← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

وابن ماجة، والدارمي. ٢٦٠٣ – (١٩) وعن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الركن والمقام ــ في أواخر الحج وقال: هذا حديث حسن (وابن ماجة والدارمي) وأخرجه أيضًا أحمد وابن خزيمة في صحيحه وابن حبان كما في موارد الظمآن، والحاكم والبيهقي، قال الحافظ في الفتح: وفي صحيح ابن خزيمة عن ابن عباس مرفوعًا ((إن لهذا الحجر لسانًا وشفتين يشهدان لمن استلمه يوم القيامة بحق)) وصححه أيضًا ابن حبان والحاكم – انتهى. وللطبراني في الكبير عن ابن عباس مرفوعًا ((يبعث الله الحجر الأسود والركن اليماني يوم القيامة ولهما عينان ولسان وشفتان يشهدان لمن استلمهما بالوفاء)) قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير من طريق بكر بن محمد القرشي عن الحارث بن غسان وكلاهما لم أعرفه - انتهى. وللحديث شاهد من حديث عبد الله بن عمرو، رواه أحمد (ج ٢: ص ٢١١) والطبراني في الأوسط مرفوعًا، قال: ((يأتي الركن يوم القيامة أعظم من أبي قبيس، له لسان وشفتان)) قال الهيثمي: وزاد الطبراني ((يشهد لمن استلمه بالحق، وهو يمين الله يصافح بها خلقه)) وفيه عبد الله بن المؤمل، وثقه ابن حبان وقال: يخطئ، وفيه كلام وبقية رجاله رجال الصحيح، ورواه الحاكم في المستدرك (ج ١: ص ٤٥٧) من طريق عبد الله بن المؤمل مطولاً كرواية الطبراني، وصححه الحاكم. وقال الذهبي: عبد الله بن المؤمل واه. قال الشيخ أحمد شاكر: هذا غلو من الحافظ الذهبي – انتهى. وقد ظهر بهذا كله أن حديث ابن عباس الذي نحن في شرحه وإن اقتصر الترمذي على تحسينه فهو صحيح. ٢٦٠٣- قوله (وعن ابن عمر) كذا في جميع نسخ المشكاة الموجودة عندنا، وهكذا وقع في المصابيح وهو خطأ والصواب ((عبد الله بن عمرو)) فالحديث من مرويات عبد الله بن عمرو بن العاص كما وقع عند الترمذي وغيره ممن أخرجه، وهكذا ذكره الجزري في جامع الأصول (ج ١٠: ص ١٧٦) (إن الركن والمقام) المراد بالركن هنا الحجر الأسود كما في رواية أحمد (ج ٢: ص ٢١٤) وبالمقام مقام إبراهيم ﵇، وهو الحجر الذي كان إبراهيم ﵇ يقوم عليه عند بناء البيت فقال ابن كثير في تفسيره (ج ١: ص ١٧٥) في تفسير قوله تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ (٢: ١٢٥) بعد ذكر روايات صلاته ﷺ ركعتي الطواف خلف المقام: فهذا كله يدل على أن المراد بالمقام إنما هو الحجر الذي كان إبراهيم ﵇ يقوم عليه لبناء الكعبة، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل ﵇ به ليقوم فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار. وكلما كمل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى يطوف حول الكعبة وهو واقف عليه (وكان الحجر يرتفع بارتفاع الجدار عند البناء، وكلما احتاج إلى قدر من الارتفاع كان يرتفع بإذن الله تعالى) وكلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها، وهكذا حتى تم جدارن الكعبة، وكانت

стр. 4097

ياقوتتان. من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولو لم يطمس نورهما لأضاء ما بين المشرق والمغرب ". ــ آثار قدميه ظاهرة فيه، ولم يزل هذا معروفًا تعرفه العرب في جاهليتها، ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المعروفة اللامية: وموطئي إبراهيم في الصخر رطبة _ ... على قدميه حافيًا غير ناعل إلى آخر ما ذكر، وذكره الحافظ في الجزء الثامن عشر من الفتح نقلاً عن ابن الجوزي، وقد أدرك المسلمون ذلك فيه أيضًا كما روى عبد الله بن وهب في موطأه عن أنس والطبري في تفسيره عن قتادة. تنبيه: قد وضع الملك فيصل بن عبد العزيز حفظه الله بعد عصر يوم السبت ثامن عشر رجب سنة ١٣٨٧ هـ المقام بداخل زجاج محاط بشباك صغير على هيأة منارة صغيرة طلبًا للتوسعة على الطائفين، وذلك بعد ما أزيلت الأعمدة والشباك الكبير وسقفهما الذي على المقام، فجزاه الله أحسن الجزاء، وصار المقام بعمله هذا بحيث يشاهد كل أحد فيه أثر قدمي إبراهيم ﵇ غائصًا، فلله الحمد. تنبيه آخر: كان المقام من عهد إبراهيم لزق البيت إلى أن أخره عمر ﵁ إلى المكان الذي هو فيه الآن، أخرجه عبد الرزاق في مصنفه بسند صحيح عن عطاء وغيره وعن مجاهد أيضًا، وأخرج البيهقي عن عائشة مثله بسند قوي، ولفظه ((إن المقام كان في زمن النبي ﷺ وفي زمن أبي بكر ملتصقًا بالبيت ثم أخرجه عمر)) وأخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن مجاهد أن النبي ﷺ هو الذي حوله، والأول أصح، ولم تنكر الصحابة فعل عمر ولا من جاء بعدهم فصار إجماعًا، وكان عمر رأى أن إبقاءه يلزم منه التضييق على الطائفين أو على المصلين فوضعه في مكان يرتفع به الحرج وتهيأ له ذلك، لأنه الذي كان أشار باتخاذه مصلى، وأول من عمل عليه المقصورة الموجودة الآن، كذا في الفتح. وارجع للتفصيل إلى تفسير ابن كثير، وإلى القرى (ص ٣٠٨) لمحب الدين الطبري. تنبيه ثالث: قال ابن جاسر: إذا حصل على الطائفين زحام من جهة مقام إبراهيم فإنه يسوغ تأخيره بقدر إزالة الضرر، لأن المقام ليس هو البقعة التي هو بها الآن، وإنما هو نفس الحجر، والله أعلم (ياقوتتان من ياقوت الجنة) قال القاري: المراد به الجنس فالمعنى أنهما من يواقيت الجنة. قلت: وقع عند ابن حبان والبيهقي في رواية والحاكم ((من يواقيت الجنة)) (طمس الله نورهما) أي أذهبه. قال القاري: أي بمساس المشركين لهما، ولعل الحكم في طمسهم ليكون الإيمان غيبيًا لا عينيًا، وقال الشاه ولي الدهلوي: يحتمل أن يكونا من الجنة في الأصل فلما جعلا في الأرض اقتضت الحكمة أن يرعى فيهما حكم نشأة الأرض فطمس نورهما (ولو لم يطمس) على بناء الفاعل، ويجوز أن يكون على بناء المفعول (لأضاء) كذا في طبعات الهند بصيغة الإفراد أي لأضاء كل واحد، أو هو لازم أي لاستنار بهما (ما بين المشرق والمغرب) وفي النسخ المصرية ((لأضاءا)) أي بالتثنية، وهكذا وقع في المصابيح، وفي رواية للحاكم، ولأحمد، وللترمذي وابن حبان والبيهقي ((لأضاءتا)) بصيغة التثنية للمؤنث أي لأنارتاه، فأضاء متعد. قال التوربشتي: لما كان الياقوت من

стр. 4098

رواه الترمذي. ٢٦٠٤ – (٢٠) وعن عبيد بن عمير، أن ابن عمر كان يزاحم على الركنين زحامًا ما رأيت ــ أشرف الأحجار ثم كان بعد ما بين ياقوت هذه الدار الفانية وياقوت الجنة أكثر مما بين الياقوت وغيره من الأحجار أعلمنا النبي ﷺ أنها من ياقوت الجنة لنعلم أن المناسبة الواقعة بينهما وبين الأجزاء الأرضية في الشرف والكرامة والخاصية المجعولة لهما كما بين ياقوت الجنة وسائر الأحجار، وذلك مما لا يدرك بالقياس. وقال الشيخ الدهلوي: قوله ((ياقوتتان من ياقوت الجنة)) هذا أيضًا يؤلونه بأن المراد بيان شرفهما وكرامتهما لأن الياقوت من أشرف الأحجار ولا بد أن يكون ياقوت الجنة أشرف وأجود من ياقوت الدنيا، فكأنه قال كأنهما ياقوتتان من الجنة – انتهى. قال القاري: والحديث لا ينافي ما صح أيضًا ((ولولا ما مسهما من خطايا بني آدم لأضاءا ما بين المشرق والمغرب فإنهما لما مستهما تلك الخطايا طمس الله نورهما)) (رواه الترمذي) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٢: ص ٣١٣، ٣١٤) وابن حبان في صحيحه وفي الثقات والحاكم (ج ١: ص ٢٥٦) والبيهقي (ج٥: ص ٧٥) والدولابي في الكنى كلهم من طريق رجاء بن صبيح أبي يحيى عن مسافع بن شيبة الحجي عن عبد الله بن عمرو بن العاص. قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث مرفوعًا: أخرجه أحمد والترمذي، وفي إسناده رجاء أبو يحيى وهو ضعيف، قال الترمذي: حديث غريب، ويروى عن عبد الله بن عمرو موقوفًا. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: وقفه أشبه، والذي رفعه ليس بقوي – انتهى. وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند: إسناد هذا الحديث صحيح، وبسط الكلام في الرد على الترمذي وفي تصحيح هذا الحديث، وفي الباب عن أنس أخرجه الحاكم مختصرًا وقد تقدم. ٢٦٠٤ – قوله (وعن عبيد بن عمير) بالتصغير فيهما، وهو عبيد بن عمير بن قتادة الليثي ثم الجندي أبو عاصم المكي قاص أهل مكة، ذكر البخاري أنه رأى النبي ﷺ ، وذكره مسلم فيمن ولد على عهد رسول الله ﷺ ، وهو معدود في كبار التابعين، سمع عمر بن الخطاب وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وعائشة أم المؤمنين وأبا ذر وغيرهم، وروى عنه ابنه عبد الله وعطاء ومجاهد وعمرو بن دينار وغيرهم، وهو مجمع على ثقته، مات قبل ابن عمر. وقال ابن حبان في الثقات: مات سنة (٦٨) ولأبيه عمير بن قتادة صحبة ورواية (أن ابن عمر كان يزاحم) أي يغالب الناس (على الركنين) أي الحجر الأسود والركن اليماني (زحامًا) قال الطيبي: أي زحامًا عظيمًا، وهو يحتمل أن يكون في جميع الأشواط أو الشوطين الأول والآخر فإنهما آكد أحوالها. وقد قال الشافعي في الأم: ولا أحب الزحام في الاستلام إلا في بدء الطواف وآخره ولكن أريد به ما لا يتأذى به أحد أي ازدحامًا لا يحصل فيه أذى لأحد قوله ﷺ لعمر: إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبله وهلل وكبر. رواه الشافعي وأحمد (ما رأيت

стр. 4099

أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ يزاحم عليه، قال: إن أفعل فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن مسحهما كفارة للخطايا ". وسمعته يقول: " من طاف بهذا البيت أسبوعًا فأحصاه، كان كعتق رقبة ". وسمعته يقول: " لا يضع قدمًا ولا يرفع أخرى إلا حط ــ أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ يزاحم عليه) أي على ما ذكر أو على كل واحد، وقد جاء أنه ربما دمي أنفه من شدة تزاحمه، وكأنهم تركوه لما يترتب عليه من الأذى، فالافتداء بفعلهم سيما هذا الزمان أولى، قاله القاري. قلت: روى الشافعي في مسنده وأبو ذر عن القاسم بن محمد قال: رأيت ابن عمر يزاحم على الحجر حتى يدمى أنفه أو فوه. وروى سعيد بن منصور نحوه، وروى أبو الوليد الأزرقي عن نافع أن ابن عمر كان لا يدعهما حتى يستلمهما، ولقد زاحم على الركن مرة في شدة الزحام حتى رعف فخرج فغسل عنه فعاد فزاحم فلم يصل إليه حتى رعف الثانية فخرج يغسل عنه ثم رجع فما تركه حتى استلم. وروي عن نافع أيضًا قال: لقد رأيت ابن عمر يزاحم مرة حتى انبهر فتنحى فجلس في ناحية حتى استراح وعاد فلم يدعه حتى استلمه. وقوله ((انبهر)) هو من البهر بضم الباء، وهو ما يعتري الإنسان عند السعي الشديد والمزاحمة من النهيج وتتابع النفس. وروى سعيد بن منصور من غير طريق القاسم أنه قيل لابن عمر في ذلك فقال: هوت الأفئدة إليه فأريد أن يكون فؤادي معهم. وروى الفاكهي والبيهقي من طرق عن ابن عباس كراهة المزاحمة وقال: لا يؤذي (قال) أي ابن عمر استلالاً لفعله، وقال الطيبي: أي اعتذارًا (إن أفعل) أي هذا الزحام فلا ألام، فإن شرطية، والجزاء مقدر، ودليل الجواب قوله: فإني سمعت رسول الله ﷺ ، إلخ. قاله القاري. وقال الشيخ الدهلوي في اللمعات: أي إن أزاحم فلا تنكروا علي، فإني سمعت رسول الله ﷺ في فضل استلامهما، فإني لا أطيق الصبر عنه، وفيه الحرص على الفضائل وارتكاب التعب والمشقة في تحصليها (كفارة للخطايا) وعند أحمد وابن حبان والبيهقي ((يحط الخطايا)) أي يسقطها، وهو كناية عن غفران الذنوب (وسمعته) أي رسول الله ﷺ أيضًا (أسبوعًا) أي سبع مرات، ومنه قيل أسبوعًا للأيام السبعة، ويقال له سبوع بلا ألف على لغة قليلة، قال في المجمع: طاف أسبوعًا أي سبع مرات، والأسبوع الأيام السبعة، وسبوع بلا ألف لغية – انتهى. وقال القاري: أي سبعة أشواط كما في رواية (فأحصاه) قال السيوطي: أي لم يأت فيه بزيادة أو نقص. وقيل أي حافظ على وجباته وسننه وآدابه. وقال القاري: أن يكمله ويراعي ما يعتبر في الطواف من الشروط والآداب (كان كعتق رقبة) ولفظ أحمد ((من طاف أسبوعًا يحصيه وصلى ركعتين كان له كعدل رقبة)) والمعنى أن من طاف وصلى ركعتين بعد الطواف بالشروط المعتبرة كان له مثل إعتاق رقبة في الثواب (لا يضع) أي الطائف (قدمًا ولا يرفع أخرى) قال القاري: الظاهر لا يرفعها فكأنه عد أخرى باختلاف وصف الوضع والرفع، والتقدير: لا يضع قدمًا مرة ولا يرفع قدمًا مرة أخرى – انتهى. وعند أحمد ((ما رفع رجل قدمًا ولا وضعها)) (يعني في الطواف) (إلا حط

стр. 4100

الله عنه بها خطيئة، وكتب له بها حسنة ". رواه الترمذي. ٢٦٠٥- (٢١) وعن عبد الله بن السائب، قال سمعت رسول الله ﷺ ، يقول ما بين الركنين: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ . رواه أبو داود. ــ الله عنه بها) أي إلا وضع الله ومحا عن الطائف بكل قدم أو بكل مرة من الوضع والرفع (خطيئة وكتب له بها حسنة) زاد ابن حبان ((ورفع له بها درجة)) ولأحمد ((إلا كتب له عشر حسنات وحط عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات)) (رواه الترمذي) وقال: هذا حديث حسن. أخرجه أيضًا أحمد (ج ٢: ص ٣) وابن خزيمة في صحيحه والحاكم (ج ١: ص ٤٨٩) وصححه ووافقه الذهبي، ورواه أحمد أيضًا (ج ٢: ص ١١) والنسائي وابن حبان والبيهقي وابن ماجة مختصرًا أي بعضه، رووه كلهم من طريق عطاء بن السائب عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه عن ابن عمر، وعطاء صدوق لكنه اختلط، وجرير (عند الترمذي والحاكم) وهشيم (عند أحمد) ممن سمع منه بعد اختلاطه لكن له طريق أخرى أيضًا فيتقوى بها، فقد رواه أحمد (ج ٢: ص ١١) وابن حبان كما في موارد الظمآن من طريق سفيان الثوري والنسائي من طريق حماد بن زيد كلاهما عن عطاء بن السائب، وقد سمعا منه قبل الاختلاط. ٢٦٠٥ – قوله (وعن عبد الله بن السائب) المخزومي المكي، له ولأبيه صحبة، وكان قارئ أهل مكة. تقدم ترجمته (ما بين الركنين) أي الحجر الأسود والركن اليماني كما في رواية لأحمد. وللحاكم ((فيما بين ركن بني جمح والركن الأسود)) وهكذا وقع في رواية أخرى لأحمد، وركن بني جمح هو اليماني ونسب إليهم لأن بيوتهم كانت إلى جهته وبنو جمح بطن من قريش، وكان بالمسجد باب يسمى بباب بني جمح لذلك (ربنا) منصوب بحذف حرف النداء (آتنا) من الإيتاء أي أعطنا (في الدنيا حسنة) أي العلم والعمل أو العفو والعافية والرزق الحسن أو حياة طيبة أو القناعة أو ذرية صالحة أو المرأة الصالحة الحسناء (وفي الآخرة حسنة) أي المغفرة والجنة والدرجات العالية أو مرافقة الأنبياء أو الرضا أو الرؤية واللقاء، وقيل الحور العين. وقيل في تفسير الحسنتين المذكورتين في الآية غير ذلك. قال القرطبي: والذي عليه أكثر أهل العلم أن المراد بالحسنتين نعيم الدنيا والآخرة. قال: وهذا هو الصحيح فإن اللفظ يقتضي هذا كله، فإن حسنة نكرة في سياق الدعاء فهو محتمل لكل حسنة من الحسنات على البدل، وحسنة الآخرة الجنة بإجماع – انتهى. (وقنا) أي احفظنا واكفنا، وأصله ((إوقنا)) حذفت الواو كما حذفت في ((يقي)) لأنها بين ياء وكسرة مثل يعد، هذا قول البصريين (عذاب النار) أي شدائد جهنم من حرها وزمهريرها وسمومها وغير ذلك، وقيل المراد بعذاب النار المرأة السليطة، والظاهر أن المراد جميع أنواع العقاب وأصناف العتاب. والحديث يدل على مشروعية الدعاء بالآية المذكورة في الطواف بين الركنين اليمانيين (رواه أبو داود) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٣: ص ٤١١) وابن حبان والحاكم

стр. 4101

٢٦٠٦ – (٢٢) وعن صفية بنت شيبة، قالت: أخبرتني بنت أبي تجراة، قالت: دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين، ننظر إلى رسول الله ﷺ وهو يسعى بين الصفا والمروة، فرأيته يسعى وإن مئزره ــ (ج ١: ص ٤٥٥) وابن الجارود والبيهقي، ونسبه المنذري للنسائي أيضًا. والحديث سكت عنه أبو داود والمنذري وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي. ٢٦٠٦ – قوله (وعن صفية بنت شيبة) الحجبي، وعن صفية بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدرية، اختلف في رؤيتها النبي ﷺ فقال الحافظ في التقريب: لها رؤية وحدثت عن عائشة وغيرها من الصحابة. وفي البخاري التصريح بسماعها من النبي ﷺ ، وأنكر الدارقطني إدراكها. وقال في تهذيبه: لها رؤية، وقال الدارقطني: لا تصح لها رؤية، وذكرها ابن حبان في ثقات التابعين. قلت: ذكر المزي في الأطراف أن البخاري قال في صحيحه: قال: أبان بن صالح عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة، سمعت النبي ﷺ ، ففي هذا رد على ابن حبان، وقد أوضحت حال هذا الحديث فيما كتبته عن الأطراف – انتهى كلام الحافظ (أخبرتني بنت أبي تجراة) براء ثم ألف غير مهموزة ثم هاء، ضبطه الحافظ في الفتح بكسر المثناة وسكون الجيم بعدها راء ثم ألف ساكنة ثم هاء، وجاء عند البيهقي والدارقطني بلفظ ((تجرأة)) براء ثم ألف مهموزة ووقع عند أحمد (ج ٦: ص ٤٢١، ٤٢٢) ((تجزئة)) بزاي ثم همزة ثم هاء وهكذا وقع في نصب الراية والأم، والظاهر أنه تصحيف من الناسخ وصوابه تجراة أي براء مهملة ثم ألف غير مهموزة ثم هاء. وبنو تجراة قوم من كندة قدموا مكة. وابنة أبي تجراة هذه هي حبيبة بنت أبي تجراة إحدى نساء بني عبد الدار، قال الحافظ في تعجيل المنفعة: حبيبة بنت أبي تجراة العبدرية ويقال ((حيية)) بتحتانيتين وزن الأول، ويقال بالتصغير، لها صحبة، روى عنها عطاء. وصفية بنت شيبة في إسناد حديثها اضطراب، وقال في تهذيب التهذيب: اسم هذه المرأة الصحابية حبيبة بنت أبي تجراة وقيل تملك، وهي أم ولد شيبة، وقال في الإصابة: حبيبة بنت أبي تجراة العبدرية ثم الشيبية. قال: وقال أبو عمر: قيل اسمها حبيبة بفتح أوله، وقيل بالتصغير، وقال غيره: تجراة ضبطها الدارقطني بفتح المثناة من فوق، ثم قال أبو عمر: اختلف في صحابيتها بهذا الحديث على صفية بنت شيبة، وقد ذكرت لك في التمهيد. قال الحافظ: وقد تقدم من وجه آخر عن صفية عن برة، وقيل عن تملك، وقيل عن أم ولد لشيبة، وقيل عن صفية بلا واسطة، وقد استوعب أبو نعيم بيان طرقه، ومنها من طريق جبرة بنت محمد بن سباع عن حبيبة بنت أبي تجراة كذلك. وأخرجه النسائي من طريق بديل بن ميسرة عن مغيرة بن حكيم عن صفية بنت شيبة عن امرأة، وفي رواية ابن ماجة والبيهقي عن أم ولد لشيبة وقد تقدم سند حديث تملك في المثناة – انتهى (ننظر إلى رسول الله ﷺ وهو يسعى بين الصفا والمروة) أي لنتشرف برؤيته ولنستفيد من علمه وبركته (فرأيته يسعى) أي يسرع (وإن) بكسر الهمزة والواو للحال (مئزره) بكسر الميم

стр. 4102

ليدور من شدة السعي، وسمعته يقول: " اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي ". ــ وسكون الهمز ويبدل أي إزاره (ليدور) أي حول رجليه (من شدة السعي) قال المظهر: يعني مئزره يدور حول رجليه ويلتف برجله من شدة عدوه، وفي رواية لأحمد ((حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره)) والحديث يدل على أنه ﷺ كان ماشيًا في الطواف بين الصفا والمروة، وجاء ذلك صريحًا في حديث حسن. ولا ينافيه ما ورد أنه ﵊ سعي راكبًا في حجة الوداع، لإمكان الجمع بأن مشيه كان في سعي عمرة من عمره، قاله القاري. وقال المحب الطبري بعد ذكر الأحاديث التي تدل على أنه ﷺ سعى راكبًا: في هذه الأحاديث دلالة ظاهرة على ركوبه ﷺ في السعي، والأحاديث المتقدمة في الفصل قبله وحديث جابر الطويل يدل على مشيه، فيحتمل أن يكون ﷺ مشى في طوافه على ما دل عليه بعض الأحاديث، ثم خرج إلى السعي ماشيًا فسعى بعضه ماشيًا ورأته بنت أبي تجراة إذ ذاك، ثم لما كثر عليه ركب ناقته، ويؤيد ذلك قول ابن عباس ((وكان ﷺ لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثر عليه ركب، والمشي والسعي أفضل)) فإن سياقه دال على أن الركوب كان في أثناء السعي حين كثر الناس عليه فيه. وذهب ابن حزم إلى أنه ﷺ كان راكبًا في جميع طوافه بين الصفا والمروة عملاً بحديث جابر ((أن النبي ﷺ طاف في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة ليراه الناس وليشرف عليهم وليسألوه، فإن الناس غشوه)) أخرجه مسلم. قال الطبري: وظاهر حديث ابن عباس يرد هذا التأويل، وحديث بنت أبي تجراة يصرح برده، والمختار فيه ما تقدم ذكره جمعًا بين الأحاديث كلها، وأما ركوبه في الطواف بالبيت فكان في طواف الإفاضة – انتهى مختصرًا. (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي) قال الطيبي: أي فرض. فدل على أن السعي فرض ومن لم يسع بطل حجه عند الشافعي ومالك وأحمد – انتهى. قال القاري: وقال أبو حنيفة: السعي واجب لأن الحديث ظني وكذا المشي فيه مع القدرة وبترك الواجب يجب الدم – انتهى. وقد تقدم ذكر اختلاف الأئمة في حكم السعي في شرح حديث ابن عمر رقم (٢٥٨٩) في الفصل الأول من هذا الباب، والحديث قد استدل به من ذهب إلى أن السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة ركن من أركانهما لا يصح واحد منهما بدونه ولا يجبر بدم، وهم الجمهور مالك والشافعي وأصحابهما، وأحمد في رواية وهو حديث صحيح كما قال صاحب التلقيح وأقره ابن الهمام، أو حسن كما قال النووي. واستدل لهم أيضًا بقوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ (٢: ١٥٨) قالوا: تصريحه تعالى بأن الصفا والمروة من شعائر الله يدل على أن السعي بينهما أمر حتم لا بد منه، لأن شعائر الله عظيمة لا يجوز التهاون بها، وقد أشار البخاري في صحيحه إلى ذلك حيث قال: باب وجوب الصفا والمروة وجعل من شعائر الله. قال الحافظ: أي وجوب السعي بينهما مستفاد من كونهما جعلا من شعائر الله، قاله ابن المنير في الحاشية، واستدل لهم أيضًا بأن النبي ﷺ طاف

стр. 4103

.............................................................................................. ــ في حجه وعمرته بين الصفا والمروة سبعًا. وقد دل على أن ذلك لا بد منه دليلان، الأول: هو ما تقرر في الأصول من أن فعل النبي ﷺ إذا كان لبيان نص مجمل من كتاب الله يكون ذلك الفعل لازمًا وسعيه بين الصفا والمروة فعل بين به المراد من قوله تعالى ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ والدليل على أن فعله بيانًا للآية هو قوله ﷺ : نبدأ بما بدأ الله به يعني الصفا، لأن الله بدأ بها في قوله ﴿إن الصفا والمروة﴾ الآية. وفي رواية عند النسائي ((ابدؤا بما بدأ الله به)) بصيغة الأمر. الدليل الثاني: أنه ﷺ قال: ((لتأخذوا عني مناسككم)) وفي رواية ((خذوا عني مناسككم)) وقد طاف بين الصفا والمروة سبعًا فيلزمنا أن نأخذ عنه ذلك من مناسكنا، ولو تركناه لكنا مخالفين أمره بأخذه عنه، والله تعالى يقول: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ (٢٤: ٦٣) فاجتماع هذه الأمور الثلاثة يدل على اللزوم وهي كونه سعى بين الصفا والمروة سبعًا، وأن ذلك بيان منه لآية من كتاب الله، وأنه قال: " لتأخذوا عني مناسككم ". وكون ذلك السعي بيانًا لآية ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ الآية أمر لا شك فيه، ويدل عليه أمران أحدهما سبب نزول الآية لأنه ثبت في الصحيحين أنها نزلت في سؤالهم عن السعي بين الصفا والمروة، وإذا كانت نازلة جوابًا عن سؤالهم عن حكم السعي بين الصفا والمروة فسعى النبي ﷺ بعد نزولها بيان لها، والأمر الثاني: هو ما تقدم من قوله ﷺ : " نبدأ بما بدأ الله به " يعني الصفا. ومن أدلة الجمهور على أن السعي فرض لا بد منه: ما رواه الشيخان عن عروة عن عائشة في سبب نزل قوله تعالى ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ وفيه ((قالت عائشة: وقد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما)) الحديث. وهذا صريح في أن النبي ﷺ سن الطواف بين الصفا والمروة أي فرضه بالسنة. وقد أجابت عائشة عما يقال أن رفع الجناح في قوله ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ ينافي كونه فرضًا لأن ذلك في قوم تحرجوا من السعي بين الصفا والمروة، وظنوا أن ذلك لا يجوز لهم، فنزلت الآية مبينة أن ما ظنوه من الحرج في ذلك منفي. وقد تقرر في الأصول في أن النص الوارد في جواب سؤال لا مفهوم مخالفة له. وقال الحافظ في الفتح: قول عائشة ﵂ ((سن رسول الله ﷺ الطواف بين الصفا والمروة)) أي فرضه بالسنة، وليس مرادها نفي فرضيته، ويؤيده قولها لم يتم الله حج أحدكم ولا عمرته ما لم يطف بينهما – انتهى. وأما ما جاء في بعض قراءات الصحابة ((فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما)) كما ذكره الطبري وابن المنذر وغيرهما عن أبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس ﵃ فقد أجيب عنه من وجهين، الأول: أن هذه القراءة لم تثبت قرآنًا لإجماع الصحابة على عدم كتبها في المصاحف العثمانية، وما ذكره الصحابي على أنه قرآن ولم يثبت كونه قرآنًا ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا يستدل به على شيء، وهو مذهب مالك والشافعي، ووجهه أنه لما لم يذكره إلا كونه قرآنًا فبطل كونه قرآنًا بطل من أصله، فلا يحتج به على شيء. وقال بعض أهل العلم: إذا بطل كونه قرآنًا لم يمنع ذلك من الاحتجاج به كأخبار الآحاد التي ليست بقرآن، فعلى القول الأول

стр. 4104

رواه في شرح السنة، ورواه أحمد مع اختلاف. ــ فلا إشكال، وعلى الثاني فيجاب عنه بأن القراءة المذكورة تخالف القراءة المجمع عليها المتواترة، وما خالف المتواترة المجمع عليه إن لم يمكن الجمع بينهما فهو باطل، والنفي والإثبات لا يمكن الجمع بينهما لأنهما نقيضان. الوجه الثاني: هو ما ذكره الحافظ في الفتح عن الطبري والطحاوي من أن قراءة ((أن لا يطوف بهما)) محمولة على القراءة المشهورة ولا زائدة – انتهى. ولا يخلو من تكلف كما ترى. ومن أدلة الجمهور على لزوم السعي ما جاء في بعض روايات حديث أبي موسى في إهلاله عند الشيخين وفيه ((طف بالبيت وبين الصفا والمروة)) فهذا أمر صريح منه ﷺ بذلك، وصيغة الأمر تقتضي الوجوب ما لم يقم دليل صارف عن ذلك، وقد دل على اقتضائها الوجوب الشرع واللغة كما بين في موضعه. ومن أدلتهم على أن السعي بين الصفا والمروة لا بد منه ما قدمنا ما رواه الترمذي عن ابن عمر، أنه ﷺ قال: من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد منهما حتى يحل منهما جميعًا. قال المجد في المنتقى بعد ذكره: وفيه دليل على وجوب السعي ووقوف التحلل عليه، ومن أدلتهم على ذلك ما جاء في بعض الروايات الثابتة في الصحيح من أنه ﷺ قال لعائشة ﵂: يجزئ عنك طوافك بين الصفا والمروة عن حجك وعمرتك، وهذا اللفظ في صحيح مسلم. قالوا: ويفهم من قوله هذا أنها لو لم تطف بينهما لم يحصل لها إجزاء عن حجها وعمرتها. هذا تلخيص ما ذكره الشنقيطي في هذه المسألة في أضواء البيان. تنبيه: قال القاري: اعلم أن سياق الحديث يفيد أن المراد بالسعي المكتوب الجري الكائن في بطن الوادي لكنه غير مراد بلا خلاف نعلمه فيحمل على أن المراد بالسعي الطواف بينهما، واتفق أنه ﵊ قال لهم عند الشروع في الجري الشديد المسنون لما وصل إلى محله شرعًا أعني بطن الوادي، ولا يسن جري شديد في غير هذا المحل بخلاف الرمل في الطواف، إنما هو مشي فيه شدة وتصلب – انتهى (رواه) أي البغوي (في شرح السنة) أي بإسناده (وروى) وفي بعض النسخ ((رواه)) (أحمد مع اختلاف) في لفظه (ج ٦: ص ٤٢١، ٤٢٢) وأخرجه أيضًا الشافعي وإسحاق بن راهويه والحاكم في المستدرك في الفضائل وسكت عنه، ومن طريق أحمد الطبراني في معجمه ومن طريق الشافعي رواه الدارقطني ثم البيهقي في سننيهما وابن أبي شيبة في مصنفه والطحاوي وغيرهم. قال الحافظ في الإصابة: حبيبة بنت أبي تجراة العبدرية ثم الشيبية روى حديثها الشافعي عن عبد الله بن المؤمل، وابن سعد عن معاذ بن هانئ، ومحمد بن سنجر عن أبي نعيم، وابن أبي خثيمة عن شريح بن النعمان كلهم عن ابن المؤمل عن عمر بن عبد الرحمن بن محصن عن عطاء بن أبي رباح حدثتني صفية بنت شيبة عن امرأة يقال لها حبيبة بنت أبي تجراة، قالت: دخلنا دار أبي حسين في نسوة من قريش. فذكر الحديث ثم قال: وأخرجه الطحاوي من طريق معاذ، وقد وقع لنا بعلو في المعرفة لابن مندة من طريقه. وقد تقدم أنه اختلف في المرأة التي روت عنها صفية بنت شيبة، فقيل عن صفية عن برة، وقيل عن تملك، وقيل عن أم

стр. 4105

........................................................................................... ــ ولد شيبة، وقيل عن صفية عن امرأة، وقيل عن صفية عن نسوة من بني عبد الدار، وقيل عن صفية بلا واسطة، أما حديث صفية عن برة فرواه الواقدي في كتاب المغازي وابن مندة كما في الإصابة. ومن طريق الواقدي روى البيهقي (ج ٦: ص ٩٨) وأما حديث تملك فأخرجه البيهقي في سننه والطبراني في معجمه وفيه المثنى بن الصباح، وقد وثقه ابن معين في رواية وضعفه جماعة. وأما حديث صفية عن أم ولد لشيبة فأخرجه ابن ماجة والبيهقي (ج ٥: ص ٩٨) وأما حديث صفية عن امرأة فأخرجه أحمد (ج ٦: ص ٤٣٧) والنسائي، قال الشوكاني: لعل المرأة المبهمة في حديث صفية هي حبيبة بنت أبي تجراة، وأما حديث صفية عن نسوة فأخرجه الدارقطني (ص ٢٧٠) ومن طريقه البيهقي (ج ٥: ص ٩٧) وأما حديث صفية بلا واسطة فأخرجه الطبراني في معجمه الكبير، وفيه أيضًا المثنى بن لصباح، وحديث صفية بنت أبي تجراة قد أعله ابن عدي في الكامل بعبد الله بن المؤمل، وأسند تضعيفه عن أحمد والنسائي ووافقهم. وقال الحافظ في الفتح: وفي إسناد هذا الحديث عبد الله بن المؤمل وفيه ضعف. ومن ثم قال ابن المنذر: إن ثبت فهو حجة في الوجوب. قال الحافظ: له طريق أخرى في صحيح ابن خزيمة مختصرة، وعند الطبراني عن ابن عباس كالأولى، وإذا انضمت إلى الأولى قربت – انتهى. قلت: حديث ابن عباس في سنده المفضل بن صدقة، وهو متروك، قاله الهيثمي (ج ٣: ص ٢٤١) وأما اختلاف الروايات في المرأة التي روت عنها صفية المذكورة هذا الحديث فلا يضر لتصريحها في رواية الدارقطني والبيهقي بأنها روت ذلك عن نسوة أدركن النبي ﷺ ، وإذن فلا مانع من أن تسمى واحدة منهن في رواية وتسمى أخرى في رواية أخرى كما لا يخفى. قال الحافظ: اختلف على صفية بنت شيبة في اسم الصحابية التي أخبرتها به، ويجوز أن تكون أخذته عن جماعة فقد وقع عنه الدارقطني عنها أخبرتني نسوة من بني عبد الدار فلا يضره الاختلاف. انتهى. قلت: وطريق الدارقطني قد حسنها النووي في شرح المهذب حيث قال: احتج أصحابنا بحديث صفية بن شيبة عن نسوة من بني عبد الدار أنهن سمعن من رسول الله ﷺ ، وقد استقبل الناس في المسعى وقال: " يأيها الناس اسعوا فإن السعي قد كتب عليكم ". رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد حسن – انتهى. وقال الزيعلي في نصب الراية (ج ٣: ص ٥٦) بعد ذكر رواية الدارقطني المذكورة: قال صاحب التنقيح: إسناده صحيح، وقال ابن الهمام في فتح القدير (ج ٢: ص ٧٥١) مجيبًا عن إعلال ابن القطان حديث بنت أبي تجراة بابن المؤمل: وهذا لا يضر بمتن الحديث، إذ بعد تجويد المتقنين له لا يضره تخليط بعض الرواة، وقد ثبت من طرق عديدة منها طريق الدارقطني عن ابن المبارك أخبرني معروف بن مشكان أخبرني منصور بن عبد الرحمن عن أمه صفية قالت: أخبرني نسوة من بني عبد الدار اللاتي أدركن رسول الله ﷺ فذكر الحديث ثم قال: قال صاحب التنقيح: إسناده صحيح، ومعروف بن مشكان صدوق، لا نعلم من تكلم فيه، ومنصور هذا ثقة مخرج له في الصحيحين – انتهى. وقد علم مما ذكرنا أن بعض طرق هذا الحديث لا تقل عن درجة القبول، وهو نص في محل النزاع مع أنه معتضد بما ذكرناه من الأدلة الأخرى.

стр. 4106

٢٦٠٧ – (٢٣) وعن قدامة بن عبد الله بن عمار قال: رأيت رسول الله ﷺ يسعى بين الصفا والمروة على بعير لا ضرب ولا طرد ولا إليك. رواه في شرح السنة. ٢٦٠٨ – (٢٤) وعن يعلى بن أمية قال: إن رسول الله ﷺ طاف بالبيت مضطجعًا ببرد أخضر. ــ ٢٦٠٧ – قوله (وعن ابن قدامة) بضم القاف وتخفيف الدال المهملة (بن عبد الله بن عمار) بفتح المهملة وتشديد الميم ابن معاوية العامري الكلابي يكنى أبا عبد الله، صحابي قليل الحديث، يقال أسلم قديمًا وسكن مكة ولم يهاجر، ولقي النبي ﷺ في حجة الوداع وأقام بركية في البدو من بلاد نجد وسكنها، روى عنه أيمن بن نابل وحميد بن كلاب (لا ضرب ولا طرد) بالفتح والرفع منونًا فيهما أي لا دفع (ولا إليك إليك) أي تنح تنح، وهو اسم فعل بمعنى تنح عن الطريق، قال الطبري: قوله ((إليك إليك)) نحو قول القائل: الطريق الطريق: وقال الطيبي: أي ما كانوا يضربون الناس ولا يطردونهم ولا يقولون تنحوا عن الطريق كما هو عادة الملوك والجبابرة، والمقصود التعريض بالذين كانوا يعملون ذلك – انتهى. (رواه) أي البغوي (في شرح السنة) بإسناده وأخرجه البيهقي (ج ٥: ص ١٠١) من طريق عبيد الله ابن موسى وجعفر بن عون عن أيمن بن نابل عن قدامة بن عبد الله بن عمار، قال: رأيت رسول الله ﷺ يسعى بين الصفا والمروة على بعير، إلخ. ثم قال البيهقي: كذا قالا (أي عبيد الله وجعفر) ورواه جماعة (منهم روح بن عبادة وأبو نعيم وأبو عاصم) وموسى بن طارق ووكيع وأبو أحمد الزبيري وقران بن تمام الأسدي ومعتمر ومروان بن معاوية والمؤمل وسعيد بن سالم القداح، عن أيمن فقالوا: في الحديث يرمي الجمرة يوم النحر (أي بدل يسعى بين الصفا والمروة) ويحتمل أن يكون صحيحين – انتهى. قلت: حديث قدامة بلفظ ((يرمي الجمرة يوم النحر على ناقة ليس ضرب ولا طرد)) إلخ. أخرجه أحمد (ج ٦: ص ٤١٢) والشافعي والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي وابن حبان والبيهقي (ج ٥: ص ١٣٠) وسيأتي في باب رمي الجمار، وقال ابن عبد البر في ترجمة قدامة في الاستيعاب: روى عنه أيمن بن نابل وحميد بن كلاب، فأما حديث أيمن عنه فإنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمرة يوم النحر على ناقة صهباء لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك. وأما حديث حميد بن كلاب فإنه قال عنه أنه رأى رسول الله ﷺ يوم عرفة وعليه حلة حبرة. لا أحفظ له غير هذين الحديثين – انتهى. ٢٦٠٨ – قوله (وعن يعلى) كيرضى (بن أمية) بمضمومة ثم ميم مخففة مفتوحة وتحتية مشددة، ابن أبي عبيدة صحابي مشهور، تقدم ترجمته (طاف بالبيت مضطبعًا) بكسر الباء (ببرد) أي يماني، ففي رواية لأحمد ((ببرد له حضرمي)) (أخضر) أي فيه خطوط خضر، والاضطباع هو إعراء منكبه الأيمن وجمع الرداء على الأيسر، سمي بذلك لما فيه من إبداء الضبع وهو العضد، ويسمى التأبط لأنه يجعل وسط الرداء تحت الإبط وبيدي ضبعه الأيمن. قال النووي: هو

стр. 4107

رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجة، والدارمي. ٢٦٠٩ – (٢٥) وعن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت ثلاثًا وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى. رواه أبو داود. ــ افتعال من الضبع بإسكان الباء الموحدة وهو العضد، وهو أن يدخل إزاره تحت إبطه الأيمن ويرد طرفه على منكبه الأيسر ويكون منكبه الأيمن مكشوفًا، وقال الطيبي: الضبع بسكون الباء وسط العضد ويطلق على الإبط أيضًا أي لمجاورته له، والاضبطاع أن يأخذ الإزار أو البرد فيجعل وسطه تحت الإبط الأيمن ويلقي طرفيه على كتفه الأيسر من جهتيّ صدره وظهره، سمي بذلك لإبداء الضبعين: قيل: إنما ذلك إظهارًا للتشجع كالرمل في الطواف – انتهى. وهذه الهيأة هي المذكورة في حديث ابن عباس الآتي، وأول ما اضطبعوا في عمرة القضاء ليستعينوا بذلك على الرمل ليرى المشركون قوتهم ثم صار سنة، ويضبطع في الأشواط السبع، فإذا قضى طوافه سوى ثيابه، ولم يضطبع في ركعتي الطواف، قال الشوكاني: والحكمة في فعله أنه يعين على إسراع المشي، وقد ذهب إلى استحبابه الجمهور سوى مالك، قاله ابن المنذر. قال أصحاب الشافعي: وإنما يستحب الاضطباع في طواف يسن فيه الرمل – انتهى. وقال القاري: الاضطباع والرمل سنتان في كل طواف بعده سعي، والاضطباع سنة في جميع الأشواط بخلاف الرمل، ولا يستحب الاضطباع في غير الطواف وما يفعله العوام من الاضطباع من ابتداء الإحرام حجًا أو عمرة لا أصل له بل يكره حال الصلاة – انتهى. (رواه الترمذي) وقال: هو حديث حسن صحيح (وأبو داود) واللفظ له، وقد سكت عنه، ونقل المنذري كلام الترمذي وأقره (وابن ماجة والدارمي) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٤: ص ٢٢٢، ٢٢٣) ورواه الشافعي بلفظ ((أن النبي ﷺ طاف مضطعبًا بالبيت وبين الصفا والمروة)) . ٢٦٠٩ – قوله (اعتمروا من الجعرانة) تقدم ضبطه (فرملوا بالبيت ثلاثًا) أي ثلاث مرات من الأشواط السبعة (وجعلوا) أي حين أرادوا الشروع في الطواف (أرديتهم) جمع رداء (تحت آباطهم) بالألف ممدودة جمع إبط. قال ابن رسلان: المراد أن يجعلوها تحت عواتقهم اليمنى (ثم قذفوها) أي ألقوها وطرحوا طرفيها (على عواتقهم اليسرى) جمع العاتق وهو المنكب أي استمروا عليه إلى أن فرغوا من الطواف. والحديث يدل على مشروعية الرمل والاضطباع في الطواف (رواه أبو داود) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ١: ص ٣٠٦، ٣٧١) والبيهقي (ج ٥: ص ٧٩) وأخرجه الطبراني نحوه، والحديث سكت عنه أبو داود والمنذري والحافظ في التلخيص، وقال الشوكاني: رجاله رجال الصحيح.

стр. 4108

(الفصل الثالث) ٢٦١٠ - (٢٦) عن ابن عمر، قال: ما تركنا استلام هذين الركنين: اليماني والحجر، في شدة ولا رخاء منذ رأيت رسول الله ﷺ يستلمهما. متفق عليه. ٢٦١١ - (٢٧) وفي رواية لهما: قال نافع: رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده، ثم قبل يده وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله. ٢٦١٢ - (٢٨) وعن أم سلمة، قالت: شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي، فقال: " طوفي من وراء الناس ــ ٢٦١٠ - قوله (اليماني) بتخفيف الياء وتشديدها مجرورًا (والحجر) أي الأسود (في شدة) أي زحام (ولا رخاء) أي خلاء، قال الحافظ: الظاهر أن ابن عمر لم ير الزحام عذرًا في ترك الاستلام. وقد روى سعيد بن منصور من طريق القاسم بن محمد قال: رأيت ابن عمر يزاحم على الركن حتى يدمى، ومن طريق أخرى أنه قيل له في ذلك، فقال: هوت الأفئدة إليه فأريد أن يكون فؤادي معهم. وروى الفاكهي من طرق عن ابن عباس كراهة المزاحمة، قال: لا يؤذي ولا يؤذى (متفق عليه) أخرجه أيضًا أحمد (ج ٢: ص ٣) والدارمي والبيهقي (ج ٥: ص ٧٦) . ٢٦١١ - قوله (وفي رواية لهما) واللفظ لمسلم (يستلم الحجر بيده ثم قبل يده) لعل هذا في وقت الزحام حيث لا يقدر على تقبيل الحجر (منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله) قال القاري: أي الاستلام المطلق أو المخصوص، إذ ثبت الاستلام والتقبيل عنه ﵊ كما في الصحيحين - انتهى. وقيل: الظاهر أن الضمير للاستلام مطلقًا، ويجوز أن يكون للاستلام على الوجه المخصوص المذكور وهو أنه استلم الحجر بيده ثم قبل يده، والأول هو الوجه فافهم - انتهى. قلت: الظاهر بل الأظهر عندي هو الثاني، وهذه الرواية أخرجها أيضًا أحمد (ج ٢: ص ١٠٨) والبيهقي (ج ٥: ص ٧٥) . ٢٦١٢ - قوله (وعن أم سلمة) أم المؤمنين والدة زينب بنت أبي سلمة الراوية عنها هذا الحديث (شكوت إلى رسول الله ﷺ ) أي أوان الخروج من مكة إلى المدينة (أني أشتكى) أي أتوجع، وهو مفعول ((شكوت)) والشكوى والشكاية إخبار عن مكروه أصابه، وهو المراد بقولها شكوت، ويجيء بمعنى المرض وهو المراد بقولها ((أني أشتكي)) فيكون المعنى ((شكوت إليه ﷺ أني مريضة)) ومقصودها أنها لا تستطيع الطواف ماشية لضعفها من تلك الشكوى التي كانت بها (طوفي من وراء الناس) إنما أمرها أن تطوف من وراء الناس ليكون استر لها ولا تقطع صفوفهم ولا يتأذون

стр. 4109

وأنت راكبة ". فطفت ورسول الله ﷺ يصلي إلى جنب البيت، ــ بدابتها، ولأن سنة النساء التباعد عن الرجال في الطواف، وقال الباجي: طواف النساء وراء الرجال لهذا الحديث ولم يكن لأجل البعير، فقد طاف رسول الله ﷺ على بعيره يستلم الركن بمحجن، وهذا يدل على اتصاله بالبيت، لكن من طاف غيره من الرجال على بعير فيستحب له إن خاف أن يؤذي أحدًا أن يبعد قليلاً، وإن لم يكن حول البيت زحام، وأمن أن يؤذي أحدًا فليقرب كما فعل النبي ﷺ . وأما المرأة فإن من سنتها أن تطوف وراء الرجال. انتهى. وفي الحديث جواز الطواف للراكب إذا كان لعذر ويلتحق بالراكب المحمول وقد تقدم الكلام في ذلك (وأنت راكبة) أي على بعيرك كما في رواية هشام عند البخاري عن عروة عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: وهو بمكة وأراد الخروج ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت وأرادت الخروج فقال لها رسول الله ﷺ : " إذا أقيمت الصلاة للصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون ". ففعلت ذلك فلم تصل حتى خرجت – انتهى. وقد علم من هذه الرواية أن القصة لطواف الوداع، ويدل عليه أيضًا رواية النسائي عنها قالت " يا رسول الله والله ما طوفت طواف الخروج، فقال النبي ﷺ : " إذا أقيمت الصلاة فطوفي ". قال القاري: فيه دلالة على أن الطواف راكبًا ليس من خصوصياته ﵊ (فطفت) أي راكبة من وراء الناس (ورسول الله ﷺ يصلي) أي بالناس صلاة الصبح كما تدل عليه رواية البخاري المذكورة (إلى جنب البيت) أي متصلاً إلى جدار الكعبة، وفيه تنبيه على أن أصحابه ﷺ كانوا متحلقين حولها، وفيه دلالة على أن صلاته ﷺ بأصحابه بالجماعة كانت بفناء الكعبة وأن طوافها كان وراء المصلين، وفيه أن من طاف راكبًا يتوخى خلوة المطاف لئلا يهوش على الطائفين، واستدل بالحديث المالكية على طهارة بول ما يؤكل لحمه وهو المشهور عن أحمد خلافًا لما ذهب إليه الحنفية والشافعية قال ابن بطال: في هذا الحديث جواز دخول الدواب التي يؤكل لحمها المسجد إذا احتج إلى ذلك لأن بولها لا ينجسه بخلاف غيرها من الدواب. وتعقب بأنه ليس في الحديث دلالة على عدم الجواز مع الحاجة أي في غيرها ولا على عدم الجواز مع عدم الحاجة فيها. قال الحافظ: بل ذلك دائر على التلويث وعدمه فحيث يخشى التلويث يمتنع الدخول، وقد قيل: إن ناقته ﷺ كانت منوقة أي مدربة معلمة فيؤمن منها ما يحذر من التلويث، وهي سائرة، فيحتمل أن يكون بعير أم سلمة كان كذلك، والله أعلم. وقال النووي: هذا الحديث لا دلالة فيه (أي على طهارة بول ما يؤكل لحمه وروثه كما هو مذهب مالك وأحمد) لأنه ليس من ضرورة أنه يبول أو يروث في حال الطواف وإنما هو محتمل، وعلى تقدير حصوله ينظف المسجد منه كما أنه ﷺ أقر إدخال الصبيان الأطفال المسجد مع أنه لا يؤمن بولهم بل قد وجد ذلك، ولأنه لو كان ذلك محققًا لنزه المسجد منه، سواء كان نجسًا أو طاهرًا لأنه مستقذر – انتهى. وقال الشوكاني: ويرد ذلك (أي استدلال أصحاب مالك وأحمد بهذا الحديث على طهارة بول مأكول اللحم وروثه) بوجوه: أما أولاً فلأنه لم يكن إذ ذاك قد حوط المسجد كما تقدم. وأما ثانيًا فلأنه ليس من لازم الطواف على البعير أن يبول. وأما ثالثًا فلأنه يطهر

стр. 4110

يقرأ بالطور وكتاب مسطور. ــ منه المسجد كما أنه ﷺ أقر إدخال الصبيان الأطفال المسجد مع أنه لا يؤمن بولهم. وأما رابعًا فلأنه يحتمل أن تكون راحلته عصمت من التلويث حينئذ كرامة له – انتهى (يقرأ بالطور وكتاب مسطور) أي بهذه السورة في ركعة واحدة كما هو عادته ﵊. والحديث قد يستنبط منه أن الجماعة في الفريضة ليست فرضًا على الأعيان إلا أن يقال إن أم سلمة كانت شاكية فهي معذورة، أو الوجوب يختص بالرجال، كذا في الفتح. اعلم أنه اتفق الجمهور على كراهة ابتداء الطواف ومنعه عند إقامة المكتوبة، وأما قطع الطواف للمكتوبة أو لصلاة الجنازة أو لغيرهما من الأعذار فاختلف العلماء فيه. قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٣٩٥) : إذا تلبس بالطواف أو بالسعي ثم أقيمت المكتوبة فإنه يصلي مع الجماعة في قول أكثر أهل العلم، منهم ابن عمر وسالم وعطاء والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وروي ذلك عنهم في السعي. وقال مالك: يمضي في طوافه ولا يقطعه إلا أن يخاف أن يضر بوقت الصلاة، لأن الطواف صلاة فلا يقطعه لصلاة أخرى. ولنا قول النبي ﷺ : إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة. والطواف صلاة فيدخل تحت عموم الخبر، وإذا ثبت ذلك في الطواف بالبيت مع تأكده ففي السعي بين الصفا والمروة أولى مع أنه قول ابن عمرو ومن سميناه من أهل العلم، ولم نعرف لهم في عصرهم مخالفًا. وإذا صلى بنى على طوافه وسعيه في قول من سمينا من أهل العلم. قال ابن المنذر: ولا نعلم أحدًا خالف في ذلك إلا الحسن، فإنه قال: يستأنف. وكذلك الحكم في الجنازة إذا حضرت يصلى عليها ثم يبني على طوافه لأنها تفوت بالتشاغل عنها، قال أحمد: ويكون ابتداؤه من الحجر يعني أنه يبتدئ الشوط الذي قطعه من الحجر حين يشرع في البناء – انتهى. قلت: وما ذكر عن مالك من المضي في الطواف وعدم قطعه هو مخالف لما في كتب فروع المالكية، فإنهم نصوا بوجوب القطع للمكتوبة، وكذا حكى عامة شراح البخاري عن مالك قطعه للمكتوبة موافقًا للجمهور. وقال النووي في مناسكه: وإذا أقيمت الجماعة للمكتوبة وهو في الطواف أو عرضت حاجة ماسة قطع الطواف لذلك فإذا فرغ يبني، والاستئناف أفضل، ويكره قطعه بلا سبب حتى يكره قطع الطواف المفروض لصلاة جنازة أو صلاة نافلة – انتهى. قال ابن حجر في شرحه: وحيث قطعه فالأولى أن يقطعه عن وتر، وأن يكون من عند الحجر الأسود – انتهى. وقال ابن عابدين: إذا حضرت الجنازة أو المكتوبة في أثناء الشوط هل يتمه أو لا؟ لم أر من صرح به عندنا، وينبغي عدم الإتمام إذا خاف فوت الركعة مع الإمام. وإذا عاد البناء هل يبني من محل انصرافه أو يبتدئ الشوط من الحجر؟ والظاهر الأول قياسًا على من سبقه الحدث في الصلاة وهو ظاهر قول الفتح بنى على ما كان طافه – انتهى. وعد صاحب اللباب الطواف عند إقامة المكتوبة في المكروهات. قال القاري: فإن ابتداء الطواف حينئذ مكروه بلا شبهة، وأما إذا كان يمكنه إتمام الواجب عليه وإلحاقه بالصلاة وإدراك الجماعة فالظاهر أنه هو الأولى من قطعه – انتهى. وقال الدردير: ابتدأ طوافه لبطلانه واجبًا كان أو تطوعًا انقطع

стр. 4111

متفق عليه. ٢٦١٣ – (٢٩) وعن عابس بن ربيعة، قال: رأيت عمر يقبل الحجر ويقول: إني لأعلم أنك حجر ما تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبل ما قبلتك. ــ لجنازة ولو قل الفصل، لأنها فعل آخر غير ما هو فيه فلا يجوز القطع لها اتفاقًا ما لم تتعين، فإن تعينت وجب القطع إن خشى تغيرها وإلا فلا يقطع، وإذا قلنا بالقطع فالظاهر أنه يبني كالفريضة كذا قالوا، وقطعه وجوبًا ولو ركنًا للفريضة أي لإقامتها للراتب، ودخل معه إن لم يكن صلاها أو صلاها منفردًا، والمراد بالراتب إمام مقام إبراهيم على الراجح وأما غيره فلا يقطع له لأنه كجماعة غير الراتب، وندب له كمال الشوط إن أقيمت عليه أثناءه ليبني من أول الشوط، فإن لم يكمله ابتدأ من موضع خرج، وندب أن يبتدئ ذلك الشوط، كما قاله ابن حبيب – انتهى. (متفق عليه) أخرجه البخاري في صفة الصلاة وفي الحج وفي التفسير، ومسلم في الحج، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٦: ص ٣١٩) ومالك وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن الجارود (ص ١٦١) والبيهقي (ج ٥: ص ٦٨، ١٠١) . ٢٦١٣ - قوله (وعن عابس) بموحدة فمكسورة ثم مهملة (بن ربيعة) النخعي الكوفي، ثقة مخضرم من كبار التابعين. قال الحافظ: روى عن عمر وعلي وحذيفة وعائشة، وعنه أولاده عبد الرحمن وإبراهيم وأسماء وأبو إسحاق السبيعي وإبراهيم بن جرير النخعي. قال الآجري عن أبي داود: جاهلي سمع من عمر. وقال النسائي ثقة، وقال ابن سعد: هو من مذحج، وكان ثقة، وله أحاديث يسيرة – انتهى. وليس هو عابس بن ربيعة الغطيفي الصحابي الذي شهد فتح مصر، قال الحافظ في التقريب في ترجمة عابس بن ربيعة الغطيفي: وهم من خلطه بالذي قبله أي بعابس بن ربيعة النخعي. وقال في تهذيب التهذيب: فرق ابن ماكولا بين الغطيفي والنخعي وهو الصواب (يقبل الحجر) أي الأسود (ويقول) مخاطبًا له ليسمع الناس (إني لأعلم أنك حجر ما تنفع) قال القاري: وفي نسخة ((لا تنفع)) (ولا تضر) أي بذاته، وإن كان امتثال ما شرع فيه ينفع بالجزاء والثواب. فمعناه أنه لا قدرة له على نفع ولا ضر، وأنه حجر مخلوق كباقي المخلوقات التي لا تضر ولا تنفع (ولولا أني رأيت رسول الله يقبل) كذا وقع في أكثر النسخ، وفي نسخة المرقاة ((يقبلك)) والذي في صحيح مسلم عن عابس بن ربيعة ((قال: رأيت عمر يقبل الحجر ويقول: إني لأقبلك وأعلم أنك حجر. ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك لم أقبلك)) وفي البخاري: أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله فقال: ((إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبلك ما قبلتك)) . قال الطيبي: إنما قال ذلك لئلا يغتر بعض قريبي العهد بالإسلام الذين قد ألفوا عبادة الأحجار وتعظيمها ورجاء نفعها وخوف الضرر بالتقصير في تعظيمها فخاف أن يراه بعضهم يقبله فيفتن به فبين أنه لا ينفع ولا يضر وإن كان امتثال ما شرع فيه باعتبار الجزاء والثواب. وليسمع

стр. 4112

متفق عليه. ــ في الموسم فيشتهر في البلدان المختلفة. وفيه الحث على الاقتداء برسول الله ﷺ في تقبيله وتنبيه على أنه لولا الاقتداء لما فعله. وقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: إنما قال ذلك لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام فخشي عمر أن يظن الجهال بأن استلام الحجر هو مثل ما كانت العرب تفعله فأراد عمر أن يعلم أن استلامه لا يقصد به إلا تعظيم الله والوقوف عند أمر نبيه ﷺ وأن ذلك من شعائر الحج التي أمر الله بتعظيمها وأن استلامه مخالف لفعل الجاهلية في عبادتهم الأصنام لأنهم كانوا يعتقدون أنها تقربهم إلى الله زلفى، فنبه عمر على مخالفة هذا الاعتقاد، وأنه لا ينبغي أن يعبد إلا من يملك الضرر والنفع وهو الله ﷻ . وقال المحب الطبري: إن قول عمر ((إنك حجر لا تضر ولا تنفع)) طلب منه للآثار وبحث عنها وعن معانيها، ولما رأى أن الحجر يستلم ولا يعلم له سبب يظهر للحس ولا من جهة العقل ترك فيه الرأي والقياس وصار إلى محض الإتباع كما صنع في الرمل. وقال الخطابي: في قول عمر من العلم أن متابعة السنن واجبة وإن لم يوقف لها على علل معلومة وأسباب معقولة. وأن أعيانها حجة على من بلغته وإن لم يفقه معانيها إلا أن معلومًا في الجملة أن تقبيل الحجر إنما هو إكرام له وإعظام لحقه، وقد فضل الله بعض الأحجار على بعض كما فضل بعض البقاع والبلدان على بعض وكما فضل بعض الليالي والأيام والشهور على بعض، وباب هذا كله التسليم، وهو أمر سائغ في العقول جائز فيها غير ممتنع ولا مستنكر. قال الحافظ في الفتح: في قول عمر هذا التسليم للشارع في أمور الدين وحسن الإتباع فيما لم يكشف عن معانيها، وهو قاعدة عظيمة في إتباع النبي ﷺ فيما يفعله، ولو لم يعلم الحكمة فيه. وفيه دفع ما وقع لبعض الجهال من أن في الحجر الأسود خاصة ترجع إلى ذاته. وفيه بيان السنن بالقول والفعل وأن الإمام إذا خشي على أحد من فعله فساد اعتقاد أن يبادر إلى بيان الأمر ويوضح ذلك. وفيه كراهة تقبيل ما لم يرد الشرع بتقبيله. فائدة: روى الخطيب وابن عساكر عن جابر مرفوعًا ((الحجر يمين الله في الأرض يصافح بها عباده)) . وروى الديلمي في مسند الفردوس عن أنس مرفوعًا ((الحجر يمين الله فمن مسحه فقد بايع الله)) وروى الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا ((الحجر يمين الله يصافح بها خلقه)) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: وفيه عبد الله بن المؤمل وثقه ابن حبان وقال: يخطئ وفيه كلام، وبقية رجاله رجال الصحيح. قال الخطابي: ومعنى ((أنه يمين الله في الأرض)) أن من صافحه في الأرض كان له عند الله عهد، فكان كالعهد تعقده الملوك بالمصافحة لمن يريد موالاته والاختصاص به، وكما يصفق على أيدي الملوك للبيعة، وكذلك تقبيل اليد من الخدم للسادة والكبراء فهذا كالتمثيل بذلك والتشبيه به يعني فخاطبهم بما يعهدونه. وقال المحب الطبراني: معناه أن كل ملك إذا قدم عليه الوافد قبل يمينه، ولما كان الحاج والمعتمر أول ما يقدمان يسن لهما تقبيله نزل منزلة يمين الملك ويده، ولله المثل الأعلى وكذلك من صافحه كان له عند الله عهد كما أن الملوك تعطي العهد بالمصافحة، والله أعلم (متفق عليه) وأخرجه

стр. 4113

.............................................................................................. ــ أيضًا أحمد (ج ١: ص ١٦، ٢١، ٢٦، ٣٤، ٤٦، ٥١، ٥٤) وأبو داود والنسائي والترمذي والبيهقي وغيرهم. تنبيه: ذكر بعض شراح البخاري عن بعض العلماء جواز تقبيل قبره ﷺ ومنيره وقبور الصالحين لأجل التبرك بذلك قياسًا على تقبيل الحجر الأسود، ولا يوافقهم على هذا أحد ممن يتبع السنة، بل ما ورد فيه نص صحيح صريح عن الشارع قبلناه وعملنا بمقتضاه وما لا فلا، نعم ورد أن بعض الصحابة قبل يد النبي ﷺ وبعضهم قبل جهته وقبل بعض التابعين يد بعض الصحابة وعلى هذا فيجوز تقبيل يد الصالحين ومن ترجى بركتهم، قال النووي: تقبيل يد الرجل لزهده وصلاحه أو علمه أو شرفه أو صيانته أو نحو ذلك من الأمور الدينية لا يكره بل يستحب، فإن كان لغناه أو شوكته أو جاهه عند أهل الدنيا فمكروه شديد الكراهة، وقال أبو سعيد المتولي: لا يجوز – انتهى. وأما تقبيل قبره ﷺ ومنبره وقبور الصالحين فلم يرد أن أحدًا من الصحابة أو التابعين فعل ذلك، بل قد ورد النهي عنه. فقد روى أبو داود بسند حسن من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا وصلوا عليَّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم ". وقد تقدم هذا الحديث في باب الصلاة على النبي ﷺ مع بيان معناه وله شواهد من أوجه مختلفة. واتفق الأئمة على أنه لا يتمسح بقبر النبي ﷺ ولا يقبله. وهذا كله محافظة على التوحيد. فإن من أصول الشرك بالله اتخاذ القبور مساجد كما قالت طائفة من السلف في قوله تعالى: ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا﴾ (٧١: ٢٣) قالوا: هؤلاء كانوا قومًا صالحين في قوم نوح. فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا على صورهم تماثيل، ثم طال عليهم الأمد فعبدوها. وروى أحمد عن عائشة ﵂ أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فقال رسول الله ﷺ : " إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنو على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور. أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة ". وما جر المصائب على عوام الناس وغرس في أذانهم أن الصالحين من أصحاب القبور ينفعون ويضرون حتى صاروا يشركونهم مع الله في الدعاء ويطلبون منهم قضاء الحوائج ودفع المصائب إلا تساهل معظم المتأخرين من العلماء، وذكر هذه البدع في كتبهم ولا أدري ما الذي ألجأهم إلى ذلك وأحاديث رسول الله ﷺ تحذر منه؟ أكان هؤلاء أعلم بسنة رسول الله ﷺ من عمر بن الخطاب ﵁ حيث أمر بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ فقطعها لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها تبركًا. وما أمر عمر ﵁ بقطعها إلا خوفًا من الافتتان بها. وثبت عنه ﵁ أنه رأى الناس في سفر يتبادرون إلى مكان فسأل عن ذلك فقالوا: قد صلى فيه النبي ﷺ ، فقال عمر: من عرضت له الصلاة فليصل وإلا فليمض، فإنما هلك أهل الكتاب لأنهم تتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعًا. وكره الإمام مالك تتبع الأماكن التي صلى فيها النبي ﷺ في طريقه من المدينة إلى مكة سنة حجة الوداع والصلاة فيها تبركًا بأثره الشريف إلا في مسجد قباء، لأنه ﷺ كان يأتيه راكبًا وماشيًا، وبني مالك مذهبه على سد الذرائع فرأى أن التساهل في هذا وإن كان جائزًا يجر إلى مفسدة

стр. 4114

٢٦١٤ - (٣٠) وعن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: " وكل به سبعون ملكًا - يعني الركن اليماني - فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ . قالوا: آمين. رواه ابن ماجة. ــ بعد تقادم العهد، فالاحتياط سد هذا الباب وعدم التساهل فيه فإن الراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه. وحاصل الكلام أن لا نفعل ولا نقول ولا نعتقد إلا ما دلت عليه السنة الثابتة، ونحترز من التساهل في ذلك مما يجر إلى ارتكاب البدع وفساد العقيدة والعمل. ٢٦١٤- قوله (يعني) أي يريد بمرجع الضمير (الركن اليماني) فهو تفسير لضمير ((به)) والقائل بعض الرواة دون أبي هريرة بطريق الاعتراض بين الكلامين، وليس هذا التفسير في ابن ماجة. وقال السندي: قوله ((وكل به)) أي بالتأمين لمن دعا عنده، قيل: والظاهر أنه إذا كان فضل الركن اليماني إلى هذه المرتبة كان فضل الركن الأسود أكثر وأعلى من ذلك إلا أن يكون هذه الخاصية مخصوصة به، ويكون للحجر الأسود فضائل وخواص أخر أوفر وأعظم، والله أعلم (اللهم إني أسألك العفو) أي عن الذنوب (والعافية) أي عن العيوب (في الدنيا والآخرة) ويمكن أن يكون لفًا ونشرًا مشوشًا (ربنا آتنا في الدنيا حسنة) إلخ. قال القاري: لا تنافي بينه وبين ما سبق من قوله بين الركنين لأنه إذا وصل إلى الركن اليماني وشرع في هذا الدعاء وهو مار فلا شك أنه يقع بينهما إذ لا يجوز الوقوف للدعاء في الطواف كما يفعله جهلة العوام – انتهى. (قالوا آمين) أي ودعاء الملائكة يرجى استجابته منه (رواه ابن ماجة) بسند ضعيف كما ستعرف وأعلم أن هذا الحديث والحديث الذي يليه أي قوله ((من طاف بالبيت سبعًا)) إلخ. هما في الأصل حديث واحد رواه ابن ماجة بإسناد واحد جعله المؤلف حديثين وفرقهما، وهكذا فعل المجد في المنتقى. قال ابن ماجة في باب فضل الطواف: حدثنا هشام بن عمار ثنا إسماعيل بن عياش ثنا حميد بن أبي سوية قال: سمعت ابن هشام يسأل عطاء بن أبي رباح عن الركن اليماني وهو يطوف بالبيت فقال عطاء: حدثني أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " وكل به سبعون ملكًا فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية.. " إلخ. فلما بلغ الركن الأسود قال: يا أبا محمد ما بلغك في هذا الركن الأسود؟ فقال عطاء؟ حدثني أبو هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " من فاوضه " (أي قابله بوجهه، قاله السندي. وقال الطبري: أي لابس وخالط، ومن مفاوضة الشريكين) فإنما يفاوض يد الرحمن. قال له ابن هشام: يا أبا محمد فالطواف؟ قال عطاء: حدثني أبو هريرة أنه سمع النبي ﷺ يقول: " من طاف بالبيت سبعًا ولا يتكلم إلا.. " – الحديث. قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث: رواه ابن ماجة عن إسماعيل بن عياش حدثني حميد بن أبي سوية وحسنه بعض مشائخنا – انتهى. ولم يتكلم البوصيري في الزوائد على إسناده. قال السندي: وذكر الدميري ما يدل على أنه حديث غير محفوظ – انتهى. وذكره الحافظ في

стр. 4115

٢٦١٥ – (٣١) وعنه أن النبي ﷺ قال: " من طاف بالبيت سبعًا ولا يتكلم إلا بسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، محيت عنه عشر سيئات، وكتب له عشر حسنات، ورفع له عشر درجات، ومن طاف فتكلم، وهو في تلك الحال ــ التلخيص وقال: إسناده ضعيف. قلت: هشام بن عمار من رجال الستة. قال الحافظ عنه: صدوق مقرئ، كبر فصار يتلقن فحديثه القديم أصح، وأما إسماعيل بن عياش الشامي الحمصي فهو صدوق في روايته عن أهل بلده أي الشاميين مخلط في غيرهم، وهذا الحديث من غير أهل بلده، وهو حميد بن أبي سوية ويقال ابن أبي سويد المكي. قال الحافظ في التقريب: إنه مجهول، وقال في تهذيب التهذيب: ذكره ابن عدي وقال: حدث عنه ابن عياش بأحاديث عن عطاء غير محفوظات، منها حديث فضل الدعاء عند الركن اليماني. قال الحافظ: أخرج ابن ماجة في الحج في فضل الطواف وغيره عن هشام ابن عمار عن إسماعيل فقال: في روايته حميد بن أبي سوية، وأخرجه ابن عدي فقال: في روايته حميد بن أبي سويد مصغرًا بدال بدل الهاء في آخره، وصوبه المصنف وترجمه ابن عدي فقال: حميد بن أبي سويد مولى بني علقمة، وقيل: حميد بن أبي حميد حدث عنه إسماعيل بن عياش منكر الحديث، وقد ظهر بهذا كله أن الحديث ضعيف من وجهين: لكونه من رواية ابن عياش عن غير أهل بلده، ولجهالة حميد بن أبي سوية المكي. وفي فضل الدعاء عند استلام الركن اليماني عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : " ما مررت بالركن اليماني إلا وعنده ملك ينادي يقول: آمين، آمين، فإذا مررتم به فقولوا: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ". أخرجه أبو ذر. قال الطبري: ولا تضاد بين الحديثين يعني حديث ابن عباس وحديث أبي هريرة، فإن السبعين موكلون به لم يكلفوا قول آمين دائمًا وإنما عند سماع الدعاء، والملك كلف أن يقول آمين دائمًا سواء سمع الدعاء أم لم يسمعه، وعن علي بن أبي طالب أنه كان إذا مر بالركن اليماني قال: بسم الله الله أكبر، السلام على رسول الله ﷺ ورحمة الله وبركاته، اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر والذل ومواقف الخزي في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وجاء ذلك عن النبي ﷺ مرسلاً لابن المسيب بإسناد ضعيف أخرجهما الأزرقي. ٢٦١٥- قوله (من طاف بالبيت سبعًا) أي سبع مرات من الأشواط (ولا يتكلم إلا بسبحان الله) هو واجب النصب فمحله مجرور (والحمد لله) مرفوع على الحكاية (ولا حول) عن معصيته (ولا قوة) على طاعته (محيت) بتاء التأنيث في جميع النسخ وهكذا وقع في ابن ماجة (عشر سيئات) أي بكل خطوة أو بكل كلمة أو بالمجموع (وكتب) بالتذكير في جميع النسخ وكذا في المنتقى أي أثبت. وفي ابن ماجة ((كتبت)) بالتأنيث وهكذا وقع في الترغيب للمنذري (ورفع له) بالتذكير في جميع النسخ وكذا في ابن ماجة (ومن طاف فتكلم) أي بتلك الكلمات (وهو في تلك الحال) أي

стр. 4116

خاض في الرحمة برجليه كخائض الماء برجليه ". رواه ابن ماجة (٤) باب الوقوف بعرفة (الفصل الأول) ٢٦١٦ - (١) عن محمد بن أبي بكر الثقفي، أنه سأل أنس بن مالك، ــ في حالة الطواف، وإنما كرر ((من طاف)) ليناط به غير ما نيط به أولاً، وليبرز المعقول في صورة المشاهد المحسوس قاله الطيبي. وقال الشيخ الدهلوي في اللمعات بعد ذكر كلام الطيبي: ويمكن أن يكون معناه تكلم بكلام الناس دون ما ذكر من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير مقابلاً لقوله ((ولا يتكلم إلا بسبحان الله)) أي لا يتكلم إلا بذكر الله فيكون مقابله أن يتكلم بغير ذكر الله، ومع ذلك يكون له ثواب لكنه يكون كالخائض في الرحمة برجليه وأسفل بدنه لكونه عاملاً وعابدًا به ولا يبلغ الرحمة إلى أعلاه لكونه متكلمًا بغير ذكر الله، وإذا لم يتكلم إلا بذكر الله يستغرق في بحر الرحمة من قدمه إلى رأسه ومن أسفله إلى أعلاه، هكذا يختلج في القلب معنى الحديث - انتهى. وهكذا حمل السندي وابن حجر الهيثمي قوله ((ومن طاف فتكلم)) على الكلام المباح فقال ابن حجر: أي من تكلم بغير ذلك الذكر من الكلام المباح، فيه الإشارة بأن الثواب الحاصل دون الأول بواسطة تكلمه في طوافه بغير الذكر، لأن ذلك مناف لكمال الأدب وإيقاع العبادة بغير وجهها - انتهى. قال القاري: والأول أي كلام الطيبي أظهر لأنه قد تقدم نهيه ﵊ عن الكلام المباح بقوله فلا يتكلمن إلا بخير فيكون مكروهًا (إلى آخر ما قال) ثم قال: وأقول - والله تعالى أعلم - إن الظاهر المتبادر في معناه أن يقال ومن طاف فتكلم أي بغير هذه الكلمات كسائر الأذكار فيفيد التقييد حينئذ زيادة مثوبات هذه الكلمات فإنهن الباقيات الصالحات - انتهى. (رواه ابن ماجة) قد تقدم أن حديث أبي هريرة هذا وحديثه الأول المذكور هنا ساقهما ابن ماجة بإسناد واحد، وكان الأولى للمؤلف أن يقول بعد ذكرهما ((رواهما ابن ماجة)) . وفي ذكر الله في الطواف وفضل الطواف أحاديث ذكرها الشوكاني في النيل والطبري في القرى والقاري في المرقاة وغيرهم في كتب المناسك، فمن شاء الوقوف رجع إليها. (باب الوقوف) أي الحضور (بعرفة) أي ولو ساعة في وقت الوقوف. قال الطيبي: هي اسم لبقعة معروفة - انتهى. فالجمع في قوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾ (٢: ١٩٨) باعتبار أجزائها وأماكنها وتعدد محال الوقوف فيها، وتقدم وجه تسميتها بها، وارجع لمعرفة حدها والمسافة بينها وبين مكة إلى شفاء الغرام وغيره من الكتب المؤلفة في تاريخ مكة. ٢٦١٦ - قوله (عن محمد بن أبي بكر الثقفي) نسبة إلى ثقيف، بالمثلثة والقاف، قبيلة بالطائف. وهو محمد بن

стр. 4117

وهما غاديان من منى إلى عرفة: كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ ؟ فقال: كان يهل منَّا المهل فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر منَّا فلا ينكر عليه. ــ أبي بكر بن عوف بن رباح الثقفي الحجازي ثقة تابعي. قال الحافظ في تهذيب التهذيب: روى عن أنس في التهليل والتكبير في الغدو من منى إلى عرفات، وعنه موسى بن عقبة ومالك وشعبة وغيرهم. قال النسائي: ثقة، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة – انتهى مختصرًا. وقال في شرح البخاري: ليس لمحمد المذكور في الصحيح عن أنس ولا غيره غير هذا الحديث الواحد، وقد وافق أنسًا على روايته عبد الله بن عمر أخرجه مسلم (وهما غاديان) جملية اسمية حالية، ((وغاديان)) بالغين المعجمة اسم فاعل من غدا يغدو غدوًا، أي ذاهبان غدوة (كيف كنتم تصنعون) أي من الذكر في الطريق (في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ ) ولمسلم من طريق موسى بن عقبة عن محمد بن أبي بكر: قلت لأنس غداة عرفة: ما تقول في التلبية في هذا اليوم؟ (فقال) أي أنس (كان يهل) أي يلبي (منا المهل) أي الملبي أو الحرم (فلا ينكر عليه ويكبر المكبر فلا ينكر عليه) قال العيني: قوله ((لا ينكر)) على صيغة المعلوم في الموضعين والضمير المرفوع فيه للنبي ﷺ – انتهى. وضبطه الحافظ في الفتح بضم أوله على البناء للمجهول، أي لا ينكر عليه أحد فيقيد التقرير منه ﷺ والإجماع السكوتي من الصحابة ﵃. قال الحافظ: في رواية موسى بن عقبة ((فمنا المكبر ومنا المهلل، ولا يعيب أحدنا على صاحبه)) وفي حديث ابن عمر من طريق عبد الله بن أبي سلمة عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه: غدونا مع رسول الله ﷺ من منى إلى عرفات منا الملبي ومنا المكبر، وفي رواية له قال يعني عبد الله بن أبي سلمة: فقلت له يعني لعبيد الله: عجبًا لكم كيف لم تقولوا له: ماذا رأيت رسول الله ﷺ يصنع؟ قال الحافظ: وأراد عبد الله ابن أبي سلمة بذلك الوقوف على الأفضل، لأن الحديث يدل على التخيير بين التكبير والتلبية من تقريره لهم ﷺ على ذلك فأراد أن يعرف ما كان يصنع هو ليعرف الأفضل من الأمرين وقد بينه ما رواه أحمد وابن أبي شيبة والطحاوي من طريق مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله أي ابن مسعود: خرجت مع رسول الله ﷺ فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة إلا أن يخلطها بتكبير. قال النووي: في الحديث دليل على استحباب التلبية والتكبير في الذهاب من منى إلى عرفات يوم عرفة والتلبية أفضل. وفيه رد على من قال بقطع التلبية بعد صبح يوم عرفة. وقال الطيبي: هذا رخصة ولا حرج في التكبير بل يجوز كسائر الأذكار، ولكن ليس التكبير في يوم عرفة من سنة الحجاج، بل السنة لهم التلبية إلى رمي جمرة العقبة يوم النحر، وحكى المنذري أن بعض العلماء أخذ بظاهره لكنه لا يدل على فضل التكبير على التلبية، بل على جوازه فقط، لأن غاية ما فيه تقريره ﷺ على التكبير، وذلك لا يدل على استحبابه، فقد قام الدليل الصريح على أن التلبية حينئذٍ أفضل لمدوامته ﷺ عليها. وقال العيني: التكبير المذكور نوع من الذكر أدخله الملبي في خلال التلبية من غير ترك التلبية، لأن المروي عن الشارع أنه

стр. 4118

متفق عليه. ٢٦١٧ – (٢) وعن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: " نحرت ها هنا ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ــ لم يقطع التلبية حتى رمي جمرة العقبة. وقال الخطابي: السنة المشهورة فيه أن لا يقطع التلبية حتى يرمي أو حصاة من جمرة العقبة يوم النحر، وعليها العمل. وأما قول أنس هذا فقيد يحتمل أن يكون تكبير المكبر منهم شيئًا من الذكر يدخلونه في خلال التلبية الثابتة في السنة من غير ترك التلبية – انتهى. قلت: حديث عبد الله بن مسعود المذكور سابقًا نص فيما قاله العيني والخطابي. وقد ترجم البخاري لحديث أنس في العيدين ((باب التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة)) قال الحافظ: قوله ((ويكبر المكبر فلا ينكر عليه)) هذا موضع الترجمة وهو متعلق بقوله فيها ((وإذا غدا إلى عرفة)) وظاهره أن أنسًا احتج به على جواز التكبير في موضع التلبية، ويحتمل أن يكون من كبر، أضاف التكبير إلى التلبية – انتهى. قلت: بل هذا هو المتعين لما سيأتي، ثم ترجم البخاري لحديث أنس أيضًا في الحج ((باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة)) قال الحافظ: أي مشروعيتهما، وغرضه بهذه الترجمة الرد على من قال: يقطع المحرم التلبية إذا راح إلى عرفة، ثم عقد بعد أربعة عشر بابًا ((باب التلبية والتكبير غداة النحر حتى يرمي)) قال الحافظ: المعتمد أنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه كما جرت به عادته، فعند أحمد (ج ١: ص ٤١٧) وابن أبي شيبة والطحاوي من طريق مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله: خرجت مع رسول الله ﷺ فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة إلا أن يخلطها بتكبير (متفق عليه) أخرجه البخاري في العيدين وفي الحج، ومسلم في الحج، وأخرجه أيضًا مالك وأحمد والنسائي وابن ماجه والدارمي والبيهقي (ج ٥: ص ١١٧) . ٢٦١٧ – قوله (نحرت ها هنا) إشارة إلى مكان مخصوص في منى نحر فيه، وكذا في عرفات وجمع، والجمع علم للمزدلفة، والظاهر أنه قال كلا من هذه الكلمات في مكانه وجمعها الراوي كذا في اللمعات. وقال ابن حجر: نحرت ها هنا. أي في محل نحره المشهور، وقد بني عليه بناءان كل منهما يسمى مسجد النحر، أحدهما على الطريق والآخر منحرف عنها. وقيل وهو الأقرب من الوصف الذي ذكروه بمحل نحره ﵊ (ومنى) مبتدأ (كلها) أي كل مواضعها، تأكيد (منحر) أي محل نحر، وهو خبر المبتدأ، والمقصود أن النحر لا يختص بمنحره ﵊ وهو قريب من مسجد الخيف. قال الشوكاني: قوله ((منى كلها منحر)) يعني كل بقعة منها يصح فيها، وهو متفق عليه، لكن الأفضل النحر في المكان الذي نحر فيه النبي ﷺ ، كذا قال الشافعي، ومنحر النبي ﷺ هو عند الجمرة الأولى التي تلي مسجد منى، كذا قال ابن التين. وحد منى من وادي محسر إلى العقبة (فانحروا في رحالكم) المراد بالرحال المنازل

стр. 4119

ووقفت ها هنا وعرفة كلها موقف، ووقفت ها هنا وجمع كلها موقف. رواه مسلم. ٢٦١٨ – (٣) وعن عائشة، قالت: إن رسول الله ﷺ قال: " ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، ــ قال أهل اللغة: رحل الرجل منزله سواء كان من حجر أو مدر أو شعر أو وبر، ومعنى الحديث: كل منى موضع نحر وذبح للهدايا المتعلقة بالحج فلا تتكلفوا النحر في موضع نحري، بل يجوز لكم النحر في منازلكم من منى (ووقفت ها هنا) أي قرب الصخرات (وعرفة كلها موقف) أي يصح الوقوف فيها إلا بطن عرنة، وقد أجمع العلماء على أن من وقف في أي جزء كان من عرفات صح وقوفه. ولها أربعة حدود: حد إلى جادة طريق المشرق، والثاني إلى مسافات الجبل الذي وراء أرضها، والثالث إلى البساتين التي تلي قرنيها على يسار مستقبل الكعبة. والرابع وادي عرنة وليست هي ولا نمرة من عرفات ولا من الحرم (ووقفت ها هنا) أي عند المشعر الحرام بمزدلفة، وهو البناء الموجود بها الآن، قاله القاري. (وجمع) أي المزدلفة (كلها موقف) أي إلا وادي محسر، قال النووي: في هذه الألفاظ بيان رفق النبي ﷺ بأمته وشفقته عليهم في تنبيههم على مصالح دينهم ودنياهم فإنه ﷺ ذكر لهم الأكمل والجائز، فالأكمل موضع نحره ووقوفه، والجائز كل جزء من أجزاء المنحر، وجزء من أجزاء عرفات، وجزء من أجزاء المزدلفة، وهي جمع – بفتح الجيم وإسكان الميم – وقد سبق بيانها. (رواه مسلم) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والبيهقي (ج٥: ص ١١٥) . ٢٦١٨- قوله (ما من يوم) من زائدة (أكثر) بالنصب وقيل بالرفع (من) زائدة أيضًا (أن يعتق الله فيه عبدًا) زاد في رواية النسائي ((أو أمة)) قال السندي في حاشية النسائي: قوله ((أكثر من أن يعتق)) أي أكثر من جهة الإعتاق وبملاحظته، فليست هذه من تفضيلية وإنما التفضيلية من التي في قوله ((من يوم عرفة)) (من النار) متعلق بيعتق (من يوم عرفة) أي بعرفات. قال الطيبي: ما بمعنى ليس، واسمه ((يوم)) و ((من)) زائدة – انتهى. قال القاري: فتقديره: ما من يوم أكثر إعتاقًا فيه الله عبدًا من النار من يوم عرفة – انتهى. وقال السندي في حاشية ابن ماجة: ((أكثر)) جاء بالنصب على أنه خبر ما العاملة على لغة الحجاز، وبالرفع على إبطال عمل ما على وجهين ((أن يعتق)) فاعل اسم التفضيل، ويحتمل على تقدير الرفع أن يجعل ((أن يعتق)) مبتدأ خبره ((أكثر)) والجملة خبر ((ما)) وتجويز فتحة ((أكثر)) على أنه صفة يوم محمول على لفظه إلا أنه جر بالفتحة لكونه غير منصرف، وتجويز رفعه على أنه صفة له حمل له على محله أو على أنه خبر لما بعده والجملة صفة، فذاك يحوج إلى تقدير خبر مثل موجود بلا حاجة إليه انتهى -. وقال الأبي: ما نافية وتدخل على المبتدأ والخبر، وللعرب فيها مذهبان، فالحجازيون (والتهاميون والنجديون) يرفعون بها المبتدأ الاسم وينصبون الخبر، والتميميون يرفعون بها الاسمين. قال النووي: روينا الحديث بنصب أكثر على أن ما حجازية، وبرفعه على أنها تميمية ومن زائدة، والتقدير

стр. 4120

وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء ". رواه مسلم. ــ ((ما يوم أكثر)) والمجروران بعده مبنيان، فمن يوم عرفة، مبين للأكثرية مما هي، و ((من أن يعتق)) مبين للمبين. قال: والحديث ظاهر الدلالة في فضل يوم عرفة وهو كذلك. ولو قال رجل ((امرأتي طالق في أفضل الأيام)) فلأصحابنا وجهان، أحدهما: تطلق يوم الجمعة لقوله ﷺ : ((خير يوم طلعت في الشمس يوم الجمعة)) والثاني: وهو الأصح أنها تطلق يوم عرفة لهذا الحديث، ويتأول حديث يوم الجمعة على أن معناه أنه أفضل أيام الأسبوع. قيل الحديث يدل على فضل يوم عرفة لا على أنه أفضل لما ثبت من أن المفضول قد يختص بخاصية ليست في الأفضل ولا يكون بسبب تلك الخاصية أفضل، فأكثرية العتق فيه لا تدل على أنه أفضل. وأيضًا فإنما دل على أنه لا يكون العتق في غيره أكثر، وذلك لا يدل على نفي المساواة إلا أن يضاف إلى ذلك ما يقع فيه من المباهاة، سلمنا أن أكثرية العتق تدل على أنه أفضل، لكن أفضل من الأيام التي يقع فيها العتق، لا أنه أفضل الأيام مطلقًا، فتأمل (وإنه) أي (ليدنو) قال المازري: أي تدنو رحمته وكرامته لا دنو مسافة ومماسة، وقال القاضي: وقد يريد دنو الملائكة إلى الأرض أو إلى السماء بما ينزل معهم من الرحمة عن أمره . وقال التوربشتي: أي يدنو منهم في موقفهم بفضله ورحمته وفي تخصيص لفظ الدنو تنبيه على كمال القرب لأن الدنو من أخص أوصاف القرب (ثم يباهي بهم) أي بالحجاج (الملائكة) قال بعضهم: أي يظهر على الملائكة فضل الحجاج وشرفهم. وقال التوربشتي: المباهاة هو المفاخرة وهي موضوعة للمخلوقين فيما يترفعون به على أكفاءهم، وتعالى الله الملك الحق عن التعزز بما اخترعه ثم تعبده، وإنما هو من باب المجاز أي يحلهم من قربه وكرامته بين أولئك الملأ محل الشيء المباهى به. ويحتمل أن يكون ذلك في الحقيقة راجعًا إلى أهل عرفة أي ينزلهم من الكرامة منه منزلة يقتضي المباهاة بينهم وبين الملائكة، وإنما أضاف العمل إلى نفسه تحقيقًا لكون ذلك عن موهبته، والله أعلم – انتهى. قلت: الحديث محمول على ظاهره من غير تأويل وتكييف كما هو مذهب السلف الصالح في النزول والعلو وغيرهما من الصفات من إمرارها على ظاهرها وتفويض الكيفية إلى علمه ، فالدنو والمباهاة معناهما معلوم، والكيفية مجهولة، فنقول: إنه تعالى يدنو من عباده عشية عرفة بعرفات ويباهي بهم الملائكة كيف يشاء (فيقول: ما أراد هؤلاء؟) قال القاري: أي أي شيء أراد هؤلاء حيث تركوا أهلهم وأوطانهم وصرفوا أموالهم وأتعبوا أبدانهم أي ما أرادوا إلا المغفرة والرضاء والقرب واللقاء، ومن جاء هذا الباب لا يخشى الرد، أو التقدير: ما أراد هؤلاء فهو حاصل لهم ودرجاتهم على قدر مراداتهم ونياتهم. أو أي شيء أراد هؤلاء؟ أي شيئًا سهلاً يسيرًا عندنا إذ مغفرة كف من التراب لا يتعاظم عند رب الأرباب – انتهى. قال الأبي: لما كان الاستفهام على الله تعالى محالاً تأولوه بذلك، ويحتمل أنه استنطاق. (رواه مسلم) وأخرجه أيضًا النسائي وابن ماجه والحاكم (ج ١: ص ٤٦٤) والبيهقي (ج ٥: ص ١١٨) .

стр. 4121

(الفصل الثاني) ٢٦١٩ - (٤) عن عمرو بن عبد الله بن صفوان، عن خال له يقال له: يزيد بن شيبان. قال: كنا في موقف لنا بعرفة يباعده عمرو من موقف الإمام جدًا، فأتانا ابن مربع الأنصاري، فقال: إني رسول رسول الله ﷺ إليكم، يقول لكم: " قفوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم ﵇ ". ــ ٢٦١٩ - قوله (عن عمرو بن عبد الله بن صفوان) هو عمرو بن عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي المكي صدوق شريف من التابعين، روى عن يزيد بن شيبان وعبد الله بن السائب المخزومي وغيرهما. وروى عنه عمرو بن دينار وغيره. قال الزبير عن بعض أصحابه: توالى خمسة في الشرف فذكر جماعة، عمرو فيهم، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. وقال الزبير كان له رقيق يتجرون، فكان ذلك يعينه على مكارمه (يزيد بن شيبان) الأزدي، ويقال الديلي، صحابي، له عند الأربعة هذا الحديث الواحد. قال أبو حاتم: هو خال عمرو بن عبد الله بن صفوان المذكور. وقال البخاري: له رؤية (قال) أي يزيد (كنا في موقف لنا) أي لآبائنا وأسلافنا كانوا يقفون في الجاهلية (يباعده عمرو) أي يباعد ذلك المكان عمرو بن عبد الله (من موقف الإمام) يعني يجعله بعيدًا في وصفه إياه بالبعد، والتباعد والمباعدة بمعنى التبعيد وبه ورد التنزيل ﴿ربنا باعد بين أسفارنا﴾ (٣٤: ١٩) وهذا قول الراوي عن عمرو بن عبد الله وهو عمرو بن دينار يعني قال عمرو: كان بين ذلك الموقف وبين موقف إمام الحاج مسافة بعيدة (جدًا) نصب على المصدر أي جد في التبعيد جدًا. وقال القاري: أي يجد جدًا في التبعيد أي بعدًا كثيرًا، فهو متصل بقوله ((يباعده)) متأخر عن متعلقه، فإما على كونه مصدرًا أي يبعده تبعيدًا جدًا أي كثيرًا أو على الحالية (فأتانا ابن مربع) بكسر الميم وسكون الراء المهملة بعدها موحدة مفتوحة مخففة، كذا ضبطه الحافظ في التقريب والطبري في القرى والمصنف في الإكمال والمنذري في مختصر السنن، ووقع في الإصابة والاستيعاب وأسد الغابة والتجريد ((ابن مريع)) أي بالياء التحتية، والظاهر أنه خطأ من الناسخ، وهو زيد بن مربع بن قيظي - بفتح القاف وسكون التحتانية بعدها ظاء - مشالة الأنصاري الأوسي من بني حارثة. وقيل اسمه يزيد، وقيل عبد الله، والأول أكثر. قال الحافظ " صحابي، أكثر ما يجيء مبهمًا أي غير مسمى عداده في أهل الحجاز، له هذا الحديث الواحد (يقول لكم) أي رسول الله ﷺ (قفوا) بكسر القاف أمر من وقف يقف (على مشاعركم) جمع مشعر، والمراد منها ها هنا مواضع النسك والعبادة من قولك: شعرت بالشيء أي علمته، ومنه ((ليت شعري)) أي ليتني أعلم هل يكون كذا وكذا ويسمي كل موضع من مواضع النسك مشعرًا لأنه معلم لعبادة الله. وفي رواية ((كونوا على مشاعركم)) أي اثبتوا في مواضع نسككم ومواقفكم القديمة (فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم ﵇ علة للأمر بالاستقرار والتثبت على الوقوف في مواقفهم القديمة، علل ذلك بأن موقفهم موقف إبراهيم ورثوه

стр. 4122

رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة. ٢٦٢٠ – (٥) وعن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: " كل عرفة موقف، وكل منى منحر، وكل المزدلفة موقف، وكل فجاج مكة طريق ومنحر ". رواه أبو داود والدارمي. ــ منه ولم يخطئوا في الوقوف فيه عن سنته، فإن عرفة كلها موقف، والواقف بأي جزء منها آت بسنته، متبع لطريقته، وإن بعد موقفه عن موقف النبي ﷺ قاله الطيبي. وقال السندي: إرساله ﷺ الرسول بذلك لتطيب قلوبهم لئلا يتحزنوا ببعدهم عن موقف رسول الله ﷺ ويروا ذلك نقصًا في الحج، أو يظنوا أن ذلك المكان الذي هم فيه ليس بموقف ويحتمل أن المراد بيان أن هذا خير مما كان عليه قريش من الوقوف بمزدلفة، وأنه شيء اخترعوه من أنفسهم، والذي أورثه إبراهيم هو الوقوف بعرفة، وقال التوربشتي: أعلم النبي ﷺ من وقف بها أنهم لم يخطئوا سنة خليل الله وأنهم على منهاجه، وأن من بعد موقفه عن موقف النبي ﷺ كمن دنا، وذلك لمعنيين أحدهما تسفيه رأي من رأى في الخروج عن الحرم حرجاً للوقفة، والثاني إعلامهم بأن عرفة كلها موقف لئلا يتنازعوا في مواقفهم ولا يتوهموا أن الموقف ما اختاره ﷺ فلا يرون الفضل في غيره فينتهي بهم ذلك إلى التشاجر وإلى تصور الحق باطلاً، ولهذا قال: وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف (رواه الترمذي) وقال: حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث ابن عيينة عن عمرو بن دينار، وابن مربع اسمه يزيد، وإنما يعرف له هذا الحديث الواحد (وأبو داود) وسكت عنه، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره (والنسائي وابن ماجة) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٤: ص ١٣٧) وابن أبي شيبة والبيهقي (ج ٥: ص ١١٥) والحاكم (ج ١: ص ٤٦٢) وصححه ووافقه الذهبي. ٢٦٢٠ – قوله (كل عرفة) أي جميع أجزائها ومواضعها (موقف) أي موضع وقوف للحج، زاد في رواية مالك وابن ماجة ((وارتفعوا عن بطن عرنة)) (وكل منى منحر) أي موضع نحر وذبح للهدايا المتعلقة بالحج (وكل مزدلفة) قال في اللمعات: المزدلفة أيضًا علم موضع مخصوص كعرفة ومنى، لكن أدخل عليها الألف واللام لأن العلم المشتق يجوز فيه إدخال اللام وتركها كما في الحارث والحسن مثلاً (موقف) فيه دليل على أن جميع المزدلفة موقف، كما أن عرفات كلها موقف وزاد في رواية مالك وابن ماجة ((وارتفعوا عن بطن محسر)) (وكل فجاج مكة) بكسر الفاء جمع فج وهو الطريق الواسع (طريق ومنحر) أي يجوز دخول مكة من جميع طرقها وإن كان الأفضل الدخول إليها من الثنية العليا أي ثنية كداء التي دخل منها النبي ﷺ ، ويجوز النحر في جميع نواحيها لأنها من الحرم. والمقصود التوسعة ونفي الحرج، ذكره الطيبي. قال القاري: ويجوز ذبح جميع الهدايا في أرض الحرم بالاتفاق إلا أن منى أفضل لدماء الحج، ومكة ولا سيما المروة لدماء العمرة، ولعل هذا وجه تخصيصها بالذكر (رواه أبو داود والدارمي) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٣: ص ٢٣٦)

стр. 4123

٢٦٢١ – (٦) وعن خالد بن هوذة، قال: رأيت النبي ﷺ يخطب الناس يوم عرفة على بعير قائمًا في الركابين. رواه أبو داود. ــ والحاكم (ج ١: ص ١٦٠) والبيهقي (ج ٥: ص ١٢٢) وابن جرير، وروى مالك مرسلاً وابن ماجة نحوه. والحديث سكت عنه أبو داود والمنذري وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي. ٢٦٢١ – قوله (وعن خالد بن هَوْذة) بفتح الهاء وسكون الواو بعدها ذال معجمة ثم تاء تأنيث، وقوله ((عن خالد بن هوذة)) هكذا في جميع نسخ المشكاة، وكذا وقع في المصابيح وهو خطأ، والصواب عن العداء بن خالد بن هوذة فإن الحديث من مسند العداء بن خالد لا من مسند أبيه خالد بن هوذة، فقد رواه أبو داود عن عثمان بن أبي شيبة عن وكيع عن عبد المجيد أبي عمرو حدثني العداء بن خالد بن هوذة قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب. وكذا رواه عن عباس بن عبد العظيم عن عثمان بن عمر عن عبد المجيد أبي عمرو، وهكذا روى أحمد عن وكيع عن عبد المجيد، وكذا وقع في جامع الأصول (ج ٤: ص ٦٦) للجزري، والقرى (ص ٣٥٥) للمحب الطبري. والعَدَّاء – بفتح عين وشدة دال مهملة وألف فهمزة – ابن خالد بن هوذة العامري، قال الحافظ في التقريب في ترجمته: صحابي أسلم هو وأبوه جميعًا وتأخر وفاته إلى بعد المائة. وقال في الإصابة: أسلم العداء بعد حنين مع أبيه، وللعداء أحاديث، وكأنه عمر، فإن عند أحمد أنه عاش إلى زمن خروج يزيد بن الملهب في سنة إحدى أو اثنتين ومائة في أيام يزيد بن عبد الملك، عداده في أعراب البصيرة وكان وفد على النبي ﷺ فأقطعه مياها كانت لبني عامر يقال لها الرخيخ – بخائين معجمتين مصغرًا – وكان ينزل بها. وذكر أبو زكريا بن مندة أنه آخر من مات من الصحابة بالرخيخ، وذكر هشام بن الكلبي العداء ووالده في المؤلفة قلوبهم. والعداء هو الذي ابتاع منه رسول الله ﷺ العبد أو الأمة وكتب له العهدة وقد ذكر المصنف قصة البيع في باب المنهي عنها من البيوع. وأما خالد بن هوذة والد العداء فقال الحافظ في الإصابة: خالد بن هوذة بن ربيعة البكائي ويقال القشيري، جاء ذكره في حديث ابنه العداء، فروى البارودي من طريق عبد المجيد أبي عمرو عن العداء بن خالد، قال: خرجت مع أبي فرأيت النبي ﷺ يخطب. وقال الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء: أسلم العداء وأخوه حرملة وأبوهما وكانا سيدي قومهما وبعث النبي ﷺ إلى خزاعة يبشرهم بإسلامهما (يخطب الناس) أي يعظهم ويعلمهم المناسك (يوم عرفة) بعد الزوال كما في حديث جابر في قصة حجة الوداع (على بعير قائمًا في الركابين) حالان مترادفان أو متداخلان. وقوله ((قائمًا)) أي واقفًا لا أنه قائم على الدابة، بل معناه حال كون الرجلين داخلين في الركابين (رواه أبو داود) وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه أحمد (ج ٥: ص ٣٠) ورواه أحمد أيضًا (ج ٥: ص ٣٠) ، والطبراني في الكبير مطولاً وأورد الهيثمي في مجمع الزوائد (ج ٢: ص ٢٥٣) الروايتين وقال: رجال الطبراني موثقون.

стр. 4124

٢٦٢٢ – (٧) وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ قال: " خير الدعاء دعاء يوم عرفة، ــ ٢٦٢٢ – قوله (خير الدعاء دعاء يوم عرفة) قال الشوكاني: قوله ((دعاء يوم عرفة)) رجح المزي جر دعاء ليكون قوله ((لا إله إلا الله)) خبرًا لخير الدعاء ولخير ما قلت: أنا والنبيون، ويؤيده ما وقع في الموطأ من حديث طلحة بلفظ ((أفضل الدعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي، لا إله إلا الله)) وما وقع عند العقيلي من حديث ابن عمر ((أفضل دعائي ودعاء الأنبياء قبلي عشية عرفة لا إله إلا الله)) – انتهى. قلت: ويؤيده أيضًا ما وقع عند أحمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: كان أكثر دعاء النبي ﷺ يوم عرفة ((لا إله إلا الله)) إلخ، ويؤيده أيضًا حديث عليّ عند ابن أبي شيبة بلفظ ((أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفة لا إله إلا الله)) . وأما حديث طلحة فلفظه في الموطأ ((أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة)) قال الزرقاني: قوله ((أفضل الدعاء)) مبتدأ خبره ((دعاء يوم عرفة)) . قال الباجي: أي أعظمه ثوابًا وأقربه إجابة، ويحتمل أن يريد به اليوم، ويحتمل أن يريد به الحاج خاصة، وقال ابن عبد البر: يريد أنه أكثر ثواباً، ويحتمل أن يريد أفضل ما دعا به، والأول أظهر، لأنه أورده في تفضيل الأذكار بعضها على بعض. وفي الحديث تفضيل الدعاء بعضه على بعض وتفضيل الأيام بعضها على بعض – انتهى. قال الطيبي: الإضافة في قوله ((دعاء يوم عرفة)) إما بمعنى اللام أي دعاء يختص به، ويكون قوله ((وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله)) بياناً لذلك الدعاء فإن، قلت: هو ثناء، قلت: في الثناء تعريض بالطلب، وإما بمعنى ((في)) ليعم الأدعية الواقعة فيه - انتهى. وقال الطبري: إنما سمي هذا الذكر دعاء لثلاثة أوجه، أحدها: ما تضمنه حديث سالم بن عبد الله أنه كان يقول بالموقف ((لا إله إلا الله)) إلخ. وفيه ((ثم قال حدثني أبي عن أبيه عن أبيه عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ قال: ((يقول الله من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين)) . ووجهه أنه لما كان الثناء يحصل أفضل مما يحصل الدعاء أطلق عليه لفظ الدعاء لحصول مقصوده، ويروى عن الحسين بن الحسن المروزي قال: سألت سفيان بن عيينة عن أفضل الدعاء يوم عرفة فقال: لا إله إلا الله، إلخ. فقلت له: هذا ثناء وليس بدعاء، فقال: أما تعرف حديث مالك بن الحارث؟ قال: يقول الله : إذا شغل عبدي ثناؤه علي من مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين. قال: وهذا تفسير قول النبي ﷺ . ثم قال سفيان: أما علمت ما قال أمية بن أبي الصلت حين أتى عبد الله بن جعدان يطلب نائله. فقلت: لا. فقال: قال أمية: أأذكر حاجتي أم قد كفاني _ ... حياؤك، إن شيمتك الحياء وعلمك بالحقوق وأنت فضل _ ... لك الحسب المهذب والثناء إذ أثنى عليك المرأ يوماً _ ... كفاه من تعرضه الثناء ثم قال: يا حسين هذا مخلوق يكتفي بالثناء عليه دون مسألة فكيف بالخالق؟ الوجه الثاني: معناه أفضل ما يستفتح

стр. 4125

وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير ". رواه الترمذي. ٢٦٢٣ – (٨) وروى مالك عن طلحة بن عبيد الله إلى قوله: " لا شريك له ". ــ الدعاء، على حذف المضاف، ويدل عليه الحديث الآخر، فإنه قال: أفضل الدعاء أن أقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلى آخره. ودعا بعد ذلك بقوله: اللهم اجعل في قلبي نورًا، إلخ. الثالث: معناه أفضل ما يستبدل به عن الدعاء يوم عرفة لا إله إلا الله، إلى آخره. والأول أوجه – انتهى. (وخير ما قلت) قال الشيخ الدهلوي في اللمعات: أي دعوت، والدعاء هو لا إله إلا الله وحده، إلخ. وتسميته دعاء إما لأن الثناء على الكريم تعريض بالدعاء والسؤال، وأما لحديث: " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ". هكذا قالوا، ولا يخفى أن عبارة هذا الحديث لا تقتضي أن يكون الدعاء قوله لا إله إلا الله. إلخ. بل المراد أن خير الدعاء ما يكون يوم عرفة أي دعاء كان، وقوله " خير ما قلت " إشارة إلى ذكر غير الدعاء فلا حاجة إلى جعل ما قلت بمعنى ما دعوت، ويمكن أن يكون هذا الذكر توطئة لتلك الأدعية لما يستحب من الثناء على الله قبل الدعاء – انتهى. وقال القاري: لا يبعد أن يقال: خير ما قلت من الذكر فيكون عطف مغاير، والتقدير: أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة بأي شيء كان، وخير ما قلت من الذكر فيه وفي غيره أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله – انتهى. قلت: لكن لا يلائمه رواية الطبراني بلفظ: " أفضل ما قلت أنا والنبيون قبلي عشية عرفة: لا إله إلا الله ". وكذا رواية أحمد. كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ يوم عرفة لا إله إلا الله " (له الملك وله الحمد) زاد في حديث أبي هريرة عند البيهقي " يحيي ويميت بيده الخير " (رواه الترمذي) في الدعوات من طريق حماد بن حميد عن عمرو بن شعيب وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وحماد بن أبي حميد هو محمد بن أبي حميد وليس هو بالقوي عند أهل الحديث، وأخرجه أحمد من هذا الطريق (ج٢: ص٢١٠) بلفظ ((كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ يوم عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير)) ، أورده الهيثمي في مجمع الزوائد. وقال: رواه أحمد ورجاله موثقون – انتهى. ولا يخفى ما فيه. ٢٦٢٣- قوله (وروى مالك) في آخر كتاب الصلاة وفي أواخر الحج عن زياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي (عن طلحة بن عبيد الله) أي مرسلاً مرفوعًا، وطلحة هذا هو طلحة بن عبيد الله (مصغرًا) ابن كريز – بفتح الكاف وكسر الراء المهملة وسكون الياء وزاي معجمة – الخزاعي المدني أبو المطرف ثقة من أوساط التابعين، مات بالشام سنة ثمان عشرة ومائة. قال العراقي: وهم من ظنه أحد العشرة، أي لأنه تيمي واسم جده عثمان وهذا خزاعي وجده كريز فحديثه مرسل (إلى قوله ((لا شريك له)) ) وكذا أخرجه البيهقي في كتاب الدعوات الكبير والسنن الكبرى

стр. 4126

٢٦٢٤ – (٩) وعن طلحة بن عبيد الله بن كريز، أن رسول الله ﷺ قال: " ما رؤي الشيطان يومًا هو فيه أصغر ــ (ج ٥: ص ١١٧) مرسلاً مبتورًا. قال ابن عبد البر: لا خلاف عن مالك في إرساله ولا أحفظ بهذا الإسناد مسندًا من وجه يحتج به وأحاديث الفضائل لا تحتاج إلى محتج به، وقد جاء مسندًا من حديث علي وابن عمر ثم أخرج حديث علي من طريق ابن أبي شيبة وجاء أيضًا عن أبي هريرة، أخرجه البيهقي. وقال الحافظ في التلخيص (ص ٢١٥) بعد ذكر هذا الحديث: مالك في الموطأ من حديث طلحة بن عبيد الله بن كريز مرسلاً (لأن طلحة تابعي) ورُوي عن مالك موصولاً، ذكره البيهقي وضعفه، وكذا ابن عبد البر في التمهيد، وله طريق أخرى موصولة رواه أحمد والترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ " خير الدعاء دعاء يوم عرفة " الحديث. وفي إسناده حماد بن أبي حميد وهو ضعيف، ورواه العقيلي في الضعفاء من حديث نافع عن ابن عمر بلفظ " أفضل دعائي ودعاء الأنبياء قبلي عشية عرفة لا إله إلا الله " الحديث. وفي إسناده فرج بن فضالة وهو ضعيف جدًا. قال البخاري: منكر الحديث. ورواه الطبراني في المناسك من حديث علي نحو هذا، وفي إسناده قيس بن الربيع، وأخرجه البيهقي (ج ٥: ص ١١٧) وإسحاق بن راهويه كما في المطالب العالية (ج ١: ص ٢٤٥) عنه بزيادة " اللهم اجعل في قلبي نورًا " إلخ. وفي إسناده موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف وتفرد به عن أخيه عبد الله عن علي. قال البيهقي: ولم يدرك عبد الله عليًّا – انتهى. وأحاديث الباب تدل على مشروعية الاستكثار من الدعاء المذكور يوم عرفة وأنه خير ما يقال في ذلك اليوم. تنبيه: قال الزرقاني: وقع في تجريد الصحاح لرزين بن معاوية الأندلسي زيادة في أول هذا الحديث وهي: أفضل الأيام يوم عرفة وافق يوم الجمعة، وهو أفضل من سبعين حجة في غير يوم الجمعة وأفضل الدعاء، إلخ. وتعقبه الحافظ فقال: حديث لا أعرف حاله لأنه لم يذكر صحابيه ولا من خرجه بل أدرجه في حديث الموطأ هذا وليست هذه الزيادة في شيء من الموطآت، فإن كان له أصل احتمل أن يراد بالسبعين التحديد أو المبالغة في الكثرة، وعلى كل حال منهما ثبتت المزية – انتهى. وفي الهدي لابن القيم. ما استفاض على ألسنة العوام أن وقفة الجمعة تعدل ثنتين وسبعين حجة فباطل لا أصل له عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من الصحابة والتابعين – انتهى. ٢٦٢٤- قوله (وعن طلحة بن عبيد الله) بضم العين مصغرًا (بن كريز) بفتح الكاف مكبرًا، الخزاعي التابعي المتقدم ذكره آنفًا، فالحديث مرسل (أن رسول الله ﷺ قال: ما رُؤِيَ) بالبناء للمجهول (يومًا) أي في يوم (هو فيه أصغر) الجملة صفة يومًا أي أذل وأحقر، مأخوذ من الصغار بفتح الصاد المهملة وهو الهوان والذل، قاله القاري. وهكذا فسر الزرقاني وصاحب المحلى وغيرهم من الشراح. وقال الباجي: يحتمل وجهين، أن يريد الصغار والخزي

стр. 4127

ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة. وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلا ما رؤي يوم بدر ". فقيل: ما رؤي يوم بدر؟ ــ والذل، ويحتمل أن يريد به تضاؤله وصغر جسمه وأن ذلك يصيبه عند نزول الملائكة وإغضاب نزولها له – انتهى. (ولا أدْحَر) بسكون الدال وفتح الحاء وبالراء مهملات، اسم تفضيل من الدحر وهو الطرد والإبعاد أي أبعد عن الخير ومنه قوله تعالى: ﴿من كل جانب دحورًا﴾ (٣٧: ٨، ٩) وقوله تعالى ﴿اخرج منها مذؤمًا مدحورًا﴾ (٧: ١٨) وقال الطبري: الدحر الدفع بعنف على سبيل الإهانة والإذلال، ومنه: ﴿فتلقى في جهنم ملومًا مدحورًا﴾ (١٧: ٣٩) أي مبعدًا من رحمة الله (ولا أحقر) أي أسوأ حالاً، قاله القاري. وقال الزرقاني: أي أذل وأهون عند نفسه لأنه عند الناس حقير أبدًا. وقال الباجي: يحتمل الوجهين المتقدمين في أصغر (ولا أغيظ) أي أشد غيظًا محيطًا بكبده وهو أشد الحنق (منه) أي من الشيطان نفسه (في يوم عرفة) وفي المصابيح ((يوم عرفة)) قال شارحه: نصب ظرفًا لأصغر أو لأغيظ أي الشيطان في عرفة أبعد مرادًا منه في سائر الأيام وتكرار المنفيات للمبالغة في المقام، قاله القاري (وما ذاك) أي وليس ما ذكر له (إلا لما يرى) كذا في جميع النسخ من المشكاة موافقًا لما في المصابيح. وكذا ذكره المنذري في الترغيب والطبري في القرى، وفي الموطأ ((إلا لما رأى)) أي بصيغة الماضي المعلوم، قال القاري: لما يرى أي لأجل ما يعلم، قيل: ويحتمل رؤية العين كما يجيء (من تنزل الرحمة) أي على الخاص والعام بحسب المراتب (وتجاوز الله عن الذنوب العظام) قال القاري: فيه إيماء على غفران الكبائر – انتهى. قال الزرقاني: ((قوله: ((إلا لما رأى من تنزل الرحمة)) أي الملائكة النازلين بها على الواقفين بعرفة وهو لعنه الله، لا يحب ذلك، وليس المراد أنه يرى الرحمة نفسها، ولعله رأى الملائكة تبسط أجنحتها بالدعاء للحاج، ويحتمل أنه سمع الملائكة تقول: غفر لهؤلاء أونحو ذلك فعلم أنهم نزلوا بالرحمة، ورؤيته الملائكة للغيظ لا للإكرام، قاله أبو عبد الملك البوني، وقال الباجي: يحتمل أنه يرى الملائكة ينزلون على أهل عرفة وقد عرف الشيطان أنهم لا ينزلون إلا عند الرحمة لمن ينزلون عليه، ولعل الملائكة يذكرون ذلك أما على وجه الذكر بينهم أو على وجه الإغاظة للشيطان، ويخلق الله للشيطان إدراكًا يدرك به نزولهم ويدرك به ذكرهم لذلك، ولعله يسمع منهم إخبارهم بأن الله تعالى قد تجاوز لأهل الموقف عن جميع ذنوبهم وعما يوصف بالعظم منها، ويحتمل أن ينص على ذلك، ويحتمل أن يخبر به عنه بخبر يفهم المعنى وإن لم ينص على نفس المعصية سترًا من الله تعالى على عباده المغفور لهم – انتهى. (إلا ما رُؤي) ببناء المجهول (يوم بدر) قال الطيبي: أي ما رُؤي الشيطان في يوم أسوأ حالاً منه في ما عدا يوم بدر أول غزوة وقع فيها القتال وكانت في ثانية الهجرة، وفي المصابيح ((إلا ما كان من يوم بدر)) (فقيل: ما رُؤي؟) كذا في بعض النسخ بصيغة المجهول، وفي بعضها ((ما رأى)) أي ببناء المعلوم كما في الموطأ والمصابيح، أي قالت الصحابة: وما رأى الشيطان يوم

стр. 4128

قال: " فإنه قد رأى جبريل يزع الملائكة ". رواه مالك مرسلاً وفي شرح السنة بلفظ المصابيح. ٢٦٢٥ – (١٠) وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا كان يوم عرفة إن الله ينزل إلى السماء الدنيا، فيباهي بهم الملائكة، فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثًا ــ بدر حتى صار لأجله أسوأ حالاً؟ (قال) أي رسول الله ﷺ (فإنه) أي الشيطان، وفي الموطأ ((أما إنه)) (قد رأى جبريل) ﵇ أي يوم بدر (يَزَع) بفتح الياء والزاي المعجمة فعين مهملة، وأصله يوزع من الوزع، أي يصف (الملائكة) للقتال ويمنعهم أن يخرج بعضهم عن بعض في الصف. قال الجزري: وزعه يزعه وزعًا فهو وازع إذا كفه ومنعه، ومنه حديث ((إن إبليس رأى جبريل ﵇ يوم بدر يزع الملائكة)) أي يرتبهم ويسويهم ويصفهم للحرب فكأنه يكفهم عن التفرق والانتشار – انتهى. وقال الطيبي: يزعهم أي يكفهم فيحبس أولهم على آخرهم، ومنه الوازع وهو الذي يتقدم الصف فيصلحه ويقدم في الجيش ويؤخره، ومنه قوله تعالى ﴿فهم يوزعون﴾ (٢٧: ١٧، ٨٣) أي يرتبهم ويسويهم ويكفهم عن الانتشار ويصفهم للحرب – انتهى. وفيه فضل الحج وشهود عرفة، وفضل يوم بدر وسعة فضل الله على المذنبين (رواه مالك) في أواخر الحج عن إبراهيم بن أبي عبلة (من ثقات التابعين) عن طلحة بن عبيد الله ابن كريز (مرسلاً) حديث طلحة هذا ذكره المنذري في الترغيب (ج ٢: ص ٧٣) وقال: رواه مالك والبيهقي من طريقه وغيرهما وهو مرسل، وقال ابن عبد البر في التقصي: وهو مرسل عند جماعة رواة الموطأ. وقال في التمهيد: هكذا الحديث في الموطأ عند جماعة الرواة عن مالك، ورواه أبو النصر إسماعيل بن إبراهيم العجلي عن مالك عن إبراهيم بن أبي عبلة عن طلحة بن عبيد الله بن كريز عن أبيه، ولم يقل في هذا الحديث ((عن أبيه)) غيره، وليس بشيء - انتهى. قلت: عبيد الله بن كريز هذا لم يذكر في التهذيب ولا في الجرح والتعديل، وإنما ذكره ابن حبان في (ج ٢) من الثقات، وذكره أيضًا البخاري في التاريخ الكبير (ق١/ج٣/ ص ٣٩٧) فقال: عبيد الله بن كريز الخزاعي سمع عبد الله بن معقل، رواه عنه ابنه طلحة في البصريين – انتهى. وهذا كما ترى لم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً. وقال الزرقاني: حديث طلحة هذا مرسل، وزعم ابن الحذاء أن الحديث من الغرائب التي لم يوجد لها إسناد ولا نعلم أحدًا أسنده، من قصوره الشديد، فقد وصله الحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء، وقال القاري: رواه الديلمي متصلاً والبيهقي مرسلاً ومتصلاً (وفي شرح السنة) للبغوي (بلفظ المصابيح) المغاير لبعض ما هنا، وقد تقدم التنبيه على ذلك. ٢٦٢٥ – قوله (إلى السماء الدنيا) قال القاري: لعل وجه التخصيص زيادة اطلاع أهلها لأهل الدنيا (فيباهي بهم) أي بالواقفين بعرفة (الملائكة) أي ملائكة سماء الدنيا أو الملائكة المقربين أو جميع الملائكة، قاله القاري (فيقول انظروا) أي نظر اعتبار (إلى عبادي) الإضافة للتشريف (أتوني) قال القاري: أي جاءوا مكان أمري (شُعثًا) بضم الشين

стр. 4129

غبرًا ضاجين من كل فج عميق، أشهدكم أني قد غفرت لهم، فيقول الملائكة: يا رب! فلان كان يرهق وفلان وفلانة. قال: يقول الله : قد غفرت لهم ". قال رسول الله ﷺ : " فما من يوم أكثر عتيقًا من النار من يوم عرفة ". رواه في شرح السنة. ــ المعجمة وسكون العين المهملة، جمع أشعث وهو المتفرق الشعر (غبرًا) جمع أغبر وهو الذي التصق الغبار بأعضائه، وهما حالان (ضاجين) بتشديد الجيم من ضج إذا رفع صوته أي رافعين أصواتهم بالتلبية. قال القاري: وفي نسخة يعني من المشكاة بتخفيف الحاء المهملة، وفي المشارق: أي أصابهم حر الشمس. وفي القاموس: ضحى برز للشمس وكسعى ورضى أصابته الشمس. وذكر المنذري حديث جابر هذا من رواية ابن حبان بلفظ ضاحين، وقال: وهو بالضاد المعجمة والحاء المهملة أي بارزين للشمس غير مستترين منها، يقال لكل من برز للشمس من غير شيء يظله ويكنه: إنه لضاح (من كل فج عميق) متعلق بأتوا أي من كل طريق بعيد (أشهدكم) أي أظهر لكم (فلان كان يرهق) بتشديد الهاء وفتحه ويخفف أي يتهم بالسوء وينسب إلى غثيان المحارم، ولفظ البيهقي ((فتقول الملائكة: إن فيهم فلانًا مرهقًا)) قال المنذري: المرهق هو الذي يغشي المحارم ويرتكب المفاسد (وفلان وفلانة) أي كذا وكذا يعني عاص وفاسق. وقال القاري: أي كذلك يفعلان المعاصي، وإنما قالوا ذلك تعجبًا منهم بعظم الجريمة واستبعادًا لدخول صاحب مثل هذه الكبيرة في عداد المغفورين. وقال التوربشتي: قول الملائكة هذا على سبيل الاستعلام ليعلموا هل دخل ذلك المرهق في جملتهم أم لا، كأنهم قالوا: إن فيهم فلانًا ومن شأنه كيت وكيت، فماذا صنعت به، أو يكون سؤالهم هذا من طريق التعجب، وفيه من الأدب عدم التصريح بالمعائب وعلى هذا النحو من المعنى يحمل قوله ﷺ في غير هذا الحديث: إن فيهم فلانًا الخطاء. ولا يصح حمله على غير ذلك فإنهم أعلم بالله من أن يسبق عنهم مثل هذا القول على سبيل الإعلام والاعتراض (قد غفرت لهم) أي لهؤلاء أيضًا، وقد غفرت لهم جميعًا وهؤلاء منهم وهم قوم لا يشقى جليسهم، قال الطيبي: فإن الحج يهدم ما كان قبله (فما من يوم) قال الطيبي: جزاء شرط محذوف (أكثر) بالنصب خبر ما بمعنى ليس، وقيل بالرفع على اللغة التميمية (عتيقًا) تمييز (من النار) متعلق بعتيق (من يوم عرفة) متعلق بأكثر (رواه) أي البغوي (في شرح السنة) أي بسنده وأخرجه أيضًا ابن حبان وابن خزيمة في صحيحهما والإسماعيلي في معجمه وأبو يعلى والبزار وابن منيع وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن عساكر وقاسم بن أصبع في مسنده والحاكم والبيهقي وابن أبي الدنيا بألفاظ متقاربة مختصرًا ومطولاً وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (ج ٣: ص ٢٥٣) من رواية أبي يعلى والبزار بزيادة فضل عشر ذي الحجة في أوله، وقال: فيه محمد بن مروان العقيلي وثقه ابن معين وابن حبان، وفيه بعض كلام، وبقية رجاله رجال الصحيح – انتهى. وفي الباب عن أبي هريرة وابن عمر وأنس وعبد الله بن عمرو بن العاص ذكر أحاديثهم المنذري في الترغيب والطبري في القرى وعلي المتقي في الكنز والهيثمي في مجمع الزوائد.

стр. 4130

(الفصل الثالث) ٢٦٢٦ - (١١) عن عائشة، قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكان سائر العرب يقفون بعرفة، فلما جاء الإسلام أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يأتي عرفات، فيقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ . ــ ٢٦٢٦ - قوله (كانت قريش ومن دان دينها) أي اتبعهم في دينهم ووافقهم عليه واتخذ دينهم له ديناً (يقفون بالمزدلفة) أي حين يقف الناس بعرفة. قال سفيان بن عيينة: وكان الشيطان قد استهواهم فقال لهم: إنكم إن عظَّمتم غير حرمكم استخف الناس بحرمكم فكانوا لا يخرجون من الحرم. رواه الحميدي في مسنده (ج ١: ص ٢٥٥) (وكانوا) أي قريش (يسمون الحُمْس) بضم الحاء المهملة وسكون الميم بعدها سين مهملة جمع أحمس من الحماسة بمعنى الشدة. روى إبراهيم الحربي في غريب الحديث عن مجاهد قال: الحمس قريش ومن كان يأخذ مأخذها من القبائل كالأوس والخزرج وخزاعة وثقيف وغزوان وبني عامر وبني صعصعة وبني كنانة إلا بني بكر، والأحمس في كلام العرب الشديد، وسموا بذلك لما شددوا على أنفسهم، وكانوا إذا أهلوا بحج أو عمرة لا يأكلون لحمًا ولا يضربون وبرًا ولا شعرًا، وإذا قدموا مكة وضعوا ثيابهم التي كانت عليهم، وروى إبراهيم أيضًا من طريق عبد العزيز بن عمران المدني قال: سموا حمسًا بالكعبة لأنها حمساء في لونها، حجرها أبيض يضرب إلى السواد - انتهى. والأول أشهر وأكثر وأنه من التحمس وهو التشدد. قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: تحمس تشدد، ومنه حمس الوغى إذا اشتد. قال: كانت قريش إذا خطب إليهم الغريب اشترطوا عليه أن ولدها على دينهم فدخل في الحمس من غير قريش ثقيف وليث بن بكر وخزاعة وبنو عامر بن صعصعة يعني وغيرهم، وعرف بهذا المراد بهذه القبائل من كانت له من أمهاته قرشية لا جميع القبائل المذكورة، كذا في الفتح. وقيل سموا حمسًا لشجاعتهم، والحماسة الشجاعة، وفيه إشارة إلى أنهم كانوا يفتخرون بشجاعتهم وجلادتهم مميزين أنفسهم عن جماعتهم وأهل جلدتهم (وكان سائر العرب) يعني بقيتهم (يقفون بعرفة) على العادة القديمة والطريقة المستقيمة (أن يأتي عرفات) هي علم للموقف والتاء ليست للتأنيث قاله الزمخشري. وقال الكرماني: التنوين عوض من النون في الزيدين يعني أن التنوين للمقابلة لا للتمكن أي جيء به في مقابلة النون في جمع المذكر السالم، وقد قيل كل بقعة فيها تسمى عرفة فهي جمع حقيقة (ثم يفيض منها) قال الطيبي: الإفاضة الزحف والدفع في السير وأصلها الصب (من أفضت الماء إذا صببته بكثرة) فاستعير للدفع في السير، وأصله أفاض نفسه أو راحلته ثم ترك المفعول رأساً حتى صار كاللازم (فذلك قوله : ثم أفيضوا) أي ادفعوا وارجعوا (من حيث أفاض الناس) أي عامتهم وهو عرفة. قال الترمذي: معنى هذا الحديث أن أهل مكة كانوا لا يخرجون من الحرم، وعرفات خارج من.

стр. 4131

متفق عليه. ــ الحرم فأهل مكة كانوا يقفون بالمزدلفة ويقولون نحن قطين الله يعنى سكان (بيت) الله، ومن سوى أهل مكة كانوا يقفون بعرفات فأنزل الله تعالى ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ (٢: ١٩٩) والحمس هم أهل الحرم – انتهى. قال السندي: قوله ﴿ثم أفيضوا﴾ أي أيها القريش ﴿من حيث أفاض الناس﴾ أي غيركم وهو عرفات والمقصود أي ارجعوا من ذلك المكان، ولا شك أن الرجوع من ذلك المكان يستلزم الوقوف فيه، لأنه مسبوق به فلزم من ذلك الأمر بالوقوف من حيث وقف الناس وهو عرفة. قال الحافظ: دل هذا الحديث على أن المراد بقوله تعالى ﴿ثم أفيضوا﴾ الإفاضة من عرفة، وظاهر سياق الآية أنها الإفاضة من مزدلفة لأنها ذكرت بلفظة ثم بعد ذكر الأمر بالذكر عند المشعر الحرام، وأجاب بعض المفسرين بأن الأمر بالذكر عند المشعر الحرام بعد الإفاضة من عرفات التي سيقت بلفظ الخبر تنبيهًا على المكان الذي تشرع الإفاضة منه، فالتقدير: فإذا أفضتم اذكروا ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس لا من حيث كان الحمس يفيضون، أو التقدير: فإذا أفضتم من عرفات إلى المشعر الحرام فاذكروا الله عنده، ولتكن إفاضتكم من المكان الذي يفيض فيه الناس غير الحمس، ثم قال الحافظ: وأما الإتيان في الآية بقوله ثم فقيل هي بمعنى الواو وهذا اختيار الطحاوي، وقيل لقصد التأكيد لا لمحض الثرتيب، والمعنى فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام، ثم اجعلوا الإفاضة التي تفيضونها من حيث أفاض الناس لا من حيث كنتم تفيضون. قال الزمخشري: وموقع ثم ها هنا موقعها من قولك: أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم، فتأتى ثم لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم والإحسان إلى غيره فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات بين لهم مكان الإفاضة فقال ((ثم أفيضوا)) لتفاوت ما بين الإفاضتين وأن إحداهما صواب والأخرى خطأ. قال الخطابي: تضمن قوله تعالى ((ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ (٢: ١٩٩) الأمر بالوقوف بعرفة، لأن الإفاضة إنما تكون عند اجتماع قبله، وكذا قال ابن بطال وزاد: وبين الشارع مبتدأ الوقوف بعرفة ومنتهاه – انتهى. وروى البخاري من حديث عروة عن عائشة قالت: إن هذه الآية نزلت في الحمس ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ قالت: كانوا (أي الحمس) يفيضون من جمع فدفعوا إلى عرفات. قال الحافظ: المعنى أنهم أمروا أن يتوجهوا إلى عرفات ليقفوا بها ثم يفيضوا منها. قال: وعرف برواية عائشة أن المخاطب بقوله تعالى ﴿أفيضوا﴾ النبي ﷺ ، والمراد به من كان لا يقف بعرفة من قريش وغيرهم. وروى ابن أبي حاتم وغيره عن الضحاك أن المراد بالناس هنا إبراهيم الخليل ﵇ وعنه المراد به الإمام وعن غيره آدم، وقرئ في الشواذ الناسي بكسر السين بوزن القاضي والأول أصح، نعم الوقوف بعرفة موروث عن إبراهيم كما روى الترمذي وغيره من طريق يزيد بن شيبان قال: كنا وقوفًا بعرفة فأتى ابن مربع – الحديث، وقد تقدم. ولا يلزم من ذلك أن يكون هو المراد خاصة بقوله ﴿من حيث أفاض الناس﴾ بل هو الأعم من ذلك والسبب فيه ما حكته عائشة ﵂ (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج وفي تفسير سورة البقرة، ومسلم في الحج وأخرجه أيضًا فيه

стр. 4132

٢٦٢٧ – (١٢) وعن عباس بن مرداس، أن رسول الله ﷺ دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة فأجيب: " أني قد غفرت لهم ما خلا المظالم، فإني آخذ للمظلوم منه ". قال: " أي رب! إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة وغفرت للظالم ". فلم يجب عشيته، فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء، فأجيب إلى ما سأل. قال: فضحك رسول الله ﷺ ، أو قال: تبسم. فقال له أبو بكر وعمر: بأبي أنت وأمي إن هذه لساعة ما كنت تضحك فيها ــ الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة. قال البوصيري في الزوائد: الحديث موقوف ولكن حكمه الرفع لأنه في شأن نزوله. ٢٦٢٧- قوله (وعن عباس بن مرداس) بكسر الميم هو العباس بن مراداس بن أبي عامر أبو الهيثم ويقال أبو الفضل السلمي الشاعر الصحابي المشهور، أسلم قبل فتح مكة بيسير، وقيل: أسلم بعد يوم الأحزاب، وعداده في المؤلفة قلوبهم وحسن إسلامه، وشهد فتح مكة وحنينًا، وكان ممن حرم الخمر في الجاهلية ونزل ناحية البصرة. قال الحافظ في تهذيب التهذيب: روى عن النبي ﷺ وعنه ابنه كنانة وعبد الرحمن بن أنس السلمي، روى له أبو داود وابن ماجه حديثًا واحدًا في يوم عرفة – انتهى (أن رسول الله ﷺ دعا لأمته) قال القاري: الظاهر لأمته الحاجين معه مطلقًا. لا مطلق الأمة فتأمل. وقال السندي: قوله " لأمته " أي لمن معه في حجه ذلك أو لمن حج من أمته إلى يوم القيامة أو لأمته مطلقًا من حج أو لم يحج (عشية عرفة) أي وقت الوقفة (بالمغفرة) أي التامة (فأجيب أني) أي بأني. قال السندي: بفتح الهمزة أي أجابه الله بأني قد غفرت أو بكسرها أي أجابه قائلاً: إني قد غفرت (ما خلا المظالم) أي ما عدا حقوق الناس جمع مظلمة بكسر اللام وفتحها وهي ما تطلبه من عند الظالم مما أخذه منك بغير حق، وهي في الأصل مصدر بمعنى الظلم، وقيل جمع مظلم بكسر اللام والمظالم أعم من أن تكون مالية وعرضية (فإني آخذ) بصيغة المتكلم أو الفاعل (للمظلوم منه) أي من الظالم إما بالعذاب وإما بأخذ الثواب إظهارًا للعدل (أعطيت) أي من عندك (المظلوم من الجنة) أي ما يرضيه منها أو بعض مراتبها العلية. وقال السندي: ظاهره أنه سأل مغفرة مظالم المؤمنين بخلاف مظالم أهل الذمة إلا أن يقال: قوله " من الجنة " أي مثلاً أو تخفيف العذاب والله تعالى أعلم الصواب (وغفرت للظالم) فضلاً (فلم يجب) بصيغة المجهول والضمير لرسول الله ﷺ (عشيته) أي في عشية عرفة، والتذكير باعتبار الزمان أو المكان. ويمكن أن يكون الضمير راجعًا إليه ﷺ ، فالإضافة لأدني ملابسة، قاله القاري (فلما أصبح بالمزدلفة) أي ووقف بها (أعاد الدعاء) أي المذكور (فأجيب إلى ما سأل) أي ما طلبه على وجه العموم. قيل إلى بمعني اللام ويمكن أن يكون لضمين معنى الرجوع والوصول. قال القاري: وكان العباس سمع هذه الأمور منه ﷺ فرواها كأنه علمها (قال) أي العباس (فضحك رسول الله ﷺ أو قال: تبسم) أو للشك من الراوي عن العباس لقوله قال (ما كنت تضحك فيها) أي من شأنها أن لا تضحك فيها، أو المراد في مثلها مما تبكي وتتضرع فيه

стр. 4133

فما الذي أضحكك، أضحك الله سنك. قال: " إن عدو الله إبليس لما علم أن الله قد استجاب دعائي وغفر لأمتي، أخذ التراب فجعل يحثوه على رأسه، ويدعو بالويل والثبور، فأضحكني ما رأيت من جزعه ". ــ وإلا لم ير رسول الله ﷺ في هذه الساعة قبل، لأنه لم يحج إلا أول حجها، وإن قيل إنه ﷺ قد حج قبل عهد الإسلام فأبو بكر وعمر لم يرياه، كذا في اللمعات (أضحك الله سنك) أي أدام الله لك السرور الذي سبب ضحكك (فجعل يحثوه على رأسه) أي يلقي التراب بكفيه على رأسه (ويدعو بالويل) أي العذاب (والثبور) بضم الثاء أي الهلاك يعني يقول: وا ويلاه ويا ثبوراه. قال الطيبي: كل من وقع في تهلكة دعا بالويل والثبور أي يا هلاكي وعذابي احضر فهذا أوانك. وقال الطبري: الويل الحزن والهلاك المشقة وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، ومعنى النداء فيه يا حزني ويا عذابي ويا هلاكي احضر فهذا وقتك، فكأنه نادى الويل أن يحضره بما عرض له، والثبور هو الهلاك، وقد ثبر يثبر ثبورًا إذا هلك (فأضحكني ما رأيت من جزعه) أي مما صدر من فضل ربي على رغمه. قال القاري: وظاهر الحديث عموم المغفرة وشمولها حق الله وحق العباد إلا أنه قابل للتقييد بمن كان معه ﷺ في تلك السنة (يعني المراد من الأمة هم الواقفون معه ﷺ بعرفة) أو بمن قبل حجه بأن لم يرفث ولم يفسق. ومن جملة الفسق الإصرار على المعصية وعدم التوبة، ومن شرطها أداء حقوق الله الفائتة كالصلاة والزكاة وغيرهما وقضاء حقوق العباد المالية والبدنية والعرضية اللهم إلا أن يحمل على حقوق لم يكن عالمًا بها أو يكون عاجزًا عن أدائها. قال: ولا تغتر بكون هذا الحديث مجملاً مع اعتقاد أن فضل الله واسع، وقد قال تعالى ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (٤: ٤٨، ١١٦) ?ولذا قال ﵊: أي رب إن شئت، فما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن ولا يسئل عما يفعل وهم يسئلون. ثم قال القاري بعد ذكر الكلام في هذا الحديث وما ورد في معناه من الروايات قال: بعضهم إذا تأملت ذلك كله علمت أنه ليس في هذه الأحاديث ما يصلح متمسكًا لمن زعم أن الحج يكفر التبعات لأن الحديث ضعيف، على أنه ليس نصًا في المدعى لاحتماله ومن ثمة قال البيهقي: يحتمل أن تكون الإجابة إلى المغفرة بعد أن يذيقهم شيئًا من العذاب دون ما يستحقه فيكون الخبر خاصًا في وقت دون وقت، يعني ففائدة الحج حينئذ التخفيف من عذاب التبعات في بعض الأوقات دون النجاة بالكلية، ويحتمل أن يكون عامًا ونص الكتاب يدل على أنه مفوض إلى مشيئته تعالى. وحاصل هذا الأخير أنه بفرض عمومه محمول على أن تحمله تعالى التبعات من قبيل ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ وهذا لا تكفير فيه وإنما يكون فاعله تحت المشيئة فشتان ما بين الحكم بتكفير الذنوب وتوقفه على المشيئة ولذا قال البيهقي: فلا ينبغي لمسلم أن يغر نفسه بأن الحج يكفر التبعات فإن المعصية شؤم، وخلاف الجبار في أوامره ونواهيه عظيم. قال: وهذا لا ينافي

стр. 4134

رواه ابن ماجة، وروى البيهقي في كتاب البعث والنشور نحوه. ــ قول ابن المنذر فيمن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه: إن هذا عام يرجى أن يغفر له جميع ذنوبه صغائرها وكبائرها، وإنما الكلام في الوعد الذي لا يخلف – انتهى. (رواه ابن ماجة) أي بهذا اللفظ من طريق عبد القاهر بن السري السلمي عن عبد الله بن كنانة (بكسر كاف وبنونين بينهما ألف وأولاهما خفيفة) بن عباس بن مرداس السلمي عن أبيه كنانة عن جده عباس (وروى البيهقي في كتاب البعث والنشور نحوه) أي بمعناه، وكذا رواه في شعب الإيمان وفي السنن الكبرى (ج ٥: ص ١١٨) ورواه أيضًا عبد الله بن أحمد في زوائد المسند لأبيه (ج ٤: ص ١٤) والطبراني في الكبير وأخرج أبو داود في كتاب الأدب من سننه طرفًا منه من الوجه الذي رواه ابن ماجة لكنهم قالوا حدثني ابن لكنانة بن العباس ولم يسموه عن أبيه عن جده عباس، وعبد الله بن كنانة بن عباس، قال الحافظ في التقريب في كليهما أنه مجهول. وذكر في تهذيب التهذيب في ترجمتهما عن البخاري أنه قال: لم يصح حديثه. وقال في ترجمة كنانة بعد ذكر كلام البخاري هذا: وذكره ابن حبان في الثقات، وذكره أيضًا في كتاب الضعفاء قال: حديثه منكر جدًا لا أدرى التخليط منه أو من ابنه ومن أيهما كان فهو ساقط الاحتجاج به – انتهى. وقال البوصيري في الزوائد: في إسناده عبد الله بن كنانة قال البخاري: لم يصح حديثه – انتهى. ولم أر من تكلم بجرح ولا توثيق – انتهى. والحديث سكت عنه أبو داود بعد رواية طرف منه من الوجه المذكور، ونقل المنذري في مختصر السنن (٨ / ٩٧) كلام ابن حبان وزاد: " لعظم ما أتى من المناكير عن المشاهير ". وقد ظهر بهذا كله أن حديث عباس هذا ضعيف لكن له شواهد يبلغ بها إلى درجة الحسن. قال في المواهب اللدنية بعد ذكر حديث عباس بن مرداس من رواية ابن ماجة: ورواه أبو داود من الوجه الذي رواه ابن ماجة ولم يضعفه. قال الزرقاني: أي سكت عليه فهو عنده صالح للحجة، وقد أخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسي في الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين من طرق وقد صنف الحافظ ابن حجر فيه كراسًا سماه " قوة الحجاج في عموم المغفرة للحجاج ". قال في أوله: إنه سئل عن حال هذا الحديث هل هو صحيح أو حسن أو ضعيف أو منكر أو موضوع؟ قال: فأجبت بأنه جاء من طرق أشهرها حديث عباس بن مرداس فإنه مخرج في مسند أحمد، وأخرج أبو داود طرفًا منه وسكت عليه، فهو عنده صالح. وعلى رأى ابن الصلاح ومن تبعه حسن، وعلى رأى الجمهور كذلك، لكن باعتبار انضمام الطرق الأخرى إليه، ثم قال الحافظ أثناء كلامه. حديث العباس بمفرده يدخل في حد الحسن على رأى الترمذي ولا سيما بالنظر إلى مجموع هذه الطرق لطرق ذكرها، قال: وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من حديث ابن مرداس، وقال: فيه كنانة منكر الحديث جدًا لا أدرى التخليط منه أو من ولده. وهذا لا ينتهض دليلاً على أنه موضوع فقد اختلف قول ابن حبان في كنانة فذكره في الثقات وفي الضعفاء، وذكر ابن مندة أنه قيل إن له رؤية منه

стр. 4135

.............................................................................................. ــ ﷺ ، وأما ولده عبد الله بن كنانة ففيه كلام لابن حبان أيضًا وكل ذلك لا يقتضي وضعه، بل غايته أن يكون ضعيفًا ويتعضد بكثرة طرقه، وأورد حديث ابن عمر في الموضوعات أيضًا وقال: فيه عبد العزيز بن أبي رواد، تفرد به نافع عن ابن عمر، قال ابن حبان: كان يحدث على التوهم والحسبان فبطل الاحتجاج به وهو مردود فإنه لا يقضي أنه موضوع مع أنه لم ينفرد به، بل له متابع عند ابن حبان في كتاب الضعفاء، هذا كلام الحافظ ملخصًا وهو كلام متقن إمام في الفن فلا عليك ممن أطلق عليه اسم الضعيف الذي لا يحتج به. وقال الطبري بعد روايته حديث ابن عمر: إنه محمول بالنسبة إلى المظالم على من تاب وعجز عن وفائها مع العزم على أنه يوفي إذا قدر ما يمكن توفيته. وقد رواه أي حديث العباس بن مرداس البيهقي في السنن الكبرى بنحو رواية ابن ماجة وكذا الطبراني في الكبير وعبد الله أحمد في زوائد المسند لأبيه وابن عدي وصححه الضياء كما مر. وقد قالوا إن تصحيحه أعلى من تصحيح الحاكم. وقال البيهقي بعد أن أخرجه في كتاب البعث: هذا الحديث له شواهد كثيرة، فأخرجه عبد الرزاق والطبراني من حديث عبادة بن الصامت وأبو يعلى وابن منيع من حديث أنس وابن جرير وأبو نعيم وابن حبان من حديث ابن عمر والدارقطني وابن حبان من حديث أبي هريرة وابن مندة من حديث عبد الله بن زيد (ذكر رواياتهم الحافظ في مؤلفه بنحو حديث عباس بن مرداس) وارجع إلى تنزيه الشريعة لابن عراق (ج ٢: ص ١٦٩، ١٧٠) والقول المسدد (ص ٣٧ – ٤٠) فإن صح بشواهده فقيه الحجة وإن لم يصح فنحن في غنية عن تصحيحه فقد قال الله تعالى ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ وظلم بعضهم بعضًا دون الشرك فيدخل في الآية – انتهى. وهو حسن، وفي الحديث الصحيح: من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه، وهو مخصوص بالمعاصي المتعلقة بالحقوق ولا تسقط الحقوق أنفسها، فمن كان عليه صلاة أو صيام أو زكاة أو كفارة ونحوها من حقوق الله أو شيء من حقوق العباد لا تسقط عنه لأنها حقوق لا ذنوب، إنما الذنب تأخيرها فنفس التأخير يسقط بالحج لا هي نفسها، فلو أخره، بعد الحج تجدد إثم آخر، فالحج المبرور يسقط إثم المخالفة لا الحقوق؛ ولا يسقط حق الآدمي بالحج إجماعاً والله أعلم، كذا في شرح المواهب، وقال ابن عابدين: قد يقال بسقوط نفس الحق إذا مات قبل القدرة على أدائه سواء كان حق الله تعالى أو حق عباده وليس في تركته ما بقي به لأنه إذا سقط إثم التأخير ولم يتحقق منه إثم بعده فلا مانع من سقوط نفس الحق، أما حق الله تعالى فظاهر، وأما حق العبد فالله تعالى يرضي خصمه عنه كما مر في الحديث. ثم قال: اعلم أن تجويزهم تكفير الكبائر بالهجرة والحج مناف لنقل عياض الإجماع على أنه لا يكفرها إلا التوبة، ولا سيما على القول بتكفير المظالم أيضًا، بل القول بتكفير إثم المطل وتأخير الصلاة ينافيه لأنه كبيرة، وقد كفرها الحج بلا توبة، وكذا ينافيه عموم قوله تعالى ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ وهو اعتقاد أهل الحق أن مات مصرًا على الكبائر كلها سوى الكفر فإنه قد يعفى بشفاعة أو بمحض الفضل، والحاصل كما في البحر أن المسألة ظنية فلا يقطع بتكفير الحج للكبائر من حقوقه تعالى فضلاً عن حقوق العباد والله تعالى أعلم – انتهى. وقال القاري بعد ذكر كلام البيهقي:
следующие страницы →