Полный текст (4 545 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
الأذنان من الرأس)) ، رواه ابن ماجه، وأبوداود، والترمذي. وذكرا قال حماد: لا أدري الأذنان من الرأس من قول أبي أمامة؛ أم من قول رسول الله ﷺ .
ــ
أبوأمامة فيكون موقوفاً، والراجح عندنا هو الأول لما سيأتي (الأذنان من الرأس) أي حكماً من حيث أنهما يمسحان بماء الرأس لا من الوجه، فيغسلان معه، واختلفوا في أنهما يمسحان ببقية ماء الرأس، أو يؤخد لهما ماء جديد، والراجح عندنا أنهما يمسحان بماء الرأس، ولو أخذ لمسحهما ماء جديداً لم يفعل بأساً لقوله: الأذنان من الرأس. وتقرير دلالته على ذلك أنه لايخلو من أحد الأمرين: إما أن يراد به الحكم أو بيان الخلقة، لا يجوز الثاني لكونه ﷺ مبعوثاً لبيان الأحكام دون الخلقة والحقائق، ولكونهما من الرأس مشاهدة مغنية عن البيان، فتعين الأول، ثم لا يخفى إما أن يكون المراد من الحكم كونهما ممسوحتين بماء الرأس، أو كونهما ممسوحتين كالرأس، ولا يجوز الثاني، لأن اشتراك الشيء مع الشيء لا يوجب أن يكون ذلك الشيء من الشيء الآخر، كالرجل مع الوجه يشتركان في حكم الغسل، ولا يقال: إن الرجل من الوجه، فتعين الأول وهو كونهما ممسوحتين بماء الرأس، ويؤيد ذلك ما تقدم من حديث ابن عباس عند ابن حبان وغيره، في صفة الوضوء، وفيه "وغرف غرفة فمسح برأسه وأذنيه داخلهما بالسبابتين، وخالف بإبهاميه إلى ظاهر أذنيه ... " الحديث. واستدل النسائي على ذلك بحديث: إذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، لأن خروج الخطايا منهما بمسح الرأس إنما يحسن إذا كانا منه، وقد سبق التنبيه على ذلك في أوائل الطهارة. قال شيخنا في شرح الترمذي بعد ذكر ما احتج به على أخذ الماء الجديد لمسح الأذنين أخذاً من النيل ما نصه: لم أقف على حديث مرفوع صحيح خال عن الكلام يدل على مسح الأذنين بماء جديد، نعم ثبت ذلك عن ابن عمر من فعله، روى مالك في موطأه عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يأخذ الماء بإصبعيه لأذنيه - انتهى. وقال ابن القيم في الهدى: لم يثبت عنه أنه أخذ لهما ماء جديداً، وإنما صح ذلك عن ابن عمر. (رواه ابن ماجه وأبوداود والترمذي) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥:ص٢٥٨و٢٦٨) كلهم من حديث حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة، عن شهر بن حوشب، وعن أبي أمامة، قال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بذاك القائم (وذكرا) أي أبوداود والترمذي في روايتهما عن قتيبة، عن حماد، ولذا قدم المصنف عليهما ابن ماجه مع أنه خلاف العادة (قال حماد) هو حماد بن زيد بن درهم الأزدى الجهضمي أبوإسماعيل البصرى أحد الأعلام الأثبات. قال الحافظ: ثقة ثبت فقيه. قيل: إنه كان ضريراً، ولعله طرأ عليه لأنه صح أنه كان يكتب. ولد سنة (٩٨) ومات في رمضان سنة (١٧٩) وله إحدى وثمانون سنة. (لا أدرى الأذنان من الرأس من قول أبي أمامة) أي موقوفاً. (أم من قول رسول الله ﷺ ) أي مرفوعاً. ورواه أبوداود أيضاً عن سليمان بن حرب عن حماد، وقال: قال سليمان بن حرب: يقولها أبوأمامة. ورواه ابن ماجه، عن محمد بن زياد، عن حماد بإسناده بلفظ: أن رسول الله ﷺ قال: "الأذنان من الرأس"، وكان يمسح رأسه مرة، وكان يمسح المأقين. وهذا اللفظ لا يحتمل أن يكون كلمة "الأذنان من الرأس" مدرجة في الحديث، بل هو نص في أنها من اللفظ النبوى، وقد أطالوا البحث في هذه الكلمة، وهل هي مدرجة
стр. 527
٤١٩- (٢٦) وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: ((جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا
ــ
من قول أبي أمامة أو مرفوعة. ورجح كثير منهم أبوحاتم، وأبوزرعة، والدارقطني، والبيهقي الإدراج. وقال الحافظ في التلخيص (ص٣٣) : قد بينت أنه مدرج في كتابي في ذلك أي: تقريب المنهج بترتيب المدرج. والظاهر أنه مرفوع ليس بمدرج، والحديث حسن أو صحيح، فقد روى من غير وجه بأسانيد بعضها جيد ويؤيد بعضها بعضاً. قال ابن دقيق العيد في الإمام في حديث أبي أمامة هذا: أنه معلول بوجهين: أحدهما الكلام في شهر بن حوشب، والثاني في الشك في رفعه، ولكن شهر وثقه أحمد، ويحيى، والعجلي، ويعقوب بن شيبة، وسنان بن ربيعة، أخرج له البخاري أي: مقروناً بآخر، وهو وإن كان قد لين فقال ابن عدى: أرجو أنه لابأس به، وقال ابن معين: ليس بالقوى. فالحديث عندنا حسن - انتهى. وقال الزيلعي في نصب الراية (ج١:ص١٩) : قد اختلف فيه على حماد فوقفه ابن حرب عنه، ورفعه أبوالربيع، واختلف أيضاً على مسدد عن حماد، فروى عنه الرفع، وروى عنه الوقف. وإذا رفع ثقة حديثاً ووقفه آخر، أو فعلهما شخص واحد في وقتين ترجح الرافع لأنه أتى بزيادة، ويجوز أن يسمع الرجل حديثاً فيفتى به في وقت، ويرفعه في وقت آخر، وهذا أولى من تغليط الراوي، ثم نقل الزيلعي حديث "الأذنان من الرأس" من حديث عبد الله بن زيد مرفوعاً من سنن ابن ماجه وقال: هذا أمثل إسناد في الباب لا تصاله وثقة رواته - انتهى. وقال البوصيرى في الزوائد: هذا إسناده حسن إن كان سويد بن سعيد حفظه، قلت: سويد بن سعيد هذا صدوق في نفسه إلا أنه عمى فصار يتلقن ما ليس من حديثه، وقد أخرج له مسلم، واحتج به، ثم نقله الزيلعي من حديث ابن عباس مرفوعاً أيضاً من سنن الدارقطني من طريق أبي كامل الجحدري، عن غندر، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، ثم قال: قال ابن القطان: إسناده صحيح لاتصاله وثقة رواته، قال وأعله الدارقطني بالاضطراب في إسناده، وقال: إسناده وهم، وإنما هو مرسل، ثم أخرجه عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن النبي ﷺ مرسلاً، وتبعه عبد الحق في ذلك، وقال: إن ابن جريج الذي دار الحديث عليه يروى عنه عن سليمان بن موسى عن النبي ﷺ مرسلاً. قال: وهذا ليس يقدح فيه، وما يمنع أن يكون فيه حديثان مسند ومرسل - انتهى. قال شيخنا في شرح الترمذي: كلام ابن القطان هذا متجه، وقد روى "الأذنان من الرأس" من حديث أبي هريرة. وأبي موسى، وابن عمر، وعائشة، وأنس أيضاً، انظر التلخيص (ص٣٣) ونصب الراية (ج١:ص٢٠) .
٤١٩- قوله: (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه) شعيب (عن جده) أي: جد شعيب وهو عبد الله بن عمرو بن العاس (يسأله) حال من فاعل جاء (عن الوضوء) أي: كيفيته (فأراه) أي: بالفعل، لأنه أبلغ في التعليم من القول. وفي الكلام حذف، تقديره: أي: فأراد أن يريه ما سأله فتوضأ (ثلاثاً ثلاثاً) أي: غير المسح، فقد جاء في هذا الحديث أن المسح كان
стр. 528
فقد أساء وتعدى وظلم)) . رواه النسائي، وابن ماجه، وورى أبوداود معناه.
٤٢٠- (٢٧) وعن عبد الله بن المغفل، أنه سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة. قال أي بني سل الله الجنة، وتعوذ به من النار: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور
ــ
مرة في رواية سعيد بن منصور ذكره الحافظ في الفتح، وقد سبق التنبيه على ذلك (فقد أساء) أي: في مراعاة آداب الشرع، فإن الزيادة استنقاص لما استكمله الشرع (وتعدى) أي: عما حد له وجعله غاية التكميل (وظلم) أي: نفسه باتعابها فيما زاد على الثلاثة من غير حصول ثواب له، أو بإتلاف الماء ووضعه في غير محله، وإنما ذمه بهذه الكلمات الثلاث إظهاراً لشدة النكير عليه, وزجراً له عن ذلك. وقد جاء في رواية أبي داود زيادة أو نقص، واستشكلت. والمحققون على أنها وهم لجواز الوضوء مرة مرة ومرتين ومرتين، وقد تكلف لتوجيهها بما هو مذكور في النيل (ج١:ص١٦٨) والعون (ج١:ص٥٢) إن شئت الوقوف عليه فارجع إليهما (رواه النسائي وابن ماجه) إلا أن رواية ابن ماجه بلفظ "هذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء، أو تعدى، أو ظلم" بأو، بدل الواو (وروى أبوداود معناه) بأطول من هذا، وسكت عليه: وأخرجه أيضاً أحمد، وابن خزيمة. قال الحافظ في التلخيص: من طرق صحيحه، وصرح في الفتح: أنه صححه ابن خزيمة وغيره.
٤٢٠- قوله: (أنه سمع ابنه) يمكن أي يكون هو يزيد بن عبد الله بن مغفل، الذى روى عنه أبونعامة الحنفي في ترك الجهر بالبسملة عند الترمذي وغيره، ويزيد هذا مجهول الحال، ويمكن أن يكون هذا ابناً لعبد الله بن مغفل آخر غير هذا الذى روى عنه أبونعامة، وعلى هذا فلم أقف على اسمه (أسألك القصر) قال في المجمع القصر هو الدار الكبيرة المشيدة لأنه يقصر فيه الحرم (قال) أي: عبد الله لابنه حين سمعه يدعو بهذه الكلمات (أي) بفتح الهمزة وسكون الياء حرف نداء ينادي به القريب (بني) تصغير للإبن مضافا إلى ياء المتكلم، (سل) أمر من سأل يسئل (الله الجنة) أي ينبغي لك أن تكتفي بسؤال الجنة، ولا تجاوز في السؤال عن الحد بزيادة القيود والأوصاف. قيل: إنما أنكر عبد الله على ابنه في هذا الدعاء، لأنه طمح إلى ما لا يبلغه عملاً حيث سأل منازل الأنبياء، وجعله من الإعتداء في الدعاء لما فيه من التجاوز عن حد الأدب، ونظر الداعي إلى نفسه بعين الكمال. وقيل: لأنه سأل شيئاً معيناً فربما كان مقدراً لغيره. وقيل: إنكار عبد الله على ابنه من قبيل سد باب الإعتداء فإنه لما سمع ابنه يدعو بهذا الدعاء خاف عليه أن يتجاوز عنه إلى ما فيه الإعتداء حقيقة فنبه على ذلك، وأنكر عليه سداً للباب (يعتدون) بتخفيف الدال من الاعتداء، أي يتجاوزون عن الحد الشرعي (في الطهور) بالزيادة على الثلاث وإسراف الماء، وبالمبالغة
стр. 529
والدعاء)) . رواه أحمد، وأبوداود، وابن ماجه.
٤٢١- (٢٨) وعن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ ، قال: ((إن للوضوء شيطاناً يقال له: الولهان، فاتقوا وسواس الماء)) . رواه الترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديثٌ غريبٌ، وليس إسناده بالقوى عند أهل الحديث، لأنا لا نعلم أحداً أسنده غير خارجة،
ــ
في الغسل إلى حد الوسواس. والحديث عام يتناول الغسل، والوضوء، وإزالة النجاسة (والدعاء) قيل الاعتداء في الدعاء هو الدعاء بما لايجوز، ورفع الصوت به، والصياح. وقيل: سؤال منازل الأنبياء. وقيل: هو أن يتكلف السجع في الدعاء. (رواه أحمد وأبوداود) في الطهارة وسكت عنه هو والمنذري. (وابن ماجه) في أبواب الدعاء، لكن ليس في روايته لفظ الطهور فلا يكون شاهداً في الباب، فكان الأولى للمصنف أن لا يذكر ابن ماجه. وقيل عزا الحديث لابن ماجه نظراً إلى أصل الحديث، وإن اقتصر هو منه على الدعاء. والحديث أخرجه أيضاً ابن حبان والحاكم.
٤٢١- قوله: (إن للوضوء) المشهور ضم الواو على إرادة الفعل، ويحتمل الفتح على إرادة الماء وهو أنسب بآخر الحديث على بعض الاحتمالات، يعني أن لأجل إلقاء الوسوسة في الوضوء وما يتعلق به (شيطاناً) أي: نوعا خاصاً، وصنفاً معيناً من الشيطان، اسم هذا النوع الولهان، وليس المراد أنه واحد بالشخص. (الولهان) بالواو واللام المفتوحتين، صفة مشبهة من الوله، وقيل: أصله مصدر "وله" بكسر اللام ومصدره أيضاً "الوله" بفتح اللام، وهو الحزن، أو ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد وغاية العشق. وسمى به شيطان الوضوء إما لشدة حرصه على طلب الوسوسة، وإما لإلقائه الناس بالوسوسة في مهواة الحيرة، حتى يرى صاحبه حيران، ذاهب العقل، لايدري كيف يلعب به الشيطان، ولا يعلم هل وصل الماء إلى العضو أم لا، وكم مرة غسله، كما ترى عياناً في الموسوسين في الوضوء (فاتقوا وسواس الماء) بكسر الواو الأولى المصدر، وبفتحها الإسم، مثل الزلزال بفتح الزاى وكسرها، أي: وسواساً يفضى إلى كثرة إراقة الماء حالة الوضوء والاستنجاء. والمراد بالوسواس التردد في طهارة الماء ونجاسته بلا ظهور علامات النجاسة، ويحتمل أن يراد بالماء البول، أي وساوس البول المفضية إلى الاستنجاء، وقال ابن الملك: أي وسواس الولهان، وضع الماء موضع ضميره مبالغة في كمال الوسواس في شأن الماء، أو لشدة ملازمته له. والحديث يدل على كراهية الإسراف في الماء للوضوء وهو أمر مجمع عليه (رواه الترمذي وابن ماجه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥:ص١٢٦) وأبوداود والطيالسي في مسنديهما، والحاكم (هذا حديث غريب) أي إسناداً (لأنا لا نعلم) علة للغرابة والضعف (أحداً أسنده) أي رفعه (غير خارجة) أي خارجه بن مصعب أبوالحجاج السرخسي، قال الترمذي: وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن الحسن قوله.
стр. 530
وهو ليس بالقوى عند أصحابنا.
٤٢٢- (٢٩) وعن معاذ بن جبل، قال: ((رأيت رسول الله ﷺ إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه)) . رواه الترمذي.
٤٢٣- (٣٠) وعن عائشة، ﵂، قالت: ((كانت لرسول الله ﷺ خرقة ينشف
ــ
وقال ابن أبي حاتم في العلل: سئل أبي عن هذا الحديث فقال: رفعه إلى النبي ﷺ منكر - انتهى. لكن يؤيده ما روي في الباب عن عمران بن حصين عند البيهقي بسند ضعيف نحو حديث أبي بن كعب، وما روي عن عبد الله بن مغفل، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقد تقدما، وعن عبد الله بن عمر عند ابن ماجه، وعبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد وابن ماجه، وسيأتي في الفصل الثالث (وهو) أي: خارجة (ليس بالقوى عند أصحابنا) أي: أهل الحديث فقد ضعفه ابن المبارك وابن معين وأحمد ووكيع والنسائي والدارقطني وابن حبان وغيرهم. وقال الحافظ: متروك، وكان يدلس عن الكذابين. ويقال: إن ابن معين كذبه.
٤٢٢- قوله: (مسح وجهه) أي: نشفه بعد الوضوء. (بطرف ثوبه) فيه دليل على جواز التنشيف بعد الوضوء، واختلف فيه على أقوال، والراجح عندي قول من قال بجواز التنشيف بعد الوضوء والغسل، للأحاديث الواردة في الباب، واحتج من كرهه بحديث ميمونة في غسل النبي ﷺ ، وفيه "فناولته ثوباً فلم يأخذه فانطلق وهو ينفض يديه" أخرجه البخاري، وفي رواية ابن ماجه "فرده وجعل ينفض الماء" قال: هذا الحديث يدل على كراهة التنشيف بعد الغسل، فيثبت به كراهته بعد الوضوء أيضاً. وفيه ما قال الحافظ: من أنه لا حجة فيه لأنها واقعة عين يتطرق إليه الاحتمال، فيجوز أن يكون الرد لأمر آخر لا يتعلق بكراهة التنشيف، بل لأمر يتعلق بالخرقة، أو لكونه كان مستعجلاً، أو غير ذلك. قال المهلب: يحتمل تركه لإبقاء بركة الماء، أو للتواضع، أولشئ آخر رآه في الثوب من حرير، أو وسخ. وقال إبراهيم النخعي: إنما رده مخافة أن يصير عادة. وقال التيمي: في هذا الحديث دليل على أنه كان ينشف ولولا ذلك لم تأته بالمنديل. وقال ابن دقيق العيد: نفضه الماء بيده يدل على أنه لا كراهة في التنشيف لأن كلا منهما إزالة – انتهى كلام الحافظ مختصراً. (رواه الترمذي) وقال: هذا حديث غريب، وإسناده ضعيف، ورشدين بن سعد، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي يضعفان في الحديث - انتهى. وقال الذهبي في ترجمة رشدين: كان صالحاً عابداً سيئ الحفظ غير معتمد. وقال الحافظ في ترجمة الإفريقي: ضعيف في حفظه، وكان رجلاً صالحاً، وكان البخاري يقوى أمره، ولم يذكره في كتاب الضعفاء والحديث أخرجه أيضاً ابن عساكر.
٤٢٣- قوله: (ينشف) أي: يسمح من التنشيف، قال في القاموس: نشف الثوب العرق كسمع ونصر، شربه، والحوض
стр. 531
بها أعضاءه بعد الوضوء)) . رواه الترمذي، وقال: هذا حديث ليس بالقائم وأبومعاذ الراوي ضعيف عند أهل الحديث.
﴿الفصل الثالث﴾
٤٢٤- (٣١) عن ثابت بن أبي صفية، قال: قلت لأبي جعفر – هو محمد
ــ
الماء شربه، كتنشفه، وقال فيه: نشف الماء تنشيفاً أخذه بخرقة ونحوها (أعضاءه) كذا في النسخ الموجودة عندنا بزيادة لفظ "أعضائه" بعد قوله "ينشف"، وليس هو في المصابيح، ولا في التلخيص، ولا جامع الترمذي، والمستدرك للحاكم، والسنن الكبرى للبيهقي، فالظاهر أنه خطأ من زيادة الناسخ. (بعد الوضوء) فيه أيضاً دليل على جواز التنشيف وعدم كراهته، وفي الباب أحاديث أخرى تدل على جواز ذلك، ذكرها شيخنا في شرح الترمذي نقلاً عن العيني، وكلها ضعيفة إلا حديث أبي مريم أياس بن جعفر، عن فلان رجل من الصحابة أن النبي ﷺ كان له منديل أو خرقة يمسح بها وجهه إذا توضأ. قال العيني: أخرجه النسائي في الكنى. بسند صحيح رواه الترمذي، وأخرجه الحاكم (ج١:ص١٥٤) ، والبيهقي (ج١:ص١٨٥) . (هذا حديث ليس بالقائم) أي ليس بالقوى، وبين وجهه بقوله (وأبو معاذ الراوي) قال الترمذي: يقولون: هو سليمان ابن أرقم. (ضعيف عند أهل الحديث) قال العلامة الشيخ أحمد محمد الشاكر في تعليقه على الترمذي: إسناد المؤلف هنا فيه سفيان بن وكيع بن الجراح، وهو في نفسه ثقة صادق إلا أن وراقه أفسد عليه حديثه، فأدخل عليه ما ليس منه، ونصح بتغييره فلم يقبل، فضعف حديثه باختلاطه بما ليس منه، ولكنه لم ينفرد برواية هذا الحديث، فقد رواه الحاكم، في المستدرك من طريق محمد بن عبد الله بن الحكم عن ابن وهب، ورواه البيهقي عن الحاكم وغيره من طريق ابن عبد الحكم، وقد ضعف الترمذي هذا الحديث من أجل سليمان بن أرقم فإنه ضعيف، ولكن الترمذي لم يجزم بأن أبا معاذ هو سليمان بن أرقم، بل قال: يقولون. والبيهقي تبع الترمذي في ذلك، غير أنه جزم بأنه سليمان، وأما الحاكم فقال: أبومعاذ هو الفضيل بن ميسرة بصري، روى عنه يحيى بن سعيد، وأثنى عليه، وأقره الذهبي على ذلك فلم يتعقبه فيه، وبذلك يكون إسناد هذا الحديث صحيحاً – انتهى.
٤٢٤- قوله: (عن ثابت) بمثلثة وبمؤحدة ومثناة فوق. (بن أبي صفية) بكسرة فاء مخففة وشدة ياء هو ثابت بن أبي صفية الثمالي أبوحمزة واسم أبيه دينار، وقيل: سعيد، كوفي ضعيف رافضي، مات في خلافة أبي جعفر من صغار التابعين (هو محمد) أي اسم أبي جعفر هو محمد، وهو ابن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، ثقة فاضل، من فقها التابعين، قال محمد بن فضيل عن سالم بن أبي حفصة: سألت أبا جعفر وابنه جعفر بن محمد عن أبي بكر وعمر فقالا لي: يا سالم! تولهما وابرأ من عدوهما فإنهما كانا إمامي هدى. وعنه قال: ما أدركت أحداً من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما.
стр. 532
الباقر – حدثك جابر: ((أن النبي ﷺ توضأ مرةً مرةً، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً؟ قال: نعم)) . رواه الترمذي، وابن ماجه.
٤٢٥- (٣٢) وعن عبد الله بن زيد، قال: ((إن رسول الله ﷺ توضأ مرتين مرتين، وقال: هو نور على نور)) .
٤٢٦– (٣٣) وعن عثمان، ﵁ قال: ((إن رسول الله ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً، وقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي، ووضوء إبراهيم)) .
ــ
كان مولده سنة (٥٦) ومات بالمدينة سنة (١١٤) ، وقيل (١١٧) وقيل (١١٨) وهو ابن (٦٣) سنة، وقيل غير ذلك، ودفن بالبقيع. (الباقر) أي: باقر العلم، لقب به لتبقره أي توسعه وتبحره في العلم، واشتهر ابنه جعفر أبوعبد الله بالصادق، وقوله (هو محمد الباقر) زاده المؤلف لتعيين أبي جعفر. (توضأ مرة مرة) الوضوء فعل مركب من غسلات ومسح، فقوله (مرة مرة) يتعلق بالكل فلذلك جاء مكرراً، وعلى هذا فينبغي أن يكون مرتين وثلاثاً كذلك، لكن المعلوم في المسح مرة فيحمل ذلك على التغليب، لكن الغالب هو الغسل (قال: نعم) قال الطيبي: من عادة المحدثين أن يقول القاري بين يدى الشيخ حدثك فلان عن فلان برفع إسناده وهو ساكت يقرر، وذلك كما يقول الشيخ حدثني فلان عن فلان ويسمعه الطالب - انتهى. وقال السيوطي في تدريب الراوي: إذا قرأ على الشيخ قائلاً: أخبرك فلان أو نحوه، كقلت: أخبرنا فلان، والشيخ مصغ إليه فاهم له غير منكر، ولا مقر لفظاً، صح السماع، وجازت الرواية به اكتفاء بالقرائن الظاهرة، ولا يشترط نطق الشيخ بالاقرار، كقوله: نعم، على الصحيح الذي قطع به جماهير أصحاب الفنون، وشرط بعض الشافعية والظاهرين نطقة به - انتهى. وفي الحديث بيان ثلاث أحوال في ثلاث أوقات لا بيان حالة واحدة. (رواه الترمذي وابن ماجه) كلاهما من طريق شريك بن عبد الله النخعي عن ثابت بن أبي صفية، وشريك كثير الغلط، وثاب ضعيف الحديث بالاتفاق.
٤٢٥- قوله: (توضأ مرتين مرتين) أي: غسل الأعضاء المغسولة مرتين مرتين. (هو نور على نور) أي: غسل الأعضاء المغسولة في الوضوء مرتين مرتين سبب لزيادة النور. وقال الطيبي: إشارة إلى قوله: "إن أمتي غر محجلون من آثار الوضوء" أو هداية على هداية، أو سنة على فرض يهدى الله لنوره من يشاء.
٤٢٦- قوله: (توضأ ثلاثاً ثلاثاً) أي: غسل الأعضاء المغسولة في الوضوء ثلاثاً. (وقال هذا) أي: الوضوء التام الكامل. (ووضوء الأنبياء قبلي ووضوء إبراهيم) تخصيص بعد تعميم، وقد احتج به من قال أن الوضوء ليس مختصاً بهذه
стр. 533
رواهما رزين، والنووي ضعف الثاني في شرح مسلم.
٤٢٧- (٣٤) وعن أنس، قال: ((كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاة، وكان أحدنا يكفيه الوضوء ما لم يحدث)) . رواه الدارمي.
٤٢٨- (٣٥) وعن محمد بن يحيى بن حبان، قال: قلت لعبيد الله بن عبد الله بن عمر: ((أرأيت وضوء
ــ
الأمة. لكنه حديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به على ذلك لضعفه قاله الحافظ، نعم يؤيد هذا القول ما صح في البخاري وغيره "أن إبراهيم وسارة توضآ وصليا، وإن جريجاً توضأ وصلى". فالظاهر أن الذي اختصت به الأمة هو الغرة والتحجيل لا أصل الوضوء. (رواهما رزين) وروى أحمد عن ابن عمر مرفوعاً: "من توضأ واحدة فتلك وظيفة الوضوء التي لابد منها، ومن توضأ اثنتين فله كفلان من الأجر، ومن توضأ ثلاثاً فذاك وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي". وفيه زيد العمى وهو ضعيف. وروى ابن ماجه نحوه عن أبي بن كعب، وفيه عبد الله بن عراوة عن زيد العمى، وهما ضعيفان. (والنووي ضعف الثاني) أي: حديث عثمان. (في شرح مسلم) وكذا الحافظ في شرح البخاري كما تقدم. قلت: والحديث الأول أي: حديث عبد الله بن زيد ما حكى فيه من وضوءه ﷺ مرتين مرتين قد رواه البخاري كما سبق، وأما قوله: هو نور على نور فقال العراقي في تخريج الإحياء: لم أقف عليه، وقال المنذري في الترغيب (ج١:ص٨١) : لا يحضرني له أصل من حديث النبي ﷺ ، ولعله من كلام بعض السلف.
٤٢٧- قوله: (كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاة) أي: مفروضة، ووقع في رواية الترمذي: طاهراً أو غير طاهر، وظاهر الحديث أن تلك كانت عادته، وهو يحتمل أن ذلك كان واجباً عليه خاصة، ثم نسخ يوم خيبر بحديث سويد بن النعمان الذي تقدم في باب ما يوجب الوضوء، ويحتمل أنه كان يفعله استحباباً ثم خشي أن يظن وجوبه فتركه لبيان الجواز، قال الحافظ: وهذا أقرب. قلت: ويدل لهذا، ما تقدم من حديث بريدة في باب ما يوجب الوضوء: أنه ﷺ صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، وأن عمر سأله فقال: عمداً صنعته. أي: لبيان الجواز، واحتج للنسخ بحديث عبد الله بن حنظلة الآتي، وسيجئ الكلام فيه. (ما لم يحدث) من الإحداث. (رواه الدارمي) وأخرجه أيضاً أحمد والطيالسي والبخاري والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه.
٤٢٨- قوله: (وعن محمد بن يحيى بن حبان) بفتح المهملة وتشديد الموحدة ابن منقذ الأنصاري المدني، يكنى أبا عبد الله، تابعي، ثقة فقيه. قال الواقدي: كان له حلقة في مسجد المدينة، وكان يفتى، وكان ثقة كثير الحديث. وقال المصنف: روى عنه جماعة، وهو من مشائخ مالك، وكان مالك يبجله ويذكره بكل فضل من العبادة والزهد والفقه والعلم، مات بالمدينة سنة (١٤١) وهو ابن (٧٤) سنة. (قلت لعبيد الله بن عبد الله بن عمر) بن الخطاب العدوى المدني،
стр. 534
عبد الله بن عمر لكل الصلاة طاهراً كان أو غير طاهر، عمن أخذه؟ فقال: حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الغسيل،
ــ
يكنى أبا بكر، شقيق سالم بن عبد الله بن عمر ثقة من أوساط التابعين، مات سنة (١٠٦) وقال المصنف: روى عنه الزهري ونفر من أعلام التابعين، مات قبل أخيه سالم وهو ثبت ثقة، حديثه في الحجازيين، ووقع في رواية أبي داود عبد الله بن عمر مكبراً، وهو أكبر ولد عبد الله بن عمر، ثقة قليل الحديث. مات سنة (١٠٥) . (عمن أخذه) متعلق بمعنى: أرأيت أي: أخبرني عمن أخذه، والضمير بمعنى اسم الإشارة والمشار إليه الوضوء المخصوص. (فقال) أي: عبيد الله (حدثته) أي: عبيد الله ففي رواية أبي داود: فقال: حدثتنيه (أسماء) . قال ميرك: هو معنى ما قاله لا ما تلفظ به، فإن لفظه "هو حدثتني". (بنت زيد بن الخطاب) هو أخو عمر بن الخطاب، قال في التقريب: أسماء بنت زيد بن الخطاب العدوية. يقال: لها صحبة وقال ابن الأثير: لها رؤية وقال في التهذيب (ج١٢:ص٣٩٨) : ذكرها ابن حبان وابن مندة في الصحابة، وذكرها الحافظ في الإصابة في القسم الثاني من حرف الألف من النساء (ج٤:ص٢٤٦) : (وهو فيمن ذكر من الصحابة من الأطفال الذين ولدوا في عهد النبي ﷺ لبعض الصحابة من النساء والرجال، ممن مات ﷺ وهو في دون سن التميز) وقال: يدل على أنها من أهل هذا القسم أن والدها استشهد باليمامة بعد النبي ﷺ بقليل، وكانت دواعي الصحابة متوفرة على إحضار أولادهم إذا ولدوا ليبرك عليهم النبي ﷺ انتهى (أن عبد الله بن حنظلة) ويقال له: ابن الغسيل، لأن أباه حنظلة غسيل الملائكة كما سيأتي، وأم عبد الله جميلة بنت عبد الله بن أبي. قال ابن سعد: كان حنظلة لما أراد الخروج إلى أحد وقع على امرأته فعلقت يومئذٍ بعبد الله في شوال على رأس اثنين وثلاثين من الهجرة فولدته أمه بعد ذلك. وتوفي النبي ﷺ وهو ابن سبع وقد رآه، وروى عنه، وكان خيراً فاضلاً مقدماً في الأنصار. قال ابن عبد البر: أحاديثه عندي مرسلة، واستشهد يوم الحرة يوم الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وكانت الأنصار قد بايعته يومئذ، وبايعت قريش عبد الله بن مطيع: وكان عثمان بن محمد بن أبي سفيان قد أوفده إلى يزيد بن معاوية، فلما قدم على يزيد حباه وأعطاه، وكان عبد الله فاضلاً في نفسه، فرأى منه ما لا يصلح فلم ينتفع بما وهب له، فلما انصرف خلعه في جماعة أهل المدينة فبعث إليهم مسلم بن عقبة فكانت الحرة (الغسيل) أي غسيل الملائكة، وهو بالجر صفة حنظلة بن أبي عامر الراهب الأنصاري الأوسي، ذكر أهل السير أن حنظلة الغسيل كان قد ألم بأهله في حين خروجه إلى أحد، ثم هجم عليه من الخروج في النفير ما أنساه الغسل وأعجله عنه، فلما قتل شهيداً أخبر رسول الله ﷺ بأن الملائكة غسلته. وروى عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ قال لامرأة حنظلة: ما كان شأنه؟ قالت: كان جنباً وغسلت أحد شقى رأسه، فلما سمع الهيعة خرج فقتل
стр. 535
حدثها أن رسول الله ﷺ كان أمر بالوضوء لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك على رسول الله ﷺ أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث. قال: فكان عبد الله يرى أن به قوة على ذلك ففعله حتى مات)) . رواه أحمد.
٤٢٩- (٣٦) وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي ﷺ مر بسعد وهو يتوضأ، فقال: ((ما هذا السرف يا سعد؟ قال: أفي الوضوء سرف؟ قال نعم! وإن كنت على نهر جار)) . رواه أحمد وابن ماجه.
ــ
فقال رسول الله ﷺ : لقد رأيت الملائكة تغسله، كذا في الاستيعاب (ج١:ص١٠٥) . (حدثها) أي: حديث عبد الله أسماء. (كان أمر) بصيغة المجهول. (بالوضوء) قال في التوسط شرح سنن أبي داود: هذا الأمر يحتمل كونه له خاصاً به أو شاملاً لأمته، ويحتمل كونه بقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ بأن يكون الآية على ظاهرها – انتهى. قلت: وحمل علي ﵁ هذه الآية على ظاهرها، كما يدل عليه ما رواه الدارمي عنه في باب قوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ من مسنده، وقد تقدم الكلام في معنى الآية مفصلاً. (فلما شق ذلك) أي: الوضوء لكل صلاة. (أمر بالسواك عند كل صلاة) قال الطيبي: فيه تنبيه على فخامة السواك حيث أقيم مقام ذلك الواجب، وكاد أن يكون واجباً عليه. (ووضع عنه الوضوء) أي: وجوبه. (إلا من حدث) أي: من حدوث حدث حقيقي أو حكمي. (قال) أي: عبيد الله. (فكان عبد الله) أي: ابن عمر (يرى أن به) أي: بعبد الله، والجار مع مجروره خبر مقدم لأنّ (قوة) بالنصب على أنه اسمه المؤخر، والجملة قائمة مقام مفعولي يرى (على ذلك) أي: على نحو فعله ﷺ قبل النسخ (ففعله) أي: الوضوء لكل صلاة. (رواه أحمد) (ج٥:ص٢٥٥) وأخرجه أيضاً الدارمي وأبوداود وسكت عنه وابن جرير وابن خزيمة وابن حبان والحاكم (ج١:ص١٥٦،١٥٥) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي والبيهقي، وفي سنده عندهم جميعاً محمد بن اسحق وقد رواه بالعنعنة وهو مدلس، لكن صرح في رواية الحاكم بالتحديث.
٤٢٩- قوله: (مر بسعد) أي: ابن أبي وقاص (وهو يتوضأ) يعني يسرف في وضوئه، إما فعلاً كالزيادة على الثلاث وإما قدراً كالزيادة على قدر الحاجة في الاستعمال. (ما هذا السرف) بفتحتين بمعنى: الإسراف أي: التجاوز عن الحد في الماء. (قال: أفي الوضوء سرف؟) بناءً على ما قيل لا خير في سرف ولا سرف في خير، فظن أن لا إسراف في الطاعة والعبادة. (قال: نعم! وإن كنت على نهر جار) فإن فيه إسراف الوقت وتضييع العمر، أو تجاوزاً عن الحد الشرعي كما تقدم. وقال الطيبي: هو تتميم لإرادة المبالغة أي: نعم ذلك تبذير وإسراف في مالم يتصور فيه التبذير، فكيف بما تفعله، ويحتمل أن يراد بالإسراف الإثم بسبب التجاوز عن الحد الشرعي. (رواه أحمد وابن ماجه) وفيه ابن لهيعة، قال أبوحاتم
стр. 536
٤٣٢،٤٣١،٤٣٠- (٣٩،٣٨،٣٧) وعن أبي هريرة، وابن مسعود، وابن عمر، أن النبي ﷺ قال: ((من توضأ وذكر اسم الله، فإنه يطهر جسده كله، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله، لم يطهر إلا موضع الوضوء)) .
٤٣٣- (٤٠) وعن أبي رافع، قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا توضأ وضوء الصلاة حرك خاتمة في أصبعه)) . رواهما الداقطني، وروى ابن ماجه الأخير.
(٥) باب الغسل
﴿الفصل الأول﴾
ــ
وأبوزرعة: يكتب حديثه للاعتبار. وقال الحافظ في التلخيص (ص٥٣) بعد ذكر هذا الحديث: إسناده ضعيف، وقال في الفتح (ج١:ص١١٨) : بإسناد لين.
٤٣٢،٤٣١،٤٣٠- قوله: (إن النبي) كذا في طبعات الهند، ووقع في نسختي القاري والألباني: عن النبي ﷺ (وذكر اسم الله) أي: في أول وضوئه. (فإنه يطهر) من التطهير على البناء للفاعل. (جسده كله) أي: من الذنوب. (لم يطهر إلا موضع الوضوء) أي: إلا ذنوب المواضع المخصوصة، يعني: من الصغائر، وقد استدل به من قال بعدم وجوب التسمية في أول الوضوء، لكنه حديث ضعيف جداًَ بجميع طرقه، فلا يصح الاحتجاج به على هذا المطلوب، والحق أن التسمية في أول الوضوء واجب لا يصح الوضوء بدونها.
٤٣٣- قوله: (وضوء الصلاة) احتراز عن غسل اليد فإنه وضوء لغوي. (حرك خاتمة في إصبعه) قال القاري: أي لأن استيعاب الغسل فرض فيسن تحريك الخاتم إذا ظن وصول الماء إلى ما تحته، وإلا فيجب تحريكه – انتهى. وفيه دليل على مشروعية تحريك الخاتم ليزول ما تحته من الأوساخ، ويصل الماء إليه، وكذلك ما يشبه الخاتم من الأسورة والحلية ونحوهما. (رواهما الدارقطني) قد تقدم الكلام في الحديث الأول في شرح حديث سعيد بن زيد. (وروى ابن ماجه الأخير) وهو ضعيف، فإن في سنده معمر بن محمد بن عبيد الله، وهو ضعيف منكر الحديث، عن أبيه محمد بن عبيد الله، وهو أيضاً ضعيف منكر الحديث جداً، ذاهب متروك، وقد ذكره البخاري تعليقاً عن ابن سيرين، ووصله ابن أبي شيبه.
(باب الغسل) هو بفتح الغين أصح وأشهر من ضمها، مصدر غسل الشيء، وبمعنى الاغتسال، وبكسرها اسم لما يغسل به من سدر وخطمى ونحوهما، وبالضم اسم للماء الذي يغتسل به، قاله القسطلاني، وهو بالمعنيين الأولين إسالة الماء وإمراره على الشيء، واختلف في الدلك فقيل: يجب، وقيل: لا يجب، والمسألة لغوية، واحتج من قال: ليس من
стр. 537
٤٣٤- (١) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا جلس أحدكم بين شعبها الأربع، ثم جهدها، فقد وجب الغسل وإن لم ينزل)) متفق عليه.
ــ
مسماه الدلك، بقول العرب: غسل المطر الأرض، وليس في ذلك إلا الإسالة. قال الآلوسي في تفسيره (ج٦: ص٦٩) : ومنع بأن وقعه من علو خصوصاً مع الشدة والتكرر دلك أي: دلك، وهم لا يقولونه إلا إذا نظفت الأرض، وهو إنما يكون بدلك، وبأنه غير مناسب للمعنى المعقول من شرعية الغسل، وهو تحسين هيئة الأعضاء الظاهرة للقيام بين يدى الرب سبحانه الذي لا يتم بالنسبة إلى سائر المتوضئين إلا بالدلك – انتهى. وقال بعض الحنفية: الدلك معتبر في الغسل لغةً، وأقر به الشيخ ابن الهمام في فتح القدير، ولذا شرطه المالكية، وما لا دلك فيه لا يسمى غسلاً بل يقال له: الصب والإسالة – انتهى. قلت: قوله ﷺ : بلوا الشعر وأنقوا البشر، يشعر بوجوب الدلك، لأن الإنقاء لا يحصل بمجرد الإفاضة والإسالة. وقيل: الدلك ليس واجبا لذاته، إنما هو واجب لتحقق وصول الماء، فلو تحقق لم يجب، كما قاله ابن الحاج في شرح المنية، واشترط الدلك في الغسل.
٤٣٤- قوله: (إذا جلس أحدكم بين شعبها الأربع) أي يديها ورجليها، أو رجليها وفخذيها وشغريها، أو ساقيها وفخذيها، أو نواحي فرجها الأربع، والشعب - بضم المعجمة وفتح المهملة - النواحي جمع شعبة. (ثم جهدها) يقال: جهد وأجهد أي: بلغ المشقة يعني بلغ جهده في العمل بها، أي: حفزها وكدها بحركته، والمراد ههنا الجماع ومعالجة الإيلاج، كنى به عنها، ففي رواية أبي داود: وألزق الختان بالختان، بدل قوله: ثم جهدها، فهذا يدل على أن المراد بالجهد ههنا الجماع. (فقد وجب الغسل) أي: عليهما. (وإن لم ينزل) ولا أنزلت هي. فيه دليل على أن الإنزال غير مشروط في وجوب الغسل، بل المدار على الإيلاج وغيبوبة الحشفة في الفرج وهو الحق. وقيل: لا يجب الغسل إلا بالإنزال، وكان الخلاف فيه مشهوراً بين الصحابة، ثم استمر بين العلماء بعدهم إلى عصر المؤلفين من الأئمة حتى قال البخاري في صحيحه: الغسل أحوط، وذاك الأخير إنما بينا لاختلافهم، والماء أنقى، لكن الخلفاء الأربعة وجمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم على إيجاب الغسل بمجرد الجماع، ولو لم ينزل وهو الصواب (متفق عليه) هذا يقتضي أن قوله: وإن لم ينزل، متفق عليه، وهو ليس في صحيح البخاري، بل هو من أفراد مسلم عن البخاري، وسبق المصنف في عزوه إلى الصحيحين جميعاً ابن الأثير في جامع الأصول، والظاهر أن المصنف تبعه واعتمد عليه، وقيل عزاه لهما جميعاً نظراً إلى أصل الحديث لا بالنظر إلى جميع ألفاظه. والحديث أخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه، لكن قوله: (وإن لم ينزل) ، من أفراد أحمد ومسلم.
стр. 538
٤٣٥- (٢) وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنما الماء من الماء)) رواه مسلم.
٤٣٦- (٣) قال الشيخ الإمام محى السنة ﵀: هذا منسوخ. وقال ابن عباس: إنما الماء من الماء في الاحتلام.
ــ
٤٣٥- قوله: (إنما الماء من الماء) أي: الاغتسال من الإنزال، فالماء الأول المعروف، والثاني المني، وفيه من البديع الجناس التام. والحديث دال بمفهوم الحصر على أنه لا غسل إلا من الإنزال، ولا غسل من مجاوزة الختان الختان، لكن الجمهور على أنه منسوخ. (رواه مسلم) في قصة عتبان بن مالك، قال أبوسعيد: خرجت مع رسول الله ﷺ يوم الاثنين إلى قباء، حتى إذا كنا في بني سالم وقف رسول الله ﷺ على باب عتبان فصرخ به فخرج يجر إزاره، فقال رسول الله ﷺ : "أعجلنا الرجل"، فقال عتبان: أرأيت الرجل يعجل عن امرأته، ولم يمن ماذا عليه؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنما الماء من الماء". وأخرجه أيضاً أبوداود، وابن خزيمة، وابن حبان بدون القصة. وروى البخاري القصة ولم يذكر الحديث، ولذا قال الحافظ في بلوغ المرام: وأصله عند البخاري، وهو أنه ﷺ قال: إذا أعجلت أو أقطحت فعليك الوضوء. والحديث له طرق عن جماعة من الصحابة عن أبي أيوب، ورافع بن خديج، وعتبان بن مالك، وأبي هريرة، وأنس، وغيرهم.
٤٣٦- قوله: (هذا) أي: حديث أبي سعيد (منسوخ) بحديث سهل بن سعد عن أبي كعب، قال: إنما كان الماء من الماء، رخصة في أول الإسلام، ثم أمرنا بالاغتسال بعد. أخرجه أحمد والدارمي والترمذي وأبوداود وابن ماجه والبهقي والدارقطني وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، وقال الإسماعيلي: إنه صحيح على شرط البخاري، وقال الحافظ: هو إسناد صالح لأن يحتج به. وبحديث رافع بن خديج قال: ناداني رسول الله ﷺ وأنا على بطن امرأتي، فقمت ولم أنزل، فاغتسلت، وخرجت، فأخبرته، فقال: لا عليك، الماء من الماء. قال رافع: ثم أمرنا رسول الله ﷺ بعد ذلك بالغسل. أخرجه أحمد (ج٤:ص١٤٣) وذكره الحازمي في كتابه الناسخ والمنسوخ (ص٢٢) وحسنه، وفي تحسينه نظر، وبالجملة الحديثان صريحان في النسخ، وقد ذكر الحازمي في كتابه آثاراً تدل على النسخ. قال الأمير اليماني: حديث الغسل وإن لم ينزل، أرجح لو لم يثبت النسخ، لأنه منطوق في إيجاب الغسل، وذلك مفهوم، والمنطوق مقدم على العمل بالمفهوم، وإن كان المفهوم موافقاً للبراءة الأصلية، والآية تعضد المنطوق في إيجاب الغسل، فإنه قال تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ . قال الشافعي: إن كلام العرب يقتضي أن الجنابة تطلق بالحقيقة على الجماع، وإن لم يكن فيه إنزال. قال: فإن كل من خوطب بأن فلاناً أجنب عن فلانة، عقل أنه أصابها وإن لم ينزل. قال: ولم يختلف أن الزنا الذي يجب به الجلد هو الجماع ولو لم يكن منه إنزال، انتهى. فتعاضد الكتاب والسنة على إيجاب الغسل من الإيلاج (وقال ابن عباس: إنما الماء من الماء في الاحتلام) يعني أن حديث "الماء من الماء" محمول على صورة مخصوصة، وهي ما يقع في المنام
стр. 539
رواه الترمذي، ولم أجده في الصحيحين.
٤٣٧- (٤) وعن أم سلمة ﵂، قالت: ((قالت أم سليم: يا رسول الله ﷺ ! إن الله لا يستحي من الحق،
ــ
من رؤية الجماع، فإنه لا يجب الغسل في الاحتلام إلا بالانزال لا بالمجامعة، وهو تأويل يجمع بين الحديثين من غير تعارض، وهذا رأى من ابن عباس، تأول به الحديث، ولعله لم يبلغه التفصيل الذي في حديث أبي سعيد عند مسلم، وحديث رافع بن خديج عند أحمد، فإنه صريح في نفي هذا التأويل. وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي: يمكن أن يقال: أن قول ابن عباس هذا ليس تأويلاً للحديث، وإخراجاً له بهذا التأويل من كونه منسوخاً، بل غرضه بيان حكم المسألة بعد العلم بكونه منسوخاً، وحاصله أن عمومه منسوخ، فبقى الحكم في الاحتلام – انتهى. وقال بعضهم: حديث "إنما الماء من الماء" في المباشرة كما ذكره ابن رسلان في شرح أبي داود، وقيل: المراد من الماء الثاني الأعم من الحقيقي، وهو المنى، والحكمى، وهو الإيلاج، قلت: يأبي هذه التأويلات التفصيل المذكور في حديث أبي سعيد، فأرجح الأقوال وأسلمها أنه منسوخ. (رواه الترمذي ولم أجده) أي: قول ابن عباس (في الصحيحين) كأنه اعتراض على محى السنة، حيث أورد قول ابن عباس هذا في الصحاح، ولا اعتراض في ذلك عليه، لأنه إنما أورد قوله لبيان توجيه رواية مسلم، أعنى حديث "إنما الماء من الماء"، لا أنه مقصود الباب، فعدم وجوده في الصحيحين لا يضره، لأن ذلك الشرط إنما هو في مقاصد الباب، وهو ظاهر لمن تصفح وتتبع كتاب المصابيح.
٤٣٧- قوله: (قالت أم سليم) بضم السين مصغراً، هي أم سليم بنت ملحان، الأنصارية، والدة أنس بن مالك، يقال: اسمها سهلة أو رميلة، أو رميثة، أو أنيثة، أو مليكة، وهي الغميصاء، أو الرميصاء، ثبت ذلك البخاري، اشتهرت بكنيتها، وكانت من الصحابيات الفاضلات، لها أربعة عشر حديثاً، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين، وقال ابن عبد البر: كانت تحت مالك بن النضر في الجاهلية فولت له أنساً، فلما جاء الله بالاسلام, أسلمت وعرضت على زوجها الإسلام، فغضب عليها وخرج إلى الشام فهلك، فتزوجت بعده أبا طلحة، خطبها وهو مشرك فأبت عليه إلا أن يسلم، فأسلم فتزوجته، فولت له غلاماً كان قد أعجب به، فمات صغيراً، فأسف عليه، وقيل: إنه أبوعمير صاحب النغير، ثم ولدت له عبد الله بن أبي طلحة فبورك فيه، وهو والد اسحق بن عبد الله بن أبي طلحة الفقيه وإخوته، وكانوا عشرة، كلهم حمل عنه العلم، وروى عن أم سليم، قالت: لقد دعا لي رسول الله ﷺ حتى ما أريد زيادة، ومناقبها كثيرة شهيرة. ماتت في خلافة عثمان (إن الله لا يستحي من الحق) بيائين على الأصل بعد سكون الحاء، أي لا يمتنع من بيان الحق، ولا يتركه ترك الحيي منا، فكذا لا أمتنع أنا من سؤالي عما أنا محتاجة إليه. وقيل: المعنى: إن الله لا يأمر بالحياء في الحق ولايبيحه، وإنما قالت هذا اعتذاراً بين يدي سؤالها عما دعت الحاجة إليه مما تستحي النساء في العادة عن السؤال عنه، وذكره بحضرة الرجال
стр. 540
فهل على المرأة من غسل إذا إحتملت؟ قال: نعم، إذا رأت الماء، فغطت أم سلمة وجهها، وقالت: يارسول الله! أو تحتلم المرأة؟ قال: نعم، تربت يمينك، فبم يشبهها ولدها؟)) متفق عليه.
٤٣٨- (٥) وزاد مسلم برواية أم سليم:
ــ
(من غسل) زيادة من للتأكيد، أي: نوع من الغسل (إذا احتلمت) أي: إذا رأت في الحلم – بالضم – المجامعة، وفي رواية أنها قالت: إذا رأت أن زوجها يجامعها في المنام أتغتسل؟ (قال: نعم! إذا رأت الماء) أي: المنى بعد الاستيقاظ. وفيه دليل على وجوب الغسل على المرأة بالإنزال في الاحتلام، وكأن أم سليم لم تسمع حديث الماء من الماء أو سمعته، وقام عندها مايوهم خروج المرأة عن ذلك وهو ندور بروز الماء منها، وفيه رد على من قال: إن ماء المرأة لا يبرز. (فغطت) أي: سترت حياءً (أم سلمة وجهها) قيل: إنه من كلام زينب الراوية عن أم سلمة، وقيل: من أم سلمة على سبيل الالتفات كأنها جردت من نفسها أخرى، وأسندت إليها التغطية. وفي مسلم من حديث أنس أن ذلك وقع لعائشة. ويمكن الجمع بينهما بأنهما كانتا حاضرتين عند سؤال أم سليم. (أو تحتلم) بإثبات همزة الاستفهام، وهو معطوف على مقدر يظهر من السياق، أي: أترى المرأة الماء وتحتلم؟ ووقع في بعض النسخ بحذف الهمزة. (المرأة) أي: ويكون لها مني، ويخرج منها كالرجل؟ وفيه دليل على قلة وقوع الاحتلام من النساء، (قال: نعم) فيه: أن المرأة ترى ما يراه الرجل في منامه (تربت يمينك) في معنى هذه اللفظة أقوال كثيرة، ذكر عشرة منها ابن العربي في شرح الترمذي، والأصح الأقوى الذي عليه المحققون أنها كلمة أصلها: لصقت بالتراب أي: افتقرت، ولكنها جارية على ألسنة العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب، ولا وقوع الأمر بها بل يقصدون الإنكار والزجر واللوم ونحوه، أي: إن أم سليم فعلت ما يجب عليها من السؤال عن دينها فلم تستحق الإنكار واللوم، واستحققت أنت الإنكار لإنكارك ما لا إنكار فيه. (فبم) بالموحدة المكسورة، وأصله "فبما" حذفت ألف ما الإستفهامية المجرورة. (يشبهها) من الأشباه (ولدها) بالرفع على الفاعلية أي: في بعض الأحيان. وهو استدلال على أن لها منيا كما للرجل، والولد مخلوق منهما، إذ لو لم يكن لها ماء، وخلق من ماءه فقط لم يشبهها. (متفق عليه) أخرجه البخاري في العلم، والطهارة وبدأ الخلق، والأدب، ومسلم في الطهارة لكن ليس في روايته لفظ "فغطت أم سلمة وجهها" بل إنما رواه البخاري في العلم. والحديث أخرجه أيضاً مالك في المؤطا والترمذي والنسائي وابن ماجه، وأخرجه أيضاً مسلم وأبوداود من حديث أنس عن أم سليم، وسنذكر روايتها. ووقعت هذه المسألة لنساء من الصحابيات: لخولة بنت حكيم عند أحمد والنسائي وابن ماجه، ولسهلة بنت سهيل عند الطبراني، ولبسرة بنت صفوان عند ابن أبي شيبه.
٤٣٨- قوله: (وزاد مسلم برواية أم سليم) روى مسلم عن أنس بن مالك: أن أم سليم حدثت أنها سألت نبي
стр. 541
((إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه)) .
٤٣٩- (٦) وعن عائشة ﵂، قالت: ((كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة، بدأ فغسل يديه،
ــ
الله ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، فقال رسول الله ﷺ : إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل، فقالت أم سلمة: واستحييت من ذلك، قالت: وهل يكون هذا؟ فقال نبي الله ﷺ : نعم، فمن أين يكون الشبه؟ إن ماء الرجل الخ.. (إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر) هذا الوصف باعتبار الغالب، وحال السلامة، واعتدال الحال، لأن مني الرجل قد يصير رقيقا بسبب المرض، ومحمراً بكثرة الجماع، وقد يبيض مني المرأة لفضل قوتها (فمن أيهما) بكسر الميم بعدها نون ساكنة، وهي الحرف المعروف، أي: أيُّ الماءين، ومن زائدة قاله الطيبي. (علا) أي: غلب (أوسبق) يعني غلب المني فيما إذا وقع منيهما في الرحم معاً، أو سبق وقوع منيه في الرحم قبل وقوع مني صاحبه، فأو للتقسيم لا للترديد قاله القاري. (يكون منه الشبه) بكسر الشين وسكون الموحدة وبفتحهما لغتان، أي: شبه الولد بالأب أو الأم في المزاج، والذكورة، والأنوثة. وفي حديث أنس عند البخاري في قصة إسلام عبد الله بن سلام: إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة الرجل نزعت الولد. ووقع في حديث عائشة عند مسلم:إذا علا ماءها ماء الرجل أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه. قال الحافظ: المراد بالعلو ههنا السبق، لأن من سبق فقد علا شأنه فهو علو معنوي، وأما ما وقع عند مسلم من حديث ثوبان رفعه، ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا منى المرأة منى الرجل آنثا بإذن الله، فهو مشكل من جهة أنه يلزم منه اقتران الشبه للأعمام إذا علا ماء الرجل، ويكون ذكرا لا أنثى، وعكسه، والمشاهد خلاف ذلك، لأنه قد يكون ذكراً، ويشبه أخواله لا أعمامه، وعكسه. قال القرطبي يتعين تأويل حديث ثوبان بأن المراد بالعلو السبق، قال الحافظ والذي يظهر ما قدمته، وهو تأويل العلو في حديث عائشة، وأما حديث ثوبان فيبقى العلو فيه على ظاهره فيكون السبق علامة التذكير والتأنيث، والعلو علامة الشبه، فيرتفع الإشكال، وكان المراد بالعلو الذي يكون سبب الشبه بحسب الكثرة بحيث يصير الآخر مغموراً فيه، فبذلك يحصل الشبه، وينقسم ذلك ستة أقسام: الأول أن يسبق ماء الرجل، ويكون أكثر فيحصل له الذكورة والشبه، والثاني عكسه، والثالث أن يسبق ماء الرجل، ويكون ماء المرأة أكثر فتحصل الذكورة والشبه للمرأة، والرابع عكسه، والخامس أن يسبق ماء الرجل ويستويان فيذكر، ولا يختص بشبه، والسادس عكسه انتهى.
٤٣٩- قوله: (إذا اغتسل) أي: أراد الغسل (من الجنابة) أي من أجل رفعها، أو بسبب حدوثها (فغسل يديه)
стр. 542
ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله.
ــ
في حديث ميمونة مرتين، أو ثلاثاً، وغسلهما يحتمل أن يكون للتنظيف مما بهما من مستقذر، ويحتمل أن يكون هو الغسل المشروع عند القيام من النوم، ويدل عليه الزيادة التي رواها مسلم وغيره بلفظ: "قبل أن يدخل يده في الإناء"، وزاد أيضاً: فيغسل فرجه (ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة) فيه احتراز عن الوضوء اللغوي، وظاهره أنه يمسح رأسه أيضاً. قيل: يحتمل أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل سنة مستقلة، بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بقية الجسد في الغسل، ويحتمل أن يكتفي بغسلها في الوضوء عن إعادته، وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة في أول عضو، وإنما قدم غسل أعضاء الوضوء تشريفاً لها، ولتحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى. قلت: الظاهر هو الاحتمال الأول لقوله: ثم يفيض الماء على جلده كله. ثم اختلف في هذا الوضوء: فذهب الجمهور إلى أنه لا يجب الوضوء مع الغسل، وقال داود وغيره: الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث، ويلزم الجمع بين الوضوء والغسل، وهو الراجح، لأن المراد بقوله تعالى: "حتى تغتسلوا" هو الإغتسال الشرعي الذي ثبت عن رسول الله ﷺ ، وكذا المراد بقوله "فالطهروا" هو التطهر الشرعي، فما جاء عن النبي ﷺ من بيان هيئة الغسل هو بيان للإغتسال الشرعي المجمل الواجب الذي لا يتبين المراد منه إلا ببيانه ﷺ فيكون واجباً. وظاهر قولها: كما يتوضأ للصلاة، أنه يغسل الرجلين ولا يؤخر غسلهما إلى فراغ الغسل، لكن وقع في رواية لمسلم: "ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه"، وفي رواية أبي داود الطيالسي "فإذا فرغ غسل رجليه" فإما أن يحمل قولها: كما يتوضأ للصلاة على المجاز، بأن المراد يتوضأ أكثر الوضوء كما يتوضأ للصلاة وهو ما سوى الرجلين، أو يحمل على ظاهره، ويكون المراد بقولها: "ثم غسل رجليه" في رواية مسلم أي: أعاد غسلهما لاستيعاب الغسل بعد أن كانت غسلهما في الوضوء، فيوافق قولها في رواية الكتاب "ثم يفيض على جلده كله". (ثم يدخل أصابعه في الماء) لتأخذ البلل ثم يخرجها (فيخلل بها) أي: بأصابعه التي أدخلها في الإناء لأنه أسهل لوصول الماء. (أصول شعره) أي: شعر رأسه، ويدل عليه رواية البيهقي: يخلل بها شق رأسه الأيمن فيتتبع بها أصول الشعر، ثم يفعل بشق رأسه الأيسر كذلك. وقيل: المراد شعر لحيته ورأسه جميعاً، لعموم قوله: أصول الشعر. (ثم يصيب) أي: الماء (على رأسه ثلاث غرفات) بفتحتين، وفي بعض النسخ غرف بضم المعجمة وفتح الراء، جمع غرفة، وهي قدر ما يغرف من الماء بالكف، وفيه سنية التثليث في الصب على الرأس، وألحق به غيره، فإن الغسل أولى بالتثليث من الوضوء المبني على التخفيف. وقيل: لا يستحب التكرار في الغسل، والمراد من التثليث في هذه الرواية أن كل غرفة كانت في جهة من جهات الرأس، فكان يقصد بالثلث الاستيعاب مرة لا التكرار مرات، وكون الغسل أولى بالتثليث لا يخلو عن نظر، لأن في تثليث الغسل من الحرج ما ليس في تثليث الوضوء. (ثم يفيض الماء على جلده كله) هذا التأكيد يدل على أنه عمم جميع جسده بالغسل بعد ما تقدم، وهو يؤيد الاحتمال الأول أن الوضوء سنة مستقلة قبل الغسل، لكن يعارضه ما وقع في بعض طرق هذا الحديث عند البخاري:
стр. 543
متفق عليه، وفي رواية لمسلم: ((يبدأ فيغسل يديه قبل أن يدخلهما الإناء، ثم يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ)) .
٤٤٠- (٧) وعن ابن عباس، ﵄، قال: قالت ميمونة: ((وضعت للنبي ﷺ غسلاً فسترته بثوب، وصب على يديه، فغسلهما، ثم صب بيمينه على شماله. فغسل فرجه، فضرب بيده الأرض فمسحها، ثم غسلها، فمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم صب على رأسه، وأفاض على جسده، ثم تنحى فغسل قدميه،
ــ
ثم غسل سائر جسده، أي بقيته، لأن السائر الباقي، ويحتمل أن يقال: أن "سائر" هنا: بمعنى الجميع جمعاً بين الروايتين. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً الترمذي، وأبوداود، والنسائي وابن ماجه. (وفي رواية لمسلم يبدأ) أي: إذا أراد أن يغتسل يشرع (فيغسل) الخ.. قد ركب المصنف الألفاظ المذكورة من روايتين لمسلم، ففي رواية أبي معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: يبدأ فيغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه (بشماله) ثم يتوضأ الخ.. . وفي رواية زائدة عن هشام: بدأ فغسل يديه قبل أن يدخل يده في الإناء ثم يتوضأ الخ.
٤٤٠- قوله: (غسلاً) بضم الغين المعجمة وسكون المهملة أي: ماء الإغتسال. (فسترته بثوب) أي: ضربت له ستراً يغتسل وراءه لئلا يراه أحد. وفيه مشروعية التستر في الغسل ولو في البيت (فغسلهما) أي: إلى رسغيه (فغسل فرجه) أي: بشماله (فضرب بيده) أي: اليسرى (فمسحها) أي: الأرض لأجل إزالة الرائحة من اليد، أو للمبالغة في التنظيف، وتعليماً للأمة. (فمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه) قال عياض: لم يأت في شيء من الروايات في وضوء الغسل ذكر التكرار. قال الحافظ: بل قدر ورد ذلك من طريق صحيحه أخرجها النسائي والبيهقي من رواية أبي سلمة عن عائشة: أنها وصفت غسل رسول الله ﷺ من الجنابة. الحديث، وفيه ثم يمضمض ثلاثاً، ويستنشق ثلاثاً، ويغسل وجهه ثلاثاً ويديه ثلاثاً، ثم يفيض على رأسه ثلاثاً. (ثم صب على رأسه) ظاهره أنه ﷺ لم يمسح رأسه كما يفعل في الوضوء اكتفاءً بالغسل عن المسح في الوضوء. قال الحافظ: لم يقع في شيء من طرق هذا الحديث التنصيص على مسح الرأس في هذا الوضوء، وتمسك به المالكية لقولهم: إن وضوء الغسل لا تمسح فيه الرأس بل يكتفي عنه لغسلها- انتهى. قلت: ظاهر قوله في روايات عائشة في صفة الغسل "يتوضأ وضوءه للصلاة" أنه يمسح رأسه أيضاً، فيحتمل أن ترك المسح في حديث ميمونة من اختصار الرواة، والله أعلم. (ثم تنحى) أي: تبعد. (فغسل قدميه) وفي رواية للبخاري: توضأ رسول الله ﷺ وضوءه للصلاة غير رجليه. الحديث، وفي آخره: ثم نحى رجليه فغسلهما. وفيه التصريح بتأخير الرجلين في وضوء الغسل إلى آخره، وهو مخالف
стр. 544
فناولته ثوباً فلم يأخذه، فانطلق وهو ينفض يديه)) . متفق عليه، ولفظه للبخاري.
٤٤١- (٨) وعن عائشة، قالت: ((إن امرأة من الأنصار سألت النبي ﷺ عن غسلها من المحيض، فأمرها كيف تغتسل، ثم قال: خذي فرصة
ــ
لظاهر رواية عائشة المتقدمة: "ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة"، ويمكن الجمع بينهما إما بحمل رواية عائشة على المجاز كما تقدم، وإما بحمله على حالة أخرى، فكان يغسلهما أحياناً أي: إن لم يكن واقفاً في المستنقع بل على لوح، أو حجر، أو مكان مرتفع، ويؤخرهما إلى الفراغ من الغسل أحياناً، أي: إذا كان واقفاً في المستنقع، وأخذ منه جواز تفريق أعضاء الوضوء. قال مالك: إن كان المكان غير نظيف فالمستحب تأخيرهما، وإلا فالتقديم، وعند الشافعية في الأفضل قولان أصحهما وأشهرهما ومختارهما أنه يكمل وضوءه. (فناولته ثوباً) أي: أردت إعطاءه لينشف به أعضاءه. (فلم يأخذه) أي: الثوب إما لكونه مستعجلاً أو لأن الوقت كان حراً، والبلل مطلوب، أو لشئ رآه في الثوب من حرير، أو وسخ، ومع هذه الاحتمالات في الحديث لا يصلح أن يكون دليلاً على كراهة التنشيف. (فانطلق وهو ينفض يديه) فيه جواز نفض اليدين من ماء الغسل قال الحافظ: وكذا الوضوء، وقد عارضه حديث: "لا تنفضوا أيديكم في الوضوء؛ فإنها مراوح الشيطان". أخرجه ابن حبان في الضعفاء، وابن أبي حاتم في العلل من حديث أبي هريرة إلا أنه حديث ضعيف جداً لو لم يعارضه هذا الحديث الصحيح لم يكن صالحاً لأن يحتج به. وفيه دليل على طهارة الغسالة، لأن النفض لا يخلوا عن إصابة الرشاش بالبدن. وحديث عائشة المتقدم وحديث ميمونة هذا مشتملان على بيان كيفية الغسل من ابتداءه إلى إنتهاءه، فإبتداءه غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، ثم غسل الفرج، ثم دلك اليد بالأرض وغسلها، ثم الوضوء ثم صب الماء على الرأس، ثم إفاضته على الجسد كله. (متفق عليه) أخرجه البخاري في مواضع تسعة من كتاب الطهارة، وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه، وليس لأحمد والترمذي نفض اليدين. (ولفظه للبخاري) في باب نفض اليدين من غسل الجنابة.
٤٤١- قوله: (إن امرأة) من الأنصار قيل: هي أسماء بنت شكل الأنصارية. (من المحيض) مصدر ميمى أي: من أجل انقطاع حيضها. (فأمرها كيف تغتسل) سكت في هذه الرواية عن بيان كيفية الاغتسال، وهي مذكورة مشرحة في رواية أخرى، فقد أخرج مسلم عن إبراهيم بن المهاجر، عن صفية، عن عائشة، أن أسماء سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض، فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرها فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديداً حتى تبلغ شؤون رأسها ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة. الحديث. (ثم قال) أي: بعد تعليمها كيفية الإغتسال. (فرصة) بكسر الفاء، وحكى ابن سيدة تثليثها، وبإسكان الراء وإهمال الصاد، قطعة من صوف، أو قطن، أو جلدة عليها صوف،
стр. 545
من مسك، فتطهري بها. قالت: كيف أتطهر بها؟ فقال: تطهري بها. قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: سبحان الله! تطهري بها. فاجتذبتها إليّ فقلت: تتبعي بها أثر الدم)) . متفق عليه.
٤٤٢- (٩) وعن أم سلمة، قالت: قلت: ((يارسول الله ﷺ ! إني امرأة أشد ضفر رأسي،
ــ
وحكى أبوداود أن في رواية أبي الأحوض "قرصة" بفتح القاف، ووجه المنذري فقال: يعني شيئاً يسيراً مثل القرصة بطرف الإصبعين (من مسك) بكسر الميم، وهو طيب معروف، أي: خذي قطعة من صوف مطيبة من مسك، وقيل بفتح الميم وهو الجلد، أي: خذي فرصة كائنة من جلد، ويؤيد الكسر، وأن المراد التطيب ما في الرواية الأخرى "فرصة ممسكة" ويقوى الكسر أيضاً ما في رواية عبد الرزاق حيث وقع عنده "من ذريرة" والمقصود باستعمال الطيب تطيب المحل، ودفع الرائحة الكريهة، ورجح بعضهم فتح الميم بأنهم كانوا في ضيق يمتنع معه أن يمتهنوا المسك مع غلاء ثمنه، وفيه أنه لا وجه لاستبعاده لما عرف من شأن أهل الحجاز من كثرة استعمال الطيب، وقد يكون المأمور به من يقدر عليه، فإن فقدت المسك استعملت ما يخلفه في طيب الريح فإن لم تجد فمزيلاً كالطين، وإلا فالماء كاف. (فتطهري بها) أي: بتنظفي وتطيبي بها، أي: فاستعمليها في الموضع الذي أصابه الدم حتى يصير مطيباً. (قال: سبحان الله) تعجباً من عدم فهمها المقصود فأراد بقوله: سبحان الله التعجب، ومعنى التعجب ههنا، أنه كيف يخفى مثل هذا الظاهر الذي لا يحتاج الإنسان في فهمه إلى فكر أو تصريح، ووقع في رواية "استحيى وأعرض" وللإسماعيلي: فلما رأيته استحيا علمتها، وإنما كرر الجواب مع كونها لم تفهمه أولاً، لأن الجواب به يؤخذ من إعراضه بوجهه عند قوله: "تطهري" أي: في المحل الذي يستحيا من مواجهة المرأة بالتصريح به، فاكتفى بلسان الحال عن لسان المقال، وفهمت عائشة ذلك عنه فتولت تعليمها. (فاجتذبتها إليّ) أي: قربتها إلى نفسي. (تتبعي) من التتبع بتشديد الباء. (بها) أي: الفرصة الممسكة. (أثر الدم) أي: اجعليها في الفرج، وحيث أصابه الدم، ففي رواية الإسماعيلي "تتبعي بها مواضع الدم" وزاد الدارمي "وهو يسمع فلا ينكر" وفيه صحة العرض على المحدث إذا أقره ولو لم يقل عقبه نعم. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الطهارة، وفي الاعتصام، ومسلم في الطهارة. ولفظ البخاري في باب دلك المرأة نفسها.. إلخ، أن امرأة سألت النبي ﷺ عن غسلها من المحيض، فأمرها كيف تغتسل، قال: خذي فرصة من مسك فتطهري بها، قالت: كيف أتطهر بها؟ قال تطهري بها، قالت: كيف؟ قال: سبحان الله! تطهري، فاجتذبتها إليّ.. الخ. والحديث أخرجه أيضاً أحمد، وأبوداود والنسائي وابن ماجه.
٤٤٢- قوله: (أشد) بفتح الهمزة وضم الشين أي: أحكم. (ضفر رأسي) بفتح الضاد المعجمة وإسكان الفاء إما مصدر وهو نسج الشعر أو غيره، والضفير مثله، وإما أن يكون اسماً للمضفورة. قال في اللسان: ويقال للذؤابة: ضفيرة، وكل خصلة من خصل شعر المرأة تضفر على حدته، وجمعها ضفائر. قال ابن سيده: والضفر كل خصلة من
стр. 546
أفأنقضه لغسل الجنابة؟ فقال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء،
ــ
الشعر على حدتها، ثم قال: والضفيرة كالضفر، انتهى. وقال النووي: بفتح الضاد وإسكان الفاء، هذا هو المشهور المعروف في رواية الحديث، والمستفيض عند المحدثين، والفقهاء، وغيرهم، ومعناه: أحكم فتل شعري. (أفأنقضه) أي: أفرقه، يعني أيجب على شرعاً نقضه أم لا؟ وإلا فهي مخيرة (لغسل الجنابة) أي: لأجله حتى يصل الماء إلى باطنه. وفي رواية مسلم: أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ (فقال: لا) أي: لا يجب، لا أنه لا يجوز. (إنما يكفيك) بكسر الكاف. (أن تحثي) بسكون الياء لأنها ياء الخطاب للمؤنث، والنون محذوفة على إعمال أن الناصبة، ولا يجوز نصب الياء، من حثا يحثوا حثواً، وحثي يحثي حثياً، واوي ويائي، قال في اللسان: والياء أعلى وهو الرمي، ووقع في بعض النسخ النسائي "أن تحثين" بإثبات النون، قال السندهي: وكأنه على إهمال "أن" تشبيهاً لها بما المصدرية، وقد ورد مثل ذلك في الحديث كثيراً، وارجع إلى "شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح" (ص١١٧و١١٨) (حثيات) بفتحات أي: حفنات يعني ثلاث غرف بيديه واحدها حثية قاله في النهاية واللسان. (ثم تفيضين) بإثبات النون، والتقدير: أنت تفيضين، فيكون من باب عطف الجمل، قاله القاري. وقيل: جاء على لغة من يرفع الفعل بعد أن حملاً على أختها. والحديث دليل على أنه لا يجب على المرأة نقض الضفائر في غسل الجنابة، ولا في غسل الحيض بل يكفيها أن تصب على رأسها ثلاث حفنات، ويدل عليه أيضاً ما رواه أحمد ومسلم عن عبيد بن عمير قال: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤسهن، فقالت: يا عجباً لابن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن بنقض رؤسهن، أو ما يأمرهن أن يحلقن رؤسهن، الحديث. وأما ما رواه مسلم من حديث عائشة (أي في المنتقى) في صفة غسل المرأة من المحيض بلفظ: ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكاً شديداً حتى تبلغ شئون رأسها. فلا يدل على نقض الضفائر، ولا على وجوب بل داخل الشعر ولو سلم فهو محمول على العزيمة والندب، وحديث أم سلمة على الرخصة جمعاً بين الأدلة. وأما حديث عائشة أن النبي ﷺ قال لها: وكانت حائضاً: "انقضي شعرك، واغتسلي". أخرجه الأئمة الستة، وهذا لفظ ابن ماجه، وفي رواية للبخاري: انقضي رأسك، وامتشطي، وأمسكي عن عمرتك. فهو وارد في مندوبات الإحرام، والغسل في تلك الحالة للتنظيف لا للصلاة، والنزاع في غسل الصلاة، ذكره الشوكاني في النيل، وقال في السيل الجرار: واختصاص هذا بالحج لا يقتضي ثبوته في غيره، ولا سيما وللحج مدخلة في مزيد التنظيف، ثم اقترانه بالامتشاط الذي لم يوجبه احد يدل على عدم وجوبه. وأما ما رواه الدارقطني في الأفراد، والبيهقي في السنن الكبرى، والطبراني في الكبير من حديث أنس مرفوعاً: إذا اغتسلت المرأة من حيضتها نقضت شعرها نقضاً وغسلته بخطمي وأشنان، فإذا اغتسلت من الجنابة صبت على رأسها الماء وعصرته. فقد تفرد به مسلم بن صبيح اليحمدي وهو مجهول، وهو غير أبي الضحى مسلم بن صبيح المعروف، فإنه أخرج له الجماعة كلهم. وأيضا اقترانه بالغسل بخطمي وأشنان يدل على عدم الوجوب فإنه لم
стр. 547
فتطهرين)) . رواه مسلم.
٤٤٣- (١٠) وعن أنس قال: ((كان النبي ﷺ يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد)) .
ــ
يقل أحد بوجوب الخطمي ولا الأشنان - انتهى. وهذا كل في حق المرأة، وأما الرجل فيجب عليه نقض شعره المضفور، وبل ظاهره وباطنه، أي: داخله إذا لم يصل الماء إلى أصول الشعر إلا بالنقض لحديثي أبي هريرة، وعلى الآتيين في الفصل الثاني، ولحديث ثوبان: أنهم استفتوا النبي ﷺ فقال: "أما الرجل فلينشر رأسه فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضه، لتغرف على رأسها ثلث غرفات بكفيها". قال ابن القيم: هذا الحديث رواه أبوداود من حديث إسماعيل بن عياش، وهذا إسناد شامي، وحديثه عن الشاميين صحيح. وقال الشوكاني: أكثر ما علل به أن في إسناده إسماعيل بن عياش، والحديث من مروياته عن الشاميين، وهو قوي فيهم فيقبل، انتهى. هذا وارجع للتفصيل إلى غاية المقصود شرح سنن أبي داود. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه.
٤٤٣- قوله: (كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع) الصاع أربعة أمداد بمد النبي ﷺ ، والمد رطل وثلث بالعراق فيكون الصاع خمسة أرطال وثلثا برطل عراق، وإليه ذهب أبويوسف، ومالك، والشافعي، وأحمد، وخالفهم أبوحنيفة ومحمد، فقالا: المد رطلان، والصاع ثمانية أرطال، ولا حجة لهما على ما ذهبا إليه، ولذلك ترك أبويوسف مذهبه، واختار مذهب الأئمة الثلاثة، ولمالك مع أبي يوسف فيه قصة مشهورة رواها البيهقي بإسناد جيد، وارجع للتفصيل إلى شرح الترمذي (ج١ص١٥٩-١٦٠) لشيخنا العلامة الأجل المباركفوري. والحديث يدل على كراهة الإسراف في الماء للوضوء والغسل، واستحباب الاقتصاد، وهو مجمع عليه (إلى خمسة أمداد) بيان لغايته، حاصله أنه لم ينقص عن أربعة أمداد ولم يزد على خمسة أمداد، يعنى أنه ربما اقتصر على الصاع، وربما زاد عليه إلى خمسة، فكأن أنساً لم يطلع على أنه استعمل في الغسل أكثر من ذلك. لأنه جعلها النهاية، وقد روى مسلم من حديث عائشة، أنه كان يغتسل من إناء يسع ثلاثة أمداد أو قريباً من ذلك. وروى الشيخان عنها قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد من قدح يقال له الفرق. وفي رواية: كان يغتسل من إناء واحد يقال له الفرق، والفرق ثلاثة آصع أي: ستة عشر رطلاً بالعراق. فهذا يدل على اختلاف الحال في ذلك بقدر الحاجة. وقد اختلف الروايات في الوضوء أيضاً، ففي حديث عبد الله بن زيد عند ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم: أن النبي ﷺ أتى بثلثي مد من ماء، فتوضأ فجعل يدلك ذراعيه. وفي حديث أنس عند أحمد، وأبي داود: كان النبي ﷺ يتوضأ بإناء يكون رطلين. وفي هذه الأحاديث رد على من قدر وضوئه وغسله ﷺ بما في حديث أنس الذي ذكره المؤلف من رواية الشيخين، وحمله الجمهور على الاستحباب؛ لأن
стр. 548
متفق عليه.
٤٤٤- (١١) وعن معاذة، قالت: قالت عائشة ﵂: ((كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد بيني وبينه، فيبادرني، حتى أقول: دع لي دع لي. قالت: وهما جنبان)) . متفق عليه.
ــ
أكثر من قدر وضوءه وغسله ﷺ من االصحابة قدرهما بذلك وهذا إذا لم تدع الحاجة إلى الزيادة، وهو أيضاً في حق من يكون خلقه معتدلاً. قال الشوكاني: القدر المجزئ عن الغسل ما يحصل به تعميم البدن على الوجه المعتبر، وسواء كان صاعاً أو أقل أو أكثر ما لم يبلغ في النقصان إلى مقدار لا يسمى مستعمله مغتسلاً، أو إلى مقدار في الزيادة يدخل فاعله في حد الإسراف، وهكذا الوضوء، القدر المجزئ ما يحصل به غسل أعضاء الوضوء سواء كان مداً أو أقل أو أكثر ما لم يبلغ في الزيادة إلى حد السرف أو النقصان إلى حد ما لا يحصل به الواجب (متفق عليه) وأخرج أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه من حديث سفينة، وأبوداود من حديث عائشة بنحوه.
٤٤٤- قوله: (وعن معاذة) بضم الميم هي معاذة بنت عبد الله العدوية أم الصهباء البصرية العابدة، ثقة حجة، تابعية، روت عن عائشة وعلي. يقال: إنها لم تتوسد فراشاً بعد أبي الصهباء حتى ماتت. قال الذهبي: بلغني أنها كانت تحيي الليل وتقول: عجبت لعين تنام وقد علمت طول الرقاد في القبور. توفيت سنة (٨٣) . (أنا ورسول الله) بالنصب على أن يكون مفعولاً معه، والرفع على أن يكون عطفاً على الضمير، وإبراز الضمير ليصح العطف، وهو من باب تغليب المتكلم على الغائب لكونها هي السبب في الاغتسال، فكأنها أصل في الباب. (من إناء واحد) من قدح يقال له الفرق، كما في رواية البخاري، والفرق ثلاثة آصع (بيني وبينه) أي: يوضع الإناء بيني وبينه وهو واسع الرأس، فنجعل أيدينا ونأخذ الماء للاغتسال به. (فيبادرني) أي: يسبقني لأخذ الماء زاد النسائي "وأبادره" قال الأشرف: ليس المعنى أنه يبادرني ويغتسل ببعضه ويترك الباقي فأغتسل منه، بل المعنى أنهما اغتسلا منه معاً كما ورد في رواية أخرى: "نغترف منه جميعاً". وفي رواية: "تختلف أيدينا فيه وتلتقي". (دع لي دع لي) أي: أترك لي ما أكمل غسلي، والتكرار للتأكيد أو للتعديد. (قالت) أي: معاذة. (وهما) أي: النبي ﷺ وعائشة ﵂. (جنبان) بضم الجيم والنون تثنية جنب. وفي الحديث دليل على جواز اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد معاً، ونقل الطحاوي ثم القرطبي والنووي الاتفاق على ذلك. وفيه أيضاً جواز اغتراف الجنب من الماء القليل، وأن ذلك لا يمنع من التطهير بذلك الماء، ولا بما يفضل منه، سواء فيه الرجل وامرأة. (متفق عليه) أي: على أصل الحديث، واللفظ لمسلم، وأخرجه أيضاً النسائي وقال السيد جمال الدين: قوله: متفق عليه، فيه نظر؛ لأن البخاري لم يقل: فيبادرني حتى أقول "دع لي دع لي" وإنما هو من أفراد مسلم.
стр. 549
﴿الفصل الثاني﴾
٤٤٥- (١٢) عن عائشة، قالت: ((سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً. قال: يغتسل. وعن الرجل الذي يرى أنه قد احتلم ولا يجد بللاً. قال: لا غسل عليه. قالت أم سليم: هل على المرأة ترى ذلك غسل؟ قال: نعم، إن النساء شقائق الرجال)) . رواه الترمذي وأبوداود. وروى الدارمي، وابن ماجه إلى قوله: لا غسل عليه.
ــ
٤٤٥- قوله: (يجد البلل) بفتحتين أي: رطوبة المني على بدنه، أو في ثوبه، وذلك لأن المسؤول عنه إنما هي بلة المني لا مطلق البلة بقرينة الحال، إذ لم يقل أحد بوجوب الغسل على المنتبه من النوم برؤية بلل البول، فكذا المذي. (ولا يذكر احتلاماً) أي: لا يذكر أنه جامع في النوم (قال: يغتسل) خبر بمعنى الأمر وهو الوجوب، وفيه دليل على اعتبار مجرد وجود المني في إيجاب الاغتسال على المنتبه من النوم سواء انضم إلى ذلك ظن الشهوة، أم لا. قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافا، وبه قال المالك والشافعي واسحق وغيرهم، لكن قال ابن رسلان: لا يجب عند الشافعي الغسل حتى يذكر التنبه من النوم أنه جامع أحداً في النوم. (يرى) بفتح الياء أي: يعتقد وبضمها أي: يظن (أنه قد احتلم ولا يجد بللاً. قال: لا غسل عليه) أي: لا يجب عليه الغسل، لأن البلل علامة ودليل، والنوم لا عبرة به، فالمدار على البلل سواء تذكر الاحتلام أم لا، وهذا لم يختلف فيه أحد، وقد حكى عليه الإجماع ابن المنذر وابن قدامة وغيرهما، وأما إذا رأى المستيقظ بللاً، ولم يعلم أنه مني أو مذي، فالأحوط عندي وجوباً أن يغتسل لظاهر الحديث، وهو مختلف فيه بين الأئمة جداً، حتى عند الحنفية أيضاً، فقد ذكر ابن عابدين في رد المختار. (ج١:ص١٥١) أربعة عشر وجهاً في المسألة. (ترى ذلك) أي: البلل. (إن النساء) بكسر الهمزة استئناف في معنى التعليل. (شقائق الرجال) أي: نظائرهم وأمثالهم في الخلق والطبائع فكأنهن شققن من الرجال، يعني فيجب على المرأة الغسل برؤية البلل بعد النوم كالرجل. قال الخطابي: فيه من الفقه إثبات القياس وإلحاق حكم النظير بالنظير، فإن الخطاب إذا ورد بلفظ المذكر كان خطاباً للنساء، إلا مواضع الخصوص التي قامت أدلة التخصيص فيها انتهى. (رواه الترمذي) الخ. وأخرجه أيضاً أحمد (ج٢:ص٢٥٦) والحديث قد تفرد به عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب وهو صدوق في حفظه شيء. قال الترمذى: إنما روى هذا الحديث عبد الله بن عمر عن عبيد الله بن عمر، وعبد الله ضعفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه في الحديث، لكن أصل القصة معروفة في الصحيحين وغيرهما من حديث أم سلمة، وهو ثالث أحاديث الفصل الأول، ونحوه من حديث عائشة في مسلم أيضاً وأبي داود، ومن حديث أم سليم عند أحمد (ج ٦:ص٣٧٧) ، ومن حديث أنس عند مسلم أيضاً والدارمي، فهذه الروايات شاهدة
стр. 550
٤٤٦- (١٣) وعنها، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إذا جاوز الختان الختان، وجب الغسل. فعلته أنا ورسول الله ﷺ ، فاغتسلنا)) . رواه الترمذي،وابن ماجه.
٤٤٧- (١٤) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر،
ــ
لحديث عائشة من رواية عبد الله بن عمر العمري، وقد سكت عنه أبوداود.
٤٤٦- قوله: (إذا جاوز الختان الختان) الأول بالرفع والثاني بالنصب، والمراد بالختان ههنا موضع الختن، والختن من الرجل قطع ما يغطي الحشفة بحيث إذا قطع ظهرت الحشفة، ومن المرأة قطع جلدة في أعلى فرجها مجاورة لمخرج البول كعرف الديك، وذلك لأن مدخل الذكر هو مخرج الولد، والمني، والحيض، وفوقه مخرج البول، وبينهما جلدة رقيقة، وفوق مخرج البول جلدة رقيقة يقطع منها في الختان، ويسمى موضع الختن من المرأة الخفاض، أطلق عليه الختان مشاكلة. والمراد بمجاوزة الختان الختان، الجماع، وهو غيبوبة الحشفة في فرجها، ففي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: إذا التقى الختانان، وتوارت الحشفة، فقد وجب الغسل، أخرجه ابن ماجه، وابن أبي شيبة (وجب الغسل) وإن لم ينزل، والحديث نص في أن الغسل يجب بمجرد مجاوزة الختان الخفاض، أي: الإيلاج، ولا يتوقف على الإنزال، وإليه ذهب الجمهور وهو الصواب. (فعلته) الضمير راجع إلى مصدر جاوز. (ورسول الله) بالرفع أو النصب. (فاغتسلنا) ظاهره أنها تعني بغير الإنزال، وأنه ناسخ لمفهوم حديث "إنما الماء من الماء" (رواه الترمذي) أخرج الترمذي أولاً حديث عائشة هذا بتمامه موقوفاً من قولها، وكذا أخرجه الشافعي في اختلاف الحديث، وأحمد في المسند (ج١:ص١٦١) وابن ماجه، ثم أخرجه الترمذي مرفوعاً بسند آخر، وليس فيه "فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا" بل اقتصر على الجملة الأولى "إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل" وكذا اقتصر عليه البغوي في المصابيح، والمصنف ركب المرفوع والموقوف، أو جعل الموقوف مرفوعاً، وهذا خطأ منه. وأخرج المرفوع أيضاً الشافعي في اختلاف الحديث، وفي الأم، وأحمد في المسند من طرق. وقال الترمذي بعد رواية المرفوع: حديث عائشة حديث حسن صحيح، وصححه أيضاً ابن حبان، وابن القطان، وأصله في مسلم بلفظ: "إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل".
٤٤٧- قوله: (تحت كل شعرة جنابة) كناية عن شمول الجنابة تمام البدن الذي هو محل الشعر عادة، ولذلك رتب عليه قوله: (فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة) وإلا فكون الجنابة تحت كل شعرة، يقتضي وجوب إيصال الماء إلى ما تحت الشعر، ولا يقتضي غسل الشعر وإنقاء الجلد، قاله السندهي (فاغسلوا الشعر) بسكون العين وفتحها، أي: جميعه، فلو بقيت شعرة واحدة لم يصل إليها الماء بقيت جنابته. وظاهر الحديث يوجب نقض القرون والضفائر إذا أراد الاغتسال من الجنابة
стр. 551
وأنقوا البشرة)) . رواه أبوداود والترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث غريب، والحارث بن وجيه الراوي وهو شيخ، ليس بذاك.
ــ
لأنه لا يكون شعره مغسولاً إلا أن ينقضها، وهذا الحكم بعمومه يشتمل الرجال والنساء، لأن النساء شقائق الرجال، لكن رخص النساء في ترك ضفر رؤسهن كما تقدم، والعلة في دفع الحرج عنهن، فحكم الرجال مغائر للنساء، فحديث أبي هريرة هذا مخصوص بالرجال، وكذا حديث علي الذي يتلوه. (وأنقوه) من الإنقاء. (البشرة) أي: نظفوها من الأوساخ، لأنه لو منع شيء من ذلك وصول الماء لم يرتفع الجنابة. والبشرة بفتح الباء والشين، ظاهر جلد الإنسان، وفي حديث أبي هريرة هذا وحديث علي الآتي دليل على وجوب المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة لما في داخل الأنف من الشعر، ولأن داخل الفم من البشرة، واحتج به على وجوب الدلك في الغسل، فإنه فسر صاحب المصباح الإنقاء بالتنظيف ومعلوم أن التنظيف لا يكون إلا بالدلك. (رواه أبوداود) وضعفه، (والترمذي وابن ماجه) وأخرجه البيهقي. (ج١:ص١٧٥) (وقال الترمذي: هذا حديث غريب) لأنه تفرد به الحارث عن مالك بن دينار. قال الحافظ: مداره على الحارث بن وجيه وهو ضعيف جداً، قال أبوداود: والحارث حديثه منكر وهو ضعيف، وقال الشافعي: الحديث ليس بثابت، وقال البيهقي: أنكره أهل العلم بالحديث البخاري، وأبوداود، وغيرهما. (والحارث بن وجيه) بكسر الجيم وبعدها ياء تحتية مثناة، ويقال: ابن وجبة باسكان الجيم وفتح الباء الموحدة. (وهو شيخ ليس بذاك) الظاهر أن قوله "الحارث بن وجيه" مبتدأ خبره "ليس بذاك" وقوله: (وهو شيخ) حال أو اعتراض، وهو خلاف نص عبارة الترمذي في جامعه ففيه "حديث الحارث بن وجيه" حديث غريب لا نعرفه إلا من حديثه "وهو شيخ ليس بذاك" قال الطيبي: أي: شيخ كبير غلب عليه النسيان، ليس بذاك المقام الذي يوثق به، يعني روايته ليست بقوية. وقال القاري: وظاهره يقتضي أن قوله:"وهو شيخ" للجرح، وهو مخالف لما عليه عامة أصحاب الجرح والتعديل من أن قولهم"شيخ" من ألفاظ مراتب التعديل فعلى هذا يجيء إشكال آخر في قول الترمذي، لأن قولهم "ليس بذاك" من ألفاظ الجرح اتفاقاً، فالجمع بينهما في شخص واحد جمع بين المتنافيين، فالصواب أن يحمل قوله: "وهو شيخ" على الجرح بقرينة مقارنته بقوله "ليس بذاك" وإن كان من ألفاظ التعديل، ولإشعاره بالجرح لأنهم وإن عدوه من ألفاظ التعديل صرحوا أيضاً بإشعاره بالقرب من التجريح، أو نقول: لابد في كون الشخص ثقة من شيئين: العدالة والضبط، كما بين في موضعه، فإذا وجد في الشخص العدالة دون الضبط، يجوز أن يعدل باعتبار الصفة الأولى، ويجوز أن يجرح باعتبار الصفة الثانية، فإذا كان كذلك لا يكون الجمع بينهما جمعاً بين المتنافيين، كذا في حاشية السيد جمال الدين، ذكره القاري في المرقاة. وقيل: الشيخ هنا بمعنى العالم فإنه يطلق على الأستاذ والعالم وكبير القوم ورئيس الصناعة، وعلى من كان كبيراً في أعين القوم علماً أو فضيلةً أو مقاماً أو نحو ذلك.
стр. 552
٤٤٨- (١٥) وعن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها، فعل بها كذا وكذا من النار)) . قال علي: فمن ثم عاديت رأسي، فمن ثم عاديت رأسي، فمن ثم عاديت رأسي، ثلاثاً. رواه أبوداود وأحمد والدارمي، إلا أنهما لم يكررا: فمن ثم عاديت رأسي.
٤٤٩- (١٦) وعن عائشة ﵂، قالت: ((كان النبي ﷺ لا يتوضأ بعد الغسل)) . رواه الترمذي
ــ
٤٤٨- قوله: (موضع شعره) لم يرد المحل الذي تحت الشعر، فإن إيصال الماء هناك مشكل بل أراد محلاً يمكن قيام الشعر فيه، أي: شعراً قليلاً من ظاهر البدن قدر ما يقوم فيه الشعر، كذا قاله السندهي. (من جنابة) متعلق بترك، أي: من أجل غسل جنابة، أو من عضو مجنب (لم يغسلها) أنث الضمير الراجع إلى الموضع لتأنيث المضاف إليه. (فعل) بصيغة المجهول. (بها) أي: بسبب تلك الشعرة، أو الضمير يرجع إلى الموضع، والتأنيث باعتبار المضاف إليه، ولفظ أحمد "فعل الله به" أي: بذلك التارك، أو بالموضع المتروك. (كذا كذا) كناية عن العذاب الشديد. (فمن ثم) أي: من أجل أني سمعت هذا التهديد والوعيد. (عاديت رأسي) وفي رواية أحمد وابن ماجه "عاديت شعري" أي: عاملت شعر رأسي معاملة العدو بالعدو أي: فعلت به ما يفعل بالعدو من الاستئصال والقطع والجز فجزرته، مخافة أن لا يصل الماء إلى جميع رأسي، وقوله: (عاديت) كناية عن دوام جز شعر الرأس وقطعه. زاد أبوداود، والدارمي: وكان يجز شعره. (ثلاثاً) أي: قاله ثلاثاً للتأكيد. (رواه أبوداود) وسكت عنه (وأحمد والدارمي) وأخرجه أيضاً ابن ماجه. قال الحافظ في التلخيص: إسناده صحيح، فإنه من رواية عطاء بن السائب، وقد سمع منه حماد بن سلمة قبل الاختلاط، أخرجه أبوداود، وابن ماجه من حديث حماد، لكن قيل: إن الصواب وقفه على علي- انتهى. وهذا التعليل الأخير - الذي أشار إليه الحافظ - ينافيه سياق الحديث كما هو ظاهر. وفي الباب عن أنس عند أبي يعلى، والطبراني في الصغير، وأبي أيوب عند ابن ماجه وإسنادهما ضعيف. (إلا أنهما) أي: أحمد والدارمي (لم يكررا: فمن ثم عاديت رأسي) أي: هذا اللفظ وأكتفيا بمرة واحدة.
٤٤٩- قوله: (لا يتوضأ بعد الغسل) من الجنابة أي: يصلي بعد الاغتسال وقبل الحدث بلا وضوء جديد اكتفاء بالوضوء الذي كان قبل الاغتسال، فكان عادته ﷺ تقديم الوضوء على غسل الجنابة كما تقدم. وقيل: اكتفاء بالوضوء الحاصل في ضمن غسل الجنابة، لاندراج ارتفاع الحدث الأصغر تحت ارتفاع الأكبر بإيصال الماء إلى جميع أعضاءه، علل به من لم يوجب الوضوء في غسل الجنابة، والمعتمد هو الأول. وأداء الصلاة بعد غسل الجنابة وقبل الحدث بلا وضوء جديد أمر مجمع عليه، لم يختلف فيه العلماء كما صرح به ابن العربي في شرح الترمذي (رواه الترمذي) وقال: حديث حسن
стр. 553
وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
٤٥٠- (١٧) وعنها، قالت: ((كان النبي ﷺ يغسل رأسه بالخطمي وهو جنب يجتزئ بذلك ولا يصب عليه الماء)) . رواه أبوداود.
٤٥١- (١٨) وعن يعلى، قال: ((إن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يغتسل بالبراز، فصعد المنبر،
ــ
صحيح كما في بعض نسخ جامع الترمذي، قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي: تختلف نسخ الترمذي في تصحيح حديث عائشة، وأخرجه البيهقي بأسانيد جيدة. (وأبو داود) وسكت عليه (والنسائي) وأخرجه أيضاً أحمد والبيهقي.
٤٥٠- قوله: (كان النبي ﷺ يغسل رأسه بالخطمى) بكسر الخاء، نبت يتنظف به معروف. وفيه دليل على استحباب تنظيف الرأس عند غسل الجنابة بالخطمى ونحوه. (وهو جنب) جملة حالية. (يجتزئ بذلك) أي: يقتصر عليه، قاله الطيبي، يعني يكتفي بالماء الذي كان يفيضه على رأسه لإزالة الخطمى، وما كان يأخذ ماء جديداً للغسل. وقال المنذري: قيل: يكتفي بالماء الذي يغسل به الخطمى، وينوى غسل الجنابة ولا يستعمل بعده ماء آخر يخص به الغسل. (ولا يصب عليه) أي: على رأسه. (الماء) قال ابن رسلان: أي: يصب الماء الذي يزيل به الخطمى، ولا يصب على رأسه الماء الآخر بعد إزالته، وقال من ذهب إلى جواز التطهير بالماء المقيد في معنى الحديث: أنه كان يكتفي بالماء المخلوط به الخطمى الذي يغسل به رأسه، وينوى به غسل الجنابة، ولا يصب بعده ماء آخر قراحاً صافياً يخص به الغسل. ولا يخفى ما فيه من التكلف، على أن الحديث ضعيف لا يكفي مثله للاستدلال. (رواه أبوداود) في سنده رجل من بني سواءة بن عامر، وهو مجهول. وقال الحافظ في الفتح: رواه أبوداود بإسناد ضعيف. وقد روى عن ابن مسعود أنه كان يغسل رأسه بخطمى، ويكتفي بذلك في غسل الجنابة، أخرجه ابن شيبة، والطبراني في الكبير.
٤٥١- قوله: (وعن يعلى) بفتح ياء وسكون عين مهملة وفتح لام وقصر كيرضى، هو يعلى بن أمية بن أبي عبيدة بن همام التميمي أبوصفوان المكي حليف قريش، وهو يعلى بن منية - بضم الميم وسكون النون بعدها تحتانية مفتوحة – وهي أمه ويقال: جدته، صحابي مشهور من مسلمة الفتح، وشهد حنيناً، والطائف وتبوك مع النبي ﷺ . قال ابن عبد البر عن ابن المديني: استعمله أبوبكر على حلوان، واستعمله عمر على بعض اليمن فبلغ عمر أنه حمى لنفسه، فأمر أن يمشي على رجليه إلى المدينة، فمشى خمسة أيام أو ستة فبلغه موت عمر فركب. واستعمله عثمان على الجند، فلما بلغه قتل عثمان أقبل لينصره فصحب الزبير وعائشة. وله ثمانية وأربعون حديثاً، اتفقا على ثلاثة، روى عنه جماعة من التابعين، وروى عنه هذا الحديث ابنه صفوان، بقي إلى قرب الخمسين. (رأى رجلاً يغتسل) أي: من غير سترة عرياناً. (بالبراز) بفتح الباء وهو
стр. 554
فحمدالله، وأثنى عليه، ثم قال: إن الله حيي ستير يحب الحياء والتستر، فإذا اغتسل أحدكم، فليستتر)) . رواه أبوداود والنسائي، وفي روايته قال: إن الله ستير، فإذا أراد أحدكم أن يغتسل فليتوار بشيء.
﴿الفصل الثالث﴾
٤٥٢- (١٩) عن أبي بن كعب قال: إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام ثم نهي عنها.
ــ
الفضاء الواسع، والباء للظرفية. (حيي) بيائين الأولى مخففة مكسورة والثانية مشددة مرفوعة، أي: كثير الحياء من تفضيح عباده وإظهار شنائعهم. (ستير) بوزن كريم، وقيل: هو كسكيت - بكسر السين وتشديد التاء المكسورة - فعيل بمعنى فاعل، أي: من شأنه وإرادته حب الستر والصون. (يحب) أي: من عبده. (الحياء) فإنه من الإيمان. (والتستر) كالتقبل، وفي أبي داود والنسائي الستر بفتح السين وسكون التاء، قال التوربشتي: يعنى أن الله تعالى تارك للقبائح، ساتر للعيوب والفضائح، يحب الحياء والستر من العبد ليكون متخلقاً بأخلاقه تعالى، فهو تعريض للعباد، وحث لهم على تحري الحياء والتستر - انتهى مختصراً. (فإذا اغتسل) أي: أراد الاغتسال. (فليستتر) من الاستتار أي: فليجعل لنفسه سترة وجوباً إن كان ثم من يحرم نظره لعورته، وندباً في غير ذلك. واغتساله ﷺ في بعض الأحيان عرياناً لبيان الجواز. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري. (والنسائي) وأخرجه أيضاً أحمد. قال الشوكاني: الحديث رجال إسناده رجال الصحيح، وقد أخرج البزار نحوه من حديث ابن عباس مطولاً. وقد ذكره الحافظ في الفتح. (ج٢:ص١٩٣) ولم يتكلم عليه. (وفي روايته) أي: في رواية أخرى للنسائي. (فليتوار) أمر من التواري بمعنى التستر (بشيء) من الثوب أو الجدار أو الحجر أو الشجر. قال ابن حجر: وحاصل حكم من اغتسل عارياً أنه كان بمحل خال لا يراه أحد ممن يحرم عليه نظر عورته حل له ذلك، لكن الأفضل التستر حياء من الله تعالى، يدل عليه حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عند أبي داود والترمذي بلفظ: احفظ عورتك إلا من زوجك. قلت: فالرجل يكون خالياً؟ قال ﷺ : "الله أحق أن يستحي منه"، وإن كان المغتسل بحيث يراه أحد يحرم عليه نظر عورته وجب عليه التستر منه إجماعاً على ما حكى.
٤٥٢- قوله: (إنما كان الماء) أي: انحصار وجوب الغسل. (من الماء) أي: من إنزال المني لا بمجرد الجماع. (رخصة في أول الإسلام) تدريجاً لتكاليف الأحكام. (ثم نهي) بصيغة المفعول. (عنها) أي: عن تلك الرخصة وفرض الغسل بمجرد الإيلاج ولو لم ينزل. ولفظ أبي داود: إن الفتيا التي كانوا يفتون أن الماء من الماء، كان رخصة رخصها رسول الله ﷺ في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد. وفي رواية للحازمي في كتاب الاعتبار قال: كان الماء من الماء شيئاً في أول الإسلام، ثم ترك ذلك بعد، وأمروا بالغسل إذا مس الختان الختان. والحديث صريح في ما قاله الجمهور
стр. 555
رواه الترمذي وأبوداود والدارمي.
٤٥٣- (٢٠) وعن علي، قال: ((جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني اغتسلت من الجنابة، وصليت الفجر، فرأيت قدر موضع الظفر لم يصبه الماء. فقال رسول الله ﷺ : لو كنت مسحت عليه بيدك أجزأك)) . رواه ابن ماجه.
٤٥٤- (٢١) وعن ابن عمر، قال: ((كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرات، وغسل البول من الثوب سبع مرات. فلم يزل رسول الله ﷺ يسأل، حتى جعلت الصلاة خمساً، وغسل الجنابة مرة، وغسل الثوب من البول مرة)) .
ــ
من النسخ، وقد سبق الكلام عليه. (رواه الترمذي) وقال: حسن صحيح. (وأبوداود) وسكت عنه. ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره. (والدارمي) وأخرجه أيضاً أحمد وابن ماجه والبيهقي والدارقطني وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وقال الإسماعيلي: إنه صحيح على شرط البخاري، وأطال الحافظ الكلام عليه في التلخيص، والشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على الترمذي (ج١:ص١٨٥،١٨٤) فارجع إليهما.
٤٥٣- قوله: (فرأيت) أي: بعد انقضاء صلاتي. (قدر موضع الظفر) بضم الظاء والفاء وقد يسكن الفاء، أي: مقدار موضعه من بدني. (لم يصبه الماء) حال أو مفعول ثان. (لو كنت مسحت عليه بيدك) أي: ليسري بذلك الماء عليه، فليس فيه اكتفاء بالمسح، قاله السندهي. وقال القاري: لو كنت أي: عند الغسل مسحت عليه بيدك، أي: غسلته غسلاً خفيفاً، أو مررت عليه بيدك المبلولة. (أجزأك) أي: كفاك. وأما المسح الذي هو إصابة اليد المبتلة فلا يكفي. قال الطيبي: قد عرفت أن لو لامتناع الشيء لامتناع غيره، فالمعنى: لا يجزئك لأنك في زمان الغسل ما مسحت بالماء على ذلك الموضع. وفيه أنه يلزمه الغسل جديداً وقضاء الصلاة - انتهى. يعني غسل ذلك الموضع. (رواه ابن ماجه) وفي سنده محمد بن عبيد الله العزرمي الفزاري وهو متروك.
٤٥٤- قوله: (كانت الصلاة خمسين) قال الطيبي: أي: كان الصلاة مفروضة في ليلة المعرج خمسين، لا أنهم صلوا خمسين صلاة. والحديث مشهور - انتهى. يعني أن حديث المعراج مشهور لكن ليس في أحاديث المعراج في الصحيحين إلا ذكر الصلوات فقط. (سبع مرات) وفي أبي داود "وسبع مرار" في الموضعين. (وغسل الثوب من البول) وفي أبي داود: وغسل البول من الثوب. (فلم يزل رسول الله ﷺ يسأل) أي: ربه في التخفيف عن أمته. (خمساً) بالكمية، وخمسين بمضاعفة الفضيلة. (وغسل الجنابة مرة) أي: بالفرضية فلا ينافي سنية التثليث. (وغسل الثوب من البول مرة) فيه
стр. 556
رواه أبوداود.
(٦) باب مخالطة الجنب وما يباح له
﴿الفصل الأول﴾
٤٥٥- (١) عن أبي هريرة، قال: ((لقيني رسول الله ﷺ وأنا جنب، فأخذ بيدي، فمشيت معه حتى قعد، فانسللت، فأتيت الرحل،
ــ
دليل لما ذهب إليه الشافعي ومن وافقه من أن الثوب يطهر بالغسل مرة، وأن التثليث مندوب، خلافاً للحنفية، فإن التثليث عندهم واجب في النجاسة الغير المرئية. قال برهان الدين المرغيناني: النجاسة ضربان مرئية وغير مرئية، فما كان منها مرئياً فطهارتها بزوال عينها، وما ليس بمرئي فطهارته أن يغسل حتى يغلب على ظن الغاسل أنه قد طهر، لأن التكرار لا بد منه للاستخراج، وإنما قدروا بالثلاث لأن غالب الظن يحصل عنده، ويتأيد ذلك بحديث: إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً - انتهى. قلت: في الاستدلال بهذا الحديث على إيجاب التثليث في النجاسة الغير المرئية نظر، لأن الحديث من باب النظافة لا من باب النجاسة كما ذهب إليه الباجي، وابن تيمية. (رواه أبوداود) وسكت عنه، لكن في سنده أيوب بن جابر اليمامي، وقد ضعفه ابن معين وابن المديني والنسائي وأبوزرعة وأبوحاتم وابن حبان ويعقوب بن سفيان. وقال أحمد: حديثه يشبه حديث أهل الصدق. وقال الفلاس: صالح. وقال ابن عدي: أحاديثه صالحة متقاربة، وهو ممن يكتب حديثه. وقال البخاري في التاريخ الأوسط: هو أوثق من أخيه محمد.
(باب مخالطة الجنب) أي: جواز مماسته، ومماسحته، ومماشاته، ومجالسته، ومصافحته، ومواكلته، ونحوذلك. يقال أجنب الرجل إذا صار جنباً، بضمتين، وهو يقع على الواحد والإثنين والجمع، والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، وقد يقال: جنبان وجنوب وأجناب، والاسم الجنابة، وأصلها البعد لأنه نهي أن يقرب موضع الصلاة وعن كثير من العبادات مالم يتطهر. (وما يباح له) أي: للجنب من الأكل والشرب والنوم والذكر وغيرها بعد الوضوء وقبله.
٤٥٥- قوله: (فأخذ بيدي) للتأنيس، ويحتمل أن يكون أخذه بها للإتكاء عليها. وفيه جواز أخذ الإمام والعالم بيد تلميذه ومشيه معه معتمداً عليه ومرتفقا به. (حتى قعد) أي: وتخلصت يدى منه. (فانسللت) أي: مضيت وخرجت بتأن وتدريج. وفي رواية فانخنست أي: تأخرت وانقبضت ورجعت. وإنما تأخر أبوهريرة ورجع وترك صحبته ﷺ من غير أن يستأذنه لما ظن أن النبي ﷺ يرضى بصنيعه الذي يصنعه لعلمه أنه قد أمرهم بالطهارة والنظافة، وحثهم عليها، وأنه يحب أن يكون الرجل على أكمل الهيئآت وأحسن الصفات عند ملاقاة ذوى الفضل ومصاحبتهم. (فأتيت الرحل) بالحاء المهملة
стр. 557
فاغتسلت، ثم جئت، وهو قاعد. فقال: أين كنت يابا هريرة؟. فقلت له. فقال: سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس)) .
ــ
الساكنة أي: المكان الذي آوى إليه. (فاغتسلت) أي: في الرحل. (أين كنت) كان هذه ناقصة وخبرها الظرف، أو تامة، فلا تحتاج إلى الخبر. وفيه أن من حسن الأدب لمن مشى معه شيخه وإمامه أن لا ينصرف عنه ولا يفارقه حتى يعلمه بذلك، لأن قوله لأبي هريرة: أين كنت؟ يدل على أنه ﷺ استحب أن لايفارقه حتى ينصرف معه. (ياباهريرة) بحذف الهمزة في الأب تخفيفاً. (فقلت له) أي: الذى فعلته من الرواح إلى الرحل والاغتسال فيه وسببه. (فقال: سبحان الله) تعجباً من اعتقاد أبي هريرة التنجس بالجنابة وعدم علمه المسألة، أي: كيف يخفى مثل هذا الظاهر عليك. (إن المؤمن لا ينجس) بفتح الجيم وضمها من سمع وكرم أي: لا يتنجس نجاسة تمنع مصاحبته، وملامسته، وإصابة العرق منه بمجرد الحدث، سواء كان أصغر أو أكبر ما لم يتعلق بجسده شيء من النجاسة الحقيقية، يدل عليه المقام، إذا المقام مقام الحدث، فلا يرد أنه يتنجس بالنجاسة. والمقصود أن الحدث ليس بنجاسة تمنع عن المماسة، والمماشاة. والمصافحة إنما هو أمر تعبدى. وقد يقال: إن المراد أن نفسه لا يصير نجساً أصلاً لا بالحدث ولا بالخبث، لأنه إن صحبه شيء من النجاسة فنجاسته بسبب صحبته بذلك، لا أن ذاته صار نجساً، فإذا زال ما كان معه من النجاسة فالمؤمن على حالة من الطهارة، فصدق: أن المؤمن لا ينجس أصلاً. والحاصل أن مقتضى ما فعله أبوهريرة أن المؤمن يصير نجساً بحيث يحترز عن صحبته حالة الجنابة‘ فرده ﷺ بأن المؤمن لا يصير كذلك أصلاً. وذلك لا ينافي أن المؤمن قد يحترز عنه بالنظر إلى ما يصحبه من الأنجاس لأنه أمر معلوم من خارج. فالحديث دليل على أن المؤمن طاهر سواء كان جنباً أو محدثاً، حياً أو ميتاً، وكذا ما تحلب منه من عرقه ودمعه ولعابه وسؤره. وذكر البخاري في صحيحه عن ابن عباس تعليقاً: المسلم لا ينجس حياً ولا ميتاً. ورواه الحاكم عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ: لا تنجسوا موتاكم، فإن المسلم لا ينجس حياً ولا ميتاً. قال الحاكم: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه. وهو أصل في طهارة المسلم حياً وميتاً. أما الحي فبالإجماع حتى الجنين إذا ألقته أمه، وأما الميت ففيه خلاف للعلماء، والصحيح أنه طاهر لحديث ابن عباس هذا فلا ينجس المؤمن بالموت بتشرب الدم المسفوح في أجزائه كرامة له، إذ لو نجس لما طهر بالغسل كسائر الحيوانات التي حكم بنجاستها بالموت. وأما غسله فتعبد، أو للنظافة. وحديث ابن عباس حجة على العراقيين من الحنفية حيث قالوا بتنجس المؤمن بالموت، فالغسل عندهم للتطهير، قالوا: يحكم بطهارته بالغسل كرامة. وارجع للبسط إلى النيل. وأما الكافر الحي فحكمه في الطهارة والنجاسة حكم المسلم عند الجمهور من السلف والخلف، وذكروا في تخصيص النبي ﷺ للمؤمن بقوله: "لا ينجس" مع أن الكافر كذلك عندهم وجوهاً: الأول أن المقام مقام خطاب المسلم. والثاني أنه أشار به إلى أن الكفار يجب أن يتجنب عنهم كما يتجنب من النجاسات الظاهرة، فهو تنفير عن الكفار وإهانة لهم. والثالث أن فيه إشارة إلى
стр. 558
هذا لفظ البخاري. ولمسلم معناه، وزاد بعد قوله: ((فقلت له: لقد لقيتني وأنا جنب، فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل)) . وكذا البخاري في رواية أخرى.
٤٥٦- (٢) وعن ابن عمر، قال: ((ذكر عمر بن الخطاب، ﵁، لرسول الله ﷺ أنه تصيبه الجنابة من الليل، فقال له رسول الله ﷺ : توضأ،
ــ
أنهم لا يتطهرون فلا يتجنبون ولا يتحفظون عن النجاسات غالباً. فهم ملابسون لها غالباً فهم متنجسون، بخلاف المؤمن فإن شأنه التطهر في شأنه كله فهو طاهر الأعضاء لاعتياده مجانبة النجاسة. والرابع أنه فيه إشارة إلى أن المؤمن لا ينجس بالحدث ظاهراً وباطناً بخلاف الكافر فإنه نجس باطناً لنجاسة اعتقاده. وأما ما روى عن ابن عباس من أن أعيانهم نجسة كالخنزير فمحمول على المبالغة في التعبد عنهم ولاحتراز منهم. وأما قوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾ [-٢٨:٩] فالمراد به أنهم نجس في الباطن والاعتقاد لا في أصل الخلقة، أو أن ذلك تنفير عن الكفار، وذم وإهانة لهم. وهذا وإن كان مجازاً فقرينته ما ثبت في الصحيحين من أنه ﷺ توضأ من مزادة مشركة، وربط ثمامة بن أثال وهو مشرك بسارية من سوارى المسجد، فدل على أن الآدمي الحي ليس بنجس العين سواء كان محدثاً أو جنباً أو حائضاً أو نفساء. (هذا لفظ البخاري) في باب الجنب يخرج ويمشى في السوق وغيره من كتاب الغسل. (وزاد) أي: مسلم. (لقد لقيتني) في محل النصب على أنه مفعول لقوله "زاد" وهو بيان للزيادة. (فكرهت أن أجالسك) أي: في هذه الحالة. (حتى أغتسل) لأكون على طهارة حقيقية. (وكذا) أي: زاد هذه الزيادة. (البخاري في رواية) فيه بحث لأن قوله: "حتى أغتسل" ليس للبخاري، فإن لفظه في باب عرق الجنب، وأن المسلم لا ينجس: كنت جنبا فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة. والحديث أخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه. وأخرج أحمد ومسلم وأبوداود والنسائي وابن ماجه عن حذيفة نحوه.
٤٥٦- قوله: (عن ابن عمر) مقتضاه وظاهره أن الحديث من مسند ابن عمر، وزاد بعض الرواة فيه عند النسائي عن عمر، والظاهر أن ابن عمر حضر هذا السؤال. (أنه تصيبه الجنابة) الضمير المنصوب لابن عمر لا لعمر لما في رواية النسائي من طريق ابن عون عن نافع قال: أصاب ابن عمر جنابة فأتى عمر فذكر ذلك له، فأتى عمر النبي ﷺ فاستأمره، فقال: "ليتوضأ وليرقد". (من الليل) أي: في الليل، وحذف تمام السؤال لأن الجواب يدل عليه، أو اكتفى عمر في السؤال بهذا القدر وفهم النبي ﷺ غرض السؤال أنه النوم قبل الغسل. (توضأ) أي: وضوءك للصلاة لأنه هو الحقيقة الشرعية، وهي مقدمة على غيرها، وقد صرحت بذلك عائشة في حديثها الآتي. والخطاب فيه لابن عمر لأنه كان حاضراً إذا ذاك، ويمكن أن يكون الخطاب لعمر لأنه كان سائلاً. والأمر للاستحباب لحديث عائشة: كان رسول الله ﷺ ينام وهو جنب فلا
стр. 559
واغسل ذكرك، ثم نم)) . متفق عليه.
٤٥٧- (٣) وعن عائشة ﵂، قالت: ((كان النبي ﷺ إذا كان جنباً فأراد أن يأكل أو ينام، توضأ وضوءه للصلاة)) متفق عليه.
٤٥٨- (٤) وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد
أن يعود، فليتوضأ بينهما وضوء)) .
ــ
يمس ماء. أخرجه أحمد والترمذي وأبوداود وابن ماجه. ولما روى ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما عن عمر: أنه سأل رسول الله ﷺ أينام أحدنا وهو جنب؟ قال نعم: ويتوضأ إن شاء. (واغسل ذكرك) أي: قبل الوضوء فإن الواو لا يفيد الترتيب. وقد ورد في رواية للنسائي في الكبرى وابن حبان بلفظ: اغسل ذكرك، ثم توضأ ثم نم. والحديث يدل على استحباب الوضوء للجنب إذا أراد النوم، وأن غسل الجنابة ليس على الفور، وإنما يتضيق عند القيام إلى الصلاة، واستحباب التنظيف بغسل الذكر عند النوم. والحكمة في الوضوء أنه يخفف الحدث. ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبه بسند رجاله ثقات عن شداد بن أوس الصحابي قال: إذا أجنب أحدكم من الليل ثم أراد أن ينام فليتوضأ فإنه نصف غسل الجنابة، وقيل: الحكمة أن يبيت على إحدى الطهارتين خشية أن يموت في منامه، وقيل حكمته أنه ينشط إلى العود أو إلى الغسل إذا بل أعضاءه. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً مالك وأحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه.
٤٥٧- قوله: (فأراد أن يأكل أو ينام، توضأ وضوءه للصلاة) أي: كوضوء الصلاة، ذكرته لدفع أن يتوهم أن المراد الوضوء لغة. ويحمل هذا على أنه الغالب توفيقاً بين الأحاديث. وفيه استحباب الوضوء للجنب عند إرادة الأكل والنوم، لكن الوضوء لأجل النوم آكد من الوضوء للأكل. (متفق عليه) واللفظ لمسلم، فليس في رواية البخاري ذكر الوضوء عند إرادة الأكل. والحديث أخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه.
٤٥٨- قوله: (إذا أتى) أي: جامع. (أهله) أي: امرأته أو جاريته. (ثم أراد أن يعود) أي: إلى الجماع. (فليتوضأ بينهما) أي: بين الجماع الأول والعود، فإنه أنشط للعود. (وضوءاً) أتى بالمصدر تأكيداً لئلا يتوهم أن المراد بالوضوء غير المتعارف، فالمعنى فليتوضأ وضوءه للصلاة. وقد رواه البيهقي وابن خزيمة بلفظ: فليتوضأ وضوءه للصلاة وفيه رد على من حمل الوضوء في الحديث على الوضوء اللغوي. وفيه وفي الحديث الآتي دليل على أن الغسل بين الجماعين لا يجب. ويدل على استحبابه قبل المعاودة حديث أبي رافع الآتي في الفصل الثالث. والأمر بالوضوء في الحديث
стр. 560
رواه مسلم.
٤٥٩- (٥) وعن أنس، قال: ((كان النبي ﷺ يطوف على نسائه بغسل واحد)) . رواه مسلم.
٤٦٠- (٦) وعن عائشة، قالت: ((كان النبي ﷺ يذكر الله عزوجل على كل أحيانه)) . رواه مسلم.
ــ
للاستحباب لا للوجوب لما روى الطحاوى عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يجامع ثم يعود ولا يتوضأ. ويدل على كونه للاستحباب أيضاً ما زاده ابن خزيمة وابن حبان والحاكم في هذه الرواية من قوله: فإنه أنشط للعود، فإنه قرينة صارفة للأمر إلى الندب. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وغيرهم.
٤٥٩- قوله: (يطوف) أي: يدور أي: أحياناً وهو كناية عن الجماع (بغسل واحد) أي: يجامعهن متلبساً ومصحوباً بنية غسل واحد بعد الفراغ من جماعهن. وفي رواية لأحمد والنسائي: طاف على نسائه في ليلة بغسل واحد. وهذا يحتمل أنه كان يتوضأ عقب الفراغ من كل واحدة منهن، ويحتمل ترك الوضوء لبيان الجواز ومحمله على عدم وجوب القسم عليه، أو على أنه كان يرضيهن. وقال القرطبي: يحتمل أن يكون عند قدومه من سفر، أو عند تمام الدور عليهن وابتداء دور آخر، أو يكون ذلك عن إذن صاحبة النوبة، أو يكون ذلك مخصوصاً به وإلا فوطء المرأة في نوبة ضرتها ممنوع عنه.
وقال ابن العربي: إن الله خص نبيه بأشياء: منها أنه أعطاه ساعة في كل يوم لا يكون لأزواجه فيها حق يدخل فيها على جميعهن أو بعضهن، فيفعل ما يريد ثم يستقر عند من لها النوبة، وكانت تلك الساعة بعد العصر، فإن اشتغل عنها كانت بعد المغرب. والحديث يدل على ما أعطى النبي ﷺ من القوة على الجماع. وفي كثرة أزواجه حكم ومصالح: منها أن الأحكام التي ليست ظاهرة يطلعن عليها فينقلنها، وقد جاء عن عائشة من ذلك الكثير الطيب: ومن ثم فضلها بعضهم على الباقيات. (رواه مسلم) ورواه البخاري أيضاً في كتاب الغسل، وفي النكاح، إلا أنه لم يذكر بغسل واحد لكن يفهم من سياقه. وذكر البخاري عدد النسوة ولم يذكره مسلم. والحديث أخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه.
٤٦٠- قوله: (على كل أحيانه) أي: في كل أوقاته متطهراً ومحدثاً وجنباً وقائماً وقاعداً ومضطجعاً وماشياً. قال النووي: هذا الحديث أصل في جواز ذكر الله بالتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد وشبهها من الأذكار، وهذا جائز بإجماع المسلمين، وإنما اختلف العلماء في جواز قراءة القرآن للجنب والحائض، فالجمهور على تحريم القراءة عليهما جميعاً، واستدلوا بحديثي علي وابن عمر الآتيين في الفصل الثاني، وسيأتي الكلام على ذلك هناك. واعلم أنه يكره الذكر في حالة الجلوس على البول والغائط وفي حالة الجماع، فيكون الحديث مخصوصاً بما سوى هذه الأحوال، ويكون المراد "بكل أحيانه" معظمها، كما قال الله تعالى ﴿يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم﴾ [١٩١:٣] (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي
стр. 561
وحديث ابن عباس سنذكره في كتاب الأطعمة، إن شاء الله تعالى.
﴿الفصل الثاني﴾
٤٦١- (٧) عن ابن عباس، قال: ((اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فأراد رسول الله ﷺ أن يتوضأ منه، فقالت: يا رسول الله ﷺ ! إني كنت جنباً، فقال: إن الماء لا يجنب)) رواه الترمذي وأبوداود وابن ماجه وروى الدارمي نحوه.
ــ
وأبوداود وابن ماجه. وذكر البخاري تعليقاً في الطهارة وفي الأذان. (وحديث ابن عباس) أي: المذكور في المصابيح هنا الذى رواه مسلم وهو "خرج النبي ﷺ من الخلاء فأتى بطعام فذكروا له الوضوء" الحديث (سنذكر في كتاب الأطعمة) فإنه أنسب بذلك الكتاب.
٤٦١- قوله: (اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ ) هي ميمونة خالة ابن عباس، كما صرح به في رواية الدارقطني. (في جفنة) أي: مدخلة يدها في جفنة تغترف منها وهي بفتح الجيم وسكون الفاء صحنة كبيرة. (أن يتوضأ منه) أي: من الماء الذي في الجفنة (إني كنت جنباً) أي: واغتسلت بهذا الماء وهو فضلة يدي. (إن الماء لا يجنب) يجوز فيه ضم الياء مع كسر النون وفتح الياء مع ضم النون، يقال: أجنب وجنب على وزن قرب أي: إن الماء لا يتجنس باغتسال الجنب من الإناء الذي فيه الماء، ولا يظهر فيه أثر جنابته بحيث لا يحل استعماله. قال التوربشتي: الماء إذا غمس فيه الجنب يده لم ينجس، فريما سبق إلى فهم بعضهم أن العضو الذي عليه الجنابة في سائر الأحكام كالعضو الذي عليه النجاسة، فيحكم بنجاسة الماء من غمس العضو الجنب كما يحكم بنجاسة من غمس النجس فيه فبين لهم أن الأمر بخلاف ذلك - انتهى. والحديث يدل على جواز تطهر الرجل بفضل طهور المرأة وإن خلت به. وإليه ذهب الجمهور وهو الصواب. وأما حديث الحكم بن عمرو الغفاري، وحديث حميد الحميري في الفصل الثالث، فالنهى فيهما محمول على التنزيه جمعاً بين الأدلة. وقيل: إن قول ميمونة في هذا الحديث: إني كنت جنباً، عند إرادته ﷺ التوضأ بفضها يدل على أن النهى كان مقدماً فحديث الجواز ناسخ لحديث النهي. وقيل: إن أحاديث الجواز أكثر وأقوى وأصح من أحاديث النهي. (رواه الترمذي) وقال حسن صحيح (وأبوداود) وسكت عنه، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره. (وابن ماجه وروى الدارمي نحوه) وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي والدارقطني وصححه ابن خزيمة وأخرجه الحاكم (ج١:ص١٥٩) من طريق الثوري وشعبة عن سماك بن حرب، وقال: هذا حديث صحيح في الطهارة ولم يخرجاه، ولا يحفظ له علة، ووافقة الذهبي. وقال الحافظ في الفتح: وقد أعله قوم بسماك بن حرب؛ لأنه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه عنه شعبة وهو لا يحمل عن مشائخه إلا صحيح حديثهم- انتهى. وأخرج أحمد ومسلم والدارقطني عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ -
стр. 562
٤٦٢- (٨) وفي شرح السنة عنه، عن ميمونة، بلفظ المصابيح.
٤٦٣- (٩) وعن عائشة، قالت: ((كان رسول الله ﷺ يغتسل من الجنابة، ثم يستدفئ بي قبل أن أغتسل)) .
ــ
كان يغتسل بفضل ميمونة وأخرج أحمد وابن ماجه والدارقطني عن ابن عباس عن ميمونة أن النبي ﷺ توضأ بفضل غسلها من الجنابة.
٤٦٢- قوله: (وفي شرح السنة عنه) أي: عن ابن عباس (عن ميمونة) يعني أن البغوي رواه في شرح السنة عن ابن عباس عن ميمونة فجعله من مسندها، لا من مسند ابن عباس وهو رواية لأحمد والدارقطني. قال الألباني لكنها وهم من بعض رواته، والصواب أنه من مسند ابن عباس كما رواه الجماعة وبينته في صحيح أبي داود –انتهى. وميمونة هذه هي ميمونة بنت الحارث العامرية الهلالية أم المؤمنين، قيل: اسمها برة فسماها النبي ﷺ ميمونة، وتزوجها في ذي القعدة سنة سبع في عمرة القضية بسرف على عشرة أميال من مكة، وقدر الله تعالى أنها ماتت في المكان الذي تزوجها فيه بسرف سنة (٥١) وصلى عليها ابن عباس. وهي أخت أم الفضل امرأة العباس، وأخت أسماء بنت عميس، وهي آخر أزواج النبي ﷺ . قيل إنه لم يتزوج بعدها. لها ستة وأربعون حديثاً، اتفقا على سبعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بخمسة. روى عنها جماعة، منهم عبد الله بن عباس (بلفظ المصابيح) قال القاري: وسنده صحيح أيضاً، ولفظه: قالت ميمونة: أجنبت أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلت من جفنة، وفضلت فيها فضلة، فجاء النبي ﷺ ليغتسل منها، فقلت: إني قد اغتسلت منها، فاغتسل وقال: إن الماء ليس عليه جنابة. وفي رواية إن الماء لا يجنب - انتهى. وأخرج الدارقطني نحوه (ص١٩) .
٤٦٣- قوله: (يستدفئ) بهمزة في آخره، أي: يطلب الدفاءة وهي الحرارة بأن يضع أعضاء الشريفة على أعضائي، يعني يطلب مني حرارة بدني ليدفع به البرودة الحاصلة بالاغتسال، ومنه قوله تعالى: ﴿ولكم فيها دفء﴾ [٥:٦١] أي: تتخذون من أصوافها وأوبارها ما تستدفأون به. قال الطيبي: فيه أن بشرة الجنب طاهرة؛ لأن الاستدفاء إنما يحصل من مس البشرة البشرة. قيل: وفيه بحث لأن الاستدفاء يمكن مع الثوب أيضاً. والحديث قد استدل به على طهارة عرق المرأة الجنب ولعابها وسؤرها كالرجل الجنب، وكذا الحائض والنفساء، وعلى طهارة الماء المستعمل، فإن الماء المستعمل هو الذي انفصل عن عضو المتطهر بعد التطهر، ولا شك أنه ينفصل البلل من جسده ﷺ عند الاستدفاء ويبتل به شئ من أعضاء عائشة وثيابها، ثم ينتقل إليه ﷺ شئ من ذلك البلل المنفصل أولاً، ولم يثبت ولو برواية ضعيفة أنه ﷺ كان يغسل أعضاءه التي كان يضعها على أعضاء عائشة عند الاستدفاء بها، فعلم به أن الماء المستعمل طاهر. (قبل أن أغتسل) قال الترمذي: وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين؛ أن الرجل إذا اغتسل فلا بأس بأن يستدفئ بامرأته
стр. 563
رواه ابن ماجه، وروى الترمذي نحوه. وفي شرح السنة بلفظ المصابيح.
٤٦٤- (١٠) وعن علي، قال: ((كان النبي ﷺ ، يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه – أو يحجزه – عن القرآن شئ ليس الجنابة)) .
ــ
وينام معها قبل أن تغتسل المرأة. وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد واسحق. قلت: هو قول جميع أهل العلم من السلف والخلف، لم يختلف فيه أحد. (رواه ابن ماجه) أي: بهذا اللفظ. قال القاري: وسنده حسن. (وروى الترمذي نحوه) ولفظه: قالت: ربما اغتسل النبي ﷺ من الجنابة ثم جاء فاستدفأ بي فضممته إليّ ولم أغتسل. قال الترمذي: هذا حديث ليس بإسناده بأس، وقال ابن العربي في شرح الترمذي. (ج١:ص١٩١) حديث لم يصح ولم يستقم، فلا يثبت به شيء - انتهى. قلت: مدار الحديث على حريث بن عمرو الفزاري، وقد ضعفه أكثر العلماء. وقال البخاري: فيه نظر، وقال مرة أخرى: ليس بالقوى عندهم. وقال الحافظ في التقريب: ضعيف. (بلفظ المصابيح) ولفظه: قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يجنب فيغتسل ثم يستدفئ بي قبل أن أغتسل.
٤٦٤- قوله: (فيقرئنا القرآن) من الإقراء أي: يعلمنا القرآن قبل أن يتوضأ، يدل عليه الفاء في قوله: فيقرئنا، وكذا يأكل قبل الوضوء، قال الطيبي: لعل انضمام الأكل مع قراءة القرآن للإشعار بجواز الجمع بينهما من غير وضوء أو مضمضة كما في الصلاة. (ولم يكن يحجبه) أي: يمنعه. (أو يحجزه) أو للشك من الراوي، وفي رواية النسائي: ولم يكن يحجبه، على الجزم من غير شك. (شيء) بالرفع على أنه فاعل يحجب، أي: شئ من أنواع الحدث، ولم يرد "لم يكن يمنعه مباشرة شيء" ضرورة أن مباشرة الجماع والبول والغائط مما يمنع قراءة القرآن. (ليس الجنابة) قال السندهي: بالنصب على أن ليس من أدوات الاستثناء، والمراد بعموم شيء ما يجوز فيه القراءة من الأحوال، وإلا فحالة البول والغائط مثل الجنابة، لكن خروجها عقلاً أغنى عن الاستثناء - انتهى. وقال التوربشتي "ليس" بمعنى إلا تقول: جاءني القوم ليس زيداً، الضمير فيها اسمها وينصب خبرها، كأنك قلت: ليس الجائى زيداً. والحديث قد استدل به الجمهور على منع قرآءة القرآن للجنب، وكذا الحائض لأن حدثها أغلظ من حدث الجنابة، لكن قيل في الاستدلال به نظر لأنه فعل مجرد، غايته أن النبي ﷺ ترك القراءة حالة الجنابة، ومثله لا يصلح متمسكا للكراهة فكيف يستدل به على المنع والتحريم. إلا أنه أخرج أبويعلى من حديث علي قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ، ثم قرأ شيئاً من القرآن، ثم قال: هكذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا ولا آية. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١:ص٢٧٦) : رجاله موثقون. قلت: وأخرجه أحمد أيضاً بسند رجاله ثقات كما سيأتي. وهو يدل على التحريم؛ لأنه نهي وأصله ذلك ويعاضد ما سلف. فإن قيل: حديث عائشة المتقدم بلفظ "كان يذكرالله على كل أحيانه" يخالف حديث علي هذا، فإنه بعمومه يدل على جواز قراءة القرآن للجنب. لأن قولها "على كل أحيانه" يشمل حالة الجنابة أيضاً، والذكر أعم من أن يكون بالقرآن أو بغيره، وإنما فرق بين الذكر والتلاوة
стр. 564
رواه أبوداود، والنسائي. وروى ابن ماجه نحوه.
٤٦٥- (١١) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقرأ
ــ
بالعرف. يقال: إن حديث عائشة يخصص بحديث على هذا فيراد بذكر الله غير تلاوة القرآن. قال العيني: حديث عائشة لا يعارض حديث علي؛ لأنها أرادت الذكر الذي غير القرآن، انتهى. وقال الأمير اليماني: حديث عائشة قد خصصه حديث علي وأحاديث أخرى. (رواه أبوداود) أي: بهذا اللفظ وسكت عنه. (والنسائي وروى ابن ماجه نحوه) وأخرجه الترمذي مختصراً بلفظ يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنباً، وقال: حديث حسن صحيح، وأخرجه أيضاً أحمد وابن خزيمة وابن حبان والبزار والدارقطني والبيهقي وابن الجارود وصححه أيضاً ابن حبان وابن السكن وعبد الحق والبغوي في شرح السنة والحاكم ووافقه الذهبي. وقال الحافظ في الفتح: وضعف بعضهم بعض رواته، والحق أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة. وقال ابن الجارود بعد أن رواه من طريق يحيى بن سعيد عن شعبة عن عمرو بن مرة. قال يحيى: وكان شعبة يقول في هذا الحديث: نعرف وننكر، يعني أن عبد الله بن سلمة المرادي كان كبر حيث أدركه عمرو، وقال المنذري: ذكر أبوبكر البزار أنه لا يروى عن علي إلا من حديث عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة. وحكى البخاري عن عمرو بن مرة كان عبد الله يعني ابن سلمة يحدثنا فنعرف وننكر، وكان قد كبر، لا يتابع في حديثه، وذكر الشافعي هذا الحديث وقال: لم يكن أهل الحديث يثبتونه، قال البيهقي: وإنما توقف الشافعي في ثبوت هذا الحديث؛ لأن مداره على عبد الله بن سلمة الكوفي، وقد كان كبر، وأنكر من حديثه وعقله بعض النكرة، وإنما روى هذا الحديث بعد ما كبر، قاله شعبة. وذكر الخطابي أن أحمد كان يوهن حديث على هذا ويضعف أمر عبد الله بن سلمة، قلت: عبد الله بن سلمة هذا صدوق وقد توبع في معنى حديثه هذا عن علي بحديث قولي فارتفعت شبهة الخطأ عن روايته، إذا كان سيء الحفظ في كبره كما قالو. فقد روى أحمد في المسند (ج١:ص١١٠) حدثنا عائذ بن حبيب، حدثني عامر بن السمط، عن أبي الغريف، قال: أتى على بوضوء فمضمض واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً وغسل يديه وذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ توضأ، ثم قرأ شيئاً من القرآن ثم قال: هذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا ولا آية. وهذا إسناد حسن جيد، عائذ بن حبيب أبوأحمد العبسي شيخ الإمام أحمد صدوق، ذكره ابن حبان في الثقات. وقال الأثرم: سمعت أحمد ذكره فأحسن الثناء عليه، وقال: كان شيخاً جليلاً عاقلاً. ورماه ابن معين بالزندقة. ورد عليه أبوزرعة بأنه صدوق في الحديث، وعامر بن السمط ثقة وثقه يحيى بن سعيد، والنسائي وغيرهما. وأبوالغريف اسمه عبيد الله بن خليفة الهمداني المرادي. قال الحافظ: صدوق. وذكره ابن حبان في الثقات وكان على شرطة علي. وأقل أحواله أن يكون حسن الحديث، تقبل متابعته لغيره.
٤٦٥- قوله: (لا تقرأ) بالرفع على أنه نفى بمعنى النهي، وقيل: بالجزم على صيغة النهي فيقرأ بكسر الهمزة وصلاً
стр. 565
الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن)) رواه الترمذي.
٤٦٦- (١٢) وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)) .
ــ
لالتقاء الساكنين. (الحائض) وكذا النفساء. (ولا الجنب) زيادة لا للتأكيد. (شيئاً من القرآن) أي: لا القليل ولا الكثير. وفيه دليل على تحريم القراءة على الجنب والحائض. والحديث وإن كان ضعيفاً لكن له متابعات، منها ما تقدم، ومنها ما سيأتي، فينجبر بها ضعفه، ويكون مع هذه المتابعات حجة للجمهور على من ذهب إلى جواز القراءة للجنب والحائض، كابن المنذري والطبري وداود والبخاري أو للحائض فقط كمالك في رواية عنه. (رواه الترمذي) وأخرجه أيضاً ابن ماجه والدارقطني والبيهقي كلهم من طريق إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع عن ابن عمر, ورواية إسماعيل ابن عياش عن الحجازيين ضعيفة، وهذا منها. قال الخزرجي في الخلاصة: إسماعيل بن عياش وثقة أحمد، وابن معين، ودحيم والبخاري وابن عدي في أهل الشام، وضعفوه في الحجازيين، ورواه الدارقطني أيضاً من طريق عبد الملك بن مسلمة حدثني المغيرة بن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً. قال الحافظ في التلخيص (ص٥١) : صححه ابن سيد الناس، وأخطأ في ذلك فإن عبد الملك بن مسلمة ضعيف فلو سلم عنه لصح إسناده. وقال في الفتح: حديث ابن عمر مرفوعاً ضعيف من جميع طرقه. وقال ابن أبي حاتم: حديث إسماعيل بن عياش هذا خطأ، وإنما هو عن ابن عمر قوله، يعني أن الصواب وقفه على عمر. وله شاهد من حديث جابر رواه الدارقطني مرفوعاً، وفيه محمد بن الفضل وهو متروك. وموقوفاً، وفيه يحيى بن أنيسة وهو كذاب. وقال البيهقي: وهذا الأثر ليس بقوي. وصح عن عمر أنه كان يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب. وساقه في الخلافيات بإسناد صحيح.
٤٦٦- قوله: (وجهوا هذا البيوت عن المسجد) أي: اصرفوا وحولوا أبوابها إلى جانب آخر من المسجد، وقد كانت أبواب بعض البيوت حول مسجده ﷺ مفتوحة إليه، يدخلون منها في المسجد، يمرون فيه، فأمروا أن يصرفوها إلى جانب آخر من المسجد. (فإني لا أحل المسجد) تعليل وبيان للوصف الذي هو علة الحكم. (لحائض ولا جنب) الحديث يدل على عدم حل اللبث في المسجد والعبور فيه للحائض والجنب سواء كان لحاجة أو لغيرها، قائماً أو جالساً أو متردداً على أي حال، متوضأ كان أو غير متوضئ، وبه قال أبوحنيفة لإطلاق هذا الحديث، وهو محمول عندي على المكث واللبث طويلاً كان أو كثيراً، فلا يمنعان من المرور والعبور من غير مكث إلا إذا خافت الحائض وكذا النفساء التلوث في حال المرور. وإليه ذهب مالك والشافعي، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا جنباً إلا عابري سبيل﴾ [٤٣:٤] قال الشوكاني: والعبور إنما يكون في محل الصلاة. وهو المسجد
следующие страницы →