Полный текст (4 545 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.
стр. 3991
فطاف سبعًا، فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم، فقرأ ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ فصلى ركعتين، فجعل المقام بينه وبين البيت. وفي رواية: أنه قرأ في الركعتين ﴿قل هو الله أحد﴾ و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾
ــ
الأسود في كل طوفة لحديث ابن عباس الآتي في باب الطواف: قال طاف النبي ﷺ بالبيت على بعيره كلما أتى الركن أشار إليه بشيء كان عنده وكبر. رواه البخاري. قال الألباني: وأما التسمية فلم أرها في حديث مرفوع، وإنما صح عن ابن عمر أنه كان إذا استلم الحجر قال: بسم الله والله أكبر. أخرجه البيهقي (ج ٥: ٧٩) وغيره بسند صحيح كما قال النووي والعسقلاني. ووهم ابن القيم فذكره من رواية الطبراني مرفوعًا، وإنما رواه موقوفًا كالبيهقي كما ذكر الحافظ في التلخيص – انتهى. (فطاف سبعًا) كذا في جميع النسخ من المشكاة، وهكذا وقع في المصابيح، وفي رواية مختصرة عند النسائي والترمذي وليس هو عند مسلم (فرمل) أي مشى بسرعة مع تقارب الخطى وهز كتفيه، وفي رواية لمسلم ((ثم مشى على يمينه فرمل)) (ثلاثًا) أي ثلاث مرات من الأشواط السبعة، زاد في رواية لأحمد ((حتى عاد إليه)) . (ومشى) أي على السكون والهينة (أربعًا) أي في أربع مرات وكان مضطبعًا في جميعها، والاضطباع أن يجعل وسط الرداء تحت منكبه الأيمن ويجعل طرفيه على عاتقه الأيسر ويكون منكبه الأيمن منكشفًا والأيسر مستورًا. قال النووي: في الحديث أن المحرم إذا دخل مكة قبل الوقوف بعرفات يسن له طواف القدوم وهو مجمع عليه، وفيه أن الطواف سبعة أشواط. وفيه أن السنة الرمل في الثلاث الأول ويمشي على عادته في الأربع الأخيرة (ثم تقدم) قال القاري: وفي نسخة صحيحة من نسخ مسلم (نفذ) بالنون والفاء والذال المعجمة، أي توجه، قلت: وكذا وقع في رواية لابن الجارود (إلى مقام إبراهيم) بفتح الميم أي موضع قيامه، وهو الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت، وفيه أثر قدميه، موضوع قبالة البيت (فقرأ: واتخذوا) بكسر الخاء على الأمر وبفتحها على الخبر (من مقام إبراهيم) أي بعض حواليه (مصلى) بالتنوين أي موضع صلاة الطواف (فصلى ركعتين) كذا في جميع النسخ الحاضرة عندنا، وهكذا وقع في المصابيح، وفي السنن للنسائي والترمذي، وليس هو عند مسلم، ووقع عند أحمد وابن الجارود ((حتى إذا فرغ)) أي من الطواف ((عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين)) (فجعل المقام بينه وبين البيت) أي صلى خلفه بيانًا للأفضل وإن جاز في أي موضع شاء (وفي رواية) وفي المصابيح ((ويروى)) وفي صحيح مسلم ((فكان أبي أي محمد بن علي بن الحسين يقول ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي ﷺ : كان يقرأ في الركعتين)) إلخ (أنه قرأ في الركعتين) أي بعد الفاتحة (قل هو الله أحد) أي إلى آخرها في إحداهما (وقل يا أيها الكافرون) أي بتمامها في الأخرى. والواو لمطلق الجمع فلا إشكال. قال الطيبي: كذا في صحيح مسلم وشرح السنة في إحدى الروايتين، وكان من الظاهر تقديم سورة الكافرون كما في رواية المصابيح. وقال النووي: معناه قرأ
стр. 3992
ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا، فرقى عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال: " لا إله إلا الله
ــ
في الركعة الأولى بعد الفاتحة ((قل يا أيها الكافرون)) وفي الثانية بعد الفاتحة ((قل هو الله أحد)) وقد ذكر البيهقي (ج ٥: ص ٩١) بإسناد صحيح على شرط مسلم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن النبي ﷺ طاف بالبيت فرمل من الحجر الأسود ثلاثًا ثم صلى ركعتين قرأ فيهما ((قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد)) كذا في المرقاة. قلت: وفي رواية للنسائي ((فصلى ركعتين)) فقرأ فاتحة الكتاب، وقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد)) ، وفي رواية للترمذي ((قرأ في ركعتي الطواف بسورتي الإخلاص: ((قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد)) وفي الحديث دليل لما أجمع عليه العلماء أنه ينبغي لكل طائف إذا فرغ من طوافه أن يصلي خلف المقام ركعتي الطواف، واختلفوا هل هما واجبتان أم سنتان؟ وسيأتي ذكر الخلاف في باب الطواف إن شاء الله (ثم رجع إلى الركن فاستلمه) قال النووي: فيه دلالة لما قاله الشافعي وغيره من العلماء أنه يستحب للطائف طواف القدوم إذا فرغ من الطواف وصلاته خلف المقام أن يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه ثم يخرج من باب الصفا ليسعى، واتفقوا على أن هذا الاستلام ليس بواجب وإنما هو سنة لو تركه لم يلزمه دم – انتهى. وعند الحنفية العود إلى الحجر إنما يستحب لمن أراد السعي بعده وإلا فلا، كما في البحر وغيره (ثم خرج من الباب) أي باب الصفا (إلى الصفا) أي إلى جانبه،قال في الهداية: إن خروجه ﵊ من باب الصفا لأنه كان أقرب الأبواب إلى الصفا لا أنه سنة. والصفا والمروة علمًا جبلين بمكة ومن مشاعرها (فلما دنا) أي قرب (قرأ: إن الصفا والمروة من شعائر الله) أي من أعلام مناسكه. قال القاري: جمع شعيرة وهي العلامة التي جعلت للطاعات المأمور بها في الحج عندها كالوقوف والرمي والطواف والسعي (أَبْدَأُ) بصيغة المتكلم أي وقال: أبدأ (بما بدأ الله به) يعني ابتدأ بالصفا لأن الله بدأ بذكره في كلامه، فالترتيب الذكري له اعتبار في الأمر الشرعي إما وجوبًا أو استحبابًا وإن كانت الواو لمطلق الجمع في الآية. قال السندي: هذا يفيد أن بداءة الله تعالى ذكرًا تقتضي البداءة عملاً، والظاهر أنه يقتضي ندب البداءة عملاً لا وجوبًا، والوجوب فيما نحن فيه من دليل آخر (فبدأ) أي في سعيه (فرقِي) بكسر القاف أي صعد (عليه) أي على جبل الصفا (حتى رأى البيت) أي إلى أن رآه (فاستقبل القبلة) وضع الظاهر موضع الضمير تنصيصًا على أن البيت قبلة وتنبيهًا على أن المقصود بالذات هو التوجه إلى القبلة لا خصوص رؤية البيت، قاله القاري. وقال في اللمعات: وكان إذ ذاك يرى من الصفا، والآن حجبها بناء الحرم (وقال لا إله إلا الله) قال الطيبي: إنه قول آخر غير التوحيد والتكبير، ويحتمل أن يكون كالتفسير له والبيان، والتكبير وإن لم يكن ملفوظًا به لكن معناه مستفاد من هذا
стр. 3993
وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ". ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل ومشى إلى المروة،
ــ
القول، أي لأن معنى التكبير التعظيم. قال القاري: والأظهر أنه قول آخر (وحده) حال مؤكدة أي منفردًا بالألوهية أو متوحدًا بالذات (لا شريك له) في الألوهية فيكون تأكيدًا، أو في الصفات فيكون تأسيسًا وهو الأولى (له الملك وله الحمد) زاد في رواية أبي داود والنسائي والدرامي وابن ماجه والبيهقي والشافعي ((يحيي ويميت)) (أنجز وعده) أي وفَّى بما وعده بإظهاره للدين (ونصر عبده) أي عبده الخاص نصرًا عزيزًا، وعند أحمد ((صدق عبده)) بدل ((نصر)) ومعنى تصديق الله تعالى لعبده تأييده بالمعجزات والله تعالى أعلم (وهزم) وفي رواية ((وغَلب)) (الأحزاب وحده) أي هزمهم بغير قتال من الآدميين ولا بسبب من جهتهم. قال تعالى ﴿فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها﴾ (٢٣: ٩) والمراد بالأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ يوم الخندق وكان ذلك في شوال سنة أربع من الهجرة، وقيل سنة خمس ويمكن أن يكون المراد بالأحزاب أنواع الكفار الذين تحزبوا لحرب رسول الله ﷺ وغُلبوا بالهزيمة والفرار (ثم) لمجرد الترتيب دون التراخي (دعا بين ذلك) أي بين مرات هذا الذكر بما شاء (قال مثل هذا) أي الذكر (ثلاث مرات) قال الطيبي: كلمة ((ثم)) تقتضي التراخي وأن يكون الدعاء بعد الذكر، ((وبين)) تقتضي التعدد والتوسط بين الذكر بأن يدعو بعد قوله ((على كل شيء قدير)) الدعاء، فتمحل من قال: لما فرغ من قوله ((وهزم الأحزاب وحده)) دعا بما شاء ثم قال مرةً أخرى هذا الذكر ثم دعا، حتى فعل ذلك ثلاثًا، فهذا إنما يستقيم على التقديم والتأخير بأن يذكر قوله ((ثم دعا بين ذلك)) بعد قوله ((قال مثل هذا ثلاث مرات)) وتكون ((ثم)) للتراخي في الإخبار لا تأخر زمان الدعاء عن الذكر، ويلزم أن يكون الدعاء مرتين – انتهى. وقال السندي: يقول الذكر ثلاث مرات ويدعو بعد كل مرة. قال النووي: قوله ((أبدأ بما بدأ الله به)) إلخ. في هذا أنواع من المناسك: منها أن السعي يُشترط فيه أن يبدأ من الصفا وبه قال الشافعي ومالك والجمهور. وقد ثبت في رواية النسائي هذا الحديث بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال: " ابدأوا بما بدأ الله به ". هكذا بصيغة الجمع. ومنها أنه ينبغي أن يرقى على الصفا والمروة، وفي هذا الرقي خلاف، قال جمهور أصحابنا: هو سنة ليس بشرط ولا واجب، فلو تركه صح سعيه لكن فاتته الفضيلة. قال أصحابنا: يستحب أن يرقى على الصفا والمروة حتى يرى البيت إن أمكنه. ومنها أنه يسن أن يقف على الصفا مستقبل الكعبة ويذكر الله تعالى بهذا الذكر المذكور ويدعو ويكرر الذكر والدعاء ثلاث مرات، هذا هو المشهور عند أصحابنا. وقال جماعة من أصحابنا يكرر الذكر ثلاثًا والدعاء مرتين فقط والصواب الأول – انتهى. (ثم نزل ومشى إلى المروة) كذا في جميع النسخ،
стр. 3994
حتى انصبت قدماه في بطن الوادي، ثم سعى حتى إذا صعدنا مشى، حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طواف على المروة، نادى وهو على المروة والناس تحته،
ــ
وهكذا في المصابيح، وفي مسلم ((ثم نزل إلى المروة)) وفي رواية النسائي ((ثم نزل ماشيًا)) أي إلى المروة (حتى انصبَّت) بتشديد الباء (قدماه) أي انحدرتا بالسهولة، ومنه ((إذا مشى كأنه ينحط في صبب)) أي موضع منحدر، وهو مجاز من قولهم ((صببت الماء فانصب)) أي سكبته فانسكب (في بطن الوادي) أي المسعى، وفي رواية للنسائي ((في بطن المسيل)) يعني انحدرتا بالسهولة حتى وصلتا إلى بطن الوادي، والمراد به المنخفض من (ثم سعى) وفي رواية لأحمد ((رمل)) يعني أسرع في المشي مع تقارب الخطى في بطن الوادي (حتى إذا صعِدتا) بكسر العين، أي ارتفعت قدماه عن بطن الوادي وخرجتا منه إلى طرفه الأعلى. قال الطيبي: معناه ارتفعتا عن بطن الوادي إلى المكان العالي لأنه في مقابلة ((انصبت قدماه)) أي دخلتا في الحدور (مشى) أي سار على السكون، يعني إذا بلغ المرتفع من الوادي مشى باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه. قال النووي: فيه استحباب السعي الشديد في بطن الوادي حتى يصعد ثم يمشي باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه، وهذا السعي مستحب في كل مرة من المرات السبع في هذا الموضع، والمشي مستحب فيما قبل الوادي وبعده، ولو مشى في الجميع أو سعى في الجميع أجزأه وفاتته الفضيلة، هذا مذهب الشافعي وموافقيه. وعن مالك فيمن ترك السعي الشديد في موضعه روايتان: إحداهما كما ذكر، والثانية تجب عليه إعادته – انتهى. وقال في اللباب: ويستحب أن يكون السعي بين الميلين فوق الرمل دون العدو، وهو في كل شوط، أي بخلاف الرمل في الطواف فإنه مختص بالثلاثة الأول خلافًا لمن جعله مثله، فلو تركه أو هرول في جميع السعي، فقد أساء ولا شيء عليه، وإن عجز عنه صبر حتى يجد فرجة، وإلا تشبه بالساعي في حركته، وإن كان على دابة حركها من غير أن يؤذي أحدًا – انتهى. (حتى أتى المروة) زاد في رواية أحمد ((فرقى عليها حتى نظر إلى البيت)) (ففعل على المروة كما فعل) أي مثل ما فعله (على الصفا) من الرقي واستقبال القبلة والذكر والدعاء. قال النووي: فيه أنه يسن عليها من الذكر والدعاء والرقي مثل ما يسن على الصفا، وهذا متفق عليه (حتى إذا كان) تامة أي وجد (آخر طواف) أي سعى (على المروة) متعلق بكان. وفي رواية لأحمد وابن الجارود ((فلما كان السابع عند المروة)) قال النووي: قوله ((حتى إذا كان آخر طواف على المروة)) فيه دلالة لمذهب الشافعي والجمهور أن الذهاب من الصفا إلى المروة يحسب مرة، والرجوع إلى الصفا ثانية، والرجوع إلى المروة ثالثة وهكذا فيكون ابتداء السبع من الصفا وآخرها بالمروة. وقال ابن بنت الشافعي وأبو بكر الصيرفي من أصحابنا يحسب الذهاب إلى المروة والرجوع إلى الصفا مرةً واحدة فيقع آخر السبع في الصفا، وهذا الحديث الصحيح يرد عليهما. وكذلك عمل المسلمين على تعاقب الأزمان، والله أعلم – انتهى. (نادى وهو على المروة والناس تحته) كذا في جميع النسخ
стр. 3995
فقال: " لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت، لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي، فليحل وليجعلها عمرة ".
ــ
الحاضرة عندنا، وهكذا في المصابيح، وليست هذه الجملة في صحيح مسلم (فقال) وفي بعض النسخ ((قال)) أي بدون الفاء، قال الطيبي: هو جواب إذا، قال القاري: وفي نسخة صحيحة أي من المشكاة ((فقال)) بزيادة الفاء، وأما ما في بعض النسخ ((نادى وهو على المروة والناس تحته فقال)) فلا أصل له، وزاد في رواية لأحمد وابن الجارود بعد قوله ((قال)) ((يا أيها الناس)) (لو أني استقبلت) أي لو علمت في قبل (من أمري ما استدبرت) أي ما علمته في دبر منه، والمعنى لو ظهر لي هذا الرأي الذي رأيته الآن لأمرتكم به في أول أمري وابتداء خروجي و (لم أسُق الهدي) بضم السين، يعني لما جعلت عليَّ هديًا وأشعرته وقلدته وسقته بين يدي، فإنه إذا ساق الهدي لا يحل حتى ينحر، ولا ينحر إلا يوم النحر، فلا يصح له فسخ الحج بعمرة بخلاف من لم يسق، إذ يجوز له فسخ الحج، وهذا صريح في أنه ﷺ لم يكن متمتعًا. قال الخطابي: إنما قال هذا استطابة لنفوس أصحابه لئلا يجدوا في أنفسهم أنه أمرهم بخلاف ما يفعله في نفسه. وقد يستدل بهذا الحديث من يجعل التمتع أفضل (وجعلتها) أي الحجة (عمرة) يعني كنت متمتعًا من أول الأمر من غير سوق الهدي، وقال القاري: أي جعلت إحرامي بالحج مصروفًا إلى العمرة كما أمرتكم به موافقة. قال ابن القيم في شرح قوله ﷺ ((لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت)) إلخ: يعني أنه لو كان هذا الوقت الذي تكلم فيه هو وقت إحرامه لكان أحرم بعمرة ولم يسق الهدي، لأن الذي استدبره هو الذي فعله ومضى فصار خلفه والذي استقبله هو الذي لم يفعله بعد، بل هو أمامه، فمقتضاه أنه لو كان كذلك لأحرم بالعمرة دون هدي. وقال الزرقاني في شرحه: أي لو عن لي هذا الرأي الذي رأيته آخر وأمرتكم به في أول أمري لما سقت الهدي، أي لما جعلت عليَّ هديًا وسقته بين يدي، فإن من ساقه لا يحل حتى ينحره وإنما ينحره يوم النحر، فلا يصح له فسخ الحج بعمرة، ومن لا هدي معه يجوز له فسخه – انتهى. قال النووي: وفي الحديث دليل على جواز قول ((لو)) في التأسف على فوات أمور الدين ومصالح الشرع، وأما الحديث الصحيح في أن ((لو)) تفتح عمل الشيطان، فمحمول على التأسف على حظوظ الدنيا ونحوها وقد كثرت الأحاديث الصحيحة في استعمال ((لو)) في غير حظوظ الدنيا ونحوها، فيجمع بين الأحاديث بما ذكرناه، والله أعلم (فمن كان منكم) الفاء جواب شرط محذوف، أي إذا كان الأمر ما ذكرت من أني سقت الهدي فمن كان منكم (ليس معه هدي) بإسكان الدال وكسرها وتشدد الياء مع الكسرة وتخفف مع الفتح، قاله النووي. (فليحل) بكسر الحاء، وفي رواية عند أحمد ((فليحْلل)) بسكون الحاء، أي ليصر حلالاً وليخرج من إحرامه بعد فراغه من أفعال العمرة (وليجعلها) أي الحجة (عمرة) إذ قد أبيح له ما حرم عليه بسبب الإحرام حتى يستأنف الإحرام للحج، والواو لمطلق الجمع إذ الجعل مقدم على الخروج، لأن المراد من الجعل
стр. 3996
فقام سراقة بن مالك بن جعشم، فقال: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم لأبد؟ فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: " دخلت العمرة في الحج. مرتين، لا بل لأبد أبد ".
ــ
الفسخ، وهو أن يفسخ نية الحج ويقطع أفعاله ويجعل إحرامه وأفعاله للعمرة، أو الواو للعطف التفسيري قاله القاري. وفي رواية عطاء عن جابر عند البخاري ومسلم ((فقال: أحلوا من إحرامكم)) (أي اجعلوا حجكم عمرة وتحللوا منها بالطواف والسعي) فطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة وقصروا وأقيموا حلالاً حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم بها متعة. قال الحافظ: أي اجعلوا الحجة المفردة التي أهللتم بها عمرة تتحللوا منها فتصيروا متمتعين، فأطلق على العمرة متعة مجازًا، والعلاقة بينهما ظاهرة – انتهى. (فقام سراقة بن مالك بن جعشم) زاد في رواية أحمد وابن الجارود ((وهو في أسفل المروة)) وسُرَاقة بضم السين وتخفيف الراء وقاف، وهو الكنانيّ المدلجيّ، وقد ينسب إلى جده، يكنى أبا سفيان، وهو الذي ساخت فرسه في قصة الهجرة، وأسلم يوم الفتح. قال أبو عمرو: مات في خلافة عثمان سنة أربع وعشرين، وقيل بعد عثمان. وجده جُعْشم بضم الجيم وسكون المهملة وضم المعجمة وفتحها لغة حكاها الجوهري (ألعامنا هذا أم لأبد؟) معناه هل جواز فسخ الحج إلى العمرة (كما هو الظاهر من سياق الحديث) أو الإتيان بالعمرة في أشهر الحج أو مع الحج يختص بهذه السنة أم للأبد؟ أي من الحال والاستقبال، وفي رواية للنسائي وابن ماجه والبيهقي ((أرأيت عمرتنا)) وفي لفظ ((متعتنا)) ألعامنا هذا أم للأبد؟ (واحدة في الأخرى) أي جعل واحدة من الأصابع في الأخرى، فواحدة منصوب بعامل مضمر والحال مؤكدة (وقال دخلت العمرة في الحج) زاد في رواية ابن الجارود وأحمد ((إلى يوم القيامة)) (مرتين) أي قالها مرتين (لا) أي ليس لعامنا هذا فقط (بل لأبد أبد) بإضافة الأول إلى الثاني، والأبد الدهر، أي هذا لآخر الدهر، أو بغير الإضافة وكرره للتأكيد، وزاد في رواية ابن الجارود وأحمد ((ثلاث مرات)) يعني أن ذلك جائز في كل عام لا يختص بعام دون آخر إلى يوم القيامة، وكرر ذلك ثلاثًا للتأكيد ((وشبك بين أصابعه)) إشارة إلى اشتراك كل الأعوام في ذلك بدون اختصاص أحدها، وقد اختلف العلماء في سؤال سراقة، فقال بعضهم المراد منه الإتيان بالعمرة في أشهر الحج. وذهب فريق إلى أن المراد بذلك القران، يعني اقتران الحج بالعمرة، وقال آخرون: المراد منه فسخ الحج إلى العمرة، فعلى الأول يكون معنى قوله ﷺ : ((دخلت العمرة في الحج)) أي حلت العمرة في أشهر الحج وصحت والمقصود إبطال ما زعمه أهل الجاهلية من أن العمرة لا تجوز في أشهر الحج وعليه الجمهور. وعلى الثاني دخلت العمرة في الحج أي اقترنت به لا تنفك عنه لمن نواها معًا، وتندرج أفعال العمرة في أفعال الحج حتى يتحلل منهما معًا. قيل: ويدل عليه تشبيك الأصابع، وفيه أنه حينئذٍ لا مناسبة بين السؤال والجواب فتدبر، وعلى الثالث أي دخلت نية العمرة في نية الحج بحيث أن من نوى الحج صح له الفراغ منه بالعمرة، قال النووي: وهو ضعيف. وقال القاري بعد ذكره:
стр. 3997
.............................................................
ــ
أقول هذا هو الظاهر من سياق الحديث وسباقه، والله تعالى أعلم. وقال الحافظ: وتعقب أي كلام النووي بأن سياق السؤال يقوي هذا التأويل، بل الظاهر أن السؤال وقع عن الفسخ، والجواب وقع عما هو أعم من ذلك حتى يتناول التأويلات الثلاثة المذكورة - انتهى. وقيل: معنى دخولها في الحج سقوط وجوب العمرة بوجوب الحج. قال النووي: وسياق الحديث يقتضي بطلان هذا التأويل. قلت: حديث جابر هذا صريح في أن سؤال سراقة عن فسخ الحج إلى العمرة وجواب النبي ﷺ له يدل على تأييد مشروعيته كما ترى، لأن الجواب مطابق للسؤال، ومعنى فسخ الحج إلى العمرة أن من أحرم بالحج مفردًا أو قارنًا ولم يسق الهدي وطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة قبل الوقوف بعرفة، له أن يفسخ نيته بالحج وينوي عمرة مفردة فيقصر ويحل من إحرامه ليصير متمتعًا، وقد اختلف العلماء في هذا الفسخ هل هو خاص بالصحابة تلك السنة خاصة أم باق ولغيرهم إلى يوم القيامة؟ فقال أحمد والظاهرية وعامة أهل الحديث: ليس خاصًا بل هو باق إلى يوم القيامة، فيجوز لكل من أحرم بحج مفردًا أو قارنًا وليس معه هدي أن يقلب إحرامه عمرة، ويتحلل بأعمالها. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السلف والخلف: هو مختص بهم في تلك السنة لا يجوز بعدها، وإنما أمروا به تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج، واستدل للجمهور بحديث أبي ذر عند مسلم: ((قال كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد ﷺ خاصة)) . وفي رواية قال: ((كانت لنا رخصة)) . يعني المتعة في الحج. ومراد أبي ذر بالمتعة المذكورة المتعة التي أمر النبي ﷺ بها أصحابه، وهي فسخ الحج إلى العمرة، واستدلوا على أن الفسخ المذكور هو مراد أبي ذر ﵁ بما رواه أبو داود بسنده أن أبا ذر كان يقول في من حج ثم فسخها بعمرة لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله ﷺ ، قالوا: فهذه الرواية فيها التصريح من أبي ذر بفسخ الحج في العمرة، وهي تفسر مراده بالمتعة في رواية مسلم. وضعفت رواية أبي داود هذه بأن في سنده محمد ابن إسحاق وهو مدلس، وقد رواه عن عبد الرحمن بن الأسود بالعنعنة، وعنعنة المدلس لا تقبل عند أهل الحديث حتى يصح السماع عن طريق أخرى. وأجيب عن تضعيف هذه الرواية بوجهين، الأول: أن مشهور مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة صحة الاحتجاج بالمرسل، ومعلوم أن من يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المدلس من باب أولى، والثاني: أن المقصود من رواية أبي داود المذكورة بيان المراد برواية مسلم، والبيان يقع بكل ما يزيل الإبهام ولو قرينة أو غيرها كما هو مقرر في الأصول، واستدل أيضًا للجمهور القائلين بأن الفسخ المذكور خاص بذلك الركب وتلك السنة بما رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والدارمي من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن الحارث بن بلال بن الحارث عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله ﷺ فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ قال: " بل لكم خاصة ". ورد المجوزون للفسخ استدلال الجمهور بالحديثين المذكورين من جهتين: الأولى: تضعيف الحديثين المذكورين، قالوا: حديث بلال بن الحارث فيه ابنه الحارث ابن بلال وهو مجهول. وقال أحمد: حديث بلال بن الحارث عندي ليس يثبت ولا
стр. 3998
.........................................................................
ــ
أقول به ولا يعرف هذا الرجل يعنى الحارث بن بلال. قال: وقد روى فسخ الحج إلى العمرة أحد عشر صحابيًا، أين يقع الحارث بن بلال منهم؟ قالوا: وحديث أبي ذر عند مسلم موقوف عليه وليس بمرفوع، وإذا كان الأول في سنده مجهول والثاني موقوفًا فيما هو مسرح للاجتهاد تبين عدم صلاحيتهما للاحتجاج، والثانية من جهتي رد الحديثين المذكورين هي أنهما معارضان بأقوى منهما وهو حديث جابر الذي نحن في شرحه وأجاب الجمهور عن تضعيف الحديثين المذكورين بأن حديث بلال المذكور سكت عليه أبو داود، ومعلوم من عادته أنه لا يسكت إلا عن حديث صالح للاحتجاج ولم يثبت في الحارث بن بلال جرح. وقد قال الحافظ في التقريب فيه: ((هو مقبول)) . قالوا: واعتضد حديثه بما رواه مسلم وأبو داود عن أبي ذر كما تقدم. وأما حديث أبي ذر فإن قلنا: إن الخصوصية التي ذكرها أبو ذر بذلك الركب مما لا مجال للرأي فيه فهو حديث صحيح له حكم الرفع، وقائله اطلع على زيادة علم خفيت على غيره، وإن قلنا: إنه مما للرأي فيه مجال وحكمنا بأنه موقوف على أبي ذر فصدق لهجة أبي ذر المعروف وتقاه وبعده من الكذب يدلنا على أنه ما جزم بالخصوصية المذكورة إلا وهو عارف صحة ذلك. قالوا: ورد حديث الحارث بن بلال بأنه مخالف لحديث جابر في سؤال سراقة المدلجى النبي ﷺ وإجابته له بقوله: " بل للأبد ". لا يستقم، لأنه لا معارضة بين الحديثين لإمكان الجمع بينهما، والمقرر في علم الأصول وعلم الحديث أنه إذا أمكن الجمع بين الحديثين وجب الجمع بينهما إجماعًا ولا يرد غير الأقوى منهما بالأقوى لأنهما صادقان وليسا بمتعارضين، وإنما أجمع أهل العلم على وجوب الجمع بين الدليلين إن أمكن، لأن إعمال الدليلين معًا أولى من إلغاء أحدهما كما لا يخفى، ووجه الجمع بين الحديثين المذكورين أن حديثي بلال بن الحارث المزني وأبي ذر ﵄ محمولان على أن معنى الخصوصية المذكورة التحتم والوجوب فتحتم فسخ الحج في العمرة ووجوبه خاص بذلك الركب لأمره ﷺ له بذلك، ولا ينافي ذلك بقاء جوازه ومشروعيته إلى أبد الأبد. وقوله في حديث جابر ((بل للأبد)) محمول على الجواز وبقاء المشروعية إلى الأبد فاتفق الحديثان، كذا حقق الشيخ الشنقيطي في ((أضواء البيان)) ثم قال: الذي يظهر لنا صوابه في حديث: ((بل للأبد)) . وحديث الخصوصية بذلك الركب المذكورين هو ما اختاره العلامة الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية، وهو الجمع المذكور بين الأحاديث بحمل الخصوصية المذكورة على الوجوب والتحتم وحمل التأييد المذكور على المشروعية والجواز أو السنة، ولا شك أن هذا هو مقتضى الصناعة الأصولية والمصطلحية كما لا يخفى. وقال أيضًا: والصواب هو ما ذكرنا من الجمع بين الأدلة، ووجهه ظاهر لا إشكال فيه. وقال النووي في شرح المهذب في الجواب عن قول الإمام أحمد: ((أين يقع الحارث بن بلال من أحد عشر صحابيًا رووا الفسخ عنه ﷺ )) ما نصه: قلت: لا معارضة بينهم وبينه حتى يقدموا عليه لأنهم أثبتوا الفسخ للصحابة ولم يذكروا حكم غيرهم، وقد وافقهم الحارث في إثبات الفسخ للصحابة، ولكنه زاد زيادة لا تخالفهم وهي اختصاص الفسخ بهم -
стр. 3999
...................................................................
ــ
انتهى. قلت: وقد اختلف القائلون بالفسخ في حكمه هل هو واجب أو مستحب، فذهب الإمام أحمد إلى أنه مستحب، ومال فريق إلى الوجوب، منهم ابن حزم وابن القيم. قال ابن حزم: وهو قول ابن عباس وعطاء ومجاهد وإسحاق. قلت: واستدل لهم بما رواه أحمد وابن ماجة وأبو يعلى من حديث البراء بن عازب، قال: خرج رسول الله ﷺ وأصحابه، قال: فأحرمنا بالحج، فلما قدمنا مكة قال: " اجعلوا حجكم عمرة ". قال: فقال الناس: يا رسول الله قد أحرمنا بالحج فكيف نجعلها عمرة؟ قال: " انظروا ما آمركم به فافعلوا ". فردوا عليه القول فغضب ثم انطلق حتى دخل على عائشة غضبان فرأت الغضب في وجهه. فقالت: من أغضبك أغضبه الله. قال: " وما لي لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا أتبع ". قال ابن القيم: بعد ذكر حديث البراء: ونحن نشهد علينا أنا لو أحرمنا بحج لرأينا فرضًا علينا فسخه إلى عمرة تفاديًا من غضب رسول الله ﷺ وإتباعًا لأمره، فوالله ما نسخ هذا في حياته ولا بعده ولا صح حرف واحد يعارضه ولا خص به أصحابه دون من بعدهم، بل أجرى الله على لسان سراقة أن سأله هل ذلك مختص بهم؟ فأجابه بأن ذلك كائن لأبد الأبد. فما ندري ما يقدم على هذه الأحاديث (يعني التي تدل على جواز فسخ الحج إلى العمرة) . وهذا الأمر المؤكد الذي غضب رسول الله ﷺ على من خالفه - انتهى. قال الشوكاني: استدل بقول البراء ((فغضب)) . من قال بوجوب الفسخ لأن الأمر لو كان أمر ندب لكان المأمور مخيرًا بين فعله وتركه، ولما كان يغضب رسول الله ﷺ عند مخالفته لأنه لا يغضب إلا لانتهاك حرمة من حرمات الدين لا لمجرد مخالفة ما أرشد إليه على جهة الندب ولا سيما وقد قالوا له: قد أحرمنا بالحج فكيف نجعلها عمرة؟ فقال لهم: " انظروا ما آمركم به فافعلوا ". فإن ظاهر هذا أن ذلك أمر حتم لأن النبي ﷺ لو كان أمره ذلك لبيان الأفضل أو لقصد الترخيص لهم بين لهم بعد هذه المراجعة أن ما أمرتكم به هو الأفضل. أو قال لهم: إني أردت الترخيص لكم والتخفيف عنكم (قال) وقد أطال ابن القيم في الهدي الكلام على الفسخ ورجح وجوبه وبين بطلان ما احتج به المانعون منه، فمن أحب الوقوف على جميع ذيول هذه المسألة فليراجعه. وإذا كان الموقع في مثل هذا المضيق هو إفراد الحج، فالحازم المتحري لدينه الواقف عند مشتبهات الشريعة ينبغي له أن يجعل حجه من الابتداء متمتعًا أو قرانًا مما هو مظنة البأس إلى ما لا بأس به، فإن وقع في ذلك فالسنة أحق بالإتباع، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل – انتهى. قلت: القول الراحج عندنا هو ما ذهب إليه أحمد ومن وافقه من أن فسخ الحج إلى العمرة ليس خاصًا للصحابة في تلك السنة، بل يجوز أو يسن ويستحب لكل من أحرم بحج وليس معه هدي أن يقلب إحرامه عمرة ويتحلل بأعمالها ليصير متمتعًا. وأما حديث أبي ذر وبلال بن الحارث فمحمولان على الوجوب يعني أن وجوب فسخ الحج إلى العمرة خاص بذلك الركب في تلك السنة. وأما الجواز والاستحباب فهو باق للأمة إلى يوم القيامة، وهو محمل حديث جابر وغيره من أحاديث الفسخ، ولا منافاة بين اختصاص الوجوب بالصحابة وبين بقاء المشروعية والاستحباب إلى أبد الأبد، وعلى ذلك
стр. 4000
وقدم علي من اليمن ببدن النبي ﷺ ، فقال: " ماذا قلت حين فرضت الحج؟ " قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك.
ــ
حمل الإمام ابن تيمية تلك الأحاديث كما تقدم وهو محمل حسن، والله تعالى أعلم. (وقدم عليٌّ من اليمن) لأنه ﷺ كان بعثه إليها، وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي نجيح أن رسول الله ﷺ كان بعث عليًا إلى نجران فلقيه بمكة، وقد أحرم، وفي رواية عطاء عن جابر كما سيأتي ((قال: فقدم عليّ من سعايته)) قال القاضي: أي من عمله في الصدقات. قال: ((وقال بعض علمائنا: الذي في غير هذا الحديث ((أن عليًا إنما بعثه أميرًا لا عاملاً على الصدقات، إذ لا يجوز استعمال بني هاشم على الصدقات، لقوله ﷺ للفضل بن العباس وعبد المطلب بن ربيعة حين سألاه ذلك: إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد)) ولم يستعملهما. قال القاضي: يحتمل أن عليًا ولي الصدقات وغيرها احتسابًا، أو أعطي عمالته عليها من غير الصدقة. قال: وهذا أشبه لقوله: ((من سعايته)) . والسعاية تختص بالصدقة. واستحسنه النووي إلا أنه ذهب إلى أن السعاية لا تختص بالصدقة بل تستعمل في مطلق الولاية، وإن كان أكثر استعمالها في الولاية على الصدقة، واستدل لذلك بما في حديث حذيفة في رفع الأمانة. قال: ولقد أُتي عليَّ زمان ولا أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلمًا ليردنه عليَّ دينه، ولئن كان نصرانيًا أو يهوديًا ليردنه عليَّ ساعيه - يعني الوالي عليه - انتهى. (بِبُدْن النبي ﷺ ) بضم الباء وسكون الدال جمع بَدَنة بفتح الباء والدال، والبَدَنة واحدة الإبل سميت به لعظمها وسمنها، وتقع على الجمل والناقة، وقد تطلق على البقرة. ونسبت لرسول الله ﷺ لأن عليًا ﵁ اشتراها له، لا أنها من السعاية على الصدقة كما يتبادر إلى الذهن، وكان عددها سبعًا وثلاثين بَدَنة، وكان عدد الهدي الذي ساقه النبي ﷺ معه من المدينة ثلاثًا وستين بَدَنة كما جاء في رواية الترمذي، وأعطى عليًا البُدْن التي جاءت معه من اليمن وهي تمام المائة. قال الزرقاني: ظاهر قوله ((قدم عليّ من اليمن بِِبُدْن النبي ﷺ )) أن البُدْن للمصطفى. وفي رواية النسائي (ومسند أحمد والمنتقى لابن الجارود) ((قدم عليّ من اليمن بهدي وساق النبي ﷺ من المدينة هديًا)) . وظاهره أن الهدي كان لعلي ﵁، فيحتمل أن عليًا قدم من اليمن بهدي لنفسه وهدي النبي ﷺ فذكر كل راوٍ واحدًا منهما – انتهى. وسيأتي مزيد الكلام في هذا عند ذكر نحر هذه البُدْن إن شاء الله تعالى. ووقع عند مسلم وغيره بعد هذا ((فوجد (أي عليّ) فاطمة ممن حل ولبست ثيابًا صبيغًا واكتحلت فأنكر ذلك عليها (ظنًّا أنه لا يجوز) فقالت: إن أبي أمرني بهذا، قال (أي جعفر بن محمد عن أبيه) فكان عليٌّ يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشًا على فاطمة للذي صنعت مستفتيًا لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت عليها فقال: " صدقت صدقت ")) . (فقال) أي النبي ﷺ (ماذا قلت حين فرضت الحج؟) أي ألزمته على نفسك بالنية والتلبية، وفي رواية أحمد وابن الجارود ((وقال لعليّ: " بم أهللت "؟)) أي بأي شيءٍ نويت حين أحرمت بحج أو عمرة أو بهما؟ (قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك) فيه
стр. 4001
قال: " فإن معي الهدي، فلا تحل ". قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي ﷺ مائة. قال: فحل الناس كلهم وقصروا، إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية
ــ
أنه لا يصح الإحرام معلقًا وهو أن يحرم إحرامًا كإحرام فلان، فينعقد إحرامه ويصير محرمًا بما أحرم به فلان. قال النووي: في هذا الحديث دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أنه يصح الإحرام معلقًا بأن ينوي إحرامًا كإحرام زيد فيصير هذا المعلق كزيد، فإن كان زيد محرمًا بحج كان هذا بالحج أيضًا، وإن كان بعمرة فبعمرة، وإن كان بهما فبهما، وإن كان زيد أحرم مطلقًا صار هذا محرمًا إحرامًا مطلقًا فيصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة، ولا يلزمه موافقة زيد في الصرف– انتهى. ومذهب الحنفية في ذلك أن الإحرام المعلق حكمه حكم الإحرام المبهم. أي يصح عندهم ولكن لا يلزمه موافقة من أحرم على إحرامه. (قال) أي النبي ﷺ (فإن معي) بسكون الياء وفتحها. قال القاري: أي إذا علقت إحرامك بإحرامي، فإني أحرمت بالعمرة ومعي (الهدي) ولا أقدر أن أخرج من العمرة بالتحلل (فلا تحل) نهي أو نفي، أي لا تحل أنت بالخروج من الإحرام كما لا أحل حتى تفرغ من العمرة والحج. وفي رواية ((فأهد وامكث حرامًا كما أنت)) . (قال) أي جابر (فكان جماعة الهدي) أي من الإبل، والهدي – بالتشديد والتخفيف – ما يهدى إلى البيت الحرام من النعم لتنحر، قاله الجزري. (الذي قدم به) أي بذلك الهدي (عليّ من اليمن) أي له ﷺ (والذي أتى به النبي ﷺ ) زاد في رواية النسائي وأبي داود وابن ماجة وابن الجارود والبيهقي ((من المدينة)) (مائة) أي من الهدي، وفي رواية الدارمي ((مائة بدنة)) (فحل الناس) أي خرج من الإحرام من لم يكن معه هدي بعد الفراغ من العمرة (كلهم) أي أكثرهم. قال النووي: فيه إطلاق اللفظ العام وإرادة الخاص لأن عائشة لم تحل ولم تكن ممن ساق الهدي، والمراد بقوله ((حل الناس كلهم)) أي معظمهم (وقصروا) قال الطيبي: وإنما قصروا مع أن الحلق أفضل لأن يبقى لهم بقية من الشعر حتى يحلق في الحج – انتهى. وليكونوا داخلين في المقصرين والمحلقين جامعين بين العمل بالرخصة والعزيمة، كذا في المرقاة. قال المحب الطبري: فيه دليل على استحباب التقصير للمتمتع وتوفير الشعر للحلق في الحج، ويشبه أن يكون ذلك عن أمره ﷺ إذ عنه يأخذون مناسكهم وبه يقتدون، وبذلك أمرهم فقال: " خذوا عني مناسككم ". (إلا النبي ﷺ ) استثناء من ضمير ((حلوا)) (ومن كان معه هدي) عطف على المستثنى (فلما كان يوم التروية) بفتح التاء وسكون الراء المهملة وكسر الواو وتخفيف الياء، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، سمي بذلك لأن الحجاج كانوا يرتوون فيه من الماء لما بعده أي يستقون ويسقون إبلهم فيه استعدادًا للوقوف يوم عرفة، إذ لم يكن في عرفات ماء جار كزماننا. وقيل: لأن قريشًا كانت تحمل الماء من مكة إلى منى للحاج تسقيهم وتطعمهم فيروون منه، وقيل لأن الإمام يروي فيه الناس من أمر المناسك، وقيل لأن إبراهيم عليه السلام
стр. 4002
توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، وركب النبي ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة،
ــ
تروى فيه أي تفكر في ذبح ولده وأنه كيف يصنع، تنبيه: لستة أيام متوالية من أيام ذي الحجة أسماء، فاليوم الثامن: يوم التروية، واليوم التاسع: عرفة، والعاشر: النحر، والحادي عشر: القَرّ – بفتح القاف وتشديد الراء – لأنهم يقرون فيه بمنى، والثاني عشر: يوم النفر الأول، والثالث عشر: النفر الثاني (توجهوا) أي أرادوا التوجه (إلى منى) ينون، وقيل: لا ينون. فيكتب بالألف، سميت به لأنه يمنى الدماء في أيامها أي يراق ويسفك، أو لأنه يعطي الحجاج مناهم لإكمال أفعال الحج فيها (فأهلوا بالحج) أي من البطحاء كما في رواية لأحمد والشيخين والطحاوي والبيهقي، يعني أحرم به من كان خرج عن إحرامه بعد الفراغ من العمرة، وفي رواية لأحمد ((حتى إذا كان يوم التروية وأرادوا التوجه إلى منى أهلوا بالحج)) قال المحب الطبري: فيه بيان وقت إهلال أهل مكة والمتمتعين. وفيه إشارة إلى أن المحرم من مكة لا يقدم طوافه وسعيه لأنه إذا اشتغل بذلك لا يسمى متوجهًا. قال النووي: والأفضل عند الشافعي وموافقيه أن من كان بمكة وأراد الإحرام بالحج أحرم يوم التروية عملاً بهذا الحديث. وفيه بيان أن السنة أن لا يتقدم أحد إلى منى من قبل يوم التروية. وقد كره مالك ذلك. وقال بعض السلف: لا بأس به. ومذهبنا أنه خلاف السنة – انتهى. (وركب النبي ﷺ ) أي حين طلوع الشمس من يوم التروية وسار من مكة إلى منى (فصلى بها) أي بمنى في موضع مسجد الخيف (الظهر والعصر) إلخ. كل صلاة لوقتها (ثم مكث) أي لبث بعد أداء الفجر (قليلاً حتى طلعت الشمس) فيه أن السنة أن لا يخرجوا من منى حتى تطلع الشمس. وهذا متفق عليه. ومبيته ﷺ بمنى وصلاته تلك الصلوات بها دليل على استحباب ذلك، وهذا المبيت أجمع أهل العلم على الفرق بينه وبين مبيت ليالي منى فأوجبوا على تارك ذلك ما أوجبوا، ولم يوجبوا على تارك المبيت بمنى ليلة عرفة أي ليلة التاسع من ذي الحجة شيئًا، قاله ابن المنذر. وقال النووي: هذا المبيت سنة ليس بركن ولا واجب فلو تركه فلا دم عليه بالإجماع – انتهى. (وأمر بقبة) عطف على ((ركب)) أو حال، أي وقد أمر بضرب خيمة بنمرة قبل قدومه إليها (من شعر) بفتح العين وسكونها (تضرب له) بصيغة المجهول (بنمرة) بفتح النون وكسر الميم وفتح الراء المهملة، وهو غير منصرف، موضع على يمين الخارج من المازمين إذا أراد الموقف. وقال الطيبي: هو موضع بجنب عرفات وليس من عرفات. وقال في اللمعات: اسم موضع قريب عرفات، وهي منتهى أرض الحرم، وكان بين الحل والحرم – انتهى. قال الأبي: لما أراد ﷺ أن يظهر مخالفة الجاهلية أراد أن يظهر ذلك ابتداء ليتأهبوا لذلك. وقال النووي: في هذا الحديث جواز الاستظلال للمحرم بقبة وغيرها. ولا خلاف في جوازه للنازل. واختلفوا في جوازه للراكب، فمذهبنا جوازه، وبه قال كثيرون، وكرهه مالك وأحمد، وفيه جواز اتخاذ القباب وجوازها من شعر - انتهى. وقال المحب
стр. 4003
فسار رسول الله ﷺ ، ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة،
ــ
الطبري: وفي أمره ﷺ بضرب القبة في نمرة دليل على الرخصة في حجز المواضع من الصحاري وأشباهها حيث لا ضرر على أحد في ذلك الغزو والحج وسائر الأسفار، وقال النووي أيضًا: فيه استحباب النزول بنمرة إذا ذهبوا من منى لأن السنة أن لا يدخلوا عرفات إلا بعد زوال الشمس وبعد صلاتي الظهر والعصر جمعًا، فالسنة أن ينزلوا بنمرة، فمن كان له قبة ضربها ويغتسلون للوقوف قبل الزوال، فإذا زالت الشمس سار بهم الإمام إلى مسجد إبراهيم ﵇ وخطب لهم خطبتين خفيفتين، ويخفف الثانية جدًا، فإذا فرغ منها صلى بهم الظهر والعصر جامعًا بينهما، فإذا فرغ من الصلاة سار إلى الموقف – انتهى. (فسار رسول الله ﷺ ) أي من منى إليها (ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام) . قال الزرقاني في شرح المواهب: ظاهره أنه ليس لقريش شك في شيء إلا في وقوفه عند المشعر، فإنهم يشكون فيه، وليس المراد ذلك بل عكسه، وهو أنهم لا يشكون في أنه ﷺ سيقف عند المشعر الحرام على ما كانت عادتهم من وقوفهم به، ويقف سائر الناس بعرفة فقال الأبي: الأظهر في ((إلا)) أنها زائدة و ((أن)) في موضع النصب على إسقاط الجار، أي ولا يشك قريش في أنه واقف عند المشعر – انتهى. وقيل الشك ها هنا بمعنى الظن أي لا تظن قريش إلا أنه يقف عند المشعر لأنه من مواقف الحمس وأهل حرم الله. وقال الطيبي: أي ولم يشكوا في أنه يخالفهم في المناسك بل تيقنوا بها إلا في الوقوف فإنهم جزموا بأنه يوافقهم فيه، فإن أهل الحرم كانوا يقفون عند المشعر الحرام، وهو جبل في المزدلفة، يقال له قزح، وعليه جمهور المفسرين والمحدثين، وقيل إنه كل المزدلفة وهو بفتح العين وقيل بكسرها، ذكره النووي (كما كانت قريش تصنع في الجاهلية) معناه أن قريشًا كانت في الجاهلية تقف بالمشعر الحرام، وكان سائر العرب يتجاوزون المزدلفة ويقفون بعرفات فظنت قريشًا أن النبي ﷺ يقف في المشعر الحرام على عادتهم ولا يتجاوزه، فتجاوزه ﷺ إلى عرفات لأن الله تعالى أمره بذلك في قوله ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ (٢: ١٩٩) أي سائر العرب غير قريش، وإنما كانت قريش تقف بالمزدلفة لأنها من الحرم، وكانوا يقولون: نحن أهل حرم الله فلا نخرج منه. وقد يتوهم أنه ﷺ كان يوافقهم قبل البعثة، وليس كذلك لما جاء في بعض الأحاديث الصحيحة صريحًا أنه كان يقف مع عامة الناس قبل النبوة أيضًا (فأجاز رسول الله ﷺ ) قال النووي: معناه جاوز المزدلفة ولم يقف بها، بل توجه إلى عرفات (حتى أتى عرفة) أي قاربها، لأنه فسره بقوله ((وجد القبة قد ضربت بنمرة فنزل بها)) وقد سبق أن نمرة ليست من عرفات، وقد قدمنا أن دخول عرفات قبل صلاتي الظهر والعصر جمعًا خلاف السنة. وقال الطبري: الظاهر أن المراد بإتيان عرفة القرب منها، فإن نمرة دونها، وسميت عرفة بذلك لتعريف جبرئيل إبراهيم المناسك، وقيل لمعرفة آدم حواء هناك، أو
стр. 4004
فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس، أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس، وقال: " إن دماءكم وأموالكم
ــ
لتعارف الناس، أو لاعترافهم بذنوبهم أو لصبر الناس، والعرفة الصبر. وقيل: إن إبراهيم رأى ليلة التروية ذبح ولده فتروى يومه، وعرف في الثاني ونحر في الثالث، فسميت الأيام بذلك. وقوله ((فأجاز)) قيل هي لغة وجاز وأجاز بمعنى. وقيل جاز الموضع سلكه وسار فيه، وأجازه خلفه وقطعه. قال الأصمعي: جاز مشى فيه، وأجازه قطعه (قد ضربت) أي بنيت (فنزل بها) أي بالقبة. وهذا يدل على جواز استظلال المحرم بالخيمة ونحوها (حتى إذا زاغت) أي نزل بها واستمر فيها حتى إذا مالت الشمس وزالت عن كبد السماء من جانب الشرق إلى جانب الغرب (أمر بالقصواء) أي بإحضارها، وقد تقدم ضبطها وشرحها في أول شرح الحديث (فرحلت له) على البناء المجهول مخففًا أي شد على ظهرها الرحل ليركبها النبي ﷺ (فأتى) أي فركبها فأتى (بطن الوادي) هو وادي عُرَنة بضم العين وفتح الراء المهملتين بعدها نون، وليست من عرفات (فخطب الناس) أي وعظهم وخطب خطبتين الأولى لتعريفهم المناسك والحث على كثرة الذكر والدعاء بعرفة، والثانية قصيرة جدًا لمجرد الدعاء، قاله القاري. وفيه دليل على أن الخطبة كانت على الراحلة، وفي معناها المواضع المرتفعة. قال الزرقاني: في الحديث أنه يستحب للإمام أن يخطب يوم عرفة في هذا الموضع، وبه قال الجمهور والمدنيون والمغاربة من المالكية وهو المشهور. فقول النووي: ((خالف فيها المالكية)) . فيه نظر، إنما قول العراقيين منهم، والمشهور خلافه. واتفق الشافعية أيضًا على استحبابها خلافًا لما توهمه عياض والقرطبي – انتهى. قال النووي: ومذهب الشافعي أن في الحج أربع خطب مسنونة: إحداها يوم السابع من ذي الحجة يخطب عند الكعبة بعد صلاة الظهر، والثانية هذه التي ببطن عرنة يوم عرفات، والثالثة يوم النحر، والرابعة يوم النفر الأول وهو اليوم الثاني من أيام التشريق، قال أصحابنا: وكل هذه الخطب أفراد وبعد صلاة الظهر إلا التي يوم عرفات، فإنها خطبتان وقبل الصلاة. قال أصحابنا: ويعلمهم في كل خطبة من هذه ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى، والله أعلم – انتهى كلام النووي. وارجع لمزيد التفصيل إلى ((القرى لقاصد أم القرى)) لمحب الدين الطبري (ص ٣٣٨، ٣٣٩، ٤٩١، ٤٩٣) ، والفتح الرباني (ج ١٢: ص ١٣٣، ٢١٥، ٢١٦) ، وفتح الباري (ج ٧: ص ١٦٦) وعند الحنفية في الحج ثلاث خطب أولاها وثانيتها ما ذكره النووي، وثالثتها بمنى في اليوم الحادي عشر فيفصل بين كل خطبتين بيوم وكلها سنة. والراجح عندنا في تعيين أيام الخطبة هو ما ذهب إليه الشافعية، وسيأتي مزيد الكلام في ذلك (إن ماءكم وأموالكم) زاد في حديث ابن عباس عند أحمد والبخاري والترمذي والبيهقي وفي حديث ابن عمر عند البخاري ((وأعراضكم)) والعِرض بكسر العين موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو في سلفه. قال الحافظ: هذا الكلام على حذف المضاف أي سفك دمائكم وأخذ أموالكم
стр. 4005
حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا.
ــ
وثلب أعراضكم – انتهى. وقيل المعنى: إن انتهاك دمائكم وأموالكم وأعراضكم، قيل: وهذا أولى مما ذكره الحافظ، لأن ذلك إنما يحرم إذا كان بغير حق فلا بد من التصريح به، فلفظة ((انتهاك)) أولى، لأن موضوعها لتناول الشيء بغير حق (حرام عليكم) قال الزرقاني: معنى الحديث إن دماء بعضكم على بعض حرام، وأموال بعضكم على بعض حرام وإن كان ظاهر اللفظ أن دم كل واحد حرام عليه نفسه، ومال كل واحد حرام عليه نفسه فليس بمراد، لأن الخطاب للمجموع، والمعنى فيه مفهوم، ولا تبعد إرادة المعنى الثاني. أما الدم فواضح، وأما المال فمعنى تحريمه عليه تحريم تصرفه فيه على غير الوجه المأذون فيه شرعًا، قاله الولي العراقي (كحرمة يومكم هذا) أي متأكدة التحريم شديدته كحرمة يومكم هذا يعني يوم عرفة (في شهركم هذا) أي ذي الحجة (في بلدكم هذا) أي مكة، وإنما شبهها في الحرمة بهذه الأشياء لأنهم كانوا لا يرون استباحتها وانتهاك حرمتها بحال: وقال ابن المنير: قد استقر في القواعد أن الأحكام لا تتعلق إلا بأفعال المكلفين، فمعنى تحريم اليوم والبلد والشهر تحريم أفعال الاعتداء فيها على النفس والمال والعرض، فما معنى إذًا تشبيه الشيء بنفسه؟ وأجاب بأن المراد أن هذه الأفعال في غير هذا البلد وهذا الشهر وهذا اليوم مغلظة الحرمة، عظيمة عند الله، فلا يستهل المعتدي كونه تعدى في غير البلد الحرام والشهر الحرام، بل ينبغي له أن يخاف خوف من فعل ذلك في البلد الحرام، وإن كان فعل العدوان في البلد الحرام أغلظ فلا ينفي كون ذلك في غيره غليظًا أيضًا، وتفاوت ما بينهما في الغلظ لا ينفع المعتدي في غير البلد الحرام، فإن فرضناه تعدى في البلد الحرام فلا يستسهل حرمة البلد بل ينبغي أن يعتقد أن فعله أقبح الأفعال وأن عقوبته بحسب ذلك فيراعى الحالتين – انتهى. وقال الزرقاني: وفي تقديم اليوم على الشهر وهو على البلد الترقي، فالشهر أقوي من اليوم، وهو ظاهر في الشهر لاشتماله على اليوم فاحترامه أقوى من احترام جزئه، وأما زيادة حرمة البلد فلأنه محرم في جميع الشهور لا في هذا الشهر وحده، فحرمته لا تخص به فهو أقوى منه – انتهى. قال الحافظ: وفي مشروعية ضرب المثل وإلحاق النظير بالنظير ليكون أوضح للسامع، وإنما شبه حرمة الدم والعرض والمال بحرمة اليوم والشهر والبلد، لأن المخاطبين بذلك كانوا لا يرون تلك الأشياء ولا يرون هتك حرمتها ويعيبون على من فعل ذلك أشد العيب، وقال في موضع آخر: ومناط التشبيه في قوله ((كحرمة يومكم)) وما بعده ظهوره عند السامعين، لأن تحريم البلد والشهر واليوم كان ثابتًا في نفوسهم مقررًا عندهم بخلاف الأنفس والأموال والأعراض فكانوا في الجاهلية يستبيحونها، فطرأ الشرع عليهم بأن تحريم دم المسلم وماله وعرضه أعظم من تحريم البلد والشهر واليوم، فلا يرد كون المشبه به أخفض رتبة من المشبه لأن الخطاب إنما وقع بالنسبة لما اعتاده المخاطبون قبل تقرير الشرع – انتهى. وقال الطيبي: هذا من تشبيه ما لم تجر به العادة بما جرت به لأنهم عالمون بحرمة الثلاث كما في قوله تعالى ﴿وإذ
стр. 4006
ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث. وكان مسترضعًا في بني سعد فقتله هذيل.
ــ
نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة﴾ (٧: ١٧١) كانوا يستبيحون دماءهم وأموالهم في الجاهلية في غير الأشهر الحرام ويحرمونها فيها، كأنه قيل: إن دماءكم وأموالكم محرمة عليكم أبدًا كحرمة الثلاث – انتهى. (ألا) بالفتح والتخفيف للتنبيه. (كل شيء من أمر الجاهلية) يعني الذي أحدثوه والشرائع التي شرعوها في الحج وغيره قبل الإسلام (تحت قدميَّ) بتشديد الياء مثنى (موضوع) أي مردود وباطل حتى صار كالشيء الموضوع تحت القدمين. قال في اللمعات: يحتمل أن يكون قوله ((موضوع)) ، وقوله ((تحت قدميَّ)) خبرين، أو الخبر هو موضوع وتحت ظرف له وهو الأظهر، والمراد بالوضع تحت القدم إبطاله وتركه، وتقول العرب في الأمر الذي لا يكاد يراجعه ويذكره ((جعلت ذلك تحت قدميّ)) . (ودماء الجاهلية موضوعة) أي متروكة لا قصاص ولا دية ولا كفارة. أعادها للاهتمام أو لييني عليه ما بعده من الكلام، قاله القاري. وقال الولي العراقي: يمكن أنه عطف خاص على عام لاندراج دمائها في أمورها، ويمكن أنه لا يندرج لحمل أمورها على ما ابتدعوه وشرعوه. وإيجاب القصاص على القاتل ليس مما ابتدعوه، وإنما أريد قطع النزاع بإبطال ذلك، لأن منها ما هو حق، ومنها ما هو باطل، وما يثبت وما لا يثبت (وإن أول دم أضع) أي أضعه وأتركه (من دمائنا) أي من دماء أهل الإسلام يعني أبدأ في وضع الدماء التي يستحق المسلمون ولايتها بأهل بيتي وأقاربي. قال النووي: فيه أن للإمام وغيره ممن يأمر بمعروف وينهى عن منكر ينبغي أن يبدأ بنفسه وأهله فهو أقرب إلى قبول قوله وإلى طيب نفس من قرب عهده بالإسلام (دم ابن ربيعة بن الحارث) أي ابن عبد المطلب، واسم هذا الابن إياس، قاله الجمهور والمحققون، وقيل حارثة، وقيل تمام، وقيل آدم، وقال الدارقطني: وهو تصحيف. ولبعض رواة مسلم وأبي داود ((دم ربيعة)) وهو وهم، لأن ربيعة عاش حتى توفي زمن عمر سنة ثلاث وعشرين، وتأوله أبو عبيد بأنه نسبه إليه لأنه ولي دم ابنه، وهو حسن ظاهر، به تتفق الروايتان. وربيعة هذا هو ابن عم النبي ﷺ يكنى ((أبا أروى)) وكان أسن من عمه العباس بسنتين، صحابي، روى عن النبي ﷺ أحاديث، توفي في أول خلافة عمر، وقيل في أواخرها سنة ثلاث وعشرين (وكان) كذا في جميع النسخ من المشكاة والمصابيح، وفي صحيح مسلم والمنتقى لابن الجارود ((كان)) أي بدون واو العاطفة، وهكذا ذكره المحب الطبري (مسترضعًا) على بناء المجهول، أي كان لهذا الابن ظئر ترضعه من بني سعد (فقتله) أي ابن ربيعة، وقوله ((فقتله)) كذا في جميع النسخ من المشكاة أي بصيغة المذكر، وفي صحيح مسلم ((فقتلته)) بلفظ التأنيث، وهكذا عند أبي داود وابن الجارود، وكذا في المصابيح (هُذَيل) بهاء مضمومة فمعجمة مفتوحة، وكان ابن ربيعة هذا طفلاً صغيرًا، يحبو بين البيوت فأصابه حجر في حرب بني سعد مع قبيلة هُذَيل
стр. 4007
وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع من ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء
ــ
فقتلته هُذَيل. قال الولي العراقي: ظاهره أنها تعمدت قتله. وذكر الزبير بن بكار: أنه كان صغيرًا يحبو بين البيوت فأصابه حجر في حرب كانت بين بني سعد وبين ليث بن بكر، كذا ذكره عياض والنووي وغيرهما ساكتين عليه وهو مناف لقوله ((فقتلته هُذَيل)) لأنهم غير بني ليث إذ هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، وليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة كما بينه أبو عبيد القاسم بن سلام في أنسابه، كذا في شرح المواهب (وربا الجاهلية) معناه الزيادة على رأس المال، ولذا جاء الخبر ((موضوعة)) بالتاء على معنى ما في نسخ مسلم، وهذا إيضاح إذ المقصود مفهوم من لفظ ربا، لأن الربا هو الزيادة فإذا وضع الربا فمعناه وضع الزيادة. قال الولي: ولا شك أن عطف هذا على أمر الجاهلية من عطف الخاص على العام، لأنه من إحداثاتهم وشرعهم الفاسد (موضوع) المراد بالوضع الرد والإبطال أي الزائد على رأس المال مردود كما قال الله تعالى ﴿وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم﴾ (٢: ٢٧٩) وقوله ((موضوع)) كذا في جميع النسخ من المشكاة، وهكذا في سنن أبي داود والمنتقى والبيهقي ولمسلم ((موضوعة)) بالتأنيث، وهكذا في المصابيح، وكذا ذكره المحب الطبري (وأول ربا أضع من ربانا) كذا في جميع النسخ من المشكاة، وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود والبيهقي والمنتقى ((وأول ربا أضع ربانا)) أي بدون لفظة ((من)) ، وهكذا في المصابيح وكذا ذكره الطبري، وعلى هذا ((ربانا)) خبر المبتدأ، وقوله (ربا عباس بن عبد المطلب) بدل منه أو خبر مبتدأ محذوف أي هو ربا العباس (فإنه موضوع كله) يحتمل عود ضمير ((إنه)) لربا العباس تأكيدًا لوضعه، ويحتمل لجميع الربا أي ربا العباس موضوع لأن الربا موضوع كله، قاله الولي العراقي. وإنما ابتدأ في وضع دماء الجاهلية ورباها من أهل الإسلام بأهل الإسلام بأهل بيته ليكون أمكن في قلوب السامعين وأسد لأبواب الطمع في الترخيص (فاتقوا الله في النساء) قال الطيبي: هو عطف من حيث المعنى على دمائكم وأموالكم أي فاتقوا الله في استباحة الدماء ونهب الأموال، وفي النساء، وهو من عطف الطلب على الخبر بالتأويل كما عطف ﴿وامتازوا اليوم أيها المجرمون﴾ (٣٦: ٥٩) على قوله ﴿إن أصحاب الجنة﴾ وقال الولي العراقي: يحتمل أن الفاء زائدة لأن الرواية بدونها، وأنها للسببية لأنه لما قرر إبطال أمر الجاهلية وكان من جملتها منع النساء من حقوقهن وترك إنصافهن أمرهم بمتابعة الشرع في إنصافهن، فكأنه قيل: فبسبب إبطال أمر الجاهلية اتقوا الله في النساء وأنصفوهن، فإن تركه من أمر الجاهلية، قال: و ((في)) تحتمل السببية نحو ﴿فذلكن الذي لمتنني فيه﴾ (١٢: ٣٢) والظرفية مجازًا نحو ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ (٢: ١٧٩) أي إن النساء ظرف للتقوى المأمور بها – انتهى. قلت: وقع عند الجارود والبيهقي ((اتقوا الله)) أي بدون الفاء، وفي الحديث الحث على مراعاة حق النساء والوصية بهن ومعاشرتهن بالمعروف، وقد
стр. 4008
فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله،
ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه،
ــ
جاءت أحاديث كثيرة صحيحة في الوصية بهن وبيان حقوقهن والتحذير من التقصير في ذلك فليراجعها من شاء في الترغيب والترهيب للمنذري ورياض الصالحين للنووي (فإنكم أخذتموهن بأمان الله) أي بعهده وهو ما عهد إليكم فيهن. قال النووي: هكذا في كثير من أصول مسلم ((بأمان الله)) بلا هاء، وفي بعضها ((بأمانة الله)) قلت: وكذا أي بالهاء وقع عند أبي داود والشافعي وابن الجارود وابن ماجة والبيهقي. قال الزرقاني: أي بأن الله ائتمنكم عليهن فيجب حفظ الأمانة وصيانتها بمراعاة حقوقها والقيام بمصالحها الدينية والدنيوية، وما وقع في كثير من أصول مسلم يقوي أن في قوله ((أخذتموهن)) دلالة على أنها كالأسيرة المحبوسة عند زوجها، وله التصرف فيها والسلطنة عليها حسبما بينه الشرع، ويوافقه قوله في رواية أخرى ((فإنهن عوان عندكم)) جمع عانية وهي الأسيرة، لكنها ليست أسيرة خائفة كغيرها من الأسراء بل هي أسيرة آمنة (واستحللتم فروجهن بكلمة الله) في معناه أربعة أقوال، الأول: أن المراد بكلمة الله أمره وحكَّمه وإباحته المنزلة في كتابه وهو قوله ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ (٤: ٣) قال النووي: هذا هو الصحيح، ورجحه القرطبي في المفهم إذ قال: فإن حكم الله كلامه المتوجه للمحكوم عليه على جهة الاقتضاء أو التخيير. الثاني: المراد كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله، إذ لا تحل مسلمة لغير مسلم. الثالث: المراد كلمة النكاح التي يستحل بها الفروج، أي الصيغ التي ينعقد بها النكاح من الإيجاب والقبول لأن الله تعالى أمر بها. الرابع: أن المراد قوله تعالى ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ (٢: ٢٢٩) قال الخطابي: هذا أحسن الوجوه. (ولكم عليهن) أي من الحقوق لما ذكر ﷺ استحلال الزوج بكلمة الله وعلم منه تأكيد الصحبة بين الزوجين انتقل إلى بيان ما على كل واحد منهما من الحقوق، وبدأ بحق الأزواج لأنهم المخاطبون (أن لا يوطئن) بهمزة أو بإبدال التخفيف صيغة جمع الإناث من الإيطاء أي من باب الإفعال (فرشكم أحدًا تكرهونه) أي تكرهون دخوله في بيوتكم، وعبر عن بفرش لأن الداخل يطأ المنزل الذي يدخل فيه. قال المازري: قيل المراد بذلك أن لا يستخلين بالرجال ولم يرد زناها، لأن ذلك يوجب حدها، ولأن ذلك حرام مع من يكرهه الزوج ومن لا يكرهه. وقال الخطابي: معنى الحديث أن لا يأذن لأحد من الرجال يدخل فيتحدث إليهن، وكان الحديث من الرجال إلى النساء من عادات العرب ولا يرون بذلك عيبًا ولا يعدونه ريبة، فلما نزلت آية الحجاب ثار النساء مقصورات، ونهى عن محادثتهن والقعود إليهن، وليس المراد بوطئي الفرش هنا نفس الزنا لأنه محرم على الوجوه كلها. فلا معنى لاشتراط الكراهية فيه، ولو أريد الزنا لكان الضرب الواجب فيه هو المبرح الشديد والعقوبة المؤلمة من الرجم دون الضرب الذي ليس بمبرح. وذكر القاضي عياض نحوه. وقال النووي بعد ذكر كلام المازري
стр. 4009
فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف،
وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله. وأنتم تسألون عني،
ــ
والقاضي: والمختار أن معناه: أن لا يأذن لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم والجلوس في منازلكم، سواء كان المأذون له رجلاً أجنبيًا أو امرأة أو أحدًا من محارم الزوجة، فالنهي يتناول جميع ذلك، وهذا حكم المسألة عند الفقهاء أنها لا يحل لها أن تأذن لرجل ولا امرأة ولا محرم ولا غيره في دخول منزل الزوج إلا من علمت أو ظنت أن الزوج لا يكرهه، لأن الأصل تحريم دخول منزل الإنسان حتى يوجد الإذن في ذلك منه أو عرف رضاه باطراد العرف بذلك ونحوه ومتى حصل الشك في الرضا ولم يترجح شيء ولا وجدت قرينة لا يحل الدخول ولا الإذن، والله أعلم (فإن فعلن ذلك) أي الإيطاء المذكور بدون رضاكم بلفظ صريح أو بقرائن (ضرباً غير مبرح) بضم الميم وفتح الموحدة وكسر الراء المشددة وبالحاء المهملة من البرح وهو المشقة، والضرب المبرح هو الضرب الشديد الشاق، ومعناه اضربوهن ضربًا ليس بشديد ولا شاق. وفيه إباحة ضرب الرجل امرأته للتأديب (ولهن عليكم رزقهن) أي وجوبًا، والمراد بالرزق النفقة من المأكول والمشروب، وفي معناه سكناهن (بالمعروف) أي على قدر كفايتهن من غير سرف ولا تقتير أو باعتبار حالكم فقرًا وغنىً، وفيه وجوب نفقة الزوجة وكسوتها، وذلك ثابت بالكتاب والسنة والإجماع (وقد تركت فيكم ما) أي فيما بينكم وما موصولة أو موصوفة (لن تضلوا بعده) أي بعد تركي إياه فيكم أو بعد التمسك به والعمل بما فيه ويؤيد الأول قوله (إن اعتصمتم به) أي في الاعتقاد والعمل. وفي هذا التركيب إبهام وتوضيح وذلك لبيان أن هذا الشيء الذي تركه فيهم شيء جليل عظيم فيه جميع المنافع الدينية والدنيوية، ثم لما حصل من هذا التشوق التام للسامع وتوجه إلى استماع ما يرد بعده واشتاقت نفسه إلى معرفته بينه بقوله (كتاب الله) بالنصب بدل من مفعول تركت، جزم به الولي. فإن كان الرواية وإلا فيجوز رفعه بأن خبر مبتدأ محذوف، أي هو كتاب الله ولم يذكر السنة مع أن بعض الأحكام يستفاد منها لاندراجها تحته، فإن الكتاب هو المبين للكل بعضها بلا واسطة وبعضها بواسطة، قال تعالي ﴿ونزلنا الكتاب تبيانًا لكل شيء﴾ (١٦: ٨٩) وقال تعالي ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ (١٦: ٤٤) كذا في شرح المواهب. وقال القاري: إنما اقتصر على الكتاب لأنه مشتمل على العمل بالسنة لقوله تعالي ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ (٤: ٥٩) وقوله ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (٥٩: ٧) فيلزم من العمل بالكتاب العمل بالسنة، وفيه إيماء إلى أن الأصل الأصيل هو الكتاب (وأنتم تسئلون) بصيغة المجهول. وفي رواية أبي داود والدارمي وابن ماجه وابن الجارود والبيهقي ((مسئولون)) (عني) أي عن تبليغي وعدمه، قال الطيبي: قوله ((وأنتم تسئلون)) عطف على مقدر، أي قد بلغت ما أرسلت به إليكم جميعًا غير تارك لشيء مما بعثت به وأنتم تسئلون عني يوم القيامة هل بلغت؟ ... بأي شيء
стр. 4010
فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: " اللهم اشهد. اللهم اشهد "،
ــ
تجبيون؟ ودل على هذا المحذوف الفاء في قوله (فما أنتم قائلون؟) أي إذا كان الأمر على هذا فبأي شيء تجيبون؟ (قالوا: نشهد أنك قد بلغت) أي رسالات ربك (وأديت) أي الأمانة (ونصحت) أي الأمة (فقال بإصبعه) أي أشار بها (السبابة) بالجر (يرفعها إلى السماء) حال من فاعل ((قال)) أي رافعًا إياها أو من السبابة أي مرفوعة (وينكتها إلى الناس) بفتح التحية وسكون النون وضم الكاف بعدها فوقية، كذا في نسخ المشكاة والمصابيح بالتاء الفوقانية، وهكذا في مسلم الطبعات المصرية والهندية، من نكت الأرض بالقضيب إذا ضرب الأرض بالقضيب فيؤثر فيها، وهذا بعيد من معني الحديث. وقيل مجاز من الإشارة بقرينة إلى، وفي المرقاة ((وينكتها إلى الناس)) أي يشير بها إليهم كالذي يضرب بها الأرض، والنكت ضرب رأس الأنامل إلى الأرض. وفي البارع ((قال الأصمعي: ضربه فنكته بالفوقية أي ألقاه على رأسه فوقع متنكتًا)) وذكره الفارابي في باب قتل فيحتمل أن يكون الحديث من هذا، والمعني: ينكسها - انتهى. وقال عياض: كذا (أي بالفوقية) الرواية في مسلم وهو بعيد المعني. قيل: صوابه ((ينكبها)) بموحدة، وكذا رويناه عن شيخنا أبي الوليد هشام بن أحمد في مسلم ومن طريق ابن الأعرابي عن أبي داود في سننه بموحدة، ومن طريق أبي بكر التمار عنه بفوقية، ومعناه يرددها ويقلبها إلى الناس مشيرًا لهم، وهو من نكب كنانته إذا قلبها. وقال القرطبي: روايتي في هذه اللفظة وتقييدي على من أعتمده من الأئمة المقتدين بضم الياء وفتح النون وكسر الكاف مشددة وضم الباء بواحدة أي يعدلها إلى الناس، وروي ينكبها مخففة الباء والنون وضم الكاف ومعناه يقلبها، وهو قريب من الأول وروي ينكتها بفوقية وهي أبعدها – انتهى. وقال الجزري في النهاية: في حديث حجة الوداع ((وينكبها إلى الناس)) أي يميلها إليهم، يريد بذلك أن يشهد الله عليهم، يقال: نكبت الإناء نكبًا ونكبته تنكيبًا إذ أماله وكبه (اللهم اشهد) أي على عبادك بأنهم أقروا بأني قد بلغت. والمعنى ((اللهم اشهد أنت إذ كفى بك شهيدًا)) . قال الزرقاني في شرح المواهب: فإن قيل ليس في هذه الخطبة ذكر شيء من المناسك فيرد ذلك على قول الفقهاء ((يعلمهم الخطيب ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى)) أجيب بأنه ﷺ اكتفى بفعله للمناسك عن بيانه بالقول لأنه أوضح، واعتنى بما أهمه في الخطبة التي قالها. والخطباء بعد ليست أفعالهم قدوة ولا الناس يعتنون بمشاهدتها ونقلها فاستحب لهم البيان بالقول، وفيه حجة للمالكية وغيرهم أن خطبة عرفة فردة إذ ليس فيه أنه خطب خطبتين. وما روي في بعض الطرق أنه خطب خطبتين، فضعيف كما قاله البيهقي وغيره. قلت: روى الشافعي بسنده عن جابر قال: راح النبي ﷺ إلى الموقف بعرفة فخطب الناس الخطبة الأولى، ثم أذن بلال، ثم أخذ النبي ﷺ في الخطبة الثانية ففرغ من الخطبة وبلال من الأذان، ثم أقام بلال فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر. قال الشوكاني في
стр. 4011
ثلاث مرات. ثم أذن بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئًا.
ــ
النيل (ج ٤: ص ٢٨٧) : حديث جابر هذا أخرجه أيضًا البيهقي وقال: تفرد به إبراهيم بن أبي يحيى، وفي حديث جابر الطويل الذي أخرجه مسلم ما يدل على أنه ﷺ خطب ثم أذن بلال، ليس فيه ذكر أخذ النبي ﷺ في الخطبة الثانية وهو أصح، ويترجح بأمر معقول هو أن المؤذن قد أمر بالإنصات للخطبة، فكيف يؤذن ولا يستمع الخطبة. قال المحب الطبري: وذكر الملا في سيرته أن النبي ﷺ لما فرغ من خطبته أذن بلال وسكت رسول الله ﷺ فلما فرغ بلال من الأذان تكلم بكلمات ثم أناخ راحلته وأقام بلال الصلاة، وهذا أولى مما ذكره الشافعي، إذ لا يفوت به سماع الخطبة من المؤذن – انتهى كلام الشوكاني. وقال الطبري بعد ذكر رواية الملا من سيرته ما لفظه: وهذا وإن كان قريبًا مما ذهب إليه الشافعي إلا أنه ليس فيه أن الخطبة تكون مع الأذان، ثم إن تلك الكلمات لم يقل إنها كانت خطبة – انتهى. (ثم أذن بلال) لم يقع لفظ بلال في مسلم وإنما هو عند الدارمي وابن ماجة وابن الجارود والبيهقي، وزاد الدارمي ((بنداء واحد)) (ثم أقام فصلى العصر) أي جمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر، وهذا الجمع كجمع المزدلفة جمع نسك عند الحنفية وبعض أصحاب الشافعي، وجمع سفر عند الشافعي وأكثر أصحابه، فمن كان حاضرًا أو مسافرًا دون مرحلتين كأهل مكة لم يجز له الجمع عند الشافعي كما لا يجوز له القصر. والحديث يدل على أن الجمع بين الظهر والعصر بعرفة بأذان واحد وإقامتين، واختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال، الأول: أداؤهما بأذان واحد وإقامتين لحديث جابر هذا، وإليه ذهب أبو حنيفة والثوري والشافعي وأبو ثور وأحمد في رواية ومالك في رواية، وبه قال ابن القاسم وابن الماجشون وابن المواز من المالكية. والقول الثاني: بإقامتين من غير أذان، وروي ذلك عن ابن عمر. قال ابن قدامة في شرح قول الخرقي ((وإن أذن فلا بأس)) كأنه ذهب إلى أنه مخير بين أن يؤذن للأولى أو لا يؤذن. وكذا قال أحمد، لأن كلاً مروي عن رسول الله ﷺ ، والأذان أولى، وهو قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي – انتهى. والقول الثالث: بأذانين وإقامتين وهو الأشهر من مذهب مالك كما في الجلاب، وهو المذكور في المدونة، وروي ذلك عن ابن مسعود. قال ابن قدامة: وإتباع ما جاء في السنة أولى. واعلم أنه اشترط الحنفية للجمع بين الظهر والعصر بعرفة الجماعة فيهما والإمام الأعظم أو نائبه، بخلاف الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، فلم يشترطوا له الإمام ونائبه ولا الجماعة، وإليه ذهب الثوري والنخعي، ولا يشترط الإمام ولا الجماعة عند مالك والشافعي وأحمد وهو الراجح عندنا (ولم يصل بينهما شيئًا) أي من السنن والنوافل، وذلك للاستعجال بالوقوف. قال الطبري: قوله ((ثم أذن ثم أقام)) قال ابن المنذر: عرف جابر أن وقت الأذان في يوم عرفة عند فراغ الإمام من خطبته. وقال الشافعي: يخطب الخطبة الثانية مع استفتاح المؤذن بالأذان ويفرغ من فراغه، ويستدل بحديث رواه عن جابر فذكر الحديث الذي قدمناه. قال الطبري: وهذا يغاير حديث مسلم
стр. 4012
ثم ركب حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات،
ــ
من وجهين أحدهما في وقت الأذان والثاني في مكان الخطبة، فإن مسلمًا ذكر أن الخطبة كانت ببطن الوادي قبل إتيان الموقف، والشافعي ذكر أنها بعد إتيان عرفة وحديث مسلم أصح، ويترجح بوجه معقول، وهو أن المؤذنين قد أمروا بالإنصات كما أمر به سائر الناس، وكيف يؤذن من قد أمر بالإنصات؟ ثم لا يبقى للخطبة معنى، إذ يفوت المقصود منها أكثر الناس لاشتغال سمعهم بالأذان عن استماعها، قال البيهقي: وهذا التفصيل في ابتداء بلال بالأذان، وأخذ النبي ﷺ في الخطبة الثانية ففرغ من الخطبة وبلال من الأذان مما تفرد به ابن أبي يحيى، ثم ذكر الطبري رواية الملا من سيرته، وقد ذكرناها مع كلامه عليها قبل ذلك، ثم قال الطبري: وقال مالك: إن شاء يؤذن والإمام يخطب، وإن شاء يؤذن بعد الفراغ من الخطبة. وقال مرة أخرى إذا فرغ الإمام من الخطبة ابتدأ بالأذان ثم بالإقامة ثم بالصلاة. قال ابن حزم: وهذا القول الثاني عن مالك هو الصحيح الذي لا يجوز تعديه لصحته عن رسول الله ﷺ ، وبه نأخذ إقتداء برسول الله ﷺ ، فلا خير في مخالفته. قال الطبري: وجمعه ﷺ بالناس بعرفة دليل على جواز الجمع في السفر القصير، إذ لم ينقل عن أحد من أهل مكة التخلف عن الصلاة معه ﷺ ، فإن الجمع بعلة النسك، وفي المسألة ثلاثة أقوال، أحدها: أنه بعلة أصل السفر، الثاني، بعلة السفر الطويل، الثالث: بعلة النسك. وقال في موضع آخر: قد اختلف أصحابنا هل كان جمعه ﷺ بعلة مطلق السفر أو الطويل أو بعلة النسك؟ والظاهر أنه بعلة النسك حتى يجوز للآفاقي والمكي والمزدلفي والمعرفي، وعلى الأول لا يجوز للمعرفي، وعلى الثاني لا يجوز لغير الآفاقي، ولا خلاف أنه سنة، حتى لو صلى كل صلاة وحدها في وقتها جاز (ثم ركب) أي القصواء كما في رواية ابن الجارود أي وسار (حتى أتى الموقف) أي أرض عرفات، أو اللام للعهد والمراد موقفه الخاص ويؤيده قوله (فجعل بطن ناقته القصواء) بالجر (إلى الصخرات) بفتحتين، قال الطيبي: أي منتهيًا إليها، وتعقبه الأبي فقال: إن كان الوقوف على الصخرات صح هذا التقدير، والأظهر أنه تجوز بالبطن عن الوجه، والتقدير: وجعل وجه ناقته، وهذا إن كانت الصخرات في قبلته لأنه إنما وقف مستقبل القبلة. وقال القرطبي: يعني أنه علا على الصخرات ناحية منها حتى كانت الصخرات تحاذي بطن ناقته. قال الولي العراقي: لا حاجة إلى هذا لأن من وقف بحذاء صخرة على ناقة صار بطنها بحذائها أي إلى جانبها، وليس يشترط في محاذاة بطن الناقة لها أن يكون عاليًا عليها – انتهى. وقال الطبري: ظاهر قوله ((جعل بطن ناقته إلى الصخرات)) يدل على أنه كان واقفًا على الصخرات حتى يكون بطن الناقة إليها، ويؤيده ما رواه ابن إسحاق في سيرته أنه ﷺ قال: ((هذا الموقف)) للجبل الذي كان واقفًا عليه - انتهى. قال النووي: الصخرات حجرات مفترشات في أسفل جبل الرحمة وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات فهذا هو الموقف المستحب. وأما ما اشتهر بين العوام من الاعتناء بصعود الجبل وتوهمهم أنه لا يصح الوقوف إلا فيه فغلط، بل الصواب جواز الوقوف في
стр. 4013
وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة، فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس،
وذهبت الصفرة قليلاً، حتى غاب القرص،
ــ
كل جزءٍ من أرض عرفات، وأن الفضيلة في موقف رسول الله ﷺ عند الصخرات، فإن عجز فليقرب منه بحسب الإمكان. وأما وقت الوقوف فهو ما بين زوال الشمس يوم عرفة وطلوع الفجر الثاني من يوم النحر فمن حصل بعرفات في جزء من هذا الزمان صح وقوفه، ومن فاته ذلك فاته الحج. هذا مذهب الشافعي وجماهير العلماء، وقال مالك: لا يصح الوقوف في النهار منفردًا بل لا بد من الليل وحده، فإن اقتصر على النهار لم يصح وقوفه، وقال أحمد: يدخل وقت الوقوف من الفجر يوم عرفة، وأجمعوا على أن أصل الوقوف ركن لا يصح الحج إلا به (وجعل المشاة بين يديه) الحَبْل بفتح الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة ثم لا هو المستطيل من الرمل، وقيل: هو التل الضخم منه والمشاة بضم الميم جمع ماشٍ، وأضيف الحبل إليه لاجتماعهم هناك من الموقف، والمراد به صف المشاة ومجتمعهم في مشيهم تشبيها بحبل الرمل. وقيل: أراد طريقهم الذي يسلكونه في الرمل. وقال النووي: روي حبل بالحاء المهملة وإسكان الباء، وروي جبل بالجيم وفتح الباء، قال القاضي عياض: الأول أشبه بالحديث، وحبل المشاة أي مجتمعهم، وحبل الرمل ما طال منه وضخم. وأما بالجيم فمعناه طريقهم، وحيث تسلك الرجالة، وتعقبه الولي العراقي بأن ما ذكره من رواية هذه اللفظة بوجهين، وترتب هذين المعنيين على هذين الوجهين لم أره في كلام القاضي لا في الإكمال ولا في المشارق ولا في كلام غيره أيضًا - انتهى. وقال الطبري: حبل المشاة بالحاء المهملة مفتوحة والباء موحدة ساكنة ثم لام أي صفهم ومجتمعهم في مشيهم، فكأنه عبر بحبل المشاة عن المشاة أنفسهم، وقد ضبطه بعضهم بالجيم وصححه شيخنا أبو عمرو بن الصلاح في منسكه، قال: وبه شهدت المشاهدة، وذكره بعض من صنف في الأمكنة المتعلقة بالحجيج وهو الظاهر – انتهى. (واستقبل القبلة) فيه أنه يستحب استقبال القبلة في الوقوف بعرفة (فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس) قال القاري: أي أكثرها أو كادت أن تغرب (وذهبت الصفرة قليلاً) أي ذهابًا قليلاً (حتى غاب القرص) قال القاري: أي جميعه – انتهى. هكذا هو في جميع النسخ مسلم بلفظ ((حتى)) بفوقية فتحتية، ولأبي داود (والبيهقي) ((حين)) بتحتية فنون، وقيل إنه الصواب، وهو مفهوم الكلام، ولحتى وجه قاله عياض. وقال النووي: ويحتمل أن الكلام على ظاهره ويكون قوله ((حتى غاب القرص)) بيانًا لقوله ((غربت الشمس وذهبت الصفرة)) لأن غروبها قد يطلق مجازًا على مغيب معظم القرص، فأزال ذلك الاحتمال بقوله حتى غاب القرص – انتهى. وقال القاري: قيل: صوابه حين غاب القرص، وفيه نظر إذ لا يظهر معنى لقوله ((ذهبت الصفرة قليلاً حين غاب القرص)) وكأن القائل غفل عن قيد القلة وذهل عن الرواية التي تطابق الدراية – انتهى. وفيه تنبيه على الاحتياط والمكث بعد الغروب حتى تذهب الصفرة لأجل الحائل من الجبال،
стр. 4014
وأردف أسامة، ودفع حتى أتى المزدلفة،
ــ
وفي وقوفه ﷺ على راحلته وإطالته الوقوف عليها دليل على إباحة ذلك مطلقًا خلافًا لمن كرهه، ويحتمل أن يكون ذلك مقصورًا على ما هو قرابة دون غيره من المباح وعلى ما خف أمره دون الأحمال الثقال والمحامل الثقيلة بالركبان المتعددة لما فيه من إتعاب الحيوان من غير ضرورة (وأردف أسامة) أي ابن زيد، وفي مسلم وغيره ((أردف أسامة خلفه)) وكذا هو في المصابيح، وسقط لفظ ((خلفه)) من جميع نسخ المشكاة. قال النووي: فيه جواز الإرداف إذا كانت الدابة مطيقة، وقد تظاهرت به الأحاديث. وقال الطبري: وإردافه ﷺ أسامة رخصة في ركوب اثنين على بعير واحد، وأن ذلك لا ينقص من منصب الجليل شيئًا، وبيان فضل أسامة بتخصيصه بذلك دون من حضره في ذلك الوقت، وكذلك فضل الفضل في إردافه في ثاني الحال، وفضل عليٍّ باستنابته في النحر وبإشراكه في هديه (ودفع) أي ابتدأ السير ودفع نفسه ونحاها أو دفع ناقته وحملها على السير، قاله الجزري. وقال السيوطي: أي خرج من عرفات، وفي رواية ((أفاض وعليه السكينة)) وفي مسلم ((ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق)) (بفتح الشين المعجمة والنون المخففة فقاف أي ضم وضيق) للقصواء الزمام (يعني ضم رأسها إليه وبالغ في الضم، يقال شنق لها وأشنق) حتى أن رأسها ليصيب مَوْرِك رحله (بفتح الميم وسكون الواو وكسر الراء هو الموضع الذي يثني الراكب رجله عليه قدام واسطة الرحل إذا مل من الركوب، وقال عياض: هو بفتح الراء وهو قطعة أدم محشوة تجعل في مقدم الرحل شبه المخدة الصغيرة يضع الراكب رجليه عليها متوركًا ليستريح من وضعهما في الركاب، أراد أنه قد بالغ في جذب رأسها إليه ليكفها عن السير، ورَحْله بفتح الراء وسكون الحاء المهملة. قال القسطلاني: وفي نسخة لمسلم ((رجله)) بكسر الراء بعدها جيم. قال النووي: وفي هذا استحباب الرفق في السير من الراكب بالمشاة وبأصحاب الدواب الضعيفة) ويقول بيده اليمنى (أي يشير بها) أيها الناس السكينة السكينة (بالنصب أي الزموا السكينة وهي الرفق والطمأنينة وعدم الزحمة، فالنصب على الإغراء. قال النووي: فيه أن السكينة في الدفع من عرفات سنة، فإذا وجد فرجة يسرع كما ثبت في الحديث الآخر) كلما أتى حِبلاً من الحِبال (بالحاء المهملة المكسورة جمع حبل وقد تقدم معناه) وأرخى لها قليلاً (أي أرخى للقصواء الزمام إرخاءً قليلاً أو زمانًا قليلاً) حتى تصعد (بفتح التاء المثناة فوق من صعد، وروي بضمها من أصعد يقال: صعد في الجبل وأصعد في الأرض لا غير أي ذهب وسار، ومنه قوله تعالى ﴿إذ تصعدون﴾ (٣: ١٥٣) (حتى أتى المزدلفة) أصله مزتلفة فأبدل من التاء دال لقرب المخرج وهي موضع بين عرفة ومنى وكلها من الحرم، وهي المسماة بجَمْع – بفتح الجيم وسكون الميم وعين مهملة، وسميت جمعًا لأن آدم وحواء ﵉ بعد ما أهبطا إلى الأرض كل واحد في موضع اجتمعا به. وقيل: لأنه يجمع فيها بين صلاتين المغرب والعشاء. وقيل: لأن الناس يجتمعون فيها، وسميت بالمزدلفة لذلك أيضًا من الازدلاف وهو الاجتماع، وقيل:
стр. 4015
فصلى بها المغرب والعشاء،
ــ
لأنهم يزدلفون إلى الله تعالى أي يتقربون إليه بالوقوف بها. وقيل لأن آدم أزلف إلى حواء بها أي دنا وقرب منها. والازدلاف الاقتراب والتقرب والزلفة والزلفى القربة. وقيل لاقترابهم فيها من منى، يقال ((له زلفى عند فلان)) أي قربى منه. وقال النووي: المزدلفة من التزلف والازدلاف وهو التقرب، لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها أي مضوا إليها وتقربوا منها. وقيل: سميت بذلك لمجيء الناس إليها في زلف من الليل أي ساعات. قال: والمزدلفة كلها من الحرم، وحدها ما بين مازمي عرفة ووادي محسر، وليس هذان الحدان منها. ويدخل في المزدلفة جميع تلك الشعاب والجبال الداخلة في الحد المذكور. قال الشاه ولي الله الدهلوي: إنما دفع ﷺ من عرفات بعد الغروب ردًا لتحريف الجاهلية، فإنهم كانوا لا يدفعون إلا قبل الغروب ولأن قبل الغروب غير مضبوط وبعد الغروب أمر مضبوط، وإنما يؤمر في مثل ذلك اليوم بالأمر المضبوط. قال: والسر في المبيت بمزدلفة أنه كان سنة قديمة فيهم، ولعلهم اصطلحوا عليها لما رأوا من أن للناس اجتماعًا لم يعهد مثله في غير هذا الموطن، ومثل هذا مظنة أن يزاحم بعضهم ويحطم بعضهم بعضًا. وإنما براحهم بعد المغرب وكانوا طول النهار في تعب يأتون من كل فج عميق فلو تجشموا أن يأتوا منى والحال هذه لتعبوا (فصلى بها المغرب والعشاء) أي جمع بينهما في وقت العشاء. قال: المحب الطبري: وهذا الجمع سنة بإجماع من العلماء، وإنما اختلفوا فيما لو صلى كل صلاة في وقتها فعند أكثر العلماء يجوز. وقال الثوري وأصحاب الرأي: إن صلى المغرب دون مزدلفة فعليه الإعادة، وجوزوا في الظهر والعصر أن يصلى كل صلاة في وقتها مع كراهية – انتهي. وقال الرافعي: لو انفرد بعضهم في الجمع بعرفة أو بمزدلفة أو صلى إحدى الصلاتين مع الإمام والأخرى وحده جاز. ويجوز أن يصلى المغرب بعرفة أو في الطريق، وقال أبو حنيفة: لا يجوز ويجب الجمع بمزدلفة – انتهي. وقال النووي: في الحديث أن السنة للدافع من عرفات أن يؤخر المغرب إلى وقت العشاء، ويكون هذا التأخير بنية الجمع ثم يجمع بينهما في المزدلفة في وقت العشاء وهذا مجمع عليه، لكن مذهب أبي حنيفة وطائفة أنه يجمع بسبب النسك، ويجوز لأهل مكة والمزدلفة ومنى وغيرهم. والصحيح عند أصحابنا أنه جمع بسبب السفر فلا يجوز إلا لمسافر سفرًا يبلغ به مسافة القصر، وللشافعي قول ضعيف أنه يجوز الجمع في كل سفر وإن كان قصيرًا، وقال بعض أصحابنا: هذا الجمع بسبب النسك كما قال أبو حنيفة. قال أصحابنا ولو جمع بينهما في وقت المغرب في أرض عرفات أو في الطريق أو في موضع آخر أو صلى كل واحدة في وقتها جاز جميع ذلك لكنه خلاف الأفضل، هذا مذهبنا وبه قال جماعات من الصحابة والتابعين، وقاله الأوزاعي وأبو يوسف وأشهب وفقهاء أصحاب الحديث. وقال أبو حنيفة وغيره من الكوفيين: يشترط أن يصليهما بالمزدلفة ولا يجوز قبلها. وقال مالك: لا يجوز أن يصليهما قبل المزدلفة إلا من به أو بدابته عذر فله أن يصليهما قبل المزدلفة بشرط كونه بعد مغيب الشفق – انتهي.
стр. 4016
بأذان واحد وإقامتين،
ــ
قلت: مذهب الحنفية على ما ذكره أصحابهم أنه يعيد مغربًا أداه في الطريق أو عرفات ما لم يطلع الفجر، هذا قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف يجزئه وقد أساء. واستدل لأبي يوسف بأنه أداها في وقتها فلا تجب إعادتها كما بعد طلوع الفجر إلا أن التأخير من السنة فيصير مسيئًا بتركه، واستدل لهما بحديث أسامة ((الصلاة أمامك)) معناه وقت الصلاة، قالوا: وبه يفهم وجوب التأخير، وإنما وجب ليمكنه الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة فكان عليه الإعادة ما لم يطلع الفجر ليصير جامعًا بينهما، وإذا طلع الفجر لا يمكنه الجمع فتسقط الإعادة – انتهي. وقال الجمهور: معني قوله ((الصلاة أمامك)) أي موضع صلاة المغرب والعشاء أمامك وهو المزدلفة، وهو محمول عندهم على الأولوية (بأذان واحد وإقامتين) قال النووي: فيه أنه يصلي صلاة المغرب والعشاء في وقت العشاء بأذان للأولى وإقامتين لكل واحدة إقامة، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، وبه قال أحمد وأبو ثور وابن الماجشون المالكي والطحاوي الحنفي. وقال مالك: يؤذن ويقيم للأولي ويؤذن ويقيم أيضًا للثانية، وهو محكي عن ابن عمر وابن مسعود، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: بأذان واحد وإقامة واحدة، وللشافعي وأحمد قول أنه يصلي كل واحدة بإقامتها بلا أذان. وقال الثوري: يصليهما جميعًا بإقامة واحدة وهو يحكى أيضًا عن ابن عمر – انتهي. وقال الزبيدي في شرح الإحياء بعد ذكر حديث جابر الطويل عند مسلم أن النبي ﷺ صلى بالمزدلفة المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ما نصه: وهو قول أحمد وأصح قولي الشافعي وغيرهما من العلماء، وبه قال زفر من أصحابنا واختاره الطحاوي، ورجحه ابن الهمام، واستدلوا بحديث جابر هذا. وقال أبو حنيفة: بأذان واحد وإقامة واحدة لما أخرج أبو داود من حديث أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه قال: أقلبت مع ابن عمر من عرفات إلى المزدلفة فأذن وأقام أو أمر إنساناً فأذن وأقام فصلى بنا المغرب ثلاث ركعات ثم التفت إلينا فقال: الصلاة، فصلى بنا العشاء ركعتين، فقيل له في ذلك، فقال: صليت مع النبي ﷺ هكذا. وأخرج الطبراني عن أبي أيوب الأنصاري أن النبي ﷺ جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة بأذان واحد وإقامة واحدة، ثم ذكر الزبيدي ما رواه مسلم من حديث ابن عمر في الجمع بين الصلاتين بإقامة واحدة وما رواه أبو الشيخ من حديث ابن عباس كذلك. قال ابن الهمام: فقد علمت ما في هذا من التعارض فإن لم يرجع ما اتفق عليه الصحيحان على ما انفرد به مسلم وأبو داود حتى تساقطا، كان الرجوع إلى الأصل يوجب تعدد الإقامة بتعدد الصلاة كما في قضاء الفوائت بل أولى لأن الصلاة الثانية هنا وقتية، فإذا أقيم للأولى المتأخرة عن وقتها المعهود كانت الحاضرة أولى أن يقام لها بعدها. وقال مالك: بأذانين وإقامتين، واحتج بفعل ابن مسعود أخرجه أحمد والبخاري وابن أبي شيبة، ولفظ الأخير ((فلما أتي جمعًا أذن وأقام فصلى المغرب ثلاثاً ثم تعشى ثم أذن وأقام فصلى العشاء ركعتين)) ومنهم من قال: يجمع بينهما بإقامتين دون أذان واحتجوا بما رواه البخاري عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ صلى المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة بإقامة ولم يسبح بينهما ولا على أثر كل
стр. 4017
ولم يسبح بينهما شيئًا،
ــ
واحدة منهما، وأخرجه أبو داود وقال: ولم يناد في الأولى. وفي رواية عنده أيضًا ((ولم يناد في واحدة منهما)) وحكى البغوي والمنذري أن هذا قول الشافعي وإسحاق بن راهويه، وحكى غيرهما أن أصح قولي الشافعي أنه يجمع بينهما بأذان وإقامتين ومنهم من قال: بإقامة واحدة دون أذان، ودليلهم ما رواه الشيخان والنسائي عن ابن عمر أنه صلى بجمع المغرب والعشاء بإقامة واحدة ثم انصرف فقال هكذا صلى بنا رسول الله ﷺ في هذا المكان، وأخرجه أبو داود وزاد بعد قوله ((بإقامة واحدة)) ((ثلاثًا واثنين)) وبه قال سفيان الثوري وقال: أيهما فعلت أجزأك. قال المحب الطبري بعد ذكر هذه الروايات ما لفظه: وهذه الأحاديث المختلفة في هذا الباب توهم التضاد والتهافت، وقد تعلق كل من قال بقول منها بظاهر ما تضمنه ويمكن الجمع بين أكثرها فنقول قوله ((بإقامة واحدة)) أي لكل صلاة أو على صفة واحدة لكل منهما، ويتأيد برواية من صرح بإقامتين، ثم نقول: المراد بقول من قال كل واحدة يإقامة، أي ومع إحداهما أذان، تدل عليه رواية من صرح بأذان وإقامتين، وأما قول ابن عمر لما فرغ من المغرب ((الصلاة)) قد يوهم الاكتفاء بذلك دون إقامة، ويتأيد برواية من روى أنه صلاهما بإقامة واحدة، فنقول: يحتمل أنه قال ((الصلاة)) تنبيهًا لهم عليها لئلا يشتغلوا عنها بأمر آخر، ثم أقام بعد ذلك أو أمر بالإقامة، وليس في الحديث أنه اقتصر على قوله الصلاة ولم يقم، ونقول: العمدة من هذه الأحاديث كلها حديث جابر دون سائر الأحاديث، لأن من روى أنه جمع بإقامة معه زيادة علم على من روى الجمع دون أذان ولا إقامة، وزيادة الثقة مقبولة، ومن روى بإقامتين فقد أثبت ما لم يثبته من روى بإقامة فقضى به عليه، ومن روى بأذان وإقامتين وهو حديث جابر وهو أتم الأحاديث فقد أثبت ما لم يثبته من تقدم ذكره فوجب الأخذ به والوقوف عنده، ولو صح حديث مسند عن رسول الله ﷺ بمثل حديث ابن مسعود الذي أخذ به مالك من أذانين وإقامتين لوجب المصير إليه لما فيه من إثبات الزيادة، ولكن لا سبيل إلى التقدم بين يدي الله ورسوله ولا إلى الزيادة على ما صح عنه ﷺ انتهى. وقال ابن حزم: وأشد الاضطراب في ذلك عن ابن عمر فإنه روي عنه من عمله الجمع بينهما بلا أذان ولا إقامة، وروي عنه أيضًا بإقامة واحدة، وروي عنه موقوفاً بأذان واحد وإقامة واحدة، وروي عنه مسندًا الجمع بينهما بإقامتين، وروي عنه مسندًا بأذان واحد وإقامة واحدة – انتهى. وقد ظهر مما ذكرنا من كلام الزبيدي وابن الهمام والطبري وابن حزم أن الروايات في هذا الباب مختلفة جدًا وقد تقدم وجه التطبيق والجمع بينهما ورجحان وحدة الأذان لإقامة في الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة (ولم يسبح بينهما شيئًا) أي لم يصل بين المغرب والعشاء شيئًا من النوافل والسنن. والنافلة تسمى سبحة لاشتمالها على التسبيح ففيه المولاة بين الصلاتين المجموعتين. وقد ورد الفصل بينهما بإناخة كل إنسان بعيره في حديث أسامة عند الشيخين وهذا لا ينافي الموالاة. وأما سنة المغرب
стр. 4018
ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة،
ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام،
ــ
وراتبة العشاء فلم يرد ذكرها في حديث خلافًا لما هو المعتمد عند الحنفية (ثم اضطجع) أي للنوم تقوية للبدن ورحمة للأمة، لأن في نهاره عبادات كثيرة يحتاج إلى النشاط فيها (حتى طلع الفجر) قال في المواهب وشرحه: وترك ﵇ قيام الليل تلك الليلة ونام حتى أصبح لما تقدم له من الأعمال بعرفة من الوقوف من الزوال إلى ما بعد الغروب، واجتهاده ﵇ في الدعاء وسيره بعد الغروب إلى المزدلفة، واقتصر فيها على صلاة المغرب والعشاء قصرًا لها وجمعًا لهما جمع تأخير، ورقد بقية ليلته مع كونه ﵇ كان يقوم الليل حتى تورمت قدماه، ولكنه أراح نفسه الشريفة لما تقدم في عرفة من التعب، وقد قال: إن لجسدك عليك حقًا. ولما هو بصدده يوم النحر من كونه نحر بيده الشريفة ثلاثًا وستين بدنة، وباقي المائة نحره عليّ، وذهب إلى مكة لطواف الإفاضة ورجع إلى منى – انتهى. قال القاري: ثم المبيت عندنا سنة وعليه بعض المحققين من الشافعية، وقيل: واجب، وهو مذهب الشافعي، وقيل: ركن لا يصح الحج إلا به كالوقوف بعرفة وعليه جماعة من الأجلة. وقال مالك: النزول واجب والمبيت سنة، وكذا الوقوف بعده ثم المبيت بمعظم الليل، والصحيح أنه بحضور لحظة بالمزدلفة – انتهى. وقال النووي: بمزدلفة ليلة النحر بعد الدفع من عرفات نسك، وهذا مجمع عليه، لكن اختلف العلماء هل هو واجب أم ركن أم سنة؟ والصحيح من قولي الشافعي أنه واجب، لو تركه أثم وصح حجمه ولزمه دمه. والثاني أنه سنة لا إثم في تركه ولا يجب فيه دم ولك يستحب. وقال جماعة من أصحابنا: هو ركن لا يصح الحج إلا به كالوقوف بعرفات، قاله من أصحابنا ابن بنت الشافعي وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وقاله خمسة من أئمة التابعين وهم علقمة والأسود والشعبي والنخعي والحسن البصري، والله أعلم. والسنة أن يبقى بالمزدلفة حتى يصلي بها الصبح إلا الضعفة، فالسنة لهم الدفع قبل الفجر كما سيأتي في موضعه وفي أقل المجزئ من هذا المبيت ثلاثة أقوال عندنا، الصحيح: ساعة في النصف الثاني من الليل، والثاني: ساعة في النصف الثاني أو بعد الفجر قبل طلوع الشمس، والثالث: معظم الليل (فصلى الفجر حين تبين له الصبح) أي ظهر له. قال النووي: فيه أن السنة أن يبالغ بتقديم صلاة الصبح في هذا الموضع ويتأكد التبكير بها في هذا اليوم أكثر من تأكده في سائر السنة للإقتداء برسول الله ﷺ ، ولأن وظائف هذا اليوم كثيرة، فسن المبالغة بالتكبير للصبح ليتسع الوقت للوظائف (ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام) زاد في رواية أبي داود وابن ماجة وابن الجارود والبيهقي ((فرقى عليه)) والمشعر بفتح الميم والعين كما في القرآن، وقيل بكسر الميم، موضع خاص من المزدلفة، سمي بالمشعر لأنه معلم للعادة، والحرام لأنه من الحرم أو لحرمته. قال النووي: المَشعر بفتح الميم هذا هو الصحيح وبه جاء القرآن، وتظاهرت
стр. 4019
..............................................................
ــ
به روايات الحديث، ويقال أيضًا بكسر الميم، والمراد به هنا قزح بضم القاف وفتح الزاي وبحاء مهملة وهو جبل معروف في المزدلفة، وهذا الحديث حجة الفقهاء في أن المشعر الحرام هو قزح، وقال جماهير المفسرين وأهل السير والحديث: المشعر الحرام جميع المزدلفة – انتهى. وقال المحب الطبري (ص ١٢٦) : في قوله ((حتى أتى المشعر الحرام)) حجة لمن قال: المشعر الحرام هو الجبل الصغير المعروف بالمزدلفة يقال له قزح، والأفصح في المشعر فتح الميم، وأكثر كلام العرب بكسرها، ولا نعرف الكسر في القراءة إلا شاذًا – انتهى. وقد روى الشيخان من حديث جابر أن النبي ﷺ وقف بالمزدلفة وقال: وقفت ها هنا ومزدلفة كلها موقف. وروى أبو داود والترمذي وصححه من حديث عليّ أن النبي ﷺ لما أصبح يجمع أتى قزح فوقف عليه، وقال: هذا قزح وهو الموقف وجمع كلها موقف. وروى سعيد بن منصور من حديث ابن عمر: أنه رأى ناسًا يزدحمون على الجبل الذي يقف عليه الإمام، فقال: يا أيها الناس! لا تشقوا على أنفسكم، ألا إن ما ها هنا مشعر كله. وعنه قال: المشعر الحرام المزدلفة كلها. أخرجه أبو ذر، ذكر هذه الأحاديث الطبري (ص ٣٧٩) ثم قال حديث ابن عمر هذا مصرح بأن المشعر الحرام هو المزدلفة، وكذلك تضمنه كثير من كتب التفسير في قوله تعالى ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ (٢: ١٩٨) وحديث عليّ وجابر يدلان على أن قزح هو المشعر الحرام وهو المعروف في كتب الفقه، فتعين أن يكون في أحدهما حقيقة وفي الآخر مجازًا دفعًا للاشتراك، إذ المجاز خير منه، فترجح احتماله عند التعارض فيجوز أن يكون حقيقة في قزح، فيجوز إطلاقه على الكل لتضمنه إياه، وهو أظهر الاحتمالين في الآية، فإن قوله تعالى ((عند المشعر الحرام)) يقضي أن يكون الوقوف في غيره وتكون المزدلفة كلها عنده، لما كانت كالحريم له، ولو أريد بالمشعر الحرام المزدلفة لقال: في المشعر الحرام، ويجوز أن يكون حقيقة في المزدلفة كلها، وأطلق على قزح وحده تجوزًا لاشتمالها عليه، وكلاهما وجهان من وجوه المجاز، أعني إطلاق اسم الكل على البعض، وبالعكس. وهذا القائل يقول: حروف المعاني يقوم بعضها مقام بعض، فقامت ((عند)) مقام ((في)) ومنه ((ولهم اللعنة)) أي عليهم، وفي الحديث والأثر ما يصدق كل واحد من الاحتمالين، وقزح موضع من المزدلفة وهو موقف قريش في الجاهلية، إذ كانت لا تقف بعرفة. وقال الجوهري: قزح اسم جبل بالمزدلفة. قال الطبري: وقد بني عليه بناء، فمن تمكن من الرقي عليه رقى، وإلا وقف عنده مستقبل القبلة، فيدعو ويكبر ويهلل ويوحد ويكثر من التلبية إلى الإسفار، ولا ينبغي أن يفعل ما تطابق عليه الناس اليوم من النزول بعد الوقوف من درج في وسطه ضيقة يزدحم الناس على ذلك حتى يكاد يهلك بعضهم بعضًا، وهو بدعة شنيعة بل يكون نزوله من حيث رقيه من الدرج الظاهرة الواسعة. وقد ذكر ابن الصلاح في منسكه: أن قزح جبل صغير آخر المزدلفة، ثم قال أي ابن الصلاح بعد ذلك: وقد استبدل الناس بالوقوف على الموضع الذي ذكرناه الوقوف على بناء مستحدث في وسط المزدلفة، ولا تتأدى به هذه
стр. 4020
فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا،
ــ
السنة، هذا آخر كلامه، والظاهر أن البناء إنما هو على الجبل كما تقدم ذكره، ولم أر ما ذكره لغيره – انتهى كلام الطبري. (فاستقبل القبلة) يعني الكعبة (فدعاه) وفي لفظ ((فحمد الله)) أخرجه أبو داود وابن ماجة وابن الجارود والبيهقي. قال المحب الطبري: يستحب للحاج أن يدعو بدعاء ابن عمر المتقدم في فصل ركعتي الطواف وبعد السعي، يريد بذلك ما رواه أبو ذر عن ابن عمر أنه كان إذا قدم حاجًا طاف بالبيت سبوعًا ثم صلى ركعتين يطيل فيهما الجلوس فيكون جلوسه أطول من قيامه لمدحه ربه وطلبه حاجته، يقول مرارًا: اللهم اعصمني بدينك وطاعتك وطواعية رسولك، اللهم جنبني حدودك، اللهم اجعلني ممن يحبك، ويحب ملائكتك، ويحب رسلك، ويحب عبادك الصالحين. اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك وإلى رسلك وإلى عبادك الصالحين. اللهم يسرني لليسرى، وجنبني العسرى، واغفر لي في الآخرة والأولى. اللهم اجعلني أوف بعهدك الذي عاهدت عليه واجعلني من أئمة المتقين ومن ورثة جنة النعيم، واغفر لي خطيئتي يوم الدين. وكان يقول ذلك على الصفا والمروة وبعرفات وبجمع وعلى الجمرتين وفي الطواف. قال الطبري: وفي رواية بعد قوله ((واغفر لي خطيئتي يوم الدين)) : اللهم إنك قلت: ادعوني استجب لكم وإنك لا تخلف الميعاد، اللهم إذ هديتني للإسلام فلا تنزعني منه ولا تنزعه مني حتى تتوفاني عليه وقد رضيت عني، اللهم لا تقدمني لعذاب ولا تؤخرني لسيء العيش. أخرجه سعيد بن منصور، وأخرج مالك طرفًا منه، وأخرجه بكماله ابن المنذر (وكبره) أي قال: الله أكبر (وهلَّلَه) أي قال: لا إله إلا الله (ووحده) أي قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلخ. فالنبي ﷺ أحق من يعمل بقوله تعالى: ﴿فاذكروا الله عن المشعر الحرام واذكروه كما هداكم﴾ (٢: ١٩٨) (فلم يزل واقفًا) فيه أن الوقوف على قزح من مناسك الحج وهذا لا خلاف فيه. قال الشاه ولي الله الدهلوي: وإنما شرع الوقوف بالمشعر الحرام لأنه كان أهل الجاهلية يتفاخرون ويتراؤن فأبدل من ذلك إكثار ذكر الله ليكون كابحاً عن عادتهم ويكون التنويه بالتوحيد في ذلك المواطن كالمنافسة،كأنه قيل: هل يكون ذكركم الله أكثر أو ذكر أهل الجاهلية مفاخرهم أكثر؟ (حتى أسفر جدًا) أي أضاء الفجر إضاءة تامة، فالضمير في أسفر يعود إلى الفجر المذكور أولاً، وقوله ((جدًا)) بكسر الجيم أي إسفارًا بليغًا. قال المحب الطبري: هذا كمال السنة في المبيت بالمزدلفة، وعليه اعتمد من أوجب ذلك. وقال أبو حنيفة: إذا لم يكن بها بعد طلوع الفجر لزمه دم إلا لعذر من ضعف أو غيره، فإن كان بها أجزأه وإن لم يكن قبله، وهو ظاهر ما نقله البغوي عن مالك وأحمد، وفي وجوب المبيت عندنا قولان الأصح وجوبه، والمعتمد فيه أدنى جزء بعد نصف الليل إلى طلوع الفجر هذا هو المشهور، وللشافعي قول آخر ((إلى طلوع الشمس)) فمن كان بها فيه فلا شيء عليه وإن لم يكن قبله، ومن دفع قبله فعليه دم على الأصح – انتهى. وقال ابن عابدين: الوقوف عند المشعر الحرام واجب عندنا لا سنة
стр. 4021
فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس، حتى أتى بطن محسر فحرك قليلاً،
ــ
والبيتوتة بمزدلفة سنة مؤكدة إلى الفجر لا واجبة خلافاً للشافعي فيهما كما في اللباب (فدفع) أي ذهب إلى منى (قبل أن تطلع الشمس) هذا صريح في أنه ﷺ ذهب إلى منى قبل طلوع الشمس، وبه أخذ الجمهور. قال النووي: قال ابن مسعود وابن عمر وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء: لا يزال واقفًا فيه يدعو ويذكر حتى يسفر الصبح جدًا كما في الحديث. وقال مالك: يدفع منه قبل الإسفار. قال الطبري: قال أهل العلم: وهذه سنة الإسلام أن يدفع من المزدلفة عند الإسفار قبل طلوع الشمس. قال طاوس: كان أهل الجاهلية يدفعون من عرفة قبل أن تغيب الشمس ومن المزدلفة بعد أن تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير، فأخر الله هذه وقدم هذه. قال الشافعي: يعني قدم المزدلفة قبل أن تطلع الشمس وأخر عرفة إلى أن تغيب الشمس (وأردف الفضل بن عباس) أي بدل أسامة (حتى أتي بطن محسر) بضم الميم وفتح الحاء وكسر السين المشددة المهملتين، اختلفوا في محسر فقيل: هو واد بين مزدلفة ومنى. قال ابن القيم: ومحسر برزخ بين منى ومزدلفة لا من هذه ولا من هذه. وقيل: ما صب منه في المزدلفة فهو منها، وما صب منه في منى فهو منها، وصوبه بعضهم. وقد جاء ((ومزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر)) فيكون على هذا قد أطلق بطن محسر، والمراد منه ما خرج من مزدلفة، وإطلاق اسم الكل على البعض جائز مجازًا شائعًا. وقال الطحاوي: ليس وادي محسر من منى ولا من المزدلفة، فالاستثناء في قوله ((إلا وادي محسر)) منقطع. قال الطبري: سمي بذلك لأنه حسر فيه قيل أصحاب الفيل أي أعيي، وقيل: لأنه يحسر سالكيهم ويتعبهم، يقال حسرت الناقة أتعبتها، وأهل مكة يسمون هذا الوادي وادي النار، يقال: أن رجلاً اصطاد فيه فنزلت نار فأحرقته (فحرك قليلاً) أي حرك ناقته وأسرع السير قليلاً. قال النووي: هي سنة من سنن السير في ذلك الموضع. قال أصحابنا: يسرع الماشي ويحرك الراكب دابته في وادي محسر ويكون ذلك قدر رمية بحجر – انتهى. قال الشافعي في الأم: وتحريكه ﷺ الراحلة فيه يجوز أن يكون فعل ذلك لسعة الموضع. قال الطبري: وهكذا كل من خرج من مضيق في قضاء جرت العادة بتحريكه فيه، وقيل يجوز أن يكون فعله لأنه مأوى الشياطين. وقيل لأنه كان موقفًا للنصارى فاستحب الإسراع فيه. وقال الأسنوي: وظهر لي معنى آخر في حكمة الإسراع وهو أنه مكان نزل فيه العذاب على أصحاب الفيل القاصدين هدم البيت فاستحب فيه الإسراع لما ثبت في الصحيح أمره المار على ديار ثمود ونحوهم بذلك. قال ابن القيم: وهذه كانت عادته ﷺ في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه وكذلك فعل في سلوكه الحجر وديار ثمود، تقنع بثوبه وأسرع السير – انتهى. وقال الشاه ولى الله الدهلوي: إنما أوضع بالمحسر لأنه محل هلاك أصحاب الفيل فمن شأن من خاف الله وسطوته أن يستشعر الخوف في ذلك الموطن ويهرب من الغضب، ولما
стр. 4022
ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها
ــ
كان استشعاره أمرًا خفيًا ضبط بفعل ظاهر مذكر له منبه للنفس عليه - انتهى. قال الزرقاني: وهذا الجواب أي ما قاله الطبري وابن القيم والأسنوي في وجه التسمية بمحسر وفي حكمة الإسراع فيه مبني على قول الأصح خلافه، وهو أن أصحاب الفيل لم يدخلوا الحرم وإنما أهلكوا قرب أوله. وقال القاري: المرجح عند غير هؤلاء أنهم لم يدخلوه، وإنما أصابهم العذاب قبيل الحرم قرب عرفة فلم ينج منهم إلا واحد أخبر من ورائهم (ثم سلك الطريق الوسطي) وهي غير طريق ذهابه إلى عرفات، وذلك كان بطريق ضب، وهذا طريق المازمين وهما جبلان. قال النووي: فيه أن سلوك هذا الطريق في الرجوع من عرفات سنة، وهو غير الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات. وهذا معنى قول أصحابنا يذهب إلى عرفات في طريق ضب، ويرجع في طريق المازمين ليخالف الطريق تفاؤلاً بغير الحال كما فعل ﷺ في دخول مكة حين دخلها من الثنية العليا وخرج من الثنية السفلى، وخرج إلى العيد في طريق ورجع في طريق آخر، وحول ردائه في الاستسقاء (التي تخرج) وفي رواية النسائي وأبي داود والدارمي وابن ماجة وابن الجارود والبيهقي ((التي تخرجك)) (على الجمرة الكبرى) قال النووي: الجمرة الكبرى هي العقبة وهي الجمرة التي عند الشجرة (حتى أتى) عطف على سلك أي حتى وصل (الجمرة التي عند الشجرة) أي جمرة العقبة، هذا يدل على أنه كان إذ ذاك هناك شجرة (فرماها) أي ضحى كما في رواية. أعلم أنه ذكر الغزالي في الإحياء ما يدل على أن رمى الجمار أمري تعبدي والعقل والنفس معزولان فيه كغالب أعمال الحجاج، وهو الذي صرح به العارفون في كتبهم، وربما يفهم منه أنه غير معقول المعنى، وليس إلا التعبد والتشبه بإبراهيم ﵇ فقط. قال الزبيدي متعقبًا على كلام الغزالي: وهو ليس على ظاهره، فإن رمى الجمار اعتبار لأهله في سياقه غموض ودقة، ثم ذكره على سبيل الإجمال. من شاء الوقوف عليه فليرجع إلى شرح الإحياء وقال الشاه ولى الله الدهلوي: والسر في رمى الجمار ما ورد في نفس الحديث من أنه إنما جعل لإقامة ذكر الله ، وتفصيله أن أحسن أنواع توقيت الذكر وأكملها وأجمعها لوجوه التوقيت أن يوقت بزمان وبمكان ويقام معه ما يكون حافظًا لعدده محققًا لوجوده على رؤوس الأشهاد حيث لا يخفى شيء، وذكر الله نوعان يقصد به الإعلان بانقياده لدين الله، والأصل فيه اختيار مجامع الناس دون الإكثار، ومنه الرمي، ولذلك لم يؤمر بالإكثار هناك، ونوع يقصد به انصباغ النفس بالتطلع للجبروت، وفيه الإكثار، وأيضًا ورد في الأخبار ما يقتضى أنه سنة سنها إبراهيم ﵇ حين طرد الشيطان، ففي حكاية مثل هذا الفعل تنبيه للنفس أي تنبيه - انتهى. قال النووي: في حديث أن السنة للحاج إذا دفع من مزدلفة فوصل منى أن يبدأ بجمرة العقبة ولا يفعل شيئاً قبل رميها، ويكون ذلك قبل نزوله. وأما حكم الرمي فالمشروع منه يوم النحر رمى جمرة العقبة لا غير بإجماع المسلمين وهو نسك بإجماعهم. ومذهبنا أنه
стр. 4023
بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف
ــ
واجب ليس بركن، فإن تركه حتى فاتته أيام الرمي عصى ولزمه دم وصح حجه، وقال مالك: يفسد حجه (بسبع حصيات) فيه أن الرمي بسبع حصيات. قال النووي: ويجب رميها بسبع حصيات، فلو بقيت منهن واحدة لم يكفه الست – انتهى. وعند الحنفية إذا ترك أكثر السبع لزمه دم كما لو لم يرم أصلاً، وأن ترك أقل منه كثلاث فما دونها فعليه لكل حصاة صدقة ولا يشترط الموالاة بين الرميات بل يسن ويكره تركها. قال النووي: ولا يجوز عند الشافعي والجمهور الرمي بالكحل والزرنيخ والذهب والفضة وغير ذلك مما يسمى حجراً وجوزه أبو حنيفة بكل ما كان من أجزاء الأرض أي من جنسها كالحجر والمدر والتين والمغرة، وكل ما يجوز التيمم به (يكبر مع كل حصاة منها) قال النووي: فيه أنه يسن التكبير مع كل حصاة، وفيه أنه يجب التفريق بين الحصيات فيرميهن واحدة واحدة، فإن رمى السبعة رمية واحدة حسب ذلك كله حصاة واحدة عندنا وعند الأكثرين، وموضع الدلالة لهذه المسألة قوله ((يكبر مع كل حصاة فهذا تصريح بأنه رمى كل حصاة وحدها مع قوله ﷺ في الحديث الآتي بعد هذا في أحاديث الرمي " لتأخذوا عنى مناسككم " انتهى. (مثل حصى الخَذْف) بفتح الخاء وسكون الذال المعجمتين. قال في النهاية: الخذف هو رميك حصاة أو نواة تأخذها بين سبابتيك وترمي بها. والمراد بيان مقدار الحصى التي يرمي بها في الصغر والكبر، وفسروا حصى الخذف بقدر حبة الباقلاء. قال النووي: فيه أن قدر الحصيات بقدر حصى الخذف وهو نحو حبة الباقلاء، وينبغي أن لا يكون أكبر ولا أصغر، فإن كان أكبر أو أصغر أجزأه بشرط كونه حجرًا. وقال المحب الطبري: قال عطاء بن أبي رباح حصى الخذف مثل طرف الإصبع. وقال الشافعي: هو أصغر من الأنملة طولاً وعرضًا، ومنهم من قال: كقدر النواة، ومنهم من قال: بقدر الباقلاء. وفيه تنبيه على استجاب الرمي بذلك – انتهى. وقوله ((مثل حصى الخذف)) هكذا في جميع النسخ من المشكاة والمصابيح، وهكذا وقع عند بعض رواة مسلم وكذا رواه أبو داود والبيهقي، ووقع في أكثر نسخ مسلم ((يُكَبِّرُ مع كل حصاة منها حصى الخذف)) أي بغير لفظة مثل، وكذا وقع عند ابن الجارود وكذا نقله المحب الطبري. قال الطيبي: حصى الخذف بدل من الحصيات. وقال النووي: هكذا هو في النسخ، وكذا نقله القاضي عياض عن معظم النسخ. قال: وصوابه ((مثل حصى الخذف)) قال: وكذلك رواه غير مسلم، وكذا رواه بعض رواة مسلم، هذا كلام القاضي. قلت: والذي في النسخ من غير لفظة مثل هو الصواب بل لا يتجه غيره ولا يتم الكلام إلا كذلك، ويكون قوله (حصى الخذف)) متعلقًا بحصيات، أي رماها بسبع حصيات حصى الخذف يكبر مع كل حصاة، فحصى الخذف متصل بحصيات، واعترض بينهما ((يكبر مع كل حصاة)) وهذا هو الصواب والله أعلم – انتهى كلام النووي. قال القاري بعد نقل كلام النووي: وعندي أن اتصال حصى الخذف بقوله مع كل حصاة أقرب لفظًا وأنسب
стр. 4024
رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليًا
فنحر ما غبر، وأشركه في هديه،
ــ
معنى، ومع هذا الاعتراض ولا تخطئة على إحدى النسختين، فإن تعلقه بحصاة أو حصيات لا ينافي وجود مثل لفظًا أو تقديرًا، غايته أنه إذا كان موجودًا فهو واضح معنى وإلا فيكون من باب التشبيه البليغ، وهو حذف أداة التشبيه أي كحصى الخذف بل لا يظهر للتعلق غير هذا المعنى. فالروايتان صحيحتان، وما سيأتي في الحديث عن جابر رواه الترمذي بلفظ ((وأمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف)) وروى مسلم عنه بلفظ ((رمى الجمرة بمثل حصى الخذف)) يرجح وجود المثل ويؤيد تقديره، والله تعالى أعلم بالصواب (رمى من بطن الوادي) قال القاري: بدل من قوله ((فرماها)) أو استيناف مبين وهو الأظهر. قال النووي: فيه أن السنة أن يقف للرمي في بطن الوادي بحيث يكون منى وعرفات والمزدلفة عن يمينه ومكة عن يساره، وهذا هو الصحيح الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة، وقيل يقف مستقبل الكعبة وكيفما رمى أجزأه (ثم انصرف) أي رجع عن جمرة العقبة (إلى المَنْحر) بفتح الميم أي موضع النحر، قال الزرقاني: موضع معروف بمنى وكلها منحر كما في الحديث. قال ابن التين: منحر النبي ﷺ عند الجمرة الأولى التي تلي المسجد، فللنحر فيه فضيلة على غيره لقوله ((هذا المنحر وكل منى منحر)) . وقال عياض: فيه دليل على أن المنحر موضع معين من منى. وحيث يذبح منها أو من الحرم أجزأه (فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده) قال القاري: الظاهر أن لفظ المشكاة جمع بين الروايتين، فإن الرواية الصحيحة ((ثلاثًا وستين بيده)) بدون لفظة بدنة، قال النووي: هكذا هو في النسخ ثلاثًا وستين بيده، وكذا نقله القاضي عن جميع الرواة سوى ابن ماهان، فإنه رواه بدنة. قال: وكلاهما صواب، الأول أصوب. قلت: وكلاهما حري فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده. وقال المحب الطبري: قوله: ((ثلاثًا وستين بيده)) فيه دليل على استحباب ذبح المرء نسيكته بيده، وعند ابن ماهان بدنة مكان بيده، وكل صواب، وبيده أصوب، لقوله ((ثم أعطى عليًا فنحر ما غبر)) ويجوز أن يقال بدنة أصوب لأن قوله ((بيده)) لا يفيد أن المنحور بدن أو غيرها بخلاف قوله بدنة، وإسناد الفعل إليه يفيد أنه فعل بنفسه من حيث الظاهر فلا حاجة إلى قوله بيده، وذكر بعض أهل المعاني أن نحر النبي ﷺ ثلاثًا وستين بيده إشارة إلى منتهى عمره، ويكون قد أهدى من كل عام بدنة – انتهى. وقال الشاه ولي الدين الدهلوي: إنما نحر بيده هذا العدد ليشكر ما أولاه الله في كل سنة من عمره ببدنة (ثم أعطى) أي بقية البدن (عليًا فنحر) أي عليّ (ما غَبَر) بفتح المعجمة والموحدة وبالراء أي ما بقي من المائة (وأشركه) أي النبي ﷺ عليًا (في هديه) أي في نفس الهدي، ويحتمل أنه أشركه في نحره، قال النووي: ظاهره أنه شاركه في نفس الهدي، قال القاضي عياض: وعندي أنه لم يكن تشريكًا حقيقة بل أعطاه قدرًا يذبحه – انتهى. وفيه جواز الاستنابة في ذبح الهدي، وذلك جائز بالإجماع إذا
стр. 4025
.............................................................................
ــ
كان النائب مسلمًا، وفيه استحباب تعجيل ذبح الهدايا وإن كانت كثيرة في يوم النحر ولا يؤخر بعضها إلى أيام التشريق قاله النووي. وقد روى أبو داود عن عليّ لما نحر رسول الله ﷺ بدنه فنحر ثلاثين بيده وأمرني فنحرت سائرها، وفيه محمد بن إسحاق وقد عنعن، وبه أعله المنذري. وروى أبو داود أيضًا عن غرفة (بغين معجمة مفتوحة، وقيل مهملة وهو وهم، وقال الخزرجي: بضم أوله وإسكان ثانيه، وقال الفتني في المغني: بغين وراء وفاء مفتوحات) بن الحارث الكندي: شهدت رسول الله ﷺ في حجة الوداع وأتى بالبدن فقال: ادعو لي أبا حسن، فدعي له عليّ، فقال: خذ بأسفل الحربة وأخذ رسول الله ﷺ بأعلاها، ثم طعنا بها البدن، فلما فرغا ركب بغلته وأردف عليًا، وجمع الولي العراقي باحتمال أنه ﷺ انفرد بنحر ثلاثين بدنة، وهي التي ذكرت في حديث عليّ، واشترك هو وعليّ في نحر ثلاث وثلاثين بدنة، وهي المذكورة في حديث غرفة، وقول جابر ((نحر ثلاثًا وستين)) مراده كل ما له دخل في نحره إما منفردًا به أو مع مشاركة عليّ، وجمع الحافظ بين حديثي عليّ وجابر بأنه ﷺ نحر ثلاثين ثم أمر عليًا أن ينحر فنحر سبعًا وثلاثين، ثم نحر ﷺ ثلاثًا وثلاثين، قال: فإن ساغ هذا وإلا فما في الصحيح أصح أي مع مشاركة عليّ ليلئم مع حديث غرفة وإن لم يذكره. وقال عياض: الظاهر أنه ﷺ نحر البدن التي جاءت معه من المدينة وكانت ثلاثًا وستين كما رواه الترمذي، وأعطى عليًا البدن التي جاءت معه من اليمن وهي تمام المائة. وقال الطبري بعد ذكر حديث غرفة: يجوز أن يكون هذا في غير المائة المذكورة أو يكون في الثلاث وستين منها، وأضيف الفعل إليه ﷺ لأن من مسك بأعلى الحربة كان هو المتمكن من النحر دون الآخر والله أعلم. وقد روى أنس أن النبي ﷺ نحر في حجته سبع بدنات. أخرجه البخاري. وذكره ابن حزم وقال في الجمع بين الأحاديث: يخرجوا هذا على وجوه، أحدها، أنه ﷺ لم ينحر بيده أكثر من هذه للسبع، وأمر من نحر ما بعد ذلك إلى ثلاث وستين بحضرته ثم غاب وأمر عليًا بنحر ما بقي إما بنفسه أو بالإشراف على ذلك. الثاني: أن يكون أنس لم يشاهد إلا نحره ﷺ سبعًا فقط بيده وشاهد جابر تمام نحره ﷺ الباقي فأخبر كل منهما بما رأى. الثالث: أنه نحر بيده منفردًا سبع بدن، ثم أخذ هو وعليّ الحربة فنحرا كذلك تمام ثلاث وستين كما قال غرفة بن الحارث الكندي، ثم انفرد عليّ بنحر الباقي من المائة كما قال جابر. قال ابن القيم: فإن قيل: فكيف تصنعون بالحديث الذي رواه أحمد وأبو داود عن عليّ قال: لما نحر رسول الله ﷺ بدنه فنحر ثلاثين بيده وأمرني فنحرت سائرها؟ قلنا: هذا غلط، انقلب على الراوي، فإن الذي نحر ثلاثين هو علي والنبي ﷺ نحر سبعًا بيده لم بشاهده علي ولا جابر، ثم نحر ثلاثًا وستين أخرى فبقى من المائة ثلاثون فنحرها عليّ فانقلب على الراوي عدد ما نحره علي بما نحره النبي ﷺ ، فإن قيل: فما تصنعون بحديث عبد الله بن قرط؟ قال: قرب لرسول الله ﷺ بدنات خمس فطفقن يزدلفن إليه بأيهن يبدأ؟ الحديث أخرجه أبو داود وغيره، قيل: نقبله ونصدقه، فإن المائة لم تقرب إليه جملة، وإنما كانت تقرب إليه إرسالاً فقرب منهن
стр. 4026
ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها،
ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت،
ــ
إليه خمس بدنات رسلاً، وكان ذلك الرسل يبادرن ويتقربن إليه ليبدأ بكل واحدة منهن – انتهى. وقال الطبري بعد ذكر وجوه الجمع المذكورة عن ابن حزم: ليس في واحد من هذه الوجوه الثلاثة جمع بين الأحاديث الثلاثة، فإن الأول والثاني يخرج منهما حديث غرفة، والثالث يخرج منه حديث جابر، والأولى أن يقال: نحر سبعًا منفردًا، ثم تمام الثلاث والستين هو وعلي، ونسب الفعل إليه ﷺ لما ذكرناه، ثم أمر عليًا بنحر ما بقي من المائة، والله أعلم (ثم أمر من كل بدنة) أي من المائة (ببضعة) بفتح الباء الثانية أي بقطعة من لحمها. قال النووي: البَضعة بفتح الباء لا غير وهي القطعة من اللحم. وقال الجوهري: هذه بالفتح وأخواتها بالكسر مثل القطعة والفلذة والفدرة والكسفة والخرقة، وفي العدد تكسر وتفتح مذكرًا كان أو مؤنثًا (فجعلت) أي القطع (في قدر) بكسر القاف (فأكلا من لحمها) قال المظهري: الضمير المؤنث يعود إلى القدر لأنها مؤنث سماعي. قال الطيبي: ويحتمل أن يعود إلى الهدايا. قال النووي: قال العلماء: لما كان الأكل من كل واحدة سنة، وفي الأكل من كل واحدة من المائة منفردة كلفة جعلت في قدر أي جمعت في قدر واحدة ليكون تناوله من مرق الجميع كالأكل من جميعها. ويأكل من اللحم المجتمع في المرق ما تيسر. وفيه استحباب الأكل من الهدي والأضحية. وأجمع العلماء على أن الأكل من الهدي والأضحية سنة ليس بواجب، وقد استدل به على جواز الأكل من هدي المتعة والقران على القول بأنه كان متمتعًا أو قارنًا، وقد تقدم أن الأصح عند المحققين من الشافعية أنه ﷺ كان قارنًا في آخره، فيرد عليهم أنه كيف أكل من هداياه وكان فيها دم القران أيضًا فلم يكن إذًا كلها هدايا تطوع وأضحية، ولا يجوز الأكل من الهدي الواجب كهدي التمتع والقران والنذر في مذهب الشافعي؟ قال الطبري: ولا حجة في هذا الحديث عليهم، إذ الواجب عليه سبع بدنة ويكون الأكل من حصة التطوع – انتهى. ولا يخفى ما فيه من التعسف (فأفاض إلى البيت) أي أسرع إلى بيت الله ليطوف به طواف الإفاضة، ويسمى أيضًا طواف الزيارة وطواف الفرض والركن. قال الطبري: الإفاضة الدفع في السير. وقال ابن عرفة: أفاض من المكان إذا أسرع منه لمكان آخر. وقال غيره: أصل الإفاضة الصب فاستعير للدفع في السير، وأصله أفاض نفسه أو راحلته فرفضوا ذكر المفعول حتى أشبه غير المتعدي. وطواف الإفاضة هو الذي يكون إثر الإفاضة من منى إلى مكة، ويقال له أيضًا طواف الزيارة وطواف الفرض. قال النووي: طواف الإفاضة ركن من أركان الحج بإجماع المسلمين وأول وقته عندنا من نصف ليلة النحر وأفضله بعد رمي جمرة العقبة وذبح الهدي والحلق، ويكون ذلك ضحوة يوم النحر. ويجوز في جميع يوم النحر بلا كراهة، ويكره تأخيره عنه بلا عذر، وتأخيره عن أيام التشريق أشد كراهة، ولا يحرم تأخيره سنين متطاولة ولا آخر لوقته، بل يصح ما دام الإنسان حيًّا وشرطه أن يكون بعد الوقوف بعرفات، حتى لو طاف للإفاضة بعد نصف
стр. 4027
فصلى بمكة الظهر،
ــ
ليلة النحر قبل الوقوف ثم أسرع إلى عرفات فوقف قبل الفجر لم يصح طوافه لأنه قدمه على الوقوف – انتهى. وعند الحنفية أول وقت لطواف الإفاضة بعد طلوع الفجر يوم النحر وهو في يوم النحر الأول أفضل، ويمتد وقته إلى آخر العمر، فإن أخره عن أيام النحر كره تحريماً ووجب لترك الواجب وهذا عند الإمكان كذا في الدر المختار. وقال المحب الطبري: قد دلت الأحاديث على استحباب وقوع طواف الإفاضة في يوم النحر وأن يكون ضحوة النهار، وأول وقته عندنا الشافعية نصف الليل من ليلة النحر بدليل حديث أم سلمة أنها رمت الجمرة قبل الفجر ليلة النحر ثم مضت إلى مكة فأفاضت. وقال أبو حنيفة: أول وقته من طلوع الفجر ولا حد لآخر وقته عندنا ولا يجب بتأخيره عن أيام التشريق دم، وبه قال أحمد، وقال مالك: إن تطاول الزمان فعليه دم، وقال مرة لا شيء عليه. وقال أبو حنيفة: إن أخره إلى اليوم الثالث من أيام التشريق وجب عليه الدم وهو خلاف قول الكافة - انتهى. قال القاري: وأكثر العلماء ومنهم أبو حنيفة لا يجوز طواف الإفاضة بنية غيره خلافاً للشافعي حيث قال: لو نوى غيره كنذر أو وداع (أو تطوع أو قدوم) وقع الإفاضة - انتهى. واتفق العلماء على أنه لا يشرع في طواف الإفاضة رمل ولا اضطباع إذا كان قد رمل واضطبع في طواف القدوم (فصلى بمكة الظهر) قال النووي: فيه محذوف تقديره فأفاض فطاف بالبيت طواف الإفاضة ثم صلى الظهر، فحذف ذكر الطواف لدلالة الكلام عليه – انتهى. واختلف أين صلى النبي ﷺ الظهر يوم النحر؟ ففي رواية جابر هذه أنه صلى بمكة، وكذا قالت عائشة عند أبي داود وغيره، ولفظه عند أبي داود قال: أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق، الحديث وسيأتي في الفصل الثاني من باب خطبة يوم النحر ورمى أيام التشريق. وفي حديث ابن عمر في الصحيحين أنه ﷺ أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى. وقد ذكره المصنف في باب الحلق فهذا تعارض فرجح ابن حزم في كتاب حجة الوداع له قول عائشة وجابر وتبعه على ذلك جماعة بأربعة أوجه، أحدها: أنهما اثنان وهما أولى من الواحد وثانيها: أن عائشة أخص الناس به ولها من القرب والاختصاص ما ليس لغيرها، وثالثها: أن سياق جابر لحجته ﷺ من أولها إلى آخرها أتم سياق وهو أحفظ للقصة، وضبطها حتى ضبط جزئيتها، حتى أقر منها ما لا يتعلق بالمناسك وهو نزوله في الطريق فبال عند الشعب وتوضأ وضوءاً خفيفاً، فمن ضبط هذا القدر فهو يضبط صلاة صلاته الظهر يوم النحر أولى. ورابعها: أن حجة الوداع كانت في آذار (وهو الشهر السادس في السنة – يونيو أو حزيران – من الشهور الرومية الشمسية على ما قال صاحب القاموس: يستوي فيه الليل والنهار ولا يكون النهار أطول من الليل، أو هو الشهر الثالث – مارس – بين شباط (فبرائر) ونيسان (أبريل) من الشهور الرومية الشمسية على ما قال غيره، ويكون في الليل أطول
стр. 4028
..........................................................................
ــ
من النهار) قد دفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس إلى منى وخطب بها الناس ونحر بها بدنه المائة وقسمها وطبخ له من لحمها وأكل منه ورمى الجمرة وحلق رأسه وتطيب ثم أفاض وشرب من ماء زمزم ووقف عليهم وهم يسقون، وهذه أعمال يظهر منها أنها لا تنقضي في مقدار يمكن معه الرجوع إلى منى بحيث يدرك وقت الظهر في فصل آذار، ورجحت طائفة أخرى قول ابن عمر بأمور أربعة، أحدها: أنه لا يحفظ عنه في حجته ﷺ صلى أنه صلى الفرض بجوف مكة بل إنما كان يصلي بمنزله بالمسلمين مدة مقامه، فكان يصلي بهم أين نزلوا لا يصلي في مكان آخر غير المنزل العام، والثاني: أن حديث ابن عمر متفق عليه أي رواه الشيخان، وحديث جابر من أفراد مسلم التي انفرد بها عن البخاري، فحديث ابن عمر أصح، فإن رواته أحفظ وأشهر، ولاتفاق الشيخين عليه، والثالث: أن حديث عائشة قد اضطرب في وقت طوافه، فروي عنها أنه طاف نهارًا، وفي رواية لأحمد وأبي داود والترمذي عنها أنه ﷺ أخر الطواف إلى الليل (كما سيأتي) وفي رواية عند أبي داود عنها أنه أفاض أي طاف طواف الإفاضة من آخر يومه كما تقدم. والجمع وإن أمكن بين روايتها الثلاث بأن قولها ((إلى الليل)) أي إلى قربه بدليل قولها في الرواية الثانية من آخر يومه، وذلك بالنهار، وهو الرواية الأولى فلم تضبط فيه وقت الإفاضة ولا مكان الصلاة فتقدم رواية من ضبط، والرابع: أن حديث ابن عمر أصح منه بلا نزاع، حديث عائشة من رواية محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن ابن القاسم ولم يصرح بالسماع بل عنعن الحديث فلا يقدم على حديث عبد الله بن عمر، لأن رواته ثقات حفاظ مشاهير، وجمع النووي بين حديثي جابر وابن عمر بأنه ﷺ طاف للإفاضة قبل الزوال ثم صلى الظهر بمكة أول الوقت، ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرةً أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك فيكون متنفلاً بالظهر الثانية التي بمنى. قال: وما ورد عن عائشة وغيرها أنه أخر الزيارة يوم النحر إلى الليل فمحمول على أنه عاد للزيارة مع نسائه لا لطواف الإفاضة، كذا في المواهب وشرحه للزرقاني. وقد بسط ابن القيم الكلام في ذلك في الهدي بأكثر من هذا، من شاء فليراجعه، تنبيه: حديث ابن عمر المذكور كما عزاه الزرقاني إلى الصحيحين عزاه أيضًا إليهما المجد ابن تيمية والجزري والمنذري والمحب الطبري وهو وهمٌ منهم، فإن حديث ابن عمر هذا من أفراد مسلم لم يخرجه البخاري في صحيحه، نعم قال في باب ((الزيارة يوم النحر)) : وقال لنا أبو نعيم: ثنا سفيان عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه طاف طوافًا واحدًا، ثم يقيل ثم يأتي منى يعني يوم النحر. وهذا كما ترى موقوف على ابن عمر من فعله، وليس فيه ذكر صلاة الظهر، ثم قال البخاري: ورفعه عبد الرزاق قال حدثنا. فعلقه ولم يذكر لفظه، قال العيني: وصل هذا التعليق مسلم: أنبأنا محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى، وهكذا عزى حديث ابن عمر هذا إلى مسلم فقط الزيلعي في نصب الراية والبيهقي في معرفة السنن والسنن الكبرى والنابلسي في ذخائر المواريث وكل ذلك دليل على أن حديث ابن عمر من أفراد مسلم
стр. 4029
فأتى على بني عبد المطلب يسقون
ــ
مثل حديث جابر وعلى هذا فلا يصح ترجيح حديث ابن عمر على حديث جابر بأنه اتفق عليه الشيخان وهو الوجه الثاني من وجوه ترجيح حديث ابن عمر الأربعة المذكورة، هذا، وقد تعقب القاري على ما جمع به النووي بين حديثي جابر وابن عمر بأنه لا يحمل فعله ﷺ على القول المختلف في جوازه فيأول بأنه ﷺ صلى بمكة ركعتي الطواف وقت الظهر ورجع إلى منى فصلى الظهر بأصحابه، أو يقال: الروايتان حيث تعارضتا فقد تساقطتا فتترجح صلاته بمكة لكونها فيها أفضل، ثم قال متعقبًا على التأويل الذي أول النووي به حديث عائشة أنه أخر الزيارة إلى الليل بأنه لا دلالة على التأويل المذكور لا لفظًا ولا معنىً، ولا حقيقة ولا مجازًا مع الغرابة في عرض كلامه إلى أنه عاد للزيارة فالأحسن أن يقال: معناه جوز تأخير الزيارة مطلقًا إلى الليل أو أمر بتأخير زيارة نسائه إلى الليل - انتهى. وأجيب أيضًا عن حديث عائشة في تأخير طواف الزيارة: إلى الليل بأن أحاديث طواف الإفاضة يوم النحر نهارًا أصح وأثبت فإنها مروية في الصحيحين فترجح على ما يخالفها، وبأن تحمل الأحاديث الدالة على الطواف نهارًا يوم النحر، وحديث عائشة على الطواف في بقية أيام النحر، وبما قال ابن حبان من أنه ﷺ رمى جمرة العقبة ونحر ثم تطيب للزيارة ثم أفاض فطاف بالبيت طواف الزيارة ثم رجع إلى منى فصلى الظهر بها والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة بها، ثم ركب إلى البيت ثانيًا وطاف به طوافًا آخر بالليل، فعلى هذا ما رواه أحمد عن عائشة أن رسول الله ﷺ زار ليلاً، إما أن يكون المراد به طواف الوادع أو طواف تطوع وزيارة محضة نافلة، وقد روى البيهقي: أن رسول الله ﷺ كان يزور البيت كل ليلة من ليالي منى، وروى الطبراني أيضًا نحوه وسيأتي مزيد الكلام في حديث عائشة في باب خطبة يوم النحر ورمي أيام التشريق حيث ذكره المصنف من رواية عائشة وابن عباس ﵄، وقيل أي في وجه الجمع بين حديثي جابر وابن عمر: يحتمل أنه ﷺ صلى بمنى أيضًا مقتديًا خلف رجل من أصحابه وقال المحب الطبري: الجمع بين الروايات كلها ممكن إذ يحتمل أن يكون صلى منفردًا في أحد الموضعين ثم مع جماعة في الآخر أو صلى بأصحابه بمنى ثم أفاض فوجد قوماً لم يصلوا فصلى بهم، ثم لما رجع وجد قوماً آخرين لم يصلوا فصلى بهم لأنه ﷺ لا يتقدمه أحد في الصلاة، أو كرر الصلاة بمكة ومنى ليبين جواز الأمرين في هذا اليوم توسعة على الأمة، ويجوز أن يكون أذن في الصلاة في أحد الموضعين فنسب إليه وله نظائر – انتهى. والراجح عندنا في الجمع بين حديثيهما هو ما ذكره النووي بأنه ﷺ طاف طواف الإفاضة قبل الزوال ثم صلى الظهر بمكة في أول وقتها ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك فيكون متنفلاً بالظهر الثانية التي بمنى، وسيأتي شيء من الكلام في ذلك في شرح حديث ابن عمر في باب الحلق (فأتى) أي بعد فراغه من طواف الإفاضة (على بني عبد المطلب) هم أولاد العباس وجماعته لأن سقاية الحاج كانت وظيفته (يسقون) أي مر
стр. 4030
على زمزم، فقال: " انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم ". فناولوه دلوا فشرب منه.
ــ
عليهم وهم ينزعون الماء من بئر زمزم ويسقون الناس (على زمزم) قال النووي: معنى قوله ((يسقون على زمزم)) أي يغرفون بالدلاء ويصبونه في الحياض ونحوها ويسبلونه للناس، وأما ((زمزم)) فهي البئر المشهورة في المسجد الحرام بينها وبين الكعبة ثمان وثلاثون ذراعاً، قيل سميت زمزم لكثرة مائها، يقال ماء زمزوم وزمزم وزمازم إذا كان كثيراً. وقيل لضم هاجر ﵂ لمائها حين انفجرت وزمها إياه، وقيل: لزمزمة جبريل ﵇ وكلامه عند فجره إياها. وقيل إنها غير مشتقة ولها أسماء أخر ذكرتها في تهذيب اللغات مع نفائس أخرى تتعلق بها، منها أن علياً ﵁ قال: خير بئر في الأرض زمزم، وشر بئر في الأرض برهوت. قلت: أخرج الطبراني في الكبير من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام الطعم وشفاء السقم، وشر ماء على وجه الأرض ماء بوادي برهوت بقية حضر موت كرجل الجراد من الهوام تصبح تتدفق وتمسي لا بلال فيها. قال الهيثمي بعد عزوه للطبراني: ورجاله ثقات، وصححه ابن حبان. وبَرهُوت – بفتح الباء الموحدة والراء المهملة وضم الهاء وآخره تاء مثناة - بئر عتيقة بحضر موت لا يستطاع النزول إلى قعرها، ويقال: ((بُرْهوت)) بضم الباء وسكون الراء (انزعوا) بكسر الزاي من النزع وهو الاستقاء. قال النووي: معناه استقوا بالدلاء وانزعوها بالرشاء (بني عبد المطلب) يعني العباس ومتعلقيه بحذف حرف النداء. وفي حديث ابن عباس عند الشيخين ((أتى زمزم وهم يسقون عليها فقال: اعملوا فإنكم على عمل صالح)) (فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم) قال النووي: معناه لولا خوفي أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج ويزدحمون عليه بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستقاء لاستقيت معكم لكثرة فضيلة هذا الاستقاء – انتهى. وقيل: قال ذلك شفقة على أمته من الحرج والمشقة، والأول أظهر، وفيه بقاء هذه التكرمة لبني العباس كبقاء الحجابة لبني شيبة (فناولوه) أي أعطوه (فشرب منه) أي من الدلو أو من الماء. وفيه دليل على استجاب الشرب للناسك من ماء زمزم والإكثار منه. وذكر الواقدي أنه لما شرب صب على رأسه، وذكر أبو ذر في منسكه عن عليّ أن النبي ﷺ لما أفاض دعا بسجل من زمزم فتوضأ. وأخرجه أحمد أيضًا، وقال: فدعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ. وأخرجه أيضًا من حديث ابن عباس وفي رواية عنده أنهم لما نزعوا الدلو غسل منه وجهه وتمضمض فيه ثم أعادوه فيها، وكذلك أخرجه سعيد بن منصور. قيل: ويستحب أن يشرب قائمًا، واستدل لذلك بما روى البخاري من طريق عاصم عن الشعبي أن ابن عباس حدثهم قال: سقيت رسول الله ﷺ من زمزم فشرب وهو قائم. قال عاصم: فحلف عكرمة ما كان يومئذ إلا على بعير. وفي
следующие страницы →