← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

﴿الفصل الأول﴾ ٥٥٩- (١) عن عائشة، ﵂، قالت: ((جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إني امرأة، أستحاض، فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ ــ النظر إلى اللون اجتهاد والنظر إلى العادة تقليد، والاجتهاد أولى من التقليد. وقيل: العبرة للعادة لا للتمييز فترد إلى العادة وهو الراجح عندي، لأن العادة أقوى لكونها لا تبطل دلالتها، والدم الأسود إذا زاد على أكثر مدة الحيض بطلت دلالته، فما لا تبطل دلالته أولى، ولأنه ﷺ رد أم حبيبة والمرأة التي استفتت لها أم سلمة إلى العادة من غير استفصال وتفريق بين كونها مميزة، وكذا حديث عدي بن ثابت عام في كل مستحاضة، وقد تكلم في إسناده بما لا يوجب سقوطه عن درجة الاعتبار ثم اعلم أن الحنفية لم يعتبروا التمييز مطلقاً فالمستحاضة عندهم على ثلاثة أنواع، الأولى مبتدأة مميزة كانت أو غير مميزة، وحكمها عندهم أنها تجلس أكثر الحيض. والثانية معتادة ذات تمييز كانت أو غير ذات تمييز، وحيضها أيم عادتها. والثالثة متحيرة، وهي التي كانت لها عادة معلومة لكن نسيت أيامها، والتبس عليها قدر عادتها. وقد تحيروا في حكم المتحيرة، وتخبطوا، واضطربت أقوالهم فيه اضطراباً يبعد فهمه على أذكياء الطلبة، فضلاً عن النساء الموصوفات بنقصان العقل والدين، ولا إشكال في حكمها عندنا، فإنها إن كانت ذات تمييز، فالدم الأسود حيض وإن كانت غير ذات تمييز، جلست ستة أيام أو سبعة أيام، كما في حديث حمنة، وحديث فاطمة: إن دم الحيض دم أسود يعرف. يرد عليهم في منع اعتبار التمييز مطلقاً. هذا، وقد وردت في المستحاضة روايات مختلفة، لكنها عند الإمعان ترجع إلى ثلاثة أحاديث، يعلم منها أحكام جميع أنواع المستحاضة كما أشرنا إلى ذلك. قال ابن قدامة في المغني (ج١:ص٣٢٣) : قال الإمام أحمد: الحيض يدور على ثلاثة أحاديث، حديث فاطمة وأم حبيبة وحمنة. وفي رواية حديث أم سلمة مكان حديث أم حبيبة-انتهى. وقد بسط الكلام في أحوال المستحاضة وأنواعها في المغني (ج١:ص٣٢٨-٣٥٢) فمن شاء رجع إليه. ٥٥٩- قوله: (فاطمة بنت أبي حبيش) بضم حاء مهملة وفتح باء موحدة وياء ساكنة بعدها شين معجمة، واسمه قيس بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي، مهاجرية جليلة، روت عن النبي ﷺ حديث الإستحاضة، وعنها عروة ابن الزبير. وقيل: عن عروة عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت: فذكره. وهو أول أحاديث الفصل الثاني (أستحاض) بهمزة مضمومة وفتح تاء، أي: استمر بي الدم فلا ينقطع، ولم ترد الإستحاضة الفقهية، وهي جريان الدم في غير أوانه، لأنها لو كانت تعلم أنها إستحاضة شرعية ما أشكل عليها الأمر (فلا أطهر) أي: لا ينقطع عني الدم (أفأدع الصلاة) عطف على مقدرة بعد الهمزة لأن لها صدر الكلام، أي: أيكون لي حكم الحائض؟ فأترك الصلاة

стр. 667

فقال: لا، إنما ذلك عرق وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك ــ (فقال: لا) أي: لا تدع الصلاة (إنما ذلك) بكسر الكاف خطاب للمؤنث أي: الذي تشتكينه (عرق) بكسر العين، أي: دم عرق انشق وانفجر منه الدم، أو إنما سبب ذلك عرق في أدنى الرحم، وهذا بيان لعدم كونه حيضا، وليس بياناً لكونه ناقضاً للوضوء كما توهمت الحنفية. قال الخطابي: ليس معنى الحدث ما ذهب إليه هؤلاء، ولا مراد الرسول ﷺ من ذلك ما توهموه، وإنما أراد أن هذه العلة إنما حدثت بها من تصدع العرق، وتصدع العرق علة معروفة عند الأطباء، يحدث ذلك عند غلبة الدم، فتتصدع العروق إذا امتلأت تلك الأوعية- انتهى. قلت: لا شك في أن هذا هو مراده ﷺ بذلك الكلام، وما ساق الكلام إلا لأجله، وليس فيما قاله الخطابي، تخصيص لعمومه، ولا تقييد لإطلاقه كما لا يخفى (وليس بحيض) فإن الحيض يخرج من قعر رحم المرأة، فهو إخبار باختلاف المخرجين، وهو رد لقولها: لا أطهر، لأنها اعتقدت أن طهارة الحائض لا تعرف إلا بانقطاع الدم، فكنت بعدم الطهر عن اتصاله، وكانت قد علمت أن الحائض لا تصلي، فظننت أن ذلك الحكم مقترن بجريان الدم، فأبان لها ﷺ أنه ليس بحيض وأنها طاهرة يلزمها الصلاة (فإذا أقبلت حيضتك) بفتح الحاء ويجوز كسرها، والمراد بالإقبال ابتداء دم الحيض، وبالإدبار ابتداء انقطاعها. واعلم أنهم اختلفوا في أن فاطمة بنت أبي حبيش معتادة كانت أو مميزة غير معتادة. فمال البيهقي والترمذي وغيرهما من فقهاء أصحاب الحديث إلى أنها مميزة. قال الترمذي: قال أحمد وإسحق في المستحاضة إذا كانت تعرف حيضها بإقبال الدم وإدباره، فإقباله أن يكون أسود، وإدباره أن يتغير إلى الصفرة، فالحكم فيها على حديث فاطمة بنت أبي حبيش- انتهى. واستدل هؤلاء على كونها مميزة بأول حديث الفصل الثاني، وبقوله: إذا أقبلت حيضتك، في هذا الحديث. قالوا: الحيضة بالكسر، والمراد بها الحالة التي تكون للحيض من قوة الدم في اللون والقوام. وإن كان بالفتح فالمراد بإقبال حيضتها بالصفة. قال بعض الحنفية: لفظ الإقبال والإدبار يؤيد الشافعي في اعتبار اللون، فإنه يعلم منه أن دم الحيض دم متميز بنفسه يعرف إذا أقبل وإذا أدبر، فالإحالة على الدم مشعر بأن دم الطمث مغاير لدم الإستحاضة بنفسه، ومتميز كتمايز سائر الماهيات، ولذا اكتفى بالإحالة على الإسم لأنه كان من الأشياء المتميزة بنفسها كما في رواية: فإنه دم أسود يعرف. قلت: في الاستدلال به على كونها ذات تمييز خفاء لأنه يمكن أن يقال: أن المراد بالحيضة- بالكسر- الحالة التي كانت تحيض فيها، وهي تعرفها، فيكون ردا إلى العادة. وبإقبال حيضتها– بالفتح – إقبال أيام الحيض، أي: وجود الدم في أول أيام العادة، ويؤيده ما في رواية للبخاري من هذا الحديث: فإذا ذهب قدرها، يعني قدر أيم الحيضة وقال من ذهب إلى كونها مميزة: أي: ذهب قدر الحيضة على ما قدره الشارع، أو على ما تراه المرأة باجتهادها، ولا يخفى بعد هذا التأويل بل يبطله ما وقع في رواية أخرى للبخاري أيضاً: ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها. فإنها صريحة في أنه ﷺ ردها إلى عادتها، وبالجملة في الاستدلال بلفظ"إقبال الحيض وإدباره"على كونها مميزة نظر.

стр. 668

فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي)) . متفق عليه. ــ واحتج من ذهب إلى كونها معتادة بروايتي البخاري المتقدمتين، وبما رواه أبوداود وغيره من طريق المنذر عن عروة عن فاطمة أنها سألت رسول الله ﷺ الحديث. وفيه: فانظري إذا أتاك قرءك فلا تصلي وإذا مر قرءك فتطهري، ثم صلي ما بين القرء إلى القرء. والأصل في القرء الوقت المعلوم، ولذلك أطلق على الضدين الحيض والطهر، لأن لكل منهما وقتا. وبما رواه أبوداود أيضاً والدارقطني عن عروة، عن أسماء بنت عميس أن فاطمة أمرتها أن تسأل رسول الله ﷺ فأمر أن تقعد الأيام التي كانت تقعد، ثم تغتسل. قال المنذري: حديث حسن. وبحديث أم سلمة الآتي, فإن المرأة التي استفتت لها أم سلمة هي فاطمة بنت أبي حبيش كما ستقف عليه. والظاهر عندي أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت معتادة متميزة. وكان الدم الأسود في زمن عادتها، أي: اتفقت العادة والتمييز، فردها إلى العادة مرة، وإلى التمييز أخرى، لأنه لم يكن بينهما تخالف ويحتمل كما قال البيهقي: أن كانت لها حالان في مدة استحاضتها حالة تميز بين الدمين، فأمرها بالجوع إلى العادة- انتهى (فاغسلي عنك الدم) أي: واغتسلي. ففي رواية للبخاري: ثم اغتسلي، وصلي. لكن ليس فيها ذكر غسل الدم. وهذا الاختلاف من الرواة، اقتصر بعض الرواة على أحد الأمرين والآخر لوضوحه عنده (ثم صلي) أي: بعد الاغتسال. زاد البخاري في هذه الرواية: ثم توضئ لكل صلاة حتى يجئ ذلك الوقت. والحديث فيه دليل على أن المستحاضة إذا أقبلت حيضتها بالعادة أو بالصفة تعمل على إقبالها، فتترك الصلاة، فإذا انقضى قدرها أي: قدر أيام العادة، أو قدر الحيضة على ما تراه المرأة باجتهادها بحسب قوة الدم ولونه، اغتسلت منه، ثم صار حكم دم الإستحاضة حكم الحدث، فتتؤضأ لكل صلاة لا تصلي بذلك الوضوء أكثر من فريضة واحدة مؤداة أو مقضية، لظاهر قوله: ثم توضئ لكل صلاة. وبهذا قال الجمهور، فوضوء المستحاضة عندهم للصلاة لا للوقت. وأما ما روى أبوحنيفة, عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبي ﷺ قال لفاطمة بنت أبي حبيش: توضئ لوقت كل صلاة. ففي كونه محفوظاً نظر قوي وكلام ظاهر، فإن الطرق الصحيحة كلها قد وردت بلفظ: توضئ لكل صلاة، وأما هذا اللفظ فلم يقع في واحد منها. وقد تفرد به أبوحنيفة، وهو سيء الحفظ كما صرح به ابن عبد البر. وقال بعض الحنفية: لو ثبت لفظ"وقت الصلاة" لم ينفصل منه الأمر أيضا، لأنه يجري البحث بعده في السبب هل هو الصلاة أو الوقت؟ ويسوغ لهم أي: الشافعية أن يقولوا: أن للام للظرف، فوقت الصلاة ظرف للوضوء لا سبب وإنما السبب هو الصلاة كما في قولنا: أتيت فلاناً لخمس مضين من رمضان. فإن اللام فيه للظرف لا للسبب، فالوضوء يجب على المعذور لأجل الصلاة في وقتها عندهم، فصح ما في المعنى لوقت كل صرة على مذهبهم أيضاً- انتهى (متفق عليه) واللفظ للبخاري في باب غسل الدم. وأخرجه أيضاً الترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وغيرهم.

стр. 669

﴿الفصل الثاني﴾ ٥٦٠- (٢) عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش، ((أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ : إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك، فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر، فتوضئ وصلي، فإنما هو عرق)) رواه أبوداود، والنسائي. ــ ٥٦٠- قوله (فإنه) أي: الحيض، أو دمه (يعرف) بصيغة المجهول من المعرفة أي: تعرفه النساء باعتبار لونه، وثخانته، ونتنه. وقيل: بكسر الراء من الأعراف أي: له عرف ورائحة (فإذا كان ذلك) بكسر الكاف، أي: فإذا كان الدم دما أسود. قال القاري: أعاده لطول الفصل كما في قوله تعالى: ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما﴾ [٨٩:٢] وقوله "فإنه دم أسود" استئناف مبين متفرع على كون الدم دم الحيض، ولا يصلح أن يكون تعليلا للجواب المذكور أو المقدر كما قرره ابن حجر، فتدبر (فأمسكي عن الصلاة) من الإمساك أي: أتركيها (فإذا كان الآخر) بفتح الخاء أي: الذي ليس بتلك الصفة بأن كان دما أحمر أو أصفر (فتوضئ) لكل صلاة مفروضة أي: بعد الاغتسال من انقطاع دم الحيض (فإنما هو) أي: الدم الذي هو على غير صفة السواد (عرق) أي: دم عرق انفجر، يقال له: العاذل. يعني دم الإستحاضة يخرج من عرق في أدنى الرحم دون قعره. والحديث فيه دليل على أنه يعتبر التمييز بصفة الدم، فإذا كان متصفا بصفة السواد فهو حيض، وإلا فهو استحاضة. وفيه دلالة على أنه فاطمة كانت مميزة، ولا مانع من اجتماع المعرفتين في حقها وحق غيرها، وقد تقدم الكلام في ذلك (رواه أبوداود) قال حدثنا محمد بن المثنى: عن محمد بن أبي عدي، عن محمد يعني ابن عمرو، قال: ثنى ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش، قال: إنها كانت تستحاض- الحديث. قال أبوداود: قال ابن المثنى: ثنا به ابن عدي من كتابة هكذا، ثم ثنا به بعد حفظا، قال: حدثنا محمد بن عمرو عن الزهري عن عروة، عن عائشة قالت: إن فاطمة كانت تستحاض، فذكر معناه. قال في عون المعبود (ج١:ص١١٥) : والحاصل أن ابن عدي لما حدث ابن المثنى من كتابة حدثه من غير ذكر عائشة بين عروة وفاطمة. ولما حدثه من حفظه ذكر عائشة بين عروة وفاطمة، ولذلك قال ابن القطان: هذا الحديث منقطع. وأجاب ابن القيم بأنه ليس كذلك، فإن محمد بن أبي عدي مكانه من الحفظ والإتقان لا يجهل، وقد حفظه، وحدث به مرة عن عروة عن فاطمة، ومرة عن عائشة عن فاطمة وقد أدرك كلتيهما، وسمع منها بلا ريب، ففاطمة بنت عمه، وعائشة خالته. فالانقطاع الذي رمى به الحديث مقطوع دابره، وقد صرح بأن فاطمة حدثته- انتهى. والحديث أخرجه أيضاً ابن حبان والحاكم وصححاه، وأخرجه أيضاً الدارقطني والبيهقي.

стр. 670

٥٦١- (٣) وعن أم سلمة، قالت: ((إن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله ﷺ فاستفت لها أم سلمة النبي ﷺ . فقال: لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك، فلتغتسل، ثم لتستثفر بثوب، ثم لتصل)) . ــ ٥٦١- قوله: (إن امرأة) هي فاطمة بنت أبي حبيش، سماها حماد بن زيد ووهيب، وعبد الوارث، وسفيان الثوري في روايتهم عن أيوب، عن سليمان بن يسار عند الدارقطني (كانت تهراق) بضم التاء وفتح الهاء وتسكن، أي: تصب، وتهراق هكذا جاء مجهولا، ونائب فاعله ضمير يرجع إلى المرأة، وهاءه بدل من الهمزة. أراق الماء يريقه، وهراقه يريقه بفتح هاء هراقة، ويقال: أهرقته أهرقه إهراقا بجمع بين البدل والمبدل منه كذا في المجمع. وقد تقدم تحقيقه بأبسط من هذا (الدم) بالنصب على التمييز وإن كانت معرفة على تقدير زيادة اللام، أي: تهراق هي الدم، أو منصوب بنزع الخافض، أي: تهراق بالدم، وفي رواية الدماء بالجمع للدلالة على الكثرة. قيل يجوز فيه الرفع على أنه بدل من ضمير تهراق، أو على أنه مسند إليه، والألف واللام بدل من الإضافة، والتقدير تهراق دماءها (فاستفتت لها أم سلمة) هذا قول الراوي عن أم سلمة، أي: سألت لهذه المرأة بأمرها إياها، ففي رواية للدارقطني: أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت، فأمرت أم سلمة أن تسأل لها. وتقدم في حديث عائشة المتفق عليه: أن فاطمة هي السائلة، وفي حديث أسماء بنت عميس الآتي في الفصل الثالث أن السائلة أسماء، ولا تخالف بين هذه الروايات، فإنه يقال: إن فاطمة أمرت أسماء وأم سلمة كلتيهما أن تسألا لها رسول الله ﷺ فسألتا مجتمعتين أو غيرمجتمعتين، وسألت فاطمة بنفسها أيضاً لمزيد التوثق والاحتياط (لتنظر) أي: تتفكر وتعرف (عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن) أي: تحيض فيهن (من الشهر) بيان لهن أو للأيام والليالي. قال الزرقاني: فيه تصريح بأنها لم تكن مبتدأة بل كانت لها عادة تعرفها، وليس فيه بيان كونها مميزة أو غيرها، فاحتج به من قال: أن المستحاضة المعتادة ترد لعادتها ميزت أم لا، وافق تمييزها عادتها أو خالفها-انتهى (قدر ذلك) أي: قدر عادة حيضها (فإذا خلفت ذلك) أي: تركت أيام الحيض التي اعتادتها خلفها، وجاوزتها، ودخلت في أيام الإستحاضة (فلتغتسل) أي: غسل انقطاع الحيض (ثم لتستثقر بثوب) الاستثفار أن تشد فرجها ودبرها بخرقة عريضة بعد أن تحتشى قطنا وتوثق طرفي الخرقة في شيء تشده على وسطها، فتمنع بذلك سيل الدم. وهو مأخوذ من ثقر الدابة الذي يجعل تحت ذهبه (ثم لتصل) بكسر اللام وإسكانها. وفيه دليل على أن الاغتسال إنما هو مرة واحدة عند انقضاء أيام الحيض، وأن حكم المستحاضة حكم الطاهرة في الصلاة، وكذا في الصيام، والقراءة،

стр. 671

رواه مالك، وأبوداود، والدارمي. وروى النسائي معناه. ٥٦٢- (٤) وعن عدي بن ثابت عن أبيه، عن جده، قال يحيى بن معين: ــ وسائر العبادات إجماعاً، وغشيان الزوج إياها إلا أنها توضأ لكل صلاة (رواه مالك، وأبوداود، والدارمي) وأخرجه أيضاً الشافعي وأحمد وابن ماجه والدارقطني والبيهقي، بعضهم حديث نافع وأيوب، فبعضهم قال: عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة، وبعضهم قال: عن سليمان بن يسار، عن رجل، عن أم سلمة، وبعضهم قال: عن سليمان بن يسار، عن رجل. ولم يذكر أم سلمة. ورجح أبوداود رواية من قال: عن سليمان بن يسار عن أم سلمة. قال البيهقي: هو حديث مشهور إلا أن سليمان لم يسمعه ههنا. وكذا قال المنذري. وقد رواه البيهقي أيضاً من طريق موسى بن عقبة، عن سليمان، عن مرجانة، عن أم سلمة. قال الحافظ في التقريب: مرجانة والدة أم علقمة، علق لها البخاري في الحيض، وهي مقبولة. وقال النووي في الخلاصة: حديث صحيح، ولم يلتفت إلى دعوى الانقطاع. وقال الحافظ في التلخيص: قال النووي: على شرطهما وجمع ابن عبد البر بين هذا الإختلاف في الرواية بأنه يحتمل أن سليمان سمع عن رجل، عن أم سلمة، ثم سمعه عن أم سلمة، فحدث به على الوجهين. وقال في الجوهر النقي: ذكر صاحب الكمال أن سليمان سمع من أم سلمة، فيحتمل أنه سمع هذا الحديث عنها وعن رجل عنها. ٥٦٢- قوله: (وعن عدي بن ثابت) الأنصاري الكوفي ثقة، رمى بالتشيع، مات سنة (١١٦) (عن أبيه) هو ثابت الأنصاري والد عدي، ذكره ابن حبان في الثقات. وقال الحافظ مجهول الحال (عن جده) أي: جد عدي صحابي. واختلف في اسمه على أقوال فقيل: اسمه دينار، وقيل عمرو بن أخطيب، وقيل عبيد بن عازب، وقيل: قيس بن الخطيم، وقيل: إنه يعني جده أبوأمه، وهو عبد الله بن يزيد الخطمي، كذا زعم يحيى بن معين فيما حكى الدارقطني. وكذا قال أبوحاتم الرازي، واللالكائي، وغير واحد. وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: ولم يترجح لي في اسم جده إلى الآن شيء من هذه الأقوال كلها، إلا أن أقربها إلى الصواب أن جده هو جده لأمه عبد الله بن يزيد الخطمي. والله أعلم-انتهى. وعبد الله ابن يزيد هو أبوموسى الأوسي الأنصاري الخطمي، صحابي صغير، شهد الحديبية وهو ابن سبع عشر سنة، وشهد الجمل والصفين مع علي. وكان أميرا على الكوفة زمن ابن الزبير. له سبعة وعشرون حديثا، روى له البخاري حديثين (قال يحيى بن معين) بفتح الميم ابن عون الغطفاني المرى مولاهم، أبوزكريا البغدادي، أحد الثقات الحفاظ المشهورين، وأحد أئمة الجرح والتعديل. ولد سنة (١٥٨) ومات بالمدينة النبوية سنة (٢٣٣) وله (٧٧) سنة إلا نحوا من عشرة أيام، وغسل على أعواد النبي ﷺ ، وحمل على سريره ﷺ . مات أبوه فخلف لابنه يحيى هذا ألف درهم وخمسين ألف

стр. 672

جد عدي اسمه دينار عن النبي ﷺ ، أنه قال في المستحاضة: تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تحيض فيها، ثم تغتسل، وتتوضأ عند كل صلاة، وتصوم، وتصلي. رواه الترمذي، وأبوداود. ٥٦٣- (٥) وعن حمنة بنت جحش، قالت: ((كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت النبي ﷺ أستفتيه وأخبره، ــ درهم، فأنفق جميع المال على الحديث، وكتب بيده ستمائة ألف حديث. روى عنه البخاري ومسلم وأبوداود وأحمد وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس هو بحديث وفضائله كثيرة، بسط ترجمته الحافظ في تهذيب التهذيب (ج١١:ص٢٨٠-٢٨٨) وابن خلكان في تاريخه (ج٢:ص٢١٤٠٢١٦) والذهبي في التذكرة (ج٢:ص١٨، ١٧) (جد عدي اسمه دينار) قال الترمذي: سألت محمدا يعني البخاري عن هذا الحديث، فقلت: عدي بن ثابت عن أبيه عن جده، جد عدي ما اسمه؟ فلم يعرف محمد اسمه. وذكرت لمحمد قول يحيى بن معين: اسمه دينار، فلم يعبأ به (قال في المستحاضة) أي: في شأنها (تدع الصلاة) أي: تتركها (أيام أقرائها) جمع قرء وهو مشترك بين الحيض والطهر. والمراد به ههنا الحيض للسباق واللحاق (التي كانت تحيض فيها) أي: قبل أن يصيبها ما أصابها من الإستحاضة (ثم) أي: بعد فراغ زمن حيضها باعتبار العادة (تغتسل) أي: للطهارة من الحيض مرة (وتتوضأ عند كل صلاة) عند كل متعلق بتتوضأ لا بتغتسل. وفيه دليل على أن المستحاضة تتوضأ عند كل صلاة. والحديث ضعيف كما ستعرف، لكن له شواهد، ذكرها الزيلعي في نصب الراية، والحافظ في الدراية، ومنها حديث عائشة في الفصل الأول (وتصوم) أي: الفرض والنفل (رواه الترمذي وأبوداود) وأخرجه أيضاً الدارمي، وابن ماجه كلهم من حديث شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت. وشريك هذا هو ابن عبد الله النخعي قاضي الكوفة، قد تكلم فيه غير واحد، وأبو اليقظان هو عثمان بن عمير الكوفي، وهو ضعيف جداً. قال الحافظ في التقريب: إنه ضعيف، واختلط، وكان يدلس، ويغلو في التشيع. ٥٦٣- قوله: (وعن حمنة) بفتح الحاء المهملة وسكون الميم بعدها نون وهاء (بنت جحش) بتقديم الجيم المفتوحة على الحاء الساكنة بعدها شين معجمة، الأسدية، أخت زينب زوج النبي ﷺ . كانت تحت مصعب بن عمير، فقتل عنها يوم أحد، وخلف عليها طلحة بن عبيد الله. صحابية، لها حديث، وهي أم ولدى طلحة: عمران ومحمد (حيضة) بفتح الحاء، وهو مصدر إستحاض على حد أنبته الله نباتا. ولا يضره الفرق في اصطلاح العلماء بين الحيض والإستحاضة، إذا الكلام وارد على أصل اللغة (كثيرة) في الكمية (شديدة) في الكيفية (أستفتيه وأخبره) الواو لمطلق الجمع، وإلا

стр. 673

فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش، فقلت: يارسول الله! إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما تأمرني فيها؟ قد منعتني الصلاة والصيام. قال: أنعت لك الكرسف، فإنه يذهب الدم. قالت: هو أكثر من ذلك. قال: فتلجمي. قالت: هو أكثر من ذلك. قال: فاتخذي ثوبا. قالت: هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجاً. فقال النبي ﷺ : سآمرك بأمرين، أيهما صنعت أجزأ عنك من الآخر، وإن قويت عليهما فأنت أعلم. قال لها: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام أوسبعة أيام ــ كان حقها أن تقول: أخبره وأستفتيه (فما تأمرني) ما استفهامية (فيها) أي: في حال وجود الحيضة (قد منعتني) استئناف مبين لما ألجأها إلى السؤال. ويمكن أن يجعل حالاً من الضمير المجرور في قولها فيها (الصلاة والصيام) أي: على زعمها (أنعت) أي: أصف (الكرسف) بضم الكاف والسين بينهما راء. أي: القطن وكأنه ينعت لها لتحتشى به فيمنع نزول الدم ثم يقطعه (فإنه يذهب الدم) أي: يمنع خروجه إلى ظاهر الفرج، أو معناه فاستعمليه لعل دمك ينقطع (هو أكثر من ذلك) أي: من أن يكون الكرسف مانعا من الخروج أو قاطعاً (فتلجمى) قال ابن العربي: قوله: تلجمى، كلمة غريبة لم يقع لي تفسيرها في كتاب، وإنما أخذتها استقراء. قال الخليل: اللجام معروف، أخذناه من هذا كأن معناه: افعلي فعلا يمنع سيلانه واسترساله، كما يمنع اللجام استرسال الدابة. وقال الجزري في النهائية: أي: اجعلي موضع الدم عصابة تمنع الدم، تشبيها بوضع اللجام في فم الدابة (فاتخذي ثوبًا) أي: تحت اللجام مبالغة في الاحتياط من خروج الدم (هو أكثر من ذلك) أي: من أن يمنعه (أثج) بضم المثلثة وتشديد الجيم، من ثج الدم والماء لازم ومتعد، أي: أنصب أو أصبه، فعلى الثاني تقديره أثج الدم، وعلى الأول إسناد الثج إلى نفسها للمبالغة، على معنى أن النفس جعلت كأن كلها دم ثجاج، وهذا أبلغ في المعنى (سآمرك) السين للتأكيد (بأمرين) أي: حكمين أو صنعين (أيهما) بالنصب لا غير، والناصب له صنعت قاله أبوالبقاء (أجرأ عنك) أي: أغنى عنك (من الآخر) من بمعنى البدل (وإن قويت عليهما) أي: قدرت على كل واحد منهما (فأنت أعلم) بما تختارينه منهما، فاختاري أيهما شئت (إنما هذه) أي: الثجة أو العلة (ركضة) بفتح الراء أي: دفعة وضربة. والركض الضرب بالرجل والإصابة بها كما تركض الدابة وتصاب بالرجل. أراد الإضرار بها والأذى. والمعنى: أن الشيطان قد وجد بذلك طريقاً إلى التلبيس عليها في أمر دينها وطهرها وصلاتها، حتى أنساها ذلك عادتها، وصار في التقدير كأنه ركضة بآلة من ركضاته، ولا ينافي ما تقدم من أنها عرق يقال: له العاذل، لأنه يحمل على أن الشيطان ركضه حتى انفجر. والأظهر أنها ركضة منه حقيقة إذا لا مانع من حملها عليه (فتحيضي) بتشديد الياء المفتوحة بعد الحاء، أي: التزمي أحكام الحيض، وعدي نفسك حائضا (ستة أيام أو سبعة أيام) قيل: أو للشك من بعض الرواة. وقد ذكر

стр. 674

في علم الله، ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت، فصلي ثلاثاً وعشرين ليلة، أو أربعا وعشرين ليلة وأيامها، وصومي، فإن ذلك يجزئك. وكذلك فافعلي كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن ميقات حيضهن وطهرهن. وإن قوت على ــ النبي ﷺ أحد العددين اعتبار بالغالب من حال نساء قومها. وقيل للتخيير بين كل واحد من العددين، لأنه العرف الظاهر والغالب من أحوال النساء. وقيل: ليس للتخيير بين الستة والسبعة بل للتنويع على معنى اعتبار حالها بحال من هي مثلها وفي مثل سنها من نساء أهل بيتها، فإن كانت عادة مثلها منهن أن تقعد ستا قعدت ستا، وإن سبعا فسبعا فكأنها كانت مبتدأة لم يتقدم لها أيام، ولم تميز بين الدمين ويحتمل أنها كانت معتادة ونسيت أن عادتها كانت ستاً أو سبعا، يعني أنه قد ثبت لها في ما تقدم أيام ستة أو سبعة، إلا أنها قد نسيتها، فلا تدري أيتهما كانت، فأمرها أن تتحرى، وتجتهد، وتبنى أمرها على ما تيقنته من أحد العددين (في علم الله) معناه على قول الشك، أي: في علمه الذي بينه وشرعه لنا، كما يقال: في حكم الله وفي كتاب الله. وقيل معناه ما أمرتك فهو حكم الله. وعلى قول التخيير فيما علم الله من ستة أو سبعة وقيل فيما أعلمك الله من عادات النساء من الست أو السبع. وقيل: في علم الله من أمرك من الست أو السبع، أي: هذا شيء بينك وبين الله، فإنه يعلم ما تفعلين من الإتيان بما أمرتك به أو تركه (ثم اغتسلي) أي: مرة واحدة بعد الستة أو السبعة من الحيض (حتى إذا رأيت) أي: علمت (واستنقأت) من الإستنقاء وهو مبالغة في تنقية البدن وتنظيفه، وهو في نسخ المشكاة كلها مضبوط بالهمزة دون الياء، وهو استعمال جائز ومسموع، إذ أن همزة ما ليس بمهموز كثير في كلام العرب. قال يونس: أهل مكة يخالفون غيرهم من العرب، فيهمزون النبئ. والبرئية، والذرئية والخابئة، نقله السيوطي في المزهر (ج٢:ص١٣٣) وقال الجوهري في الصحاح: (مادة ر ث ى) ابن السكيت. قالت امرأة من العرب: وثأت زوجي بأبيات وهمزت. قال الفراء: ربما خرجت فصاحتهم إلى أن يهمزوا ما ليس بمهموز. قالوا: رثأث الميت ولبأت بالحج وحلأت السويق تحلئة، وإنما هو من الحلاوة- انتهى. فقول أبي البقاء، وصاحب المغرب: أن "استنقأت" بالهمز خطأ. جرأة عظيمة منهما منشأها قصور العلم والإطلاع (فصلى) أي: بالوضوء عند كل صلاة (ثلاثا وعشرين ليلة) يعني وأيامها إن كانت مدة الحيض سبعة (أو أربعا وعشرين ليلة وأيامها) إن كانت مدة الحيض ستة (وصومي) ما شيءت من فريضة وتطوع (فإن ذلك) أي: ما قدر لك من الأيام في حق الصلاة والصوم (يجزئك) أي: يكفيك (وكذلك) أي: مثل ما ذكرت لك الآن (فافعلي كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن) أي: اجعلي حيضك بقدر ما يكون عادة النساء من ستة أو سبع، وكذلك اجعلي طهرك بقدر ما يكون عادة النساء من ثلاث وعشرين أو أربع وعشرين (ميقات حيضهن وطهرهن) نصب على الظرف يعني إن كان وقت حيضهن في أول الشهر فليكن حيضك في ذلك الوقت (وإن قويت

стр. 675

أن تؤخرين الظهر وتعجلين العصر، فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين: الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء. ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين، فافعلي. وتغتسلين مع الفجر، فافعلي، وصومي إن قدرت على ذلك. قال رسول الله ﷺ :وهذا أعجب الأمرين إلى)) . ــ على أن تؤخرين الظهر) فتأتي بها في آخر وقتها قبل خروجه (وتعجلين العصر) فتأتي به في أول وقته، فتكون قد أتت بكل صلاة في وقتها، وجمعت بينهما جمعاً صورياً (وتجمعين بين الصلاتين) أي: بغسل واحد (الظهر والعصر) بالجر بدل، ويجوز الرفع والنصب، وإثبات النون في أن تؤخرين وتعجلين بإهمال أن الناصية، تشبيهها لها بما المصدرية. قال في الألفية: وبعضهم أهمل أن حملاً على ... ... ما أختها حيث استحقت عملا قال ابن حجر: الظاهر أن كلمة أن مصدرية لكنها لا تنصبه حملا على ما المصدرية. ومنه قراءة مجاهد ((لمن أراد أن الرضاعة-٢٣٣:٢)) بضم الميم، كما أن ما قد تنصب حملا على أن. ومنه كما تكونوا يولى عليكم، وفي رواية أخرجها الديلمي من حديث أبي بكرة مرفوعا، وأخرجها البيهقي بلفظ: يؤمر عليكم، وبحذف أبي بكرة، وقال: إنه منقطع، وفي طريقه يحيى بن هاشم، وهو في عداد من يضع، ويجوز أن تكون مخففة من الثقيلة. وارجع للتفصيل إلى شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح (ص١١٨، ١١٧) (وتغتسلين مع الفجر، فافعلي) هذا تأكيد، والشرطية باعتبار المجموع (وصومي) أي: في هذه المدة التي تصلي فرضا ونفلا (إن قدرت على ذلك) بدل من الشرط الأول هذا، والجمع بين الصلاتين بغسل واحد هو الأمر الثاني، بدليل قوله: وهذا أعجب الأمرين إلى. وأما الأمر الأول، فقيل: هو الوضوء لكل صلاة بعد الاغتسال عن الحيض بمرور الستة أو السبعة الأيام، فإن في صدر الحديث سآمرك بأمرين، ثم ذكر لها الأمر الأول أنها تحيض ستا أو سبعا، ثم تغتسل وتصلي، وقد علم أنها توضأ لكل صلاة، لأن استمرار الدم ناقض للوضوء، فلم يذكره في هذه الرواية. وقد ذكره في غيرها. ثم ذكر الأمر الثاني من جمع الصلاتين. وقيل: الأمر الأول هو الاغتسال لكل صلاة. قلت: لم يصرح في حديث حمنة هذا بالوضوء لكل صلاة، ولا بالاغتسال لكل صلاة. والظاهر عندي هو القول الأول، وإليه ذهب الأمير اليماني، وأبو الطيب السندي، والإمام الشافعي. ورجح شيخنا في شرح الترمذي أن الأمر الأول هو الاغتسال لكل صلاة، وبه فسر القاري وغيره مستدلاً بما ورد في روايات قصة أم حبيبة المفسرة عند أبي داود وغيره، ولا يخفى ما فيه. قال القاري: وتعليقه ﵊ هذا بقوتها لا ينافي قوله: السابق: وإن قويت عليهما، لأن ذلك لبيان أنها إذا قويت عليهما تختار ما شاءت. وهذا لبيان أنها إذا قويت عليهما تختار الأحب إليه ﵊ (وهذا) أي: الجمع بين الصلاتين بغسل واحد (اعجب الأمرين إلى) الحديث قد استدل به على

стр. 676

رواه أحمد وأبوداود والترمذي. ﴿الفصل الثالث﴾ ٥٦٤- (٦) عن أسماء بنت عميس، قالت ((قلت: يارسول الله! إن فاطمة بنت أبي حبيش أستحيضت منذ كذا وكذا فلم تصل. فقال رسول الله ﷺ : سبحان الله! ــ أن المستحاضة ترجع إلى الغالب من عادة النساء. ولا مخالفة بينه وبين الأحاديث القاضية بالرجوع إلى عادة نفسها، كحديث أم حبيبة وغيرها، والقاضية بالرجوع إلى التمييز بصفات الدم كحديث عروة عن فاطمة بنت أبي حبيش، فإنه يحمل هذا الحديث على عدم معرفتها لعادتها، وعدم إمكان التمييز بصفات الدم. وحاصل الكلام في المستحاضة: أنها إن كانت معتادة ترجع إلى عادتها المعروفة، سواء كانت مميزة أو غير مميزة لحديث أم حبيبة عند مسلم وغيره، ففيه: امكثى قدر ما كانت تحبسك حيضتك. وإن كانت غير معتادة وهي مميزة تعمل بالتمييز لحديث: إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف. وإن كانت مبتدأة غير مميزة لا عادة لها ولا تمييز، أو كانت معتادة لكنها نسيت عادتها، ترجع إلى عادة النساء القرائب. فإن اختلفت عادتهن فالاعتبار بالغالب منهن. فإن لم يوجد غالب، تحيضت ستا أو سبعا كما أمر رسول الله ﷺ حمنة بنت جحش. والله أعلم (رواه أحمد) (ج٦:ص٤٣٩، ٣٨٢، ٣٨١) (وأبوداود والترمذي) وأخرجه أيضاً الشافعي في الأم (ج١:ص٥٢، ٥١) وابن ماجه، والدارقطني (ص٧٩) والحاكم (ج١:ص١٧٣، ١٧٢) والبيهقي (ج١:ص٣٣٩، ٣٣٨) كلهم من طريق عبد الله بن محمد عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمران ابن طلحة، عن أمه حمنة. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وسألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن. وهكذا قال أحمد بن حنبل: هو حديث صحيح – انتهى. وقال أبوداود: سمعت أحمد يقول: حديث ابن عقيل في نفسي منه شيء. وهذا يخالف ما نقله الترمذي عنه هنا من تصحيحه. وأجيب عنه بأنه يمكن أن يكون قد كان في نفسه من الحديث شيء، ثم ظهرت له صحته. وقيل: لعله يريد أن في نفسه شيئاً من جهة الفقه، والاستنباط، والجمع بينه وبين الأحاديث الأخرى، وإن كان صحيحا ثابتا عنده من جهة الإسناد. ٥٦٤- قوله: (عن أسماء بنت عميس) بالمهملتين مصغرا الخثعمية من المهاجرات الأول، وأخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين لأمها، هاجرت مع زوجها جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، ثم تزوجها أبوبكر، ثم علي بن أبي طالب، وولدت لهم. كان عمر يسألها عن تعبير الرؤيا. ولما بلغها قتل محمد بن أبي بكر جلست في مسجدها، وكظمت غيظها حتى شخبت ثديا هادما. لها ستون حديثا انفرد له البخاري بحديث. ماتت بعد علي (منذ كذا وكذا) أي: سبع سنين (فلم تصل) ظنا منها أن الإستحاضة تمنع الصلاة كالحيض (سبحان الله) قاله تعجبا من تركها الصلاة بمجرد ظنها المذكور من غير أن تراجعه

стр. 677

إن هذا من الشيطان. لتجلس في مركن، فإذا رأت صفارة فوق الماء، فلتغتسل للظهر والعصر غسلاً واحداً، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلاً واحداً، وتغتسل للفجر غسلاً واحداً، وتوضأ في ما بين ذلك)) رواه أبوداود. ــ ﵊ في ذلك (إن هذا) أي: أمر الإستحاضة، وترك الصلاة بها (من الشيطان) أي: من ركضه وتسويله (لتجلس) أمر (في مركن) أي: فيه ماء وهو بكسر الميم وفتح الكاف، إناء كبير يغسل فيه الثياب (فإذا رأت صفارة) كذا وقع في نسخ المشكاة كلها صفارة بزيادة الألف بعد الفاء، والذي في سنن أبي داود صفرة بغير ألف (فوق الماء) أي: فوق الماء الذي تجلس فيه فإنه تظهر الصفرة فوق الماء فعند ذلك تصب الماء للغسل خارج المركن. وفائدة الجلوس في المركن أن يعلو الدم الماء، فيظهر به تمييز دم الإستحاضة من غيره، فإنه إذا علا الدم الأصفر فوق الماء فهي مستحاضة، وإذا علا الدم الأسود فهو حيض، فهذه هي النكتة في الجلوس في المركن. وأما الغسل فخارج المركن لا فيه في الماء النجس، قاله الأمير اليماني (فلتغتسل للظهر والعصر غسلاً واحداً، وتغتسل) بالجزم عطف على المجزوم (وتغتسل للفجر غسلاً واحداً) جاء بطريق المشاكلة (وتوضأ) بحذف أحد التائين) فيما بين ذلك) أي: فيما بين الظهر والعصر للعصر، وفيما بين المغرب والعشاء للعشاء، لأنها صاحبة عذر، وهي مأمورة بالوضوء لكل صلاة. وهذا الحديث وحدي حمنة المتقدم فيهما الأمر بالاغتسال في اليوم والليلة ثلاث مرات، وقد بين في حديث حمنة أن المراد إذا أخرت الظهر والمغرب، ومفهومه أنه إذا وقتت اغتسلت لكل فريضة. وقد اختلفوا فيه، فروى عن بعض العلماء أنه يجب عليها الاغتسال لكل صلاة. واستدل بما روى أبوداود والبيهقي وغيرهما أن النبي ﷺ قال لها: اغتسلي لكل صلاة. وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف إلى أنه لا يجب عليه الاغتسال لشيء من الصلوات، ولا في وقت من الأوقات إلا مرة واحدة في وقت انقطاع حيضها. وقالوا: رواية الأمر بالاغتسال لكل صلاة ضعيفة، غير ثابتة، قد بين البيهقي ومن قبله ضعفها. وقيل: بل هي منسوخة بحديث فاطمة بنت أبي حبيش أنها توضأ لكل صلاة. وقيل: إن حديث تعدد الغسل محمول على الندب والاستحباب. واختاره أحمد، وجنح إليه الشافعي بقرينه عدم أمر فاطمة به، واقتصار على أمرها بالوضوء، فالوضوء هو الواجب. وقيل: محمول على العلاج، والتبريد، وتقليل الدم. قلت: القول الراجح عندي أن أحاديث تعدد الغسل محمولة على الاستحباب. قال ابن قدامة في المغنى: قوله: ﷺ لفاطمة "توضئ لكل صلاة" يدل على أن الغسل كل يوم بعد الغسل عند انقطاع الحيض، ثم تتوضأ لكل صلاة، وهو أقل المأمور، ويجزئه إن شاءالله-انتهى مختصراً (رواه أبوداود) وسكت عنه. وقال المنذري: حسن.

стр. 678

٥٦٥- (٧) وقال: روى مجاهد عن ابن عباس: لما اشتد عليها الغسل، أمرها أن تجمع بين الصلاتين. ــ ٥٦٥- قوله: (وقال) أي: أبوداود (روى مجاهد) هو مجاهد بن جبر – بفتح الجيم وسكون الباء- الإمام أبوالحجاج المخزومي مولاهم، المكي المقرئ المفسر الحافظ، مولى السائب بن أبي السائب المخزومي. ولد سنة (٢١) في خلافة عمر سمع سعداً وعائشة وأبا هريرة وعبد الله بن عمر وابن عباس، ولزمه مدة، وقرأ عليه القرآن. وكان أحد أوعية العلم. روى عنه أنه قال: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، أقف عند كل آية أسأله فيم نزلت وكيف كانت؟ قال الذهبي: أجمعت الأمة على إمامة مجاهد، والاحتجاج به. وقال ابن سعد: كان ثقةً فقيهاً عالماً، كثير الحديث، من الطبقة الوسطى من تابعي مكة، وفقهاءها، وقراءها، والمشهورين بها. مات بمكة سنة (١٠٢) أو (١٠٣) أو (١٠٤) وهو ساجد، وقد بلغ (٨٣) سنة (عن ابن عباس) وصل الطحاوى هذا التعليق بسنده عن مجاهد عن ابن عباس (لما اشتد عليها) أي: على المستحاضة التي سألت عنه حكمها، واعتذرت بأن أرضنا أرض باردة (الغسل) أي: لكل صلاة (أمرها) أي: ابن عباس (أن تجمع بين الصلاتين) أي: جمعاً صورياً بغسل واحد.

стр. 679

(٤) كتاب الصلاة ﴿الفصل الأول﴾ ٥٦٦- (١) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)) رواه مسلم. ــ (كتاب الصلاة) كان فرض الصلوات الخمس ليلة المعراج قبل الهجرة، وكانت الصلاة قبل الإسراء صلاتين، صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها. قال تعالى: ﴿وسبح بحمد ربك بالعشى والإبكار﴾ [٥٥:٤٠] واختلفوا في اشتقاق الصلاة، فقيل: من الصلاة بمعنى الرحمة، وقيل: بمعنى الدعاء، وقيل: من الصلوين، وهما عرقان في الردف ينحنيان في الصلاة، وقيل: من الصلى وهو دخول الناء. ونقل الإمام ابن القيم في بدائع الفوائد عن السهيلي كلاماً حسناً في اشتقاق الصلاة، فارجع إليه. ٥٦٦- قوله: (الصلوات الخمس) أي: بعضها إلى بعض، ففي رواية لأحمد: الصلاة إلى الصلاة التي قبلها كفارة (والجمعة) أي: صلاتها (إلى الجمعة) أي: منتهية إلى الجمعة، أو منضمة إليها. وعلى هذا قوله: (ورمضان) أي: صومه (إلى رمضان) وقوله: (مكفرات لما بينهن) أي: ن الذنوب، خبر عن الكل و"مابينهن" معمول لاسم الفاعل، قاله الطيبي. والتكفير التغطية، والمراد هنا المحو (إذا اجتنبت الكبائر) على صيغة المجهول، شرط جزاءه محذوف دل عليه ما قبله. وقيل إذا لمجرد الظرفية، فمعنى قوله: إذا اجتنبت الكبائر. أي: وقت اجتنابها. والحديث بظاهره يفيد أن التكفير مشروط باجتناب الكبائر، فإن لم يجتنبها لم تكفر الصغائر، ومثله قوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيآتكم﴾ [٣١:٤] . وهذا إنما يلزم عند من يقول بالمفهوم. وأما من لم يقل بمفهوم المخالفة، فأمر تكفير الصغائر وقت ارتكاب الكبائر مسكوت عنده، وقد علم من الأدلة الأخرى أنه تغفر الصغائر بالطاعات وإن لم يجتنب الكبائر. وقيل في توجيه الآية: أن محو الصغائر لمن اجتنب الكبائر وعد مقطوع به، ومحوها لمن تعاطى الكبائر ليس كذلك، بل في مشيئته وإرادته تعالى. وقال النووي: معنى الحديث: أن ما بينهن من الذنوب كلها مغفور إلا الكبائر لا يكفرها إلا التوبة، أو فضل الله. هذا مذهب أهل السنة، ذكره القاري. وقال الشيخ محمد طاهر الفتني: لا بد في حقوق الناس من القصاص ول صغيرة، وفي الكبائر من التوبة. ثم ورد المغفرة في الصلوات الخمس والجمعة ورمضان، فإذا تكرر يغفر بأولها الصغائر، وبالبواقي يخفف عن الكبائر، وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة يرفع بها الدرجات-انتهى (رواه مسلم) في الطهارة وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي في الصلاة.

стр. 680

٥٦٧- (٢) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمساً، هل يبقى من درنة شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحوالله بهن الخطايا)) . متفق عليه. ــ ٥٦٧- قوله: (أرأيتم لو أن نهراً) بفتح الهاء وسكونها (يغتسل) أي: أحدكم (فيه) أي: في النهر (خمساً) أي: خمس مرات (هل يبقى من درنة شيء) بفتح الدال والراء أي: وسخه، ومن زائدة، وقيل بيانية. قال الطيبي: لو الامتناعية تقتضي أن تدخل على الفعل الماضي، وأن يجاب. والتقدير لو ثبت نهر بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات لما بقى من درنة شيء. فوضع الاستفهام موضعه تأكيدا وتقريرا، إذ هو في الحقيقة متعلق الاستخبار، أي: أخبروني هل يبقى لو كان كذا؟ ومن في قوله:"من درنة" استغراقية زائدة لما دخل في حين الاستفهام، ودرنه مفعول يبقى، وفيه مبالغة في نفي درن الذنوب ووسخ الآثام-انتهى (فذلك) أي: النهر المذكور أو الغسل فيه خمس مرات. قال الطيبي: الفاء جزاء شرط محذوف، أي: إذا أقررتم ذلك وصح عندكم فهو مثل الصلوات (مثل الصلوات) فتح الميم والمثلثة، فيكون تشبيه المعقول – أي: الصلاة – بالمحسوس – أي: الغسل في النهر – وهو الظاهر. وقيل بكسر الميم وسكون الثاء، فيكون تشبيه الغسل بالصلاة، لكن المقصود تشبيه الصلاة بالغسل وإنما عكس في اللفظ مبالغة. قال القاري: عكس في التشبيه حيث أن الأصل تشبيه المعقول بالمحسوس مبالغة يمحوالله بهن الخطايا) أي: الصغائر. والجملة مبنية لوجه الشبه قال ابن العربي: وجه التمثيل أن المرء كما يتدنس بالأقذار المحسوسة في بدنه وثيابه، ويطهره الماء الكثير، فكذلك الصلوات تطهر العبد عن أقذار الذنوب حتى لا تبقى له ذنبا إلا أسقطته – انتهى. وظاهر الحديث أن المراد بالخطايا ما هو أعم من الصغيرة والكبيرة، لكن الحديث المتقدم يدل على أن المراد بها هي الصغائر دون الكبائر. وقال السندي: خصها العلماء بالصغائر ولا يخفى أنه بحسب الظاهر لا يناسب التشبيه بالنهر في إزالة الدرن، إذ النهر المذكور لا يبقى من الدرن شيئاً أصلا. وعلى تقدير أن يبقى، فإبقاء القليل والصغير أقرب من إبقاء الكثير والكبير، فاعتبار بقاء الكبير وارتفاع الصغير قلب لما هو المعقول نظرا إلى التشبيه، فلعل ما ذكروا من التخصيص مبنى على أن للصغائر تأثيرا في درن الظاهر فقط، كما يدل عليه ما ورد في خروج الصغائر من الأعضاء عند التوضوء بالماء بخلاف الكبائر، فإن لها تأثيرا في درن الباطن كما يفيده بعض الأحاديث أن العبد إذا ارتكب المعصية تحصل في قلبه نكتة سوداء، ونحو ذلك. وقد قال تعالى ﴿بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ [١٤:٨٣] فكما أن الغسل يذهب بدرن الظاهر دون الباطن، فكذلك الصلاة. فتفكر-انتهى (متفق عليه) واللفظ المذكور لمسلم إلا أن فيه: يغتسل منه كل يوم خمس مرات. وفي لفظ البخاري بعض ما يتفاوت ذلك اللفظ. والمؤلف ربما ينسب الحديث إلى الشيخين، ويحكم بكونه متفقا عليه مع تفاوت في لفظهما، نظرا إلى أصل الحديث. وقد يصرح بالاختلاف. ولعل ذلك فيما يفحش التفاوت. والحديث أخرجه أيضاً الترمذي

стр. 681

٥٦٨- (٣) وعن ابن مسعود، قال: ((إن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فأتي النبي ﷺ فأخبره، فأنزل الله تعالى: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل، إن الحسنان يذهبن السيئات﴾ فقال الرجل: يارسول الله! ألي هذا؟ قال: لجميع أمتي كلهم. وفي رواية: لمن عمل بها من أمتي)) ــ في الأمثال، والدارمي في الصلاة، وفي الباب عن جابر عند مسلم، والدارمي، وعثمان عند ابن ماجه. ٥٦٨- قوله: (إن رجلاً) هو أبواليسر بفتحتين كعب بن عمرو الأنصاري أخرج قصته الترمذي، والنسائي، البزار عنه، قال: أتتني امرأة تبتاع تمراً فقلت: إن في البيت تمراً أطيب منه، فدخلت معي في البيت، فأهويت إليها، فقبلتها-الحديث. وقيل: اسم هذا الرجل نبهان التمار. ذكر قصته عبد الغني بن سعيد الثقفي أحد الضعفاء في تفسيره عن ابن عباس. وقيل: عمرو بن غزية. وقيل: عامر بن قيس. وقيل: عباد. قال الحافظ: وأقوى الجميع أنه أبواليسر، واسمه كعب بن عمرو الأنصاري السلمي، مشهور باسمه وكنيته، شهد العقبة، وبدرا وله فيها آثار كثيرة، وهو الذي أسر العباس، كان قصيرا، دحداحا، عظيم البطن. مات بالمدينة سنة (٥٥) (أصاب من امرأة) أنصارية وهي حال من قوله: (قبلة) بضم القاف أي: من غير مجامعه (فأتى النبي ﷺ ) بعد أن ندم على فعله، وعزم على تلافي حاله عملا بقوله تعالى: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك﴾ الآية [٦٤:٤] (فأخبره) أي: بالواقعة (فأنزل الله تعالى) قال الطيبي: الفاء عطف على مقدر أي: فأخبره، فسكت رسول الله ﷺ ، فصلى الرجل، فأنزل الله، يدل عليه الحديث الآتي (وأقم الصلاة طرفي النهار) أي: الغداة والعشى، أي: الصبح والظهر والعصر (وزلفا) جمع زلفة أي: طائفة (من الليل) أي: المغرب والعشاء. قال: في المدارك ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار﴾ غدوة وعشية (وزلفات من الليل) وساعات من الليل جمع زلفة، وهي ساعة القريبة من آخر النهار، من أزلفة إذا قربه. وصلاة الغدوة الفجر. وصلاة العشية الظهر والعصر، لأن ما بعد الزوال عشى. وصلاة الزلف المغرب والعشاء-انتهى. وقيل في تفسير "كرفي النهار والزلف" غير ذلك. والأقرب عندي ما نقلته من المدارك. واستدل مغلطائي الحنفي بقوله: (زلفا من الليل) على وجوب الوتر، لأن زلفا جمع وأقله الثلاث، فلا بد أن تكون هناك صلاة ثالثة، وهي الوتر. قال بعض الحنفية: لا دليل في الآية على وجوب الوتر. أما جمعية الزلف فهي باعتبار وقوع العشاء في هذه الحصة تارة وتارة في الحصة الأخرى، فكانت باعتبار حصص الليل وساعاته من حيث تعجيل العشاء وتأخيره-انتهى (إن الحسنات) أي: كالصلوات الخمس (يذهبن) أن يكفرن (السيئات) أي: الصغائر لحديث أبي هريرة السابق (ألي هذا؟) هذا مبتدأ و"لي" خبره، والهمزة حرف الاستفهام لإرادة التخصيص، أي: مختص لي هذا الحكم أو عام لجميع المسلمين؟ (كلهم) تأكيد بعد تأكيد ليشمل الموجودين والمعدومين، أي: هذا لهم وأنت منهم (وفي رواية) للشيخين عن ابن مسعود أيضاً كما أفاده تأخير المصنف قوله: متفق عليه إلى ما بعدها (لمن عمل بها) أي: بهذه الآية بأن فعل حسنة بعد سيئة. واستدل بهذا الحديث على عدم

стр. 682

متفق عليه. ٥٦٩- (٤) وعن أنس، قال: ((جاء رجل فقال: يارسول الله! إني أصبت حداً فأقمه علي. قال: ولم يسأله عنه. وحضرت الصلاة، فصلى مع رسول الله ﷺ . فلما قضى النبي ﷺ الصلاة، قام الرجل، فقال: يارسول الله! إني أصبت حداً فأقم في كتاب الله. قال: أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم. قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك أو حدك)) متفق عليه. ــ وجوب الحد في القبلة واللمس ونحوهما، وعلى سقوط التعزير عمن أتى شيئاً منها وجاء تائباً نادماً (متفق عليه) أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة، وفي تفسير سورة هود، ومسلم في التوبة، وأخرجه أيضاً الترمذي في التفسير، وابن ماجه في الصلاة، واللفظ المذكور للبخاري في مواقيت الصلاة. ٥٦٩- قوله: (جاء رجل فقال: يارسول الله! إني أصبت حداً) أي: موجبه على حذف المضاف، أي: فعلت شيئاً يوجب الحد (فأقمه) أي: الحد، والمراد حكم الله (علي) قال الحافظ في الفتح: لم أقف على اسم هذا الرجل، ولكن من وحد بين هذه القصة والتي في حديث ابن مسعود فسره به، وليس بجيد لاختلاف القصتين، وعلى التعدد جرى البخاري في هاتين الترجمتين، فحمل الأولى على من أقر بذنب دون الحد للتصريح بقوله: غير أني لم أجامعها. وحمل الثانية على ما يوجب الحد، لأنه ظاهر قول الرجل، وأما من وحد بين القصتين، فقال: لعله ظن ما ليس بحد حداً، أو استعظم الذي فعله، فظن أنه يجب فيه الحد-انتهى. ولحديث أنس هذا شاهد من حديث أبي أمامة عند مسلم، وابن جرير (ولم يسأله عنه) أي: لم يستفسر رسول الله ﷺ الرجل عن موجب الحد ما هو؟ لأنه قد يدخل في التجسس المنهى عنه، أو إشارا للستر. ويحتمل أن يكون ﷺ اطلع بالوحي على أن الله قد غفر له، لكونها واقعة عين، وإلا لكان يستفسره عن الحد، ويقيمه عليه. قال الخطابي، وجزم النووي، وجماعة: أن الذنب الذي فعله كان من الصغائر بدليل قوله: إنه كفرته الصلاة، بناء على أن الذي تكفر الصلاة من الذنوب الصغائر لا الكبائر. وترجم البخاري على هذا الحديث بقوله: إذا أقر بالحد، ولم يبين هل للإمام أن يستر عليه؟ قال الحافظ: ظاهر ترجمته حمله على من أقر بحد ولم يفسره فإنه لا يجب على الإمام أن يقيمه عليه إذا تاب، أي: وكان موجب الحد مخفيا (فلما قضى النبي ﷺ الصلاة) أي: أداها وانصرف عنها (قام الرجل) وفي البخاري، قال: إليه الرجل (فأقم في) أي: في حقي (كتاب الله) أي: حكم الله من الكتاب والسنة، أو ما حكم به الله تعالى في كتابه من الحد (أو حدك) شك من الراوي أي: سبب حدك (متفق عليه) أخرجه البخاري في المحاربين، ومسلم في التوبة، واللفظ البخاري.

стр. 683

٥٧٠- (٥) وعن ابن مسعود، قال: ((سألت النبي ﷺ أي: الأعمال أحب إلى الله؟ قال: الصلاة لوقتها. قلت: ثم أى؟ بر الوالدين. قلت: ثم أى؟ قال: الجهاد في سبيل الله. قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني)) . متفق عليه. ــ ٥٧٠- قوله: (أي: الأعمال) أي: البدنية، فلا يعارض "أفضل الأعمال الإيمان بالله" كذا قيل (الصلاة لوقتها) أي: في وقتها المندوب، فاللام فيه بمعنى في، لأن الوقت ظرف لها. قال تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾ [٤٧:٢١] أي: فيه. وفي رواية للشيخين على وقتها. قيل على بمعنى اللام، ووقع في رواية الحاكم والدارقطني والبيهقي: في أول وقتها، وهي رواية صحيحة صححها الحاكم ووافقه الذهبي، وأخرجها ابن خزيمة في صحيحه. قيل: رواية لوقتها باللام تفيد معنى لفظ أول، لأن اللام لاستقبال وقتها كقوله: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ [١:٦٥] أي: مستقبلات لعدتهن، ومعلوم ضرورة شرعية أن الصلاة لا تصح قبل دخول الوقت، فتعين أن المراد لاستقبالكم الأكثر من وقتها، وذلك بالإتيان بها في أول وقتها. ورواية "على وقتها" أيضاً تفيد ذلك، لأن كلمة "على" تقتضي الاستعلاء على جميع الوقت. وفائدته تحقق دخول الوقت ليقع الأداء فيه. وعورض تفضيل الصلاة في أول وقتها على ما كان منها في غيره بحديث العشاء، وبأحاديث الإبراد بالظهر عند القائلين بأفضلية الإبراد. والجواب أن ذلك تخصيص لعموم أول الوقت، ولا معارضة بين عام وخاص، هذا. وقد وردت أحاديث أخرى في أنواع من أعمال البر بأنها أفضل الأعمال، وهي تعارض حديث ابن مسعود هذا ظاهرا. وأجيب بأنه ﷺ أخبر كل مخاطب بما هو أليق به وهو به أقوم، وإليه أرغب، ونفعه فيه أكثر، فالشجاع أفضل الأعمال في حقه الجهاد، فإنه أفضل من تخليه للعبادة، والغنى أفضل الأعمال في حقه الصدقة وغير ذلك. أو كان الاختلاف في الجواب بإختلاف الأوقات بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره، فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال لأنه الوسيلة إلى القيام بها، والتمكن من أدائها وقد تضافرت النصوص على أن الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضل. أو أن كلمة من مقدرة، والمراد من أفضل الأعمال. أو كلمة أفضل لم يرد به الزيادة بل الفضل المطلق. وأجاب الطحاوي عن هذا الإشكال بجواب آخر أطال في تقريره، إن شيءت الوقوف عليه فارجع له إلى مشكله (ثم أى) بالتشديد والتنوين، وثم لتراخى الرتبة لا لتراخي الزمان، أي: ثم بعد الصلاة أيها أحب وأفضل (بر الوالدين) بكسر الباء وتشديد الراء الإحسان، وبر الوالدين ضد العقوق، وهو الإساءة وتضييع الحقوق (حدثني بهن) أي: بهذه الأشياء الثلاثة (ولو استزدته) أي: طلبت منه الزيادة في السؤال يعني لو سألته أكثر من هذا (لزادني) في الجواب (متفق عليه) أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة، والجهاد، والأدب والتوحيد. ومسلم في الإيمان. وأخرجه أيضاً الترمذي في الصلاة، وفي البر والصلة. والنسائي والدارمي في الصلاة. وأبوداود الطيالسي في مسنده. واعلم أن هذا الحديث ليس مروياً في الصحيحين بعين هذا اللفظ وتمامه الذي ذكره المؤلف تبعاً للبغوي، بل اللفظ المذكور

стр. 684

٥٧١- (٦) وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة)) ــ لا يوافق رواية من روايات غيرهما أيضاً. وكأن البغوي أخذ شيئاً من رواية وشيئاً من رواية أخرى، وجعل المأخوذ المجموع سياقاً واحد، وهذا كما ترى ليس مما ينبغي، بل كان عليه أن يورد رواية واحدة معينة للحديث، ثم يذكر الاختلاف في ألفاظها إن كان، هذا هو الطريق الصحيح في نقل الرواية. والعجب من صاحب المشكاة أنه لم يتنبه لذلك، أو تنبه لكن لم يعد صنيع البغوي هذا مخالفاً للقاعدة. ٥٧١- قوله: (بين العبد) أي: المسلم وفي حكمه المسلمة (وبين الكفر) كرر بين لمزيد التأكيد (ترك الصلاة) مبتدأ مؤخر، والظرف المقدم خبره، ومتعلقة محذوف تقديره: ترك الصلاة وصلة بين العبد والكفر، والمعنى أنه يوصله إليه، وبهذا التقدير زال الإشكال، فإن المتبادر أن الحاجزين الإيمان والكفر فعل الصلاة لا تركها. وقيل: المعنى الفارق بين المؤمن والكافر ترك الصلاة، لوجوده في الكافر دون المؤمن، فإن من حق ما به الفرق أن يوجد في أحد الطرفين دون الآخر، فترك الصلاة فارق بينهما لتحققه في الكافر دون المؤمن، وقال السندهي في حاشية ابن ماجه: مثل هذه العبارة كما يستعمل في المانع الحائل بين الشيئين كذلك يستعمل في الوسيلة المفضية لأحدهما إلى الآخر. وفي الحديث من هذا القبيل، فلا يرد أن الحائل بينهما هي الصلاة، فإنها تمنع العبد من الوصول إلى الكفر لا تركها، فليتأمل. ومثل هذا قول القائل بينك وبين مرادك الاجتهاد، وليس هو نظير قوله تعالى: ﴿ومن بيننا وبينك حجاب﴾ [٥:٤١] وقوله: ﴿وجعل بين البحرين حاجزاً﴾ [٦١:٢٧] انتهى. واللفظ المذكور لفظ ابن ماجه. ولفظ مسلم: بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة. قال النووي معناه أي: الذي يمنع من كفره كونه لم يترك الصلاة، فإذا ترك لم يبق بينه وبين الشرك حائل، بل دخل فيه. ثم إن الشرك والكفر قد يطلقان بمعنى واحد، وهو الكفر بالله تعالى. وقد يفرق بينهما فيكون الكفر أعم من الشرك-انتهى. وعلى هذا عطف الكفر على الشرك في رواية مسلم عطف عام على خاص. والحديث يدل على أن ترك الصلاة من موجبات الكفر، ولا خلاف بين المسلمين في كفر من ترك الصلاة منكرا لوجوبها إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو لم يخالط المسلمين مدة يبلغه فهيا وجوب الصلاة. وإن كان تركه لها تكاسلا مع اعتقاده لوجوبها كما هو حال كثير من الناس، فقد اختلف العلماء فيه، فذهب أحمد وإسحق، وبعض المالكية، وبعض الشافعية إلى أنه يكفر وتمسكوا بحديث جابر هذا وبحديث بريدة في الفصل الثاني، وبأحاديث عبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن شقيق، وأبي الدرداء في الفصل الثالث وبأحاديث أخرى وردت بتكفيره، ذكرها الحافظ في التلخيص (ص١٧٢) والهيثمي في مجمع الزوائد (ج١:ص٢٩٥) والمنذري في الترغيب (ج١:ص١٦٤-١٦٦) وذهب مالك والشافعي إلى أنه لا يكفر بل يفسق، فإن تاب وإلا قتل حدا كالزاني المحصن، ولكنه يقتل بالسيف. وذهب صاحب الرأي: إلى أنه لا يكفر، ولا يقتل، بل يعزر، ويحبس حتى يصلى. ومن أقوى ما يستدل به على عدم كفره حديث عبادة الآتي، وقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء-١١٦-٤)) وحمل القائلون بعدم كفره الأحاديث

стр. 685

رواه مسلم. ﴿الفصل الثاني﴾ ٥٧٢- (٧) عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : ((خمس صلوات افتراضهن الله تعالى من أحسن وضوءهن، وصلاهن لوقتهن، ولم أتم ركوعهن وخشوعهن، ــ الفاضية بكفره على من تركها جحداً. وقال بعضهم: هي محمولة على التغليظ والتهديد، أو على أنه قد يؤل به إلى الكفر، أو أن فعله شابه فعل الكفار. والحق عندي: أن تارك الصلاة عمداً كافر ولو لم يجحد وجوبها، لصحة الأحاديث في إطلاق الكفر عليه، لكنه كفر دون كفر أي: لم يرد بهذا الكفر كفراً يرده إلى ما كان عليه في الإبتداء، ففي الكفر مراتب كثيرة بعضها أخف من بعض غير موجب للخلود وعدم المغفرة، كما أن في الإيمان مراتب بعضها أعلى من بعض. والله أعلم. وارجع للتفصيل إلى النيل (ج١:ص٢٨٠-٢٨٦) والفتح (ج٢٨:ص٢٩٣) (رواه) أي: أصل الحديث (مسلم) وإلا فاللفظ الذي ذكره المؤلف تبعاً للبغوي لفظ ابن ماجه. وأما لفظ مسلم فقد ذكرناه مع شرحه. والحديث أخرجه أيضاً أحمد والترمذي في الإيمان وأبوداود في السنة والنسائي وابن ماجه في الصلاة وابن حبان. قال الحفاظ: ورواه ابن حبان والحاكم، من حديث بريدة بن الحصيب نحوه. ٥٧٢- قوله: (خمس صلوات) مبتدأ لتخصيصه بالإضافة خبره جملة (افترضهن الله تعالى) وجملة (من أحسن وضوئهن) الخ. استئناف مبين لبيان ما ترتب على افتراضهن، ويحتمل أن يكون جملة افتراضهن صفة، وما بعدها خبر. قال السندي: قد استدل عبادة بن الصامت بالعدد على عدم وجوب الوتر. كما جاء عنه أي: عند مالك، وأبي داود والنسائي، لكن دلالة المفهوم للعدد ضعيفة عندهم إلا أن يقال: قد قويت ههنا لما لحقها من القرائن المقتضية لاعتبارها ههنا، وذلك لأنه لو كان فرض سادس في جملة الصلوات كل يوم لبين لهم النبي ﷺ بياناً وافياً بحيث ما خفي على أحد لعموم الابتلاء، فضلا عن أن يخفى على نحو عبادة، فكيف وقد بين لهم ما يؤهم خلافه، فظهر بهذا أن المفهوم هنا معتبر. قلت: ويؤيد ذلك أيضاً أن الصحابي أعلم منا بفحوى الكلام، فيكون استدلاله بمفهوم العدد حجة، لاسيما إذا لم يعارضه عنده منطوق. قال السندي: وقد يقال: لعله استدل على ذلك بقوله: من جاء بهن، الخ. حيث رتب دخول الجنة على أداء الخمس، ولو كان هناك صلاة غير الخمس فرضا لما رتب هذا الجزاء على أداء الخمس. وفيه أنه كيف يحصل دخول الجنة بالصلاة فقط مع وجود سائر الفرائض، فإن جوز ذلك فليجوز مثله مع وجود الفرض السادس في جملة الصلوات-انتهى. قلت: الفرائض الأخر غير الصلاة منطوقات فتقدم على هذا المفهوم، ويشترط لدخول الجنة وجودها مع الصلاة، وأيضاً هي من غير جنس الصلاة وكلامنا في ما هو من جنسها (وصلاهن لوقتهن) أي: في أوقاتهن المختارة. وقال الطيبي: أي: قبل أوقاتهن وأولها

стр. 686

كان له على الله عهد أن يغفر له. ومن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء غفر له وإن شاء عذبه)) . رواه أحمد، وأبوداود، وروى مالك، والنسائي نحوه. ٥٧٣- (٨) وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((صلوا خمسكم، ــ (وأتم ركوعهن) أي: وسجودهن كما في رواية لأحمد (ج٥:ص٣١٧) أي: أتى بهما تامين بأن اطمأن فيهما (وخشوعهن) المراد به سكون الجوارح عن العبث والقلب عما يشتغل بغير ما هو فيه من صلاته. واختلفوا في وجوب الخشوع واشتراطه في الصلاة، فذهب الأكثرون إلى عدم الوجوب والاشتراط. وروى عن سفيان الثوري أنه قال: من لم يخشع فسدت صلاته. وروى عن الحسن أنه قال: كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع، ولا شك أن حضور القلب في الصلاة شرط من حيث أن الصلاة لا تنفع في الآخرة إلا به، فإن حضور القلب هو روح الصلاة، فصلاة الغافل في جميعها كالميت، وصلاة الغافل في جميعها إلا عند التكبير كمثل حي لا حراك به، فهو قريب من ميت. قد مال الغزالي إلى اشتراطه في الصلاة، فقد ذكر أدلته في إحياء العلوم، ولأبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي رسالة مفيدة في الخشوع في الصلاة فعليك أن تراجعها (كان له على الله) أي: كرما وتفضلا (عهد) أي: وعد. والعهد حفظ الشيء ومراعاته حالا فحالا، سمى ما كان من الله تعالى على طريقة المجازاة لعبادة عهدا على جهة مقابلة عهده على العباد، ولأنه وعد القائمين بحفظ عهده أن لا يعذبهم، ووعده حقيق بأن لا يخلفه، فسمي وعده عهدا لأنه أوثق من كل وعد وعهد، قاله التوربشتي. وقال القاضي: شبه وعد الله بإثابة المؤمنين على أعمالهم بالعهد الموثوق به الذي لا يخلف، ووكل أمر التارك إلى مشيته تجويز العفوه لأنه لا يجب على الله شيء، ومن ديدن الكرام محافظة الوعد والمسامحة في الوعيد (أن يغفر له) خبر مبتدأ محذوف أي: هو، أو صفة عهد أو بدل منه (ومن لم يفعل) أي: ذلك استخفافاً، وقال القاري أي: مطلقاً، أو ترك الإحسان (إن شاء غفر له) برحمته فضلاً (وإن شاء عذبه) عدلاً، قد استدل به على عدم كفر من ترك الصلاة، وعدم استحقاقه للخلود في النار، وقد تقدم أن للفكر مراتب، ومنها ما لا ينافي المغفرة ولا يوجب الخلود في النار (رواه أحمد) (ج٥:ص٣١٦، ٣١٥) (وأبوداود) أي: باللفظ المذكور في باب المحافظة على الصلوات من حديث عبد الله الصنابحي ورواه أيضاً في "باب من لم يؤتر" من حديث المخدجي بنحوه، وسكت عنه هو والمنذري (وروى مالك) في باب الأمر بالوتر من مؤطاه (والنسائي) في باب المحافظة على الصلوات الخمس، وكذا ابن ماجه وابن حبان والحاكم وابن السكن كلهم من حديث المخدجي (نحوه) أي: بمعناه. قال المنذري: قال أبوعمر النمري يعني ابن عبد البر: لم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث، وهو صحيح ثابت-انتهى. وله شاهد من حديث أبي قتادة عند ابن ماجه، ومن حديث كعب ابن عجزة عند أحمد. ٥٧٣- قوله: (قال رسول الله ﷺ في خطبة حجة الوداع (صلوا خمسكم) أي: صلواتكم الخمس، وأضافها إليهم

стр. 687

وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم)) رواه أحمد، والترمذي. ٥٧٤- (٩) وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم ــ لأنها لم تجمع لغيرهم. قال الطيبي: حكمة إضافة هذا وما بعده إليهم أعلامهم بأن ذوات هذه الأعمال بكيفياتها المخصوصة من خصوصياتهم التي امتازوا بها عن سائر الأمم، وحثهم على المبادرة للامتثال بتذكيرهم بما خوطبوا به، وتذكيرهم بأن هذه الإضافة العملية يقابلها إضافة فضلية هي أعلى منها وأتم، وهي الجنة المضافة إلى وصف الربوبية المشعر بمزيد تربيتهم وتربية نعيمهم بما فارقوا به سائر الأمم (وصوموا شهركم) أي: رمضان. والإضافة للاختصاص، وقيل أضافه إلينا مع أن الراجح أنه ما من أمة إلا وفرض عليها رمضان، لأنه لم يغير ولم يضل عندنا، بخلاف الأمم السابقة فإنهم غيروه وأضلوه في أيام السنة. وأبهمه للدلالة على أنه صار من الظهور عندهم إلى حد لا يقبل الشك والتردد (وأدوا زكاة أموالكم) أي: التي هي ملك لكم، إلى الإمام أو إلى مستحقيها إن لم يكن الإمام. ولم يذكر الحج في هذه الرواية اختصارا، ففي رواية لأحمد (ج٥:ص٢٦٢) : وحجوا بيتكم، وأدوا زكاتكم طيبة بها أنفسكم (وأطيعوا ذا) صاحب (أمركم) أي: من ولى أمرا من أموركم في غير معصية (تدخلوا) جواب الأوامر السابقة، أي: من غير سابقة عذاب، لأن الغالب أن من فعل الأشياء المذكورة فهو يكون من الصالحين (جنة ربكم) الإضافة للتنبيه على كمال اختصاصهم به كإضافة الصلاة، والصوم، والزكاة إليهم للتنبيه على مقابلة العمل بالثواب. قال القاري: والمراد تناولوا من درجات الجنة ما يليق بأعمالكم، لأن الحق أن دخول الجنة بفضل الله، والدرجات على حسب الطاعات (رواه أحمد) (ج٥:ص٢٦٢، ٢٥١) (والترمذي) في آخر الصلاة، وقال: حديث حسن صحيح، وأخرجه أيضاً ابن حبان، والحاكم في المستدرك (ج١:ص٩) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولا نعرف له علة، ولم يخرجاه، وقد احتج البخاري، ومسلم بأحاديث سليم بن عامر راوي الحديث عن أبي أمامة، وسائر رواته متفق عليهم. ووافقه الذهبي. وفي الباب عن أبي الدرداء أخرجه الطبراني في مسند الشاميين مرفوعاً بلفظ: أخلصوا عبادة ربكم، وصلوا خمسكم، وأدوا زكاة أموالكم، وصوموا شهركم، وحجوا بيت ربكم، تدخلوا جنة ربكم. ذكره الزيلعي في نصب الراية. ٥٧٤- قوله: (مروا) أمر من الأمر وهو أمر للأولياء، لأن الصبي غير مكلف لحديث: رفع القلم عن ثلاثة. وفيه عن الصبي حتى يشب أو يحتلم، فهو ليس بمخاطب إلا ما ورد في قوله: ﴿ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم، والذين لم يبلغوا الحلم منكم﴾ [٥٨:٢٤] (أولادكم) ذكورا أو إناثا (بالصلاة) بأن تعلموهم ما تحتاج إليه الصلاة من شروط وأركان، وأن تأمروهم بفعلها بعد التعليم (وهم أبناء) فيه تغليب للذكور على الإناث (سبع سنين) أي: عقب تمامها ليتمرنوا عليها، وليعتادوها ويستأنسوا بها. الجملة حالية. وعين السبع لأنه وقت ظهر العقل والتمييز في الولد (وأضربوهم) أي:

стр. 688

عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع)) رواه أبوداود، وكذا رواه في شرح السنة عنه. ٥٧٥- (١٠) وفي المصابيح عن سبرة بن معبد. ــ ضرباً غير مبرح متقين عن الوجه (عليها) أي: على تركها (وهم أبناء عشر سنين) أي: عقب تمامها، لأنه حد يحتمل فيه الضرب غالباً (وفرقوا) أمر من التفريق (بينهم) أي: بين البنين والبنات على ما هو الظاهر، لأن بلوغ العشر مظنة الشهوة (في المضاجع) قال المناوي في فتح القدير: أي: فرقوا بين أولادكم في مضاجعهم التي ينامون فيها إذا بلغوا عشراً، حذروا من غوائل الشهوة وإن كن أخوات-انتهى. قال الطيبي: إنما جمع بين الأمر بالصلاة والفرق بينهم في المضاجع في الطفولية تأديبا ومحافظة لأمر الله تعالى، لأن الصلاة أصل العبادات، وتعليماً لهم المعاشرة بين الخلق، وأن لا يقفوا مواقف التهم، فيجتنبوا محارم الله كلها-انتهى. والحديث يدل على وجوب أمر الصبيان بالصلاة على الأولياء إذا بلغوا سبع سنين، وضربهم عليها إذا بلغوا عشراً، والتفريق بينهم في المضاجع لعشر سنين. وأما ما قيل من أن عدم تكليف الصبي يمنع من حمل الأمر على حقيقته، لأن الإجبار إنما يكون على فعل واجب أو ترك محرم، وليست الصلاة بواجبة على الصبي، ولا تركها محظور عليه، ففيه أن ذلك إنما يلزم ذلك لو اتحد المحل، وهو هنا مختلف، فإن محل الوجوب الولي، ومحل عدمه ابن السبع، وابن العشر، ولا يلزم من عدم الوجوب على الصبي عدمه على الولي. وفي قوله: واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، دليل على إغلاظ العقوبة إذا تركها متعمداً بعد البلوغ. وللشيخ الأجل الشاه ولي الله الدهلوي كلام حسن في التحديد بالسبع والعشر في حجة الله البالغة (ج١:ص٤٨) فعليك أن تراجعه (رواه أبوداود) في الصلاة وسكت عنه هو والمنذري (وكذا رواه) البغوي (في شرح السنة عنه) وأخرجه أيضاً أحمد والحاكم. ٥٧٥- قوله: (وفي المصابيح عن سبرة بن معبد) يعني قال البغوي في المصابيح بعد ذكر الحديث باللفظ المذكور: رواه سبرة بن معبد الجهني، وفيه نظر، لأن هذا اللفظ من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، لا سبرة بن معبد. وقد أخرجه أبوداود عنه أيضا، لكن بلفظ: مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها. وليس في رواية سبرة، التفريق. وأخرجه أيضاً الترمذي وابن خزيمة والدارقطني والحاكم، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وسكت عنه أبوداود، وذكر المنذري تصحيح الترمذي، وأقره. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وسبرة – بفتح أوله وسكون الموحدة- ابن معبد بن عوسجة، ويقال: سبرة بن عوسجة الجهني أبوثرية المدني صحابي، نزل المدينة، وأقام بذى المروة. أول مشاهد الخندق. وكان رسول على لما ولى الخلافة بالمدينة إلى معاوية، يطلب منه بيعة أهل الشام. مات في آخر خلافة معاوية. له أحاديث انفرد له مسلم بحديث المتعة.

стр. 689

٥٧٦- (١١) وعن بريدة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها: فقد كفر)) . رواه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. ﴿الفصل الثالث﴾ ٥٧٧- (١٢) عن عبد الله بن مسعود، قال: ((جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يارسول الله! إني عالجت امرأة في أقصى المدينة. وإني أصبت منها ما دون أن أمسها. فأنا هذا، فاقض في ما شئت. ــ ٥٧٦- قوله: (العهد الذي بيننا وبينهم) قال القاضي: الضمير الغائب للمنافقين، شبه الموجب لإبقائهم وحقن دمائهم بالعهد المقتضي لإبقاء المعاهد والكف عنه. والمعنى أن العمدة في إجراء أحكام الإسلام عليهم تشبههم بالمسلمين في حضور صلاتهم، ولزوم جماعتهم، وانقيادهم للأحكام الظاهرة، فإذا تركوا ذلك كانوا هم والكفار سواء. قال التوربشتي: ويؤيد هذا المعنى قوله: ﵊ لما استؤذن في قتل المنافقين: إلا أنى نهيت عن قتل المصلين. قلت: الظاهر أن الضمير عام فيمن تابع رسول الله ﷺ بالإسلام سواء كان منافقا أم لا. ويدل عليه قوله: ﷺ لأبي الدرداء في آخر أحاديث الباب: لا تترك الصلاة متعمدا، فمن تركها فقد برئت منه الذمة. قال السندي في حاشية النسائي: قوله: "إن العهد" أي: العمل الذي أخذ الله تعالى عليه العهد والميثاق من المسلمين، كيف وقد سبق أن النبي ﷺ بايعهم على الصلوات. وذلك من عهد الله تعالى. "الذي بيننا وبينهم" أي: الذي يفرق بين المسلمين والكافرين، ويتميز به هؤلاء عن هؤلاء صورة على الدوام. "الصلاة" وليس هناك عمل على صفتها في إفادة التمييز بين الطائفتين على الدوام "فمن تركها فقد كفر" أي: صورة، وتشبه بهم إذ لا يتميز إلا المصلى. وقيل: يخاف عليه أن يؤويه إلى الكفر وقيل: كفر أي: أبيح دمه. وقيل: المراد من تركها جحدا. وقال أحمد: تارك الصلاة كافر لظاهر الحديث-انتهى. قلت: الراجح في ذلك ما ذهب إليه أحمد، لأن ظواهر الأحاديث الواردة بتكفير تؤيده، لكن المراد كفر دون كفر، أي: كفر غير الكفر المخرج من الملة. والله تعالى أعلم. ولا حاجة إلى هذه التأويلات التي ذكرها السندي وغيره ممن لم يذهب إلى تكفيره. وارجع إلى كتاب الصلاة للإمام ابن القيم، فإنه قد بسط الكلام فيه في ذلك بسطا حسنا (رواه أحمد) (ج٥:ص٣٥٥، ٣٤٦) (والترمذي) في الإيمان، وقال: حسن صحيح غريب (والنسائي وابن ماجه) في الصلاة. قال الشوكاني في النيل: الحديث صححه النسائي والعراقي، ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم. وقال: صحيح ولا نعرف له علة. ٥٧٧- قوله: (إني عالجت امرأة) أي: داعبتها ولا عبتها وناولت منها ما يكون بين الرجل والمرأة غير أني ما جامعتها (في أقصى المدينة) أي: أسفلها وأبعدها عن المسجد (ما دون أن أمسها) ما موصولة، أي: الذي تجاوز المس أي: الجماع (فأنا هذا) أي: أنا حاضر بين يديك، ومنقاد لحكمك (فاقض في ما شئت) أي: فاحكم بسبب ذلك في حقي ما أردته مما يجب علي، كناية عن غاية التسليم

стр. 690

فقال له عمر: لقد سترك الله لو سترت على نفسك. قال: ولم يرد النبي ﷺ عليه شيئاً. وقام الرجل، فانطلق. فأتبعه النبي ﷺ رجلاً فدعاه، وتلا عليه هذه الآية﴾ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل، إن الحسنات يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين﴾ فقال رجل من القوم: يا نبي الله! هذا له خاصة؟ فقال: بل للناس كافة)) رواه مسلم. ٥٧٨- (١٣) وعن أبي ذر، ((أن النبي ﷺ خرج زمن الشتاء، والورق يتهافت، فأخذ بغصنين من شجرة. قال: فجعل ذلك الورق يتهافت. قال: يابا ذر! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: إن العبد المسلم ليصلي الصلاة يريد بها وجه الله، فتهافت عنه ذنوبه، كما تهافت هذا الورق ــ والانقياد لحكم الله ورسوله (لو سترت على نفسك) أي: لكان حسناً، أو لو للتمنى (قال) أي: ابن مسعود (ولم يرد النبي ﷺ عليه) أي: على الرجل السائل أو على عمر (شيئاً) من الكلام انتظار لقضاء الله فيه رجاء أن يخفف عن عقوبته (فانطلق) ظناً منه بسكوته ﷺ أن الله تعالى سينزل فيه شيئاً، وأنه لا بد أن يبلغه (فأتبعه النبي) أي: أرسل عقبه (رجلاً) ليدعوه (وتلا) ﵊ (عليه) أي: على الرجل السائل (وأقم الصلاة) بدل من الآية (ذلك) أي: ما ذكر في هذه الآية العظيمة من المنة الجسيمة (ذكرى) أي: تذكرة وموعظة (للذاكرين) لنعمة الله أو المتعظين (فقال رجل) قيل: هو عمر ابن الخطاب. وقيل هو معاذ بن جبل (هذا له) أي: هذا الحكم للسائل (خاصة) أي: يخصه خصوصاً أم للناس عامة (كافة) أي: كلهم يعني يعم جميعاً، لأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. قال النووي: هكذا تستعمل كافة حالاً ولا يضاف، فيقال: كافة الناس ولا الكافة بالألف واللام، وهو معدود في تصحيف العوام ومن أشبههم (رواه مسلم) في التوبة، وأخرجه أيضاً الترمذي في تفسير سورة هود. وقال: حديث حسن صحيح. والظاهر أن الحديث السابق أو الفصل الأول مختصر من هذا الحديث الطويل. وذهب بعضهم إلى أن الواقعة تكررت لرجلين لمغايرة سياقيهما، والله أعلم. ٥٧٨- قوله: (زمن الشتاء) أي: البرد أو قريباً من فصل الشتاء، وهو الخريف (يتهافت) أي: يتساقط متوالياً (فجعل ذلك الورق يتهافت) أي: طفق الورق من الغصنين يتساقط تساقطاً سريعاً لأنهما عند القبض بهما أسرع سقوطا من تركهما على حالهما (يريد بها وجه الله) أي: ذاته ومرضاته. والجملة حالية من الفاعل أو المفعول، أي: خالصاً لله أو خالصة له تعالى بأن لا يكون فيها سمعة ولا رياء بل يقصد بها امتثال أمر الله ورضاءه عنه فقط (فتهافت عنه) بحذف إحدى التائين (كما تهافت) بصيغة الماضي، وفي نسخة صحيحة يتهافت بالمضارع للمذكر، قاله القاري. قلت: وكذا وقع بصيغة المضارع

стр. 691

عن هذه الشجرة)) رواه أحمد. ٥٧٩- (١٤) وعن يزيد بن خالد الجهني، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلى سجدتين لا يسهو فيهما، غفر الله له ما تقدم من ذنبه)) . رواه أحمد. ٥٨٠- (١٥) وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يوماً فقال: ((من حافظ عليها، كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة. ــ المذكر في مسند أحمد (عن هذه الشجرة) أي: عن غصنيها (رواه أحمد (ج٥:ص١٥٩) قال المنذري في الترغيب (ج١:ص١١٩) بإسناد حسن: وفي الباب عن أبي عثمان عن سلمان عند أحمد والنسائي والطبراني. قال المنذري: رواة أحمد محتج بهم في الصحيح إلا علي بن زيد. ٥٧٩- قوله: (من صلى سجدتين) أي: ركعتين كما في رواية لأحمد (لا يسهو) أي: لا يغفل (فيهما) قال الطيبي: أي: يكون حاضر القلب، يقظان النفس، يعلم من يناجى، وبما يناجيه، كما في قوله ﷺ : تعبد الله كأنك تراه. ولهذا المعنى خصت السجدة في التغليب دون الركوع تلميحاً إلى قوله: ﴿واسجد واقترب﴾ [١٩:٩٦] انتهى. قلت: قد تقدم في أوائل الطهارة حديث عثمان بلفظ: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم يصلى ركعتين لا يحدث نفسه فيهما بشيء غفر له ما تقدم من ذنبه، فلو أريد بقوله: لا يسهو فيهما أي: لا يحدث فيهما نفسه لكان أولى، لأن الأحاديث يفسر بعضها بعضاً (رواه أحمد) (ج٥:ص١٩٤) وأخرجه أيضاً هو في (ج٤:ص١١٧) وأبوداود في كراهية الوسوسة وحديث النفس في الصلاة، والحاكم بلفظ: من توضأ فأحسن وضوءه ثم صلى ركعتين لا يسهو فيهما، غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وقد سكت عنه أبوداود، والمنذري. ٥٨٠- قوله: (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص) قال الكرماني: الجمهور على كتباته بالياء، وهو الفصيح عند أهل العربية. وفي كثير من الكتب أو أكثر بحذفها-انتهى. قال: القاري: والصحيح كتابته بلا ياء على ما في النسخ الصحيحة، وهو مبنى على حذف الياء لفظاً وخطًا للتخفيف كما في نحو المتعال، أو بناء على أن أصله العوص أو العيص على ما يفهم من القاموس (أنه ذكر الصلاة) أي: أراد أن يذكر فضلها وشرفها، قاله الطيبي. (فقال) الفاء للتفسير (من حافظ عليها) أي: من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها، ودوام عليها، ولم يفتر عنها (كانت) أي: صلاته أو محافظته عليها (نوراً وبرهانًا) تقدم معناهما في أوائل الطهارة. وقيل أي: نوراً بين يديه، مغنياًذ عن سؤاله عنها، وبرهانا أي: دليلاً على محافظته على سائر الطاعات. وقيل: أي: زيادة في نور إيمانه، وحجة واضحة على كمال عرفانه (ونجاة) بفتح النون أي: ذات نجاة، أو جعلت نفسها نجاة مبالغة كرجل عدل (يوم القيامة) لأن الصلاة أول ما يسأل عنه من العبادات، وكذلك نور وبرهان ونجاه له في

стр. 692

ومن لم يحافظ عليها، لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي خلف)) . رواه أحمد، والدارمي، والبيهقي في شعب الإيمان. ٥٨١- (١٦) وعن عبد الله بن شقيق، قال: ــ القبر كما ورد في الأحاديث، فإن من مات فقد قامت قيامته، قاله القاري (ومن لم يحافظ عليها) أي: على شرائطها وأركانها، فمن تركها بالكلية فهو أولى بالمحرومية (لم تكن له نوراً) الخ. فيه أنه لا بانتفاع للمصلى بصلاته إلا إذا كان محافظا عليها لأنه إذا انتفى كونها نوراً وبرهاناً ونجاة مع عدم المحافظة انتفى نفعها (وكان يوم القيامة) محشوراً أو معذباً في الجملة (مع قارون) الذي منعه ماله عن الطاعة، وهو على وزن فاعول اسم أعجمي ممتنع للعجمة والعلمية، وليس بعربي مشتق من قرنت. كان ابن عمر موسى، وهو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب، وموسى هو ابن عمران ابن قاهث. وقيل: كان عم موسى لأب وأم. وقيل: هو ابن خالة موسى. وأكثر أهل العلم على الأول. وكان يسمى المنور لحسن صورته. وقيل: لحسن صوته بالتوراة. وكان من السبعين الذي اختارهم موسى للمناجاة، فسمع كلام الله. قاله الرازي. ولم يكن في بني إسرائيل أقرأ للتوراة منه، فنافق كما نافق السامري، وخرج عن طاعة موسى، فأهلكه البغي لكثرة ماله (وفرعون) لقب لمن ملك العمالقة أولاد عمليق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح، ككسرى وقيصر لملكي الفرس والروم، واسمه الوليد بن مصعب بن زيان كما عليه أكثر المفسرين. وفرعون يوسف ﵇ ريان جد فرعون موسى. وكان بينهما أكثر من أربع مائة سنة. قال المسعودي: ولا يعرف لفرعون تفسير بالعربية. وظاهر كلام الجوهري أنه مشتق من معنى العتو فإنه قال: والعتاة الفراعنة، وقد تفرعن وهو ذو فرعنة أي: دهاء ومكر-انتهى. وقيل: لأجل أن الفراعنة كانوا عاتين حتى فهم العرب من ذكرهم العتو، اشتقوا من فرعون تفرعن الرجل إذا عتا (وهامان) وزير فرعون، ومدبر رعيته، ومشير دولته (وأبي بن خلف) بفتح الخاء عدو النبي ﷺ الذي قتله النبي ﷺ بيده يوم أحد، وهو مشرك، وقد كان واعده النبي ﷺ بقتله، وهو بمكة كما في السيرة لابن هشام. وقوله: ﷺ كان يوم القيامة مع قارون، كناية عن دخول النار، أي: كان معهم في النار، وإن اختلفت المحال وكيفية العذاب. وفيه تغليظ شديد، وتهديد عظيم لتارك المحافظة على الصلاة. واستدل به بعضهم على كفر تارك الصلاة لأن هؤلاء المذكورين هم أشد أهل النار عذاباً، وعلى تخليد تاركها في النار كتخليد من جعل معهم في العذاب. ويمكن أن يقال: مجرد المعية والمصاحبة لا يدل على الاستمرار والتأييد لصدق المعنى اللغوي بلبثه معهم مدة (رواه أحمد والدارمي) الخ. وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير، والأوسط، وابن حبان في صحيحه. قال المنذري: إسناد أحمد جيد. وقال الهيثمي: رجاله ثقات. ٥٨١- قوله: (وعن عبد الله بن شقيق) العقيلي البصري ثقة، فيه نصب من الطبقة الوسطى من التابعين، روى عن

стр. 693

كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. رواه الترمذي. ٥٨٢- (١٧) وعن أبي الدرداء، قال: ((أوصاني خليلي أن لا تشرك بالله شيئاً. وإن قطعت وحرقت. ولا تترك صلاة مكتوبة متعمداً، فمن تركها متعمداً، فقد برئت منه الذمة. ــ عمر، وعثمان وعلي وأبي ذر وأبي هريرة وعائشة وابن عباس وغيرهم. مات سنة (١٠٨) وقيل: غير ذلك. قال الجريري: كان عبد الله بن شقيق مجاب الدعوة، كانت تمر به السحابة فيقول اللهم لا تجوز كذا وكذا حتى تمطر، فلا تجوز ذلك الموضع حتى تمطر. حكاه ابن أبي خيثمة في تاريخه (كان أصحاب رسول الله ﷺ ) منهم عمر، وابن مسعود وابن عباس ومعاذ بن جبل وجابر بن عبد الله، وأبوالدرداء وعلي (لا يرون) من الرأي أي: لا يعتقدون (شيئاً) مفعوله (من الأعمال) صفة شيئاً (تركه كفر) صفة أخرى لشيئاً (غير الصلاة) استثناء، والمستثنى منه الضمير الراجع إلى شيئاً قاله الطيبي. والمراد ضمير تركه. والحديث فيه دليل ظاهر على أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يعتقدون أن ترك الصلاة كفر. والظاهر من الصيغة أن هذه المقالة اجتمع عليها الصحابة، لأن قوله: كان أصحاب رسول الله ﷺ ، جمع مضاف، وهو من المشعرات بذلك. قال محمد بن نصر المروزي: سمعت إسحق يقول: صح عن النبي ﷺ أن تارك الصلاة كافر. وكذلك كان رأي: أهل العلم من لدن النبي ﷺ أن تارك الصلاة عمداً من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر. وقال ابن حزم: وقد جاء عن عمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة ﵃: أن من ترك صلاة فرض واحدة متعمداً حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد، ولا نعلم لهؤلاء من الصحابة مخالفاً - انتهى. (رواه الترمذي) في الإيمان، ولم يتكلم عليه، ورواته ثقات أثبات. وأخرجه أيضاً الحاكم، وصححه على شرطهما. وذكره الحافظ في التخليص والمنذري في الترغيب، ولم يتكلما عليه. ٥٨٢- قوله: (أوصاني خليلي) لما كان هذا الحديث في الوصية متناهياً، وللزجر عن رذائل الأخلاق جامعاً وضع "خليل" مكان "رسول الله ﷺ " إظهار الغاية تعطفه وشفقته، قاله الطيبي (أن لا تشرك) بالجزم على أنه صيغة نهى، وأن تفسيرية لأن في "أوصى" معنى القول. ويجوز النصب على أنه صيغة مضارع، وأن ناصبة مصدرية، والمراد أن لا تظهر الشرك (وإن قطعت) بالتشديد ويخفف (وحرقت) بالتشديد لا غير. وهذا يدل على أنه ينبغي اختبار الموت والقتل دون إظهار الشرك، وهو وصية بالأفضل والعزيمة، فإنه يجوز التلفظ بكلمة الكفر والشرك عند الإكراه لقوله تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ [١٠٦:١٦] (متعمداً) احتراز عن الخطأ، والنسيان والنوم والضرورة وعدم القدرة (فقد برئت منه الذمة) كناية عن الكفر تغليظاً، قاله الطيبي. أو المراد منه الأمان من التعرض بالقتل أو التعزير، كذا في المرقاة. وقال الجزري: الذمة والذمام هما بمعنى العهد والأمان، والضمان والحرمة والحق، وسمي أهل الذمة لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم. وحديث: فقد برئت منه الذمة. أي: أن لكل أحد من الله عهداً بالحفظ

стр. 694

ولا تشرب الخمر، فإنها مفتاح كل شر)) . رواه ابن ماجه. (١) باب المواقيت ــ والكلاءة، فإذا ألقى بيده إلى التهلكة، أو فعل ما حرم الله تعالى، أو خالف ما أمر به، خذلته ذمة الله تعالى (ولا تشرب الخمر) قال الطيبي: قرن ترك الصلاة وشرب الخمر، مع الشرك إيذانا بأن الصلاة عمود الدين، وتركها ثلمة في الدين. وأن شرب الخمر كعبادة الوثن، ولأن أم الأعمال ورأسها الصلاة، وأم الخبائث الخمر فأنى يجتمعان؟ قال تعالى: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [٤٥:٢٩] فالصلاة مفتاح كل خير، والخمر مفتاح كل شر، أي: لأنها تزيل العقل فلا يبالي بشيء، فقد انفتح له باب الشر بعد أن كان مغلقاً بقيد العقل (رواه ابن ماجه) في الفتن من حديث شهر بن حوشب عن أم الدرداء عن أبي الدرداء. قال في الزوائد: إسناده حسن، وشهر مختلف فيه. وقال الحافظ في التلخيص (ص١٢٧) : في إسناده ضعف. ورواه الحاكم في المستدرك من طريق جبير بن نفير عن أميمة مولاة رسول الله ﷺ ، قالت: بينا رسول الله ﷺ جالساً إذ دخل عليه رجل، فقال: إني أريد الرجوع إلى أهلي فأوصني، فذكر نحوه مطولاً. ورواه أحمد والبيهقي من حديث مكحول، عن أم أيمن. وفيه انقطاع. ورواه الطبراني من حديث عبادة بن الصامت، ومن حديث معاذ بن جبل، وإسنادهما ضعيفان - انتهى. وقال المنذري بعد ذكر حديث عبادة: رواه الطبراني ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة بإسنادين لا بأس بهما. (باب المواقيت) أي: باب بيان مواقيت الصلاة، جمع ميقات وهو مفعال من الوقت. والمراد به الوقت الذي عينه الله لأداء هذه العبادة، وهو القدر المحدود للفعل من الزمان. قال تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ [١٠٣:٤] أي: مفروضاً في أوقات معينة معلومة، فأجمل ذكر الأوقات في هذه الآية، وبينها في مواضع أخر من الكتاب من غير ذكر تحديد أوائلها وأواخرها، وبين على لسان الرسول ﷺ تحديدها ومقاديرها. قال تعالى: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل﴾ [١١٤:١١] وقد تقدم تفسيره. وقال تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ أي: الظهر والعصر ﴿إلى غسق الليل﴾ أي: المغرب والعشاء ﴿وحين تصبحون﴾ فيه ذكر الصبح ﴿وعشياً﴾ يعني العصر ﴿وحين تظهرون﴾ [١٨، ١٧:٣٠] يعني الظهر. وقال تعالى: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس﴾ يعني الفجر ﴿وقبل غروبها﴾ يعني العصر ﴿ومن آناء الليل﴾ هو مثل قوله: ﴿زلفاً من الليل﴾ ﴿فسبح وأطراف النهار﴾ [١٣٠:٢٠] فيه ذكر الظهر. والجمع باعتبار وقوع صلاة الظهر تارة في أول وقتها، وأخرى في غيره، فجمعية الأطراف باعتبار الساعات كجمعية الإناء والزلف.

стр. 695

﴿الفصل الأول﴾ ٥٨٣- (١) عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر. ووقت العصر ما لم تصفر الشمس. ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق. ــ ٥٨٣- قوله: (وقت الظهر) أي: أول وقته، وسميت بالظهر لفعلها في وقت الظهيرة (إذا زالت الشمس) أي: حين مالت عن بطن السماء ووسطه المسمى بلوغها إليه بحالة الاستواء، إلى جهة المغرب باعتبار ظهوره لنا بزيادة ظل الاستواء إلى جهة المشرق. والميل إلى جهة المغرب هو الدلوك الذي أراده تعالى بقوله: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ وهذا بيان لأول وقت الظهر (وكان) أي: صار (ظل الرجل كطوله) أي: قريبا منه. ويستمر ويمتد وقتها إلى أن يصير ظل كل شيء مثله. وذكر الرجل في الحديث تمثيلاً. وهذا تعريف لآخر وقتها. فقوله: وكان، عطف على زالت، أي: ويستمر وقت الظهر إلى صيرورة ظل الرجل قدر قامته (مالم يحضر العصر) أي: وقته وحضوره. بمصير ظل لكل شيء مثله، كما يفيده مفهوم هذا، وصريح غيره. قال الأبهرى: قوله: ما لم يحضر العصر، بيان وتأكيد لقوله: وكان ظل الرجل كطوله، ثم المراد بالظل الظل الحادث، أو مطلق الظل، ويلائمه قوله: مالم يحضر العصر، أي وقته، وهو الظل الحادث لطول الرجل. وهذا الحديث يدل على أنه لا فاصلة بين وقت الظهر ووقت العصر، ولا اشتراك بينهما، بل متى خرج وقت الظهر دخل وقت العصر، وإذا دخل وقت العصر لم يبق شيء من وقت الظهر. وأما حديث جبريل في الفصل الثاني الذي يدل على الاشتراك فسيأتي الجواب عنه. وعلى أن لا كراهة في تأخير الظهر إلى آخر الوقت (ووقت العصر) أي: يستمر من دخوله بما ذكر من صيرورة ظل الرجل كطوله إلى (ما لم تصفر) بفتح الراء المشددة وتكسر (الشمس) والمراد به وقت الاختيار لقوله ﷺ : من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، أي: مؤداة. ولما في رواية لمسلم من زيادة: ويسقط قرنها الأول. قال النووي: فيه دليل لمذهب الجمهور أن وقت العصر يمتد إلى غروب الشمس. والمراد بقرنها جانبها. وفيه أن العصر يكون أداء مالم يغب الشمس (ووقت صلاة المغرب) يمتد ويستمر من غروب الشمس (ما لم يغب الشفق) هو الحمرة التي تلي الشمس بعد الغروب لما روى ابن عمر عن النبي ﷺ قال: الشفق الحمرة، رواه الدارقطني، وصحح ابن خزيمة، وغيره وقفه على ابن عمر. قال البيهقي: روى هذا الحديث عن علي وعمر وابن عباس وعبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، وأبي هريرة ولا يصح منها شيء. قال الأمير اليماني: البحث لغوى والمرجع فيه إلى أهل اللغة، وابن عمر من أهل اللغة، وقح العرب، فكلامه حجة، وإن كان موقوفاً عليه. وفي القاموس: الشفق – محركة- الحمرة في الأفق من الغروب إلى العشاء، وإلى قريبها، أو إلى قريب العتمة – انتهى. وقال

стр. 696

ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط. ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة، فإنها تطلع بين قرني الشيطان)) رواه مسلم. ــ الخليل: الشفق الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء، فإذا ذهب قيل: غاب الشفق. وقال الفراء: سمعت العرب يقول: عليه ثوب كأنه الشفق، وكان أحمر – انتهى. وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد. قال القاري: وبه يفتى. وقال في الدار: الشفق هو الحمرة. وبه قال الثلاثة، وإليه رجع الإمام كما هو في شروح المجمع وغيره، فكان هو المذهب. قال صدر الشريعة: وبه يفتى. وفي المواهب: وعليه الفتوى. ورجحه في البرهان. وفيه دليل على أن وقت المغرب يمتد إلى غروب الشفق، ولا يعارضه حديث جبريل الآتي الدال على عدم الامتداد والاتساع، لأنه اقتصر على بيان وقت الاختيار، ولم يستوعب وقت الجواز. وهذا جار في كل الصلوات سوى الظهر. ولأنه متقدم في أول الأمر بمكة، وحديث عبد الله بن عمرو هذا وأمثاله بامتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق متأخرة في أواخر الأمر بالمدينة، فوجب اعتمادها. ولأن أحاديث الامتداد أصح إسناداً من حديث جبريل فوجب تقديمها (ووقت صلاة العشاء) من غيبوبة الشفق يستمر (إلى نصف الليل الأوسط) المراد به الأول، والأوسط صفة النصف. وفيه دليل على أن آخر وقت العشاء إلى نصف الليل، وقد ثبت في الحديث التحديد لآخره بثلث الليل لكن أحاديث النصف صحيحة، فيجب العمل بها. واحتج به أبوسعيد الأصطخري على أن وقت العشاء إلى نصف الليل فقط، وعند غيره محمول على بيان وقت الاختيار. وأما وقت الجواز فيمتد إلى طلوع الفجر لما روى أبوقتادة مرفوعا: إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجئ وقت الصلاة الأخرى. قال: الحافظ: عموم حديث أبي قتادة مخصوص بالإجماع في الصبح، فللأصطخري أن يقول: إنه مخصوص بالحديث المذكور وغيره من الأحاديث في العشاء، قال: ولم أر في امتداد وقت العشاء إلى طلوع الفجر حديثاً صريحاً يثبت – انتهى (ووقت صلاة الصبح) أي: أوله (من طلوع الفجر) أي: الصادق، ويستمر إلى (ما لم تطلع الشمس) أي: شيء منها، ففي رواية: مالم يطلع قرن الشمس الأول (فإذا طلعت الشمس) أي: أرادت الطلوع (فإنها تطلع بين قرني الشيطان) أي: ناحتي رأسه، وذلك لأن الشيطان يرصد وقت طلوع الشمس فينتصب قائماً في وجه الشمس، ويدلى رأسه إليها في وقت الطلوع فيكون في مقابلة من يعبد الشمس ويسجد له، فينقلب سجود الكفار للشمس عبادة له، فنهى النبي ﷺ أمته عن الصلاة في ذلك الوقت لتكون صلاة من يعبد الله في غير وقت عبادة من يعبد الشيطان. وفي تأويل مختلف الحديث (ص١٥٤-١٥٦) لابن قتيبة (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد، وأبوداود، والنسائي لكن ليس عندهما: فإذا طلعت الشمس، الخ.

стр. 697

٥٨٤- (٢) وعن بريدة، قال: ((إن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن وقت الصلاة. فقال: له: صل معنا هذين – يعني اليومين – فلما زالت الشمس أمر بلالاً فأذن، ثم أمره فأقام الظهر، ثم أمره فأقام العصر، والشمس مرتفعة بيضاء نقية، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حيث غاب الشفق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر. فلما أن كان اليوم الثاني أمره: فأبرد بالظهر، فابرد بها - فأنعم أن يبرد بها - وصلى العصر والشمس مرتفعة - أخرها فوق الذي كان - وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، ــ ٥٨٤- قوله: (عن وقت الصلاة أريد به الجنس أي: الصلوات الخمس (صل معنا هذين يعني اليومين) وفي رواية النسائي: هذين اليومين، بغير زيادة يعني أي: لتعلم أوقات الصلاة كلها أوائلها وأواخرها، ووقت الفضيلة، والاختيار، وغيرهما بالمشاهدة التي هي أقوى من السماع (فلما زالت الشمس) عن حد الاستواء وبطن السماء من اليوم الأول (أمر بلالا) بالأذان (ثم أمره) بالإقامة (فأقام الظهر) بنزع الخافض أي: للظهر (ثم أمره) أي: في أول وقت العصر (فأقام العصر) أي: بعد أن أذن له، وتركه اختصاراً أو اعتماداً على ذكره في الأول (والشمس مرتفعة) الجملة حالية أي: صلى في أول وقته (بيضاء (أي: لم تختلط بها صفرة (نقية) أي: صاف لونها بحيث لم يدخلها تغير (فأقام الفجر) أي: لصلاة الفجر (حيث طلع الفجر) أي: الصادق (فلما أن كان اليوم الثاني) أن زائدة، وكان قيل تامة أي: فلما وجد أو حصل، ويحتمل أنها ناقصة، واسمها ضمير الزمان، أي: فلما كان الزمان اليوم الثاني (أمره) أي: بالإبراد وهو جواب لما (فأبرد بالظهر) على صيغة الأمر أي: فقال: له أبرد بالظهر. قال القاري: وفي نسخة فأبرد على صيغة الماضي أي: فأمره بالإبراد فيكون تفسير الأمر وتأكيدا (فأبرد بها) أي: بصلاة الظهر. والإبراد هو الدخول في البرد، والباء للتعدية أي: إدخالها في البرد. وقال الخطابي: الإبراد أن يتفيأ الأفياء، وينكسر وهج الحر، فهو برد بالإضافة إلى حر الظهيرة، وذكره الطيبي (فأنعم) أي: أفضل. وزاد وبالغ. قال الجزري: أي: أطال الإبراد وأخر الصلاة. ومنه قولهم: أنعم النظر في الشيء إذا أطال التفكر فيه (أخرها) بالتشديد أي: أخر صلاة العصر في اليوم الثاني (فوق الذي) أي: التأخير الذي (كان) أي: وجد في اليوم الأول بأن أوقعها حين صار ظل الشيء مثليه كما بينته الروايات الأخر، أو التقدير: كان أخرها بالأمس يريد أن صلاة العصر بالأمس كانت مؤخرة عن الظهر، لا أنها كانت مؤخرة عن وقتها. والحاصل أنه أخر عصر اليوم الثاني تأخيرا هو فوق التأخير الذي كان. وتحقق ذلك التأخير في اليوم الأول، وتأخير اليوم الأول ليس بالنظر إلى أول وقت العصر وإنما هو بالنظر إلى وقت الزوال، فإنه كان صلاها في اليوم الأول حين كان ظل الشيء مثله (قبل أن يغيب الشفق) أي:

стр. 698

وصلى العشاء بعد ما ذهب ثلث الليل، وصلى الفجر فأسفر بها. ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟ فقال: الرجل: أنا يا رسول الله! قال: وقت صلاتكم بين ما رأيتم)) رواه مسلم. ﴿الفصل الثاني﴾ ٥٨٥- (٣) عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أمنى جبرئيل عند البيت مرتين. فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك ــ صلاها في آخر الوقت (فأسفر بها) أي: أدخلها في وقت إسفار الصبح، أي: انكشافه وإضاءته (فقال: الرجل أنا) هذا كناية عن حضوره عنده، والتقدير أنا حاضر عندك (وقت صلاتكم) لعله جمع الضمير إشعاراً بأن الحكم عام (بين ما رأيتم) أي: بين وقت الشروع في المرة الأولى، ووقت الفراغ في المرة الثانية. وهذا محمول على بيان الوقت المختار، إذ يجوز صلاة الظهر بعد الإبراد التام مالم يدخل وقت العصر. ويجوز العصر بعد ذلك التأخير الذي هو فوق ما لم تغرب الشمس، ويجوز صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر على قول الجمهور، أو إلى نصف الليل على قول الأصطخري بناء على الحديث السابق، وصلاة الفجر بعد الإسفار ما لم تطلع الشمس (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥:ص٣٤٩) وابن الجارود، والترمذي، وصححه، والنسائي، وابن ماجه. ٥٨٥- قوله: (أمنى) بتشديد الميم، أي: صار إماماً لي (عند البيت) وفي رواية للشافعي في الأم: عند باب الكعبة (مرتين) أي: في يومين ليعرفني كيفية الصلاة وأوقاتها (فصلى بي الظهر) الباء للمصاحبة والمعية، أي: صلى معي، وكان إمامة جبريل بالنبي ﷺ في اليوم الذي يلي ليلة الإسراء، وأول صلاة أديت كذلك الظهر على المشهور، ولذلك سميت الأولى. قيل: ابتدأ بأداء صلاة الظهر مع أن فرض الصلاة كان ليلاً، وقياسه أن أول صلاة وجبت الصبح لأن الصلاة لما لم تبين حينئذ لم يلزم أداء صلاة الفجر لعدم الإحاطة بكيفيتها، لأن أداء الوجوب متوقف على علم الكيفية، وهو لم يقع إلا في الظهر بصلاة جبرئيل، فهي التي أول صلاة وجبت، ولا حاجة إلى بيان النكتة عند من يقول: إن رسول الله ﷺ كان يصلي الفجر والعصر قبل الإسراء على صفة الفريضة (وكانت) الضمير للشمس، والمراد منها الفيء لأنه بسببها، ففيه تجوز بينته رواية الترمذي: وكان الفيء قدر الشراك. والفيء هو الظل، ولا يقال: إلا للراجع منه، وذلك بعد الزوال (قدر الشراك) أي: كان الفيء مثل شراك النعل، وهو بكسر الشين أحد سيور النعل الذي على وجهها. وهذا على وجه التقريب لا التحديد، لأن زوال الشمس لا يتبين إلا بأقل مما يرى من الظل في جانب المشرق، وكان حينئذ بمكة هذا القدر والظل يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، فكل بلد هو أقرب إلى خط الاستواء ومعدل النهار كان الظل فيه أقصر، وكل بلد كان أبعد عنهما إلى جانب الشمال كان فيه أطول، قاله ابن الملك. وقال الطيبي: وإنما يتبين ذلك في مثل مكة

стр. 699

وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بين الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم. فلما كان الغد: صلى بي الظهر حين كان ظله مثله، ــ من البلاد التي يقل فيها الظل، فإذا كان أطول النهار، واستوت الشمس فوق الكعبة لم ير لشيء من جوانبها ظل-انتهى. والمراد منه أن وقت الظهر حين يأخذ الظل في الزيادة بعد الزوال (وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله) أي: بعد ظل الزوال، فيه دليل على أن أول وقت العصر من حين يصير ظل كل شيء مثله. وبه قال: الأئمة الثلاثة، وأبو يوسف ومحمد والحسن وزفر والطحاوي وغيرهم، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة على ما في عامة الكتب. ورواية محمد عنه على ما في المبسوط. كذا في حلية المحلى لابن أمير الحاج. وفي غرر الأذكار: هو المأخوذ به. وفي البرهان: هو الأظهر. وفي الغيض للكركي: عليه عمل الناس اليوم، وبه يفتى. كذا في الدر المختار. والمشهور عن أبي حنيفة أنه لا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه. قال الحافظ: لم ينقل عن أحد من أهل العلم مخالفة في ذلك إلا عن أبي حنيفة، فالمشهور عنه أن أول وقت العصر مصير ظل كل شيء مثليه بالتثنية – انتهى. قلت: والرواية الثانية عنه كمذهب الجمهور كما تقدم. قال بعض الحنفية: ونقل السيد أحمد الدحلان رجوع الإمام إلى هذه الرواية عن خزانة المفتين والفتاوى الظهيرية، وهما من المعتبرات، قال: وبها أفتى صاحب الدر المختار، ورد عليه أن عابدين بأنه خلاف ظاهر الرواية فلا يفتى بها وقال: الأرجح عندي ما اختاره صاحب الدر المختار-انتهى. وقال الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي: الدليل يرجح قولهما، وما استدل به على رواية المثلين لا يخلو شيء منها عن شيء. ثم قال: بعد تنقيد ما احتجوا بها على المثلين من الروايات والجواب عنها: فالتحقيق الذي ارتضاه المحققون أن الصحيح من المذهب هو العمل برواية المثل في الظهر ويدخل بعده وقت العصر-انتهى. وقال الشيخ عبد الحى اللكنوى في التعليق الممجد بعد ذكر ما استدلوا بها من الأحاديث على المثلين، والتعقب عليها: والإنصاف في هذا المقام أن أحاديث المثل صريحة صحيحة وأخبار المثلين ليست صريحة في أنه لا يدخل وقت العصر إلا بالمثلين، وأكثر من اختار المثلين إنما ذكر في توجيه أحاديث استنبط منها هذا الأمر، والأمر المستنبط لا يعارض الصريح. وقد أطال الكلام في هذا المبحث صاحب البحر الرائق فيه وفي رسالة مستقلة، فلم يأت بما يفيد المدعي ويثبت الدعوى (حين أفطر الصائم) أي: دخل وقت إفطاره بأن غابت الشمس ودخل الليل، لقوله: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [١٨٧:٢] وفي رواية الترمذي: حين وجبت الشمس وأفطر الصائم، وهو عطف تفسير إذ بوجوبها أي: سقوطها وغروبها يدخل وقت الإفطار (حين حرم الطعام والشراب على الصائم) يعني أول طلوع الفجر الثاني (فلما كان الغد) أي: اليوم الثاني (صلى بي الظهر حين كان ظله) أي: ظل كل شيء (مثله) أي: مع فيء الزوال. وقال: القاري: أي: قريباً منه

стр. 700

وصلى بي العصر حين كان ظله مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل، وصلى بي الفجر فأسفر. ثم التفت إلي، فقال: يا محمد! هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين)) ــ من غير الفيء. قال الطيبي: ليس المراد بعد ظل الزوال، فلا يلزم كون الظهر والعصر في وقت واحد-انتهى. وقال السندي في حاشية النسائي: قوله: صلى به الظهر أي: فرغ منها. وأما في العصر الأول فالمراد بقوله: صلى، شرع فيها، وهذا لأن تعريف وقت الصلاة بالمرتين يقتضي أن يعتبر الشروع في أولى المرتين والفراغ في الثانية منهما ليتعين بهما الوقت ويعرف أن الوقت من شروع الصلاة في أولى المرتين إلى الفراغ منها في المرة الثانية. وهذا معنى قول جبريل أي: في حديث أبي هريرة: الصلاة ما بين صلاتك أمس وصلاتك اليوم، أي: وقت الصلاة من وقت الشروع في المرة الأولى إلى وقت الفراغ في المرة الثانية. وبهذا ظهر صحة هذا القول في صلاة المغرب، وإن صلى في اليومين في وقت واحد. وسقط ما يتوهم أن لفظ الحديث يعطي وقوع الظهر في اليوم الثاني في وقت صلاة العصر في اليوم الأول، فيلزم التداخل أي: الاشتراك في الأوقات، وهو مردود عند الجمهور، ومخالف لحديث: لا يدخل وقت صلاة حتى يخرج وقت صلاة أخرى ومخالف لحديث مسلم بلفظ: وقت الظهر ما لم يحضر العصر. أو النسخ، وهو يفوت التعريف المقصود بإمامة جبريل مرتين، فإن المقصود في أولى المرتين تعريف أول الوقت، وبالثانية تعريف آخره، وعند النسخ لا يحصل ذلك، على أن قوله: والصلاة ما بين صلاتك، الخ. تصريح في رد القول بالنسخ - انتهى. وبنحو ذلك قرره الخطابي في المعالم، والنووي وغيره (وصلى بي العصر حين كان ظله) أي: ظل الشيء (مثليه) أي: غير ظل الاستواء (إلى ثلث الليل) أي: منتهياً إليه. وقيل إلى بمعنى مع أو بمعنى في، ووقع في رواية الترمذي: حين ذهب ثلث الليل (فأسفر) أي: أضاء به، أو دخل في وقت الإسفار. والظاهر أنه صلى الفجر بحيث وقع الفراغ عند الإسفار، فضبط آخر الوقت بالفراغ من الثانية كما ضبط أوله بالشروع في الأولى (هذا) أي: ما ذك رمن الأوقات الخمسة (وقت الأنبياء من قبلك) قال: ابن العربي في عارضة الأحوذى (ج١:ص٢٥٨، ٢٥٧) : ظاهره يؤهم أن هذه الصلوات في هذه الأوقات كانت مشروعة لمن قبله من الأنبياء، والأمر ليس كذلك، وإنما معنى هذا وقتك المشروع لك، يعني الوقت الموسع المحدود بطرفين الأول والآخر، وقوله: وقت الأنبياء قبلك: يعني ومثله وقت الأنبياء قبلك، أي: كانت صلاتهم واسعة الوقت وذات طرفين مثل هذا وإلا فلم تكن هذه الصلوات على هذا الميقات إلا بهذه الأمة خاصة، وإن كان غيرهم قد شاركهم في بعضها – انتهى. وقال ابن حجر أي: المكي: هذا باعتبار التوزيع بالنسبة لغير العشاء إذ مجموع هذه الخمس من خصوصياتنا، وأما بالنسبة إليهم فكان ماعدا العشاء مفرقاً فيهم، وقيل: الاختصاص بالنسبة إلى الأمم دون الأنبياء فالأنبياء كانوا يصلون العشاء نافلة لهم (والوقت) المختار والمستحب (مابين) وفي رواية الترمذي فيما بين (هذين الوقتين) إشارة إلى أول آن الشروع في اليوم الأول

стр. 701

رواه أبوداود، والترمذي. ﴿الفصل الثالث﴾ ٥٨٦- (٤) عن ابن شهاب: أن عمر بن عبد العزيز أخر العصر شيئاً، ــ وآخر آن الفراغ في اليوم الثاني (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري (والترمذي) وقال: حديث حسن، وفي بعض النسخ حديث حسن صحيح، وصححه أيضاً ابن عبد البر، وابن العربي في شرح الترمذي (ج١:ص٢٥١، ٢٥٠) وقال: رواة حديث ابن عباس هذا كلهم ثقات مشاهير، لاسيما وأصل الحديث صحيح في صلاة جبريل بالنبي ﷺ ، وإنما هذه الرواية تفسير مجمل، وإيضاح مشكل. وقال ابن عبد البر في التمهيد: وقد تكلم بعض الناس في حديث ابن عباس هذا بكلام لا وجه له، ورواته كلهم مشهورون بالعلم. وارجع لتفصيل الكلام عليه إلى التلخيص (ص٦٤) والنيل (ج١:ص٢٨٩) ونصب الراية (ج١:ص١١٦) والحديث أخرجه أيضاً الشافعي وأحمد، وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والدارقطني والحاكم، وفي الباب عن جابر عند أحمد والترمذي والنسائي والحاكم وأبي هريرة عند النسائي والدارقطني، وأبي سعيد عند أحمد والطبراني في الكبير. ٥٨٦- قوله: (عن ابن شهاب) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري المدني، وكنيته أبوبكر، التابعي الفقيه الحافظ متفق على جلالته وإتقانه. مات في رمضان سنة (١٢٤) روى عن ابن عمر، وسهل بن سعد، وأنس بن مالك، ومحمود بن الربيع، وسعيد بن المسيب، وأبي أمامة بن سهل، وطبقتهم من صغار الصحابة، وكبار التابعين، وروى عنه الأوزاعي، والليث، ومالك، وابن عيينة، وغيرهم. قال أبوداود: حديثه ألفان ومائتان، النصف فيها مسند. قال عمر بن عبد العزيز: لم يبق أحد أعلم بسنة ماضية من الزهري. وقال مالك: بقى ابن شهاب وما له في الدنيا نظير، وفضائله كثيرة، بسط ترجمته الحافظ في التهذيب (ج٩:ص٤٤٥-٤٥١) والذهبي في التذكرة (ج١:ص٩٦-١٠٠) وابن خلكان في تاريخه (ج١:ص٤٥٢، ٤٥١) (أن عمر بن عبد العزيز) بن مروان الأموي، أحد الخلفاء الراشدين، وفي رواية عبد الرزاق عن معمر عن ابن شهاب، قال: كنا مع عمر بن عبد العزيز، فذكره، وفي رواية شعيب عن الزهري سمعت عروة يحدث عمر بن عبد العزيز الحديث (أخر العصر) وهو يومئذ أمير المدينة في زمان الوليد بن عبد الملك، وكان ذلك زمان يؤخر فيه الصلاة بنو أمية (شيئًا) أي: تأخيرا يسيراً، أو شيئاً قليلاً من الزمان، يعني أخر شيئاً حتى خرج الوقت المستحب لا أنه أخرها حتى غربت الشمس، وفي رواية للبخاري: أخر الصلاة يوماً، وفي رواية عبد الرزاق: مرة، وظاهر السياقين أنه فعل ذلك يوماً ما لا أن ذلك كان عادة له، وإن كان أهل بيته معروفين بذلك، وفي رواية أبي داود: وكان قاعداً على المنبر فأخر

стр. 702

فقال: له عروة: أما إن جبرئيل قد نزل فصلى أمام رسول الله ﷺ ، فقال له عمر: اعلم ما تقول يا عروة! فقال: سمعت بشير بن أبي مسعود، يقول: سمعت أبا مسعود، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: نزل جبرئيل فأمنى، فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ــ العصر شيئاً، وفيها إشارة إلى سبب تأخيره وهو اشتغاله بشيء من مصالح المسلمين (فقال له عروة) أي: ابن الزبير (أما) بالتخفيف حرف استفتاح بمنزلة ألا (قد نزل) صبيحة ليلة الإسراء (فصلى أمام رسول الله ﷺ ) قال السيوطي: لا إشكال في فتح همزة "أمام" بل في كسرها لأن إضافة أمام معرفة والموضع موضع الحال فيوجب جعله نكرة بالتأويل كغيره من المعارف الواقعة أحوالاً كأرسلها العراك، وقال السندهي: بكسر الهمزة، وهو حال لكون إضافته لفظيه نظراً إلى المعنى، أو بفتح الهمزة، وهو ظرف، والمعنى يميل إلى الأول، قلت: ويؤيده قوله في الحديث: فأمنى، ومقصود عروة بذلك أن أمر الأوقات عظيم قد نزل لتحديدها جبرئيل، فعلمها النبي ﷺ بالفعل، فلا ينبغي التقصير في مثله (اعلم) أم رمن العلم أي: كن حافظاً ضابطاً له، ولا تقله عن غفلة، أو من الإعلام أي: بين لي حاله وإسنادك فيه (ما تقول يا عروة) الظاهر أنه استبعاد لإخبار عروة بنزول جبرئيل بدون الإسناد، فكأنه غلط عليه بذلك مع عظيم جلالته إشارة إلى مزيد الاحتياط في الرواية لئلا يقع في محظور الكذب على رسول الله ﷺ وإن لم يتعمد، وزاد في رواية للبخاري وغيره: أو أن جبرئيل هو الذي قام لرسول الله ﷺ وقت الصلاة (فقال) أي: عروة (سمعت بشير بن أبي مسعود) عقبة بن عمرو الأنصاري، ذكره ابن مندة في الصحابة، وجزم ابن عبد البر بأنه ولد على عهد النبي ﷺ ، وجزم البخاري، والعجلى، ومسلم، وأبوحاتم الرازي بأنه تابعي، وذكره ابن حبان في الثقات في التابعين، وذكره الحافظ في القسم الثاني من حرف الباء في ذكر من له رؤية من الإصابة (ج١:ص١٦٨) (سمعت أبا مسعود) تقدم ذكره (يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: نزل جبرئيل فأمنى، فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه) قال: الطيبي: معنى إيراد عروة الحديث أنى كيف لا أدرى ما أقول وأنا صحبت وسمعت ممن صحب وسمع ممن صاحب رسول الله ﷺ ، وسمع منه هذا الحديث، فعرفت كيفية الصلاة وأوقاتها وأركانها – انتهى. قال القرطبي: قول عروة: أن جبرئيل نزل، ليس فيه حجة واضحة على عمر بن عبد العزيز، إذ لم يبين له الأوقات، قال: وغاية ما يتوهم عليه أنه نبهه وذكره بما كان يعرفه من تفاصيل الأوقات، قال: وفيه بعد لإنكار عمر على عروة حيث قال: له: اعلم ما تحدث يا عروة. قال: وظاهر هذا الإنكار أنه لم يكن عنده علم من إمامة جبرئيل. قال الحافظ في الفتح: لا يلزم من كونه لم يكن عنده علم منها أن لا يكون عنده علم بتفاصيل الأوقات المذكورة من جهة العمل المستمر،

стр. 703

يحسب بأصابعه خمس صلوات)) متفق عليه. ٥٨٧- (٥) وعن عمر بن الخطاب، ﵁، أنه كتب إلى عماله أن أهم أموركم عندي الصلاة، من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع. ــ لكن لم يكن يعرف أن أصله بتبيين جبرئيل بالفعل، فلهذا استثبت فيه، وكان يرى أن لا مفاضلة بين أجزاء الوقت الواحد. قال: وورد في هذه القصة بيان أبي مسعود للأوقات، وفي ذلك ما يرفع الأشكال، ويوضح توجيه احتجاج عروة به، فروى أبوداود والدارقطني وابن خزيمة والطبراني، عن أسامة زيد، عن الزهري هذا الحديث، وزاد في آخره: قال أبومسعود: فرأيت رسول الله ﷺ يصلي الظهر حين تزول الشمس، فذكر الحديث، ويعضد رواية أسامة ويزيد عليها أن البيان من فعل جبرئيل، ما رواه الباغندي في مسند عمر بن عبد العزيز والبيهقي في السنن الكبرى من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أبي بكر بن حزم، عن عروة، فرجع الحديث إلى عروة ووضح أن له أصلا وأن في رواية مالك ومن تابعه اختصارا، وبذلك جزم ابن عبد البر- انتهى كلام الحافظ بتلخيص وزيادة يسيرة. قلت: رواية الطبراني ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١:ص٣٠٦، ٣٠٥) وقال بعد إيرادها: في الصحيح أصله من غير بيان لأول الوقت وآخره، وفي رواية الطبراني هذه (وكذا في رواية الدارقطني) أيوب بن عتبة، ضعفه ابن المديني، ومسلم، وجماعة، ووثقه عمرو بن علي في رواية، وكذلك يحيى بن معين في رواية وضعفه في روايات، والأكثر على تضعيفه انتهى (يحسب) بضم السين مع التحتانية من الحساب، والظاهر أن فاعله النبي ﷺ أي: يقول ذلك حال كونه يحسب تلك المرات بعقد أصابعه (بأصابعه خمس صلوات) كل واحدة منها مرتين تحديداً لأوائل الأوقات وأواخرها، وهو بالنصب مفعول يحسب أو صليت (متفق عليه) أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة وبدء الخلق والمغازي، ومسلم في الصلاة، وأخرجه أيضاً مالك وأحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه وغيرهم. ٥٨٧- قوله: (عماله) جمع عامل أي: أمراءه (أن) بفتح الهمزة وكسرها (أهم أموركم) وفي المؤطا أهم أمركم أي: بالإفراد (عندي) أي: في اعتقادي (من حفظها) بأن أدى بشرائطها وأركانها (وحافظ عليها) أي: سارع إلى فعلها في وقتها، أو داوم عليها، أو لم يبطلها بالرياء والسمعة (حفظ دينه) أي: حفظ معظم دينه وعماده كقوله: الحج عرفة، أو حفظ بقية أمور دينه، فإن المواظبة عليها يستدل بها على صلاح المرء. وقال الطيبي: المحافظة على الصلاة أن لا يسهو عنها ويؤديها في أوقاتها ويتم أركانها وركوعها وسجودها ويؤكد نفسه بالاهتمام بها والتكرير بمعنى الاستقامة والدوام (ومن ضيعها) أي: ذالصلاة بأن أخرها أو ترك بعض ما يجب فيها فضلاً عن تركها رأساً (فهو لما سواها) من بقية أمور الدين (أضيع) أي: أكثر تضييعاً وهو أفعل التفضيل من التضييع على ما روى عن سببويه، ويحتمل أن يكون اللام بمعنى في يعني أنه

стр. 704

ثم كتب أن صلوا الظهر أن كان الفيء ذراعاً، إلى أن يكون ظل أحدكم مثله، والعصر والشمس مرتفعة بيضاء قدر ما يسير الراكب فرسخين أو ثلاثة قبل مغيب الشمس، والمغرب إذا غابت الشمس، والعشاء إذا غاب الشفق إلى ثلث الليل، فمن نام فلا نامت عينه، فمن نام فلا نامت عينه، فمن نام فلا نامت عينه، والصبح والنجوم بادية مشتبكة)) ــ ضائع في تركه الصلاة وأنه أضيع في غيره، والمعنى أنه إذا علم أنه مضيع للصلاة ظن به التضييع لسائر العبادات التي تخفى، أو يقال: إنه إذا ضيع الصلاة فقد ضيع سائر العبادات وإن عملها، لما روى: أن أول ما ينظر فيه من عمل العبد الصلاة، فإن قبلت منه نظر فيما بقي من عمله، وإن لم تقبل منه لم ينظر في شيء من عمله، قاله الباجي (ثم كتب) أي: عمر إليهم بعد التنبيه المذكور (أن) أي: بأن (صلوا الظهر أن كان الفئ ذراعاً) أن مصدرية والوقت مقدر أي: وقت كون الفئ قدر ذراع، وهو مختص بمحل يكون كذلك، فإن مقدار الفئ يختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة. وفيه دليل على تعجيل صلاة الظهر (إلى أن يكون) أي: يستمر وقتها إلى أن يصير (ظل أحكم مثله) أي: سوى فئ الزوال (والعصر) بالنصب عطف على الظهر (والشمس مرتفعة) الجملة حالية (قدر ما يسير الراكب) ظرف لقوله: مرتفعة، أي: ارتفاعها قدر أن يسير الراكب (فرسخين) للبطئ (أو ثلاثة) أي: ثلاثة فراسخ للسريع، وقيل فرسخين في الشتاء، وثلاثة في القيظ، فأو للتنويع، وقيل للشك من الراوي. ووقع في كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري عند مالك: ثلاثة فراسخ. على سبيل الجزم. والفرسخ ثلاثة أميال، واختلفوا في تحديد الميل. وفيه دليل على أن وقت العصر يدخل قبل أن يصير ظل الشيء مثليه، لأن هذا السير لا يمكن إلا إذا صلى العصر قبل المثلين بل على المثل متصلا (قبل مغيب الشمس) وفي المؤطا: قبل غروب الشمس (إذا غاب الشفق) الأحمر (إلى ثلث الليل) أي: ويستمر إلى ثلث الليل (فمن نام) أي: قبل العشاء كما في رواية البزار، ورويت هذه الجملة في مسند البزار عن عائشة مرفوعا، قاله السيوطي (فلا نامت عينه) دعاء بنفي الاستراحة على من ينام عن صلاة العشاء، لأنه ﷺ كان يكره النوم قبلها، وكرره ثلاثاً زيادة في التغليظ والتنفير عنه، وفيه كراهة النوم قبل العشاء، ولا يختص ذلك بالعشاء بل يدخل في معناها بقية الصلوات. قال: ابن حجر: هو محمول عندنا على تفصيل، وهو أنه تارة ينام قبل الوقت، وتارة بعد دخوله، ففي الثاني إن علم أو ظن أن نومه يستغرق الوقت لم يجز له النوم إلا أن وثق من غيره أنه يوقظه بحيث يدرك الصلاة كاملة في الوقت، وكذا في الأول عند جماعات من أصحابنا. وقال: آخرون لا حرمة فيه مطلقاً لأنه قبل الوقت لم يكلف بها بعد- انتهى (بادية) أي: ظاهرة من البدو وهو الظهور (مشتبكة) قال الجزري: اشتبكت النجوم أي: ظهرت واختلط بعضها ببعض لكثرة ما

стр. 705

رواه مالك. ٥٨٨- (٦) وعن ابن مسعود، قال: ((كان قدر صلاة رسول الله ﷺ الظهر في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام، وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام)) رواه أبوداود والنسائي. (٢) باب تعجيل الصلاة ــ ظهر منها (رواه مالك) في أوائل المؤطا عن نافع مولى عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب كتب، الخ. وهو منقطع لأن نافعا لم يلق عمر. ٥٨٨- قوله: (كان قدر صلاة رسول الله ﷺ ) بالجر على البدلية من الصلاة، وبالنصب بتقدير أعني (ثلاثة أقدام) أي: من الفيء (إلى خمسة أقدام) الخ. قال السندي: أي: قدر تأخير الصلاة عن الزوال ما يظهر فيه قدر ثلاثة أقدام للظل، أي: يصير ظل كل شيء ثلاثة أقدام من أقدامه فيعتبر قدم كل إنسان بالنظر إلى ظله. والمراد أن يبلغ مجموع الظل الأصلي والزائد هذا المبلغ، لا أن يصير الزائد هذا القدر ويعتبر الأصلي سوى ذلك، فهذا قد يكون لزيادة الظل الأصلي كما في أيام الشتاء، وقد يكون لزيادة الظل الزائد بسبب التبريد كما في أيام الصيف – انتهى. وقال: الخطابي: هذا أمر يختلف في الأقاليم والبلدان، ولا يستوي في جميع المدن والأمصار، وذلك أن العلة في طول الظل وقصره هو زيادة ارتفاع الشمس في السماء وانحطاطها، فكلما كانت أعلى وإلى محاذاة الرؤس في مجراها أقرب، كان الظل أقصر، وكلما كانت أخفض ومن محاذاة الرؤس أبعد، كان الظل أطول، ولذلك ظلال الشتاء تراها أبدا أطول من ظلال الصيف في كل مكان وكانت صلاة رسول الله ﷺ بمكة والمدينة وهما من الإقليم الثاني. ويذكرون أن الظل فيهما في أول الصيف في شهر آذار – هو الشهر الثالث من السنة الشمسية أعنى مارس – ثلاثة أقدام وشيء. ويشبه أن تكون صلاته ﵇ إذا اشتد الحر متأخرة عن الوقت المعهود قبله، فيكون الظل عند ذلك خمسة أقدام، وأما الظل في الشتاء فإنهم يذكرون أنه في تشرين الأول – هو الشهر العاشر من السنة الشمسية أعنى أكتوبر – خمسة أقدام أو خمسة أقدام وشيء، وفي كانون – أي: الأول وهو الشهر الثاني عشر من السنة الشمسية أعنى ديسمبر، وكانون الثاني وهو الشهر الأول أعنى يناير – سبعة أقدام أو سبعة أقدام وشيء، فقول ابن مسعود ينزل على هذا التقدير في ذلك الإقليم دون سائر الأقاليم والبلدان التي هي خارجة عن الإقليم الثاني – انتهى. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري (والنسائي) واللفظ له، وأخرجه أيضاً الحاكم. (باب تعجيل الصلاة) المراد بها جنس الصلاة المكتوبة، وفي بعض النسخ الصلوات، بلفظ الجمع يعني أن الأصل في الصلاة تعجيلها، والمبادرة إليها، وأداءها في أول الوقت، لقوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ [١٣٣:٤] .
следующие страницы →