← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

فطاف حين قدم مكة، واستلم الركن أول شيء، ثم خب ثلاثة أطواف ومشى أربعًا، فركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ثم سلم، فانصرف فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، ثم لم يحل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر، وأفاض فطاف بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسول الله ﷺ من ساق الهدي من الناس. متفق عليه. ٢٥٨٢ – (٤) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : " هذه عمرة استمتعنا بها، ــ الثاني ومذهب أبي حنيفة (فطاف) أي النبي ﷺ (حين قدم مكة) أي طواف القدوم (واستلم الركن) أي الحجر الأسود (أول شيء) أي من أفعال الطواف (ثم خب) أي رمل، والخب نوع من العدو كالرمل، والمراد هنا الرمل (ثلاثة أطواف) أي في ثلاثة أشواط. قال ابن الملك: إظهار للجلادة والرجولية في نفسه وفيمن معه من الصحابة كيلا يظن الكفار أنهم عاجزون ضعفاء، قال القاري: هذا كان علة فعله ﷺ في عمرة القضاء ثم استمرت السنة بعد زال العلة (ومشى) أي بسكون وهينة (أربعًا) أي في أربع مرات من لأشواط (فركع) أي صلى (حين قضى) أي أدى وأتم (عند المقام) متعلق بركع (ركعتين) أي صلاة الطواف (ثم سلم) أي من صلاته (فانصرف) أي عن البيت أو عن المسجد (فأتى الصفا) ظاهره أنه لم يتخلل بين صلاة الطواف والخروج إلى الصفا عمل آخر، لكن تقدم في حديث جابر في صفة الحج " ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا " (فطاف) أي سعى (بالصفا والمروة سبعة أطواف) أي أشواط. وفي الحديث مشروعية طواف القدوم للقارن والرمل فيه إن عقبه بالسعي، وأن الرمل هو الخبب، وأنه يصلي ركعتي الطواف وأنهما يستحبان خلف المقام، وتسمية السعي طوافًا (ثم لم يحل) وفي الصحيحين " ثم لم يحلل " (من شيء حرم منه حتى قضى حجه) تقدم أن سبب عدم إحلاله كونه ساق الهدي وإلا لكان يفسخ الحج إلى العمرة ويتحلل منها كما أمر به أصحابه (ونحر هديه يوم النحر) قال القاري: وهو التحلل الأول بالحلق فيما عدا الجماع. وقال الحافظ: استدل به على أن الحلق ليس بركن، وليس بواضح لأنه لا يلزم من ترك ذكره في هذا الحديث أن لا يكون وقع، بل هو داخل في عموم قوله " حتى قضى حجه " (وأفاض) أي إلى مكة (فطاف بالبيت) أي طواف الإفاضة (ثم حل من كل شيء حرم منه) وهو التحلل الثاني المحلل للنساء (وفعل مثلما فعل رسول الله ﷺ من ساق الهدي من الناس) وفي الصحيحين " من أهدى وساق الهدي من الناس " والموصول فاعل قوله " فعل " أي فعل من أهدى وساق الهدي مثل ما فعل رسول الله ﷺ ، وفيه إشارة إلى عدم خصوصيته بذلك. (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٢: ص ١٤٠) وأبو داود والنسائي والبيهقي. ٢٥٨٢- قوله (هذه عمرة استمتعنا بها) قال القاري: الاستمتاع هنا تقديم العمرة والفراغ منها فهو في معناه

стр. 4062

فمن لم يكن عنده الهدي، فليحل الحل كله، فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة ". رواه مسلم. وهذا الباب خال عن الفصل الثاني. (الفصل الثالث) ٢٥٨٣ - (٥) عن عطاء، قال: سمعت جابر بن عبد الله في ناس معي قال: أهللنا أصحاب محمد بالحج خالصًا وحده. قال عطاء: قال جابر: فقدم النبي ﷺ صبح رابعة مضت من ذي الحجة، فأمرنا أن نحل، قال عطاء: قال: " حلوا وأصيبوا النساء ". قال عطاء: ولم يعزم عليهم، ــ اللغوي أي الانتفاع. وقال الأبي: لا يقال فيه أنه أحرم متمتعًا، لأن الإشارة بهذه إلى عمرة الفسخ ومعنى " استمتعنا " استمتعتم، أو يكون أدخل نفسه معهم فيها ولكن قام المانع وهو كون الهدي معه - انتهى. (فليحل) بفتح الياء وكسر الحاء (الحل) نصبه على المصدر، وقوله (كله) تأكيد له أي الحل التام (فإن العمرة فد دخلت في الحج) أي في أشهره (إلى يوم القيامة) قال ابن الملك: يعني أن دخولها فيه في أشهره لا يختص بهذه السنة بل يجوز في جميع السنين - انتهى. والحديث يحتمل معاني أخرى بعضها بعيد ذكرناها في شرح حديث جابر في قصة حجة الوداع (رواه مسلم) في باب جواز العمرة في أشهر الحج. وأخرجه أيضًا أحمد (ج ١: ص ٢٣٦) وأبو داود والنسائي والبيهقي (وهذا الباب خال عن الفصل الثاني) أي في المصابيح، وهو اعتذار من صاحب المشكاة عن تركه. ولئلا يشكل قوله " الفصل الثالث ". ٢٥٨٣ - قوله (عن عطاء) أي ابن أبي رباح المكي التابعي الجليل تقدم ترجمته (أهللنا أصحاب محمد ﷺ ) منصوب على الاختصاص، أو بتقدير أعني، أي أحرمنا (بالحج خالصًا وحده) أي ليس معه عمرة، قال ذلك على حسب ما سبق إلى فهمه. وإلا فقد تقدم من حديث عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة ومنا من أهل بالحج، أو أراد بالأصحاب أكثرهم أو كثيرًا منهم، وقيل: هو محمول على ما كانوا ابتدأوا به ثم أذن لهم بإدخال العمرة على الحج، وبفسخ الحج إلى العمرة فصاروا على ثلاثة أنواع (فأمرنا أن نحل) بكسر الحاء أي نفسخ الحج إلى العمرة قاله القاري، وأمر ﷺ بالحل من كان مفردًا أو قارنًا ولم يكن معه هدي، أما من كان معه هدي فقد بقي على إحرامه (قال عطاء) أي راويًا عن جابر (قال) أي النبي ﷺ ، وقال في اللمعات: الظاهر من السياق أن يكون فاعل " قال " جابر، أي قال جابر في تفسير قوله ((أمرنا أن نحل)) حاكيًا من قول رسول الله ﷺ ((حلوا)) ويجوز أن يكون فاعل " قال " رسول الله ﷺ ، فافهم (حلوا) بكسر الحاء وتشديد اللام صيغة أمر من " حل يحل " بكسر الحاء في المضارع أي اجعلوا حجكم عمرة وتحللوا منها بالطواف والسعي والتقصير (وأصيبوا) بفتح الهمزة أمر من الإصابة (ولم يعزم)

стр. 4063

ولكن أحلهن لهم، فقلنا: لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس، أمرنا أن نفضي إلى نسائنا، فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني. قال: يقول جابر بيده، كأني أنظر إلى قوله بيده يحركها. قال: فقام النبي ﷺ فينا، فقال: " قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم، ولولا هديي لحللت كما تحلون، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، فحلوا ". فحللنا وسمعنا وأطعنا. ــ بفتح الياء وكسر الزاي، أي لم يوجب النبي ﷺ عليهم وطئهن (ولكن أحلهن لهم) يعني لم يجعل الجماع عزيمة عليهم بل جعله رخصة لهم بخلاف الفسخ فإنه كان عزيمة فأمر " حلوا " للوجوب و " أصيبوا " للإباحة لأن من لازم الإحلال إباحة الجماع والوطئ قال الطيبي: أي قال عطاء في تفسير قول جابر " فأمرنا " ثم فسر هذا التفسير بأن الأمر لم يكن جزمًا (فقلنا) أي فيما بيننا يعني في جملة تذاكرنا فيما بيننا (لما لم يكن) أي حين لم يبق (بيننا وبين عرفة إلا خمس) أي من الليالي بحساب ليلة عرفة أو من الأيام بحساب يوم الأحد الذي لا كلام فيه (أمرنا) أي النبي ﷺ (أن نفضي) من الإفضاء، أي نصل (إلى نسائنا) وهو كناية عن الجماع كقوله تعالى ﴿وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾ (٤:٢١) (فنأتي) بالرفع أي فنحن حينئذ نأتي. قال الطيبي: قوله " فنأتي " ليس من تمام أمر رسول الله عليه وسلم، بل هو عطف على مقدر أي فتنزهنا من ذلك فقلنا نأتي عرفة (تقطر مذاكيرنا المني) جمع ذكر على غير قياس. وقال الأخفش: هو من الجمع الذي ليس له واحد مثل العبابيد والأبابيل، والجملة حالية، وهو كناية عن قرب العهد بالجماع، وكان هذا عيبًا في الجاهلية حيث يعدونه نقصًا في الحج (قال) أي عطاء (يقول جابر) أي يشير بيده (كأني أنظر إلى قوله بيده) أي إشارته بها (يحركها) أي يده، قال الكرماني: هذه الإشارة لكيفية التقطر، ويحتمل أن تكون إلى محل التقطر – انتهى. وقيل: لعله أراد تشبيه تحريك المذاكير بتحريك اليد (فقام النبي ﷺ فينا) أي خطيبًا، وفي رواية " فبلغ ذلك النبي ﷺ فما ندري أشيء بلغه من السماء أم شيء بلغه من قبل الناس، فقام فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه " (فقال) زاد في رواية " بلغني أن أقوامًا يقولون كذا وكذا " (قد علمتم) أي اعتقدتم (أني أتقاكم لله) أي أدينكم وأخشاكم (وأصدقكم) أي قولا (وأبركم) أي عملاً، وقيل أي أطوعكم لله (ولولا هديي لحللت كما تحلون) وفي رواية " لولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله " (ولو استقبلت من أمري ما استدبرت) ما موصولة محلها النصب على المفعولية (لم أسق الهدي) أي لو علمت في ابتداء شروعي ما علمت الآن من لحوق المشقة لأصحابي بانفرادهم بالفسخ حتى توقفوا وترددوا وراجعوا لما سقت الهدي حتى فسخت وحللت معهم، أراد به ﷺ تطييب قلوبهم وتسكين نفوسهم في صورة المخالفة بفعله وهم يحبون متابعة وكما موافقته، ولما في نفوسهم من الكراهية في الاعتمار في أشهر الحج ومقاربة النساء قرب عرفة (فحلوا) بكسر الحاء أمر للتأكيد (فحللنا وسمعنا وأطعنا وفي رواية

стр. 4064

قال عطاء: قال جابر: فقدم علي من سعايته، فقال: بم أهللت؟ قال: بما أهل به النبي ﷺ . فقال له رسول الله ﷺ : " فأهد وامكث حرامًا ". قال: وأهدى له علي هديًا. فقال سراقة بن مالك بن جعشم: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم لأبد؟ قال: " لأبد ". رواه مسلم. ٢٥٨٤ – (٦) وعن عائشة، أنها قالت: قدم رسول الله ﷺ لأربع مضين من ذي الحجة أو خمس، فدخل علي وهو غضبان، فقلت: من أغضبك يا رسول الله! أدخله الله النار. قال: " أو ما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون، ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي معي حتى أشتريه، ــ ((فأحللنا حتى وطئنا النساء وفعلنا ما يفعل الحلال)) (فقدم عليَّ من سِعايته) بكسر السين أي من عمله من القضاء وغيره في اليمن، وقد سبق بيان معناه في شرح حديث جابر الطويل نقلاً عن القاضي عياض والنووي (فأهد) أمر من الإهداء أي في وقت الهدي دم القران (وامكث) أي الآن (حرامًا) أي محرمًا (قال) أي جابر (وأهدى) أي أتى بالهدي (له عليّ هديًا) أي من اليمن كما سبق (ألعامنا هذا؟) أي جواز العمرة في أشهر الحج أو جواز فسخ الحج إلى العمرة مختص بهذه السنة أم لأبد؟ والأول قول الجمهور، والثاني قول أحمد، وقد سبق الكلام في ذلك مفصلاً (رواه مسلم) وأخرجه أيضًا أحمد والبخاري وأبو نعيم في المستخرج وأبو داود والنسائي وابن ماجة والطحاوي والحاكم والبيهقي والطيالسي وغيرهم مختصرًا ومطولاً بألفاظ مختلفة. ٢٥٨٤- قوله قدم رسول الله ﷺ لأربع) أي ليال (أو خمس) شك منها أو من الراوي عنها. وقد تقدم في حديث جابر أنه ﷺ قدم صبح رابعة مضت من ذي الحجة (فدخل علَيَّ وهو غضبان) أي ملآن من الغضب حين تأخر بعض أصحابه في فسخ الحج إلى العمرة. قال النووي: أما غضبه ﷺ فلانتهاك حرمة الشرع وترددهم في قبول حكمه وقد قال الله تعالى ﴿فلا وربك لا يؤمنون حنى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا﴾ (٤: ٦٥) فغضب ﷺ لما ذكرناه من انتهاك حرمة الشرع والحزن عليهم في نقص إيمانهم بتوقفهم، وفيه دلالة لاستحباب الغضب عند انتهاك حرمة الدين (أدخله الله النار) دعاء أو إخبار. وفيه جواز الدعاء على المخالف لحكم الشرع (قال: أو ما شعرتِ) أي أو ما عملتِ (أني أمرت الناس) أي بعضهم وهم الذين أحرموا بالحج مفردًا أو أحرموا بالحج والعمرة قرانًا ولم يكن معهم هدي (بأمر) وهو فسخ الحج (فإذا هم يترددون) أي في طاعة الأمر ومسارعته، أو في أن هذه الإطاعة هل هي نقصان بالنسبة إلى حجهم، قاله القاري (حتى اشتريه) أي الهدي بمكة أو في

стр. 4065

ثم أحل كما حلوا ". رواه مسلم. (٣) باب دخول مكة والطواف (الفصل الأول) ٢٥٨٥ - (١) عن نافع، قال: إن ابن عمر كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى، حتى يصبح ويغتسل ويصلي، ــ الطريق (ثم أحل) أي بالفسخ كما حلوا، استدل بهذا الحديث على وجوب فسخ الحج إلى العمرة لمن لم يكن معه هدي، وقد سبق الكلام في ذلك في شرح حديث جابر الطويل (رواه مسلم) وفي معناه ما رُوي عن البراء بن عازب عند أحمد وابن ماجه وأبي يعلى، وقد ذكرنا لفظه في بحث فسخ الحج، وهو من الأحاديث في الفسخ التي صححها أحمد وابن القيم وقال الهيثمي في مجمع الزوائد بعد عزوه لأبي يعلى: رجاله رجال الصحيح. (باب دخول مكة) أي آداب دخولها (الطواف) عطف على المضاف. ٢٥٨٥ - قوله (عن نافع) أي مولى ابن عمر (كان لا يقدم مكة) بفتح الدال أي لا يجيئها (إلا بات) أي نزل في الليل عند قدومه (بذي طوى) بتثليث الطاء مع الصرف وعدمه، فمن صرفه جعله اسم واد ومكان وجعله نكرة، ومن لم يصرفه جعله بلدة وبقعة وجعله معرفة. قال النووي: هو موضع معروف بقرب مكة يقال بفتح الطاء وضمها وكسرها، والفتح أفصح وأشهر ويصرف ولا يصرف. وقال الحافظ: ويعرف اليوم ببئر الزاهر، وهو مقصود منون وقد لا ينون. وقال الطبري: ذو طوى بضم الطاء المهملة وفتح الواو المخففة والقصر موضع عند باب مكة يسمى بذلك ببئر مطوية فيه، هكذا ضبطه بعضهم وضبطه الأصيلي بكسر الطاء. وقال الأصمعي: هي بفتح الطاء. قال المنذري: وهو الصواب، فأما الموضع الذي بالشام فيكسر طاؤه ويضم ويصرف ولا يصرف، وقد قرئ بهما، وأما التي بطريق الطائف فممدود (حتى يصبح) فكان ينزل بذي طوى ويبيت فيه للاستراحة وللاغتسال والنظافة (ويغتسل) أي به. قال النووي: في الحديث الاغتسال لدخول مكة وأنه يكون بذي طوى لمن كانت في طريقه (بأن يأتي من طريق المدينة) ويكون بقدر بعدها لمن لم يكن في طريقه (قال الطبري: ولو قيل: يسن له التعريج إليها والاغتسال بها إقتداء وتبركاً لم يبعد. قال الأذرعي: وبه جزم الزعفراني) قال أصحابنا: وهذا الغسل سنة فإن عجز عنه تيمم. وقال الحافظ: قال ابن المنذر الاغتسال عند دخول مكة مستحب عند جميع العلماء وليس في تركه عندهم فدية. وقال أكثرهم: يجزئ منه الوضوء. وفي الموطأ أن ابن عمر كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا من احتلام، وظاهره أن غسله لدخول مكة كان لجسده دون

стр. 4066

فيدخل مكة نهارًا، وإذا نفر منها، مر بذي طوى وبات بها حتى ــ رأسه وقال الشافعية: إن عجز عن الغسل تيمم. وقال ابن التين: لم يذكر أصحابنا الغسل لدخول مكة، وإنما ذكروه للطواف، والغسل لدخول مكة هو في الحقيقة للطواف – انتهى. وقال ابن قدامة: يستحب الاغتسال لدخول مكة، لأن ابن عمر كان يغتسل ثم يدخل مكة نهارًا، ويُذكر أن النبي ﷺ كان يفعله، ولأن مكة مجمع أهل النسك فإذا قصدها استحب له الاغتسال كالخارج إلى الجمعة، والمرأة كالرجل وإن كان حائضًا أو نفساء لأن الغسل يراد به التنظيف وهذا يحصل مع الحيض فاستحب لها ذلك، وهذا مذهب الشافعي - انتهى. قلت: وهو مذهب أبي حنيفة أيضًا، فهذا الغسل عند الأئمة الثلاثة الشافعي وأحمد وأبي حنيفة لدخول مكة كما هو مصرح في كتب فروعهم ومناسكهم كما هو ظاهر أثر ابن عمر أنه كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم ولدخول مكة، ولم يحتج إلى غسل للطواف لأنه ليس بين الدخول والطواف كبير فصل، فيجتمع في غسله هذا أمران دخول مكة وطواف بيت الله، ويؤيد ذلك ما قاله العيني: أن الغسل لدخول مكة ليس لكونه محرمًا وإنما لحرمة مكة حتى يستحب لمن كان حلالاً أيضًا، وقد اغتسل لها ﷺ عام الفتح وكان حلالاً أفاد ذلك الإمام الشافعي في الأم - انتهى. وأما عند المالكية فالغسل المذكور في الحديث وفي الأثر للطواف لا للدخول، قال الباجي: أضاف الغسل أي في أثر ابن عمر إلى دخول مكة وإن كان مقصوده الطواف لأنه يفعل عند دخول مكة ليتصل الدخول بالطواف، والغسل في الحقيقة للطواف دون الدخول، ولذلك لا تغتسل الحائض ولا النفساء لدخول مكة لتعذر الطواف عليهما – انتهى. وفي الشرح الكبير للدردير: وندب الغسل لدخول غير حائض ونفساء مكة بطوى، لأن الغسل في الحقيقة للطواف فلا يؤمر به إلا من يصح منه الطواف، وقوله ((بطوى)) حقه أن يقول: وبطوى. لأنه مندوب ثان – انتهى. (فيدخل مكة نهاراً) فيه استحباب دخول مكة نهارًا. قال النووي: وهذا هو الصحيح الذي عليه الأكثرون من أصحابنا وغيرهم أن دخولها نهارًا أفضل من الليل. وقال بعض أصحابنا وجماعة من السلف: الليل والنهار في ذلك سواء ولا فضيلة لأحدهما على الآخر، وقد ثبت أن النبي ﷺ دخلها محرمًا بعمرة الجعرانة ليلاً، ومن قال بالأول حمله على بيان الجواز – انتهى. وقال الحافظ: وأما الدخول ليلاً فلم يقع منه ﷺ إلا في عمرة الجعرانة فإنه ﷺ أحرم من الجعرانة ودخل مكة ليلاً فقضى أمر العمرة ثم رجع ليلاً فأصبح بالجعرانة كبائت، كما رواه أصحاب السنن الثلاثة من حديث محرش الكعبي، وترجم عليه النسائي ((دخول مكة ليلاً)) وروى سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يستحبون أن يدخلوا مكة نهاراً ويخرجوا منها ليلاً، وأخرج عن عطاء: إن شئتم فادخلوا مكة ليلاً، وإن شئتم فادخلوها نهارًا، إنكم لستم في ذلك كالنبي ﷺ إن رسول الله ﷺ كان إمامًا فأحب أن يدخلها نهارًا ليراه الناس – انتهى. قال الحافظ: وقضية هذا أن من كان إماماً يقتدى به استحب له أن يدخلها نهارًا (وإذا نفر) أي خرج (منها) أي من مكة (مر بذي طوى وبات بها حتى

стр. 4067

يصبح، ويذكر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك. متفق عليه. ٢٥٨٦ – (٢) وعن عائشة، قالت: إن النبي ﷺ لما جاء إلى مكة دخلها من أعلاها وخرج من أسفلها. ــ يصبح) انتظارًا لأصحابه واهتمامًا لجمع أسبابه (ويذكر) عطف على ((لا يقدم)) أي وكان ابن عمر يذكر (كان يفعل ذلك) أي كلاً من المبيت بذي طوى والاغتسال وصلاة الصبح به ودخول مكة نهارًا (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٢: ص ١٤، ١٦، ١٥٧) وأبو داود والنسائي والبيهقي (ج ٥: ص ٧١، ٧٢) . ٢٥٨٦ – قوله (إن النبي ﷺ ) أي عام حجة الوداع لأنها كانت معه حينئذ (لما جاء إلى مكة) أي وصل إلى قربها (دخلها من أعلاها) وكذا دخل في فتح مكة منها وأعلى مكة هو الجانب الشرقي (وخرج من أسفلها) أي لما أراد الخروج منها وفي حديث ابن عمر عند البخاري ((أن رسول الله ﷺ دخل مكة من كداء من الثنية العلياء التي بالبطحاء، وخرج من الثنية السفلى)) فالمراد بأعلاها ((ثنية كَداء)) بفتح الكاف والمد والتنوين أي صرفه وعدمه نظرًا إلى أنه علم المكان أو البقعة، وقال أبو عبيد: لا تصرف، أي للعلمية والتأنيث، وهي الثنية العليا التي ينحدر منها على المقبرة المسماة عند العامة بالمعلاة، وتسمى بالحجون عند الخاصة. وقال الحافظ: هذه الثنية هي التي ينزل منها إلى المعلى مقبرة أهل مكة، وهي التي يقال لها الحجون يفتح المهملة وضم الجيم، وكانت صعبة المرتقى فسهلها معاوية ثم عبد الملك ثم المهدي على ما ذكره الأزرقي، ثم سهل في عصرنا هذا منها سنة إحدى عشرة وثمانمائة موضع، ثم سهلت كلها في زمن سلطان مصر الملك المؤيد في حدود العشرين وثمان مائة. وكل عقبة في جبل أو طريق عال تسمى ثنية. قال ابن جاسر: ثم سهلت في زمن الشريف الحسين بن علي في حدود الثلاثين وثلاثمائة وألف، ثم سهلت في زمن الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل سعود، ثم سهلت تسهيلاً كاملاً بعده – انتهى. والمراد بأسفلها ثنية كدى كهدى وقرئ بضم الكاف والقصر والتنوين وتركه. قال الحافظ: وهي عند باب شبيكة بقرب شعب الشافعين من ناحية قعيقعان، وكان ذلك بناء هذا الباب عليها في القرن السابع – انتهى. قال ابن جاسر: لا وجود الآن لهذا الباب، وقد أزيل لاتساع البلد، قال: وهذه الثنية تعرف الآن بريع الرسام، وقد سهلت، وهي الآن في الشارع العام الموصل إلى جرول. تنبيه: حكى الحميدي عن أبي العباس العذري أن بمكة موضعًا ثالثًا يقال له: ((كُدي)) كسمي، أي بالضم والتصغير يخرج منه إلى جهة اليمن. قال المحب الطبري: حققه العذري عن أهل المعرفة بمكة، قال: وقد بُني عليها باب مكة الذي يدخل منه أهل اليمن، واختلف في المعنى الذي لأجله خالف النبي ﷺ بين طريقيه، فقيل: فعله تفاؤلاً بتغيير الحال إلى أكمل منه كما فعل في العيد وليشهد له الطريقان أو ليتبرك به أهلهما، وقيل: ليرى السعة في ذلك. وقيل: لأن نداء أبينا إبراهيم ﵊ كان من جهة العلو. وقيل: ليظهر شوكة المسلمين في كلتا الطريقين. وقيل: ليغيظ المنافقين بظهور الدين

стр. 4068

.............................................................................................. ــ وعز الإسلام. وقال الحافظ: قيل الحكمة في ذلك المناسبة بجهة العلو عند الدخول لما فيه من تعظيم المكان وعكسه الإشارة إلى فراقه، وقيل لأن إبراهيم لما دخل مكة دخل منها، وقيل لأنه ﷺ خرج منها مختفيًا في الهجرة، فأراد أن يدخلها ظاهرًا عاليًا، وقيل لأن من جاء من تلك الجهة كان مستقبلاً للبيت، ويحتمل أن يكون ذلك لكونه دخل منها يوم الفتح فاستمر على ذلك. والسبب في ذلك قول أبي سفيان بن حرب للعباس: لا أُسلم حتى أرى الخيل تطلع من كداء فقلت: ما هذا؟ قال: شيء طلع بقلبي، وإن الله لا يطلع الخيل هناك أبدًا. قال العباس فذكرت أبا سفيان بذلك لما دخل. وللبيهقي من حديث ابن عمر قال: قال النبي ﷺ لأبي بكر: كيف قال حسان؟ فأنشده: عدمت بنيتي إن لم تروها _ ... تثير النقع مطلعها كداء فتبسم وقال: ادخلوها من حيث قال حسان – انتهى. والحديث يدل على استحباب دخول مكة من أعلاها أي الثنية العليا والخروج من أسفلها، وبه قال جمهور العلماء، وهل يسن الدخول من الثنية العليا لكل داخل سواء كانت تلقاء طريقه أم لم تكن في طريقه؟ فذهب أبو بكر الصيدلاني وجماعة من الشافعية، واعتمده الرافعي إلى أنه إنما يستحب الدخول منها لمن كانت في طريقه، وأما من لم تكن في طريقه فقالوا: لا يستحب له العدول إليها، وذهب النووي إلى أن الدخول منها نسك مستحب لكل أحد، وصوبه وصححه وهو ما مشى عليه في المجموع وزوائد الروضة، واعتمده المتأخرون منهم. قال النووي في شرح المهذب: واعلم أن المذهب الصحيح المختار الذي عليه المحققون من أصحابنا أن الدخول من الثنية العليا مستحب لكل محرم داخل مكة سواء كانت في صوب طريقه أم لم تكن، ويعتدل إليها من لم تكن في طريقه. وقال الصيدلاني والقاضي حسين والفوراني وإمام الحرمين والبغوي والمتولي: إنما يستحب الدخول منها لمن كانت في طريقه، وأما من لم تكن في طريقه فقالوا: لا يستحب له العدول إليها، قالوا: وإنما دخل النبي ﷺ اتفاقًا لكونها كانت في طريقه، هذا كلام الصيدلاني وموافقيه، واختاره إمام الحرمين ونقله الرافعي عن جمهور الأصحاب، وقال الشيخ أبو محمد الجويني: ليست العليا على طريق المدينة بل عدل إليها النبي ﷺ متعمدًا لها، قال: فيستحب الدخول منها لكل أحد. قال: ووافق إمام الحرمين الجمهور في الحكم ووافق أبا محمد في أن موضع الثنية كما ذكره. وهذا الذي قاله أبو محمد من كون الثنية ليست على نهج الطريق بل عدل إليها هو الصواب الذي يقضي به الحس والعيان، فالصحيح استحباب الدخول من الثنية العليا لكل محرم قصد مكة سواء كانت في طريقه أم لا، وهو ظاهر نص الشافعي في المختصر ومقتضى إطلاقه فإنه قال: ويدخل المحرم من ثنية كداء، ونقله صاحب البيان عن عامة الأصحاب – انتهى. وقال ابن جاسر: لم أر من تعرض لهذا البحث من أصحابنا الحنابلة، وظاهر كلامهم يقتضي سنية ذلك لإطلاقهم سنية الدخول من أعلاها من ثنية كداء، ولكن ينبغي تقييد هذا الإطلاق بما إذا كانت ثنية كداء إزاء طريقه، أما إذا لم تكن في طريقه فلا يستحب له

стр. 4069

متفق عليه. ٢٥٨٧ – (٣) وعن عروة بن الزبير، قال: قد حج النبي ﷺ ، فأخبرتني عائشة أن أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ، ــ ٢٥٨٧ - قوله (وعن عروة بن الزبير، قال: قد حج النبي ﷺ فأخبرتني عائشة) إلخ. للحديث سبب ذكره مسلم في صححه قد روى بسنده عن محمد بن عبد الرحمن (هو أبو الأسود النوفلي المدني المعروف بيتيم عروة) أن رجلاً من أهل العراق قال له: سل لي عروة بن الزبير عن رجل يهل بالحج، فإذا طاف بالبيت أيحل أم لا؟ فإن قال لك: لا يحل، فقل له: إن رجلاً يقول ذلك. قال: فسألته فقال: لا يحل من أهل بالحج إلا بالحج، قلت: فإن رجلا كان يقول ذلك. قال: بئسما قال. فتصداني الرجل، فسألني فحدثته، فقال: فقل له: فإن رجلاً كان يخبر أن رسول لله ﷺ قد فعل ذلك وما شأن أسماء والزبير قد فعلا ذلك؟ قال: فجئته فذكرت له ذلك فقال: من هذا؟ فقلت: لا أدري (أي لا أعرف اسمه) قال: فما باله لا يأتيني بنفسه يسألني، أظنه عراقيًا (يعني وهم يتعنتون في المسائل) قلت: لا أدري. قال: فإنه قد كذب، قد حج رسول الله ﷺ فأخبرتني عائشة أن أول شيء بدأ به (رسول الله ﷺ ) حين قدم مكة أنه توضأ، فذكر الحديث. قال الحافظ: قوله " فإن رجلاً كان يخبر " عني به ابن عباس، فإنه كان يذهب إلى أن من لم يسق الهدي وأهل بالحج إذا طاف يحل من حجه وأن من أراد أن يستمر على حجه لا يقرب البيت حتى يرجع من عرفة، وكان يأخذ ذلك من أمر النبي ﷺ لمن لم يسق الهدي من أصحابه أن يجعلوها عمرة، قال الحافظ: هذا مذهب لابن عباس خالفه فيه الجمهور، ووافقه فيه ناس قليل منهم إسحاق بن راهويه، وجواب الجمهور عن مأخذه أن النبي ﷺ أمر أصحابه أن يفسخوا حجهم فيجعلوه عمرة، ثم اختلفوا فذهب الأكثر إلى أن ذلك كان خاصًا بهم، وذهب طائفة إلى أن ذلك جائز لمن بعدهم، واتفقوا كلهم أن من أهل بالحج مفردًا لا يضره الطواف بالبيت، وبذلك احتج عروة في حديث الباب أن النبي ﷺ بدأ بالطواف ولم يحل من حجه ولا صار عمرة، وكذا أبو بكر وعمر (أن أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ) قال القاري: أي جدد الوضوء لما تقدم أنه كان يغتسل فلا دلالة فيه على كون الطهارة شرطًا لصحة الطواف لأن مشروعيتها مجمع عليها، وإنما الخلاف في صحة الطواف بدونها، فعندنا أنها واجبة، والجمهور على أنها شرط – انتهى. وترجم البخاري لهذا الحديث " باب الطواف على وضوء ". قال الحافظ: أورد فيه حديث عائشة " أن أول شيء بدأ به النبي ﷺ حين قدم أنه توضأ ثم طاف " الحديث. وليس فيه دلالة على الاشتراط إلا إذا انضم إليه

стр. 4070

.............................................................................................. ــ قوله ﷺ : " خذوا عني مناسككم " وباشتراط الوضوء للطواف قال الجمهور وخالف فيه بعض الكوفيين، ومن الحجة عليهم قوله ﷺ لعائشة لما حاضت " غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري ". وقال في شرح حديث عائشة هذا: هو ظاهر في نهي الحائض عن الطواف حتى ينقطع دمها وتغتسل، لأن النهي في العبادات يقتضي الفساد، وذلك يقتضي بطلان الطواف لو فعلته، وفي معنى الحائض الجنب والمحدث وهو قول الجمهور. وذهب جمع من الكوفيين إلى عدم الاشتراط. قال ابن أبي شيبة: حدثنا غندر حدثنا شعبة: سألت الحكم وحمادًا ومنصورًا وسليمان عن الرجل يطوف بالبيت على غيره طهارة فلم يروا به بأسًا، ورُوي عن عطاء إذا طافت المرأة ثلاثة أطواف فصاعدًا ثم حاضت أجزأ عنها، ففي هذا تعقب على النووي حيث قال في شرح المهذب: انفرد أبو حنيفة بأن الطهارة ليست بشرط في الطواف: واختلف أصحابه في وجوبها وجبرانه بالدم إن فعله – انتهى. قال الحافظ: " ولم ينفردوا بذلك كما ترى فلعله أراد انفرادهم عن الأئمة الثلاثة "، لكن عند أحمد رواية أن الطهارة للطواف واجبة تجبر بالدم، وعند المالكية قول يوافق هذا – انتهى. قلت: والذي جزم به الدردير والدسوقي من المالكية هو اشتراط الطهارة حيث قال الدردير: للطواف مطلقًا ركنًا أو واجبًا أو مندوبًا شروط أولها كونه أشواطًا سبعًا، وثانيها كونه متلبسًا بالطهارتين أي طهارة الحدث والخبث – انتهى. وقال الباجي في شرح قول ابن عمر: المرأة الحائض تهل بحجها أو عمرتها إذا أرادت ولكن لا تطوف بالبيت، لأن الطواف بالبيت ينافيه ولذلك يفسده الحيض والنفاس ويمنع صحته وتمامه لأن من شرطه الطهارة – انتهى. وقال ابن قدامة: ويكون طاهرًا في ثياب طاهرة يعني في الطواف لأن الطهارة من الحدث والنجاسة والستارة شرائط لصحة الطواف في المشهور عن أحمد وهو قول مالك والشافعي، وعن أحمد أن الطهارة ليست بشرط فمتى طاف للزيارة غير متطهر أعاد ما كان بمكة، فإن خرج إلى بلده جبره بدم، وكذلك يخرج في الطهارة من النجس والستارة، وعنه فيمن طاف للزيارة وهو ناس للطهارة لا شيء عليه – انتهى. وبسط الكلام في ذلك الولي العراقي في طرح الثريب (ج٥: ص ١٢٠، ١٢١) وكذا الساعاتي في شرح المسند (ج ١٢: ص ١٤) وقال النووي في شرح مسلم تحت حديث عائشة الذي أشار إليه الحافظ: فيه دليل على أن الطواف لا يصح من الحائض، وهذا مجمع عليه، لكن اختلفوا في علته على حسب اختلافهم في اشتراط الطهارة للطواف، فقال مالك والشافعي وأحمد هي شرط، وقال أبو حنيفة: ليست بشرط، وبه قال داود، فمن شرط الطهارة قال: العلة في بطلان الطواف عدم الطهارة، ومن لم يشترطها قال: العلة فيه كونها ممنوعة من اللبث في المسجد – انتهى. قال الولي العراقي بعد ذكره: فيه نظر فإن أبا حنيفة يصحح الطواف كما هو معروف عنه، وكما حكاه هو عنه في شرح المهذب، ولا يلزم من ارتكاب المحرم في اللبث في المسجد بطلان الطواف – انتهى. وقال ابن الهمام في شرح الهداية: والحاصل أن حرمة الطواف من وجهين دخولها المسجد وترك واجب الطواف، فإن الطهارة واجبة في

стр. 4071

ثم طاف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ــ الطواف فلا يحل لها أن تطوف حتى تطهر فإن طافت كانت عاصية مستحقة لعقاب الله تعالى ولزمها الإعادة (ثم طاف بالبيت) أي طواف القدوم، قاله الطيبي. وقال القاري: أي طواف العمرة لكونه قارنًا أو متمتعًا ولا يخفى ما فيه. وقال في اللباب: ثم إن كان المحرم مفردًا بالحج وقع طوافه هذا للقدوم، وإن كان مفردًا بالعمرة أو متمتعًا أو قارنًا وقع عن طواف العمرة نواه له أو لغيره، وعلى القارن أن يطوف طوافًا آخر للقدوم – انتهى. قال القاري: أي استحبابًا بعد فراغه عن سعي العمرة – انتهى. وأول وقته حين دخوله مكة وآخره قبل وقوفه بعرفة فإذا وقف فقد فات وقته ويسن هذا الطواف للآفاقي لأنه القادم ويسمي أيضًا طواف التحية لأنه بمنزلة تحية المسجد شرع تعظيمًا للبيت ويسمى طواف اللقاء وطواف أول عهد بالبيت وطواف الورود. والحديث يدل على مشروعية طواف القدوم ولا اختلاف فيه. قال الحافظ: في هذا الحديث استحباب الابتداء بالطواف للقادم لأنه تحية المسجد الحرام. واستثنى بعض الشافعية ومن وافقه المرأة الجميلة أو الشريفة التي لا تبرز فيستحب لها تأخير الطواف إلى الليل إن دخلت نهارًا، وكذا من خاف فوت مكتوبة أو جماعة مكتوبة أو مؤكدة أو فائتة، فإن ذلك كله يقدم على الطواف، وذهب الجمهور إلى أن من ترك طواف القدوم لا شيء عليه، وعن مالك وأبي ثور من الشافعية عليه دم، وهل يتداركه من تعمد تأخيره بغير عذر؟ وجهان كتحية المسجد. وقال النووي: جميع العلماء يقولون إن طواف القدوم سنة ليس بواجب إلا بعض أصحابنا ومن وافقه فيقولون واجب يجبر تركه بالدم، والمشهور أنه سنة ليس بواجب ولا دم في تركه – انتهى. وقال الشوكاني: قد اختلف في وجوب طواف القدوم فذهب مالك وأبو ثور وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه فرض أي واجب لقوله تعالى ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ (٢٢: ٢٩) ولفعله ﷺ وقوله: " خذوا عني مناسككم " فذهب الأئمة الثلاثة أبو حنيفة والشافعي وأحمد إلى أنه سنة، قالوا لأنه ليس فيه إلا فعله ﷺ وهو لا يدل على الوجوب. وأما الاستدلال على الوجوب بالآية فقال شارح البحر: إنها لا تدل على طواف القدوم لأنها في طواف الزيارة أي الإفاضة إجماعًا، قال الشوكاني: والحق الوجوب لأن فعله ﷺ مبين لمجمل واجب هو قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ (٣: ٩٧) وقوله ﷺ : خذوا عني مناسككم. وقوله: حجوا كما رأيتموني أحج. وهذا الدليل يستلزم وجوب كل فعل فعله النبي ﷺ في حجه إلا ما خصه دليل، فمن ادعى عدم وجوب شيء من أفعاله في الحج فعليه الدليل على ذلك، وهذه كلية فعليك بملاحظتها في جميع الأبحاث التي ستمر بك (ثم لم تكن) بالتأنيث (عمرة) بالرفع وكان تامة، أي لم يوجد بعد الطواف عمرة، وقد ينصب أي لم يكن الطواف عمرة، كذا في اللمعات. وقال الحافظ: معنى قوله " ثم لم تكن عمرة " أي لم تكن الفعلة عمرة هذا إن كان بالنصب على أنه خبر كان، ويحتمل أن تكون كان تامة والمعنى: ثم لم تحصل عمرة، وهي على هذا بالرفع، وقد وقع في رواية مسلم بدل عمرة " غيره " بغين معجمة وياء ساكنة وآخره هاء، قال عياض: وهو

стр. 4072

ثم حج أبو بكر فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم عمر، ثم عثمان مثل ذلك. متفق عليه. ٢٥٨٨ – (٤) وعن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم سعى ثلاثة أطواف ومشى أربعة، ثم سجد سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة. ــ تصحيف، وقال النووي: لها وجه أي لم يكن غير الحج، وكذا وجه القرطبي – انتهى. وقال التوربتشي: قوله ((ثم لم تكن عمرة)) أي لم يحل عن إحرامه ذلك ولم يجعلها عمرة، والمراد من قوله ((ثم لم يكن غيره)) أي لم يكن هناك تحلل بالطواف من الإحرام بل أقام على إحرامه حتى نحر هديه (ثم حج أبو بكر) أي بعده ﷺ (فكان أول شيء) بالرفع (ثم عمر ثم عثمان مثل ذلك) قال القاري: بالنصب أي فعلا مثل ذلك، وفي نسخة بالرفع أي فعلهما مثل ذلك وقوله ((ثم عمر ثم عثمان مثل ذلك)) كذا في جميع النسخ، وهكذا في المصابيح، ولفظ الصحيحين ((ثم عمر مثل ذلك ثم حج عثمان فرأيته أول شيء بدأ به بالطواف بالبيت ثم لم يكن عمرة)) وفي مسلم ((لم يكن غيره)) قال الداودي: ما ذكر من حج عثمان هو من كلام عروة وما قبله من كلام عائشة. وقال أبو عبد الملك: منتهى حديث عائشة عند قوله ((ثم لم تكن عمرة)) ومن قوله ((ثم حج أبو بكر)) إلخ. من كلام عروة – انتهى. قال الحافظ: فعلى هذا يكون بعض هذا منقطعًا لأن عروة لم يدرك أبا بكر ولا عمر، نعم أدرك عثمان، وعلى قول الداودي يكون الجميع متصلاً وهو الأظهر – انتهى. (متفق عليه) قد عرفت مما قدمنا أن مسلمًا رواه مطولاً والبخاري مختصرًا دون قصة الرجل أي حذف صورة السؤال وجوابه، واقتصر على المرفوع منه كما في المشكاة، والحديث أخرجه البيهقي مطولاً من طريق مسلم. ٢٥٨٨ – قوله (إذا طاف في الحج أو العمرة) كذا عند البخاري بحرف ((أو)) وعند مسلم ((في الحج والعمرة)) أي بالواو، والظاهر أن أو للتنويع (أول ما يقدم) ظرف (سعى) جواب للشرط. قال القاري: ولا يبعد أن يكون ظرف طاف. قلت: ويقويه رواية مسلم بلفظ: كان إذا طاف في الحج والعمرة أول ما يقدم فإنه يسعى ثلاث أطواف بالبيت. والمراد بالسعي الرمل كما في الروايات الأخرى (ثلاث أطواف) أي أشواط ونصبه على أنه مفعول فيه (ثم سجد سجدتين) أي صلى ركعتين للطواف (ثم يطوف) أي يسعى، والتعبير بالمضارع فيه وفي ((يقدم)) لحكاية الحال الماضية، وفي رواية لابن عمر عند الشيخين ((كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثًا ومشى أربعًا)) ، وفيها وفي رواية الباب دليل على أن الرمل إنما يشرع في طواف القدوم لأنه الطواف الأول، وهو الذي عليه الجمهور. قال أصحاب الشافعي: ولا يستحب الرمل إلا في طواف واحد في حج أو عمرة، أما إذا طاف في غير حج أو عمرة فلا رمل. قال النووي: بلا خلاف. ولا يشرع أيضًا في كل طوافات الحج بل إنما يشرع في واحد منها، وفيه قولان

стр. 4073

............................................................................................. ــ مشهوران للشافعي أصحهما طواف يعقبه سعي ويتصور ذلك في طواف القدوم وفي طواف الإفاضة، ولا يتصور في طواف الوداع، والقول الثاني: أنه لا يشرع إلا في طواف القدوم، وسواء أراد السعي بعده أم لا، ويشرع في طواف العمرة إذ ليس فيها إلا طواف واحد، وفيها أيضًا دليل على أن السنة أن يرمل في الثلاثة الأول من أول طواف يطوفه القادم إلى مكة سواء كان عمرة أو طواف قدوم في حج ويمشي على عادته في الأشواط الأربعة الباقية ولا يرمل فيها وإن ترك الرمل في الأشواط الأول لم يقضه في الأشواط الأخيرة على الصواب ولا يلزم بتركه دم على الأظهر لعدم الدليل خلافًا لمن أوجب فيه الدم. قال الحافظ في الفتح: لا يشرع تدارك الرمل، فلو تركه في الثلاث لم يقضه في الأربع لأن هيأتها السكينة فلا تغير، ويختص بالرجال فلا رمل على النساء ويختص بطواف يعقبه سعي على المشهور، ولا فرق في استحبابه بين ماش وراكب ولا دم بتركه عند الجمهور، واختلف في ذلك المالكية. قال الشوكاني: وقد رُوي عن مالك أن عليه دمًا ولا دليل على ذلك. ثم قال: يؤيده أنهم اقتصروا عند مراآة المشركين على الإسراع إذا مروا من جهة الركنين الشاميين، لأن المشركين كانوا بإزاء تلك الناحية يعني ناحية الحجر، فإذا مروا بين الركنين اليمانيين مشوا على هيأتهم كما هو مبين في حديث ابن عباس (عند الشيخين) ولما رملوا في حجة الوداع أسرعوا في جميع كل طوفة فكانت سنة مستقلة. وقال الطبري: قد ثبت أن الشارع سعى ولا مشرك يومئذ بمكة يعني في حجة الوداع فعلم أنه من مناسك الحج إلا أن تاركه ليس تاركًا لعمل بل لهيأة مخصوصة فكان كرفع الصوت بالتلبية فمن لبى خافضًا صوته لم يكن تاركًا للتلبية بل لصفتها ولا شيء عليه – انتهى. قال النووي: ولو لم يمكنه الرمل بقرب الكعبة وأمكنه إذا تباعد عنها فالأولى أن يتباعد ويرمل، لأن فضيلة الرمل هيأة للعبادة في نفسها والقرب من الكعبة هيأة في موضع العبادة لا في نفسها، فكان تقديم ما تعلق بنفسها أولى. تنبيه: إن قيل: ما الحكمة في الرمل بعد زوال علته التي شرع من أجلها، والغالب اطراد العلة وانعكاسها بحيث يدور معها المعلل بها وجودًا وعدمًا. فالجواب أن بقاء حكم الرمل مع زوال علته لا ينافي أن لبقائه علة أخرى، وهي أن يتذكر به المسلمون نعمة الله عليهم حيث كثرهم وقواهم بعد القلة والضعف كما قال الله تعالى: ﴿واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره﴾ (٨: ٢٦) الآية. وقال تعالى عن نبيه شعيب: ﴿واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم﴾ (٧: ٨٦) وصيغة الأمر في قوله ((اذكروا)) في الآيتين تدل على تحتم ذكر النعمة بذلك، وإذًا فلا مانع من كون الحكمة في بقاء حكم الرمل هي تذكر نعمة الله بالقوة بعد الضعف والكثرة بعد القلة، وقد أشار إلى هذا الحافظ في الفتح كما سيأتي. ومما يؤيده أن رسول الله ﷺ رمل في حجة الوداع بعد زوال العلة المذكورة فلم يمكن بعد ذلك تركه لزوالها. قال الحافظ: إن عمر كان هم بترك الرمل في الطواف لأنه عرف سببه وقد انقضى، فهم أن يتركه لفقد سببه، ثم رجع عن ذلك الاحتمال أن تكون له حكمة ما اطلع عليها فرأى أن الإتباع أولى من طريق المعنى. وأيضًا إن فاعل ذلك إذا فعله تذكر السبب الباعث على ذلك فيتذكر نعمة الله على

стр. 4074

متفق عليه. ٢٥٨٩ – (٥) وعنه، قال: رمل رسول الله ﷺ ــ إعزاز الإسلام وأهله – انتهى. وقال الشاه ولي الله الدهلوي: إن مشروعية الرمل والاضطباع في الطواف لمعان، منها ما ذكره ابن عباس من إخافة قلوب المشركين وإظهار صولة المسلمين، وكان أهل مكة يقولون: وهنتهم حمى يثرب، فهو فعل من أفعال الجهاد، وهذا السبب قد انقضى ومضى، ومنها تصوير الرغبة في طاعة الله وأنه لم يزده السفر الشاسع والتعب العظيم إلا شوقًا ورغبة كما قال الشاعر: إذا اشتكت من كلال السير واعدها _ ... روح الوصال فتحيى عند ميعاد وكان عمر ﵁ أراد أن يترك الرمل والاضطباع لانقضاء سببهما، ثم تفطن إجمالاً أن لهما سببًا آخر غير منقض فلم يتركهما – انتهى. وفي الحديث دليل لما أجمع عليه العلماء من مشروعية صلاة ركعتين بعد الطواف واختلفوا هل هما واجبتان أم سنتان، والصحيح عند الحنفية أنهما واجبتان، والأصح عند الشافعية أنهما سنة. واستدل للوجوب بصيغة الأمر في قوله تعالى: ﴿اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ (٢: ١٢٥) على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي. قيل: والنبي ﷺ لما طاف قرأ هذه الآية الكريمة وصلى ركعتين خلف المقام ممتثلاً بذلك الأمر، وقد قال ﷺ ((خذوا عني مناسككم)) والأمر في قوله ((واتخذوا)) على القراءة المذكورة يقتضى الوجوب. وأجيب عن ذلك الاستدلال بأن الأمر في الآية إنما هو باتخاذه المصلى لا بالصلاة، وقد قال: الحسن البصري وغيره أن قوله ((مصلى)) أي قبلة، ولا يخفى ما في هذا الجواب من التعسف، واستدل لعدم الوجوب بحديث ضمام بن ثعلبة لما قال النبي ﷺ بعد أن أخبره بالصلوات الخمس: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع، ففي هذا الحديث التصريح بأنه لا بجب شيء من الصلاة غير الخمس المكتوبة. وقد يجاب عن هذا الاستدلال بأن الأمر بصلاة ركعتي الطواف وارد بعد قوله ﷺ : لا إلا أن تطوع، قال النووي: وفي قوله ((ثم يطوف بين الصفا والمروة)) دليل على وجوب الترتيب بين الطواف والسعي، وأنه يشترط تقدم الطواف على السعي، فلو قدم السعي لم يصح السعي، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وفيه خلاف ضعيف لبعض السلف (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي. ٢٥٨٩- قوله (رَمَل رسول الله ﷺ ) الرَّمَل بفتح الراء والميم في الاسم والفعل الماضي: سرعة المشي مع تقارب في الخطو، والخبب هو الإسراع في المشي مع هز المنكبين دون وثب هكذا فسره أكثر المفسرين. وقال بعضهم: الخبب هو وثب في المشي مع هز المنكبين، والهرولة ما بين المشي والعدو، والسعي يقع على الجميع، فلهذا يقال سعي خفيف وسعي شديد فيحمل السعي المذكور في الحديث المتقدم على الرمل والخبب جمعًا بينهما، هكذا ذكره الطبري وقال

стр. 4075

من الحجر إلى الحجر ثلاثًا، ومشى أربعًا، وكان يسعى ببطن المسيل ــ الشنقيطي: الرمل مصدر رمَل بفتح الميم يرمُل بضمها رمَلاً بفتح الميم ورملانًا إذا أسرع في مشيته وهز منكبيه وهو في ذلك لا ينزو أي لا يثب وهو الخبب، ولذا جاء في بعض روايات الحديث رمل، وفي بعضها خبّ، والمعنى واحد (من الحجر) أي الأسود (إلى الحجر) هذا نص في استيعاب الرمل لجميع الطوفة يعني في مشروعية الرمل في جميع المطاف من الحجر إلى الحجر، وحديث ابن عباس المروي في بيان سبب الرمل نص في عدم الاستيعاب وأن يمشوا ما بين الركنين اليمانيين، والجواب عن هذا الاختلاف أن حديث ابن عباس الذي فيه أنهم مشوا ما بين الركنين كان في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، وما في الروايات الأخرى من الرمل من الحجر إلى الحجر في حجة الوداع سنة عشر فهو ناسخ لحديث ابن عباس وقيل إن الرمل سنة فعذرهم النبي ﷺ في عمرة القضاء في استيعاب الرمل بجميع الطوفة لضعفهم بالحمى، قال الباجي: إن جابراً عاين ما روى عام حجة الوداع وابن عباس إنما روى عن غيره فإنه لم يشاهد عام القضية لصغره مع أنه يحتمل أن يكون النبي ﷺ ترك رمل ما بين الركنين وإن كان مشروعاً لحاجته إلى الإبقاء على أصحابه، فلما ارتفعت هذه العلة لزم استدامة الرمل المشروع – انتهى. وقال ابن قدامة: الرمل سنة في الأشواط الثلاثة بكمالها يرمل من الحجر إلى أن يعود إليه، لا يمشي في شيء منها، روى ذلك عن عمر وابنه وابن مسعود وابن الزبير، وبه قال عروة والنخعي ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي. وقال طاوس وعطاء والحسن وسعيد بن جبير والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله: يمشي ما بين الركنين لرواية ابن عباس. ولنا ما روى ابن عمر أنه ﷺ رمل من الحجر إلى الحجر، وحديث جابر عند مسلم " قال: رأيت رسول الله ﷺ رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف ". وهذا يقدم على حديث ابن عباس لوجوه، الأول: أنه مثبت. والثاني: أن رواية ابن عباس إخبار عن عمرة القضية، وهذا إخبار عن حجة الوداع فيكون متأخرًا ويجب العمل به. والثالث: أن ابن عباس كان في تلك الحال صغيرًا. والرابع: أن جلة الصحابة عملوا بما ذكرنا، ولو علموا من النبي ﷺ ما قال ابن عباس ما عدلوا عنه إلى غيره، ويحتمل أن ما رواه ابن عباس يختص بالذين كانوا في عمرة القضية لضعفهم والإبقاء عليهم، وما رويناه سنة في سائر الناس – انتهى. ويظهر من كلام ابن حزم في المحلى أنه مال إلى أن الرمل من الحجر الأسود إلى الركن اليماني وفيما بينهما جائز (وكان يسعى) أي يسرع ويشتد عدوًا، قاله القاري. واعلم أن السعي في كلامهم يطلق على معنيين، الأول: المشي بين الصفا والمروة وهو المذكور في كلامهم إذا أطلقوا السعي بين الصفا والمروة. والثاني: شدة المشي بين الميلين الأخضرين وهو المراد في هذا الحديث، وهو مندوب وسنة عند الجمهور، منهم الحنفية وهو المرجح عند المالكية (ببطن المسيل) أي المكان الذي يجتمع فيه السيل. قال الحافظ: المراد ببطن المسيل الوادي لأنه موضع السيل. وقال القاري بطن المسيل

стр. 4076

إذا طاف بين الصفا والمروة. ــ اسم موضع بين الصفا والمروة، وجعل علامته بالأميال الخضر – انتهى. والميلان الأخضران هما العلمان، أحدهما بركن المسجد والآخر بالموضع المعروف بدار العباس، وقد أزيلت الدار للتوسعة، وهما بعد العمارة الجديدة بجداري المسعى. قال النووي: السعي ببطن المسيل مجمع على استحبابه وهو أنه إذا سعى بين الصفا والمروة استحب أن يكون سعيه شديداً في بطن المسيل وهو قدر معروف. وقال ابن قدامة: إن الرمل في بطن الوادي سنة مستحبة لأن النبي ﷺ سعى وسعى أصحابه فروت صفية بنت شيبة عن أم ولد شيبة قالت: رأيت رسول الله ﷺ يسعى بين الصفا والمروة ويقول: لا يقطع الأبطح إلا شدًا. وليس ذلك بواجب، ولا شيء على تاركه، فإن ابن عمر قال: إن أسع بين الصفا والمروة فقد رأيت رسول الله ﷺ يسعى، وإن أمش فقد رأيت رسول الله ﷺ يمشي وأنا شيخ كبير، رواهما ابن ماجة وروى هذا أبو داود، ولأن ترك الرمل في الطواف بالبيت لا شيء فيه فبين الصفا والمروة أولى – انتهى. وكذلك عند الحنفية والمالكية كما صرح به في فروعهم. تنبيه: قيل في وجه مشروعية السعي الشديد والجري في بطن الوادي: ما رواه البخاري عن ابن عباس، ومحصله: أن هاجر لما تركها إبراهيم عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد عطشت وعطش ابنها حين نفد ما في السقاء من الماء وانقطع درها واشتد جوعهما حتى نظرت إلى ابنها يتشحط ويتلوى، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فقامت على الصفا وهو أقرب جبل يليها، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : فلذلك سعى الناس بينهما. فجعل ذلك نسكًا إظهارًا لشرفهما وتفخيمًا لأمرهما. قال الشاه ولي الله الدهلوي: السر في السعي بين الصفا والمروة على ما ورد في الحديث أن هاجر أم إسماعيل ﵇ لما اشتد بها الحال سعت بينهما سعي الإنسان المجهود فكشف الله عنهما الجهد بإبداء زمزم وإلهام الرغبة في الناس أن يعمروا تلك البقعة، فوجب شكر تلك النعمة على أولاده ومن تبعهم، وتذكر تلك الآية الخارقة لتبهت بهيمتهم وتدلهم على الله، ولا شيء في هذا مثل أن يعضد عقد القلب بهما بفعل ظاهر منضبط مخالف لمألوف القوم فيه تذلل عند أول دخولهم مكة، وهو محاكاة ما كانت فيه من العناء والجهد، وحكاية الحال في مثل هذا أبلغ بكثير من لسان المقال – انتهى. وروى أحمد عن ابن عباس أن إبراهيم ﵇ لما أمر بالمناسك عرض الشيطان له عند السعي فسابقه فسبقه إبراهيم. وقبل: إنما سعى نبينا ﷺ إظهارًا للجلد والقوة للمشركين الناظرين إليه في الوادي، وهذا كان في عمرة القضاء، ثم بقي بعده كالرمل في الطواف إذ لم يبق في حجة الوداع مشرك بمكة (إذا طاف بين الصفا والمروة) أي سعى بينهما، واختلف

стр. 4077

رواه مسلم. ٢٥٩٠ – (٦) وعن جابر، قال: إن رسول الله ﷺ لما قدم مكة، أتى الحجر فاستلمه، ثم مشى على يمينه، ــ أهل العلم في حكم السعي على ثلاثة أقوال، أحدها: أنه ركن لا يصح الحج، إلا به، وهو قول ابن عمر وعائشة وجابر، وبه قال الشافعي ومالك في المشهور، وأحمد في أصح الروايتين عنه، وإسحاق وأبو ثور، والقول الثاني: أنه واجب يجبر بدم، وبه قال الثوري وأبو حنفية ومالك في العتبية كما حكاه ابن العربي، والثالث: أنه ليس بركن ولا واجب بل هو سنة ومستحب، وهو قول ابن عباس وابن سيرين وعطاء ومجاهد وأحمد في رواية، قال الحافظ في الفتح بعد ذكر الأقوال الثلاثة المذكورة: واختلف عن أحمد كهذه الأقوال الثلاثة، وعند الحنفية تفصيل فيما إذا ترك بعض السعي كما هو عندهم في الطواف بالبيت. وقال ابن قدامة: اختلفت الرواية في السعي، فرُوي عن أحمد أنه ركن لا يتم الحج إلا به، وهو قول عائشة وعروة ومالك والشافعي لما رُوي عن عائشة، قالت: طاف رسول الله ﷺ وطاف المسلمون يعني بين الصفا والمروة فكانت سنة، ولعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة، رواه مسلم. ثم ذكر حديث صفية بنت شيبة الآتي من رواية ابن ماجة وفيه " سمعته يقول: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي ". وسيأتي الكلام عليه، ورُوي عن أحمد أنه سنة لا يجب بتركه دم، رُوي ذلك عن ابن عباس وأنس وابن الزبير وابن سيرين، لقول الله تعالى ﴿فلا جناح أن يطوف بهما﴾ (٢: ١٨٥) ونفي الحرج عن فاعله دليل على عدم وجوبه، فإن هذا رتبة المباح وإنما تثبت سنيته بقوله " من شعائر الله " ورُوي أن في مصحف أُبيّ وابن مسعود " فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ". وهذا إن لم يكن قرآنًا فلا ينحط عن رتبة الخبر لأنهما يرويانه عن النبي ﷺ . وقال القاضي: هو واجب وليس بركن، إذا تركه وجب عليه دم، وهو مذهب الحسن وأبي حنيفة والثوري، وهو أولى، لأن دليل من أوجبه دل على مطلق الوجوب لا على كونه لا يتم الحج إلا به، وقول عائشة في ذلك معارض بقول من خالفها من الصحابة، وحديث صفية بنت شيبة عن أبي تجراة، قال ابن المنذر: يرويه عبد الله بن المؤمل وقد تكلموا في حديثه، ثم هو يدل على أنه مكتوب وهو الواجب وأما الآية فإنها نزلت لما تحرج ناس من السعي في الإسلام لما كانوا يطوفون بينهما في الجاهلية لأجل صنمين كانا على الصفا والمروة، كذلك قالت عائشة – انتهى. وسيأتي مزيد الكلام في مسألة السعي في شرح حديث صفية بنت شيبة عن بنت أبي تجراة (رواه مسلم) . قال صاحب تنقيح الرواة: أخرجه أيضًا أحمد والبخاري ثلاثتهم في حديثين، فالحديث متفق عليه، أخرجه البيهقي كذلك. ٢٥٩٠- قوله (لما قدم مكة أتى الحجر) أي الأسود وهو في ركن الكعبة القريب بباب البيت من جانب الشرق وارتفاعه من الأرض ذراعان وثلثا ذراع (فاستلمه) أي لمسه وقبله (ثم مشى على يمينه) أي يمين نفسه مما يلي الباب،

стр. 4078

فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا. رواه مسلم. ٢٥٩١ - (٧) وعن الزبير بن عربي، قال: سأل رجل ابن عمر عن استلام الحجر. فقال: رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ــ وقيل على يمين الحجر، والمعنى يدور حول الكعبة على يساره. وفيه دليل على أنه يستحب أن يكون ابتداء الطواف من الحجر الأسود بعد استلامه، وحكى في البحر عن الشافعي أن ابتداء الطواف من الحجر الأسود فرض. وفيه أيضًا دليل على مشروعية مشى الطائف بعد استلام الحجر على يمينه جاعلاً للبيت عن يساره، وقد ذهب إلى أن هذه الكيفية شرط لصحة الطواف الأكثر، قالوا: فلو عكس لم يجزه. قال الشوكاني: ولا يخفاك أن الحكم على بعض أفعاله ﷺ في الحج بالوجوب لأنها بيان لمجمل واجب، وعلى بعضها بعدمه تحكم محض لفقد دليل يدل على الفرق بينهما (فرمل ثلاثًا) أي في ثلاث مرات من الأشواط (ومشى أربعًا) أي بالسكون والهينة. قال النووي: في هذا الحديث أن السنة للحاج أن يبدأ أول قدومه بطواف القدوم ويقدمه على كل شيء وأن يستلم الحجر الأسود في أول طوافه، وأن يرمل في ثلاث طوفات من السبع ويمشى في الأربع الأخيرة، (رواه مسلم) . وأخرجه أيضًا النسائي والترمذي والبيهقي. ٢٥٩١- قوله (وعن الزبير بن عرَبيّ) بفتح الراء بعدها موحدة ثم ياء مشددة، النمري أبو سلمة البصري تابعي ثقة قال الحافظ في تهذيب التهذيب: روى عن ابن عمر، وعنه ابنه إسماعيل وحماد بن زيد وسعيد بن زيد ومعمر، قال الأثرم عن أحمد: أراه لا بأس به. وقال ابن معين: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. أخرج البخاري والترمذي والنسائي له حديثًا واحدًا في استلام الحجر، وذكره ابن حبان في الثقات – انتهى. تنبيه: قال الحافظ في الفتح: قال أبو علي الجياني: وقع عند الأصيلي عن أبي أحمد الجرجاني، الزبير بن عدي بدال مهملة بعدها ياء مشددة وهو وهم وصوابه ((عربي)) براء مهملة بعدها موحدة ثم ياء مشددة كذلك رواه سائر الرواة عن الفربري – انتهى. وكأن البخاري استشعر هذا التصحيف فأشار إلى التحذير منه فحكى الفربري أنه وجد في كتاب أبي جعفر يعني محمد بن أبي حاتم وراق البخاري قال: قال أبو عبد الله يعني البخاري: الزبير بن عربي هذا بصري والزبير بن عدي كوفي – انتهى. هكذا وقع عند أبي ذر عن شيوخه عن الفربري، وعند الترمذي من غير رواية الكروخي عقب هذا الحديث ((الزبير هذا هو ابن عربي، وأما الزبير بن عدي فهو كوفي)) ويؤيده أن في رواية أبي دواد الطيالسي الزبير بن العربي بزيادة الألف ولام، وذلك مما يرفع الإشكال (سأل رجل) قال الحافظ: هو الزبير الرواي كذلك وقع عند أبي داود الطيالسي عن حماد حدثنا الزبير سألت ابن عمر (عن استلام الحجر) أي هو سنة؟ (يستلمه) أي باللمس ووضع اليد عليه، قاله القاري. وقال في اللمعات: الاستلام يتناول اللمس والتقبيل بعده فذكر التقبيل بعد الاستلام في حكم ذكر الخاص بعد العام، أو يراد هنا اللمس بقرينه ذكر

стр. 4079

ويقبله. رواه البخاري. ٢٥٩٢ – (٨) وعن ابن عمر، قال: لم أر النبي ﷺ يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين. ــ التقبيل بعده – انتهى. والمراد أن يستلمه بيمينه فإن عجز فبيساره أي يمسحه بها (ويقبله) قال الشوكاني: فيه دليل على أنه يستحب الجمع بين استلام الحجر وتقبيله، والاستلام المسح باليد والتقبيل لها، كما في حديث نافع، قال: رأيت ابن عمر استلم الحجر بيده ثم قبل يده، وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله. قال الحافظ: يستفاد منه استحباب الجمع بين الاستلام والتقبيل بخلاف الركن اليماني فيستلمه فقط. والاستلام المسح باليد. والتقبيل يكون بالفم فقط. وروى الشافعي من وجه آخر عن ابن عمر قال: استقبل النبي ﷺ الحجر فاستلمه ثم وضع شفتيه عليه طويلاً يبكي – الحديث. واختص الحجر الأسود بذلك لاجتماع الفضيلتين له كما تقدم. وقال الطبري بعد ذكر رواية الشافعي: والعمل على هذا عند أهل العلم في كيفية التقبيل من غير تصويت كما يفعله كثير من الناس. وقال الحافظ: المستحب في التقبيل أن لا يرفع به صوته، وروى الفاكهي عن سعيد بن جبير قال: إذا قبلت الركن فلا ترفع بها صوتك كقبلة النساء – انتهى. قلت: أباح التقبيل بالصوت غير واحد من المالكية خلافًا للجمهور. (رواه البخاري) وأخرجه أيضًا النسائي وأبو داود الطيالسي والبيهقي وعزاه الحافظ في تهذيبه للترمذي أيضًا كما تقدم، وليس هو قي رواية الكروخي للترمذي. ٢٥٩٢- قوله (لم أر النبي ﷺ يستلم من البيت) أي من أركانه أو من أجزائه (إلا الركنين اليمانيين) أي دون الركنين الشاميين، واليماني بتخفيف الياء على المشهور لأن الألف عوض عن ياء النسب فلو شددت لكان جمعًا بين العوض والمعوض، وجوز سيبويه التشديد وقال: إن الألف زائدة، كذا في الفتح، وقال الشيخ الدهلوي: الأشهر في اليمانيين تخفيف الياء وقد يشدد، والأصل في النسبة يمني، وقد جاء يمان بمعنى النسبة. والمراد بالركنين اليمانيين الركن الأسود والركن اليماني الذي يليه من نحو دور الجمحيين، وإنما قيل لهما اليمانيان للتغليب كما في الأبوين والقمرين والعمرين وأمثالها، والركنان الآخران أحدهما شامي وثانيهما عراقي، ويقال لهما الشاميان تغليبًا. وإنما اقتصر ﷺ على استلام اليمانيين لما ثبت في الصحيحين من قول ابن عمر: أنهما على قواعد إبراهيم دون الشاميين ولهذا كان ابن الزبير بعد عمارته للكعبة على قواعد إبراهيم يستلم الأركان كلها كما روى ذلك عنه الأزرقي في كتاب مكة، فعلى هذا يكون للركن الأول من الأركان الأربعة فضيلتان: كون الحجر الأسود فيه، وكونه على قواعد إبراهيم. وللثاني الثانية فقط. وليس للآخرين أعنى الشاميين شيء منهما فلذلك يقبل الأول ويستلم الثاني فقط، ولا يقبل الآخران ولا يستلمان على رأي الجمهور، وروى ابن المنذر وغيره استلام الأركان جميعًا عن جابر وأنس والحسن والحسين من الصحابة وعن

стр. 4080

متفق عليه. ٢٥٩٣ - (٩) وعن ابن عباس، قال: طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعير، ــ سويد بن غفلة من التابعين، وقد أخرج البخاري ومسلم ((أن عبيد بن جريج قال لابن عمر: رأيتك تصنع أربعًا لم أر أحدًا من أصحابك يصنعها)) فذكر منها ((ورأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين)) وفيه دليل على أن الذين رآهم عبيد ابن جريج من الصحابة والتابعين كانوا لا يقتصرون في الاستلام على الركنين اليمانيين. وقال بعض أهل العلم: اختصاص الركنين مبين بالسنة ومسند التعميم القياس، كذا في النيل والفتح. وقال القاضي أبو الطيب: أجمع أئمة الأمصار والفقهاء على أن الركنين الشاميين لا يستلمان، قال: وإنما كان فيه خلاف لبعض الصحابة والتابعين، وانقرض الخلاف وأجمعوا على أنهما لا يستلمان. وفي رواية لابن عمر عند مسلم أن رسول الله ﷺ كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني. قال النووي: يحتج به الجمهور في أنه يقتصر بالاستلام في الحجر الأسود عليه دون الركن الذي هو فيه خلافًا للقاضي أبي الطيب من الشافعية (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي، وللترمذي معناه من رواية ابن عباس. ٢٥٩٣ – قوله (طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعير) كان هذا في طواف الإفاضة يوم النحر أو في طواف الوداع، وأما طوافه ماشيًا فكان في طواف القدوم كما يفيده حديث جابر الطويل. قال الشيخ الدهلوي: إنما طاف رسول الله ﷺ راكبًا لكثرة ازدحام الناس وسؤالهم عنه ﷺ الأحكام، وكانت ناقته محفوظة من الروث والبول فيه. وأما الطواف راكبًا لغيره ﷺ فجائز أيضًا، والأفضل المشي انتهى. وقال الحافظ: حمل البخاري سبب طوافه ﷺ راكباً على أنه كان عن شكوى (حيث أدخل حديث ابن عباس في باب المريض يطوف راكباً) وأشار بذلك إلى ما أخرجه أبو داود (وأحمد) من حديث ابن عباس أيضًا بلفظ ((قدم النبي ﷺ مكة وهو يشتكي فطاف على راحلته)) . ووقع في حديث جابر عند مسلم أن النبي ﷺ طاف راكبًا ليراه الناس وليسألوه، فيحتمل أن يكون فعل ذلك للأمرين وحيئذٍ لا دلالة فيه على جواز الطواف راكبًا لغير عذر، وكلام الفقهاء يقتضى الجواز إلا أن المشي أولى والركوب مكروه تنزيهًا، قال: والذي يترجح المنع، لأن طوافه ﷺ وكذا أم سلمة كان قبل أن يحوط المسجد، فإذا حوط امتنع داخله، إذ لا يؤمن التلويث فلا يجوز بعد التحويط بخلاف ما قبله، فإنه كان لا يحرم التلويث كما في السعي، قال: وأما طواف النبي ﷺ راكبًا فللحاجة إلى أخذ المناسك عنه، ولذلك عده بعض من جمع خصائصه فيها واحتمل أيضًا أن تكون راحلته عصمت من التلويث حينئذ كرامة له، فلا يقاس غيره عليه، وأبعد من استدل به على طهارة بول البعير وبعره – انتهى. وسيأتي الكلام في هذا في شرح حديث أم سلمة

стр. 4081

يستلم الركن ــ في الفصل الثالث. قال ابن قدامة في المغنى (ج ٣: ص ٣٩٧) : لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في صحة طواف الراكب إذا كان له عذر، فإن ابن عباس روى أنه ﷺ طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن. وعن أم سلمة قالت: شكوت – الحديث، متفق عليهما، وقال جابر: طاف النبي ﷺ على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة ليراه الناس وليشرف عليهم ليسألوه، فإن الناس غشوه. والمحمول كالراكب فيما ذكرناه. قال: فأما الطواف راكبًا أو محمولاً لغير عذر فمفهوم كلام الخرقي أنه لا يجزئ وهو إحدى الروايات عن أحمد لأن النبي ﷺ قال: الطواف بالبيت صلاة. والثانية: يجزئه ويجبره بدم وهو قول مالك، وبه قال أبو حنيفة إلا أنه قال: يعيد ما كان بمكة، فإن رجع جبره بدم، لأنه ترك صفة واجبة في ركن الحج. والثالثة: يجزئه ولا شيء عليه، اختارها أبو بكر، وهي مذهب الشافعي وابن المنذر، لأن النبي ﷺ طاف راكبًا. قال ابن المنذر: لا قول لأحد مع فعل النبي ﷺ ، ولأن الله تعالى أمر بالطواف مطلقًا فكيفما أتى به أجزاه. ولا يجوز تقيد المطلق بغير دليل. ولا خلاف في أن الطواف راجلاً أفضل لأن أصحاب النبي ﷺ طافوا مشيًا، والنبي ﷺ في غير حجة الوداع طاف مشيًا، وفي قول أم سلمة: شكوت إلى النبي ﷺ أني أشتكي؟ فقال ((طوفي من وراء الناس وأنت راكبة)) دليل على أن الطواف إنما يكون مشيًا، وإنما طاف النبي ﷺ راكبًا لعذر، فإن ابن عباس روى أن رسول الله ﷺ كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد هذا محمد، حتى خرج العواتق من البيوت، وكان رسول الله ﷺ لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثروا عليه ركب. رواه مسلم. وكذلك في حديث جابر ((فإن الناس غشوه)) ورُوي عن ابن عباس ((أن رسول الله ﷺ طاف راكبًا لشكاة به)) وبهذا يعتذر من منع الطواف راكبًا عن طواف النبي ﷺ ، والحديث الأول (يعني حديث ابن عباس الأول) أثبت. قال: فعلى هذا يكون كثرة الناس وشدة الزحام عذرًا، ويحتمل أن يكون النبي ﷺ قصد تعليم مناسكهم فلم يتمكن منه إلا بالركوب، والله أعلم – انتهى. وقال النووي في شرح المهذب: قال أصحابنا: الأفضل أن يطوف ماشيًا ولا يركب إلا لعذر مرض أو نحوه أو ما كان ممن يحتاج الناس إلى ظهوره ليستفتى ويقتدى بفعله، فإن طاف بلا عذر جاز بلا كراهية لكنه خالف الأولى، كذا قاله جمهور أصحابنا، وكذا نقله الرافعي عن الأصحاب. وقال إمام الحرمين: في القلب من إدخال البهيمة التي لا يؤمن تلويثها المسجد شيء، فإن أمكن الاستيثاق فذلك، وإلا فإدخالها المسجد مكروه، هذا كلام الرافعي. وجزم جماعة من أصحابنا بكراهة الطواف راكبًا من غير عذر، والمرأة والرجل في الركوب سواء فيما ذكرناه. قال الماوردي: وحكم طواف المحمول على أكتاف الرجال كالراكب فيما ذكرناه. قال: وإذا كان معذورًا فطوافه محمولاً أولى منه راكبًا صيانة للمسجد من الدابة، قال: وركوب الإبل أيسر حالاً من ركوب البغال والحمير (يستلم الركن

стр. 4082

بمحجن. متفق عليه. ٢٥٩٤ – (١٠) وعنه، أن رسول الله ﷺ طاف بالبيت على بعير، كلما أتى على الركن أشار إليه بشيء في يده، وكبر. رواه البخاري. ٢٥٩٥ – (١١) وعن أبي الطفيل، قال: رأيت رسول الله ﷺ ــ بمحجن) بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الجيم بعدها نون هو عصا محنية الرأس، والحجن الاعوجاج، وبذلك سمي الحجون، والمعنى أنه يؤمئ بعصاه إلى الركن حتى يصيبه، قال ابن التين: هذا يدل على قربه من البيت لكن من طاف راكبًا يستحب له أن يبعد إن خاف أن يؤذي أحدًا، فيحمل فعله ﷺ على الأمن من ذلك – انتهى. ويحتمل أن يكون في حال استلامه قريبًا حيث أمن ذلك وأن يكون في حال إشارته بعيدًا حيث خاف ذلك. وزاد مسلم من حديث أبي الطفيل كما سيأتي ((ويقبل المحجن)) . وله من حديث ابن عمر أنه استلم الحجر بيده ثم قبل يده ورفع ذلك، ولسعيد بن منصور من طريق عطاء قال: رأيت أبا سعيد وأبا هريرة وابن عمر وجابرًا إذا استلموا الحجر قبلوا أيديهم. قيل: وابن عباس؟ قال: وابن عباس. أحسبه قال: كثيرًا. وبهذا قال الجمهور أن السنة أن يستلم الركن ويقبل يده، فإن لم يستطع أن يستلمه بيده استلمه بشيء في يده وقبل ذلك الشيء، فإن لم يستطع أشار إليه واكتفى بذلك، وعن مالك في رواية ((لا يقبل يده)) وكذا قال القاسم بن محمد بن أبي بكر، وفي رواية عند المالكية يضع يده على فمه من غير تقبيل، كذا في الفتح (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة. ٢٥٩٤ – قوله (طاف بالبيت على البعير) قال الطبري بعد ذكر الأحاديث التي تدل على إباحة الطواف على الرحلة: هذه الأحاديث تدل على جواز الركوب في الطواف، وخصه مالك بالضرورة استدلالاً بحديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود ((أن النبي ﷺ قدم مكة وهو يشتكي وطاف على راحلته)) وبقوله في حديث جابر ((ليراه الناس وليشرف عليهم)) واختاره الشافعي مطلقًا مع كراهية، وعند مالك وأبي حنيفة إن قرب أعاد وإن بعد فعليه دم. (كلما أتى على الركن) أي الحجر الأسود (أشار إليه بشيء) المراد بالشيء المحجن الذي تقدم في الرواية الماضية. قال القاري: وفيه إشارة إلى أن الركن اليماني لا يشار إليه عند العجز عن الاستلام كما هو الصحيح من مذهبنا (في يده) كذا في المشكاة، وهكذا نقله الطبري في القرى والمجد في المنتقى، وفي البخاري ((عنده)) بدل ((في يده)) (وكبر) أي قال: الله أكبر، وفيه استحباب التكبير عند الركن الأسود في كل طوفة. (رواه البخاري) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ١: ص ٢٦٤) والترمذي والدارمي وغيرهم. ٢٥٩٥ – قوله (وعن أبي الطفيل) هو عامر بن وثلة بن عبد الله بن عمرو بن جحش الكناني الليثي أبو الطفيل،

стр. 4083

يطوف بالبيت، ويستلم الركن بمحجن معه، ويقبل المحجن. رواه مسلم. ٢٥٩٦ – (١٢) وعن عائشة، قالت: خرجنا مع النبي ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما كنا بسرف ــ ويقال اسمه عمرو، والأول أصح وهو بكنيته أشهر، وقال المصنف: غلبت عليه كنيته. ولد عام أحد، أدرك من حياة النبي ﷺ ثمان سنين، وكان يسكن الكوفة ثم انتقل إلى مكة، روى عن النبي ﷺ وعن أبي بكر وعمر وعليّ وغيرهم من الصحابة والتابعين، وكان من أصحاب على المحبين له وشهد مع مشاهده كلها، وكان ثقة مأمونًا يعترف بفضل أبي بكر وعمر وغيرهما إلا أنه كان يقدم عليًا، وقال ابن سعد: كان أبو الطفيل ثقة في الحديث متشيعًا، وعُمّر إلى أن مات سنة عشر ومائة على الصحيح. وهو آخر من مات من الصحابة، قاله مسلم وغيره (يطوف بالبيت) أي راكبًا (ويقبل المحجن) أي بدل الحجر للماشي، قال الأمير اليماني في السبل: الحديث دال على أنه يجزئ عن استلامه باليد استلامه بآلة ويقبل الآلة كالمحجن والعصا، وكذلك إذا استمله بيده قبَّل يده، فقد روى الشافعي أنه قال ابن جريج لعطاء: هل رأيت أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ إذا استلموا قبَّلوا أيديهم؟ قال: نعم؛ رأيت جابر بن عبد الله وابن عمر وأبا سعيد وأبا هريرة إذا استلموا قبَّلوا أيديهم، فإن لم يمكن استلامه لأجل الزحمة قام حياله ورفع يديه وكبر لما رُوي أن النبي ﷺ قال: يا عمر إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعفاء، إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبله وهلل وكبر، رواه أحمد والأرزقي. وإذا أشار بيده فلا يقبَّلها لأنه لا يقبل إلا الحجر أو ما مس الحجر – انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٥: ص ٤٥٤) وأبو داود وابن ماجة. ٢٥٩٦ – قوله (لا نذكر) قال القاري: أي في تلبيتنا أو في محاورتنا، وقال بعضهم: أي لا نقصد (إلا الحج) فإنه الأصل المطلوب، وأما العمرة فإنها أمر مندوب، فلا يلزم من عدم ذكرها في اللفظ عدم وجودها في النية. وقال أيضًا: هذا الحديث بظاهره ينافي قولها السابق ((ولم أهلل إلا بعمرة)) إلا أن يقال: قولها: ((لا نذكر إلا الحج)) أي ما كان قصدنا الأصلي من هذا السفر إلا الحج بأحد أنواعه من القران والتمتع والإفراد، فمنا من أفرد ومنا من قرن ومنا من تمتع وإني قصدت التمتع فاعتمرت، ثم لما حصل لي عذر الحيض واستمر إلى يوم عرفة ووقت وقوف الحج أمرني أن أرفضها وأفعل جميع أفعال الحج إلا الطواف، وكذلك السعي إذ لا يصح إلا بعد الطواف – انتهى. وقال السندي: أرادت (عائشة ﵂ بهذا المقصود الأصلي من الخروج ما كان إلا الحج، وما وقع الخروج إلا لأجله، ومن اعتمر فعمرته كانت تابعة للحج فلا يخالف ما سبق أنها كانت معتمرة وكان في الصحابة رجال معتمرون، ويحتمل أنها حكاية عن غالب من كان معه ﷺ من الصحابة في ذلك السفر – انتهى. وتقدم شيء من الكلام في هذا في شرح حديث عائشة في باب الإحرام والتلبية (بسرف) بفتح المهملة وكسر الراء بعدها فاء موضع قريب من مكة بينهما نحو عشرة أميال، وهو ممنوع من الصرف

стр. 4084

طمثت، فدخل النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: " لعلك نفست؟ " قلت: نعم. قال: " فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري ". ــ وقد يصرف، قاله الحافظ. وقال النووي: هو ما بين مكة والمدينة بقرب مكة على أميال منها، قيل ستة، وقيل سبعة، وقيل تسعة، وقيل عشرة، وقيل اثني عشر ميلاً - انتهى. وفيه قبر ميمونة زوج النبي ﷺ ، وقد اتفق التزوج والبناء بها وموتها في هذا الموضع (طمثت) قال النووي: هو بفتح الطاء وكسر الميم أي حضت، يقال حاضت المرأة وتحيضت وطمثت وعرَكت - بفتح الراء - ونفست وضحكت وأعصرت وأكبرت، كله بمعنى واحد، والاسم منه الحيض والطمث والعراك والضحك والإكبار والإعصار، وهي حائض وحائضة في لغة غربية حكاها الفراء، وطامث وعارك ومكبر ومعصر - انتهى. (وأنا أبكي) أي ظنًا مني أن الحيض يمنع الحج (لعلك نفِست) بفتح النون وضمها لغتان مشهورتان، الفتح أفصح، والفاء مكسورة فيهما، أي حضت، وأما النفاس الذي هو الولادة فيقال فيه نفست - بالضم - لا غير، ذكره النووي (فإن ذلك) بكسر الكاف أي نفاسك بمعنى حيضك (كتبه الله) أي قدره الله (على بنات آدم) قال القاري: فيه تسلية لها، إذ البلية إذا عمت طابت - انتهى. وقال النووي: هذا تسلية لها وتخفيف لهمها، ومعناه أنك لست مختصة به، بل كل بنات آدم يكون منهن هذا كما يكون منهن ومن الرجال البول والغائط. واستدل البخاري في صحيحه في كتاب الحيض بعموم هذا اللفظ على أن الحيض كان في جميع بنات آدم، وأنكر به على من قال إن الحيض أول ما أرسل ووقع في بني إسرائيل. قال الحافظ: وكأنه يشير إلى ما أخرجه عبد الرزاق عن ابن مسعود بإسناد صحيح قال: كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعًا فكانت المرأة تتشوف للرجل، فألقى الله عليهن الحيض ومنعهن المساجد، وعنده عن عائشة نحوه، قال الداودي: ليس بينهما مخالفة، فإن نساء بني إسرائيل من بنات آدم فعلى هذا فقوله ((بنات آدم)) عام أريد به الخصوص. قلت (قائله الحافظ) : ويمكن أن يجمع بينهما مع القول بالتعميم بأن الذي أرسل على نساء بني إسرائيل طول مكثه بهن عقوبة لهن لا ابتداء وجوده، وقد روى الطبري وغيره عن ابن عباس وغيره أن قوله تعالى في قصة إبراهيم﴾ وامرأته قائمة فضحكت﴾ (١١: ٧١) أي حاضت، والقصة متقدمة على بني إسرائيل بلا ريب؛ وروى الحاكم وابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عباس: أن ابتداء الحيض كان على حواء بعد أن أهبطت من الجنة، وإذا كان كذلك فبنات آدم بناتها - انتهى (غير أن لا تطوفي بالبيت) قال الطيبي: استثناء من المفعول به ولا زائدة (حتى تطهري) أي بانقطاع الدم والاغتسال، وهو بفتح التاء والطاء المهملة وتشديد الهاء أيضًا، وهو على حذف إحدى التائين وأصله تتطهري والمراد بالطهارة الغسل كما وقع في رواية لمسلم حتى تغتسلي، وفي الحديث دليل على أن الحائض والنفساء والمحدث والجنب يصح منهم جميع أفعال الحج وأقواله وهيئاته إلا الطواف وركعتيه، فيصح الوقوف بعرفات وغيره،

стр. 4085

متفق عليه. ٢٥٩٧ – (١٣) وعن أبي هريرة، قال: بعثني أبو بكر في الحجة التي أمره النبي ﷺ عليها قبل حجة الوداع، يوم النحر في رهط، أمره أن يؤذن في الناس: " ألا ــ وكذلك الأفعال المشروعة في الحج تشرع للحائض وغيرها. وفيه دليل على أن الطواف لا يصح من الحائض. وهذا مجمع عليه. وأما السعي فكالطواف إذ لا يصح إلا بعد الطواف. قال الشوكاني: الحديث ظاهر في نهي الحائض عن الطواف حتى ينقطع دمها وتغتسل والنهي يقتضي الفساد المرادف للبطلان فيكون طواف الحائض باطلاً، وهو قول الجمهور – انتهى. وقد تقدم الكلام في اشتراط الطهارة للطواف في شرح حديث عروة عن عائشة ثالث أحاديث هذا الباب. (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي وابن ماجة والبيهقي. ٢٥٩٧ – قوله (بعثني) أي أرسلني (أبو بكر) الصديق، قال الطحاوي في مشكل الآثار: هذا مشكل لأن الأخبار في هذه القصة تدل على أن النبي ﷺ كان بعث أبا بكر بذلك، ثم أتبعه عليًا فأمره أن يؤذن فكيف يبعث أبو بكر أبا هريرة ومن معه بالتأذين مع صرف الأمر عنه في ذلك إلى عليّ؟ ثم أجاب بما حاصله أن أبا بكر كان الأمير على الناس في تلك الحجة بلا خلاف، وكان عليّ هو المأمور بالتأذين بذلك، وكأن عليًا لم يطق التأذين بذلك وحده، واحتاج إلى من يعينه على ذلك، فأرسل معه أبو بكر أبا هريرة وغيره ليساعدوه على ذلك، ثم ساق من طريق المحرز بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنت مع علي حين بعثه النبي ﷺ ببراءة إلى أهل مكة فكنت أنادي معه بذلك حتى يصحل صوتي وكان هو ينادي قبلي حتى يعيي. وأخرجه أحمد أيضًا وغيره من طريق محرز بن أبي هريرة، فالحاصل أن مباشرة أبي هريرة لذلك كانت بأمر أبي بكر وكان ينادي بما يلقيه إليه عليّ مما أمر بتبليغه، كذا في الفتح (في الحجة التي أمره النبي ﷺ ) بتشديد الميم أي جعله أميرًا على قافلة الحج في الستة التاسعة من الهجرة (عليها) متعلق بأمره أي على الحجة (قبل حجة الوداع) أي بسنة. قال ابن القيم: يستنبط منه أنها كانت سنة تسع لأن حجة الوداع كانت سنة عشر اتفاقًا، وذكر ابن إسحاق أن خروج أبي بكر كان في ذي القعدة. وذكر الواقدي أنه خرج في تلك الحجة مع أبي بكر ثلاث مائة من الصحابة، وبعث معه رسول الله ﷺ عشرين بدنة. قال الحافظ: وقد وقفت ممن سمي ممن كان مع أبي بكر في تلك الحجة على أسماء جماعة منهم سعد بن أبي وقاص وجابر بن عبد الله فيما أخرجه الطبري (يوم النحر) ظرف بعث (في رهط) أي في جملة رهط أو مع رهط، والرهط – بسكون الهاء ويحرك – عدد يجمع من الثلاثة إلى العشرة أو ما دون العشرة وما فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه (أمره) بالتخفيف (أن يؤذن) بالتشديد، والمراد بالتأذين الإعلام، وهو اقتباس من قوله تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله﴾ (٩: ٣) أي إعلام. قال الطيبي: والضمير راجع إلى الرهط، والإفراد باعتبار اللفظ، ويجوز أن يكون لأبي هريرة على الالتفات. قال القاري: أو على التجريد أو التقدير ((أمر أحد الرهط أن ينادي)) (ألا)

стр. 4086

لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان ". متفق عليه. (الفصل الثاني) . ٢٥٩٨ - (١٤) عن المهاجر المكي، ــ للتنبيه (لا يحجُ) بضم الجيم، نهى أو نفى معناه نهى، ويفتح، ويكسر على أنه نهى ويؤيده رواية ((لا يحججن)) قاله القاري. وفي رواية ((أن لا يحج)) قال الحافظ:كذا للأكثر، وللكشميهني ((ألا لا يحج)) بأداة الاستفتاح قبل حرف النهي، وللبخاري في التفسير ((أن لا يحجن)) وهو يعين ذلك للنهي (بعد العام) أي بعد هذه السنة. وقال الحافظ: أي بعد الزمان الذي وقع فيه الإعلام بذلك (مشرك) أي كافر. قال الحافظ: هو منتزع من قوله تعالى: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ (٩: ٢٨) والآية صريحة في منعهم دخول المسجد الحرام ولو لم يقصدوا الحج ولكن لما كان الحج هو المقصود الأعظم صرح لهم بالمنع منه فيكون ما وراءه أولى بالمنع، والمراد بالمسجد الحرام هنا الحرم كله. قال النووي: فلا يمكن مشرك من دخول الحرم بحال حتى لو جاء في رسالة أو أمر مهم لا يمكن من الدخول بل يخرج إليه من يقضي الأمر المتعلق به، ولو دخل خفية ومرض ومات نبش وأخرج من الحرم - انتهى. وقال العيني: وكذلك لا يمكن أهل الذمة من الإقامة بعد ذلك بقوله ﷺ : أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب. قاله في مرض موته ﷺ (ولا يطوفن بالبيت عريان) أي مطلقًا في جميع الأيام غير مقيد بعام دون عام لقوله تعالى ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ (٧: ٣١) وصح عن ابن عباس أنه نزل ردًا لما كانوا يفعلونه من الطواف بالبيت مع العري، يعني زعمًا منهم أنهم لا يعبدون ربهم في ثياب أذنبوا فيها. قال الحافظ: ذكر ابن إسحاق في سبب هذا الحديث أن قريشًا ابتدعت قبل الفيل أو بعده أن لا يطوف بالبيت أحد ممن يقدم عليهم من غيرهم أول ما يطوف إلا في ثياب أحدهم، فإن لم يجد طاف عرياناً، فإن خالف وطاف بثيابه ألقاها إذا فرغ ثم لم ينتفع بها، فجاء الإسلام فهدم ذلك كله. وفي الحديث حجة لاشتراط ستر العورة في الطواف كما يشترط في الصلاة والمخالف في ذلك الحنفية، قالوا: ستر العورة في الطواف ليس بشرط فمن طاف عرياناً أعاد ما دام بمكة، فإن خرج لزمه دم، قلت: قد اختلف هل ستر العورة في الطواف ليس بشرط فمن طاف عرياناً أعاد ما دام بمكة، فإن خرج لزمه دم. قلت: قد اختلف هل ستر العورة شرط لصحة الطواف أو لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه شرط، وذهبت الحنفية إلى أنه ليس بشرط، فمن طاف عرياناً أعاد ما دام بمكة، فإن خرج لزمه دم، فهم ينكرون الاشتراط دون الوجوب، قالوا: وهو مدلول الحديث. (متفق عليه) أخرجه البخاري في أوائل الصلاة، وفي الحج، وفي تفسير سورة براءة، ومسلم في الحج، وأخرجه أيضًا النسائي والبيهقي. ٢٥٩٨ - قوله (عن المهاجر المكي) هو مهاجر بن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث القرشي المخزومي. قال

стр. 4087

قال: سئل جابر عن الرجل يرى البيت يرفع يديه؟ فقال: قد حججنا مع النبي ﷺ فلم نكن نفعله. ــ الحافظ في تهذيب التهذيب: روى عن جابر وابن عمه عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث والزهري وهو من أقرانه، وعنه أبو قزعة سويد بن حجير الباهلي ويحيى بن أبي كثير، ذكره ابن حبان في الثقات. قلت: قال أبو حاتم في العلل: لا أعلم أحداً روى عن المهاجر بن عكرمة غير يحيى بن أبي كثير، والمهاجر ليس بالمشهور – انتهى. وقال في التقريب: إنه مقبول. قلت: ذكره البخاري في تاريخه (ج ٤: ص ٣٨٠) وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (ج ٤/١/٢٢٠) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلاً (عن الرجل يرى البيت) أي الرجل الذي يرى البيت (يرفع يديه) أي هو مشروع أم لا؟ وهذا لفظ أبي داود، وفي رواية الترمذي ((أيرفع الرجل يديه إذا رأى البيت؟)) (فلم نكن نفعله) أي رفع اليدين عند رؤيته في الدعاء، وهذا لفظ النسائي. وعند أبي داود ((فلم يكن يفعله)) وللترمذي ((أفكنا نفعله)) والهمزة للإنكار، والحديث يدل على عدم رفع اليد في الدعاء عند رؤية البيت، وقد ورد ما يدل على استحباب ذلك فروى الشافعي عن ابن جريج أن النبي ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال: اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابة، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه أو اعتمره تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًا. وهذا مرسل معضل فيما بين ابن جريج والنبي ﷺ ، وفي إسناده سعيد بن سالم القداح وفيه مقال. وروى البيهقي عن مكحول، قال: كان النبي ﷺ إذا دخل مكة فرأى البيت رفع يديه وكبر وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا، إلخ. وهذا مرسل. وروى البيهقي أيضًا من طريق الشافعي عن سعيد بن سالم عن ابن جريج قال: حدثت عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: " ترفع الأيدي في الصلاة، وإذا رأى البيت، وعلى الصفا والمروة " – الحديث قال البيهقي: هو منقطع، لم يسمعه ابن جريج من مقسم، ورواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس، وعن نافع عن ابن عمر مرة موقوفًا عليهما ومرة مرفوعًا إلى النبي ﷺ . وابن أبي ليلى هذا غير قوي في الحديث وقد اختلف العلماء في ذلك كما اختلفت الروايات. فذهب أبو حنيفة ومالك إلى عدم الرفع. قال في اللباب وشرحه للقاري: ولا يرفع يديه عند رؤية البيت ولو حال دعائه لعدم ذكره في المشاهير من كتب الأصحاب كالقدوري والهداية والكافي والبدائع، بل قال السروجي: المذهب تركه. وكلام الطحاوي في شرح معاني الآثار صريح أنه يكره الرفع عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وقيل: يرفع. ونقل عن جابر ﵁ أن ذلك من فعل اليهود، وسماه البصروي مستحبًا إلخ. وقال في غنية الناسك: استحب المحققون من أهل المذهب للقادم رفع اليدين عند رؤية البيت للدعاء، منهم الكرماني والبصروي وابن الهمام وعلى القاري وهو مذهب الشافعي وأحمد – انتهى. واحتج لمن ذهب إلى كراهة الرفع وعدم مشروعيته بحديث جابر، وهو حديث حسن وقال سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق: يرفع

стр. 4088

............................................................................................. ــ يديه. قال ابن المنذر: وبه أقول. قال النووي: وهو مذهبنا. وقال الشافعي بعد أن أورد حديث ابن جريج: ليس في رفع اليدين عند رؤية البيت شيء فلا أكرهه ولا أستحبه. قال البيهقي: وكأنه لم يعتمد على الحديث لانقطاعه. قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٣٦٩) : ويستحب رفع اليدين عند رؤية البيت، رُوي ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وبه قال الثوري وابن المبارك والشافعي وإسحاق بن راهويه، وكان مالك لا يرى رفع اليدين لما رُوي عن المهاجر المكي، قال سئل جابر بن عبد الله فذكر حديث الباب ثم قال: ولنا ما روى أبو بكر بن المنذر عن النبي ﷺ أنه قال: ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن: افتتاح الصلاة واستقبال البيت – الحديث. قال ابن قدامة: وهذا من قول النبي ﷺ وذاك من قول جابر، وخبره عن ظنه وفعله، وقد خالفه ابن عمر وابن عباس، ولأن الدعاء مستحب عند رؤية البيت، وقد أمر برفع اليدين عند الدعاء – انتهى. وقال النووي في شرح المهذب: قال أصحابنا رواية المثبت للرفع أولى، لأن معه زيادة علم، وقال البيهقي رواية غير جابر في إثبات الرفع مع إرسالها أشهر عند أهل العلم من حديث مهاجر وله شواهد، وإن كانت مرسلة. والقول في مثل هذا قول من رأى وأثبت. وقال الخطابي في المعالم: قد اختلف الناس في هذا فكان ممن يرفع يديه إذا رأى البيت سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وضعف هؤلاء حديث جابر لأن مهاجراً راويه عندهم مجهول، وذهبوا على حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: ترفع الأيدي في سبعة مواطن، إلخ – ورُوي عن ابن عمر أنه كان يرفع اليدين عند رؤية البيت، وعن ابن عباس مثل ذلك – انتهى. قلت: قد تقدم أن مهاجرًا المكي وثقه ابن حبان، وقال الحافظ: إنه مقبول. فحديث جابر على الأقل حسن. وأما حديث ابن عباس في رفع الأيدي في سبعة مواطن ففي سنده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو سيء الحفظ. قال الشوكاني: ليس في الباب ما يدل على مشروعية رفع اليدين عند رؤية البيت وهو حكم شرعي لا يثبت إلا بالدليل، وأما الدعاء عند رؤية البيت فقد رويت فيه أخبار وآثار، منها ما أخرجه ابن المغلس أن عمر كان إذا نظر إلى البيت قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام. ورواه سعيد بن منصور في السنن عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد ولم يذكر عمر، ورواه الحاكم عن عمر أيضًا. وكذلك رواه البيهقي عنه – انتهى. تنبيه: قال الطبري: وأول موضع يقع فيه بصره على البيت رأس الردم لمن يأتي من أعلى مكة، وقد كان ذلك فأما اليوم فقد سد بالأبنية. وقال ابن جاسر: والدعاء المذكور يقوله إذا عاين البيت لا عند وصوله للمحل الذي كان يرى منه البيت قبل ارتفاع الأبنية وهو المسمى أولاً برأس الردم والآن يسمى بالمدعى. قال شيخ الإسلام: ولم يكن قديمًا بمكة بناء يعلو على البيت ولا كان فوق الصفا والمروة والمشعر الحرام بناء ولا كان بمنى بناء ولا بعرفات مسجد ولا عند الجمرات مسجد، بل كل هذه محدثة بعد الخلفاء الراشدين، ومنها ما أحدث بعد الدولة الأموية، فكان البيت يرى قبل دخول المسجد، فمن رأى البيت قبل دخول المسجد فعل ذلك أي الرفع

стр. 4089

رواه الترمذي، وأبو داود. ٢٥٩٩ – (١٥) وعن أبي هريرة، قال: أقبل رسول الله ﷺ فدخل مكة، فأقبل إلى الحجر فاستلمه، ثم طاف بالبيت، ثم أتى الصفا فعلاه حتى ينظر إلى البيت، فرفع يديه فجعل يذكر الله ما شاء ويدعو. رواه أبو داود. ٢٦٠٠ – (١٦) وعن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: " الطواف حول البيت ــ والدعاء، وقد استحب ذلك من استحبه عند رؤية البيت، ولو كان بعد دخول المسجد - انتهى. (رواه الترمذي وأبو داود) وأخرجه البيهقي (ج ٥: ص ٧٣) وهو حديث حسن كما عرفت. ٢٥٩٩ – قوله (أقبل رسول الله ﷺ ) أي توجه من المدينة (فدخل مكة) قال القاري: أي للحج أو للعمرة، والظاهر أن المراد يوم فتح مكة كما يدل عليه حديث أبي هريرة الطويل عند مسلم في باب فتح مكة (فأقبل إلى الحجر) أي توجه إلى الحجر الأسود، أو إلى بمعنى على (فاستلمه) أي باللمس والتقبيل (ثم طاف بالبيت) أي سبعة أشواط (ثم أتى الصفا) أي بعد ركعتي الطواف (فعلاه) أي صعده (حتى ينظر إلى البيت) وفي أبي داود ((حيث ينظر إلى البيت)) وفي حديث جابر الطويل المتقدم ((فرقى عليه حتى رأى البيت، وأنه فعل في المروة مثل ذلك)) قال القاري: وهذا كان في الصفا باعتبار ذلك الزمن، وأما الآن فالبيت يُرى من باب الصفا قبل رقيه لما حدث من ارتفاع الأرض ثمه حتى اندفن كثير من درج الصفا. وقيل بوجوب الرقي مطلقاً. وأما الرقي الآن في المروة فلا يمكن كما أن رؤية البيت منها لا تمكن لكن بصدر العقد المشرف عليها دكة فيستحب رقيها عملاً بالوارد ما أمكن (فرفع يديه) أي للدعاء على الصفا لا لرؤية البيت لما سبق، وأما ما يفعله العوام من رفع اليدين مع التكبير على هيأة رفعهما في الصلاة فلا أصل له (فجعل يذكر الله ما شاء) أي من التكبير والتهليل والتحميد والتوحيد (ويدعو) أي بما شاء. قال القاري: وفيه إشارة إلى المختار عند محمد أن لا تعين في دعوات المناسك لأنه يورث خشوع الناسك. وقال ابن الهمام: لأن توقيتها يذهب بالرقة لأنه يصير كمن يكرر محفوظة وإن تبرك بالمأثور فحسن – انتهى. وقوله ((يذكر الله ما شاء ويدعو)) كذا في جميع النسخ، وفي أبي داود ((يذكر الله ما شاء أن يذكره ويدعوه)) . وفي الحديث الابتداء بالطواف في أول دخول مكة سواء كان محرمًا بحج أو بعمرة أو غير محرم، وكان النبي ﷺ دخلها في هذا اليوم، وهو يوم الفتح غير محرم بإجماع المسلمين وكان على رأسه المغفر. والأحاديث متظاهرة على ذلك، والإجماع منعقد عليه، قاله النووي. وفيه أيضًا رفع اليدين للدعاء على الصفا عند رؤية البيت (رواه أبو داود) قال المنذري: وأخرجه مسلم بنحوه في الحديث الطويل في الفتح يعني فتح مكة. ٢٦٠٠- قوله (الطواف حول البيت) أي الدوران حول الكعبة. وقوله ((حول البيت)) احتراز من الطواف

стр. 4090

مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير ". ــ بين الصفا والمروة (مثل الصلاة) بالرفع على الخبرية، وجوز النصب أي نحوهما، وفي رواية ((الطواف بالبيت صلاة)) أي مثلها في عدة من الأحكام كستر العروة والطهارة، وقيل أي مثلها في الثواب أو في التعليق بالبيت (إلا أنكم تتكلمون فيه) أي يجوز لكم الكلام في الطواف بخلاف الصلاة. وقال القاري: أي تعتادون الكلام فيه قال الطيبي: يجوز أن يكون الاستثناء متصلاً أي الطواف كالصلاة في الشرائط التي هي الطهارة وغيرها إلا في التكلم، ويجوز كونه منقطعًا أي الطواف مثل الصلاة لكن رخص لكم في التكلم فيه. وقال القاري: الاستثناء إما متصل أي مثلها في كل معتبر فيها وجودًا وعدمًا إلا التكلم يعني وما في معناه من المنافيات من الأكل والشرب وسائر الأفعال الكثيرة، وإما منقطع أي لكن رخص لكم في الكلام. وفي العدول عن قوله ((إلا الكلام)) نكتة لطيفة لا تخفى، ويعلم من فعله ﵊ عدم شرطية الاستقبال، وليس لأصل الطواف وقت مشروط وبقى بقية شروط الصلاة من الطهارة الحكمية والحقيقية وستر العورة، فهي معتبرة عند الشافعي كالصلاة وواجبات عندنا. لأنه لا يلزم من مثل الشيء أن يكون مشاركًا له في كل شيء على الحقيقة مع أن الحديث من الآحاد، وهو ظني لا يثبت به الفرضية – انتهى. وقال المناوي: استدل به الخطابي على اشتراط الطهارة له. وقول ابن سيد الناس: المشبه لا يعطي قوة المشبه به من كل وجه وقد نبه على الفرق بينهما بحل الكلام فيه، رده المحقق أبو زرعة، لأن التحقيق أنه صلاة حقيقة إذ الأصل في الإطلاق الحقيقة وهي حقيقة شرعية، ويكون لفظ الصلاة مشتركًا اشتراكًا لفظيًا بين المعهودة والطواف، ولا يرد إباحة الكلام فيه، لأن كل ما يشرط في الصلاة يشترط فيه إلا ما يستثنى، والمشي مستثنى، إذ لا يصدق اسم الطواف شرعًا إلا به. وقال المحب الطبري: في قوله ﷺ : " الطواف بالبيت صلاة ". دليل على أن الطواف يشترط فيه الطهارة والستارة، وأن حكمه حكم الصلاة إلا فيما وردت فيه الرخصة من الكلام بشرط أن يكون بخير، ووجهه أنه جعله صلاة أو مثل الصلاة، ومقتضى ذلك إبطاله بالكلام مطلقًا، فلما رخص في كلام خاص وجب أن يقتصر عليه، فلا يلحق به ما عداه تقليلاً لمخالفة الدليل وما ورد في إباحة الكلام مطلقًا، فيحمل على هذا المقيد (فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير) أي من ذكر الله وإفادة علم واستفادته على وجه لا يشوش على الطائفين. وقال الطبري: من الخير المشار إليه في الحديث أن يسلم الرجل على أخيه ويسأله عن حاله وأهله ويأمر الرجل الرجل بالمعروف وينهاه عن المنكر وأشباه ذلك من تعليم جاهل أو إجابة مسألة، وهو مع ذلك كله مقبل على الله تعالى في طوافه، خاشع بقلبه، ذاكر بلسانه، متواضع في مسألته، يطلب فضل مولاه ويعتذر إليه، فمن كان بهذا الوصف رجوت أن يكون ممن قال رسول الله ﷺ : إن الله ﵎ يباهي بالطائفين. وقال أيضًا: واعلم أن التحدث في الطواف على غير النحو المتقدم خطأ كبير وغفلة عظمية، ومن لابس ذلك فقد لابس ما يمقت عليه، خصوصًا إن صدر ممن ينسب

стр. 4091

رواه الترمذي، والنسائي، والدارمي، وذكر الترمذي جماعة وقفوه على ابن عباس. ــ إلى العلم والدين فإنه إذا أنكر على من دونه احتج به فصار فتنة لكل مفتون، ومن آثر محادثة المخلوق في أمر الدنيا والإقبال عليه والإصغاء لحديثه على ذكر خالقه والإقبال عليه وعلى ما هو متلبس به من عبادته فهو غبين الرأي، لأن طوافه بجسده وقلبه لاه ساه قد غلب عليه الخوض فيما لا يعنيه حتى استرسل في عبادته كذلك، فهو إلى الخسران أقرب منه إلى الربح، ومثل هذا خليق بأن يشكوه البيت إلى الله وإلى جبريل، ولعل الملائكة تتأذى به، وكثير من الطائفين يتبرمون منه، فعلى الطائف أن يبذل جهده في مجانبة ذلك – انتهى. والحديث رواه أحمد من طريق حسن بن مسلم عن طاوس عن رجل أدرك النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال: " إنما الطواف صلاة، فإذا طفتم فأقلوا الكلام ". ورواه النسائي من هذا الطريق موقوفًا، ثم رواه من طريق حنظلة بن أبي سفيان عن طاوس، قال: قال عبد الله بن عمر: أقلوا الكلام في الطواف فإنما أنتم في الصلاة. وقوله ((فأقلوا الكلام)) أي فلا تكثروا فيه الكلام، وإن كان جائزًا، لأن مماثلته للصلاة تقتضي أن لا يتكلم فيه أصلاً كما لا يتكلم فيه الصلاة، فحين أباح الله تعالى فيه الكلام رحمة منه تعالى على العبد فعليه أن يشكر الله ولا يكثر فيه الكلام ولا يتكلم إلا بخير أو لضرورة (رواه الترمذي والنسائي والدارمي) واللفظ للترمذي، وأخرجه أيضًا الحاكم (ج ١: ص ٤٥٩) والدارقطني وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي وغيرهم، وفي قول المصنف ((والنسائي)) نظر، فإن الحديث عنده من طريق طاوس موقوف ولم يسم الصحابي كما تقدم (وذكر الترمذي جماعة وقفوه على ابن عباس) قلت: قال الترمذي بعد رواية الحديث من طريق جرير عن عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عباس مرفوعًا ما لفظه ((وقد رُوي عن ابن طاوس وغيره عن طاوس عن ابن عباس موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن السائب)) – انتهى. قال الحافظ في التلخيص: الحديث رواه الترمذي والحاكم والدارقطني من حديث ابن عباس، وصححه ابن السكن وابن خزيمة وابن حبان. وقال الترمذي: رُوي مرفوعًا وموقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء ومداره على عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عباس. واختلف في رفعه ووقفه ورجح الموقوف النسائي والبيهقي وابن الصلاح والمنذري والنووي، وزاد أن رواية الرفع ضعيفة، وفي إطلاق ذلك نظر، فإن عطاء بن السائب صدوق، وإذا رُوي عنه الحديث مرفوعًا تارة وموقوفًا أخرى فالحكم عند هؤلاء الجماعة للرفع، والنووي ممن يعتمد ذلك ويكثر منه، ولا يلتفت إلى تعليل الحديث به إذا كان الرافع ثقة فيجيء على طريقته أن المرفوع صحيح، فإن اعتل عليه بأن عطاء بن السائب اختلط ولا تقبل إلا رواية من رواه عنه قبل اختلاطه، أجيب بأن الحاكم أخرجه من رواية سفيان الثوري عنه، والثوري ممن سمع قبل اختلاطه باتفاق، وإن كان الثوري قد اختلف عليه في وقفه ورفعه. فعلى طريقتهم تقدم رواية الرفع أيضًا، والحق أنه.

стр. 4092

٢٦٠١ – (١٧) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : " نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضًا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم ". ــ من رواية سفيان موقوف، ووهم عليه من رفعه وقد بسط الحافظ الكلام ها هنا، من شاء الوقوف فليرجع إلى التلخيص (ص ٤٧) . ٢٦٠١- قوله (وهو أشد بياضًا من اللبن) جملة حالية (فسودته خطايا بني آدم) أي صارت ذنوب بني آدم الذين يمسحون الحجر سببًا لسواده، واللفظ المذكور للترمذي، ولأحمد ((الحجر الأسود من الجنة، وكان أشد بياضًا من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك)) . وفي رواية الطبراني ((الحجر الأسود من حجارة الجنة وما في الأرض من الجنة غيره، وكان أبيض كالمها (مقصورًا جمع مهاة وهي البلورة) ولولا ما مسه من رجس الجاهلية ما مسه ذو عاهة إلا برئ)) والحديث محمول على ظاهره إذ لا مانع نقلاً ولا عقلاً، فالركن الأسود حجر من حجارة الجنة حقيقة، وليس فيه غرابة وبعد واستحالة، والحديث صحيح كما قال الترمذي وغيره، وله شواهد كما ستعرف، وأوله بعض الشراح بإرادة المبالغة في تعظيم شأن الحجر وتفظيع أمر الخطايا والذنوب، والمعنى أن الحجر لما فيه من الشرف والكرامة واليمن والبركة يشارك جواهر الجنة فكأنه نزل منها. قال القاضي البيضاوي: لعل هذا الحديث جار مجرى التمثيل والمبالغة في تعظيم شأن الحجر وتفظيع أمر الخطايا والذنوب، والمعنى أن الحجر لما فيه من الشرف والكرامة وما فيه من اليمن والبركة شارك جواهر الجنة فكأنه نزل منها، وأن خطايا بني آدم تكاد تؤثر في الجماد فيجعل المبيض منها مسودًا فكيف فكيف بقلوبهم (يعني ففيه تخويف وتنبيه، فإن الرجل إذا علم أن الذنب يسود الحجر خاف أن يسود بدنه بشؤم ذنوبه ويذهب نور الإيمان) أو لأنه من حيث أنه مكفر للخطايا محاء للذنوب لما رُوي عن ابن عمر مرفوعًا (كما سيأتي) ((إن مسحهما كفارة للخطايا)) كأنه من الجنة وكثرة تحمله أوزار بني آدم صار كأنه كان ذا بياض شديد فسودته الخطايا، وقيل: في هذا الحديث امتحان إيمان الرجل، فإن كان كامل الإيمان يقبل هذا ولا يتردد وإن كان ضعيف الإيمان يتردد والكافر ينكر، وقال التوربشتي: هذا الحديث محتمل أن يراد منه ما دل عليه الظاهر ومحتمل أن يأول على ما يستقيم عليه المعنى من باب الاتساع، ولسنا نرى بحمد الله تعالى خلاف الظواهر في السنن إلا إذا عارضه من السنن الثوابت ما يحوج إلى التأويل أو وجدنا اللفظ في كلامهم بين الأمر في المجاز والاستعارة فسلكنا به ذلك المسلك، وإذ قد عرفنا من أصل الدين بالنصوص الثابتة أن الجنة وما احتوت عليه من الجواهر مباينة لما خلق في هذه الدار الفانية في حكم الزوال والفناء وإحاطة الآفات بها، فإن ذلك خلق خلقًا محكمًا غير قابل لشيء من ذلك، وقد وجدنا الحجر أصابه الكسر حتى صار فلقًا، وذلك من أقوى أسباب الزوال لم نستعبد فيه مذهب التأويل

стр. 4093

............................................................................................. ــ وذلك بأن نقول: جعل الحجر لما وضع فيه من الأنس والهيبة واليمن والكرامة كالشيء الذي نزل من الجنة وأراد به مشاركته جواهر الجنة في بعض أوصافها كأنه نزل من الجنة، ومثله قوله ﷺ ((العجوة من الجنة)) وقد علمنا أنه أراد بذلك مشاركتها ثمار الجنة في بعض ما جعل فيها من الشفاء والبركة بدعائه ﷺ بذلك فيها ولم يرد ثمار الجنة نفسها للاستحالة التي شاهدنا فيها كاستحالة غيرها من الأطعمة ولخلوها من النعوت والصفات الواردة في ثمار الجنة، وتأويل قوله ((نزل من الجنة)) أي الصفات الموهوبة لها كأنها من الجنة. قال الله تعالى: ﴿وأنزلنا الحديد﴾ (٥٧: ٢٥) وقال: ﴿وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج﴾ (٣٩: ٦) فحمل الإنزال على معنى القضاء والقسمة، ومنهم من ذهب فيه إلى معنى الخلق، ومنهم من قال إنه أقام إنزال الأسباب فيها مقام إنزالها نفسها. وأما قوله ﷺ : ((وهو أشد بياضًا من اللبن)) . فمعناه أن الحجر كان من الصفاء والنورانية على هذا النعت فسودته خطايا بني آدم، ومعنى هذا القول – والله أعلم – أن كون بني آدم خطائين مقتحمين على موارد الهلكات، اقتضي أن يكون الحجر على الشاكلة التي هو عليها من السواد لئلا يتسارع إليهم المقت والعقوبة من الله تعالى، فإن كل من شاهد آية خارقة للعادة ثم بخس بحقها استحق الطرد من الله فأضيف التسويد إلى الخطايا لأنها كانت السبب في ذلك. ومن الدليل على هذا التأويل قوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمر الآتي ((إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما)) الحديث. فالذي طمس نورهما هو الله حكمة بالغة منه في الشيء الذي ذكرناه. ثم لمعنى آخر وهو كونه أتم فائدة في حال المكلفين، لأنه إذا عظموه حق تعظيمه من غير مشاهدة آية باهرة صح إيمانهم بالغيب، وذلك من أعلى مقامات أهل الإيمان فيكون من أجدى الأشياء في محور الخطايا وتمحيص الذنوب، وذلك إحدى المعنيين في إضافة التسويد إلى الخطايا لاقتضاءها ذلك من طريق الحكمة. وقال بعض الفضولية: إنه لو كان هذا الذي رووه من تسويد خطايا بني آدم الحجر واقعًا لتناقلته الأمم في عجائب الأخبار، ولقد أجبت عن ذلك في كتاب المناسك وأعطيت القول حقه في موضعين منه، ولم أرد ترديد القول ها هنا إيثار للاختصار – انتهى. قلت: لا ملجئ للتأويل الذي ذكره القاضي والتوربشتي بل يحمل الحديث على ظاهره، إذ لا مانع من ذلك عقلاً ولا سمعًا لاسيما وقد جاء هذا الحديث عند الطبراني بلفظ يبعد التأويل كما تقدم، قال الشيخ عبد الحق الدهلوي: ولعمري ما في الحديث ما يخالف الدليل القاطع الحاكم باستحالته حتى يجب تأويله وصرفه عن ظاهره، أما النزول من الجنة فلا استحالة فيه فإن الجنة فيها جواهر، فيمكن أن الله أنزل منها شيئًا إلى الأرض حتى يحمل الإنزال على معنى القضاء والقسمة أو معنى الخلق أو إقامة إنزال الأسباب فيها مقام إنزالها نفسها كما في قوله تعالى: ﴿وأنزلنا الحديد﴾ ﴿وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج﴾ وأما قولهم إنا قد عرفنا بالنصوص الثابتة أن الجنة وما احتوت عليه من الجواهر مباينة لما خلق في هذه الدار الفانية في الخواص (إلى آخر ما قالوا) فنقول: يمكن أن يكون فقدان خواص الجنة لنزوله إلى هذه الدار وسراية أحوالها وأحكامها إليه ويستأنس له بما يأتي من حديث عبد الله بن عمر

стр. 4094

رواه أحمد، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح. ــ ((إن الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما ولو لم يطمس نورهما لأضاء ما بين المشرق والمغرب)) . وكما قالوا في الجواب عن أقوال الزائغين في كون ما بين قبر النبي ﷺ ومنبره روضة من رياض الجنة، على تقدير كونه محمولاً على الحقيقة أنه لو كان من الجنة لما نجوع ونظمأ فيها. وكما في عكس هذه الصورة من صعود بعض الأنبياء في السماء من عدم انحلال قواهم وفساد مزاجهم وتغير أحوالهم كما في الدنيا، فليكن ها هنا كذلك، والله على كل شيء قدير. ومثل هذا الكلام في قوله ((أشد بياضًا فسودته خطايا بني آدم)) بأن يكون في ابتداء نزوله أبيض، ثم جعل لذنوب بني آدم ومس أيديهم خاصية وسببية في تسويده. وأما قول بعض الزائغين بأنه لو كان هذا الذي رووه من تسويد خطايا بني آدم الحجر واقعًا لتناقلته الأمم في عجائب الأخبار فساقط من درجة الاعتبار، ولا استبعاد فيه، نعم لو قيل: المراد هو الظاهر ولكن يحتمل أن يكون إشارة إلى معنى مناسب لم يستعبد. ثم ذكر الشيخ الدهلوي ما قيل في تأويل الحديث مما سبق في كلام القاضي والتوربشتي، ثم قال: وهذا كله تأويلات وتمحلات من النفس ناشئة من ضيق دائرة الإيمان ومن شرح الله صدره للإيمان ووسع دائرة المعرفة لصدقه ويقول: آمنا به، والله على كل شيء قدير، غايته أن يقال: إن المراد هو الظاهر، ويحتمل – والله أعلم – أن يكون المراد ما ذكرنا من المعاني المتناسبة فافهم، وبالله التوفيق. تنبيه: قال المحب الطبري: قد اعترض بعض الملحدة فقال: كيف يسود الحجر خطايا أهل الشرك ولا يبيضه توحيد أهل الإيمان؟ والجواب عنه من ثلاثة أوجه، الأول: ما تضمنه حديث ابن عباس (عند الأزرقي) أن الله إنما طمس نوره ليستر زينته عن الظلمة، وكأنه لما تغيرت صفته التي كانت كالزينة له بالسواد كان ذلك السواد له كالحجاب المانع من الرؤية، وإن رُؤي جرمه، إذ يجوز أن يطلق عليه أنه غير مريء كما يطلق على المرأة المستترة بثوب أنها غير مرئية. قال الحافظ بعد ذكر هذا الجواب مختصرًا: أخرجه (أي حديث ابن عباس الذي أشار إليه الطبري) الحميدي في فضائل مكة بإسناد ضعيف – انتهى. الثاني: أجاب به ابن حبيب فقال: لو شاء الله لكان ذلك وما علمت أيها المعترض أن الله تعالى أجر العادة بأن السواد يصبغ ولا ينصبغ والبياض ينصبغ ولا يصبغ. والثالث: أن يقال بقاؤه أسود – والله أعلم – إنما كان للاعتبار، وليعلم أن الخطايا إذا أثرت في الحجر فتأثيرها في القلوب أعظم – انتهى. (رواه أحمد) (ج ١: ص ٣٠٧، ٣٢٩) (والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح) قال الحافظ في الفتح بعد نقل تصحيح الترمذي: وفيه عطاء بن السائب وهو صدوق لكنه اختلط، وجرير ممن سمع منه بعد اختلاطه، لكن له طريق أخرى في صحيح ابن خزيمة فيقوى بها. وقد رواه النسائي من طريق حماد بن سلمة عن عطاء مختصرًا ولفظه ((الحجر الأسود من الجنة)) وحماد ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط، وله شاهد من حديث أنس عند الحاكم أيضًا - انتهى كلام

стр. 4095

٢٦٠٢ – (١٨) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ في الحجر: " والله ليبعثنه الله يوم القيامة، له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق ". رواه الترمذي، ــ الحافظ. قلت: حديث ابن عباس رواه أحمد من طريق حماد بن سلمة عن عطاء مطولاً كالترمذي كما تقدم فهو صحيح. وحديث أنس أخرجه الحاكم (ج ١: ص ٤٥٦) من طريق داود بن الزبرقان عن أيوب السختياني عن قتادة عن أنس مرفوعًا: ((الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة)) . وسكت عنه الحاكم، وقال الذهبي: داود بن الزبرقان قال أبو داود: متروك. رواه أحمد من طريق شعبة وقتادة عن أنس موقوفًا عليه بلفظ ((الحجر الأسود من الجنة)) . ورواه البزار والبيهقي (ج ٥: ص ٧٥) والطبراني في الأوسط مرفوعًا، وفيه عمر بن إبراهيم العبدي وثقة ابن معين وغيره وفيه ضعف قاله الهيثمي (ج ٣: ص ٢٤٢) . ٢٦٠٢ – قوله (قال رسول الله ﷺ في الحجر) أي في شأن الحجر الأسود ووصفه (ليبعثنه الله) أي ليظهرنه حال كونه (له عينان يبصر بهما) فيعرف من استلمه (ولسان ينطق به) . قال التوربشتي: البعث نشر الموتى، ولما كان الحجر من جملة الموات أعلم نبي الله ﷺ أن الله قد قدر أن يهب له حياة يوم القيامة يستعد به للنطق، ويجعل له آلة يتميز بها بين المشهود له وغيره، وآلة يشهد به. شبه حاله بالأموات الذين كانوا رفاتًا فبعثوا لاستواء كل واحد منهما في انعدام الحياة أولاً ثم في حصوله ثانيًا (يشهد على من استلمه بحق) أي متلبسًا بحق وهو دين الإسلام، واستلامه بحق هو طاعة الله وإتباع سنة نبيه لا تعظيم الحجر نفسه، والشهادة عليه هي الشهادة على أدائه حق الله المتعلق به، وليست ((على)) للضرر، قاله السندي. وقال العراقي ((على)) هذا بمعنى اللام، وقال التوربشتي: المستلم بحق هو المؤمن بالله وبرسله؛ لوقوع فعله ذلك مطابقًا للأمر. قلت: قوله ((يشهد على من استلمه بحق)) كذا وقع عند الترمذي وابن ماجة وأحمد (ج ١: ص ٣٠٧) والدارمي والبيهقي (ج ٥: ص ٧٥) ولأحمد (ج ١: ص ٢٤٧، ٢٦٦، ٢٩١) وابن حبان والحاكم (ج ١: ص ٤٥٧) والدرامي والبيهقي في رواية ((يشهد لمن استلمه)) أي باللام. قال العراقي. والباء في ((بحق)) يحتمل تعليقها بيشهد أو باستلمه. وقال الشيخ الدهلوي في اللمعات: كلمة ((على)) باعتبار تضمين معنى الرقيب والحفيظ، وقوله ((بحق)) متعلق باستلمه أي استلمه إيمانًا وإحتسابًا، ويجوز أن يتعلق بيشهد، وهذا الحديث أيضًا محمول على ظاهره، فإن الله تعالى قادر على إيجاد البصر والنطق في الجمادات فإن الأجسام متشابهة في الحقيقة يقبل كل منها ما يقبل الآخر من الأعراض، ويأوله الذين في قلوبهم زيغ التفلسف. والله العاصم – ويقولون: إن ذلك كناية عن تحقيق ثواب المستلم وأن سعيه لا يضيع، والعجب من البيضاوي أنه قال: إن الأغلب على الظن أن المراد هذا وإن لم يمتنع حمله على الظاهر، ولا عجب فإنه مجبول على التفلسف في تفسير القرآن وشرح الأحاديث تجاوز الله عنه – انتهى كلام الشيخ (رواه الترمذي)

стр. 4096

وابن ماجة، والدارمي. ٢٦٠٣ – (١٩) وعن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الركن والمقام ــ في أواخر الحج وقال: هذا حديث حسن (وابن ماجة والدارمي) وأخرجه أيضًا أحمد وابن خزيمة في صحيحه وابن حبان كما في موارد الظمآن، والحاكم والبيهقي، قال الحافظ في الفتح: وفي صحيح ابن خزيمة عن ابن عباس مرفوعًا ((إن لهذا الحجر لسانًا وشفتين يشهدان لمن استلمه يوم القيامة بحق)) وصححه أيضًا ابن حبان والحاكم – انتهى. وللطبراني في الكبير عن ابن عباس مرفوعًا ((يبعث الله الحجر الأسود والركن اليماني يوم القيامة ولهما عينان ولسان وشفتان يشهدان لمن استلمهما بالوفاء)) قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير من طريق بكر بن محمد القرشي عن الحارث بن غسان وكلاهما لم أعرفه - انتهى. وللحديث شاهد من حديث عبد الله بن عمرو، رواه أحمد (ج ٢: ص ٢١١) والطبراني في الأوسط مرفوعًا، قال: ((يأتي الركن يوم القيامة أعظم من أبي قبيس، له لسان وشفتان)) قال الهيثمي: وزاد الطبراني ((يشهد لمن استلمه بالحق، وهو يمين الله يصافح بها خلقه)) وفيه عبد الله بن المؤمل، وثقه ابن حبان وقال: يخطئ، وفيه كلام وبقية رجاله رجال الصحيح، ورواه الحاكم في المستدرك (ج ١: ص ٤٥٧) من طريق عبد الله بن المؤمل مطولاً كرواية الطبراني، وصححه الحاكم. وقال الذهبي: عبد الله بن المؤمل واه. قال الشيخ أحمد شاكر: هذا غلو من الحافظ الذهبي – انتهى. وقد ظهر بهذا كله أن حديث ابن عباس الذي نحن في شرحه وإن اقتصر الترمذي على تحسينه فهو صحيح. ٢٦٠٣- قوله (وعن ابن عمر) كذا في جميع نسخ المشكاة الموجودة عندنا، وهكذا وقع في المصابيح وهو خطأ والصواب ((عبد الله بن عمرو)) فالحديث من مرويات عبد الله بن عمرو بن العاص كما وقع عند الترمذي وغيره ممن أخرجه، وهكذا ذكره الجزري في جامع الأصول (ج ١٠: ص ١٧٦) (إن الركن والمقام) المراد بالركن هنا الحجر الأسود كما في رواية أحمد (ج ٢: ص ٢١٤) وبالمقام مقام إبراهيم ﵇، وهو الحجر الذي كان إبراهيم ﵇ يقوم عليه عند بناء البيت فقال ابن كثير في تفسيره (ج ١: ص ١٧٥) في تفسير قوله تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ (٢: ١٢٥) بعد ذكر روايات صلاته ﷺ ركعتي الطواف خلف المقام: فهذا كله يدل على أن المراد بالمقام إنما هو الحجر الذي كان إبراهيم ﵇ يقوم عليه لبناء الكعبة، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل ﵇ به ليقوم فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار. وكلما كمل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى يطوف حول الكعبة وهو واقف عليه (وكان الحجر يرتفع بارتفاع الجدار عند البناء، وكلما احتاج إلى قدر من الارتفاع كان يرتفع بإذن الله تعالى) وكلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها، وهكذا حتى تم جدارن الكعبة، وكانت

стр. 4097

ياقوتتان. من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولو لم يطمس نورهما لأضاء ما بين المشرق والمغرب ". ــ آثار قدميه ظاهرة فيه، ولم يزل هذا معروفًا تعرفه العرب في جاهليتها، ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المعروفة اللامية: وموطئي إبراهيم في الصخر رطبة _ ... على قدميه حافيًا غير ناعل إلى آخر ما ذكر، وذكره الحافظ في الجزء الثامن عشر من الفتح نقلاً عن ابن الجوزي، وقد أدرك المسلمون ذلك فيه أيضًا كما روى عبد الله بن وهب في موطأه عن أنس والطبري في تفسيره عن قتادة. تنبيه: قد وضع الملك فيصل بن عبد العزيز حفظه الله بعد عصر يوم السبت ثامن عشر رجب سنة ١٣٨٧ هـ المقام بداخل زجاج محاط بشباك صغير على هيأة منارة صغيرة طلبًا للتوسعة على الطائفين، وذلك بعد ما أزيلت الأعمدة والشباك الكبير وسقفهما الذي على المقام، فجزاه الله أحسن الجزاء، وصار المقام بعمله هذا بحيث يشاهد كل أحد فيه أثر قدمي إبراهيم ﵇ غائصًا، فلله الحمد. تنبيه آخر: كان المقام من عهد إبراهيم لزق البيت إلى أن أخره عمر ﵁ إلى المكان الذي هو فيه الآن، أخرجه عبد الرزاق في مصنفه بسند صحيح عن عطاء وغيره وعن مجاهد أيضًا، وأخرج البيهقي عن عائشة مثله بسند قوي، ولفظه ((إن المقام كان في زمن النبي ﷺ وفي زمن أبي بكر ملتصقًا بالبيت ثم أخرجه عمر)) وأخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن مجاهد أن النبي ﷺ هو الذي حوله، والأول أصح، ولم تنكر الصحابة فعل عمر ولا من جاء بعدهم فصار إجماعًا، وكان عمر رأى أن إبقاءه يلزم منه التضييق على الطائفين أو على المصلين فوضعه في مكان يرتفع به الحرج وتهيأ له ذلك، لأنه الذي كان أشار باتخاذه مصلى، وأول من عمل عليه المقصورة الموجودة الآن، كذا في الفتح. وارجع للتفصيل إلى تفسير ابن كثير، وإلى القرى (ص ٣٠٨) لمحب الدين الطبري. تنبيه ثالث: قال ابن جاسر: إذا حصل على الطائفين زحام من جهة مقام إبراهيم فإنه يسوغ تأخيره بقدر إزالة الضرر، لأن المقام ليس هو البقعة التي هو بها الآن، وإنما هو نفس الحجر، والله أعلم (ياقوتتان من ياقوت الجنة) قال القاري: المراد به الجنس فالمعنى أنهما من يواقيت الجنة. قلت: وقع عند ابن حبان والبيهقي في رواية والحاكم ((من يواقيت الجنة)) (طمس الله نورهما) أي أذهبه. قال القاري: أي بمساس المشركين لهما، ولعل الحكم في طمسهم ليكون الإيمان غيبيًا لا عينيًا، وقال الشاه ولي الدهلوي: يحتمل أن يكونا من الجنة في الأصل فلما جعلا في الأرض اقتضت الحكمة أن يرعى فيهما حكم نشأة الأرض فطمس نورهما (ولو لم يطمس) على بناء الفاعل، ويجوز أن يكون على بناء المفعول (لأضاء) كذا في طبعات الهند بصيغة الإفراد أي لأضاء كل واحد، أو هو لازم أي لاستنار بهما (ما بين المشرق والمغرب) وفي النسخ المصرية ((لأضاءا)) أي بالتثنية، وهكذا وقع في المصابيح، وفي رواية للحاكم، ولأحمد، وللترمذي وابن حبان والبيهقي ((لأضاءتا)) بصيغة التثنية للمؤنث أي لأنارتاه، فأضاء متعد. قال التوربشتي: لما كان الياقوت من

стр. 4098

رواه الترمذي. ٢٦٠٤ – (٢٠) وعن عبيد بن عمير، أن ابن عمر كان يزاحم على الركنين زحامًا ما رأيت ــ أشرف الأحجار ثم كان بعد ما بين ياقوت هذه الدار الفانية وياقوت الجنة أكثر مما بين الياقوت وغيره من الأحجار أعلمنا النبي ﷺ أنها من ياقوت الجنة لنعلم أن المناسبة الواقعة بينهما وبين الأجزاء الأرضية في الشرف والكرامة والخاصية المجعولة لهما كما بين ياقوت الجنة وسائر الأحجار، وذلك مما لا يدرك بالقياس. وقال الشيخ الدهلوي: قوله ((ياقوتتان من ياقوت الجنة)) هذا أيضًا يؤلونه بأن المراد بيان شرفهما وكرامتهما لأن الياقوت من أشرف الأحجار ولا بد أن يكون ياقوت الجنة أشرف وأجود من ياقوت الدنيا، فكأنه قال كأنهما ياقوتتان من الجنة – انتهى. قال القاري: والحديث لا ينافي ما صح أيضًا ((ولولا ما مسهما من خطايا بني آدم لأضاءا ما بين المشرق والمغرب فإنهما لما مستهما تلك الخطايا طمس الله نورهما)) (رواه الترمذي) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٢: ص ٣١٣، ٣١٤) وابن حبان في صحيحه وفي الثقات والحاكم (ج ١: ص ٢٥٦) والبيهقي (ج٥: ص ٧٥) والدولابي في الكنى كلهم من طريق رجاء بن صبيح أبي يحيى عن مسافع بن شيبة الحجي عن عبد الله بن عمرو بن العاص. قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث مرفوعًا: أخرجه أحمد والترمذي، وفي إسناده رجاء أبو يحيى وهو ضعيف، قال الترمذي: حديث غريب، ويروى عن عبد الله بن عمرو موقوفًا. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: وقفه أشبه، والذي رفعه ليس بقوي – انتهى. وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند: إسناد هذا الحديث صحيح، وبسط الكلام في الرد على الترمذي وفي تصحيح هذا الحديث، وفي الباب عن أنس أخرجه الحاكم مختصرًا وقد تقدم. ٢٦٠٤ – قوله (وعن عبيد بن عمير) بالتصغير فيهما، وهو عبيد بن عمير بن قتادة الليثي ثم الجندي أبو عاصم المكي قاص أهل مكة، ذكر البخاري أنه رأى النبي ﷺ ، وذكره مسلم فيمن ولد على عهد رسول الله ﷺ ، وهو معدود في كبار التابعين، سمع عمر بن الخطاب وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وعائشة أم المؤمنين وأبا ذر وغيرهم، وروى عنه ابنه عبد الله وعطاء ومجاهد وعمرو بن دينار وغيرهم، وهو مجمع على ثقته، مات قبل ابن عمر. وقال ابن حبان في الثقات: مات سنة (٦٨) ولأبيه عمير بن قتادة صحبة ورواية (أن ابن عمر كان يزاحم) أي يغالب الناس (على الركنين) أي الحجر الأسود والركن اليماني (زحامًا) قال الطيبي: أي زحامًا عظيمًا، وهو يحتمل أن يكون في جميع الأشواط أو الشوطين الأول والآخر فإنهما آكد أحوالها. وقد قال الشافعي في الأم: ولا أحب الزحام في الاستلام إلا في بدء الطواف وآخره ولكن أريد به ما لا يتأذى به أحد أي ازدحامًا لا يحصل فيه أذى لأحد قوله ﷺ لعمر: إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبله وهلل وكبر. رواه الشافعي وأحمد (ما رأيت

стр. 4099

أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ يزاحم عليه، قال: إن أفعل فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن مسحهما كفارة للخطايا ". وسمعته يقول: " من طاف بهذا البيت أسبوعًا فأحصاه، كان كعتق رقبة ". وسمعته يقول: " لا يضع قدمًا ولا يرفع أخرى إلا حط ــ أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ يزاحم عليه) أي على ما ذكر أو على كل واحد، وقد جاء أنه ربما دمي أنفه من شدة تزاحمه، وكأنهم تركوه لما يترتب عليه من الأذى، فالافتداء بفعلهم سيما هذا الزمان أولى، قاله القاري. قلت: روى الشافعي في مسنده وأبو ذر عن القاسم بن محمد قال: رأيت ابن عمر يزاحم على الحجر حتى يدمى أنفه أو فوه. وروى سعيد بن منصور نحوه، وروى أبو الوليد الأزرقي عن نافع أن ابن عمر كان لا يدعهما حتى يستلمهما، ولقد زاحم على الركن مرة في شدة الزحام حتى رعف فخرج فغسل عنه فعاد فزاحم فلم يصل إليه حتى رعف الثانية فخرج يغسل عنه ثم رجع فما تركه حتى استلم. وروي عن نافع أيضًا قال: لقد رأيت ابن عمر يزاحم مرة حتى انبهر فتنحى فجلس في ناحية حتى استراح وعاد فلم يدعه حتى استلمه. وقوله ((انبهر)) هو من البهر بضم الباء، وهو ما يعتري الإنسان عند السعي الشديد والمزاحمة من النهيج وتتابع النفس. وروى سعيد بن منصور من غير طريق القاسم أنه قيل لابن عمر في ذلك فقال: هوت الأفئدة إليه فأريد أن يكون فؤادي معهم. وروى الفاكهي والبيهقي من طرق عن ابن عباس كراهة المزاحمة وقال: لا يؤذي (قال) أي ابن عمر استلالاً لفعله، وقال الطيبي: أي اعتذارًا (إن أفعل) أي هذا الزحام فلا ألام، فإن شرطية، والجزاء مقدر، ودليل الجواب قوله: فإني سمعت رسول الله ﷺ ، إلخ. قاله القاري. وقال الشيخ الدهلوي في اللمعات: أي إن أزاحم فلا تنكروا علي، فإني سمعت رسول الله ﷺ في فضل استلامهما، فإني لا أطيق الصبر عنه، وفيه الحرص على الفضائل وارتكاب التعب والمشقة في تحصليها (كفارة للخطايا) وعند أحمد وابن حبان والبيهقي ((يحط الخطايا)) أي يسقطها، وهو كناية عن غفران الذنوب (وسمعته) أي رسول الله ﷺ أيضًا (أسبوعًا) أي سبع مرات، ومنه قيل أسبوعًا للأيام السبعة، ويقال له سبوع بلا ألف على لغة قليلة، قال في المجمع: طاف أسبوعًا أي سبع مرات، والأسبوع الأيام السبعة، وسبوع بلا ألف لغية – انتهى. وقال القاري: أي سبعة أشواط كما في رواية (فأحصاه) قال السيوطي: أي لم يأت فيه بزيادة أو نقص. وقيل أي حافظ على وجباته وسننه وآدابه. وقال القاري: أن يكمله ويراعي ما يعتبر في الطواف من الشروط والآداب (كان كعتق رقبة) ولفظ أحمد ((من طاف أسبوعًا يحصيه وصلى ركعتين كان له كعدل رقبة)) والمعنى أن من طاف وصلى ركعتين بعد الطواف بالشروط المعتبرة كان له مثل إعتاق رقبة في الثواب (لا يضع) أي الطائف (قدمًا ولا يرفع أخرى) قال القاري: الظاهر لا يرفعها فكأنه عد أخرى باختلاف وصف الوضع والرفع، والتقدير: لا يضع قدمًا مرة ولا يرفع قدمًا مرة أخرى – انتهى. وعند أحمد ((ما رفع رجل قدمًا ولا وضعها)) (يعني في الطواف) (إلا حط

стр. 4100

الله عنه بها خطيئة، وكتب له بها حسنة ". رواه الترمذي. ٢٦٠٥- (٢١) وعن عبد الله بن السائب، قال سمعت رسول الله ﷺ ، يقول ما بين الركنين: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ . رواه أبو داود. ــ الله عنه بها) أي إلا وضع الله ومحا عن الطائف بكل قدم أو بكل مرة من الوضع والرفع (خطيئة وكتب له بها حسنة) زاد ابن حبان ((ورفع له بها درجة)) ولأحمد ((إلا كتب له عشر حسنات وحط عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات)) (رواه الترمذي) وقال: هذا حديث حسن. أخرجه أيضًا أحمد (ج ٢: ص ٣) وابن خزيمة في صحيحه والحاكم (ج ١: ص ٤٨٩) وصححه ووافقه الذهبي، ورواه أحمد أيضًا (ج ٢: ص ١١) والنسائي وابن حبان والبيهقي وابن ماجة مختصرًا أي بعضه، رووه كلهم من طريق عطاء بن السائب عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه عن ابن عمر، وعطاء صدوق لكنه اختلط، وجرير (عند الترمذي والحاكم) وهشيم (عند أحمد) ممن سمع منه بعد اختلاطه لكن له طريق أخرى أيضًا فيتقوى بها، فقد رواه أحمد (ج ٢: ص ١١) وابن حبان كما في موارد الظمآن من طريق سفيان الثوري والنسائي من طريق حماد بن زيد كلاهما عن عطاء بن السائب، وقد سمعا منه قبل الاختلاط. ٢٦٠٥ – قوله (وعن عبد الله بن السائب) المخزومي المكي، له ولأبيه صحبة، وكان قارئ أهل مكة. تقدم ترجمته (ما بين الركنين) أي الحجر الأسود والركن اليماني كما في رواية لأحمد. وللحاكم ((فيما بين ركن بني جمح والركن الأسود)) وهكذا وقع في رواية أخرى لأحمد، وركن بني جمح هو اليماني ونسب إليهم لأن بيوتهم كانت إلى جهته وبنو جمح بطن من قريش، وكان بالمسجد باب يسمى بباب بني جمح لذلك (ربنا) منصوب بحذف حرف النداء (آتنا) من الإيتاء أي أعطنا (في الدنيا حسنة) أي العلم والعمل أو العفو والعافية والرزق الحسن أو حياة طيبة أو القناعة أو ذرية صالحة أو المرأة الصالحة الحسناء (وفي الآخرة حسنة) أي المغفرة والجنة والدرجات العالية أو مرافقة الأنبياء أو الرضا أو الرؤية واللقاء، وقيل الحور العين. وقيل في تفسير الحسنتين المذكورتين في الآية غير ذلك. قال القرطبي: والذي عليه أكثر أهل العلم أن المراد بالحسنتين نعيم الدنيا والآخرة. قال: وهذا هو الصحيح فإن اللفظ يقتضي هذا كله، فإن حسنة نكرة في سياق الدعاء فهو محتمل لكل حسنة من الحسنات على البدل، وحسنة الآخرة الجنة بإجماع – انتهى. (وقنا) أي احفظنا واكفنا، وأصله ((إوقنا)) حذفت الواو كما حذفت في ((يقي)) لأنها بين ياء وكسرة مثل يعد، هذا قول البصريين (عذاب النار) أي شدائد جهنم من حرها وزمهريرها وسمومها وغير ذلك، وقيل المراد بعذاب النار المرأة السليطة، والظاهر أن المراد جميع أنواع العقاب وأصناف العتاب. والحديث يدل على مشروعية الدعاء بالآية المذكورة في الطواف بين الركنين اليمانيين (رواه أبو داود) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٣: ص ٤١١) وابن حبان والحاكم
следующие страницы →