← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

رواه النسائي وابن ماجه. ﴿الفصل الثالث﴾ ٤٩٠- (١٣) عن يحيى بن عبد الرحمن، قال: ((إن عمر خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضاً. فقال عمرو: يا صاحب الحوض! هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض! لا تخبرنا، فإنا نرد على السباع وترد علينا)) . رواه مالك. ــ يخرج الماء عن الطهورية، ولا حجة فيه لمن ذهب إلى جواز التطهر بالماء المضاف كما لايخفي. (رواه النسائي وابن ماجه) وسنده حسن، أو صحيح، وأخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه. ٤٩٠- قوله: (عن يحيى بن عبد الرحمن) بن حاطب بن أبي بلتعة اللخمي يكنى أبا محمد، ويقال: أبابكر المدني ثقة من أوساط التابعين، ولد في خلافة عثمان، ومات سنة (١٠٤) قال ابن سعد: كان ممن أدرك علياً وعثمان، وزيد ابن ثابت، وكان ثقة كثير الحديث، روى عن جماعة من الصحابة منهم أسامة بن زيد وحسان بن ثابت وابن عمر وابن الزبير، وأبوسعيد وعائشة، وروى عنه جماعة من التابعين. وأبوه عبد الرحمن بن حاطب صاحبي رؤية، تابعي رواية، عداده في كبار ثقات التابعين، وجده حاطب بن أبي بلتعة صحابي مشهور، بدري حليف لقريش. (خرج في ركب) جمع راكب أي: في جماعة من الراكبين. (حتى وردوا) أي: الركب وخص عمراً بالذكر لما وقع منه السؤال عن ماء الحوض. (حوضاً) أي: وحضرت الصلاة. (لاتخبرنا) قال الطيبي: يعني أن إخبارك بوردها وعدمه سواء، فإن أخبرتنا بسوء الحال فهو عندنا جائز وسائغ. قال ابن حجر: لأنا لا نمتنع مما ترده لعسر تجنبه المقتضي لبقاءه على طهارته. (فإنا نرد على السباع وترد علينا) أي: لأنا نخالط السباع وهي ورادة علينا. قال ابن حجر: لأننا نرد على ما فضل عنها، وهي ترد على ما فضل عنا. والحاصل أن غرض عمر من قوله: لا تخبرنا، أن كل ذلك عندنا سواء أخبرتنا أو لم تخبرنا، فلا حاجة إلى إخبارك. وفي الحديث دليل على طهارة سؤر السباع. والزيادة الآتية صريحة في ذلك، وحمل ماء الحوض على أنه كان كثيراً يحتاج لدليل، بل فيه قرينة على أن الحوض كان صغيراً لأنه لو كان كبيراً لما سأل. (رواه مالك) عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم الحارث، عن يحيى بن عبد الرحمن. قال البيهقي: هذا الأثر إسناده صحيح إلى يحيى لكنه مرسل منقطع، فإن يحيى وإن كان ثقة فلم يدرك عمر، بل ولد في خلافة عثمان، هو الصواب – انتهى. وأما ما وقع في بعض الروايات أنه اعتمر مع عمر ﵁، فالظاهر أنه وقع فيه سقوط، والأصل عن يحيى بن عبد الرحمن عن أبيه أنه اعتمر مع عمر. قال في تهذيب التهذيب (ج١١:ص٢٥٠) في ترجمة يحيى: قال الدوري عن ابن معين: بعضهم يقول عنه: سمعت عمر وإنما هو عن أبيه سمع

стр. 597

وزاد رزين، قال: زاد بعض الرواة في قول عمر: ((وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لها ما أخذت في بطونها، وما بقي فهو لنا طهور وشراب)) . ٤٩١- (١٤) وعن أبي سعيد الخدري: ((أن رسول الله ﷺ سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب والحمر عن الطهر منها. فقال: لها ما حملت في بطونها، ولنا ما غبر طهور)) . رواه ابن ماجه. ٤٩٢- (١٥) وعن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: ((لا تغتسلوا بالماء المشمس، فإنه يورث البرص)) . ــ عمر (وزاد رزين قال: زاد بعض الرواة) الخ. هذه الزيادة سيأتي معناها عن أبي سعيد عند ابن ماجه. (لها) أي: للسباع. (ما أخذت) أي: مما شربته في بطونها. (وما بقي فهو لنا طهور وشراب) يعني: أن الله تعالى قسم لها في هذا الماء، ما أخذت في بطونها فما شربته حقها الذي قسم لها وما فضلت فهو حقنا. ٤٩١- قوله: (بين مكة والمدينة) في الفلوات والبرارى. (عن الطهر منها) أي: التطهر بدل من الحياض بإعادة العامل قاله القاري، وفي نسخ ابن ماجه الموجودة عندنا: وعن الطهارة منها، أي: بذكر الواو، وبلفظ الطهارة بدل الطهر. (ولنا ما غبر) بفتح الباء أي: بقي. (طهور) بفتح الطاء، وهوخبر مبتدأ محذوف. قال ابن حجر: الحديث صريح في طهارة سؤر السباع. وفيه أن فيه ذكر الكلاب أيضاً، وهي منجسة. قال القاري: والجواب بأن نجاسة الكلب علم من حديث آخر، مدفوع بعدم علم التاريخ. قلت: حديث أبي سعيد هذا ضعيف جداً لا يصلح للاستدلال على طهارة سؤر البهائم عندي كما ستعرف. (رواه ابن ماجه) من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد وعبد الرحمن هذا ضعيف جداً. قال ابن الجوزي: أجمعوا على ضعفه. وقال محمد بن نصر المروزي: أصحاب الحديث لا يحتجون بحديثه. وقال الطحاوي: حديثه عند أهل العلم بالحديث في النهاية من الضعف. وقال ابن خزيمة ليس هو ممن يحتج أهل العلم بحديثه لسوء حفظه. ٤٩٢- قوله: (لا تغستلوا بالماء المشمس) أي: الذي سخن بحرارة الشمس. فيه دليل على كراهية الاغتسال بالماء المشمس. والأصح من مذهب الشافعي كراهة استعمال الماء المشمس في البدن مطلقاً قليلاً كان أوكثيراً. والمختار عند متأخري أصحابه عدم كراهته، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، وهو الراجح، لأنه لم يصح فيه شيء عن النبي ﷺ . والأصل الإباحة حتى يصح عن الشارع ما يدل على المنع والكراهة. وأثر عمر هذا وإن صح ليس في حكم المرفوع لمجال الاجتهاد فيه، يدل عليه التعليل بقوله: (فإنه) أي: الاغتسال بالماء المشمس. (يورث البرص) ولو سلم فالمراد منه الاعتياد

стр. 598

رواه الدارقطني. (٨) باب تطهير النجاسات ﴿الفصل الأول﴾ ٤٩٣- (١) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا شرب الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبع مرات)) . ــ والمداومة على ذلك. والبرص محركة بياض يظهر في ظاهر البدن لفساد مزاجه، كذا في القاموس. وأما الماء المسخن بالنار فغير مكروه بالاتفاق. روى ذلك عن عمر، وابنه عبد الله، وابن عباس، وسلمة بن الأكوع. (رواه الدارقطني) من حديث اسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو الحمصي الشامي، عن حسان بن أزهر، عن عمر، ورواية إسماعيل بن عياش عن الشاميين صحيحه، وقد تابعه المغيرة بن عبد القدوس، فرواه عن صفوان به. رواه ابن حبان في كتاب الثقات في ترجمة حسان بن أزهر، قاله الزيلعي في نصب الراية (ج١:ص١٠٣) ولقول عمر هذا طريق آخر أخرجه الشافعي عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن صدقة بن عبد الله، عن أبي الزبير عن جابر عن عمر. ومن طريق الشافعي أخرجه البيهقي. قال الحافظ في التلخيص (ص٧) : صدقة ضعيف، وأكثر أهل الحديث على تضعيف ابن أبي يحيى، لكن الشافعي كان يقول: إنه صدوق وإن كان مبتدعاً. وورد المنع عن الماء المشمس مرفوعاً من حديث عائشة، ومن حديث أنس ومن حديث ابن عباس، بسط طرقها الزيلغي في نصب الرابة (ج١:ص١٠٢) والحافظ في التلخيص (ص٧،٦) والسيوطي في اللآلي المصنوعة (ج٢:ص٣-٤) ، مع بيان وجوه ضعفها، وسقوطها. قال العقيلي: لا يصح في الماء المشمس حديث مسند، إنما هو شيء يروى من قول عمر يعني الذي رواه الشافعي والدارقطني والبيهقي. (باب تطهير النجاسات) أي: الحقيقية بالماء وغيره، أتى بالجمع إشارة إلى أنواع النجاسة المختلفة في الأحكام. ٤٩٣- قوله: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم) أي: من إناء أحدكم، أو ضمن"شرب" معنى ولغ، فعدى تعديته، والإضافة ملغاة هنا، وليست للتمليك والتخصيص، لأن حكم الطهارة والنجاسة لا يتوقف على ملكه الإناء وكذا قوله الآتي: فليغسله، لا يتوقف على أن يكون مالك الإناء هو الغاسل. (فليغسله) زاد مسلم والنسائي في رواية لهما: فليرقه، لكن تكلم النسائي، وابن مندة، وابن عبد البر وغيرهم في هذه الزيادة. (سبع مرات) فيه دليل على وجوب سبع غسلات للإناء من شرب الكلب وولوغه، خلافاً لمن ذهب إلى التثليث ولم يفرق بين لعاب الكلب وغيره من النجاسات وهم الحنفية. وقد بين بعض أطباء العصر وجه غسل الإناء سبعاً من ولوغ الكلب طباً، وهو أن في أمعاء أكثر الكلاب دودة شريطية صغيرة جداً طولها (٤) ميليمترات، فإذا راث الكلب خرجت البويضات بكثرة في الروث، فليصق كثير منها بالشعر الذي

стр. 599

متفق عليه. وفي رواية مسلم قال: ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب)) . ــ بالقرب من دبره، فإذا أراد الكلب أن ينظف نفسه بلسانه كما هي عادته تلوث لسانه وفمه بها، وانتشرت في بقية شعره بواسطة لسانه أو غيره، فإذا ولغ الكلب في إناء، أو شرب ماء، أو قبله إنسان كما يفعل الأفرنج أو بعض من قلد الأفرنج في العادات القبيحة، علقت بعض هذه البويضات بتلك الأشياء، وسهل وصولها إلى فمه أثناء أكله أو شربه فتصل إلى معدته وتخرج منها الأجنة، فشقت جدار المعدة، وتصل إلى أوعية الدم، فتحدث أمراضاً كثيرة في المخ، والقلب، والرئة، إلى غير ذلك. وكل ذلك مشاهد لأطباء أوروبا في بلادهم. ولما كان تمييز الكلب المصاب بهذه الدودة عسيراً جداً لأنه يحتاج إلى زمن وبحث دقيق بالآلة التي لا يعرف استعمالها إلا قليل من الناس كان اعتبار الشارع إياه نجساً، وغسله سبع مرات إنقاء للإناء بحيث لا يعلق فيها شيء ما ذكرنا هو عين الحكمة والصواب، والله أعلم. كذا في حاشية إحكام الأحكام (ج١:ص٢٧) شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً مالك وأحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وغيرهم. قوله (وفي رواية لمسلم) وأخرجها أبوداود والنسائي أيضاً (طهور إناء أحدكم) الأظهر فيه ضم الطاء ويقال بفتحها لغتان بمعنى التطهر أو الطهارة. (إذا ولغ) في القاموس ولغ الكلب في الإناء وفي الشراب يلغ كيهب ويالغ، وولغ كورث ووجل شرب ما فيه بأطراف لسانه، أو أدخل لسانه فيه فحركه، أي: شرب أو لم يشرب. وقال ابن مكي: إن كان ما في الإناء غير مائع يقال: لعقه. وقال المطرزي: فإن كان فارغاً يقال: لحسه. وفي حكم الولوغ ما إذا لعق أو لحس، وإنما ذكر الولوغ للغالب. قال الطيبي: طهور إناء أحدكم مبتدأ، والظرف معمول له، والخبر قوله: أن يغسله سبع مرات. (أولاهن بالتراب) فيه دليل على شرعية التتريب في غسل الإناء. واختلفت الروايات في غسلة التتريب، ففي رواية لمسلم وأبي داود والدارقطني "أولاهن" وفي رواية لأبي داود: السابعة بالتراب، وفي رواية الترمذي والبزار: "أولاهن أو أخراهن" وفي رواية للشافعي: أولاهن أو إحداهن، وفي رواية للدارقطني: إحداهن. وهذا الاختلاف ليس بقادح، لأن هذه الروايات ليست بمتساوية، فإن رواية "أولاهن" أرجح من حيث الأكثرية والأحفظية، ومن حيث المعنى أيضاً لأن تتريب الأخيرة يقتض الاحتياج إلى غسلة أخرى لتنظيفه. ووقع في حديث عبد الله بن مغفل عند أحمد، ومسلم، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه: فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب. وظاهره يدل على إيجاب ثمان غسلات، وأن غسلة التتريب غير الغسلات السبع، وأن التتريب خارج عنها. والحديث قد أجمعوا على صحة إسناده، وهي زيادة ثقة فتعين المصير إليها. وقد أهمل البغوي ذكر هذه الرواية، قيل لأنه شافعي وإمامه الشافعي لم يقل بالتثمين، فتركها البغوي لذلك، وكذا صاحب المشكوة محاماة على المذهب، والله أعلم. ونقل عن

стр. 600

٤٩٤- (٢) وعنه، قال: قام أعرابي، فبال في المسجد، ــ الشافعي أنه قال: هو حديث لم أقف على صحته، ولكن هذا لا يثبت العذر لمن وقف على صحته. وأوله النووي فقال: المراد بقوله: عفروه الثامنة بالتراب، أي: اغسلوه سبعاً، واحدة منهن بالتراب مع الماء، فكان التراب قائم مقام غسلة فسميت ثامنة لهذا. وقال الحافظ: جمع بعضهم بين الحديثين بضرب من المجاز فقال: لما كان التراب جنساً غير الماء جعل اجتماعهما في المرة الواحدة معدوداً باثنتين وتعقبه ابن دقيق العيد بأن قوله: وعفروه الثامنة بالتراب، ظاهر في كونها غسلة مستقلة، لكن لو وقع التعفير في أوله قبل ورود الغسلات السبع كانت الغسلات ثمانية، ويكون إطلاق الغسلة على التتريب مجازاً وهذا الجمع من مرجحات تعين التراب في الأولى انتهى. وفي الحديث دليل على نجاسة فم الكلب من حيث الأمر بالغسل لما ولغ فيه والإراقة للماء، وقوله: (طهور إناء أحدكم) فإنه لا غسل إلا من حدث أو نجس وليس ههنا حدث، فتعين النجس، والإراقة إضاعة مال، فلو كان الماء طاهراً لما أمر بإضاعته، إذ قد نهى عن إضاعة الماء، وهو ظاهر في نجاسة فمه، وألحق به سائر بدنه قياساً عليه، وذلك لأنه إذا ثبت نجاسة لعابه ولعابه جزء من فمه إذ هو عرق فمه، ففمه نجس إذ العرق جزء متحلب من البدن، فكذلك بقية بدنه. وفيه أيضاً أن الماء القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه وإن لم يتغير، لأن ولوغ الكلب لا يغير الماء الذي في الإناء غالباً. واعلم أنه خالف حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن مغفل الحنفية حيث قالوا بالتثليث فقط، ولم يقولوا بوجوب السبع ولا الثمان ولا التتريب. والمالكية حيث لم يقولوا: بالتتريب وأوجبوا التسبيع فقط دون التثمين، لأن التتريب لم يقع في رواية مالك. قال القرافي منهم: قد صحت فيه الأحاديث. والعجب منهم كيف لم يقولوا بها. وخالف الشافعية حيث لم يقولوا بالتثمين، فجنح بعضهم إلى ترجيح حديث أبي هريرة على حديث ابن مغفل، وتعقب بأن الترجيح لا يصار إليه مع إمكان الجمع، والأخذ بحديث ابن مغفل يستلزم الأخذ بحديث أبي هريرة دون العكس، والزيادة من الثقة مقبولة ومال بعضهم إلى الجمع كما تقدم في كلام النووي والحافظ. واعتذر الطحاوي وغيره عن الحنفية بأمور قد ردها الحافظ في الفتح (ج١:ص١٣٩) أحسن رد، ثم إنه تعقب العيني على كلام الحافظ بما يدل على شدة تعصبه لمذهب إمامه. وقد نقل الشيخ عبد الحي اللكنوي الحنفي في السعاية (٤٥١) تعقبات العيني ثم ردها رداً حسناً. وللشيخ ابن الهمام في فتح القدير كلام مزخرف في الاعتذار عن العمل بحديث التسبيع والتتريب قد رده أيضاً الشيخ اللكنوي في السعاية، وأطال الكلام في هذا المبحث وأجاد، وقال في آخر البحث: ولعل المنصف غير المتعسف يعلم بعد ملاحظة هذا البحث ضعف كلام أرباب التثليث وقوة كلام أصحاب التسبيع والتثمين انتهى. وقد ذكر شيخنا تعقبات الشيخ اللكنوي على العيني وابن الهمام في أبكار المنن (ص٢٩-٣٢) فعليك أن تراجعه. ٤٩٤- قوله: (قام أعرابي) بفتح الهمزة نسبة إلى الأعرب وهم سكان البادية سواء كانوا عرباً أو عجماً. قيل هو ذو الخويصرة اليمامي. وقيل: الأقرع بن حابس التميمي. وقيل: عيينة بن حصن بن بدر الفزاري. (فبال في المسجد)

стр. 601

فتناوله الناس. فقال لهم النبي ﷺ : ((دعوه وهريقوا على بوله سجلاً من ماء - أو ذنوباً من ماء - فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين)) . ــ أي: مسجد النبي. (فتناوله الناس) أي: بألسنتهم سبا وشتما. أو أرادوا أن يتناولوه بأيديهم فقد قاموا إليه كما في بعض الروايات. (دعوه) أمر بصيغة الجمع من ودع يدع أي: أتركوه فإنه معذور لأنه لم يعلم عدم جواز البول في المسجد لقربه بالإسلام. وقيل: لئلا يتعدد مكان النجاسة. وقيل لئلا يتضرر بانحباس البول. (وهريقوا) . بفتح الهاء أمر من هراق الماء يهرقه أي: صب، وأصله أراق يريق إراقة من باب الإفعال، أبدلت الهاء بالهمزة فصار هراق. وفيه لغة أخرى أهرق الماء يهرقه إهراقاً على وزن أفعل أفعالاً. قال سيبويه: قد أبدلوا من الهمزة الهاء ثم لزمت فصارت كأنها من نفس الكلمة، وحذفت الألف بعد الراء، وزيدت همزة أخرى وتركت الهاء عوضاً عن حذفهم العين لأن أصل أهرق أريق. وفيه لغة ثالثة أهراق يهريق إهرياقاً فهو مهريق والشيء مهراق ومهَراق أيضاً بالتحريك وهذا شاذ، ونظيره أسطاع يسطيع اسطياعاً بفتح الألف في الماضي وضم الياء في المضارع، وهو لغة في أطاع يطيع، فجعلوا السين عوضاً عن ذهاب حركة عين الفعل فكذلك حكم الهاء. (سجلاً) بفتح السين وسكون الجيم الدلو الملآى ماء لا فارغة. (أو ذنوباً من ماء) بفتح الذال الدلو الملآى لا فارغة، وأو للشك من الراوي، ومن في الموضعين زائدة تأكيداً، وقيل هو من كلام رسول الله ﷺ ، وأو للتخيير، لما بين السجل والذنوب من الفرق، وهو أن السجل الدلو الواسعة، والذنوب الدلو العظيمة. وقال الطيبي: السجل الدلو فيه الماء قل أو كثر، وهو مذكور والذنوب يؤنث، وهو ما ملئ ماء، فقوله: من ماء في الموضعين زيادة وردت تاكيداً انتهى. لأن السجل والذنوب لا يستعملان إلا في الدلو التي فيها الماء. وقيل من للنبيين لاحتمال أن يكون من ماء وغيره، وهذا قول من يجوز التطهير بغير الماء. (فإنما بعثتم) إسناد البعث إليهم على طريق المجاز لأنه هو المبعوث ﷺ بما ذكر، لكنهم لما كانوا في مقام التبليغ عنه في حضوره وغيبته أطلق عليهم ذلك أوهم مبعوثون من قبله بذلك أي: مأمورون. وكان ذلك شأنه ﷺ في حق كل من بعثه إلى جهة من الجهات بقوله: يسروا ولا تعسروا (ميسرين) حال أي: مسهلين على الناس. (ولم تبعثوا معسرين) عطف على السابق على طريق الطرد والعكس مبالغة في اليسر قاله الطيبي، أي: فعليكم بالتيسير أيها الأمة. والحديث فيه دليل على نجاسة بول الآدمي وهو إجماع وعلى أن الأرض إذا تنجست طهرت بالمكاثرة والمغالبة من الماء وعلى أنه يكتفي بإضافة الماء ولا يشترط حفر الأرض ونقل التراب إذا صب عليها الماء، لأنه لم يرد في هذا الحديث الأمر بنقل التراب، ولكنه تكلم فيه لانقطاعه وإرساله كما في نصب الراية (ج١:ص٢١٢) للزيلعي، والفتح (ج١:ص١٦٢) للحافظ. وأيضا لو كان نقل التراب واجباً في التطهير لاكتفى به، فإن الأمر بصب الماء حينئذٍ يكون زيادة تكليف وتعب من غير منفعة تعود

стр. 602

رواه البخاري. ٤٩٥- (٣) وعن أنس، قال: ((بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ ، إذا جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد. فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مه مه. فقال: رسول الله ﷺ : (لا تزرموه، دعوه. فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه، فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر. وإنما هي لذكرالله، ــ إلى المقصود وهو تطهير الأرض واستدل بالحديث على أن الأرض إذا أصابتها نجاسة فجفت بالشمس أو بالهواء لا تطهر، لأنه لو كفى ذلك لما حصل التكليف بطلب الماء. وفيه نظر لأن ذكر الماء في الحديث لوجوب المبادرة إلى تطهير المسجد، لأنه كان نهاراً وقد لا يجف قبل وقت الصلاة، فبادر إلى تطهيره بالماء، أو لأن الوقت كان إذ ذاك قد آن، أو أريد إذ ذاك أكمل الطهارتين المتيسر في ذلك الوقت، وفي تركه إلى الجفاف تأخير لهذا الواجب مع ما فيه من المفاسد التي أشرنا إليها، وإذا تردد الحال بين الأمرين لا يكون دليلاً على أحدهما بعينه. والدليل على كون الجفاف مطهراً للأرض ما رواه أبوداود عن ابن عمر: كانت الكلاب تبول، وتقبل، وتدبر في المسجد، فلم يكونوا يرشون من ذلك. وقد بوب عليه أبوداود بقوله: باب في طهور الأرض إذا يبست. فاستدل به على طهارة الأرض المتنجسة بالجفاف، فإن قوله: لم يكونوا يرشون، يدل على نفي صب الماء من باب الأولى، فلولا أن الجفاف يفيد تطهير الأرض ما تركوا ذلك. ولا مخالفة بين حديث ابن عمر هذا وبين حديث أبي هريرة، فإنه يقال: إن الأرض تطهر بوجهين أعني بصب الماء وبالجفاف، واختار ﷺ في حديث الأعرابي أحد المطهرين وهو الماء مبادرة إلى التطهير. ويدل على كون الجفاف مطهراً قول أبي جعفر محمد بن علي الباقر: زكاة الأرض يبسها. أخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق. (رواه البخاري) في الطهارة وفي الأدب، وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه. ٤٩٥- قوله: (مه مه) اسم فعل مبني على السكون، معناه اكفف، لأنه كلمة زجر أصله "ما هذا؟ ثم حذف تخفيفاً، وتقال: مكررة للتأكيد، ومفردة، وقد تنون مع الكسر، فيقال مَه مَه. (لا تزرموه) بضم التاء وسكون الزاى وكسر الراء من الازرام، وهو القطع أي: لا تقطعوا عليه بوله، فإنه يضره، ويحصل من تقويمه من محله مع ما قد حصل من تنجيس المسجد تنجيس بدنه وثيابه ومواضع من المسجد غير الذي وقع فيه البول أو لا. (دعاه) أي: طلب ذلك الأعرابي ليعلمه بما يجب للمساجد على أبلغ وجه وألطفه. (إن هذه المساجد) الإشارة للتعظيم، وإنما جمع لئلا يتوهم تخصيص الحكم بمسجده ﷺ . (لشيء من هذا البول) الإشارة للتحقير. (والقذر) بفتح الذال، ما يتنفر منه الطبع كالنجاسات والأشياء المنتنة، فذكره بعد البول يكون تعميما بعد تخصيص، قاله ابن الملك. (وإنما هي لذكرالله) قال الشوكاني في النيل (ج١:ص٤٣)

стр. 603

والصلاة، والقرآن)) . أو كما قال رسول الله ﷺ . قال: ((وأمر رجلاً من القوم، فجاء بدلو من ماء، فسنه عليه)) . متفق عليه. ٤٩٦- (٤) وعن أسماء بنت أبي بكر، قالت: ((سألت امرأة رسول الله ﷺ ، فقالت: يارسول الله! أرأيت إحدانا ــ مفهوم الحصر مشعر بعدم جواز ماعدا هذه المذكورة من الأقذار. والقذى والبصاق، ورفع الصوت، والخصومات، والبيع والشراء وسائر العقود وإنشاد الضالة، والكلام الذي ليس بذكر، وجميع الأمور التي لا طاعة فيها. وأما التي فيها طاعة كالجلوس في المسجد للاعتكاف والقراءة للعلم، وسماع الموعظة، وانتظار الصلاة، ونحو ذلك، فهذه الأمور وإن لم تدخل في المحصور فيه لكنه أجمع المسلمون على جوازها كما حكاه النووي، فيخصص مفهوم الحصر بالأمور التي فيها طاعة لائقة بالمسجد لهذا الإجماع، وتبقى الأمور التي لا طاعة فيها داخلة تحت المنع وحكي الحافظ في الفتح (ج١:ص١٦٢) الإجماع على أن مفهوم الحصر منه غير معمول به قال: ولا ريب أن فعل غير المذكورات وما في معناها خلاف الأولى. (أو كما قال) شك من الراوي، أي: قال هذا القول أو قولاً شبيهاً به. قال النووي: ينبغي للراوي وقارئ الحديث إذا اشتبه عليه لفظه فقرأها على الشك أن يقول عقيبه: أو كما قال، وكذا يستحب لمن روى بالمعنى أن يقول بعده: أو كما قال، أو نحو هذا، كما فعلته الصحابة فمن بعدهم. والله أعلم. وقد روى الدارمي في مسنده في "باب من هاب الفتيا مخافة السقط، آثاراً كثيرة في ذلك من شاء رجع إليه. (قال) أي: أنس. (وأمر رجلاً) من القوم بإتيان دلو من ماء. (فسنه) بالمهملة وفي بعض النسخ بالمعجمة أي صبه. قال الطيبي: سننت الماء على وجهي إذا أرسلته إرسالاً من غير تفريق فإذا فرقته في الصب قلت بالشين المعجمة كما في الصحاح – انتهى. وكذا في النهاية، والقاموس، وقال النووي: يروى بالشين المعجمة وبالمهملة وهو في أكثر الأصول والروايات بالمعجمة، ومعناه صبه. وفرق بعض العلماء بينهما فقال: هو بالمهملة الصب في سهولة، وبالمعجمة التفريق في صبه – انتهى. وفيه دليل على أن النجاسة على الأرض إذا استهلكت بمكاثرة الماء فالأرض والماء طاهران ولا يكون ذلك أمراً بتكثير النجاسة في المسجد. (متفق عليه) أي: على أصل الحديث، والسياق المذكور لمسلم لأنه ليس عند البخاري قوله: إن هذه المساجد، إلى قوله: وقراءة القرآن، لا بهذا اللفظ ولا بمعناه، نعم أخرج أصل الحديث في الطهارة، وفي الأدب مختصراً في معنى الحديث السابق، فكان الأولى للمصنف أن يعزو هذا الحديث إلى مسلم فقط. قال السيد جمال الدين قوله: "متفق عليه" فيه تأمل لأن صاحب التخريج نسب هذا الحديث إلى مسلم دون البخاري، وقال الألباني: قوله: متفق عليه، فيه نظر. فإن هذا الحديث من رواية أنس، ولم يخرجه البخاري. أنظر شرحه للحافظ ابن حجر – انتهى. والحديث أخرجه مسلم في الطهارة، وأخرجه أيضاً النسائي وابن ماجه في الطهارة. ٤٩٦- قوله: (سألت امرأة) في رواية للشافعي أن أسماء هي السائلة. (أرأيت إحدانا) بحذف مضاف أي: أخبرني

стр. 604

إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة، كيف تصنع؟ فقال رسول الله ﷺ : ((إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه، ثم لتنضحه بماء، ثم لتصل فيه)) . متفق عليه. ٤٩٧- (٥) وعن سليمان بن يسار، قال: ((سألت عائشة عن المنى ــ في حال إحدانا أو عن حال إحدانا. (إذا أصاب ثوبها) بالنصب على المفعولية. (الدم) بالرفع على الفاعلية. (من الحيضة) بفتح الحاء أي: الحيض. (كيف تصنع؟) متعلق بالإستخبار، أي: أخبرنا كيف تصنع إحدانا بهذا الثوب، هل تترك لبسه، أو تقطع موضع الدم منه، أو تغسله فكيف تغسله؟. (فلتقرصه) بضم الراء وسكون الصاد المهملة من القرص، وهو الدلك بأطراف الأصابع والأظفار، أي: لتدلك موضع الدم بأطراف الأصابع بالماء ليتحلل بذلك، ويخرج ما تشربه الثوب منه. (ثم لتنضحه) أي: لتغسله، وهو بفتح الضاد المعجمة وتكسر. (ثم لتصل فيه) أي: في ذلك الثوب فإنه لا بأس بعد هذا. والحديث دليل على نجاسة دم الحيض، وعلى وجوب غسله، والمبالغة في إزالته بما ذكر من الحت في بعض الروايات، والقرص والنضح لإذهاب أثره. وظاهره أنه لا يجب غير ذلك، وإن بقي أثره ولونه، فلا يجب استعمال الحاد لإذهاب الأثر لعدم ذكره في الحديث وهو محل البيان، ولأنه قد ورد في غير حديث أسماء: ولا يضرك أثره. واستدل الخطابي بحديث أسماء هذا على أن الماء يتعين لإزالة النجاسات دون غيره من المائعات الطاهرة، لأن جميع النجاسات بمثابة الدم لا فرق بينه وبينها وتعقب هذا الاستدلال بأن هذا خرج مخرج الغالب لا مخرج الشرط، والمعنى في ذلك أن الماء أكثر وجوداً من غيره، أو يقال تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه، أو يقال: ذكر الماء لأنه المعتاد في إزالة النجاسات لا لاشتراط خصوصيته وأجيب بأن الخبر نص على الماء، فإلحاق غيره من المائعات به بالقياس. ومن شرطه أن لا ينقص الفرع عن الأصل في العلة، وليس في غير الماء ما في الماء من رقته وسرعة نفوذه، فلا يلحق به. وللشوكاني ههنا كلام حسن في النيل (ج١:ص٣٩) . فارجع إليه وفي الحديث دليل على أن دم الحيض لا يعفى يسيره وإن قل لعمومه، حيث لم يفرق بين قليلة وكثيرة، ولا سألها عن مقداره، ولم يحد فيه مقدار الدرهم، ولا دونه، وبه قال الشافعي في الجديد، خلافاً للأئمة الثلاثة، فإنهم ذهبوا إلى الفرق بين القليل من الدم والكثير، فاليسير منه معفو عندهم، وإنما الاختلاف بينهم في مقدار اليسير وتحديده، والحديث محمول عندهم على الدم الكثير. وارجع للتفصيل إلى المغني (ج١:ص٧٢٨-٧٣١) والشرح الكبير (ج١:ص٣٠٤-٣٠٥) . (متفق عليه) أخرجه البخاري في الطهارة والصلاة والبيوع، ومسلم في الطهارة، وأخرجه أيضاً مالك وأحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه. ٤٩٧- قوله: (وعن سليمان بن يسار) بتحتية مفتوحة وسين مهملة خفيفة، الهلالي المدني مولى ميمونة زوج

стр. 605

يصيب الثوب. فقالت: كنت أغسله من ثوب رسول الله ﷺ ، فيخرج إلى الصلاة وأثر الغسل في ثوبه)) . متفق عليه. ٤٩٨- (٦) وعن الأسود وهمام، عن عائشة قالت: ((كنت أفرك المنى من ثوب رسول الله ﷺ )) . ــ النبي ﷺ ، ويقال: كان مكاتباً لأم سلمة أم المؤمنين، ثقة، فاضل، من كبار تابعي المدينة، وأحد الفقهاء السبعة. قال ابن سعد: كان ثقةً، عالماً رفيعاً، فقيهاً، كثير الحديث. مات سنة (١٠٧) وهو ابن (٧٣) سنة. وقيل: في وفاته غير ذلك. (يصيب الثوب) يحتمل الوصف والحال. (كنت أغسله) أي: المنى. (من ثوب رسول الله ﷺ ) قد استدل به لمالك وأبي حنيفة على نجاسة المنى. لأن الغسل لا يكون إلا من نجس. وأجيب بأن غسلها فعل وهو لا يدل على الوجوب بمجرده، فهو محمول على التنزه والاستحباب لأجل النظافة، وإزالة الدرن ونحوه. قال الشوكاني في النيل (ج١:ص٥٤) لم يثبت الأمر بغسله من قوله ﷺ في شيء من أحاديث الباب، وإنما كانت تفعله عائشة، ولا حجة في فعلها إلا إذا ثبت أن رسول الله ﷺ علم بفعلها وأقرها، على أن علمه بفعله وتقريره لها لا يدل على المطلوب، لأن غاية ما هناك أنه يجوز غسل المنى من الثوب وهذا مما لا خلاف فيه، بل يجوز غسل ما كان متفقاً على طهارته كالتراب والطيب، فكيف بما كان مستقذار انتهى. وقال ابن الجوزي: ليس في هذا الحديث حجة، لأن غسله كان للاستقذار لا للنجاسة، كذا في نصب الراية (ج١:ص٢١٠) . واحتج أيضاً على نجاسة المني بالقياس على غيره من فضلات البدن المستقذرة من البول والغائط لانصباب جميعها إلى مقر، وانحلالها عن الغذاء، ولأن الأحداث الموجبة للطهارة نجسة والمني منها، ولأنه يجري من مجرى البول فينجس، ولا يخفى ما فيه، وللقائلين بالنجاسة دلائل أخرى ذكرها النيموى في آثار السنن، وقد أوضح ما فيها من الخدشات شيخنا في أبكار المنن (ص٣٣-٣٦) . فعليك أن تراجعه. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً الترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه. ٤٩٨- قوله: (وعن الأسود) وهو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي أبوعمر أو أبوعبد الرحمن، مخضرم ثقة مكثر، فقيه من كبار التابعين. وقال الطيبي: أدرك زمن النبي ﷺ ولم يره، ورأى الخلفاء الراشدين. وهو خال إبراهيم النخعي. مات سنة (٧٤) . وقيل سنة (٧٥) وقال المصنف: هو الأسود بن هلال المحاربي (مخضرم ثقة) وفيه نظر لأنه لم يذكره أحد أنه روى عن عائشة. (وهمام) بالتشديد، هو همام بن الحارث بن قيس بن عمرو النخعي الكوفي، ثقة عابد من كبار التابعين مات سنة (٦٥) . (كنت أفرك) بضم الراء من باب نصر، وقد تكسر، والفرك الدلك حتى يذهب الأثر عن الثوب. (المني من ثوب رسول الله ﷺ ) وفي لفظ لمسلم عن عائشة: لقد كنت أحكه يابساً بظفرى من ثوبه. قال الحافظ: وقد ورد الأمر بفركه من طريق صحيحه. رواها ابن الجارود في المنتقي عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يأمرنا

стр. 606

رواه مسلم. وبرواية علقمة والأسود، عن عائشة نحوه، وفيه: ثم يصلي فيه. ــ بحته. قال وأما الأمر بغسله فلا أصل له. والحديث قد استدل به للشافعي وأحمد وداود واسحق على طهارة المني لأنه لو كان نجساً لم يكف فركه كالدم. وللزم بطلان الصلاة فيما إذا صلى في الثوب الذي فرك منه المني لأن الفرك لا يقلع المني بل يخففه ويقلله فقط. ولما اكتفى فيه بالفرك مع أن الفرك لا يقطعه ولا يزيله بالكلية، وإنما يقلله، علم أنه طاهر. واستدل لهم أيضاً بحديث عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه، ويحته يابساً ثم يصلي فيه، أخرجه أحمد. قال الحافظ بإسناد حسن. وبحديث عائشة: أنها كانت تسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه، وتحكه من ثوبه يابساً ثم يصلي فيه. أخرجه ابن خزيمة. ذكره الحافظ في الفتح وسكت عنه. وأجيب عن هذه الأحاديث بأن ذلك لا يدل على الطهارة وإنما يدل على كيفية التطهير، فغاية الأمر أنه نجس خفف في تطهيره بما هو أخف من الماء، والماء لا يتعين لإزالة جميع النجاسات وإلا لزم عدم طهارة العذرة التي في النعل، لأن النبي ﷺ أمر بمسحها في التراب، ورتب على ذلك الصلاة فيها قاله الشوكاني في النيل (ج١:ص٥٤) . واحتج لهم أيضاً بأن الأصل الطهارة فلا ينتقل عنها إلا بدليل. قال الشوكاني: وأجيب بأن التعبد بالازالة غسلاً، أو مسحاً، أو فركاً أو حتاً أو سلتاً أو حكاً ثابت ولا معنى لكون الشيء نجساً إلا أنه مأمور بإزالته بما أحال عليه الشارع، فالصواب أن المني نجس يجوز تطهيره بأحد الأمور الواردة - انتهى. قلت: الظاهر أن المني نجس يطهره الغسل، أو الفرك، أو الحت، أو الحك، أو السلت، والإزالة بالإذخر عملاً بالأحاديث. وأما الفرق بين الرطب واليابس بوجوب الغسل في الأول والاكتفاء بالفرك في الثاني فليس بصحيح عندي لما تقدم من حديث عائشة عند أحمد وابن خزيمة، فإنه يتضمن ترك الغسل في الحالتين. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وابن الجارود، ولم يخرجه البخاري بل اكتفى بالإشارة إليه في ترجمته، فقال"باب غسل المني وفركه" وهذا على عادته بالإشارة إلى الأحاديث التي لا تكون على شرطه في تراجم أبوابه. (وبرواية علقمة) النخعي. (والأسود عن عائشة نحوه) أي: نحو رواية الأسود، وهمام عن عائشة ومعناها، وهو مرفوع على أنه مبتدأ خبره الجار المتقدم، و"عن عائشة" متعلق برواية. (وفيه) أي: وفي مرويهما زيادة قولهما. (ثم يصلي فيه) أي: في ذلك الثوب الذي أفرك منه المني. وفي رواية أخرى لمسلم: فيصلي فيه، ذكر المصنف هذه الزيادة رداً على من قال من أصحاب مالك: إن الثوب الذي اكتفت عائشة فيه بالفرك ثوب النوم، والثوب الذي غسلته هو ثوب الصلاة، والرواية التي ذكرناها صريحة في الرد عليهم فإن التعقيب بالفاء ينفي احتمال تخلل الغسل بين الفرك والصلاة، وإنما احتاج أصحاب مالك إلى تأويله لأن مالكاً وأصحابه لم يقولوا بالفرك وأوجبوا الغسل رطباً ويابساً، وحمل بعضهم الفرك على الدلك بالماء, وهذا أيضاً مردود عليهم بما ورد في الباب من الروايات الصريحة في الاكتفاء بالفرك من غير ماء. هذا وفي المقام مجادلات ومقاولات ومناظرات محلها المطولات من كتب شروح الحديث، وكتب الفروع للمذاهب الأربعة.

стр. 607

٤٩٩- (٧) وعن أم قيس بنت محصن: ((أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ ، في حجره، فبال على ثوبه، فدعاء بماء، فنضحه، ولم يغسله)) . ــ ٤٩٩- قوله: (وعن أم قيس بنت محصن) بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الصاد بعدها نون، الأسدية أخت عكاشة بن محصن الأسدي، أسلمت بمكة قديماً وبايعت النبي ﷺ وهاجرت إلى المدينة يقال: إن اسمها آمنة. لها أربعة وعشرون حديثاً، اتفقا على حديثين عن أبي الحسن مولى أم قيس عن أم قيس، قالت: توفى ابني فجزعت فقلت للذي يغسله: لا تغسله بالماء البارد فتقتله. فانطلق عكاشة إلى رسول الله ﷺ فأخبره بقولها، فتبسم ثم قال: طال عمرها فلا نعلم امرأة عمرت ما عمرت. (أنها أتت بابن لها) لم يسم ومات في عهد النبي ﷺ . (صغير) بالجر صفة لابن. (لم يأكل الطعام) صفة ثانية لابن، والمراد بالطعام ما عدا اللبن الذي يرتضعه، والتمر الذي يحنك به، والعسل الذي يلعقه للمداواة وغيرها، فكان المراد أنه لم يحصل له الاغتذاء بغير اللبن على الاستقلال. (في حجره) بفتح الحاء على الأشهر وتكسر وتضم، أي: حضنه. (فبال على ثوبه) أي: ثوب النبي ﷺ ، وحمله على ثوب الصبي كما قال بعض المالكية بعيد خلاف الظاهر. (فنضحه) أي: رش الماء على موضع البول من الثوب، ففي رواية الترمذي وابن ماجه وابن حبان "فرشه عليه"وكذا وقع في لفظ لمسلم, والروايات يفسر بعضها بعضاً، ويؤيده ما في الصحاح، والقاموس، والمصباح، والكشاف، والنهاية أن النضح الرش، وقد يذكر النضح، والرش، ويراد بهما الغسل، لكن إذا لم يكن هناك مانع يمنع من إرادة الرش بل يكون دليل يدل على إرادة الغسل كما لايخفى على من له وقوف على موارد استعمالهذين اللفظين، وليس فيما نحن فيه قرينة تدل على أن المراد بالنضح والرش الغسل، بل ههنا دليل صريح يدل على عدم إرادة الغسل، وهو قوله: (ولم يغسله) وفي رواية لمسلم: ولم يزد على أن نضح بالماء، فقوله: لم يغسله، دليل واضح على أنه لم يرد بالنضح الغسل، ورد صريح على من تأول من الحنفية والمالكية القائلين بعدم التفرقة بين بول الصبي الرضيع وبول الجارية النضح بالغسل، فإنه لو كان المراد بالنضح الغسل لكان المعنى فغسله ولم يغسله وهو كما ترى وأما قولهم: بأن المراد بقولها: ولم يغسله، أي: غسلاً مبالغاً فيه فمردود عليهم، فإنه خلاف الظاهر، ولا دليل عليه. قال السندي بعد ذكر تأويلهم هذا: هو تأويل بعيد، ومع بعده مخالف للمذهب أيضاً إذ ما تعرضوا في كتب الفقه للخفة والمبالغة - انتهى. وقال ابن دقيق العيد: هو خلف الظاهر، وببعده ما ورد في الأحاديث الأخر من التفرقة بين بول الصبي والصبية فإنهم لا يفرقون بينهما- انتهى. قلت: أراد بالأحاديث الأخر حديث لبابة، وحديث أبي السمح الآتيين في الفصل الثاني وحديث علي عند أحمد والترمذي وأبي داود، وغيرهم بلفظ: يغسل بول الجارية، وينضح بول الغلام. قال قتادة راوية: هذا ما لم يطعما الطعام، فإذا طعما غسلاً جميعاً. فهذه الأحاديث لا شك أنها تبعد تأويلهم بل تبطله، فإن حمل النضح والرش على الغسل يحيل معنى هذه الأحاديث إلى أنه يغسل بول الجارية، ويغسل بول الغلام وما أظن أن أحداً له مساس بالعلم أو معرفة باللغة يرضي أن يحمل كلام رسول الله ﷺ على هذا المعنى. وأما ما وقع في

стр. 608

متفق عليه. ٥٠٠- (٨) وعن عبد الله بن عباس، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا دبغ الإهاب فقد طهر)) . رواه مسلم. ٥٠١- (٩) وعنه، قال: تصدق على مولاة لميمونة بشاة، فماتت، فمر بها رسول الله ﷺ فقال: ((هلا أخذتم إهابها فدبغتموه، فانتفعتم به! فقالوا إنها ميتة، فقال: إنما حرم أكلها)) . ــ في حديث عائشة عند مسلم: فدعاء بماء فصبه عليه، وعند البخاري"فأتبعه إياه" فالمراد بالصب وإتباع الماء، هو الرش والنضح لا الغسل، يدل عليه ما في رواية لمسلم والطحاوي: فأتبعه الماء ولم يغسله. وفي أخرى للطحاوي: فنضحه عليه. ويأتي بقية الكلام في شرح حديث لبابة. (متفق عليه) أخرجاه في الطهارة، وفي الطب، وأخرجه أيضاً مالك وأحمد واو داود الطيالسي، وابن سعد في الطبقات، والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه. ٥٠٠- قوله: (إذا دبغ) بصيغة المجهول من ضرب ونصر وفتح، الدبغ والدباغ والدباغة عبارة عن إزالة الرائحة الكريهة والرطوبات النجسة باستعمال الأدوية أو بغيرها. قال إبراهيم النخعي: كل شيء يمنع الجلد من الفساد فهو دباغ. (الإهاب) بكسر الهمزة هو الجلد، أو ما لم يدبغ كما في القاموس، ومثله في النهاية، وفي الصحاح: الإهاب الجلد ما لم يدبغ. وبه فسر النضر بن شميل، كما روى أبوداود عنه في سننه. (فقد طهر) بضم الهاء وفتحها لغتان، والفتح أفصح، أي: ظاهره وباطنه فيجوز استعماله في الأشياء اليابسة والمائعة. وفي رواية أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه: أيما إهاب دبغ فقد طهر، وفيه دليل على أن الدباغ يطهر جلد ميتة كل حيوان من غير فرق بين مأكول اللحم وغيره، لعموم كلمة"أيما" ولأن لفظ الإهاب بعمومه يشمل جلد مأكول اللحم وغيره. واستثنى منه الخنزير لنجاسة عينة، لقوله تعالى: ﴿فإنه رجس﴾ والضمير للخنزير فقط، حكم برجسية كله، والكلب مقيس عليه بجامع النجاسة. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً الشافعي وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم. ٥٠١- قوله: (تصدق) بصيغة المجهول. (على مولاة) أي: عتيقة. (لميمونة) أم المؤمنين. (بشاة) متعلق بتصدق. (فماتت) أي: الشاة. (فمر بها) أي: بالشاة. (هلا) تحضيضية أي: لم لا (فدبغتموه فانتفعتم به) فيه دليل على أن جلود الميتة لا يجوز الانتفاع بها أي: انتفاع كان إلا بعد الدباغ، وأما قبل الدباغ فلا يجوز الانتفاع كالبيع وغيره، وهو القول الراجح المعول عليه. ولم يقع في رواية البخاري والنسائي ذكر الدباغ، وهي محمولة على الرواية المقيدة بالدباغ. (إنما حرم) قال النووي: رويناه على وجهين: حرم بفتح الحاء وضم الراء وحرم بضم الحاء وكسر الراء المشددة. (أكلها) أي: أكل الميتة. وأما جلدها فيجوز دباغته ويطهر بها حتى يجوز استعماله في الأشياء الرطبة والوضوء منه، والصلاة معه وعليه.

стр. 609

متفق عليه. ٥٠٢- (١٠) وعن سودة زوج النبي ﷺ ، قالت: ((ماتت لنا شاة، فدبغنا مسكها، ثم مازلنا ننبذ فيه حتى صار شناً)) . رواه البخاري. ﴿الفصل الثاني﴾ ٥٠٣- (١١) عن لبابة بنت الحارث، قالت: ((كان الحسين بن علي في حجر رسول الله ﷺ ، فبال على ثوبه. فقلت: إلبس ثوباً، وأعطني إزارك حتى أغسله، قال: إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر)) . ــ وفي شرح السنة: فيه دليل لمن ذهب إلى أن ماعدا المأكول غير محرم الانتفاع كالشعر، والسن والقرن ونحوها، وقالوا: لا حياة فيها فلا تنجس بموت الحيوان. وجوزوا استعمال عظام الفيل، وقالوا: لا بأس بتجارة العاج - انتهى. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الزكاة، والبيوع والذبائح، ومسلم في الطهارة، وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود في اللباس والنسائي في الفرع، وابن ماجه في اللباس إلا أنه قال فيه "عن ميمونة" جعله من مسندها. ٥٠٢- قوله: (وعن سودة) بنت زمعة بن قيس بن عبدشمس العامرية القرشية أم المؤمنين، أسلمت بمكة قديماً، وهاجرت هي وزوجها إلى الحبشة الهجرة الثانية، ومات زوجها هناك، واسمه السكران بن عمرو، فتزوجها رسول الله ﷺ ودخل بها مكة، وذلك بعد موت خديجة، وقبل أن يعقد عائشة، وهاجرت إلى المدينة. قالوا: لما أسنت هم النبي ﷺ بطلاقها فوهبت يومها لعائشة. وتوفيت سنة (٥٥) على الصحيح، لها أحاديث، انفرد البخاري بحديث. (فدبغنا مسكها) بفتح الميم أي: جلدها، وسمى به لأنه يمسك ما فيه من الماء وغيره. (ثم مازلنا) بكسر الزاى. (ننبذ فيه) بكسر الباء من ضرب أي: ننقع فيه التمر وغيره، يعني نعمل فيه نبيذاً من تمر وغيره. (حتى صار شناً) بفتح الشين المعجمة وتشديد النون أي: قربة خلقة. (رواه البخاري) في النذور، وأخرجه أيضاً أحمد، والنسائي في الفراغ. ٥٠٣- قوله: (عن لبابة) بضم اللام وتخفيف الموحدتين. (بنت الحارث) بن حزن الهلالية أم الفضل زوج العباس بن عبد المطلب، وأم ستة من بنيه، وأخت ميمونة أم المؤمنين لأبويها. قال ابن عبد البر: يقال: إنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة، وكانت من المنجبات، وكان النبي ﷺ يزورها. لها ثلاثون حديثاً، اتفقا على حديث، وانفرد كل منهما بحديث. ماتت بعد زوجها العباس في خلافة عثمان. (في حجر رسول الله) بكسر الحاء وتفتح وتضم. (فبال على ثوبه) أي: إزاره ﷺ . (إلبس) بفتح الباء أمر من سمع. (ثوباً) آخر. (وأعطني إزارك) أي: المتلوث بالبول. (إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر) الحديث حجة صريحة في الفرق بين بول الصبي وبول الصبية، وأن

стр. 610

رواه أحمد، وأبوداود، وابن ماجه. ٥٠٤- (١٢) وفي رواية لأبي داود، والنسائي، عن أبي السمح، قال: ((يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام)) ــ بول الصبي يكفي فيه النضح بالماء، ولا حاجة فيه للغسل، وأن بول الصبية لا يكفي فيه النضح والرش بل لا بد من غسله، وهو أصح المذاهب في ذلك وأقواها، وذلك قبل أن يأكلا الطعام كما قيده به قتادة راوي حديث علي، وقد ذكرنا لفظه. وعند ابن حبان في صحيحه، وابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن شهاب: مضت السنة أن يرش بول من لم يأكل الطعام من الصبيان. والمراد بالنضح كما قاله النووي في شرح مسلم: هو أن الشيء الذي أصابه البول يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا تبلغ جريان الماء وتردده وتقاطره، بخلاف المكاثرة في غيره، فإنه يشترط أن تكون بحيث يجري عليها بعض الماء ويتقاطر من المحل، وإن لم يشترط عصره، وهذا هو الصحيح المختار، وهو قول إمام الحرمين والمحققين كذا في سبل السلام (ج١:ص٥٤) . (رواه أحمد) (ج٦:ص٣٣٩) . (وأبوداود) وسكت عليه هو والمنذري. (وابن ماجه) وأخرجه أيضاً ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والطبراني والكجي في سننه والبيهقي والطحاوي. ٥٠٤- قوله: (وفي رواية لأبي داود، والنسائي عن أبي السمح) هو مولى رسول الله ﷺ وخادمه. قيل: اسمه إياد، بكسر الهمزة وتخفيف الياء تحتها نقطتان، وقيل: اسمه كنيته، صحابي، له حديث واحد، قطعه النسائي في موضعين: أي: في باب ذكر الاستتار عند الاغتسال، وفي باب بول الجارية. قال ابن عبد البر يقال: إنه ضل فلا يدري أين مات قال ميرك: قوله: والنسائي بالرفع، عطف على ابن ماجه. قال القاري: وفي سائر النسخ المصححة بالجر وهو الظاهر، لكن إنما يصح الجر لو كان للنسائي روايتان كما لا يخفى، فحينئذٍ لو كانت الرواية الأخرى له كأحمد وغيره من المذكورين فكان للمصنف أن يذكره معهم أولاً أيضاً كما ذكر أباداود مرتين، وإن كان النسائي ليس له إلا رواية واحدة كالرواية الثانية لأبي داود فيتعين الرفع، لكن لا بالعطف على ابن ماجه لوجود الفصل بالأجنبي، بل على أنه مبتدأ خبره كذلك، كما قيل في قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابؤون﴾ [٦٩:٥] بالرفع والله أعلم - انتهى. قلت: عبارة المصنف بظاهرها توهم أن للنسائي روايتين كأبي داود، إحداهما عن لبابة، والأخرى عن أبي السمح، والأمر ليس كذلك، فإن حديث لبابة لم يروه النسائي، فالأحسن أن يقول: وروى أبوداود أيضاً والنسائي عن أبي السمح، الخ. والحديث أخرجه أيضاً البزار وابن ماجه وابن خزيمة والبغوي والحاكم وصححه، وسكت عنه أبوداود والمنذري، وقال البخاري: حديث حسن، ولفظه عند أبي داود: قال كنت أخدم النبي ﷺ فكان إذا أراد أن يغتسل قال: ولني قفاك فأوليه قفاي بأستره به فأتى بحسن أو حسين ﵄ فبال على صدره يعني موضعه من الثياب فجئت أغسله، فقال: (يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام) أي: الرضيع. ففي حديث علي عند أحمد والترمذي وابن ماجه: أن النبي ﷺ قال في بول الرضيع: ينضح بول الغلام

стр. 611

٥٠٥- (١٣) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى، فإن التراب له طهور)) . ــ الحديث. فهذا تقييد للفظ اللام بكونه رضيعاً، وهكذا يكون تقييداً للفظ الصبي والصغير والذكر الواردة في بقية الأحاديث. وحديث أبي السمح يبين أن المراد بالنضح في حديث لبابة هو الرش. ويرد كغيره من أحاديث الباب على من لم يفرق بين بول الرضيع وبول الجارية إتباعاً للقياس على بول الشيخ. وفي صنيعهم هذا تقديم للقياس على النص ورد للسنن الصحيحة الصريحة. قال ابن القيم: والفرق بين الصبي والصبية من ثلاثة أوجه: أحدها: كثرة حمل الرجال والنساء للذكر فتعم البلوى ببوله فيشق عليه غسله. والثاني: أن بوله لا ينزل في مكان واحد بل ينزل متفرقاً ههنا وههنا، فيشق غسل ما أصابه كله بخلاف بول الأنثى. الثالث: أن بول الأنثى أخبث وأنتن من بول الذكر، وسببه حرارة الذكر، ورطوبة الأنثى، فالحرارة تخفف من نتن البول، وتذيب منها ما يحصل مع الرطوبة، وهذه المعاني مؤثرة يحسن اعتبارها في الفرق - انتهى. وذكر الشافعي في الفرق وجها آخر كما رواه ابن ماجه في سننه، والحق فيه وفي مثله التعبد والإتباع، والسؤال عن الحكم خارج عن ذلك، فالواجب على الفقيه أن يتبع أمر رسول الله ﷺ حيث وجده، ولا يضرب له الأمثال. ٥٠٥- قوله: (إذا وطئ) بكسر الطاء أي: مسح وداس. (أحدكم بنعله) وفي معناه الخف. (الأذى) أي: النجاسة رطبة كانت أو يابسة، متجسدة أو غير متجسدة. (فإن التراب) أي: بعد المكان الموطؤ. (له) أي: لنعل أحدكم. (طهور) وفي رواية: إذا وطئ الأذى بخفيه فطورهما التراب. والحديث يدل بإطلاقه على أنه إذا أصابت النجاسة النعل فطهارته بالمسح والدلك، سواء كانت ذات جرم كالعذرة أو غير ذات جرم كالبول، وسواء كانت رطبة أو جافة، ويؤيده ما رواه أبوداود وغيره عن أبي سعيد الخدري قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه - الحديث. وفيه: إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأي في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه وليصل فيهما. وأعلم أن الحديثين قد خالف ظاهرهما أبوحنيفة، فإن مذهبه أن النعل لا يطهر بالمسح إلا بالغسل، ولأجل هذين الحديثين وما في معناهما ترك الحنفية مذهبه في هذا الباب، واختاروا مذهب أبي يوسف، ومذهبه أن النعل يطهر بالدلك إذا أصابته نجاسة لها جرم، رطبة كانت أو جافة أما إذا لم تكن لها جرم فلا يطهر إلا بالغسل. والفتوى عند الحنفية على قول أبي يوسف، ففي البحر الرائق (ج١:ص٢٢٣) : وعلى قوله: أكثر المشائخ. وفي النهائية والعناية والخلاصة: وعليه الفتوى. وفي فتح القدير: وهو المختار لعموم البلوى، ولإطلاق الحديث - انتهى. وفي فتاوى قاضي خان: وعليه الفتوى لعموم البلوى. قال شيخنا في أبكار المنن (ص٤٦) هذان الحديثان بإطلاقهما حجتان على أبي يوسف أيضاً أي: كما أنهما

стр. 612

رواه أبوداود، ولابن ماجه معناه. ٥٠٦- (١٤) وعن أم سلمة، قالت لها امرأة: ((إني أطيل ذيلي، وأمشي ــ حجتان على أبي حنيفة، لأن إطلاقهما يدل على أنه لا فرق بين أن تكون النجاسة ذات جرم أو لم تكن، كما أن إطلاقهما يدل على أنه لا فرق بين أن تكون النجاسة رطبة أو جافة، وهو أي: أبويوسف يقول بالفرق بين الرقيقة والكثيفة، وإن لم يقل بالفرق بين الرطب واليابس. وأما ما قالوا في توجيه الفرق بينهما عنده: أنه مفاد بقوله: طهور أي: مزيل، ونحن نعلم أن النعل إذا تشرب البول لا يزيله المسح، فإطلاقه مصروف إلى ما يقبل الإزالة بالمسح. فقد رده العلامة ابن الهمام في فتح القدير (ص٧٦) بأنه لا يخفى ما فيه، إذ معنى طهور مطهر. واعتبر ذلك شرعاً بالمسح المصرح في الحديث وكما لا يزيل ما تشربه من الرقيق كذلك لا يزيل ما تشرب من الكثيف حالة الرطوبة، والحاصل فيه بعد إزالة الجرم كالحاصل قبل الدلك في الرقيق، فإنه لا يشرب إلا ما في استعداده قبوله وقد يصيبه من الكثيفة الرطبة مقدار كثير يشربه من رطوبته مقدار ما يشربه من بعض الرقيق - انتهى. والحاصل أن النعل أو الخف إذا أصابته نجاسة يطهر بالدلك كثيفة كانت أو رقيقة، رطبة كانت أو يابسة، لإطلاق الحديثين وهو الحق، وما ذهب إليه الإمام أبوحنيفة وأبويوسف ليس بصواب - انتهى. (رواه أبوداود) من طريق أبي المغيرة، والوليد بن مزيد، وعمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي قال: أنبئت أن سعيد بن أبي سعيد المقبري حدث عن أبيه، عن أبي هريرة، وفيه مجهول كما ترى، لأن الأوزاعي لم يسم شيخه. ولعل الرجل الذي أبهمه هو محمد بن عجلان في الطريق الآتي، فروى أبوداود أيضاً من طريق محمد بن كثير الصنعاني، عن الأوزاعي، عن ابن عجلان عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بمعناه، ومحمد بن كثير وإن ضعف لكنه تابعه على هذا أبوالمغيرة، والوليد، وعمر كما تقدم، وكلهم ثقات، وابن عجلان وإن ضعفه بعضهم لكن الأكثرين على توثيقه. والحديث أخرجه أيضاً ابن السكن وابن حبان في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، والبيهقي والطحاوي. قال النووي في الخلاصة: رواه أبوداود بإسناد صحيح - انتهى. وقال ابن الهمام: حديث أبي هريرة حسن لم يطعن فيه. كذا في المرقاة (ج١:ص٣٥٦) وقد اعترف بحسن إسناد حديث أبي هريرة هذا النيموي أيضاً. قلت: وله شاهدان بمعناه عند أبي داود وغيره من حديث عائشة، ومن حديث أبي سعيد. وتقدم ذكر لفظ حديث أبي سعيد. (ولابن ماجه معناه) ولفظه: قيل: يارسول الله! إنا نريد المسجد فنطأ الطريق النجسة، فقال رسول الله ﷺ : يطهر بعضها بعضاً. قال في الزوائد: إسناده ضعيف، فإن إبراهيم بن إسماعيل اليشكري مجهول الحال، قال الذهبي: وشيخه إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة مما اتفقوا على ضعفه. ٥٠٦- قوله: (إني أطيل) من الإطالة (ذيلي) بفتح الذال المعجمة، هو طرف الثوب الذي يلي الأرض وإن

стр. 613

في المكان القذر، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((يطهر ما بعده)) . رواه مالك، وأحمد، والترمذي، وأبوداود، والدارمي وقالا: المرأة أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. ــ لم يمسها. (في المكان القذر) بفتح فكسر، النجس، أي: في مكان ذي قذر. (قال رسول الله ﷺ ) في جواب مثل هذا السؤال. (يطهره) أي: الذيل. (ما بعده) في محل الرفع فاعل يطهر، أي: المكان الذي بعد المكان القذر بزوال ما يتثبت بالذيل من القذر، سواء كان المكان القذر رطباً أو يابساً، والنجاسة متجسدة أو غير متجسدة، فلا حاجة إلى الغسل لإطلاق الحديث. وهذا يدل على عدم الفرق بين الذيل للمرأة، والخف والنعل للرجل، وهو الحق، ويؤيد ذلك الحديث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب. قال الشيخ ولي الله الدهلوي في المسوى شرح المؤطا تحت حديث أم سلمة هذا: إن أصاب الذيل نجاسة الطريق ثم مر بمكان آخر، واختلط به طين الطريق، وغبار الأرض، وتراب ذلك المكان، ويبست النجاسة المتعلقة، فيطهر الذيل المنجس بالتناثر أو الفرك، وذلك معفو عنه عن الشارع بسبب الحرج والضيق، كما أن غسل العضو والثوب من دم الجراحة معفو عنه عند المالكية، وكما أن النجاسة الرطبة التي أصابت الخف تزيل بالدلك، ويطهر الخف عند الحنفية والمالكية بسبب الحرج، وكما أن الماء الواقع المستنقع في الطريق وإن وقع فيه النجاسة معفو عنه عند المالكية بسبب الحرج، وإني لا أجد الفرق بين الثوب الذي أصابه دم الجراحة والثوب الذي أصابه الماء المستنقع النجس، وبين الذيل الذي تعلقت به نجاسة رطبة، ثم اختلط به غبار الأرض وترابها وطين الطريق، فتناثرت به النجاسة أو زالت بالفرك فإن حكمها واحد، وما قال البغوي: إن الحديث محمول على النجاسة اليابسة التي أصابت الثوب ثم تناثرت بعد ذلك ففيه نطر، لأن النجاسة التي تتعلق بالذيل في المشى في المكان القذر تكون رطبة في غالب الأحوال، وهو معلوم بالقطع في عادة الناس، فإخراج الشيء الذي تحقق وجوده قطعاً أو غالباً عن عادته الأصلية بعيد. وأما طين الشارع يطهره ما بعده، ففيه نوع من التوسع في الكلام، لأن المقام يقتضي أن يقال: هو معفو عنه، أو لا بأس به، لكن عدل عنه إلى إسناد التطهير إلى شيء لا يصلح أن يكون مطهراً للنجاسة، فعلم أنه معفو عنه، وهذا أبلغ من الأول -انتهى. (رواه مالك، وأحمد، والترمذي، وأبوداود والدارمي) وأخرجه أيضاً الشافعي، وابن ماجه، وسكت عنه أبوداود والمنذري. وقال القاضي أبوبكر بن العربي: هذا الحديث مما رواه مالك فصح وإن كان غيره لم يره صحيحا- انتهى. والعلة على ما قيل جهالة المرأة التي روت هذا الحديث عن أم سلمة وهي مدفوعة كما سيأتي. (وقالا) أي: أبوداود والدارمي. (المرأة) أي: السائلة الراوية للحديث. (أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف) وكذا قال ابن ماجه، وهي تابعية صغيرة مقبولة اسمها حميدة على ما في التقريب. واختيار مالك حديثها وإخراجه في موطئه يدل أيضاً على أنها غير مجهولة، لأنه أعرف الناس بأهل المدينة وأشدهم احتياطاً في الرواية عنهم، والقول قول من عرف.

стр. 614

٥٠٧- (١٥) وعن المقدام بن معديكرب، قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن لبس جلود السباع والركوب عليها)) . رواه أبوداود، والنسائي. ٥٠٨- (١٦) وعن أبي المليح بن أسامة، عن أبيه، عن النبي ﷺ ((نهى عن جلود السباع)) . رواه أحمد، وأبوداود، والنسائي، وزاد الترمذي، والدارمي: أن تفترش. ــ ٥٠٧- قوله: (نهى عن لبس جلود السباع) بضم اللام، فإنه مصدر لبس يلبس كعلم يعلم، بخلاف فتح اللام فإنه مصدر لبس يلبس كضرب يضرب بمعنى خلط. (والركوب عليها) أي: عن القعود عليها. وفيه وفي حديث أبي المليح الآتي دليل على أنه لا يجوز الانتفاع بجلود السباع من اللبس والركوب، وقيل: قبل الدباغ لأنها نجسة، أو مطلقاً إن قيل بعدم طهارة الشعر بالدبغ بناء على أن الدباغ لا يؤثر في الشعر ولا يغيره عن حاله. وإن قيل بطهارته، فالنهي عنها لكونها من دأب الجبابرة وأهل الخيلاء والسرف وعمل المترفهين. وقد استدل بعضهم بحديث المقدام هذا وما في معناه على أن الدباغ لا يطهر جلود السباع، بناء على أنه مخصص للأحاديث القاضية بأن الدباغ مطهر على العموم. قال الشوكاني: وهذا الاستدلال غير ظاهر، لأن غاية ما فيه مجرد النهي عن الركوب عليها وافتراشها. ولا ملازمة بين ذلك وبين النجاسة، كما لا ملازمة بين النهي عن الذهب والحرير ونجاستهما فلا معارضة، بل يحكم بالطهارة بالدباغ مع منع الركوب عليها ونحوه، مع أنه يمكن أن يقال: أن النهي عن جلود السباع أعم من وجه من الأحاديث القاضية بأن الدباغ مطهر على العموم لشمولها لما كان مدبوغاً من جلود السباغ وما كان غير مدبوغ - انتهى. (رواه أبوداود) في اللباس في قصة طويلة وسكت عنه. وفيه بقية بن الوليد عن بحير بن سعد. وبقية صدوق كثير التدليس. وروى أحمد (ج١:ص١٣٢) طرفاً من تلك القصة من حديث بقية عن بحير، وقد صرح فيه بقية بالتحديث. (والنسائي) في الفرع مختصراً من غير ذكر القصة. ٥٠٨- قوله: (وعن أبي المليح) بفتح الميم وكسر اللام. (بن أسامة) بن عمير أو عامر بن حنيف بن ناجية الهذلي. قيل: اسم أبي المليح عامر، وقيل: زيد، وقيل: زياد، ثقة من أوساط التابعين. مات سنة (٩٨) وقيل: سنة (١٠٨) وقيل: بعد ذلك. روى عن جماعة من الصحابة. (عن أبيه) أي: أسامة بن عمير الهذلي البصري، صحابي، له سبعة أحاديث، روى عنه ابنه أبوالمليح فقط، تفرد عنه. (نهى) وفي بعض النسخ: أنه نهي. (عن جلود السباع) أي: عن الانتفاع بها من اللبس والقعود ونحوهما لما فيه من التكبر، أو لأن الشعر نجس لا يقبل الدباغ. (رواه أحمد وأبوداود) في اللباس وسكت عنه. (والنسائي) في الفرع. (وزاد الترمذي) في اللباس. (والدارمي) في الأضاحي، يعني رويا هذا الحديث وزادا فيه (أن تفترش) أي: تبسط ويجلس عليها. قال الترمذي: لا نعلم أحداً قال: عن أبي المليح

стр. 615

٥٠٩- (١٧) وعن أبي المليح، أنه كره ثمن جلود السباع. رواه ٥١٠- (١٨) وعن عبد الله بن عكيم، قال: أتانا كتاب رسول الله ﷺ : ((أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)) . ــ عن أبيه، غير سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، ثم أخرجه الترمذي من حديث شعبة، عن يزيد الرشك، عن أبي المليح، عن النبي ﷺ مرسلاً، وقال: وهذا أصح. ونقل المنذري كلام الترمذي هذا وأقره، ونظر بعضهم في كلام الترمذي بأن شعبة وإن كان أحفظ وأتقن من سعيد بن أبي عروبة، لكن ابن أبي عروبة لم يتفرد بروايته موصولاً بل تابعه عليه يحيى بن سعيد عن قتادة عند الدارمي، ويؤيده أيضاً أن البيهقي (ج١:ص٢١) أخرجه من طريق يزيد بن هارون عن شعبة عن يزيد الرشك موصولاً، وقال: رواه غيره عن شعبة عن يزيد عن أبي المليح مرسلاً دون ذكر أبيه - انتهى. ٥٠٩- قوله: (وعن أبي المليح أنه) أي: أن رسول الله ﷺ . (كره ثمن جلود السباع) أي: بيعها وشراءها، قاله ابن الملك. قال المظهر: ذلك قبل الدباغ لنجاستها أما بعده فلا كراهة (رواه) أي: مرسلاً من غير ذكر عن أبيه، وههنا بياض، وألحق به "الترمذي" قال الطيبي: رواه في كتاب اللباس من جامعه، وسنده وجيه، وكذا قال السيد جمال الدين. وقال الجزري: هذا الأثر سنده جيد. رواه الترمذي في اللباس من جامعه ولفظه: أنه كره، الخ. والظاهر أنهم أرادوا الرواية المرسلة التي حكم الترمذي بكونها أصح من الموصولة، لكن لفظها عنده عن أبي المليح عن النبي ﷺ : أنه نهى عن جلود السباع، أي: بلفظ "نهى" مكان "كره" وبدون لفظ "ثمن" ولم نقف على من خرج هذه الرواية المرسلة باللفظ الذي ذكره المصنف نقلاً عن المصابيح مع عدم مناسبتها لكتاب الطهارة. ٥١٠- قوله: (وعن عبد الله بن عكيم) بضم العين وفتح الكاف مصغراً، يكنى أبا معبد الجهني، مخضرم، ثقة، أدرك زمن النبي ﷺ ، ولا تعرف له روية ولا رواية، وقد خرجه غير واحد في عداد الصحابة، والصحيح أنه تابعي من كبار التابعين، سمع كتاب النبي ﷺ إلى جهنية، مات في إمرة الحجاج. (أن لا تنتفعوا) أن هذه مفسرة أو مخففة. (ولا عصب) بفتحتين أطناب مفاصل الحيوان، وفي بعض كتب اللغة أطناب منتشرة في الجسم كله، وبها تكون الحركة والحس. ونهى عن الانتفاع به لأن عصب الميتة نجس لأن فيه حياة بدليل تألمه بالقطع. والحديث قد تمسك به من قال: أن الدباغ لا يطهر شيئاً من الجلود، فلا ينتفع من الميتة بشيء، سواء دبغ جلدها أو لم يدبغ. وزعم أنه ناسخ للأحاديث القاضية بطهارة جلد الميتة بالدباغ لما ورد في رواية الشافعي وأحمد، وأبي داود: قبل موته بشهر، وفي رواية، بشهر أو شهرين، فصار متأخراً. والجمهور على خلافه، وأجابوا عن هذا الحديث بأجوبة، محصلها: الإرسال

стр. 616

رواه الترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه. ٥١١- (١٩) وعن عائشة، ﵂، ((أن رسول الله ﷺ أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت)) . رواه مالك وأبوداود. ــ لعدم سماع عبد الله بن عكيم من النبي ﷺ ، ثم الانقطاع لعدم سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى من عبد الله بن عكيم. ثم الاضطراب في سنده، فإنه قال تارة: عن كتاب النبي ﷺ . وتارة: عن مشيخة من جهنية. وتارة: عمن قرأ الكتاب. ثم الاضطراب في متنه، فرواه الأكثر من غير تقييد، ومنهم من رواه بتقييد شهر، أو شهرين، أو أربعين يوماً أو ثلاثة أيام. ثم الترجيح بالمعارضة لأن حديث الدباغ أكثر وأصح، لأنه روى في تطهير الدباغ خمسة عشر حديثاً، منها ما اتفق الشيخان. ثم القول بأن الإهاب كما تقدم من القاموس، اسم لما لم يدبغ في أحد القولين. وقال النضر بن شميل: الإهاب لما لم يدبغ، وبعد الدبغ يقال له: شن، وقربة، وبه جزم الجوهري، فلما احتمل الأمرين وورد الحديثان في صورة المتعارضين جمعنا بينهما بأنه نهى عن الانتفاع بالإهاب مالم يدبغ، فإذا دبغ لم يسم إهاباً، فلا يدخل تحت النهي، وهو حسن. وقد بسط تلك الأجوبة الحافظ في التلخيص (ص١٧) والشوكاني في النيل (ج١:ص٦١) والأمير اليماني في السبل (ج١:ص٤٢، ٤١) فارجع إلى هذه الكتب. (رواه الترمذي) وقال: حديث حسن. قيل: في تحسينه نظر لما في سنده من الاضطراب والإرسال والانقطاع. قال صاحب الإمام: تضعيف من ضعفه ليس من قبل الرجال فإنهم كلهم ثقات، وإنما ينبغي أن يحمل الضعف على الاضطراب. وقد حكى الخلال أن أحمد توقف في حديث ابن عكيم لما رأى تزلزل الرواة فيه. وقال بعضهم: رجع عنه كما ذكره الترمذي. (وأبوداود) وقال: قال النضر بن شميل: يسمى إهاباً مالم يدبغ، فإذا دبغ لا يقال له إهاب، إنما يسمى شناً وقربة. (والنسائي) وقال: أصح ما في هذا الباب في جلود الميتة إذا دبغت حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة. (وابن ماجه) وأخرجه أيضاً الشافعي، وأحمد، والبخاري في تاريخه، والدارقطني، والبيهقي، وابن حبان. ٥١١- قوله: (أمر) أي: أذن ورخص. (أن يستمتع) على بناء المفعول. (بجلود الميتة) الحديث بإطلاقه يرد على من خص الاستمتاع بها بالأشياء اليابسة، وبالماء من بين سائر المائعات. (إذا دبغت) فيه رد صريح على من أباح الاستمتاع بجلود الميتة وإن لم تدبغ، متمسكا بالروايات المطلقة. (رواه مالك) في كتاب الصيد من مؤطاه. (وأبوداود) في اللباس وسكت عنه، وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان كلهم من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أمه، عن عائشة. قال المنذري: أم محمد بن عبد الرحمن لم تنسب ولم تسم. قلت: أم محمد هذه قال الحافظ في التقريب: إنها مقبولة، وذكرها ابن حبان في الثقات، واختيار مالك حديثها وإخراجه في مؤطاه يدل على صحته عنده، لأنه أعرف الناس بأهل المدينة وأشدهم احتياطا في الرواية عنهم.

стр. 617

٥١٢- (٢٠) وعن ميمونة، قالت: ((مر على النبي ﷺ رجال من قريش يجرون شاة لهم مثل الحمار، فقال لهم رسول الله ﷺ : لو أخذتم إهابها. قالوا: إنها ميتة. فقال رسول الله ﷺ : يطهرها الماء والقرظ)) . رواه أحمد وأبوداود. ٥١٣- (٢١) وعن سلمة بن المحبق، قال: ((إن رسول الله ﷺ جاء في غزوة تبوك على أهل بيت، فإذا قربة معلقة، فسأل الماء، فقالوا: يا رسول الله! إنها ميتة فقال: دباغها ــ ٥١٢- قوله: (يجرون) بضم الجيم يسحبون. (شاة) أي: ميتة. (مثل الحمار) أي: مثل جره، أوفي كونها ميتة منتفخة. (لو أخذتم إهابها) قيل كلمة لو للتمني بمعنى ليت، يعني ليتكم أخذتم. وقيل: كلمة شرط حذف جوابها، أي: لكان حسناً، أو لحل لكم الانتفاع به بعد الدباغ. (يطهرها الماء والقرظ) بفتحتين، ورق السلم يعني يطهرها خلط القرظ بالماء ودباغة الجلد به. قال الخطابي: القرظ شجر يدبغ به الأهب، وهو لما فيه من العفوصة والقبض ينشف البلة، ويذهب الرخاوة ويخفف الجلد ويصلحه ويطيبه، فكل شيء عمل عمل القرظ كان حكمه في التطهير حكمه - انتهى. وقال النووي: يجوز الدباغ بكل شيء ينشف فضلات الجلد، ويطيبه ويمنع من ورود الفساد عليه كالشث، والقرظ، وقشور الرمان، وغير ذلك من الأدوية الطاهرة، ولا يحصل بالشمس إلا عند الحنفية. ولا بالتراب، والرماد والملح على الأصح - انتهى. والحديث دليل على وجوب استعمال الماء في أثناء الدباغ أو بعد الدباغ لإزالة الدرن ووضر الدبغ. وحمله بعضهم على الندب أو على الطهارة الكاملة لعدم اشتراط الماء في الدبغ عنده، وهو خلاف الظاهر. (رواه أحمد) (ج٦:ص٣٣٦) . (وأبوداود) وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه أيضاً النسائي والدارقطني وابن حبان، وصححه ابن السكن والحاكم. ٥١٣- قوله: (وعن سلمة) بفتح اللام. (بن المحبق) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر الموحدة المشددة وتفتح. قال في جامع الأصول: المحبق بتشديد الباء المكسورة، وأصحاب الحديث يفتحونها - انتهى. وقال في تهذيب التهذيب (ج٤:ص١٥٨) : قال العسكري في التصحيف عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري: قال ما سمعت ابن شبة وغيره إلا بكسر الباء، قال العسكري: فقلت: إن أصحاب الحديث كلهم يفتحون الباء، فقال: أيش المحبق في اللغة؟ قلت: المضرط. فقال: هل يستحسن أحد أن يسمى ابنه المضرط؟ وإنما سماه المضرط تفاؤلاً بأنه يضرط أعداءه كما سموا عمرو بن هند مضرط الحجارة - انتهى. وقيل: هو سلمة بن ربيعة بن المحبق، وأنه نسب إلى جده، جزم به ابن حبان. واسم المحبق صخر بن عبيد. وسلمة هذا يكنى أبا سنان الهذلي البصري، صحابي، له اثنا عشر حديثاً، روى عنه ابنه سنان وغيره. (في غزوة تبوك) موضع بين الشام ووادي القرى، والمشهور فيه عدم الصرف للعلمية والتأنيث باعتبار البقعة، ومن صرفها أراد الموضع. (قربة معلقة) أي: فيها ماء وهي مدبوغة. (إنها) أي: القربة. (ميتة) أي: جلد ميتة دبغ. (دباغها) بكسر

стр. 618

طهورها)) . رواه أحمد وأبوداود. ﴿الفصل الثالث﴾ ٥١٤- (٢٢) عن امرأة من بني عبد الأشهل، قالت: قلت يارسول الله! إن لنا طريقاً إلى المسجد منتنة، فكيف نفعل إذا مطرنا؟ قالت: فقال: ((أليس بعدها طريق هي أطيب منها؟ قلت: بلى. قال: فهذه بهذه)) . رواه أبوداود. ــ الدال (طهورها) بفتح الطاء وتضم، أي: مطهرها أو طهارتها. وفي رواية النسائي وغيره: دباغها ذكاتها، بفتح الذال المعجمة، وهي الذبح، والمراد هنا التطهير لأن الذبح يطهر المذبوح ويحل أكله. والحديث قد استدل بإطلاقه على عدم وجوب استعمال الماء في أثناء الدباغ وبعده. قال الخطابي: هذا الحديث يدل على بطلان قول من ذهب إلى أن إهاب الميتة إذا مسه الماء بعد الدباغ ينجس، ويبين أنه طاهر كطهارة المذكى، وأنه إذا بسط وصلى عليه أو خرز منه خف، فصلى فيه جاز. (رواه أحمد) (ج٥:ص٦، ٧) و (ج٣:ص٤٧٦) . (وأبوداود) وأخرجه أيضاً الشافعي والنسائي، وابن حبان في صحيحه، والبيهقي من حديث الجون بن قتادة عن سلمه بن المحبق، وسكت عنه أبوداود. وقال الحافظ: إسناده صحيح. وقال أحمد: الجون لا أعرفه. وبهذا أعله الأثرم. قال الحافظ: قد عرفه غيره. عرفه علي بن المديني وروى عنه الحسن، وقتادة، وصحح ابن سعد، وابن حزم، وغير واحد أن له صحبة وتعقب أبوبكر بن مفوز ذلك على ابن حزم. ٥١٤- قوله: (عن امرأة من بني عبد الأشهل) صحابية لم تسم، قاله الحافظ في التقريب. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمة موسى بن عبد الله بن يزيد الخطمي: روى عن أبيه، وأمه، وأبي حميد الساعدي، وعن امرأة من بني الأشهل لها صحبة. (منتنة) صفة طريق، وهو يذكر ويؤنث، أي: نجسة يعني فيها أثر الجيف والنجاسات. (إذا مطرنا) على بناء المجهول أي: ومررنا على تلك النجاسات بأذيالنا المنسحبة على الأرض. (هي أطيب منها) أي: أطهر بمعنى الطاهر. (فهذه بهذه) أي: ما حصل التنجس بتلك يطهره انسحابه على تراب هذه الطيبة. وهذا الحديث موافق لما تقدم من حديث أم سلمة في الفصل الثاني، وهما يدلان صريحاً على أن الذيل المنجس بنجاسة الطريق الرطبة يطهر إذا انسحب على الطريق الطاهرة، واختلط بالتراب الطاهر من الطريق وقت المرور، ولا يصح حمل القذر على اليابس لأنه يأبى عنه قولها، فكيف نفعل إذا مطرنا؟ وكذا لا يصح تخصيص الحديث بالنعل والخف لأنه يبطله حديث أم سلمة المتقدم، ففي الحديثين رد صريح على الأئمة الأربعة وأتباعهم. وقد تأول السندي في حاشية ابن ماجه حديث المرأة الأشهلية هذا بما يمجه السمع ويستكرهه القلب. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري. قال الخطابي: الحديث فيه مقال، لأن امرأة من بني عبد الأشهل مجهولة،

стр. 619

٥١٥- (٢٣) وعن عبد الله بن مسعود، قال: ((كنا نصلي مع رسول الله ﷺ ولا نتوضأ من الموطئ)) ، رواه الترمذي. ــ والمجهول لا تقوم به الحجة في الحديث - انتهى. قلت: المرأة من بني عبد الأشهل هذه صحابية، ذكرها ابن الأثير الجزري في أسد الغابة، وصرح الحافظ في التقريب وتهذيب التهذيب بكونها صحابية كما تقدم، بل كونها صحابية ظاهر من نفس الحديث، ألا ترى أنها شافهت رسول الله ﷺ ، وسألته بلا واسطة، وقالت: قلت يا رسول الله إن لنا، الخ. وقد تقرر أن جهالة اسم الصحابي ونسبه لا تقدح في كونه صحابياً، ولا تؤثر في صحة الحديث، فالحديث صحيح، وكلام الخطابي ومن تبعه مردود عليه. والحديث أخرجه ابن ماجه أيضاً. ٥١٥- قوله: (ولا نتوضأ من الموطئ) بفتح الميم وإسكان الواو وكسر الطاء المهملة والهمزة، وقيل: الموطأ بفتح الميم وسكون الواو وفتح الطاء وبالهمزة. قيل: كسر الطاء هو الأصل، والفتح شاذ، وقيل: بل الفتح هو القياس، وهو أعلى وأرجح من الكسر. وارجع للبسط إلى تعليق الترمذي للشيخ أحمد شاكر. قال ابن العربي في شرح الترمذي (ج١:ص٢٣٧) : الموطئ مفعل بكسر العين من وطئ، وهو اسم للموضع، فيكون معناه الوضوء من وطئ الموضع القذر، ويكون بفتحها، والمعنى واحد، وفيه كلام كثير- انتهى. وقال الخطابي في المعالم: الموطئ ما يوطئ في الطريق من الأذى، وأصله الموطؤ. قال العراقي: يحتمل أن يحمل الوضوء على الوضوء اللغوي وهو التنظيف، فيكون المعنى أنهم كانوا لا يغسلون أرجلهم من الطين ونحوها، ويمشون عليه بناء على أن الأصل فيه الطهارة - انتهى. وحمله البيهقي على النجاسة اليابسة، وأنهم كانوا لا يغسلون الأقدام إذا وطئوا على نجاسة يابسة، وإنما كانوا يغسلونها إذا كانت النجاسة رطبة، وهو الذي فهمه الترمذي، وحمل عليه الحديث. وقد نقل ذلك عن غير واحد من أهل العلم. قلت: معنى حديث ابن مسعود هذا قريب من معنى حديث المرأة الأشهلية وحديث أم سلمة، فالظاهر أن يترك حديث ابن مسعود على إطلاقه، ولا يخصص بالنجاسة اليابسة لعدم وجود دليل على هذا التخصيص، فالقدم التي أصابتها الرطبة كالخف والنعل والذيل تطهر إذا مرت على الأرض اليابسة الطاهرة، وزالت النجاسة المتعلقة بالقدم بالتناثر والدلك والمسح، والله أعلم. (رواه الترمذي) فيه نظر ظاهر لأنه لم يروه الترمذي في جامعه، بل ذكره بقوله: وفي الباب عن عبد الله بن مسعود قال: كنا نصلى، الخ. والحديث إنما أخرجه أبوداود، وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه ابن ماجه في الصلاة، والحاكم وصححه، والطبراني في الكبير. قال: الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١:ص٢٨٥) : رجاله ثقات، واللفظ الذي ذكره الترمذي موافق لرواية الحاكم (ج١:ص١٣٩) والطبراني، ولفظ أبي داود: قال عبد الله: كنا لا نتوضأ من موطئ ولا نكف شعراً ولا ثوباً. ولفظ ابن ماجه: قال عبد الله: أمرنا أن لا نكف شعراً ولا ثوباً ولا نتوضأ من موطئ. وكان على المصنف أن يعزو الحديث إلى الثلاثة أو إلى أبي داود على الأقل.

стр. 620

٥١٦- (٢٤) وعن ابن عمر قال: ((كانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ ، فلم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك)) . رواه البخاري. ــ ٥١٦- قوله: (كانت الكلاب تقبل وتدبر) من الإقبال والإدبار جملة في محل النصب على الخبرية على أن "كانت" ناقصة، وعلى الحال على أنها تامة بمعنى وجدت. وفي رواية أبي داود والإسماعيلي وأبي نعيم والبيهقي: كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر، بزيادة "تبول" قبل "تقبل وتدبر" والظاهر أن هذه الزيادة محفوظة. (في المسجد) الألف واللام للعهد أي: في مسجد النبي. قال الخطابي: كان إقبالها وإدبارها في أوقات نادرة، ولم يكن على المسجد أبواب تمنع من عبورها فيه. قلت: ويمكن ذلك مع وجود الغلق والأبواب أيضاً كما في زماننا. (فلم يكونوا يرشون) في نفى الرش مبالغة ليست في نفى الغسل والصب، لأن الرش ليس جريان الماء بخلاف الغسل، فإنه يشترط فيه الجريان والسيلان، فنفى الرش أبلغ من نفى الغسل والصب. (شيئاً) عام لأنه نكرة وقعت في سياق النفي، وهو أيضاً يفيد المبالغة في عدم النضح بالماء أي: شيئاً من الماء. (من ذلك) أي: من أجل البول والإقبال والإدبار. والحديث فيه دليل على أن الأرض إذا أصابتها نجاسة فجفت بالشمس أو الهواء فذهب أثر النجاسة تطهر، إذ عدم الرش يدل على عدم الصب والغسل بالأولى، فلولا أن الجفاف يفيد تطهير الأرض ما تركوا ذلك. والحديث مشكل جداً على الشافعية، حيث لم يقولوا: بكون الجفاف مطهراً للأرض، فقال: بعضهم لفظ "تبول" ليس بمحفوظة في الحديث، يدل على كونه غير محفوظ في ترك البخاري هذا اللفظ في روايته. قلت: روى هذا الحديث عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثنا سكن بن نافع الباهلي أبوالحسين: ثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: كنت أعزب شاباً، أبيت في المسجد في عهد رسول الله ﷺ ، وكانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد، فلم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك. وهذا كما ترى ليس فيه لفظ "تبول" والطريق غير طريق البخاري، فالظاهر أن ترك لفظ "تبول" والاقتصار على تقبل وتدبر من ابن عمر، أو من غيره من الرواة، لا من البخاري، فكان ابن عمر أو غيره يذكر لفظة "تبول" مرة ويتركها أخرى، وكيف ما كان الأمر، فالظاهر أن هذه اللفظة محفوظة. وتأوله ابن المنذر فقال: كانت الكلاب تبول خارج المسجد في مواطنها ثم تقبل وتدبر في المسجد، وكذا قال الخطابي. قلت: هذا خلاف الظاهر، لا يتكلف له إلا المتعصب لرأي إمامه، وهلا قال: كانت الكلاب تبول خارج المسجد وتستنجي هناك ثم تدخل المسجد؟ ومن أكبر موانع هذا التأويل أن قوله في المسجد. ليس ظرفاً لقوله: "وتقبل وتدبر" وحده وإنما هو ظرف لقوله: تبول وما بعده كلها، وتقدم شيء من الكلام فيه في شرح حديث صب الماء على بول الأعرابي فتذكر. (رواه البخاري) الحديث أورده البخاري في صحيحه معلقاً بصيغة الجزم، فقال: قال أحمد بن شبيب عن أبيه، الخ. قال أبونعيم: رواه البخاري بلا سماع. وقال العيني: ذكره البخاري معلقاً, وأورده الحافظ في المقدمة في سياق تعاليقه المرفوعة، فقال: حديث أحمد بن شبيب عن أبيه وصله

стр. 621

٥١٧- (٢٥) وعن البراء، قال: قال: رسول الله ﷺ : ((لا بأس ببول ما يؤكل لحمه)) . ٥١٨- (٢٦) وفي رواية جابر، قال: ((ما أكل لحمه فلا بأس ببوله)) رواه أحمد، والدارقطني. ــ أبو نعيم والبيهقى، وغيرهما- انتهى. وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده (ج٢:ص ١٧) . ٥١٧- قوله: (لا بأس ببول ما يؤكل لحمه) فيه دليل على أن بول ما يؤكل لحمه طاهر، لكن الحديث ضعيف جداً لا يصلح للاستدلال كما ستقف عليه، والعجب من المصنف أنه أورد هذا الحديث الضعيف، ولم يذكر حديث العرنيين وأحاديث الإذن بالصلاة في مرابض الغنم، وهي أحاديث صحيحة، وأصل استدلال القائلين بطهارة بول ما يؤكل لحمه بهذه الأحاديث الصحيحة، ولذلك ذكرها المحدثون في باب طهارة أبوال مأكولات اللحم، فحديث العرنيين، وحديث الإذن بالصلاة في مرابض الغنم يدلان على طهارة أبوال الإبل والغنم نصاً، ويقاس عليها غيرها مما يؤكل لحمه. وأما حديث أبي هريرة مرفوعاً: استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه. أخرجه ابن خزيمة وغيره، فمحمول على بول الإنسان لا بول سائر الحيوان. وكذا حديث ابن عباس المتفق عليه قال: مر النبي ﷺ بقبرين، فقال: إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول- الحديث. المراد به بول الناس لا بول سائر الحيوان، لما في رواية للبخاري: كان لا يستتر من بوله. قال البخاري: ولم يذكر سوى بول الناس- انتهى. فلا يكون في حديث ابن عباس هذا حجة لمن حمله على العموم في بول جميع الحيوان. وارجع للبسط والتفصيل إلى الفتح (ج١:ص١٦٨) والنيل (ج١:ص٤٩) وأبكار المنن (ص٤٣) . ٥١٨- قوله: (وفي رواية جابر قال: ما أكل لحمه فلا بأس ببوله رواه) لو قال: رواهما لكان أقرب إلى الصواب، فإنهما حديثان، الأول عن البراء بن عازب، والثاني عن جابر بن عبد الله مرفوعاً. (أحمد) ما وجدت الحديث في مسنده لا في مسند البراء ولا في مسند جابر، ولم أر أحداً من أصحاب كتب التخريج والأحكام والجوامع، وشروح الحديث كالحافظ، والزيلعي والسيوطي والهيثمي وعلى المتقي والشوكاني وغيرهم أنه عزاه لأحمد. (والدارقطني) (ص٤٧) في سند حديث البراء سوار بن مصعب، وهو متروك الحديث عند جميع أهل النقل، متفق على ترك الرواية عنه، وفي سند حديث جابر عمرو بن الحصين، عن يحي بن العلاء، وهما أيضاً متروكان ذاهبا الحديث. وقال: أحمد في يحي بن العلاء: كذاب، يصنع الحديث. وقال الحافظ في التلخيص (ص١٦) : إسناد كل من الحديثين ضعيف جداً - انتهى. والحديث أخرجه أيضاً البيهقي وضعفه، وأخرجه الخطيب في تاريخه عن علي بن أبي طالب بلفظ: لا بأس ببول الحمار، وكل ما أكل لحمه. كذا في كنز العمال (ج٥:ص٨٨) وأورد حديث علي هذا ابن الجوزي في الموضوعات، وأقره السيوطي في اللآلئ المصنوعة، ثم ابن عراق في تنزيه الشريعة (ج٢:ص٦٦) والشوكاني في الفوائد المجموعة (ص٦) .

стр. 622

(٩) باب المسح على الخفين ﴿الفصل الأول﴾ ٥١٩- (١) عن شريح بن هانئ، قال: سألت: علي بن أبي طالب عن المسح على الخفين، فقال: ((جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم)) . رواه مسلم. ٥٢٠- وعن المغيرة بن شعبة: أنه غزا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك. قال المغيرة: فتبرز رسول الله ﷺ ــ (باب المسح على الخفين) أي: باب ذكر أدلة شرعية على ذلك، وما يتعلق به من التوقيت في المسح، وبيان محله، وشرطه، والمسح إصابة اليد المبتلة بالعضو، وإنما عدي بعلى إشارة إلى موضعه، وهو فوق الخف دون داخله وأسفله على ما ورد مخالفاً للقياس. والخف نعل من أدم يغطي الكعبين، والجورب لفافة الرجل من أي شيء كان من الشعر، أو الصوف أو الكرباس، أو الجلد ثخيناً أو رقيقاً إلى ما فوق الكعب يتخذ للبرد. والمسح على الخفين ثابت بالسنة كما سترى. وقد صرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم رواته، فجاوزوا الثمانين، ومنهم العشرة. وقال الحسن البصري: حدثني سبعون من الصحابة أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الخفين. أخرجه ابن أبي شيبة. وذكر أبوالقاسم بن منده أسماء من رواه في تذكرته، فكانوا ثمانين صحابياً. وذكر الترمذي والبيهقي في سننهما، وابن عبد البر في الاستذكار منهم جماعة. قال النووي: أجمع من يعتد به في الإجماع على جواز المسح على الخفين في السفر والحضر سواء كان لحاجة أو لغيرها. ٥١٩- قوله: (عن شريح) بالتصغير (بن هانئ) بالهمزة على وزن فاعل، أدرك زمن النبي ﷺ ، وبه كنى النبي ﷺ أباه هانئ بن يزيد، فقال: أنت أبوشريح. وشريح من جملة أصحاب علي ﵁، كذا ذكره المصنف في أسماء رجاله في عداد الصحابة، وقد تقدم أنه مخضرم تابعي، فكأن المصنف تبع ابن عبد البر في ذكر المخضرمين مع الصحابة. (عن المسح) أي: عن مدته. (ثلاثة أيام ولياليهن) بفتح الياء. (للمسافر ويوما وليلة للمقيم) فيه دليل لما ذهب إليه جمهور العلماء من توقيت المسح بثلاثة أيام للمسافر، ويوم وليلة للمقيم، وهو الحق والصواب، لما ورد في التوقيت بذلك أحاديث عن أكثر من عشرة من الصحابة. وإنما زاد في المدة للمسافر لأنه أحق بالرخصة من المقيم لمشقة السفر واختلفوا في ابتداء مدة المسح، فقال كثير من العلماء: إن ابتداء المدة من حين الحدث بعد لبس الخف لا من حين اللبس ولا من حين المسح. ونقل عن أحمد أنه قال: إن ابتداءها من وقت اللبس. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان. ٥٢٠- قوله: (فتبرز) أي: خرج إلى البراز، وهو الفضاء الواسع فكنوا به عن قضاء الحاجة

стр. 623

قبل الغائط، فحملت معه إداوة قبل الفجر، فلما رجع أخذت أهريق على يديه من الإداوة، فغسل يديه ووجهه، وعليه جبة من صوف، ذهب يحسر عن ذراعيه، فضاق كم الجبة، فأخرج يديه من تحت الجبة، وألقى الجبة على منكبيه، وغسل ذراعيه، ثم مسح بناصيته وعلى العمامة، ثم أهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما، ــ (قبل الغائط) بكسر القاف وفتح الباء. أي: جانبه لقضاء الحاجة. والغائط هو المكان المطمئن في الفضاء أو المكان المنخفض من الأرض. (فحملت معه) أي: ذاهبا معه. (إداوة) بكسر الهمزة، أي: إناء من ماء أخذ المغيرة من أعرابية صبته له من قربة جلد ميتة دبغته، وأخذ الماء ليتوضأ به لا ليستنجى. (قبل الفجر) أي: قبل صلاة الصبح وبعد طلوع الفجر. (فلما رجع) من قضاء الحاجة. (أخذت) أي: شرعت. (أهريق على يديه من الإداوة) أي: أصب الماء. وفيه دلالة على جواز الاستعانة في الطهارة بصب الماء. (فغسل يديه) أي: كفيه. (ووجهه) لا دلالة فيه على عدم وجوب المضمضة والاستنشاق في الوضوء كما زعم ابن حجر لاحتمال عدم ذكره لهما إما اختصاراً أو نسياناً، أو لكونهما داخلين في حد الوجه من وجه على ما حققه في محله، ومع تحقق الاحتمال لا يصح الاستدلال، قاله القاري. قلت: قد وقع ذكر المضمضة والاستنشاق عند البخاري في الجهاد ففيه: أنه تمضمض واستنشق وغسل وجهه. (وعليه) أي: على بدنه، والواو للحال. (جبة) أي: شامية من جباب الروم. (ذهب) أي: شرع وأخذ، وهو استئناف. (يحسر) من باب ضرب أي: يكشف كميه. (عن ذراعيه) أي: ليغسلهما. (فضاق كم الجبة) بحيث لم يقدر على أن يخرج يديه إلى المرفقين عن كمي الجبة من غاية ضيقهما. (وألقى الجبة) أي: ذيلها. (وعلى العمامة) تحصيلاً وتكميلاً للاستيعاب الواجب. (ثم أهويت) أي: مددت يدي. وقيل: قصدت الهوى من القيام إلى القعود. وقيل: الإهواء إمالة اليد إلى شيء ليأخذه، أي: انحنيت. (لأنزع خفيه) كأنه لم يكن قد علم برخصة المسح، أو علمها وظن أنه ﷺ سيفعل الأفضل بناء على أن الغسل أفضل، أوجوز أنه لم يحصل شرط المسح وهذا الأخير أقرب لقوله: (دعهما) أي: أتركها ولا تنزعها عن رجلي. (فإني أدخلتهما) أي: القدمين. (طاهرتين) أي: لبستهما حال كون قدمي طاهرتين. وفيه دليل على أن الشرط لمسح الخفين طهارة القدمين وقت اللبس. ويلزم منه اشتراط تمام الوضوء عند من يقول بوجوب الترتيب في الوضوء، ولا يلزم عند غيره كما لا يخفى. والراجح هو القول الأول، لقوله: ﷺ " إذا تطهر ولبس خفيه) . في حديث أبي بكرة الآني في الفصل الثاني. ولحديث صفوان بن عسال عند أحمد وغيره: قال: أمرنا النبي ﷺ أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر- الحديث. ولحديث أنس مرفوعاً: إذا توضأ أحدكم فلبس خفيه فليمسح عليهما- الحديث. أخرجه الدارقطني والحاكم وصححه. قال الأمير اليماني: تقييد اللبس والمسح ببعد الوضوء دليل على أنه أريد بالطهارة في حديث المغيرة وما في معناه الطهارة المحققة من الحدث الأصغر. (فمسح عليهما) فيه رد على من زعم أن المسح على

стр. 624

ثم ركب فركبت، فانتهينا إلى القوم، وقد قاموا إلى الصلاة ويصلي بهم عبد الرحمن بن عوف، وقد ركع بهم ركعة، فلما أحس بالنبي ﷺ ، ذهب يتأخر فأومأ إليه، فأدرك النبي ﷺ إحدى الركعتين معه. فلما سلم، قام النبي ﷺ ، وقمت معه، فركعنا الركعة التي سبقتنا)) . رواه مسلم. ــ الخفين منسوخ بآية المائدة لأنها نزلت في غزوة المريسيع، وهذه القصة كانت في غزوة تبوك، وهي بعدها باتفاق، إذ هي آخر المغازي. (فانتهينا) أي: وصلنا. (وقد قاموا إلى الصلاة) أي: صلاة الصبح، جملة حالية. (ويصلي بهم) أي: والحال أنه يصلي إماماً لهم. وفي مسلم: وقد قاموا في الصلاة يصلي بهم. (عبد الرحمن بن عوف) بن عبدعوف بن عبدبن الحارث بن زهرة القرشي الزهري أبومحمد المدني، أحد العشرة، ولد بعد الفيل بعشر سنين، وأسلم قديماً على يد أبي بكر الصديق، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين، وأحد الستة، شهد بدراً والمشاهد كلها، وكان اسمه عبد الكعبة، ويقال: عبدعمرو، فغيره النبي ﷺ . أصيب يوم أحد، وجرح عشرين جراحة أو أكثر فأصابه بعضها في رجله فعرج. قال الزهرى: تصدق على عهد النبي ﷺ بأربعة آلاف، ثم بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمس مائة فرس، ثم على خمس مائة راحلة. وكان عامة ماله من التجارة. وأوصى لنساء النبي ﷺ بحديقة قومت بأربعمائة ألف. ومناقبه كثيرة شهيرة. له خمسة وستون حديثاً، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بخمسة. مات سنة (٣٤) . وقيل: (٣٣) . وقيل (٣١) . قال بعضهم: وله (٧٥) سنة، ودفن بالبقيع. (فلما أحس بالنبي) أي: علم بمجيئة. (ذهب يتأخر) من موضعه ليتقدم النبي ﷺ . (فأومأ إليه) أي: أشار إليه أن يكون على حاله. (فأدرك النبي ﷺ إحدى الركعتين معه) أي:اقتدى به في الركعة الثانية. وفيه جواز اقتداء الفاضل بالمفضول، وأن الأفضل تقديم الصلاة في أول الوقت، فإنهم فعلوها أول الوقت، ولم ينتظروا النبي ﷺ ، وأن الإمام الراتب إذا أخر عن أول الوقت استحب للجماعة أن يقدموا أحدهم فيصلي بهم. (فلما سلم) أي: عبد الرحمن. (قام النبي) أي: لأداء ما سبق. فيه أن من سبقه الإمام ببعض الصلاة أتى بما أدرك، فإذا سلم أتى بما بقي عليه، ولا يسقط ذلك عنه. وفيه إتباع المسبوق للإمام في فعله في ركوعه، وسجوده، وجلوسه، وإن لم يكن ذلك موضع فعله للإمام، وإنما المسبوق إنما يفارق الإمام بعد سلام الإمام. (فركعنا) أي: صلى كل منا منفرداً، ويحتمل على بعد أن يكون المعنى: صليت معه مقتدياً به في الركعة التي فاتتنا، فيكون دليلاً على جواز إمامة المسبوق، ولا يخفى ما في هذا الاستدلال من الضعف والوهن، لأن ضمير الجمع يكفي له الاشتراك في أصل القضاء، ولا يقتضي ذلك التبعية بحيث أن يكون أحدهما إماماً للآخر في قضاء ما فاتتهما من الركعة، ولو سلم فهي واقعة حال تحتمل الخصوصية وغير ذلك. (رواه مسلم) للحديث طرق وألفاظ عند مسلم ليس السياق المذكور من أوله إلى آخره، أي: بتمامه في طريق منها، بل هو مأخوذ مركب من عدة طرق عنده كما لا يخفى على من تأمل في طرقه وألفاظه. وأصل الحديث متفق عليه بين الشيخين وله ألفاظ في الصحيحين، وأبي داود، والنسائي وابن ماجه، أخرجوه مطولاً ومختصراً، أورده مسلم في الطهارة والصلاة

стр. 625

﴿الفصل الثاني﴾ ٥٢١- (٣) عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ : ((أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوماً وليلة، إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما)) . رواه الأثرم في سننه، وابن خزيمة، ــ والبخاري فيهما، وفي الجهاد، والمغازي، واللباس، وليس في روايته ذكر المسح على الناصية والعمامة، وصلاة عبد الرحمن بن عوف بالناس. ٥٢١- قوله: (عن أبي بكرة) بسكون الكاف وبالتاء، هو نفيع - بضم النون وفتح الفاء وسكون الياء - ابن الحارث ابن كلدة - بفتحتين - ابن عمرو الثقفي. وقيل: اسمه مسروح، بمهملات. قيل: تدلى من حصن الطائف إلى النبي ﷺ ببكرة وأسلم، فكناه النبي ﷺ بأبي بكرة وأعتقه، فهو من مواليه. كان من خيار الصحابة، ونزل البصرة، وكان ممن اعتزل يوم الجمل وصفين، ولم يقاتل مع واحد من الفريقين. له مائة واثنان وثلاثون حديثاً، اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بآخر. روى عنه أولاده عبد الرحمن وعبيد الله ومسلم وغيرهم. مات سنة (٥١) أو (٥٢) . (رخص للمسافر) أي: في المسح على الخفين. (إذا تطهر) أي: كل من المسافر والمقيم إذا تطهر من الحدث الأصغر. (فلبس خفيه) أي: لبس خفيه بعد تمام الطهارة، قاله ابن الملك. قال القاري: ولا يشترط التعقيب، فالفاء لمجرد البعدية. وقال الأمير اليماني: ليس المراد من الفاء التعقيب بل مجرد العطف لأنه معلوم أنه ليس شرطاً في المسح. وفي رواية ابن ماجه: إذا توضأ ولبس خفيه. قال السندي: ظاهره أنه يلبس خفيه بعد الوضوء. (أن يمسح عليهما) هذا الحديث مثل حديث علي ﵁ في إفادة مقدار المدة للمسافر والمقيم، ومثل حديث أنس وصفوان في شرطية الطهارة أي: الوضوء وقت اللبس، وفيه إبانة أن المسح رخصة لتسمية الصحابي له بذلك. (رواه الأثرم) بفتح الهمزة وسكون المثلثة وفتح الراء، هو أبوبكر أحمد بن محمد بن هانئ الإسكافي الطائي، ويقال: الكلبي، صاحب الإمام أحمد بن حنبل، سمع عفان بن مسلم، وأبا الوليد الطيالسي والقعنبي وأبا نعيم ومسدداً وطبقتهم، وصنف التصانيف. حدث عنه النسائي في السنن، وموسى بن هارون، وابن صاعد، وآخرون، وله كتاب في علل الحديث ومسائل أحمد بن حنبل، وكان من أفراد الحفاظ. قال أبوبكر الخلال: كان جليل القدر، حافظاً. وقال الخطيب في تاريخه (ج٥:ص١١٠) : كان الأثرم ممن يعد في الحفاظ والأذكياء. وقال الذهبي في التذكرة: كان له تيقظ عجيب. قال ابن معين: كان أحد أبويه جنياً. وقال إبراهيم الأصبهاني: الأثرم أحفظ من أبي زرعة الرازي وأتقن. قال الذهبي: أظنه مات بعد الستين ومائتين. وله كتاب نفيس في السنن يدل على إمامته وسعة حفظه. وقال الخطيب: كان الأثرم من أهل إسكاف بني جنيد، وبه مات (وابن خزيمة) بضم الخاء المعجمة فزأي بعدها تحتية مثناة فتاء تأنيث، هو الحافظ الكبير، إمام الأئمة، شيخ الإسلام أبوبكر محمد بن إسحق بن خزيمة السلمي النيسابوري، ولد سنة (٢٢٣) وعنى بهذا الشأن في الحداثة، انتهت إليه الإمامة والحفظ في عصره بخراسان، حدث عنه الشيخان خارج صحيحهما. قال: الذهبي: كان هذا الإمام فريد عصره. قال أبوحاتم

стр. 626

والدارقطني. وقال الخطابي: هو صحيح الإسناد، هكذا في المنتقى. ٥٢٢- (٤) وعن صفوان بن عسال، قال: ((كان رسول الله ﷺ يأمر إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم)) . ــ محمد بن حبان التميمي: ما رأيت على وجه الأرض من يحسن صناعة السنن، ويحفظ ألفاظها الصحاح وزياداتها حتى كأن السنن بين عينيه إلا محمد بن إسحق بن خزيمة فقط. وقال الدارقطني: كان ابن خزيمة إماماً ثبتاً معدوم النظير، وفضائله كثيرة استوعب الحاكم سيرته وأحواله، وقد ذكر شيئاً منها الذهبي في التذكرة (ج٢:ص٢٨٧-٢٩٦) توفي سنة (٣١١) وهو في تسع وثمانين سنة. (والدارقطني. وقال الخطابي) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة نسبة إلى الخطاب، وهو أبوسليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي، صاحب معالم السنن في شرح أبي داود، وإعلام السنن في شرح صحيح البخاري، توفي سنة (٣٨٨) . (هو صحيح الإسناد هكذا في المنتقى) من الأخبار في الأحكام، كتاب مشهور شرحه الشوكاني، وسمى شرحه نيل الأوطار. وهو لمجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم المعروف بابن تيمية الحنبلي المتوفي سنة (٦٥٢) وهو جد شيخ ابن القيم تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن تيمية الحراني المتوفى سنة (٧٢٨) وارجع لترجمتهما، وكشف أحوال "المنتقى" إلى "إتحاف النبلاء" وأوائل "نيل الأوطار" و"مقدمة تحفة الأحوذي" والحديث أخرجه أيضاً الشافعي وابن أبي شيبة وابن حبان وابن الجارود والبيهقي، والترمذي في العلل المفرد، وصححه أيضاً الشافعي وابن خزيمة. ٥٢٢- قوله: (وعن صفوان) بفتح الصاد وسكون الفاء. (بن عسال) بفتح العين. (يأمرنا) ظاهره وجوب المسح، ولكن الإجماع صرفه عن ظاهره، فبقى للإباحة والندب. وقد اختلف العلماء هل الأفضل المسح على الخفين أو نزعهما وغسل القدمين؟ فذهب جماعات من الصحابة، والعلماء بعدهم إلى أن الغسل أفضل لكونه الأصل. قال النووي: صرح أصحابنا بأن الغسل أفضل بشرط أن لا يترك المسح رغبة عن السنة، كما قالوا في تفضيل القصر على الإتمام. قلت: ويؤيدهم قول أبي بكرة في الحديث السابق: رخص. وذهب جماعة من التابعين إلى أن المسح أفضل لحديث صفوان هذا، ولأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض، وإحياء ما طعن المخالفون فيه أفضل من تركه. (إذا كنا سفراً) بسكون الفاء جمع سافر، كصحب جمع صاحب أي مسافرين. (أن لا ننزع خفافنا) يعني يأمرنا أن نمسح عليهما، والخفاف بكسر الخاء جمع الخف. (إلا من جنابة) أي: فنزعهما ولو قبل مرور الثلاث، وهو استثناء مفرغ تقديره: أن لا ننزع خفافنا من حديث من الأحداث إلا من جنابة، فإنه لا يجوز للمغتسل أن يمسح على الخف، بل يجب عليه النزع، وغسل الرجلين كسائر الأعضاء. (ولكن) عطف على مقدر يدل عليه "إلا من جنابة" وقوله: (من غائط) متعلق بمحذوف تقديره أمرنا أن ننزع خفافنا من جنابة، ولكن لا ننزعهن من غائط. (وبول ونوم) أي: لأجل هذه الأحداث إلا إذا مرت المدة

стр. 627

رواه الترمذي والنسائي. ٥٢٣- (٥) وعن المغيرة بن شعبة، قال: ((وضأت النبي ﷺ في غزوة تبوك، فمسح أعلى الخف وأسفله)) . رواه أبوداود، والترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث معلول. وسألت أبا زرعة ــ المقدرة. وقال الخطابي في معالم السنن (ج١:ص٦٢) : كلمة لكن موضوعة للاستدراك، وذلك لأنه تقدمه نفي واستثناء، وهو قوله: كان يأمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام وليالهن إلا من جنابة. ثم قال: لكن من بول وغائط ونوم. فاستدركه بـ "لكن" ليعلم أن الرخصة إنما جاءت في هذا النوع من الأحداث دون الجنابة، فإن المسافر الماسح على خفه إذا أجنب كان عليه نزع الخف وغسل الرجل مع سائر البدن، وهذا كما تقول: ما جاءني زيد لكن عمرو، وما رأيت زيداً لكن خالداً - انتهي. والحديث فيه دليل على اختصاص المسح على الخفين بالوضوء دون الغسل، وهو مجمع عليه. (رواه الترمذي والنسائي) وأخرجه أيضاً الشافعي وأحمد وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والبيهقي، والخطابي في معالم السنن. قال الترمذي عن البخاري: إنه حديث حسن، بل قال البخاري: ليس في التوقيت شيء أصح من حديث صفوان بن عسال المرادي. ذكره في سبل السلام (ج١:ص٨٦) وصححه الترمذي، وابن خزيمة والخطابي. ٥٢٣- قوله: (وضأت النبي ﷺ ) أي: سكبت الوضوء على يديه. وقيل: حصلت وضوءه. (فمسح أعلى الخف وأسفله) فيه بيان محل المسح على الخف وأنه أعلاه وأسفله، لكن الحديث فيه كلام كما ستعرف. ولم أقف في المسح على ظاهر الخف وباطنه على حديث مرفوع صحيح خال عن الكلام، وقد ثبت عن علي والمغيرة مرفوعاً بإسناد جيد مسح الخفين على ظاهرهما فقط، كما سيأتي، فالراجح أن محل المسح هو أعلى الخف دون أسفله. (رواه أبوداود والترمذي وابن ماجه) وأخرجه أيضاً أحمد وابن الجارود والدارقطني والبيهقي كلهم من طريق الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة، عن المغيرة. وفي رواية ابن ماجه: عن وراد كاتب المغيرة، عن المغيرة. (وقال الترمذي: هذا حديث معلول) هذا لحن على طريق أهل اللغة لأنه من عله بالشراب إذا سقاه مرة بعد أخرى. ويقال له: المعلل، أيضاً. والأجود فيه أن يقال: معل بلام واحدة لأنه مفعول أعل قياساً، وأما معلل فمفعول علل وهو لغة بمعنى ألهاه بالشيء وشغله. والحديث المعلل أو المعل ما اطلع فيه على علة غامضة خفية تقدح في صحته مع ظهور السلامة، يتنبه لها الحذاق المهرة من أهل هذا الشأن، كإرسال في الموصول، ووقف في المرفوع، ونحو ذلك. وحديث المغيرة هذا قد بين الترمذي علته بقوله: لم يسنده أي: لم يروه متصلاً عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم (وسألت أبازرعة) هو

стр. 628

ومحمداً يعني البخاري، عن هذا الحديث، فقالا: ليس بصحيح، وكذا ضعفه أبوداود. ــ عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ أبوزرعة الرازي القرشي مولاهم، إمام حافظ ثقة مشهور، عن خلق كثير وعنه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو حاتم وآخرون. قال الخطيب: كان إماماً ربانياً حافظاً مكثراً. وقال الذهبي: سمع خلقاً كثيراً بالحرمين، والعراق، والشام، والجزيرة، وخراسان، ومصر. وكان من أفراد الدهر حفظاً، وذكاءً، وديناً، وإخلاصاً، وعلماً، وعملاً. وقال ابن حبان في الثقات: كان أحد أئمة الدنيا في الحديث مع الدين والورع، والمواظبة على الحفظ والمذاكرة، وترك الدنيا وما فيه الناس. مات في آخر يوم من سنة (٢٦٤) وله أربعون ستون سنة. وقد بسط ترجمته الذهبي في التذكرة (ج٢:ص١٣٦-١٣٨) والحافظ في تهذيب التهذيب (ج٧:ص٣٠-٣٣) والشيخ في مقدمة شرح الترمذي (ص٢٢٩) . (ومحمداً يعني البخاري عن هذا الحديث، فقالا ليس بصحيح) لأن ابن المبارك روى هذا عن ثور عن رجاء، قال: حدثت عن كاتب المغيرة مرسلاً عن النبي ﷺ ، ولم يذكر فيه المغيرة. (وكذا ضعفه أبوداود) قال: بلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء، وهذا خلاف ما علل به أبوزرعة والبخاري، أن رجاء لم يسمعه من كاتب المغيرة. قلت: وضعفه أيضاً الشافعي وأحمد وأبوحاتم وموسى بن هارون والدارقطني، وغيرهم. واعلم أنه أعل هذا الحديث بخمس علل: الأولى: تدليس الوليد بن مسلم، وهي مدفوعة بأن الوليد قال: حدثنا ثور، كما في رواية ابن ماجه، وفي رواية الترمذي أخبرني ثور، فلا تدليس. والثانية: أن ثوراً لم يسمعه من رجاء، فإنه قال: حدثت عن رجاء، كما ذكره الأثرم عن أحمد. وأجيب عنها بأن الدارقطني والبيهقي، روياه من طريق داود بن رشيد، وهو ثقة، ثنا الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد: ثنا رجاء بن حيوة. فقد صرح ثور في هذه الرواية بالسماع من رجاء، فزالت العلة. قال الحافظ: لكن رواه أحمد بن عبيد الصفار في مسنده عن أحمد بن يحيى، عن الحلواني، عن داود بن رشيد، فقال عن رجاء، ولم يقل: حدثنا رجاء، فهذا اختلاف على داود يمنع القول بصحة وصلة مع ما تقدم في كلام الأئمة - انتهى. الثالثة: الإرسال، فقد رواه ابن المبارك عن ثور مرسلاً لم يذكر المغيرة، وأجيب عنها بأن الوليد بن مسلم ثقة، فإن خالفه ابن المبارك في هذه الرواية فإنما زاد أحدهما من الآخر، وزيادة الثقة مقبولة، ولم يتفرد الوليد بذكر المغيرة بل تابعه على ذلك إبراهيم بن أبي حبيبة عند الشافعي في الأم ومحمد بن عيسى بن سميع على ما ذكره الدارقطني في العلل، فقد روياه عن ثور مثل الوليد بن مسلم. والرابعة: أن رجاء لم يسمعه عن كاتب المغيرة، فإنه قال: حدثت عن كاتب المغيرة. كما تقدم. والخامسة: جهالة كاتب المغيرة وهي مدفوعة بما في رواية ابن ماجه من تصريح اسمه بأنه وراد. قلت: الظاهر أن حديث المغيرة هذا ضعيف، فإن العلة الرابعة عقيمة عن الجواب، وهي مؤثرة وحدها في صحة الحديث. وأما ما ذكر من متابعة إبراهيم بن أبي حبيبة، ومحمد بن عيسى بن سميع لثور ففيه أن ابن أبي حبيبة هذا قد ضعفه عامة المحدثين، ووثقة تلميذه الشافعي فقط، ومحمد بن عيسى وإن كان صدوقاً لكنه يخطئ ويدلس.

стр. 629

٥٢٤- (٦) وعنه، أنه قال: ((رأيت النبي ﷺ يمسح على الخفين على ظاهرهما)) . رواه الترمذي، وأبوداود. ٥٢٥- (٧) وعنه، قال: ((توضأ النبي ﷺ ، ومسح على الجوربين والنعلين)) . رواه أحمد، والترمذي، وابوداود، وابن ماجه. ــ ٥٢٤- قوله: (على ظاهرهما) أي: على أعلاهما، فيه دليل على أن محل المسح أعلى الخفين وظاهرهما، لا غير. (رواه الترمذي) وقال: حديث حسن. (وأبوداود) وسكت عنه. ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره. وقال: الحافظ في التلخيص: إسناده صحيح. والحديث أخرجه أيضاً البخاري في التاريخ الأوسط والطيالسي والبيهقي. وفي الباب أيضاً عن عمر بن الخطاب عند ابن أبي شيبة والبيهقي، قاله الشوكاني. ٥٢٥- قوله: (ومسح على الجوربين) تثنية جورب، وهو لفافة الرجل، وقيل: غشاء للقدم من صوف أو شعر أو كرباس، أو جلد، ثخيناً كان أو رقيقاً إلى نحو الساق. (والنعلين) أي: مع النعلين، تثنية النعل، وهو ما وقيت به القدم من الأرض كالنعلة، قاله في القاموس. وقال الجزري: النعل مؤنثة، وهي التي تلبس في المشى، تسمى الآن تاسومة – انتهى. والمعنى النعلين لبسهما فوق الجوربين، فمسح على الجوربين والنعلين معاً، وكان قاصداً بمسحه ذلك إلى جوربيه لا إلى نعليه، فكان مسحه على الجوربين هو الذي تطهر به، ومسحه على النعلين فضل. هذا حاصل ما قاله الخطابي والطحاوي وابن القيم والطيبي وقيل في معناه غير ذلك، والصواب ما قال: هؤلاء الأئمة. وفي الحديث دليل على جواز مسح الجورب من أي: شيء كان ثخيناً أو رقيقاً، لأنه ورد في الحديث مطلقاً غير مقيد بوصف التجليد، أو التنعيل، أو الصفافة والثخونة من كرباس، أو صوف، أو شعر أو جلد، لكن الحديث قد تكلم فيه الأئمة كما سيأتي. وفي الباب عن أبي موسى أخرجه ابن ماجه والطحاوي والبيهقي وهو ضعيف، وعن بلال أخرجه الطبراني وغيره، وفيه أيضاً ضعف، نعم قد صح المسح على الجوربين عن كثير من الصحابة، ذكر أسماءهم أبوداود في سننه. وقد أشبع شيخنا الكلام على هذه المسألة في شرح الترمذي (ج١:ص١٠٠-١٠٤) وابن حزم في المحلي (ج٢:ص٨٤-٨٧) فارجع إليهما. والراجح عندي أن الجوربين إذا كان ثخينين بحيث يستمسكان على القدمين بلا شد ويمكن المشي فيهما يجوز المسح عليهما لأنهما في معنى الخفين، وإن لم يكونا كذلك ففي جواز المسح عليهما عندي تأمل، عملاً بقوله: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. ومن اطمئن قلبه بعد إمعان النظر في المسألة بإطلاق القول في المسح عليهما فهو وشأنه. (رواه أحمد والترمذي وأبوداود وابن ماجه) وأخرجه أيضاً البيهقي، وابن حبان في صحيحه، كلهم من حديث أبي قيس، عن هزيل بن شرجيل عن المغيرة. والحديث قد صححه الترمذي، وضعفه كثير من الأئمة مثل سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدى وأحمد

стр. 630

﴿الفصل الثالث﴾ ٥٢٦- (٨) عن المغيرة، قال: ((مسح رسول الله ﷺ على الخفين. فقلت: يا رسول الله! نسيت؟ قال: بل أنت نسيت، بهذا أمرني ربي عزوجل)) . رواه أحمد، وأبوداود. ٥٢٧- (٩) وعن علي، قال: لو كان الدين بالرأي: لكان أسفل الخف ــ ابن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني ومسلم بن الحجاج، وأبي داود، والنسائي، والبيهقي، والنووي. وحاصل ما ضعفوه به أن المعروف عن المغيرة حديث المسح على الخفين، وأن هزيل بن شرجيل رواه عن المغيرة فقال: مسح على الجوربين، فخالف جميع الناس الذين رووا عن المغيرة المسح على الخفين. قلت: قال الشيخ تقي الدين في الإمام: ومن يصححه يعتمد على كونه ليس مخالفاً لرواية الجمهور مخالفة معارضة، بل هو أمر زائد على ما رووه ولا يعارضه، ولا سيما وهو طريق مستقل برواية هزيل عن المغيرة لم يشارك المشهورات في سندها. وقال غيره: مخالفة هزيل للناس إنما تضر إذا كان ما رووه حكاية عن فعل وقت واحد، وأما إذا كان حكاية عن وضوءين مختلفين وقعا في وقتين مختلفين، فلا يضره الرواية المعروفة عن المغيرة في المسح على الخفين، لأنهما حديثان مختلفان، وروايتان عن حادثتين مختلفتين، والمغيرة صحب النبي ﷺ نحو خمس سنين، فلا بعد في أن يشهد من النبي وقائع متعددة يحكيها، فيسمع بعض الرواة منه شيئاً، ويسمع غيره شيئاً آخر. ٥٢٦- قوله: (نسيت) يحتمل تقدير همزة الاستفهام وتركه. (قال) أي: رسول الله ﷺ ما نسيت. (بل أنت نسيت) أي: إني مشرع حيث نسبت إلى النسيان. (بهذا أمرني ربي) ففعلي عمد، أو المعنى تركت الأدب حيث جزمت بنسبة النسيان إلي، فيكون قوله: بل نسيت. معناه أخطأت، ويكون من باب المشاكلة، ومعنى قوله: بهذا. أي: بالمسح أمرني. أي: أمر إباحة وندب. ربي أي: بالوحي الغير المتلو. وقيل: فيه إشارة إلى أن المسح على الخفين ثابت بالكتاب أيضاً أي: على قراءة الجرفي ﴿أرجلكم﴾ . (رواه أحمد وأبوداود) قال الشوكاني: الحديث إسناده صحيح، ولم يتكلم عليه أبوداود، ولا المنذري في تخريج السنن ولا غيرهما. قلت: في سنده بكير بن عامر البجلى، قال: الحافظ في التقريب: ضعيف - انتهى. وضعفه يحيى بن معين والنسائي وأبو زرعة وأحمد في رواية. ووثقه ابن سعد والحاكم والعجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: أبوداود: ليس بالمتروك. ٥٢٧- قوله: (لو كان الدين بالرأي) أي: بالقياس، وملاحظة المعاني دون الرواية والنقل (لكان أسفل الخف)

стр. 631

أولى بالمسح أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه. رواه أبوداود، وللدارمي معناه. (١٠) باب التيمم ــ لقربة من القاذورات والأوساخ. (أولى بالمسح من أعلاه) أي: ما تحت القدمين أولى بالمسح من الذي هو على أعلاهما، لأنه الذي يباشر المشي ويقع على ما ينبغي إزالته، بخلاف أعلاه، وهو ما على ظهر القدم. (يمسح على ظاهر خفيه) أي: على أعلاهما دون أسفلهما يعني فلا يعتبر بالرأي والقياس الذي هو على خلاف فعل رسول الله ﷺ . واعلم أن العقل الكامل تابع للشرع لأنه عاجز عن إدراك الحكم الإلهية، فعليه التعبد المحض بمقتضى العبودية، وما ضل من ضل من الكفرة، والحكماء، والمبتدعة وأهل الأهواء إلا بمتابعة العقل، وترك موافقة النقل. والحديث نص على المسح المشروع هو مسح ظاهر الخف أي: أعلاه دون باطنه أي: أسفله. (رواه أبوداود) بإسناد حسن، قاله الحافظ في بلوغ المرام. وقال في التلخيص: إسناده صحيح. (وللدارمي) جار ومجرور خبر مقدم مبتدأه. (معناه) أي: معنى هذا الحديث دون لفظه. وأعلم أن الأحاديث المذكورة في الباب ليس فيها تعرض للقدر المجزئ من المسح، نعم قد روى عن علي ﵁ أنه رأى رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر الخف خطوطاً بالأصابع. قال النووي في شرح المهذب: إنه حديث ضعيف وروى عن جابر أنه ﷺ أرى بعض من علمه المسح أن يمسح بيده من مقدم الخفين إلى أصل الساق مرة، وفرج بين أصابعه. أخرجه الطبراني في الأوسط، وعزاه ابن الجوزي في التحقيق إلى رواية ابن ماجه. قال الحافظ: هو في بعض نسخ ابن ماجه دون بعض. وقد استدركه المزى على ابن عساكر في الأطراف، وإسناده ضعيف جداً - انتهى. وقد عرفت من هذا أنه لم يرد في الكيفية والكمية حديث يعتمد عليه إلا حديث علي والمغيرة في بيان محل المسح. قال الأمير اليماني: والظاهر أنه إذا فعل المكلف ما يسمى مسحاً على لغة أجزأه - انتهى. (باب التيمم) قال الله تعالى: ﴿إن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج ولكن يريد ليطهركم﴾ الآية [٦:٥] . والتيمم في اللغة القصد، وفي الشرع: القصد إلى الصعيد الطيب لمسح الوجه واليدين بنية استباحة الصلاة ونحوها. وهو من خصائص هذه الأمة نصاً وإجماعاً. واختلف هل التيمم عزيمة أورخصة؟ وفصل بعضهم، فقال: هو لعدم الماء عزيمة، وللعذر رخصة. قال الشاه ولي الله: لما كان من سنة الله في شرائعه أن يسهل عليهم كل ما لا يستطيعونه وكان أحق أنواع التيسير أن يسقط ما فيه حرج إلى بدل لتطمئن نفوسهم، ولا تختلف الخواطر عليهم بإهمال ما التزموه غاية الالتزام مرة واحدة ولا يألفوا ترك الطهارات أسقط الوضوء والغسل

стр. 632

﴿الفصل الأول﴾ ٥٢٨- (١) عن حذيفة، قال: قال: رسول الله ﷺ : ((فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، ــ في المرض والسفر إلى التيمم، ولما كان ذلك كذلك نزل القضاء في الملأ الأعلى بإقامة التيمم مقام الوضوء والغسل، وحصل له وجود تشبيهي أنه طهارة من الطهارات، وهذا القضاء أحد الأمور والعظام التي تميزت به الملة المصطفوية من سائر الملل، وهو قوله ﷺ : جعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء. قال: إنما خص الأرض لأنها لا تكاد تفقد، فهي أحق ما يرفع به الحرج، ولأنها طهور في بعض الأشياء كالخف والسيف بدلاً عن الغسل بالماء، ولأن فيه تذللاً بمنزلة تعفير الوجه في التراب، وهو يناسب طلب العفو، وإنما لم يفرق بين بدل الغسل والوضوء، ولم يشرع التمرغ لأن من حق ما لا يعقل معناه بادي الرأي: أن يجعل كالمؤثر بالخاصية دون المقدار، فإنه هو الذي اطمأنت نفوسهم به في هذا الباب، ولأن التمرغ فيه بعض الحرج فلا يصلح رافعاً للحرج بالكلية. وفي معنى المرض البرد الضار لحديث عمرو بن العاص، والسفر ليس بقيد، إنما هو صورة لعدم وجدان الماء يتبادر إلى الذهن. وإنما لم يؤمر بمسح الرجل بالتراب لأن الرجل محل الأوساخ، وإنما يؤمر بما ليس حاصلاً ليحصل التنبه – انتهى. وقد يظن من لا يفقه أغراض الشريعة الإسلامية أن التراب قد يكون ملوثاً بالميكروبات الضارة أي: جراثيم الأمراض، فمسح الوجه به ضرر لا نفع فيه. والذي يقول لم يفهم معني التيمم، ولم يدرك الغرض منه لأن الشارع قد اشترط أن يكون التراب طاهراً نظيفاً، ولم يشترط أن يأخذ التراب ويضعه على وجهه، بل المفروض هو أن يأتي بكيفية خاصة تبيح له العبادة الموقوفة على الوضوء والغسل. كذا في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة. ٥٢٨- قوله: (قال رسول الله ﷺ ) متحدثاً بنعمة الله ومبيناً لأحكام شرعه. (فضلنا على الناس) بصيغة المجهول مشدداً أي: فضلنا الله على جميع الأمم السالفة، وحذف الفاعل للعلم. (بثلاث) أي: بثلاث خصال لم تكن لهم واحدة منها، ومفهوم العدد غير مراد، لأنه قد ثبت أنه فضل بأكثر من ذلك. وقيل: كان تنزل عليه ﷺ خصائص أمته شيئاً فشيئاً، فيخبر عن كل نزل عليه عند إنزاله بما يناسبه. وقد عد السيوطي خصائص النبي ﷺ ، وفيها خصائص أمته أيضاً في "خصائصه الكبرى" زيادة عن المائتين، وهذا إجمال، فصله قوله: (جعلت صفوفنا) أي: وقوفنا في الصلاة. (كصفوف الملائكة) أي: في الطاعة، أو في الصلاة، وهي أنهم يتمون المقدم، ثم الذي يليه من الصفوف، ثم يراصون الصفوف، كما ورد التصريح بذلك في سنن أبي داود وغيره. بخلاف الأمم الماضية، فإنهم كانوا يقفون في الصلاة كيف ما اتفق. (مسجداً) أي: موضع سجود لا يختص السجود منها بموضع دون غيره، وهذه لم تكن لغير أمته ﷺ كما صرح به في رواية عمرو بن شعيب عند أحمد: وكان من قبلي إنما يصلون في كنائسهم. وفي رواية ابن عباس عند البزار:

стр. 633

وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء)) . ــ ولم يكن أحد من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه. (وجعلت تربتها) أي: ترابها كما في حديث علي عند أحمد والبيهقي. والتراب أعم من أن يكون سبخاً أو غيره لأن المدينة سبخة، وقد كانوا يتيممون منها. (لنا طهوراً) أي: مطهراً. فيه دليل على أن التراب يرفع الحدث كالماء لاشتراكهما في الطهورية. (إذا لم نجد الماء) هذا القيد قرآني معتبر في الأحاديث المطلقة. واستدل بالحديث على أن التراب متعين للتيمم دون بقية الجامدات من أجزاء الأرض كالحجر، والكحل، والزرنيخ، والجص، والنورة، والإثمد، والمرجان، والآجر، والملح معدنياً كان أو مائياً، وكالحديد والنحاس والصفر والذهب والفضة، ونحوها مما يذاب بالنار متميزاً عن التراب. قال الحافظ: دل الافتراق في اللفظ حيث حصل التأكيد في جعلها مسجداً دون الآخر على الافتراق في الحكم، أي: بتعين التراب للتيمم دون السجود، وإلا لعطف أحدهما على الآخر نسقاً كما وقع في حديث جابر عند الشيخين بلفظ: وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً – انتهى. وقال الشوكاني في السيل الجرار: ومما يعين التراب ويقيد أنه المراد أن جماعة من أهل اللغة كصاحب القاموس وغيره فسروا الصعيد بالتراب، وما صعد على وجه الأرض، فجعلوا التراب أحد معنى الصعيد، فالروايات المصرحة بالتراب هي معينة لأحد معنى الصعيد انتهى. وقال العلامة القنوجي في تفسير سورة النساء من فتح البيان (ج٢:ص٢٢٨) بعد ذكر حديث حذيفة هذا ما لفظه: فهذا مبين لمعنى الصعيد المذكور في الآية، أو مخصص لعمومه، أو مقيد لإطلاقه. ويؤيد هذا ما حكاه ابن فارس عن كتاب الخليل: تيمم بالصعيد أي: خذ من غباره - انتهى. والحجر الصلد لا غبار عليه. قلت: ويقوى كون المراد التراب قوله تعالى في المائدة: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيدكم منه﴾ [٦:٥] وذلك أن كلمة "من" للتبعيض كما قال في الكشاف حيث قال: إنه لا يفهم أحد من العرب قول القائل: مسحت برأسه من الدهن ومن التراب، إلا معنى التبعيض والتبعيض لا يتحقق إلا في المسح بالتراب لا من الحجارة ونحوها. وأيضاً التنصيص على التراب في الأحاديث يدل على أن ذلك البعض هو التراب. قال الشوكاني في السيل الجرار: ولا يعارض هذا تيممه ﷺ من الحائط، فإنه لم يرو أنه كان معموراً من الحجر، بل الظاهر أنه معمور بالطين، وإذا كان كذلك فالضرب فيه لا يبعد أن يعلق باليد من تربته ما له أثر يمسح به. وقد أخرج الشافعي أنه حته أي: الحائط الذي تيمم منه، وقد أخرج هذه الزيادة البيهقي من طريق الشافعي، ثم قال: وفي إسنادها يعني هذه الزيادة إبراهيم بن أبي يحيى شيخ الشافعي، عن أبي الحويرث- وهو متكلم فيهما - عن الأعرج، عن أبي الصمة، وهو يعني الأعرج لم يسمع منه – انتهى. قلت: ويلتحق بالتراب الرمل، فيجوز التيمم به أيضاً كالتراب. قال ابن القيم في زاد المعاد (ج١:ص٥١) : صح عنه ﷺ أنه قال: حيثما أدركت رجلاً من أمتي الصلاة، فعنده مسجده وطهوره. وهذا نص صريح في أن من أدركته الصلاة في الرمل له طهور. ولما سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك قطعوا تلك الرمال في طريقهم، وماءهم في غاية القلة، ولم يرو عنه أنه حمل معه التراب ولا أمر به، ولا فعله أحد من أصحابه مع القطع بأن في المفاوز الرمال أكثر من التراب، وكذلك أرض الحجاز وغيره.

стр. 634

رواه مسلم. ٥٢٩- (٢) وعن عمران، قال: ((كنا في سفر مع النبي ﷺ ، فصلى بالناس، فلما انفتل من صلاته، إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، فقال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟) . قال: أصابتني جنابة، ولا ماء. قال: عليك بالصعيد، فإنه يكفيك)) . متفق عليه. ٥٣٠- (٣) وعن عمار، قال: ((جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: إني أجنبت، فلم أصب الماء. ــ ومن تدبر هذا قطع بأنه كان تيمم بالرمل- انتهى. هذا والخصلة الثالثة مبهمة، وقد بينها ابن خزيمة والنسائي وهي: وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرض، يشير إلى ما حطه الله عن أمته من الإصر وتحميل ما لا طاقة لهم به، ورفع الخطأ والنسيان. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً ابن خزيمة والنسائي. ٥٢٩- قوله: (كنا في سفر) أي: عند رجوعهم من خيبر، أو الحديبية، أو في طريق مكة، أو بطريق تبوك. (فصلى بالناس) أي: إماماً لهم. (فلما انفتل) أي: انصرف وفرغ. (إذا هو) أي: النبي ﷺ ، وهو مبتدأ خبره قوله: (برجل) لم يسم، وقيل: هو خلاد بن رافع أخو رفاعة، ولكن وهموا قائله. (معتزل) أي: منفرد عن القوم، خارج من بينهم، واقف في ناحية. والجملة جواب لما، أي: فلما انفتل فاجأه رؤية رجل معتزل غير مصل. (ولا ماء) موجود بالكلية. وماء بفتح الهمزة، ويحتمل أن تكون لا ههنا بمعنى ليس، فيرتفع الماء حينئذ، ويكون المعنى ليس ماء عندي. (عليك بالصعيد) اسم فعل بمعنى خذ والزم، والباء زائدة، واللام للعهد المذكور في الآية. (فإنه) أي: الصعيد. (يكفيك) أي: لصحة الصلاة، ويجزئك عن الماء عند عدمه. والحديث نص في جواز التيمم للجنب، وهو مجمع عليه، لم يخالف فيه أحد من الخلف ولا من السلف إلا ما جاء عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود، وحكى مثله عن إبراهيم النخعي من عدم جوازه للجنب. وقيل: إن عمر وعبد الله رجعا عن ذلك، وقد جاءت في جوازه للجنب الأحاديث الصحيحة. واستدل بالحديث على كون التيمم طهارة مطلقة. قال الحافظ: احتج البخاري لعدم وجوب التيمم لكل صلاة بعموم قوله: ﷺ عليك بالصعيد، فإنه يكفيك. قال: وهذه المسألة وافق فيها البخاري الكوفيين والجمهور – انتهى. قلت: وهو الراجح عندي. (متفق عليه) أخرجه البخاري في التيمم، وفي علامات النبوة، ومسلم في الصلاة مطولاً، وأخرجه أيضاً النسائي في الطهارة مختصراً. ٥٣٠- قوله: (وعن عمار) فيه: أن الذي وقع في الصحيحين وغيرهما أن عبد الرحمن بن أبزى هو الذي روى أول القصة، أعنى قوله: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب. فقال: إن أجنبت، فلم أصب الماء. فهذا القدر إنما هو رواية عبد الرحمن دون عمار، فالصواب أن يقول المصنف: عن عبد الرحمن بن أبزى بدل عن عمار، ويدل على ما قلنا قوله: فقال: عمار لعمر. (جاء رجل) لم يسم. (إني أجنبت) أي: صرت جنباً. (فلم أصب الماء) من الإصابة أي: لم أجده، فقال

стр. 635

فقال عمار لعمر: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت؟ فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه. ــ عمر: لا تصل حتى تجد الماء. (في سفر) ولمسلم: في سرية، وزاد: فأجنبنا. (أنا وأنت) تأكيد وبيان لضمير كنا، فالمعنى فأجنبنا كلنا. (فأما أنت فلم تصل) لأنه كان يتوقع الوصول إلى الماء قبل خروج الوقت، أو لاعتقاد أن التيمم إنما هو عن الحديث الأصغر لا الأكبر، وهذا هو الأظهر، وقاس عمار الحدث الأكبر على الأصغر. (فتمعكت) أي: تمرغت وتقلبت في التراب، كأنه ظن أن إيصال التراب إلى جميع الأعضاء واجب في تيمم الجنابة كإيصال الماء في غسلها. وبه يظهر أن المجتهد يخطئ ويصيب. (فذكرت ذلك) أي: ما ذكر من امتناع عمر عن الصلاة، وتمعكي في التراب. (إنما كان يكفيك هذا) مجمل تفسيره. (فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض) فيه أن تعليمه ﷺ لعمار كيفية التيمم كان بالفعل، والرواية الآتية تدل على أنه كان بالقول. قال القاري: والجمع بين الحديثين: أنه ﵊ جمع في التعليم بين القول والفعل تأكيداً للإعلام وتنبيها على الإهتمام. (ونفخ فيهما) يحتمل أن يكون النفخ لشيء علق بيده خشي أن يصيب وجهه الكريم، أو علق بيده من التراب شيء له كثرة، فأراد تخفيفه لئلا يبقى له أثر في وجهه. (ثم مسح بهما وجهه وكفيه) أي: ظاهرهما. والحديث فيه دليل على أنه يكفي في التيمم ضربة واحدة، ويكفي في اليدين مسح الكفين، وأن الآية مجملة بينها النبي ﷺ بالاقتصار على الكفين. والاكتفاء بالضربة الواحدة، وبمسح الراحتين وظاهر الكفين، هو مذهب جمهور العلماء، وأهل الحديث عملاً بحديث عمار هذا، فإنه أصح حديث في الباب، كما أقر به التوربشتي والخطابي وابن دقيق العيد وغيرهم قال الشيخ عبد الحى اللكنوي: أقوى الأقوال فيه من حيث الدليل هو الاكتفاء بمسح اليدين إلى الرسغين لما ثبت في روايات حديث عمار الصحيحة: أن النبي ﷺ علمه كيفية التيمم حين بلغه تمعكه في التراب، واكتفى فيه على مسح الوجه والكفين – انتهى. وقال الحافظ في الفتح: - وما أحسن ما قال! - إن الأحاديث الواردة في التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم، وعمار. وما عداهما، فضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه. فأما حديث أبي جهيم فورد بذكر اليدين مجملاً، وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين في الصحيحين، وبذكر المرفقين في السنن، وفي رواية إلى نصف الذراع، وفي رواية إلى الآباط. فأما رواية المرفقين، وكذا نصف الذراع، ففيهما مقال، وأما رواية الآباط أي الآتية في الفصل الثالث، فقال الشافعي وغيره: إن كان ذلك وقع بأمر النبي ﷺ ، فكل تيمم صح للنبي ﷺ بعده فهو ناسخ له، وإن كان بغير أمره فالحجة فيما أمر به. ومما يقوى رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين كون عمار يفتى بعد النبي ﷺ بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره، ولا سيما الصحابي المجتهد - انتهى.
следующие страницы →