← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وحديث ابن عباس سنذكره في كتاب الأطعمة، إن شاء الله تعالى. ﴿الفصل الثاني﴾ ٤٦١- (٧) عن ابن عباس، قال: ((اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فأراد رسول الله ﷺ أن يتوضأ منه، فقالت: يا رسول الله ﷺ ! إني كنت جنباً، فقال: إن الماء لا يجنب)) رواه الترمذي وأبوداود وابن ماجه وروى الدارمي نحوه. ــ وأبوداود وابن ماجه. وذكر البخاري تعليقاً في الطهارة وفي الأذان. (وحديث ابن عباس) أي: المذكور في المصابيح هنا الذى رواه مسلم وهو "خرج النبي ﷺ من الخلاء فأتى بطعام فذكروا له الوضوء" الحديث (سنذكر في كتاب الأطعمة) فإنه أنسب بذلك الكتاب. ٤٦١- قوله: (اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ ) هي ميمونة خالة ابن عباس، كما صرح به في رواية الدارقطني. (في جفنة) أي: مدخلة يدها في جفنة تغترف منها وهي بفتح الجيم وسكون الفاء صحنة كبيرة. (أن يتوضأ منه) أي: من الماء الذي في الجفنة (إني كنت جنباً) أي: واغتسلت بهذا الماء وهو فضلة يدي. (إن الماء لا يجنب) يجوز فيه ضم الياء مع كسر النون وفتح الياء مع ضم النون، يقال: أجنب وجنب على وزن قرب أي: إن الماء لا يتجنس باغتسال الجنب من الإناء الذي فيه الماء، ولا يظهر فيه أثر جنابته بحيث لا يحل استعماله. قال التوربشتي: الماء إذا غمس فيه الجنب يده لم ينجس، فريما سبق إلى فهم بعضهم أن العضو الذي عليه الجنابة في سائر الأحكام كالعضو الذي عليه النجاسة، فيحكم بنجاسة الماء من غمس العضو الجنب كما يحكم بنجاسة من غمس النجس فيه فبين لهم أن الأمر بخلاف ذلك - انتهى. والحديث يدل على جواز تطهر الرجل بفضل طهور المرأة وإن خلت به. وإليه ذهب الجمهور وهو الصواب. وأما حديث الحكم بن عمرو الغفاري، وحديث حميد الحميري في الفصل الثالث، فالنهى فيهما محمول على التنزيه جمعاً بين الأدلة. وقيل: إن قول ميمونة في هذا الحديث: إني كنت جنباً، عند إرادته ﷺ التوضأ بفضها يدل على أن النهى كان مقدماً فحديث الجواز ناسخ لحديث النهي. وقيل: إن أحاديث الجواز أكثر وأقوى وأصح من أحاديث النهي. (رواه الترمذي) وقال حسن صحيح (وأبوداود) وسكت عنه، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره. (وابن ماجه وروى الدارمي نحوه) وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي والدارقطني وصححه ابن خزيمة وأخرجه الحاكم (ج١:ص١٥٩) من طريق الثوري وشعبة عن سماك بن حرب، وقال: هذا حديث صحيح في الطهارة ولم يخرجاه، ولا يحفظ له علة، ووافقة الذهبي. وقال الحافظ في الفتح: وقد أعله قوم بسماك بن حرب؛ لأنه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه عنه شعبة وهو لا يحمل عن مشائخه إلا صحيح حديثهم- انتهى. وأخرج أحمد ومسلم والدارقطني عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ -

стр. 562

٤٦٢- (٨) وفي شرح السنة عنه، عن ميمونة، بلفظ المصابيح. ٤٦٣- (٩) وعن عائشة، قالت: ((كان رسول الله ﷺ يغتسل من الجنابة، ثم يستدفئ بي قبل أن أغتسل)) . ــ كان يغتسل بفضل ميمونة وأخرج أحمد وابن ماجه والدارقطني عن ابن عباس عن ميمونة أن النبي ﷺ توضأ بفضل غسلها من الجنابة. ٤٦٢- قوله: (وفي شرح السنة عنه) أي: عن ابن عباس (عن ميمونة) يعني أن البغوي رواه في شرح السنة عن ابن عباس عن ميمونة فجعله من مسندها، لا من مسند ابن عباس وهو رواية لأحمد والدارقطني. قال الألباني لكنها وهم من بعض رواته، والصواب أنه من مسند ابن عباس كما رواه الجماعة وبينته في صحيح أبي داود –انتهى. وميمونة هذه هي ميمونة بنت الحارث العامرية الهلالية أم المؤمنين، قيل: اسمها برة فسماها النبي ﷺ ميمونة، وتزوجها في ذي القعدة سنة سبع في عمرة القضية بسرف على عشرة أميال من مكة، وقدر الله تعالى أنها ماتت في المكان الذي تزوجها فيه بسرف سنة (٥١) وصلى عليها ابن عباس. وهي أخت أم الفضل امرأة العباس، وأخت أسماء بنت عميس، وهي آخر أزواج النبي ﷺ . قيل إنه لم يتزوج بعدها. لها ستة وأربعون حديثاً، اتفقا على سبعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بخمسة. روى عنها جماعة، منهم عبد الله بن عباس (بلفظ المصابيح) قال القاري: وسنده صحيح أيضاً، ولفظه: قالت ميمونة: أجنبت أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلت من جفنة، وفضلت فيها فضلة، فجاء النبي ﷺ ليغتسل منها، فقلت: إني قد اغتسلت منها، فاغتسل وقال: إن الماء ليس عليه جنابة. وفي رواية إن الماء لا يجنب - انتهى. وأخرج الدارقطني نحوه (ص١٩) . ٤٦٣- قوله: (يستدفئ) بهمزة في آخره، أي: يطلب الدفاءة وهي الحرارة بأن يضع أعضاء الشريفة على أعضائي، يعني يطلب مني حرارة بدني ليدفع به البرودة الحاصلة بالاغتسال، ومنه قوله تعالى: ﴿ولكم فيها دفء﴾ [٥:٦١] أي: تتخذون من أصوافها وأوبارها ما تستدفأون به. قال الطيبي: فيه أن بشرة الجنب طاهرة؛ لأن الاستدفاء إنما يحصل من مس البشرة البشرة. قيل: وفيه بحث لأن الاستدفاء يمكن مع الثوب أيضاً. والحديث قد استدل به على طهارة عرق المرأة الجنب ولعابها وسؤرها كالرجل الجنب، وكذا الحائض والنفساء، وعلى طهارة الماء المستعمل، فإن الماء المستعمل هو الذي انفصل عن عضو المتطهر بعد التطهر، ولا شك أنه ينفصل البلل من جسده ﷺ عند الاستدفاء ويبتل به شئ من أعضاء عائشة وثيابها، ثم ينتقل إليه ﷺ شئ من ذلك البلل المنفصل أولاً، ولم يثبت ولو برواية ضعيفة أنه ﷺ كان يغسل أعضاءه التي كان يضعها على أعضاء عائشة عند الاستدفاء بها، فعلم به أن الماء المستعمل طاهر. (قبل أن أغتسل) قال الترمذي: وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين؛ أن الرجل إذا اغتسل فلا بأس بأن يستدفئ بامرأته

стр. 563

رواه ابن ماجه، وروى الترمذي نحوه. وفي شرح السنة بلفظ المصابيح. ٤٦٤- (١٠) وعن علي، قال: ((كان النبي ﷺ ، يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه – أو يحجزه – عن القرآن شئ ليس الجنابة)) . ــ وينام معها قبل أن تغتسل المرأة. وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد واسحق. قلت: هو قول جميع أهل العلم من السلف والخلف، لم يختلف فيه أحد. (رواه ابن ماجه) أي: بهذا اللفظ. قال القاري: وسنده حسن. (وروى الترمذي نحوه) ولفظه: قالت: ربما اغتسل النبي ﷺ من الجنابة ثم جاء فاستدفأ بي فضممته إليّ ولم أغتسل. قال الترمذي: هذا حديث ليس بإسناده بأس، وقال ابن العربي في شرح الترمذي. (ج١:ص١٩١) حديث لم يصح ولم يستقم، فلا يثبت به شيء - انتهى. قلت: مدار الحديث على حريث بن عمرو الفزاري، وقد ضعفه أكثر العلماء. وقال البخاري: فيه نظر، وقال مرة أخرى: ليس بالقوى عندهم. وقال الحافظ في التقريب: ضعيف. (بلفظ المصابيح) ولفظه: قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يجنب فيغتسل ثم يستدفئ بي قبل أن أغتسل. ٤٦٤- قوله: (فيقرئنا القرآن) من الإقراء أي: يعلمنا القرآن قبل أن يتوضأ، يدل عليه الفاء في قوله: فيقرئنا، وكذا يأكل قبل الوضوء، قال الطيبي: لعل انضمام الأكل مع قراءة القرآن للإشعار بجواز الجمع بينهما من غير وضوء أو مضمضة كما في الصلاة. (ولم يكن يحجبه) أي: يمنعه. (أو يحجزه) أو للشك من الراوي، وفي رواية النسائي: ولم يكن يحجبه، على الجزم من غير شك. (شيء) بالرفع على أنه فاعل يحجب، أي: شئ من أنواع الحدث، ولم يرد "لم يكن يمنعه مباشرة شيء" ضرورة أن مباشرة الجماع والبول والغائط مما يمنع قراءة القرآن. (ليس الجنابة) قال السندهي: بالنصب على أن ليس من أدوات الاستثناء، والمراد بعموم شيء ما يجوز فيه القراءة من الأحوال، وإلا فحالة البول والغائط مثل الجنابة، لكن خروجها عقلاً أغنى عن الاستثناء - انتهى. وقال التوربشتي "ليس" بمعنى إلا تقول: جاءني القوم ليس زيداً، الضمير فيها اسمها وينصب خبرها، كأنك قلت: ليس الجائى زيداً. والحديث قد استدل به الجمهور على منع قرآءة القرآن للجنب، وكذا الحائض لأن حدثها أغلظ من حدث الجنابة، لكن قيل في الاستدلال به نظر لأنه فعل مجرد، غايته أن النبي ﷺ ترك القراءة حالة الجنابة، ومثله لا يصلح متمسكا للكراهة فكيف يستدل به على المنع والتحريم. إلا أنه أخرج أبويعلى من حديث علي قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ، ثم قرأ شيئاً من القرآن، ثم قال: هكذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا ولا آية. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١:ص٢٧٦) : رجاله موثقون. قلت: وأخرجه أحمد أيضاً بسند رجاله ثقات كما سيأتي. وهو يدل على التحريم؛ لأنه نهي وأصله ذلك ويعاضد ما سلف. فإن قيل: حديث عائشة المتقدم بلفظ "كان يذكرالله على كل أحيانه" يخالف حديث علي هذا، فإنه بعمومه يدل على جواز قراءة القرآن للجنب. لأن قولها "على كل أحيانه" يشمل حالة الجنابة أيضاً، والذكر أعم من أن يكون بالقرآن أو بغيره، وإنما فرق بين الذكر والتلاوة

стр. 564

رواه أبوداود، والنسائي. وروى ابن ماجه نحوه. ٤٦٥- (١١) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقرأ ــ بالعرف. يقال: إن حديث عائشة يخصص بحديث على هذا فيراد بذكر الله غير تلاوة القرآن. قال العيني: حديث عائشة لا يعارض حديث علي؛ لأنها أرادت الذكر الذي غير القرآن، انتهى. وقال الأمير اليماني: حديث عائشة قد خصصه حديث علي وأحاديث أخرى. (رواه أبوداود) أي: بهذا اللفظ وسكت عنه. (والنسائي وروى ابن ماجه نحوه) وأخرجه الترمذي مختصراً بلفظ يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنباً، وقال: حديث حسن صحيح، وأخرجه أيضاً أحمد وابن خزيمة وابن حبان والبزار والدارقطني والبيهقي وابن الجارود وصححه أيضاً ابن حبان وابن السكن وعبد الحق والبغوي في شرح السنة والحاكم ووافقه الذهبي. وقال الحافظ في الفتح: وضعف بعضهم بعض رواته، والحق أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة. وقال ابن الجارود بعد أن رواه من طريق يحيى بن سعيد عن شعبة عن عمرو بن مرة. قال يحيى: وكان شعبة يقول في هذا الحديث: نعرف وننكر، يعني أن عبد الله بن سلمة المرادي كان كبر حيث أدركه عمرو، وقال المنذري: ذكر أبوبكر البزار أنه لا يروى عن علي إلا من حديث عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة. وحكى البخاري عن عمرو بن مرة كان عبد الله يعني ابن سلمة يحدثنا فنعرف وننكر، وكان قد كبر، لا يتابع في حديثه، وذكر الشافعي هذا الحديث وقال: لم يكن أهل الحديث يثبتونه، قال البيهقي: وإنما توقف الشافعي في ثبوت هذا الحديث؛ لأن مداره على عبد الله بن سلمة الكوفي، وقد كان كبر، وأنكر من حديثه وعقله بعض النكرة، وإنما روى هذا الحديث بعد ما كبر، قاله شعبة. وذكر الخطابي أن أحمد كان يوهن حديث على هذا ويضعف أمر عبد الله بن سلمة، قلت: عبد الله بن سلمة هذا صدوق وقد توبع في معنى حديثه هذا عن علي بحديث قولي فارتفعت شبهة الخطأ عن روايته، إذا كان سيء الحفظ في كبره كما قالو. فقد روى أحمد في المسند (ج١:ص١١٠) حدثنا عائذ بن حبيب، حدثني عامر بن السمط، عن أبي الغريف، قال: أتى على بوضوء فمضمض واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً وغسل يديه وذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ توضأ، ثم قرأ شيئاً من القرآن ثم قال: هذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا ولا آية. وهذا إسناد حسن جيد، عائذ بن حبيب أبوأحمد العبسي شيخ الإمام أحمد صدوق، ذكره ابن حبان في الثقات. وقال الأثرم: سمعت أحمد ذكره فأحسن الثناء عليه، وقال: كان شيخاً جليلاً عاقلاً. ورماه ابن معين بالزندقة. ورد عليه أبوزرعة بأنه صدوق في الحديث، وعامر بن السمط ثقة وثقه يحيى بن سعيد، والنسائي وغيرهما. وأبوالغريف اسمه عبيد الله بن خليفة الهمداني المرادي. قال الحافظ: صدوق. وذكره ابن حبان في الثقات وكان على شرطة علي. وأقل أحواله أن يكون حسن الحديث، تقبل متابعته لغيره. ٤٦٥- قوله: (لا تقرأ) بالرفع على أنه نفى بمعنى النهي، وقيل: بالجزم على صيغة النهي فيقرأ بكسر الهمزة وصلاً

стр. 565

الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن)) رواه الترمذي. ٤٦٦- (١٢) وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)) . ــ لالتقاء الساكنين. (الحائض) وكذا النفساء. (ولا الجنب) زيادة لا للتأكيد. (شيئاً من القرآن) أي: لا القليل ولا الكثير. وفيه دليل على تحريم القراءة على الجنب والحائض. والحديث وإن كان ضعيفاً لكن له متابعات، منها ما تقدم، ومنها ما سيأتي، فينجبر بها ضعفه، ويكون مع هذه المتابعات حجة للجمهور على من ذهب إلى جواز القراءة للجنب والحائض، كابن المنذري والطبري وداود والبخاري أو للحائض فقط كمالك في رواية عنه. (رواه الترمذي) وأخرجه أيضاً ابن ماجه والدارقطني والبيهقي كلهم من طريق إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع عن ابن عمر, ورواية إسماعيل ابن عياش عن الحجازيين ضعيفة، وهذا منها. قال الخزرجي في الخلاصة: إسماعيل بن عياش وثقة أحمد، وابن معين، ودحيم والبخاري وابن عدي في أهل الشام، وضعفوه في الحجازيين، ورواه الدارقطني أيضاً من طريق عبد الملك بن مسلمة حدثني المغيرة بن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً. قال الحافظ في التلخيص (ص٥١) : صححه ابن سيد الناس، وأخطأ في ذلك فإن عبد الملك بن مسلمة ضعيف فلو سلم عنه لصح إسناده. وقال في الفتح: حديث ابن عمر مرفوعاً ضعيف من جميع طرقه. وقال ابن أبي حاتم: حديث إسماعيل بن عياش هذا خطأ، وإنما هو عن ابن عمر قوله، يعني أن الصواب وقفه على عمر. وله شاهد من حديث جابر رواه الدارقطني مرفوعاً، وفيه محمد بن الفضل وهو متروك. وموقوفاً، وفيه يحيى بن أنيسة وهو كذاب. وقال البيهقي: وهذا الأثر ليس بقوي. وصح عن عمر أنه كان يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب. وساقه في الخلافيات بإسناد صحيح. ٤٦٦- قوله: (وجهوا هذا البيوت عن المسجد) أي: اصرفوا وحولوا أبوابها إلى جانب آخر من المسجد، وقد كانت أبواب بعض البيوت حول مسجده ﷺ مفتوحة إليه، يدخلون منها في المسجد، يمرون فيه، فأمروا أن يصرفوها إلى جانب آخر من المسجد. (فإني لا أحل المسجد) تعليل وبيان للوصف الذي هو علة الحكم. (لحائض ولا جنب) الحديث يدل على عدم حل اللبث في المسجد والعبور فيه للحائض والجنب سواء كان لحاجة أو لغيرها، قائماً أو جالساً أو متردداً على أي حال، متوضأ كان أو غير متوضئ، وبه قال أبوحنيفة لإطلاق هذا الحديث، وهو محمول عندي على المكث واللبث طويلاً كان أو كثيراً، فلا يمنعان من المرور والعبور من غير مكث إلا إذا خافت الحائض وكذا النفساء التلوث في حال المرور. وإليه ذهب مالك والشافعي، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا جنباً إلا عابري سبيل﴾ [٤٣:٤] قال الشوكاني: والعبور إنما يكون في محل الصلاة. وهو المسجد

стр. 566

رواه أبوداود. ــ لا في الصلاة. وتقييد جواز ذلك بالسفر لا دليل عليه، بل الظاهر أن المراد مطلق المار، لأن المسافر ذكر بعد ذلك فيكون تكرارا يصان القرآن عن مثله- انتهى. وقال ابن عباس في قوله: "ولا جنباً إلا عابري سبيل": لا تدخلوا المسجد وأنتم جنب إلا عابري سبيل، قال: تمر به مراً ولا تجلس. ذكره ابن كثير في تفسيره نقلاً عن ابن أبي حاتم. والحاصل أن المراد بالصلاة في الآية مواضعها، فهو مجاز من ذكر الحال وإرادة المحل بقرينه قوله:"إلا عابري سبيل" فإنه يدل عليه بحسب الظاهر كما تقدم، فالمراد منه هو المجتاز في المسجد لا المسافر. والمعنى: لا تقربوا مواضع الصلاة وهي المساجد في حال الجنابة إلا أن تكونوا مجتازين فيها من جانب إلى جانب. وقيل: المراد من الصلاة معناها الحقيقي، وبقربها القيام إليها والتلبس بها إلا أنه نهى عن القرب مبالغة، والمعنى: لا تصلوا في حالة السكر حتى تعلموا, ولا حال كونكم جنباً إلا أن تكونوا عابري سبيل، والمراد به هنا السفر، أي: فيجوز لكم أن تصلوا بالتيمم. ولا يخفى ما فيه من التكلف. ويمكن أن يقال: إن بعض قيود النهي أعني"لا تقربوا" وهو قوله: وأنتم سكارى, يدل على أن المراد بالصلاة معناها الحقيقي، وبعض قيود النهي وهو قوله: إلا عابري سبيل، يدل على أن المراد مواضع الصلاة, ولا مانع من اعتبار كل واحد منهما مع قيده الدال عليه، ويكون ذلك بمنزلة نهيين مقيد كل واحد منهما بقيد، وهما لا تقربوا الصلاة التي هي ذات الأذكار والأركان وأنتم سكارى، ولا تقربوا مواضع الصلاة حال كونكم جنباً إلا حال عبوركم المسجد من جانب إلى جانب. وغاية ما يقال في هذا: أنه من الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو جائز بتأويل مشهور، وقال بعض الحنفية: والذي تبين لي أن الآية سيقت لبيان أحكام الصلاة ثم انسحبت على ذكر موضعها أيضاً، فالحكم في القطعة الأولى للعبادة وفي الثانية لمواضع العبادة، فإن شئت سميته صنعة الاستخدام أو غيرها- انتهى بقدر الضرورة. وقال ابن جرير بعد حكايته للقولين: والأولى قول من قال: ولا جنباً إلا عابري سبيل إلا مجتازي طريق فيه، ثم بين وجه ذلك. وحاصله الصون من التكرار الذي يحصل في صورة حمل العبور على السفر. قال: فتأويل الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها أيضاً جنباً حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل. قال: وعابر السبيل المجتاز مراً وقطعاً. قال ابن كثير: وهذا الذي نصره يعني ابن جرير هو قول الجمهور، وهو الظاهر من الآية. (رواه أبوداود) من طريق أفلت بن خليفة، عن جسرة بنت دجاجة، عن عائشة. والحديث قد ضعفه ابن حزم فقال: أفلت مجهول الحال، ورد عليه بأن أفلت وثقه ابن حبان. وقال أبوحاتم، هو شيخ. وقال أحمد، لا بأس به. وروى عنه سفيان الثوري وعبد الواحد بن زياد. وقال في الكاشف، صدوق. وقال في البدر المنير، هو مشهور ثقة. وقال العجلي، جسرة تابعية ثقة. وذكرها ابن حبان في الثقات. وقد حسن ابن القطان حديث جسرة هذا عن عائشة. وصححه ابن خزيمة. قال ابن سيد الناس، ولعمري أن التحسين لأقل مراتبه لثقة رواته، ووجود الشواهد له من خارج، فلا حجة لأبي محمد يعني ابن حزم في رده. قلت: وقد سكت عنه أبوداود، وله شاهد

стр. 567

٤٦٧- (١٣) عن على، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة، ولا كلب، ولا جنب)) . رواه أبوداود والنسائي. ــ من حديث أم سلمة عند ابن ماجه والطبراني، لكن قال أبوزرعة: الصحيح حديث عائشة. ٤٦٧- قوله: (لا تدخل الملائكة) اللام للعهد الذهني أي: الذين ينزلون بالبركة والرحمة والزيارة، واستماع الذكر دون الكتبة الحفظة، فإنهم لا يفارقون المكلفين طرفة عين في أحوالهم الحسنة والسيئة لقوله تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ [٥٠: ١٨] وقوله ﷺ : فإن معكم من لا يفارقكم، فاتقوا الله واستحيوا منهم. (بيتاً فيه صورة) أي: من ذوات الأرواح، كانت لها أشخاص منتصبة، أو كانت منقوشة في سقف أو جدار، أو منسوجة في الثوب، يدوية كانت أو مطبوعة، مخطوطة كانت أو فوتوغرافية، تامة كانت أو ناقصة، قطع منها النصف الأسفل. قيل: إن وجه امتناع الملائكة من البيت الذي فيه صورة، حرمة الصورة ومشابهة ذلك البيت بيوت الأصنام. وهذا اللفظ عام لكن خص منه ما هو منبوذ يوطأ ويداس. قيل: ويخص منه أيضاً ما في الدراهم والدنانير من الصورة وبنات اللعب لمن لم تبلغ من البنات. (ولا كلب) لأنه نجس خبيث كما روى، والملائكة أطهار، وبينهما تضاد كما بين النور والظلمة، ومن سوى نفسه بالكلاب فحقيق أن ينفر عن بيته الملائكة، واستثنى من عمومه كلب الماشية والزرع والصيد لمسيس الحاجة. (ولا جنب) لأنه ممنوع من معظم العبادات. والمراد بالجنب الذي يتهاون في الغسل ويؤخره من غير عذر حتى يمر عليه وقت الصلاة المفروضة، ويجعل ذلك دأباً وعادة، فإنه مستخف بالشرع، متساهل في الدين، لا من يؤخره ليفعله لما ثبت من تأخيره ﷺ غسل الجنابة عن موجبه زماناً. ويحتمل أن يكون المراد بالجنب من لم يرتفع حدثه كله ولا بعضه، وإذا توضأ ارتفع بعض حدثه على الصحيح، وعليه تبويب البخاري في صحيحه حيث قال: باب كينونة الجنب في البيت إذا توضأ. وأورد فيه حديث عائشة: أنه ﷺ كان يرقد وهو جنب إذا توضأ. وبنى عليه الكلام النسائي حيث أورد حديث علي هذا في "باب الجنب إذا لم يتوضأ" فأشار بالترجمة إلى أن المراد بالجنب في الحديث عنده من لم يتوضأ. (رواه أبوداود والنسائي) وأخرجه أيضاً ابن ماجه وليس في حديثه "ولاجنب" والحديث عند الثلاثة من طريق عبد الله بن نجى عن أبيه، عن علي قال البخاري: عبد الله بن نجى فيه نظر، ووثقه النسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ: صدوق، ونجى ذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلى: كوفي تابعي ثقة، وقال الحافظ: مقبول، فالحديث حسن أو صحيح. وقد سكت عنه أبوداود، وقد أخرج الشيخان وغيرهما من حديث أبي طلحة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة.

стр. 568

٤٦٨- (١٤) وعن عمار بن ياسر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة لا تقربهم الملائكة: جيفة الكافر، والمتضمخ بالخلوق، والجنب إلا أن يتوضأ)) . رواه أبوداود. ٤٦٩- (١٥) وعن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: ((أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم أن لايمس القرآن إلا طاهر)) . ــ ٤٦٨- قوله: (ثلاثة) أي: أشخاص. (جيفة الكافر) أي: جسد من مات كافراً، فالمراد بالجيفة الميت، لأن استعمالها في الميت أغلب، وفي رواية عطاء الخرساني، عن يحيى بن معمر عن عمار عند أبي داود: إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر بخير. (والمتضمخ) أي: الرجل المتلطخ. (بالخلوق) بفتح الخاء المعجمة طيب مركب من الزعفران وغيره. وفي الرواية المذكورة "ولا المتضمخ بالزعفران" وذلك لأنه متلبس بمعصية حتى يقلع عنها فقد نهى رسول الله ﷺ عن التزعفر للرجال. (والجنب حتى يتوضأ) أي: الوضوء المتعارف وهو الوضوء الشرعي. وفي الرواية المتقدمة "ولاالجنب" ورخص للجنب إذا نام أو أكل أو شرب أن يتوضأ. (رواه أبوداود) من طريق الحسن بن أبي الحسن عن عمار، وقد سكت عنه أبوداود. وقال المنذري: الحسن لم يسمع عن عمار فهو منقطع. ٤٦٩- قوله: (وعن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم) الأنصاري المدني القاضي يكنى أبا محمد، ثقة ثبت تابعي، روى عن أنس وأبيه، وسالم بن عبد الله، وغيرهم، وروى عنه الزهري ومالك وسفيانان وغيرهم. قال ابن عبد البر: كان من أهل العلم، ثقة فقيهاً محدثاً مأموناً حافظاً، وهو حجة فيما نقل وحمل. وقال مالك: كان كثير الحديث وكان رجل صدق، ومن أهل العلم والبصيرة. وقال أحمد: حديثه شفاء. مات سنة (١٣٥) ويقال (١٣٠) وهو ابن (٧٠) سنة وليس له عقب. وأما عمرو بن حزم (بفتح الحاء المهملة وسكون الزاى) فهو عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان الأنصاري الخزرجي أبوالضحاك المدني، صحابي مشهور، شهد الخندق وهو ابن (١٥) سنة، واستعمله النبي ﷺ على أهل نجران وهو ابن (١٧) سنة، ليفقههم في الدين، ويعلم القرآن ويأخذ صدقاتهم وذلك سنة (١٠) . روى عنه ابنه محمد، وامرأته سودة بنت حارثة، وابن ابنه أبوبكر بن محمد - ولم يدركه - وغيرهم. مات بعد الخمسين، قيل: سنة (٥١) أو (٥٢) ، أو (٥٣) ، أو (٥٤) . (أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله) في الفرائض، والسنن، والديات والصدقات وغير ذلك. (لعمرو بن حزم) قال الباجي: هذا أصل في كتابة العلم وتحصينه في الكتب، وفي صحة الرواية على وجه المناولة، لأنه ﷺ دفعه إليه وأمره بالعمل بما فيه. (أن لايمس القرآن) بفتح السين على أنه نهى، وبالضم على أنه نفى بمعنى النهى، أحد (إلا) وهو (طاهر) فيه دليل على أنه لا يجوز مس القرآن إلا لمن كان طاهراً، لكن الطاهر يطلق بالاشتراك على الطاهر من الحدث الأكبر والطاهر من الحدث الأصغر، وعلى من ليس على بدنه نجاسة، وعلى المؤمن، ولا بد لحمله على معين

стр. 569

رواه مالك والدارقطني. ــ من قرينة. وقد وقع الإجماع على أنه لا يجوز للمحدث حدثاً أكبر أن يمس المصحف، وخالف في ذلك داود. وأما المحدث حدثاً أصغر فذهب ابن عباس والشعبي والضحاك إلى أنه يجوز له مس المصحف. وقال القاسم وأكثر الفقهاء منهم الأئمة الأربعة: لا يجوز. قلت: القول الراجح عندنا هو قول أكثر الفقهاء، وهو الذي يقتضيه تعظيم القرآن وإكرامه. والمتبادر من لفظ الطاهر في هذا الحديث هو الطاهر من الحدث الأصغر. أي: المتوضي، وهو الفرد الكامل للطاهر. واختلف في تفسير آية ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [٥٦: ٧٩] فقيل: إنها خبر عن اللوح المحفوظ أنه لا يمسه إلا الملائكة المطهرون، فالضمير في "لا يمسه" للكتاب المكنون الذي سبق ذكره في صدر الآية، والمطهرون هم الملائكة، وعلى هذا فلا حجة فيها لمن منع مس المصحف على غير طهارة. وقيل معنى الآية النهى للمكلفين من بني آدم عن مس القرآن على غير طهارة. والمراد "بالكتاب المكنون" المصاحف التي بأيدي الناس. وقوله تعالى:"لايمسه" وإن كان لفظه لفظ الخبر، فإن معناه النهى. لأن خبر الباري لا يكون بخلاف مخبره، ونحن نرى اليوم من يمس القرآن غير طاهر فثبت أن المراد به النهى، فيكون حجة على المنع من مس المصحف على غير طهارة. وقيل الآية حجة في وجوب الوضوء لمس المصحف على القول الأول أيضاً، وذلك أن الله تعالى وصف القرآن بأنه كريم، وأنه في الكتاب المكنون الذي لا يمسه إلا المطهرون، فوصفه بهذا تعظيماً له، والقرآن المكنون في اللوح المحفوظ هو المكتوب في المصاحف، فوجب أن تمتثل في ذلك ما وصف الله تعالى به القرآن. (رواه مالك) عن عبد الله بن أبي بكر مرسلاً (والدارقطني) بسنده عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه مرسلاً، وأخرجه الدارقطني أيضاً عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده موصولاً، فقول المصنف والدارقطني محل تأمل. قال ابن عبد البر: لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث، وقد روى مسنداً من وجه صالح، وهو كتاب مشهور عند أهل السير، معروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بها في شهرتها عن الإسناد لأنه أشبه المتواتر في مجيئة لتلقى الناس له بالقبول، ولا يصلح عليهم تلقى مالا يصح - انتهى. وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم كتاباً، أصح من هذا الكتاب، فإن أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين يرجعون إليه، ويدعون رأيهم. وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز وإمام عصره الزهري بالصحة لهذا الكتاب. وقال ابن قدامة: هو كتاب مشهور، رواه أبوعبيد في فضائل القرآن، والأثرم - انتهى. والحديث أخرجه أيضاً أبوداود في المراسيل، والنسائي في الديات، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك (ج١:ص٣٩٧) في حديث طويل، والطبراني في معجمه، والبيهقي في سننه، وفي الخلافيات، وأحمد في مسنده، وابن راهوية، والدارمي. وقد بسط الزيلعي الكلام على طرقه في نصب الراية (ج١:ص ١٩٨،١٩٧) وله شواهد من حديث ابن عمر، أخرجه الطبراني. والدارقطني، والبيهقي، قال الحافظ: إسناده لا بأس به لكن فيه سليمان الأشدق، وهو مختلف فيه، رواه عن سالم عن أبيه. قال الحافظ: ذكر الأثرم أن أحمد احتج به. ومن حديث حكيم بن حزام أخرجه الحاكم (ج٣:ص٤٨٥)

стр. 570

٤٧٠- (١٦) وعن نافع، قال: ((انطلقت مع ابن عمر في حاجة، فقضى ابن عمر حاجته، وكان من حديثه يومئذٍ أن قال: مر رجل في سكة من السكك، فلقي رسول الله ﷺ وقد خرج من غائط أو بول، فسلم عليه، فلم يرد عليه، حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة، ضرب رسول الله ﷺ بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى، فمسح ذراعيه، ثم رد على الرجل السلام، وقال: إنه ــ والطبراني والدارقطني. ومن حديث عثمان بن أبي العاص، أخرجه الطبراني وابن أبي داود في المصاحف، وفي إسناده انقطاع وفي رواية الطبراني من لايعرف. ومن حديث ثوبان أورده علي بن عبد العزيز في منتخب مسنده، وسنده ضعيف جداً. وقد ذكر طرق هذه الأحاديث الزيلعي في نصب الراية (ج١:ص ١٩٩،١٩٨) . مع الكلام عليها، وكذا تكلم عليها الشوكاني في النيل (ج١:ص٢٠٠) ، والهيثمي في مجمع الزوائد (ج١:ص٢٧٧،٢٧٦) . ٤٧٠- قوله: (وعن نافع) أي: مولى ابن عمر. (انطلقت مع ابن عمر في حاجة) أي: في شأن حاجة له إلى ابن عباس. (وكان من حديثه) أي: من جملة حديثه الذي حدثه. (أن قال) أي: ابن عمر. (في سكة) بكسر السين وتشديد الكاف أي: طريق. (من السكك) أي: الطرق. (فلقي) أي: الرجل. (رسول الله ﷺ وقد خرج) أي: رسول الله. (من غائط أو بول) أي: فرغ لأن الخروج بعد الفراغ، أو خرج من محلهما. (فسلم) أي: الرجل. (عليه) ﷺ (فلم يرد) أي: النبي. (عليه) أي: على الرجل. (أن يتوارى) أي: يختفى ويغيب شخصه عن نظره ﷺ (ضرب رسول الله ﷺ ) جواب إذا (بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه) أي: للتيمم. قد أخذ بعض الحنفية من أمثال هذا الحديث التيمم مع القدرة على الماء في الوضوء المندوب دون الواجب، صرح به ابن نجيم في البحر. وقال النووي: هو محمول على أنه ﷺ كان عادماً للماء حال التيمم، فإن التيمم مع وجود الماء لا يجوز للقادر على استعماله، سواء كان لفرض أو لنفل، قلت: وهو مقتضي صنيع البخاري حيث بوب على حديث أبي جهيم بن الحارث في التيمم لرد السلام: باب التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوات الصلاة. قال النووي: ولا فرق بين أن يضيق وقت الصلاة وبين أن يتسع، ولا فرق بين صلاة الجنازة والعيد إذا خاف فوتهما. وإليه ذهب الجمهور. وقال أبوحنيفة: يجوز أن يتيمم مع وجود الماء لصلاة الجنازة والعيد إذا خاف فوتهما. واحتج له الطحاوى بهذا الحديث بأنه إذا جاز التيمم في الحضر لخوف فوت رد السلام، جاز التيمم لخوف ما يفوت لا إلى خلف. وفي الاستدلال به على ذلك نظر لأن الكلام في الوضوء الواجب دون المندوب، وأيضاً ليس فيه دليل على أنه ﷺ كان واجداً للماء حال التيمم. (ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه) احتج به الحنفية على أن التيمم ضربتان، ضربة للوجه وضربة للذراعين، قالوا والذراع من طرف المرفق إلى الإصبع الوسطى، لكن الاستدلال به على ذلك

стр. 571

لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طهر)) . رواه أبوداود. ــ غير صحيح، لأن ذكر الضربتين والذراعين في هذا الحديث منكر كما سيأتي. (لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طهر) أي: وكرهت ذكر الله على تلك الحالة. وفيه دليل على منع ذكر الله للمحدث حدثاً أصغر، لأن السلام من أسماء الله تعالى. والحديث الآتي صريح في كراهة الذكر للمحدث، ويعارضه ما تقدم من حديث عائشة: "أنه ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه"، فإنه مشعر بوقوع الذكر حال الحدث الأصغر، لأنه من جملة الأحيان المذكورة. وكذلك حديث علي لا يحجزه من القرآن شيء ليس الجنابة، فإذا كان الحدث الأصغر لا يمنعه عن قراءة القرآن وهو أفضل الذكر كان جواز ما عداه من الأذكار بطريق الأولى. والتوفيق بينهما، أنه ﷺ أخذ في ذلك بالرخصة تيسيراً على الأمة، وفي هذا العزيمة، أي: تعليماً لهم بالأفضل، فالمراد بالمنع والكراهة أدنى الكراهة، فيدل على استحباب ذكر الله تعالى بالوضوء أو التيمم ولا خلاف في ذلك. (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً الطحاوى، ومداره على محمد بن ثابت العبدي، وقد ضعفه ابن معين وأبوحاتم والبخاري وأحمد. وقال أحمد والبخاري ينكر عليه حديث التيمم، يعني هذا. زاد البخاري خالفه أيوب وعبيد الله والناس، فقالوا: عن نافع عن ابن عمر فعله. وقال أبوداود: ولم يتابع أحد محمد بن ثابت في هذ القصة على ضربتين عن النبي ﷺ ، ورووه عن فعل ابن عمر. وقال الخطابي في المعالم: حديث ابن عمر لا يصح، لأن محمد بن ثابت ضعيف جداً لا يحتج بحديثه. واعلم أن حديث محمد بن ثابت، عن نافع، عن ابن عمر هذا يدل على أن السلام كان بعد الخروج من غائط أو بول، وأن جواب السلام كان بعد التيمم مع ذكر التعليل فيه، وكذا وقع في رواية ابن الهاد، عن نافع، عن ابن عمر، إلا أنه لم يذكر العلة، ولا ذكر الضربتين والذراعين في صفة التيمم، بل قال: مسح وجهه ويديه. أخرجه أبوداود وسكت عنه وقال المنذري: حديث حسن، ويوافقه ما روى عن أبي جهيم بن الحارث عند الشيخين وغيرهما: أنه أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇. ففيه أن السلام بعد الفراغ، وجواب السلام كان بعد التيمم بدون ذكر العلة. وروى الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر، أن رجلاً سلم على النبي ﷺ وهو يبول، فلم يرد عليه. أخرجه مسلم والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه. وفيه أن السلام كان حالة البول وأنه لم يرد السلام، وكذا وقع ذكر السلام حالة البول في حديث المهاجر بن قنفذ الآتي، وفي حديث جابر بن عبد الله، وحديث أبي هريرة عند ابن ماجه، إلا أنه ذكر في حديث المهاجر رد السلام بعد الوضوء وفي حديث أبي هريرة بعد التيمم، وقيل: معنى قوله: "توضأ" في حديث المهاجر "تطهر" فيشمل التيمم. وفي الباب أحاديث من غير هؤلاء الصحابة ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١:ص٢٧٦) مع الكلام عليها. واختلف في رفع الاختلاف الواقع في روايات ابن عمر، فحاول بعضهم ترجيح رواية الضحاك عن نافع، عن ابن عمر عند مسلم والترمذي وغيرهما، أن السلام كان في حالة البول كما في أحاديث جابر، وأبي هريرة والمهاجر. وأما قوله: في هذه الرواية: فلم يرد عليه، فمعناه أنه أخر الرد لا أنه ترك الرد مطلقاً، وقد تقدم أن رواية محمد بن ثابت العبدي عن نافع ضعيفة جداً فلا تعارض رواية الضحاك، وأما رواية ابن الهاد عن

стр. 572

٤٧١- (١٧) وعن المهاجر بن قنفذ: ((أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، وقال: إني كرهت أن أذكرالله إلا على طهر)) . ــ نافع، وحديث أبي جهيم فقيل: أنه وقع فيهما تقديم وتأخير في بيان القصة، فمجيئة ﷺ من نحو بئر جمل كان بعد الفراغ عن البول، وبعد سلام الرجل عليه، يعني كان النبي ﷺ يبول فلقيه ذلك الرجل وسلم عليه فلم يرد عليه؛ حتى إذا أقبل من نحو بئر جمل بعد البول تيمم، ورد ﵇. وأما حديث المهاجر الآتي فهو قصة أخرى رد ﵇ فيها بعد الوضوء، فتحصل من هذا كله أن ههنا قصتان: إحداهما في حديث الضحاك عن نافع عن ابن عمر، والأخرى في حديث المهاجر بن قنفذ. وحمل بعضهم هذه الروايات على وقائع متعددة وقصص مختلفة وقعت في أوقات شتى، فوقع السلام مرة في حالة البول، وتارة بعد الفراغ عن البول، وترك الرد أحياناً تأديباً، وأخره أحياناً على حسب اختلاف الناس في التأديب وغيره، ورد السلام في بعضها بعد الوضوء، وفي بعضها بعد التيمم. والله تعالى أعلم وعلمه أتم. ٤٧١- قوله: (وعن المهاجر بن قنفذ) بضم القاف والفاء بينهما نون ساكنة وآخره ذال معجمة، هو المهاجر بن قنفذ بن عمير بن جدعان التيمي القرشي. قيل كان اسمه أولاً عمراً ومهاجر لقب، وكان اسم أبيه خلفاً وقنفذ لقب، فهو عمرو ابن خلف. قال الحافظ في الإصابة (ج٣:ص٤٦٦) كان أحد السابقين إلى الإسلام، ولما هاجر أخذه المشركون فعذبوه، فانفلت منهم وقدم المدينة، فقال النبي ﷺ : هذا المهاجر حقاً. وقيل: إنما أسلم بعد الفتح. ولاه عثمان على شرطته. قال ابن عبد البر: سكن البصرة ومات بها. (أتى النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه) وعند أحمد: أنه سلم على النبي ﷺ وهو يتوضأ. وهكذا عند الطحاوى، وابن ماجه بلفظ "وهو يتوضأ" أي: وهو في مقدمات الوضوء. وقد نبه ابن ماجه على ذلك بذكر الحديث في "باب الرجل يسلم عليه وهو يبول". (فلم يرد عليه) فيه دلالة على أن المسلم في هذه الحالة لا يستحق جواباً، وهذا متفق عليه بين العلماء، بل قالوا: يكره أن يسلم على المشتغل بقضاء حاجة البول والغائط، فإن سلم عليه كره له رد السلام، ويكره للقاعد لقضاء الحاجة أن يذكر الله تعالى بشيء من الأذكار، فلا يرد السلام، ولا يشمت العاطس، ولا يحمد الله تعالى إذا عطس. وفي حديث جابر بن عبد الله عند ابن ماجه أن رجلاً مر على النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه، فقال له رسول الله ﷺ : إذا رأيتني على مثل هذه الحالة، فلا تسلم علي، فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك. (حتى توضأ) أي: فرغ من وضوءه. وظاهره تعدد الواقعة كما تقدم التنبيه على ذلك، ويمكن أن يكون معنى "توضأ" تطهر فيشمل التيمم. (ثم اعتذار إليه) يعني بعد رد السلام عليه. (وقال) بيان للإعتذار، وكأنه إعتذار لتأخير الرد إلى الفراغ من الوضوء، وإلا فترك الرد حالة البول لا يحتاج إلى الاعتذار. (إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر) أي: فلذا أخرته، ليكون على الوجه الأكمل. والمراد به أدنى كراهته، فمثل هذه الكراهة دعت إلى التأخير إلى

стр. 573

رواه أبوداود، وروى النسائي إلى قوله: حتى توضأ، وقال فلما توضأ رد عليه. ﴿الفصل الثالث﴾ ٤٧٢- (١٨) عن أم سلمة ﵂، قالت: ((كان رسول الله ﷺ يجنب، ثم ينام، ثم ينتبه، ثم ينام)) . رواه أحمد. ٤٧٣- (١٩) وعن شعبة، قال: إن ابن عباس ﵁ كان إذا اغتسل من الجنابة، يفرغ بيده اليمنى على يده اليسرى سبع مرار، ــ الوضوء وأصل التأخير حصل بسبب كراهة الرد حالة البول. قال الخطابي: في قوله: "كرهت ذكر الله" دليل على أن السلام الذي يحيى به الناس بعضهم بعضاً اسم من أسمائه تعالى، فالمعنى: الله رقيب عليك فاتق الله، أو حافظ عليك ما تحتاج إليه. وفي الحديث دلالة على أنه ينبغي لمن سلم عليه في تلك الحال أن يدع الرد حتى يتوضأ، أو يتيمم، ثم يرد وهذا إذا لم يخش فوت المسلم، وأما إذا خشى فوته، فالحديث لا يدل على المنع، بل هو ساكت عنه، لأن النبي ﷺ تمكن من الرد بعد أن توضأ، أو تيمم على اختلاف الروايتين، فيمكن أن يكون تركه لذلك طلباً للأشراف، وهو الرد حال الطهارة. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو، والمنذري، وقال النووي في الأذكار: هذا حديث صحيح، وأخرجه أيضاً أحمد وابن ماجه والطحاوى. (وروى النسائي إلى قوله: حتى توضأ) أي: لم يذكر الاعتذار وعلة التأخير. (وقال) أي: النسائي. (فلما توضأ رد عليه) وهو مفهوم من الرواية السابقة. ٤٧٢- قوله: (كان رسول الله ﷺ يجنب ثم ينام) أي: قبل الوضوء أحياناً بياناً للجواز وعملاً بالرخصة، أو بعد الوضوء طلباً للفضيلة، وقد تقدم أنه كان يتوضأ قبل النوم غالباً. والحديث يدل على تأخيره ﷺ غسل الجنابة عن موجبه زماناً ولا اختلاف فيه. (رواه أحمد) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١:ص٢٧٥) : رجاله رجال الصحيح. ٤٧٣- قوله: (عن شعبة) هو ابن دينار الهاشمي المدني مولى ابن عباس، ضعفه مالك، والجوزجاني والنسائي وابن سعد وأبوزرعة والساجي وأبوحاتم وابن حبان وابن معين في رواية ابن أبي خيثمة عنه. وقال أحمد وابن عدي وابن معين: في رواية الدوري عنه: ليس به بأس. وقال العجلي: جائز الحديث. وقال الحافظ: صدوق سيء الحفظ. (يفرغ) من الإفراغ أي: يصب الماء. (سبع مرار) لا يصلح هذا الحديث أن يكون حجة للتسبيع في غسل اليدين عند الاغتسال من الجنابة لأنه ضعيف، وإن صح، فيحمل فعل ابن عباس هذا على ما كان الأمر قبل ذلك، كما تقدم في حديث ابن عمر آخر حديث الفصل الثالث من باب الغسل، ثم رفع ذلك الأمر ولم يبلغ ابن عباس النسخ، ويحتمل أنه

стр. 574

ثم يغسل فرجه، فنسي مرة كم أفرغ، فسألني فقلت: لا أدرى. فقال: لا أم لك! وما يمنعك أن تدري؟ ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض على جلده الماء، ثم يقول هكذا كان رسول الله ﷺ يتطهر)) . رواه أبوداود. ٤٧٤- (٢٠) وعن أبي رافع، قال: ((إن رسول الله ﷺ طاف ذات يوم على نسائه، يغتسل عند هذه، وعند هذه، قال: فقلت له: يا رسول الله! ألا تجعله غسلاً واحداً آخراً؟ قال: هذا أزكى وأطيب وأطهر)) . ــ بلغه النسخ، وكان من مذهبه أنه إذا نسخ الوجوب بقي الندب كما قيل، أو كان يفعل التسبيع في صورة مخصوصة مبالغة في الإنقاء والتنظيف، كما جاء ذلك في تطهير الأواني وغسلها. (ثم يغسل فرجه) كذلك سبع مرار، وهو يعلم بطريق الأولى. (فنسي) أي: ابن عباس. (مرة كم أفرغ) أي: على يديه، أو على فرجه، أو على أي عضو من أعضائه. (فسألني) أي: كم أفرغت. أي: سبع مرار أو أقل من ذلك. (لا أم لك) هذا وارد على الذم، أي: أنت لقيط لا يعرف لك أم فأنت مجهول. (ومايمنعك أن تدري) أي: لم لم تنظر إلي حتى تعلم؟ والواو عطفت الجملة الاستفهامية على الجملة الدعائية، والجامع كونهما إنشائيتين، قاله الطيبي. (ثم يفيض على جلده الماء) قال ابن حجر: ذكر الجلد لأنه الأصل وإلا فغسل الشعر واجب أيضا. ً (ثم يقول هكذا) الظاهر رجوعه لجميع ما مر (كان رسول الله ﷺ يتطهر) فيه أنه ﷺ كان يغسل اليدين والفرج عند غسل الجنابة سبع مرات، لكن الحديث ضعيف فلا يعارض الأحاديث الصحيحة التي تدل نصاً على التثليث. وقيل الإشارة راجعة إلى ما ذكر من الوضوء والإفاضة. قال ابن حجر: وفيه أنه لا مناسبة لهذا الحديث بالترجمة إلا أن فيه بعض أحكام تتعلق بالجنب فذكر استطراداً لأجلها، ولو ذكره في باب الغسل لكان أولى كذا في المرقاة. (رواه أبوداود) وسكت عنه. وقال المنذري: شعبة هذا مولى ابن عباس مدني لا يحتج بحديثه. ٤٧٤- قوله: (ذات يوم) قال القاري: ذات زائدة زيد بها لدفع المجاز، أي: في نهار. وقيل: زائدة للتأكيد. (وعند هذه) أي: بعد المعاودة على حدة. (ألا) بالتخفيف فالهمزة للإستفهام، ولا نافية. وقيل: بالتشديد، فيكون بمعنى "هلا" للتحضيض. (تجعله) أي: غسلك. (غسلاً واحداً) أي: ألا تكتفي بالغسل الواحد في آخر الجماع. (آخراً) تأكيد لدفع التوهم قال الشيخ الألباني: هذه اللفظة "آخراً" ثابتة في جميع النسخ، لكنها لم ترد عند أحمد وأبي داود، ولا عند غيرهما، كابن ماجه والطحاوي في شرح المعاني والبيهقي في سننه. (قال هذا) أي: تعدد الغسل. (أزكى) أي: أكثر أجراً وثواباً. (وأطيب) أي: ألذ وأحلى وأجود عند النفس. (وأطهر) أي: أنظف وأحسن. وقال ابن حجر: هي قريبة من الترادف جمع بينهما

стр. 575

رواه أحمد وأبوداود. ٤٧٥- (٢١) وعن الحكم بن عمرو، قال: ((نهى رسول الله ﷺ أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة)) . رواه أبوداود، وابن ماجه، والترمذي، وزاد: أو قال: بسؤرها. وقال: هذا حديث حسن صحيح. ــ تأكيداً ومبالغة. والحديث يدل على استحباب الغسل قبل المعاودة، ولا خلاف فيه، وليس بينه وبين ما تقدم من حديث أنس "أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه بغسل واحد" اختلاف وتعارض، بل كان يفعل هذا مرة، وذاك أخرى، فمرة تركه بياناً للجواز، وتخفيفاً على الأمة، ومرة فعله لكونه أزكى وأطهر. قال النووي: هو محمول على أنه فعل الأمرين في وقتين مختلفين. (رواه أحمد وأبوداود) وأخرجه أيضاً ابن ماجه. قال الحافظ في التلخيص (ص٥٢) وهذا الحديث طعن فيه أبوداود، فقال: حديث أنس أصح منه، قال الشوكاني: وهذا ليس بطعن في الحقيقة لأنه لم ينف عنه الصحة. ٤٧٥- قوله: (وعن الحكم) بفتحتين (بن عمرو) بن مجدع الغفاري، ويقال له: الحكم بن الأقرع وهو ليس غفارياً؛ إنما هو من ولد ثعلبة بن مليل، ونسب إلى غفار لأن ثعلبة أخو غفار، وقد ينسبون إلى الإخوة كثيراً، صحابي، له أحاديث، انفرد له البخاري بحديث. نزل البصرة، وولي خراسان فسكن مرو ومات بها سنة (٤٥) أو (٥٠) أو (٥١) . (نهى رسول الله ﷺ أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة) النهى محمول على التنزيه بقرينة حديث ابن عباس أول أحاديث الفصل الثاني وغيره من الأحاديث الدالة على الجواز. (رواه أبوداود) وسكت عنه. (وابن ماجه والترمذي) من طريق شعبة، عن عاصم الأحول، عن أبي حاجب، عن الحكم بن عمرو. وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥:ص٦٦) وأبوداود الطيالسي، والنسائي إلا أن ابن ماجه والنسائي قالا بفضل وضوء المرأة. (وزاد) أي: الترمذي. (أو قال بسؤرها) بالهمزة بقية الشيء، وقد يخفف الهمز بالابدال. قال الطيبي: شك الراوي أنه ﵊ قال: بفضل طهور المرأة أو بسؤرها - انتهى. قلت: هذا الحديث رواه الترمذي عن شيخين: محمود بن غيلان ومحمد بن بشار كلاهما، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، والشك إنما وقع من محمود بن غيلان، وأما محمد بن بشار فإنه لم يشك في اللفظ، كما حكى عنه الترمذي، وكما هو في رواية أبي داود، وابن ماجه، وكذلك لم يشك عمرو بن علي عند النسائي وأحمد (ج٥:ص٦٦) ويونس بن حبيب عن الطيالسي. ورواه أحمد (ج٤:ص٢١٣) عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة على الشك. ورواه أيضاً (ج٤:ص٢١٣) عن وهب بن جرير عن شعبة، فقال: نهى أن يتوضأ الرجل من سؤر المرأة، والمفهوم من الروايات أن المراد بالسؤر هو فضل الطهور لا فضل الشراب فإن أصل السؤر هو البقية من كل شيء. (وقال: هذا حديث حسن صحيح) وفي النسخ الحاضرة للترمذي: هذا حديث حسن، بدون لفظ "صحيح". قال الحافظ في الفتح: حديث

стр. 576

٤٧٦- (٢٢) وعن حميد الحميري، قال: لقيت رجلاً صحب النبي ﷺ أربع سنين، كما صحبه أبوهريرة، قال: ((نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة. زاد مسدد: وليغترفا جميعاً)) . رواه أبوداود، والنسائي وزاد أحمد في أوله: نهى أن يمتشط أحدنا كل يوم ــ الحكم بن عمرو أخرجه أصحاب السنن، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، وأغرب النووي فقال: اتفق الحفاظ على تضعيفه - انتهى. قلت: قال البخاري: حديث الحكم بن عمرو في النهى لا يصح. ٤٧٦- قوله: (وعن حميد) بالتصغير. (الحميري) بكسر المهملة وسكون الميم وفتح التحتانية، هو حميد بن عبد الرحمن الحميري البصري، قال المصنف هو من ثقات البصريين وأئمتهم، تابعي جليل من قدماء التابعين. روى عن أبي هريرة، وابن عباس وغيرهما. (لقيت رجلاً صحب النبي ﷺ ) إبهام الصحابي لا يضر لأن الصحابة كلهم عدول. (أربع سنين، كما صحبه أبوهريرة) لأن إسلامه سنة سبع من الهجرة، هاجر إلى النبي ﷺ وهو في خيبر بعد مافتحها، وكانت وقعة خيبر في المحرم سنة سبع. (نهى أن تغتسل المرأة بفضل الرجل) أي: بالماء الذي يفضل عن غسل الرجل. (أو يغتسل الرجل بفضل المرأة) قيل: مناط النهى هو صيانة الطهور عن وقوع الماء المستعمل فيه، فإن الماء المستعمل وإن كان طاهراً غير نجس إلا أن المطلوب الاحتراز عنه لئلا يقع في ماء الغسل، ولما كانت النساء أقل احتياطاً في أمر التطهير في الواقع، نهى الرجل عن استعمال فضلها، وإنما نهى المرأة عن فضل الرجل جرياً على مقتضى طبع النساء، فإنهن يرين الرجال أقل نظافة، فروعى في الأول ما هو واقع في نفس الأمر، وفي الثاني ما هو في زعمهن، لئلا يقعن في الوسوسة في أمر الطهارة، لأن الحفظ عن الوسوسة في أمر التطهير مطلوب شرعاً، فنهى المرأة عن فضل الرجل قطعاً للوسوسة. (زاد مسدد) أي: عن أبي عوانة عند أبي داود، وكذا روى هذه الزيادة قتيبة عن أبي عوانة عند النسائي. ومسدد بضم الميم، وفتح السين المهملة، وتشديد الدال الأولى، وفتحها هو ابن مسرهد بن مسربل بن مستورد الأسدي البصري أبوالحسن، ثقة، حافظ، روى عنه البخاري وأبوداود وروى له أبوداود أيضاً، والترمذي والنسائي بواسطة محمد بن محمد ابن خلاد الباهلي، وأحمد بن محمد بن مدوية. يقال إنه أول من صنف المسند بالبصرة، مات سنة (٢٢٨) . قال الحافظ: وزعم منصور الخالدي أنه مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مغربل بن مرعبل بن أرندل بن سرندل بن عرندل بن ماسند. ولم يتابع عليه. ويقال: اسمه عبد الملك بن عبد العزيز ومسدد لقبه. (وليغترفا) بصيغة أمر واللام ساكنة وتكسر. (جميعاً) ظاهره معاً لا واحد بعد واحد، ويحتمل المناوبة والاختلاف. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري، وقال الحافظ في الفتح: رجاله ثقات ولم أقف لمن أعله على حجة قوية. وقال في بلوغ المرام إسناده صحيح. (وزاد أحمد) وكذا زاده أبوداود في باب البول في المستحم والنسائي. (نهى أن يمتشط) أي: عن الإكثار في الامتشاط والزينة

стр. 577

أو يبول في مغتسل. ٤٧٧- (٢٣) ورواه ابن ماجه عن عبد الله بن سرجس. (٧) باب أحكام المياه ــ (أويبول في مغتسل) لأنه يورث الريبة والوسوسة وهو عام في المكان الصلب واللين وقد تقدم الكلام في ذلك. ٤٧٧- قوله: (ورواه ابن ماجه عن عبد الله بن سرجس) بفتح السين وكسر الجيم، يجوز فيه الصرف والمنع من الصرف للعلمية والعجمة. لفظه: نهى رسول الله ﷺ أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، ولكن يشرعان جميعاً. قال ابن ماجه بعد إخراجه من طريق عاصم الأحول عن ابن سرجس: الصحيح هو الأول يعني حديث عاصم، عن أبي حاجب، عن الحكم بن عمرو، والثاني أي: حديث عاصم عن ابن سرجس وهم، وقال الألباني: سنده صحيح وإن قال ابن ماجه إنه وهم، والصحيح أنه من حديث الحكم بن عمرو – يعني المتقدم – وقال البخاري: حديث عبد الله بن سرجس في هذا الباب الصحيح هو موقوف. ومن رفعه فهو خطأ. ذكره البيهقي (١٩٣:١) ورده عليه ابن التركماني في الجوهر النقي فراجعه إن شئت. (باب أحكام المياه) من الطهارة، والنجاسة، وغيرهما، وأتى لكثرة أنواع الماء مثل ماء السماء، وماء البئر، وماء العين، وماء البحر، والماء الراكد، والماء الجاري، والقليل والكثير، والمستعمل، وغير المستعمل، وسؤر السباع، وماء الحياض في الفلاة، والماء المشمش، وغير ذلك. وجمع الماء على المياه دل على أن همزته منقلبة عن هاء، وأصل المياه، مواه، لدلالة جمعه الآخر على الأمواه، وتصغير الماء على مويه، فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. وقوله باب أحكام المياه كذا في طبعات الهند وهكذا في نسخة القاري، ووقع في نسخة الألباني باب المياه أي: بسقوط لفظ أحكام. واعلم أنه اختلف آراء العلماء في الماء إذا خالطته نجاسة، فذهب مالك والظاهرية إلى أنه لا ينجس الماء بما لاقاه من النجاسة ولو كان قليلاً إلا إذ تغير أحد أوصافه، عملاً بحديث: "الماء لا ينجسه شئ إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه" أخرجه ابن ماجه. فلم يفرقوا بين القليل والكثير، والاعتبار عندهم للتغير فقط. وذهبت الشافعية والحنفية إلى قسمة الماء إلى قليل تضره النجاسة مطلقاً، وكثير لا تضره إلا إذا غيرت بعض أوصافه، ثم اختلفوا بعد ذلك في تحديد القليل والكثير، فذهب أبوحنيفة إلى تحديد القليل بأنه ما ظن المستعمل للماء الواقعة فيه النجاسة استعمالها باستعماله، وماعدا ذلك فهو الكثير. قال في الدر المختار: والمعتبر في مقدار الراكد أكبر رأى المبتلي به، فإن غلب على ظنه عدم وصول النجاسة إلى الجانب الآخر جاز، وإلا لا، هذا ظاهر الرواية عن الإمام (أبي حنيفة) وإليه رجع محمد، وهو الأصح، كما في الغاية وغيرها، وحقق في البحر: أنه المذهب، وبه يعمل - انتهى. وأكثر ابن نجيم في ذكر النقول

стр. 578

عن المشائخ الحنفية في أن العبرة عندهم لرأى المبتلى به، فإن ظنه نجساً كان نجساً، وإن ظنه طاهراً كان طاهراً، لكنهم لما رأوا أن هذا يفضي إلى اختلاف العوام في أمر طهارة الماء الذي لاقته النجاسة، ويستلزم عدم انضباط مسألة الطهارة لتفرق آرائهم وظنونهم حددوا لذلك حدوداً ينتظم بها أمرهم، فمنهم من قدر الكثير من الماء، وهم قدماء الحنفية، وعزاه محمد في موطأه إلى أبي حنيفة بأنه الماء الذي إذا حرك أحد طرفيه آدمي لم تسر الحركة إلى الطرف الآخر، ثم اختلفوا في التحريك المعتبر هل هو بالوضوء، أو بالاغتسال، أو باليد؟ ومنهم من قدر الكثير - وهم أكثر المتأخرين من الحنفية - بالعشر في العشر. ولا دليل لهم على هذه التحديدات لا من كتاب الله، ولا من سنة رسوله، ولا من آثار الصحابة، ولا من قياس صحيح. وأما أصل مذهب أبي حنيفة وهو إدارة الأمر على رأى المبتلى به، فقد احتجوا لذلك بحديث الاستيقاظ أول أحاديث باب سنن الوضوء، وبحديث ولوغ الكلب، والأمر بإراقة ما ولغ الكلب فيه، وهو أول أحاديث باب تطهير النجاسات، وبحديث النهى عن البول في الماء الدائم، وقد طول ابن نجيم في البحر الرائق الكلام في تقرير الاستدلال بهذه الأحاديث، ونقله الشيخ عبد الحي اللكنوى في السعاية حاشية شرح الوقاية، ثم أجاب عنه، ولقد أجاد وأصاب في الجواب؛ وأجيب أيضاً بأن هذه الأحاديث ليست ورادة لبيان حكم نجاسة الماء، بل الأمر باجتنابها تعبدي لا لأجل النجاسة، وإنما هو لمعنى لا نعرفه، كعدم معرفتنا لحكمة أعداد الصلوات ونحوها. وقيل: بل النهى في هذه الأحاديث للكراهة فقط وهي طاهرة مطهرة. وقيل: هي محمولة على القليل أي: ما دون القلتين. وأجاب بعضهم عن أصل مذهب أبي حنيفة بأن الظن والرأى لا ينضبط، بل يختلف باختلاف الأشخاص، ففي إدارة الأمر على ذلك من الحرج ما لا يخفى، وأيضاً جعل ظن الاستعمال مناطاً يستلزم استواء القليل والكثير وذهبت الشافعية إلى تحديد الكثير من الماء بما بلغ قلتين من قلال هجر، وذلك نحو خمسمائة رطل عملاً بحديث القلتين وما عداه فهو القليل. وحديث "الماء لاينجسه شيء" الخ. محمول عندهم على ما بلغ القلتين فما فوقها، وهو كثير، وحديث الاستيقاظ، وحديث الدائم محمول على القليل، وهو أقوى المذاهب وأرجحها عندي. والله أعلم. وقال الشاه ولي الله الدهلوي في حجة الله (ج١:ص١٤٧) : قد أطال القوم في فروع موت الحيوان في البئر، والعشر في العشر، والماء الجاري، وليس في كل ذلك حديث عن النبي ﷺ ألبتة. وأما الآثار المنقولة عن الصحابة والتابعين، كأثر ابن الزبير في الزنجي، وعلي في الفارة، والنخعي والشعبي في نحو السنور، فليست مما يشهد له المحدثون بالصحة، ولا مما اتفق عليه جمهور أهل القرون الأولى، وعلى تقدير صحتها يمكن أن يكون ذلك تطييباً للقلوب، وتنظيفاً للماء، لا من جهة الوجوب الشرعي، كما ذكر في كتب المالكية، ودون نفي هذا الاحتمال خرط القتاد. وبالحملة فليس في هذا الباب شيء يعتد به، ويجب العمل عليه، وحديث القلتين أثبت من ذلك كله بغير شبهة، ومن المحال أن يكون الله تعالى شرع في هذه المسائل لعباده شيئاً زيادة على ما لا ينفكون عنه من الارتفاقات، وهي مما يكثر وقوعه، وتعم به البلوى، ثم لا ينص عليه النبي ﷺ نصاً جلياً، ولا يستفيض في الصحابة ومن بعدهم، ولا حديث واحد فيه – انتهى.

стр. 579

﴿الفصل الأول﴾ ٤٧٨- (١) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه)) . ــ ٤٧٨- قوله: (لايبولن أحدكم في الماء الدائم) أي: الراكد الساكن. (الذي لا يجري) تفسير للدائم وإيضاح لمعناه وقيل: صفة ثانية مؤكدة للأولى. وقيل: الدائم من الأضداد، يقال للساكن والدائر المتحرك: دائم. ويطلق على البحار الكبار التي يدوم أصلها ولا ينقطع ماءها: أنها دائمة، بمعنى أن ماءها غير منقطع، وهو غير مراد هنا اتفاقاً، وعلى هذين القولين فقوله: الذي لا يجري، صفة مخصصة لأحد معنى المشترك، وهذا أولى من حمله على التوكيد. (ثم يغتسل فيه) برفع اللام على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: ثم هو يغتسل فيه. نبه به على مآل الحال، والمعنى: أنه إذا بال فيه قد يحتاج إليه فيمتنع عليه استعماله لما وقع فيه من البول، فالنهى في الظاهر مقصور على البول، وثم للإستبعاد وبيان المآل، ويرجع ذلك إلى النهي عن الجمع، أي: بعيد من العاقل أن يجمع بينهما. وقد جوز جزمه عطفاً على "يبولن" لأنه مجزوم الموضع بلا الناهية، ولكنه بني على الفتح لتوكيده بالنون، وهذا يدل على أن النهي عن كل واحد من البول والاغتسال. ونصبه على إضمار أن وإعطاء "ثم" حكم "واو الجمع" وهذا يفيد أن النهى إنما هو عن الجمع بين البول والاغتسال دون إفراد أحدهما مع أنه ينهى عن البول فيه مطلقاً. وأجيب بأن ذلك لا يمنع من جواز النصب، لأنه لا يلزم أن يدل على الأحكام المتعددة لفظ واحد، فيؤخذ من هذا الحديث النهى عن الجمع، ومن رواية مسلم التالية النهى عن إفراد الاغتسال، ومن حديث جابر الآتي عن إفراد البول، والنهى عن كل واحد منهما على انفراده ليستلزم النهى عن فعلهما جميعاً بالأولى، وقد ورد النهى عن كل واحد منهما في حديث واحد. رواه أبوداود بلفظ لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة. قال الشاه ولي الله الدهلوي: وحكمة النهى أن كل واحد منهما لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يغير الماء بالفعل، أو يفضى إلى التغيير بأن يراه الناس يفعل فيتتابعوا، وهو بمنزلة اللاعنين، أللهم إلا يكون الماء مستبحراً أو جارياً، والعفاف أفضل على كل حال – انتهى. واعلم أن الحديث لا بد من إخراجه عن ظاهره بالتخصيص أو التقييد، لأن الاتفاق واقع على أن الماء المستبحر الكثير جداً لا تؤثر فيه النجاسة، والاتفاق واقع على أن الماء إذا غيرته النجاسة امتنع استعماله فحملت المالكية النهى على التنزيه فيما لا يتغير، لاعتقدهم أن الماء لا ينجس إلا بالتغير قليلاً كان أو كثيراً، فالمعتبر عندهم هو التغير وعدمه. وقالت الحنفية: خرج عنه المستبحر الكثير جداً بالإجماع، فيبقى ماعداه على حكم النص، فيدخل تحته ما زاد على القلتين، ومن المعلوم أن البول القليل في ما زاد على القلتين، من الماء لا يغير لونه ولا طعمه ولا رائحته، ومع ذلك قد نهى، وليس

стр. 580

متفق عليه. وفي رواية لمسلم، قال: ((لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب)) . قالوا: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولاً. ٤٧٩- (٢) وعن جابر، قال: ((نهى رسول الله ﷺ أن يبال في الماء الراكد)) . رواه مسلم. ٤٨٠- (٣) وعن السائب بن يزيد، ــ ذلك إلا لكونه ينجس في رأي المبتلى به بعد قليل من الزمان إن كان هذا الماء كثيراً، وإن كان قليلاً لا يبلغ قدر الغدير العظيم فتنجسه عندهم ظاهر. وقالت الشافعية: خرج الكثير المستبحر بالإجماع، والقلتان فما زاد بالحديث، فيبقى ما نقص عن القلتين داخلاً تحت مقتضي الحديث، ويكون النهي للتحريم، وفي القلتين وما فوقهما للتنزيه. وقال القرطبي: يمكن حمله على التحريم مطلقاً على قاعدة سد الذريعة؛ لأنه يفضي إلى تنجيس الماء، قلت: أقوى المحامل وأرجحها عندي هو ما ذهب إليه الشافعية لصحة حديث القلتين، وارجع لمزيد الكلام إلى أبكار المنن في تنقيد آثار السنن (ص٢) . (متفق عليه) واللفظ للبخاري، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق وأحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وابن أبي شيبه، وابن حبان وغيرهم، إلا أن في رواية الترمذي وأحمد وعبد الرزاق، وابن أبي شيبه وابن حبان "ثم يتوضأ منه" مكان ثم يغتسل فيه. وفيه دليل على أن النهي لا يختص بالغسل بل الوضوء في معناه، ولو لم يرد هذا لكان معلوماً لاستواء الوضوء والغسل في المعنى المقتضي للنهي. (لايغتسل) بالجزم، وقيل بالرفع. (أحدكم في الماء الدائم وهو جنب) فيه دليل على المنع من الاغتسال في الماء الدائم للجنابة وإن لم يبل فيه. وتقييد النهي بالحال يدل على أن المستعمل في غسل الجنابة إذا كان راكداً لا يبقى على ما كان، وإلا لم يكن للنهي المقيد فائدة، وذلك بزوال الطهورية، كما قال به أكثر العلماء. وقال الشوكاني: إن علة النهي عن الاغتسال فيه ليست كونه يصير مستعملاً بل مصيره مستخبثاً بتوارد الإستعمال، فيبطل نفعه، ويوضح ذلك قول أبي هريرة. (يتناوله تناولاً) أي: يأخذه اغترافاً، ويغتسل خارجاً فإنه يدل على أن النهى إنما هو عن الانغماس لا عن الاستعمال، وإلا لما كان بين الانغماس والتناول فرق. وهذه الرواية أخرجها ابن ماجه والطحاوي أيضاً. ٤٧٩- قوله: (نهى رسول الله ﷺ أن يبال في الماء الراكد) أي: الساكن الغير الجاري، لأن الماء الساكن إن كان دون قلتين تنجس، ولا يجوز الاغتسال والتوضأ منه، وإن كان قلتين فلعله يتغير به فيصير نجساً بالتغير، وكذا إن كثر غاية الكثرة، إذ لو جوز البول فيه لبال واحد بعد واحد، فيتغير من كثرة البول، قاله ابن الملك. التغوط في الماء كالبول فيه، بل أقبح. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً النسائي وابن ماجه. ٤٨٠- قوله: (وعن السائب بن يزيد) بن سعيد بن ثمامة الكندي، ويقال: الأسدي، أو الليثي، أو الهذلي.

стр. 581

قال ذهبت بى خالتي إلى النبي ﷺ ، فقالت يارسول الله ﷺ ! إن ابن أختي وجع، فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة، ثم توضأ، فشربت من وضوءه، ثم قمت خلف ظهره، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه مثل زر الحجلة. ــ وقال الزهري: هو من الأزد، عداده في كنانة، وهو ابن أخت النمر، لا يعرفون إلا بذلك صحابي صغير. قال المصنف ولد في السنة الثانية من الهجرة، وحضر مع أبيه حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين وخرج مع الصبيان إلى ثنية الوداع لتلقي النبي ﷺ مقدمه من تبوك. له أحاديث قليلة، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بخمسة. وكان عاملاً لعمر على سوق المدينة. مات سنة (٩١) وقيل: قبل ذلك سنة (٨٨) أو (٨٦) أو (٨٢) يقال: هو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، والله أعلم. (ذهبت بي) الباء للتعدية أي: أذهبتني، وقيل: الفرق بين "ذهب به" وبين "أذهبه" أن معنى "أذهبه" أزاله وجعله ذاهباً ومعنى "ذهب به" استصحبه، ومضى به معه. (خالتي) لم تسم، قال الحافظ: لم أقف على اسمها، وأما أمه فاسمها علية بنت شريح أخت مخرمة بن شريح. (وجع) بفتح الواو وكسر الجيم، أي: مريض، والعرب تسمى كل مريض وجعاً. قال الحافظ: والمراد أنه كان يشتكي رجله: كما ثبت في غير هذا الطريق. وقال ابن حجر: يحتمل أن الوجع كان برأسه، فمسحه عليه الصلوة والسلام بيده المباركة، ليكون ذلك سبباً لشفاءه، فكان الأمر كذلك. قال عطاء مولى السائب: كان مقدم رأس السائب أسود، وهو الموضع الذي مسحه النبي ﷺ من رأسه، وشاب ما سوى ذلك. رواه البيهقي والبغوي. (فشربت من وضوئه) الظاهر أن المراد بالوضوء هنا ما انفصل من أعضاء وضوئه، أي: الماء المتقاطر منها. ففيه دليل على أن الماء المستعمل في الوضوء طاهر، خلافاً لما ذهب إليه بعض الحنفية من أنه نجس مخفف أو مغلظ. وما قيل: أن ذلك من خصائصه، لأن فضلاته ﷺ طاهرة، ففيه أن هذه دعوى غير نافقة، فإن الأصل أن حكمه وحكم أمته واحد، إلا أن يقوم دليل يقتضي بالاختصاص، ولا دليل على كونه من خصائصه، ولا على طهارة فضلاته، بل كان ﷺ يعامل بفضلاته ما يعامل أحدنا بفضلاته. (فنظرت إلى خاتم النبوة) بكسر التاء أي: فاعل الختم، وهو الاتمام والبلوغ إلى الآخر، وبفتحها بمعنى الطابع، ومعناه الشيء الذي هو دليل على أنه لا نبي بعده. وقال البيضاوي: خاتم النبوة أثر كان بين كتفيه نعت به في الكتب المتقدمة، وكان علامة يعمل بها أنه النبي الموعود، وصيانة لنبوته عن تطرق القدح إليها صيانة الشيء المستوثق بالختم. (بين كتفيه) حال من الخاتم، أو صفة له. وفي حديث عبد الله بن سرجس عند مسلم أنه كان إلى جهة كتفه اليسرى. (مثل) بكسر الميم وفتح اللام مفعول نظرت، وروى بكسرها بدل من المجرور. وقال القاري: نصب بنزع الخافض، أي: كمثل، وقيل: بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف هو (هو) . (زر الحجلة) بكسر الزاء وتشديد الراء، واحد الأزرار التي يشد به الكلل والستور على ما يكون في حجلة العروس. والحجلة – بفتح الحاء والجيم – بيت كالقبة يستر

стр. 582

متفق عليه. ﴿الفصل الثاني﴾ ٤٨١- (٤) عن ابن عمر قال: سئل رسول الله ﷺ عن الماء يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال: ((إذا كان الماء قلتين ــ بالثياب، وتكون له أزرار كبار، وتجمع على حجال، ومعناهما بالفارسية "تكمهء خانة عروسي". وقيل: إنما هو بتقديم الراء على الزاى، ويكون المراد البيض، يقال أرزت الجرادة- بفتح الراء وتشديد الزاى- إذا كبست ذنبها في الأرض فباضت، ويريد بالحجلة القبجة الطائر المعروف، ويشهد له ما عند الترمذي عن جابر بن سمرة: وكان خاتم رسول الله ﷺ الذي كان بين كتفيه غدة حمراء مثل بيضة الحمامة. اختلفت الروايات في بيان كيفية خاتم النبوة وقدره، ولا تعارض بينها لرجوع هذا الاختلاف إلى اختلاف الأحوال. ويأتي الكلام عليه مفصلاً في باب أسمائه ﷺ وصفته - إن شاءالله تعالى-. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الطهارة، وصفة النبي ﷺ ، والدعوات، والمرضى، ومسلم في الفضائل. وأخرجه أيضاً الترمذي في المناقب. ٤٨١- قوله: (يكون) صفة أو حال. (في الفلاة) أي: في الصحراء الواسعة وتجمع على فلا وفلوات وفلى. (وما ينوبه) أي: ينزل به ويقصده وقال السندي: من ناب المكان وانتابه إذا تردد إليه مرة بعد أخرى ونوبة بعد نوبة. وهو عطف على الماء بطريق البيان نحو أعجبني زيد وكرمه، يعني أنهم سألوه عن حال الماء الذي ينوبه الدواب والسباع. أي: فتشرب منه، وربما تخوض، وتبول، وتلقى الروث فيه. (من الدواب والسباع) بيان لما. (إذا كان الماء قلتين) تثنية قلة بضم القاف وتشديد اللام. قال السندي: زاد عبد الرزاق عن ابن جريج بسند مرسل: بقلال هجر، قال ابن جريج: وقد رأيت قلال هجر فالقلة تسع قربتين أو قربتين وشيئاً، فاندفع ما يتوهم من الجهالة. وقال الخطابي في معالم السنن (ج١:ص٣٥) : قد تكون القلة الإناء الصغير الذي تقله الأيدي ويتعاطى فيه الشرب كالكيزان ونحوها، وقد تكون القلة الجرة الكبيرة التي يقلها القوي من الرجال، إلا أن مخرج الخبر قد دل على أن المراد به ليس النوع الأول، لأنه إنما سئل عن الماء الذي يكون بالفلاة من الأرض في المصانع والوهاد والغدران ونحوها، ومثل هذه المياه لا تحمل بالكوز والكوزين في العرف والعادة لأن أدنى النجس إذا أصابه نجسه، فعلم أنه ليس معنى الحديث. وقد روى من غير طريق أبي داود من رواية ابن جريج "إذا كان الماء قلتين بقلال هجر" أخبرناه محمد بن هاشم. حدثنا الدبري، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج وذكر الحديث مرسلاً، وقال في حديثه: بقلال هجر. قال: وقلال هجر مشهورة الصنيعة، معلومة المقدار، لا تختلف كما لا تختلف المكائل والصيعان والقرب المنسوبة إلى البلدان المحدودة على مثل واحد، وهي أكبر ما يكون من القلال

стр. 583

لم يحمل الخبث)) . رواه أحمد، وأبوداود، والترمذي، والنسائي، والدارمي، وابن ماجه. ــ وأشهرها، لأن الحد لا يقع بالمجهول، ولذلك قيل: قلتين على لفظ التثنية، ولو كان وراءها قلة في الكبر لأشكلت دلالته فلما ثناها دل أنه أكبر القلال لأن التثنية لا بد لها من فائدة، وليست فائدتها إلا ما ذكرناها، وقد قدر العلماء القلتين بخمس قرب، ومنهم من قدرها بخمس مائة رطل- انتهى. قلت: قد جاء في حديث مرفوع ضعيف تقييد القلتين بقلال هجر، وهو ما روى ابن عدي في الكامل من حديث ابن عمر: إذا بلغ الماء قلتين من قلال هجر لم ينجسه شيء. وفي سنده المغيرة بن سقلاب، قال النفيلي: لم يكن مؤتمناً على الحديث. وقال ابن عدي: منكر الحديث لا يتابع على عامة حديثه. وقال الذهبي في الميزان في ترجمته: قال أبوحاتم: صالح الحديث. وقال أبوزرعة: لا بأس به. وقال الشيخ رشيد أحمد الكنكوهى شيخ مشائخ الطائفة الديوبندية: إلزام الإجمال في معنى القلة تحكم، أما أولاً فلأن القلة كانت معلومة عندهم فلا يضر جهالتها عندكم، وأما ثانياً فلما ورد في بعض الروايات من زيادة لفظ يفسر المراد ويتبين الإجمال وهو قوله: من قلال هجر- انتهى. فالاعتذار من القول بحديث القلتين بزعم الإجمال في معنى القلة كما قال الطحاوى (ص٩) وابن دقيق العيد وابن عبد البر في التمهيد، وغيرهم اعتذار بارد لا يلتفت إليه. (لم يحمل الخبث) أي: مالم يتغير لونه، أو طعمه، أو ريحه. والخبث بفتحتين النجس يعنى لم ينجس بوقوع النجاسة فيه كما فسره به في رواية أبي داود الآتية. ولفظ ابن ماجه والحاكم: لم ينجسه شيء. وتقدير المعنى: لا يقبل النجاسة، بل يدفعها عن نفسه، كما يقال: فلان لا يحتمل الضيم، إذا كان يأباه ويدفعه عن نفسه. ولو كان المعنى أنه يضعف عن حمله فينجس، لما بقى الفرق بين ما بلغ قلتين وما دونه، والحديث مسوق لإفادة التحديد بين المقدار الذي لم ينجس. وقيل: معناه لا يقبل حكم النجاسة كما في قوله تعالى: "ثم لم يحملوها" أي: لم يقبلوا حكمها. والحديث بمنطوقه يدل على أن الماء إذا بلغ قلتين لم ينجس بملاقاة النجاسة، وكذا ما هو أكثر من ذلك بالأولى. وذلك إذا لم يتغير فإن تغير نجس، فهو مخصص أو مقيد بحديث إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه. وهو وإن كان ضعيفاً فقد وقع الإجماع على معناه. قال ابن المنذر: قد أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت له طعماً أو لوناً أو ريحاً فهو نجس -انتهى. والحديث يدل بمفهومه على أن الماء إن كان أقل من قلتين ينجس بالملاقاة. وهذا المفهوم يخصص حديث "خلق الماء طهورا" عند من قال بالمفهوم. (رواه أحمد وأبوداود) وسكت عنه. (والترمذي) لم يتكلم الترمذي على الحديث، وإنما ذكر أقوال العلماء الذي أخذوا به، وهم الشافعي وأحمد واسحق وهذا يشير إلى صحته عندهم وعنده. (والنسائي والدارمي وابن ماجه) ورد في رواية لابن ماجه: قلتين أو ثلاثاً. قال السندي: أي: أو أزيد من قلتين، ذكره لإفادة أن التحديد بقلتين ليس لمنع الزيادة عليه، بل لمنع النقصان عنه، ومثله كثير في الكلام، وليس هو للشك حتى يلزم الاضطراب في الحديث، كما زعم من لا يقول بالحديث - انتهى. والحديث أخرجه أيضاً الشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي. قال الحافظ في الفتح: رواته ثقات، وصححه جماعة من أهل العلم - انتهى. وقال ابن مندة: هو صحيح على شرط مسلم. وقال يحيى بن معين: الحديث جيد الإسناد. وقال البيهقي: إسناد صحيح موصول.

стр. 584

وفي أخرى لأبي داود: فإنه لا ينجس. ٤٨٢- (٥) وعن أبي سعيد الخدري، قال: قيل: يارسول الله! أنتوضأ من بئر بضاعة؟ ــ وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا جميعاً بجميع رواته، ووافقه الذهبي. وقال ابن السبكي في الطبقات (ج٦:ص٢٠) صحح الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد حديث القلتين. وقال الطحاوي خبر القلتين صحيح، وإسناده ثابت، ذكره القاري. وقال الحافظ أبوالفضل العراقي في أماليه: قد صحح هذا الحديث الجم الغفير من أئمة الحفاظ الشافعي وأبوعبيد وأحمد واسحق ويحيى بن معين وابن خزيمة والطحاوي وابن حبان والدارقطني وابن مندة والحاكم والخطابي والبيهقي وابن حزم وآخرون كذا في قوت المغتذي. وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي شيخ النيموي وهما من العلماء الحنفية في السعاية (ص٣٧٧) والذي يظهر بعد إدارة النظر من الجوانب هو أن نفس الحديث صحيح سالم عن المعارضة ومخالفة الإجماع، وعن النسخ والتأويل وغير ذلك، وغاية ما فيه هو إجمال في المعنى القلة وتعينها. قلت: قد تقدم الجواب عن دعوى الإجمال فتذكر. وقال الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي: قد أخذ الشافعي في ما اختاره بحديث جيد الإسناد، قابل للاعتماد. قال: وقد أجاب بعض الأحناف عن حديث القلتين بأجوبة لا ترضاها الطبائع السليمة، ثم ذكرها وقال: وأنت تعلم أن كل ذلك تعسف. ثم رد تلك الأجوبة، قال إن في تضعيف سند الحديث انكار البداهة فإن صحة رواية القلتين غير منكرة. والروايات الواردة في السنن شاهد صدق على ذلك. كذا في الكواكب الدري (ج١:ص٤٠-٤٣) قلت: الحديث قد تكلم فيه ابن عبد البر، والقاضي اسماعيل بن اسحق، وابن العربي المالكيون من جهة دعوى الاضطراب في السند والمتن، وقد أجاب عنه الحافظ في التلخيص (ص٦،٥) وأجاد، فارجع إليه. قال القاري: إن الجرح مقدم على التعديل، فلا يدفعه تصحيح بعض المحدثين، وفيه أنه لا وجه لجرح من تكلم في هذا الحديث، كما أوضحه الحافظ والنووي والخطابي وغيرهم. وأيضاً تقديم الجرح على التعديل مختلف فيه. قال في مسلم الثبوت: إذا تعارض الجرح والتعديل فالتقديم للجرح مطلقاً، وقيل: بل للتعديل عند زيادة المعدلين، ومحل الخلاف إذا أطلقا، أو عين الجارح شيئاً لم ينفه المعدل، أو نفاه لا بيقين، وأما إذا نفاه يقيناً فالمصير إلى الترجيح اتفاقاً - انتهى. فيكون الترجيح ههنا للتعديل لجودة أسانيد الأحاديث من حيث ثقة الرواة وكثرة المعدلين والصححين له كما تقدم. وانظر تفصيل الكلام على الحديث في أبكار المنن (ص١٢،٥) وتحفة الأحوذي (ج١:ص٧١،٧٠) وعون المعبود (ج١:ص٢٤،٢٣) . وفي جعل القلتين حداً فاصلاً بين القليل والكثير كلام حسن للشاه ولي الله الدهلوي في حجة الله البالغة (ج١:ص١٤٧،١٤٦) فعليك أن تراجعها. ٤٨٢- قوله: (بضاعة) بضم الباء وقد كسرها بعضهم، والأول أكثر، وهي دار بني ساعدة بالمدينة، وبئرها معروفة، قاله ياقوت. وقال أبوداود: سمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها، قال: أكثر ما يكون

стр. 585

وهي بئر يلقى فيها الحيض، ولحوم الكلاب، والنتن، فقال رسول الله ﷺ : ((إن الماء طهور لا ينجسه)) رواه أحمد، والترمذي، وأبوداود، والنسائي. ــ فيها الماء إلى العانة. قلت: فإذا نفص؟ قال: دون العورة. قال أبوداود: وقدرت أنا بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته، فإذا عرضها ستة أذرع. وسألت الذي فتح باب البستان فأدخلني إليه: هل غير بناءها عما كانت عليه؟ قال: لا. ورأيت فيها ماء متغير اللون انتهى. (يلقى فيها الحيض) بكسر الحاء وفتح الياء، جمع حيضة بكسر الحاء وسكون الياء، وهي الخرقة التي تستعملها المرأة في دم الحيض. (والنتن) بفتح النون وإسكان التاء، وهو الشيء المنتن ويجوز كسر التاء أيضاً. قيل: عادة الناس دائماً في الإسلام والجاهلية تنزيه المياه وصونها عن النجاسات والأقذار، فلا يتوهم أن الصحابة - وهم أطهر الناس وأنزههم - كانوا يفعلون ذلك عمداً مع عزة الماء فيهم، وإنما ذلك من أجل أن هذه البئر كانت في الأرض المنخفضة، وكانت السيول تحمل الأقذار من الطرق وتلقيها فيها. وقيل: كانت الرياح تلقي ذلك. ويجوز أن تكون السيول والرياح تلقيان جميعاً، فعبر عنه القائل بوجه يوهم أن الإلقاء من الناس لقلة تدينهم، وهذا مما لا يجوزه مسلم، فيكف يظن بالذين هم أفضل القرون، وأزكاهم، وأطهرهم. ذكر هذا المعنى الخطابي في المعالم. (ج١:ص٣٧) والطيبي في شرح المشكوة. (إن الماء طهور) أي: طاهر مطهر. قيل: الألف واللام للعهد الخارجي، فتأويله إن الماء الذي تسألون عنه وهو ماء بئر بضاعة، فالجواب مطابقي لا عموم كلي. (لا ينجسه شئ) قال الخطابي: كان ماء بئر بضاعة، لكثرته لا يؤثر فيه وقوع هذه الأشياء، ولا يغيره. فسألوا رسول الله ﷺ عن شأنها ليعلموا حكمها في الطهارة والنجاسة، فكان من جوابه لهم أن الماء طهور لا ينجسه شيء، يريد الكثير منه الذي صفته صفة ماء هذه البئر في غزارته وكثرة جمامه، لأن السؤال إنما وقع عنها بعينها، فخرج الجواب عليها. وهذا لا يخالف حديث القلتين، إذ كان معلوماً أن الماء في بئر بضاعة يبلغ القلتين، فأحد الحديثين يوافق الآخر، ولا يناقضه، والخاص يقضي على العام، ويبينه، لا ينجسه ولا يبطله - انتهى. وإن كان الألف واللام في قوله: "الماء" للنجس فالحديث مخصص أو مقيد بحديث القلتين، وهما مخصصان بحديث: إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه، وهو وإن كان ضعيفاً فقد وقع الإجماع على معناه كما تقدم. وقال الشاه ولي الله في حجة الله (ج١:ص١٤٧) قوله ﷺ : الماء طهور لا ينجسه شيء، معناه المعادن لا تتنجس بملاقاة النجاسة إذا أخرجت ورميت، ولم يتغير أحد أوصافه، ولم تفحش، وهل يمكن أن يظن ببئر بضاعة أنها كانت تستقر فيها النجاسات. كيف وقد جرت عادة بني آدم بالاجتناب عما هذا شأنه فكيف يستقى بها رسول الله ﷺ ؟ بل كانت تقع فيها النجاسات من غير أن يقصد إلقاءها، كما تشاهد من آبار زماننا، ثم تخرج تلك النجاسات، فلما جاء الإسلام سألوه عن الطهارة الشرعية الزائدة على ما عندهم، فقال رسول الله ﷺ : الماء طهور لا ينجسه شيء يعني لا ينجس نجاسة غير ما عندكم. (رواه أحمد والترمذي) وحسنه. (وأبوداود) وسكت عنه. (والنسائي) وأخرجه أيضاً الشافعي، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، والطحاوي، وصححه أحمد، ويحيى بن معين، وأبومحمد بن

стр. 586

٤٨٣- (٦) وعن أبي هريرة، قال: ((سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ﷺ ! إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : هو الطهور ماؤه ــ حزم، والحاكم، وأعله ابن القطان بجهالة راوية عن أبي سعيد، واختلاف الرواة في اسمه واسم أبيه. وقد رد عليه شيخ النيموى الشيخ عبد الحي اللكنوي في السعاية (ج١:ص٣٦٣) بوجوه، وقد أحسن في الرد وأجاد. وقد أطال شيخنا الكلام في الحديث في أبكار المنن (ص١٣-٢٠) والحافظ في التلخيص (ص٤،٣) فعليك أن تراجع هذه الكتب. ٤٨٣- قوله: (سأل رجل) من بني مدلج، كما في مسند أحمد. قيل: اسمه عبد الله، ذكره الدارقطني، وابن بشكوال، كما في شرح ابن رسلان. وقيل: إسمه عبد، بسكون الباء بلا إضافة. وقال البغوي: بلغني أن إسمه عبدود، هكذا حكاه ابن بشكوال. وقال الطبراني: اسمه عبيد العركي بالتصغير، والعركي بفتح المهملة والراء بعدها كاف هو ملاح السفينة. (إنا نركب البحر) أي: مراكبه من السفن، والمراد به هنا المالح، لأنه المتوهم فيه لملوحته ومرارته ونتن ريحه. وزاد الحاكم نزيد الصيد. وفيه جواز ركوب البحر من غير حج ولا عمرة وجهاد ولا يعارضه ما ورد عند أبي داود: لا تركب البحر إلا حاجاً أو معتمراً أو غازياً، لأنه ضعيف. (ونحمل معنا القليل من الماء) أي: الحلو العذب. وفي رواية إنا ننطلق في البحر، نريد الصيد، فيحمل أحدنا معه الأدواة، وهو يرجو أن يأخذ الصيد قريباً، فربما وجده كذلك، وربما لم يجد الصيد حتى يبلغ من البحر مكاناً لم يظن أن يبلغه، فلعله يحتلم أو يتوضأ، فإن اغتسل أو توضأ بهذا الماء، فلعل أحدنا يهلكه العطش، فهل ترى في ماء البحر أن نغتسل به، أو نتوضأ به، إذا خفنا ذلك؟ وكأن السائل لما رأى ماء البحر خالف المياه بملوحة طعمه ونتن ريحه توهم أنه غير مراد من قوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ أي: بالماء المعلوم إرادته من قوله: ﴿فاغسلوا﴾ أو أنه لما عرف من قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهوراً﴾ ظن اختصاصه فسأل عنه، فأفاده ﷺ الحكم بقوله: (هو) أي: البحر يعني مكانه. (الطهور) بفتح الطاء أي: الطاهر المطهر. (ماءه) قوله: هو مبتدأ، والطهور مبتدأ ثان، خبره ماءه، والجملة خبر المبتدأ الأول. ويحتمل أن يكون هو مبتدأ، والطهور خبراً، وماءه فاعله، والمعنى: أن ماءه طاهر في ذاته، مطهر لغيره، لا يخرج عن الطهورية بحال إلا ما تقدم من تخصيصه بما إذا تغير أحد أوصافه بوقوع النجاسة، ولم يقل في جوابه نعم، مع حصول الغرض به ليقرن الحكم بعلته وهي الطهورية المتناهية في بابها. وقيل: لو أجابهم بنعم، لصار مقيداً بحال الضرورة لأنه عليه وقع سؤالهم وليس كذلك. وقيل: لو قال: نعم، لم يستفد منه من حيث اللفظ إلا جواز الوضوء الذي وقع السؤال عنه. وإذا قال: الطهور، الخ. أفاد جواز رفع جميع الأحداث وإزالة الأنجاس به لفظاً. وفي الحديث جواز الطهارة بماء البحر، وبه قال جميع العلماء، إلا ما روى عن ابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص: أنه لا يجزئ التطهر به، وهذا رأيهما إن صح السند إليهما. ولا حجة في أقوال الصحابة لا سيما إذا

стр. 587

والحل ميتته)) . رواه مالك، والترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي. ٤٨٤- (٧) وعن أبي زيد، عن عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال له ليلة الجن: ((ما في إداوتك؟ قال: قلت: نبيذ، ــ عارضت المرفوع. وتعريف الطهور باللام الجنسية المفيدة للحصر لا ينفي طهورية غيره من المياه، لوقوع ذلك جواباً لسؤال من شك في طهورية ماء البحر من غير قصد للحصر. وقيل: التعريف ههنا للدلالة على انحصار المسند إليه في المسند. قال الطيبي: تعريف الطرفين للحصر لإفادة أنه يتجاوز إلى النجاسة. (والحل) بكسر الحاء مصدر حل الشيء ضد حرم أي: الحلال. (ميتته) بفتح الميم، والجملة عطف على "الطهور ماءه". والمراد "بميتته" ما مات فيه من دوابه مما لا يعيش إلا فيه لا ما مات فيه مطلقاً، فإنه وإن صدق عليه لغة أنه ميتة بحر، فمعلوم أنه لا يراد إلا ما ذكرنا. وظاهره حل كل ما مات فيه ولو كان كالكلب والخنزير، وفيه اختلاف، وسيأتي بيانه وتحقيق الراجح فيه في محله. قال الرافعي: لما عرف ﷺ اشتباه الأمر على السائل في ماء البحر أشفق أن يشتبه عليه حكم ميتته، وقد يبتلى بها راكب البحر، فعقب الجواب عن سؤاله ببيان حكم الميتته. وقيل: سأله عن ماءه فأجابه عن ماءه، وطعامه، لعلمه بأنه قد يعوزهم الزاد فيه، كما يعوزهم الماء فلما جمعتهم الحاجة انتظم الجواب بهما، وفيه أن المفتي إذا سئل عن شيء، وعلم أن للسائل حاجة إلى ذكر ما يتصل بمسألته استحب تعليمه إياه لأن الزيادة في الجواب بقوله: "الحل ميتته" لتتميم الفائدة، وهي زيادة تنفع لأهل الصيد، وكان السائل منهم، وهذا من محاسن الفتوى. (رواه مالك والترمذي) وقال: حديث حسن صحيح. (وأبوداود) وسكت عنه. (والنسائي، وابن ماجه، والدارمي) وأخرجه أيضاً الشافعي وأحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني وابن الجارود والبيهقي وابن أبي شيبة وصححه ابن المنذر وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن مندة والبغوي وابن الأثير في شرح المسند وابن الملقن في البدر المنير والخطابي والطحاوي وآخرون. وقال الحافظ في تهذيب التهذيب (ج٤:ص٤٢) صحح البخاري فيما حكاه عنه الترمذي في العدل المفرد حديثه - انتهى. وانظر متابعاته وشواهده في المستدرك للحاكم، وقد أعلمه بعضهم بما هو مدفوع، إن شئت الوقوف عليه فارجع إلى النيل (ج١:ص١٦:١٥) . ٤٨٤- قوله: (وعن أبي زيد) المخزومي مولى عمرو بن حريث، وقيل: أبوزائد، أو أبوزيد بالشك. قال ابن عبد البر: اتفقوا على أنه مجهول. وقال الترمذي: هو مجهول عند أهل الحديث، يعني أنه مجهول الحال. (ليلة الجن) هي الليلة التي جاءت الجن إلى رسول الله ﷺ وذهبوا به إلى قومهم ليتعلموا منه الدين وأحكام الإسلام. (ما في أدواتك) أي: أي شيء في مطهرتك؟ في النهائية الأدواة بالكسر إناء صغير من جلد. (قال) أي: ابن مسعود. (قلت: نبيذ) بفتح النون وكسر الباء، ماء ألقي فيه تمرات حتى صار حلواً رقيقاً غير مسكر مطبوخاً كان أو غير مطبوخ. قال الجزري: النبيذ ما

стр. 588

قال: تمرة طيبة وماء طهور. رواه أبوداود، وزاد أحمد، والترمذي. فتوضأ منه. وقال الترمذي: أبوزيد مجهول. ــ يعمل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير، نبذت التمر والعنب إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذاً، وانتبذته اتخذته نبيذاً سواء كان مكسراً أم لا. (تمرة طيبة وماء طهور) أي: النبيذ ليس إلا تمرة وهي طيبة، وماء وهو طهور، فلا يضر اختلاطها، وليس فيه ما يمنع التوضئ. (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً ابن ماجه والدارقطني والبيهقي والطحاوي. (وزاد أحمد والترمذي فتوضأ منه) فيه دليل على أن التوضؤ بالنبيذ جائز، لكن الحديث ضعيف جداً لا يصلح للاحتجاج، كما ستعرف. واعلم أنه إذا ألقى في الماء تمرات فتغير طعمه وصار حلواً لكن كان رقيقاً يسيل على الأعضاء كالماء غير مطبوخ ولا مسكر جاز الوضوء به عند الحنفية مطلقاً، سواء وجد الماء أو لا، خلافاً للأئمة الثلاثة، وهي مسألة الماء المضاف أي: المقيد المخلوط بالشيء، وهذا أحد أقسام النبيذ الأربعة، ولا خلاف في جواز الوضوء به عند أئمة الحنفية. والثاني: ما ألقى فيه تمرات حتى صار حلواً رقيقاً وطبخ ولم يسكر، ولا يجوز الوضوء به عند الأئمة الثلاثة مطلقاً كالأول، واختلف فيه أئمة الحنفية، قال ابن عابدين: لا يجوز به الوضوء في الصحيح كما في المبسوط، ورجح غيره الجواز. وقال الجصاص: عن أبي حنيفة في ذلك ثلاث روايات، إحداها: يتوضأ به ويشترط فيه النية، ولا يتيمم، وهذه هي المشهورة. وقال قاضي خان: هو قوله الأول، وبه قال زفر. والثانية: يتيمم ولا يتوضأ، رواها عنه نوح بن أبي مريم، وأسد بن عمر والحسن بن زياد، قال قاضي خان: وهو الصحيح عنه، والذي رجع إليها، وبها قال أبويوسف وأكثر العلماء، واختار الطحاوي هذا. والثالثة: روى عنه الجمع بينهما، وهذا قول محمد – انتهى. والثالث: من أنواع النبيذ ما أسكر ولا خلاف في عدم جواز الوضوء به. والرابع: ما ألقي فيه تمرات ولم يتغير أي لم يحل، وهذا مما لا خلاف في جواز الوضوء به. وقد ظهر من هذا التفصيل أن محل الاختلاف بين الأئمة الثلاثة وبين أبي حنيفة إنما هو القسمان الأولان والحق في ذلك قول الجمهور لأن النبيذ ليس بماء، وقال تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً﴾ . واحتج لأبي حنيفة بحديث ابن مسعود هذا، وقد أجاب الجمهور عنه بأنه ضعيف لا يصح الاحتجاج به. قال القاري في المرقاة (ج١:ص٣٤٤) : قال السيد جمال الدين: أجمع المحدثون على أن هذا الحديث ضعيف. وقال الحافظ في الفتح: هذا الحديث أطبق علماء السلف على تضعيفه – انتهى. وقال النووي: حديث النبيذ ضعيف باتفاق المحدثين. قلت: وضعفه العلماء لوجوه: منها أن في سنده أبازيد وهو مجهول قاله البخاري، وأبوأحمد الحاكم والترمذي وأبوزرعة وابن حبان وأبواسحق الحربي وابن عدى والنووي والبيهقي والحافظ وآخرون. وقال ابن عبد البر: اتفقوا على أن أبا زيد مجهول وأجاب عنه بعض الحنفية بأن جهالة أبي زيد لا تقدح في ثبوت الحديث بعد ورود المتابعات له، فقد تابعه جماعة عن ابن مسعود. قال العيني (ج٣:ص١٨٠) : روى هذا الحديث أربعة عشر رجلاً عن ابن مسعود كما رواه أبوزيد. الأول أبورافع

стр. 589

عند الطحاوى (ج١:ص٥٧) والحاكم. والثاني: رباح أبوعلي عند الطبراني في الأوسط. الثالث: عبد الله بن عمر عند أبي موسى الأصبهاني في كتاب الصحابة. الرابع: عمرو البكالي عند أبي أحمد في الكنى بسند صحيح. الخامس: أبوعبيدة بن عبد الله بن مسعود. والسادس: أبوالأحوص، وحديثهما عند محمد بن عيسى المدائني. فإن قلت: قال البيهقي: محمد بن عيسى المدائني واهي الحديث، والحديث باطل، قلت: قال البرقاني فيه: ثقة لا بأس به، وقال اللالكائي: صالح ليس يدفع عن السماع. السابع: عبد الله بن مسلمة عند الحافط أبي الحسن بن المظفر في كتاب غرائب شعبة. الثامن: قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عند ابن المظفر أيضاً بسند لابأس به. التاسع: عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي عند الإسماعيلي في جمعه حديث يحيى بن أبي كثير عن يحيى عنه. العاشر: عبد الله بن عباس عند ابن ماجه والطحاوي. الحادي عشر: أبووائل شقيق بن سلمة عند الدارقطني. الثاني عشر: ابن عبد الله، رواه أبوعبيدة بن عبد الله، عن طلحة بن عبد الله، عن أبيه أن أباه حدثه. الثالث عشر: أبوعثمان بن سنة عند أبي حفص بن شاهين في كتاب الناسخ والمنسوخ من طريق جيدة وخرجها الحاكم في مستدركه. الرابع عشر: أبوعثمان النهدى عند الدورقي في مسنده بطريق لا بأس بها - انتهى كلام العيني. قلت: لم يذكر العيني أسانيد هذه المتابعات حتى يعرف حالها وأنها تصلح للمتابعة أم لا. ولا يكفي تصحيحه لبعض تلك الأحاديث لأنه ليس من أهل هذا الشأن، فلا يعتمد على تصحيحه أبداً. وأنا أذكر الكلام في بعضها حسبما وقفت عليه فأقول: أما حديث أبي رافع عن ابن مسعود فقد رواه أيضاً أحمد (ج١:ص٤٥٥) ، والدارقطني (ص٢٨) ، وفي سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، قاله الدارقطني وغيره. قال صاحب العرف الشذى لم آخذ حديثه في باب الوضوء بالنبيذ لكونه سيء الحفظ. وأما حديث رباح أبي علي فأخرجه أيضاً البيهقي من طريق موسى بن علي بن رباح عن أبيه، عن ابن مسعود، وفيه أبوعبد الرحمن محمد بن الحسين، وروح بن الصلاح، وهما ضعيفان على أنه ليس فيه ذكر الوضوء بالنبيذ، وأما حديث عبد الله بن عمر وأماحديث عمرو البكالي فلعله هو ما أخرجه أحمد في مسنده (ج١:ص٣٩٩) في حديث طويل لكن ليس فيه ذكر الوضوء بالنبيذ. وأما حديث أبي عبيده بن عبد الله بن مسعود، وأبي الأحوص فأخرجه أيضاً الدارقطني من حديث محمد بن عيسى بن حيان، عن الحسن بن قتيبة، عن يونس بن أبي اسحق، قال الدارقطني: تفرد به الحسن بن قتيبة عن يونس، والحسن بن قتيبة، ومحمد بن عيسى ضعيفان، وقال الدارقطني: لا يصح. وأما حديث عبد الله بن مسلمة وأما حديث قابوس بن أبي ظيبان فأخرجه أيضاً الطحاوي، وقابوس هذا فيه لين، على أنه ليس في حديثه ذكر الوضوء بالنبيذ. وأما حديث عبد الله بن عمرو بن غيلان فأخرجه أيضاً ابن جرير، وعبد الله بن عمرو هذا لا يعرف بجرح ولا تعديل. وأخرجه الدارقطني (ص٢٩) ، عن معاوية بن سلام، عن أخيه زيد، عن جده أبي سلام عن ابن غيلان الثقفي أنه سمع عبد الله بن مسعود. قال الدارقطني: وابن غيلان هذا مجهول، قيل: اسمه عمرو، وقيل: عبد الله بن عمرو بن غيلان، ورواه أبونعيم في دلائل النبوة مطولاً من طريق الطبراني بسنده إلى معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام عن من حدثه عمرو بن غيلان الثقفي. قال ابن كثير: هذا إسناد غريب جداً، ولكن فيه رجل مبهم

стр. 590

لم يسلم. قلت: ومع ذلك ليس في رواية أبي نعيم هذه ذكر الوضوء بالنبيذ. وأما حديث عبد الله بن عباس فأخرجه أيضاً أحمد (ج١:ص٣٩٨) والدارقطني (ص٢٨) والطبراني في معجمه والبزار في مسنده، وفيه ابن لهيعة، وقد تفرد به، وهو ضعيف الحديث. وأما حديث أبي وائل ففيه الحسين بن عبيد الله العجلي، قال الدارقطني: يضع الحديث على الثقات - انتهى. ولم يذكر العيني كلام الدارقطني هذا، فإن كان لا يدري فتلك مصيبة ... ... وإن كان يدري فالمصيبة أعظم وأما حديث ابن عبد الله، فلم يذكر العيني من خرجه، فلا يدري في أي كتاب هو وكيف هو. وأما حديث أبي عثمان بن سنة الخزاعي، فأخرجه أيضاً ابن جرير، وليس فيه ذكر الوضوء بالنبيذ. وأما حديث أبي عثمان النهدي فلعله هو ما رواه البيهقي عنه أن ابن مسعود أبصر زطافي بعض الطريق، الحديث، أو ما رواه الترمذي في أبواب الأمثال من جامعه. وليس فيهما ذكر الوضوء بالنبيذ. ومن وجوه تضعيف حديث ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ أن أبا زيد هذا كان نباذاً، قال الحافظ في تهذيب التهذيب (ج١:ص١٠٢) قال أبوداود: كان أبوزيد نباذاً بالكوفة. ومنها أن أبا زيد لا يعرف سماعه من ابن مسعود قال البخاري: أبوزيد مجهول لا يعرف بصحبة عبد الله، وقال ابن المديني: أخاف أن لا يكون أبوزيد سمعه من عبد الله. وقال أبوحاتم: لم يلق أبوزيد عبد الله. ومنها أن الراوي عن أبي زيد أبا فزارة راشد بن كيسان العبسي قال ابن حبان فيه: أنه مستقيم الحديث إذا كان فوقه ودونه ثقة، فأما مثل أبي زيد مولى عمرو بن حريث الذي لا يعرفه أهل العلم فلا. كذا في تهذيب التهذيب (ج٣ص٢٢٧) . ومنها أنه معارض بما هو أقوى منه، وهو ما روى مسلم عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لم أكن ليلة الجن مع النبي ﷺ ، فهذا نص على أن ابن مسعود لم يشهد ليلة الجن، فلم يكن ما روى عنه في الوضوء بالنبيذ في هذه الليلة ثابتاً. قال الطحاوي: إن حديث ابن مسعود روي من طريق لا تقوم بمثلها حجة. وقد قال عبد الله بن مسعود: إني لم أكن ليلة الجن مع النبي ﷺ ، وددت أني كنت معه. وسئل أبوعبيدة هل كان أبوك ليلة الجن مع النبي ﷺ ؟ فقال لا. مع أن فيه انقطاعاً، لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، ولم نعتبر فيه اتصالاً ولا انقطاعاً، ولكنا احتججنا بكلام أبي عبيدة لأن مثله في تقدمه في العلم ومكانه من أمره لا يخفى عليه مثل هذا، فجعلنا قوله حجة فيه. ذكره الزيلعي في نصب الراية (ج١: ص١٤٦) قال بعض الحنفية: إن ليلة الجن كانت غير مرة، فإنكار المعية في مرة من تلك المرات لا يستلزم إنكار معيته في التارة الأخرى. وذكر بعضهم أنه وقع ذهاب رسول الله ﷺ إلى الجن في مكة ثلاث مرات، لم يحضر ابن مسعود أول مرة منها، وهي التي نفى ابن مسعود حضوره فيها في رواية مسلم، وحضرها في المرتين الأخريين، مرة بالحجون جبل بمكة، ومرة بأعلى مكة قد غاب ﵇ في الجبال فيها، ووقع في المدينة أيضاً ثلاث مرات، منها واقعة بقيع الغرقد، قد حضرها ابن مسعود، كما رواه أبونعيم في دلائل النبوة. قلت: المشهور عند الصحابة والتابعين من ليلة الجن هي ليلة واحدة فقط ولم يحضرها ابن مسعود وأما بقية المرات التي يقال إنه حضرها هو فلم تثبت. وجمع بعضهم بأن ابن مسعود لم يكن عند المخاطبة وتعليم الأحكام، وإنما كان بعيداً منه. قلت: إنما يحتاج إلى الجمع إذا تساوت طرق الحديث في القوة, وتعارضت. وأما إذا كان أحدها

стр. 591

ضعيفاً والآخر قوياً فلا، لعدم التعارض حينئذٍ، بل يقدم القوي على الضعيف، لأن القوي لا يؤثر فيه مخالفة الضعيف، وأيضاً قد نفى ابن مسعود شهوده ليلة الجن مطلقاً، ولم يقيده بحال دون حال، فتخصيص إنكاره بوقت دون وقت من غير قرينة مما لا يصغي إليه. وقال بعضهم إن حديث النفي قد أسقط الرواة منه حرفاً. قال ابن قتيبة في مختلف الحديث (ص١١٩) بعد ما ذكر حديثاً أسقط الرواة منه حرفاً فاختل بسببه المعنى: وهذا مثل قول ابن مسعود في ليلة الجن: ما شهدها أحد غيري، فأسقط الراوي"غيري" قلت: هذه مجرد دعوى من غير بينه ولا برهان، فلا يلتفت عليها، فإن نسبة الغلط والإسقاط إلى الثقات العدول من غير دليل مما يرفع الأمان من السنن النبوية، وأما الاستشهاد على ذلك بما رواه الحاكم في المستدرك (ج٢:ص٥٠٣) عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه وهو بمكة:" من أحب منكم أن يحضر الليلة أمر الجن فليفعل، فلم يحضر منهم أحد غيري"، الحديث. ففيه أن في سنده أبا عثمان بن سنة الشامي، وهو مجهول، قال أبوزرعة: لا أعرفه. وقال الذهبي في الميزان: ما أعرف روى عنه غير الزهري- انتهى. ولذا لم يصححه الحاكم. وقال الذهبي في تلخيصه: هو صحيح عند جماعة- انتهى. ولم يذكر الذهبي أسماء الجماعة حتى يعرف مرتبتهم في تصحيح الحديث وتضعيفه، ولو سلم صحته فهو مخالف ومناقض لما هو أقوى منه أن ابن مسعود قال: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله ﷺ ، على أنه ليس في رواية الحاكم هذه ذكر الوضوء بالنبيذ. وقال بعضهم: إن المثبت مقدم على النافي. قلت: هذا إذا كانت رواية الإثبات مساوية لرواية النفي في القوة والصحة، وأما إذا كانت رواية الإثبات ضعيفة، فالترجيح لرواية النفي لقوتها وصحتها. وقد علمت أن رواية إنكار ابن مسعود لشهوده ليلة الجن صحيحة لا تقاومها رواية الإثبات. ومن وجوه الطعن في حديث ابن مسعود هذا أنه مخالف لكتاب الله، لأن الله تعالى قال: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيباً﴾ ، والنبيذ ليس بماء. قال الزيلعي في نصب الراية (ج١:ص١٤٦) أنه ﵇ قال: هل معك ماء؟ قال: لا. فدل على أن الماء استحال في التمر حتى سلب عنه اسم الماء وإلا لما صح نفيه عنه- انتهى. أو يقال: إن ماء النبيذ لا يسمى ماء مطلقاً، فواجده ليس واجد ماء، فيجب عليه التيمم بنص الكتاب، وعلى تقدير صحة الحديث كان ينبغي لأولئك أن يؤولوا هذا الحديث ليوافق الآية، على أن تلك التمرات الملقاة في الماء لم تغيره، وتسمية ابن مسعود له نبيذاً من المجاز الأول، أو المراد به الوضع اللغوي وهو ما ينبذ فيه شيء وإن لم يغيره وأجاب أيضاً الجمهور عن حديث ابن مسعود هذا بأنه لو كان صحيحاً وهو غير صحيح، فهو من أحاديث الآحاد، فلا يعارض الكتاب ولو صلح معارضاً لكان منسوخاً بآيتي النساء والمائدة، لأنهما مدنيتان بلا خلاف. وحديث ابن مسعود هذا إنما زعم رواته أنه كان ليلة الجن في مكة وهي قبل الهجرة. قال السندهي: قد اعترف المحققون كالنووي، والتوربشتي، والمحقق ابن الهمام بقوة هذا الكلام، وقال المحقق: إنه الذي مال إليه المتأخرون-انتهى. وقال صاحب البذل (ج١:ص٥٥) بعد ذكر رواية التيمم عن أبي يوسف: وهي الرواية المرجوع إليها عن أبي حنيفة وقوله الأخير، وعليه الفتوى، واختاره الطحاوي، وهو المذهب المصحح المختار عندنا، لأن الحديث وإن صح آية التيمم ناسخة له إذ هي مدنية- انتهى. وقال الطحاوي في شرح الآثار (ج١:ص٥٨) قد أجمع الناس على أنه لا يجوز الوضوء به أي:

стр. 592

٤٨٥- (٨) وصح عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: ((لم أكن ليلة الجن مع رسول الله ﷺ )) . رواه مسلم. ٤٨٦- (٩) وعن كبشة بنت كعب بن مالك - وكانت تحت ابن أبي قتادة - أن أباه قتادة دخل عليها، فسكبت له وضوءاً، فجاءت هرة تشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ ــ بالنبيذ مع وجود الماء، فكذلك هو عند فقد الماء. والمروى في حديث ابن مسعود أنه توضأ به إنما هو، وهو ﵇ غير مسافر، لأنه خرج من مكة يريدهم، فهو في حكم استعماله له بمكة، فلو ثبت ذلك جاز الوضوء به في حال وجود الماء فلما أجمعوا على خلاف ذلك ثبت طرحهم لهذا الحديث، وهو النظر عندنا- انتهي ملخصاً. ٤٨٥- قوله: (عن علقمة) هو علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ثقة، ثبت، فقيه، عابد، من كبار التابعين، كان أعلم الناس وأشبههم هدياً ودلاً وسمتاً بابن مسعود، مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين. (لم أكن ليلة الجن مع رسول الله ﷺ ) لا عند المخاطبة وتعليم الأحكام إياهم، ولا قبل ذلك، ولا بعد. قال ابن مسعود: ووددت أني كنت معه. وفيه رد على ابن قتيبة وغيره ممن تأويل الحديث بأنه لم يكن منا أحد أي: غيري. (رواه مسلم) من طريق أبي معشر عن إبراهيم عن علقمة في باب الجهر بالقراءة في الصبح، والقراءة على الجن من كتاب الصلاة. وأخرجه أحمد ومسلم فيه والترمذي في تفسير سورة الأحقاف من طريق داود عن الشعبي، عن علقمة مطولاً، وأبوداود في الطهارة مختصراً. ٤٨٦- قوله: (وعن كبشة) بفتح الكاف وسكون الموحدة بعدها شين معجمة. (بنت كعب بن مالك) الأنصارية زوجة عبد الله بن أبي قتادة، قال ابن حبان: لها صحبة. وتبعه الزبير بن بكار، وأبوموسى، والمستغفري، وقال الخزرجي في الخلاصة، والحافظ في اللسان (ج٦:ص٨٦٠) : وثقها ابن حبان وصحح الترمذي حديثها. (وكانت تحت ابن أبي قتادة) أي: كانت زوجة ولده عبد الله، وهو عبد الله بن أبي قتادة السلمي الأنصاري المدني ثقة من أوساط التابعين، توفي سنة (٩٥) ، روى عن أبيه وجابر، وعنه جماعة. (أن أباقتادة) تقدم ترجمته. (دخل عليها) أي: على كبشة. (فسكبت) بصيغة المتكلم، ففي رواية الترمذي: قالت: فسكبت له، ويحتمل أن يكون بسكون التاء على التأنيث. (له) أي: لأبي قتادة. (وضوء) بفتح الواو أي: ماء الوضوء في إناء. (تشرب منه) أي: تريد الشرب من الماء الذي كان في الإناء، والجملة حال أو صفة. (فأصغى لها الإناء) أي: أماله للهرة ليسهل عليها الشرب. (فرآني أنظر إليه) أي: فرآني أبوقتادة والحال أني أنظر إلى شرب الهرة الماء من الإناء نظر المنكر المتعجب، أو أنظر إلى فعل أبي قتادة متعجبة، فقال أبوقتادة: (أتعجبين؟) أي: بشربها من وضوئي، أو بإصغائي لها الإناء. (يا ابنة أخي) المراد أخوة الإسلام. ومن عادة العرب

стр. 593

قالت: فقلت: نعم. فقال: إن رسول الله ﷺ قال: ((إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات)) . رواه مالك، وأحمد، والترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجة، والدارمي. ــ أن يدعوا بيا ابن أخي، ويا ابن عمي، وإن لم يكن أخاً أو عماً له في الحقيقة. (فقلت: نعم) أتعجب منه. (فقال) أي: لا تعجبي (إن رسول الله ﷺ قال: إنها ليست بنجس) بفتح الجيم، قاله المنذري، والنووي وابن دقيق العيد، وابن سيد الناس. وقال السندي: بفتحتين مصدر نجس الشيء بالكسر، فلذلك لم يؤنث كما لم يجمع في "إنما المشركون نجس" والصفة منه نجس بكسر الجيم وفتحها. ولو جعل المذكور في الحديث صفة يحتاج التذكير إلى التأويل، أي: ليست ينجس ما تلغ فيه - انتهى. وذكر الكازروني: أن بعض الأئمة قال: هو بفتح الجيم. والنجس النجاسة، فالتقدير: إنها ليست بذات نجس. وفيما سمعنا وقرأنا على مشائخنا هو بكسر الجيم، وهو القياس، أي: ليست بنجسة، ولم يلحق التاء نظراً إلى أنها بمعنى السنور. (إنها) استيناف فيه معنى التعليل. (من الطوافين عليكم أو الطوافات) قيل: هو شك من الراوي، وقيل: ليست للشك لوروده بالواو في رواية أبي داود وغيره، بل للتنويع، ويكون ذكر الصنفين من الذكور والإناث يريد أن هذا الحيوان لا يخلو أن يكون من جملة الذكور الطوافين أو الإناث الطوافات. ومحصل الكلام أنه شبه ذكور الهر بالطوافين وإناثها بالطوافات، والجمع بالواو والنون في الذكور تشبيهاً له بالعبيد والخدم العقلاء الذي يدخلون على الإنسان ويطوفون حوله للخدمة، كقوله تعالى: ﴿طوافون عليكم﴾ [٥٨:٢٤] وهذا إشارة إلى علة الحكم بطهارتها، وهي أنها كثيرة الدخول والاتصال بأهل المنزل وبما في منزلهم، ففي الحكم بنجاستها حرج، وهو مدفوع. والحديث دليل على أن ذات الهرة طاهرة، وأن سؤرها غير نجس، وأن الوضوء منه وكذا الشرب غير مكروه، وحديث عائشة الآتي نص في ذلك. وفيه رد على من قال: إن سؤر الهرة مكروه بكراهة تحريمية أو تنزيهية. وارجع للتفصيل إلى شرح الترمذي لشيخنا الأجل المباركفوري. (رواه مالك) عن اسحق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن كبشة. قال البخاري: جود مالك بن أنس هذا الحديث، وروايته أصح من رواية غيره. وقال الحاكم: قد صحح مالك هذا الحديث، واحتج به في موطئه، وقد شهد البخاري ومسلم لمالك أنه الحكم في حديث المدنيين، فوجب الرجوع إلى هذا الحديث في طهارة الهرة. (وأحمد والترمذي) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وهذا أحسن شيء في هذا الباب. وقد جود مالك هذا الحديث عن اسحق بن عبد الله، ولم يأت به أحد أتم من مالك. (وأبوداود) وسكت عنه، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وكلام البخاري، وأقرهما. (والنسائي وابن ماجه والدارمي) وأخرجه أيضاً الشافعي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني، والبيهقي. قال الحافظ: وصححه البخاري، والعقيلي، والدارقطني، وابن خزيمة.

стр. 594

٤٨٧- (١٠) وعن داود بن صالح بن دينار، عن أمه، أن مولاتها أرسلتها بهريسة إلى عائشة. قالت: فوجدتها تصلي، فأشارت إلى أن ضعيها. فجاءت هرة فأكلت منها. فلما انصرفت عائشة من صلاتها، أكلت من حيث أكلت الهرة. فقالت: إن رسول الله ﷺ قال: ((إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم. وإني رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ بفضلها)) . رواه أبوداود. ــ ٤٨٧- قوله: (وعن داود بن صالح بن دينار) التمار المدني مولى الأنصار، قال أحمد: لا أعلم به بأساً. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الحافظ: صدوق من صغار التابعين، روى عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، والقاسم، وسالم، وأبي سلمة، وأبيه صالح، وأمه وغيرهم. (عن أمه) أي: والدة داود بن صالح، وهي مجهولة لم يذكرها إلا الذهبي في الميزان، فقال في آخر كتابه في من لم تسم من النساء: والدة داود بن صالح التمار عن عائشة، وعنها ابنها، ولم يزد على ذلك، وهذا ظاهر في أنها لا تعرف. (أن مولاتها) أي: مولاة أمه أي: معتقة أم داود بصيغة المعلوم ولم تسم أيضاً. (أرسلتها) أي: أم داود (بهريسة) فعلية بمعنى مفعولة، هرسها من باب قتل أي: دقها، وفي النوادر الهريس الحب المدقوق بالمهراس قبل أن يطبخ فإذا طبخ فهو الهريسة بالهاء، وفي بعض كتب اللغة الهريس والهريسة طعام يعمل من الحب المدقوق واللحم. (قالت) أي: أمه. (فوجدتها) أي: عائشة. (فأشارت) أي: عائشة باليد أو بالرأس. (أن ضعيها) أي: الهريسة وأن مفسرة لمعنى القول في الإشارة. وفيه إن مثل هذه الأشياء جائزة في الصلاة، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة الإشارة في الصلاة عن النبي ﷺ . وسيأتي الكلام في هذه المسألة في موضعها إن شاءالله تعالى. (فأكلت منها) أي: بعضها (أكلت من حيث أكلت الهرة) أي: من محل أكلها. (إنها من الطوافين عليكم) قال القاري: ظاهره أن أو فيما تقدم للشك، ويمكن أن يكون هنا اقتصاراً، أو يحمل على التغليب. (وإني رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ بفضلها) أي: بسؤر الهرة وفيه رد صريح على الطحاوي حيث قال في الجواب عن حديث أبي قتادة المتقدم: أنه محمول على مماسة الثياب وغيرها، فإن المرفوع منه قوله ﵇: ليست بنجس، لا يثبت طهارة سؤرها، والاصغاء فعل أبي قتادة، مستدلاً بهذا المرفوع، لأن حديث عائشة هذا نص في أن التوضوء بسؤرها من فعل النبي ﷺ ، على أن قوله ﷺ : ليست بنجس، ظاهر في طهارة ذاتها وطهارة سؤرها المتولد من لحمها الطاهر، وهو الذي فهمه أبوقتادة وعائشة، مع أنه لا دليل فيه على حمله على مماسة الثياب، فجواب الطحاوي مردود عليه لبطلانه. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه أيضاً الدارقطني، والبيهقي كلهم من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن داود. قال الدارقطني رفعه الدراوردي عن داود بن صالح، ورواه عنه هشام بن عروة موقوفاً على عائشة – انتهى. قلت: عبد العزيز الدراوردي صدوق، وثقه مالك والنسائي وابن معين وابن سعد، وغيرهم. نعم في سنده أم داود، وهي مجهولة. وفي الباب أحاديث أخرى

стр. 595

٤٨٨- (١١) وعن جابر، قال: ((سئل رسول الله ﷺ : أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: نعم وبما أفضلت السباع كلها)) . رواه في شرح السنة. ٤٨٩- (١٢) وعن أم هانئ، قالت: ((اغتسل رسول الله ﷺ هو وميمونة في قصعة فيها اثر العجين)) . ــ عن عائشة، وأنس، ذكرها الزيلعي في نصب الراية، والهيثمي في مجمع الزوائد، وهي تؤيد حديث الدراوردي، عن داود، عن أمه، عن عائشة. ٤٨٨- قوله: (بما أفضلت الحمر) أي: الأهلية، بضمتين جمع حمار، أي: أبقته من فضالة الماء الذي تشربه. (وبما أفضلت السباع كلها) فيه دليل على طهارة سؤر الحمر والسباع خلافاً لمن قال: إن سؤر السباع كلها نجس، وسؤر الحمار مشكوك، قالوا: الحديث محمول على الحياض والغدران، أي: الماء الكثير وإلا لزم طهارة سؤر الكلاب أيضاً، لأن التأكيد بكل يجعل العام محكماً في العموم، فلا يقبل التخصيص. وقال من ذهب إلى طهارة سؤر السباع: إن الكلب والخنزير مخصوصان من عموم الحديث بالأدلة الأخرى القاضية بنجاستها. والحديث عام للأواني الصغيرة والحياض في الفلوات، فتخصيصه بالحياض تخصيص من غير دليل. وحديث القلتين لا يدل على نجاسة سؤر السباع كما ظن هؤلاء، فإن منشأ السؤال أن المعتاد من السباع إذا وردت المياه أن تخوض فيها وتبول، وربما لا تخلوا أعضائها من لوث أبوالها ورجعيها. وأيضا جوابه ﷺ في حديث القلتين عموم كلي لا مطابقي فتأمل. (رواه في شرح السنة) وأخرجه أيضاً الشافعي (ص٣) والدارقطني (ص٢٣) والبيهقي في المعرفة، وفي السنن (ج١:ص٢٤٩) وقال: له أسانيد إذا ضم بعضها إلى بعض كانت قوية قاله الشوكاني. قلت: الحديث رواه الدارقطني من طريقين، في أحدهما إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وهو متروك، وفي الثاني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة هو ضعيف، وقد ضعف الدارقطني هذا الحديث بسببهما. ٤٨٩- قوله: (وعن أم هانئ) بالهمزة هي بنت أبي طالب الهاشمية، اسمها فاختة، وقيل: هند. وهي شقيقة علي وإخوته، كان رسول الله ﷺ خطبها في الجاهلية، وخطبها هبيرة بن أبي وهب، فزوجها أبوطالب من هبيرة، وأسلمت يوم الفتح، ففرق الإسلام بينها وبين هبيرة. وخطبها النبي ﷺ ، فقالت: والله إن كنت لأحبك في الجاهلية، فكيف في الإسلام، ولكني امرأة مصبية، فسكت عنها. لها ستة وأربعون حديثا، اتفقا على حديث، روى عنها جماعة. (اغتسل رسول الله ﷺ هو وميمونة) بالرفع، وقيل: بالنصب. (في قصعة) أي: من قصعة، وهي بفتح الكاف وسكون الصاد ظرف كبير. (فيها أثر العجين) هو الدقيق المعجون بالماء، من عجن الدقيق. (من بابي ضرب ونصر) اعتمد عليه بجمع كفه يغمزه، والظاهر أن أثر العجين في تلك القصعة لم يكن كثيراً مغيراً للماء، وهذا يدل على أن الطاهر القليل لا

стр. 596

رواه النسائي وابن ماجه. ﴿الفصل الثالث﴾ ٤٩٠- (١٣) عن يحيى بن عبد الرحمن، قال: ((إن عمر خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضاً. فقال عمرو: يا صاحب الحوض! هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض! لا تخبرنا، فإنا نرد على السباع وترد علينا)) . رواه مالك. ــ يخرج الماء عن الطهورية، ولا حجة فيه لمن ذهب إلى جواز التطهر بالماء المضاف كما لايخفي. (رواه النسائي وابن ماجه) وسنده حسن، أو صحيح، وأخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه. ٤٩٠- قوله: (عن يحيى بن عبد الرحمن) بن حاطب بن أبي بلتعة اللخمي يكنى أبا محمد، ويقال: أبابكر المدني ثقة من أوساط التابعين، ولد في خلافة عثمان، ومات سنة (١٠٤) قال ابن سعد: كان ممن أدرك علياً وعثمان، وزيد ابن ثابت، وكان ثقة كثير الحديث، روى عن جماعة من الصحابة منهم أسامة بن زيد وحسان بن ثابت وابن عمر وابن الزبير، وأبوسعيد وعائشة، وروى عنه جماعة من التابعين. وأبوه عبد الرحمن بن حاطب صاحبي رؤية، تابعي رواية، عداده في كبار ثقات التابعين، وجده حاطب بن أبي بلتعة صحابي مشهور، بدري حليف لقريش. (خرج في ركب) جمع راكب أي: في جماعة من الراكبين. (حتى وردوا) أي: الركب وخص عمراً بالذكر لما وقع منه السؤال عن ماء الحوض. (حوضاً) أي: وحضرت الصلاة. (لاتخبرنا) قال الطيبي: يعني أن إخبارك بوردها وعدمه سواء، فإن أخبرتنا بسوء الحال فهو عندنا جائز وسائغ. قال ابن حجر: لأنا لا نمتنع مما ترده لعسر تجنبه المقتضي لبقاءه على طهارته. (فإنا نرد على السباع وترد علينا) أي: لأنا نخالط السباع وهي ورادة علينا. قال ابن حجر: لأننا نرد على ما فضل عنها، وهي ترد على ما فضل عنا. والحاصل أن غرض عمر من قوله: لا تخبرنا، أن كل ذلك عندنا سواء أخبرتنا أو لم تخبرنا، فلا حاجة إلى إخبارك. وفي الحديث دليل على طهارة سؤر السباع. والزيادة الآتية صريحة في ذلك، وحمل ماء الحوض على أنه كان كثيراً يحتاج لدليل، بل فيه قرينة على أن الحوض كان صغيراً لأنه لو كان كبيراً لما سأل. (رواه مالك) عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم الحارث، عن يحيى بن عبد الرحمن. قال البيهقي: هذا الأثر إسناده صحيح إلى يحيى لكنه مرسل منقطع، فإن يحيى وإن كان ثقة فلم يدرك عمر، بل ولد في خلافة عثمان، هو الصواب – انتهى. وأما ما وقع في بعض الروايات أنه اعتمر مع عمر ﵁، فالظاهر أنه وقع فيه سقوط، والأصل عن يحيى بن عبد الرحمن عن أبيه أنه اعتمر مع عمر. قال في تهذيب التهذيب (ج١١:ص٢٥٠) في ترجمة يحيى: قال الدوري عن ابن معين: بعضهم يقول عنه: سمعت عمر وإنما هو عن أبيه سمع

стр. 597

وزاد رزين، قال: زاد بعض الرواة في قول عمر: ((وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لها ما أخذت في بطونها، وما بقي فهو لنا طهور وشراب)) . ٤٩١- (١٤) وعن أبي سعيد الخدري: ((أن رسول الله ﷺ سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب والحمر عن الطهر منها. فقال: لها ما حملت في بطونها، ولنا ما غبر طهور)) . رواه ابن ماجه. ٤٩٢- (١٥) وعن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: ((لا تغتسلوا بالماء المشمس، فإنه يورث البرص)) . ــ عمر (وزاد رزين قال: زاد بعض الرواة) الخ. هذه الزيادة سيأتي معناها عن أبي سعيد عند ابن ماجه. (لها) أي: للسباع. (ما أخذت) أي: مما شربته في بطونها. (وما بقي فهو لنا طهور وشراب) يعني: أن الله تعالى قسم لها في هذا الماء، ما أخذت في بطونها فما شربته حقها الذي قسم لها وما فضلت فهو حقنا. ٤٩١- قوله: (بين مكة والمدينة) في الفلوات والبرارى. (عن الطهر منها) أي: التطهر بدل من الحياض بإعادة العامل قاله القاري، وفي نسخ ابن ماجه الموجودة عندنا: وعن الطهارة منها، أي: بذكر الواو، وبلفظ الطهارة بدل الطهر. (ولنا ما غبر) بفتح الباء أي: بقي. (طهور) بفتح الطاء، وهوخبر مبتدأ محذوف. قال ابن حجر: الحديث صريح في طهارة سؤر السباع. وفيه أن فيه ذكر الكلاب أيضاً، وهي منجسة. قال القاري: والجواب بأن نجاسة الكلب علم من حديث آخر، مدفوع بعدم علم التاريخ. قلت: حديث أبي سعيد هذا ضعيف جداً لا يصلح للاستدلال على طهارة سؤر البهائم عندي كما ستعرف. (رواه ابن ماجه) من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد وعبد الرحمن هذا ضعيف جداً. قال ابن الجوزي: أجمعوا على ضعفه. وقال محمد بن نصر المروزي: أصحاب الحديث لا يحتجون بحديثه. وقال الطحاوي: حديثه عند أهل العلم بالحديث في النهاية من الضعف. وقال ابن خزيمة ليس هو ممن يحتج أهل العلم بحديثه لسوء حفظه. ٤٩٢- قوله: (لا تغستلوا بالماء المشمس) أي: الذي سخن بحرارة الشمس. فيه دليل على كراهية الاغتسال بالماء المشمس. والأصح من مذهب الشافعي كراهة استعمال الماء المشمس في البدن مطلقاً قليلاً كان أوكثيراً. والمختار عند متأخري أصحابه عدم كراهته، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، وهو الراجح، لأنه لم يصح فيه شيء عن النبي ﷺ . والأصل الإباحة حتى يصح عن الشارع ما يدل على المنع والكراهة. وأثر عمر هذا وإن صح ليس في حكم المرفوع لمجال الاجتهاد فيه، يدل عليه التعليل بقوله: (فإنه) أي: الاغتسال بالماء المشمس. (يورث البرص) ولو سلم فالمراد منه الاعتياد

стр. 598

رواه الدارقطني. (٨) باب تطهير النجاسات ﴿الفصل الأول﴾ ٤٩٣- (١) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا شرب الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبع مرات)) . ــ والمداومة على ذلك. والبرص محركة بياض يظهر في ظاهر البدن لفساد مزاجه، كذا في القاموس. وأما الماء المسخن بالنار فغير مكروه بالاتفاق. روى ذلك عن عمر، وابنه عبد الله، وابن عباس، وسلمة بن الأكوع. (رواه الدارقطني) من حديث اسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو الحمصي الشامي، عن حسان بن أزهر، عن عمر، ورواية إسماعيل بن عياش عن الشاميين صحيحه، وقد تابعه المغيرة بن عبد القدوس، فرواه عن صفوان به. رواه ابن حبان في كتاب الثقات في ترجمة حسان بن أزهر، قاله الزيلعي في نصب الراية (ج١:ص١٠٣) ولقول عمر هذا طريق آخر أخرجه الشافعي عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن صدقة بن عبد الله، عن أبي الزبير عن جابر عن عمر. ومن طريق الشافعي أخرجه البيهقي. قال الحافظ في التلخيص (ص٧) : صدقة ضعيف، وأكثر أهل الحديث على تضعيف ابن أبي يحيى، لكن الشافعي كان يقول: إنه صدوق وإن كان مبتدعاً. وورد المنع عن الماء المشمس مرفوعاً من حديث عائشة، ومن حديث أنس ومن حديث ابن عباس، بسط طرقها الزيلغي في نصب الرابة (ج١:ص١٠٢) والحافظ في التلخيص (ص٧،٦) والسيوطي في اللآلي المصنوعة (ج٢:ص٣-٤) ، مع بيان وجوه ضعفها، وسقوطها. قال العقيلي: لا يصح في الماء المشمس حديث مسند، إنما هو شيء يروى من قول عمر يعني الذي رواه الشافعي والدارقطني والبيهقي. (باب تطهير النجاسات) أي: الحقيقية بالماء وغيره، أتى بالجمع إشارة إلى أنواع النجاسة المختلفة في الأحكام. ٤٩٣- قوله: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم) أي: من إناء أحدكم، أو ضمن"شرب" معنى ولغ، فعدى تعديته، والإضافة ملغاة هنا، وليست للتمليك والتخصيص، لأن حكم الطهارة والنجاسة لا يتوقف على ملكه الإناء وكذا قوله الآتي: فليغسله، لا يتوقف على أن يكون مالك الإناء هو الغاسل. (فليغسله) زاد مسلم والنسائي في رواية لهما: فليرقه، لكن تكلم النسائي، وابن مندة، وابن عبد البر وغيرهم في هذه الزيادة. (سبع مرات) فيه دليل على وجوب سبع غسلات للإناء من شرب الكلب وولوغه، خلافاً لمن ذهب إلى التثليث ولم يفرق بين لعاب الكلب وغيره من النجاسات وهم الحنفية. وقد بين بعض أطباء العصر وجه غسل الإناء سبعاً من ولوغ الكلب طباً، وهو أن في أمعاء أكثر الكلاب دودة شريطية صغيرة جداً طولها (٤) ميليمترات، فإذا راث الكلب خرجت البويضات بكثرة في الروث، فليصق كثير منها بالشعر الذي

стр. 599

متفق عليه. وفي رواية مسلم قال: ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب)) . ــ بالقرب من دبره، فإذا أراد الكلب أن ينظف نفسه بلسانه كما هي عادته تلوث لسانه وفمه بها، وانتشرت في بقية شعره بواسطة لسانه أو غيره، فإذا ولغ الكلب في إناء، أو شرب ماء، أو قبله إنسان كما يفعل الأفرنج أو بعض من قلد الأفرنج في العادات القبيحة، علقت بعض هذه البويضات بتلك الأشياء، وسهل وصولها إلى فمه أثناء أكله أو شربه فتصل إلى معدته وتخرج منها الأجنة، فشقت جدار المعدة، وتصل إلى أوعية الدم، فتحدث أمراضاً كثيرة في المخ، والقلب، والرئة، إلى غير ذلك. وكل ذلك مشاهد لأطباء أوروبا في بلادهم. ولما كان تمييز الكلب المصاب بهذه الدودة عسيراً جداً لأنه يحتاج إلى زمن وبحث دقيق بالآلة التي لا يعرف استعمالها إلا قليل من الناس كان اعتبار الشارع إياه نجساً، وغسله سبع مرات إنقاء للإناء بحيث لا يعلق فيها شيء ما ذكرنا هو عين الحكمة والصواب، والله أعلم. كذا في حاشية إحكام الأحكام (ج١:ص٢٧) شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً مالك وأحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وغيرهم. قوله (وفي رواية لمسلم) وأخرجها أبوداود والنسائي أيضاً (طهور إناء أحدكم) الأظهر فيه ضم الطاء ويقال بفتحها لغتان بمعنى التطهر أو الطهارة. (إذا ولغ) في القاموس ولغ الكلب في الإناء وفي الشراب يلغ كيهب ويالغ، وولغ كورث ووجل شرب ما فيه بأطراف لسانه، أو أدخل لسانه فيه فحركه، أي: شرب أو لم يشرب. وقال ابن مكي: إن كان ما في الإناء غير مائع يقال: لعقه. وقال المطرزي: فإن كان فارغاً يقال: لحسه. وفي حكم الولوغ ما إذا لعق أو لحس، وإنما ذكر الولوغ للغالب. قال الطيبي: طهور إناء أحدكم مبتدأ، والظرف معمول له، والخبر قوله: أن يغسله سبع مرات. (أولاهن بالتراب) فيه دليل على شرعية التتريب في غسل الإناء. واختلفت الروايات في غسلة التتريب، ففي رواية لمسلم وأبي داود والدارقطني "أولاهن" وفي رواية لأبي داود: السابعة بالتراب، وفي رواية الترمذي والبزار: "أولاهن أو أخراهن" وفي رواية للشافعي: أولاهن أو إحداهن، وفي رواية للدارقطني: إحداهن. وهذا الاختلاف ليس بقادح، لأن هذه الروايات ليست بمتساوية، فإن رواية "أولاهن" أرجح من حيث الأكثرية والأحفظية، ومن حيث المعنى أيضاً لأن تتريب الأخيرة يقتض الاحتياج إلى غسلة أخرى لتنظيفه. ووقع في حديث عبد الله بن مغفل عند أحمد، ومسلم، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه: فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب. وظاهره يدل على إيجاب ثمان غسلات، وأن غسلة التتريب غير الغسلات السبع، وأن التتريب خارج عنها. والحديث قد أجمعوا على صحة إسناده، وهي زيادة ثقة فتعين المصير إليها. وقد أهمل البغوي ذكر هذه الرواية، قيل لأنه شافعي وإمامه الشافعي لم يقل بالتثمين، فتركها البغوي لذلك، وكذا صاحب المشكوة محاماة على المذهب، والله أعلم. ونقل عن

стр. 600

٤٩٤- (٢) وعنه، قال: قام أعرابي، فبال في المسجد، ــ الشافعي أنه قال: هو حديث لم أقف على صحته، ولكن هذا لا يثبت العذر لمن وقف على صحته. وأوله النووي فقال: المراد بقوله: عفروه الثامنة بالتراب، أي: اغسلوه سبعاً، واحدة منهن بالتراب مع الماء، فكان التراب قائم مقام غسلة فسميت ثامنة لهذا. وقال الحافظ: جمع بعضهم بين الحديثين بضرب من المجاز فقال: لما كان التراب جنساً غير الماء جعل اجتماعهما في المرة الواحدة معدوداً باثنتين وتعقبه ابن دقيق العيد بأن قوله: وعفروه الثامنة بالتراب، ظاهر في كونها غسلة مستقلة، لكن لو وقع التعفير في أوله قبل ورود الغسلات السبع كانت الغسلات ثمانية، ويكون إطلاق الغسلة على التتريب مجازاً وهذا الجمع من مرجحات تعين التراب في الأولى انتهى. وفي الحديث دليل على نجاسة فم الكلب من حيث الأمر بالغسل لما ولغ فيه والإراقة للماء، وقوله: (طهور إناء أحدكم) فإنه لا غسل إلا من حدث أو نجس وليس ههنا حدث، فتعين النجس، والإراقة إضاعة مال، فلو كان الماء طاهراً لما أمر بإضاعته، إذ قد نهى عن إضاعة الماء، وهو ظاهر في نجاسة فمه، وألحق به سائر بدنه قياساً عليه، وذلك لأنه إذا ثبت نجاسة لعابه ولعابه جزء من فمه إذ هو عرق فمه، ففمه نجس إذ العرق جزء متحلب من البدن، فكذلك بقية بدنه. وفيه أيضاً أن الماء القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه وإن لم يتغير، لأن ولوغ الكلب لا يغير الماء الذي في الإناء غالباً. واعلم أنه خالف حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن مغفل الحنفية حيث قالوا بالتثليث فقط، ولم يقولوا بوجوب السبع ولا الثمان ولا التتريب. والمالكية حيث لم يقولوا: بالتتريب وأوجبوا التسبيع فقط دون التثمين، لأن التتريب لم يقع في رواية مالك. قال القرافي منهم: قد صحت فيه الأحاديث. والعجب منهم كيف لم يقولوا بها. وخالف الشافعية حيث لم يقولوا بالتثمين، فجنح بعضهم إلى ترجيح حديث أبي هريرة على حديث ابن مغفل، وتعقب بأن الترجيح لا يصار إليه مع إمكان الجمع، والأخذ بحديث ابن مغفل يستلزم الأخذ بحديث أبي هريرة دون العكس، والزيادة من الثقة مقبولة ومال بعضهم إلى الجمع كما تقدم في كلام النووي والحافظ. واعتذر الطحاوي وغيره عن الحنفية بأمور قد ردها الحافظ في الفتح (ج١:ص١٣٩) أحسن رد، ثم إنه تعقب العيني على كلام الحافظ بما يدل على شدة تعصبه لمذهب إمامه. وقد نقل الشيخ عبد الحي اللكنوي الحنفي في السعاية (٤٥١) تعقبات العيني ثم ردها رداً حسناً. وللشيخ ابن الهمام في فتح القدير كلام مزخرف في الاعتذار عن العمل بحديث التسبيع والتتريب قد رده أيضاً الشيخ اللكنوي في السعاية، وأطال الكلام في هذا المبحث وأجاد، وقال في آخر البحث: ولعل المنصف غير المتعسف يعلم بعد ملاحظة هذا البحث ضعف كلام أرباب التثليث وقوة كلام أصحاب التسبيع والتثمين انتهى. وقد ذكر شيخنا تعقبات الشيخ اللكنوي على العيني وابن الهمام في أبكار المنن (ص٢٩-٣٢) فعليك أن تراجعه. ٤٩٤- قوله: (قام أعرابي) بفتح الهمزة نسبة إلى الأعرب وهم سكان البادية سواء كانوا عرباً أو عجماً. قيل هو ذو الخويصرة اليمامي. وقيل: الأقرع بن حابس التميمي. وقيل: عيينة بن حصن بن بدر الفزاري. (فبال في المسجد)
следующие страницы →