Полный текст (4 545 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
أولى بالمسح أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه. رواه أبوداود، وللدارمي معناه.
(١٠) باب التيمم
ــ
لقربة من القاذورات والأوساخ. (أولى بالمسح من أعلاه) أي: ما تحت القدمين أولى بالمسح من الذي هو على أعلاهما، لأنه الذي يباشر المشي ويقع على ما ينبغي إزالته، بخلاف أعلاه، وهو ما على ظهر القدم. (يمسح على ظاهر خفيه) أي: على أعلاهما دون أسفلهما يعني فلا يعتبر بالرأي والقياس الذي هو على خلاف فعل رسول الله ﷺ . واعلم أن العقل الكامل تابع للشرع لأنه عاجز عن إدراك الحكم الإلهية، فعليه التعبد المحض بمقتضى العبودية، وما ضل من ضل من الكفرة، والحكماء، والمبتدعة وأهل الأهواء إلا بمتابعة العقل، وترك موافقة النقل. والحديث نص على المسح المشروع هو مسح ظاهر الخف أي: أعلاه دون باطنه أي: أسفله. (رواه أبوداود) بإسناد حسن، قاله الحافظ في بلوغ المرام. وقال في التلخيص: إسناده صحيح. (وللدارمي) جار ومجرور خبر مقدم مبتدأه. (معناه) أي: معنى هذا الحديث دون لفظه. وأعلم أن الأحاديث المذكورة في الباب ليس فيها تعرض للقدر المجزئ من المسح، نعم قد روى عن علي ﵁ أنه رأى رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر الخف خطوطاً بالأصابع. قال النووي في شرح المهذب: إنه حديث ضعيف وروى عن جابر أنه ﷺ أرى بعض من علمه المسح أن يمسح بيده من مقدم الخفين إلى أصل الساق مرة، وفرج بين أصابعه. أخرجه الطبراني في الأوسط، وعزاه ابن الجوزي في التحقيق إلى رواية ابن ماجه. قال الحافظ: هو في بعض نسخ ابن ماجه دون بعض. وقد استدركه المزى على ابن عساكر في الأطراف، وإسناده ضعيف جداً - انتهى. وقد عرفت من هذا أنه لم يرد في الكيفية والكمية حديث يعتمد عليه إلا حديث علي والمغيرة في بيان محل المسح. قال الأمير اليماني: والظاهر أنه إذا فعل المكلف ما يسمى مسحاً على لغة أجزأه - انتهى.
(باب التيمم) قال الله تعالى: ﴿إن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج ولكن يريد ليطهركم﴾ الآية [٦:٥] . والتيمم في اللغة القصد، وفي الشرع: القصد إلى الصعيد الطيب لمسح الوجه واليدين بنية استباحة الصلاة ونحوها. وهو من خصائص هذه الأمة نصاً وإجماعاً. واختلف هل التيمم عزيمة أورخصة؟ وفصل بعضهم، فقال: هو لعدم الماء عزيمة، وللعذر رخصة. قال الشاه ولي الله: لما كان من سنة الله في شرائعه أن يسهل عليهم كل ما لا يستطيعونه وكان أحق أنواع التيسير أن يسقط ما فيه حرج إلى بدل لتطمئن نفوسهم، ولا تختلف الخواطر عليهم بإهمال ما التزموه غاية الالتزام مرة واحدة ولا يألفوا ترك الطهارات أسقط الوضوء والغسل
стр. 632
﴿الفصل الأول﴾
٥٢٨- (١) عن حذيفة، قال: قال: رسول الله ﷺ : ((فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً،
ــ
في المرض والسفر إلى التيمم، ولما كان ذلك كذلك نزل القضاء في الملأ الأعلى بإقامة التيمم مقام الوضوء والغسل، وحصل له وجود تشبيهي أنه طهارة من الطهارات، وهذا القضاء أحد الأمور والعظام التي تميزت به الملة المصطفوية من سائر الملل، وهو قوله ﷺ : جعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء. قال: إنما خص الأرض لأنها لا تكاد تفقد، فهي أحق ما يرفع به الحرج، ولأنها طهور في بعض الأشياء كالخف والسيف بدلاً عن الغسل بالماء، ولأن فيه تذللاً بمنزلة تعفير الوجه في التراب، وهو يناسب طلب العفو، وإنما لم يفرق بين بدل الغسل والوضوء، ولم يشرع التمرغ لأن من حق ما لا يعقل معناه بادي الرأي: أن يجعل كالمؤثر بالخاصية دون المقدار، فإنه هو الذي اطمأنت نفوسهم به في هذا الباب، ولأن التمرغ فيه بعض الحرج فلا يصلح رافعاً للحرج بالكلية. وفي معنى المرض البرد الضار لحديث عمرو بن العاص، والسفر ليس بقيد، إنما هو صورة لعدم وجدان الماء يتبادر إلى الذهن. وإنما لم يؤمر بمسح الرجل بالتراب لأن الرجل محل الأوساخ، وإنما يؤمر بما ليس حاصلاً ليحصل التنبه – انتهى. وقد يظن من لا يفقه أغراض الشريعة الإسلامية أن التراب قد يكون ملوثاً بالميكروبات الضارة أي: جراثيم الأمراض، فمسح الوجه به ضرر لا نفع فيه. والذي يقول لم يفهم معني التيمم، ولم يدرك الغرض منه لأن الشارع قد اشترط أن يكون التراب طاهراً نظيفاً، ولم يشترط أن يأخذ التراب ويضعه على وجهه، بل المفروض هو أن يأتي بكيفية خاصة تبيح له العبادة الموقوفة على الوضوء والغسل. كذا في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة.
٥٢٨- قوله: (قال رسول الله ﷺ ) متحدثاً بنعمة الله ومبيناً لأحكام شرعه. (فضلنا على الناس) بصيغة المجهول مشدداً أي: فضلنا الله على جميع الأمم السالفة، وحذف الفاعل للعلم. (بثلاث) أي: بثلاث خصال لم تكن لهم واحدة منها، ومفهوم العدد غير مراد، لأنه قد ثبت أنه فضل بأكثر من ذلك. وقيل: كان تنزل عليه ﷺ خصائص أمته شيئاً فشيئاً، فيخبر عن كل نزل عليه عند إنزاله بما يناسبه. وقد عد السيوطي خصائص النبي ﷺ ، وفيها خصائص أمته أيضاً في "خصائصه الكبرى" زيادة عن المائتين، وهذا إجمال، فصله قوله: (جعلت صفوفنا) أي: وقوفنا في الصلاة. (كصفوف الملائكة) أي: في الطاعة، أو في الصلاة، وهي أنهم يتمون المقدم، ثم الذي يليه من الصفوف، ثم يراصون الصفوف، كما ورد التصريح بذلك في سنن أبي داود وغيره. بخلاف الأمم الماضية، فإنهم كانوا يقفون في الصلاة كيف ما اتفق. (مسجداً) أي: موضع سجود لا يختص السجود منها بموضع دون غيره، وهذه لم تكن لغير أمته ﷺ كما صرح به في رواية عمرو بن شعيب عند أحمد: وكان من قبلي إنما يصلون في كنائسهم. وفي رواية ابن عباس عند البزار:
стр. 633
وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء)) .
ــ
ولم يكن أحد من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه. (وجعلت تربتها) أي: ترابها كما في حديث علي عند أحمد والبيهقي. والتراب أعم من أن يكون سبخاً أو غيره لأن المدينة سبخة، وقد كانوا يتيممون منها. (لنا طهوراً) أي: مطهراً. فيه دليل على أن التراب يرفع الحدث كالماء لاشتراكهما في الطهورية. (إذا لم نجد الماء) هذا القيد قرآني معتبر في الأحاديث المطلقة. واستدل بالحديث على أن التراب متعين للتيمم دون بقية الجامدات من أجزاء الأرض كالحجر، والكحل، والزرنيخ، والجص، والنورة، والإثمد، والمرجان، والآجر، والملح معدنياً كان أو مائياً، وكالحديد والنحاس والصفر والذهب والفضة، ونحوها مما يذاب بالنار متميزاً عن التراب. قال الحافظ: دل الافتراق في اللفظ حيث حصل التأكيد في جعلها مسجداً دون الآخر على الافتراق في الحكم، أي: بتعين التراب للتيمم دون السجود، وإلا لعطف أحدهما على الآخر نسقاً كما وقع في حديث جابر عند الشيخين بلفظ: وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً – انتهى. وقال الشوكاني في السيل الجرار: ومما يعين التراب ويقيد أنه المراد أن جماعة من أهل اللغة كصاحب القاموس وغيره فسروا الصعيد بالتراب، وما صعد على وجه الأرض، فجعلوا التراب أحد معنى الصعيد، فالروايات المصرحة بالتراب هي معينة لأحد معنى الصعيد انتهى. وقال العلامة القنوجي في تفسير سورة النساء من فتح البيان (ج٢:ص٢٢٨) بعد ذكر حديث حذيفة هذا ما لفظه: فهذا مبين لمعنى الصعيد المذكور في الآية، أو مخصص لعمومه، أو مقيد لإطلاقه. ويؤيد هذا ما حكاه ابن فارس عن كتاب الخليل: تيمم بالصعيد أي: خذ من غباره - انتهى. والحجر الصلد لا غبار عليه. قلت: ويقوى كون المراد التراب قوله تعالى في المائدة: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيدكم منه﴾ [٦:٥] وذلك أن كلمة "من" للتبعيض كما قال في الكشاف حيث قال: إنه لا يفهم أحد من العرب قول القائل: مسحت برأسه من الدهن ومن التراب، إلا معنى التبعيض والتبعيض لا يتحقق إلا في المسح بالتراب لا من الحجارة ونحوها. وأيضاً التنصيص على التراب في الأحاديث يدل على أن ذلك البعض هو التراب. قال الشوكاني في السيل الجرار: ولا يعارض هذا تيممه ﷺ من الحائط، فإنه لم يرو أنه كان معموراً من الحجر، بل الظاهر أنه معمور بالطين، وإذا كان كذلك فالضرب فيه لا يبعد أن يعلق باليد من تربته ما له أثر يمسح به. وقد أخرج الشافعي أنه حته أي: الحائط الذي تيمم منه، وقد أخرج هذه الزيادة البيهقي من طريق الشافعي، ثم قال: وفي إسنادها يعني هذه الزيادة إبراهيم بن أبي يحيى شيخ الشافعي، عن أبي الحويرث- وهو متكلم فيهما - عن الأعرج، عن أبي الصمة، وهو يعني الأعرج لم يسمع منه – انتهى. قلت: ويلتحق بالتراب الرمل، فيجوز التيمم به أيضاً كالتراب. قال ابن القيم في زاد المعاد (ج١:ص٥١) : صح عنه ﷺ أنه قال: حيثما أدركت رجلاً من أمتي الصلاة، فعنده مسجده وطهوره. وهذا نص صريح في أن من أدركته الصلاة في الرمل له طهور. ولما سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك قطعوا تلك الرمال في طريقهم، وماءهم في غاية القلة، ولم يرو عنه أنه حمل معه التراب ولا أمر به، ولا فعله أحد من أصحابه مع القطع بأن في المفاوز الرمال أكثر من التراب، وكذلك أرض الحجاز وغيره.
стр. 634
رواه مسلم.
٥٢٩- (٢) وعن عمران، قال: ((كنا في سفر مع النبي ﷺ ، فصلى بالناس، فلما انفتل من صلاته، إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، فقال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟) . قال: أصابتني جنابة، ولا ماء. قال: عليك بالصعيد، فإنه يكفيك)) . متفق عليه.
٥٣٠- (٣) وعن عمار، قال: ((جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: إني أجنبت، فلم أصب الماء.
ــ
ومن تدبر هذا قطع بأنه كان تيمم بالرمل- انتهى. هذا والخصلة الثالثة مبهمة، وقد بينها ابن خزيمة والنسائي وهي: وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرض، يشير إلى ما حطه الله عن أمته من الإصر وتحميل ما لا طاقة لهم به، ورفع الخطأ والنسيان. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً ابن خزيمة والنسائي.
٥٢٩- قوله: (كنا في سفر) أي: عند رجوعهم من خيبر، أو الحديبية، أو في طريق مكة، أو بطريق تبوك. (فصلى بالناس) أي: إماماً لهم. (فلما انفتل) أي: انصرف وفرغ. (إذا هو) أي: النبي ﷺ ، وهو مبتدأ خبره قوله: (برجل) لم يسم، وقيل: هو خلاد بن رافع أخو رفاعة، ولكن وهموا قائله. (معتزل) أي: منفرد عن القوم، خارج من بينهم، واقف في ناحية. والجملة جواب لما، أي: فلما انفتل فاجأه رؤية رجل معتزل غير مصل. (ولا ماء) موجود بالكلية. وماء بفتح الهمزة، ويحتمل أن تكون لا ههنا بمعنى ليس، فيرتفع الماء حينئذ، ويكون المعنى ليس ماء عندي. (عليك بالصعيد) اسم فعل بمعنى خذ والزم، والباء زائدة، واللام للعهد المذكور في الآية. (فإنه) أي: الصعيد. (يكفيك) أي: لصحة الصلاة، ويجزئك عن الماء عند عدمه. والحديث نص في جواز التيمم للجنب، وهو مجمع عليه، لم يخالف فيه أحد من الخلف ولا من السلف إلا ما جاء عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود، وحكى مثله عن إبراهيم النخعي من عدم جوازه للجنب. وقيل: إن عمر وعبد الله رجعا عن ذلك، وقد جاءت في جوازه للجنب الأحاديث الصحيحة. واستدل بالحديث على كون التيمم طهارة مطلقة. قال الحافظ: احتج البخاري لعدم وجوب التيمم لكل صلاة بعموم قوله: ﷺ عليك بالصعيد، فإنه يكفيك. قال: وهذه المسألة وافق فيها البخاري الكوفيين والجمهور – انتهى. قلت: وهو الراجح عندي. (متفق عليه) أخرجه البخاري في التيمم، وفي علامات النبوة، ومسلم في الصلاة مطولاً، وأخرجه أيضاً النسائي في الطهارة مختصراً.
٥٣٠- قوله: (وعن عمار) فيه: أن الذي وقع في الصحيحين وغيرهما أن عبد الرحمن بن أبزى هو الذي روى أول القصة، أعنى قوله: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب. فقال: إن أجنبت، فلم أصب الماء. فهذا القدر إنما هو رواية عبد الرحمن دون عمار، فالصواب أن يقول المصنف: عن عبد الرحمن بن أبزى بدل عن عمار، ويدل على ما قلنا قوله: فقال: عمار لعمر. (جاء رجل) لم يسم. (إني أجنبت) أي: صرت جنباً. (فلم أصب الماء) من الإصابة أي: لم أجده، فقال
стр. 635
فقال عمار لعمر: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت؟ فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه.
ــ
عمر: لا تصل حتى تجد الماء. (في سفر) ولمسلم: في سرية، وزاد: فأجنبنا. (أنا وأنت) تأكيد وبيان لضمير كنا، فالمعنى فأجنبنا كلنا. (فأما أنت فلم تصل) لأنه كان يتوقع الوصول إلى الماء قبل خروج الوقت، أو لاعتقاد أن التيمم إنما هو عن الحديث الأصغر لا الأكبر، وهذا هو الأظهر، وقاس عمار الحدث الأكبر على الأصغر. (فتمعكت) أي: تمرغت وتقلبت في التراب، كأنه ظن أن إيصال التراب إلى جميع الأعضاء واجب في تيمم الجنابة كإيصال الماء في غسلها. وبه يظهر أن المجتهد يخطئ ويصيب. (فذكرت ذلك) أي: ما ذكر من امتناع عمر عن الصلاة، وتمعكي في التراب. (إنما كان يكفيك هذا) مجمل تفسيره. (فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض) فيه أن تعليمه ﷺ لعمار كيفية التيمم كان بالفعل، والرواية الآتية تدل على أنه كان بالقول. قال القاري: والجمع بين الحديثين: أنه ﵊ جمع في التعليم بين القول والفعل تأكيداً للإعلام وتنبيها على الإهتمام. (ونفخ فيهما) يحتمل أن يكون النفخ لشيء علق بيده خشي أن يصيب وجهه الكريم، أو علق بيده من التراب شيء له كثرة، فأراد تخفيفه لئلا يبقى له أثر في وجهه. (ثم مسح بهما وجهه وكفيه) أي: ظاهرهما. والحديث فيه دليل على أنه يكفي في التيمم ضربة واحدة، ويكفي في اليدين مسح الكفين، وأن الآية مجملة بينها النبي ﷺ بالاقتصار على الكفين. والاكتفاء بالضربة الواحدة، وبمسح الراحتين وظاهر الكفين، هو مذهب جمهور العلماء، وأهل الحديث عملاً بحديث عمار هذا، فإنه أصح حديث في الباب، كما أقر به التوربشتي والخطابي وابن دقيق العيد وغيرهم قال الشيخ عبد الحى اللكنوي: أقوى الأقوال فيه من حيث الدليل هو الاكتفاء بمسح اليدين إلى الرسغين لما ثبت في روايات حديث عمار الصحيحة: أن النبي ﷺ علمه كيفية التيمم حين بلغه تمعكه في التراب، واكتفى فيه على مسح الوجه والكفين – انتهى. وقال الحافظ في الفتح: - وما أحسن ما قال! - إن الأحاديث الواردة في التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم، وعمار. وما عداهما، فضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه. فأما حديث أبي جهيم فورد بذكر اليدين مجملاً، وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين في الصحيحين، وبذكر المرفقين في السنن، وفي رواية إلى نصف الذراع، وفي رواية إلى الآباط. فأما رواية المرفقين، وكذا نصف الذراع، ففيهما مقال، وأما رواية الآباط أي الآتية في الفصل الثالث، فقال الشافعي وغيره: إن كان ذلك وقع بأمر النبي ﷺ ، فكل تيمم صح للنبي ﷺ بعده فهو ناسخ له، وإن كان بغير أمره فالحجة فيما أمر به. ومما يقوى رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين كون عمار يفتى بعد النبي ﷺ بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره، ولا سيما الصحابي المجتهد - انتهى.
стр. 636
رواه البخاري.
ولمسلم نحوه، وفيه قال: ((إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك)) .
ــ
وقال الشوكاني في السيل الجرار: إن جميع الأحاديث الصحيحة ليس فيها إلا ضربة واحدة للوجه والكفين فقط. وجمع ما ورد في الضربتين أو كون المسح إلى المرفقين لا يخلو عن ضعف يسقط به عن درجة الاعتبار، ولا يصلح للعمل عليه، حتى يقال: إنه مشتمل على زيادة، والزيادة يجب قبولها، فالواجب الاقتصار على ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة - انتهى. قال ابن رشد في البداية: إن الصواب هو أن يعتقد أن الفرض إنما هو الكفان فقط، وذلك أن اسم اليد لا يخلو أن يكون في الكف أظهر منه في سائر الأجزاء، أو يكون دلالته على سائر أجزاء الذراع والعضد بالسواء، فإن كان أظهر فيجب المصير إليه على ما يجب المصير إلى الأخذ بالظاهر، وإن لم يكن أظهر، فيجب المصير إلى الأخذ بالأثر الثابت، فأما أن يغلب القياس ههنا على الأثر فلا معنى له، ولا أن ترجح به أيضاً أحاديث لم تثبت بعد، فالقول في هذه المسألة بين من الكتاب والسنة - انتهى. وفي الحديث أن مسح الوجه واليدين بدل في الجنابة عن كل البدن، وإنما لم يأمر عماراً بالإعادة لأنه عمل أكثر مما كان يجب عليه في التيمم. (رواه البخاري) أي: بهذا اللفظ في "باب هل ينفخ في يديه بعد ما يضرب بهما الصعيد للتيمم" وأخرجه أيضاً مسلم كما ذكره المصنف والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه بألفاظ مطولاً ومختصراً.
قوله: (إنما يكفيك أن تضرب بيدك الأرض ثم تنفخ) الخ. فيه رد صريح على من أجاب عن رواية عمار المتقدمة بأن تعليمه له وقع بالفعل، وقد ورد في الأحاديث القولية المسح إلى المرفقين، ومن المعلوم أن القول مقدم على الفعل. ووجه الرد أن رواية مسلم هذه تدل صريحاً على أن التعليم وقع بالقول أيضاً، كما يدل على ذلك ما وقع في رواية للبخاري: يكفيك الوجه والكفان. وقد تفوه بعض أهل الأهواء أن قوله: يكفيك الوجه والكفان، لعله رواية بالمعنى، وحكاية للفعل بالقول، وإنما كان أشار إليه كما في الرواية المارة؛ إنما كان يكفيك هكذا، وكانت تلك إشارة إلى المعهود. وقال تلميذه الذي لا يتحاشى مثل شيخه عن استطالة اللسان على فقهاء أصحاب الحديث وإساءة الأدب في شأنهم نصرة لقول هذا البعض، والقرينة على أن الأصل في روايته هو التعليم بالإشارة، وأن التعليم بالقول رواية بالمعنى، ما عنه عند البخاري: فقال النبي ﷺ : إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض، الخ. ففيه ذكر التعليم القولي مع فعله ﷺ بالكفين، فلما كان ذكر الكفين جرى في ذيل فعله، وكان بياناً لقوله: أخذ بعض الرواة في بيان القول، ثم رفعه - انتهى. قلت: من عادة هؤلاء المشغوفين بآراء الرجال والأقيسة والأهواء أنهم إذا رأوا حديثاً مرفوعاً صحيحاً مخالفاً لقول إمامهم اشمأزوا منه، واخترعوا لرده تأويلات متبجحين بها، فتارة يجعلونه منسوخاً، وأخرى رواية بالمعنى، وتارة يحاولون
стр. 637
٥٣١- (٤) وعن أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة، قال: ((مررت على النبي ﷺ وهو يبول، فسلمت عليه، فلم يرد علي حتى قام إلى جدار، فحته بعصاً كانت معه، ثم وضع يديه على الجدار،
ــ
تضعيفه، وأخرى ينسبون إلى الصحابي فهم خطاب النبي ﷺ ، ونحو ذلك من الوجوه الباطلة التي هي تحريفات معنوية للحديث الصحيح. وعندنا لا تخالف بين هذه الروايات، فقد جمع النبي ﷺ في تعليمه لعمار كيفية التيمم بين الإشارة والقول والفعل، مبالغة في الإعلام، كما أقربه القاري، والشيخ اللكنوي. فالظاهر أنه أشار ﷺ أولاً، ثم فسر إشارته بفعله، وعلم مع ذلك بالقول أيضاً. وأما رواية البخاري هذه فالأظهر أن الراوي اكتفى فيها بذكر التعليم بالإشارة والفعل دون القول فلا دلالة فيها على أن الرواية الأخرى التي فيها ذكر القول رواية بالمعنى، فإنها تحمل على أن الراوي اقتصر مرة على ذكر الإشارة والفعل، وأخرى على ذكر القول، ولا بعد فيه عند من له خبرة وإطلاع على الأحاديث. وأما من أعمى الله قلبه وبصيرته فهو معذور. هذا، وقد أجاب القائلون بمسح اليدين إلى المرفقين، وتعدد الضربة عن حديث عمار هذا بوجوه أخرى كلها واهية، قد ردها وأبطلها شيخنا في شرح الترمذي (ج١:ص ١٣٤، ١٣٥) فارجع إليه لتقف على ما تعللوا به لرد هذا الحديث الصحيح من الأعذار الباردة، وتعتبر. وقد استدل هؤلاء على ما ذهبوا إليه بأحاديث لا تصلح للاحتجاج لما لا يخلوا واحد منها من المقال، كما تقدم إليه الإشارة في كلام الحافظ. واحتجوا أيضاً بآثار الصحابة، وأنت تعلم أن الأثر لا يقاوم الحديث المرفوع. وقد ذكر شيخنا في شرح الترمذي وفي أبكار المنن (ص٦٣-٦٥) أحاديث الضربتين، وبين ما فيها من الكلام، فعليك أن تراجعهما.
٥٣١- قوله: (وعن أبي الجهيم) بضم الجيم وفتح الهاء وسكون الياء. (بن الحارث بن الصمة) بكسر الصاد المهملة وتشديد الميم، ابن عمرو الأنصاري الخزرجي ابن أخت أبي بن كعب، صحابي معروف، بقى إلى خلافة معاوية. واختلف في اسمه، فقيل: هو عبد الله بن الحارث بن الصمة. وقيل: هو عبد الله بن الجهيم بن الحارث بن الصمة، نسب إلى جده. وقيل: إنه الحارث بن الصمة. ولفظ "ابن" بين أبي الجهيم والحارث غلط. وقيل: الحارث بن الصمة رجل آخر غير أبي الجهيم. ولأبي الجهيم حديثان في الصحيحين، أحدهما في التيمم على الجدار، والثاني في المار بين يدي المصلي. وسيأتي في باب السترة. وقال ابن الأثير، وابن عبد البر: راوي حديث التيمم غير راوي حديث المرور، فالأول هو أبوالجهيم بن الحارث بن الصمة، والثاني أبوالجهيم عبد الله بن الجهيم الأنصاري، وجعلهما ابن مندة وأبو نعيم والحافظ واحداً. وأبوالجهيم راوي حديث التيمم وحديث المرور غير أبي الجهم صاحب الأنبجانية المذكور في حديث عائشة الآتي في باب الستر، واسمه عامر بن حذيفة. (فحته) بالتاء الفوقية أي: خدشه حتى يحصل منه التراب. وفيه دليل على أنه لا بد في التيمم من التراب. وقيل: حته لتحصيل التراب قصداً إلى الأفضل، وهو محمول على أنه كان جداراً مباحاً أو مملوكاً لإنسان يعرف رضاه. (ثم وضع يديه على الجدار)
стр. 638
فمسح وجهه وذراعيه، ثم رد على. ولم أجد هذه الرواية في "الصحيحين" ولا في " كتاب الحميدي" ولكن ذكره في "شرح السنة" وقال: هذا حديث حسن.
﴿الفصل الثاني﴾
٥٣٢- (٥) عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين،
ــ
فيه أنه يجزئ وضع اليدين في التراب للتيمم، ولا يجب ضربة التراب. وفيه أن الضربة الواحدة كافية. (فمسح وجهه وذراعيه) الذراع- بكسر الذال- الساعد ومن الطرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى. قال الحافظ: الثابت في حديث أبي جهيم بلفظ: يديه، لا ذراعيه فإنها رواية شاذة مع ما في أبي الحويرث من الضعف-انتهى. (ثم رد على) أي: السلام، فيه دليل على استحباب الطهارة لذكر الله. (ولم أجد هذه الرواية) أي: بهذا اللفظ، أي: نقلت هذا الحديث هنا تبعاً للمصنف ولم أجده. (في الصحيحين) وروايتهما مذكورة في أول الفصل الثالث من هذا الباب. (ولا في كتاب الحميدي) أي: الجمع بين الصحيحين للحميدي، فالاعتراض وارد على صاحب المصابيح حيث ذكر هذا الحديث في الصحاح الموضوع في اصطلاحه لحديث الشيخين أو أحدهما. (ولكن ذكره) أي: صاحب المصابيح. (في شرح السنة) من كتبه بإسناده من حديث الشافعي، عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى عن أبي الحويرث عن الأعرج عن أبي جهيم بن الصمة، فكأنه غفل عنه في المصابيح. (وقال: هذا حديث حسن) قيل: في تحسينه نظر لأن شيخ الشافعي إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى قد ضعفه عامة المحدثين. وشيخ شيخه أبا الحويرث متكلم فيه، وأيضاً هو منقطع لأن ما بين الأعرج وأبي جهيم، عمير كما في رواية البخاري وغيره. ونص عليه أيضاً البيهقي وغيره كما تقدم في كلام الشوكاني أنه أخرجه البيهقي من طريق الشافعي وتكلم فيه. قلت: أصل الحديث متفق عليه، لكن ليس في روايتهما ذكر الذراع، ولاحت الجدار بالعصا، ولا أنه سلم عليه وهو يبول، بل فيه: أنه أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل، فسلم عليه - الحديث. كما سيأتي في الفصل الثالث.
٥٣٢- قوله: (الطيب) أي: الطاهر. (وضوء المسلم) بفتح الواو، أي: طهوره، وأطلق عليه اسم الوضوء مجازاً لأن الغالب في الطهور هو الوضوء، قاله السندي. وقال القاري: بفتح الواو لأن التراب بمنزلة الماء في صحة الصلاة. وقيل: بضم الواو، أي: استعمال الصعيد على الوجه المخصوص كوضوء المسلم، فهو تشبيه بليغ، وعلى التقديرين يفيد أن التيمم رافع للحدث، فيصلي بواحد ما شاء من الفرائض والنوافل. قلت: ومما يؤيد ذلك أن الله تعالى جعل التيمم عوضاً عن الماء عند عدمه، والأصل أنه قائم مقامه في جميع أحكامه، فلا يخرج عن ذلك إلا بدليل، ويجوز لمن تطهر بالصعيد الطيب ما يفعله المتطهر بالماء. قال الخطابي: يحتج بهذا الحديث من يرى أن للمتيمم أن يجمع بتيممه بين صلوات ذوات عدد، وهو مذهب أصحاب الحديث – انتهى. (وإن لم يجد الماء) إن وصلية. (عشر سنين) المراد منه الكثرة
стр. 639
فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير)) . رواه أحمد، والترمذي، وأبوداود. وروى النسائي نحوه إلى قوله: عشر سنين.
ــ
والمبالغة لا المدة المقدرة أي: التحديد، والمعنى: أن له أن يفعل التيمم مرة بعد أخرى وإن بلغت مدة عدم الماء واتصلت إلى عشر سنين، وليس في معنى: أن التيمم دفعة واحدة يكفيه لعشر سنين، قاله الخطابي. وفيه دلالة على أن خروج الوقت غير ناقص للتيمم بل حكمه حكم الوضوء، وما صح عن ابن عمر: أنه تيمم لكل صلاة وإن لم يحدث. محمول على الاستحباب. وفيه دليل على جواز التيمم لرفع الجنابة عند عدم الماء لأنه ﷺ جعل الصعيد طهور للمسلم، كما في رواية الترمذي وغيره، وهو بعمومه يشمل الطهور من الحدثين الأصغر والأكبر معاً لإطلاقه وعدم تقييده بأحدهما قلت: ويؤيده أيضاً سبب ورود الحديث كما في رواية أحمد وأبي داود، وحاصله: أنه قال: أبو ذر: اجتويت المدينة، فأمرني رسول الله ﷺ بإبل، فكنت فيها، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: هلك أبوذر، قال: ما حالك؟ قلت: أتعرض للجنابة وليس قربي ماء. قال: الصعيد طهور، الخ. (فإذا وجد الماء) أي: كافياً لغسله، أو وضوئه. (فليمسه) بضم الياء وكسر الميم من الإمساس. (بشرته) بفتحتين، ظاهر الجلد، أي: فليوصل الماء إلى بشرته وجلده، يعني فليتوضأ، أو يغتسل. (فإن ذلك) أي: الإمساس. (خير) أي: من الخيور، وليس معناه أن كليهما جائز عند وجود الماء، لكن الوضوء أو الغسل خير، بل المراد أن الوضوء أو الغسل فرض عند وجود الماء، والخيرية لا ينافي الفرضية، ونظيره قوله تعالى: ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلاً﴾ [٢٤:٢٥] ووقع في رواية لأحمد (ج٥:ص١٤٦) : فإذا وجدت الماء فأمس بشرتك. وفي رواية لأبي داود: فأمس جلدك. وهذا أمر وهو للوجوب. واستدل بقوله: فإذا وجد الماء فليمس بشرته. على وجوب الإعادة على من وجد الماء قبل الفراغ من الصلاة. قال الشوكاني: وهو استدلال صحيح، لأن هذا الحديث مطلق فيمن وجده بعد الوقت، ومن وجده قبل خروجه، وحال الصلاة، وبعدها. وحديث أبي سعيد الآتي مقيد بمن وجد الماء في الوقت بعد الفراغ من الصلاة، فتخرج هذه الصورة بحديث أبي سعيد وتبقى صورة وجود الماء قبل الدخول في الصلاة بعد فعل التيمم، وبعد الدخول في الصلاة قبل الفراغ منها، داخلتين تحت إطلاق الحديث. (رواه أحمد) (ج٥: ص١٨، ١٤٦،١٥٥) . (والترمذي) وقال: هذا حديث حسن صحيح. (وأبوداود) وسكت عنه، ونقل المنذري تصحيح الترمذي، وأقره، وأخرجه أيضاً الحاكم (ج١:ص١٨٦،١٨٧) والبيهقي (ج١:ص٢١٢،٢٢٠) والدارقطني (ص٦٨) وابن حبان في صحيحه، والأثرم، وصححه أيضاً أبوحاتم والحاكم ووافقه الذهبي على تصحيحه في تلخيصه. وفي الباب عن أبي هريرة، أخرجه البزار، وصححه ابن القطان، لكن قال الدارقطني في العلل: إرساله أصح. وعن عمران بن حصين، وهو الحديث الثاني من الفصل الأول.
стр. 640
٥٣٣- (٦) وعن جابر، قال: ((خرجنا في السفر، فأصاب رجلاً منا حجر، فشجه في رأسه، فاحتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء. فاغتسل فمات. فلما قدموا على النبي ﷺ أخبر بذلك. قال: قتلوه، قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا! فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده)) .
ــ
٥٣٣- قوله: (خرجنا في سفر) قيل: "في" تعليلية أي: خرجنا لإرادة سفر، وقيل: الجار والمجرور في محل نصب على أنه حال، أي: خرجنا مسافرين. (فشجه في رأسه) الشج كسر الرأس خاصة وجرحه، وقد يستعمل في غيره، وضمير المفعول للرجل، وذكر الرأس لزيادة التأكيد، فإن الشج هو كسر الرأس، ففيه تجريد والمعنى: فجرحه في رأسه. (وأنت تقدر على الماء) الجملة حال، حملوا الوجدان على حقيقته، ولم يعلموا أن الوجدان عند الضرورة في حكم الفقدان. (أخبر) بالبناء للمجهول. (قتلوه) أسند القتل إليهم لأنهم تسببوا له بتكليفهم له باستعمال الماء مع وجود الجرح في رأسه ليكون أدل على الإنكار عليهم. (قتلهم الله) أي: لعنهم، إنما قاله زجراً وتهديداً. وفيه أن صاحب الخطأ الواضح غير معذور، لأنه عابهم بالفتوى بغير علم، وألحق بهم الوعيد بأن دعا عليهم، وجعلهم في الإثم قتلة له. (ألا سألوا) بفتح الهمزة وتشديد اللام حرف تحضيض دخل على الماضي فأفاد التنديم. (فإنما شفاء العي) بكسر العين وتشديد الياء هو التحير في الكلام، وعدم الضبط، كذا في الصحاح. وفي النهاية ولسان العرب: العي بكسر العين الجهل، والمعنى: أن الجهل داء شفاءه السؤال والتعلم. (إنما كان يكفيه) أي: الرجل المحتلم. (أن يتيمم) أولاً. (ويعصب) بتشديد الصاد المكسورة، أي: يشد. (على جرحه) بضم الجيم. (خرقة) بكسر الخاء، أي: حتى لا يصل الماء إلى الجرح. (ثم يمسح عليها) أي: على الخرقة بالماء. والحديث دليل على جواز العدول إلى التيمم لخشية الضرر وعلى وجوب المسح على الجبائر، ومثله حديث على ﵁ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أمسح على الجبائر. أخرجه ابن ماجه، وهو ضعيف اتفق الحفاظ على ضعفه، وصح عن ابن عمر: أنه مسح على الجبيرة، ويؤيد وجوب المسح أيضاً ما قيل من أنه عضو تعذر غسله بالماء، فمسح ما فوقه كشعر الرأس، وقياسا على مسح أعلى الخفين, وعلى العمامة، وهذا القياس يقوي النص. ثم في حديث جابر هذا دليل على أنه يجمع بين التيمم والمسح على الجبيرة، وغسل سائر الجسد بالماء، وهو الجمع بين التيمم والغسل، ولم ير أحد الأمرين كافياً دون الآخر. وفيه مخالفة القياس، وهو الجمع بين البدل والمبدل منه. فقيل: الحديث ضعيف لأن في سنده زبير بن خريق، وهو لين الحديث، وقد برواية الجمع بين التيمم والغسل، وهو مع كونه غير قوي في الحديث، قد خالف الأوزاعي كما سيأتي، فرواية الجمع بين
стр. 641
رواه أبوداود.
٥٣٤- (٧) ورواه ابن ماجه، عن عطاء بن رباح، عن ابن عباس.
ــ
التيمم والغسل ضعيفة لا تثبت بمثلها حكم شرعي وقيل: الواو في قوله: ويعصب. بمعنى أو. (رواه أبوداود) من طريق زبير بن خريق، عن عطاء بن أبي رباح عن جابر وسكت عنه، وصححه ابن السكن. وقال ابن أبي داود: تفرد به الزبير بن خريق. وكذا قال الدارقطني (ص٧٠) قال: وليس بالقوى، وخالفه الأوزاعي، فرواه عن عطاء عن ابن عباس، وهو الصواب. ونقل ابن السكن عن ابن أبي داود أن حديث الزبير بن خريق أصح من حديث الأوزاعي. قال: وهذا أمثل ما ورد في المسح على الجبيرة. وقال البيهقي في المعرفة: هذا الحديث يعني حديث زبير بن خريق، عن عطاء بن جابر أصح ما روى في هذا الباب مع اختلاف في إسناده قد بيناه في كتاب السنن- انتهى. قال الدارقطني: واختلف فيه أي: في حديث الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس، على الأوزاعي، فقيل: عنه عن عطاء. وقيل: بلغني عن عطاء، وأرسل الأوزاعي آخره، فقال: عن عطاء، عن النبي ﷺ . وهو الصواب. قلت: هي رواية ابن ماجه، والدارمي. واختلف في أن الأوزاعي سمع هذا الحديث عن عطاء، فقال: أبوحاتم وأبوزرعة: لم يسمعه الأوزاعي من عطاء إنما سمعه من إسماعيل بن مسلم عن عطاء، بين ذلك ابن أبي العشرين في روايته عن الأوزاعي، ورواه الحاكم في المستدرك (ج١:ص١٢٨) من حديث بشر بن بكر، عن الأوزاعي: حدثنا عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس به. قال الحاكم: وقد رواه الهقل بن زياد، وهو من أثبت أصحاب الأوزاعي، ولم يذكر سماع الأوزاعي من عطاء - انتهى. ونقل العلامة أبوالطيب في تعليق المغني (ص٧٠) عن الحاكم أنه قال: بعد رواية الحديث من طريق بشر بن بكر بتصريح سماع الأوزاعي من عطاء ما لفظه: بشر بن بكر ثقة مأمون، وقد أقام إسناده، وهو صحيح على شرطهما - انتهى. قلت: ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون الأوزاعي سمعه من عطاء بلا واسطة، ثم سمعه من إسماعيل بن مسلم عن عطاء أو بالعكس، والله أعلم. وحديث جابر أخرجه أيضاً الدارقطني والبيهقي.
٥٣٤- قوله: (ورواه ابن ماجه) من طريق الأوزاعي. (عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس) وكذا أبوداود أخرجه من طريق الأوزاعي لكن بلاغاً عن عطاء عن ابن عباس عقيب رواية عطاء عن جابر، ولعل وجه التخصيص بتخريج ابن ماجه أن رواية أبي داود عن ابن عباس مختصرة ليس فيها ما أرسله الأوزاعي بآخره، وهو قوله: قال عطاء: وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: لو غسل جسده وترك رأسه حيث أصابه الجرح. وحديث ابن عباس أخرجه أيضاً أحمد والدارقطني، والحاكم والبيهقي، لكن لم يقع في رواية عطاء هذه عن ابن عباس ذكر للتيمم فيه، فثبت أن الزبير بن خريق تفرد بسياقه، نبه على ذلك ابن القطان. قال الحافظ: لكن روى ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم (ج١:ص١٦٥) من حديث الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح، عن عمه عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس: أن رجلاً أجنب في شتاء، فسأل، فأمر بالغسل، فمات، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: ما لهم قتلوه قتلهم الله، ثلاثاً، قد جعل الله الصعيد أو التيمم طهوراً.
стр. 642
٥٣٥- (٨) وعن أبي سعيد الخدري، قال: ((خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيداً طيباً، فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة بوضوء، ولم يعد الآخر. ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك. فقال للذي لم يعد: أصبت السنة، أجزأتك صلاتك)) . وقال: للذي توضأ وأعاد:
ــ
قال الحاكم: هذا حديث صحيح، ووافقه الذهبي. وقال الحافظ: والوليد بن عبيد الله ضعفه الدارقطني، وقواه من صحح حديثه هذا، وله شاهد ضعيف جداً من رواية عطية عن أبي سعيد الخدري رواه الدارقطني ولم يقع في رواية ابن أخي عطاء أيضاً ذكر المسح على الجبيرة، فهو من إفراد الزبير بن خريق - انتهى. وعطاء بن أبي رباح - بفتح الراء والموحدة- واسم أبي رباح أسلم، القرشي مولاهم، أبومحمد المكي، ثقة، فقيه، فاضل، لكنه كثير الإرسال. قال ابن سعد: كان من مولدي الجند، ونشأ بمكة، وهو مولى لبنى فهر أو الجمح، وانتهت إليه فتوى أهل مكة وإلى مجاهد في زمانهما. وأكثر ذلك إلى عطاء، سمعت بعض أهل العلم يقول: كان عطاء أسود، أعور، أفطس، أشل، أعرج، ثم عمى بعد، وكان ثقة فقيهاً، عالماً، كثير الحديث. وذكر أبوداود العيوب المذكورة، وزاد: وقطعت يده مع ابن الزبير، وروى عن ابن عباس أنه قال: تجتمعون إلي يا أهل مكة! وعندكم عطاء. وكذا روى عن ابن عمر. وقال أبوحنيفة: ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء. وقال الأوزاعي: مات عطاء يوم مات وهو أرضى أهل الأرض عند الناس. مات سنة (١١٥) وقيل (١١٤) وله ثمان وثمانون سنة، وفضائله كثيرة، بسط ترجمته الحافظ في تهذيب التهذيب (ج٧:ص١٩٩-٢٠٣) وقال الذهبي في التذكرة (ج١:ص٨٦) : مناقب عطاء في العلم والزهد والتأله كثيرة. مات على الأصح في رمضان سنة (١١٤) وقيل (١١٥) بمكة.
٥٣٥- قوله: (فحضرت الصلاة) أي: حان وقتها. (فتيمما صعيداً) أي: قصداه على الوجه المخصوص، فالمراد به المعنى اللغوي، أو فتيمما بالصعيد، على نزع الخافض، وأريد به المعنى الشرعي. (ثم وجدا الماء في الوقت) أي: في وقت الصلاة التي صلياها، وفيه رد على من تأول الحديث بأنهما وجدا الماء بعد الوقت. (فأعاد أحدهما الصلاة بوضوء) إما ظناً بأن الأولى باطلة، أو احتياطاً. (ولم يعد الآخر) على ظن أن تلك الصلاة صحيحة. (فذكرا ذلك) أي: ما وقع لهما. (أصبت السنة) أي: الطريقة الشرعية الثابتة بالسنة، يعني وافقت الحكم المشروع، وهذا تصويب لاجتهاد وتخطئة لاجتهاد الآخر. (وأجزأتك صلاتك) أي: كفتك عن القضاء. والإجزاء عبارة عن كون الفعل مسقطاً للإعادة. قال القاري: وهو تفسير لما سبق، أي: لأنها وقعت في وقتها. والماء مفقود، فالواجب التراب. (وأعاد) أي: الصلاة في الوقت.
стр. 643
لك الأجر مرتين)) . رواه أبوداود والدارمي، وروى النسائي نحوه.
٥٣٦- (٩) وقد روى هو وأبوداود أيضاً عن عطاء بن يسار مرسلاً.
ــ
(لك الأجر مرتين) أجر الصلاة بالتراب، وأجر الصلاة بالماء، فإن كلاً منهما صحيحة تترتب عليها مثوبة، لكون الله لا يضيع عمل عامل. وفيه أن الخطأ في الاجتهاد لا ينافي الأجر في العمل المبني عليه. والظاهر ثبوت الأجر له، ولمن تبعه على وجه يصح، ولا يستلزم ثبوت الأجر له أصابته، فإن النبي ﷺ قد أثبت لمن أخطأ في اجتهاده أجراً كما في الصحيحين وغيرهما، فهذا الذي أعاد الصلاة بالوضوء قد أخطأ في اجتهاده، وثبت له الأجر كما ثبت للحاكم المخطئ في اجتهاده. وفي الحديث من الفقه: أن السنة تعجيل الصلاة للتيمم في أول وقتها كهو للمتطهر بالماء، فلا يجب الطلب والتلوم له، أي: الإنتظار. وفيه أيضاً أن من صلى بالتيمم ثم وجد الماء بعد الفراغ من الصلاة لا يجب عليه الإعادة. (رواه أبوداود والدارمي) أي: مسنداً بذكر أبي سعيد، وأخرجه أيضاً الدارقطني والحاكم (ج١:ص١٢٨) وصححه على شرط الشيخين. (وروى النسائي نحوه) أيضاً.
٥٣٦- قوله: (وقد روى هو) أي: النسائي. (وأبوداود أيضاً عن عطاء بن يسار مرسلاً) قال الدارقطني: تفرد به عبد الله بن نافع عن الليث، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد موصولاً، وخالفه ابن المبارك، فأرسله، وكذا قال الطبراني في الأوسط: لم يروه متصلاً إلا ابن نافع. وقال أبوداود: رواه غير ابن نافع، عن الليث، عن عميرة بن أبي ناجية، عن بكر عن عطاء مرسلاً. قال: وذكر أبي سعيد فيه ليس بمحفوظ. قال الحافظ: لكن هذه الرواية رواها ابن السكن في صحيحه من طريق أبي الوليد الطيالسي، عن الليث، عن عمرو بن الحارث وعميرة بن أبي ناجية جميعاً، عن بكر موصولاً. قال أبوداود: ورواه ابن لهيعة عن بكر فزاد بين عطاء وأبي سعيد أباعبد الله مولى إسماعيل بن عبيد الله - انتهى. وابن لهيعة ضعيف، فلا يلتفت لزيادته، ولا يعل بها رواية الثقة عمرو بن الحارث ومعه عميرة بن أبي ناجية، وقد وثقه النسائي، وابن حبان، ويحيى بن بكير، وأثنى عليه أحمد بن صالح، وابن يونس، وأحمد بن سعيد بن أبي مريم. وله شاهد من حديث ابن عباس، رواه اسحق بن راهوية في مسنده. وعطاء بن يسار يكنى أبا محمد الهلالي المدني مولى ميمونة زوج النبي ﷺ ثقة فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار الطبقة الوسطى من التابعين. وقال المصنف: كان من التابعين المشهورين بالمدينة، كان كثير الرواية عن ابن عباس. مات بالإسكندرية سنة (٩٤) وقيل سنة (٩٧) وقيل (١٠٣) وقيل (١٠٤) وهو ابن (٨٤) سنة.
стр. 644
﴿الفصل الثالث﴾
٥٣٧- (١٠) عن أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة، قال: ((أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل، فسلم عليه فلم يرد النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇) . متفق عليه.
٥٣٨- (١١) وعن عمار بن ياسر، أنه كان يحدث ((أنهم تمسحوا وهم مع رسول الله ﷺ بالصعيد لصلاة الفجر، فضربوا بأكفهم الصعيد، ثم مسحوا بوجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا، فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى، فمسحوا بأيدهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم)) .
ــ
٥٣٧- قوله: (من نحو بئر جمل) بفتح الجيم والميم، أي: من جهة الموضع الذي يعرف بذلك، وهو معروف بالمدينة. (فلقيه رجل) هو أبوالجهيم الراوي، بينه الشافعي في روايته لهذا الحديث من طريق أبي الحويرث، عن الأعرج، قاله الحافظ. قلت: أراد بذلك حديث أبي الجهيم السابق ففيه تصريح بذلك حيث قال: فسلمت عليه. (فلم يرد النبي ﷺ ) أي: السلام عليه. (حتى أقبل على الجدار) وفي رواية للدارقطني: حتى وضع يده على الجدار. واستدل بالحديث على جواز التيمم على الحجر، لأن حيطان المدينة مبنية بحجارة سود، وهي لا تحتمل التراب لأنه لا يثبت عليها. قال القسطلاني أخذاً عن الكرماني: وأجيب بأن الغالب وجود الغبار على الجدار. قلت: لم يرو في شيء من الروايات أن الجدار الذي تيمم منه النبي ﷺ كان معموراً من الحجر، بل الظاهر أنه معمور من الطين، ولو سلم كون الجدار من الحجر، فيحتمل أنه ﷺ تيمم بالطين الذي بين السافتين. وأيضاً عدم كون التراب على الجدار غير معلوم بل هو محتمل. (فمسح بوجهه ويديه) وللدارقطني من طريق أبي صالح عن الليث: فمسح بوجهه وذراعيه. قال الحافظ: الثابت في حديث أبي جهيم بلفظ "يديه" لا ذراعيه، فإنها رواية شاذة، مع ما في أبي صالح من الضعف - انتهى. وقد تقدم بقية الكلام على هذا الحديث في باب مخالطة الجنب فتذكر. (متفق عليه) أخرجه البخاري موصولاً، ومسلم معلقاً، وهو أحد الأحاديث المعلقة فيه. والحديث أخرجه أيضاً النسائي والدارقطني.
٥٣٨- قوله: (تمسحوا) أي: تيمموا. (وهم مع رسول الله ﷺ ) جملة معترضة. (بالصعيد) متعلق بتمسحوا. (لصلاة الفجر) أي: لأدائها. (فضربوا بأكفهم الصعيد) الخ. بيان لتمسحوا. (مرة أخرى) أي: ضربة أخرى. (فمسحوا بأيديهم) جمع اليد وهي مؤنثة، وهي من المنكب إلى أطراف الأصابع. (إلى المناكب والآباط) بالمد جمع إبط يذكر ويؤنث. (من بطون أيديهم) متعلق بمسحوا أي: مسحوا من بطون الأيدي لا من ظهورها. قال القاري: من للابتداء أي:
стр. 645
رواه أبوداود.
(١١) باب الغسل المسنون
﴿الفصل الأول﴾
٥٣٩- (١) عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل)) .
ــ
ابتدأوا بالمسح من بطون الأيدي لا من ظهورها، ويمكن أن يقال: المراد بالابتداء ابتداء آلة المسح لا ابتداء الممسوح - انتهى. قال: شيخ شيخ مشائخنا الشهير في الآفاق الشيخ محمد إسحق المحدث الدهلوي: هذا قياس الصحابة في أول الأمر قبل بيان النبي ﷺ ، فلما بينه لهم علموا كيفية التيمم-انتهى. وقال إسحق بن راهوية ما حاصله: أنه قال عمار: تيممنا مع رسول الله ﷺ إلى المناكب والآباط. وروى عنه، عن النبي ﷺ الوجه والكفين، وليس بينهما تخالف، لأن عمارا لم يذكر أن النبي ﷺ أمرهم بذلك، وإنما قال: فعلنا كذا وكذا، فتيممهم إلى المناكب والآباط لم يكن بأمر النبي ﷺ ، فلما سأل النبي ﷺ أمره بالوجه والكفين، فانتهى إلى ما علمه رسول الله ﷺ . والدليل على ذلك ما أفتى به عمار بعد النبي ﷺ بالوجه والكفين، فكان هو آخر الأمرين، فالأول ما فهموا من إطلاق اليد في الكتاب في آية التيمم، والثاني ما انتهوا إليه بتعليم النبي ﷺ ، فكان الثاني هو المعتبر والمعمول به. (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً ابن ماجه وهو منقطع، فإن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة لم يدرك عماراً. وقد أخرجه النسائي وابن ماجه مختصراً من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبيه، عن عمار، موصولاً. وأخرجه أبوداود أيضاً وغيره من حديث الزهري: حدثني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس عن عمار أتم منه، ثم ذكر أبوداود فيه الإضطراب في السند والمتن.
(باب الغسل المسنون) بضم الغين لا غير، ولم يذكر المصنف في الباب الغسل يوم الفطر ويوم الأضحى، لأنه لم يصح فيه حديث، وقد ورد فيه ثلاثة أحاديث كلها ضعيفة.
٥٣٩- قوله: (إذا جاء أحدكم الجمعة) أي: صلاتها، وهي منصوبة على المفعولية، أي: إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة. كما جاء مصرحاً به في رواية لمسلم. (فليغتسل) فيه دليل على وجوب غسل الجمعة، والحديث الثاني صريح في ذلك لا يحتمل التأويل للتصريح فيه بلفظ واجب. ويدل أيضاً على الوجوب حديث أبي هريرة الذي يتلوه. وكذا ما أخرجه النسائي عن جابر مرفوعاً بلفظ: على كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غسل يوم وهو يوم الجمعة. وما أخرجه أحمد والترمذي عن البراء مرفوعاً بلفظ: حقاً على المسلمين أن يغتسلوا يوم الجمعة. وما أخرجه أحمد عن رجل من الأنصار من أصحاب النبي ﷺ مرفوعاً: حق على كل مسلم يغتسل يوم الجمعة، ويتسوك – الحديث. وما روى عن ثوبان عند البزار، وأبي
стр. 646
متفق عليه.
٥٤٠- (٢) وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((غسل يوم الجمعة واجب على كل
محتلم)) . متفق عليه.
ــ
أيوب عند الطبراني في الكبير، وأبي هريرة عند الطبراني في الأوسط، وبريدة عند الطبراني أيضا، وعائشة عند البزار وجابر عند الطبراني في الأوسط. ذكر أحاديثهم الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢:ص١٨٣، ١٨٢) وقد اختلفوا في ذلك، والراجح عندي أن غسل الجمعة واجب مستقل في نفسه لهذه الأحاديث، وليس شرطاً في صحة الصلاة، فمن لم يأت به صحت صلاته، وكان مقصراً في الواجب عليه. وأما ما روى مما يدل على خلاف ذلك، كحديث سمرة، وحديث ابن عباس، ونحوهما، فسيأتي الجواب عنه. قال الشوكاني في السيل الجرار: حديث إذا جاء أحدكم إلى الجمعة. يدل على أن الغسل لصلاة الجمعة، وأن من فعله لغيرها لم يظفر بالمشروعية، سواء فعله في أول اليوم، أو في أوسطه، أو في آخره. ويؤيد هذا ما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان، وغيرهما عن ابن عمر مرفوعاً: من أتى الجمعة من الرجال والنساء، فليغتسل زاد ابن خزيمة: ومن لم يأتها، فليس عليه غسل – انتهى. قلت: رواية ابن خزيمة هذه تدل بمنطوقها نصاً على أنه لا يجب غسل الجمعة على من لم يشهد الجمعة، وهي تؤيد وتقوي مفهوم وقوله: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وغيرهم. قال الحافظ: وله طريق كثيرة. وعد ابن مندة من رواه عن نافع، فبلغوا فوق ثلاث مائة نفس. وعد من رواه من الصحابة غير ابن عمر، فبلغوا أربعة وعشرين صحابياً وقد جمعت طرقة عن نافع فبلغوا مائة وعشرين نفساً - انتهى.
٥٤٠- قوله: (غسل يوم الجمعة) استدل بإضافة "الغسل" إلى "يوم الجمعة" على أن وقت غسلها يدخل بفجر يومها ولا يتوقف على الرواح إليها. وهو مذهب الجمهور. (واجب) قال ابن دقيق العيد: ذهب الأكثرون إلى استحباب غسل الجمعة، وهم محتاجون إلى الاعتذار عن مخالفة هذا الظاهر، وقد أولوا صيغة الأمر على الندب، وصيغة الوجوب على التأكيد، كما يقال: إكرامك علي واجب، وهو تأويل ضعيف، إنما يصار إليه إذا كان المعارض راجحاً على هذا الظاهر، وأقوى ما عارضوا به هذا الظاهر حديث من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل. ولا يعارض سنده سند هذه الأحاديث – انتهى. (على كل محتلم) أي: بالغ، فشمل من بلغ بالسن أو الإحبال، والمراد بالغ، خال عن عذر يبيح الترك، وإلا فالمعذور مستثنى بقواعد الشرع. والمراد الذكر كما هو مقتضي الصيغة، وأيضاً الاحتلام أكثر ما يبلغ به الذكور دون الإناث، وفيهن الحيض أكثر، وعمومه يشمل المصلى وغيره، لكن الحديث الذي قبله وغيره يخصه بالمصلي. (متفق عليه) وأخرجه أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه وغيرهم.
стр. 647
٥٤١- (٣) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً، يغسل فيه رأسه وجسده)) متفق عليه.
﴿الفصل الثاني﴾
٥٤٢- (٤) عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)) .
ــ
٥٤١- قوله: (حق) أي: ثابت ولازم. (على كل مسلم) أي: مكلف فإنه المتبادر في موضع التكليف، فخرج الصبي، وبتذكير اللفظ خرجت المرأة. والمراد بالحق الواجب، والدليل عليه حديث أبي سعيد المتقدم، ففيه دليل على وجوب غسل الجمعة. (أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً) هكذا أبهم في هذه الرواية، وقد عينه جابر في حديثه عند النسائي، وقد ذكرنا لفظه. قال الحافظ بعد ذكره: وصححه ابن خزيمة. ولسعيد بن منصور، وأبي بكر بن أبي شيبه من حديث البراء ابن عازب مرفوعاً نحوه، ولفظه: إن من الحق على المسلم أن يغتسل يوم الجمعة، ونحوه لأحمد والطحاوى من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن رجل من الصحابة أنصاري مرفوعاً- انتهى. والقول: بأن قوله في حديث جابر: وهو يوم الجمعة. تفسير من بعض الرواة، ادعاء محض لا دليل عليه، فلا يلتفت إليه. (يغسل فيه رأسه وجسده) ذكر الرأس وإن كان الجسد يشمله للاهتمام به، لأنهم كانوا يجعلون فيه الدهن، والخطمى، ونحوهما، وكانوا يغسلونه أولاً ثم يغتسلون. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً البيهقي، والطحاوي.
٥٤٢- قوله: (فبها) أي: فيكتفي بها أي بتلك الفعلة التي هي الوضوء. (ونعمت) بكسر فسكون، هو المشهور. وروى بفتح فكسر كما هو الأصل، والمقصود أن الوضوء ممدوح شرعاً لا يذم من اقتصر عليه. وقيل: قوله: فبها أي: فهذه الخصلة أو الفعلة أي: الوضوء ينال الفضل، ونعمت الخصلة أو الفعلة هذه. وقيل: فبطهارة الوضوء حصل الواجب ونعمت الطهارة للصلاة هذه. وقيل: فبالرخصة أخذ، ونعمت الرخصة هذه. وقيل: فبالفريضة أخذ، ونعمت الفريضة هذه. (ومن اغتسل الغسل أفضل) ليس المراد تفضيل الغسل على الوضوء نفسه، حتى يقال: كيف يفضل الغسل، وهو سنة على قول من ذهب إلى سنيته، على الوضوء، وهو فريضة، والفريضة أفضل إجماعاً، بل المقصود التفضيل على الوضوء الذي لا غسل معه، كأنه قال: من توضأ واغتسل فهو أفضل ممن توضأ فقط. والحديث يدل على عدم وجوب غسل الجمعة، لأن قوله: "فالغسل أفضل" يقتضي اشتراك الغسل والوضوء في أصل الفضل، فيستلزم إجراء الوضوء، وهو من أقوى حجج القائلين بعدم الوجوب، ومن أوضح القرائن الدالة على تأويل الأحاديث القاضية للوجوب. وقد تقدم
стр. 648
رواه أحمد وأبوداود والترمذي والنسائي والدارمي.
٥٤٣- (٥) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من غسل ميتاً فليغتسل)) .
ــ
الجواب عنه في كلام ابن دقيق العيد. وقد احتجوا أيضا، وعارضوا بأحاديث، ذكرها الحافظ في الفتح (ج٤:ص٤٧٧) والشوكاني في النيل (ج١:ص٢٢٤-٢٢٦) مع الجواب عنها، فارجع إليهما. قال الشوكاني بعد إيراده والتعقب على الاستدلال بها ما لفظه: وبهذا يتبين لك عدم انتهاض ما جاء به الجمهور من الأدلة على عدم الوجوب وعدم إمكان الجمع بينها وبين أحاديث الوجوب، لأنه وإن أمكن بالنسبة إلى الأوامر، لم يمكن بالنسبة إلى لفظ واجب وحق إلا بتعسف، لا يلجئ طلب الجمع إلى مثله. ولا يشك من له أدنى إلمام بهذا الشأن أن أحاديث الوجوب أرجح من الأحاديث القاضية بعدمه، لأن أوضحها دلالة على ذلك حديث سمرة، وهو غير سالم من مقال، وأما بقية الأحاديث فليس فيها إلا مجرد استنباطات واهية- انتهى. (رواه أحمد وأبوداود) وسكت عنه. (والترمذي) وحسنه، وقال: قد روى عن قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلاً. (والنسائي) وقال: الحسن عن سمرة كتاب، ولم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة. وقال العراقي في شرح الترمذي: قد صح سماعه منه لغير حديث العقيقة، ولكن هذا الحديث لم يثبت سماعه منه، لأنه رواه بالعنعنة في سائر الطرق، ولا يحتج به لكونه يدلس، ذكره السيوطي في قوت المغتذى. (والدارمي) قال الحافظ في الفتح (ج٤:ص٤٧٧) : لهذا الحديث طرق، أشهرها وأقواها رواية الحسن عن سمرة، أخرجها أصحاب السنن الثلاثة وابن خزيمة وابن حبان. وله علتان: إحداهما أنه من عنعنة الحسن، والأخرى أنه اختلف عليه فيه. وأخرجه ابن ماجه من حديث أنس، والطبراني من حديث عبد الرحمن بن سمرة، والبزار من حديث أبي سعيد وابن عدي من حديث جابر، وكلها ضعيفة-انتهى. قال ابن دقيق العيد في الإمام: من يحمل رواية الحسن عن سمرة على الاتصال يصحح هذا الحديث. قال الحافظ: وهو مذهب علي بن المديني كما نقله عنه البخاري، والترمذي والحاكم وغيرهم. وقيل: لم يسمع منه إلا حديث العقيقة، وهو قول البزار وغيره. وقيل: لم يسمع منه شيئاً أصلاً وإنما يحدث من كتابه.
٥٤٣- قوله: (من غسل) بالتخفيف ويشدد. (فليغتسل) الحديث بظاهره يدل على وجوب الغسل على من غسل الميت. وقد اختلفوا فيه، والراجح عندي أنه مندوب، والأمر فيه للاستحباب، أمر به ندباً احتياطاً لدفع ما يتوهم من إصابة نجاسة بالبدن بواسطة أن بدن الميت لا يخلو عنها غالباً. والله أعلم. والدليل على كون الأمر للندب لا للوجوب حديث ابن عباس مرفوعاً: ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه، إن ميتكم يموت طاهراً، وليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم. أخرجه البيهقي، وقد حسن الحافظ إسناده، وقال: فيجمع بينه وبين الأمر في حديث أبي هريرة
стр. 649
رواه ابن ماجه. وزاد أحمد والترمذي وأبوداود: ومن حمله فليتوضأ.
ــ
بأن الأمر على الندب، أو المراد بالغسل غسل الأيدي كما صرح به في هذا – انتهى. وحديث ابن عمر: كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل، ومنا من لا يغتسل. قال الحافظ في التلخيص: إسناده صحيح، وهو يؤيد أن الأمر في حديث أبي هريرة للندب، وهو أحسن ما جمع به بين مختلف هذه الأحاديث- انتهى. وحديث أسماء بنت عميس امرأة أبي بكر الصديق: أنها غسلت أبا بكر حين توفى، ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين، فقالت: إن هذا يوم شديد البرد وأنا صائمة، فهل علي من غسل؟ قالوا: لا. رواه مالك في المؤطا. قال الشوكاني: وهو من الأدلة الدالة على استحباب الغسل دون وجوبه، وهو أيضاً من القرائن الصارفة عن الوجوب. قال: والقول بالاستحباب هو الحق، لما فيه من الجمع بين الأدلة بوجه مستحسن- انتهى. (رواه ابن ماجه وزاد أحمد, والترمذي وأبوداود، ومن حمله فليتوضأ) هذا يدل على وجوب الوضوء على من حمل الميت. والظاهر أن الأمر فيه أيضاً للندب، يدل عليه قوله ﷺ : فحسبكم أن تغسلوا أيديكم، في حديث ابن عباس المتقدم. وقال المناوي: معناه من أراد حمل الميت، فليكن على وضوء، ليتأهب للصلاة عليه حين وصوله المصلى خوف الفوت. قال المجد بن تيمية في المنتقى: وقال بعضهم: معناه من أراد حمله ومتابعته، فليتوضأ من أجل الصلاة عليه- انتهى. قال القاري: ويجوز أن يكون لمجرد الحمل فإنه قربة- انتهى. والحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه وابن حبان من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. قال الحافظ في الفتح: هو معلول، لأن أبا صالح لم يسمعه من أبي هريرة- انتهى. وقال ابن دقيق العيد في الإمام: هي معلولة وإن صححها ابن حبان وابن حزم، فقد رواه سفيان عن سهيل عن أبيه عن إسحق مولى زائدة عن أبي هريرة. قال الحافظ: إسحق هذا أخرج له مسلم، فينبغي أن يصح الحديث، وأخرجه أحمد والبيهقي من رواية ابن أبي ذئب عن صالح مولى التؤمة عن أبي هريرة، وصالح صدوق، اختلط بآخره. قال ابن عدي لا بأس برواية القدماء عنه كابن أبي ذئب وابن جريج، وأخرجه أبوداود من رواية عمرو بن عمير، وأحمد أيضاً من رواية شيخ يقال له: أبوإسحق، كلا هما عن أبي هريرة. وأخرجه البزار من رواية العلاء عن أبيه، ومن رواية محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ومن رواية أبي بحر البكراوي، عن محمد ابن عمرو عن أبي سلمة كلهم عن أبي هريرة. وذكر البيهقي له طرقاً، وضعفها، ثم قال: والصحيح أنه موقوف. وقال ابن دقيق العيد: أما رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة فإسناد حسن إلا أن الحفاظ من أصحاب محمد بن عمرو رووه عنه موقوفاً. قال الحافظ في التلخيص (ص٥٠) : وفي الجملة هو لكثرة طرقه أسوأ أحواله أن يكون حسناً، فإنكار النووي على الترمذي تحسينه معترض. وقد قال الذهبي في مختصر البيهقي: طرق هذا الحديث أقوى من عدة أحاديث احتج بها الفقهاء ولم يعلوها بالوقف بل قدموا رواية الرفع - انتهى. وقد أجاب أحمد عن هذا الحديث بأنه منسوخ، وكذا جزم بذلك أبوداود. وفيه أن النسخ لا يثبت بالاحتمال، بل إذا وجد ناسخ صريح وهو متأخر.
стр. 650
٥٤٤- (٦) وعن عائشة ﵂، ((أن النبي ﷺ ، كان يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت)) رواه أبوداود.
٥٤٥- (٧) وعن قيس بن عاصم، ((أنه أسلم، فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر)) .
ــ
٥٤٤- قوله: (كان يغتسل من أربع) أي: يأمر الناس بالاغتسال من أربع، ففي رواية أحمد والدارقطني قال: يغتسل من أربع. (من الجنابة) بدل بإعادة الجار أي: من أجلها، فمن تعليلية. (ويوم الجمعة) بالجر، وهو الملائم للسابق واللاحق، وإن صح النصب فيكون على نزع الخافض، قاله القاري. (ومن الحجامة) بكسر الحاء أي: للمحجوم، والاغتسال من الحجامة لإماطة الأذى، ولما لا يؤمن أن يصيبه من رشاشة الحجامة فتستحب النظافة. (ومن غسل الميت) بضم الغين. والحديث دليل على مشروعية الغسل في هذه الأربعة الأحوال. فأما الجنابة فالوجوب ظاهر. وأما الجمعة ففي حكمه ووقته خلاف، وقد تقدم أن الراجح في حكمه الوجوب، وفي وقته أنه من فجر الجمعة إلى الذهاب، ويستحب تأخيره إليه، وأما الحجامة فقيل: إنه سنة. وقد روى عن أنس: أنه ﷺ احتجم، فصلى ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل محاجمه. أخرجه الدارقطني ولينه، لأن فيه صالح بن مقاتل، وليس بالقوى، وذكره النووي في فصل الضعيف، فدل على أنه سنة يفعل تارة كما أفاده حديث عائشة هذا، ويترك أخرى كما في حديث أنس. ويروي عن على: الغسل من الحجامة سنة وإن تطهرت أجزأك. وأما الغسل من غسل الميت، فقد تقدم في شرح حديث أبي هريرة الذي قبل هذا. (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً أحمد، والبيهقي والدارقطني وفي سنده مصعب بن شيبة، وفيه مقال، وضعفه أبوزرعة وأحمد والبخاري وصححه ابن خزيمة. وقال الدارقطني: مصعب بن شيبة ليس بالقوى ولا بالحافظ. وقال أبوداود: حديث مصعب ضعيف، فيه خصال ليس العمل عليه- انتهى.
٥٤٥- قوله: (وعن قيس بن عاصم) بن سنان بن خالد التميمي السعدي المنقري، صحابي مشهور بالحلم، قدم على النبي ﷺ في وفد بني تميم سنة تسع فأسلم، فلما رآه النبي ﷺ ، قال: هذا سيد أهل الوبر. وكان عاقلاً، حليماً، سمحاً، جواداً. قيل للأحنف: ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس. قال ابن عبد البر: قد حرم على نفسه الخمر في الجاهلية. نزل البصرة، وبنى بها داراً، وبها مات عن اثنين وثلاثين ذكراً من أولاده. (فأمره النبي ﷺ ) أي: بعد ما أسلم. (أن يغتسل بماء وسدر) للمبالغة في التنظيف، وإزالة الوسخ والرائحة الكريهة، لأنه يطيب الجسد. والحديث فيه دليل على مشروعية الغسل لمن أسلم. وقد ذهب إلى الوجوب مطلقاً أحمد لهذا الحديث، ولحديث أبي هريرة: أن ثمامة أسلم، فقال النبي ﷺ : (اذهبوا به إلى حائط بني فلان، فمروه أن يغتسل) أخرجه أحمد، وعبد الرزاق، والبهيقي، وابن خزيمة، وابن حبان، وأصله في الصحيحين. وليس فيهما الأمر بالاغتسال، ولكن فيهما أنه اغتسل، ولحديث أمره
стр. 651
رواه الترمذي وأبوداود والنسائي.
﴿الفصل الثالث﴾
٥٤٦- (٨) عن عكرمة، قال: ((إن ناساً من أهل العراق جاءوا فقالوا: يا ابن عباس أترى الغسل يوم الجمعة واجباً؟ قال: لا، ولكنه أطهر وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب. وسأخبركم كيف بدء الغسل: كان الناس مجهودين يلبسون الصوف
ــ
ﷺ لواثله وقتادة الرهاوي عند الطبراني، وعقيل بن أبي طالب عند الحاكم في تاريخ النيسابور. قال الحافظ: وفي أسانيد الثلاثة ضعف. قال الشوكاني في السيل الجرار: الظاهر وجوب الغسل، ولا وجه لمن تمسك ممن قال: بعدم الوجوب من أنه لو كان واجبا لأمر به ﷺ كل من أسلم، لأنا نقول: قد كان هذا في حكم المعلوم عندهم، ولهذا إن ثمامة لما أراد الإسلام ذهب فاغتسل، كما في الصحيحين. والحكم يثبت على الكل بأمر البعض، ومن لم يعلم الأمر بذلك لكل من أسلم لا يكون عدم علمه حجة له - انتهى. وقال في النيل: والظاهر الوجوب، لأن أمر البعض قد وقع به التبليغ، ودعوى عدم الأمر لمن عداهم لا يصلح متمسكاً، لأن غاية ما فيها عدم العلم بذلك وهو ليس علماً بالعدم. (رواه الترمذي) وحسنه. (وأبوداود) وسكت عنه. ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره. (والنسائي) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥:ص٦١) وابن حبان، وابن خزيمة، وابن سعد في الطبقات (ج١: ص٢٣،٢٤) وصححه ابن السكن.
٥٤٦- قوله: (من أهل العراق) هو بلاد من عبادان إلى موصل طولاً، ومن القادسية إلى حلوان عرضاً، والعراقان الكوفة والبصرة كذا في القاموس. (جاءوا) أي إلى ابن عباس حين كان والياً على البصرة. (أترى) بفتح التاء من الرأي أي تعتقد. (يوم الجمعة) ظرف للغسل. (ولكنه أطهر) أي: أكمل تطهيراً وأكثر تنظيفاً، فهو أفعل التفضيل من التطهير بحذف زوائده كما هو مذهب بعض النحاة، أو معناه أكثر طهارة صاحبه. (وخير) أي: نفع كثير. (ومن لم يغتسل) واكتفى بالوضوء. (فليس) الغسل. (عليه بواجب) هذا دليل لجواب مقدر تقديره: فلا بأس، إذ ليس الغسل فيه واجباً. (كيف بدأ الغسل؟) بضم الهمزة أي: سبب ابتداء مشروعيته للجمعة. (كان الناس) استئناف بيان، والمراد من الناس الصحابة. (مجهودين) من الجهد بالفتح وهو المشقة والعسرة، يقال: جهد الرجل فهو مجهود، إذا وجد مشقة، وجهد الناس فهم مجهودون إذا أجدبوا، أي: أصابهم الجدب، وهو المحل والفقر، ومجهدون معسرون. والمعنى أنهم كانوا في المشقة والعسرة لشدة فقرهم. (يلبسون الصوف) جملة مبنية، والصوف للضأن كالشعر للمعز والوبر للإبل.
стр. 652
ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقاً مقارب السقف، إنما هو عريش، فخرج رسول الله ﷺ في يوم حار، وعرق الناس في ذلك الصوف، حتى ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضهم بعضاً. فلما وجد رسول الله ﷺ تلك الرياح، قال: أيها الناس! إذا كان هذا اليوم، فاغتسلوا وليمس أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه. قال: ابن عباس: ثم جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكفوا العمل، ووسع مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضاً من العرق)) .
ــ
(ويعملون على ظهورهم) أي: فيعرقون. (وكان مسجدهم) أي: مسجد النبي ﷺ ، وأضيف إليهم لصلاتهم فيه. (ضيقاً) بالطول والعرض. (مقارب السقف) أي: قريب السقف من الأرض لقلة ارتفاع الجدار. (إنما هو) أي: سقف المسجد. (عريش) بفتح العين، هو كل ما يستظل به. والمراد أن سقف المسجد لم يكن مرتفعاً كسائر السقوف بل كان شيئاً يستظل به عن الشمس كعريش الكرم، وهو خشبات تجعل تحت أغصانه ليرتفع عليها، يعني القصد منه الاستظلال عن الشمس، وإن كان على رأس الواقف. (فخرج رسول الله ﷺ ) إلى المسجد. (في يوم حار) من أيام الجمعة. (وعرق الناس) بكسر الراء جملة حالية أو عطف على"فخرج". (في ذلك الصفوف) أي: الذين يعملون على ظهورهم حين لبسه. (حتى ثارت) أي: انتشرت. (منهم رياح) منتنة. (آذى بذلك) أي: بما ذكر من العرق والرياح. (فلما وجد) أي: أحس. (تلك الرياح) كذا في سائر النسخ بالجمع، وفي سنن أبي داود: والريح، بالإفراد. (هذا اليوم) إشارة إلى الجنس، أو المراد مثل هذا اليوم. (وليمس) بفتح الميم والسين. (ثم جاء الله بالخير) أي: المال من الثياب والعبيد والخدم، عطف على أول القصة، وهو كان الناس، أو على بدأ الغسل، وآثر ثم دلالتها على التراخي في الزمان. لأنهم مكثوا مجهودين مدة طويلة، والفتوحات إنما حصلت أواخر حياته ﷺ . (ولبسوا غير الصوف) من القطن والكتان عطف تفسير. (وكفوا) بصيغة المجهول مخففاً من كفاه مؤنته أي: قام بها دونه، فأغناه عن القيام بها. (العمل) مفعول ثان، أي: وقاهم خدمهم عن العمل والتعب والمشقة. (وذهب) أي: زال. (بعض الذي كان يؤذي) أي: به. (بعضهم بعضاً) ويتأذى الكل. (من العرق) بفتحتين بيان للبعض. والحديث قد استدل به على عدم وجوب الغسل للجمعة. قال القاري في شرح المؤطا بعد ذكر هذا الحديث: فهذا يشير إلى أن الغسل كان واجباً، ثم صار سنة، يعني أن وجوب الغسل كان بعلة الروائح الكريهة، فلما زالت تلك العلة زال الوجوب. وفيه أنه لا نسلم أنها إذا زالت العلة زال الوجوب مسندين ذلك بوجوب السعي مع زوال العلة التي شرع لها، وهي إغاظة المشركين. وقال: الحافظ في ذكر حديث ابن عباس هذا: إسناده حسن، لكن الثابت عن ابن عباس خلافه كما سيأتي قريباً، وعلى تقدير الصحة، فالمرفوع منه
стр. 653
رواه أبوداود.
(١٢) باب الحيض
﴿الفصل الأول﴾
٥٤٧- (١) عن أنس بن مالك، قال: ((إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض﴾ الآية.
ــ
ورد بصيغة الأمر الدالة على الوجوب، وأما نفي الوجوب، فهو موقوف، لأنه من استنباط ابن عباس، وفيه نظر، إذ لا يلزم من زوال المسبب كما في الرمل والجمار، وعلى تقدير تسليمه، فلمن قصر الوجوب على من به رائحة كريهة أن يتمسك به - انتهى. وقال بعد الجواب عن الأحاديث التي استدل بها الجمهور على عدم الوجوب وعارضوا بها ما لفظه: ثم هذه الأحاديث كلها لو سلمت لما دلت إلا على نفي اشتراط الغسل لا على الوجوب المجرد كما تقدم - انتهى. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه أيضاً الطحاوي، وقد تقدم أن الحافظ حسن إسناده.
(باب الحيض) بفتح الحاء مصدر حاضت المرأة تحيض حيضاً ومحيضاً فهي حائض وحائضة، وهو لغة: السيلان، وفي العرف: جريان دم المرأة في أوقات معلومة من رحمها بعد بلوغها. وقيل: هو دم ينفضه رحم امرأة سليمة من الداء والصغر. ولما كانت له أحكام شرعية من أفعال وتروك عقد له باباً ساق فيه ما ورد فيه من أحكامه.
٥٤٧- قوله: (إن اليهود) قيل: اليهود جمع يهودي كروم ورومي، وأصله اليهوديين ثم حذف ياء النسبة. قال القاري: والظاهر أن اليهود قبيلة سميت باسم جدها يهودا أخي يوسف الصديق، واليهودي منسوب إليهم بمعنى واحد منهم. (لم يؤاكلوها) بالهمزة ويبدل واواً. وقيل: إنه لغة. (ولم يجامعوهن) أي: لم يساكنوهن ولم يخالطوهن. وإنما جمع الضمير فيه لأن المراد بالمرأة الجنس، فعبر أولاً بالمفرد ثم بالجمع رعاية للفظ والمعنى على طريق التفنن. (فسأل أصحاب النبي ﷺ ) أي: عن المواكلة والمجامعة في البيوت. ﴿ويسألونك عن المحيض﴾ المحيض مفعل من الحيض يصلح لغة للمصدر والزمان والمكان. وأكثر المفسرين على أن المراد به ههنا المصدر. ويقال: فيه اسم مصدر والمعنى واحد. وقيل المراد به موضع الدم ومكانه، والمعنى يسألونك عن دم الحيض، أو موضعه ماذا يفعل بالنساء فيه. (الآية) بالرفع والنصب والجر تتمها. ﴿قل هو﴾ أي: دم الحيض. ﴿أذى﴾ أي: شيء قذر يتأذى به من يقربه، أو مكان الحيض وموضعه ذو أذى أو محل أذى. ﴿فاعتزلوا النساء﴾ أي: اتركوا وطيهن. ﴿في المحيض﴾ [٢٢٢:٢] أي: في زمان الحيض أو مكانه أو في
стр. 654
فقال: رسول الله ﷺ : اصنعوا كل شيء إلا النكاح. فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر، فقالا: يا رسول الله! إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟
ــ
الدم (فقال: رسول الله ﷺ ) مبيناً للاعتزال المطلق المذكور في الآية بقصره على بعض أفراده. (اصنعوا كل شيء) من أنواع الاستمتاع. (إلا النكاح) أي: الجماع إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، لأن عقد النكاح سبب للجماع. وهذا تفسير للآية، وبيان لقوله: ((فاعتزلوا)) فإن الاعتزال شامل للمجانبة عن المؤاكلة والمصاحبة والمجامعة، فبين النبي ﷺ أن ليس المراد بالاعتزال وعدم القربان مطلق المجانبة، بل مجانبة مخصوصة، وهو ترك الوطى والجماع فقط لا غير. والحديث يدل على جواز المباشرة في ما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر. وإليه ذهب أحمد ومحمد ورجحه الطحاوي. وقال العيني والسندهي: هو أقوى دليلاً. وقال النووي: هو الأرجح دليلاً وهو اختيار أصبغ من المالكية، ويدل على الجواز أيضاً ما رواه أبوداود بإسناد قوي عن عكرمة عن بعض أزواج النبي ﷺ : أنه إذا أراد من الحائض شيئاً ألقى على فرجها ثوباً، وحملوا حديث عائشة الآتي وما في معناه على الاستحباب جمعاً بين الأدلة. (فبلغ ذلك) أي: الحديث. (ما يريد هذا الرجل) يعنون النبي ﷺ ، وعبروا به لإنكارهم نبوته. (أن يدع) أي: يترك. (من أمرنا) أي: من أمور ديننا. (شيئاً) من الأشياء في حال من الأحوال. (إلا خالفنا) بفتح الفاء. (فيه) أي: إلا حال مخالفته إيانا فيه، يعني لا يترك أمراً من أمورنا إلا مقرونا بالمخالفة كقوله تعالى: ﴿لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها﴾ [٤٩:١٨] . (فجاء أسيد بن حضير) بالتصغير فيهما، أبي سماك بن عتيك الأنصاري الأشهلي الأوسى، كان أحد النقباء ليلة العقبة الثانية، شهد بدراً وما بعدها من المشاهد. قالت عائشة: كان من أفاضل الناس، وشهد الجابية، وفتح بيت المقدس. له ثمانية عشر حديثاً، اتفقا على حديث. قال النبي ﷺ : نعم الرجل أسيد بن حضير. مات سنة (٢٠) . وحمله عمر بين عمودي السرير حتى وضع بالبقيع. قال عروة: مات أسيد بن حضير وعليه دين أربعة آلاف درهم، فبيعت أرضه، فقال عمر: لا أترك بني أخي عالة، فرد الأرض، وباع ثمرها من الغرماء أربع سنين بأربعة آلاف كل سنة ألف درهم. (وعباد) بفتح أوله وتشديد الموحدة. (بن بشر) بكسر الباء، ابن وقش الأنصاري الأشهلي، أسلم بالمدينة على يدي مصعب بن عمير قبل إسلام سعد بن معاذ, وشهد بدراً والمشاهد كلها، وكان ممن قتل كعب بن الأشرف، وأبلى يوم اليمامة فاستشهد بها، وهو ابن (٤٥) سنة. قالت عائشة: سمع النبي ﷺ صوت عباد بن بشر ليلة، فقال: اللهم اغفر له، وأضاءت له عصاه لما خرج من عند النبي ﷺ . له حديثان. (أفلا نجامعهن؟) وفي رواية أبي داود، والترمذي: أفلا ننكحهن في المحيض؟ أي: أفلا نطأهن
стр. 655
فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا، فاستقبلتهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ ، فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفا أنه لم يجد عليهما)) . رواه مسلم.
٥٤٨- (٢) وعن عائشة، قالت: ((كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد، وكلانا جنب، وكان يأمرني، فأتزر، فيباشرني وأنا حائض. وكان يخرج رأسه إلي وهو معتكف، فأغسله، وأنا حائض)) . متفق عليه.
ــ
لكي تحصل المخالفة التامة معهم. (فتغير وجه رسول الله ﷺ ) لأن تحصيل المخالفة بارتكاب المعصية لا يجوز. (قد وجد) أي: غضب. (فخرجا) خوفاً من الزيادة في الغضب. (فاستقبلتهما هدية) أي: استقبل الرجلين شخص معه هدية يهديها إلى رسول الله ﷺ ، والإسناد مجازى. (من لبن) من بيانية. (إلى النبي ﷺ ) أي: واصلة، أو واصل إليه. (فأرسل في آثارهما) أي: عقبهما رسولاً فناداهما فجاءاه. (فسقاهما) أي: من اللبن تلطفا بهما وإظهارا للرضا. (لم يجد) أي: لم يغضب. (عليهما) لأنهما كانا معذورين لحسن نيتهما فيما تكلما به، أو ما استمر الغضب بل زال، أو ذهب. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي في التفسير وأبوداود والنسائي وابن ماجه.
٥٤٨- قوله: (والنبي) بالرفع على العطف للفصل ويجوز النصب على أنه مفعول معه. (وكلانا) الواو للحال (وكان يأمرني) بالاتزار. (فأتزر) بتشديد يد التاء المثناه بعد الهمزة، وأصله أأتزر بهمزة ساكنة بعد الهمزة المفتوحة ثم المثناه بوزن افتعل، وإدغام الهمزة في التاء مذهب الكوفيين، حكاه الصغاني في مجمع البحرين. وقول عائشة وهي من فصحاء العرب حجة على الجواز. وقال ابن مالك: إنه مقصور على السماع كالكل، ومنه قراءة ابن محيصن: فليؤد الذي اتمن، بهمزة وصل وتاء مشددة مضمومة من الأمانة. والمراد بالاتزار أن تشد إزارها على وسطها، وحدد ذلك الفقهاء بما بين السرة والركبة عملا بالعرف الغالب. (فيباشرني) أي: يلصق بشرته ببشرته فيما دون الإزار. وقال الطيبي: يعني أنه كان يستمتع مني بعد أن يأمرني بشد الإزار، فيمس بشرته ببشرتي. (وأنا حائض) والحديث قد استدل به على عدم جواز المباشرة فيما بين السرة والركبة، وفيه ما قال ابن دقيق العيد، من أنه ليس في حديث الباب ما يقتضي منع ما تحت الإزار، لأنه فعل مجرد- انتهى. (وكان يخرج رأسه إلى وهو معتكف) في المسجد بأن كان باب الحجرة مفتوحاً إلى المسجد، فيخرج رأسه منه إلى الحجرة، وهي فيها. وهذا يدل على أن المعتكف إذا أخرج بعض أعضاءه من المسجد لم يبطل اعتكافه. (فأغسله) أي: رأسه. (وأنا حائض) في الحديث دلالة على طهارة بدن الحائض وعرقها، وأن المباشرة الممنوعة للمعتكف هي الجماع ومقدماته، وأن الحائض لا تدخل المسجد، وفيه استخدام الزوجة. (متفق عليه) واللفظ للبخاري في باب مباشرة الحائض من كتاب الحيض. والحديث أخرجه أيضاً الترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه.
стр. 656
٥٤٩- (٣) وعنها، قالت: ((كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله النبي ﷺ ، فيضع فاه على موضع في، فيشرب، وأتعرق العرق، وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ ، فيضع فاه على موضع في)) . رواه مسلم
٥٥٠- (٤) وعنها، قالت: ((كان النبي ﷺ يتكئ في حجري، وأنا حائض، ثم يقرأ القرآن)) . متفق عليه.
٥٥١- (٥) وعنها، قالت: قال لي النبي ﷺ : ((ناوليني الخمرة من المسجد،
ــ
٥٤٩- قوله: (ثم أناوله النبي) أي: أعطيه الإناء الذي شربت فيه. (فيضع فاه) أي: فمه. (على موضع في) بتشديد الياء، أي: فمي. (وأتعرق العرق) بفتح فسكون، العظم الذي بقي عليه شيء من اللحم، وتعرق العرق أكل ما عليه من اللحم. يقال: عرقت العظم وتعرقته واعترقته، إذا أخذت عنه الحم بأسنانك. والمعنى: وكنت آخذ ما على العظم من اللحم بأسناني. وهذا يدل على جواز مؤاكلة الحائض، ومشاربتها، ومجالستها، وطهارة أعضائها من اليد والفم وغيرهما، وطهارة ريقها وسؤرها من طعام أو شراب. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أبوداود والنسائي وابن ماجه.
٥٥٠- قوله: (كان يتكئ في حجري) بتثليث الحاء أي: في حضني، وفي رواية البخاري في التوحيد: كان يقرأ القرآن ورأسه في حجري، وأنا حائض. وفي رواية أبي داود: كان يضع رأسه في حجري، فيقرأ وأنا حائض. فعلى هذا فالمراد بالاتكاء وضع رأسه في حجرها. قال ابن دقيق العيد: في هذا الفعل إشارة إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن، لأن قراءتها لو كانت جائزة لما توهم امتناع القراءة في حجرها حتى احتيج إلى التنصيص عليها- انتهى. وفي الحديث جواز ملامسة الحائض، وأن ذاتها وثيابها على الطهارة ما لم يلحق شيئاً منها نجاسة. وهذا مبني على منع القراءة في المواضع المستقذرة. وفيه جواز القراءة بقرب محل النجاسة، قاله النووي. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أبوداود والنسائي وابن ماجه.
٥٥١- قوله: (ناوليني) أي: أعطيني. (الخمرة) بالضم، ما يضع عليه المصلى وجهه في سجوده، أو يصلي عليه، أو يجلس عليه من حصير أو نسيجة خوص، سميت بذلك لأن خيوطها مستورة بسعفها. وفي حديث الفارة عند أبي داود تصريح بإطلاق الخمرة على الكبير من نوعها. (من المسجد) قيل: حال من النبي ﷺ ، أي: قال: لي حال كونه ﷺ في المسجد، فتكون الخمرة في الحجرة، والنبي ﷺ في المسجد. وقيل: حال من الخمرة، فيكون الأمر على العكس، وهو الظاهر. قال السندي في حاشية ابن ماجه: قوله "من المسجد" الظاهر أنه متعلق بناوليني، وعلى هذا كان النبي ﷺ خارج المسجد، وأمرها أن تخرجها له من المسجد بأن كانت الخمرة قريبة إلى باب عائشة تصل إليها اليد من الحجرة. وهذا هو الموافق لترجمة المصنف وأبي داود والترمذي. وقال عياض: إنه قال: ذلك من المسجد لتناوله إياها من خارج المسجد، لأن النبي ﷺ كان معتكفاً، وكانت عائشة في حجرتها. قال السندي: فكلمة "من" متعلقة بقال, ولا يخفى
стр. 657
فقلت إني حائض، فقال: إن حيضتك ليست في يدك)) . رواه مسلم
٥٥٢- (٦) وعن ميمونة، ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يصلي في مرط،
ــ
بعده. والحامل له على ذلك أنه جاء في حديث أبي هريرة عند مسلم، مثل هذه الواقعة، وفيه: أنه ﷺ كان في المسجد فحمل القاضي حديثين على اتحاد الواقعة، وهو غير لازم، بل التعدد هو الظاهر. وقال في حاشية مسلم بعد ذكر قول عياض ما نصه: هذا مبني على أن هذه الواقعة، والواقعة المروية في حديث أبي هريرة واحدة لكن المذكور في حديث أبي هريرة الثوب، وفي حديث عائشة الخمرة، فعند الحمل على الاتحاد لا بد من القول بأنه أمر بتناول الأمرين جميعاً ووقع الاقتصار في كل من الحديثين على أحدهما أو أن بعض الرواة نسي الثوب مكان الخمرة، والله تعالى أعلم. فكلمة من على هذا متعلقة بقال في الرواية، وبأمر في الرواية الثانية، وقد يقال: لا حاجة إلى القول بالاتحاد، فيجوز أنه قال لها أولاً وهو في المسجد: ناوليني الثوب. وهذا هو ما روى أبوهريرة، وقال لها ثانياً وهو في البيت: ناوليني الخمرة من المسجد. بأن كان الخمرة قريباً إلى باب عائشة يصل إليها اليد من الحجرة، فرأت عائشة أن الثاني أشد من الأول، فاعتذرت بالحيض ثانياً، وعلى هذا فكلمة من متعلقة بناوليني كما هو الظاهر. (فقلت) أي: معتذرة. (إن حيضتك ليست في يدك) بكسر الحاء اسم للحالة كالجلسة. والمراد الحال التي تلزمها الحائض من التجنب ونحوه، والفتح لا يصح لأنه اسم للمرة، هذا حاصل ما قاله الخطابي. وأنكر هذا عليه عياض، وقال: الصواب ههنا الفتح، لأن النبي ﷺ إنما نفي عم يدها الحيض الذي هو الدم والنجاسة، التي يجب تجنبها واستقذارها. فأما حكم الحيض، وحالتها التي تتصف بها المرأة، فلازم ليدها وجميعها وإنما جاءت الفعلة في هيئات الأفعال كالعقدة والجلسة لا في الأحكام والأحوال. قال النووى: هذا الذي اختاره عياض من الفتح هو الظاهر ههنا، ولما قاله الخطابي وجه – انتهى. قلت: الظاهر عندي هو الكسر، لأن عائشة ﵂ كانت تعلم أن نجاسة الحيض التي يصان المسجد عنها ليست في يدها، وإنما امتنعت من إدخال يدها في المسجد لأنها علمت أن الحالة العارضة لها من الحيض، وحكمها قد حلت يدها أيضاً، وصارت يدها أيضاً متلبسة بها، فامتنعت من إدخال اليد معتذرة بأنها حائض، فقال لها ﷺ : إن حيضتك ليست في يدك، أي: الحالة التي هي كونها حائضة عرضت لها باعتبار مجموعها، لا باعتبار أجزاءها، واتصف بها المجمع اتصافاً واحداً، فلا يقال لليد حائضة حتى يمتنع من إدخالها في المسجد. والحديث فيه دليل على أن للحائض أن تتناول شيئاً من المسجد، وأن من حلف أن لا يدخل داراً أو مسجداً فإنه لا يحنث بإدخال بعض جسده فيه. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً الترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وصححه الترمذي وهو صحيح بتصحيح مسلم إياه كما قاله ابن سيد الناس، وإخراجه له في صحيحه.
٥٥٢- قوله: (يصلي في مرط) بكسر الميم وسكون الراء كساء من صوف أو خز كانوا يتزرون به ويكون إزاراً
стр. 658
بعضه علي وبعضه عليه، وأنا حائض)) . متفق عليه.
﴿الفصل الثاني﴾
٥٥٣- (٧) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أتى حائضاً، أوامرأة في دبرها، أوكاهناً، فقد كفر
ــ
ورداء (بعضه على) أي: ملقى على بدني. (وبعضه عليه) أي: بعض المرط ألقاه ﵊ على كتفه. (وأنا حائض) في الحديث دليل على أن أعضاء الحائض طاهرة وإلا فالصلاة في مرط واحد بعضه ملقى على النجاسة وبعضه متصل بالمصلى غير جائز. وفيه أنه يجوز الصلاة في ثوب بعضه على المصلي وبعضه على حائض أو غيرها. (متفق عليه) فيه نظر لأني لم أجده في الصحيحين ولا في أحدهما بهذا اللفظ. وقد أخرج البخاري من حديث ميمونة معنى ما ذكره المصنف في أربعة مواضع من صحيحه في آخر كتاب الحيض قبل التيمم عن الحسن بن مدرك، وفي باب "أصاب ثوب المصلي امرأته إذا سجد " عن مسدد، وفي باب: إذا صلى إلى فراش فيه حائض، عن عمرو بن زرارة، وعن أبي النعمان. وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحي بن يحي، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، لكن ليس عندهما باللفظ الذي ذكره المصنف، نعم أخرج أبوداود عن ميمونة: أن النبي ﷺ صلى وعليه مرط وعلى بعض أزواجه منه وهي حائض، وهو يصلي، وهو عليه. ولفظ ابن ماجه: أن رسول الله ﷺ صلى وعليه مرط، بعضه عليه وعليها بعضه وهي حائض. ولأبي داود وابن ماجه نحوه عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل وأنا إلى جنبه وأنا حائض، وعلى مرط لي وعليه بعضه.
٥٥٣- قوله: (من أتى حائضاً) أي: جامعها، فالماد بالإتيان ههنا المجامعة. (أو امرأة) مطلقاً سواء كانت حائضاً أو غيرها. (أو كاهناً) لا يصح عطفه على حائضاً، فلا بد من تقدير "أتى" بمعنى جامع، وجعل الجملة عطفاً على الجملة. ومن جوز استعمال المشترك في معنييه يجوز عنده عطف المفرد، على أن المراد بالإتيان بالنسبة إلى المعطوف عليه معنى، وبالنسبة إلى المعطف معنى آخر. وقال الطيبي: "أتى"لفظ مشترك هنا بين المجامعة، وإتيان الكاهن- انتهى. قال القاري: والأولى أن يكون التقدير "أو صدق كاهناً" فيصير من قبيل " علفتها تبناً وماءً بارداً" والمراد بالكاهن، الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ومن الكهنة من يدعى أن له تابعاً من الجن يلقى إليه الأخبار، ومنهم من يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله، وهذا يخصونه باسم العراف، كالذي يدعي معرفة الشيء المسروق. ومكان الضالة, ونحوهما. قال الجزري: وحديث من أتى كاهناً يشمل الكاهن والعراف والمنجم. (فقد كفر) الظاهر أنه محمول على التغليظ والتشديد كما يقال الترمذي: إنما معنى عند أهل العلم على التغليظ. وقد روى عن النبي ﷺ قال: من أتى حائضاً فليتصدق بدينار, فلو كان إتيان الحائض كفراً لم يؤمر فيه بالكفارة - انتهى. وقيل: إن
стр. 659
بما أنزل على محمد)) رواه الترمذي، وابن ماجه، والدارمي. وفي روايتهما: فصدقه بما يقول فقد كفر، وقال: الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم، عن أبي تميمة عن أبي هريرة.
٥٥٤- (٨) وعن معاذ بن جبل، قال: قلت: ((يا رسول الله! ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: ما فوق الإزار، والتعفف عن ذلك أفضل،
ــ
كان المراد الإتيان باستحلال وتصديق فالكفر محمول على ظهره، وإن كان بدونهما فهو على كفران النعمة، أو على معنى عمل معاملة من كفر. (بما أنزل على محمد) من الكتاب والسنة. (رواه الترمذي وابن ماجه والدارمي) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود في الكهانة والتطير، وابن الجارود في المنتقى (ص٥٨) والحاكم (وفي روايتهما) أي: ابن ماجه والدارمي (فصدقه) أي: الكاهن. (بما يقول فقد كفر) وبه تقيد رواية الترمذي، فيخرج من أتاه ليظهر كذبه، أو للاستهزاء بما هو عليه. وهذه الزيادة عند أحمد وأبي داود، وابن الجارود، والحاكم أيضاً. ولعل الترمذي اختصرها. (وقال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم) بمفتوحة وكسر كاف، ولفظه حديث سقطت من جميع نسخ الكتاب وهي ثابتة عند الترمذي. (الأثرم) بمفتوحة فمثلثة ساكنة البصرى، قال في التقريب: فيه لين. (عن أبي تميمة) بفتح أوله، اسمه طريف بن مجالد الهجيمي، بضم الهاء وفتح الجيم، ثقة، من طبقة الوسطى من التابعين، مات سنة (٩٧) أو قبلها أو بعدها. (عن أبي هريرة) قال الترمذي: ضعف محمد هذا الحديث من قبل إسناده - انتهى. قال الحافظ في ترجمة حكيم الأثرم: قال الذهلي عن ابن المديني أعياناً هذا، وقال مرة: لا أدري من هو. وقال البخاري: لا يتابع في حديثه، يعني عن أبي تميمة عن أبي هريرة: من أتى كاهناً، ولا نعرف لأبي تميمة سماعاً من أبي هريرة. وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الأجري عن أبي داود: ثقة. وقال ابن أبي شيبة: سألت عنه ابن المديني، فقال: ثقة عندنا - انتهى. قلت: فتوثيق النسائي وأبي داود وابن حبان، وابن المديني في رواية ابن أبي شيبة لحكمي الأثرم يرد تضعيف الحديث، ويجعل إسناده حسنا أو صحيحا. والله أعلم.
٥٥٤- قوله: (ما يحل لي من امرأتي؟) أي: أي: موضع يباح لي من أعضاءها؟ (قال: ما فوق الإزار) أي: يجوز لك الاستمتاع ما فوق الإزار، أي: ما فوق السرة، لأن موضع الإزار هو السرة. (والتعفف) أي: ومع ذلك التجنب والامتناع. (عن ذلك) أي: عن الاستمتاع بما فوق الإزار. (أفضل) لأنه من رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه، فلعل غلبة الشهوة توقعه في الحرام، فندب إلى التعفف احتياطاً. والحديث دليل على تحريم المباشرة محل الإزار، وهو ما بين السرة والركبة، لكن الحديث ضعيف، وقد عارضه حديث أنس: اصنعوا كل شيء إلا النكاح. وهو أصح من هذا، فهو أرجح منه، ولا يكون مثل هذا المفهوم مخصصاً لعموم كل شيء، فلا يعارض المنطوق الدال على الجواز.
стр. 660
رواه رزين، وقال محى السنة: إسناده ليس بقوي.
٥٥٥- (٩) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا وقع الرجل بأهله، وهي حائض، فليتصدق بنصف دينار،
ــ
قال العراقي: قوله: والتعفف عن ذلك أفضل، هذا يقوي ما يقرر من ضعف الحديث، فإنه خلاف المنقول عن فعل رسول الله ﷺ كان يستمتع بما فوق الإزار، وما كان ليترك الأفضل، وعلى ذلك عمل الصحابة، والتابعون والسلف الصالحون. قال السيوطي: لعله علم من حال السائل غلبة شهوته فرأي أن تركه لذلك أفضل في حقه لئلا يوقعه في محظور. (رواه رزين) وأخرجه أيضاً أبوداود في باب المذى، وضعفه، قال: ليس هو يعني الحديث بقوى، أي: لأن في سنده بقية بن الوليد وهو مدلس، وقد رواه عن سعد بن عبد الله الأغطش بالعنعنة، وسعد الأغطش ليس الحديث، وعبد الرحمن بن عائذ لم يسمع من معاذ، فهو منقطع. قال الحافظ في التلخيص: ورواه الطبراني من رواية إسماعيل بن عياش، عن سعيد بن عبد الله الخزاعي، فإن كان هو الأغطش، فقد توبع بقية، وبقيت جهالة سعيد، فإنا لا نعرف أحدا وثقة، وأيضاً فعبد الرحمن بن عائذ رواية عن معاذ، قال أبوحاتم: روايته عن على مرسلة، فإذا كان كذلك، فعن معاذ أشد إرسالاً- انتهى. وفي الباب عن حرام بن حكيم عن عبد الله بن سعد، أخرجه أبوداود.
٥٥٥- قوله: (إذا وقع الرجل بأهله) أي: جامعها. (فليتصدق بصنف دينار) كذا وقع في هذه الرواية، ولعلها اختصار من بعض الرواة، أو سهو، ففي سندها خصيف، وهو سيء الحفظ، خلط بآخره. والحديث قد روى بأسانيد كثيرة، وبألفاظ مختلفة، أصحها وأرجحها ما رواه أبوداود، قال: حدثنا مسدد، نا يحيى عن شعبة قال: حدثني الحكم عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن مقسم عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: يتصدق بدينار، أو نصف دينار. ورواه النسائي عن عمرو بن علي، عن يحيى. ورواه ابن ماجة، عن محمد بن بشار، عن يحي ابن سعيد، ومحمد بن جعفر، وابن أبي عدى. ورواه أحمد عن يحيى ومحمد بن جعفر. ورواه ابن الجارود عن محمد بن يحيى عن وهب ابن جرير، وعن أحمد بن محمد الشافعي، ع الحسن بن علي الحلواني، عن سعيد بن عامر. ورواه الحاكم في المستدرك من طريق مسدد عن يحيى. ورواه البيهقي من طريق الفضل بن عبد الجبار، عن النضر بن شميل كل هؤلاء عن شعبة، عن الحكم عن عبد الحميد عن مقسم عن ابن عباس مرفوعاً. قال أبوداود: هكذا الرواية الصحيحة، قال: دينار أو نصف دينار. وربما لم يرفعه شعبة- انتهى. فهذه الرواية أصح الروايات في ذلك وأرجحها، فكل رواتها مخرج لهم في الصحيح إلا مقسماً الراوي عن ابن عباس، فانفرد به البخاري، لكن ما أخرج له إلا حديثاً واحداً. وقد صحح هذه الرواية الحاكم، ووافقه الذهبي وصححها أيضاً ابن القطان وابن دقيق العيد. وقال أحمد: ما أحسن حديث عبد الحميد عن مقسم عن ابن عباس، فقيل له: تذهب إليه؟
стр. 661
قال: نعم، إنما هو كفارة، ذكره الخلال. وبالجملة رواية عبد الحميد هذه صحيحة لكن وقع الاختلاف في رفعها ووقفها فرفعها شعبة مرة ووقفها مرة. قال الحافظ في بلوغ المرام بعد ذكر هذه الرواية مرفوعة: صححه الحاكم، وابن القطان، ورجح غيرهما وقفه. قال الشوكاني في النيل (ج١:ص٢٦٨) : ويجاب عن دعوى الاختلاف في رفعه ووقفه بأن يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر وابن أبي عدى رفعوه عن شعبة، وكذلك وهب بن جرير، وسعيد بن عامر، والنضر بن شميل، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف. قال: ابن سيد الناس: من رفعه عن شعبة أجل وأكثر وأحفظ ممن وقفه. وأما قول شعبة: أسنده لي الحكم مرة ووقفه مرة، فقد أخبر عن المرفوع والموقوف أن كلا عنده، ثم لو تساوي رافعوه مع واقفيه لم يكن في ذلك ما يقدح فيه. قال: أبوبكر الخطيب: إختلاف الروايتين لا يؤثر في الحديث ضعفا، وهو مذهب أهل الأصول، لأن إحدى الروايتين ليست مكذبة لأخرى، والأخذ بالمرفوع بالزيادة وهي واجبة القبول-انتهى. وإذا عرفت أن هذه الرواية صحيحة، فاعلم أنهم اختلفوا في لفظه "أو" فحملها بعضهم على الشك، وبعضهم على التنويع، والتفصيل بين حالي الدم ووقتيه، وبعضهم على التخيير، فقد نقل الخطابي في معالم السنن (ج١:ص٨٤) أن أحمد بن حنبل كان يقول: وهو مخير بين الدينار ونصف الدينار، فهذا يدل على أن أحمد كان يرى أن أصل اللفظ في الحديث على التخيير لا على الشك، ولا على التفصيل. قال الشوكاني: والحديث يدل على وجوب الكفارة على من وطى امرأته وهي حائض، وإلى ذلك ذهب ابن عباس والحسن البصري، وسعيد بن جبير وقتادة والأوزاعي وإسحق وأحمد في الرواية الثانية عنه، والشافعي في قوله: القديم – انتهى. قال العيني: ثم إن الذين ذهبوا إلى عدم الوجوب أجابوا أن قوله ﷺ : يتصدق، محمول على الاستحباب. وقال العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على الترمذي بعد ذكر القول بالتخيير عن أحمد ما لفظه: وإذا ثبت أن أصل الحديث الأمر بالتخيير بين الدينار وبين نصف الدينار فإني أي: أن الأمر فيه ليس للوجوب، وإنما هو للندب، لأن الأصل في الأمر أن يكون للوجوب على الحقيقة. ولا يكون للندب إلا مجازاً، والمجاز لا بد له من قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي، والقرينة هنا في نفس اللفظ، لأن التخيير في المأمور به بين أن يكون قليلاً أو كثيراً من نوع واحد يجل على أن الزائد عن القليل ليس واجباً، لأن الدينار الواحد له نصفان، وقد أمر مخيراً بين أداءه كله، وبين أداء نصف من نصفيه فإذا أدى النصف كان آتيا بالمأمور به في أحد شقى الأمر، ولم يأت إلا ببعضه في الشق الآخر، وبرئت ذمته بما أتاه من المأمور به، فكان الذي لم يأت به غير واجب بنفس دلالة اللفظ، فدل لفظ الأمر على أن بعض مدلوله ليس مراداً به الوجوب، فخرج بذلك عن الحقيقة إلى المجاز. وإذ خرج في بعض مدلوله عن الحقيقة لهذه القرينة القاطعة، خرج في كل مدلوله، لامتناع استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه معاً. وتحقيق ذلك في موضعه من علو الأصول. وليس هذا من باب الواجب المخير المعروف في الفقة والأصول، لأن الواجب المخير إنما يكون في التخيير بين أنواع مأمور بها لا في التخيير بين القليل والكثير من نوع واحد وهذا ثابت بالتتبع - انتهى كلامه.
стр. 662
رواه الترمذي، وأبوداود، والنسائي، والدارمي، وابن ماجه.
ــ
(رواه الترمذي وأبوداود) كلاهما من طريق شريك بن عبد الله، عن خصيف عن مقسم عن ابن عباس. ورواه أيضاً من هذا الطريق أحمد والبيهقي. (والنسائي) فيه نظر، لأن النسائي لم يرو هذه الرواية. (والدارمي) من طريق شريك عن خصيف عن مقسم. ورواه أيضاً من طريق الثوري عن خصيف نحو رواية شريك. (وابن ماجه) من طريق أبي الأحوص، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن مقسم، عن ابن عباس. قال المنذرى: هذا الحديث يعني حديث ابن عباس في كفارة إتيان الحائض قد وقع الاضطراب في سنده ومتنه، فروى مرفوعاً موقوفاً ومرسلاً ومعضلاً. وقال عبد الرحمن بن مهدي: قيل لشعبة: إنك كنت ترفعه، قال: إني كنت مجنوناً، فصححت-انتهى. وقال الحافظ في التلخيص: والاضطراب في إسناد هذا الحديث ومتنه كثير. قلت: لاشك في أن في إسناد هذا الحديث ومتنه اختلافاً كثيراً لكن قد تقرر في موضعه أن مجرد الاختلاف لا يؤثر في صحة الحديث بل يشترط له استواء وجوه الاختلاف، فمتى رجحت رواية من الروايات المختلفة من حيث الصحة قدمت، ولا تعل الرواية الراجحة بالمرجوحة، وههنا رواية عبد الحميد، عن مقسم، عن ابن عباس بلفظ: فليتصدق بدينار أو بنصف دينار صحيحة راجحة، كما تقدم النقل في تصحيحها عن الحاكم، والذهبي وابن القطان وابن دقيق العيد، وأحمد بن حنبل، وأما باقي الروايات فضعيفة مرجوحة لا توازي رواية عبد الحميد فلا تعل رواية عبد الحميد هذه بالروايات المرجوحة. والعجب من المصنف أنه أورد هذا الباب رواية خصيف عن مقسم عن ابن عباس بلفظ: يتصدق بنصف دينار، وهي رواية ضعيفة مرجوحة، ولم يورد رواية عبد الحميد عن مقسم عن ابن عباس بلفظ: يتصدق بدينار أونصف دينار، وهي أرجح الروايات وأصحها. قال الحافظ في التلخيص: قد أمعن ابن القطان القول في تصحيح هذا الحديث، والجواب عن طريق الطعن فيه بما يراجع منه، وأقر ابن دقيق العيد تصحيح ابن القطان وقواه في الإمام وهو الصواب، فكم من حديث قد احتجوا به، وفيه من الاختلاف أكثر مما في هذا الحديث كحديث بئر بضاعة، وحديث القلتين، ونحوهما. وفي ذلك ما يرد على النووي في دعواه في شرح المهذب، والتنقيح، والخلاصة، أن الأئمة كلهم خالفوا الحاكم في تصحيحه، وأن الحق أنه ضعيف باتفاقهم، وتبع في بعض ذلك ابن الصلاح-انتهى كلام الحافظ. وأما قول عبد الرحمن بن مهدي: قيل لشعبة: إنك كنت ترفعه؟ قال: "إني كنت مجنوناً فصححت" ففيه أنه اختلف النقل فيه عن شعبة، فروى هذا الحديث الدارمي، عن أبي الوليد، عن شعبة موقوفاً، وعن سعيد بن عامر عن شعبة موقوفاً أيضاً. وقال: قال شعبة: أما حفظي فهو مرفوع، وأما فلان وفلان، فقالا غير مرفوع. قال بعض القوم: حدثنا بحفظك ودع ماقال فلان وفلان، فقال: والله ما أحب أني عمرت في الدنيا عمر نوح وإني حدثت بهذا أو سكت عن هذا. فهذه الرواية عن شعبة ترشد إلى أنه كان على وثوق من حفظه، ويقين برفعة، ثم إنه تردد واضطرب حين رأى غيره يخالفه، فيرويه موقوفاً، ثم جعل هو يرويه موقوفاً أيضا، وهذا كما ترى لا يؤثر في يقينه الأول برفعة. وقد تابعه في رفعه غيره، فرواه البيهقي عن إبراهيم بن طهمان عن مطر الوراق عن الحكم عن المقسم عن ابن عباس مرفوعاً. قال المنذري: وأما الاضطراب في متنه فروى"بدينار أو نصف دينار"على الشك. وروى: يتصدق بدينار، فإن لم يجد فنصف دينار. وروى "إذا كان
стр. 663
٥٥٦- (١٠) وعنه، عن النبي ﷺ قال: ((إذا كان دما أحمر، فدينار، وإن كان دماً أصفر، فنصف
دينار)) . رواه الترمذي.
﴿الفصل الثالث﴾
٥٥٧- (١١) عن زيد بن أسلم، قال: ((إن رجلاً سأل رسول الله ﷺ ، فقال: ما يحل لي من
ــ
دما أحمر فدينار، وإن كان دماً أصفر فنصف دينار"وروى"إن كان الدم عبيطاً فليتصدق بدينار، وإن كان صفرة فنصف دينار"- انتهى. قلت: قد تقدم أن أصح الروايات وأرجحها في ذلك رواية من قال: بدينار أو نصف دينار. وهي التي صحح لفظها أبوداود بقوله: هكذا الرواية الصحيحة، قال: دينار أو نصف دينار. فتقدم هذه الرواية على غيرها من الروايات.
٥٥٦- قوله: (إذا كان) أي: الحيض (دمًا أحمر فدينار) أي: على المجامع فيه. (وإذا كان دماً أصفر فنصف دينار) إن صح الحديث فالأظهر فيه أنه تعبد محض لا مدخل للعقل فيه، لكن قد تقدم أن الرواية الصحيحة دينار أو نصف دينار من غير تفصيل بين حالي الدم أو وقتيه. وقال: العلامة المصري في تعليقه على الترمذي: أما التفصيل بين حالي الدم أو وقتيه فإنه تفسير من الرواة قطعًا. ثم دخل على بعض الرواة عنهم، فظنوه من متن الحديث، فنقلوه كذلك. وقد حفظ لنا سعيد بن أبي عروبة الدليل الصريح على أن التفسير أو التفصيل إنما هو من بعض الرواة. ففي رواية البيهقي (ج١:ص٣١٥) من طريق عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد عن قتادة عن مقسم عن ابن عباس مرفوعاً "بدينار أو نصف دينار" ففسره قتادة، قال: إن كان واجداً فدينار وإن لم يجد فنصف دينار. وفي رواية أيضاً (ج١: ص٣١٧) من طريق عبد الوهاب عن سعيد عن عبد الكريم عن مقسم عن ابن عباس مرفوعاً. وفسر ذلك مقيم، فقال: إن غشيها في الدم فدينار، وإن غشيها بعد انقطاع الدم قبل أن تغتسل، فنصف دينار. وفي رواية أيضاً من طريق روح بن عبادة عن سعيد عن عبد الكريم أبي أمية عن عكرمة عن ابن عباس، فذكر نحو هذا، ونسب التفسير إلى مقسم أيضاً مع أنه ليس في هذا الإسناد- انتهى. (رواه الترمذي) من طريق أبي همزة السكري، عن عبد الكريم عن مقسم عن ابن عباس. وأخرج بنحوه الدارمي، والدارقطني كلاهما من طريق أبي جعفر الرازي عن عبد الكريم عن مقسم عن ابن عباس مرفوعاً.
٥٥٧- قوله: (عن زيد بن أسلم) العدوى مولى عمر بن الخطاب، يكنى أبا عبد الله أو أبا أسامة المدني، ثقة من أهل الفقه والعلم، وكان عالماً بتفسير القرآن، وكان يرسل من الطبقة الوسطى من التابعين، مات سنة (١٣٦) في العشر الأول من ذي الحجة. (إن رجلاً سأل رسول الله ﷺ ) لعل الرجل السائل هو عمر بن الخطاب مولى زيد بن أسلم، فقد روى أبويعلى عن
стр. 664
امرأتي وهي حائض؟ فقال له رسول الله ﷺ : تشد عليها إزارها، ثم شأنك بأعلاها)) رواه مالك والدارمي مرسلاً.
٥٥٨- (١٢) وعن عائشة، قالت: ((كنت إذا حضت نزلت عن المثال على الحصير، فلم نقرب
رسول الله ﷺ ، ولم ندن منه حتى نطهر)) . رواه أبوداود.
ــ
عاصم بن عمر أن عمر قال: سألت رسول الله ﷺ ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ قال: ما فوق الإزار. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، ويمكن أن يكون السائل عبد الله بن سعد. فقد روى أبوداود عنه قال: سألت رسول الله ﷺ ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: لك ما فوق الإزار (تشد) بفتح التاء وضم الشين والدال، خبر معناه الأمر. وفي الموطأ والدارمي "لتشد" بزيادة اللام (ثم شأنك بأعلاها) أي: استمتع بما فوق فرجها، وشأنك بالنصب بإضمار فعل، أي: خذ، ويجوز رفعه على الإبتداء، والخبر محذوف تقديره مباح أو جائز. وفيه دليل على منع الاستمتاع بما تحت الإزار، لكن الحديث مرسل، والمرسل على القول الأصح ليس بحجة، ولو سلم اعتضاده بما تقدم من حديث عاصم بن عمر وعبد الله بن سعد، فلا يدل على منع ذلك إلا بالمفهوم، وقد عارضه منطوق حديث: إصنعوا كل شيء إلا النكاح، وهو أصح منه، فيقدم عليه، وقد تقدم أن الطحاوي رجح الجواز، وقواه العيني والسندي دليلاً، واختاره أصبغ من المالكية، ورجحه النووي دليلاً (رواه مالك والدارمي) من طريق مالك (مرسلاً) بفتح السين. والحديث المرسل ما سقط منه الصحابي كقول نافع: قال رسول الله ﷺ كذا أو فعل كذا أو فعل بحضرته كذا. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا رواه بهذا اللفظ مسنداً، ومعناه صحيح ثابت- انتهى. قلت: روى الطبراني في الكبير عن ابن عباس أن رجلاً قال: يا رسول الله! مالي من امرأتي وهي حائض؟ قال: تشد عليها إزارها ثم شأنك بها. وفيه أبونعيم ضرار بن صرد، وهو ضعيف، قاله الهيثمي.
٥٥٨- قوله: (إذا حضت) بكسر الحاء (عن المثال) أي: الفراش (فلم نقرب) بفتح النون والراء (رسول الله) بالنصب ( ﷺ ، ولم ندن) بفتح النون الأولى وضم الثانية (منه حتى نطهر) بالنون. هذا مخالف لما سبق، ولعله منسوخ إلا أن يحمل القربان والدنو على الغشيان كما في قوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرهن﴾ [٢٢٢:٢] فإن كل واحد من الزوجين يدنو ويقرب من الآخر عند الغشيان، قاله القاري نقلاً عن الطيبي. قلت: التأويل هو المتعين للجمع بين الأحاديث. وقال ابن حجر: هذا كان شأنهن معه ﷺ ، أعنى إنهن يعتزلنه خوفا من شمه أو رؤيته لبعض ما ينفر مما بهن حتى يدعونهن إلى معاشرته (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري. قلت: في سنده أبواليمان الرحال، قال الحافظ في التقريب: مستور، وذكره ابن حبان في الثقات.
стр. 665
(١٣) (باب المستحاضة)
ــ
(باب المستحاضة) هي المرأة التي استمر بها الدم بعد أيامها، من الإستحاضة، وهي جريان الدم من فرجها في غير أوانه من عرق في أدنى الرحم دون قعره، يقال: لذلك العرق العاذل. يقال: استحيضت المرأة- بالبناء للمفعول- إذا استمر بها الدم، فهي مستحاضة، وهي من الأفعال اللازمة البناء للمفعول، وأصلها من الحيض، لحق الزوائد للمبالغة كما يقال: قر في المكان واستقر، وأعشب، ثم يزاد للمبالغة فيقال: اعشوشب. قال العيني (ج١:ص١٤٢) فإن قلت: ما وجه بناء الفعل للفاعل في الحيض، وللمفعول في الإستحاضة؟ قلت: لما كان الأول معروفا معتادا نسب إليها، والثاني لما كان نادرا غير معروف الوقت، وكان منسوبا إلى الشيطان كما ورد أنها ركضة منه، بنى لما لم يسم فاعله. فإن قلت: ما هذه السين؟ قلت: يجوز أن تكون للتحول كما في استحجر الطين، وههنا تحول دم الحيض إلى غيره، وهو دم الإستحاضة- انتهى. وحكمها حكم الطاهرة في العبادات والوطي عند الجمهور، خلافا لأحمد في الوطي. واعلم أن المستحاضة على أربعة أقسام: الأولى مبتدأة مميزة. الثانية مبتدأة غير مميزة. الثالثة معتادة من غير تمييز. الرابعة معتادة بتمييز، فأما الأولى فهي التي ابتدأ بها الحيض، ولم تكن حاضت قبله، واستمر بها الدم، وكانت مميزة بأن ترى في بعض الأيام دما أسود، وفي بعضها دما أحمر أو أصفر، فحيضها مدة تمييزها، أي: حكمها أن حيضها زمن الدم الأسود بشرط أن لا يزيد على أكثر الحيض، فإن زاد على أكثره لم يكن حيضا. قال ابن العربي في شرح الترمذي: الأصل في اعتبار التمييز حديث لا بأس به، يرويه العلماء عن فاطمة بنت أبي حبيش: أن دم الحيض دم أسود يعرف. وقد خرجناه من طريق حسنة، لها مدخل في الصحة يعضده قوله: في الصحيح حسب ما قدمناه لها "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة" وفي هذا الحديث عندي نظر عظيم، والأول أقرب إلى الحجة وأسلم واضح المحجة- انتهى. وأما الثانية وهي مبتدأة من غير تمييز فإن حاضت حيض لداتها يعني أهل سنها، وقيل: أقرانها، حكم لها بحكم الحيض، وإن زادت عليه، فقيل: تجلس أكثر الحيض يعني خمسة عشر يوما، ثم يحكم لها بالإستحاضة. وقيل: تجلس عادة نسائها كأختها وأمها. وقيل: تجلس غالب من كل شهر، وذلك ستة أيام أو سبعة أيام. وهذا أشبه بالحق لحديث حمنة بنت جحش الآتي في الفصل الثاني. وأما الثالثة وهي المعتادة من غير تمييز، يعني التي لها عادة معلومة قبل أن تستحاض، ولا تمييز لها لكون دمها لا يتميز بعضه من بعض، فإنها تجلس أيام عادتها، ثم تغتسل عند انقضائها، وتتوضأ لكل صلاة. وعليه يدل حديث أم سلمة وحديث عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده في الفصل الثاني، وحديث عائشة في أم حبيبة بنت جحش عند مسلم وغيره، ففيه: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي. وأما الرابعة وهي المعتادة بتمييز، فإن كان الأسود في زمن العادة فقد اتفقت العادة والتمييز، فيعمل بهما، وإن اختلفت العادة والتمييز فقيل: يقدم التمييز وتدع العادة، يعني يكون الاعتبار للتمييز لا للعادة، لأن التمييز أولى، لأن العادة قد تختلف والتمييز لا يختلف، ولأن
стр. 666
﴿الفصل الأول﴾
٥٥٩- (١) عن عائشة، ﵂، قالت: ((جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إني امرأة، أستحاض، فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟
ــ
النظر إلى اللون اجتهاد والنظر إلى العادة تقليد، والاجتهاد أولى من التقليد. وقيل: العبرة للعادة لا للتمييز فترد إلى العادة وهو الراجح عندي، لأن العادة أقوى لكونها لا تبطل دلالتها، والدم الأسود إذا زاد على أكثر مدة الحيض بطلت دلالته، فما لا تبطل دلالته أولى، ولأنه ﷺ رد أم حبيبة والمرأة التي استفتت لها أم سلمة إلى العادة من غير استفصال وتفريق بين كونها مميزة، وكذا حديث عدي بن ثابت عام في كل مستحاضة، وقد تكلم في إسناده بما لا يوجب سقوطه عن درجة الاعتبار ثم اعلم أن الحنفية لم يعتبروا التمييز مطلقاً فالمستحاضة عندهم على ثلاثة أنواع، الأولى مبتدأة مميزة كانت أو غير مميزة، وحكمها عندهم أنها تجلس أكثر الحيض. والثانية معتادة ذات تمييز كانت أو غير ذات تمييز، وحيضها أيم عادتها. والثالثة متحيرة، وهي التي كانت لها عادة معلومة لكن نسيت أيامها، والتبس عليها قدر عادتها. وقد تحيروا في حكم المتحيرة، وتخبطوا، واضطربت أقوالهم فيه اضطراباً يبعد فهمه على أذكياء الطلبة، فضلاً عن النساء الموصوفات بنقصان العقل والدين، ولا إشكال في حكمها عندنا، فإنها إن كانت ذات تمييز، فالدم الأسود حيض وإن كانت غير ذات تمييز، جلست ستة أيام أو سبعة أيام، كما في حديث حمنة، وحديث فاطمة: إن دم الحيض دم أسود يعرف. يرد عليهم في منع اعتبار التمييز مطلقاً. هذا، وقد وردت في المستحاضة روايات مختلفة، لكنها عند الإمعان ترجع إلى ثلاثة أحاديث، يعلم منها أحكام جميع أنواع المستحاضة كما أشرنا إلى ذلك. قال ابن قدامة في المغني (ج١:ص٣٢٣) : قال الإمام أحمد: الحيض يدور على ثلاثة أحاديث، حديث فاطمة وأم حبيبة وحمنة. وفي رواية حديث أم سلمة مكان حديث أم حبيبة-انتهى. وقد بسط الكلام في أحوال المستحاضة وأنواعها في المغني (ج١:ص٣٢٨-٣٥٢) فمن شاء رجع إليه.
٥٥٩- قوله: (فاطمة بنت أبي حبيش) بضم حاء مهملة وفتح باء موحدة وياء ساكنة بعدها شين معجمة، واسمه قيس بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي، مهاجرية جليلة، روت عن النبي ﷺ حديث الإستحاضة، وعنها عروة ابن الزبير. وقيل: عن عروة عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت: فذكره. وهو أول أحاديث الفصل الثاني (أستحاض) بهمزة مضمومة وفتح تاء، أي: استمر بي الدم فلا ينقطع، ولم ترد الإستحاضة الفقهية، وهي جريان الدم في غير أوانه، لأنها لو كانت تعلم أنها إستحاضة شرعية ما أشكل عليها الأمر (فلا أطهر) أي: لا ينقطع عني الدم (أفأدع الصلاة) عطف على مقدرة بعد الهمزة لأن لها صدر الكلام، أي: أيكون لي حكم الحائض؟ فأترك الصلاة
стр. 667
فقال: لا، إنما ذلك عرق وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك
ــ
(فقال: لا) أي: لا تدع الصلاة (إنما ذلك) بكسر الكاف خطاب للمؤنث أي: الذي تشتكينه (عرق) بكسر العين، أي: دم عرق انشق وانفجر منه الدم، أو إنما سبب ذلك عرق في أدنى الرحم، وهذا بيان لعدم كونه حيضا، وليس بياناً لكونه ناقضاً للوضوء كما توهمت الحنفية. قال الخطابي: ليس معنى الحدث ما ذهب إليه هؤلاء، ولا مراد الرسول ﷺ من ذلك ما توهموه، وإنما أراد أن هذه العلة إنما حدثت بها من تصدع العرق، وتصدع العرق علة معروفة عند الأطباء، يحدث ذلك عند غلبة الدم، فتتصدع العروق إذا امتلأت تلك الأوعية- انتهى. قلت: لا شك في أن هذا هو مراده ﷺ بذلك الكلام، وما ساق الكلام إلا لأجله، وليس فيما قاله الخطابي، تخصيص لعمومه، ولا تقييد لإطلاقه كما لا يخفى (وليس بحيض) فإن الحيض يخرج من قعر رحم المرأة، فهو إخبار باختلاف المخرجين، وهو رد لقولها: لا أطهر، لأنها اعتقدت أن طهارة الحائض لا تعرف إلا بانقطاع الدم، فكنت بعدم الطهر عن اتصاله، وكانت قد علمت أن الحائض لا تصلي، فظننت أن ذلك الحكم مقترن بجريان الدم، فأبان لها ﷺ أنه ليس بحيض وأنها طاهرة يلزمها الصلاة (فإذا أقبلت حيضتك) بفتح الحاء ويجوز كسرها، والمراد بالإقبال ابتداء دم الحيض، وبالإدبار ابتداء انقطاعها. واعلم أنهم اختلفوا في أن فاطمة بنت أبي حبيش معتادة كانت أو مميزة غير معتادة. فمال البيهقي والترمذي وغيرهما من فقهاء أصحاب الحديث إلى أنها مميزة. قال الترمذي: قال أحمد وإسحق في المستحاضة إذا كانت تعرف حيضها بإقبال الدم وإدباره، فإقباله أن يكون أسود، وإدباره أن يتغير إلى الصفرة، فالحكم فيها على حديث فاطمة بنت أبي حبيش- انتهى. واستدل هؤلاء على كونها مميزة بأول حديث الفصل الثاني، وبقوله: إذا أقبلت حيضتك، في هذا الحديث. قالوا: الحيضة بالكسر، والمراد بها الحالة التي تكون للحيض من قوة الدم في اللون والقوام. وإن كان بالفتح فالمراد بإقبال حيضتها بالصفة. قال بعض الحنفية: لفظ الإقبال والإدبار يؤيد الشافعي في اعتبار اللون، فإنه يعلم منه أن دم الحيض دم متميز بنفسه يعرف إذا أقبل وإذا أدبر، فالإحالة على الدم مشعر بأن دم الطمث مغاير لدم الإستحاضة بنفسه، ومتميز كتمايز سائر الماهيات، ولذا اكتفى بالإحالة على الإسم لأنه كان من الأشياء المتميزة بنفسها كما في رواية: فإنه دم أسود يعرف. قلت: في الاستدلال به على كونها ذات تمييز خفاء لأنه يمكن أن يقال: أن المراد بالحيضة- بالكسر- الحالة التي كانت تحيض فيها، وهي تعرفها، فيكون ردا إلى العادة. وبإقبال حيضتها– بالفتح – إقبال أيام الحيض، أي: وجود الدم في أول أيام العادة، ويؤيده ما في رواية للبخاري من هذا الحديث: فإذا ذهب قدرها، يعني قدر أيم الحيضة وقال من ذهب إلى كونها مميزة: أي: ذهب قدر الحيضة على ما قدره الشارع، أو على ما تراه المرأة باجتهادها، ولا يخفى بعد هذا التأويل بل يبطله ما وقع في رواية أخرى للبخاري أيضاً: ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها. فإنها صريحة في أنه ﷺ ردها إلى عادتها، وبالجملة في الاستدلال بلفظ"إقبال الحيض وإدباره"على كونها مميزة نظر.
стр. 668
فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي)) . متفق عليه.
ــ
واحتج من ذهب إلى كونها معتادة بروايتي البخاري المتقدمتين، وبما رواه أبوداود وغيره من طريق المنذر عن عروة عن فاطمة أنها سألت رسول الله ﷺ الحديث. وفيه: فانظري إذا أتاك قرءك فلا تصلي وإذا مر قرءك فتطهري، ثم صلي ما بين القرء إلى القرء. والأصل في القرء الوقت المعلوم، ولذلك أطلق على الضدين الحيض والطهر، لأن لكل منهما وقتا. وبما رواه أبوداود أيضاً والدارقطني عن عروة، عن أسماء بنت عميس أن فاطمة أمرتها أن تسأل رسول الله ﷺ فأمر أن تقعد الأيام التي كانت تقعد، ثم تغتسل. قال المنذري: حديث حسن. وبحديث أم سلمة الآتي, فإن المرأة التي استفتت لها أم سلمة هي فاطمة بنت أبي حبيش كما ستقف عليه. والظاهر عندي أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت معتادة متميزة. وكان الدم الأسود في زمن عادتها، أي: اتفقت العادة والتمييز، فردها إلى العادة مرة، وإلى التمييز أخرى، لأنه لم يكن بينهما تخالف ويحتمل كما قال البيهقي: أن كانت لها حالان في مدة استحاضتها حالة تميز بين الدمين، فأمرها بالجوع إلى العادة- انتهى (فاغسلي عنك الدم) أي: واغتسلي. ففي رواية للبخاري: ثم اغتسلي، وصلي. لكن ليس فيها ذكر غسل الدم. وهذا الاختلاف من الرواة، اقتصر بعض الرواة على أحد الأمرين والآخر لوضوحه عنده (ثم صلي) أي: بعد الاغتسال. زاد البخاري في هذه الرواية: ثم توضئ لكل صلاة حتى يجئ ذلك الوقت. والحديث فيه دليل على أن المستحاضة إذا أقبلت حيضتها بالعادة أو بالصفة تعمل على إقبالها، فتترك الصلاة، فإذا انقضى قدرها أي: قدر أيام العادة، أو قدر الحيضة على ما تراه المرأة باجتهادها بحسب قوة الدم ولونه، اغتسلت منه، ثم صار حكم دم الإستحاضة حكم الحدث، فتتؤضأ لكل صلاة لا تصلي بذلك الوضوء أكثر من فريضة واحدة مؤداة أو مقضية، لظاهر قوله: ثم توضئ لكل صلاة. وبهذا قال الجمهور، فوضوء المستحاضة عندهم للصلاة لا للوقت. وأما ما روى أبوحنيفة, عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبي ﷺ قال لفاطمة بنت أبي حبيش: توضئ لوقت كل صلاة. ففي كونه محفوظاً نظر قوي وكلام ظاهر، فإن الطرق الصحيحة كلها قد وردت بلفظ: توضئ لكل صلاة، وأما هذا اللفظ فلم يقع في واحد منها. وقد تفرد به أبوحنيفة، وهو سيء الحفظ كما صرح به ابن عبد البر. وقال بعض الحنفية: لو ثبت لفظ"وقت الصلاة" لم ينفصل منه الأمر أيضا، لأنه يجري البحث بعده في السبب هل هو الصلاة أو الوقت؟ ويسوغ لهم أي: الشافعية أن يقولوا: أن للام للظرف، فوقت الصلاة ظرف للوضوء لا سبب وإنما السبب هو الصلاة كما في قولنا: أتيت فلاناً لخمس مضين من رمضان. فإن اللام فيه للظرف لا للسبب، فالوضوء يجب على المعذور لأجل الصلاة في وقتها عندهم، فصح ما في المعنى لوقت كل صرة على مذهبهم أيضاً- انتهى (متفق عليه) واللفظ للبخاري في باب غسل الدم. وأخرجه أيضاً الترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وغيرهم.
стр. 669
﴿الفصل الثاني﴾
٥٦٠- (٢) عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش، ((أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ : إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك، فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر، فتوضئ وصلي، فإنما هو عرق)) رواه أبوداود، والنسائي.
ــ
٥٦٠- قوله (فإنه) أي: الحيض، أو دمه (يعرف) بصيغة المجهول من المعرفة أي: تعرفه النساء باعتبار لونه، وثخانته، ونتنه. وقيل: بكسر الراء من الأعراف أي: له عرف ورائحة (فإذا كان ذلك) بكسر الكاف، أي: فإذا كان الدم دما أسود. قال القاري: أعاده لطول الفصل كما في قوله تعالى: ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما﴾ [٨٩:٢] وقوله "فإنه دم أسود" استئناف مبين متفرع على كون الدم دم الحيض، ولا يصلح أن يكون تعليلا للجواب المذكور أو المقدر كما قرره ابن حجر، فتدبر (فأمسكي عن الصلاة) من الإمساك أي: أتركيها (فإذا كان الآخر) بفتح الخاء أي: الذي ليس بتلك الصفة بأن كان دما أحمر أو أصفر (فتوضئ) لكل صلاة مفروضة أي: بعد الاغتسال من انقطاع دم الحيض (فإنما هو) أي: الدم الذي هو على غير صفة السواد (عرق) أي: دم عرق انفجر، يقال له: العاذل. يعني دم الإستحاضة يخرج من عرق في أدنى الرحم دون قعره. والحديث فيه دليل على أنه يعتبر التمييز بصفة الدم، فإذا كان متصفا بصفة السواد فهو حيض، وإلا فهو استحاضة. وفيه دلالة على أنه فاطمة كانت مميزة، ولا مانع من اجتماع المعرفتين في حقها وحق غيرها، وقد تقدم الكلام في ذلك (رواه أبوداود) قال حدثنا محمد بن المثنى: عن محمد بن أبي عدي، عن محمد يعني ابن عمرو، قال: ثنى ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش، قال: إنها كانت تستحاض- الحديث. قال أبوداود: قال ابن المثنى: ثنا به ابن عدي من كتابة هكذا، ثم ثنا به بعد حفظا، قال: حدثنا محمد بن عمرو عن الزهري عن عروة، عن عائشة قالت: إن فاطمة كانت تستحاض، فذكر معناه. قال في عون المعبود (ج١:ص١١٥) : والحاصل أن ابن عدي لما حدث ابن المثنى من كتابة حدثه من غير ذكر عائشة بين عروة وفاطمة. ولما حدثه من حفظه ذكر عائشة بين عروة وفاطمة، ولذلك قال ابن القطان: هذا الحديث منقطع. وأجاب ابن القيم بأنه ليس كذلك، فإن محمد بن أبي عدي مكانه من الحفظ والإتقان لا يجهل، وقد حفظه، وحدث به مرة عن عروة عن فاطمة، ومرة عن عائشة عن فاطمة وقد أدرك كلتيهما، وسمع منها بلا ريب، ففاطمة بنت عمه، وعائشة خالته. فالانقطاع الذي رمى به الحديث مقطوع دابره، وقد صرح بأن فاطمة حدثته- انتهى. والحديث أخرجه أيضاً ابن حبان والحاكم وصححاه، وأخرجه أيضاً الدارقطني والبيهقي.
стр. 670
٥٦١- (٣) وعن أم سلمة، قالت: ((إن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله ﷺ فاستفت لها أم سلمة النبي ﷺ . فقال: لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك، فلتغتسل، ثم لتستثفر بثوب، ثم لتصل)) .
ــ
٥٦١- قوله: (إن امرأة) هي فاطمة بنت أبي حبيش، سماها حماد بن زيد ووهيب، وعبد الوارث، وسفيان الثوري في روايتهم عن أيوب، عن سليمان بن يسار عند الدارقطني (كانت تهراق) بضم التاء وفتح الهاء وتسكن، أي: تصب، وتهراق هكذا جاء مجهولا، ونائب فاعله ضمير يرجع إلى المرأة، وهاءه بدل من الهمزة. أراق الماء يريقه، وهراقه يريقه بفتح هاء هراقة، ويقال: أهرقته أهرقه إهراقا بجمع بين البدل والمبدل منه كذا في المجمع. وقد تقدم تحقيقه بأبسط من هذا (الدم) بالنصب على التمييز وإن كانت معرفة على تقدير زيادة اللام، أي: تهراق هي الدم، أو منصوب بنزع الخافض، أي: تهراق بالدم، وفي رواية الدماء بالجمع للدلالة على الكثرة. قيل يجوز فيه الرفع على أنه بدل من ضمير تهراق، أو على أنه مسند إليه، والألف واللام بدل من الإضافة، والتقدير تهراق دماءها (فاستفتت لها أم سلمة) هذا قول الراوي عن أم سلمة، أي: سألت لهذه المرأة بأمرها إياها، ففي رواية للدارقطني: أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت، فأمرت أم سلمة أن تسأل لها. وتقدم في حديث عائشة المتفق عليه: أن فاطمة هي السائلة، وفي حديث أسماء بنت عميس الآتي في الفصل الثالث أن السائلة أسماء، ولا تخالف بين هذه الروايات، فإنه يقال: إن فاطمة أمرت أسماء وأم سلمة كلتيهما أن تسألا لها رسول الله ﷺ فسألتا مجتمعتين أو غيرمجتمعتين، وسألت فاطمة بنفسها أيضاً لمزيد التوثق والاحتياط (لتنظر) أي: تتفكر وتعرف (عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن) أي: تحيض فيهن (من الشهر) بيان لهن أو للأيام والليالي. قال الزرقاني: فيه تصريح بأنها لم تكن مبتدأة بل كانت لها عادة تعرفها، وليس فيه بيان كونها مميزة أو غيرها، فاحتج به من قال: أن المستحاضة المعتادة ترد لعادتها ميزت أم لا، وافق تمييزها عادتها أو خالفها-انتهى (قدر ذلك) أي: قدر عادة حيضها (فإذا خلفت ذلك) أي: تركت أيام الحيض التي اعتادتها خلفها، وجاوزتها، ودخلت في أيام الإستحاضة (فلتغتسل) أي: غسل انقطاع الحيض (ثم لتستثقر بثوب) الاستثفار أن تشد فرجها ودبرها بخرقة عريضة بعد أن تحتشى قطنا وتوثق طرفي الخرقة في شيء تشده على وسطها، فتمنع بذلك سيل الدم. وهو مأخوذ من ثقر الدابة الذي يجعل تحت ذهبه (ثم لتصل) بكسر اللام وإسكانها. وفيه دليل على أن الاغتسال إنما هو مرة واحدة عند انقضاء أيام الحيض، وأن حكم المستحاضة حكم الطاهرة في الصلاة، وكذا في الصيام، والقراءة،
следующие страницы →