← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت، ــ إليه خمس بدنات رسلاً، وكان ذلك الرسل يبادرن ويتقربن إليه ليبدأ بكل واحدة منهن – انتهى. وقال الطبري بعد ذكر وجوه الجمع المذكورة عن ابن حزم: ليس في واحد من هذه الوجوه الثلاثة جمع بين الأحاديث الثلاثة، فإن الأول والثاني يخرج منهما حديث غرفة، والثالث يخرج منه حديث جابر، والأولى أن يقال: نحر سبعًا منفردًا، ثم تمام الثلاث والستين هو وعلي، ونسب الفعل إليه ﷺ لما ذكرناه، ثم أمر عليًا بنحر ما بقي من المائة، والله أعلم (ثم أمر من كل بدنة) أي من المائة (ببضعة) بفتح الباء الثانية أي بقطعة من لحمها. قال النووي: البَضعة بفتح الباء لا غير وهي القطعة من اللحم. وقال الجوهري: هذه بالفتح وأخواتها بالكسر مثل القطعة والفلذة والفدرة والكسفة والخرقة، وفي العدد تكسر وتفتح مذكرًا كان أو مؤنثًا (فجعلت) أي القطع (في قدر) بكسر القاف (فأكلا من لحمها) قال المظهري: الضمير المؤنث يعود إلى القدر لأنها مؤنث سماعي. قال الطيبي: ويحتمل أن يعود إلى الهدايا. قال النووي: قال العلماء: لما كان الأكل من كل واحدة سنة، وفي الأكل من كل واحدة من المائة منفردة كلفة جعلت في قدر أي جمعت في قدر واحدة ليكون تناوله من مرق الجميع كالأكل من جميعها. ويأكل من اللحم المجتمع في المرق ما تيسر. وفيه استحباب الأكل من الهدي والأضحية. وأجمع العلماء على أن الأكل من الهدي والأضحية سنة ليس بواجب، وقد استدل به على جواز الأكل من هدي المتعة والقران على القول بأنه كان متمتعًا أو قارنًا، وقد تقدم أن الأصح عند المحققين من الشافعية أنه ﷺ كان قارنًا في آخره، فيرد عليهم أنه كيف أكل من هداياه وكان فيها دم القران أيضًا فلم يكن إذًا كلها هدايا تطوع وأضحية، ولا يجوز الأكل من الهدي الواجب كهدي التمتع والقران والنذر في مذهب الشافعي؟ قال الطبري: ولا حجة في هذا الحديث عليهم، إذ الواجب عليه سبع بدنة ويكون الأكل من حصة التطوع – انتهى. ولا يخفى ما فيه من التعسف (فأفاض إلى البيت) أي أسرع إلى بيت الله ليطوف به طواف الإفاضة، ويسمى أيضًا طواف الزيارة وطواف الفرض والركن. قال الطبري: الإفاضة الدفع في السير. وقال ابن عرفة: أفاض من المكان إذا أسرع منه لمكان آخر. وقال غيره: أصل الإفاضة الصب فاستعير للدفع في السير، وأصله أفاض نفسه أو راحلته فرفضوا ذكر المفعول حتى أشبه غير المتعدي. وطواف الإفاضة هو الذي يكون إثر الإفاضة من منى إلى مكة، ويقال له أيضًا طواف الزيارة وطواف الفرض. قال النووي: طواف الإفاضة ركن من أركان الحج بإجماع المسلمين وأول وقته عندنا من نصف ليلة النحر وأفضله بعد رمي جمرة العقبة وذبح الهدي والحلق، ويكون ذلك ضحوة يوم النحر. ويجوز في جميع يوم النحر بلا كراهة، ويكره تأخيره عنه بلا عذر، وتأخيره عن أيام التشريق أشد كراهة، ولا يحرم تأخيره سنين متطاولة ولا آخر لوقته، بل يصح ما دام الإنسان حيًّا وشرطه أن يكون بعد الوقوف بعرفات، حتى لو طاف للإفاضة بعد نصف

стр. 4027

فصلى بمكة الظهر، ــ ليلة النحر قبل الوقوف ثم أسرع إلى عرفات فوقف قبل الفجر لم يصح طوافه لأنه قدمه على الوقوف – انتهى. وعند الحنفية أول وقت لطواف الإفاضة بعد طلوع الفجر يوم النحر وهو في يوم النحر الأول أفضل، ويمتد وقته إلى آخر العمر، فإن أخره عن أيام النحر كره تحريماً ووجب لترك الواجب وهذا عند الإمكان كذا في الدر المختار. وقال المحب الطبري: قد دلت الأحاديث على استحباب وقوع طواف الإفاضة في يوم النحر وأن يكون ضحوة النهار، وأول وقته عندنا الشافعية نصف الليل من ليلة النحر بدليل حديث أم سلمة أنها رمت الجمرة قبل الفجر ليلة النحر ثم مضت إلى مكة فأفاضت. وقال أبو حنيفة: أول وقته من طلوع الفجر ولا حد لآخر وقته عندنا ولا يجب بتأخيره عن أيام التشريق دم، وبه قال أحمد، وقال مالك: إن تطاول الزمان فعليه دم، وقال مرة لا شيء عليه. وقال أبو حنيفة: إن أخره إلى اليوم الثالث من أيام التشريق وجب عليه الدم وهو خلاف قول الكافة - انتهى. قال القاري: وأكثر العلماء ومنهم أبو حنيفة لا يجوز طواف الإفاضة بنية غيره خلافاً للشافعي حيث قال: لو نوى غيره كنذر أو وداع (أو تطوع أو قدوم) وقع الإفاضة - انتهى. واتفق العلماء على أنه لا يشرع في طواف الإفاضة رمل ولا اضطباع إذا كان قد رمل واضطبع في طواف القدوم (فصلى بمكة الظهر) قال النووي: فيه محذوف تقديره فأفاض فطاف بالبيت طواف الإفاضة ثم صلى الظهر، فحذف ذكر الطواف لدلالة الكلام عليه – انتهى. واختلف أين صلى النبي ﷺ الظهر يوم النحر؟ ففي رواية جابر هذه أنه صلى بمكة، وكذا قالت عائشة عند أبي داود وغيره، ولفظه عند أبي داود قال: أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق، الحديث وسيأتي في الفصل الثاني من باب خطبة يوم النحر ورمى أيام التشريق. وفي حديث ابن عمر في الصحيحين أنه ﷺ أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى. وقد ذكره المصنف في باب الحلق فهذا تعارض فرجح ابن حزم في كتاب حجة الوداع له قول عائشة وجابر وتبعه على ذلك جماعة بأربعة أوجه، أحدها: أنهما اثنان وهما أولى من الواحد وثانيها: أن عائشة أخص الناس به ولها من القرب والاختصاص ما ليس لغيرها، وثالثها: أن سياق جابر لحجته ﷺ من أولها إلى آخرها أتم سياق وهو أحفظ للقصة، وضبطها حتى ضبط جزئيتها، حتى أقر منها ما لا يتعلق بالمناسك وهو نزوله في الطريق فبال عند الشعب وتوضأ وضوءاً خفيفاً، فمن ضبط هذا القدر فهو يضبط صلاة صلاته الظهر يوم النحر أولى. ورابعها: أن حجة الوداع كانت في آذار (وهو الشهر السادس في السنة – يونيو أو حزيران – من الشهور الرومية الشمسية على ما قال صاحب القاموس: يستوي فيه الليل والنهار ولا يكون النهار أطول من الليل، أو هو الشهر الثالث – مارس – بين شباط (فبرائر) ونيسان (أبريل) من الشهور الرومية الشمسية على ما قال غيره، ويكون في الليل أطول

стр. 4028

.......................................................................... ــ من النهار) قد دفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس إلى منى وخطب بها الناس ونحر بها بدنه المائة وقسمها وطبخ له من لحمها وأكل منه ورمى الجمرة وحلق رأسه وتطيب ثم أفاض وشرب من ماء زمزم ووقف عليهم وهم يسقون، وهذه أعمال يظهر منها أنها لا تنقضي في مقدار يمكن معه الرجوع إلى منى بحيث يدرك وقت الظهر في فصل آذار، ورجحت طائفة أخرى قول ابن عمر بأمور أربعة، أحدها: أنه لا يحفظ عنه في حجته ﷺ صلى أنه صلى الفرض بجوف مكة بل إنما كان يصلي بمنزله بالمسلمين مدة مقامه، فكان يصلي بهم أين نزلوا لا يصلي في مكان آخر غير المنزل العام، والثاني: أن حديث ابن عمر متفق عليه أي رواه الشيخان، وحديث جابر من أفراد مسلم التي انفرد بها عن البخاري، فحديث ابن عمر أصح، فإن رواته أحفظ وأشهر، ولاتفاق الشيخين عليه، والثالث: أن حديث عائشة قد اضطرب في وقت طوافه، فروي عنها أنه طاف نهارًا، وفي رواية لأحمد وأبي داود والترمذي عنها أنه ﷺ أخر الطواف إلى الليل (كما سيأتي) وفي رواية عند أبي داود عنها أنه أفاض أي طاف طواف الإفاضة من آخر يومه كما تقدم. والجمع وإن أمكن بين روايتها الثلاث بأن قولها ((إلى الليل)) أي إلى قربه بدليل قولها في الرواية الثانية من آخر يومه، وذلك بالنهار، وهو الرواية الأولى فلم تضبط فيه وقت الإفاضة ولا مكان الصلاة فتقدم رواية من ضبط، والرابع: أن حديث ابن عمر أصح منه بلا نزاع، حديث عائشة من رواية محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن ابن القاسم ولم يصرح بالسماع بل عنعن الحديث فلا يقدم على حديث عبد الله بن عمر، لأن رواته ثقات حفاظ مشاهير، وجمع النووي بين حديثي جابر وابن عمر بأنه ﷺ طاف للإفاضة قبل الزوال ثم صلى الظهر بمكة أول الوقت، ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرةً أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك فيكون متنفلاً بالظهر الثانية التي بمنى. قال: وما ورد عن عائشة وغيرها أنه أخر الزيارة يوم النحر إلى الليل فمحمول على أنه عاد للزيارة مع نسائه لا لطواف الإفاضة، كذا في المواهب وشرحه للزرقاني. وقد بسط ابن القيم الكلام في ذلك في الهدي بأكثر من هذا، من شاء فليراجعه، تنبيه: حديث ابن عمر المذكور كما عزاه الزرقاني إلى الصحيحين عزاه أيضًا إليهما المجد ابن تيمية والجزري والمنذري والمحب الطبري وهو وهمٌ منهم، فإن حديث ابن عمر هذا من أفراد مسلم لم يخرجه البخاري في صحيحه، نعم قال في باب ((الزيارة يوم النحر)) : وقال لنا أبو نعيم: ثنا سفيان عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه طاف طوافًا واحدًا، ثم يقيل ثم يأتي منى يعني يوم النحر. وهذا كما ترى موقوف على ابن عمر من فعله، وليس فيه ذكر صلاة الظهر، ثم قال البخاري: ورفعه عبد الرزاق قال حدثنا. فعلقه ولم يذكر لفظه، قال العيني: وصل هذا التعليق مسلم: أنبأنا محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى، وهكذا عزى حديث ابن عمر هذا إلى مسلم فقط الزيلعي في نصب الراية والبيهقي في معرفة السنن والسنن الكبرى والنابلسي في ذخائر المواريث وكل ذلك دليل على أن حديث ابن عمر من أفراد مسلم

стр. 4029

فأتى على بني عبد المطلب يسقون ــ مثل حديث جابر وعلى هذا فلا يصح ترجيح حديث ابن عمر على حديث جابر بأنه اتفق عليه الشيخان وهو الوجه الثاني من وجوه ترجيح حديث ابن عمر الأربعة المذكورة، هذا، وقد تعقب القاري على ما جمع به النووي بين حديثي جابر وابن عمر بأنه لا يحمل فعله ﷺ على القول المختلف في جوازه فيأول بأنه ﷺ صلى بمكة ركعتي الطواف وقت الظهر ورجع إلى منى فصلى الظهر بأصحابه، أو يقال: الروايتان حيث تعارضتا فقد تساقطتا فتترجح صلاته بمكة لكونها فيها أفضل، ثم قال متعقبًا على التأويل الذي أول النووي به حديث عائشة أنه أخر الزيارة إلى الليل بأنه لا دلالة على التأويل المذكور لا لفظًا ولا معنىً، ولا حقيقة ولا مجازًا مع الغرابة في عرض كلامه إلى أنه عاد للزيارة فالأحسن أن يقال: معناه جوز تأخير الزيارة مطلقًا إلى الليل أو أمر بتأخير زيارة نسائه إلى الليل - انتهى. وأجيب أيضًا عن حديث عائشة في تأخير طواف الزيارة: إلى الليل بأن أحاديث طواف الإفاضة يوم النحر نهارًا أصح وأثبت فإنها مروية في الصحيحين فترجح على ما يخالفها، وبأن تحمل الأحاديث الدالة على الطواف نهارًا يوم النحر، وحديث عائشة على الطواف في بقية أيام النحر، وبما قال ابن حبان من أنه ﷺ رمى جمرة العقبة ونحر ثم تطيب للزيارة ثم أفاض فطاف بالبيت طواف الزيارة ثم رجع إلى منى فصلى الظهر بها والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة بها، ثم ركب إلى البيت ثانيًا وطاف به طوافًا آخر بالليل، فعلى هذا ما رواه أحمد عن عائشة أن رسول الله ﷺ زار ليلاً، إما أن يكون المراد به طواف الوادع أو طواف تطوع وزيارة محضة نافلة، وقد روى البيهقي: أن رسول الله ﷺ كان يزور البيت كل ليلة من ليالي منى، وروى الطبراني أيضًا نحوه وسيأتي مزيد الكلام في حديث عائشة في باب خطبة يوم النحر ورمي أيام التشريق حيث ذكره المصنف من رواية عائشة وابن عباس ﵄، وقيل أي في وجه الجمع بين حديثي جابر وابن عمر: يحتمل أنه ﷺ صلى بمنى أيضًا مقتديًا خلف رجل من أصحابه وقال المحب الطبري: الجمع بين الروايات كلها ممكن إذ يحتمل أن يكون صلى منفردًا في أحد الموضعين ثم مع جماعة في الآخر أو صلى بأصحابه بمنى ثم أفاض فوجد قوماً لم يصلوا فصلى بهم، ثم لما رجع وجد قوماً آخرين لم يصلوا فصلى بهم لأنه ﷺ لا يتقدمه أحد في الصلاة، أو كرر الصلاة بمكة ومنى ليبين جواز الأمرين في هذا اليوم توسعة على الأمة، ويجوز أن يكون أذن في الصلاة في أحد الموضعين فنسب إليه وله نظائر – انتهى. والراجح عندنا في الجمع بين حديثيهما هو ما ذكره النووي بأنه ﷺ طاف طواف الإفاضة قبل الزوال ثم صلى الظهر بمكة في أول وقتها ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك فيكون متنفلاً بالظهر الثانية التي بمنى، وسيأتي شيء من الكلام في ذلك في شرح حديث ابن عمر في باب الحلق (فأتى) أي بعد فراغه من طواف الإفاضة (على بني عبد المطلب) هم أولاد العباس وجماعته لأن سقاية الحاج كانت وظيفته (يسقون) أي مر

стр. 4030

على زمزم، فقال: " انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم ". فناولوه دلوا فشرب منه. ــ عليهم وهم ينزعون الماء من بئر زمزم ويسقون الناس (على زمزم) قال النووي: معنى قوله ((يسقون على زمزم)) أي يغرفون بالدلاء ويصبونه في الحياض ونحوها ويسبلونه للناس، وأما ((زمزم)) فهي البئر المشهورة في المسجد الحرام بينها وبين الكعبة ثمان وثلاثون ذراعاً، قيل سميت زمزم لكثرة مائها، يقال ماء زمزوم وزمزم وزمازم إذا كان كثيراً. وقيل لضم هاجر ﵂ لمائها حين انفجرت وزمها إياه، وقيل: لزمزمة جبريل ﵇ وكلامه عند فجره إياها. وقيل إنها غير مشتقة ولها أسماء أخر ذكرتها في تهذيب اللغات مع نفائس أخرى تتعلق بها، منها أن علياً ﵁ قال: خير بئر في الأرض زمزم، وشر بئر في الأرض برهوت. قلت: أخرج الطبراني في الكبير من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام الطعم وشفاء السقم، وشر ماء على وجه الأرض ماء بوادي برهوت بقية حضر موت كرجل الجراد من الهوام تصبح تتدفق وتمسي لا بلال فيها. قال الهيثمي بعد عزوه للطبراني: ورجاله ثقات، وصححه ابن حبان. وبَرهُوت – بفتح الباء الموحدة والراء المهملة وضم الهاء وآخره تاء مثناة - بئر عتيقة بحضر موت لا يستطاع النزول إلى قعرها، ويقال: ((بُرْهوت)) بضم الباء وسكون الراء (انزعوا) بكسر الزاي من النزع وهو الاستقاء. قال النووي: معناه استقوا بالدلاء وانزعوها بالرشاء (بني عبد المطلب) يعني العباس ومتعلقيه بحذف حرف النداء. وفي حديث ابن عباس عند الشيخين ((أتى زمزم وهم يسقون عليها فقال: اعملوا فإنكم على عمل صالح)) (فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم) قال النووي: معناه لولا خوفي أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج ويزدحمون عليه بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستقاء لاستقيت معكم لكثرة فضيلة هذا الاستقاء – انتهى. وقيل: قال ذلك شفقة على أمته من الحرج والمشقة، والأول أظهر، وفيه بقاء هذه التكرمة لبني العباس كبقاء الحجابة لبني شيبة (فناولوه) أي أعطوه (فشرب منه) أي من الدلو أو من الماء. وفيه دليل على استجاب الشرب للناسك من ماء زمزم والإكثار منه. وذكر الواقدي أنه لما شرب صب على رأسه، وذكر أبو ذر في منسكه عن عليّ أن النبي ﷺ لما أفاض دعا بسجل من زمزم فتوضأ. وأخرجه أحمد أيضًا، وقال: فدعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ. وأخرجه أيضًا من حديث ابن عباس وفي رواية عنده أنهم لما نزعوا الدلو غسل منه وجهه وتمضمض فيه ثم أعادوه فيها، وكذلك أخرجه سعيد بن منصور. قيل: ويستحب أن يشرب قائمًا، واستدل لذلك بما روى البخاري من طريق عاصم عن الشعبي أن ابن عباس حدثهم قال: سقيت رسول الله ﷺ من زمزم فشرب وهو قائم. قال عاصم: فحلف عكرمة ما كان يومئذ إلا على بعير. وفي

стр. 4031

رواه مسلم. ــ الاستدلال بذلك على استحباب شرب ماء زمزم قائماً نظر، لأنه يجوز أن يكون الأمر فيه على ما حلف عليه عكرمة، وهو أنه شرب وهو على الراحلة، ويطلق عليه ((قائم)) ويكون ذلك مراد ابن عباس من قوله ((قائماً)) فلا يكون بينه وبين النهى عن الشرب قائماً تضاد، ويجوز أن يحمل على ظاهره ويكون دليلاً على إباحة الشرب قائماً يعنى أنه ﵊ شربه قائمًا لبيان الجواز. وقيل أو لعذر به في ذلك المقام من الطين أو الازدحام والله أعلم. فوائد: الأولى: أخرج أحمد وابن ماجة من حديث جابر مرفوعًا: " ماء زمزم لما شرب له ". وأخرجه الدارقطني وزاد: " إن شربته تستشفي به شفاك الله، وإن شربته ليشبعك أشبعك الله، وإن شربته لقطع ظمئك قطعه الله، وهي هزمة جبريل وسقيا الله إسماعيل ". وروى أبو داود الطيالسي من حديث أبي ذر مرفوعاً: " إنها مباركة، إنها طعام طعم وشفاء سقم ". وقد شربه جماعة من العلماء لمآرب فوجدوها ونالوها. الثانية: رُوي عن عائشة ﵂ أنها كانت تحمل من ماء زمزم وتخبر النبي ﷺ أنه كان يحمله، وأخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، والبيهقي والحاكم وصححه، قال الشوكاني: فيه دليل على استجاب حمل ماء زمزم إلى المواطن الخارجة عن مكة. وأخرج الأزرقي عن ابن أبي حسين قال: بعث رسول الله ﷺ إلى سهيل بن عمرو يستهديه من ماء زمزم فبعث إليه براويتين وجعل عليهما كرًا غوطيًا، قيل الكرجنس من الثياب الغلاظ، وعن ابن عباس أن النبي ﷺ استهدى سهيل بن عمرو من ماء زمزم. ذكره الهيثمي وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه عبد الله بن المؤمل المخزومي وثقه ابن سعد وابن حبان وقال: يخطئ، وضعفه جماعة. الثالثة: عن ابن عباس أنه قال: إذا شربت من ماء زمزم فاستقبل القبلة، واذكر اسم الله تعالى، وتنفس وتضلع منها، فإذا فرغت فاحمد الله، فإن رسول الله ﷺ قال: " إن بيننا وبين الناس أي المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم ". وعن عكرمة قال: كان ابن عباس إذا شرب من زمزم قال: اللهم إني أسالك علمًا نافعًا ورزقًا واسعًا وشفاءً من كل داء. أخرجهما الدارقطني وابن ماجة. والتضلع الامتلاء حتى تمتد أضلاعه. وفي هذين الأثرين بيان آداب شرب ماء زمزم (رواه مسلم) أي بطوله، وأخرجه أيضًا أبو نعيم في المستخرج على صحيح مسلم وأبو داود والدارمي وابن ماجة وابن الجارود في المنتقى (رقم ٤٦٥: ٤٦٩) والبيهقي (ج ٥: ص ٧ - ٩) كلهم من طريق جعفر بن محمد الصادق عن أبيه محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبي جعفر الباقر، قال: دخلنا على جابر بن عبد الله فسأل عن القوم حتى انتهى إليَّ فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين فأهوي بيده إلى رأسي فنزع زري الأعلى ثم زري الأسفل ثم وضع كفه بين ثديي وأنا يومئذ غلام شاب، فقال مرحبًا بك يا ابن أخي، سل عم شئت فسألته وهو أعمى وحضر وقت الصلاة فقام في نساجة متلحفًا بها، كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المشجب، فصلى بنا فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله ﷺ فقال بيده فعقد تسعاً، فقال: إن

стр. 4032

٢٥٨٠ – (٢) وعن عائشة، قالت: خرجنا مع النبي ﷺ في حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج، فلما قدمنا مكة قال رسول الله ﷺ : " من أهل بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما ". ــ رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، الحديث. وأخرج القسم الأكبر منه أبو داود الطيالسي في مسنده (رقم ١٦٦٨) ، وأحمد (ج ٣: ص٣٢٠ - ٣٢١) وعبد بن حميد وابن أبي شيبة والبزار. وروى قطعًا متفرقة منه مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي والدارمي وابن ماجة، ومالك في موطئه، ومن طريقه محمد في موطئه، والشافعي والطحاوي في شرح المعاني وفي مشكل الآثار، والطبراني في الصغير، والدارقطني في سننه، والحاكم في المستدرك، والبيهقي، وأحمد في مسنده، وابن سعد في الطبقات، وأبو نعيم في الحلية. ٢٥٨٠- قوله (وعن عائشة قالت: خرجنا) أي معاشر الصحابة (مع النبي ﷺ في حجة الوداع) وفي مسلم ((مع رسول الله ﷺ حجة الوداع)) والذي في المشكاة موافق لما ذكره الجزري في جامع الأصول (فمنا من أهل بعمرة) أي مفردة، والمعني: أحرم بها أو لبى بها مقرونة بالنية (ومنا من أهل بحج) أي مفرد أو مقرون بعمرة (فلما قدمنا) أي كلنا (مكة قال رسول الله ﷺ ) وفي صحيح مسلم ((حتى قدمنا مكة فقال رسول ﷺ )) وكان قدومهم مكة صبيحة الأحد رابع ذي الحجة (من أهل بعمرة ولم يهد) من الإهداء أي لم يكن معه هدي (فليَحلِل) بفتح الياء وكسر اللام، أي فليخرج من الإحرام بحلق أو تقصير (ومن أحرم بعمرة وأهدى) أي كان معه هدي (فليهل بالحج مع العمرة) التي أحرم بها، والمعنى لا يحل من عمرته بل يدخل الحج في العمرة ليكون قارنًا ففيه جواز إدخال الحج على العمرة (ثم لا يحل حتى يحل منهما) يعني لا يخرج من الإحرام ولا يحل له شيء من المحظورات حتى يتم العمرة والحج جميعًا. قال الولي العراقي في شرح رواية عروة عن عائشة عند مسلم ((فقال رسول الله ﷺ : من كان معه هدي فليهل بالحج مع عمرته، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا)) . قال المالكية والشافعية: هذه الرواية دالة على أن السبب في بقاء من ساق الهدي على إحرامه حتى يحل من الحج كونه أدخل الحج على العمرة، وأنه ليس السبب في ذلك مجرد سوق الهدي فما يقوله أبو حنيفة وأحمد ومن وافقهما إن المعتمر المتمتع إذا كان معه هدي لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر وهم تمسكوا بقوله في رواية عقيل عن الزهري في الصحيحين ((فقال رسول الله ﷺ : " من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه " ... الحديث. وهي ظاهرة في الدلالة لمذهبهم، لكن تأولها أصحابنا على أن معناها: ومن أحرم بعمرة وأهدى فليهل بالحج ولا يحل حتى ينحر هديه. واستدلوا على صحة هذا التأويل برواية عروة عن عائشة المتقدمة، وقالوا: هذا التأويل متعين، لأن القضية واحدة والراوي واحد فيتعين الجمع بين الروايتين – انتهى.

стр. 4033

وفي رواية: " فلا يحل حتى يحل بنحر هديه. ــ وذكر نحو ذلك الزرقاني في شرح الموطأ في شرح باب دخول الحائض مكة، وقال المحب الطبري (ص ٨٥) في شرح حديث ابن عمر عند الشيخين بلفظ ((فلما قدم النبي ﷺ مكة قال للناس: " من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم عليه حتى يقضي حجته، ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد)) الحديث. قال الطبري: قد تعلق أبو حنيفة بهذا الحديث واستدل له على ما ذهب إليه من أن المعتمر في أشهر الحج، المريد للحج إذا كان معه الهدي فلا يحل من عمرته ويبقى على إحرامه حتى يحج، ولا دلالة فيه، إذ يكون المراد به من جمع بين الحج والعمرة، ويدل عليه ما سيأتي في الفصل بعده – انتهى. يشير بذلك إلى ما رُوِيَ عن عائشة قالت: وأما من ساق الهدي منهم فأدخل الحج على عمرته ولم يحل، أخرجه ابن حبان. وقال الشوكاني: استدل بما في البخاري من حديث عائشة: ((من أحرم بعمرة فأهدى فلا يحل حتى ينحر)) على أن من اعتمر فساق هديًا لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر، وتأول ذلك المالكية والشافعية على أن معناه: من أحرم بعمرة فأهدى فأهل بالحج فلا يحل له حتى ينحر هديه. ولا يخفى ما فيه من التعسف – انتهى. (وفي رواية) أي بدل قوله: " ثم لا يحل حتى يحل منهما ". (فلا يحل) بالنفي، ويحتمل النهي (حتى يحل بنحر هديه) أي يوم النحر، فإنه لا يجوز له نحر الهدي قبله، وقوله ((حتى يحل بنحر هديه)) كذا في المشكاة والمصابيح، وفي مسلم ((حتى ينحر هديه)) . وفي جامع الأصول ((حتى يحل نحر هديه)) اعلم أن ها هنا روايتين أوردهما مسلم في صحيحه، الأولى: رواية عقيل عن ابن شهاب الزهري عن عروة عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج حتى قدمنا مكة فقال رسول الله ﷺ : " من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه، ومن أهل بحج فليتم بحجه ". قالت عائشة: فحضت، إلخ. والرواية الثانية: من طريق معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: خرجنا مع النبي ﷺ عام حجة الوداع فأهللت بعمرة ولم أكن سقت الهدي فقال النبي ﷺ : " من كان معه هدي فليهل بالحج مع عمرته ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا ". قالت: فحضت، إلخ. وقد ظهر بهذا ما وقع في سياق المشكاة تبعًا للبغوي من الخلل. قال الطيبي: قوله: ((ومن أحرم بعمرة وأهدى)) مع قوله ((وفي رواية حتى يحل بنحر هديه)) دل على أن من أحرم بعمرة وأهدى لا يحل حتى يحل بنحر هديه (وبه قال أبو حنيفة وأحمد) وقال مالك والشافعي: يحل إذا طاف وسعى وحلق. والرواية الأولى أعني قوله ((فليهل بالحج مع العمرة)) دلت على أنه أمر المعتمر بأن يقرن الحج بالعمرة فلا يحل إلا بنحر هذا الهدي فوجب حمل هذه الرواية الثانية على الأخرى، لأن القصة واحدة – انتهى. وقال النووي: قوله (أي في رواية عقيل عن الزهري عن عروة) : من أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه. هذا الحديث ظاهر في الدلالة لمذهب أبي حنيفة وأحمد

стр. 4034

ومن أهل بحج فليتم حجه ". قالت: فحضت، ولم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، ــ وموافقيهما في أن المعتمر المتمتع إذا كان معه هدي لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر. ومذهب مالك والشافعي وموافقيهما أنه إذا طاف وسعى وحلق حل من عمرته وحل له كل شيء في الحال سواء كان ساق هديًا أم لا. واحتجوا بالقياس على من لم يسق الهدي وبأنه تحلل من نسكه فوجب أن يحل له كل شيء كما لو تحلل المحرم بالحج، وأجابوا عن هذه الرواية بأنها مختصرة من الروايات التي ذكرها مسلم بعدها والتي ذكرها قبلها عن عائشة قالت: ((خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله ﷺ : " من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا ")) . فهذه الرواية مفسرة للمحذوف من الرواية التي احتج بها أبو حنيفة وتقديرها ((ومن أحرم بعمرة وأهدى فليهلل بالحج ولا يحل حتى ينحر هديه)) ولا بد من هذا التأويل لأن القضية واحدة، والراوي أي المخرج وهو عائشة واحد، فيتعين الجمع بين الروايتين على ما ذكرناه، والله أعلم - انتهى. وقد اتضح بهذا وبما ذكرنا قبل ذلك من كلام الولي العراقي أن السبب في بقاء المعتمر الذي ساق الهدي على إحرامه عند الشافعية والمالكية هو إدخال الحج على العمرة لا مجرد سوق الهدي، واستدلوا لذلك برواية معمر ومن وافقه عن الزهري عن عائشة عن عروة عن عائشة، وعند الحنفية والحنابلة مدار الحكم هو مجرد سوق الهدي ومستندهم رواية عقيل عن الزهري، والراجح عندنا هو قول الحنابلة ومن وافقهم لتظافر الروايات الصحيحة الصريحة بذلك، والله أعلم (ومن أهل بحج فليتم حجه) هذا بظاهره يقتضي أنه ما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة مع أن الصحيح الثابت برواية أربعة عشر من الصحابة هو أنه أمر لمن لم يسق الهدي بفسخ الحج وجعله عمرة فحينئذٍ لا بد من حمل هذا الحديث على من ساق الهدي، والأمر بالفسخ لمن لم يسق الهدي فلا منافاة، قاله السندي في حاشية مسلم. وقد ذكرنا في شرح حديث عائشة المتقدم في باب الإحرام والتلبية أن قوله ((من أهل بحج)) معناه أي وأهدى فليتم حجه لئلا يخالف هذا الحديث لأحاديث فسخ الحج إلى العمرة (قالت: فحضت) أي بسرف قبل دخول مكة كما صح عنها، واتفقوا على أن ابتداء حيضها كان بسرف وذلك يوم السبت لثلاث خلون من ذي الحجة، واختلفوا في موضع طهرها، وسيأتي بيان الاختلاف فيه (ولم أطف بالبيت) أي للعمرة، لأن الطهارة شرط للطواف أو واجب، ولأن الطواف في المسجد والحائض ممنوع من الدخول فيه (ولا بين الصفا والمروة) أي ولم أسع بينهما. قال الطيبي: قوله: ((ولا بين الصفا والمروة)) عطف على المنفي قبله على تقدير ((ولم أسع)) نحو ((علفتها تبنًا وماءً باردًا)) ويجوز أن يقدر ((ولم أطف)) على المجاز لما في الحديث ((وطاف بين الصفا والمروة سبعة أشواط)) وإنما ذهب إلى التقدير دون الانسحاب لئلا يلزم استعمال اللفظ الواحد حقيقة ومجازًا في حالة واحدة - انتهى. أي لأن حقيقة الطواف الشرعي لم توجد لأنها الطواف بالبيت، وأجيب أيضًا بأنه سمى السعي طوافًا على حقيقته اللغوية، فالطواف لغة المشي قاله الزرقاني. وإنما لم تسع عائشة بين الصفا والمروة لأنه لا يصح السعي إلا بعد الطواف وإلا فالحيض لا يمنع السعي.

стр. 4035

فلم أزل حائضًا حتى كان يوم عرفة، ــ قال ابن قدامة في المغني (ج٢: ص٣٩٤) : أكثر أهل العلم يرون أن لا تشترط الطهارة للسعي بين الصفا والمروة. وممن قال ذلك عطاء ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. وكان الحسن يقول: إن ذكر قبل أن يحل فليعد الطواف، وإن ذكر بعد ما حل فلا شيء عليه. ولنا قول النبي ﷺ لعائشة حين حاضت: اقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت. ولأن ذلك عبادة لا تتعلق بالبيت فأشبهت الوقوف. قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: إذا طافت المرأة بالبيت ثم حاضت سعت بين الصفا والمروة ثم نفرت. ورُوِيَ عن عائشة وأم سلمة أنهما قالتا: إذا طافت المرأة بالبيت وصلت ركعتين ثم حاضت فلتطف بالصفا والمروة. رواه الأثرم. والمستحب مع ذلك لمن قدر على الطهارة أن لا يسعى إلا متطهرًا، وكذلك يستحب أن يكون طاهرًا في جميع مناسكه. ولا يشترط أيضًا الطهارة من النجاسة والستارة للسعي، لأنه إذا لم تشترط الطهارة من الحدث وهي آكد فغيره أولى. وقد ذكر بعض أصحابنا رواية عن أحمد: أن الطهارة في السعي كالطهارة في الطواف، ولا يعول عليه - انتهى. قال الباجي: إن السعي إنما يكون بأثر الطواف بالبيت، فإذا لم يمكن الحائض الطواف بالبيت لم يمكنها السعي بين الصفا والمروة، وإن لم تكن من شرطه الطهارة، لأنه عبادة لا تعلق لها بالبيت ولو طرأ على المرأة الحيض بعد كمال الطواف يصح سعيها - انتهى. وقال ابن قدامة: السعي تبع للطواف لا يصح إلا أن يتقدمه طواف، فإن سعى قبله لم يصح. وبذلك قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي. وقال عطاء: يجزئه، وعن أحمد يجزئه إن كان ناسيًا، وإن عمدًا لم يجزئه سعيه لأن النبي ﷺ لما سئل عن التقديم والتأخير في حال الجهل والنسيان قال: لا حرج. ووجه الأول أن النبي ﷺ إنما سعى بعد طوافه وقد قال: " لتأخذوا عنى مناسككم ". فعلى هذا إن سعى بعد طوافه ثم علم أنه طاف بغير طهارة لم يعتد بسعيه ذلك – انتهى. وقال الحافظ: حكى ابن المنذر عن عطاء قولين فيمن بدأ بالسعي قبل الطواف بالبيت، وبالإجزاء قال بعض أهل الحديث، واحتج بحديث أسامة بن شريك (الآتي في الباب الذي بعد باب الحلق) أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: سعيت قبل أن أطوف؟ قال: طف ولا حرج. وقال الجمهور: لا يجزئه، وأولوا حديث أسامة على من سعى بعد طواف القدوم وقبل طواف الإفاضة انتهى. وقال ابن القيم: قوله ((سعيت قبل أن أطواف)) في هذا الحديث ليس بمحفوظ، والمحفوظ تقديم الرمي والنحر والحلق بعضها على بعض. وفي التمهيد: اختلف العلماء فيمن قدم السعي على الطواف فقال عطاء بن أبي رباح يجزيه ولا يعيد السعي ولا شيء عليه، وكذلك قال الأوزاعي وطائفة من أهل الحديث. واختلف في ذلك عن النووي فرُوي عنه مثل قول الأوزاعي وعطاء ورُوي عنه أنه يعيد السعي. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم: لا يجزيه وعليه أن يعيد إلا أن مالكاً قال: يعيد الطواف والسعي جميعًا. وقال الشافعي: يعيد السعي وحده ليكون بعد الطواف ولا شيء عليه – انتهى مختصرًا. (فلم أزل حائضاً حتى كان يوم عرفة) اختلف في موضع طهرها بعد الاتفاق على أنها حاضت بسرف. قال الزرقاني: وفي

стр. 4036

ولم أهلل إلا بعمرة، فأمرني النبي ﷺ : أن أنقض رأسي وأمتشط، وأهل بالحج، وأترك العمرة. ــ مسلم عن مجاهد عنها أنها تطهرت بعرفة، وعن القاسم عنها ((وطهرت صبيحة ليلة عرفة حين قدمنا منى)) وله عنه أيضًا ((فخرجت في حجتي حتى نزلنا منى فتطهرت، ثم طفنا بالبيت)) فاتفقت الروايات كلها على أنها طافت طواف الإفاضة يوم النحر، وجمع بين رواية مجاهد والقاسم بأنه انقطع الدم عنها بعرفة وما رأت الطهر إلا بعد أن نزلت منى. وقول ابن حزم: ((حاضت يوم السبت لثلاث خلون من ذي الحجة وطهرت يوم السبت عاشره)) إنما أخذه من روايات مسلم المذكورة – انتهى. وقال ابن القيم في الهدي: أما موضع حيضها فهو بسرف بلا ريب وموضع طهرها قد اختلف فيه فقيل بعرفة هكذا روى مجاهد عنها وروى عروة عنها أنها أظلها يوم عرفة وهي حائض، ولا تنافي بينهما، والحديثان صحيحان، وقد حملهما ابن حزم على معنيين فطهر عرفة هو الاغتسال للوقوف عنده. قال: لأنها قالت: تطهرت بعرفة. والتطهر غير الطهر. قال: وقد ذكر القاسم يوم طهرها أنه يوم النحر، وحديثه في صحيح مسلم. قال: وقد اتفق القاسم وعروة على أنها كانت يوم عرفة حائضًا وهما أقرب الناس منها. وقد روى أبو داود حدثنا محمد بن إسماعيل ثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عنها خرجنا مع رسول الله ﷺ موافين هلال ذي الحجة، فذكرت الحديث وفيه ((فلما كانت ليلة البطحاء طهرت عائشة)) . وهذا إسناد صحيح لكن قال ابن حزم: إنه حديث منكر مخالف لما روى هؤلاء كلهم عنها وهو قوله ((إنها طهرت ليلة البطحاء)) وليلة البطحاء كانت بعد يوم النحر بأربع ليال، وهذا محال إلا أننا لما تدبرنا وجدنا هذا اللفظة ليست من كلام عائشة فسقط التعلق بها لأنها هي مما دون عائشة وهي أعلم بنفسها. قال: وقد روى حديث حماد بن سلمة هذا وهيب بن خالد وحماد بن زيد فلم يذكرا هذا اللفظة. قلت: يتعين تقديم حديث حماد بن زيد ومن معه على حديث حماد بن سلمة لوجوه، أحدها: أنه أحفظ وأثبت من حماد بن سلمة، الثاني: أن حدثيهم فيه إخبارها عن نفسها، وحديثه فيه الإخبار عنها. الثالث: أن الزهري روى عن عروة عنها الحديث، وفيه ((فلم أزل حائضاً حتى كان يوم عرفة)) وهذه الغاية هي التي بينها مجاهد والقاسم عنها لكن قال عنها ((فتطهرت بعرفة)) والقاسم قال ((يوم النحر)) انتهى كلام ابن القيم. (ولم أهلل) أي لم أحرم أولاً (إلا بعمرة) هذا نص في أن عائشة لم تحرم إلا بعمرة وأنها كانت معتمرة ابتداء (فأمرني النبي ﷺ أن أنقض) بضم القاف (رأسي) أي أحل ضفر شعره (وأمتشط) أي أسرحه بالمشط وقيل أو بالأصابع (وأهل بالحج) أي أمرني أن أحرم بالحج (وأترك العمرة) وفي رواية ((فقال انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة)) وفي رواية ((أمسكي عن عمرتك)) وفي أخرى: ((ارفضي عمرتك)) . قال الحنفية: معنى الحديث: أمرني أن أخرج من إحرام العمرة وأتركها باستباحة المحظورات من التمشيط وغيره لعدم القدرة على الإتيان بأفعالها بسبب الحيض. واستدلوا

стр. 4037

.............................................................................. ــ بذلك على أن المرأة إذا أهلت بالعمرة متمتعة فحاضت قبل أن تطوف واستمر حيضها حتى جاء يوم عرفة تركت العمرة وأهلت بالحج مفردة، فإذا فرغت من الحج أحرمت بالعمرة قضاء ويلزمها دم لرفض العمرة. وقال الجمهور في معنى الحديث: أي أمرني أن أترك العمل للعمرة من الطواف والسعي وتقصير شعر الرأس وأرفض إتمام أفعالها، وأمرني أن أدخل الحج على العمرة فأكون قارنة، فليس المراد هنا بترك العمرة إسقاطها جملة أي إبطالها، وإنما المراد ترك أفعالها وإرداف الحج عليها حتى تصير قارنة وتتدرج أفعالها في أفعال الحج. قال ابن قدامة: المتمتعة إذا حاضت قبل الطواف للعمرة لم يكن لها أن تطوف بالبيت لأنها ممنوعة من دخول المسجد ولا يمكنها أن تحل من عمرتها ما لم تطف بالبيت، فإن خشيت فوات الحج أحرمت بالحج مع عمرتها وتصير قارنة، وهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي وكثير من أهل العلم. وقال أبو حنفية: ترفض العمرة وتهلل بالحج. قال أحمد: ما قال هذا أحد غير أبي حنفية، وأحتج بما روى عروة عن عائشة قالت: أهللنا بعمرة – الحديث. وفيه ((فقال: انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة، قالت: ففعلت، فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن بن أبي بكر التنعيم فاعتمرت معه، فقال: هذه عمرة مكان عمرتك)) متفق عليه. وهذا يدل على أنها رفضت عمرتها وأحرمت بحج من وجوه ثلاثة، أحدها: قوله ((دعي عمرتك)) والثاني: قوله ((وامتشطي)) والثالث قوله ((هذه عمرة مكان عمرتك)) ولنا ما روى جابر قال: أقبلت عائشة بعمرة حتى إذا كانت بسرف عركت – الحديث. وفيه قال: ((فاغتسلي ثم أهلي بالحج)) . ففعلت ووقفت المواقف كلها ثم قال: ((قد حللت من حجك وعمرتك)) . وروى طاوس عن عائشة أنها قالت: أهللت بعمرة فقدمت ولم أطف حتى حضت، ونسكت المناسك كلها وقد أهللت بالحج، فقال لها النبي ﷺ يوم النفر: يسعك طوافك لحجك وعمرتك. رواهما مسلم. وهما يدلان على ما يدلان على ما ذكرنا جميعه، ولأن إدخال الحج على العمرة جائز بالإجماع من غير خشية الفوات فمع خشية الفوات أولى. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن لمن أهل بعمرة أن يدخل عليها الحج ما لم يفتتح الطواف بالبيت، وقد أمر النبي ﷺ من كان معه هدي في حجة الوداع أن يهل بالحج مع العمرة ومع إمكان الحج مع بقاء العمرة لا يجوز رفضها لقول الله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ (٢: ١٩٦) ولأنها متمكنة من إتمام عمرتها بلا ضرر فلم يجز رفضها كغير الحائض. ثم أجاب ابن قدامة عن رواية عروة بأن قوله ((انقضي رأسك وامتشطي ودعي العمرة)) قد انفرد به عروة وخالف به سائر من روى عن عائشة حين حاضت، وقد روى طاوس والقاسم والأسود وعمرة عن عائشة ولم يذكروا ذلك. وحديث جابر وطاوس مخالفان لهذه الزيادة ولا يخفى ما في هذا الجواب من التعسف. ثم قال ابن قدامة: ويحتمل أن قوله ((دعي العمرة)) أي دعيها بحالها وأهلي بالحج معها، أو دعي أفعال العمرة فإنها تدخل في أفعال الحج – انتهى. وقال الخطابي: استشكل بعض أهل العلم أمره لها بنقض رأسها ثم

стр. 4038

........................................................................... ــ بالامتشاط. وكان الشافعي يتأوله على أنه أمرها أن تدع العمل للعمرة وتدخل عليها الحج فتصير قارنة، قال: وهذا لا يشاكل القصة. وقيل: إن مذهبها أن المعتمر إذا دخل مكة استباح ما يستبيحه الحاج إذا رمى الجمرة. قال: وهذا لا يعلم وجهه. وقيل: كانت مضطرة إلى ذلك. قال: ويحتمل أن يكون نقض رأسها كان لأجل الغسل لنهل بالحج لا سيما أن كانت ملبدة فتحتاج إلى نقض الضفر، وأما الامشاط فلعل المراد به تسريحها شعرها بأصابعها برفق حتى لا يسقط منه شيء ثم تضفره كما كان ذكره الحافظ. وقال ابن القيم بعد ذكر مسلك الجمهور وتقويته: أما قوله ((وانقضي رأسك وامشطي)) . فهذا مما أعضل على الناس ولهم فيها أربعة مسالك، أحدها: أنه دليل على رفض العمرة كما قالت الحنفية. المسلك الثاني: أنه دليل على أنه يجوز للمحرم أن يمشط رأسه، ولا دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع على منعه من ذلك ولا تحريمه، وهذا قول ابن حزم وغيره. المسلك الثالث: تعليل هذه اللفظة وردها بأن عروة انفرد بها وخالف بها سائر الرواة، وقد روى حديثها طاوس والقاسم والأسود وغيرهم فلم يذكر أحد منهم هذه اللفظة. المسلك الرابع: أن قوله ((دعي العمرة)) . أي دعيها بحالها لا تخرجي منها، وليس المراد تركها. قالوا: ويدل عليه وجهان، أحدهما: قوله ((يسعك طوافك لحجك وعمرتك)) الثاني: قوله: ((كوني في عمرتك)) . قالوا: وهذا أولى من حمله على رفضها لسلامته من التناقض- انتهى. وقال الزرقاني: وأجاب جماعة منهم الشافعي باحتمال أن معنى ((دعي عمرتك)) اتركي التحلل منها وأدخلي عليها الحج فتصير قارنة، ويؤيده قوله في رواية مسلم ((وأمسكي عن العمرة)) أي عن أعمالها، وإنما قالت: ((وأرجع بحجة)) . لاعتقادها أن إفراد العمرة بالعمل أفضل كما وقع لغيرها من أمهات المؤمنين. قال الحافظ: واستبعد هذا التأويل لقولها في رواية عطاء عنها ((وأرجع أنا بحجة ليس معها عمرة)) أخرجه أحمد. وهذا يقوي قول الكوفيين أن عائشة تركت العمرة وحجت مفردة، لكن في رواية عطاء عنها ضعف. وأجاب الحنفية عن ذلك بأن ضعف رواية عطاء منجبر برواية البخاري: ((يصدرون بنسكين وأصدر بنسك)) وفي رواية ((قالت: يا رسول الله اعتمرتم ولم اعتمر)) . قال الحافظ: والرافع للإشكال في ذلك ما رواه مسلم من حديث جابر: ((أن عائشة أهلت بعمرة حتى إذا كانت بسرف حاضت فقال لها النبي ﷺ : أهلي بالحج حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وسعت فقال: قد حللت من حجك وعمرتك)) . ولمسلم من طريق طاوس عنها ((فقال ﷺ : طوافك يسعك لحجك وعمرتك)) . فهذا صريح في أنها كانت قارنة. قال الزرقاني: وتعقب بأن قوله ((انقضى رأسك وامتشطي)) ظاهر في إبطال العمرة، لأن المحرم لا يفعل مثل ذلك لتأديته إلى نتف الشعر، وأجيب بجوازهما للمحرم حيث لا يؤدي إلى نتف الشعر مع الكراهة بغير عذر أو كان ذلك لأذى برأسها فأباح لها ذلك كما أباح لكعب بن عجرة الحلاق لأذى برأسه، أو نقض رأسها لأجل الغسل لتهل بالحج ولا سيما إن كانت تلبدت فتحتاج إلى نقض الضفر، ولعل المراد بالامتشاط تسريح شعرها بأصابعها برفق حتى لا يسقط منه شيء ثم تضفره كما كان، أو أعادت

стр. 4039

ففعلت، حتى قضيت حجي بعث معي ــ الشكوى بعد رمي جمرة العقبة فأباح لها الامتشاط حينئذٍ. قال المازري: هو تعسف بعيد من لفظ الحديث، أو كان مذهبها أن المعتمر إذا دخل مكة استباح ما يستبيحه الحاج إذا رمى الجمرة. قال الخطابي: وهذا لا يعلم وجهه – انتهى. وقال ابن دقيق العيد قي شرح العمدة: لما حمل أصحاب الشافعي ومالك أمره ﵇ بترك العمرة على ترك المضي في أعمالها لا على رفضها بالخروج منها وأنها أهلت بالحج مع بقاء العمرة وكانت قارنة اقتضى ذلك أن يكون قد حصل لها عمرة، وأشكل حينئذٍ قولها ((ينطلقون بحج وعمرة، وأنطلق بحج)) إذ هي أيضًا قد حصل لها حج وعمرة لما تقرر من كونها صارت قارنة فاحتاجوا إلى تأويل هذا اللفظ فأولوا قولها ((ينطلقون بحج وعمرة، وأنطلق بحج)) على أن المراد ينطلقون بحج مفرد عن عمرة وعمرة مفردة عن حج وأنطلق بحج غير مفرد عن عمرة، فأمرها النبي ﷺ بالعمرة ليحصل لها قصدها في عمرة مفردة عن حج، هذا حاصل ما قيل في هذا مع أن الظاهر خلافه بالنسبة إلى هذا الحديث، لكن الجمع بين الروايات ألجأهم إلى مثل هذا - انتهى. وإنما أعمرها من التنعيم تطييبًا لقلبها لكونها لم تطف بالبيت لما دخلت معتمرة وقد وقع في رواية لمسلم من حديث جابر وكان النبي ﷺ رجلاً سهلاً إذا هويت الشيء تابعها عليه، وأما ما قاله ﷺ لها بعد ما اعتمرت من التنعيم فقال: هذه مكان عمرتك، فمعناه العمرة المنفردة التي حصل لغيرها التحلل منها بمكة ثم أنشأوا الحج منفردًا - فعلى هذا فقد حصل لعائشة عمرتان. قال النووي: قوله ﷺ : ((يسعك طوافك لحجك وعمرتك)) . تصريح بأن عمرتها باقية صحيحة مجزية وأنها لم تلغها ولم تخرج منها، فيتعين تأويل ((ارفضي عمرتك)) . و ((دعي عمرتك)) على ما ذكرناه من رفض العمل فيها وإتمام أفعالها والله أعلم. وأما قوله ﷺ في الرواية الأخرى لما مضت مع أخيها عبد الرحمن ليعمرها من التنعيم ((هذه مكان عمرتك)) فمعناه أنها أرادت أن يكون لها عمرة منفردة عن الحج كما حصل لسائر أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابة الذين فسخوا الحج إلى العمرة وأتموا العمرة وتحللوا منها قبل يوم التروية، ثم أحرموا بالحج من مكة يوم التروية، فحصل لهم عمرة منفردة وحجة منفردة، وأما عائشة فإنما حصل لها عمرة مندرجة في حجة بالقران، فقال لها النبي ﷺ يوم النفر: ((يسعك طوافك لحجك وعمرتك)) أي وقد تمَّا وحُسِبا لك جميعًا فأبت وأرادت عمرة منفردة كما حصل لباقي الناس، فلما اعتمرت عمرة منفردة قال لها النبي ﷺ : هذه مكان عمرتك، أي التي كنت تريدين حصولها منفردة غير مندرجة فمنعك الحيض من ذلك، وهكذا يقال في قولها: ((يرجع الناس بحج وعمرة وأرجع بحج)) أي يرجعون بحج منفرد وعمرة منفردة وأرجع أنا وليس لي عمرة منفردة، وإنما حرصت على ذلك لتكثير أفعالها - انتهى. (فَفَعلْتُ) بسكون اللام على صيغة المتكلم، أي ما أمرها النبي ﷺ من النقض والامتشاط وترك العمرة والإهلال بالحج (حتى قضيت حجي) أي أديته وأتممته فالقضاء بمعنى الأداء (بعث معي) قيل جملة استئنافية ذكره الطيبي. وفي مسلم ((قالت: ففعلت ذلك حتى إذا قضيت حجي بعث)) إلخ. وكان إرسالها مع أخيها عبد الرحمن ليلة البطحاء أو الحصبة

стр. 4040

عبد الرحمن بن أبي بكر، وأمرني أن أعتمر مكان عمرتي من التنعيم. ــ وهي ليلة الأربعاء رابع عشرة ذي الحجة (عبد الرحمن بن أبي بكر) الصديق القرشي التيمي يكنى أبا عبد الله، وقيل بل يكنى أبا محمد، وقيل أبا عثمان، أمه أم رومان والدة عائشة فهو شقيقها، وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، وقيل عبد العزى، فغيره النبي ﷺ ، وتأخر إسلامه إلى أيام الهدنة، فأسلم وحسن إسلامه. وقيل: إنما أسلم يوم الفتح هو ومعاوية في وقت واحد. ويقال: إنه شهد بدرًا مع المشركين ودعا إلى البراز فقام إليه أبوه ليبارزه فذكر أن رسول الله ﷺ قال له: متعنا بنفسك، ثم أسلم وحسن إسلامه، وصحب النبي ﷺ في هدنة الحديبية، وكان أسن ولد أبي بكر. قال الزبير بن بكار: كان رجلاً صالحًا وكانت فيه دعابة. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب في حديث ذكره أن عبد الرحمن بن أبي بكر لم يجرب عليه كذبة قط. وقال ابن عبد البر: كان من أشجع رجال قريش وأرماهم بسهم، وحضر اليمامة مع خالد بن الوليد فقتل سبعة من كبارهم منهم محكم اليمامة ابن طفيل، رماه بسهم في نحره فقتله. وأخرج الزبير عن عبد الله بن نافع قال: خطب معاوية فدعا الناس إلى بيعة يزيد فكلمه الحسين بن عليّ وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر، فقال له عبد الرحمن: أهرقلية كلما مات قيصر كان قيصر مكانه؟ لا نفعل والله أبدًا. وبعث إليه معاوية بعد ذلك بمائة ألف درهم فردها؛ وقال: لا أبيع ديني بدنياي. وخرج إلى مكة فمات بها قبل أن تتم البيعة ليزيد، وكان موته فجأة من نومة نامها بمكان على عشرة أميال من مكة. وقيل: توفي بحبشى، وهو على اثني عشر ميلاً من مكة فحمل إلى مكة فدفن بها. ولما بلغ عائشة خبره خرجت حاجة فوقفت على قبره وأنشدت أبيات متمم بن نويرة في أخيه مالك: وكنا كندماني جذيمة حقبة _ ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا فلما تفرقنا كأني ومالكًا _ ... بطول اجتماع لم نبت ليلة معًا ثم قالت: لو حضرتك دفنتك حيث مت. روى عبد الرحمن عن النبي ﷺ أحاديث منها في الصحيح، وعن أبيه وروى عنه ابنه عبد الله وحفصة وابن أخيه القاسم بن محمد وغيرهم. قال الخزرجي: له ثمانية أحاديث اتفقا على ثلاثة، مات سنة ثلاث وخمسين، قاله ابن سعد. وقيل بعد ذلك (وأمرني أن أعتمر مكان عمرتي) أي بدلها، نصب على المصدر. قاله ابن الملك. أي عمرتي التي تركتها (من التنعيم) متعلق بأعتمر، وزاد في رواية عند الشيخين وغيرهما. ((فاعتمرت فقال: هذه (أي العمرة) مكان عمرتك)) . قال الزرقاني: بالرفع على الخبرية وبالنصب على الظرفية وعامله محذوف، وهو الخبر أي كائنة أو مجعولة مكان عمرتك. قال عياض: والرفع أوجه عندي إذ لم يرد به الظرف، إنما أراد عوض عمرتك. فمن قال: كانت قارنة، قال: مكان عمرتك التي أردت أن تأتي بها مفردة، وحينئذٍ فتكون عمرتها من التنعيم تطوعًا لا عن فرض لكنه أراد تطييب نفسها بذلك. ومن قال: كانت مفردة قال: مكان عمرتك التي فسخت الحج إليها. ولم

стр. 4041

.............................................................................................. ــ تتمكني من الإتيان بها للحيض. وقال السهيلي: الوجه النصب على الظرف لأن العمرة ليست بمكان لعمرة أخرى لكن إن جعلت مكان بمعنى عوض أو بدل مجازًا أي هذه بدل عمرتك جاز الرفع حينئذٍ – انتهى. والتَّنْعِيم تفعيل بفتح المثناة الفوقية وسكون النون وكسر العين المهملة، موضع على ثلاثة أميال أو أربعة من مكة أقرب الحل إلى البيت، سمي به لأن على يمينه جبل نُعيم (بضم النون) ، وعلى يساره جبل ناعم، والوادي اسمه نَعمان (بفتح النون) قاله في القاموس. قال المحب الطبري: هو أمام أدنى الحل وليس بطرف الحل، ومن فسره بذلك فقد تجوز وأطلق اسم الشيء على ما قرب منه، ذكره القسطلاني. وقال الحافظ: مكان خارج مكة على أربعة أميال منها إلى جهة المدينة كما نقله الفاكهي. وقال المحب الطبري: التنعيم أبعد من أدنى الحل إلى مكة بقليل وليس بطرف الحل بل بينهما نحو ميل، ومن أطلق عليه طرف الحل فهو تجوز. قال الحافظ: وأراد بالنسبة إلى بقية الجهات. واختلف في موضع إحرام عائشة فروى الأزرقي عن ابن جريج قال: رأيت عطاء يصف الموضع الذي أحرمت منه عائشة فأشار إلى الموضع الذي وراء الأكمة وهو المسجد الخَرِب (بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء المهملة) . ونقل الفاكهي عن ابن جريج وغيره أن ثم مسجدين يزعم أهل مكة أن الخرب الأدنى من الحرم هو الذي أحرمت منه عائشة، وقيل: هو المسجد الأبعد عن الأكمة الحمراء، ورجحه المحب الطبري (ص ٥٧٦) وقال الفاكهي: لا أعلم ذلك إلا أني سمعت ابن أبي عمير يذكر عن أشياخه أن الأول هو الصحيح عندهم. والحديث يدل على أن إعمارها من التنعيم كان بأمر النبي ﷺ وأصرح منه ما أخرجه أبو داود من طريق حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيها أن رسول الله ﷺ قال: يا عبد الرحمن أردف أختك عائشة فأعمرها من التنعيم – الحديث. ونحوه رواية الأسود عن عائشة عند البخاري قال: ((فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم)) . وفي رواية عن الأسود والقاسم جميعًا عنها بلفظ ((فاخرجي إلى التنعيم)) وهو صريح بأن ذلك كان عن أمر النبي ﷺ ، وكل ذلك يفسر قوله في رواية القاسم عنها بلفظ ((اخرج بأختك من الحرم)) ، وأما ما رواه أحمد من طريق ابن أبي مليكة عنها في هذا الحديث ((قال: ثم أرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: احملها خلفك حتى تخرج من الحرم، فوالله ما قال: فتخرجها إلى الجعرانة ولا إلى التنعيم)) فهي رواية ضعيفة لضعف أبي عامر الخراز الراوي له عن ابن أبي مليكة، ويحتمل أن يكون قوله ((فوالله)) إلخ من كلام من دون عائشة، قاله متمسكًا لإطلاق قوله ((فأخرجها من الحرم)) لكن الروايات المقيدة بالتنعيم مقدمة على المطلقة فهو أولى ولا سيما مع صحة أسانيدها، كذا في الفتح، وعقد البخاري في صحيحه لحديث عبد الرحمن بن أبي بكر في أمره ﷺ إياه إعمارها من التنعيم ((باب عمرة التنعيم)) . قال الحافظ: يعني هل تتعين لمن كان بمكة أم لا؟ وإذا لم تتعين هل لها فضل على الاعتمار من غيرها من جهات الحل أو لا؟ قال صاحب الهدي: لم ينقل أنه ﷺ اعتمر مدة إقامته بمكة قبل الهجرة ولا اعتمر بعد الهجرة إلا داخلاً إلى مكة، ولم يعتمر قط خارجًا من مكة إلى

стр. 4042

قالت: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا، ثم طافوا طوافًا بعد أن رجعوا من منى، ــ الحل ثم يدخل مكة بعمرة كما يفعل الناس اليوم، ولا ثبت عن أحد من الصحابة أنه فعل ذلك في حياته إلا عائشة وحدها. قال الحافظ: وبعد أن فعلته عائشة بأمره دل على مشروعيته. واختلف السلف في جواز الاعتمار في السنة أكثر من مرة فكرهه مالك وخالفه مطرف وطائفة من أتباعه وهو قول الجمهور. واستثنى أبو حنيفة يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، ووافقه أبو يوسف إلا في يوم عرفة، واستثنى الشافعي البائت بمنى لرمي أيام التشريق، وفيه وجه اختاره بعض الشافعية فقال بالجواز مطلقًا كقول الجمهور. والله أعلم. وقد تقدم شيء من الكلام في ذلك في شرح حديث أبي هريرة ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما)) . قال الحافظ: واختلفوا أيضًا هل يتعين التنعيم لمن اعتمر من مكة، وتقدم الكلام فيه أيضًا في شرح حديث ابن عباس في المواقيت. قال الحافظ: واستدل بحديث عبد الرحمن بن أبي بكر في إعمار عائشة من التنعيم على تعين الخروج إلى الحل لمن أراد العمرة ممن كان بمكة، وهو أحد قولي العلماء. والثاني: تصح العمرة ويجب عليه دم لترك الميقات. وليس في حديث الباب ما يدفع ذلك. واستدل به أيضًا على أن أفضل جهات الحل التنعيم. وتعقب بأن إحرام عائشة من التنعيم إنما وقع لكونه أقرب جهة الحل إلى الحرم لا لأنه الأفضل. وقال في باب ((أجر العمرة على قدر التعب)) بعد ذكر ما روى الدارقطني والحاكم من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال لها في عمرتها: ((إنما أجرك في عمرتك على قدر نفقتك)) . استدل به على أن الاعتمار لمن كان بمكة من جهة الحل القريبة أقل أجرًا من الاعتمار من جهة الحل البعيدة، وهو ظاهر هذا الحديث. وقال الشافعي في الإملاء: أفضل بقاع الحل للاعتمار الجعرانة لأن النبي ﷺ أحرم منها، ثم التنعيم لأنه أذن لعائشة منها. قال: وإذا تنحى عن هذين الموضعين فأين أبعد حتى يكون أكثر لسفره كان أحب إليّ. وحكى الموفق في المغني عن أحمد: أن المكي كلما تباعد في العمرة كان أعظم لأجره. وقال الحنفية: أفضل بقاع الحل للاعتمار التنعيم، ووافقهم بعض الشافعية والحنابلة. ووجهه ما قدمناه أنه لم ينقل أن أحدًا من الصحابة في عهد النبي ﷺ خرج من مكة إلى الحل ليحرم بالعمرة غير عائشة، وأما اعتماره ﷺ من الجعرانة فكان حين رجع من الطائف مجتازًا إلى المدينة. ولكن لا يلزم من ذلك تعين التنعيم للفضل لما دل عليه هذا الخبر أن الفضل في زيادة التعب والنفقة، وإنما يكون التنعيم أفضل من جهة أخرى تساويه إلى الحل من جهة أبعد منه – انتهى. (فطاف) أي طواف العمرة (الذين كانوا أهلوا بالعمرة) وحدها يعني الذين أفردوا العمرة عن الحج (بالبيت) متعلق بطاف أي عند دخولهم مكة (وبين الصفا والمروة) أي وسعوا بينهما. وقال القاري: الطواف يراد به الدور الذي يشمل السعي فصح العطف ولم يحتج إلى تقدير عامل وجعله نظير ((علفتها تبنًا وماء باردًا)) (ثم حلوا) أي خرجوا من العمرة بالحلق أو التقصير ثم أحرموا بالحج من مكة (ثم طافوا طوافًا) أي للحج يوم النحر، وهو طواف الإفاضة (بعد أن رجعوا من منى) أي إلى

стр. 4043

............................................................................................ ــ مكة، وقد سقط عنهم طواف القدوم إجماعًا لأنهم صاروا في حكم أهل مكة، والمكي لا طواف عليه للقدوم إلا ما حُكي عن الإمام أحمد: أن المتمتع يطوف يوم النحر أولاً للقدوم ثم يطوف طوافًا آخر للحج. قال الخرقي: إن كان متمتعًا فيطوف بالبيت سبعًا وبالصفا والمروة سبعًا كما فعل بالعمرة ثم يعود فيطوف طوافًا ينوي به الزيارة. قال ابن قدامة: أما الطواف الأول الذي ذكره الخرقي ها هنا فهو طواف القدوم، لأن المتمتع لم يأت به قبل ذلك والطواف الذي طافه في العمرة كان طوافها. ونص أحمد على أنه مسنون للمتمتع في رواية الأثرم، قال: قلت لأبي عبد الله ﵀: فإذا رجع أعني المتمتع كم يطوف ويسعى؟ قال: يطوف ويسعى لحجه ويطوف طوافًا آخر للزيارة، عاودناه في هذا غير مرة فثبت عليه. وكذلك الحكم في القارن والمفرد إذا لم يكونا أتيا مكة قبل يوم النحر ولا طافا للقدوم فإنهما يبدآن بطواف القدوم قبل طواف الزيارة نص عليه أحمد أيضًا، واحتج بما روت عائشة قالت: فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا فطافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم. وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا، فحمل أحمد قول عائشة على أن طوافهم لحجهم هو طواف القدوم، ولأنه قد ثبت أن طواف القدوم مشروع، فلم يكن تعين طواف الزيارة مسقطًا له كتحية المسجد عند دخوله قبل التلبس بصلاة الفرض ولم أعلم أحدًا وافق أبا عبد الله على هذا الطواف الذي ذكره الخرقي، بل المشروع طواف واحد للزيارة كمن دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة فإنه يكتفي بها عن تحية المسجد، ولأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه الذين تمتعوا معه في حجة الوداع ولا أمر به النبي ﷺ أحدًا، وحديث عائشة دليل على هذا فإنها قالت: طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وهذا هو طواف الزيارة، ولم تذكر طوافًا آخر، ولو كان هذا الذي ذكرته طواف القدوم لكانت قد أخلت بذكر طواف الزيارة الذي هو ركن الحج لا يتم الحج إلا به، وذكر ما يستغنى عنه، وعلى كل حال فما ذكرت إلا طوافًا واحدًا، فمن أين يستدل به على طوافين؟ وأيضًا فإنها لما حاضت قرنت الحج إلى العمرة بأمر من النبي ﷺ ولم تكن طافت للقدوم ولا أمرها به النبي ﷺ ، وقد ذكر الخرقي في موضع آخر في المرأة إذا حاضت فخشيت فوات الحج: أهلت بالحج وكانت قارنة ولم يكن عليها قضاء طواف القدوم، ولأن طواف القدوم لو لم يسقط بالطواف الواجب لشرع في حق المعتمر طواف للقدوم مع طواف العمرة، لأنه أول قدوم إلى البيت فهو به أولى من المتمتع الذي يعود إلى البيت بعد رويته وطوافه به، وفي الجملة إن هذا الطواف المختلف فيه ليس بواجب، وإنما الواجب طواف واحد وهو طواف الزيارة، وهو في حق المتمتع كهو في حق القارن والمفرد في أنه ركن للحج لا يتم إلا به – انتهى كلام ابن قدامة. واختار الشيخ تقي الدين ابن تيمية ما رجحه ابن قدامة وصححه الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب. قال ابن القيم بعد ما حكى كلام ابن قدامة المتقدم: لم يرفع كلام أبي محمد يعني ابن قدامة الإشكال، وإن كان

стр. 4044

وأما الذين جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا. ــ الذي أنكره أي من تكرار الطواف يوم النحر بعد الوقوف للمتمتع هو الحق كما أنكره، والصواب في إنكاره فإن أحدًا لم يقل إن الصحابة لما رجعوا من عرفة طافوا للقدوم وسعوا ثم طافوا للإفاضة بعده ولا النبي ﷺ ، هذا لم يقع قطعًا ولكن كان منشأ الإشكال أن أم المؤمنين فرقت بين المتمتع والقارن فأخبرت أن القارنين طافوا طوافًا واحدًا وأن الذين أهلوا بالعمرة طافوا طوافًا أخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وهذا غير طواف الزيارة قطعًا فإنه يشترك فيه القارن والمتمتع فلا فرق بينهما فيه، ولكن الشيخ أبو محمد لما رأى قولها في المتمتعين ((أنهم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى)) قال: ليس في هذا ما يدل على أنهم طافوا طوافين، والذي قاله حق ولكن لم يرفع الإشكال، فقالت طائفة: هذه الزيادة من كلام عروة أو ابنه هشام: أدرجت في الحديث وهذا لا يتبن، ولو كان فغايته أنه مرسل ولم يرتفع الإشكال عنه بالإرسال، فالصواب أن الطواف الذي أخبرت به عائشة وفرقت به بين المتمتع والقارن هو الطواف بين الصفا والمروة، لا الطواف بالبيت، وزال الإشكال جملة فأخبرت عن القارنين أنهم اكتفوا بطواف واحد بينهما لم يضيفوا إليه طوافًا آخر يوم النحر، وهذا هو الحق. وأخبرت عن المتمتعين أنهم طافوا بينهما طوافًا آخر بعد الرجوع من منى للحج، وذلك الأول كان للعمرة، وهذا هو قول الجمهور – انتهى. (وأما الذين جمعوا الحج والعمرة) أي ابتداء أو إدخالاً لأحدهما في الآخر. وفي رواية ((وأما الذين كانوا أهلوا بالحج (أي مفردًا) أو جمعوا الحج والعمرة)) (أي قارنوا) (فإنما طافوا طوافًا واحدًا) أي بعد الوقوف بعرفة يوم النحر للحج والعمرة جميعًا. قال الزرقاني: لأن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد، لأن أفعال العمرة تندرج في أفعال الحج، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور، وقال الحنفية: لا بد للقارن من طوافيين وسعيين – انتهى. وقال العيني: في الحديث – يعني حديث عائشة - حجة لمن قال الطواف الواحد والسعي الواحد يكفيان للقارن وهو مذهب عطاء والحسن وطاوس، وبه قال مالك وأحمد والشافعي وإسحاق وأبو ثور وداود إلى آخر ما قال. قلت: هكذا صرح غير واحد من شراح الحديث من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم بأن الحديث حجة للأئمة الثلاثة في وحدة الطواف للقارن خلافًا للحنفية القائلين بالطوافين له، قيل: والحديث بظاهره مشكل على الجميع لأنه يدل على اكتفائهم بطواف واحد، وقد ثبت بالأحاديث الصحيحة أنهم طافوا ثلاثة أطوفة: الأول طواف القدوم، والثاني طواف الإفاضة، والثالث طواف الوداع، ولذلك اتفق الجميع على أن القارن يطوف ثلاثة أطوفة، طواف القدوم والركن والوداع، وزادت الحنفية على ذلك طواف العمرة فصارت أربعة. قال ابن قدامة: الأطوفة المشروعة في الحج ثلاثة: طواف الزيارة، وهو ركن الحج، لا يتم إلا به بغير خلاف، وطواف

стр. 4045

............................................................................................. ــ القدوم، وهو سنة لا شيء على تاركه، وطواف الوداع، واجب ينوب عنه الدم إذا تركه، وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري. وقال مالك: على تارك طواف القدوم دم، ولا شيء على تارك طواف الوداع، وحكي عن الشافعي كقولنا في طواف الوداع، وكقوله في طواف القدوم – انتهى. وعد النووي في مناسكه طواف القدوم من السنن والوداع من الواجبات. وصرح الدردير بوجوب طواف القدوم، وصرح أتباع الأئمة الثلاثة في فروعهم أن القارن حكمه حكم المفرد خلافًا للحنفية، فالقارن عند أتباع الثلاثة يطوف ثلاثة أطوفة كالمفرد، الأول طواف القدوم، والثاني طواف الإفاضة يوم النحر، لكنه عندهم للحج والعمرة كليهما فإنه دخل عمل العمرة في عمل الحج، والثالث طواف الصدر، وأما الحنفية فزادوا على ذلك طواف العمرة وقالوا: طواف الإفاضة هو للحج فقط فصارت أطوفة القارن عندهم أربعة. قال في الهداية في بيان القارن: إذا دخل مكة ابتدأ فطاف بالبيت سبعة أشواط، يرمل في الثلاث الأول منها ويسعى بعدها بين الصفا والمروة، وهذه أفعال العمرة ثم يبدأ بأفعال الحج فيطوف طواف القدوم ويسعى بعده كما بينا في المفرد – انتهى. وقيل الأطوفة للقارن عند الحنفية أيضًا ثلاثة كالمفرد لكن الطواف الأول يوم الورود واللقاء هو للعمرة وتداخل فيه طواف القدوم، والطواف الثاني أي يوم النحر هو للحج فقط. قال الشيخ محمد أنور الكشميري الحنفي: ويمكن أن يقال: إن الطواف الأول يوم القدوم كان للعمرة وتداخل فيه طواف القدوم. وقال الشيخ ثناء الله الفاني فتى في تفسيره: قلت: وذلك الطواف والسعي كان لعمرته وكفاه عن طواف القدوم لحجه – انتهى. ولكن ظاهر حديث عائشة مخالفًا للأحاديث الدالة على تعدد الطواف للمفرد والقارن احتاج الجميع إلى توجيهه وتأويله فقال السندي في حاشيته على البخاري: ظاهر الحديث أنهم إنما اقتصروا من الطوافين الذين طافهما السابقون على أحدهما إما الأول وإما الثاني، وليس الأمر كذلك بل هم أيضًا طافوا الطوافين الأول والثاني جميعًا، ذلك مما لا خلاف فيه، وقد جاء صريحًا عن ابن عمر، ففي صحيح مسلم عنه " وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، إلى أن قال: " وطاف رسول الله ﷺ حين قدم مكة، إلى أن قال: ونحر هديه يوم النحر وأفاض وطاف بالبيت وفعل مثل ما فعل رسول الله ﷺ من أهدى وساق الهدي من الناس. ثم ذكر عن عائشة أنها أخبرت بمثل ذلك، وسيجيء هذا الحديث في البخاري أيضًا في باب سوق البدن، فالمراد كما سبق أنهم طافوا للركن طوافًا واحدًا والسابقون طافوا للركن طوافين، وقال أيضًا: قوله ((وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا)) أي ما طافوا طواف الفرض إلا طوافًا واحدًا هو طواف الإفاضة، والذي طافوا أولاً كان طواف القدوم الذي هو من السنن لا من الفرائض بخلاف الذين حلوا فإنهم طافوا أولاً فرض العمرة ثم فرض الحج فطافوا طوافين للفرض، ولم يرد أن الذين جمعوا ما طافوا أولاً حين القدوم أو ما طافوا آخرًا بعد الرجوع من منى كما يفيده ظاهر الكلام

стр. 4046

.............................................................................................. ــ كيف والنبي ﷺ كان من الذين جمعوا على التحقيق وعلى مقتضى هذا الحديث، لأنه كان معه الهدي ألبتة، وقد ثبت أنه طاف أولاً حين قدم وطاف ثانيًا طواف الإفاضة حين رجع من منى، بل لعله ما ثبت أن أحدًا ترك الطواف عند القدوم ولا طواف الإفاضة، فلا فرق بين الطائفتين إلا بصفة الافتراض، فطواف من حل كان مرتين فرضًا وطواف من لم يحل كان مرة فرضًا، والله تعالى أعلم، والحاصل أن إحدى الطائفتين طافوا طوافين للنسكين والثانية طافوا لهما واحدًا – انتهى. وقال الباجي: قولهما ((أما الذين أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا)) تريد - والله أعلم – أحد وجهين: أما أنهم لم يطوفوا غير طواف واحد للورود وطواف واحد للإفاضة إن كانوا قرنوا قبل دخول مكة، وإن كانوا أردفوا فلم يطوفوا غير طواف واحد وهو طواف الإفاضة، ويحتمل أن يريد بذلك أنهم سعوا لهما سعيًا واحدًا والسعي يسمى طوافًا، والوجه الثاني: أن طوافهم كان على صفة واحدة لم يزد القارن فيه على طواف المفرد، وذلك أن القارن لم يفرد العمرة بطواف وسعي بل طاف لهما كما طاف المفرد للحج، وهذا نص في صحة ما ذهب إليه مالك ومن وافقه في أن حكم القارن في ذلك حكم المفرد - انتهى. ثم قال: وهؤلاء جمعوا الحج والعمرة لا يخلو أن يكونوا أهلوا بهما جميعًا أو أردفوا الحج على العمرة إذ أمرهم النبي ﷺ بذلك، فإن كانوا ممن أهل بهما فقد طافوا لهما طواف الورود، وسعوا بأثره، ثم طافوا لهما بعد ذلك طواف الإفاضة ولم يسعوا بعده. وأما من أردف الحج على العمرة فإن كان أردفه قبل الوصول إلى مكة فحكمه حكم من أهل بهما وقد تقدم حكمه. وأما من أردفه بعد الوصول إلى مكة وقبل التلبس بالطواف فإنه لا يطوف بالبيت ولا يسعى بين الصفا والمروة حتى يرجع من منى لأنه محرم بالحج من مكة، ومن أحرم بالحج من مكة فليس عليه طواف ورود، فهذا المردف لما أحرم بالحج من مكة لا تأثير لما تقدم من عمرته في الورود ولا في غير ذلك من الأفعال غير وجوب الدم للقران – انتهى. وقال ابن قدامة ما محصله: أن المراد الطواف الواحد للزيارة بعد الرجوع عن منى بخلاف المتمتع فإنه يطوف عند أحمد إذ ذاك طوافين: طواف القدوم وطواف الزيارة، لأن المتمتع لم يأت بطواف القدوم قبل ذلك، والطواف الذي طافه قبل الخروج إلى منى كان للعمرة، وعلى هذا معنى قولها ((طوافًا واحدًا)) أي يوم النحر للزيارة فقط لا للقدوم طوافًا آخر كما يفعله المتمتع عند الحنابلة، وقد تقدم كلام ابن قدامة بتمامه. وأجاب الحنفية عن حديث الباب وأولوه بوجوه، فقال بعضهم إن المراد بقوله: " طوافًا واحدًا " أي طاف لكل واحد منهما طوافًا يشبه الطواف الذي للآخر – انتهى. ولا يخفى ما في هذا التأويل من التعسف، وقال الطحاوي: إن عائشة أرادت بقولها: ((وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا لهما طوافًا واحدًا)) يعني الذين تمتعوا بالعمرة إلى الحج، لأن حجتهم كانت مكية، والحجة المكية لا يطاف لها إلا بعد عرفة. قال: والمراد بقولها "جمعوا بين الحج والعمرة، جمع متعة لا جمع قران – انتهى. قال الحافظ

стр. 4047

............................................................................................. ــ بعد ذكره: وإني لكثير التعجب منه في هذا الموضع كيف ساغ له هذا التأويل، وحديث عائشة مفصل للحالتين فإنها صرحت بفعل من تمتع ثم من قرن حيث قالت: فطاف الذين أهلوا بالعمرة ثم حلوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى. فهؤلاء أهل التمتع، ثم قالت: وأما الذين جمعوا، إلخ. فهؤلاء أهل القران وهذا أبين من أن يحتاج إلى إيضاح – انتهى. وقال بعضهم: إن مقصود عائشة بهذا الحديث ليس بيان وحدة الطواف وتعدده بل المراد بيان أنهم طافوا للتحلل عن الحج والعمرة طوافًا واحدًا يعني أن القارن يكون مهلاً بإحرامين والطواف يكون محلاً للإحرام فكان مقتضاه أن يكون المحل طوافين للإحرامين كما وقع للمتمتعين لكن القارن يكفي له للتحلل عن الإحرامين طواف واحد. وهذا التأويل أيضًا بعيد جدًا، لا يخفى بعده وتعسفه على المنصف، واختار ابن القيم وجهًا آخر فقال: الصواب أن الطواف الذي أخبرت به عائشة وفرقت به بين المتمتع والقارن هو الطواف بين الصفا والمروة لا الطواف بالبيت فأخبرت عن القارنين أنهم اكتفوا بطواف واحد بينهما لم يضيفوا إليه طوافًا آخر يوم النحر وهذا هو الحق، وأخبرت عن المتمتعين أنهم طافوا بينهما طوافًا آخر بعد الرجوع من منى للحج وذلك الأول كان للعمرة وهذا قول الجمهور، وتنزيل الحديث على هذا موافق لحديثها الآخر، وهو قول النبي ﷺ " يسعك طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة لحجك وعمرتك " وكانت قارنة، ويوافق قول الجمهور ولكن يشكل عليه حديث جابر الذي رواه مسلم في صحيحه " لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا طوافه الأول، هذا يوافق قول من يقول يكفي المتمتع سعي واحد كما هو إحدى الروايتين عن أحمد نص عليها في رواية ابنه عبد الله وغيره، وعلى هذا فيقال عائشة أثبتت وجابر نفى، والمثبت مقدم على النافي، أو يقال مراد جابر من قرن من أصحابه مع النبي ﷺ وساق الهدى كأبي بكر وعمر وطلحة وعلي ﵃ وذوي اليسار، فإنهم إنما سعوا سعيًا واحدًا، وليس المراد به عموم الصحابة، أو يعلل حديث عائشة بأن تلك الزيادة فيه مدرجة من قول هشام، وهذه ثلاث طرق للناس في حديثها، والله أعلم – انتهى كلام ابن القيم. قلت: والطريق الأخير ضعيف جدًا بل باطل لأنه ليس في طريق حديث عائشة هذا هشام فإنه من رواية مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عنها، فهذا إسناد غاية في الصحة، فممن الخطأ والإدراج؟ ويؤيده أن له طريقًا أخرى عنها في الموطأ في باب دخول الحائض مكة " عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنهما " وهذا سند صحيح كالجبل ثبوتًا. وسيجيء الكلام في مسألة السعي بين الصفا والمروة للمتمتع بعد الرجوع من منى للحج. والراجح عندي في معنى الحديث هو ما قال السندي ومن وافقه، وهو المعروف في توضيح الحديث وتوجيهه عند القائلين بوحدة الطواف للقارن، وما اختاره ابن القيم وجيه أيضًا عندي وسيأتي إيضاحه، واعلم أنه اختلف العلماء في طواف القارن والمتمتع إلى ثلاثة مذاهب، الأول: أن على القارن طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا وأن ذلك يكفيه لحجه وعمرته، وأن على المتمتع طوافين وسعيين، وهذا مذهب

стр. 4048

............................................................................................. ــ جمهور العلماء، منهم مالك والشافعي وأحمد في أصح الروايتين. الثاني: أن على كل واحد منهما سعيين وطوافين وهذا مذهب أبي حنيفة. الثالث: أنهما معًا يكفيهما طواف واحد وسعي واحد، وهو مروي عن الإمام أحمد كما تقدم في كلام ابن القيم، أما الجمهور المفرقون بين القارن والمتمتع القائلون بأن القارن يكفي لحجه وعمرته طواف زيارة واحد وهو طواف الإفاضة، وسعي واحد، فاحتجوا بأحاديث صحيحة ليس مع مخالفيهم ما يقاومها، منها حديث عائشة الذي نحن في شرحه، فإن قولها " وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا، نص صريح دال على اكتفاء القارن بطواف واحد لحجه وعمرته، وقال ابن القيم: إن المراد بالطواف في حديث عائشة هذا هو الطواف بين الصفا والمروة، وله وجه من النظر كما سيأتي، وقد أجاب الحنفية عن هذا الحديث بوجوه، منها أن روايات عائشة في حجتها وحجته ﷺ مضطربة. قال العيني: أحاديث عائشة في هذا الباب مضطربة جدًا لا يتم بها الاستدلال لأحد من الخصوم، ثم ذكر بعض الاختلاف، قالوا: فيشكل على حديثها المدار في مثل هذه المسألة، قلت: حديث عائشة هذا صحيح ثابت اتفق عليه الشيخان، وهو نص في المسألة، وقد تقدم وجه الجمع بين ما يتوهم من الاختلاف في بعض رواياتها فرده بادعاء الاضطراب فيه أمر قبيح جدًا، ومنها ما تقدم عن الطحاوي، وقد تقدم الجواب عنه في كلام الحافظ. ومن الأحاديث التي استدل بها الجمهور ما رواه مسلم في صحيحه من طريق طاوس عن عائشة أنها أهلت بعمرة فقدمت ولم تطف بالبيت حتى حاضت فنسكت المناسك كلها وقد أهلت بالحج فقال لها النبي ﷺ : يسعك طوافك لحجك وعمرتك – الحديث. ففي هذا الحديث الصحيح التصريح بأنها كانت محرمة أولاً بالعمرة ومنعها الحيض من الطواف فلم يمكنها أن تحل بعمرة فأهلت بالحج مع عمرتها الأولى فصارت قارنة، ومع كونها قارنة صرح بأنها يكفيها لهما طواف واحد. وروى مسلم أيضًا من طريق مجاهد عن عائشة أنها حاضت بسرف فتطهرت بعرفة فقال لها رسول الله ﷺ : يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك- انتهى. وهذا الحديث الصحيح صريح في أن القارن يكفيه لحجه وعمرته طواف واحد وسعي واحد ومنها حديث ابن عمر عند الشيخين، روى البخاري من طريق أيوب عن نافع أن ابن عمر دخل ابنه عبيد الله بن عبد الله وظهره في الدار فقال: إني لا آمن أن يكون العام بين الناس قتال فيصدوك عن البيت فلو أقمت، فقال: قد خرج رسول الله عليه وسلم فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فإن حيل بيني وبينه أفعل كما فعل رسول الله ﷺ ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (٣٣: ٢١) ثم قال: أشهدكم أني أوجبت مع عمرتي حجًا. قال: ثم قدم فطاف لهما طوافًا واحدًا – انتهى. وفيه دليل على أن القارن يكفيه طواف واحد لحجته وعمرته وأجاب بعض الحنفية عنه بأنه ليس بصريح في اكتفاء القارن بطواف واحد فإنه يحتمل أن يكون المراد بقوله " طوافًا واحدًا أي طاف لكل منهما طوافًا يشبه الطواف الذي للآخر، وكذا أولوا رواية عائشة المتقدمة كما سبق وفيه أنه يرفع ...

стр. 4049

.............................................................................................. ــ هذا الاحتمال قوله في الرواية الآتية " ورأى أنه قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول " وتأوله بعضهم بأن المراد أنه طاف للقدوم طوافًا واحدًا يعني أنه اكتفى قبل النحر بطوافه للقدوم في العمرة وكان هذا الطواف في الأصل للعمرة وتداخل فيه طواف القدوم فلم يعده، ثم طاف يوم النحر طوافًا للحج، وتأوله بعضهم بأن المراد أنه طاف طوافًا واحدًا للحل منهما جميعًا حيث لم يتحلل بعد أفعال العمرة يعني أنه طاف للإحلال منهما طوافًا واحدًا هو طواف الإفاضة، ولا يخفى ما في هذين التأويلين من التكلف والتعسف. وروى البخاري من طريق الليث عن نافع أن ابن عمر أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير فقيل له: إن الناس كائن بينهم قتال وإنا نخاف إن يصدوك، فقال ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ إذًا أصنع كما صنع رسول الله عليه وسلم، إني أشهدكم أني قد أوجبت عمرة، ثم خرج حتى إذا كان بظاهر البيداء قال: ما شأن الحج والعمرة إلا واحد أشهدكم أني قد أوجبت حجًا مع عمرتي وأهدى هديًا اشتراه بقديد، ولم يزد على ذلك فلم ينحر ولم يحل من شيء حرم منه ولم يحلق ولم يقصر حتى كان يوم النحر فنحر وحلق ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول. وقال ابن عمر: كذلك فعل رسول الله ﷺ – انتهى. وفي هذه الرواية التصريح من ابن عمر باكتفاء القارن بطواف واحد، وأن النبي ﷺ كذلك فعل. قال الكرماني في شرح هذا الحديث: يعني أنه لم يكرر الطواف للقران بل اكتفى بطواف واحد. وقال الحافظ: قوله " بطوافه الأول " أي الذي طافه يوم النحر للإفاضة – انتهى. وقال السندي في حاشيته على البخاري: قوله " بطوافه الأول " أي بأول طواف طافه بعد النحر والحلق فإنه هو ركن الحج عندهم لا الذي طافه حين القدوم، وإن كان هو المتبادر من اللفظ فإنه للقدوم وليس بركن للحج، والله تعالى أعلم، وأجاب عنه بعض الحنفية بأن المراد به طواف القدوم كما هو المتبادر، وأن هذا الطواف الواحد أجزأ عن طواف القدوم للحج وطواف العمرة جميعًا، ثم طاف طواف الإفاضة يوم النحر ولم يذكره في الرواية وهو مراد ألبتة وإن تركه الرواي. قالوا: ويدل عليه قوله " وكذلك فعل رسول الله ﷺ " ورسول الله ﷺ فعل كذلك حيث طاف يوم القدوم، وأجزأ ذلك الطواف الأول عن القدوم والعمرة جميعًا ثم طاف يوم النحر، وفيه أنه يلزم على هذا التأويل أن ابن عمر أو من دونه قد أخل بذكر طواف الزيارة الذي هو ركن الحج لا يتم الحج إلا به، وذكر ما يستغنى عنه، وفيه أيضًا أنه قد ثبت عنه طواف الإفاضة في رواية سالم عنه عند الشيخين حيث قال: "بدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج " إلى أن قال " وطاف رسول الله ﷺ حين قدم مكة إلى أن قال " ونحر هديه يوم النحر وأفاض وطاف بالبيت وفعل مثل ما فعل رسول الله ﷺ من أهدى وساق الهدي من الناس، ثم ذكر عن عائشة أنها أخبرت بمثل ذلك. قلت: واستدل بظاهر حديث لمالك فيما ذهب إليه من إجزاء طواف القدوم عن طواف الإفاضة لمن تركه جاهلاً أو نسيه. قال الحافظ: وتوهم بعضهم أنه أراد طواف القدوم. وقال ابن

стр. 4050

........................................................................................... ــ عبد البر في حجة لمالك في قوله " إن طواف القدوم إذا وصل بالسعي يجزئ عن طواف الإفاضة لمن تركه جاهلاً أو نسيه حتى رجع إلى بلده وعليه الهدي، قال: ولا أعلم أحدًا قال به غيره وأصحابه، وتعقب بأنه إن حمل قوله " طوافه الأول " على طواف القدوم وأنه أجزأ عن طواف الإفاضة كان ذلك دالاً على الإجزاء مطلقًا ولو تعمده، لا بقيد الجهل والنسيان – انتهى. قلت: حمله على طواف القدوم والقول بسقوط طواف الإفاضة في تلك الصورة أو مطلقًا باطل بلا شك، لأن النبي ﷺ لم يكتف بطوافه الذي طاف يوم دخل مكة بل طاف يوم النحر طواف الإفاضة الذي هو ركن الحج بإجماع المسلمين، وثبت ذلك ثبوتًا قطعيًا، وأما القول بأن ذلك الطواف الأول كان عن القدوم للحج وطواف العمرة جميعًا فادعاء محض ليس عليه أثارة من علم فلا يلتفت إليه، وقال السندي في حاشية البخاري بعد ذكر التأويل الذي نقلنا عنه ما لفظه: ولا يخفى أن بعض روايات حديث ابن عمر يبعد هذا التأويل ويقتضي أن الطواف الذي يجزئ عنهما هو الذي حين القدوم، ففي رواية للبخاري " ثم قدم فطاف لهما طوافًا واحدًا " وسيجيء في البخاري في باب من اشترى الهدي من الطريق بلفظ " ثم قدم فطاف لهما طوافًا واحدًا فلم يحل حتى حل منهما جميعًا " وسيجيء في باب الإحصار " وكان يقول أي ابن عمر: لا يحل حتى يطوف طوافًا واحدًا يوم يدخل مكة " وفي بعض روايات مسلم " فخرج حتى إذا جاء البيت طاف به سبعًا وبين الصفا والمروة سبعًا لم يزد عليه ورأى أنه مجزئ عنه وأهدى " وفي أخرى " ثم طاف لهما طوافًا واحدًا بالبيت وبين الصفا والمروة ثم لم يحل منهما حتى حل منهما بحجة يوم النحر " وفي رواية أخرى " ثم انطلق يهل بهما جميعًا حتى قدم مكة فطاف بالبيت وبالصفا والمروة ولم يزد على ذلك ولم ينحر ولم يحلق حتى كان يوم النحر فنحر وحلق ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول " والنظر في هذه الروايات يبعد ذلك التأويل، لكن القول بأنه ما كان يرى طواف الإفاضة مطلقًا أو للقارن أيضًا قول بعيد، بل قد ثبت عنه طواف الإفاضة في صحيح مسلم كما ذكرنا في القول السابق عنه، فإما أنه لا يرى طواف الإفاضة للقارن ركن الحج، بل يرى أن الركن في حقه هو الأول والإفاضة سنة أو نحوها وهذا لا يخلو عن بعد، أو أنه يرى دخول طواف العمرة في طواف القدوم للحج، ويرى أن طواف القدوم من سنن الحج للمفرد إلا أن القارن يجزئه ذلك عن سنة القدوم للحج وعن فرض العمرة وتكون الإفاضة عنده ركنًا للحج فقط، هذا غاية ما ظهر لي في التوفيق بين روايات حديث ابن عمر ولم أر أحدًا تعرض لذلك مع البسط وجمع الطرق إلا ما قيل إن المراد بالطواف السعي بين الصفا والمروة ولا يخفى بعده أيضًا فإن مطلق الطواف ينصرف إلى طواف البيت سيما وهو مقتضى الروايات فلينظر بعده، والله تعالى أعلم – انتهى. قلت: حمله على الطواف بين الصفا والمروة لا بعد فيه، بل هو الظاهر، ويؤيد ذلك حديث جابر عند مسلم " لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا طوافه الأول " – انتهى. قال الشنقيطي: الذي

стр. 4051

.............................................................................................. ــ يظهر لي والله أعلم أن مراد ابن عمر في قوله " ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول " هو الطواف بين الصفا والمروة، ويدل على ذلك أمران: الأول هو ما وقع في بعض روايات مسلم " ثم طاف لهما طوافًا واحدًا بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم لم يحلل منهما حتى حل منهما بحجة " (قال النووي: معناه حتى حل منهما يوم النحر بعمل حجة مفردة) ومعلوم أن الحل بحجة لا يمكن بدون طواف الإفاضة، أما السعي في الحجة فيكفي فيه السعي الأول بعد طواف القدوم فيتعين أن الطواف الأول الذي رأى إجزاءه عن حجه وعمرته هو الطواف بين الصفا والمروة بدليل الرواية الصحيحة بأنه لم يحل منهما إلا بحجة يوم النحر وحجة يوم النحر أعظم أركانها طواف الإفاضة فبدونه لا تسمى حجة لأنه ركنها الأكبر المنصوص على الأمر به في كتاب الله في قوله تعالى ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ (٢٢: ٢٩) الأمر الثاني هو أن ابن عمر قال: كذلك فعل رسول الله ﷺ ، وفعل النبي ﷺ الثابت عنه في الروايات الصحيحة أنه اكتفى بسعيه بين الصفا والمروة بعد طواف القدوم لحجه وعمرته وأنه بعد إفاضته من عرفات طاف طواف الإفاضة يوم النحر على التحقيق فحديث ابن عمر هذا نص صحيح متفق عليه على أن القارن يعمل كعمل المفرد، وعلى هذا يحمل الطواف الواحد في حديث عائشة المتقدم فيفسر بأنه الطواف بين الصفا والمروة، لأن القارن لا يسعى لحجه وعمرته إلا مرة واحدة – انتهى كلام الشنقيطي. وأجاب بعض الحنفية عن رواية مسلم المذكورة في كلام الشنقيطي بأنه يحتمل أن هؤلاء الذين لم يطوفوا بين الصفا والمروة بعد طواف الإفاضة لأجل أنهم سعوا بينهما قبل الرواح إلى منى بأن يطوفوا بالبيت طواف النفل لأجل تقديم السعي جائز بعد أن يكون مسبوقًا بطواف كطواف القدوم أو طواف النفل فكان الغرض أنهم لم يعيدوا السعي مرة أخرى – انتهى. وفيه أنه لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه القارنين أنهم طافوا طواف النفل وسعوا بعده بين الصفا والمروة قبل الرواح إلى منى، فحمله على ذلك بعيد جدًا. قال الشيخ محمد أنور: لم يثبت طواف النفل منه عليه صلوات الله وسلامه إلى العاشر، نعم ثبت بعد العاشر في ليالي منى برواية قوية. وقال بعضهم إن المراد في حديث جابر المذكور أن السعي الواحد لنسك واحد كافي، أي لا يحتاج إلى سعي آخر، وفيه أنه يأبى هذا التأويل ألفاظ حديث جابر وحديث ابن عمر وعائشة كما لا يخفى ذلك على من أمعن النظر فيها، ومن الأحاديث الصحيحة التي استدل بها للجمهور ما وقع في حديث جابر عند مسلم من قوله ﷺ : " دخلت العمرة في الحج " مرتين وتصريحه ﷺ بدخولها فيه يدل على دخول أعمالها في أعماله حالة القران، قال الحافظ: دل هذا على أنها لا تحتاج أي عمرة بعد أن دخلت فيه إلى عمل آخر غير عمله. واستدل للجمهور أيضًا بما روى أحمد (ج ٢: ص ٦٧) والترمذي وابن ماجة وسعيد بن منصور من حديث ابن عمر، واللفظ لأحمد قال: قال رسول الله ﷺ : " من قرن بين حجته وعمرته أجزأه لهما طواف واحد ". ولفظ الترمذي " من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد منهما حتى يحل منهما جميعًا " قال الترمذي: حديث حسن غريب صحيح. وأعله الطحاوي بأن عبد العزيز بن محمد

стр. 4052

............................................................................................. ــ الدراوردي (الراوي عن عبيد الله بن عمر) أخطأ فيه، وأن الصواب أنه موقوف، وتمسك في تخطئته بما رواه أيوب والليث وموسى بن عقبة وغير واحد عن نافع نحو سياق ما تقدم من أن ذلك وقع لابن عمر، وأنه قال إن النبي ﷺ فعل ذلك لا أنه روى هذا اللفظ عن النبي ﷺ – انتهى. قال الحافظ: وهو تعليل مردود، فالدراوردي صدوق وليس ما رواه مخالفًا لما رواه غيره، فلا مانع من أن يكون الحديث عند نافع على الوجهين – انتهى. والحديث صححه الترمذي كما تقدم ثم أعله بنحو ما أعله به الطحاوي حيث قال: تفرد به الدراوردي على ذلك اللفظ، وقد رواه غير واحد عن عبيد الله بن عمر ولم يرفعوه وهو أصح – انتهى. قلت: وهكذا أعله ابن عبد البر في الاستذكار كما ذكره العيني والجواب عن ذلك كله أن حديث ابن عمر الذي قدمناه عن البخاري ليس بموقوف، لأن ابن عمر لما طاف لهما طوافًا واحدًا أخبر بأن النبي ﷺ فعل ذلك، وهذا عين الرفع فلا وقف ألبتة، ولا يبعد أن يكون قول ابن عمر " هكذا فعل رسول الله ﷺ " أي أمر من كان قارنًا أن يقتصر على طواف واحد، واستدل لهم أيضًا بما رواه الترمذي والنسائي عن جابر أن رسول الله عليه وسلم قرن الحج والعمرة فطاف لهما طوافًا واحدًا. قال الترمذي: هذا حديث حسن، وفيه الحجاج بن أرطاة. واستدل لهم أيضًا بما روى عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل قال: حلف طاوس ما طاف أحد من أصحاب رسول الله ﷺ لحجه وعمرته إلا طوافًا وحدًا. قال الحافظ: هذا إسناد صحيح، وفيه بيان ضعف ما رُوي عن علي وابن مسعود من ذلك. وقد روى آل بيت علي عنه مثل الجماعة، قال جعفر بن محمد الصادق عن أبيه أنه كان يحفظ عن علي " للقارن طواف واحد " خلاف ما يقول أهل العراق. ومما يضعف ما روي عن علي من ذلك أن أمثل طرقه عن رواية عبد الرحمن بن أذينة عنه، وقد ذكر فيها أنه يمتنع على من ابتدأ الإهلال بالحج أن يدخل عليه بالعمرة، وأن للقارن يطوف طوافين ويسعى سعيين. والذين احتجوا بحديثه لا يقولون بامتناع إدخال العمرة على الحج، فإن كانت الطريق صحيحة عندهم لزمهم العمل بما دلت عليه، وإلا فلا حجة فيها – انتهى كلام الحافظ. وفي الباب أيضًا عن ابن عباس عند ابن ماجة والدارقطني بنحو حديث جابر عند مسلم وعن أبي قتادة وأبي سعيد عند الدارقطني أيضًا بإسناد ضعيف وقد ثبت بما ذكرنا من الأحاديث والآثار الفرق بين القران والتمتع، وأن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد لعمرته وحجته كفعل المفرد. أما أدلة الجمهور على أن المتمتع لا بد له من طوافين وسعيين: طواف وسعي لعمرته وطواف وسعي لحجه فمنها ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس أنه سئل عن متعة الحج فقال: أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي ﷺ في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول الله ﷺ : اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي، فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: من قلد الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، فإذا فرغنا من

стр. 4053

............................................................................................. ــ المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وقد تم حجنا وعلينا الهدي-الحديث، وأخرجه أيضًا الإسماعيلي في مستخرجه، ومن طريقه البيهقي في سننه (ج ٥: ص ٢٣) وإسناده صحيح، رجاله رجال الصحيح، وهو صريح في سعي المتمتع مرتين ومنها حديث عائشة المتقدم فإن قولها " فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافًا (آخر) بعد أن رجعوا من منى (لحجهم) وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا، يدل على الفرق بين القارن والمتمتع، وأن القارن يفعل كفعل المفرد والمتمتع يطوف لعمرته ويطوف لحجه، وقال بعض أهل العلم قول عائشة عن الذين أهلوا بالعمرة " ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم " تعني به الطواف بين الصفا والمروة على أصح الأقوال في تفسير هذا الحديث وأما قول من قال إنها أرادت بذلك طواف الإفاضة فليس بصحيح لأن طواف الإفاضة ركن في حق الجميع وقد فعلوه، وإنما المراد بذلك ما يخص المتمتع وهو الطواف بين الصفا والمروة مرة ثانية بعد الرجوع من منى. وأما من قال إن المتمتع كالقارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد وهو رواية عن الإمام أحمد فقد استدل بما رواه مسلم في صحيحه عن جابر أن النبي ﷺ وأصحابه لم يطوفوا بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا طوافهم الأول. قالوا: فهذا نص صحيح صرح فيه جابر بأن النبي ﷺ لم يطف هو ولا أصحابه إلا طوافًا واحدًا، ومعلوم أن أصحابه فيهم القارن، وهو من كان معه الهدي، وفيهم المتمتع، وهو من لم يكن معه هدي، وإذًا ففي هذا الحديث الصحيح الدليل على استواء القارن والمتمتع في لزوم طواف واحد وسعي واحد، وأجاب المخالفون عن هذا بأجوبة، الأول: هو أن الجمع واجب إن أمكن، قالوا: وهو ها هنا ممكن بحمل حديث جابر هذا على أن المراد بأصحاب النبي ﷺ لم يطوفوا إلا طوافًا واحدًا للعمرة والحج خصوص القارنين منهم كالنبي ﷺ ، وهم الذين ساقوا الهدي فإنهم بقوا على إحرامهم مع النبي ﷺ حتى حلوا من الحج والعمرة جميعًا، والقارن بين الحج والعمرة ليس عليه إلا سعي واحد كما دل عليه حديث جابر وغيره من الأحاديث الصحيحة وإن حمل حديث جابر على هذا كان موافقًا لحديث عائشة وحديث ابن عباس المتقدمين وبذلك يزول التعارض ويحصل العمل بالأحاديث كلها. الجواب الثاني: أنا لو سلمنا أن الجمع غير ممكن هنا في حديث جابر مع حديث عائشة وحديث ابن عباس كما جاء في ما رواه مسلم من طريق زهير عن أبي الزبير عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج معنا النساء والولدان فلما قدمنا مكة طفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقال لنا رسول الله ﷺ : من لم يكن معه الهدي فليحلل. قال، قلنا: أي الحل؟ قال: الحل كله. قال: فأتينا النساء ولبسنا الثياب ومسسنا الطيب، فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج وكفانا الطواف الأول بين الصفا والمروة – الحديث. ولفظ جابر في هذه الرواية لا يمكن حمله على القارنين بحال، لأنه صرح بأنهم حلوا الحل كله وأتوا النساء، ولبسوا الثياب، ومسوا الطيب، وأنهم أهلوا يوم التروية بحج، ومع هذا كله صرح

стр. 4054

.............................................................................................. ــ بأنهم كفاهم طوافهم الأول بين الصفا والمروة. ويؤيده ما وقع في حديث جابر عند أحمد (ج ٣: ص ٣٦٢) والطحاوي وأبي داود في باب الإفراد قال: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه لأربع خلون من ذي الحجة فلما طافوا بالبيت وبالصفا والمروة قال رسول الله ﷺ : اجعلوها عمرة إلا من كان معه الهدي، فلما كان يوم التروية أهلوا بالحج فلما كان يوم النحر قدموا فطافوا بالبيت ولم يطوفوا بين الصفا والمروة – انتهى. فإن حديث جابر ينفي طواف المتمتع بعد رجوعه من منى، وحديث عائشة وحديث ابن عباس يثبتانه، وقد تقرر في علم الأصول ومصطلح الحديث أن المثبت مقدم على النافي فيجب تقديم حديث ابن عباس وعائشة بأنهما مثبتان على حديث جابر النافي. الجواب الثالث: أن عدم طواف المتمتع بعد رجوعه من منى الثابت في صحيح مسلم رواه جابر وحده، وطوافه بعد رجوعه من منى رواه في صحيح البخاري وغيره ابن عباس وعائشة، وما رواه اثنان أرجح مما رواه واحد. وأما من قالوا: إن القارن والمتمتع يلزم كل واحد منهما طوافان وسعيان، طواف وسعي للعمرة وطواف وسعي للحج كأبي حنيفة ومن وافقه فقد استدلوا لذلك بأحاديث، فمنها حديث الصبي بن معبد التغلبي عند أبي حنيفة في مسنده رواه عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي عن الصبي بن معبد قال: أقبلت من الجزيرة حاجًا، إلى أن قال: " فأحببت أن أجمع عمرة إلى حجة فأهللت بهما جميعًا ولم أنس " وفيه " مضيت فطفت طوافًا لعمرتي وسعيت سعيًا لعمرتي ثم عدت ففعلت مثل ذلك، ثم بقيت حرامًا أصنع كما يصنع الحاج " وفي طريق آخر " كنت حديث عهد بنصرانية فقدمت الكوفة أريد الحج في زمان عمر بن الخطاب" وفيه " فلما قدم الصبي مكة طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة لعمرته ثم رجع حرامًا لم يحل من شيء ثم طاف بالبيت وبين الصفا والمروة لحجته " وفيه " فضرب عمر على ظهره وقال: هديت لسنة نبيك ﷺ " وقال ابن حزم في المحلى (ج ٧: ص ١٧٥) : روينا من طريق حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي أن الصبي بن معبد التغلبي قرن بين العمرة والحج فطاف طوافين وسعى سعيين ولم يحل بينهما وأهدى وأخبر بذلك عمر بن الخطاب فقال: هديت لسنة نبيك ﷺ ، وأجيب عن ذلك بأن إبراهيم النخعي لم يدرك الصبي ولا سمع منه ولا أدرك عمر فهو منقطع، وقد رواه الثقات مجاهد ومنصور عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن الصبي فلم يذكروا فيه طوافًا ولا طوافين ولا سعيًا ولا سعيين أصلاً، وإنما فيه قرن بين الحج والعمرة فقط، قاله ابن حزم في المحلى. قلت: رواه أبو داود والنسائي عن منصور، وابن ماجة عن الأعمش كلاهما عن أبي وائل عن الصبي بن معبد قال: أهللت بهما معًا، فقال عمر: هديت لسنة نبيك – انتهى. وكذا رواه مختصرًا أحمد وإسحاق بن راهويه وأبو داود الطيالسي في مسانيدهم وابن أبي شيبة في مصنفه وابن حبان في صحيحه والدارقطني في العلل. فرواية النخعي عن الصبي بن معبد لا يصح الاحتجاج بها لكونها منقطعة، ومنها حديث علي أخرجه النسائي في سننه الكبرى في مسند على من طريق حماد بن عبد الرحمن الأنصاري عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية

стр. 4055

............................................................................................ ــ قال: طفت مع أبي وقد جمع يبن الحج والعمرة فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين، وحدثني أن عليًا فعل ذلك، وقد حدثه أن رسول الله ﷺ فعل ذلك، ذكره الزيلعي ثم قال: قال صاحب التنقيح: وحماد هذا ضعفه الأزدي وذكره ابن حبان في الثقات، قال بعض الحفاظ: هو مجهول، والحديث من أجله لا يصح – انتهى. وقال الحافظ في الدراية: رواته موثقون وأخرجه محمد بن الحسن من قول علي موقوفًا بلفظ الأمر، وفي إسناده راو مجهول – انتهى. ولحديث علي إسناد آخر أخرجه الدارقطني (ص٢٧٣) من طريق الحسن بن عماره عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن علي، قال: رأيت النبي ﷺ قرن وطاف طوافين وسعى سعيين – انتهى. والحسن بن عمارة ضعيف بإجماع منهم قاله السهيلي. وقال أبو حاتم ومسلم والنسائي والدارقطني وأحمد ويعقوب بن شيبة: متروك الحديث. وقال الجوزجاني: ساقط، وقال الساجي: ضعيف متروك أجمع أهل الحديث على ترك حديثه. وقال ابن معين: لا يكتب حديثه، وقال مرة ضعيف، وقال مرة: ليس حديثه بشيء، وقال عمرو بن علي: هو رجل صالح صدوق كثير الوهم والخطأ متروك الحديث. وقال عبد الله بن المديني عن أبيه: ما احتاج إلى شعبة فيه، أمره أبين من ذلك. قيل له: كان يغلط؟ قال: أي شيء كان يغلط؟ كان يضع. وقد أطال العقيلي في تضعيف الحسن بن عمارة في كتاب الضعفاء كما في نصب الراية. وأخرجه الدارقطني أيضًا عن حفص بن أبي داود عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي بنحوه، قال: وحفص هذا ضعيف وابن أبي ليلى رديء الحفظ كثير الوهم. وأخرجه أيضًا عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي حدثني أبي عن أبيه عن جده عن علي أن النبي ﷺ كان قارنًا فطاف طوافين وسعى سعيين – انتهى. قال: وعيسى بن عبد الله يقال له مبارك وهو متروك الحديث، ذكره الزيلعي (ج ٣: ص ١١٠) وسكت عنه، ومنها حديث ابن عمر أخرجه الدارقطني (ص٢٧١) من طريق الحسن بن عمارة عن مجاهد عن ابن عمر أنه جمع بين عمرة وحج فطاف لهما طوافين وسعى سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ صنع كما صنعت – انتهى. قال الدارقطني بعد ذكر حديث ابن عمر هذا، وحديث علي المتقدم من طريق الحسن بن عمارة: لم يروهما غير الحسن بن عمارة وهو متروك ثم هو قد روى عن ابن عباس ضد هذا ثم أخرجه عن الحسن بن عمارة عن سلمة بن كهيل عن طاوس، قال سمعت ابن عباس يقول: لا والله ما طاف لهما رسول الله ﷺ إلا طوافًا واحدًا فهاتوا من هذا الذي يحدث أن رسول الله ﷺ طاف لهما طوافين – انتهى. ومنها حديث ابن مسعود أخرجه الدارقطني من طريق أبي بردة عمرو بن يزيد عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: طاف رسول الله ﷺ لعمرته وحجه طوافين وسعى سعيين وأبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود. قال الدارقطني: وأبو بردة متروك، ومن دونه في الإسناد ضعفاء – انتهى. وقال الحافظ في الدراية: وفيه أبو بردة عمرو بن يزيد أحد الضعفاء، ورواه عن حماد بن أبي سليمان، ومنها حديث عمران بن حصين أخرجه الدارقطني أيضًا من طريق

стр. 4056

.............................................................................................. ــ محمد بن يحيى الأزدي ثنا عبد الله بن داود عن شعبة عن حميد بن هلال عن مطرف عن عمران بن حصين، أن النبي ﷺ طاف طوافين وسعى سعيين – انتهى. قال الدارقطني: يقال إن محمد بن يحيى حدث بهذا من حفظه فوهم في متنه، والصواب بهذا الإسناد أن النبي ﷺ قرن الحج والعمرة، وليس في ذكر الطواف ولا السعي، ويقال إنه رجع عن ذكر الطواف والسعي وحدث به على الصواب كما حدثنا به محمد بن إبراهيم بن فيروز حدثنا محمد بن يحيى الأزدي به أن النبي ﷺ قرن – انتهى. قال: وقد خالفه غيره فلم يذكر فيه الطواف ولا السعي كما حدثنا به أحمد بن عبد الله بن محمد الوكيل ومحمد بن مخلد، قالا حدثنا القاسم بن محمد بن عباد المهلبي ثنا عبد الله بن داود عن شعبة بهذا الإسناد أن النبي ﷺ قرن – انتهى. وقد ظهر كما ذكرنا أن جميع الأحاديث الدالة على طوافين وسعيين للقارن ليس فيها حديث قائم كما رأيت، وقال الحافظ في الفتح: واحتج الحنفية بما روي عن علي أنه جمع بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل، وطرقه عن علي عند عبد الرزاق والدارقطني وغيرهما ضعيفة، وكذا أخرج من حديث ابن مسعود بإسناد ضعيف نحوه. وأخرج من حديث ابن عمر نحو ذلك. وفيه الحسن بن عمارة وهو متروك والمخرج في الصحيحين، وفي السنن عنه من طرق كثيرة الاكتفاء بطواف واحد. وقال البيهقي: إن ثبتت الرواية أنه طاف طوافين فيحمل على طواف القدوم وطواف الإفاضة، وأما السعي مرتين فلم يثبت وقال ابن حزم: لا يصح عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه شيء في ذلك أصلاً. قال الحافظ: لكن روى الطحاوي وغيره مرفوعًا عن علي وابن مسعود ذلك بأسانيد لا بأس بها إذا اجتمعت، ولم أر في الباب أصح من حديثي ابن عمر وعائشة المذكورين في هذا الباب انتهى. وقال ابن القيم: وأما من قال إنه حج قارنًا قرانًا طاف له طوافين وسعى سعيين كما قاله كثير من فقهاء الكوفة، فعذره ما رواه الدارقطني من حديث مجاهد عن ابن عمر وعن علي بن أبي طالب وعن علقمة عن عبد الله ابن مسعود وعن عمران بن حصين فذكر ألفاظ أحاديث هؤلاء الصحابة ثم قال: وما أحسن هذا العذر لو كانت هذه الأحاديث صحيحة بل لا يصح منها حرف واحد، أما حديث ابن عمر ففيه الحسن بن عمارة. وقال الدارقطني: لم يروه عن الحكم غير الحسن بن عمارة وهو متروك الحديث. وأما حديث علي ففي أحد سنديه حفص بن أبي داود. وقال أحمد ومسلم: حفص متروك الحديث. وقال ابن خراش: هو كذاب يضع الحديث، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ضعيف، وفي السند الثاني عيسى بن عبد الله، ويقال له مبارك. قال الدارقطني: هو متروك الحديث. وأما حديث علقمة عن عبد الله فيرويه أبو بردة عمرو بن يزيد عن حماد عن إبراهيم عن علقمة. قال الدارقطني: وأبو بردة ضعيف ومن دونه في الإسناد ضعفاء – انتهى. وفيه عبد العزيز بن أبان، قال يحيى: هو كذاب خبيث. وقال الرازي والنسائي: متروك الحديث، وأما حديث عمران بن حصين فهو مما غلط فيه محمد بن يحيى الأزدي وحدث به من حفظه فوهم فيه، وقد حدث به على الصواب مرارًا ويقال إنه رجع عن ذكر الطواف والسعي – انتهى. واستدل أيضًا للحنفية بما روي من أثار بعض الصحابة كعلي وابن مسعود والحسن

стр. 4057

.............................................................................. ــ ابن علي والحسين بن علي ذكرها الزيلعي في نصب الراية (ج ٣: ص ١١١) وابن حزم في المحلى (ج ٧: ص ١٧٥، ١٧٦) مع الكلام عليها والبيهقي في المعرفة وفي السنن والحافظ في الدراية، وقد ذكرنا ما يعارض ذلك ويضعفه نقلاً عن الحافظ فتذكر، وإذا عرفت أن أحاديث السعيين والطوافين ليس فيها شيء قائم كما رأيت، فاعلم أن الذين قالوا بأن القارن يطوف طوافًا ويسعى سعيًا كفعل المفرد أجابوا عن تلك الأحاديث من وجهيين الأول: وهو ما بيناه الآن بواسطة نقل الزيلعي والحافظ ابن حجر وابن القيم عن الدارقطني وغيره من أوجه ضعفها. والثاني: أنا لو سلمنا أن بعضها يصلح للاجتهاد كما يقوله الحنفية وضعافها يقوي بعضها بعضًا فلا يقل مجموع طرقها عن درجة القبول كما أشار إليه الحافظ فهي معارضة بما هو أقوى منها وأصح وأرجح وأولى بالقبول من الأحاديث الثابتة في الصحيح الدالة على أن النبي ﷺ لم يفعل في قرانه إلا كما يفعل المفرد كحديث عائشة المتفق عليه وحديث ابن عمر عند البخاري، وكالحديث المتفق عليه أن النبي ﷺ قال لعائشة: يكفيك طوافك بالبيت وبالصفا والمروة لحجك وعمرتك. كذا حققه الشنقيطي، ثم قال: وقد اتضح من جميع ما كتبناه في هذه المسألة أن التحقيق فيها أن القارن يفعل كفعل المفرد لاندراج أعمال العمرة في أعمال الحج، وأن المتمتع يطوف ويسعى لعمرته ثم يطوف ويسعى لحجته، ومما يوضحه من جهة المعنى أنه يطوف ويسعى لحجه بعد رجوعه من منى، أنه يهل بالحج بالإجماع، والحج يدخل في معناه دخولاً مجزومًا به الطواف والسعي، فلو كان يكفيه طواف العمرة التي حل منها وسعيها لكان إهلاله بالحج إهلالاً بحج لا طواف فيه ولا سعي، وهذا ليس بحج في العرف ولا في الشرع – انتهى. تنبيه: استدل بعض الحنفية لتعدد السعي بأنه وقع في بعض الروايات ذكر سعيه ماشيًا كما تقدم في حديث جابر الطويل عند مسلم وأبي داود وهو قوله: حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى المروة – الحديث. قالوا: هذا صريح في السعي راجلاً وماشيًا على الأقدام ووقع في بعض الروايات ذكر سعيه راكبًا كما وقع في حديث جابر أيضًا عند مسلم في باب جواز الطواف على البعير " طاف رسول الله ﷺ على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراء الناس وليشرف ويسألوه، فإن الناس غشوه " قالوا: فيكون السعي اثنين، الأول ماشيًا راجلاً بعد الطواف الأول عند دخول مكة وهو للقدوم عند الشافعية ومن وافقهم، وللقدوم والعمرة عندنا الحنفية، والسعي الثاني راكبًا، وتاريخ هذا السعي الثاني وإن كان غير معلوم يعني أنه كان قبل يوم النحر أو بعده لكن الأقرب والأليق بمسائل الحنفية أن يكون يوم النحر بعد طواف الإفاضة حيث يكون السعي مسبوقًا بطواف. ولم يطف النبي ﷺ بعد طوافه للقدوم والعمرة على اختلاف المذهبين إلا هذا الطواف أي يوم النحر. وتأول ابن حزم قول جابر في قصة حجة الوداع " حتى إذا انصبت قدماه " أي وهو على راحلته، والنزول والصعود إنما هو نزول الناقة وصعودها. قال الحنفية: إن هذا التأويل غير مقبول، فإن ألفاظ الحديث وتبادرها يخالفه، وأيضًا من كان راكبًا لا يسعى بين الميلين الأخضرين بل يمشي، قالوا: ويرد هذا التأويل حديث بنت أبي تجراة (الآتي في باب دخول

стр. 4058

............................................................................................ ــ مكة والطواف) وفيه " فرأيته وإن ميزره ليدور من شدة السعي " قالوا: وتأول ابن حزم الرواية التي تدل على سعيه راكبًا بأن بعض الأشواط من السعي كان راكبًا وبعضها كان ماشيًا. قالوا: يرد هذا التأويل ما رواه أبو داود في باب الطواف الواجب عن أبي الطفيل عن ابن عباس أنه طاف سبعًا على راحلته فصرح فيه أنه طاف بينهما سبعة أشواط راكبًا. والظاهر أنه في حجة الوادع، يدل على ذلك ما وقع في رواية مسلم في باب استحباب الرمل في الطواف عن أبي الطفيل، قال: قلت لابن عباس: أراني قد رأيت رسول الله ﵊، قال: فصفه لي. قال، قلت: رأيته عند المروة على ناقة، وقد كثر الناس عليه. قال، فقال ابن عباس: ذاك رسول الله عليه وسلم، إنهم كانوا لا يدعون عنه ولا يكهرون – انتهى. قالوا: وهذه الواقعة واقعة حجة الوداع، لأن كثرة الناس وسؤالهم لا يكون إلا في حجة الوادع. قالوا: فظهر من هذا كله أن تعدد السعي لازم وإن لم يصرح به أحد. قلت: التأويل الثاني الذي نسبوه إلى ابن حزم صحيح متعين عندي، وأما رواية أبي داود فأصلها في صحيح مسلم ولكن ليست فيه هذه اللفظة، ويؤيد التأويل المذكور ما وقع في رواية عند مسلم بإسناده عن أبي الطفيل، قال: قلت لابن عباس: أرأيت هذا الرمل بالبيت؟ – الحديث. وفيه " قال: إن رسول الله ﷺ كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد، هذا محمد، حتى خرج العواتق من البيوت. قال: وكان رسول الله ﷺ لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثر عليه ركب، والمشي والسعي أفضل – انتهى. فإن سياقه يدل على أن الركوب كان في أثناء السعي حين كثر الناس عليه فيه، وأما حديث بنت أبي تجراة فليس فيه تصريح أنه كان في حجته ولا أن سعيه ماشيًا كان في جميع الأشواط. قال المحب الطبري بعد ذكر الروايات التي تدل علي أنه ﷺ سعى راكبًا ما لفظه: في هذه الأحاديث دلالة ظاهرة على ركوبه ﷺ في السعي، والأحاديث المتقدمة في الفصل قبله وحديث جابر الطويل يدل على مشيه، فيحتمل أن يكون ﷺ مشى في طوافه على ما دل عليه بعض الأحاديث، ثم خرج إلى السعي ماشيًا فسعى بعضه ماشيًا ورأته بنت أبي تجراة إذ ذاك، ثم لما كثر عليه ركب ناقته، ويؤيد ذلك قول بن عباس: وكان ﷺ لا يضرب الناس بين يديه فلما كثر عليه ركب، والسعي والمشي أفضل. فإن سياقه دال على أن الركوب كان في أثناء السعي حين كثر الناس عليه فيه. وذهب ابن حزم في كتابه المشتمل على صفة الحج الكبرى إلى أنه ﷺ كان راكبًا في جميع طوافه بين الصفا والمروة عملاً بحديث جابر هذا، قال: وما رواه في حديثه الطويل من أنه ﷺ لما انصبت قدماه في بطن الوادي رمل، ليس بمعارض لما ذكرناه، لأن الراكب إذا انصب به بعيره فقد انصب جميع بدنه وانصبت قدماه أيضًا مع سائر جسده، وكذلك الرمل، يعني به رمل الدابة براكبها، ولم يطف ﷺ بين الصفا والمروة في تلك الحجة إلا مرة واحدة، وذكر في الحديث أنه كان فيه راكبًا، قال: ولا يقطع بأن طوافه ﷺ بالبيت الأول كان راكبًا لأنه ﷺ طاف في تلك الحجة مرارًا، منها طوافه الأول، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع، فالله أعلم أي تلك الأطواف كان راكبًا؟ قال الطبري: وظاهر حديث ابن عباس يرد هذا التأويل، وحديث بنت أبي تجراة

стр. 4059

متفق عليه. ٢٥٨١ – (٣) وعن عبد الله بن عمر، قال: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، فتمتع الناس مع النبي ﷺ بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى، ومنهم من لم يهد، فلما قدم النبي ﷺ مكة قال للناس: " من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ــ يصرح برده، والمختار فيه ما تقدم ذكره جمعًا بين الأحاديث كلها. وأما ركوبه في الطواف بالبيت فكان في طواف الإفاضة. ويكون قول جابر المتقدم في هذا الفصل " طاف على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة " محمولاً على طواف الإفاضة والسعي بعد طواف القدوم وجمع بينهما لوقوع الركوب فيهما – انتهى. (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أحمد ومالك وأبو داود والنسائي وغيرهم. ٢٥٨١- قوله (تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج) قد تقدم في شرح حديث ابن عمر في باب الإحرام والتلبية أن المراد بالتمتع ها هنا المعنى اللغوي وهو الانتفاع والالتذاذ، ولا شك أن ذلك في القران بوجود الاكتفاء عن النسكين بنسك، فالقارن متمتع من حيث اللغة ومن حيث المعنى، لأنه ترفيه باتحاد الميقات والإحرام والفعل. قال القاري: ظاهر هذا الحديث أنه أحرم بالعمرة أولاً ثم أحرم بالحج، ويدل عليه قوله " وبدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج " مع أنه ورد صريحًا في أحاديث أنه أحرم بالحج ثم أحرم بالعمرة فكيف يصار إليه؟ ولو ثبت لكان معارضًا، فالذي أدين الله تعالى به أنه ﷺ لا يبتدئ بالعمرة بعد فرض الحج عليه في أول الوهلة، وقد اعتمر مرارًا بعد الهجرة، فالصواب أنه كان قارنًا أولاً، ومعنى قوله " بدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج" أنه لما جمع بين النسكين قد ذكر العمرة على الحج لأنه الوجه المسنون في القران دون العكس ثم كان أكثر ما يذكر في إحرامه الحج لأنه الأصل المفروض والسنة تابعة – انتهى. (فساق معه الهدي من ذي الحليفة) أي من الميقات، وفيه الندب إلى سوق الهدي من المواقيت من الأماكن البعيدة، وهي من السنن التي أغفلها كثير من الناس، قاله الحافظ (فتمتع الناس) قال القاري: أي أكثرهم هذا التمتع بالجمع اللغوي بالجمع بين العبادتين (مع النبي ﷺ بالعمرة إلى الحج) أي بضمها إليه (فكان من الناس) أي الذين أحرموا بالعمرة (من أهدى) وعند الشيخين بعده " فساق الهدي " (فلما قدم النبي ﷺ مكة قال للناس) أي المعتمرين (من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه) فيه حجة على الشافعية ومن

стр. 4060

ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج وليهد، فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله ". ــ وافقهم في أن سوق الهدي لا يمنع التحلل عندهم، وقد تقدم بيانه في شرح حديث عائشة (ولمن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت) أي طواف العمرة (وليقصر) بتشديد الصاد. قال النووي: معناه أنه يفعل الطواف والسعي والتقصير ويصير حلالاً، وهذا دليل على أن الحلق أو التقصير نسك وهو الصحيح. وقيل استباحة محظور. قال: وإنما أمره بالتقصير دون الحلق مع أن الحلق أفضل ليبقى له شعر يحلقه في الحج (وليحلل) قال القاري: أي ليخرج من إحرام العمرة باستمتاع المحظورات. وقال الحافظ: هو أمر معناه الخبر، أي قد صار حلالاً فله فعل كل ما كان محظورًا عليه في الإحرام، ويحتمل أن يكون أمرًا على الإباحة لفعل ما كان عليه حرامًا قبل الإحلال (ثم ليهل بالحج) أي يحرم وقت خروجه إلى عرفة، ولهذا أتى بـ ثم الدالة على التراخي فلم يرد أنه يهل بالحج عقب إحلاله من العمرة (وليهد) أي ليذبح الهدي يوم النحر بعد الرمي قبل الحلق وهو هدي التمتع وهو واجب بشروطه المذكورة في كتب الفقه (فمن لم يجد هدايًا) أي لم يجد الهدي بذلك المكان ويتحقق له ذلك بأن يعدم الهدي أو يعدم ثمنه حينئذ أو يجد ثمنه لكن يحتاج إليه لأهم من ذلك، أو يجده لكن يمتنع صاحبه من بيعه أو يمتنع من بيعه إلا بغلائه فينتقل إلى الصوم كما هو نص القرآن، كذا في الفتح. وفسر الحنفية العجز من الهدي بأن لا يكون في ملكه فضل عن كفاف قدر ما يشتري به الدم ولا هو أي الدم في ملكه (ثلاثة أيام في الحج) قال القاري: أي في أشهره قبل يوم النحر، والأفضل أن يكون آخرها يوم عرفة. وقال الحافظ: أي بعد الإحرام به. قال النووي: هذا هو الأفضل وإن صامها قبل الإهلال بالحج أجزأه على الصحيح. وأما قبل التحلل من العمرة فلا على الصحيح، وجوزه الثوري وأصحاب الرأي، وعلى الأول فمن استحب صيام عرفة بعرفة قال: يحرم يوم السابع ليصوم السابع والثامن والتاسع، وإلا فيحرم يوم السادس ليفطر بعرفة، فإن فاته الصوم قضاه، وقيل: يسقط ويستقر الهدي في ذمته وهو قول الحنفية، وفي صوم أيام التشريق لهذا قولان للشافعية، أظهرهما: لا يجوز. قال النووي: وأصحهما من حيث الدليل الجواز – انتهى. (وسبعة إذا رجع إلى أهله) قال القاري: أي توسعة ولو صام بعد أيام التشريق بمكة جاز عندنا – انتهى. فالرجوع إلى الأهل عند الحنفية كناية عن الفراغ عن أفعال الحج. وقال النووي: أما صوم السبعة فيجب إذا رجع. وفي المراد بالرجوع خلاف، الصحيح في مذهبنا أنه إذا رجع إلى أهله، وهذا هو الصواب لهذا الحديث الصحيح الصريح، والثاني إذا فرغ من الحج ورجع إلى مكة من منى. وهذان القولان للشافعي ومالك، وبالثاني قال أبو حنيفة – انتهى. قلت: اختلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾ فقيل: إذا رجعتم إلى أهليكم، وهو أحد قولي الشافعي، أو إذا نفرتم وفرغتم من أعمال الحج ورجعتم إلى مكة وهو قوله

стр. 4061

فطاف حين قدم مكة، واستلم الركن أول شيء، ثم خب ثلاثة أطواف ومشى أربعًا، فركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ثم سلم، فانصرف فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، ثم لم يحل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر، وأفاض فطاف بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسول الله ﷺ من ساق الهدي من الناس. متفق عليه. ٢٥٨٢ – (٤) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : " هذه عمرة استمتعنا بها، ــ الثاني ومذهب أبي حنيفة (فطاف) أي النبي ﷺ (حين قدم مكة) أي طواف القدوم (واستلم الركن) أي الحجر الأسود (أول شيء) أي من أفعال الطواف (ثم خب) أي رمل، والخب نوع من العدو كالرمل، والمراد هنا الرمل (ثلاثة أطواف) أي في ثلاثة أشواط. قال ابن الملك: إظهار للجلادة والرجولية في نفسه وفيمن معه من الصحابة كيلا يظن الكفار أنهم عاجزون ضعفاء، قال القاري: هذا كان علة فعله ﷺ في عمرة القضاء ثم استمرت السنة بعد زال العلة (ومشى) أي بسكون وهينة (أربعًا) أي في أربع مرات من لأشواط (فركع) أي صلى (حين قضى) أي أدى وأتم (عند المقام) متعلق بركع (ركعتين) أي صلاة الطواف (ثم سلم) أي من صلاته (فانصرف) أي عن البيت أو عن المسجد (فأتى الصفا) ظاهره أنه لم يتخلل بين صلاة الطواف والخروج إلى الصفا عمل آخر، لكن تقدم في حديث جابر في صفة الحج " ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا " (فطاف) أي سعى (بالصفا والمروة سبعة أطواف) أي أشواط. وفي الحديث مشروعية طواف القدوم للقارن والرمل فيه إن عقبه بالسعي، وأن الرمل هو الخبب، وأنه يصلي ركعتي الطواف وأنهما يستحبان خلف المقام، وتسمية السعي طوافًا (ثم لم يحل) وفي الصحيحين " ثم لم يحلل " (من شيء حرم منه حتى قضى حجه) تقدم أن سبب عدم إحلاله كونه ساق الهدي وإلا لكان يفسخ الحج إلى العمرة ويتحلل منها كما أمر به أصحابه (ونحر هديه يوم النحر) قال القاري: وهو التحلل الأول بالحلق فيما عدا الجماع. وقال الحافظ: استدل به على أن الحلق ليس بركن، وليس بواضح لأنه لا يلزم من ترك ذكره في هذا الحديث أن لا يكون وقع، بل هو داخل في عموم قوله " حتى قضى حجه " (وأفاض) أي إلى مكة (فطاف بالبيت) أي طواف الإفاضة (ثم حل من كل شيء حرم منه) وهو التحلل الثاني المحلل للنساء (وفعل مثلما فعل رسول الله ﷺ من ساق الهدي من الناس) وفي الصحيحين " من أهدى وساق الهدي من الناس " والموصول فاعل قوله " فعل " أي فعل من أهدى وساق الهدي مثل ما فعل رسول الله ﷺ ، وفيه إشارة إلى عدم خصوصيته بذلك. (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٢: ص ١٤٠) وأبو داود والنسائي والبيهقي. ٢٥٨٢- قوله (هذه عمرة استمتعنا بها) قال القاري: الاستمتاع هنا تقديم العمرة والفراغ منها فهو في معناه

стр. 4062

فمن لم يكن عنده الهدي، فليحل الحل كله، فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة ". رواه مسلم. وهذا الباب خال عن الفصل الثاني. (الفصل الثالث) ٢٥٨٣ - (٥) عن عطاء، قال: سمعت جابر بن عبد الله في ناس معي قال: أهللنا أصحاب محمد بالحج خالصًا وحده. قال عطاء: قال جابر: فقدم النبي ﷺ صبح رابعة مضت من ذي الحجة، فأمرنا أن نحل، قال عطاء: قال: " حلوا وأصيبوا النساء ". قال عطاء: ولم يعزم عليهم، ــ اللغوي أي الانتفاع. وقال الأبي: لا يقال فيه أنه أحرم متمتعًا، لأن الإشارة بهذه إلى عمرة الفسخ ومعنى " استمتعنا " استمتعتم، أو يكون أدخل نفسه معهم فيها ولكن قام المانع وهو كون الهدي معه - انتهى. (فليحل) بفتح الياء وكسر الحاء (الحل) نصبه على المصدر، وقوله (كله) تأكيد له أي الحل التام (فإن العمرة فد دخلت في الحج) أي في أشهره (إلى يوم القيامة) قال ابن الملك: يعني أن دخولها فيه في أشهره لا يختص بهذه السنة بل يجوز في جميع السنين - انتهى. والحديث يحتمل معاني أخرى بعضها بعيد ذكرناها في شرح حديث جابر في قصة حجة الوداع (رواه مسلم) في باب جواز العمرة في أشهر الحج. وأخرجه أيضًا أحمد (ج ١: ص ٢٣٦) وأبو داود والنسائي والبيهقي (وهذا الباب خال عن الفصل الثاني) أي في المصابيح، وهو اعتذار من صاحب المشكاة عن تركه. ولئلا يشكل قوله " الفصل الثالث ". ٢٥٨٣ - قوله (عن عطاء) أي ابن أبي رباح المكي التابعي الجليل تقدم ترجمته (أهللنا أصحاب محمد ﷺ ) منصوب على الاختصاص، أو بتقدير أعني، أي أحرمنا (بالحج خالصًا وحده) أي ليس معه عمرة، قال ذلك على حسب ما سبق إلى فهمه. وإلا فقد تقدم من حديث عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة ومنا من أهل بالحج، أو أراد بالأصحاب أكثرهم أو كثيرًا منهم، وقيل: هو محمول على ما كانوا ابتدأوا به ثم أذن لهم بإدخال العمرة على الحج، وبفسخ الحج إلى العمرة فصاروا على ثلاثة أنواع (فأمرنا أن نحل) بكسر الحاء أي نفسخ الحج إلى العمرة قاله القاري، وأمر ﷺ بالحل من كان مفردًا أو قارنًا ولم يكن معه هدي، أما من كان معه هدي فقد بقي على إحرامه (قال عطاء) أي راويًا عن جابر (قال) أي النبي ﷺ ، وقال في اللمعات: الظاهر من السياق أن يكون فاعل " قال " جابر، أي قال جابر في تفسير قوله ((أمرنا أن نحل)) حاكيًا من قول رسول الله ﷺ ((حلوا)) ويجوز أن يكون فاعل " قال " رسول الله ﷺ ، فافهم (حلوا) بكسر الحاء وتشديد اللام صيغة أمر من " حل يحل " بكسر الحاء في المضارع أي اجعلوا حجكم عمرة وتحللوا منها بالطواف والسعي والتقصير (وأصيبوا) بفتح الهمزة أمر من الإصابة (ولم يعزم)

стр. 4063

ولكن أحلهن لهم، فقلنا: لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس، أمرنا أن نفضي إلى نسائنا، فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني. قال: يقول جابر بيده، كأني أنظر إلى قوله بيده يحركها. قال: فقام النبي ﷺ فينا، فقال: " قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم، ولولا هديي لحللت كما تحلون، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، فحلوا ". فحللنا وسمعنا وأطعنا. ــ بفتح الياء وكسر الزاي، أي لم يوجب النبي ﷺ عليهم وطئهن (ولكن أحلهن لهم) يعني لم يجعل الجماع عزيمة عليهم بل جعله رخصة لهم بخلاف الفسخ فإنه كان عزيمة فأمر " حلوا " للوجوب و " أصيبوا " للإباحة لأن من لازم الإحلال إباحة الجماع والوطئ قال الطيبي: أي قال عطاء في تفسير قول جابر " فأمرنا " ثم فسر هذا التفسير بأن الأمر لم يكن جزمًا (فقلنا) أي فيما بيننا يعني في جملة تذاكرنا فيما بيننا (لما لم يكن) أي حين لم يبق (بيننا وبين عرفة إلا خمس) أي من الليالي بحساب ليلة عرفة أو من الأيام بحساب يوم الأحد الذي لا كلام فيه (أمرنا) أي النبي ﷺ (أن نفضي) من الإفضاء، أي نصل (إلى نسائنا) وهو كناية عن الجماع كقوله تعالى ﴿وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾ (٤:٢١) (فنأتي) بالرفع أي فنحن حينئذ نأتي. قال الطيبي: قوله " فنأتي " ليس من تمام أمر رسول الله عليه وسلم، بل هو عطف على مقدر أي فتنزهنا من ذلك فقلنا نأتي عرفة (تقطر مذاكيرنا المني) جمع ذكر على غير قياس. وقال الأخفش: هو من الجمع الذي ليس له واحد مثل العبابيد والأبابيل، والجملة حالية، وهو كناية عن قرب العهد بالجماع، وكان هذا عيبًا في الجاهلية حيث يعدونه نقصًا في الحج (قال) أي عطاء (يقول جابر) أي يشير بيده (كأني أنظر إلى قوله بيده) أي إشارته بها (يحركها) أي يده، قال الكرماني: هذه الإشارة لكيفية التقطر، ويحتمل أن تكون إلى محل التقطر – انتهى. وقيل: لعله أراد تشبيه تحريك المذاكير بتحريك اليد (فقام النبي ﷺ فينا) أي خطيبًا، وفي رواية " فبلغ ذلك النبي ﷺ فما ندري أشيء بلغه من السماء أم شيء بلغه من قبل الناس، فقام فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه " (فقال) زاد في رواية " بلغني أن أقوامًا يقولون كذا وكذا " (قد علمتم) أي اعتقدتم (أني أتقاكم لله) أي أدينكم وأخشاكم (وأصدقكم) أي قولا (وأبركم) أي عملاً، وقيل أي أطوعكم لله (ولولا هديي لحللت كما تحلون) وفي رواية " لولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله " (ولو استقبلت من أمري ما استدبرت) ما موصولة محلها النصب على المفعولية (لم أسق الهدي) أي لو علمت في ابتداء شروعي ما علمت الآن من لحوق المشقة لأصحابي بانفرادهم بالفسخ حتى توقفوا وترددوا وراجعوا لما سقت الهدي حتى فسخت وحللت معهم، أراد به ﷺ تطييب قلوبهم وتسكين نفوسهم في صورة المخالفة بفعله وهم يحبون متابعة وكما موافقته، ولما في نفوسهم من الكراهية في الاعتمار في أشهر الحج ومقاربة النساء قرب عرفة (فحلوا) بكسر الحاء أمر للتأكيد (فحللنا وسمعنا وأطعنا وفي رواية

стр. 4064

قال عطاء: قال جابر: فقدم علي من سعايته، فقال: بم أهللت؟ قال: بما أهل به النبي ﷺ . فقال له رسول الله ﷺ : " فأهد وامكث حرامًا ". قال: وأهدى له علي هديًا. فقال سراقة بن مالك بن جعشم: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم لأبد؟ قال: " لأبد ". رواه مسلم. ٢٥٨٤ – (٦) وعن عائشة، أنها قالت: قدم رسول الله ﷺ لأربع مضين من ذي الحجة أو خمس، فدخل علي وهو غضبان، فقلت: من أغضبك يا رسول الله! أدخله الله النار. قال: " أو ما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون، ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي معي حتى أشتريه، ــ ((فأحللنا حتى وطئنا النساء وفعلنا ما يفعل الحلال)) (فقدم عليَّ من سِعايته) بكسر السين أي من عمله من القضاء وغيره في اليمن، وقد سبق بيان معناه في شرح حديث جابر الطويل نقلاً عن القاضي عياض والنووي (فأهد) أمر من الإهداء أي في وقت الهدي دم القران (وامكث) أي الآن (حرامًا) أي محرمًا (قال) أي جابر (وأهدى) أي أتى بالهدي (له عليّ هديًا) أي من اليمن كما سبق (ألعامنا هذا؟) أي جواز العمرة في أشهر الحج أو جواز فسخ الحج إلى العمرة مختص بهذه السنة أم لأبد؟ والأول قول الجمهور، والثاني قول أحمد، وقد سبق الكلام في ذلك مفصلاً (رواه مسلم) وأخرجه أيضًا أحمد والبخاري وأبو نعيم في المستخرج وأبو داود والنسائي وابن ماجة والطحاوي والحاكم والبيهقي والطيالسي وغيرهم مختصرًا ومطولاً بألفاظ مختلفة. ٢٥٨٤- قوله قدم رسول الله ﷺ لأربع) أي ليال (أو خمس) شك منها أو من الراوي عنها. وقد تقدم في حديث جابر أنه ﷺ قدم صبح رابعة مضت من ذي الحجة (فدخل علَيَّ وهو غضبان) أي ملآن من الغضب حين تأخر بعض أصحابه في فسخ الحج إلى العمرة. قال النووي: أما غضبه ﷺ فلانتهاك حرمة الشرع وترددهم في قبول حكمه وقد قال الله تعالى ﴿فلا وربك لا يؤمنون حنى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا﴾ (٤: ٦٥) فغضب ﷺ لما ذكرناه من انتهاك حرمة الشرع والحزن عليهم في نقص إيمانهم بتوقفهم، وفيه دلالة لاستحباب الغضب عند انتهاك حرمة الدين (أدخله الله النار) دعاء أو إخبار. وفيه جواز الدعاء على المخالف لحكم الشرع (قال: أو ما شعرتِ) أي أو ما عملتِ (أني أمرت الناس) أي بعضهم وهم الذين أحرموا بالحج مفردًا أو أحرموا بالحج والعمرة قرانًا ولم يكن معهم هدي (بأمر) وهو فسخ الحج (فإذا هم يترددون) أي في طاعة الأمر ومسارعته، أو في أن هذه الإطاعة هل هي نقصان بالنسبة إلى حجهم، قاله القاري (حتى اشتريه) أي الهدي بمكة أو في

стр. 4065

ثم أحل كما حلوا ". رواه مسلم. (٣) باب دخول مكة والطواف (الفصل الأول) ٢٥٨٥ - (١) عن نافع، قال: إن ابن عمر كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى، حتى يصبح ويغتسل ويصلي، ــ الطريق (ثم أحل) أي بالفسخ كما حلوا، استدل بهذا الحديث على وجوب فسخ الحج إلى العمرة لمن لم يكن معه هدي، وقد سبق الكلام في ذلك في شرح حديث جابر الطويل (رواه مسلم) وفي معناه ما رُوي عن البراء بن عازب عند أحمد وابن ماجه وأبي يعلى، وقد ذكرنا لفظه في بحث فسخ الحج، وهو من الأحاديث في الفسخ التي صححها أحمد وابن القيم وقال الهيثمي في مجمع الزوائد بعد عزوه لأبي يعلى: رجاله رجال الصحيح. (باب دخول مكة) أي آداب دخولها (الطواف) عطف على المضاف. ٢٥٨٥ - قوله (عن نافع) أي مولى ابن عمر (كان لا يقدم مكة) بفتح الدال أي لا يجيئها (إلا بات) أي نزل في الليل عند قدومه (بذي طوى) بتثليث الطاء مع الصرف وعدمه، فمن صرفه جعله اسم واد ومكان وجعله نكرة، ومن لم يصرفه جعله بلدة وبقعة وجعله معرفة. قال النووي: هو موضع معروف بقرب مكة يقال بفتح الطاء وضمها وكسرها، والفتح أفصح وأشهر ويصرف ولا يصرف. وقال الحافظ: ويعرف اليوم ببئر الزاهر، وهو مقصود منون وقد لا ينون. وقال الطبري: ذو طوى بضم الطاء المهملة وفتح الواو المخففة والقصر موضع عند باب مكة يسمى بذلك ببئر مطوية فيه، هكذا ضبطه بعضهم وضبطه الأصيلي بكسر الطاء. وقال الأصمعي: هي بفتح الطاء. قال المنذري: وهو الصواب، فأما الموضع الذي بالشام فيكسر طاؤه ويضم ويصرف ولا يصرف، وقد قرئ بهما، وأما التي بطريق الطائف فممدود (حتى يصبح) فكان ينزل بذي طوى ويبيت فيه للاستراحة وللاغتسال والنظافة (ويغتسل) أي به. قال النووي: في الحديث الاغتسال لدخول مكة وأنه يكون بذي طوى لمن كانت في طريقه (بأن يأتي من طريق المدينة) ويكون بقدر بعدها لمن لم يكن في طريقه (قال الطبري: ولو قيل: يسن له التعريج إليها والاغتسال بها إقتداء وتبركاً لم يبعد. قال الأذرعي: وبه جزم الزعفراني) قال أصحابنا: وهذا الغسل سنة فإن عجز عنه تيمم. وقال الحافظ: قال ابن المنذر الاغتسال عند دخول مكة مستحب عند جميع العلماء وليس في تركه عندهم فدية. وقال أكثرهم: يجزئ منه الوضوء. وفي الموطأ أن ابن عمر كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا من احتلام، وظاهره أن غسله لدخول مكة كان لجسده دون
следующие страницы →