجيم وفتحها أي لقيه فجاءة) صاحب بلاء فقال: الحمد لله)) الحديث. وفي سنده أيضًا عمرو بن دينار وأخرجه أيضًا الطبراني في الأوسط بلفظ حديث أبي هريرة، قال الهيثمي (ج١٠: ص١٣٨) : وفيه زكريا بن يحيى بن أيوب الضرير ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات (وقال الترمذي هذا) ، أي حديث عمر بن الخطاب (غريب) ، أي ضعيف، وأما حديث أبي هريرة فقد حسنه الترمذي كما تقدم (وعمرو بن دينار الراوي) ، أي لحديث عمر عن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر عن عمر (ليس بالقوي) في الحديث وضعفه أيضًا ابن معين وعمر بن علي وأبو حاتم وأبو زرعة، والنسائي، والدارقطني، وأبو داود وغيرهم.

стр. 3689

٢٤٥٥- (١٧) وعن ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فَقَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ وَبَنَى لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ. ــ وقالوا: روى عن سالم بن عبد الله بن عمر أحاديث منكرة، وقال البخاري: فيه نظر. فحديث عمر عند الترمذي وابن السني ضعيف وكذا حديث ابن عمر عند ابن ماجه لكن يؤيدهما حديث أبي هريرة وهو حديث حسن الإسناد. ٢٤٥٥- قوله (من دخل السوق) قال الطيبي: خصه بالذكر لأنه مكان الغفلة عن ذكر الله والاشتغال بالتجارة فهو موضع سلطنة الشيطان ومجمع جنوده، فالذاكر هناك يحارب الشيطان ويهزم جنوده فهو خليق بما ذكر من الثواب انتهى. (فقال) أي سرًا أو جهرًا. قيل: والأفضل الجهر به لأن فيه تذكيرًا للغافلين حتى يقولوا مثل قوله ففيه القول والنفع المتعدي ولكنه إذا أمن الرياء والسمعة (بيده الخير) وكذا الشر لقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللهِ﴾ (٤: ٧٨) فهو من باب الاكتفاء أو من طريق الأدب فإن الشر لا ينسب إليه (وهو على كل شيء) ، أي مشيء (قدير) تام القدرة. قال الطيبي: فمن ذكر الله فيه دخل في زمرة من قال تعالى في حقهم: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢٤: ٣٧) (كتب الله له) ، أي أثبت له أو أمر بالكتابة لأجله (ألف ألف حسنة) إلخ. كناية عن كثرة الثواب قالوا وذلك من جهة أنه يدفع عنهم ظلمة الغفلة وما هم فيه من الزور والأيمان الكاذبة كما يشاهد في الأسواق ولما كان في ذلك غلظة وشدة وفيهم كثرة كان الأجر أيضًا كثيرًا. كذا قال في اللمعات وهو محصل كلام الطيبي في شرح المشكاة (ومحا عنه) ، أي بالمغفرة أو أمر بالمحو عن صحيفته (ألف ألف سيئة) ، أي إن كانت وإلا تزاد في الحسنة بقدر ذلك (وبنى له بيتًا في الجنة) ، أي أمر ببنائه وهذه الجملة وقعت في رواية أخرى للترمذي مكان قوله ((ورفع له ألف ألف درجة)) ورواه بهذا اللفظ أحمد (ج١: ص٤٧) ، وابن ماجة في التجارات، وابن السني (ص٦٣) ، والبغوي (ج٥ ص١٣٢) ، وابن أبي الدنيا والحاكم (ج١: ص٥٣٨) كلهم من رواية عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن جده وقد تقدم الكلام في عمرو بن دينار ورواه أيضًا الحاكم (ج١: ص٥٣٩) من حديث عبد الله بن عمر مرفوعًا أيضًا، وقال: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. قال المنذري في الترغيب: كذا قال الحاكم، وفي إسناده مسروق ابن المرزبان يأتي الكلام عليه - انتهى. قلت قد ذكر في آخر كتابه مسروق بن المرزبان هذا. وقال: قال أبو حاتم: ليس بالقوي ووثقه غيره - انتهى. قلت: ذكره ابن حبان في الثقات وقال صالح بن محمد: صدوق. وقال الذهبي في الميزان: صدوق معروف، ثم ذكر كلام أبي حاتم. وقال في تلخيص المستدرك: مسروق بن المرزبان ليس

стр. 3690

رواه الترمذي وابن ماجة وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وفي شرح السنة: ((من قال في سوق جامع يباع فيه)) بدل ((من دخل السوق)) . ٢٤٥٦- (١٨) وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً يَدْعُو يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ تَمَامَ النِّعْمَةِ. فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ تَمَامُ النِّعْمَةِ؟ قَالَ: دَعْوَةٌ أَرْجُو بِهَا خَيْرًا. ــ بحجة. قال الحاكم: تابع مسروقًا عمران بن مسلم عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ثم ساقه من رواية يحيى بن سليم عنه، قال الذهبي: وقال البخاري: عمران منكر الحديث. (رواه الترمذي) في الدعوات من طريق أزهر بن سنان عن محمد بن واسع عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن جده وانتهى هذا الطريق إلى قوله ((ورفع له ألف ألف درجة)) . قال الترمذي: هذا حديث غريب. وقد رواه عمرو بن دينار عن سالم بن عبد الله هذا الحديث نحوه ثم ساقه من رواية أحمد ابن عبدة عن حماد بن زيد والمعتمر بن سليمان عن عمرو بن دينار وفيه: ((وبنى له بيتًا في الجنة)) مكان ((ورفع له ألف ألف درجة)) (وابن ماجة) ، وكذا أحمد، وابن السني، والحاكم، والبغوي، والترمذي، كلهم من رواية عمرو بن دينار عن سالم بن عبد الله بزيادة ((بنى له بيتًا في الجنة)) مكان ((ورفع له ألف ألف درجة)) وللحديث عدة طرق ذكرها الحاكم في المستدرك (ج١: ص٥٣٨، ٥٣٩) (وقال الترمذي هذا) أي حديث عمر من طريق أزهر بن سنان عن محمد بن واسع عن سالم بن عبد الله (غريب) . وقال المنذري في الترغيب بعد ذكر سياق أزهر بن سنان وكلام الترمذي هذا ما نصه: إسناده متصل حسن ورواته ثقات أثبات، وفي أزهر بن سنان خلاف. قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. قلت: قد ذكره أيضًا في آخر كتابه. وقال قال ابن معين: ليس بشيء، وقال ابن عدي: ليست أحاديثه بالمنكرة جدًا أرجو أنه لا بأس به - انتهى. قال الشوكاني في تحفة الذاكرين: والحديث أقل أحواله أن يكون حسنًا وإن كان في ذكر العدد على هذه الصفة نكارة - انتهى. ولا يخفى ما في سياق المصنف للحديث ولكلام الترمذي من الخلل والخرازة. هذا وقد بسط الكلام في طرق هذا الحديث ابن القيم في تهذيب السنن (ج٧: ص٣٣٦) فارجع إليه (وفي شرح السنة) ، أي لصاحب المصابيح (ج٥: ص١٣٢) (من قال سوق جامع بباع فيه بدل ((من دخل السوق)) ) قال البغوي: وهذه الرواية تقتضي طلب ذلك وهو الأقرب لأن حكمة ترتب هذا الثواب العظيم على هذا الذكر اليسير أنه ذاكر لله تعالى في الغافلين فهو بمنزلة المجاهد مع الغازين - انتهى. وفي المستدرك للحاكم ((قال محمد بن واسع: فأتيت قتيبة بن مسلم فقلت له أتيتك بهدية فحدثته بالحديث فكان يركب في موكبه حتى يأتي باب السوق فيقولها ثم ينصرف)) . ٢٤٥٦- قوله (يقول) بدل أو حال (فقال) أي النبي ﷺ سؤال امتحان (دعوة) ، أي مستجابة ذكره الطيبي أو هو دعوة أو مسألة دعوة (أرجو بها خيرًا) قال القاري: أي مالاً كثيرًا. وقوله: خيرًا كذا في جميع النسخ من المشكاة

стр. 3691

فَقَالَ: إِنَّ مِنْ تَمَامِ النِّعْمَةِ دُخُولَ الْجَنَّةِ وَالْفَوْزَ مِنْ النَّارِ. وَسَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ: يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ فَقَالَ: قَدْ اسْتُجِيبَ لَكَ فَسَلْ. وَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الصَّبْرَ. فَقَالَ: سَأَلْتَ اللَّهَ الْبَلَاءَ فَاسألهُ الْعَافِيَةَ. رواه الترمذي. ٢٤٥٧- (١٩) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ــ ووقع الترمذي ((أرجو بها الخير)) وهكذا في المسند. قال الطيبي: وجه مطابقة الجواب السؤال هو أن جواب الرجل من باب الكناية أي أسأله دعوة مستجابة فيحصل مطلوبي منها، ولما صرح بقوله خيرًا فكان غرضه المال الكثير كما في قوله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْراً﴾ (٢: ١٨٠) فرده ﷺ بقوله: ((إن من تمام النعمة)) إلخ. وأشار إلى قوله تعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ (٣: ١٨٥) انتهى. قال القاري: والأظهر أن الرجل حمل النعمة على النعم الدنيوية الزائلة الفانية وتمامها على مدعاة في دعائه فرده ﷺ عن ذلك ودله على أن لا نعمة إلا النعمة الباقية الأخروية - انتهى. وقال الشيخ الدهلوي في اللمعات: قوله ((أرجو بها خيرًا)) ، أي هذه دعوة أرجو بها خيرًا، وأعلم مجملاً أن عند الله نعمة تامة فأسألها ولا أعرف حقيقة تمام النعمة فعلمه رسول الله ﷺ حقيقة تمام النعمة هذا ما يخيل بالبال في معنى الحديث وهو المتبادر وإن لم يذكره الطيبي. (فقال إن) ، وفي الترمذي ((قال فإن)) (من تمام النعمة دخول الجنة) ، أي ابتداء (والفوز) ، أي الخلاص والنجاة (من النار) ، أي ولو انتهاء (وسمع) ، أي النبي ﷺ (يا ذا الجلال والإكرام) ، أي يا ذا العظمة والكبرياء والإكرام لأولياءه (قد استجيب لك) ، أي وقع لك استحقاق الإجابة أو قصد به التفاؤل والمبالغة على أن الاستجابة بمعنى الإجابة (فسل) ، أي ما تريد، وفيه دليل على أن استفتاح الدعاء بقول الداعي يا ذا الجلال والإكرام يكون سببًا في الإجابة وفضل الله واسع (فقال) ، في الترمذي قال: (سألت الله البلاء) ، أي لأنه يترتب عليه (فاسأله العافية) ، أي فإنها أوسع وكل أحد لا يقدر أن يصبر على البلاء ومحل هذا إنما هو قبل وقوع البلاء وأما بعده فلا منع من سؤال الصبر بل مستحب لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً﴾ (٢: ٢٥٠، ٧: ١٢٦) (رواه الترمذي) في الدعوات وقال هذا حديث حسن، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥: ص٢٣١، ٢٣٥) ، والبخاري في الأدب المفرد (ج٢: ص١٨٧) . ٢٤٥٧- قوله (فكثر) بضم الثاء (لغطه) بفتحتين، قال في القاموس: اللغط الصوت والجلبة أو أصوات مبهمة لا يفهم معناها - انتهى. والمراد ههنا كلام لا طائل تحته وما لا يعني. وقال القاري: أي تكلم بما فيه إثم لقوله: ((غفر له)) . وقال الطيبي ((اللغط)) بالتحريك الصوت والمراد به الهزء من القول وما لا طائل تحته فكأنه مجرد الصوت العري عن المعنى (فقال قبل أن يقوم) في الترمذي بعده ((من مجلسه ذلك)) (سبحانك اللهم وبحمدك) لعله مقتبس من

стр. 3692

أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ إِلا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ. رواه الترمذي والبيهقي في الدعوات الكبير. ٢٤٥٨- (٢٠) عَنْ عَلِيِّ أنه أُتِيَ بِدَابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا ــ قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ (٥٢: ٤٨) قال عطاء: من كل مجلس تجلسه. واللهم معترض لأنه قوله: ((وبحمدك)) متصل بقوله: ((سبحانك)) إما بالعطف، أي أسبح وأحمد أو بالحال، أي أسبح حامدًا لك (إلا غفر له) ، أي ما جلس شخص مجلسًا فكثر لغطه فيه فقال ذلك قبل أن يقوم إلا غفر له. وفي المستدرك للحاكم ((ما جلس قوم مجلسًا كثر لغطهم فيه فقال قائل قبل أن يقوم سبحانك اللهم)) إلخ (ما كان) ، أي من اللغط (رواه الترمذي) في الدعوات من جامعه (والبيهقي في الدعوات الكبير) ، وأخرجه أيضًا أحمد (ج: ص) ، وأبو داود في الأدب، والنسائي في الكبرى، وابن حبان في صحيحه، كما في الموارد (ص٥٨٨) ، والحاكم (ج١: ص٥٣٦، ٥٣٧) ، وابن السني (ص١٤٤) ، والبغوي في شرح السنة (ج٥: ص١٣٤) ، وقال الترمذي حديث حسن صحيح غريب وسكت عنه أبو داود والمنذري، وقال الحاكم بعد روايته من طريق موسى بن عقبة عن سهيل عن أبيه: هذا الإسناد صحيح على شرط مسلم إلا أن البخاري قد علله بحديث وهيب عن موسى بن عقبة عن سهيل عن أبيه عن كعب الأحبار من قوله ووافقه الذهبي. وذكر الحاكم في علوم الحديث (ص١١٣) هذا الحديث مثالاً للجنس الأول من أجناس العلل وهو أن يكون السند ظاهره الصحة وفيه من لا يعرف بين أهل الحديث بالسماع عمن روى عنه. قال الحاكم بعد ذكر هذا الحديث: هذا الحديث من تأمله لم يشك أنه من شرط الصحيح وله علة فاحشة، ثم نقل عن البخاري أنه قال: هذا حديث مليح ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث إلا أنه معلول حدثنا به موسى بن إسماعيل قال حدثنا وهيب قال ثنا سهيل عن عون بن عبد الله قوله: قال محمد بن إسماعيل هذا أولى فإنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماع من سهيل - انتهى. وقد روى في الباب عن أبي برزة، وعائشة، وجبير بن مطعم، ورافع بن خديج، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والسائب بن يزيد، وعبد الله ابن مسعود، وأم سلمة، وأنس. ذكر أحاديثهم الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠:ص١٤١، ١٤٢) ، والمنذري في الترغيب (ج٤: ص١٧٤، ١٧٥) ، والشوكاني في تحفة الذاكرين (ص١٨٠، ١٨١) وقد أفرد الحافظ ابن كثير لأحاديث الباب جزءًا بذكر طرقها وعللها وما يتعلق بها. ٢٤٥٨- قوله (أتي) بصيغة المجهول، أي جيء (فلما وضع رجله) أي أراد وضع رجله (في الركاب) بكسر الراء هو ما يعلق في السرج فيجعل الراكب فيه رجله والذي يكون من الجلد يسمى غرزًا (فلما استوى على ظهرها) أي استقر

стр. 3693

قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ. ثُمَّ قَالَ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ . ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثَلَاثًا وَاللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا سُبْحَانَكَ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ. ثُمَّ ضَحِكَ فقيل: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَنَعَ كَمَا صَنَعْتُ ثُمَّ ضَحِكَ فَقُلْتُ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنَّ رَبَّكَ لَيَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي. يقول: يعلم إِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرُي. رواه أحمد والترمذي وأبو داود. ــ على ظهرها (قال الحمد لله) ، أي على نعمة الركوب وغيرها (ثم قال) ، أي قرأ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ ، أي ذلله ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ، أي مطيقين من أقرن للأمر إذا أطاقه وقوي عليه، أي ما كنا نطيق قهره واستعماله لولا تسخير الله تعالى إياه لنا ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ ، أي لصائرون إليه بعد مماتنا وإليه سيرنا الأكبر (ثم قال: الحمد لله ثلاثًا، والله أكبر ثلاثًا) كذا في جميع نسخ المشكاة وهكذا في المصابيح وشرح السنة، والمستدرك، ووقع في الترمذي بغير واو العطف وكذا في صحيح ابن حبان. ورواه أبو داود بلفظ ((ثم قال: الحمد لله ثلاث مرات، ثم قال: الله أكبر ثلاث مرات، ثم قال سبحانك)) إلخ، وزاد في رواية أحمد، وابن السني، والحاكم، ((لا إله إلا أنت مرة)) (ثم ضحك) ، أي عليّ (صنع كما صنعت) ، أي كصنعي المذكور. وفي رواية أحمد رأيت النبي ﷺ فعل مثل ما فعلت وقال مثل ما قلت (ثم ضحك) ، أي رسول الله ﷺ (إن ربك ليعجب) بفتح الجيم (من عبده إذا قال: رب اغفر لي ذنوني) قال الطيبي: أي يرتضي هذا القول ويستحسنه استحسان المتعجب - انتهى. وقال الجزري في النهاية في معنى قوله ﷺ : ((عجب ربك من قوم يساقون إلى الجنة في السلاسل)) : أي عظم ذلك عنده وكبر لديه، أعلم الله أنه إنما يتعجب الآدمي من الشيء إذا عظم موقعه عنده وخفي عليه سببه فأخبرهم بما يعرفون ليعلموا موقع هذه الأشياء عنده. وقيل: معنى عجب ربك، أي رضي وأثاب فسماه عجبًا مجازًا وليس بعجب في الحقيقة. والأول الوجه وإطلاق التعجب على الله مجاز لأنه لا يخفى على الله أسباب الأشياء والتعجب بما خفي سببه ولم يعلم - انتهى. فتأمل (يقول) ، أي الله (يعلم) أي العبد كذا في بعض نسخ المشكاة بجمع يقول ويعلم وفي بعضها يعلم، أي بحذف يقول وهكذا وقع في سنن أبي داود والمسند (ج١: ص١٢٨) ، وشرح السنة، وفي رواية أخرى لأحمد (ج١: ص٩٧) يقول: علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري. وفي الترمذي ((إن ربك ليعجب من عبده إذا قال: رب اغفرلي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب غيرك)) (رواه أحمد) (ج١: ص٩٧، ١١٥، ١٢٨) (والترمذي) في الدعوات، (وأبو داود) في الجهاد، وأخرجه أيضًا النسائي، وابن حبان في صحيحه، وابن السني (ص١٥٨، ١٥٩) ، والحاكم (ج٢: ص٩٨) والبغوي (ج٥

стр. 3694

٢٤٥٩- (٢١) وعن ابْنَ عُمَرَ قََالَ: كَانَ النبي ﷺ إِذَا وَدَّعَ رَجُلاً أَخَذَ بِيَدِهِ فَلا يَدَعُهَا حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ يَدَعُ يَدَ النَّبِيِّ ﷺ وَيَقُولُ: اسْتَوْدِعْ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَآخِرَ عَمَلِكَ. وفي رواية: وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ. رواه الترمذي. ــ ص١٣٩) . وقال الترمذي حديث حسن صحيح وسكت عليه أبو داود ونقل المنذري كلام الترمذي وأقره وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (ج٦: ص١٤) أيضًا للطيالسي، وعبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات. ٢٤٥٩- قوله (إذا ودع رجلاً) أي مسافرًا (أخذ بيده فلا يدعها) ، أي فلا يترك يد ذلك الرجل من غاية التواضع ونهاية إظهار المحبة والرحمة (حتى يكون الرجل هو) الذي (يدع يد النبي ﷺ ) باختياره (ويقول) للمودع (استودع الله دينك) ، أي استحفظ واطلب منه حفظ دينك (وأمانتك) ، أي حفظ أمانتك فيما تزاوله من الأخذ والإعطاء ومعاشرة الناس في السفر إذ قد يقع منك هناك خيانة. وقيل: أريد بالأمانة الأهل والأولاد الذين خلفهم - قال الخطابي: الأمانة ها هنا: أهله ومن يخلفه منهم وماله الذي يودعه ويستحفظه أمينة ووكيله ومن في معناهما، وجرى ذكر الدين مع الودائع لأن السفر موضع خوف وخطر وقد يصيبه فيه المشقة والتعب فيكون سببًا لإهمال بعض الأمور المتعلقة بالدين فدعا له بالمعونة والتوفيق فيهما - انتهى. وقال في فتح الودود: قوله ((أمانتك)) ، أي ما وضع عندك من الأمانات من الله أو من أحد من خلقه أو ما وضعت عند أحد أو ما يتعلق بك من الأمانات - انتهى. وقيل المراد بالأمانة التكاليف كلها كما فسر بها قوله تعالى ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ (٣٣: ٧٢) الآية (وآخر عملك) ، أي في سفرك أو مطلقًا كذا قيل. قال القاري: والأظهر أن المراد به حسن الخاتمة لأن المدار عليها في أمر الآخرة وأن التقصير فيما قبلها مجبور بحسنها ويؤيده قوله: ((وخواتيم عملك)) في الرواية الأخرى وهو جمع خاتم، أي ما يختم به عملك، أي أخيره. والجمع لإفادة عموم أعماله. قال الطيبي: قوله: ((استودع الله)) هو طلب حفظ الوديعة وفيه نوع مشاكلة للتوديع وجعل دينه وأمانته من الودائع لأن السفر يصيب الإنسان فيه المشقة والخوف فيكون ذلك سببًا لإهمال بعض أمور الدين فدعا له النبي ﷺ بالمعونة والتوفيق. ولا يخلو الرجل في سفره ذلك من الاشتغال بما يحتاج فيه إلى الأخذ والإعطاء والمعاشرة مع الناس فدعا له بحفظ الأمانة والاجتناب عن الخيانة، ثم إذا انقلب إلى أهله يكون مأمون العاقبة عما يسوءه في الدين والدينا (وفي رواية) عند الثلاثة الترمذي، وأبي داود، وابن ماجة، وكذا عند أحمد، والنسائي في الكبرى، وابن حبان، والحاكم. (وخواتيم عملك) دعا له بذلك لأن الأعمال بخواتيمها كما تدل عليه الأحاديث (رواه الترمذي) في الدعوات

стр. 3695

وأبو داود وابن ماجة. وفي روايتهما لم يذكر ((وَآخِرَ عَمَلِكَ)) . ٢٤٦٠- (٢٢) وعن عبد الله الخطمي قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يستودع الجيش قال: أستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم. رواه أبو داود. ٢٤٦١- (٢٣) وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ سَفَرًا فَزَوِّدْنِي فَقَالَ: زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى. قَالَ: زِدْنِي. ــ (وأبو داود وابن ماجة) في الجهاد. واللفظ للترمذي رواه هكذا مطولاً وفيه ((آخر عملك)) وكذا رواه بهذا اللفظ ولكن معلقًا البغوي في شرح السنة (ج٥: ص١٤٣) ثم قال: ورواه سالم عن ابن عمر وقال: ((وخواتيم عملك)) وقال الترمذي: حديث غريب. ثم رواه مختصرًا بلفظ ((أن ابن عمر كان يقول للرجل إذا أراد سفرًا: أن ادن مني أودعك كما كان رسول الله ﷺ يودعنا فيقول: استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك)) . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وبهذا اللفظ المرفوع رواه أبو دواد وسكت عليه هو والمنذري، وابن ماجة، وكذا أحمد (ج٢: ص٧، ٢٥، ٣٨، ١٣٦) والنسائي، وابن حبان، والحاكم (ج١: ص٤٤٢، وج٢: ص٩٧) وصححه، ووافقه الذهبي، والبخاري في الكبير، والضياء في المختارة (وفي روايتهما) أي أبي داود، وابن ماجة وكذا في رواية من ذكرنا ممن خرج هذا الحديث سوى الترمذي (لم يذكر) بصيغة المجهول (وآخر عملك) ، أي بل ذكر ((وخواتيم عملك)) وللحديث شواهد ذكرها ابن علان في الفتوحات الربانية (ج٥: ص١١٨) . ٢٤٦٠- قوله (وعن عبد الله الخطمي) بفتح الخاء المعجمة وسكون المهلة هو أبو موسى عبد الله بن يزيد بن زيد بن حصين بن عمرو بن الحارث بن خطمة الأوسي الأنصاري صحابي صغير شهد الحديبية وهو صغير كذا في التهذيب. وقال الخررجي: شهدها وهو ابن سبع عشرة سنة وشهد الجمل وصفين مع علي، ولي الكوفة لأبن الزبير، وكان الشعبي كاتبه (إذا أراد أن يستودع الجيش) ، أي العسكر المتوجه إلى العدو، ولابن السني ((كان إذا شيع جيشًا فبلغ ثنية الوداع قال: استودع الله)) إلخ (وخواتيم أعمالكم) فيه مقابلة الجمع بالجمع (رواه أبو داود) في الجهاد وسكت عليه، وقال النووي في الأذكار: حديث صحيح، وفي الرياض: رواه أبو داود بإسناد صحيح، وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة، وابن السني (ص١٦١) والحاكم (ج٢: ص٩٨) وسكت عليه هو والذهبي. ٢٤٦١- قوله (فزودني) أمر من التزويد وهو إعطاء الزاد والزاد طعام يتخذ للسفر يعني ادع لي دعاء يكون بركته معي في سفري كالزاد. وقال الطيبي: ويحتمل أن يكون المراد الزاد المتعارف فالجواب على طريقة أسلوب الحكيم (زودك الله التقوى) ، أي الاستغناء عن المخلوق أو امتثال الأوامر واجتناب النواهي (قال زدني) بكسر المعجمة وسكون

стр. 3696

قَالَ: وَغَفَرَ ذَنْبَكَ. قَالَ: زِدْنِي بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. قَالَ: وَيَسَّرَ لَكَ الْخَيْرَ حَيْثُمَا كُنْتَ. رواه الترمذي وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ٢٤٦٢- (٢٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال: إنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُسَافِرَ فَأَوْصِنِي. قَالَ: عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ. فَلَمَّا وَلَّى الرَّجُلُ قَالَ: اللَّهُمَّ اطْوِ لَهُ البعد ــ المهملة أي من الزاد أو من الدعاء (قال: وغفر ذنبك) فيه إشارة إلى صحة التقوى وترتب أثره عليه والتجاوز عما يقع فيه من التقصيرات (بأبي أنت وأمي) ، أي أفديك بهما، وأجعلهما فداءك فضلاً عن غيرهما (ويسر لك الخير) أي: سهل لك خير الدارين أو أراد المال الكثير (حيثما كنت) أي: في أي مكان حللت ومن لازمه أي: زمان نزلت. وفي رواية الدارمي، وابن السنى: ((ووجهك للخير حيثما توجهت)) قال الطيبي: يحتمل أن الرجل طلب الزاد المتعارف فأجابه ﵊ بما أجابه على طريقة أسلوب الحكيم. أي: زادك أن تتقي محارمه وتجتنب معاصيه، ومن ثم لما طلب الزيادة قال: وغفر ذنبك، فإن الزيادة من جنس المزيد عليه، وربما زعم الرجل أن يتقي الله وفي الحقيقة لا يكون تقوى تترتب عليه المغفرة فأشار بقوله: وغفر ذنبك أن يكون ذلك الاتقاء بحيث يترتب عليه المغفرة ثم ترقى منه إلى قوله: ((ويسر لك الخير)) فإن التعريف في الخير للجنس فيتناول خير الدنيا والآخرة - انتهى. وفيه دليل على مشروعية الدعاء للمسافر بهذه الدعوات. وقال المناوي: يندب لكل من ودع مسافرًا أن يقوله له ويحصل أصل السنة بقوله: ((زودك الله التقوى)) والأكمل الإتيان بما ذكر كله (رواه الترمذي) في الدعوات، وأخرجه أيضًا النسائي كما في تحفة الذاكرين، والدارمي في الاستيذان، والحاكم (ج٢: ص٩٧) ، وابن السنى (ص١٦٠) ، وأخرج نحوه البغووي في شرح السنة (ج٥: ص١٤٢) ، والبزار في مسنده، والطبراني في الكبير من حديث قتادة , قال الهيثمي (ج١٠: ص١٣١) : ورجالهما يعني البزار والطبراني ثقات (وقال هذا حديث حسن غريب) وسكت عليه الحاكم، والذهبي. ٢٤٦٢- قوله: (عليك) اسم فعل بمعنى خذ يقال عليك زيدًا وعليك بزيد، أي خذه، والمعنى الزم التقوى وداوم عليها بجميع أنواعها فإنها الوصية التي وصى الله بها عباده كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللهَ﴾ (٤: ١٣١) (بتقوى الله) ، أي بمخافته والحذر من عصيانه (والتكبير) ، أي بقول: الله أكبر (على كل شرف) بفتح الشين المعجمة والراء، أي مكان عال، ومناسبة التكبير عند الصعود إلى المكان المرتفع أن الاستعلاء والارتفاع محبوب للنفوس لما فيه من استشعار الكبرياء فشرع لمن تلبس به أن يذكر كبرياء الله تعالى وأنه أكبر من كل شيء فيكبره ليشكر له ذلك فيزيده من فضله. قاله الحافظ. (فلما ولى الرجل) في الترمذي ((فلما أن ولى الرجل)) أي: أدبر، وأن زائدة وفي شرح السنة، والمستدرك ((فلما مضى)) (قال) أي: دعا له بظهر الغيب فإنه أقرب إلى الإجابة (اللهم اطو له البعد) بهمزة

стр. 3697

وَهَوِّنْ عَلَيْهِ السَّفَرَ. رواه الترمذي. ٢٤٦٣- (٢٥) وعَنْ ابْنِ عُمَرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ فَأَقْبَلَ اللَّيْلُ قَالَ: يَا أَرْضُ رَبِّي وَرَبُّكِ اللَّهُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّكِ وَشَرِّ مَا فِيكِ وَشَرِّ مَا خُلِقَ فِيكِ وَشَرِّ مَا يَدِبُّ عَلَيْكِ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ أَسَدٍ وَأَسْوَدَ ــ وصل وكسر واو أمر من الطي أي قرب له البعد بطي الأرض. قال الجزري: أي: قربه له وسهل له السير حتى لا يطول. قال القاري: والمعنى ارفع عنه مشقة السفر بقريب المسافة البعيدة له حسًا أو معنى (وهون عليه السفر) أي: أموره ومتاعبه وهو تعميم بعد تخصيص (رواه الترمذي) في الدعوات وقال حديث حسن، وأخرجه النسائي في اليوم والليلة، وابن ماجة في الجهاد، وابن حبان في صحيحه، والحاكم (ج١: ص٤٤٥، ٤٤٦، وج٢: ص٩٨) وصححه وأقره الذهبي، وابن السنى (ص١٦٠) ، والبغوي (ج٥: ص١٤٣) . ٢٤٦٣- قوله: (إذا سافر فأقبل الليل) وفي رواية أحمد، والحاكم ((إذا غزا أو سافر فأدركه الليل)) (يا أرض) خاطب الأرض ونادها على الاتساع وإرادة الاختصاص. وذكره الطيبي (ربي وربك الله) يعني إذا كان خالقي وخالقك هو الله فهو المستحق أن يلتجأ إليه ويتعوذ به من شر المؤذيات (أعوذ بالله من شرك) أي: من شر ما حصل من ذاتك من الخسف والزلزلة والسقوط عن الطريق والتحير في الفيافي. ذكره الطيبي. (وشر ما فيك) أي: من الضرر بأن يخرج منك ماء فيهلك أحدًا أو نبات فيصيب أحدًا ضرر من أكله أو يجرح أعضاء أحد بشوكه، وقال الطيبي: أي: شر ما استقر فيك من الصفات والأحوال الخاصة بطبائعك أي: العادية كالحرارة والبرادة وغيرهما (وشر ما خلق فيك) أي: من الحيوانات الساكنة في باطن الأرض، وقال القاري: أي: من الهوام وغيرها من الفلذات، وقال الطيبي: أي: من أجناس الأرض وحشراتها وما يعيش في ثقب الأرض وأجوافها (وشر ما يدب) بكسر الدال وتشديد الموحدة أي: يمشي ويتحرك (عليك) أي: على ظهرك يعني من شر الحيوانات الساكنة على ظاهر الأرض (وأعوذ بالله) كذا في المشكاة، والمصابيح، وشرح السنة وهكذا نقل في الحصن، ووقع في سنن أبي دواد ((أعوذ بالله)) بدون الواو وكذا في رواية أحمد (ج٢: ص١٣٢) ، والحاكم (ج٢: ص١٠٠) وهكذا نقله الجزري في جامع الأصول (من أسد وأسود) قال الطيبي: حكي في أسود هنا وجهان: الصرف وعدمه. وقال التوربشتي: أسود هنا منصرف لأنه اسم جنس وليس بصفة إذ ليس فيه شيء من الوصفية كما هو معتبر في الصفات الغالبة عليها الاسمية في منع الصرف ولذا يجمع على أساود والمسموع من أفواه المشائخ والمضبوط في أكثر النسخ بالفتح غير منصرف، وعن بعضهم الوجه أن لا ينصرف لأن وصيفته أصلية وإن غلب عليه الاسمية، وهو الحية العظيمة الكبيرة التي فيها سواد وهي أخبث الحيات وذكر من شأنها

стр. 3698

وَمِنْ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَمِنْ شَرِّ سَاكِنِ الْبَلَدِ وَمِنْ وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ. رواه أبو داود. ٢٤٦٤- (٢٦) وعَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا غَزَا قَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي ــ أنها تعارض الركب وتتبع الصوت إلى أن تظفر بصاحبه ولهذا خصصها بالذكر وجعلها جنسًا آخر برأسها ثم عطف عليها الحية. قال الشيخ الدهلوي: فيكون ذكر أسد وأسود من باب التخصيص بعد التعميم وذكر ما يغلب منه الأذى والضرر (ومن الحية) كل حية غير الأسود التي تقدم ذكرها أو يكون في الحديث ذكر العام بعد الخاص، ووقع في بعض نسخ سنن أبي داود ((من الحية)) أي: بدون الواو العاطفة، فعلى هذا من بيانية على تغليب الأسود، ويؤيد رواية الواو ما وقع عند أحمد، والحاكم بلفظ: ((من شر كل أسد وأسود وحية وعقرب)) (والعقرب) وفي معناهما سائر الهوام السميات (ومن شر ساكن البلد قيل: المراد بساكن البلد الإنس، سماهم بذلك لأنهم يسكنون البلاد غالبًا، أو لأنهم بنوا البلدان واستوطنوها، وقيل: هم الجن الذين هم سكان الأرض، والعرب تسمي الأرض المستوية التي يأوي إليها الحيوان البلد وإن لم تكن مسكونة ولا ذات أبنية أي: وإن لم يكن فيها بناء ومنازل. قال الله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ (٧: ٥٨) ولو حمل على كليهما لكان وجهًا، ووقع في بعض النسخ ساكني البلد بصيغة الجمع مضافًا، وكذا اختلف فيه نسخ أبي داود (ومن والد) ولأحمد، والحاكم ((ومن شر والد)) أي: آدم أو إبليس (وما ولد) أي: ذريتهما. وقيل: هما عامان لجميع ما يوجد بالتوالد من الحيوانات أصولها وفروعها، قال في اللمعات: والحمل على العموم أولى ليعم الكل (رواه أبو داود) في الجهاد من طريق بقية بن الوليد حدثني صفوان حدثني شريح بن عبيد عن الزبير بن الوليد عن عبد الله بن عمر. وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص١٣٢) ، والبغوي (ج٥: ص١٤٧) ، والنسائي، والحاكم (ج١: ص٤٤٧) ، و (ج٢: ص١٠٠) وصححه ووافقه الذهبي وحسنه الحافظ كما في حاشية الأذكار وسكت عنه أبو داود. وقال المنذري: ((وأخرجه النسائي وفي إسناده بقية بن الوليد وفيه مقال)) وهو تعليل من المنذري غير سديد، أولاً لأن المقال في بقية بن الوليد أنه يدلس وهو صرح عند أبي داود، والبغوي بالتحديث فانتفت تهمة التدليس، وثانيًا لم ينفرد بقية بروايته عن صفوان حتى يكون ذلك علة له فقد رواه عند أحمد، والحاكم أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج عن صفوان أيضًا ورواه أحمد مرة أخرى بهذا الاسناد من حديث عبد الله بن عمر أثناء مسند أنس. ٢٤٦٤- قوله: (كان رسول الله ﷺ إذا غزا) أي خرج للغزو (اللهم أنت عضدي) بفتح المهملة وضم معجمة أي معتمدي في جميع الأمور سيما في الحرب فلا أعتمد على غيرك أو أنت قوتي أتقوى وأعتضد بك كما يتقوى الشخص بعضده. قال القاضي: العضد ما يعتمد عليه ويثق به المرأ في الحرب وغيره من الأمور، وقال الطيبي: العضد كناية عما يعتمد عليه ويثق المرأ به في الخير وغيره من القوة، أو أنت ناصري ومعيني، ففي القاموس العضد بالفتح وبالضم وبالكسر وككتف وندس وعنق ما بين المرفق إلى الكتف والعضد الناصر والمعين وهم عضدي وأعضادي (ونصيري) أي: ناصري ومعيني

стр. 3699

بِكَ أَحُولُ وَبِكَ أَصُولُ وَبِكَ أُقَاتِلُ. رواه الترمذي، وأبو داود. ٢٤٦٥- (٢٧) وعن أبي موسى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَافَ قَوْمًا قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَجْعَلُكَ فِي نُحُورِهِمْ وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ. رواه أحمد، وأبو داود. ــ فهو عطف تفسير على التفسير الثاني لعضدي (بك أحول) بحاء مهملة من الحول وهو الحيلة. قال الزمخشري: من حال يحول حيلة بمعنى احتال أي: بك أحتال لدفع مكر الأعداء وكيدهم. وقيل: معناه أتحرك وأتحول من حال إلى حال أو أحول من المعصية إلى الطاعة. والحول الحركة، يقال: حال الشخص إذا تحرك. وقيل: معناه المنع والدفع من قولك حال بين الشيئين إذا منع أحدهما عن الأخر، فمعناه لا أمنع ولا أدفع إلا بك. وقيل: الحول الفرق بين الشيئين أي: بقوتك ونصرتك إياي أفرق بين الحق والباطل. وقيل: الحول التردد أي: بك أتردد، ويروى ((وبك أحاول)) أي: أطالب (وبك أصول) بصاد مهملة أي: أحمل على العدو حتى أغلبه وأستأصله ومنه الصولة بمعنى الحملة والحمل والصائل بمعنى الحامل (وبك) أي: بحولك وقوتك وعونك ونصرتك (أقاتل) أي: أعدائك حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم. وفي الحديث دليل على أنه يشرع له أن يدعو عند غزوه بهذا الدعاء ومثله (رواه الترمذي) في الدعوات، (وأبو داود) في الجهاد وأخرجه أيضًا أحمد، والنسائي في اليوم والليلة، وابن حبان في صحيحه، والضياء في المختارة، وأبو عوانة، وابن أبي شيبة وذكره البغوي (ج٥: ص١٥٣) معلقًا وقد حسنه الترمذي وسكت عنه أبو داود. ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره. ٢٤٦٥- قوله: (كان إذا خاف قومًا) أي: شر قوم (قال) في دعائه (اللهم إنا نجعلك في نحورهم) بضمتين جمع النحر وهو الصدر أي: في إزاء صدورهم لتدفع عنا صدورهم وتحول بيننا وبينهم، تقول: جعلت فلانً في نحر العدو إذا جعلته قبالته وحذاءه ليقاتل عنك ويحول بينك وبينه، وخص النحر بالذكر لأنه أسرع وأقوى في الدفع والتمكن من المدفوع والعدو إنما يستقبل بنحره عند المناهضة للقتال أو للتفاؤل بنحرهم أي: قتلهم (ونعوذ بك من شرورهم) والمعنى نسألك أن تصد صدورهم وتدفع شرورهم وتكفي أمورهم وتحول بيننا وبينهم، وقيل: المعنى نسألك أن تتولانا في الجهة التي يريدون أن يأتونا منها، وقيل: نجعلك في إزاء أعدائنا حتى تدفعهم عنا فإنه لا حول ولا قوة لنا بل القوة والقدرة لك وفي الحديث دليل على مشروعية الدعاء عند الخوف من قوم بهذا الدعاء (رواه أحمد) (ج٤: ص٤١٤، ٤١٥) ، (وأبو داود) في الصلاة، وأخرجه النسائي في اليوم والليلة، والحاكم (ج٢: ص١٤٢) ، وابن حبان في صحيحه، وابن السنى (ص١٠٨) ، وأبو عوانة، وسكت عنه أبو داود، والمنذري، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي وقال النووي في الأذكار: والرياض، والعراقي: سنده صحيح.

стр. 3700

٢٤٦٦- (٢٨) وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نَزِلَّ أَوْ نَضِلَّ أَوْ نَظْلِمَ أَوْ نُظْلَمَ أَوْ نَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيْنَا. رواه أحمد، والترمذي، والنسائي. وقَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ــ ٢٤٦٦- قوله: (قال بسم الله) أي: خرجت مستعينًا بذكر اسم الله (توكلت على الله) أي: اعتمدت عليه في جميع أموري (اللهم إنا نعوذ بك من أن نزل) أي: من أن نقع في ذنب ومعصية من الزلل يقال: زلت رجله إذا زلفت والزلة الزبقة وهي هنا كناية عن وقوع الذنب من غير قصد. وقال القاري: نزل أي: عن الحق وهو بفتح النون وكسر الضاد من الضلالة وهو ضد الرشاد والهداية أي: نضل عن الحق، وقال القاري: أي: عن الهدى (أو نظلم) بفتح النون وكسر اللام على بناء المعلوم أي: أنفسنا أو أحدًا (أو نظلم) بضم النون وفتح اللام على بناء المجهول أي: من أحد والأفعال الثلاثة من باب ضرب (أو نجهل) بفتح النون على بناء المعروف أي: أمور الدين أو حقوق الله أو حقوق الناس أو في المعاشرة أو في المخالطة مع الأصحاب أو أن نفعل بالناس فعل الجهال من الإيذاء وإيصال الضرر إليهم (أو يجهل علينا) بضم الياء على صيغة المجهول أي: يفعل الناس بنا أفعال الجهال من إيصال الضرر إلينا. قال الطيبي: الزلة السيئة بلا قصد، استعاذ من أن يصدر عنه ذنب بغير قصد أو قصد، ومن أن يظلم الناس في المعاملات أو يؤذيهم في المخالطات. أو يجهل أي: يفعل بالناس فعل الجهال من الإيذاء، قال: ومن خرج من منزله لا بد أن يعاشر الناس ويزاول الأمور فيخاف أن يعدل عن الصراط المستقيم فإما أن يكون في أمر الدين فلا يخلو من أن يضل أو يضل وإما أن يكون في أمر الدنيا فإما بسبب جريان المعاملة معهم بأن يظلم أو يظلم وإما بسبب الاختلاط والمصاحبة فإما أن يجهل أو يجهل عليه فاستعيذ من هذه الأحوال كلها بلفظ سلس وجسر ومتن رشيق وروعي المطابقة المعنوية والمشاكلة اللفظية كقول الشاعر: ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا والقصد من ذلك تعليم الأمة وإلا فهو ﷺ معصوم من الظلم والجهل (رواه أحمد، والترمذي) في الدعوات، (والنسائي) في الاستعاذة واللفظ لأحمد (ج٤: ص٣٠٦) ، والترمذي وبهذا اللفظ، رواه ابن السني (ص٦١) ، ولفظ النسائي ((كان إذا خرج من بيته قال: بسم الله رب أعوذ بك من أن أزل، أو أضل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي)) وهكذا رواه الحاكم (ج١: ص٥١٩) ونحوه رواه أحمد (ج٤: ص٣١٨، ٣٣٢) ، ولابن ماجة كان إذا خرج من منزله قال: اللهم إني أعوذ بك أن أضل، أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي. (وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح) وقال البغوي: حديث صحيح ونقل النووي، والمنذري كلام الترمذي وأقراه وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين

стр. 3701

وفي رواية أبي داود، وابن ماجة: ((قالت أُمُّ سَلَمَةَ: مَا خَرَجَ رَسُول الله ﷺ مِنْ بَيْتِي قَطُّ إِلَّا رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ)) . ٢٤٦٧- (٢٩) وعَنْ أَنَسِ قال: قال رسول الله ﷺ : إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. يُقَالُ لهُ حِينَئِذٍ هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ فيتَنَحَّى لَهُ الشَّيطان، ــ ووافقه الذهبي (وفي رواية أبي داود، وابن ماجة) أي: في الحديث السابق، وأخرجه أبو داود في الأدب، وابن ماجة في الدعاء. واللفظ الآتي لأبي داود. وأما ابن ماجة فقد تقدم سياقه ولا موافقة بين روايتهما إلا في لفظ التوحيد ففي إطلاق المصنف نظر لا يخفى (ما خرج رسول الله ﷺ من بيتي) لا ينافي هذا رواية من بيته لأن بيت أم سلمة رواية هذا الحديث هو بيته ﷺ لكونها من أمهات المؤمنين. وظاهر الحديث يدل على المواظبة والمداومة والمعنى أبدًا (قط إلا رفع طرفه) بفتح فسكون أي: بصره (أن أضل) بصيغة المتكلم المعلوم من الضلالة أو بصيغة المتكلم المعلوم من الإضلال (أو أضل) بصيغة المتكلم المجهول من الإضلال أو المعلوم إذا كان الأول من الضلالة ووقع في سنن أبي داود بعد هذا ((أو أزل أو أزل)) وهكذا نقل في جامع الأصول وسقط ذلك من نسخ المشكاة والمصابيح والظاهر أن المصنف تبع في ذلك البغوي وغفل عن هذا السقوط. قال السندي بعد نقل هذه الرواية: الأول فيهما مبني على الفاعل والثاني للمفعول وهو المناسب بقوله بعده: أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي. فإن الأول فيهما مبني للفاعل والثاني للمفعول ويقدر في: أجهل على أحد ليوازن قوله في الثاني علي (أو أظلم) على بناء المعلوم أي أحدًا (أو أظلم) على بناء المجهول أي يظلمني أحد (أو أجهل) على بناء المعلوم ومعناه سبق (أو يجهل علي) على بناء المجهول. والحديث سكت عنه أبو داود، والمنذري. وقال النووي، والبغوي: حديث صحيح. ٢٤٦٧- قوله: (إذا خرج الرجل) المراد به الجنس (يقال له حينئذ) أي: يناديه ملك يا عبد الله، ولابن حبان ((فيقال له: حسبك)) (هديت) بصيغة المجهول أي: طريق المجهول أي: طريق الحق (وكفيت) بضم الكاف وكسر الفاء على بناء المجهول أي: مهماتك (ووقيت) بضم الواو وكسر القاف من الوقاية أي: حفظت من شر أعدائك. وأشار الطيبي إلى أن في الكلام لفًا ونشرًا مرتبًا حيث قال: هدي بواسطة التبرك باسم الله وكفي مهماته بواسطة التوكل ووقي بواسطة قول لا حول ولا قوة إلا بالله. وهو معنى حسن أي إذا استعان العبد بالله وباسمه المبارك هداه الله وأرشده وأعانه في الأمور الدينية والدنيوية وإذا توكل على الله كفاه الله تعالى فيكون حسبه ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٦٥: ٣) ومن قال: لا حول ولا قوة إلا بالله وقاه الله من شر الشيطان فلا يسلط عليه (فيتنحى له الشيطان) أي: يبتعد عنه إبليس أو شيطانه الموكل عليه

стр. 3702

وَيَقُولُ شَيْطَانٌ آخَرُ كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟ . رواه أبو داود، وروى الترمذي إلى قوله: ((له الشيطان)) . ٢٤٦٨- (٣٠) وعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا وَلَجَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ الْمَوْلَجِ وَخَيْرَ الْمَخْرَجِ بِسْمِ اللَّهِ وَلَجْنَا ــ فيتنحى له الطريق. قاله القاري. وقيل: يتنحى لأجل القائل عن طريق إضلاله متحسرًا (ويقول) أي: للمتنحي (شيطان آخر) أي: مسليًا له، ولابن السني ((فيلاقيه شيطان آخر فيقول له)) (كيف لك برجل) أي: إضلال رجل (قد هدي وكفي ووقي) أي من الشياطين أجمعين ببركة هذه الكلمات فإنك لا تقدر عليه. قال الطيبي: هذه تسلية، أي كيف يتيسر لك الإغواء متلبسًا برجل إلخ. أي أنت معذور في ترك إغوائه والتنحي عنه فقوله لك متعلق بـ ((يتيسر)) وبرجل حال - انتهى. فإن قلت: بم علم الشيطان أنه هدي وكفي ووقي؟ قلت: قال ابن حجر: علم من الأمر العام أن كل من دعا بهذا الدعاء المرغب من حضرته ﷺ استجيب له. (رواه أبو داود) في الأدب، أي بتمامه وكذا رواه النسائي، وابن حبان، وابن السني (ص٦٢) (وروى الترمذي) في الدعوات (إلى قوله له) في الترمذي عنه (الشيطان) والحديث سكت عنه أبو داود، وقال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي. وقال الترمذي: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه - انتهى. قلت: وفي نسخ الترمذي الموجودة عندنا ((حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه)) ويؤيد الأول أنه وقع في الأذكار لفظ ((حسن غريب)) فقط. ٢٤٦٨- قوله (إذا ولج الرجل) ، أي دخل أو أراد أن يدخل وهو من باب ضرب (بيته) قيد واقعي للغلبة (خير المولج) بفتح الميم وكسر اللام كالموعد ويفتح (وخير المخرج) بفتح الميم والراء المهملة بينهما خاء معجمة. قال الطيبي: على ما في الخلاصة المولج بكسر اللام ومن الرواة من فتحها والمراد المصدر أي الولوج والخروج أو الموضع أي خير الموضع الذي يولج فيه ويخرج منه. قال ميرك: المولج بفتح الميم وإسكان الواو وكسر اللام لأن ما كان فاءه واو ساقطة في المستقبل (نحو بعد ويهب ويلد ويزن) فالمفعل منه مكسور العين في الاسم والمصدر جميعًا (أي ولا يفتح مفتوحًا كان يفعل منه أو مكسورًا بعد أن تكون الواو منه ذاهبة إلا أحرفًا جاءت نوادر) ومن فتح ها هنا فإما أنه سها أو قصد مزاوجته للمخرج وإرادة المصدر بهما أتم (وأولى) من إرادة الزمان والمكان لأن المراد الخير الذي يأتي من قبل الولوج والخروج - انتهى. وضبط السيوطي في مرقاة الصعود بضم الميم فيهما وفيه إيماء إلى قوله تعالى تعليمًا له: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ (١٧: ٨٠) وهو يشمل كل دخول وخروج وإن نزل القرآن في فتح مكة لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (بسم الله ولجنا) ، أي دخلنا، ووقع في سنن أبي داود بعد هذا

стр. 3703

وَعَلَى اللَّهِ رَبِّنَا تَوَكَّلْنَا ثُمَّ لِيُسَلِّمْ عَلَى أَهْلِهِ. رواه أبو داود. ٢٤٦٩- (٣١) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَّأَ الإنسان إذا تزوج ــ ((وبسم الله خرجنا)) ، وهكذا وقع في الحصن وجامع الأصول والأذكار والمصابيح والظاهر أن السقوط في المشكاة من الناسخ (وعلى الله ربنا) بالجر بدل أو بيان أي وعلى ربنا الذي ربانا بنعمه ومنها نعمة الإيجاد والإمداد وكأن هذه حكمة الإتيان به بعد الاسم الجامع (توكلنا) ، أي اعتمدنا، وقيل: أي فوضنا أمورنا كلها ورضينا بتصرفه كيفما شاء (ثم ليسلم على أهله) ، أي على أهل بيته، أي على سبيل الاستحباب المتأكد (رواه أبو داود) في الأدب وسكت عليه قال النووي في الأذكار بعد ذكر الحديث لم يضعفه أبو داود، أي فهو عنده حسن أو صحيح. وقال المنذري: في إسناده محمد بن إسماعيل بن عياش رواه عن أبيه وهو وأبوه فيهما مقال - انتهى. قلت: قال الحافظ: عابوا على محمد بن إسماعيل أنه حدث عن أبيه بغير سماع، وقد أخرج أبو داود عن محمد بن عوف عنه عن أبيه عدة أحاديث، منها حديث أبي مالك هذا لكن يروونها بأن محمد بن عوف رآها في أصل إسماعيل، أي كتابه وقد وقع ذلك مصرحًا في إسناد هذا الحديث وأما أبوه إسماعيل الحمصي فقال الحافظ: هو صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم. قلت وروي هذا الحديث عن ضمضم بن زرعة الحمصي فالحديث لا ينزل عن درجة الحسن. ٢٤٦٩- قوله (كان إذا رفأ الإنسان) بفتح الراء وتشديد الفاء بعدها همزة وقد تقلب ألفًا أي أراد الدعاء للمتزوج من الترفئة بهمز بمعنى التهنئة وإذا شرطية وقوله (إذا تزوج) ظرفيه محضة، وقوله ((قال بارك الله)) جزاء الشرط، أي إذا هنأه ودعا له حين تزوجه قال بارك الله إلخ. بدل قولهم في تهنئة المتزوج والدعاء له ((بالرفاء والبنين)) وكانت كلمة تقولها أهل الجاهلية فورد النهي عنها كما روى بقي بن مخلد من طريق غالب عن الحسن عن رجل من بني تميم قال: كنا نقول في الجاهلية ((بالرفاء والبنين)) فلما جاء الإسلام علمنا نبينا قال: قولوا ((بارك الله لكم وبارك فيكم وبارك عليكم)) وأخرجه النسائي والطبراني، وابن السني من طريق أخرى عن الحسن عن عقيل بن أبي طالب أنه قدم البصرة فتزوج امرأة فقالوا له ((بالرفاء والبنين)) فقال: لا تقولوا هكذا وقولوا كما قال رسول الله ﷺ : ((اللهم بارك لهم وبارك عليهم)) ورجاله ثقات إلا أن الحسن لم يسمع من عقيل فيما يقال. قاله الحافظ في الفتح. قال الزمخشري: معنى الحديث أنه كان يضع الدعاء له بالبركة موضع الترفئة المنهي عنها. والترفئة في الأصل أن يقول للمتزوج: ((بالرفاء والبنين)) والرفاء بكسر الراء والمد الالتئام والاجتماع والتوافق من ((رفأت الثوب)) إذا أصلحته ولأمت خرقه وضممت بعضه إلى بعض، أو السكون والطمأنينة من رفوت الرجل إذا سكنته من الرعب والروع وعلى هذا يكون همزتها غير أصلية والباء متعلقة بمحذوف دل عليه المعنى، أي عرست، ثم استعير للدعاء للمتزوج وإن لم يكن بهذا اللفظ. قال الحافظ: دل حديث أبي هريرة على أن اللفظ كان مشهورًا عندهم غالبًا حتى سمي كل دعاء للمتزوج ترفية واختلف في علة النهي عن ذلك فقيل لأنه لا حمد فيه ولا

стр. 3704

قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَك وَبَارَكَ عَلَيْكُما وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ. رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجة. ٢٤٧٠- (٣٢) وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً أَوْ اشْتَرَى خَادِمًا فَلْيَقُلْ ــ ثناء ولا ذكر الله. وقيل: لما فيه من الإشارة إلى بغض البنات لتخصيص البنين بالذكر وقيل غير ذلك. (بارك الله لك) قال القاري: أي بالخصوص أي كثر لك الخير في هذا الأمر المحتاج إلى الإمداد، والبركة النماء والزيادة والسعادة (وبارك عليكما) بنزول الخير والرحمة والرزق والبركة في الذرية (وجمع بينكما في خير) ، أي في طاعة وصحة وعافية وسلامة وملاءمة وحسن معاشرة وتكثير ذرية صالحة. قيل: قال أولاً بارك الله لك لأنه المدعو له أصالة، أي بارك لك في هذا الأمر ثم ترقى منه ودعا لهما وعداه بعلى بمعنى بارك عليه بالذراري والنسل لأنه المطلوب من التزوج وأخر حسن المعاشرة والمرافقة والاستمتاع تنبيهًا على أن المطلوب الأول هو النسل وهذا تابع، وكذا في المرقاة. قلت: قوله ((وبارك عليكما)) كذا وقع في جميع النسخ من المشكاة، والذي في الترمذي وأبي داود، ((وبارك عليك)) وهكذا وقع عند ابن حبان، وابن السني، والحاكم، وكذا ذكر في المصابيح والأذكار، والمنتقى، وجامع الأصول الصغير، والحصن، وتحفة الذكرين، وفي ابن ماجة ((بارك الله لكم وبارك عليكم وجمع بينكما في خير)) . قال السندي: البركة لكونها نافعة تتعدى باللام ولكونها نازلة من السماء تتعدي بعلى فجاءت في الحديث بالوجهين للتأكيد والتفنن والدعاء محل للتأكيد - انتهى. وروى الشيخان عن أنس أن النبي ﷺ قال لعبد الرحمن بن عوف حين أخبره أنه تزوج ((بارك الله لك)) وروي في الصحيح أيضًا أنه ﷺ قال لجابر حين أخبره أنه تزوج ((بارك الله لك)) والأحاديث في ذلك معروفة وهي تدل على أن الدعاء للمتزوج بالبركة هو المشروع ولا شك أنها لفظة جامعة يدخل فيها كل مقصود من ولد وغيره (رواه أحمد) (ج: ص) (والترمذي، وأبو داود، وابن ماجة) في النكاح وأخرجه أيضًا النسائي في الكبرى، وابن حبان، والحاكم (ج٢: ص١٨٣) وابن السني (ص١٩٤) . قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وسكت عنه أبو داود، ونقل المندري كلام الترمذي وأقره. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وأقره الذهبي. وقال النووي في الأذكار: وقد عزاه للأربعة: أسانيده صحيحة. ٢٤٧٠- قوله (إذا تزوج أحدكم امرأة أو اشترى خادمًا) ، أي جارية كما في رواية الحاكم وكأنه ترك حال العبد مقايسة، وقيل هو على إطلاقه فيكون تأنيث الضمير فيما سيأتي باعتبار النفس أو النسمة، وزاد في رواية ابن ماجة، وابن السني، والحاكم: ((أو دابة)) (فليقل) وفي رواية الثلاثة المذكورين: ((فليأخذ بناصيتها)) وهي الشعر الكائن في مقدم الرأس كما في الصحاح والظاهر أن المراد هنا مقدم الرأس سواء كان فيه شعر أم لا. قال القاري: ويمكن أن يراد بها

стр. 3705

اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ. وَإِذَا اشْتَرَى بَعِيرًا فَلْيَأْخُذْ بِذِرْوَةِ سَنَامِهِ وَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ. وفي رواية: فِي الْمَرْأَةِ وَالْخَادِمِ: ((ثُمَّ لِيَأْخُذْ بِنَاصِيَتِهَا وَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ)) . رواه أَبُو دَاوُد، وابن ماجة. ٢٤٧١- (٣٣) وعن أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ: اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلَا تَكِلْنِي ــ مطلق الرأس، ثم ليقل (اللهم إني أسالك خيرها) كذا في رواية أبي داود والحاكم، وابن السني أي خير ذاتها ولابن ماجة، وأبي يعلى من خيرها وهو الملائم لما سيأتي من مقابله في قوله: من شرها لكن يفيد التبعيض والمطلوب كل خيرها (وخير ما جبلتها) ، أي خلقتها وطبعتها (عليه) ، أي من الأخلاق البهية والصفات الحميدة، قيل: الأول عام والثاني خاص. وقال الشوكاني: أي ما خلقتها عليه وطبعتها عليه وحببته إليها (وشر ما جبلتها عليه) من الأفعال المردية والأوصاف القبيحة والأخلاق الذميمة (وإذا اشترى بعير فليأخذ بذروة سنامه) بكسر الذال المعجمة، أي بأعلاه، وقيل: إنه يجوز في الذال المحركات الثلاث، وذروة الشيء أعلاه والسنام بفتح السين ما ارتفع من ظهر الجمل (وليقل مثل ذلك) ، أي مثل ما ذكر من الدعاء (وفي رواية في المرأة والخادم) وكذلك في الدابة كما تقدم (ثم ليأخذ بناصيتها وليدع بالبركة) ، أي بالدعاء المذكور السابق. قال أبو داود بعد قوله ((بذروة سنامه)) : زاد أبو سعيد يعني سعيد بن عبد الله أحد شيخيه في رواية هذا الحديث ((ثم ليأخذ بناصيتها وليدع بالبركة في المرأة والخادم)) . وفي الحديث مشروعية هذا الدعاء عند التزوج واشتراء الخادم والدابة (رواه أبو داود، وابن ماجة) في النكاح لكن الشرطية الثانية لأبي داود فقط. والحديث رواه أيضًا بتمامه النسائي في الكبرى، والحاكم (ج٢: ص١٨٥) ، وابن السني (ص١٩٣) ، وأبو يعلى، والبيهقي (ج٧: ص١٤٨) والبخاري في أفعال العباد (ص٢٧) وسكت عنه أبو داود. وصححه الحاكم. ووافقه الذهبي وصححه أيضًا النووي في الأذكار وجود الحافظ العراقي إسناده في تخريج أحاديث الإحياء، وفي الباب عن زيد بن أسلم مرسلاً مرفوعًا أخرجه مالك في الموطأ. ٢٤٧١- قوله (وعن أبي بكرة) بفتح الباء وسكون الكاف آخره تاء (دعوات المكروب) أي الواقع في الكرب يعني المغموم المحزون، والكرب ما يدهم المرأ مما يأخذ بنفسه وبغمه ويحزنه، أي الدعوات النافعة له المزيلة لكربه وسماه دعوات لاشتماله على معان جمة، قال في اللمعات جمعها لاشتمال المذكور على معان جمة ودعوات متعددة، لأن قوله: ((رحمتك أرجو)) بمعنى ارحمني، ففيه دعوات مع أن قوله: ((وأصلح لي شأن كله)) يشتمل على ما لا يعد ولا يحصى - انتهى. وفي رواية الطبراني، وابن السني كلمات المكروب ولابن حبان دعوة المكروب بلفظ الإفراد (اللهم رحمتك أرجو) التقديم للحصر، أي لا أرجو إلا رحمتك (فلا تكلني) بفتح التاء وكسر الكاف من باب ضرب، أي لا تتركني ولا

стр. 3706

إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ. رواه أَبُو دَاوُد. ٢٤٧٢- (٣٤) وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رجل: هُمُومٌ لَزِمَتْنِي وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَفَلا أُعَلِّمُكَ ــ تفوضني، وأصله جعل الغير وكيلاً لإنجاح أموره (إلى نفسي) فإنها أعدى لي من جميع أعدائي وإنها عاجزة لا تقدر على قضاء حوائجي (طرفة عين) بفتح الطاء وسكون الراء أي مقدار إطباق أحد الجفنين على الآخر يعني لا تفوض أمري إلى نفسي لحظة قليلة قدر ما يتحرك البصر. قال الطيبي: الفاء في فلا تكلني مرتب على قوله: رحمتك أرجو. فقدم المفعول ليفيد الاختصاص والرحمة عامة فيلزم تفويض الأمور كلها إلى الله كأنه قيل فإذا فوضت أمري إليك فلا تكلني إلا نفسي لأني لا أدري ما صلاح أمري وما فساده وربما زاولت أمرًا واعتقدت أن فيه صلاح أمري فانقلب فسادًا وبالعكس، ولما فرغ عن خاصة نفسه وأراد أن ينفي تفويض أمره إلى الغير ويثبته لله قال (وأصلح لي شأني) أي أمري (كله) أي جميعه تأكيد لإفادة العموم. وقال الشوكاني: الشأن يطلق على الأمر والحال والخطب وجمعه شئون، والمراد هنا إصلاح حاله وما يحتاج إليه من أمره في حياته وبعد موته (لا إله إلا أنت) قال القاري: هذه فذلكة المقصود لأنها تفيد وحدة المعبود. وقال المناوي: ختمه بهذه الكلمة الحضورية الشهودية إشارة إلى أن الدعاء إنما ينفع المكروب ويزيل كربه إذا كان مع حضور وشهود ومن شهد بالتوحيد والجلال مع جمع الهمة وحضور البال فهو حري بزوال الكرب في الدنيا والرحمة ورفع الدرجات في العقبى (رواه أبو داود) في الأدب في حديث طويل تقدم أوله في الفصل الثالث من باب الدعاء في الصباح والمساء وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥: ص٤٢) والنسائي في الكبرى والبخاري في الأدب المفرد وابن حبان في صحيحه وابن السني (ص١١١) وابن أبي شيبة، والطبراني إلا أنه انتهت روايته إلى قوله كله وسكت عنه أبو داود. وقال الهيثمي (ج١٠: ص١٣٧) : رواه الطبراني وإسناده حسن. قلت: في سنده عندهم جعفر بن ميمون وتقدم الكلام فيه في شرح حديث أبي بكرة السابق. ٢٤٧٢- قوله (هموم) جمع الهم (وديون) عطف على هموم أي وديون لزمتني. قال الطيبي. هموم لزمتني مبتدأ وخبر كما في قولهم ((شر أهر ذا ناب)) أي همومه عظيمة لا يقادر قدرها وديون جمة نهضتني وأثقلتني - انتهى. قلت: الظاهر أن قوله: ((هموم)) إلخ. خبر مبتدأ محذوف يدل عليه أول الحديث وهو أن أبا سعيد قال دخل رسول الله ذات يوم في المسجد فإذا هو برجل من الأنصار يقال له: أبو أمامة فقال: يا أبا أمامة مالي أراك جالسًا في المسجد في غير وقت الصلاة، قال: هموم لزمتني وديون أي سبب جلوسي في المسجد في غير وقت الصلاة هموم وديون لزمتني فالتجأت إلى ربي في بيته فلزمتني صفة لهموم لا خبر له (أفلا أعلمك) عطف على محذوف أي ألا أرشدك فلا أعلمك ولا الثانية

стр. 3707

كَلَامًا إِذَا قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّكَ وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبُخْلِ والْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ ــ مزيدة للتأكيد وقيل أصله فألا أعلمك ثم قدمت الهمزة لأن لها صدر الكلام وهو أظهر لبعده عن التكلف بل التعسف فإنه لا يبقى للفاء فائدة. كذا في المرقاة (كلامًا) أي دعاء (قال) أي الرجل المذكور وهو أبو أمامة (قلت بلى) هذا صريح في أن الحديث من رواية الرجل أي أبي أمامة وكذا قوله: ((قال: ففعلت ذلك فأذهب الله همي، وقضى عني ديني)) وظاهر سياقه في أوله كما تقدم أنه من حديث أبي سعيد. قال الطيبي: الظاهر أن يقال: قال: قال بلى أي بدل قوله: ((قال: قلت بلى)) لأن أبا سعيد لم يرو عن ذلك الرجل بل شاهد الحال كما دل عليه أول الكلام اللهم إلا أن يأول ويقال تقديره قال أبو سعيد قال لي رجل قلت لرسول الله ﷺ هموم لزمتني (قل إذا أصبحت وإذا أمسيت) أي دخلت في الصباح والمساء (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن) بضم الحاء وإسكان الزاي وبفتحهما ضد السرور، وقيل: الهم والحزن بمعنى واحد، وقيل: الهم ما يتصور من المكروه الحالي والحزن لما في الماضي، وقيل: الهم فيما يتوقع أي في الخوف من أمرٍ في المستقبل والحزن فيما قد وقع وفات. أي بفوات أمر حصل في الماضي كموت ولد، أو الهم هو الحزن الذي يذيب الجسم، يقال: همني الأمر بمعنى أذابني وسمى به ما يعتري الإنسان من شدائد الغم لأنه يذيبه فهو أشد وأبلغ من الحزن الذي أصله الخشونة، وقال ميرك: الهم الكرب الذي ينشأ عند ذكر ما يتوقع حصوله مما يتأذى به والغم ما يحدث للقلب بسبب ما حصل والحزن ما يحصل لفقد ما يشق على المرأ فقده (وأعوذ بك من العجز) بفتح العين وسكون الجيم وهو ضد القدرة، وأصله التأخر عن الشيء مأخوذ من العجز وهو مؤخر الشيء وللزومه الضعف والقصور عن الإتيان بالشيء استعمل في مقابلة القدرة واشتهر فيها، والمراد هنا فقد القدرة على أداء الطاعة والعبادة ودفع الفساد وتحمل المصيبة والمحنة (والكسل) بفتحتين وهو التثاقل عن الشيء مع وجود القدرة والداعية إليه، وقيل: التواني عن الطاعة والتثاقل عن الأمر المحمود وعدم انبعاث النفس في الخير وقلة الرغبة فيه مع وجود القدرة عليه (وأعوذ بك من البخل والجبن) كذا في جميع النسخ من المشكاة وهكذا وقع في جامع الأصول والذي في سنن أبي داود ((من الجبن والبخل)) وهكذا في المصابيح والجامع الصغير والحصن، والجبن بضم الجيم وسكون الموحدة وبضمها. ضد الشجاعة وهو الخوف عند القتال ومنه عدم الجرأة عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقيل: هو ضعف القلب الناشئ عنه عدم الإقدام على المخاوف، والبخل بضم الباء وكجبل ونجم وعنق ضد الكرم (وأعوذ بك من غلبة الدين) أي استيلائه وكثرته وهي أن يفدحه الدين ويثقله وفي معناه ضلع الدين كما في رواية أي ثقله الذي يميل صاحبه عن الاستواء والضلع بالتحريك الاعوجاج والمراد به ها هنا ثقل الدين وذلك حيث لا يجد من عليه الدين وفاءه ولا يسامح الدائن مع المطالبة الشديدة

стр. 3708

وَقَهْرِ الرِّجَالِ. قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ هَمِّي وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي. رواه أبو داود. ٢٤٧٣- (٣٥) وعَنْ عَلِيٍّ أَنَّه جَاءَهُ مكاتب فَقَالَ: إِنِّي عَجَزْتُ عَنْ كِتَابَتِي فَأَعِنِّي. قَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ كبيرٍ دَيْنًا ــ (قهر الرجال) ، أي غلبتهم كما في رواية وهو شدة تسلطهم بغير حق تغلبًا وجدلاً، وقيل: الإضافة إلى الفاعل أو المفعول فكأنه إشارة إلى التعوذ من أن يكون مظلومًا أو ظالمًا وفيه إيماء إلى العوذ من الجاه المفرط والذل المهين، وقيل غير ذلك. ويأتي مزيد الكلام في معاني القرائن المذكورة في شرح حديث أنس ثاني أحاديث باب الاستعاذة (قال) : أي الرجل وهو أبو أمامة (ففعلت ذلك) ، أي ما ذكر من الدعاء عند الصباح والمساء (فأذهب الله) ببركة هذا الدعاء (همي) ، أي وحزني (رواه أبو داود في آخر الصلاة وسكت عنه. وقال المنذري: في إسناده غسان بن عوف وهو بصري وقد ضعف - انتهى. وفي تهذيب الحافظ قال الآجري: سألت أبا داود عن غسان بن عوف الذي يحدث عنه الجريري بحديث الدعاء يعني حديث أبي سعيد هذا فقال شيخ بصري، وهذا حديث غريب، قلت (قائله الحافظ) : ضعفه الساجي والأزدي، وقال العقيلي: لا يتابع على كثير من حديثه - انتهى. وقال في التقريب عنه: لين الحديث. ٢٤٧٣- قوله: (جاءه مكاتب) ، أي لغيره، والمكاتب بفتح التاء عبد علق سيده عتقه على إعطاءه كذا من المال (إني عجزت عن كتابتي) بكسر الكاف، أي عند بدلها وهو المال الذي كاتب به العبد سيده يعني بلغ وقت أداء مال الكتابة وليس لي مال، واختلف في تعريف الكتابة فقيل: هي تعليق عتق بصفة على معاوضة مخصوصة. وقال ابن قدامة: الكتابة إعتاق السيد عبده على مال في ذمته يؤدي مؤجلاً، وقيل: هي عتق على مال مؤجل من العبد موقوف على أدائه، وقيل: هي تحرير المملوك يدًا (أي: تصرفًا في البيع والشراء ونحوهما) ورقبة مالاً (أي: عند أداء البدل) (فأعني) أي: بالمال أو بالدعاء بسعة المال (قال: ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله ﷺ ) قال الطيبي: طلب المكاتب المال فعلمه الدعاء إما لأنه لم يكن عنده من المال ليعينه فرده أحسن رد عملاً بقوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ﴾ (٢: ٢٦٣) أو أرشده إشارة إلى أن الأولى والأصلح له أن يستعين بالله لأدائها ولا يتكل على الغير وينصر هذا الوجه قوله: ((وأغنني بفضلك عمن سواك)) (لو كان عليك مثل جبل كبير دينًا) بفتح الدال والنصب على التمييز. قال الطيبي: قوله: ((دينًا)) يحتمل أن يكون تمييزًا عن اسم كان الذي هو ((مثل)) لما فيه من الإبهام، و ((عليك)) خبره مقدمًا عليه، وأن يكون ((دينًا)) خبر كان و ((عليك)) حالاً من المستتر في الخبر والعامل هو الفعل المقدر في الخبر ومن جوز إعمال كان في الحال فظاهر على مذهبه - انتهى. وقوله ((مثل جبل كبير)) كذا في نسخ المشكاة تبعًا للمصابيح، والذي في جامع الترمذي ((مثل جبل صير ((بكسر الصاد المهملة بعدها ياء تحتية ساكنة ثم راء وهو جبل ببلاد طئ، وهكذا وقع في زيادات المسند لعبد الله

стр. 3709

أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْكَ. قُلْ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ. رواه الترمذي، والبيهقي في الدعوات الكبير، وسنذكر حديث جابر: ((إذا سمعتم نباح الكلاب)) في باب ((تغطية الأواني)) إن شاء الله تعالى. (الفصل الثالث) ٢٤٧٤- (٣٦) وعَنْ عَائِشَةَ قالت: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا جَلَسَ مَجْلِسًا أَوْ صَلَّى تَكَلَّمَ بِكَلِمَاتٍ فَسَأَلتُهُ عَنْ الْكَلِمَاتِ فَقَالَ: إِنْ تَكَلَّمَ بِخَيْرٍ ــ ابن أحمد ووقع في جامع الأصول ((صبير)) بفتح الصاد وكسر الباء الموحدة وسكون التحتية وكذا في رواية الحاكم (ج١: ص٥٣٨) قال الجزري في جامع الأصول (ج٥: ص٢٢٢) : صبير جبل باليمن، وقال بعضهم الذي جاء في حديث علي مثل جبل صير بإسقاط الباء الموحدة وهو جبل بطئي وجبل على الساحل بين عمان وسيراف. قال: فأما صبير فإنما جاء في حديث معاذ - انتهى. (أداه الله عنك) ، أي أعانك على أدائه إلى مستحقه وأنقذك من مذلته (قل) في الترمذي ((قال: قل)) (اللهم اكفني) بهمزة وصل وكسر الفاء من كفي كفاية تثبت الهمزة في الابتداء مكسورة وتسقط في الدرج (بحلالك عن حرامك) ، أي متجاوزًا ومستغنيًا عنه يعني قني واحفظني بالحلال عن الوقوع في الحرام (وأغنني) بهمزة قطع من الإغناء (بفضلك عمن سواك) من الخلق فمن قاله بصدق نية وجد أثر الإجابة (رواه الترمذي) في الدعوات (والبيهقي في الدعوات الكبير) وأخرجه أيضًا عبد الله بن أحمد في زيادات المسند (ج١: ص١٥٣) والحاكم (ج١: ص٥٣٨) قال الترمذي: حديث حسن غريب، وقال الحاكم صحيح وأقره الذهبي. قلت: في سنده عندهم عبد الرحمن بن إسحاق القرشي الواسطي أبو شيبة الكوفي وهو ضعيف، ففي تحسين الترمذي وتصحيح الحاكم والذهبي نظر. قال الشيخ أحمد شاكر في شرح المسند (ج٢: ص٣٣٢) : إسناده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن إسحاق. قوله (وسنذكر حديث جابر: إذا سمعتم نباح الكلاب) بضم النون بعدها موحدة، أي صياحها، وتمامه على ما في المصابيح ((ونهيق الحمار بالليل فتعوذوا بالله من الشيطان فإنهن، أي الكلاب والحمير يرين ما لا ترون)) (في باب تغطية الأواني) لأنه أنسب لذلك الباب من هذا الباب بالنسبة إلى تتمته على ما ذكرها المصنف هناك وهي ((وأقلوا الخروج إذا هدأت الأرجل فإن الله يبث من خلقه في ليلته ما يشاء، وأجيفوا الأبواب واذكروا اسم الله عليه فإن الشيطان لا يفتح بابًا إذا أجيف وذكر اسم الله عليه وغطوا الجرار وأكفئوا الآنية وأوكوا القرب)) . ٢٤٧٤- قوله (كان إذا جلس مجلسًا أو صلى) ، أي صلاة (تكلم بكلمات) ، أي عند انصرافه منها أو عند قيامه عنه (فسألته عن الكلمات) ، أي عن فائدتها (إن تكلم بخير) بصيغة المجهول فنائبه الجار وفي نسخة على بناء المعلوم، أي إن

стр. 3710

كَانَ طَابِعًا عَلَيْهِنَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِنْ تَكَلَّمَ بِشَرٍّ كَانَ كَفَّارَةً لَهُ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ لَا إِلَه إِلَا أَنْت أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. رواه النسائي. ٢٤٧٥- (٣٧) وعن قَتَادَة بَلَغَهُ أَنَّ رسول الله ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ: ــ تكلم متكلم بخير، أي طاعة قبل تلك الكلمات المسئول عنها ثم ذكر تلك الكلمات عقبه (كان) ، أي الذكر الآتي وهو تلك الكلمات وقيل، أي تلك الكلمات وتذكير الضمير باعتبار الكلام (طابعًا) ، بفتح الموحدة وتكسر أي خاتمًا (عليهن) ، أي على كلمات الخير، وقال السندي: أي على تلك الكلمات التي هي خير، إذ الغالب أن الخير يكون كلمات متعددة فلذلك جمع الضمير وفيه ترغيب إلى تكثير الخير وتقليل الشر حيث اختير في جانبه الإفراد وإشارة إلى أن جميع الخيرات تثبت بهذا الذكر إذا كان هذا الذكر عقبها ولا تختص هذه الفائدة بالخير المتصل بهذا الذكر فقط. والمراد أنه يكون مثبتًا لذلك الخير رافعًا إلى درجة القبول آمنًا له عن حضيض الرد - انتهى. (وإن تكلم) بالوجهين (بشر) ، أي بإثم (كان كفارة له) ، أي لما تكلم به من الشر، أي مغفرة للذنب الحاصل فيستحب للإنسان ختم المجلس به، أي مجلس كان (سبحانك اللهم) إلخ، تفسير لقوله: بكلمات، أي تكلم بكلمات سبحانك اللهم إلخ. فسألته عن فائدتها، وفي الكلام تقديم وتأخير وضمير كان في الموضعين راجع إلى قوله: سبحانك في المعنى كما لا يخفى. وقال الطيبي: قوله عن الكلمات التعريف للعهد والمعهود قوله كلمات وهو يحتمل وجهين إما أن لا يضمر شيء فيكون الكلمات الجملتين الشرطيتين واسم كان فيهما مبهم تفسيره قوله سبحانك اللهم، وإما أن يقدر فما فائدة الكلمات؟ فعلى هذا الكلمات هي قوله سبحانك اللهم والمضمر في كان راجع إليه ففي الكلام تقديم وتأخير وهذا الوجه أحسن بحسب المعنى وإن كان اللفظ يساعد الأول، كذا في المرقاة. وقال في اللمعات: لا شك أن الكلمات هي سبحانك اللهم إلخ، فالسؤال يكون عنها والجواب بها، لكنه ﷺ بين قبلها فضيلتها بقوله ((إن تكلم)) بصيغة المجهول الماضي أي وقع التكلم، أو بفتحات أي تكلم متكلم أو رجل ((بخير)) في المجلس، والضمير في ((كان)) راجع إلى قوله ((سبحانك اللهم)) إلخ لكونه فاعلاً أو مسندًا إلى ظاهره فهو اسم ((كان)) و ((طابعًا)) بفتح الباء بمعنى الخاتم خبر مقدم والضمير في ((عليهن)) راجع إلى الكلمات المفهومة من تكلم رعاية للمعنى، وفي قوله ((كان كفارة له)) إلى الشر لرعاية اللفظ فافهم. هذا ما سنح لي في توجيه الكلام انتهى. (رواه النسائي) في الصلاة وإسناده صحيح أو حسن. وذكره المنذري في باب الترغيب في كلمات يكفرن لغط المجلس بلفظ المشكاة وصدره بلفظة ((عن)) فلا أقل من أن يكون عنده حسنًا أو قريبًا من الحسن. وقال: رواه ابن أبي الدنيا والنسائي واللفظ لهما والحاكم والبيهقي وفي الباب عن جبير بن مطعم، ورافع بن خديج، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي برزة الأسلمي ذكرها المنذري في الباب المذكور، والحاكم (ج١: ص٥٣٦، ٥٣٧) . ٢٤٧٥- قوله (وعن قتادة) هو قتادة بن دعامة السدوسي التابعي الجليل (بلغه) في سنن أبي داود ((أنه بلغه))

стр. 3711

هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ آمَنْتُ بِالَّذِي خَلَقَكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا وَجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا. رواه أبو داود. ٢٤٧٦- (٣٨) وَعَنِ ابنِ مَسْعُود أنَّ رَسُول الله ﷺ قَالَ: مَنْ كَثُرَ هَمُّهُ فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وابْن عَبْدُكَ وابْن أَمَتُك ــ والحديث مرسل (هلال خير ورشد) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هذا أو هو هلال خير تفاؤلاً فيكون ما بعده التفاتًا أو خبر معناه دعاء، وقيل الظاهر أنه منصوب بمقدر، أي اللهم اجعله لنا أو أهله علينا هلال خير، أي بركة، ورشد بضم الراء وسكون الشين ويجوز فتحهما أي هداية إلى القيام بعبادة الله تعالى فإنه ميقات الحج والصوم وغيرهما. قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ (٢: ١٨٩) الآية (هلال خير ورشد، هلال خير ورشد) قال القاري: كرره ثلاثًا لأنه خبر بمعنى الدعاء ويصح بقاؤه على الخبرية تفاؤلاً بأن يكون الشهر عليه كذلك (آمنت بالذي خلقك) فيه رد على من عبد القمر (ثلاث مرات) ظرف لقال، وقيل أي يكرر ذلك ثلاثًا (الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا) ، أي بجمادى الأخرى مثلا أي بالخير والسلامة (وجاء بشهر كذا) ، أي بجمادي الآخر، مثلاً أي بالخير والسلامة (وجاء بشهر كذا) أي برجب مثلاً، أي أبقى وفسح في العمر وكلاهما نعمة، أو المراد ثناءه تعالى على هذه القدرة الكاملة وإيجاد الحالة العجيبة. قال الطيبي: إما أن يراد بالحمد الثناء على قدرته بأن مثل هذا الإذهاب العجيب وهذا المجيء الغريب لا يقدر عليه إلا الله أو يراد به الشكر على ما أولى العباد بسبب الانتقال من النعم الدينية والدنيوية ما لا يحصى وينصر هذا التأويل قوله ((هلال خير)) (رواه أبو داود) في الأدب ورجاله ثقات لكنه مرسل، ورواه أيضًا البغوي في شرح السنة (ج٥: ص١٢٩) عن قتادة قال كان النبي ﷺ إذا رأى الهلال كبر ثلاثًا وهلل ثلاثًا ثم قال: هلال خير ورشد. ثلاثًا. ثم قال: آمنت إلخ. قال البغوي: هذا حديث منقطع. قال في مرقاة الصعود: وصله ابن السني والطبراني في الدعاء من طريق محمد بن عبيد الله الفزاري عن قتادة عن أنس وزاد الطبراني بعد قوله خلقك ((فعدلك وجعلك آية للعالمين)) انتهى. قلت: روى ابن السني (ص٢٠٧) حديث أنس من طريق عمر بن أبي سلمة عن زهير بن محمد عن يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن حرملة عنه أن النبي ﷺ كان إذا نظر إلى الهلال قال: اللهم اجعله هلال يمن ورشد، وآمنت بالذي خلقك فعدلك فتبارك الله أحسن الخالقين. وروي أيضًا من طريق الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: هلال خير ورشد ثلاث مرات، آمنت بالذي خلقك ثلاث مرات. ثم يقول: الحمد لله الذي جاء بالشهر وذهب بالشهر. ٢٤٧٦- قوله (من كثر) بضم الثاء المثلثة (همه فليقل اللهم) وفي رواية أحمد (ج١: ص١٩٣) ((ما أصاب أحدًا قط هم ولا حزن فقال اللهم)) (إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك) بفتح الهمزة والميم المخففة، أي ابن جاريتك وهو

стр. 3712

وفي قَبْضَتك، نَاصِيتِي بِيَدِكَ، مَاضِ في حُكْمُك عَدْلٌ في قَضَاؤُك، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَك سَميت بِهِ نَفْسَكَ أَوْ أَنَزَلْتَه في كِتَابِك أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ في مَكْنُونِ الغَيْبِ عِنْدِكَ أَنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، ــ اعتراف بالعبودية (وفي قبضتك) بفتح القاف المرة من القبض، أي في تصرفك وتحت قضائك وقدرك ولا حركة لي ولا سكون إلا بأقدارك وهو إقرار بالربوبية ولم يقع هذا اللفظ فيما رأيت إلا لابن السني (ناصيتي بيدك) ، أي لا حول ولا قوة إلا بك، كناية عن كمال قدرته وإشارة إلى إحاطته على وقف إرادته وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَاّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ (١١: ٥٦) (ماض) ، أي ثابت ونافذ (في) بتشديد الياء، أي في حقي (حكمك) قال القاري في شرح الحصن: إيماء إلى أنه لا مانع لفعله ولا راد لحكمه أو المعنى سابق في شأن حكمك الأزلي ولا تبديل ولا تحويل لأمرك. وقال في المرقاة: حكمك، أي الأمري أو الكوني كإهلاك وإحياء ومنع وعطاء (عدل في قضاءك) ، أي ما قدرته عليّ لأنك تصرفت في ملكك على وفق حكمتك (أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك) ، أي ذاتك وهو مجمل وما بعده تفصيل له على سبيل التنويع الخاص أعني قوله (أو أنزلته في كتابك) ، أي في جنس الكتب المنزلة (أو علمته أحدًا من خلقك) ، أي من خلاصتهم وهم الأنبياء والرسل وهذا ساقط من بعض نسخ المشكاة، وليس أيضًا في جامع الأصول والصحيح وجوده، ويشهد له رواية أحمد، وابن حبان، والحاكم وابن السني (أو استأثر به) ، أي اخترته وتفردت به (في مكنون الغيب) ، أي مستوره، وفي رواية أحمد، وابن حبان، والحاكم، وابن السني، ((في علم الغيب)) (عندك) ، أي فلم تلهمه أحدًا ولم تنزله في كتاب. قال الجزري: الاستئثار بالشيء التخصص به والإنفراد أي انفردت بعلمه عندك لا يعلمه إلا أنت، وفيه دليل على أن لله أسماء غير التسعة والتسعين الاسم المتقدم ذكرها، وفيه التوسل بأسماء الله تعالى التي سمَّا بها نفسه ما علم العباد منها وما لم يعلموا، ومنها ما استأثر به في علم الغيب عنده فلم يطلع عليه ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلاً وهذه الوسيلة أعظم الوسائل وأحبها إلى الله وأقربها تحصيلاً للمطلوب (أن تجعل القرآن) مفعول أسألك (ربيع قلبي) شبه القرآن بزمان الربيع في ظهور آثار ﵀ وحياة القلب وارتياحه به. قال الشوكاني: أي أسألك أن تجعل القرآن كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان، وكذلك القرآن ربيع القلوب، أي يجعل قلبه مرتاحًا إلى القرآن مائلاً إليه راغبًا في تلاوته وتدبره، وقيل أي منتزهه ومكان رعيه وانتفاعه بأنواره وأشجاره وثماره المشبه بها أنواع العلوم والمعارف وأصناف الحكم والأحكام واللطائف. قال الطيبي: هذا هو المطلوب والسابق وسائل إليه، فأظهر أولاً غاية ذلته وصغاره ونهاية عجزه وافتقاره، وثانيًا بين عظمة شأنه وجلالة اسمه سبحانه بحيث لم يبق فيه بقية، وألطف في المطلوب حيث جعل المطلوب وسيلة إلى إزالة الهم المطلوب أولاً، وجعل القرآن ربيع القلب وهو عبارة عن الفرح،

стр. 3713

وَجَلَاءَ هَمِي وَغَمِي. مَا قَالَهَا عَبْدٌ قَط إِلا أَذْهَبَ الله غَمَّهُ وَأَبْدَلَهُ بِهِ فَرِجًا. رَوَاهُ رُزَيْن. ــ لأن الإنسان يرتاح قلبه في الربيع من الأزمان ويميل إليه في كل مكان، وأقول كما أن الربيع سبب ظهور آثار رحمة الله تعالى وإحياء الأرض بعد موتها، كذلك القرآن سبب ظهور تأثير لطف الله من الإيمان والمعارف وزوال ظلمات الكفر والجهل والهم، كذا في المرقاة. وزاد في رواية أحمد ((نور صدري)) وكذا في حديث أبي موسى الأشعري عند الطبراني، وابن السني، أي يشرق في قلبي نوره فأميز به الحق من غيره. ووقع في رواية ابن حبان، وابن السني من حديث ابن مسعود ((نور بصري)) قال الشوكاني: سأله أن يجعل القرآن منور البصيرة، والنور مادة الحياة وبه يتم معاش العباد. وقال القاري في شرح الحصن قوله ((ونور بصري)) ، أي تلوته إذا تلوته عينًا كما أنه ربيع قلبي إذا تلوته غيبًا (وجلاء همي وغمي) بكسر الجيم، أي إزالتهما وكشفهما من جلوت السيف جلاء بالكسر أي صقلته، وفي رواية أحمد، وابن حبان، والحاكم، وابن السني: ((وجلاء حزني وذهاب همي)) سأله أن يجعل القرآن شفاء همه وغمه ليكون بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء ويعيد البدن إلى صحته واعتداله وأن يجعله لحزنه كالجلاء الذي يجلو الطبوع والأصدية (ما قالها) ، أي الكلمات المذكور (عبد قط إلا أذهب الله غمه وأبدله به فرجًا) بفتحتين وبالجيم وهو كشف الغم وفي بعض النسخ فرحًا بالحاء المهملة وهكذا في جامع الأصول، وفي رواية الأربعة المذكورين ((إلا أذهب الله همه وأبدل مكان حزنه فرحًا، قالوا: يا رسول الله ينبغي لنا أن نتعلم هؤلاء الكلمات قال أجل ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن)) وفي الحديث الحث على تعلم هذا الدعاء والعمل به وقت الحزن والهم والغم وأن من فعل ذلك أذهب الله عنه ما يجد وأبدله مكان الهم والغم فرحًا، هذا وقد بسط ابن القيم في شرح هذا الحديث وبيان ما يدل عليه الدعاء المذكور فيه من الفوائد والقواعد في شفاء العليل (ص٢٧٤ - ٢٧٨) فليرجع إليه من شاء (رواه رزين) ذكره رزين في تجريده ولا يوجد في أصوله، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠: ص١٣٦) وقال رواه أحمد (ج١: ص٣٩١، ٤٥٢) وأبو يعلى، والبزار، والطبراني. ورجال أحمد وأبي يعلي رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان - انتهى. قلت: وأخرجه أيضًا الحاكم (ج١: ص٥٠٩) ، وابن السني (ص١١٠) ، وابن حبان كما في موارد الظمآن (ص٥٨٩) ، وابن أبي شيبة كما في الحصن رواه كلهم غير ابن السني من رواية أبي سلمة الجهني عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن عبد الله ورواه ابن السني من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن القاسم بن عبد الرحمن عن عبد الله بن مسعود. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه فإنه مختلف في سماعه من أبيه. وتعقبه الذهبي فقال: أبو سلمة لا يدري من هو ولا رواية له في الكتب الستة - انتهى. وقال الشيخ أحمد شاكر في شرحه للمسند: إسناده صحيح ثم نقل تخريجه عن الهيثمي وكلامه المتقدم ثم ذكر تصحيح الحاكم وتعقب الذهبي عليه. ثم قال: أبو سلمة الجهني ترجمه الحافظ في التعجيل (ص٤٩٠، ٤٩١) ونقل عن الحسيني أنه قال ((مجهول)) وكلام الذهبي أنه لا يدري من هو، ثم قال: وقد ذكره ابن حبان في الثقات وأخرج حديثه في صحيحه وقرأت بخط الحافظ ابن عبد الهادي ((يحتمل أن يكون خالد بن

стр. 3714

٢٤٧٧- (٣٩) عَنْ جَابِرِ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا. ــ سلمة)) قلت: وهو بعيد لأن خالدًا مخزومي وهذا جهني - انتهى. وترجمه أيضًا في لسان الميزان (٦، ٣٨٧) بنحو هذا ثم قال: والحق أنه مجهول الحال وابن حبان يذكر أمثاله في الثقات ويحتج به في الصحيح إذا كان ما رواه ليس بمنكر - انتهى. وتعقبه الشيخ أحمد شاكر فقال: وهذه دعوى من الحافظ فكلهم يحتجون في توثيق الراوي بذكر ابن حبان إياه في الثقات إذا لم يكن مجروحًا بشيء ثابت. وفضلاً عن هذا فإن البخاري ترجمه في الكنى برقم (٣٤١) فلم يذكر فيه جرحًا وهذا مع ذاك يرفعان جهالة حاله ويكفيان في الحكم بتوثيقه وأما ظن ابن عبد الهادي أنه خالد بن سلمة فإنه بعيد كما قال الحافظ وأقرب منه عندي أن يكون موسى بن عبد الله أو ابن عبد الرحمن الجهني ويكنى أبا سلمة فإنه من هذه الطبقة وقد سبق توثيقه. قلت: وفي تعقبه على الحافظ عندي نظر فتأمل. ثم قال الشيخ أحمد شاكر وهنا بهامش ك (أي النسخة الكتانية المغربية للمسند) ((قال الحافظ المنذري بعد الإتيان بحديث ابن مسعود هذا وذكر تخريجه وذكر كلام الحاكم ((لم يسلم، أي الحديث من الإرسال)) أقول: هذا ادعاء من الحافظ المنذري فإنه سلم منه لما رجحنا في (٣٦٩٠) أن عبد الرحمن سمع من أبيه)) - انتهى. وقال هناك (ج٥: ص٢٥٥) في سماع عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه كلام والراجح عندي أنه سمع منه، وهو الذي رجحه البخاري في التاريخ الصغير (٤٠) فإنه روى عن ابن خثيم المكي قصة بإسناده قال فيها عبد الرحمن ((وأنا مع أبي)) ثم قال البخاري قال شعبة: لم يسمع عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود من أبيه، وحديث ابن خثيم أولى عندي - انتهى. ٢٤٧٧- قوله: (كنا) أي: في سفرنا (إذا صعدنا) بكسر العين أي: طلعنا مكانًا عاليًا وعلونا موضعًا مرتفعًا مثل جبل وتل (كبرنا) أي: قلنا الله أكبر إظهارًا لكبريائه تعالى وعلو مكانه وارتفاع شأنه (وإذا نزلنا) أي: هبطنا منزلاً واطئًا وموضعًا منخفضًا نحو الوادي وفي رواية ((تصوبنا)) بدل ((نزلنا)) والتصوب النزول والانحدار وقد ورد بلفظ هبطنا عند النسائي (سبحنا) أي: قلنا: سبحان الله. ومناسبة التكبير عند الصعود إلى المكان المرتفع أن الاستعلاء والارتفاع محبوب للنفوس لما فيه من استشعار الكبرياء فشرع لمن تلبس به أن يذكر كبرياء الله تعالى وأنه أكبر من كل شيء ليشكر له ذلك فيزيده من فضله، ومناسبة التسبيح عند الهبوط لكون المكان المنخفض محل ضيق، فيشرع فيه التسبيح لأنه من أسباب الفرج كما وقع في قصة يونس ﵇ حين سبح في الظلمات فنجى من الغم. قال المهلب: تكبيره ﷺ عند الارتفاع والإشراف على المواضع العالية استشعار لكبرياء الله عند ما يقع عليه العين من عظيم خلقه أنه أكبر من كل شيء وأما تسبيحه في بطون الأودية فهو مستنبط من قصة يونس ﵊ قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٣٧: ١٤٣، ١٤٤) فنجاه الله تعالى بتسبيحه في بطن الحوت من الظلمات فامتثل النبي ﷺ هذا التسبيح في بطون الأودية لينجيه الله منها ومن أن يدركه العدو، وقيل: مناسبة التسبيح في الأماكن المنخفضة من

стр. 3715

رواه البخاري. ٢٤٧٨- (٤٠) عَنْ أَنَسِ أن رسول الله ﷺ كَانَ إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ يَقُول: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ. رواه الترمذي. وقال: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وليس بمحفوظ. ــ جهة أن التسبيح هو التنزيه فناسب تنزيه الله عن صفات الانخفاض كما ناسب تكبيره عند الأماكن المرتفعة (رواه البخاري) في الجهاد، وأخرجه النسائي في اليوم والليلة، والبغوي في شرح السنة (ج٥: ص١٤٨) ، وروى أبو داود نحوه عن عبد الله بن عمر. ٢٤٧٨- قوله: (كان إذا كربه أمر) أي: أصابه كرب وشدة وقيل: أي: أشق عليه أمر وأهمه شأنه، وفي رواية ابن السني ((إذا حز به أمر)) وفي حديث ابن مسعود عند الحاكم إذا نزل به هم أو غم (يقول) في الترمذي ((قال)) وفي جامع الأصول ((يقول)) كما في المشكاة (يا حي) أي: الدائم البقاء (يا قيوم) أي: المبالغ في القيام بتدبير خلقه (برحمتك أستغيث) أي: أطلب الإغاثة وأسأل الاستعانة يقال: أغاثه الله أعانه ونصره وأغاثه الله برحمته كشف شدته. قال ابن القيم في الطب النبوي (ص١٥٩) : في تأثير قوله: ((يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث)) في دفع هذا الداء (أي الكرب والهم والغم)) مناسبة بديعة فإن صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال مستلزمة لها وصفة القيومية متضمنة لجميع صفات الأفعال، ولهذا كان اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى هو اسم الحي القيوم والحياة التامة تضاد جميع الأسقام والآلام، ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقهم هم ولا غم ولا حزن ولا شيء من الآفات ونقصان الحياة يضر بالأفعال وينافي القيومية فكمال القيومية لكمال الحياة فالحي المطلق التام الحياة لا يفوته صفة الكمال البتة والقيوم لا يتعذر عليه فعل ممكن البتة. فالتوسل بصفة الحياة والقيومية له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة ويضر بالأفعال والمقصود أن لاسم الحي القيوم تأثيرًا خاصًا في إجابة الدعوات وكشف الكربات (رواه الترمذي) في الدعوات وقال: هذا حديث غريب - انتهى. وأخرجه أيضًا ابن السني (ص١٠٩) كلاهما من طريق أبي بدر شجاع بن الوليد عن الرحيل بن معاوية عن يزيد بن أبان الرقاشي عن أنس. والرقاشي قال في التقريب: إنه زاهد ضعيف. وقال الساجي: كان يهم ولا يحفظ ويحمل حديثه لصدقه وصلاحه والظاهر أنه ضعف لأنه غفل عن حفظ الحديث شغلاً بالعبادة (هذا حديث غريب وليس بمحفوظ) قد وهم المصنف ها هنا فإن كلام الترمذي هذا إنما هو في حديث أنس أن النبي ﷺ قال: ((ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام)) . رواه من طريق مؤمل عن حماد بن سلمة عن حميد عن أنس به، ثم قال: هذا حديث غريب وليس بمحفوظ، وإنما يروى هذا عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن البصري عن النبي ﷺ وهذا أصح، والمؤمل غلط فيه. فقال: عن حميد عن أنس ولا يتابع فيه - انتهى. وقد تعقب الحافظ كلام الترمذي هذا في النكت الظراف على الأطراف (ج١: ص١٨٢) فارجع إليه، وفي الباب عن ابن مسعود أخرجه الحاكم (ج١: ص٥٠٩) .
следующие страницы →