Полный текст (4 545 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.
стр. 3711
هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ آمَنْتُ بِالَّذِي خَلَقَكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا وَجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا. رواه أبو داود.
٢٤٧٦- (٣٨) وَعَنِ ابنِ مَسْعُود أنَّ رَسُول الله ﷺ قَالَ: مَنْ كَثُرَ هَمُّهُ فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وابْن عَبْدُكَ وابْن أَمَتُك
ــ
والحديث مرسل (هلال خير ورشد) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هذا أو هو هلال خير تفاؤلاً فيكون ما بعده التفاتًا أو خبر معناه دعاء، وقيل الظاهر أنه منصوب بمقدر، أي اللهم اجعله لنا أو أهله علينا هلال خير، أي بركة، ورشد بضم الراء وسكون الشين ويجوز فتحهما أي هداية إلى القيام بعبادة الله تعالى فإنه ميقات الحج والصوم وغيرهما. قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ (٢: ١٨٩) الآية (هلال خير ورشد، هلال خير ورشد) قال القاري: كرره ثلاثًا لأنه خبر بمعنى الدعاء ويصح بقاؤه على الخبرية تفاؤلاً بأن يكون الشهر عليه كذلك (آمنت بالذي خلقك) فيه رد على من عبد القمر (ثلاث مرات) ظرف لقال، وقيل أي يكرر ذلك ثلاثًا (الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا) ، أي بجمادى الأخرى مثلا أي بالخير والسلامة (وجاء بشهر كذا) ، أي بجمادي الآخر، مثلاً أي بالخير والسلامة (وجاء بشهر كذا) أي برجب مثلاً، أي أبقى وفسح في العمر وكلاهما نعمة، أو المراد ثناءه تعالى على هذه القدرة الكاملة وإيجاد الحالة العجيبة. قال الطيبي: إما أن يراد بالحمد الثناء على قدرته بأن مثل هذا الإذهاب العجيب وهذا المجيء الغريب لا يقدر عليه إلا الله أو يراد به الشكر على ما أولى العباد بسبب الانتقال من النعم الدينية والدنيوية ما لا يحصى وينصر هذا التأويل قوله ((هلال خير)) (رواه أبو داود) في الأدب ورجاله ثقات لكنه مرسل، ورواه أيضًا البغوي في شرح السنة (ج٥: ص١٢٩) عن قتادة قال كان النبي ﷺ إذا رأى الهلال كبر ثلاثًا وهلل ثلاثًا ثم قال: هلال خير ورشد. ثلاثًا. ثم قال: آمنت إلخ. قال البغوي: هذا حديث منقطع. قال في مرقاة الصعود: وصله ابن السني والطبراني في الدعاء من طريق محمد بن عبيد الله الفزاري عن قتادة عن أنس وزاد الطبراني بعد قوله خلقك ((فعدلك وجعلك آية للعالمين)) انتهى. قلت: روى ابن السني (ص٢٠٧) حديث أنس من طريق عمر بن أبي سلمة عن زهير بن محمد عن يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن حرملة عنه أن النبي ﷺ كان إذا نظر إلى الهلال قال: اللهم اجعله هلال يمن ورشد، وآمنت بالذي خلقك فعدلك فتبارك الله أحسن الخالقين. وروي أيضًا من طريق الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: هلال خير ورشد ثلاث مرات، آمنت بالذي خلقك ثلاث مرات. ثم يقول: الحمد لله الذي جاء بالشهر وذهب بالشهر.
٢٤٧٦- قوله (من كثر) بضم الثاء المثلثة (همه فليقل اللهم) وفي رواية أحمد (ج١: ص١٩٣) ((ما أصاب أحدًا قط هم ولا حزن فقال اللهم)) (إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك) بفتح الهمزة والميم المخففة، أي ابن جاريتك وهو
стр. 3712
وفي قَبْضَتك، نَاصِيتِي بِيَدِكَ، مَاضِ في حُكْمُك عَدْلٌ في قَضَاؤُك، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَك سَميت بِهِ نَفْسَكَ أَوْ أَنَزَلْتَه في كِتَابِك أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ في مَكْنُونِ الغَيْبِ عِنْدِكَ أَنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي،
ــ
اعتراف بالعبودية (وفي قبضتك) بفتح القاف المرة من القبض، أي في تصرفك وتحت قضائك وقدرك ولا حركة لي ولا سكون إلا بأقدارك وهو إقرار بالربوبية ولم يقع هذا اللفظ فيما رأيت إلا لابن السني (ناصيتي بيدك) ، أي لا حول ولا قوة إلا بك، كناية عن كمال قدرته وإشارة إلى إحاطته على وقف إرادته وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَاّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ (١١: ٥٦) (ماض) ، أي ثابت ونافذ (في) بتشديد الياء، أي في حقي (حكمك) قال القاري في شرح الحصن: إيماء إلى أنه لا مانع لفعله ولا راد لحكمه أو المعنى سابق في شأن حكمك الأزلي ولا تبديل ولا تحويل لأمرك. وقال في المرقاة: حكمك، أي الأمري أو الكوني كإهلاك وإحياء ومنع وعطاء (عدل في قضاءك) ، أي ما قدرته عليّ لأنك تصرفت في ملكك على وفق حكمتك (أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك) ، أي ذاتك وهو مجمل وما بعده تفصيل له على سبيل التنويع الخاص أعني قوله (أو أنزلته في كتابك) ، أي في جنس الكتب المنزلة (أو علمته أحدًا من خلقك) ، أي من خلاصتهم وهم الأنبياء والرسل وهذا ساقط من بعض نسخ المشكاة، وليس أيضًا في جامع الأصول والصحيح وجوده، ويشهد له رواية أحمد، وابن حبان، والحاكم وابن السني (أو استأثر به) ، أي اخترته وتفردت به (في مكنون الغيب) ، أي مستوره، وفي رواية أحمد، وابن حبان، والحاكم، وابن السني، ((في علم الغيب)) (عندك) ، أي فلم تلهمه أحدًا ولم تنزله في كتاب. قال الجزري: الاستئثار بالشيء التخصص به والإنفراد أي انفردت بعلمه عندك لا يعلمه إلا أنت، وفيه دليل على أن لله أسماء غير التسعة والتسعين الاسم المتقدم ذكرها، وفيه التوسل بأسماء الله تعالى التي سمَّا بها نفسه ما علم العباد منها وما لم يعلموا، ومنها ما استأثر به في علم الغيب عنده فلم يطلع عليه ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلاً وهذه الوسيلة أعظم الوسائل وأحبها إلى الله وأقربها تحصيلاً للمطلوب (أن تجعل القرآن) مفعول أسألك (ربيع قلبي) شبه القرآن بزمان الربيع في ظهور آثار ﵀ وحياة القلب وارتياحه به. قال الشوكاني: أي أسألك أن تجعل القرآن كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان، وكذلك القرآن ربيع القلوب، أي يجعل قلبه مرتاحًا إلى القرآن مائلاً إليه راغبًا في تلاوته وتدبره، وقيل أي منتزهه ومكان رعيه وانتفاعه بأنواره وأشجاره وثماره المشبه بها أنواع العلوم والمعارف وأصناف الحكم والأحكام واللطائف. قال الطيبي: هذا هو المطلوب والسابق وسائل إليه، فأظهر أولاً غاية ذلته وصغاره ونهاية عجزه وافتقاره، وثانيًا بين عظمة شأنه وجلالة اسمه سبحانه بحيث لم يبق فيه بقية، وألطف في المطلوب حيث جعل المطلوب وسيلة إلى إزالة الهم المطلوب أولاً، وجعل القرآن ربيع القلب وهو عبارة عن الفرح،
стр. 3713
وَجَلَاءَ هَمِي وَغَمِي. مَا قَالَهَا عَبْدٌ قَط إِلا أَذْهَبَ الله غَمَّهُ وَأَبْدَلَهُ بِهِ فَرِجًا. رَوَاهُ رُزَيْن.
ــ
لأن الإنسان يرتاح قلبه في الربيع من الأزمان ويميل إليه في كل مكان، وأقول كما أن الربيع سبب ظهور آثار رحمة الله تعالى وإحياء الأرض بعد موتها، كذلك القرآن سبب ظهور تأثير لطف الله من الإيمان والمعارف وزوال ظلمات الكفر والجهل والهم، كذا في المرقاة. وزاد في رواية أحمد ((نور صدري)) وكذا في حديث أبي موسى الأشعري عند الطبراني، وابن السني، أي يشرق في قلبي نوره فأميز به الحق من غيره. ووقع في رواية ابن حبان، وابن السني من حديث ابن مسعود ((نور بصري)) قال الشوكاني: سأله أن يجعل القرآن منور البصيرة، والنور مادة الحياة وبه يتم معاش العباد. وقال القاري في شرح الحصن قوله ((ونور بصري)) ، أي تلوته إذا تلوته عينًا كما أنه ربيع قلبي إذا تلوته غيبًا (وجلاء همي وغمي) بكسر الجيم، أي إزالتهما وكشفهما من جلوت السيف جلاء بالكسر أي صقلته، وفي رواية أحمد، وابن حبان، والحاكم، وابن السني: ((وجلاء حزني وذهاب همي)) سأله أن يجعل القرآن شفاء همه وغمه ليكون بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء ويعيد البدن إلى صحته واعتداله وأن يجعله لحزنه كالجلاء الذي يجلو الطبوع والأصدية (ما قالها) ، أي الكلمات المذكور (عبد قط إلا أذهب الله غمه وأبدله به فرجًا) بفتحتين وبالجيم وهو كشف الغم وفي بعض النسخ فرحًا بالحاء المهملة وهكذا في جامع الأصول، وفي رواية الأربعة المذكورين ((إلا أذهب الله همه وأبدل مكان حزنه فرحًا، قالوا: يا رسول الله ينبغي لنا أن نتعلم هؤلاء الكلمات قال أجل ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن)) وفي الحديث الحث على تعلم هذا الدعاء والعمل به وقت الحزن والهم والغم وأن من فعل ذلك أذهب الله عنه ما يجد وأبدله مكان الهم والغم فرحًا، هذا وقد بسط ابن القيم في شرح هذا الحديث وبيان ما يدل عليه الدعاء المذكور فيه من الفوائد والقواعد في شفاء العليل (ص٢٧٤ - ٢٧٨) فليرجع إليه من شاء (رواه رزين) ذكره رزين في تجريده ولا يوجد في أصوله، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠: ص١٣٦) وقال رواه أحمد (ج١: ص٣٩١، ٤٥٢) وأبو يعلى، والبزار، والطبراني. ورجال أحمد وأبي يعلي رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان - انتهى. قلت: وأخرجه أيضًا الحاكم (ج١: ص٥٠٩) ، وابن السني (ص١١٠) ، وابن حبان كما في موارد الظمآن (ص٥٨٩) ، وابن أبي شيبة كما في الحصن رواه كلهم غير ابن السني من رواية أبي سلمة الجهني عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن عبد الله ورواه ابن السني من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن القاسم بن عبد الرحمن عن عبد الله بن مسعود. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه فإنه مختلف في سماعه من أبيه. وتعقبه الذهبي فقال: أبو سلمة لا يدري من هو ولا رواية له في الكتب الستة - انتهى. وقال الشيخ أحمد شاكر في شرحه للمسند: إسناده صحيح ثم نقل تخريجه عن الهيثمي وكلامه المتقدم ثم ذكر تصحيح الحاكم وتعقب الذهبي عليه. ثم قال: أبو سلمة الجهني ترجمه الحافظ في التعجيل (ص٤٩٠، ٤٩١) ونقل عن الحسيني أنه قال ((مجهول)) وكلام الذهبي أنه لا يدري من هو، ثم قال: وقد ذكره ابن حبان في الثقات وأخرج حديثه في صحيحه وقرأت بخط الحافظ ابن عبد الهادي ((يحتمل أن يكون خالد بن
стр. 3714
٢٤٧٧- (٣٩) عَنْ جَابِرِ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا.
ــ
سلمة)) قلت: وهو بعيد لأن خالدًا مخزومي وهذا جهني - انتهى. وترجمه أيضًا في لسان الميزان (٦، ٣٨٧) بنحو هذا ثم قال: والحق أنه مجهول الحال وابن حبان يذكر أمثاله في الثقات ويحتج به في الصحيح إذا كان ما رواه ليس بمنكر - انتهى. وتعقبه الشيخ أحمد شاكر فقال: وهذه دعوى من الحافظ فكلهم يحتجون في توثيق الراوي بذكر ابن حبان إياه في الثقات إذا لم يكن مجروحًا بشيء ثابت. وفضلاً عن هذا فإن البخاري ترجمه في الكنى برقم (٣٤١) فلم يذكر فيه جرحًا وهذا مع ذاك يرفعان جهالة حاله ويكفيان في الحكم بتوثيقه وأما ظن ابن عبد الهادي أنه خالد بن سلمة فإنه بعيد كما قال الحافظ وأقرب منه عندي أن يكون موسى بن عبد الله أو ابن عبد الرحمن الجهني ويكنى أبا سلمة فإنه من هذه الطبقة وقد سبق توثيقه. قلت: وفي تعقبه على الحافظ عندي نظر فتأمل. ثم قال الشيخ أحمد شاكر وهنا بهامش ك (أي النسخة الكتانية المغربية للمسند) ((قال الحافظ المنذري بعد الإتيان بحديث ابن مسعود هذا وذكر تخريجه وذكر كلام الحاكم ((لم يسلم، أي الحديث من الإرسال)) أقول: هذا ادعاء من الحافظ المنذري فإنه سلم منه لما رجحنا في (٣٦٩٠) أن عبد الرحمن سمع من أبيه)) - انتهى. وقال هناك (ج٥: ص٢٥٥) في سماع عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه كلام والراجح عندي أنه سمع منه، وهو الذي رجحه البخاري في التاريخ الصغير (٤٠) فإنه روى عن ابن خثيم المكي قصة بإسناده قال فيها عبد الرحمن ((وأنا مع أبي)) ثم قال البخاري قال شعبة: لم يسمع عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود من أبيه، وحديث ابن خثيم أولى عندي - انتهى.
٢٤٧٧- قوله: (كنا) أي: في سفرنا (إذا صعدنا) بكسر العين أي: طلعنا مكانًا عاليًا وعلونا موضعًا مرتفعًا مثل جبل وتل (كبرنا) أي: قلنا الله أكبر إظهارًا لكبريائه تعالى وعلو مكانه وارتفاع شأنه (وإذا نزلنا) أي: هبطنا منزلاً واطئًا وموضعًا منخفضًا نحو الوادي وفي رواية ((تصوبنا)) بدل ((نزلنا)) والتصوب النزول والانحدار وقد ورد بلفظ هبطنا عند النسائي (سبحنا) أي: قلنا: سبحان الله. ومناسبة التكبير عند الصعود إلى المكان المرتفع أن الاستعلاء والارتفاع محبوب للنفوس لما فيه من استشعار الكبرياء فشرع لمن تلبس به أن يذكر كبرياء الله تعالى وأنه أكبر من كل شيء ليشكر له ذلك فيزيده من فضله، ومناسبة التسبيح عند الهبوط لكون المكان المنخفض محل ضيق، فيشرع فيه التسبيح لأنه من أسباب الفرج كما وقع في قصة يونس ﵇ حين سبح في الظلمات فنجى من الغم. قال المهلب: تكبيره ﷺ عند الارتفاع والإشراف على المواضع العالية استشعار لكبرياء الله عند ما يقع عليه العين من عظيم خلقه أنه أكبر من كل شيء وأما تسبيحه في بطون الأودية فهو مستنبط من قصة يونس ﵊ قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٣٧: ١٤٣، ١٤٤) فنجاه الله تعالى بتسبيحه في بطن الحوت من الظلمات فامتثل النبي ﷺ هذا التسبيح في بطون الأودية لينجيه الله منها ومن أن يدركه العدو، وقيل: مناسبة التسبيح في الأماكن المنخفضة من
стр. 3715
رواه البخاري.
٢٤٧٨- (٤٠) عَنْ أَنَسِ أن رسول الله ﷺ كَانَ إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ يَقُول: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ. رواه الترمذي. وقال: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وليس بمحفوظ.
ــ
جهة أن التسبيح هو التنزيه فناسب تنزيه الله عن صفات الانخفاض كما ناسب تكبيره عند الأماكن المرتفعة (رواه البخاري) في الجهاد، وأخرجه النسائي في اليوم والليلة، والبغوي في شرح السنة (ج٥: ص١٤٨) ، وروى أبو داود نحوه عن عبد الله بن عمر.
٢٤٧٨- قوله: (كان إذا كربه أمر) أي: أصابه كرب وشدة وقيل: أي: أشق عليه أمر وأهمه شأنه، وفي رواية ابن السني ((إذا حز به أمر)) وفي حديث ابن مسعود عند الحاكم إذا نزل به هم أو غم (يقول) في الترمذي ((قال)) وفي جامع الأصول ((يقول)) كما في المشكاة (يا حي) أي: الدائم البقاء (يا قيوم) أي: المبالغ في القيام بتدبير خلقه (برحمتك أستغيث) أي: أطلب الإغاثة وأسأل الاستعانة يقال: أغاثه الله أعانه ونصره وأغاثه الله برحمته كشف شدته. قال ابن القيم في الطب النبوي (ص١٥٩) : في تأثير قوله: ((يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث)) في دفع هذا الداء (أي الكرب والهم والغم)) مناسبة بديعة فإن صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال مستلزمة لها وصفة القيومية متضمنة لجميع صفات الأفعال، ولهذا كان اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى هو اسم الحي القيوم والحياة التامة تضاد جميع الأسقام والآلام، ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقهم هم ولا غم ولا حزن ولا شيء من الآفات ونقصان الحياة يضر بالأفعال وينافي القيومية فكمال القيومية لكمال الحياة فالحي المطلق التام الحياة لا يفوته صفة الكمال البتة والقيوم لا يتعذر عليه فعل ممكن البتة. فالتوسل بصفة الحياة والقيومية له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة ويضر بالأفعال والمقصود أن لاسم الحي القيوم تأثيرًا خاصًا في إجابة الدعوات وكشف الكربات (رواه الترمذي) في الدعوات وقال: هذا حديث غريب - انتهى. وأخرجه أيضًا ابن السني (ص١٠٩) كلاهما من طريق أبي بدر شجاع بن الوليد عن الرحيل بن معاوية عن يزيد بن أبان الرقاشي عن أنس. والرقاشي قال في التقريب: إنه زاهد ضعيف. وقال الساجي: كان يهم ولا يحفظ ويحمل حديثه لصدقه وصلاحه والظاهر أنه ضعف لأنه غفل عن حفظ الحديث شغلاً بالعبادة (هذا حديث غريب وليس بمحفوظ) قد وهم المصنف ها هنا فإن كلام الترمذي هذا إنما هو في حديث أنس أن النبي ﷺ قال: ((ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام)) . رواه من طريق مؤمل عن حماد بن سلمة عن حميد عن أنس به، ثم قال: هذا حديث غريب وليس بمحفوظ، وإنما يروى هذا عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن البصري عن النبي ﷺ وهذا أصح، والمؤمل غلط فيه. فقال: عن حميد عن أنس ولا يتابع فيه - انتهى. وقد تعقب الحافظ كلام الترمذي هذا في النكت الظراف على الأطراف (ج١: ص١٨٢) فارجع إليه، وفي الباب عن ابن مسعود أخرجه الحاكم (ج١: ص٥٠٩) .
стр. 3716
٣
٢٤٧٩- (٤١) وعن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قال: قُلْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ مِنْ شَيْءٍ نَقُولُهُ فَقَدْ بَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ؟ قَالَ: نَعَمْ اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا. قَالَ: فَضَرَبَ اللَّهُ وُجُوهَ أَعْدَائِهِ بِالرِّيحِ، هَزَمَ اللَّهُ بِالرِّيحِ. رواه أحمد.
ــ
٢٤٧٩- قوله: (قال: قلنا يوم الخندق) أي: يوم الأحزاب في المدينة، وسبب حفر الخندق أنه لما بلغه ﷺ أن أهل مكة تحزبوا لحربه وجمعوا من مشركي العرب وأهل الكتاب ما لا طاقة له بهم فاستشار أصحابه فأشار سلمان الفارسي بحفره كما هو عرف بلادهم إذا قصدهم العدو الذي لا طاقة لهم بهم حول المدينة ليمنعهم دخولها بغتة ويستأمن به المسلمون على نسائهم وأولادهم فحفره هو وأصحابه بضعة عشر يومًا ورأوا فيها من الشدة والجوع والمعجزات ما هو مسطور في محله وكان ذلك في شوال سنة خمس من الهجرة وقيل غير ذلك، وقد بسط أهل السير في هذه الوقعة ما هو معروف فلا نطيل بذكرها (فقد بلغت القلوب الحناجر) ، أي فزعًا ورعبًا، فإن الرئة تنتفخ من شدة الروع فيرتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة وهي منتهى الحلقوم. قال الشوكاني في فتح القدير: الحناجر جمع حنجرة وهي جوف الحلقوم، أي ارتفعت القلوب عن أماكنها ووصلت من الفزع والخوف إلى الحناجر فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها وهو الذي نهايته الحنجرة لخرجت كذا قال قتادة. وقيل هو على طريق المبالغة المعهودة في كلام العرب وإن لم ترتفع القلوب إلى ذلك المكان ولا خرجت عن مواضعها ولكنه مثل في اضطرابها وجبنها يعني هو على سبيل التمثيل عبر به عن شده الخوف والاضطراب. قال الفراء: والمعنى أنهم جبنوا وجزع أكثرهم وسبيل الجبان إذا اشتد خوفه أن تنتفخ رئته فإذا انتفخت الرئة ارتفع القلب إلى الحنجرة ولهذا يقال للجبان انتفخ سحره (قال نعم) ، أي قولوا (اللهم استر عوراتنا) جمع عورة وهي كل ما يستحي منه ويسوء صاحبه أن يرى منه (وآمن روعاتنا) جمع روعة وهي المرة من الروع بمعنى الفزع والخوف (فضرب الله) ، أي بعد ما قال لهم. وقالوا دفع الله وصرف عن مقاتلة المسلمين ومقابلتهم (وجوه أعدائه بالريح) بأن جعلها مسلطة عليهم حتى كفأت قدورهم وألقت خيامهم ووقعوا في برد شديد وظلمة عظيمة (هزم الله) وفي بعض النسخ من المشكاة ((وهزم الله)) بالواو العاطفة، والمعنى على الأول هزمهم فيكون استئنافًا لضرب أو بدلاً منه (بالريح) قال الطيبي: الظاهر أن يقال ((فانهزموا بها)) فوضع المظهر موضع المضمر ليدل به على أن الريح كانت سببًا لإنزال الرجز، وأقحم لفظ الله ليدل به على قوة ذلك السبب - انتهى. قلت: والذي في مسند أحمد فهزمهم الله بالريح وهذا ظاهر لا يحتاج إلى ما تكلفه الطيبي (رواه أحمد) (ج٣: ص٣) ورواته ثقات، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠: ص١٣٦) وقال: رواه أحمد والبزار وإسناد البزار متصل ورجاله ثقات، وكذلك رجال أحمد إلا أن في نسختي من المسند عن ربيح بن أبي سعيد عن أبيه وهو في البزار عن أبيه عن جده. قلت: وهو كذلك في نسخة
стр. 3717
٢٤٨٠- (٤٢) وعن بريدة قال: كان النبي ﷺ إذا دخل السوق قال: بسم الله اللهم إني أسألك خير هذه السوق، وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها. اللهم إني أعوذ بك أن أصيب فيها صفقة خاسرة. رواه البيهقي في الدعوات الكبير.
ــ
المسند التي بين أيدينا كنسخة الحافظ الهيثمي، وربيح مصغرًا ابن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري المدني يروي عن أبيه عن جده، يقال: اسمه سعيد وربيح لقب. مقبول، قاله الحافظ في التقريب.
٢٤٨٠- قوله (إذا دخل السوق) ، أي أراد دخولها وقيل أي وصل إلى مكانها وفي رواية ابن السني والطبراني ((إذا خرج إلى السوق)) (قال) ، أي عند الأخذ فيه (اللهم إني أسألك خير هذه السوق) السوق يذكر ويؤنث على ما في الصحاح وقيل أنثها لأن تأنيثها أفصح من تذكيرها ولذا يقال في تصغيرها سويقة والمراد خير ذاتها أو مكانها (وخير ما فيها) ، أي ما ينتفع به من الأمور الدنيوية ويستعان به على القيام بوظائف العبودية وللوسائل حكم المقاصد، قال القاري في الحرز: قوله ((وخير ما فيها)) ، أي مما ينتفع به في الأمور الدنيوية التي يستعان بها على الأحكام الأخروية وقال في المرقاة أي من الأمور التي معينة على الدين أو أسألك خير هذه السوق بتيسير رزق حلال وعمل رابح وبركة في الوقوف بها وخير ما فيها من الناس والعقود والأمتعة (وأعوذ بك من شرها) ، أي في ذاتها أو مكانها لكونه مكان إبليس كما ورد (وشر ما فيها) ، أي مما يشغل عن ذكر الرب سبحانه أو مخالفته بنحو غش وخيانة وارتكاب ربا وعقد فاسد وأمثال ذلك وقيل من شرها، أي من شر ما استقر من الأوصاف والأحوال الخاصة بها وشر ما فيها، أي من شر ما خلق ووقع فيها وسبق إليها (اللهم إني أعوذ بك أن أصيب) ، أي أدرك (فيها صفقة) ، أي بيعة ومنه ألهاهم الصفق بالأسواق، أي التبايع قاله الجزري. ويقال: صفق يده على يده صفقًا وصفقة ضرب يده على يده وذلك عند وجوب البيع (خاسرة) ، أي عقد فيه خسارة دنيوية أو دينية، قال الطيبي: الصفقة المرة من التصفيق وهي اسم للعقد فإن المتبايعين يضع أحدهما يده في يد الآخر ووصف الصفقة بالخاسرة من الإسناد المجازي لأن صاحبها خاسر بالحقيقة - انتهى. فهي كقوله تعالى: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ ويمكن أن يكون التقدير فيهما ذات خسارة وذات رضا أو فاعلة مصدر بمعنى مفعول. قال المناوي: إنما سأل خير السوق واستعاذ من شرها لاستيلاء الغفلة على قلوب أهلها فأتى بهذه الكلمات ليخرج من حال الغفلة فيندب لمن دخل السوق أن يحافظ على قوله ذلك فإذا نطق الداخل بهذه الكلمات كان فيه تحرزًا عما يكون من أهل الغفلة فيها (رواه البيهقي في الدعوات الكبير) ، ورواه الحاكم (ج١: ص٥٣٩) ، وابن السني (ص٦٣) ، والطبراني أيضًا ولفظهم ((أصيب فيها يمينًا فاجرة أو صفقة خاسرة)) ، وأو للتنويع والفاجرة بمعنى الكاذبة أي حلفًا كاذبًا وذكرهما تخصيص بعد تعميم لكونها أهم ووقوعها أغلب والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠: ص١٢٩) وقال: رواه الطبراني
стр. 3718
(٨) باب الاستعاذة
(الفصل الأول)
٢٤٨١- (١) عن أبي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَهْدِ الْبَلاءِ
ــ
وفيه محمد بن أبان الجعفي وهو ضعيف. قلت: وهو في سند ابن السني أيضًا رواه عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه، وقال الحاكم (ج١: ص٥٣٩) في باب دعاء دخول السوق بعد رواية حديث عمر وابنه عبد الله بن عمر ((وفي الباب عن جابر وأبي هريرة وبريدة الأسلمي وأنس وأقربها بشرائط هذا الكتاب حديث بريدة بغير هذا اللفظ)) ثم روى حديث بريدة من طريق محمد بن عيسى المدايني ثنا شعيب بن حرب حدثنا جار لنا يكنى أبا عمرو عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال الحافظ العراقي فيه أبو عمرو جار لشعيب بن حرب ولعله حفص بن سليمان الأسدي مختلف فيه، وقال غيره فيه أبو عمرو جار لشعيب بن حرب ولا يعرف، والمدايني متروك وبه رد الذهبي في التخليص تقوية الحاكم له، وفي الميزان (ج٣: ص١١٢) محمد بن عمر، عن علقمة بن مرثد، له حديث واحد، وهو منكر ذكره البخاري في الضعفاء ومتن حديثه عن ابن بريده عن أبيه ((كان النبي ﷺ إذا دخل السوق قال: بسم الله)) قال البخاري: لا يتابع عليه - انتهى. قلت: ترجم له البخاري في التاريخ الكبير (١، ١، ١٧٩) لكن فيه محمد أبو عمر، قال شعيب بن حرب هو جار لنا سمع علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه كان النبي ﷺ إذا دخل السوق قال بسم الله. قال محمد: هذا لا يتابع عليه.
(باب الاستعاذة) أي أنواع الدعوات التي وقع فيها الاستعاذة من العوذ وهو الالتجاء واللوذ. قال في القاموس: العوذ الالتجاء كالعياذ والمعاذ والتعوذ والاستعاذة.
٢٤٨١- قوله (تعوذوا بالله) أمر ندب وهذا لفظ البخاري في كتاب القدر ورواه في الدعوات بلفظ ((كان يتعوذ)) فيكون حديثًا فعليًا وهكذا وقع عند مسلم والنسائي، ولأحمد ((كان يستعيذ)) وكذا في رواية للنسائي قال الحافظ: قوله ((كان يتعوذ)) كذا هو في رواية الأكثرين، ورواه مسدد عن سفيان بلفظ الأمر ((تعوذوا)) وسيأتي في كتاب القدر، وكذا وقع في رواية الحسن بن علي الواسطي عن سفيان عن الإسماعيلي وأبي نعيم. وفيه مشروعية الاستعاذة ولا يعارض ذلك كون ما سبق في القدر لا يرد لاحتمال أن تكون هذه الاستعاذة والدعاء مما قضى الله به فقد يقضي على المرء مثلاً بالبلاء ويقضى أنه إن دعا كشف وفرج عنه البلاء فالقضاء محتمل للدافع والمدفوع، وفائدة الاستعاذة والدعاء إظهار العبد فاقته لربه وتضرعه إليه (من جهد البلاء) بفتح الموحدة ممدود، والجهد بفتح الجيم وتضم الفتح أشهر وأفصح، أي شدة البلاء قال في النهاية: جهد البلاء، أي الحالة الشاقة وقيل المراد به الحالة التي يمتحن بها للإنسان وتشق
стр. 3719
وَدَرَكِ الشَّقَاءِ وَسُوءِ الْقَضَاءِ
ــ
عليه بحيث يتمنى فيها الموت ويختاره عليها أي لو خير بين الموت وبين تلك الحالة لأحب أن يموت تحرزًا عن تلك الحالة، وقيل جهد البلاء كل ما أصاب المرء من شدة المشقة وما لا طاقة له بحمله ولا قدرة له على دفعه، وقيل المراد به قلة المال وكثرة العيال كذا جاء عن ابن عمر والصواب والحق أنه أعم وأن ذلك فرد من أفراد جهد البلاء، استعاذ ﷺ من جهد البلاء لأن ذلك مع ما فيه من المشقة على صاحبه قد يحصل به التفريط في بعض أمور الدين وقد يضيق صدره بحمله فلا يصبر فيكون ذلك سببًا في الإثم (ودرك الشقاء) بفتح الدال والراء المهملتين ويجوز إسكان الراء وهو الإدراك واللحوق والوصول إلى الشيء يقال: أدركته إدراكًا ودركًا، قال الطيبي: ومنه الحديث ((لو قال: إن شاء الله لم يحنث وكان دركًا لحاجته)) وقيل الدرك بفتح الراء اسم وبالإسكان المصدر، والشقاء بفتح الشين وبالقاف والمد الشدة والعسر وهو ضد السعادة، وقال الحافظ: الشقاء هو الهلاك ويطلق على السبب المؤدي إلى الهلاك، قيل المراد بدرك الشقاء سؤء الخاتمة. وقال الشوكاني: درك الشقاء شدة المشقة في أمور الدنيا وضيقها عليه وحصول الضرر البالغ في بدنه أو أهله أو ماله وقد يكون باعتبار الأمور الأخروية وذلك بما يحصل من التبعة والعقوبة بسبب ما اكتسبه من الوزر واقترفه من الإثم استعاذ ﷺ من ذلك لأنه النهاية في البلاء والغاية في المحنة وقد لا يصبر من امتحنه الله به فيجمع بين التعب عاجلاً والعقوبة آجلاً - انتهى. وقيل هو واحد دركات جهنم ودرجاتها ومنازلها ومعناه من موضع أهل الشقاوة وهي جهنم أو من موضع يحصل لكم فيه شقاوة أو هو مصدر إما مضاف إلى المفعول أو إلى الفاعل أي من درككم الشقاء أو من درك الشقاء إياكم (وسوء القضاء) هو ما يسوء الإنسان ويحزنه من الأقضية المقدرة عليه وذلك أعم من أن يكون في دينه أو في دنياه أو في نفسه أو أهله أو في ماله. قال ابن بطال: سوء القضاء عام في النفس والمال والأهل والولد والخاتمة والمعاد قال: والمراد بالقضاء هنا المقضي لأن حكم الله من حيث هو حكمه كله حسن لا سوء فيه. قالوا في تعريف القضاء والقدر: القضاء هو الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل، والقدر هو الحكم بوقوع الجزئيات لتلك الكليات على سبيل التفصيل في الإنزال. قال الله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَاّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَاّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ (١٥: ٢١) قال الشوكاني: وفي الاستعاذة منه ﷺ من سوء القضاء ما يدل على أنه لا يخالف الرضاء بالقضاء فإن الاستعاذة من سوء القضاء هي من قضاء الله وقدره ولهذا شرعها لعباده. ومن هذا ما ورد في قنوت الوتر بلفظ ((وقني شر ما قضيت)) قال: والقضاء (أي المقضي به) باعتبار العباد ينقسم إلى قسمين خير وشر وقد شرع لهم الدعاء بالوقاية من شره والاستعاذة منه ولا ينافي هذا ما ورد عنه ﷺ في بيان الإيمان لمن سأله عنه بقوله: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خير وشره. فإنه لا مانع من أن يكون الإنسان مؤمنًا بما قضاه الله من خير وشر مستعيذًا بالله من شر القضاء عملاً بمجموع الأدلة فحديث الإيمان بالقضاء دل على أن القضاء منقسم إلى ما هو خير وإلى ما هو شر فتؤمن به ولما وقع منه ﷺ الاستعاذة من سوء القضاء وأمرنا أيضًا بالاستعاذة منه فنستعيذ منه
стр. 3720
وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ.
ــ
فإيماننا واستعاذتنا كلاهما تحت أمر الشارع ﵊ انتهى بتغير يسير. وقال السندي: المقضي حيث القضاء أزلي فأي فائدة في الاستعاذة منه؟ والظاهر أن المراد صرف المعلق منه فإنه قد يكون معلقًا، والتحقيق أن الدعاء مطلوب لكونه عبادة وطاعة ولا حاجة لنا في ذلك إلى أن نعرف الفائدة المترتبة عليه سوى ما ذكرنا (وشماتة الأعداء) بفتح الشين المعجمة وهي فرح الأعداء بما يقع من يعادونه من المكروه ويحل به من المحنة. قال في الصحاح: الشماتة الفرح ببلية العدو ويقال يشمت به بالكسر شماتة، وفي القاموس شمت كفرح شمتًا وشماتة فرح ببلية العدو وفي النهاية شماتة الأعداء فرح العدو ببلية تنزل بمن يعاديه. قيل: أي تعوذوا من فرح أعداء الدين والدنيا المتعلقة بالدين وأما إذا كان رجل مثلاً له من الدنيا ما يسرف فيه ويبطر ويفسق ويظلم فيشمت بزوالها الأعداء فلا استعاذة منه. وقال القاري: أي قولوا نعوذ بك من أن تصيبنا مصيبة في ديننا أو دنيانا بحيث بفرح أعدائنا وبهذا علم أن الكلمات الأربعة جامعة مانعة لصنوف البلاء وأن بينها عمومًا وخصوصًا من وجهه كما في كلام البلغاء والفصحاء، وقيل: الخصلة الأخيرة، أي شماتة الأعداء تدخل في عموم كل واحدة من الثلاثة ثم كل واحدة من الثلاثة مستقلة فإن كل أمر يكره يلاحظ فيه جهة المبدأ وهو سوء القضاء وجهة المعاد وهو درك الشقاء لأن شقاء الآخرة هو الشقاء الحقيقي وجهة المعاش وهو جهد البلاء، وأما شماتة الأعداد فتقع لكل من وقع له كل من الخصال الثلاثة. قلت: والحديث رواه مسلم بلفظ ((كان يتعوذ من سوء القضاء ومن درك الشقاء ومن شماتة الأعداء ومن جهد البلاء)) قال الكرماني: هذه الكلمة جامعة لأن المكروه إما أن يلاحظ من جهة المبدأ وهو سوء القضاء، أو من جهة المعاد وهو درك الشقاء، أو من جهة المعاش وهو إما من جهة غيره وهو شماتة الأعداء، أو من جهة نفسه وهو جهد البلاء، نعوذ بالله منه - انتهى. قال السندي: وأنت خبير بأنه لا مقابلة على ما ذكره بين سوء القضاء وغيره بل غيره كالتفصيل لجزئياته فالمقابلة ينبغي أن تعتبر باعتبار أن مجموع الثلاثة الأخيرة بمنزلة القدر فكأنه قال من سوء القضاء والقدر لكن أقيم أهم أقسام سوء القدر مقامه، يعني أستعيذ بسوء القضاء ثم أتبع بأهم أقسام سوء القدر، فلا مقابلة بين سوء القضاء وغيره، بل غيره كالتفصيل لجزئياته، بقي أن المقضي من حيث القضاء أزلي فأي فائدة في الاستعاذة منه؟ والظاهر أن المراد صرف المعلق منه فإنه قد يكون معلقًا والتحقيق أن الدعاء مطلوب لكونه عبادة وطاعة ولا حاجة لنا في ذلك إلى أن نعرف الفائدة المترتبة عليه سوى ما ذكرنا - انتهى. قال الشوكاني: استعاذ ﷺ من شماتة الأعداء وأمر بالاستعاذة منها لعظم موقعها وشدة تأثيرها في الأنفس البشرية ونفور طباع العباد عنها وقد يتسبب عن ذلك تعاظم العداوة المفضية إلى استحلال ما حرمه الله . وقال ابن بطال: شماتة الأعداء ما ينكأ القلب ويبلغ من النفس أشد مبلغ وإنما تعوذ النبي ﷺ من ذلك تعليمًا لأمته، فإن الله تعالى آمنه من جميع ذلك. قال الحافظ: ولا يتعين ذلك بل يحتمل أن يكون استعاذ بربه من وقوع ذلك بأمته ويؤيده رواية مسدد المذكورة بصيغة الأمر، وفي الحديث دلالة على أن الكلام المسجوع
стр. 3721
متفق عليه.
ــ
لا يكره إذا صدر عن غير قصد إليه ولا تكلف بل هو من السجع المحمود وهو ما جاء بانسجام وإتقان والمذموم من السجع ما يأتي بتكلف واستكراه. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الدعوات، وفي القدر، ومسلم في الدعاء. واللفظ للبخاري في القدر، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص٢٤٦) والنسائي في الاستعاذة، والحميدي في مسنده (ج٢: ص٤٢٩) ، والبخاري في الأدب المفرد (ج١: ص٥٢٩، وج٢: ص١٢٣) ، والبغوي (ج٥: ص١٦٠) كلهم من طريق سفيان بن عيينة عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة، زاد البخاري في روايته في الدعوات ((قال سفيان الحديث ثلاث، زدت أنا واحدة لا أدري أيتهن هي)) أي الحديث المرفوع المروي يشتمل على ثلاث جمل من الجمل الأربع والرابعة زادها سفيان من عند نفسه ثم خفي عليه تعيينها، وفي رواية للنسائي ((قال سفيان هو ثلاثة فذكرت أربعة لأني لا أحفظ الواحد الذي ليس فيه)) ووقع عند الحميدي عن سفيان ((الحديث ثلاث من هذه الأربع)) . قال الحافظ: وأخرجه أبو عوانة والإسماعيلي وأبو نعيم من طريق الحميدي ولم يفصل ذلك بعض الرواة عن سفيان كما سيأتي واستشكل جواز زيادة سفيان الجملة المذكورة في الحديث مع أنه لا يجوز الإدراج في الحديث. قال الكرماني: كيف جاز له أن يخلط كلامه بكلام رسول الله ﷺ بحيث لا يفرق بينهما ثم أجاب بأنه ما خلط بل اشتبهت عليه تلك الثلاث بعينها وعرف أنها كانت ثلاثة من هذه الأربعة فذكر الأربعة تحقيقًا لرواية تلك الثلاثة قطعًا إذ لا تخرج منها، وروى البخاري في القدر الحديث المذكور وذكر فيه الأربعة مسندًا إلى رسول الله ﷺ بلا تردد ولا شك ولا قول بزيادة وفي بعض الروايات ((قال سفيان أشك أني زدت واحدة)) - انتهى. وقال الحافظ: سيأتي في القدر، أي عند البخاري عن مسدد، وأخرجه مسلم عن أبي خيثمة وعمرو الناقد، والنسائي عن قتيبة، والإسماعيلي من رواية العباس بن الوليد، وأبو عوانة من رواية عبد الجبار بن العلاء، وأبو نعيم من طريق سفيان بن وكيع كلهم عن سفيان بالخصال الأربعة بغير تمييز إلا أن مسلمًا قال عن عمرو الناقد، قال سفيان: أشك أني زدت واحدة منها. وأخرجه الجوزقي من طريق عبد الله بن هاشم عن سفيان فاقتصر على ثلاثة، ثم قال قال سفيان ((وشماتة الأعداء)) ، وأخرجه الإسماعيلي من طريق ابن أبي عمر عن سفيان وبين أن الخصلة المزيدة هي شماتة الأعداء، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق شجاع بن مخلد عن سفيان مقتصرًا على الثلاثة دونها وعرف من ذلك تعيين الخصلة المزيدة. وأجاب الحافظ عن هذا الاختلاف بأن سفيان كان إذا حدث ميزها ثم طال الأمر فطرأ عليه النسيان وطرفه السهو عن تعيينها فحفظ بعض من سمع تعيينها منه قبل أن يطرأ عليه النسيان ويطرقه السهو ثم كان بعد أن خفي عليه تعيينها يذكر كونها مزيدة مع إبهامها ثم بعد ذلك إما أن يحمل الحال حيث لم يقع تمييزها لا تعيينًا ولا إبهامًا أن يكون ذهل عن ذلك أو عين أو ميز فذهل عنه بعض من سمع ويترجح كون الخصلة المذكورة، أي شماتة الأعداء هي المزيدة بأنها تدخل في عموم كل واحدة من الثلاثة - انتهى. قلت: وجنح بعضهم إلى ترجيح رواية مسدد ومن وافقه لأنها فيها زيادة ثقة، وزيادة الثقة مقبولة وإليه يشير صنيع البغوي والمؤلف إذ اقتصرا
стр. 3722
٢٤٨٢- (٢) وعن أَنَسَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ.
ــ
على إيراد الحديث القولي الذي ورد فيه الخصال الأربعة بغير تمييز وفصل ولم ينبها على رواية الشك والتردد والزيادة ولا يخفى ما في ذلك. نعم الأحوط لنا أن نذكر عند الدعاء بهذه الاستعاذة الجمل الأربع ونستعيذ من الخصال الأربعة جميعًا.
٢٤٨٢- قوله (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل) الحزن بفتحتين وبضم فسكون مثل رَشَد ورشُد، قيل الفرق بينه وبين الهم أن الحزن إنما يكون في أمر قد وقع والهم إنما هو في ما يتوقع وكثير من الناس لا يفرقون بينهما ويجعلونه من باب التكرير والتأكيد وكثيرًا ما يجيء مثل هذا التأكيد بالعطف مراعاة لتغاير اللفظ والعجز بسكون الجيم قال النووي: هو عدم القدرة على الخير، وقيل: هو ترك ما يجب فعله والتسويف به وأما الكسل وهو بفتحتين فهو عدم انبعاث النفس للخير وقلة الرغبة فيه مع إمكانه، وقيل العجز سلب القوة وتخلف التوفيق إذ صفة العبد العجز وإنما يقوى بقوة يحدثها الله فيه فكأنه استعاذ به أن يكله إلى أوصافه فإن كل من رد إليها فقد خذل والكسل التثاقل والتراخي مما ينبغي مع القدرة والاستطاعة والقوة، فالعاجز معذور والكسلان لا، ومع ذلك هو حالة ردية ولو مع عذر فلذا تعوذ منه والجبن ضد الشجاعة التي فيها فضيلة قوة الغضب وانقيادها للعقل وقيل هو الخور عن تعاطي الحرب خوفًا على المهجة وإمساك النفس والضن بها عن إتيان واجب الحق والبخل ضد الكرم، وفي كلام العرب منع الإحسان أو منع السائل المحتاج عما يفضل عن الحاجة، وفي الشرع منع ما وجب، قيل: الجبن والبخل قد يكونان غريزة وقد يعرض كل منها لمن ليس هو غريزة له، وذلك بحسب قوة الدواعي والموانع، ومن قوي إيمانه لم يكد يظهر منه أثر بخل أو جبن في سبيل الله وإن كان سجية له اللهم إلا أن يغفل عن استحضار مقتضى إيمانه فإنه حينئذٍ يظهر منه أثرهما فالاستعاذة من الجبن والبخل لئلا يظهر من أثرهما ما قد يخل بطاعة الله ولا يكون ذلك إلا بقوة الإيمان واليقين لا بتبديل الغريزة، إلا أن فيه خرقًا للعادة، والمقصود لا يتوقف عليه، كذا في شرح الأدب المفرد. قال النووي: إنما استعاذ النبي ﷺ من الجبن والبخل لما فيها من التقصير عن أداء الواجبات والقيام بحقوق الله تعالى وإزالة المنكر والإغلاظ على العصاة، ولأنه بشجاعة النفس وقوتها المعتدلة تتم العبادات ويقوم بنصر المظلوم والجهاد وبالسلامة من البخل يقوم بحقوق المال وينبعث للإنفاق والجود والمكارم الأخلاق ويمتنع من طمع النفس فيما ليس له (وضلع الدين) بفتح المعجمة واللام، قال الحافظ: أصل الضلع الاعوجاج يقال: ضلع بفتح اللام يضلع أي مال، والمراد به هنا ثقل الدين وشدته وذلك حيث لا يجد من عليه الدين وفاء ولا سيما مع المطالبة. وقال بعض السلف: ما دخل هم الدين قلبًا إلا أذهب من العقل ما لا يعود إليه (وغلبة الرجال) أي شدة تسلطهم كاستيلاء العوام والرعاع (سفلة الناس) هرجًا ومرجًا. وقال ابن القيم: كل اثنتين منها قرينتان، فالهم والحزن
стр. 3723
متفق عليه.
٢٤٨٣- (٣) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ وَالْمَغْرَمِ وَالْمَأْثَمِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ من عَذَابِ النَّارِ وفِتْنَةِ النَّارِ
ــ
قرينتان إذ المكروه الوارد على القلب إن كان من مستقبل يتوقعه أحدث الهم أو من ماض أحدث الحزن، والعجز والكسل قرينتان فإن تخلف العبد عن أسباب الخير إن كان لعدم قدرته فالعجز، أو لعدم إرادته فالكسل، والجبن والبخل قرينتان فإن عدم النفع إن كان ببدنه فالجبن أو بماله فالبخل، وضلع الدين وقهر الرجال قرينتان فإن استيلاء الغير عليه إن كان بحق فضلع الدين أو بباطل فقهر الرجال. قال الكرماني: هذا الدعاء من جوامع الكلم لأن أنواع الرذائل ثلاثة: نفسانية، وبدنية، وخارجية. فالأولى بحسب القوى التي للإنسان وهي ثلاثة: العقلية، والغضبية، والشهوانية. فالهم والحزن يتعلق بالعقلية، والجبن بالغضبية، والبخل بالشهوانية. والعجز والكسل بالبدنية. والثاني يكون عند سلامة الأعضاء وتمام الآلات والقوى، والأول عند نقصان عضو ونحوه، والضلع والغلبة بالخارجية فالأولى مالي. والثاني جاهي. والدعاء مشتمل على جميع ذلك (متفق عليه) أخرجه البخاري في الدعوات هكذا مختصرًا وفي جملة حديث طويل أيضًا من رواية عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أنس، وأخرجه مسلم في الدعاء مختصرًا باختلاف يسير من طريق آخر، وكذا البخاري في الجهاد، وأخرجه أيضًا أحمد، والترمذي في الدعوات، وأبو داود في أواخر الصلاة، والنسائي في الاستعاذة والبغوي (ج٥: ص١٥٥) .
٢٤٨٣- قوله (والهرم) بفتحتين، والمراد به إلى أرذل العمر كما جاء في رواية وهو صيرورة الرجل خرف من كبر السن وسبب الاستعاذة من ذلك ما فيه من الخرف واختلال العقل والحواس والضبط والفهم وتشويه بعض المنظر والعجز عن كثير من الطاعات والتساهل في بعضها. قال الشوكاني: الهرم هو البلوغ في العمر إلى سن تضعف فيه الحواس والقوى ويضطرب فيه الفهم والعقل وهو أرذل العمر، وأما مجرد طول العمر مع سلامة الحواس وصحة الإدراك فذلك مما ينبغي الدعاء به لأن بقاء المؤمن متمتعًا بحواسه قائمًا بما يجب عليه متجنبًا لما لا يحل فيه حصول الثواب وزيادة الخير (والمغرم) مصدر وضع موضع الاسم وقد تقدم تفسيره في باب الدعاء في التشهد. قال النووي: أما استعاذته ﷺ من المغرم وهو الدين فقد فسره ﷺ أن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف، ولأنه قد يمطل المدين صاحب الدين، ولأنه قد يشتغل به قلبه، وربما مات قبل وفائه فبقيت ذمته مرتهنة به (والمأثم) مصدر وضع موضع الاسم وقد قدم بيانه وتفسيره أيضًا (اللهم إني أعوذ بك من عذاب النار) ، أي بعد فتنتها. قال القاري: أي من أن أكون من أهل النار وهم الكفار فإنهم هم المعذبون. وأما الموحدون فإنهم مؤدبون ومهذبون بالنار لا معذبون بها (وفتنة النار) ، أي فتنة تؤدي إلى عذاب النار لئلا يتكرر. ويحتمل أن يراد بفتنة النار سؤال الخزنة على سبيل التوبيخ وإليه الإشارة
стр. 3724
وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى وشر فِتْنَةِ الْفَقْرِ.
ــ
بقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ (٦٧: ٨) وأصل الفتنة الامتحان والاختبار واستعملت في الشرع في اختبار كشف ما يكره ويقال فتنت الذهب إذا اختبرته بالنار لتنظر جودته، وفي الغفلة عن المطلوب كقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٦٤: ١٥) وتستعمل في الإكراه على الرجوع من الدين كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٨٥: ١٠) قال الحافظ: واستعملت أيضًا في الضلال والإثم والكفر والعذاب والفضيحة ويعرف المراد حيث ما ورد بالسياق والقرائن (وفتنة القبر) ، أي التحير في جواب الملكين. قال الشوكاني: هي ما ورد أن الشيطان يوسوس للميت في قبره ويحاول إغوائه وخذلانه عند سؤال الملكين له (وعذاب القبر) هو ما يترتب بعد فتنته على المجرمين، فالأول كالمقدمة للثاني وعلامة عليه (ومن شر فتنة الغنى) هي البطر والأشر والطغيان وتحصيل المال من الحرام وصرفه في العصيان والتفاخر بالمال والجاه والشح بما يجب إخراجه من واجبات المال ومندوباته (وشر فتنة الفقر) كالتسخط وقلة الصبر والوقوع في الحرام أو شبهته للحاجة. وقال القاري: هي الحسد على الأغنياء والطمع في أموالهم والتذلل بما يدنس العرض ويثلم الدين وعدم الرضاء بما قسم الله له وغير ذلك مما لا تحمد عاقبته. وقيل الفتنة هنا الامتحان والبلاء، أي ومن بلاء الغنى وبلاء الفقر، أي ومن الغنى والفقر الذي يكون بلاء ومشقة من أن يحصل منا شر إذا امتحنا الله إيانا بالغناء وبالفقر بأن لا نؤدي حقوق الأموال ونتكبر بسبب الغناء وبأن لا نصبر على الفقر. وقال الطيبي: إن فسرت الفتنة بالمحنة والمصيبة فشرها أن لا يصبر الرجل على لأوائها ويجزع منها، وإن فسرت بالامتحان والاختبار فشرها أن لا يحمد في السراء ولا يصبر في الضراء. قال بعض المحققين: قيد فيهما بالشر لأن كلاً منهما فيه خير باعتبار وشر باعتبار فالتقييد بالاستعاذة منه بالشر يخرج ما فيه من الخير سواء قل أو كثر. قلت: جاء في هذه الرواية لفظ الشر في الفقرتين وذكر في رواية للبخاري في الفقرة الأولى دون الثانية. قال الكرماني في الكواكب: فإن قلت: لم زاد لفظ الشر في الغنى ولم يذكره في الفقر ونحوه وأجاب بأنه تصريح بما فيه من الشر وأن مضرته أكثر من مضرة غيره أو تغليظًا على الأغنياء حتى لا يغتروا بغناهم ولا يغفلوا عن مفاسده أو إيماء إلى أن صورته لا يكون فيها خير بخلاف صورة الفقر فإنها قد تكون خيرًَا - انتهى. وتعقبه الحافظ في الفتح بأن هذا كله غفلة عن الواقع فإن الذي ظهر لي أن لفظة شر في الأصل ثابتة في الموضعين وإنما اختصره بعض الرواة فسيأتي بعد قليل في باب الاستعاذة من أرذل العمر في هذه الرواية من طريق آخر بلفظ ((وشر فتنة الغنى وشر فتنة الفقر)) ويأتي بعد أبواب أيضًا من طريق أخرى بإسقاط شر في الموضعين والتقييد في الغنى والفقر بالشر لا بد منه لأن كلاً منهما فيه خير باعتبار فالتقييد بالاستعاذة منه بالشر يخرج ما فيه من الخير سواء قل أم كثر - انتهى. وتعقبه العيني فقال: هذا غفلة منه حيث يدعي اختصار بعض الرواة بغير دليل على ذلك، قال وأما قوله وسيأتي بعد بلفظ ((شر فتنة الغنى وشر فتنة الفقر)) فلا يساعده فيما قاله لأن للكرماني أن يقول يحتمل أن يكون لفظ شر
стр. 3725
وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ. اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَنَقِّ قَلْبِي كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ، وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. متفق عليه.
ــ
في فتنة الفقر مدرجًا من بعض الرواة على أنه لم ينف مجيء لفظ شر في غير الغنى، ولا يلزمه هذا لأنه في بيان هذا الموضع الذي وقع هنا خاصة - انتهى. قال الحافظ في انتقاض الاعتراض: حكاية هذا الكلام، أي الذي قاله العيني تغني العارف عن التشاغل بالرد عليه - انتهى. قال الغزالي: فتنة الغنى الحرص على جمع المال والحب على أن يكسبه من غير حله ويمنعه من واجبات إنفاقه وحقوقه وفتنة الفقر يراد به الفقر الذي لا يصحبه صبر ولا ورع حتى يتورط صاحبه بسببه فيما لا يليق بأهل الدين والمروءة ولا يبالي بسبب فاقته على أي حرام وثب ولا في أي حالة تورط. وقيل: المراد فقر النفس الذي لا يرده ملك الدنيا بحذافيرها وليس فيه ما يدل على تفضيل الفقر على الغنى ولا عكسه (ومن شر فتنة المسيح الدجال) تقدم شرحه في باب الدعاء في التشهد (اللهم اغسل خطاياي) أي أزلها عني (بماء الثلج والبرد) بفتحتين حب الغمام أي بأنواع الألطاف والرحمة كأن كل نوع من الماء بمنزلة نوع من الرحمة والتطهير وحكمة العدول عن الماء الحار إلى الثلج والبرد مع أن الحار في العادة أبلغ في إزالة الوسخ الإشارة إلى أن الثلج والبرد ماءان طاهران لم تمسهما الأيدي ولم يمتهنهما الاستعمال فكان ذكرهما آكد في هذا المقام، أشار إلى هذا الخطابي. وقد سبق كلامه في شرح حديث أبي هريرة في أول باب ما يقرأ بعد التكبير. وقال الكرماني: وله توجيه آخر وهو أنه جعل الخطايا بمنزلة النار لكونها تؤدي إليها فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل تأكدًا في إطفاءها وبالغ فيه باستعمال المياه الباردة غاية البرودة (ونق) بفتح النون وتشديد القاف من التنقية (قلبي) الذي هو بمنزلة ملك الأعضاء واستقامتها باستقامته. وقوله ((نق قلبي)) هكذا في جميع نسخ المشكاة والمصابيح، وشرح السنة، والذي في الصحيحين ((ونق قلبي من الخطايا)) والعجب أنه لم يتنبه لذلك المؤلف، والمراد الخطايا الباطنية وهي الأخلاق الذميمة والشمائل الردية (كما ينقي) بصيغة المجهول الغائب، وفي رواية ((نقيت)) بصيغة المعلوم المخاطب (الثوب الأبيض من الدنس) بفتحتين، أي الدرن والوسخ وفيه إيماء إلى أن القلب بمقتضى أصل الفطرة سليم ونظيف وأبيض، وإنما يتسود بارتكاب الذنوب والتخلق بالعيوب (وباعد) ، أي بعّد وعبر بالمفاعلة للمبالغة (بيني وبين خطاياي) كرر بين هنا دون ما بعده لأن العطف على الضمير المجرور يعاد فيه الخافض (كما باعدت) ما مصدرية والكاف للتشبيه، أي كتبعيدك (بين المشرق والمغرب) تقدم بيان موقع التشبيه والمراد من المباعدة في شرح حديث أبي هريرة في باب ما يقرأ بعد التكبير، واستعاذته ﷺ من الأشياء المذكورة في هذا الحديث وغيره لتكمل صفاته في كل أحواله أو تعليمًا لأمته، أو المراد إظهار الافتقار والعبودية نظرًا إلى استغنائه وكبريائه تعالى. (متفق عليه) أخرجاه في الدعوات وأخرجه أيضًا الترمذي، وابن ماجه في الدعاء، والنسائي في الاستعاذة، والبغوي (ج٥: ص١٥٧، ١٥٨) غير أنه قدم بعضهم وأخر بعض الألفاظ، وأخرجه أبو داود مختصرًا في أواخر الصلاة، والحاكم مطولاً (ج١: ص٥٤١) .
стр. 3726
٢٤٨٤- (٤) عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ
ــ
٢٤٨٤- قوله: (والجبن والبخل) قيل: من خاف فأحجم عن أن يطلب الأمور العظيمة المرضية في الشرع مثل أن يجتهد في تحصيل العلم حتى يبلغه الله تعالى درجة الإرشاد والفتوى فهو جبان إلا أن يكون له عذر من قلة الفهم وسوء الحفظ واشتغاله بتحصيل القوت وغير ذلك ومن منع العلم إذا طلب الناس منه ما يحتاجون إليه في دينهم فهو بخيل (وعذاب القبر) من الضيق والظلمة والوحشة وضرب المقمعة ولدغ العقرب والحية وأمثالهما أو مما يوجب عذابه من النميمة وعدم التطهير ونحوهما (اللهم آت) أمر من الإيتاء، أي: أعط (نفسي تقواها) ، أي: صيانتها عن المحظورات وقيل: أي: ارزقها الاحتراز عما يضرها ويهلكها في الآخرة. قال الطيبي: ينبغي أن تفسر التقوى بما يقابل الفجور في قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (٩١: ٨) وهي الاحتراز عن متابعة الهوى وارتكاب الفجور والفواحش لأن الحديث كالتفسير والبيان للآية فدل قوله: ((آت)) على أن الإلهام في الآية هو خلق الداعية الباعثة على الاجتناب عن المذكورات وقوله (وزكها) ، أي: وطهرها من الذنوب ونقها من العيوب واجعلها زاكية كاملة في الإيمان (أنت خير من زكاها) دل على أن إسناد التزكية إلى من في الآية هو نسبة الكسب إلى العبد لا خلق الفعل له كما زعمت المعتزلة لأن الخيرية تقتضي المشاركة بين كسب العبد وخلق القدرة فيه يعني قوله: ((من زكاها)) إيماء إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ وإشارة إلى أن ضمير الفاعل في زكاها راجع إلى من ليستقيم ((أنت خير من زكاها)) وأما إذا كان راجعًا إلى الله تعالى فيتعين فإنه المزكي لا غير على ما هو في الحقيقة كذلك وأن الإسناد إلى غيره مجازي. وقال النووي: معنى ((زكها)) طهرها، ولفظة خير ليست للتفضيل بل معناه لا مزكي لها إلا أنت كما قال: (أنت وليها) أي: المتصرف فيها ومصلحها ومزينها، وقيل: ناصرها، وهذا راجع إلى قوله: ((آت نفسي تقواها)) كأنه يقول: انصرها على فعل ما يكون سببًا لرضاك عنها لأنك ناصرها (ومولاها) أي: ناصرها وعاصمها. وقيل: عطف تفسيري، وقيل: هذا راجع إلى قوله: ((زكها)) يعني طهرها بتأديبك إياها كما يؤدب المولى عبده. وقال الطيبي: أنت وليها ومولاها. استئناف على بيان الموجب وأن إيتاء التقوى وتحصيل التزكية فيها إنما كان لأنه هو متولي أمورها ومالكها فالتزكية إن حملت على تطهير النفس عن الأفعال والأقوال والأخلاق الذميمة كانت بالنسبة إلى التقوى مظاهر ما كان مكمنًا في الباطن وإن حملت على الإنماء والإعلان والإعلاء بالتقوى كانت تحلية بعد التخلية لأن المتقي شرعًا من اجتنب النواهي وأتى بالأوامر (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع) يعني من علم لا أعمل به ولا أعلمه الناس ولا يصل بركته إلى قلبي ولا يبدل أفعالي وأقوالي وأخلاقي المذمومة إلى المرضية ولا يهذبها.
стр. 3727
وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا. رواه مسلم.
٢٤٨٥- (٥) وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ،
ــ
ويحتمل أن يكون مراده من علم ليس مما يحتاج إليه في الدين وليس في تعلمه إذن في الشرع (ومن قلب لا يخشع) أي: لا يخاف الله أو لا يخشع لذكر الله ولا لاستماع كلامه وهو القلب القاسي الذي هو أبعد القلوب من حضرة علام الغيوب. وقال القاري: أي: لا يسكن ولا يطمئن بذكر الله (ومن نفس لا تشبع) بفتح الموحدة أي: بما آتاها الله ولا تقنع بما رزقها الله ولا تفتر عن جمع المال لما فيها من شدة الحرص أو الأشر والبطر أو من نفس تأكل كثيرًا لأن كثرة الأكل جالبة لكثرة الأبخرة الموجبة للنوم والكسل وكثرة الوساوس والخطرات النفسانية المؤدية إلى مضار الدنيا والآخرة. قال ابن الملك أي: حريصة على جمع المال وتحصيل المناصب، وقيل على حقيقته فهو إما لشدة حرصه على الدنيا لا يقدر أن يأكل قدر ما يشبع جوعته، وإما الاستيلاء الجوع البقري عليه وهو جوع الأعضاء مع شبع المعدة عكس الشهوة الكلبية (ومن دعوة لا يستجاب لها) لكونها معصية أو ما لا يرضاه الحق أو المراد التعوذ من عدم استجابة الدعاء مطلقًا. قال الطيبي: الضمير في ((لها)) عاد إلى الدعوة واللام زائدة. قال الشوكاني: استعاذ ﷺ من علم لا ينفع لأنه يكون وبالاً على صاحبه وحجة عليه، واستعاذ أيضًا من القلب الذي لا يخشع لأنه يكون حينئذٍ قاسيًا لا تؤثر فيه موعظة ولا نصيحة ولا يرغب في ترغيب ولا يرهب من ترهيب. واستعاذ من النفس التي لا تشبع لأنها تكون متكالبة على الحطام متجرئة على المال الحرام غير قانعة بما يكفيها من الرزق فلا تزال في تعب الدنيا وعقوبة في الآخرة، واستعاذ من الدعوة التي لا يستجاب لها لأن الرب سبحانه هو المعطي المانع الباسط القابض الضار النافع فإذا توجه العبد إليه في دعاءه ولم يستجب دعوته فقد خاب الداعي وخسر لأنه طرد من الباب الذي لا يستجلب الخير إلا منه ولا يستدفع الضر إلا به، اللهم إنا نعوذ بك مما استعاذ بك رسول الله ﷺ . (رواه مسلم) في الدعوات، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤: ص٣٧١) ، والبغوي (ج٥: ص١٥٨، ١٥٩) ، وأخرجه الترمذي في الدعوات، والنسائي في الاستعاذة مختصرًا ونسبه الشوكاني في تحفة الذاكرين لعبد بن حميد أيضًا.
٢٤٨٥- قوله: (وعن عبد الله بن عمر) بلا واو (اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك) أي: ذهاب نعمك الدينية والدنيوية النافعة في الأمور الأخروية من غير بدل قال في فيض القدير: مفرد في معنى الجمع يعم النعم الظاهرة والباطنة، والنعمة كل ملاءم تحمد عاقبته، ومن ثم قالوا: لا نعمة لله على كافر بل ملاذه استدراج والاستعاذة من زوال النعم تتضمن الحفظ عن الوقوع في المعاصي لأنها تزيلها ألا ترى إلى قوله:
стр. 3728
وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ وَجَمِيعِ سَخَطِكَ. رواه مسلم.
٢٤٨٦- (٦) عَنْ عَائِشَةَ قَالتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ
ــ
إذا كنت في نعمة فارعها ... فإن المعاصي تزيل النعم
وقال الشوكاني: استعاذ رسول الله ﷺ من زوال نعمته لأن ذلك لا يكون إلا عند عدم شكرها وعدم مراعاة ما تستحقه النعم وتقتضيه من تأدية ما يجب على صاحبها من الشكر والمواساة وإخراج ما يجب إخراجه (وتحول عافيتك) بضم الواو المشددة أي: تبدلها بالبلاء. قال القاري: أي: انتقالها من السمع والبصر وسائر الأعضاء. فإن قلت ما الفرق بين الزوال والتحول؟ قلت: الزوال يقال في شيء كان ثابتًا لشيء ثم فارقه والتحول تغير الشيء وانفصاله عن غيره. أي: إبدال الشيء بالشيء، فمعنى النعمة ذهابها من غير بدل وتحول العافية إبدال الصحة بالمرض والغنى بالفقر فكأنه سأل دوام العافية وهي السلامة من الآلام والأسقام وقال الطيبي: أي: تبدل ما رزقتني من العافية إلى البلاء والداهية، والحديث رواه أبو داود أيضًا إلا أن في بعض نسخ السنن ((وتحويل عافيتك)) من باب التفعيل فيكون من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، واستعاذ من ذلك لأن من اختصه الله سبحانه بعافيته فاز بخير الدارين فإن تحولت عنه فقد أصيب بشر الدارين فإن العافية يكون بها صلاح من أمور الدنيا والآخرة (وفجاءة نقمتك) بضم الفاء وفتح الجيم ممدودة بمعنى البغتة مشتقة من فاجأه مفاجأة إذا جاءه بغتة من غير أن يعلم بذلك، ويروى فجأة بفتح الفاء وإسكان الجيم من غير مد، والنقمة بكسر النون وسكون القاف، وفي رواية بفتح فكسر ككلمة العقوبة، وقال القاري: هي المكافأة بالعقوبة والانتقام بالغضب والعذاب، وخص فجاءة النقمة بالذكر لأنها أشد من أن تصيب تدريجًا كما ذكره المظهر واستعاذ ﷺ من ذلك من حيث لا يكون له علم به ولا تكون له فرصة ومهلة للتوبة لأنه انتقم الله من العبد فقد أحل به من البلاء ما لا يقدر على دفعه ولا يستدفع بسائر المخلوقين وإن اجتمعوا جميعًا كما ورد في الحديث الصحيح القدسي أن العباد لو اجتمعوا جميعًا على أن ينفعوا أحدًا لم يقدروا على نفعه، أو اجتمعوا جميعًا على أن يضروا أحدًا لم يقدروا على ضره (وجميع سخطك) بالتحريك، أي ما يؤدي إليه يعني سائر الأسباب الموجبة لذلك، وإذا انتفت أسبابها حصلت أضدادها وهو إجمال بعد تفصيل وتعميم بعد تخصيص، أو المراد جميع آثار غضبك، واستعاذ ﷺ من جميع سخطه لأنه سبحانه إذا سخط على العبد فقد هلك وخاب وخسر، ولو كان السخط في أدنى شيء وبأيسر سبب. (رواه مسلم) في الدعاء، وكذا البخاري في الأدب المفرد (ج٢: ص١٢٦) ، وأبو داود في أواخر الصلاة، والحاكم (ج١: ص٥١٣) ونسبه في الحصن للنسائي أيضًا ولعله في الكبرى.
٢٤٨٦- قوله: (اللهم إني أعوذ بك) قال الطيبي: استعاذ مما عصم منه ليلتزم خوف الله تعالى وإعظامه والافتقار إليه وليقتدى به وليبين صفة الدعاء، وقال الشوكاني: هذا تعليم منه ﷺ لأمته ليقتدوا به وإلا فجميع أعماله سابقها
стр. 3729
مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ. رواه مسلم.
٢٤٨٧- (٧) وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ خَاصَمْتُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ
ــ
ولاحقها كلها خير لا شر فيها (من شر ما عملت) بتقديم الميم على اللام فيه وفيما يأتي أي: فعلت. قال الطيبي: أي: من شر عمل يحتاج فيه إلى العفو والغفران يعني المراد من استعاذته من شر ما عمل طلب العفو والغفران منه عما عمل (ومن شر ما لم أعمل) استعاذ من شر أن يعمل في مستقبل الزمان ما لا يرضاه الله بأن يحفظه منه فإنه لا يأمن من مكر الله إلا القوم الخاسرون، أو من شر أن يصير معجبًا بنفسه في ترك القبائح فإنه يجب أن يرى ذلك من فضل ربه أو المراد شر عمل غيره قال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لَاّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ (٨: ٢٥) ويحتمل أنه استعاذ من أن يكون ممن يجب أن يحمد بما لم يفعل - انتهى. وقيل: المراد ما ينسب إليه افتراء ولم يعمله. وقال السندي: قوله: من شر ما عملت، إلخ. أي من شر ما فعلت من السيئات وما تركت من الحسنات أو من شر كل شيء مما تعلق به كسبي أولاً والله تعالى أعلم - انتهى (رواه مسلم) في الدعاء، وأخرجه أيضًا أبو داود في أواخر الصلاة، والنسائي في الاستعاذة، وابن ماجة في الدعاء.
٢٤٨٧- قوله: (اللهم لك) أي: لا لغيرك (أسلمت) أي: انقدت (وبك آمنت) أي: صدقت يعني انقدت لأمرك ونهيك وصدقت بك وبما أنزلت وأرسلت (وعليك توكلت) أي: إليك فوضت أموري كلها أو عليك لا غيرك اعتمدت في تفويض أموري (وإليك أنبت) أي: رجعت مقبلاً بقلبي عليك أو أقبلت بهمتي وطاعتي عليك وأعرضت عما سواك (وبك) أي: بقوتك ونصرك وإعانتك إياي (خاصمت) أي: حاربت أعداءك وقاتلتهم، أو بما آتيتني من البراهين والحجج خاصمت من خاصمني من الكفار (اللهم إني أعوذ بعزتك) أي: بغلبتك فإن العزة لله جميعًا. وقيل: أي: بقوة سلطانك (أن تضلني) بضم التاء من الإضلال وهو متعلق بأعوذ أي: من أن تضلني وكلمة التوحيد معترضة لتأكيد العزة يعني أن تهلكني بعدم التوفيق للرشاد والهداية والسداد. قال في الصحاح: ضل الشيء يضل ضلالاً، ضاع وهلك، والضلال والضلالة ضد الرشاد، وأضله وأهلكه. وقال القاري: أي: أعوذ بك من أن تضلني بعد إذ هديتني ووفقتني لانقياد الظاهر والباطن في حكمك وقضاءك وللإنابة إلى جنابك والمخاصمة مع أعدائك والالتجاء في كل حال إلى عزتك ونصرتك وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (٣: ٨) (أنت الحي الذي لا يموت) بلفظ الغيبة وعند أحمد تموت بالخطاب أي: الحي الحياة الحقيقية التي لا يجامعها الموت بحال وهذا
стр. 3730
وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ. متفق عليه.
(الفصل الثاني)
٢٤٨٨- (٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْأَرْبَعِ: مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ.
ــ
لفظ مسلم، وللبخاري: أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت الذي لا يموت. واستغنى عن ذكر عائد الموصول في هذه الرواية في قوله: ((بعزتك الذي لا إله إلا أنت)) لأن نفس المخاطب هو المرجوع إليه وبه يحصل الارتباط وكذلك المتكلم نحو:
أنا الذي سمتني أمي حيدره
لأن نسق الكلام سمته أمه (والجن والإنس يموتون) خصا بالذكر لأنهما المكلفان المقصودان بالتبليغ فكأنهما الأصل. قال الحافظ: استدل به على أن الملائكة لا تموت ولا حجة فيه لأنه مفهوم لقب ولا اعتبار له وعلى تقديره فيعارضه ما هو أقوى منه وهو عموم قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ (٢٨: ٨٨) مع أنه لا مانع من دخول الملائكة في مسمى الجن لجامع ما بينهم من الاستتار عن عيون الإنس. (متفق عليه) أخرجه البخاري في التوحيد مختصرًا، ومسلم في الدعاء واللفظ له، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص ٣٠٢) ، والنسائي في النعوت من سننه الكبرى.
٢٤٨٨- قوله: (اللهم إني أعوذ بك من الأربع) اللام للعهد الذهني بينه بقوله: من علم أهو إجمال تفصيله قوله: (من علم لا ينفع) لا لي ولا لغيري لا في الدنيا بالعمل به ولا في الآخرة بالثواب عليه وهو علم لا يكون لله تعالى ولم يقترن به التقوى (ومن قلب لا يخشع) عند ذكر الله تعالى (ومن نفس لا تشبع) أي: حريصة على الدنيا لا تشبع منها أو من كثرة الأكل وأما الحرص على العلم والخير فمحمود ومطلوب قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ (٢٠: ١١٤) (ومن دعاء لا يسمع) بصيغة المجهول أي: لا يستجاب. يقال: اسمع دعائي أي: أجب لأن الغرض من السماع هو الإجابة والقبول. قال البغوي: ((من دعاء لا يسمع)) يعني لا يجاب، ومنه قول المصلي: سمع الله لمن حمده. استجاب الله دعاء من حمده. قال الطيبي: اعلم أن في كل من القرائن الأربع ما يشعر بأن وجوده مبني على غايته وأن الغرض منه تلك الغاية وذلك أن تحصيل العلوم إنما هو للانتفاع بها فإذا لم ينتفع به لم يخلص منه كفافًا بل يكون وبالاً ولذلك، وأن القلب إنما خلق لأن يتخشع لبارئه وينشرح لذلك الصدر ويقذف النور فيه فإذا لم يكن كذلك كان قاسيًا فيجب أن يستعاذ منه قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٣٩: ٢٢) وأن النفس إنما يعتد بها إذا تجافت عن دار
стр. 3731
رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة.
٢٤٨٩- (٩) ورواه الترمذي عن عبد الله بن عمر، والنسائي عنهما.
٢٤٩٠- (١٠) وعَنْ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ مِنْ خَمْسٍ: مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَسُوءِ الْعُمُرِ وَفِتْنَةِ الصَّدْرِ
ــ
الغرور وأنابت إلى دار الخلود وهي إذا كانت منهومة لا تشبع حريصة على الدنيا كانت أعدى عدو المرء فأولى الشيء الذي يستعاذ منه هي أي النفس، وعدم استجابة الدعاء دليل على أن الداعي لم ينتفع بعلمه وعمله ولم يخشع قلبه ولم تشبع نفسه - انتهى. وفي استعاذته ﷺ من هذه الأمور إظهار للعبودية وإعظام للرب ﵎ وأن العبد ينبغي له ملازمة الخوف ودوام الافتقار إلى جنابه تعالى وفيه حث للأمة على ذلك وتعليم لهم وإلا فهو ﷺ معصوم من هذه الأمور، وفيه أن الممنوع من السجع ما يكون عن قصد إليه وتكلف في تحصيله، وأما ما اتفق حصوله بسبب قوة السليقة وفصاحة اللسان فبمعزل عن ذلك (رواه أحمد) (ج٢: ص٣٤٠، ٣٦٥) ، (وأبو داود) في الاستعاذة من أواخر الصلاة، (وابن ماجة) في الدعاء وقد سكت عنه أبو داود، والمنذري، والحاكم، وصححه الذهبي.
٢٤٨٩- قوله: (رواه الترمذي) في الدعوات (عن عبد الله بن عمرو) بالواو ابن العاص، قال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. ونقل المنذري كلام الترمذي هذا وأقره وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص١٦٧، ١٩٨) ، وأبو نعيم في الحلية (ج٥: ص٩٣) ، والحاكم (ج١: ص٥٣٤) وسكت عنه هو والذهبي (والنسائي عنهما) أي عن أبي هريرة وابن عمرو، وكذا أحمد، والحاكم كما سبق، وفي الباب عن أنس عند أحمد، وابن حبان، والبغوي (ج٥: ص١٥٩) وعن ابن عباس وجرير عند الطبراني، وابن مسعود عند الحاكم.
٢٤٩٠- قوله: (كان رسول الله ﷺ يتعوذ من خمس) هذا لا ينافي الزيادة (وسوء العمر) بضم الميم وسكونها، أي: أرذله وهو البلوغ إلى حد في الهرم يعود معه كالطفل في سخف العقل وقلة الفهم وضعف القوة، وقال في اللمعات: يحتمل أن يراد به سوء الكبر وأن يكون سوء المعيشة وضيقها وفسادها وقيل المراد به عمر غير مرضي لا يعمل فيه عمل صالح يعني مضيه فيما لا ينفعه في العقبى بل يسوءه (وفتنة الصدر) بفتح الصاد وسكون الدال المهملتين، قال الجزري: يعني ما يوسوس به الشيطان في قلبه كما في حديث من وساوس الصدر - انتهى. وقيل: هي قساوة القلب وحب الدنيا وأمثال ذلك، وقيل: موته وفساده، وقيل هي ما ينطوي عليه من غل وحسد وخلق سيئ وعقيدة باطلة، وقيل هي ضيقه المانع من قبول الحق وتحمل البلاء وقال الطيبي: هي الضيق المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾ (٦: ١٢٦) فهي الإنابة إلى دار الغرور والتجافي عن دار الخلود وفسرها وكيع في رواية
стр. 3732
وَعَذَابِ الْقَبْرِ. رواه أبو داود، والنسائي.
٢٤٩١- (١١) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْفَقْرِ وَالْقِلَّةِ وَالذِّلَّةِ
ــ
أحمد بأن يموت الرجل في فتنة لم يتب منها. والظاهر العموم (وعذاب القبر) ، أي البرزخ. (رواه أبو دواد والنسائي) في الاستعاذة إلا أن النسائي لم يذكر ((سوء العمر)) وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٢٢، ٥٤) ، وابن ماجة في الدعاء، وابن حبان كما في موارد الظمآن (ص٦٠٥) ، والحاكم (ج١: ص٥٣٠) وقد سكت عنه أبو داود والمنذري (ج٢: ص١٥٨) ، وصححه الحاكم على شرط الشيخين وأقره الذهبي.
٢٤٩١- قوله (اللهم إني أعوذ بك من الفقر) ، الفقر الاحتياج والطلب وأراد به ها هنا فقر القلب وكل قلب يطلب شيئًا ويحتاج إلى شيء ويحرص على شيء فهو فقير وإن كان صاحبه كثير المال يعني من قلب حريص على جمع المال وهذا مثل قوله ((ونفس لا تشبع)) قاله المظهر. وقال التوربشتي: الفقر المستعاذ منه إنما هو فقر النفس وجشعها الذي يفضي بصاحبه إلى كفران نعمة الله ونسيان ذكره ويدعوه إلى سد الخلة بما يتدنس به عرضه وينثلم به دينه وقال الطيبي: أصل الفقر كسر فقار الظهر، والفقر يستعمل على أربعة أوجه: الأول وجود الحاجة الضروية وذلك عام للإنسان ما دام في الدنيا بل عام في الموجودات كلها وعليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ﴾ (٣٥: ١٥) الثاني: عدم المقتنيات وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ (٢: ٢٧٣) و ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء﴾ (٩:٦٠) الثالث: فقر النفس وهو المقابل لقوله ((الغنى غنى النفس)) والمعنى بقولهم: ((من عدم القناعة لم يفده المال غنى)) الرابع: الفقر إلى الله المشار إليه بقولهم: ((اللهم اغنني بالافتقار إليك ولا تفقرني بالاستغناء عنك)) وإياه عنيَ تعالى بقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (٢٨: ٢٤) أقول: والمستعاذ منه في الحديث هو القسم الثاني يعني عدم المقتنيات وقلة المال وإنما استعاذ منه عند عدم الصبر وهو فتنة وقلة الرضاء به أو استعاذ من القسم الثالث أي: من الفقر الذي هو فقر النفس وهو الشره الذي يقابل غنى النفس الذي هو قناعتها لا قلة المال والفرق بين القول الأول والرابع أن الفقر الأول عام اضطراري والرابع خاص اختياري أو شهود ذلك الاضطرار ودوام حضور ذلك الافتقار (والقلة) بكسر القاف، قال المظهر: أراد به قلة المال بحيث لا يكون له كفاف من القوت فيعجز عن وظائف العبادات من أجل الجزع وجوع العيال، وقيل: المراد قلة الصبر وقلة الأنصار أو قلة العدد أو العُدد أو الكل. وقال التوربشتي: المراد منها القلة في أبواب البر وخصال الخير لأنه ﵊ كان يؤثر الإقلال في الدنيا ويكره الاستكثار من الأعراض الفانية وفي صحيح ابن حبان الفاقة بدل القلة وهي شدة الفقر والحاجة إلى الخلق (والذلة) أي: من أن أكون ذليلاً في
стр. 3733
وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ. رواه أبو داود، والنسائي.
٢٤٩٢- (١٢) وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الشِّقَاقِ
ــ
أعين الناس بحيث يستخفونه ويحقرون شأنه، وقيل: المراد بها الذلة الحاصلة من المعصية أو التذلل للأغنياء على وجه المسكنة، والمراد بهذه الأدعية تعليم الأمة ولا ينافي هذا الحديث قوله: ((اللهم أحيني مسكينًا)) إلخ، الآتي في فضل الفقراء لأن المراد بالمسكنة التواضع وعدم التكبر لا الفقر. قال المناوي: لم يسأل مسكنة ترجع للقلة بل إلى الإخبات والتواضع ذكره البيهقي وجرى على قضيته حجة الإسلام أي الغزالي حيث قال: استعاذته من الفقر لا تنافي طلب المسكنة لأن الفقر مشترك بين معنيين الأول: الافتقار إلى الله والاعتراف بالذلة والمسكنة له، والثاني: فقر الاضطرار وهو فقد المال المضطر إليه كجائع فقد الخبز فهذا هو الذي استعاذ منه والأول هو الذي سأله - انتهى. وسئل الشيخ زكريا عن معنى هذا الحديث فقال: معناه طلب التواضع والخضوع وأن لا يكون من الجبابرة المتكبرين والأغنياء المترفين - انتهى. ومنه أخذ السبكي قوله: المراد استكانة القلب لا المسكنة التي هي نوع من الفقر فإنه أغنى الناس بالله، وقال القتيبي: المسكنة حرف مأخوذ من السكون، يقال: تمسكن أي تخشع وتواضع. وقال الحافظ في التلخيص: إن الذي استعاذ منه وكرهه فقر القلب والذي اختاره وارتضاه طرح المال. وقال ابن عبد البر: الذي استعاذ منه هو الذي لا يدرك معه القوت والكفاف ولا يستقر معه في النفس غنى لأن الغنى عنده ﷺ غنى النفس وقد قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ (٩٣: ٨) ولم يكن غناه أكثر من ادخاره قوت سنة لنفسه وعياله وكان الغنى محله في قلبه ثقة بربه، وكان يستعيذ من فقر منس وغنى مطغ، وفيه دليل على أن للفقر والغنى طرفين مذمومين وبهذا تجتمع الأخبار في هذا المعنى - انتهى. (وأعوذ بك من أن أظلم) بالبناء للفاعل أي أحدًا من المسلمين والمعاهدين ويدخل فيه ظلم نفسه بمعصية الله، والظلم وضع الشيء في غير محله وموضعه أو التعدي في حق غيره (أو أظلم) بالبناء للمفعول، أي يظلمني ويتعدى على أحد وأو للتنويع وقيل بمعنى الواو (رواه أبو داود، والنسائي) في الاستعاذة وهو عند أبي داود، والبخاري في الأدب المفرد (ج٢: ص١٣١) من رواية سعيد بن يسار عن أبي هريرة، وأخرجه ابن ماجة من طريق جعفر بن عياض عن أبي هريرة وجعله حديثًا قوليًا بلفظ تعوذوا بالله من الفقر والقلة إلخ. وأخرجه أحمد (ج٢: ص٢٠٥) ، والنسائي، وابن حبان، والحاكم (ج١: ص٥٣١، ٥٤١) من كلا الوجهين وقد سكت عنه أبو داود ولم يعترضه المنذري وصححه الحاكم وأقره الذهبي.
٢٤٩٢- قوله (اللهم إني أعوذ بك من الشقاق) بكسر الشين ككتاب التنازع والخلاف والخصومة أو التعادي لأن كلاً من المتعاديين يكون في شق، أي ناحية في غير شق صاحبه أو يريد مشقة الآخر أو لشق العصا بينهما، واستعاذ منه ﷺ لأنه يؤدي إلى المهاجرة والمقاطعة. وقال القاري: أي من مخالفة الحق ومنه قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا
стр. 3734
وَالنِّفَاقِ وَسُوءِ الْأَخْلَاقِ. رواه أبو داود، والنسائي.
٢٤٩٣- (١٣) وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُوعِ فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ
ــ
فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ (٣٨: ٢) (والنفاق) ، أي إظهار الإسلام وإبطان الكفر. قال في اللمعات: النفاق في الدين أن يستر الكفر ويظهر الإيمان ولعل المراد هنا أعم من ذلك مما يشمل الرياء وعلامات النفاق. وقال الطيبي: أي أن تظهر لصاحبك خلاف ما تضمره. وقيل المراد النفاق في العمل بكثرة كذبه وخيانة أمانته وخلف وعده، والفجور في مخاصمته، والأظهر أن اللام للجنس فيشمل جميع أفراده (وسوء الأخلاق) من عطف العام على الخاص، وفيه إشعار بأن المذكورين أولاً أعظم الأخلاق السيئة لأنه يسري ضررهما إلى الغير، ذكره الطيبي وقال في اللمعات: هو تعميم بعد تخصيص لأن الأخلاق هي الصفات الباطنة، أو المراد منه ضد بشاشة الوجه والسماحة، وقال ابن الملك: هو إيذاء أهل الحق وإيذاء الأهل والأقارب وتغليظ الكلام عليهم بالباطل وعدم التحمل عنهم وعدم العفو عنهم، إذا صدرت خطيئة منهم. (رواه أبو داود والنسائي) في الاستعاذة كلاهما من رواية بقية بن الوليد حدثنا ضبارة بن عبد الله بن أبي السليك عن دويد بن نافع عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة، وسكت عنه أبو داود وضعفه النووي في الأذكار وقال المنذري (ج٢: ص١٥٩) : في إسناده بقية بن الوليد ودويد بن نافع وفيهما مقال - انتهى. قلت: بقية هذا صدوق كثير التدليس. قال ابن معين، ويعقوب وابن سعد، والعجلي، وأبو زرعة، والنسائي، والجوزجاني، وأبو أحمد الحاكم: ثقة في حديثه إذا حدث عن الثقات والمعرفين، فأما إذا حدث عن الضعفاء والمجهولين فليس بشيء. قال ابن عدي: إذا روى عن أهل الشام فهو ثبت وإذا روى عن غيرهم خلط. وإذا روى عن المجهولين فالعهدة منهم لا منه. وقال ابن المديني: صالح فيما روى عن أهل الشام. وضبارة بن عبد الله بن أبي السليك، أبو شريح الحضرمي الحمصي مجهول، قاله الحافظ في التقريب، وابن القطان كما في تهذيب التهذيب، وذكره ابن حبان في الثقات على ما اصطلح أن من لم يعرف بجرح ولا تعديل فهو عدل عنده. وقال يعتبر حديثه من رواية الثقات عنه - انتهى. ودويد بن نافع الشامي مقبول، وقال ابن حبان: مستقيم الحديث إذا كان دونه ثقة. قال الحافظ: وذكر ابن خلفون أن الذهلي والعجلي وثقاه.
٢٤٩٣- قوله (اللهم إني أعوذ بك من الجوع) ، أي الألم الذي ينال الحيوان من خلو المعدة عن الغذاء استعاذ منه لظهور أثره في بدن الإنسان وقواه الظاهرة والباطنة، ومنعه من الطاعات والخيرات (فإنه بئس الضجيع) بفتح فكسر، وهو من ينام معك في فراشك، أي المضاجع سماه ضجيعًا للزومه الإنسان في النوم واليقظة وفيه إشارة إلى أن الجوع المذم الذي يلزم الإنسان ويتضرر به أي بئس الصاحب الجوع الذي يمنع الإنسان من وظائف العبادات ويشوش
стр. 3735
وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخِيَانَةِ فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ. رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة.
٢٤٩٤- (١٤) وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبَرَصِ وَالْجُذَامِ وَالْجُنُونِ
ــ
الدماغ ويثير الأفكار الفاسدة والخيالات الباطلة. قال الطيبي: الجوع يضعف القوى ويشوش الدماغ فيثير أفكارًا ردية وخيالات فاسدة فيخل بوظائف العبادات والمراقبات، ولذلك خص بالضجيع الذي يلازمه ليلاً ومن ثم حرم الوصال - انتهى. وقال التوربشتي: استعاذ من الجوع الذي يشغله عن ذكر الله ويثبطه عن طاعته لمكان الضعف وتحليل المواد لا إلى بدل وأشار بالضجيع إلى الجوع الذي يمنع عن الهجوع (النوم بالليل) لأنه جعل القسم المستعاذ منهما يلازم صاحبه في المضجع وذلك بلليل، وإلى التفريق الواقع بينه وبين ما شرع له من التعبد بالجوع المبرح في نهار الصوم (وأعوذ بك من الخيانة) هي ضد الأمانة. قال الطيبي: هي مخالفة الحق بنقض العهد في السر، والأظهر أنها شاملة لجميع التكاليف الشرعية كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ﴾ (٣٣: ٧٢) الآية، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ﴾ (٨: ٢٧) شامل لجميعها (فإنها بئست البطانة) ، أي الخصلة الباطنة بكسر الباء الموحدة خلاف الظهارة من الثوب ثم استعيرت لمن يخصه الرجل بالإطلاع على باطن أمره، والتبطن الدخول في باطن الأمر فلما كانت الخيانة أمر يبطنه الإنسان ويستره ولا يظهره سماها بطانة. قال الطيبي: البطانة ضد الظهارة وأصلها في الثوب فاستعير لما يستبطنه الإنسان من أمره فيجعله بطانة حاله. (رواه أبو داود، والنسائي) في الاستعاذة وأخرجه أيضًا ابن حبان في صحيحه كلهم من حديث محمد بن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة، وقد سكت عنه أبو داود وقال المنذري: في سنده محمد بن عجلان وفيه مقال - انتهى. قلت: خرج له مسلم في صحيحه ثلاثة عشر حديثًا كلها في الشواهد ولذا صحح النووي إسناد هذا الحديث في الأذكار والرياض (وابن ماجة) ، في باب التعوذ من الجوع من أبواب الأطعمة من طريق ليث بن أبي سليم عن كعب عن أبي هريرة، وليث هذا صدوق اختلط أخيرًا ولم يتميز حديثه فترك، قاله الحافظ، وأخرجه البغوي (ج٥: ص١٧٠) من رواية ليث عن رجل عن أبي هريرة ثم أشار إلى طريق المقبري عن أبي هريرة.
٢٤٩٤- قوله (اللهم إني أعوذ بك من البرص) بفتحتين، بياض رديء يظهر في ظاهر البدن لفساد مزاج (والجذام) بضم الجيم، علة رديئة تحدث من انتشار المرة السوداء في البدن كله فيفسد مزاج الأعضاء وهيئتها وشكلها وربما فسد في آخره أوصالها حتى تتأكل الأعضاء وتسقط قال في القاموس: الجذام كغراب علة تحدث من انتشار السوداء في البدن كله فيفسد مزاج الأعضاء وهيأتها وربما انتهى إلى تأكل الأعضاء وسقوطها عن تقرح (والجنون) ، أي
стр. 3736
وَمِنْ سَيِّئْ الْأَسْقَامِ. رواه أبو داود، والنسائي.
٢٤٩٥- (١٥) وعن قُطْبَةُ بْنُ مَالِكٍ قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَهْوَاءِ
ــ
زوال العقل الذي هو منشأ الخيرات العلمية والعملية، (ومن سيئ الأسقام) ، الإضافة ليست بمعنى من كقولك خاتم فضة بل هي من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الأسقام السيئة، يعني الأمراض القبيحة الفاحشة الرديئة تكون سببًا لعيب يتنفر منه الخلق أو فساد أعضائه كالاستسقاء والسل والفالج والمرض المزمن الطويل، وهو تعميم بعد تخصيص نص على تلك الثلاثة مع دخولها في سيئ الأسقام لكونها أبغض شيء إلى العرب بل إلى جميع الناس، ولهم عنها نفرة عظيمة، ولهذا عدوا من شروط الرسالة السلامة من كل ما ينفر الخلق ويشوه الخلق قال صاحب الفتح الرباني: اعلم أن الأمراض المنفرة لا تجوز على الأنبياء بل يشترط في النبي سلامته من كل منفر وإنما ذكرها ﷺ تعليمًا للأمة كيف تدعو. قال الطيبي: وإنما لم يتعوذ من الأسقام مطلقًا، أي سائر الأسقام بل قيد بالسيئ فإن بعضها مما يخف مؤنته وتكثر مثوبته عند الصبر عليه مع عدم إزمانه كالحمى والصداع والرمد يعني أن من الأمراض ما إذا تحامل الإنسان فيه على نفسه بالصبر خفت مؤنته وعظمت مثوبته قال: وإنما استعاذ من السقم المزمن فينتهي بصاحبه إلى حالة ينفر منها الحميم ويقل دونها المؤانس والمداوى مع ما يورث من الشين فمنها الجنون الذي يزيل العقل فلا يأمن صاحبه القتل، ومنها البرص والجذام وهما العلتان المزمنتان مع ما فيهما من القذارة والبشاعة وتغيير الصورة - انتهى. وقال ابن مالك: الحاصل أن كل مرض يحترز الناس من صاحب ذلك المرض ولا ينتفعون منه ولا ينتفع منهم ويعجز بسبب ذلك المرض عن حقوق الله وحقوق عباده يستحب الاستعاذة من ذلك. (رواه أبو داود، والنسائي) في الاستعاذة، وأخرجه أيضًا أحمد (ج: ص) ، والطيالسي (ج١: ص٢٥٨) وابن أبي شيبة، وسكت عنه أبو داود والمنذري، وصحح النووي سنده في الرياض والأذكار.
٢٤٩٥- قوله (وعن قطبة) بضم القاف وسكون الطاء المهملة وفتح الباء الموحدة (بن مالك) الثعلبي بمثلثة، ومهملة من بني ثعلبة بني ذبيان ولذلك يقال له الذبياني، وهو عم زياد بن علاقة الذي روى هذا الحديث عنه، صحابي سكن الكوفة (اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق) المنكر ما لا يعرف حسنه من جهة الشرع أو ما عرف قبحه من جهته، والمراد بالأخلاق الأعمال الباطنة كحقد وبخل وحسد وجبن ونحوها، واستعاذ من منكرات الأخلاق لأنها تكون سببًا لجلبب كل شر ودفع كل خير (والأعمال) ، أي الأفعال الظاهرة وهي تعم الصغائر والكبائر من نحو قتل وزنا وشرب خمر وسرقة ونحوها (والأهواء) جمع الهوى مصدر هواه إذا أحبه ثم سمي بالهوى المشتهي محمودًا كان أو مذمومًا ثم غلب
стр. 3737
رواه الترمذي.
٢٤٩٦- (١٦) وعَنْ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلٍ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا نبي اللَّهِ عَلِّمْنِي تَعَوِيذًا أَتَعَوَّذُ بِهِ قَالَ:
ــ
على غير المحمود فقيل فلان اتبع هواه إذا أريد ذمه، وفي التنزيل ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ (٣٨: ٢٦) منه ((فلان من أهل الأهواء)) لمن زاغ عن الشرع من أهل القبلة كالجبرية والقدرية والحشوية والخوارج والروافض ومن سار سيرتهم كذا في المغرب. قال الطيبي: الإضافة في القرينتين الأوليين من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف وفي الثالثة بيانية لأن الأهواء كلها منكرة انتهى. قال القاري: والأظهر أن الإضافات كلها من باب واحد، ويحمل الهوى على المعنى اللغوي كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾ (٢٨: ٥٠) أو يحمل على ما تختاره النفس من العقائد ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (٤٥: ٢٣) فالمراد بالأهواء مطلقًا الاعتقادات وبالمنكرات الأهوية الفاسدة التي غير مأخوذة من الكتاب والسنة، وقيل منكرات الأهواء هي الزيغ والانهماك في الشهوات جمع هوى مقصور هوى النفس وهو ميلها إلى المستلذات والمستحسنات عندها واستعاذ منه لأنه يشغل عن الطاعة ويؤدي إلى الأشر والبطر وزاد في رواية الحاكم والأدواء، أي من منكرات الأدواء، وهي بمعنى سيئ الأسقام وذكر هذا الدعاء مع عصمته تعليمًا لأمته كما سبق (رواه الترمذي) في الدعوات، وأخرجه أيضًا الحاكم (ج١: ص٥٣٢) ، والطبراني في الكبير، ورواه ابن حبان في صحيحه مختصرًا بلفظ ((اللهم جنبي منكرات الأهواء والأدواء)) ، والحديث حسنه الترمذي وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
٢٤٩٦- قوله (وعن شتير) أوله شين معجمة ثم تاء مثناة وآخرة راء مصغرًا (بن شكل) بفتح المعجمة والكاف العبسي الكوفي يقال أنه أدرك الجاهلية ثقة من الطبقة الوسطى من التابعين، مات في ولاية ابن الزبير وقيل توفي زمن مصعب (عن أبيه) ، أي شكل وهو من رهط حذيفة بن اليمان صحابي سكن الكوفة لم يرو عنه غير ابنه شتير وذكر له أبو القاسم البغوي هذا الحديث وقال لا أعلم له غيره، كذا في مختصر السنن (ج٢: ص١٦١) للمنذري، وقال الحافظ: في الإصابة (ج٢: ص١٥٤) بعد ذكر هذا الحديث من رواية السنن قلت: وله رواية عن علي (علمني تعويذًا) ، أي ما يتعوذ به. قال الجوهري في الصحاح (ج٢: ص٥٦٧) : العوذة والمعاذ والتعويذ كله بمعنى. وقال المجد في القاموس: العوذة بالهاء الرقية كالمعاذة والتعويذ قلت: قوله ((تعويذًا)) ، كذا في جميع النسخ من المشكاة والمصابيح، وهكذا وقع عند البخاري في تاريخه (٢ - ٢ - ٢٦٦) ، وفي شرح السنة للبغوي (ج٥: ١٦٩) ، وللترمذي تعوذًا بتشديد الواو المضمومة، وهكذا وقع في أسد الغابة (ج٣: ص٣) ، وجامع الأصول (ج٥: ص١٣٢) ، وجمع الفوائد (ج٢: ص٦٦٧) والإصابة والمستدرك للحاكم، وفي رواية أبي داود: علمني دعاء فقال، وأخرج النسائي الروايتين إلا أنه قال ((علمني الدعاء انتفع به)) ، وهكذا وقع عند أحمد في المسند والبخاري في التاريخ والأدب المفرد (ج٢: ص١١٧) (أتعوذ به) أي لخاصة نفسي، وفي
стр. 3738
قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِي وَشَرِّ بَصَرِي وَشَرِّ لِسَانِي وَشَرِّ قَلْبِي وَشَرِّ مَنِيِّي. رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي.
٢٤٩٧- (١٧) وعَنْ أَبِي الْيَسَرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو:
ــ
الترمذي بعده ((قال فأخذ بكفي)) ، وللنسائي والبخاري في التاريخ والبغوي ((فأخذ بيدي)) وكان أخذه ﷺ كفه لمزيد الاعتناء والاهتمام بالتعليم (اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي) ، أي حتى لا أسمع شيئًا تكرهه. وقال في الحرز الثمين قوله من شر سمعي بأن أسمع كلام الزور والبهتان والغيبة وسائر أسباب العصيان أو بأن لا أسمع كلمة الحق وأن لا أقبل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر (وشر بصري) ، أي حتى لا أرى شئيًا تكرهه، وقيل: أي خائنة الأعين وغيرها من معاصي النظر، وقيل: بأن أنظر إلى محرم أو أرى إلى أحد بعين الاحتقار وأن لا أتفكر في خلق السماء والأرض بنظر الفكر والاعتبار، (وشر لساني) ، أي حتى لا أتكلم بما لا يعنيني، وقيل: أي من شر نطقي فإن أكثر الخطايا منه وهو الذي يورد المرأ في المهالك، وخص هذه الجوارح لما أنها مناط الشهوة ومثار اللذة، (وشر قلبي) ، أي حتى لا أعتقد اعتقادًا فاسدًا ولا يكون فيه نحو حقد وحسد وتصميم فعل مذموم أبدًا وقيل: أي بأن أشتغل بغير أمر ربي وقيل: أي من شر نفسي والنفس مجمع الشهوات والمفاسد بحب الدنيا والرهبة من الخلق وخوف فوت الرزق والأمراض القلبية من نحو حسد وحقد وطلب رفعه وغير ذلك (وشر منيي) هو المني المشهور بمعنى الماء المعروف مضاف إلى ياء المتكلم، أي بأن أوقعه في غير محله أو يوقعني في مقدمات الزنا من النظر واللمس والتقبيل والمشي والعزم وأمثال ذلك. وقيل هو أن يغلب عليه حتى يقع في الزنا أو مقدماته، وقيل: أي من شر شدة الغلمة وسطوة الشهوة إلى الجماع الذي إذا أفرط ربما أوقع في الزنا أو مقدماته لا محالة فهو حقيق بالاستعاذة من شره، وخص هذه الأشياء بالاستعاذة لأنها أصل كل شر وقاعدته ومنبعه وزاد في رواية للنسائي والبغوي، ((قال: حتى حفظتها)) قال سعد (أحد رواة الحديث) : ((والمني ماءه)) وفي رواية للنسائي أيضًا يعني ذكره، وللترمذي يعني فرجه. وقوله ((منيي)) كذا في جميع النسخ من المشكاة والمصابيح، وهكذا وقع في النسخ الموجودة عندنا للترمذي، وكذا عند أحمد، والبخاري، وأبي داود، والنسائي، والحاكم، والبغوي، والجزري في أسد الغابة، وذكره في جامع الأصول بلفظ ((ومن شر هني)) يعني الفرج. وقال هذه رواية الترمذي، وكذا نقله في جمع الفوائد وعزاه لأصحاب السنن (رواه أبو داود) في آخر الصلاة، (والترمذي) في الدعوات، (والنسائي) في الاستعاذة، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٣: ص٤٢٩) ، والبخاري في الأدب المفرد (ج٢: ص١١٧، ١١٨) ، وفي التاريخ الكبير (٢/٢/٢٦٦) ، والحاكم (ج١ص٥٣٢، ٥٣٣) والبغوي (ج٥: ص١٦٨، ١٦٩) وسكت عنه أبو داود وحسنه الترمذي ونقل المنذري تحسينه وأقره. وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
٢٤٩٧- قوله (وعن أبي اليسر) بفتح التحتية والسين المهملة آخره راء اسمه كعب بن عمرو بن عباد السلمي
стр. 3739
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَدْمِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ التَّرَدِّي وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْغَرَقِ وَالْحَرَقِ وَالْهَرَمِ وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ
ــ
بفتحتين الأنصاري مشهور باسمه وكنيته صحابي شهد العقبة وبدرًا وله فيها آثار كثيرة، وكان عظيم الفناء يوم بدر وغيره، وهو الذي أسر العباس، وهو الذي انتزع راية المشركين من يد أبي عزيز بن عمير، ثم شهد المشاهد مع رسول الله ﷺ ، ثم شهد صفين مع علي بن أبي طالب. مات بالمدينة سنة خمس وخمسين وقد زاد على المائة وهو آخر من مات من أهل بدر (اللهم إني أعوذ بك من الهدم) بسكون الدال، وهو سقوط البناء ووقوعه على الشيء يعني انهدام البناء عليه، وروي بالفتح وهو اسم ما انهدم منه. وفي النهاية محركًا البناء المهدوم، وبالسكون الفعل نفسه، وقال السندي: الهدم بفتح فسكون مصدر هدم البناء نقضه، والمراد من أن يهدم على البناء على أنه مصدر مبني للمفعول أو من أن أهدم البناء على أحد على أنه مصدر مبني للفاعل (وأعوذ بك من التردي) ، أي السقوط من موضع عال كالوقوع من شاهق جبل وسطح مرتفع أو الوقوع في مكان سفلي كالبئر تفعل من الردى وهو الهلاك. قال الجزري: بفتح التاء المثناة من فوق وفتح الراء المهملة وتشديد الدال المكسورة، من تردي يتردى إذا سقط في بئر أو تهور من جبل (ومن الغرق) ، بفتحتين مصدر غرق في الماء من باب تعب، أي سقط فيه (والحرق) بالتحريك مصدر حرق بالنار، إنما استعاذ ﷺ من الهدم والتردي والغرق والحرق، لأن ذلك يكون بغتة، وقد يكون الإنسان في ذلك الوقت غير مقرر أموره بالوصية فيما يكون محتاج الوصية فيه وبإخراج ما يجب إخراجه ركونًا منه على ما هو فيه من الصحة والعافية، وقد لا يتمكن عند حدوث هذه الأمور من أن يتكلم بكلمة الشهادة لما يفجأه من الفزع ويدهمه من الخوف. قال التوربشتي: إنما استعاذ من هذه البليات مع ما وعد عليها من الشهادة لأنها محن مجهدة مقلقة لا يكاد واحد يصبر عليها ويثبت عندها أو يذكر عند حلولها شيئًا مما يجب عليه في وقته ذلك، وربما ينتهض الشيطان عنه فرصة لم يكن لينال منه في غيرها من الأحوال، أي فيحمله على ما يضر بدينه، ثم إنها تفجأ عليه فتتضمن الأسباب التي ذكرناها في موت الفجاءة. وقال الطيبي: استعاذ منها مع ما فيها من نيل الشهادة لأنها في الظاهر مصائب ومحن وبلايا كالأمراض السابقة المستعاذ منها، وأما ترتب ثواب الشهادة عليها فللبناء على أن الله تعالى يثيب المؤمن على المصائب كلها حتى الشوكة يشاكها ومع ذلك فالعافية أوسع، ولأن الفرق بين الشهادة الحقيقية وبين هذه الشهادة أن الشهادة الحقيقية متمنى كل مؤمن ومطلوبة وقد يجب عليه توخي الشهادة والتحري لها والتجرؤ فيها بخلاف التردي والحرق والغرق ونحوها فإنه يجب التحرير عنها ولو سعى فيها عصى. وقيل: في الحقيقة الاستعاذة ترجع إلى وقوعها من حيث الإخلال بالدين والاستعاذة من المحن والمصائب كلها إنما هي من حيث احتمال الجزع والشكوى مع كونها سببًا للكفارة من الذنوب ورفع الدرجات (وأعوذ بك من أن يتخبطني الشيطان) أي يصرعني ويلعب بي ويفسد ديني وعقلي (عند الموت) بنزغاته التي تزل الأقدام وتصارع العقول والأحلام،
стр. 3740
وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ فِي سَبِيلِكَ مُدْبِرًا وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَمُوتَ لَدِيغًا. رواه أبو داود، والنسائي. وزاد في رواية أخرى: والغم.
٢٤٩٨- (١٨) وعَنْ مُعَاذِ عن النبي ﷺ قَالَ: اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ طَمَعٍ يَهْدِي
ــ
والأصل في التخبط أن يضرب البعير الشيء بخف يده فيسقط وقال الجزري: من تخبطه الشيطان إذا صرعه ولعب به، والخبط باليدين كالرمح بالرجلين. وقال الشوكاني: أي يفتنه ويغلبه على أمره ويحسن له ما هو قبيح ويقبح له ما هو حسن ويناله بشيء من المس كالصرع والجنون ولما قيده بالتخبط عند الموت كان أظهر المعاني فيه هو أن يغويه ويوسوس له ويلهيه عن التثبت بالشهادة والإقرار بالتوحيد. وقال الخطابي: هو أن يستولي عليه الشيطان عند مفارقته الدنيا فيضله ويحول بينه وبين التوبة أو يعوقه عن إصلاح شأنه والخروج من مظلمة تكون قبله أو يؤيسه من رحمة الله أو يكره الموت ويؤسفه على حياة الدنيا فلا يرضى بما قضاه الله عليه من الفناء والنقلة إلى الدار الآخرة فيختم له بالسوء ويلقى الله وهو ساخط عليه (وأعوذ بك من أن أموت في سبيلك مدبرًا) ، أي عن الحق أو عن قتال الكفار حيث حرم الفرار، وقال في الحرز: أي فارًا من الزحف أو تاركًا للطاعة مرتكبًا للمعصية أو رجوعًا إلى الدنيا بعد الإقبال على العقبى أو اختيارًا للغفلة والهوى إلى سوى حضور المولى. قيل: هذا وأمثال ذلك تعليم للأمة وإلا فرسول الله ﷺ لا يجوز عليه الخبط والفرار من الزحف ونحوهما. والأظهر أن هذا كله تحدث بنعمة الله وطلب الثبات عليها والتلذذ بذكرها المتضمن بشكرها الموجب لمزيد النعمة المقتضي لإزالة النقمة - انتهى. قلت: وقع عند أحمد وكذا في رواية للنسائي ((وأن أقتل في سبيلك مدبرًا)) وهذا يرجح بل يعين المراد من الإدبار في رواية الكتاب وهو الفرار من الزحف في قتال الكفار (وأعوذ بك من أن أموت لديغًا) فعيل بمعنى مفعول من اللدغ وهو يستعمل في ذوات السم من الحية والعقرب ونحوهما، والاستعاذة مختصة بأن يموت عقيب اللدغ فيكون من قبيل فجاءة الموت. قال الشوكاني: استعاذ النبي ﷺ من أن يموت لديغًا لأنه قد يموت بذلك فجاءة فلا يقدر على التثبت وقد يتراخى موته فيشتغل بهذا الألم الشديد عن أن يتخلص بما يجب عليه التخلص عنه. وقال التوربشتي: موت اللديغ مشابه في المعنى لأسباب الهلاك التي ذكرناها قبل (رواه أبو داود) في أواخر الصلاة، (والنسائي) في الاستعاذة، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٣: ص٤٢٧) ، والحاكم (ج١: ص٥٣٠) ، (وزاد) أي النسائي (في رواية أخرى ((والغم)) ) ، أي كلمة الغم، وكذا زادها أحمد والحاكم، والحديث سكت عنه أبو داود والمنذري وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
٢٤٩٨- قوله (استعيذوا بالله من طمع) بفتح الطاء المهملة والميم، أي حرص شديد. وقال القاري: هو نوع النفس إلى الشيء شهوة له (يهدى) بفتح أوله، أي يدل أو يؤدي أو يدني ويقرب ويوصل أو يجر. قال الطيبي: الهداية
стр. 3741
إِلَى طَبْعٍ. رواه أحمد، والبيهقي في الدعوات الكبير.
٢٤٩٩- (١٩) وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ
ــ
الإرشاد إلى الشيء والدلالة إليه، ثم اتسع فيه فاستعمل بمعنى الإدناء من الشيء والإيصال إليه قال القاري: الأظهر أن الهداية هنا بمعنى الدلالة وهي متعد تارة بنفسه كاهدنا الصراط المستقيم وتارة باللام كقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (١٧: ٩) وتارة بإلى كقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (٤٢: ٥٢) فلا حاجة إلى استعمالها بمعنى الإدناء والإيصال (إلى طبع) بفتح الطاء والموحدة، أي عيب وشين وأصله الدنس الذي يعرض السيف، وكانوا يرون أن الطبع هو الرين قال مجاهد: الرين أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال. ثم استعمل الطبع فيما يشبه الوسخ في الدنس من الآثام والأوزار وغير ذلك من العيوب والمقابح المعنوية، والمعنى تعوذوا بالله من طمع يسوقكم وبدلكم إلى ما يشينكم في الدين ويزري بكم في المروءة من المقابح كالمذلة للسفلة والتواضع لأرباب الدنيا وإظهار السمعة والرياء وغير ذلك مما يترتب على الطمع، لذا قيل الطمع فساد الدين والورع صلاحه. وللحديث عند أحمد والطبراني تتمة وهي ((ومن طمع يهدي إلى غير مطمع)) ، (أي إلى تأميل ما يبعد حصوله والتعليق به، قال في المصباح: ومن كلامهم ((فلان طمع في غير مطمع)) إذا أمل ما يبعد حصوله) ((ومن طمع حيث لا مطمع)) ، (أي ومن طمع شيء لا مطمع فيه بالكلية لتعذره حسًا أو شرعًا، وهذه الثالثة أحط مراتب الدناءة في مطمع وأقبحها فإن حيث للتعميم في الأمكنة والأزمنة والأحوال، أي حيث لا يمكن حصوله في مكان أصلاً ولا في زمان أصلاً ولا في حال أصلاً فهو محال فهو أشد ذمًا ودناءة مما قبله) (رواه أحمد) (ج٥: ص٢٣٢، ٢٤٧) (والبيهقي في الدعوات الكبير) ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠: ص١٤٤) مطولاً وقال: رواه الطبراني (في الكبير) ، وأحمد والبزار بنحوه وفيه عبد الله بن عامر الأسلمي وهو ضعيف. قلت: وأخرجه أيضًا الحاكم (ج١: ص٥٣٣) بنحوه وفي إسناده عبد الله بن عامر الأسلمي. وقال الحاكم: هذا حديث مستقيم الإسناد ووافقه الذهبي. قلت: عبد الله بن عامر هذا من رجال ابن ماجة، قال الحافظ: عنه في التقريب، ضعيف. قلت: قد ضعفه أحمد، وأبو زرعة، والنسائي، وأبو داود، وابن معين، والدارقطني. وقال أبو حاتم: متروك. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوى عندهم. وقال البخاري: يتكلمون في حفظه. وقال أيضًا: ذاهب الحديث. وقال ابن سعد: كان قارئًا للقران وكان يقوم بأهل المدينة في رمضان، وكان كثير الحديث استضعف. وقال ابن عدي: كان عزيز الحديث لا يتابع في بعض حديثه وهو ممن يكتب حديثه. وذكره البرقي في ((باب من غلب عليه الضعف)) .
٢٤٩٩- قوله (استعيذي بالله من شر هذا) ، أي هذا القمر (فإن هذا هو الغاسق إذا وقب) ، قال المجد: في القاموس الغسق محركة ظلمة أول الليل وغسق الليل كضرب غسقًا اشتدت ظلمته والغاسق القمر أو الليل إذا غاب
стр. 3742
رواه الترمذي.
ــ
الشفق، وقال في مادة ((وقب)) وقب الظلام دخل والشمس وقبا ووقوبًا غابت والقمر دخل في الخسوف ومنه غاسق إذا وقب. - انتهى. وقال القاضي: الغاسق الليل إذا غاب الشفق واعتكر ظلامه من غسق يغسق إذا أظلم وأطلق ها هنا على القمر لأنه يظلم ووقوبه دخوله في الكسوف واسوداده. قال الطيبي: وإنما استعاذ من كسوفه لأنه من آيات الله الدالة على حدوث بلية ونزول نازلة كما قال ﵊ ولكن يخوف الله به عباده ولأن اسم الإشارة في الحديث كوضع اليد في التعيين وتوسيط ضمير الفصل بينه وبين الخبر المعروف يدل على أن المشار إليه هو القمر لا غير وتفسير الغاسق بالليل يأباه سياق الحديث كل الإباء ولأن دخول الليل نعمة من نعم الله تعالى ومن الله تعالى على عباده في كثير من الآيات، قال تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ (١٠: ٦٧، ٤٠: ٦١) قال القاري: قد يرد مثل هذا ادعاء وإرادة للمبالغة وقصدًا للتخصيص إيماء إلى أنه أعظم أفراد نوعه وبه يدفع قوله وتفسير الغاسق بالليل يأباه سياق الحديث. قال: ولا يشك أحد أن دخول الليل نعمة ولكن لا يلزم من كونه نعمة أنه لا يتضمن نقمة، ولذا قال تعالى في صدر السورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِن * شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ (١١٣: ١، ٢) تعميمًا ثم قال ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ (١١٣: ٣) إلخ. تخصيصًا - انتهى كلام القاري مختصرًا. وقال الخازن: في تفسيره بعد ذكر حديث عائشة هذا ما لفظه: فعلى هذا الحديث المراد به القمر إذا خسف وأسود. ومعنى وقب دخل في الخسوف أو أخذ في الغيبوبة. وقيل سمي لأنه إذا خسف اسود وذهب ضوءه. وقيل إذا وقب دخل في المحاق وهو آخر الشهر وفي ذلك الوقت يتم السحر المورث للتمريض وهذا مناسب لسبب نزول هذه السورة. وقال ابن عباس (وإليه ذهب جمهور المفسرين) الغاسق الليل إذا وقب، أي أقبل بظلمته من المشرق، وقيل سمي الليل غاسقًا لأنه أبرد من النهار والغسق البرد وإنما أمر بالتعوذ من الليل لأن فيها تنتشر الآفات ويقل الغوث وفيه يتم السحر. وقيل: الغاسق الثريا إذا سقطت وغابت، وقيل إن الأسقام تكثر عند وقوعها وترتفع عند طلوعها فلهذا أمر بالتعوذ من الثريا عند سقوطها - انتهى. وقال ابن جرير في تفسيره: ولأولى الأقوال في ذلك عندي أن يقال أن الله أمر نبيه ﷺ أن يستعيذ من شر غاسق وهو الذي يظلم، يقال قد غسق الليل يغسق غسوقًا إذا أظلم، إذا وقب يعني إذا دخل في ظلامه، والليل إذا دخل في ظلامه غاسق والنجم إذا أفل غاسق والقمر غاسق إذا وقب، ولم يخصص بعد ذلك بل عم الأمر بذلك فكل غاسق فإنه ﷺ كان يؤمر بالاستعاذة من شره إذا وقب - انتهى. وارجع لمزيد الكلام في ذلك إلى التفسير القيم (ص٥٥٧،٥٦٠) (رواه الترمذي) ، في تفسير سورة المعوذتين وقال هذا حديث حسن صحيح وأخرجه أيضًا أحمد (ج٦: ص ٦١، ٢٠٦، ٢١٥، ٢٣٧، ٢٥٢) ، والنسائي في التفسير من سننه الكبرى وفي عمل اليوم والليلة، والبغوي (ج٥: ص١٦٧) ، وابن جرير في تفسيره، وابن المنذر، وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم (ج٢: ص٥٤٠، ٥٤١) ، وابن مردويه، وابن السني (ص٢٠٩) ، وحسنه الحافظ وتعجب من تضعيف النووي له في فتاويه مع قول الترمذي فيه: أنه حديث حسن صحيح، وكذا صححه الحاكم ووافقه الذهبي ورجاله رجال الصحيح إلا الحارث بن عبد الرحمن
стр. 3743
٢٥٠٠- (٢٠) وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي: يَا حُصَيْنُ كَمْ تَعْبُدُ الْيَوْمَ إِلَهًا قَالَ. أَبِي: سَبْعَةً سِتًّا فِي الْأَرْضِ وَوَاحِدًا فِي السَّمَاءِ قَالَ: فَأَيُّهُمْ تَعُدُّ لِرَغْبَتِكَ وَرَهْبَتِكَ. قَالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ. قَالَ: يَا حُصَيْنُ أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَسْلَمْتَ عَلَّمْتُكَ كَلِمَتَيْنِ تَنْفَعَانِكَ. قَالَ فَلَمَّا أَسْلَمَ حُصَيْنٌ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ
ــ
الراوي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة فقال علي بن المديني فيه: مجهول، ما روى عنه إلا ابن أبي ذئب، وخالفه يحيى بن معين فقال: مشهور. وقواه أحمد والنسائي فقالا: لا بأس به، وقد روى عنه أيضًا محمد بن إسحاق حديثًا آخر، وأقل درجاته أن يكون حديثًا حسنًا كذا في هامش شرح السنة.
٢٥٠٠- قوله (وعن عمران بن حصين) بالتصغير ابن عبيد بن خلف الخزاعي (لأبي) ، أي لوالدي حصين حال كفره. قلت: واختلف في إسلام حصين كما قال الحافظ: في الإصابة، وابن الأثير في أسد الغابة، والصحيح أنه أسلم فحديث عمران هذا نص في إسلامه، وكذا ما رواه أحمد، والنسائي. قال الحافظ: بإسناد صحيح والحاكم. وصححه وأقره الذهبي عن ربعي عن عمران بن حصين أن حصينًا أتى النبي ﷺ قبل أن يسلم - الحديث. وفيه ((ثم إن حصينًا أسلم)) ورواه النسائي من وجه آخر عن ربعي وفيه ((فانطلق ولم يكن أسلم ثم أسلم فقال يا رسول الله فما أقول الآن حين أسلمت)) ؟ الحديث. وفي رواية للنسائي ((فما أقول الآن وأنا مسلم)) ؟ قال الحافظ: وسنده صحيح من الطريقين ثم ذكر من حديث عمران بن حصين أيضًا عند ابن السكن والطبراني أنه قال: أتى أبي حصين بن عبيد إلى النبي ﷺ فقال يا محمد - الحديث. وفيه ((قال: فما مضت عشرون ليلة حتى مات مشركًا)) قال الطبراني بعد ذكره: الصحيح أن حصينًا أسلم)) ثم ذكر الحافظ من رواية ابن خزيمة عن عمران قصة طويلة وفيها ((فلم يقم أي حصين حتى أسلم فقام إليه عمران فقبل رأسه)) إلخ. (يا حصين كم تعبد اليوم) اللام للمعهود الحاضري نحو قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٥: ٣) (إلهًا) قال ابن حجر المكي الهيتمي: هو تمييز لكم الاستفهامية ولا يضره الفصل لأنه غير أجنبي (قال أبي سبعة) ، أي أعبد سبعة من الآلهة (ستًا) كذا في جميع النسخ: والذي عند الترمذي ستة وهكذا ذكره الجزري في جامع الأصول (ج٥: ص١١٦) وفي أسد الغابة (ج٦ ص٢٥) بسنده إلى الترمذي وهكذا نقله في جمع الفوائد (ج٢: ص٦٦١) (في الأرض وواحدًا في السماء) ، أي ستة آلهة في الأرض وإلهًا واحدًا في السماء (فأيهم) بضم الياء (تعد) بفتح التاء وضم العين، أي تعده إلهًا (لرغبتك ورهبتك) قال القاري: وفي نسخة يعني من المشكاة بضم أوله وكسر ثانيه، أي تهيئه لنفعك حين ترجو وتخاف. قال الطيبي: الفاء جزاء شرط محذوف، أي إذا كان كذلك فأيهم تخصه وتلتجئ إليه إذا أنابتك نائبة (أما) بالتخفيف للتنبيه (إنك) بكسر الهمزة (لو أسلمت علمتك كلمتين) ، أي دعوتين (تنفعانك) ، أي في الدارين، قال ابن جحر:
стр. 3744
عَلِّمْنِيَ الْكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَعَدْتَنِي. فَقَالَ: قُلْ اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي
٢٥٠١- (٢١) عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِذَا فَزِعَ أَحَدُكُمْ فِي النَّوْمِ فَلْيَقُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّة مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ
ــ
هذا من باب الإغراء على الشيء بذكر ما يحمل عليه (علمني الكلمتين اللتين وعدتني) ، أي بتعليمهما (اللهم ألهمني رشدي) بضم فسكون وبفتحتين وهما لغتان، وقرئ بهما ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ (١٨: ٦٦) وقال في القاموس: رشد كنصر وفرح رشدًا ورشدًا ورشاد اهتدى والرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه - انتهى. قال القاري: أي: وفقني إلى الرشد وهو الاهتداء إلى الصلاح (وأعذني من شر نفسي) بفتح كسر عين أمر من الإعاذة أي: أجرني واحفظني من شرها فإنها منبع الفساد. قال الشوكاني: وهذا الحديث من جوامع الكلم النبوية لأن طلب إلهام الرشد يكون به السلامة من كل ضلال والاستعاذة من شر النفس يكون بالسلامة من غالب معاصي الله سبحانه فإن أكثرها من جهة النفس الأمارة بالسوء (رواه الترمذي) في الدعوات وقال: هذا حديث حسن غريب، وقد روى هذا الحديث عن عمران بن حصين من غير هذا الوجه. قلت: وأخرجه البخاري في التاريخ (١/٢/٢) مختصرًا، ورواه ابن الأثير الجزري في أسد الغابة بسند إلى الترمذي مطولاً، وفي سنده شيب بن شيبة بن عبد الله المنقري التميمي البصري الخطيب البليغ. قال الحافظ: صدوق يهم في الحديث، وأخرج أحمد، والنسائي، وابن حبان، والحاكم وصححا من حديث حصين والد عمران في قصة إسلامه وتعليمه النبي ﷺ الدعاء بلفظ: ((اللهم قني شر نفسي واعزم لي على أرشد أمري، اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت وما أخطأت وما عمدت وما علمت وما جهلت)) .
٢٥٠١- قوله: (إذا فزع) بكسر الزاي أي: خاف (في النوم) أي: في حال النوم أو عند إرادته (أعوذ بكلمات الله التامة) كذا في بعض النسخ بلفظ الإفراد والمراد به الجماعة وهكذا وقع عند الترمذي، وأبي داود وكذا نقله في الأذكار، والحصن، وتحفة الذاكرين، ووقع في بعض نسخ المشكاة ((التامات)) بلفظ الجمع وهكذا وقع عند الحاكم وكذا نقله في الترغيب، ومختصر السنن، والمراد من التامة الكاملة الشاملة الفاضلة وهي أسماءه وصفاته وآيات كتبه (وعقابه) أي: عذابه (وشر عباده) من الظلم والمعصية ونحوهما وهو أخص من ((شر خلقه)) (ومن همزات الشياطين) جمع همزة وهي النخس والغمز وكل شيء دفعته فقد همزته أي: نزغاتهم وخطراتهم ودسائسهم وإلقائهم الفتنة والعقائد الفاسدة في القلب وهو تخصيص بعد تعميم (وأن يحضرون) بحذف الياء وإبقاء الكسرة دليلاً عليها قاله القاري. وقال الشوكاني:
стр. 3745
فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يُعَلِّمُهَا مَنْ بَلَغَ مِنْ وَلَدِهِ وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهُمْ كَتَبَهَا فِي صَكٍّ ثُمَّ عَلَّقَهَا فِي عُنُقِهِ
ــ
بكسر النون وأصله يحضرونني فحذفت النون الأولى لدخول الناصب عليها وحذفت الياء تخفيفًا وبقيت نون الوقاية مكسورة لتدل على الياء المحذوفة أي: ومن أن يحضروني في أموري كالصلاة وقراءة القرآن وغير ذلك لأنهم إنما يحضرون بسوء (فإنها) أي: الهمزات (لن تضروه) أي: إذا دعا بهذا الدعاء وفيه دليل على أن الفزع إنما هو من الشيطان (وكان عبد الله بن عمرو) بالواو (يعلمها) أي: هذه الكلمات، وفي بعض نسخ الترمذي يلقنها من التلقين (من بلغ من ولده) أي: ليتعوذ به (في صك) الصك بفتح الصاد وتشديد الكاف، ما يكتب فيه من الورقة ونحوها (ثم علقها) أي: علق الورقة التي هي فيها (في عنقه) أي: في رقبة ولده الذي لم يبلغ، وفي رواية أبي داود ((وكان عبد الله عمرو يعلمهن من عقل من بنيه ومن لم يعقل كتبه فأعلقه عليه، وفي رواية أحمد ((فكان يعلمها من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه، ومن كان منهم صغيرًا لا يعقل أن يحفظها كتبها له فعلقها في عنقه)) . ولابن السني ((كان يعلمها من أطاق الكلام من ولده ومن لم يطق كتبها فعلقها عليه)) . وفيه دليل على جواز تعليق التعويذات التي فيها أسماء الله تعالى على الصغار. قال في اللمعات: هذا هو السند فيما يعلق في أعناق الصبيان من التعويذات، وفيه كلام. وأما تعليق الحرز والتمائم مما كان من رسوم الجاهلية فحرام بلا خلاف - انتهى. قلت: اختلف العلماء في تعليق التمائم التي فيها أسماء الله وصفاته وآيات القرآن والأدعية المأثورة قال العلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص١٢٧) : اعلم أن العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم اختلفوا في جواز تعليق التمائم التي من القرآن وأسماء الله تعالى وصفاته فقالت طائفة: يجوز ذلك وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص وهو ظاهر ما روى عن عائشة، وبه قال أبو جعفر الباقر وأحمد في رواية وحملوا الحديث، (يعني حديث ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الرقى والتولة والتمائم شرك. رواه أبو داود، وابن ماجة، وابن حبان، والحاكم، وقال صحيح وأقره الذهبي) على التمائم التي فيها شرك (والقرينة على هذا الحمل اقتران التمائم بالرقى، ومن المعلوم أن المراد من الرقى ها هنا هي التي فيها شرك) ، وقالت طائفة لا يجوز ذلك، وبه قال ابن مسعود وابن عباس وهو ظاهر قول حذيفة وعقبة ابن عامر وابن عكيم، وبه قال جماعة من التابعين منهم أصحاب ابن مسعود وأحمد في رواية اختارها كثير من أصحابه وجزم بها المتأخرون واحتجوا بهذا الحديث وما في معناه (كحديث عقبة بن عامر عن ابن حبان، وحديث عبد الله بن عكيم عند أحمد والترمذي وأبي داود والحاكم) قلت: (قائله الشيخ عبد الرحمن بن حسن مؤلف فتح المجيد) هذا هو الصحيح لوجوه ثلاثة تظهر للمتأمل الأول عموم النهي ولا مخصص للعموم الثاني سد الزريعة فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك، الثالث أنه إذا علق فلا بد أن يمتهنه المعلق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك انتهى. قلت: وزاد بعضهم وجهًا
стр. 3746
رَوَاهُ أَبُو دَاود، والتِرْمذي وهذَا لفْظُه.
ــ
رابعًا وهو إن فعل ذلك استهزاء بآيات الله ومناقضة لما جاءت به فإن الله أنزل القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان وشفاء لما في الصدور ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا وإنه لتذكرة للمتقين ولم ينزل القرآن ليتخذ حجبًا وتمائم ولا ليتلاعب به المتأكلون به الذين يشترون به ثمنًا قليلاً والذين يقرؤنه على المقابر وأمثال ذلك مما ذهب بحرمة القرآن وجرأ رؤساء المسلمين على ترك الحكم به. وأجاب هؤلاء عن حديث عبد الله بن عمرو أولاً بأنه ضعيف وإن حسنه الترمذي، وصححه الحاكم وذلك لأن في سنده محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن. وثانيًا بأنه لو فرضنا صحته فليس فيه أيضًا حجة لأنه ليس فيه الرسول ﷺ رأى ذلك وأقره. وثالثًا بأنه عمل فردي من عبد الله بن عمرو لا يترك به حديث رسول الله ﷺ وعمل كبار الصحابة الذين لم يعملوا مثل عبد الله بن عمرو ﵃، قال الوشاكاني في تحفة الذاكرين (ص ٨٩) في شرح حديث عبد الله بن عمرو هذا: قد ورد ما يدل على عدم جواز التمائم فلا تقوم بفعل عبد الله بن عمرو حجة - انتهى. ورابعًا: بأن غاية ما يدل عليه فعل عبد الله بن عمرو الصحابي هو جواز تعليق التمائم على الصغار الذين لا يعقلون ولا يقدرون على حفظ كلمات التميمة والذين ذهبوا إلى جواز التعليق أباحوه مطلقًا، أي لم يخصوه بالصغار بل توسعوا فيه عملاً للكبار والرجال والنساء حتى الكفرة الفجرة والفسقة أيضًا ولا يخفى ما في ذلك من القبائح. قال العلامة الشيخ أبو الطيب صديق بن حسن القنوجي البوفالي في ((الدين الخالص)) بعد نقل الوجوه الثلاثة المذكورة في فتح المجيد ما لفظه: الوجه الثالث لمنع التعليق ضعيف جدًا لأنه لا مانع من نزع التمائم عند قضاء الحاجة ونحوها لساعة ثم يعلقها، والراجح في الباب أن ترك التعليق أفضل في كل حال بالنسبة إلى التعليق الذي جوزه بعض أهل العلم بناء على أن يكون بما ثبت لا بما لم يثبت لأن التقوى له مراتب وكذا الإخلاص وفوق كل رتبة في الدين رتبة أخرى والمحصلون لها أقل ولهذا ورد في الحديث في حق السبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب أنهم هم الذين لا يرقون ولا يسترقون مع أن الرقى جائزة وردت بها الأخبار والآثار والله أعلم بالصواب. والمتقي من يترك ما ليس به بأس خوفًا مما به بأس - انتهى. كلامه. قلت: والأحوط عندي هو ترك التعليق وجوبًا لا ندبًا فقط سدًا للباب وقطعًا للذريعة والله تعالى أعلم (رواه أبو داود) في الطب، (والترمذي) في الدعوات، (وهذا) أي المذكور (لفظه) ، أي لفظ الترمذي فرواه أبو داود بمعناه وكذا ابن أبي شيبة، وأحمد (ج٢: ص١٨١) ، والنسائي في عمل اليوم والليلة، والبيهقي في الأسماء والصفات، وابن عبد البر في التمهيد، وابن السني (ص٢٣٩) ، والحاكم (ج١: ص٥٤٨) وليس عنده تخصيصها بالنوم رواه جميعهم من طريق محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وقد سكت عنه أبو داود وحسنه الترمذي. وقال المنذري بعد نقل تحسين الترمذي (ج: ص٣٦٦) : وفي إسناده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه وعلى عمرو بن شعيب - انتهى. قلت: الحديث المرفوع روي أيضًا من غير طريق محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فقد روى أحمد (ج٤: ص٥٧، وج٦: ص٦) ، وابن السني (ص٢٠٦) ، والنسائي في اليوم والليلة من حديث
стр. 3747
٢٥٠٢- (٢٢) وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قَالَتْ الْجَنَّةُ: اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ اسْتَجَارَ مِنْ النَّارِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَتْ النَّارُ: اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنْ النَّارِ. رَوَاهُ التِرْمذي،
ــ
محمد بن يحيى بن حبان عن الوليد بن الوليد أنه قال: يا رسول الله إني أجد وحشة، قال: إذا أخذت مضجعك فقل. فذكر مثله وهذا منقطع. محمد لم يسمع من الوليد، وروى أيضًا النسائي، وابن السني، وابن عبد البر في التمهيد من طريق محمد بن يحيى بن حبان: أن خالد بن الوليد الحديث. وهذا أيضًا مرسل، وروى ابن السني (ص٢٣٦، ٢٣٧) من طريق سفيان عن محمد بن المنكدر قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فشكا إليه أهاويل يراها في النوم فقال: إذا أويت إلى فراشك فقل فذكر مثله. وهذا أيضًا مرسل، وقال مالك في الموطأ بلغني أن خالد بن الوليد قال لرسول الله ﷺ : إني أروع في منامي، فقال له رسول الله ﷺ قل. فذكر مثله. وروى الطبراني في الأوسط عن أبي أمامة قال: حدث خالد بن الوليد رسول الله ﷺ عن أهاويل يراها بالليل حالت بينه وبين صلاة الليل فقال رسول الله ﷺ : يا خالد ألا أعلمك كلمات تقولهن الحديث. وهذه الطرق يشد بعضها بعضًا وتدل بمجموعها على أن للحديث أصلاً قويًا والله أعلم. وأما اختلاف الروايات في أن القصة للوليد بن الوليد أو لأخيه خالد أو لرجل منهم فيدفع بأن القصة وقعت لهما جميعًا.
٢٥٠٢- قوله (من سأل الله الجنة) ، أي دخولها بصدق وإيقان وحسن نية بأن قال: اللهم إني أسالك الجنة أو قال اللهم أدخلني الجنة (ثلاث مرات) ، أي كرره في مجالس أو في مجلس بطريق الإلحاح على ما ثبت أنه من آداب الدعاء (قالت الجنة) ببيان الحال أو بلسان القال لقدرته تعالى على إنطاق الجمادات وهو الظاهر، وقيل: المراد أهل الجنة من الحور والولدان أو خزنتها (اللهم أدخله الجنة) ، أي دخولاً أوليًا أو لحوقًا آخريًا (ومن استجار) ، أي استحفظ (من النار) بأن قال اللهم أجرني من النار (قالت النار اللهم أجره) ، أي احفظه أو أنقذه (من النار) ، أي من دخوله أو خلوده فيها. قال الطيبي: وفي وضع الجنة والنار موضع ضمير المتكلم تجريد ونوع من الالتفات، ثم قال وقول الجنة والنار يجوز أن يكون حقيقة ولا بعد فيه كما في قوله تعالى: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ (٥٠: ٣٠) ويجوز أن يكون استعارة شبه استحقاق العبد بوعد الله ووعيده بالجنة والنار في تحققهما وثبوتهما بنطق الناطق كأن الجنة مشتاقة إليه سائلة داعية دخوله والنار نافرة منه داعية له بالبعد منها، فأطلق القول وأراد التحقق والثبوت، ويجوز أن يقدر مضاف، أي قال خزنتهما فالقول إذًا حقيقي. قال القاري: لكن الإسناد مجازي. قال ابن حجر: الحمل على لسان الحال وتقدير المضاف مخالف للقواعد المقررة أن كل ما ورد في الكتاب والسنة ولم يحل العقل حمله على ظاهره لم يصرف عنه إلا بدليل، ونطق الجمادات بالعرف واقع كتسبيح الحصى في يده ﷺ وحنين الجذع وغيره - انتهى. قلت: حمل القول على الحقيقة هو الظاهر الراجح ولا وجه للعدول عنه. وفي الحديث حث على كثرة سؤال الجنة والتعوذ من النار. (رواه الترمذي) .
стр. 3748
والنِسَائِّي.
(الفصل الثالث)
٢٥٠٣- (٢٣) وَعَنْ الْقَعْقَاعِ أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ قَالَ: لَوْلَا كَلِمَاتٌ أَقُولُهُنَّ لَجَعَلَتْنِي يَهُودُ حِمَارًا
ــ
في أواخر صفة الجنة، (والنسائي) في الاستعاذة وفي اليوم والليلة، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٣: ص١١٧، ١٤١، ١٥٥، ٢٦٢) ، وابن ماجة في آخر سننه، وابن حبان في كتاب الأدعية من صحيحه، والحاكم (ج١: ص٥٣٤، ٥٣٥) ، والبغوي (ج٥: ص١٦٥) والحديث رجال إسناده ثقات. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
٢٥٠٣- قوله (عن القعقاع) بقافين وعينين مهملتين أولاهما ساكنة، وابن حكيم الكناني المدني تابعي ثقة وثقه يحيى ابن سعيد، وأحمد، وابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات (أن كعب الأحبار) تقدم (ج١: ص٣٥٤) (لولا كلمات أقولهن) ، أي أدعو بهن (لجعلتني يهود) ، يمنع الصرف للعملية ووزن الفعل، أي من السحر (حمارًا) ، أي بليدًا أو ذليلاً والمعنى أنهم سحرة وقد أغضبهم إسلامي فلولا استعاذتي بالكلمات الآتية لتمكنوا مني وغلبوا علي وجعلوني بليدًا وأذلوني كالحمار فإنه مثل في الذلة. قال الباجي: يحتمل أن يريد - والله أعلم - لبلدتني وأضلتني عن رشدي حتى أكون كالحمار الذي لا يفقه شيئًا وبه يضرب المثل في البلادة - انتهى. وقال الطيبي: لعله أراد أن اليهود سحرته ولولا استعاذتي بهذه الكلمات لتمكنوا من أن يقلبوا حقيقتي لبغضهم إياي من حيث أني أسلمت أو لتمكنوا من إذلالي وتوهيني كالحمار فإنه مثل في الذلة قال القاري: وفيه أن قلب الحقائق ليس إلا لله كما قال تعالى: ﴿كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (٢: ٦٥) وقال ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٢٠: ٦٦) فهذا يدل على غاية سحرهم الذي أجمع عليه كيد السحرة في زمان فرعون الطامعين على مال فرعون وجاهه فلو كان في قدرتهم شيء أزيد من هذا لفعلوه في حق موسى ﵊ فإذا لم يقدروا في حقه فكيف يجوز أن يقدروا على سيد الخلق أن يقلبوا حقيقته. ولذا قال البيضاوي: والمراد بالسحر ما يستعان في تحصيله بالقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الإنسان وذلك لا يستتب إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس فإن التناسب شرط في التضام والتعاون وبهذا تميز الساحر عن النبي والولي، وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات والأدوية فتسميته سحرًا على التجوز - انتهى. فإذا كان ليس للشيطان أن يجعل نفسه حمارًا حقيقة فضلاً عن غيره فكيف للمتوسل إلى قربه أن يقلب الحقيقة. وأما قول صاحب المدارك: وللسحر حقيقة عند أهل السنة - كثرهم الله تعالى - وتخييل وتمويه عند المعتزلة - خذلهم الله - فمعناه أن السحر ثابت وحق لا أنه خيال فاسد كرؤية الأحوال شيئًا واحدًا شيئين وكتخيل الأشياء عند خلل الدماغ وحصول الأفكار الفاسدة لما يدل عليه الكتاب والسنة من قوله تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (٢: ١٠٢) وقوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ (٢: ١٠٢) ، أي علم السحر الذي يكون سببًا في التفريق بين الزوجين بأن يحدث الله عنده النشور والخلاف، وقوله : ﴿وَمِن
стр. 3749
فَقِيلَ لَهُ: وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمَ مِنْهُ وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ وَبِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى مَا عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ.
ــ
شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ (١١٣: ٤) كما هو مشهور في سحر اليهود له ﵊ وبهذا يتبين قول البغوي. والصحيح أن السحر عبارة عن التمويه والتخييل، والسحر وجوده حقيقة عند أهل السنة وعليه أكثر الأمم، حكي عن الشافعي أنه قال إن السحر يخبل ويمرض وقد يقتل حتى أوجب القصاص على من قتل به، وقيل إنه يؤثر في قلب الأعيان فيجعل الآدمي على صورة حمار ويجعل الحمار على صورة الكلب والأصح أنه تخييل. قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٢٠: ٦٦) لكنه يؤثر في الأبدان بالأمراض والموت والجنون - انتهى. ومما يدل على بطلان قلب الحقائق بعد إجماع أهل السنة والمعتزلة على خلافه أنه لم يقع مثل هذا أبدًا في الكون. ويدل على بطلانه النقل والعقل، ومما يذكر من بعض الحكايات لإثبات ذلك فهي مجرد حكاية فاسدة مما يستمرها الناس ويحكونها في بيوت القهوة وتجوز في عقول النساء وبعض الرجال ممن سخف عقله وسخف قلبه. انتهى كلام القاري بحذف واختصار يسير وارجع لمزيد الكلام في ذلك إلى تفسير سورة الفلق لابن القيم (فقيل له) ، أي لكعب (ما هن؟) ، أي تلك الكلمات (أعوذ بوجه الله) قال الباجي: قال القاضي أبو بكر: هو صفة من صفات الباري أمر ﷺ أن يتعوذ بها. وقال أبو الحسن المحاربي معناه: أعوذ بالله - انتهى. وقال الحافظ تحت ترجمة البخاري في صحيحه باب قول الله : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ (٢٨: ٨٨) قال ابن بطال: فيه دلالة على أن الله تعالى وجهًا من صفة ذاته وليس بجارحة ولا كالوجوه التي نشاهدها من المخلوقين كما نقول: أنه عالم ولا نقول إنه كالعلماء إلى آخر ما بسطه (العظيم الذي ليس شيء أعظم منه) ، أي ولا مساويًا لعظمته ولا قريبًا منها بل ولا عظمة لغيره لأن الكل عبيده ثم يحتمل أن يكون الموصول صفة للمضاف أو المضاف إليه والمؤدى واحد قاله القاري: (وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن) ، أي لا يتعداهن (بر) بفتح الموحدة وتشديد الراء، أي تقي (ولا فاجر) ، أي مائل عن الحق وإعادة لا لزيادة التأكيد، أي لا ينتهي علم أحد إلى ما يزيد عليها. قال الطيبي: قوله ((لا يجاوزهن)) إلخ يشعر بأن المراد بالكلمات علم الله الذي ينفد البحر قبل نفاده وأراد بقوله ((بر ولا فاجر)) الاستيعاب كما في قوله تعالى: ﴿لَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (٦: ٥٩) فإن تكرير حرف التأكيد للاستيعاب أو المراد بالكلمات القرآن لأن أحدًا من البر والفاجر لا يخرج عن وعده ووعيده بالثواب والعقاب (وبأسماء الله الحسنى) مؤنث الأحسن، وفي الموطأ بعده ((كلها)) قال الباجي: يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٧: ١٨٠) (مَا عَلِمْتُ منها) ، أي من الأسماء الحسنى (وما لم أعلم) ، أي منها ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ ، أي أنشأ وقدر (وذرأ) بالهمز، أي بث ونشر (وبرأ) ، أي أوجد الخلق مبرأ عن التفاوت فخلق كل عضو على
стр. 3750
رَوَاهُ مَالِك.
٢٥٠٤- (٢٤) عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: كَانَ أَبِي يَقُولُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ فَكُنْتُ أَقُولُهُنَّ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ عَمَّنْ أَخَذْتَ هَذَا؟ قُلْتُ: عَنْكَ. قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُهُنَّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ. رَوَاهُ النِسَائِّي، والتِرْمذي.
ــ
ما ينبغي ووضعه في موضعه. قال تعالى: ﴿مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ (٦٧: ٣) قال الزرقاني: قيل هما بمعنى خلق فذكرها لإفادة اتحاد معناهما، وقيل البرأ والذرأ يكون طبقة وجيلاً بعد جيل والخلق لا يلزم فيه ذلك (رواه مالك) في باب ما يؤمر به من التعوذ من كتاب الجامع ولم أجده عند غيره.
٢٥٠٤- قوله: (وعن مسلم بن أبي بكرة) بن الحارث الثقفي البصري صدوق من أوساط التابعين وثقه ابن حبان والعجلي، مات في حدود سنة تسعين (كان أبي) أي: أبو بكرة واسمه نفيع بن الحارث تقدم ترجمته (يقول في دبر الصلاة) أي: المكتوبة أو جنس الصلاة وهو يحتمل أن يكون آخرها وعقبها قبل السلام أو بعده وهو الأظهر قاله القاري. قلت: وقع عند النسائي، وأحمد في رواية بلفظ: ((في دبر كل صلاة)) أي: مكتوبة أو أعم من أن تكون فريضة أو نافلة والظاهر هو الأول وعليه حمله النسائي حيث ترجم لهذا الحديث باب التعوذ في دبر الصلاة وذكره أثناء أبواب ما يقول بعد تسليم الإمام (اللهم إني أعوذ بك من الكفر) أي: من أنواعه (والفقر) أي: الفقر الذي لا يصحبه خير ولا روع، ولذا ورد ((كاد الفقر أن يكون كفرًا)) رواه أبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الشعب عن أنس مرفوعًا وهو حديث ضعيف فيه يزيد الرقاشي وهو ضعيف متروك، قال الصغاني: وصح من قول أبي سعيد ومعناه أي: قارب أن يوقع في الكفر لأنه يحمل على عدم الرضاء بالقضاء وتسخط الرزق وذلك يجر إلى الكفر والعياذ بالله، وقال القاري: أي من فتنة الفقر أو فقر القلب المؤدي إلى كفران النعمة وفي اقترانه بالكفر إشارة إلى ما ورد كاد الفقر أن يكون كفرًا حيث لم يكن راضيًا بما قسم الله له وشاكرًا لما أنعم عليه وللترمذي، والحاكم: ((أعوذ بك من الهم والكسل)) بدل قوله: ((أعوذ بك من الكفر والفقر)) (أي بنُيّ) بضم الموحدة وفتح الياء المشددة والتصغير للشفقة (عمن أخذت هذا) أي هذا الدعاء وفيه إيماء إلى أن الأليق للسالك أن يدعوا بالدعوات المأثورة (قلت عنك) أي أخذته، وفيه تنبيه على أفضلية الإجازة في الأذكار والدعوات (قال) أي تنبيهًا له تحصيل السند إلى رسول الله ﷺ ، وزاد في رواية لأحمد والنسائي ((فالزمهن)) أي حاف على قراءة هذه الكلمات (إن رسول الله ﷺ كان يقولهن في دبر الصلاة) في القاموس الدبر بالضم وبضمتين نقيض القبل ومن كل شيء عقبه ومؤخره. (رواه النسائي) في الصلاة، وفي الاستعاذة، (والترمذي) في الدعوات، وأخرجه أيضًا الحاكم (ج١: ص٥٣٣) ، وابن أبي شيبة، وابن السني (ص٣٩) . وقال الترمذي: هذا حديث
следующие страницы →