← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

رواه أبوداود، والترمذي. ﴿الفصل الثالث﴾ ٥٨٦- (٤) عن ابن شهاب: أن عمر بن عبد العزيز أخر العصر شيئاً، ــ وآخر آن الفراغ في اليوم الثاني (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري (والترمذي) وقال: حديث حسن، وفي بعض النسخ حديث حسن صحيح، وصححه أيضاً ابن عبد البر، وابن العربي في شرح الترمذي (ج١:ص٢٥١، ٢٥٠) وقال: رواة حديث ابن عباس هذا كلهم ثقات مشاهير، لاسيما وأصل الحديث صحيح في صلاة جبريل بالنبي ﷺ ، وإنما هذه الرواية تفسير مجمل، وإيضاح مشكل. وقال ابن عبد البر في التمهيد: وقد تكلم بعض الناس في حديث ابن عباس هذا بكلام لا وجه له، ورواته كلهم مشهورون بالعلم. وارجع لتفصيل الكلام عليه إلى التلخيص (ص٦٤) والنيل (ج١:ص٢٨٩) ونصب الراية (ج١:ص١١٦) والحديث أخرجه أيضاً الشافعي وأحمد، وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والدارقطني والحاكم، وفي الباب عن جابر عند أحمد والترمذي والنسائي والحاكم وأبي هريرة عند النسائي والدارقطني، وأبي سعيد عند أحمد والطبراني في الكبير. ٥٨٦- قوله: (عن ابن شهاب) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري المدني، وكنيته أبوبكر، التابعي الفقيه الحافظ متفق على جلالته وإتقانه. مات في رمضان سنة (١٢٤) روى عن ابن عمر، وسهل بن سعد، وأنس بن مالك، ومحمود بن الربيع، وسعيد بن المسيب، وأبي أمامة بن سهل، وطبقتهم من صغار الصحابة، وكبار التابعين، وروى عنه الأوزاعي، والليث، ومالك، وابن عيينة، وغيرهم. قال أبوداود: حديثه ألفان ومائتان، النصف فيها مسند. قال عمر بن عبد العزيز: لم يبق أحد أعلم بسنة ماضية من الزهري. وقال مالك: بقى ابن شهاب وما له في الدنيا نظير، وفضائله كثيرة، بسط ترجمته الحافظ في التهذيب (ج٩:ص٤٤٥-٤٥١) والذهبي في التذكرة (ج١:ص٩٦-١٠٠) وابن خلكان في تاريخه (ج١:ص٤٥٢، ٤٥١) (أن عمر بن عبد العزيز) بن مروان الأموي، أحد الخلفاء الراشدين، وفي رواية عبد الرزاق عن معمر عن ابن شهاب، قال: كنا مع عمر بن عبد العزيز، فذكره، وفي رواية شعيب عن الزهري سمعت عروة يحدث عمر بن عبد العزيز الحديث (أخر العصر) وهو يومئذ أمير المدينة في زمان الوليد بن عبد الملك، وكان ذلك زمان يؤخر فيه الصلاة بنو أمية (شيئًا) أي: تأخيرا يسيراً، أو شيئاً قليلاً من الزمان، يعني أخر شيئاً حتى خرج الوقت المستحب لا أنه أخرها حتى غربت الشمس، وفي رواية للبخاري: أخر الصلاة يوماً، وفي رواية عبد الرزاق: مرة، وظاهر السياقين أنه فعل ذلك يوماً ما لا أن ذلك كان عادة له، وإن كان أهل بيته معروفين بذلك، وفي رواية أبي داود: وكان قاعداً على المنبر فأخر

стр. 702

فقال: له عروة: أما إن جبرئيل قد نزل فصلى أمام رسول الله ﷺ ، فقال له عمر: اعلم ما تقول يا عروة! فقال: سمعت بشير بن أبي مسعود، يقول: سمعت أبا مسعود، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: نزل جبرئيل فأمنى، فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ــ العصر شيئاً، وفيها إشارة إلى سبب تأخيره وهو اشتغاله بشيء من مصالح المسلمين (فقال له عروة) أي: ابن الزبير (أما) بالتخفيف حرف استفتاح بمنزلة ألا (قد نزل) صبيحة ليلة الإسراء (فصلى أمام رسول الله ﷺ ) قال السيوطي: لا إشكال في فتح همزة "أمام" بل في كسرها لأن إضافة أمام معرفة والموضع موضع الحال فيوجب جعله نكرة بالتأويل كغيره من المعارف الواقعة أحوالاً كأرسلها العراك، وقال السندهي: بكسر الهمزة، وهو حال لكون إضافته لفظيه نظراً إلى المعنى، أو بفتح الهمزة، وهو ظرف، والمعنى يميل إلى الأول، قلت: ويؤيده قوله في الحديث: فأمنى، ومقصود عروة بذلك أن أمر الأوقات عظيم قد نزل لتحديدها جبرئيل، فعلمها النبي ﷺ بالفعل، فلا ينبغي التقصير في مثله (اعلم) أم رمن العلم أي: كن حافظاً ضابطاً له، ولا تقله عن غفلة، أو من الإعلام أي: بين لي حاله وإسنادك فيه (ما تقول يا عروة) الظاهر أنه استبعاد لإخبار عروة بنزول جبرئيل بدون الإسناد، فكأنه غلط عليه بذلك مع عظيم جلالته إشارة إلى مزيد الاحتياط في الرواية لئلا يقع في محظور الكذب على رسول الله ﷺ وإن لم يتعمد، وزاد في رواية للبخاري وغيره: أو أن جبرئيل هو الذي قام لرسول الله ﷺ وقت الصلاة (فقال) أي: عروة (سمعت بشير بن أبي مسعود) عقبة بن عمرو الأنصاري، ذكره ابن مندة في الصحابة، وجزم ابن عبد البر بأنه ولد على عهد النبي ﷺ ، وجزم البخاري، والعجلى، ومسلم، وأبوحاتم الرازي بأنه تابعي، وذكره ابن حبان في الثقات في التابعين، وذكره الحافظ في القسم الثاني من حرف الباء في ذكر من له رؤية من الإصابة (ج١:ص١٦٨) (سمعت أبا مسعود) تقدم ذكره (يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: نزل جبرئيل فأمنى، فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه) قال: الطيبي: معنى إيراد عروة الحديث أنى كيف لا أدرى ما أقول وأنا صحبت وسمعت ممن صحب وسمع ممن صاحب رسول الله ﷺ ، وسمع منه هذا الحديث، فعرفت كيفية الصلاة وأوقاتها وأركانها – انتهى. قال القرطبي: قول عروة: أن جبرئيل نزل، ليس فيه حجة واضحة على عمر بن عبد العزيز، إذ لم يبين له الأوقات، قال: وغاية ما يتوهم عليه أنه نبهه وذكره بما كان يعرفه من تفاصيل الأوقات، قال: وفيه بعد لإنكار عمر على عروة حيث قال: له: اعلم ما تحدث يا عروة. قال: وظاهر هذا الإنكار أنه لم يكن عنده علم من إمامة جبرئيل. قال الحافظ في الفتح: لا يلزم من كونه لم يكن عنده علم منها أن لا يكون عنده علم بتفاصيل الأوقات المذكورة من جهة العمل المستمر،

стр. 703

يحسب بأصابعه خمس صلوات)) متفق عليه. ٥٨٧- (٥) وعن عمر بن الخطاب، ﵁، أنه كتب إلى عماله أن أهم أموركم عندي الصلاة، من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع. ــ لكن لم يكن يعرف أن أصله بتبيين جبرئيل بالفعل، فلهذا استثبت فيه، وكان يرى أن لا مفاضلة بين أجزاء الوقت الواحد. قال: وورد في هذه القصة بيان أبي مسعود للأوقات، وفي ذلك ما يرفع الأشكال، ويوضح توجيه احتجاج عروة به، فروى أبوداود والدارقطني وابن خزيمة والطبراني، عن أسامة زيد، عن الزهري هذا الحديث، وزاد في آخره: قال أبومسعود: فرأيت رسول الله ﷺ يصلي الظهر حين تزول الشمس، فذكر الحديث، ويعضد رواية أسامة ويزيد عليها أن البيان من فعل جبرئيل، ما رواه الباغندي في مسند عمر بن عبد العزيز والبيهقي في السنن الكبرى من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أبي بكر بن حزم، عن عروة، فرجع الحديث إلى عروة ووضح أن له أصلا وأن في رواية مالك ومن تابعه اختصارا، وبذلك جزم ابن عبد البر- انتهى كلام الحافظ بتلخيص وزيادة يسيرة. قلت: رواية الطبراني ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١:ص٣٠٦، ٣٠٥) وقال بعد إيرادها: في الصحيح أصله من غير بيان لأول الوقت وآخره، وفي رواية الطبراني هذه (وكذا في رواية الدارقطني) أيوب بن عتبة، ضعفه ابن المديني، ومسلم، وجماعة، ووثقه عمرو بن علي في رواية، وكذلك يحيى بن معين في رواية وضعفه في روايات، والأكثر على تضعيفه انتهى (يحسب) بضم السين مع التحتانية من الحساب، والظاهر أن فاعله النبي ﷺ أي: يقول ذلك حال كونه يحسب تلك المرات بعقد أصابعه (بأصابعه خمس صلوات) كل واحدة منها مرتين تحديداً لأوائل الأوقات وأواخرها، وهو بالنصب مفعول يحسب أو صليت (متفق عليه) أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة وبدء الخلق والمغازي، ومسلم في الصلاة، وأخرجه أيضاً مالك وأحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه وغيرهم. ٥٨٧- قوله: (عماله) جمع عامل أي: أمراءه (أن) بفتح الهمزة وكسرها (أهم أموركم) وفي المؤطا أهم أمركم أي: بالإفراد (عندي) أي: في اعتقادي (من حفظها) بأن أدى بشرائطها وأركانها (وحافظ عليها) أي: سارع إلى فعلها في وقتها، أو داوم عليها، أو لم يبطلها بالرياء والسمعة (حفظ دينه) أي: حفظ معظم دينه وعماده كقوله: الحج عرفة، أو حفظ بقية أمور دينه، فإن المواظبة عليها يستدل بها على صلاح المرء. وقال الطيبي: المحافظة على الصلاة أن لا يسهو عنها ويؤديها في أوقاتها ويتم أركانها وركوعها وسجودها ويؤكد نفسه بالاهتمام بها والتكرير بمعنى الاستقامة والدوام (ومن ضيعها) أي: ذالصلاة بأن أخرها أو ترك بعض ما يجب فيها فضلاً عن تركها رأساً (فهو لما سواها) من بقية أمور الدين (أضيع) أي: أكثر تضييعاً وهو أفعل التفضيل من التضييع على ما روى عن سببويه، ويحتمل أن يكون اللام بمعنى في يعني أنه

стр. 704

ثم كتب أن صلوا الظهر أن كان الفيء ذراعاً، إلى أن يكون ظل أحدكم مثله، والعصر والشمس مرتفعة بيضاء قدر ما يسير الراكب فرسخين أو ثلاثة قبل مغيب الشمس، والمغرب إذا غابت الشمس، والعشاء إذا غاب الشفق إلى ثلث الليل، فمن نام فلا نامت عينه، فمن نام فلا نامت عينه، فمن نام فلا نامت عينه، والصبح والنجوم بادية مشتبكة)) ــ ضائع في تركه الصلاة وأنه أضيع في غيره، والمعنى أنه إذا علم أنه مضيع للصلاة ظن به التضييع لسائر العبادات التي تخفى، أو يقال: إنه إذا ضيع الصلاة فقد ضيع سائر العبادات وإن عملها، لما روى: أن أول ما ينظر فيه من عمل العبد الصلاة، فإن قبلت منه نظر فيما بقي من عمله، وإن لم تقبل منه لم ينظر في شيء من عمله، قاله الباجي (ثم كتب) أي: عمر إليهم بعد التنبيه المذكور (أن) أي: بأن (صلوا الظهر أن كان الفئ ذراعاً) أن مصدرية والوقت مقدر أي: وقت كون الفئ قدر ذراع، وهو مختص بمحل يكون كذلك، فإن مقدار الفئ يختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة. وفيه دليل على تعجيل صلاة الظهر (إلى أن يكون) أي: يستمر وقتها إلى أن يصير (ظل أحكم مثله) أي: سوى فئ الزوال (والعصر) بالنصب عطف على الظهر (والشمس مرتفعة) الجملة حالية (قدر ما يسير الراكب) ظرف لقوله: مرتفعة، أي: ارتفاعها قدر أن يسير الراكب (فرسخين) للبطئ (أو ثلاثة) أي: ثلاثة فراسخ للسريع، وقيل فرسخين في الشتاء، وثلاثة في القيظ، فأو للتنويع، وقيل للشك من الراوي. ووقع في كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري عند مالك: ثلاثة فراسخ. على سبيل الجزم. والفرسخ ثلاثة أميال، واختلفوا في تحديد الميل. وفيه دليل على أن وقت العصر يدخل قبل أن يصير ظل الشيء مثليه، لأن هذا السير لا يمكن إلا إذا صلى العصر قبل المثلين بل على المثل متصلا (قبل مغيب الشمس) وفي المؤطا: قبل غروب الشمس (إذا غاب الشفق) الأحمر (إلى ثلث الليل) أي: ويستمر إلى ثلث الليل (فمن نام) أي: قبل العشاء كما في رواية البزار، ورويت هذه الجملة في مسند البزار عن عائشة مرفوعا، قاله السيوطي (فلا نامت عينه) دعاء بنفي الاستراحة على من ينام عن صلاة العشاء، لأنه ﷺ كان يكره النوم قبلها، وكرره ثلاثاً زيادة في التغليظ والتنفير عنه، وفيه كراهة النوم قبل العشاء، ولا يختص ذلك بالعشاء بل يدخل في معناها بقية الصلوات. قال: ابن حجر: هو محمول عندنا على تفصيل، وهو أنه تارة ينام قبل الوقت، وتارة بعد دخوله، ففي الثاني إن علم أو ظن أن نومه يستغرق الوقت لم يجز له النوم إلا أن وثق من غيره أنه يوقظه بحيث يدرك الصلاة كاملة في الوقت، وكذا في الأول عند جماعات من أصحابنا. وقال: آخرون لا حرمة فيه مطلقاً لأنه قبل الوقت لم يكلف بها بعد- انتهى (بادية) أي: ظاهرة من البدو وهو الظهور (مشتبكة) قال الجزري: اشتبكت النجوم أي: ظهرت واختلط بعضها ببعض لكثرة ما

стр. 705

رواه مالك. ٥٨٨- (٦) وعن ابن مسعود، قال: ((كان قدر صلاة رسول الله ﷺ الظهر في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام، وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام)) رواه أبوداود والنسائي. (٢) باب تعجيل الصلاة ــ ظهر منها (رواه مالك) في أوائل المؤطا عن نافع مولى عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب كتب، الخ. وهو منقطع لأن نافعا لم يلق عمر. ٥٨٨- قوله: (كان قدر صلاة رسول الله ﷺ ) بالجر على البدلية من الصلاة، وبالنصب بتقدير أعني (ثلاثة أقدام) أي: من الفيء (إلى خمسة أقدام) الخ. قال السندي: أي: قدر تأخير الصلاة عن الزوال ما يظهر فيه قدر ثلاثة أقدام للظل، أي: يصير ظل كل شيء ثلاثة أقدام من أقدامه فيعتبر قدم كل إنسان بالنظر إلى ظله. والمراد أن يبلغ مجموع الظل الأصلي والزائد هذا المبلغ، لا أن يصير الزائد هذا القدر ويعتبر الأصلي سوى ذلك، فهذا قد يكون لزيادة الظل الأصلي كما في أيام الشتاء، وقد يكون لزيادة الظل الزائد بسبب التبريد كما في أيام الصيف – انتهى. وقال: الخطابي: هذا أمر يختلف في الأقاليم والبلدان، ولا يستوي في جميع المدن والأمصار، وذلك أن العلة في طول الظل وقصره هو زيادة ارتفاع الشمس في السماء وانحطاطها، فكلما كانت أعلى وإلى محاذاة الرؤس في مجراها أقرب، كان الظل أقصر، وكلما كانت أخفض ومن محاذاة الرؤس أبعد، كان الظل أطول، ولذلك ظلال الشتاء تراها أبدا أطول من ظلال الصيف في كل مكان وكانت صلاة رسول الله ﷺ بمكة والمدينة وهما من الإقليم الثاني. ويذكرون أن الظل فيهما في أول الصيف في شهر آذار – هو الشهر الثالث من السنة الشمسية أعنى مارس – ثلاثة أقدام وشيء. ويشبه أن تكون صلاته ﵇ إذا اشتد الحر متأخرة عن الوقت المعهود قبله، فيكون الظل عند ذلك خمسة أقدام، وأما الظل في الشتاء فإنهم يذكرون أنه في تشرين الأول – هو الشهر العاشر من السنة الشمسية أعنى أكتوبر – خمسة أقدام أو خمسة أقدام وشيء، وفي كانون – أي: الأول وهو الشهر الثاني عشر من السنة الشمسية أعنى ديسمبر، وكانون الثاني وهو الشهر الأول أعنى يناير – سبعة أقدام أو سبعة أقدام وشيء، فقول ابن مسعود ينزل على هذا التقدير في ذلك الإقليم دون سائر الأقاليم والبلدان التي هي خارجة عن الإقليم الثاني – انتهى. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري (والنسائي) واللفظ له، وأخرجه أيضاً الحاكم. (باب تعجيل الصلاة) المراد بها جنس الصلاة المكتوبة، وفي بعض النسخ الصلوات، بلفظ الجمع يعني أن الأصل في الصلاة تعجيلها، والمبادرة إليها، وأداءها في أول الوقت، لقوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ [١٣٣:٤] .

стр. 706

﴿الفصل الأول﴾ ٥٨٩- (١) عن سيار بن سلامة، قال: ((دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي، فقال له أبي: كيف كان رسول الله ﷺ يصلى المكتوبة؟ فقال: كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس، ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية، ــ ولقوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ [١٤٨:٢] إلا ما خصه الشارع لحكمة اقتضت تأخيرها كصلاة العشاء والظهر في شدة الحر. ٥٨٩- قوله: (عن سيار) بفتح سين وتشديد تحتية (بن سلامة) بفتح السين وتخفيف لام، الرياحي، يكنى أبا المنهال البصري، من ثقات التابعين، روى عن أبي برزة الأسلمي وغيره، مات سنة (١٢٩) (دخلت أنا وأبي) أي: سلامة، قال: الحافظ: لم أقف على من ترجمة (على أبي برزة) بفتح موحدة وسكون راء (الأسلمي) بفتح الهمزة، وسكون اللام نسبة إلى أسلم بن أفصى، واسم أبي برزة نقلة – بنون مفتوحة ومعجمة ساكنة – ابن عبيد، صحابي مشهور بكنيته، أسلم قبل الفتح وغزا سبع غزوات، ثم نزل البصرة، وغزا خراسان، ومات بها سنة (٦٥) على الصحيح، له ستة وأربعون حديثاً اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بأربعة (يصلي المكتوبة) أي: الصلوات المفروضة باعتبار أوقاتها (كان يصلي الهجير) أي: صلاة الهجير، والهجير-بفتح الهاء وتخفيف الجيم- والهاجرة بمعنى، وهو وقت شدة الحر، وسميت بذلك الظهر لأن وقتها يدخل حينئذ (التي تدعونها) أي: تسمونها وأنث الموصول والضمير لكون الصلاة مرادة أو أنثهما لأن الهجير بمعنى الهاجرة، أو التقدير صلاة الهجير (الأولى) لأنها أول صلاة ظهرت وصليت، أو لأنها أول صلاة النهار العرفي (حين تدحض الشمس) أي: تزول عن وسط السماء إلى جهة المغرب، مأخوذ من الدحض وهو الزلق، وفي رواية لمسلم: حين تزول الشمس، وهي تفسير لقوله: تدحض، ومقتضي ذلك أنه كان يصلي الظهر في أول وقتها ولا يخالف ذلك الأمر بالإبراد، لاحتمال أن يكون ذلك في البرد، أو قبل الأمر بالإبراد، أو عند فقد شروط الإبراد لأنه يختص بشدة الحر، أو لبيان الجواز، قاله الحافظ (إلى رحله) أي: منزله ومسكنه ومحل أثاثه (في أقصى المدينة) حال من رحله، أو صفة له، وليس بظرف للفعل، أي: الكائن في أبعد المدينة وآخرها (والشمس حية) أي: بيضاء نقية قوية الأثر حرارة ولونا وإنارة وشعاعاً، والجملة حالية أي: حال كون الشمس صافية اللون عن التغيير والاصفرار، فإن كل شيء ضعفت قوته فكأنه قد مات. وقال العيني: حياة الشمس عبارة عن بقاء حرها لم يفتر، وبقاء لونها لم يتغير، وإنما يدخلها التغيير بدنو المغيب، كأنه جعل مغيبها موتاً لها – انتهى. والحديث يدل على المبادرة بصلاة العصر في أول وقتها، وأن وقتها يدخل بمصيره ظل كل شيء مثله، لأنه لا يكون أن يذهب بعد صلاة العصر إلى منزله

стр. 707

ونسيت ما قال: في المغرب، وكان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها، وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، ويقرأ بالستين إلى المائة. وفي رواية: ولا يبالي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل، ولا يحب النوم قبلها والحديث بعدها. متفق عليه. ــ في أبعد المدينة والشمس بيضاء نقية بعد مصير الظل مثلي الشيء (ونسيت ما قال) أي: أبو برزة (في المغرب) قائل ذلك هو سيار بينه أحمد في روايته (وكان) أي: النبي ﷺ وهو عطف على "كان يصلي" (يستحب) بفتح الياء وكسر الحاء (أن يؤخر) على بناء المعلوم أو المجهول (العشاء) إلى ثلث الليل كما سيأتي (التي تدعونها العتمة) بفتحات، هي الظلمة التي بعد غيبوبة الشفق، وفيه إشارة إلى ترك تسميتها (وكان يكره النوم قبلها) لما فيه من التعريض لصلاة العشاء على الفوات (والحديث) أي: التحادث مع الناس بكلام الدنيا (بعدها) لما فيه من تعريض قيام الليل بل صلاة الفجر على الفوات عادة ولينام عقب تكفير الخطيئة بالصلاة فيكون ختم عمله على عبادة كفرت خطاياه، وقد ورد الكلام بعدها في العلم وغيره من أمور المسلمين ومصالحهم مما لا يخل، ولذلك حمل هذا الحديث على ما لا يكون من الخير، وخص منه أيضاً المسافر والمصلي لما روى أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير والأوسط عن ابن مسعود مرفوعاً: لا سمر بعد الصلاة يعني العشاء الآخرة إلا لأحد رجلين مصل أو مسافر، ولما روى أيضاً في الأحكام عن عائشة مرفوعاً: لا سمر إلا لثلاثة: مصل، أو مسافر أو عروس (وكان ينفتل) أي: ينصرف أو يلتفت إلى المأمومين (من صلاة الغداة) أي: الصبح (حين يعرف الرجل جليسه) أي: الذي بجنبه، وإذا كان هذا وقت الفراغ فيكون الشروع بغلس، ففيه دليل على استحباب التعجيل بصلاة الصبح، لأن ابتداء معرفة الإنسان وجه جليسه يكون في أواخر الغلس، وقد صرح بأن ذلك كان عند فراغ الصلاة، ومن المعلوم من عادته ﷺ ترتيل القراءة، وتعديل الأركان، فمقتضى ذلك أنه كان يدخل فيها مغلساً، ولا يخالف ذلك حديث عائشة الآتي حيث قالت: ما يعرفن من الغلس، لأن الفرق بينهما ظاهر، وهو أن حديث أبي برزة متعلق بمعرفة من هو مسفر جالس إلى جنب المصلي، فهو ممكن، وحديث عائشة متعلق بمن هو متلفف مع أنه على بعد فهو بعيد، قاله الحافظ (ويقرأ) أي: في الصبح (بالستين) أي: آية يعني أنه كان يقرأ بهذا القدر من الآيات، وربما يزيد (إلى المائة) من الآية، وقدرها في رواية للطبراني بسورة الحاقة ونحوها، قال العيني: قوله: يقرأ بالستين إلى المائة. يدل على أنه كان يشرع في الغلس، ويمدها بالقراءة إلى وقت الأسفار، وإليه ذهب الطحاوي (وفي رواية) للشيخين (ولا يبالي) بل يستحب، وهو من المبالاة بمعنى الاكتراث بالشيء (ولا يحب النوم قبلها) بل يكرهه (متفق عليه) واللفظ للبخاري في باب وقت العصر وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه، وأخرج الترمذي طرفاً منه.

стр. 708

٥٩٠- (٢) وعن محمد بن عمرو بن الحسن بن على، قال: ((سألنا جابر بن عبد الله عن صلاة النبي ﷺ ، فقال: كان يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس حية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء إذا كثر الناس عجل، وإذا قلوا أخر، والصبح بغلس)) . متفق عليه. ٥٩١- (٣) وعن أنس، قال: ((كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ بالظهائر، سجدنا على ثيابنا إتقاء الحر)) . ــ ٥٩٠- قوله: (وعن محمد بن عمرو بن الحسن بن على) بن أبي طالب الهاشمي أبوعبد الله المدني، أمه رملة بنت عقيل ابن أبي طالب من ثقات لتابعين (عن صلاة النبي) أي: عن أوقات صلاته (بالهاجرة) هي شدة الحر نصف النهار عقب الزوال، سميت بذلك من الهجر وهو الترك لأن الناس يتركون التصرف حينئذ لشدة الحر، أو لأنهم يستكنون في بيوتهم كأنهم قد تهاجروا. قال القسطلاني: قوله: كان يصلي الظهر بالهاجرة، أي: إلا أن يحتاج إلى الإبراد لشدة الحر- انتهى. وتعقب بأنه لو كان ذلك مراده لفصل كما فصل في العشاء. وقال السندي: لعل المطلوب أنه كان يصلي الظهر في أول وقتها أي: لا يؤخرها تأخيراً كثيراً فلا ينافي الإبراد. ولعل تخصيص أيام الحر لبيان أن الحر لا يمنعه من أول الوقت فكيف إذا لم يكن هناك حر (إذا وجبت) المراد بوجوب الشمس أي: سقوطها وغيبوبة جميعها (إذا كثر الناس عجل، وإذا قلوا أخر) قال الطيبي: الجملتان الشرطيتان في محل النصب حالان من الفاعل أي: يصلي العشاء معجلاً إذا كثر الناس، ومؤخرا إذا قلوا، أو يحتمل أن يكونا من المفعول والراجح مقدر أي: عجلها أو أخرها- انتهى. والتقدير معجلة ومؤخرة، وفي رواية إذا رآهم اجتمعوا عجل وإذا رآهم أبطؤا أخر. والحديث فيه مشروعية ملاحظة أحوال المؤتمين، والمبادرة بالصلاة مع اجتماع المصلين لأن انتظارهم بعد الاجتماع ربما كان سبب لتأذى بعضهم وأما الانتظار قبل الاجتماع فلا بأس به لهذا الحديث, ولأنه من باب المعاونة على البر والتقوى. قال الشوكاني: الحديث يدل على استحباب تأخير صلاة العشاء لكن مقيداً بعدم اجتماع المصلين (والصبح بغلس) ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح (متفق عليه) واللفظ للبخاري في باب "وقت العشاء إذا اجتمع الناس أو تأخروا" وأخرجه أيضاً أبوداود والنسائي. ٥٩١- قوله: (بالظهائر) الباء زائدة، وهي جمع ظهيرة، وهي الهاجرة أي: شدة الحر من نصف النهار عقب الزوال، ولا يقال: في الشتاء ظهير، والمراد بها صلاة الظهر، وجمعها بالنظر إلى تعدد الأيام (على ثيابنا) الظاهر أنها الثياب التي هم لابسوها، ضرورة أن الثياب في ذلك الوقت قليلة، فمن أين لهم ثياب فاضلة؟ فهذا يدل على جواز أن يسجد المصلي على ثوب هو لابسه، كما عليه الجمهور، ومن لم يجوز يحمله على الثياب المنفصلة عن البدن، أو التي لا تتحرك بحركة المصلي، وهو تأويل لا تساعده الروايات، ولا النظر في الواقع (إتقاء الحر) بالنصب على أنه مفعول له أي: لأجل اتقاء الحر. وفي الحديث جواز استعمال الثياب، وكذا غيرها في الحيلولة بين المصلي وبين الأرض لاتقاء حرها وكذا

стр. 709

متفق عليه، ولفظه للبخاري. ٥٩٢- (٤) وعن أبي هريرة، قال: قال: رسول الله ﷺ : ((إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة)) . ٥٩٣- (٥) وفي رواية للبخاري عن أبي سعيد، بالظهر، فإن شدة الحر من فيح جهنم، ــ بردها. وفيه تقديم الظهر في أول الوقت، وظاهر الأحاديث الواردة في الأمر بالإبراد يعارضه، فمن قال: الإبراد رخصة فلا إشكال. ومن قال: سنة فإما أن يقول التقديم المذكور رخصة، وإما أن يقول منسوخ بالأمر بالإبراد كحديث المغيرة بن شعبة: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ صلاة الظهر بالهاجرة، فقال لنا: أبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم. أخرجه ابن ماجه وغيره، وصححه أبوحاتم وأحمد. وأحسن منهما أن يقال: إن شدة الحر قد توجد مع الإبراد فيحتاج إلى السجود على الثوب، أو إلى تبريد الحصى، لأنه قد يستمر حره بعد الإبراد، ويكون فائدة الإبراد وجود طل يمشي فيه إلى المسجد، أو يصلي فيه في المسجد، كذا في الفتح (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه (ولفظه للبخاري) في باب وقت الظهر عند الزوال. ٥٩٢- قوله: (فأبردوا) من الإبراد وهو الدخول في البرد، يقال: أبرد إذا دخل في البرد كأظهر إذا دخل في الظهيرة (بالصلاة) أي: بصلاة الظهر، والباء للتعدية أي: أدخلوها في البرد، وأخروها عن شدة الحر في أول الزوال، وقيل: الباء زائدة وأبرد متعد بنفسه، ومعنى" أبردوا أخروا على سبيل التضمين أي: أخروا الصلاة إلى أن يبرد الوقت وينكسر الوهج، والأمر للندب والقرينة الصارفة أن العلة فيه دفع المشقة عن المصلي لشدة الحر فصار من باب الشفقة والنفع. ٥٩٣- قوله: (بالظهر) أي: بدل بالصلاة (فإن شدة الحر من فيح جهنم) بفتح فاء وسكون ياء ثم حاء مهملة أي: من سطوع حرها، وسعة انتشارها، وتنفسها. ومنه مكان أفيح أي: متسع، وأرض فيحاء أي: واسعة، وهذا كناية عن شدة استعارها، وظاهره أن مثار وهج الحر في الأرض من فيح جهنم حقيقية، وقيل بل هو على وجه التشبيه والاستعارة، وتقديره أن شدة الحر تشبه نار جهنم فاحذروه، واجتنبوا ضرره، والأول أولى، ويؤيده قوله: اشتكت النار إلى ربها فأذن لها بنفسين. قال النووي: هو الصواب، لأنه ظاهر الحديث ولا مانع من حمله على حقيقته، فوجب الحكم بأنه على ظاهره. واستبعد هذا بل استشكل لأن اشتداد الحر في الأرض تابع لقرب الشمس وبعدها كما هو المشاهد المحسوس. وأجيب بأنه يمكن أن يكون الشمس بحيث أن جعل الله تعالى بين مادة جرمها وبين جهنم ارتباطاً وعلاقة ومناسبة تقبل بها الشمس حرارة نار جهنم حتى تكون حرارة الشمس سبباً لاشتداد الحر في الأرض في الظاهر، وحينئذ فلا استبعاد في نسبة اشتداد الحر في البلاد إلى فيح جهنم لأنه هو السبب الأصلي الباطني الغيبي لذلك، والله تعالى أعلم. والفاء في "فإن " لتعليل الإبراد أي: وعند شدته يذهب الخشوع الذي هو روح الصلاة وأعظم المطلوب منها. قيل وإذا كان العلة ذلك

стр. 710

واشتكت النار إلى ربها فقالت: رب! أكل بعضي بعضا. فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير)) . ــ فلا يشرع الإبراد في البلاد الباردة. واختلفوا في حد الإبراد ولم يرد في تحديده إلا ما تقدم من حديث ابن مسعود: كان قدر صلاة رسول الله ﷺ الظهر في الصيف، الخ. وما روى من حديث أبي ذر عند الشيخين فإن فيه: فقال له: أبرد حتى رأينا فئ التلول - الحديث. فهذه الغاية متعلقة بأبرد أي: قال له: أبرد إلى أن ترى، أو متعلقة بمقدر أي: قال له: أبرد فأبرد إلى أن رأينا، والفيء هو ما بعد الزوال من الظل، ومعنى الحديث أنه أخر تأخيراً كثيرا حتى صار للتلول فيء، وهي في الغالب منبطحة غير شاخصة لا يصير لها فئ في العادة إلا بعد زوال الشمس بكثير فيستنبط منه حد الإبراد وهو أن يؤخر بحيث يصير للجدر ظلال يمشون فيها، والله أعلم (واشتكت) جملة مبنية للأولى وإن دخلت الواو بين المبين والمبين كما في قوله تعالى: ﴿وإن من الحجارة لما يتفجر﴾ [٧٤:٢] (النار إلى ربها) شكاية حقيقية بلسان المقال بحياة وإدراك خلقهما الله تعالى فيها، وقيل: مجازية عرفية بلسان الحال. قال ابن عبد البر: لكلا القولين وجه ونظائر والأول أرجح، وقال عياض: إنه الأظهر، والله قادر على خلق الحياة بجزء منها حتى تكلم أو يخلق لها كلاما يسمعه من شاء من خلقه. وقال القرطبي: لا إحالة في حمل اللفظ على حقيقيته، وإذ أخبر الصادق بأمر جائز لم يحتج إلى تأويله، فحمله على حقيقته أولى. وقال النووي نحو ذلك، ثم قال: حمله على حقيقته هو الصواب، وقال: نحو ذلك التور بشتي، ورجح البيضاوي حمله على المجاز فقال: شكواها مجاز عن غليانها، وأكلها بعضها بعضاً مجاز عن ازدحام أجزاءها بحيث يضيق مكانها عنها فيسعى كل جزء في إفناء الجزء الآخر والاستيلاء على مكانه، وتنفسها مجاز عن لهبها وخروج ما يبرز منها. وقال الزين بن المنير: المختار حمله على الحقيقة لصلاحية القدرة لذلك، ولأن استعارة الكلام للحال وإن عهدت وسمعت لكن الشكوى وتفسيرها والتعليل له والإذن، والقبول، والتنفس، وقصره على اثنين فقط. بعيد من المجاز خارج عما ألف من استعماله (فأذن لها بنفسين) تثنية نفس وهو ما يخرج من الجوف ويدخل فيه من الهواء (نفس) بالجر على البدل أو البيان، ويجوز الرفع بتقدير أحدهما (أشد ما تجدون من الحر) برفع أشد على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: ذلك أشد ما تجدون، أو مبتدأ خبر محذوف أي: أشد ما تجدون من الحر من ذلك النفس، ويجوز الجر على البدل من النفس المجرور، والنصب بتقدير أعنى، وعلى كل تقدير فما إما موصولة أو موصوفة، ومن الحر ومن الزمهرير بيان (وأشد ما تجدون من الزمهرير) أي: شدة البرد ولا مانع من حصول الزمهرير من نفس النار لأن المراد بالنار محلها، وهو جهنم وفيها طبقة زمهريرية. والحديث يدل على استحباب الإبراد، ولا يعارض ذلك الأحاديث الواردة بتعجيل الظهر وأفضلية أول الوقت لأنها عامة أو مطلقة، وحديث الإبراد خاص أو مقيد، ولا تعارض بين عام وخاص ولا بين مطلق ومقيد، وأما حديث خباب عند مسلم، قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا

стр. 711

متفق عليه. وفي رواية للبخاري: فأشد ما تجدون من الحر فمن سمومها، وأشد ما تجدون من البرد فمن زمهريرها. ٥٩٤- (٦) وعن أنس، قال: ((كان رسول الله ﷺ يصلي العصر، والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى العوالي، فيأتيهم والشمس مرتفعة، وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه)) . ــ فلم يشكنا. أي: لم يعذرنا ولم يزال شكوانا، فمحمول على أنهم طلبواً تأخيراً زائداً على قدر الإبراد، لأن الإبراد أن يؤخر بحيث يصير للحيطان فئ يمشون فيه، ويتناقص الحر، والتأخير الزائد عنه أن يزول حر الرمضاء، وذلك قد يستلزم خروج الوقت فلذلك لم يجبهم (متفق عليه) للحديث طرفان أما طرفه الأول وهو طرف الإبراد فأخرجه أيضاً مالك وأحمد والترمذي في صفة جهنم، وابن ماجه في الزهد. قال العيني والقسطلاني: وأخرجه النسائي في الصلاة (وفي رواية للبخاري فأشد ما تجدون من الحر) الخ. لم أجد هذه الرواية في البخاري، نعم رواها مسلم والترمذي وابن ماجه بنحوها (فمن سمومها) بفتح السين المهملة، الريح الحارة (فمن زمهريرها) أي: من أثر طبقتها الباردة. ٥٩٤- قوله: (والشمس مرتفعة حية) أي: صافية اللون عن التغير والاصفرار (فيذهب الذاهب) أي: بعد صلاة العصر (إلى العوالي) جمع عالية وهي قري مجتمعة حول المدينة أبعدها على ثمانية أميال كما جزم به عياض وابن عبد البر وغير واحد، وآخرهم صاحب النهاية، وأقربها من المدينة على ميلين وبعضها على ثلاثة أميال (فيأتيهم) أي: فيصل إلى أهل العوالي (والشمس مرتفعة) أي: دون ذلك الارتفاع لكنها لم تصل إلى الحد الذي توصف به لأنها منخفضة. وفي ذلك دليل على تعجيله ﷺ لصلاة العصر لوصف الشمس بالارتفاع بعد أن تمضي مسافة أربعة أميال (وبعض العوالي) أي: بين العوالى والمدينة المسافة المذكورة (أو نحوه) أي: نحو هذا المقدار أي: قريب من أربعة أميال، وظاهر إيراد المصنف يقتضى أن هذا من كلام أنس، وليس كذلك بل هو مدرج من كلام الزهري الراوي عن أنس في الحديث، بينه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في هذا الحديث فقال: فيه بعد قوله: والشمس حية: قال الزهري: والعوالي من المدينة على ميلين أو ثلاثة، فهذا اختصار مخل موهم لخلاف المقصود، وحق العبارة أن يقول: وعن الزهري عن أنس، ثم يقول: قال الزهري: وبعض العوالي، الخ. والحديث يدل على استحباب المبادرة بصلاة العصر أول وقتها لأنه لا يمكن أن يذهب بعد صلاة العصر ميلين وثلاثة والشمس لم تتغير بصفرة ونحوها إلا إذا صلى العصر حين صار ظل الشيء مثله. قال النووي: ولا يكاد يحصل هذا إلا في الأيام الطويلة وهو دليل للجمهور القائلين بأن أول وقت العصر إذا صار ظل كل

стр. 712

متفق عليه ٥٩٥- (٧) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تلك صلاة المنافق: يجلس يرقب الشمس، حتى إذا اصفرت، وكانت بين قرني الشيطان؛ قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً)) رواه مسلم. ــ شيء مثله (متفق عليه) فيه نظر لأن زيادة: وبعض العوالي، الخ. من إفراد البخاري. والحديث أخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه وغيرهم. ٥٩٥- قوله: (تلك صلاة المنافق) إشارة إلى مذكور حكماً أي: صلاة العصر التي أخرت إلى الاصفرار، قاله ابن الملك. وقال الطيبي: إشارة إلى ما في الذهن من الصلاة المخصوصة، والخبر بيان لما في الذهن. والمنافق إما محمول على حقيقته بأن يكون بياناً لصلاته، أو يكون تغليظاً، يعني من أخر صلاة العصر إلى قبيل الغروب فقد شبه بالمنافق، فإن المنافق لا يعتقد حقيقة الصلاة بل إنما يصلي لدفع السيف، ولا يبالي بالتأخير إذ لا يطلب فضيلة، ولا ثوابا والواجب على المسلم أن يخالف المنافق (يجلس يرقب الشمس) أي: ينتظر غروبها، وهي جملة استئنافية بيان للجملة السابقة. قال النووي: فيه تصريح بذم تأخير صلاة العصر بلا عذر (حتى إذا اصفرت) أي: الشمس (وكانت بين قرني الشيطان) أي: جانبي رأسه، وهو كناية عن قرب الغروب، وذلك لأن الشيطان عند الطلوع والإستواء والغروب ينتصب دون الشمس، بحيث يكون الطلوع والغروب بين قرنيه، فهو محمول على حقيقته، وكلمة إذا للشرط وقوله: (قام) أي: إلى الصلاة جزاءها والشرطية استئنافية (فنقر أربعاً) من نقر الطائر الحبة نقرأ أي: التقطها. قال الجزري: يريد تخفيف السجود، وأنه لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله- انتهى. وقال السندي: كأنه شبه كل سجدتين من سجداته من حيث أنه لا يمكن يمكث فيهما ولا بينهما بنقر طائر إذا وضع منقارة يلتقط شيئاً- انتهى. يعني إنما قال: أربعاً أي: أربع سجدات مع أن في العصر ثماني سجدات لأنه لا يمكث بينهما، فكأنه سجد أربعاً. وفيه تصريح بذم من صلى مسرعاً بحيث لا يكمل الخشوع والطمأنينة والأذكار، وقيل معنى نقرأ أربعاً أي: لقط أربع ركعات سريعاً، فالنقر عبارة عن السرعة في أداء الصلاة، وقيل عن سرعة القراءة وقلتها وقلة الذكر فيها (لا يذكر اله فيها) لعدم اعتقاده أو لخلوة الإخلاص (إلا قليلا) أي: ذكرا قليلا، وقيل: الظاهر أنه منفصل أي: لكنه في زمن قليل يذكر الله فيه بلسانه فقط. قيل: وتخصيص الأربع بالنقر وفي العصر ثمان سجدات اعتبار بالركعات (رواه مسلم) فيه نظر لأن لفظة (إذا اصفرت) ليست في رواية مسلم بل هي في رواية أبي داود، ولفظ مسلم كذا: حتى إذا كانت بين قرني الشيطان. والحديث أخرجه أيضاً أحمد، والترمذي، وأبوداود، والنسائي.

стр. 713

٥٩٦- (٨) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله)) متفق عليه. ٥٩٧- (٩) وعن بريدة، قال: قال: رسول الله ﷺ : ((من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله)) . ــ ٥٩٦- قوله: (الذي تفوته) أي: بغروب الشمس، قاله نافع الراوي لهذا الحديث، وقيل بفوت الوقت المختار ومجئ وقت الاصفرار، روى ذلك أبوداود عن الأوزاعي في هذا الحديث، وقيل بفوت الجماعة والإمام، والراجح هو الأول لما روى ذلك مرفوعاً عند ابن أبي شيبة، ذكره السيوطي (صلاة العصر) أي: بغير اختياره، وظاهره التغليظ على من تفوته صلاة العصر وأن ذلك مختص بها والله تعالى يختص ما شاء من الصلوات بما شاء من الفضيلة (فكأنما وتر أهله وماله) على بناء المفعول ونصب الأهل والمال أو رفعهما، قيل النصب المشهور وعليه الجمهور، وهو مبنى على أن وتر بمعنى سلب وهو يتعدى إلى مفعولين، والرفع على أنه بمعنى أخذ فيكون أهله هو نائب الفاعل، والمعنى: أخذ أهله وماله فبقى وترا فرداً بلا أهل ومال، يريد أنه فليكن على حذر من فوتها كحذره من ذهاب أهله وماله. وقيل: الوجه أن المراد أنه حصل له النقصان في الأجر في الآخرة ما لو وزن بنقص الدنيا لما وازنه إلا نقصان من نقص أهله وماله. وقال الحافظ: قوله: أهله. هو بالنصب عند الجمهور على أنه مفعول ثان لوتر، وأضمر في "وتر" مفعول ما لم يسم فاعله، وهو عائد على الذي فاته العصر، فالمعنى: أصيب بأهله وماله، وهو متعد إلى مفعولين، ومثله قوله تعالى: ﴿ولن يتركم أعمالكم﴾ [٣٥:٤٧] . وقيل: "وتر" ههنا بمعنى نقص فعلى هذا يجوز نصبه ورفعه، لأن من رد النقص إلى الرجل نصب وأضمر ما يقوم مقام الفاعل ومن رده إلى الأهل رفع-انتهى. والحديث حمله الترمذي على الساهي والناسي، وعلى هذا فالمراد بالحديث أنه يلحقه من الأسف عند معاينة الثواب لمن صلى ما يلحق من ذهب أهله وماله. وقد روى معنى ذلك عن سالم بن عبد الله بن عمر، ويؤخذ منه التنبيه على أن أسف العامد أشد لاجتماع فقد الثواب وحصول الإثم، وحمله بعضهم على العامد، والظاهر أنه محمول على الساهي، والله أعلم (متفق عليه) وأخرجه أيضاً مالك والترمذي وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، وغيرهم. وفي الباب عن نوفل بن معاوية عند النسائي وغيره. ٥٩٧- قوله (من ترك) أي: متعمداً كما في رواية لأحمد وكما في حديث أبي الدرداء عنده أيضاً (صلاة العصر) متكاسلاً (فقد حبط عمله) قال. ابن عبد البر: مفهوم قوله تعالى: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾ [٥:٥] أن من لم يكفر بالإيمان لم يحبط عمله، فيتعارض مفهومه ومنطوق الحديث، فيتعين تأويل الحديث لأن الجمع إذا أمكن كان أولى من الترجيح. فقيل في تأويله أن الوعيد خرج مخرج الزجر الشديد، وظاهره غير مراد كقوله: لا يزني الزاني وهو مؤمن، وقيل: هو من مجاز التشبيه كأن المعنى فقد أشبه من حبط عمله. وقيل معناه: كاد أن يحبط. وقيل: المراد بالحبط الإبطال، أي: يبطل انتفاعه بعمله في وقت ما، ثم ينتفع به كمن رجحت سيئاته على حسناته فأنه

стр. 714

رواه البخاري. ٥٩٨- (١٠) وعن رافع بن خديج، قال: ((كنا نصلي المغرب مع رسول الله ﷺ ، فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله)) . متفق عليه. ٥٩٩- (١١) وعن عائشة ﵂ قالت: ((كانوا يصلون العتمة فيما بين أن يغيب الشفق إلى ــ موقوف في المشيئة، فإن غفر له فمجرد الوقوف إبطال لنفع الحسنة إذ ذاك، وإن عذب ثم غفر له فكذلك. قال: معنى ذلك القاضي أبوبكر بن العربي، ومحصل ما قال: أن المراد بالحبط في الآية غير المراد بالحبط في الحديث. وقال: في شرح الترمذي ما حاصله: أن الحبط على قسمين حبط إسقاط، وهو إحباط الكفر للإيمان وجميع الحسنات، وهو إحباط حقيقي. وحبط موازنة وهو إحباط المعاصي للانتفاع بالحسنات عند رحجانها عليها إلى أن تحصل النجاة فيرجع إليه جزاء حسناته، وهو إحباط مجازي أطلق عليه الإحباط مجازاً لا حقيقة وهذا هو المراد في الحديث، وقيل في تأويله غير ذلك، قال الحافظ: أقرب هذه التأويلات قول من قال: إن ذلك خرج مخرج الزجر الشديد، وظاهره غير مراد-انتهى. وقال السندي: حبط عمله، بكسر الباء أي: بطل. قيل: أريد به تعظيم المعصية لا حقيقة اللفظ. ويكون مجاز التشبيه. قال: وهذا مبنى على أن العمل لا يحبط إلا بالكفر، لكن ظاهر قوله تعالى: ﴿لا ترفعوا أصواتكم﴾ الآية [٢:٤٩] ، يفيد أنه يحبط ببعض المعاصي أيضاً فيمكن أن يكون ترك العصر عمدا من جملة تلك المعاصي-انتهى (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً أحمد، والنسائي، وابن ماجه. ٥٩٨- قوله: (كنا نصلي المغرب مع رسول الله ﷺ ، فينصرف أحدنا) من الصلاة (وإنه) أي: والحال أن أحدنا (ليبصر) من الإبصار أي: بعد الصلاة (مواقع نبله) بفتح النون وسكون الموحدة، وهي السهام العربية لا واحد لها من لفظها. وقيل: واحدها نبلة كتمرة وتمرة يعني أنه ﷺ كان يعجل بها في أول وقتها بمجرد غروب الشمس حتى ينصرف أحدنا بعد الصلاة، ويرمي السهم عن قوسه ويبصر موقعه لبقاء الضوء، ففيه دليل على المبادرة بصلاة المغرب في أول وقتها بحيث أن الفراغ منها يقع والضوء باق، وقد كثر الحث على المسارعة بها، وأما الأحاديث الواردة في تأخيرها إلى قرب سقوط الشفق فكانت لبيان جواز التأخير، قلت: والحديث يدل على أنه يقرأ فيها السور القصار إذ لا يتحقق مثل هذا إلا عند المبادرة وقراءة السور القصار، فليتأمل (متفق عليه) وأخرجه أيضاً ابن ماجه. وفي الباب عن أنس عند أبي داود، ورجل من أسلم من أصحاب النبي ﷺ عند النسائي، وعن ناس من الأنصار عند أحمد، قال: الحافظ: إسناده حسن. ٥٩٩- قوله: (كانوا) أي: النبي ﷺ وأصحابه (يصلون العتمة) أي: صلاة العشاء (فيما بين أن يغيب الشفق إلى

стр. 715

ثلث الليل الأول)) متفق عليه. ٦٠٠- (١٢) وعنها، قالت: ((كان رسول الله ﷺ ليصلي الصبح، فتنصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس)) . ــ ثلث الليل الأول) بالجر صفة ثلث، وفيه بيان الوقت المرغوب المختار لصلاة العشاء لما يشعر به السياق من المواظبة على ذلك، وقد ورد بصيغة الأمر في هذا الحديث عند النسائي، ولفظه: ثم قال: صلوا فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل. وليس بين هذا وبين قوله في حديث أنس: أنه أخر الصلاة إلى نصف الليل. معارضة، لأن حديث عائشة محمول على الأغلب من عادته ﷺ ، كذا في الفتح (متفق عليه) أي: على أصل الحديث الذي اللفظ المذكور طرف منه. وإلا فالسياق المذكور من إفراد البخاري، وهو طرف من حديث اتفق الشيخان على روايته، وبين ألفاظهما اختلاف يسير والطرف الذي ذكره المصنف ليس عند مسلم بل هو من إفراد البخاري، فقول المصنف "متفق عليه" لا يخلو عن نظر. ٦٠٠- قوله: (ليصلي) اللام فيه للإبتداء، وقد دخل على الخبر وهو جائز عند الكوفيين (فتنصرف النساء) أي: اللاتي يصلين معه (متلفعات) جمع مرط- بكسر ميم وسكون راء – وهو كساء معلم من خز أو صوف أو غير ذلك. وقيل هي ملحفة يؤتزر بها. قال الجزري: أي: متلففات بأكسيتهن، واللفاع ثوب يجلل به الجسد كله كساء كان أو غيره، وتلفع بالثوب إذا اشتمل به – انتهي. وقال السيوطي: التلفع هو التلفف إلا أن فيه زيادة تغطية الرأس، فكل متلفع متلفف، وليس كل متلفف متلفعاً (مايعرفن) ما نافية أي: ما يعرفن أنساء أم رجال؟ أي: لا يظهر للرائي إلا الأشباح خاصة. وقيل: لا يعرف أعيانهن فلا يفرق بين خديجة وزينب، فإن لكل امرأة هيئة غير هيئة الأخرى غالباً، ولو كان بدنها مغطى، وهذا هو الظاهر، فإن المعرفة إنما تتعلق بالأعيان، ولو كان المراد الأول لعبر بنفي العلم، ووقع في رواية للبخاري أي: في باب سرعة انصراف النساء من الصبح: لا يعرف بعضهن بعضا، وهذا كالصريح في عدم معرفة أعيانهن وأشخاصهن دون معرفة الذكر من الأنثى. قال السندي: ما يعرفن أي: حال الانصراف إلى البيت في الطريق لا في داخل المسجد كما زعمه المحقق ابن الهمام، لأن جملة "ما يعرفن" حال من فاعل تنصرف فيجب المقارنة بينهما – انتهى. قلت: فبطل ذلك تأويل من قال: من الحنفية أن المراد من الغلس غلس المسجد لأنه كان مسقفاً فما كان يظهر فيه النور إلا بطلوع الشمس. (من الغلس) أي: لأجل الظلمة لا لأجل التلفع، فمن ابتدائية أو تعليلية، وهو بفتحتين بقايا ظلام الليل يخالطها ظلام الفجر، وقال الجزري: ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح. قال الحافظ: في الحديث استحباب المبادرة بصلاة الصبح في أول الوقت، وجواز خروج النساء إلى المساجد لشهود الصلاة في الليل، ويؤخذ منه جوازه في النهار من باب الأولى. لأن الليل مظنة الريبة أكثر من النهار، ومحل ذلك إذا لم يخش عليهن أو بهن فتنة-انتهى.

стр. 716

متفق عليه. ــ قلت: الحديث يدل على أن التغليس أفضل من الإسفار، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحق. قال ابن عبد البر: صح عن رسول الله ﷺ ، وعن أبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يغلسون، ومحال أن يتركوا الأفضل، وياتوا الدون، وهم النهاية في إتيان الفضائل. واستدل هؤلاء الأئمة على أفضلية التغليس بحديث عائشة هذا، وبحديث إبن عمر عند ابن ماجه، وبحديث أنس الآتي، وبحديث قيلة بنت مخرمة عند الطبراني وابن مندة، ذكره الحافظ في الإصابة (ج٤:ص٣٩٤، ٣٩١) في قصة طويلة قال ابن عبد البر: هو حديث طويل فصيح حسن، وبحديثي أبي برزة وجابر بن عبد الله المتقدمين، وبحديث أبي مسعود قال: صلى رسول الله ﷺ الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، لم يعد إلى أن يسفر. رواه الحازمي، وأبوداود، وغيرهما، وصححه ابن خزيمة وغيره. قال الحازمي: تغليس النبي ﷺ ثابت، وأنه دوام عليه إلى أن فارق الدنيا، ولم يكن رسول الله ﷺ يداوم إلا على ما هو الأفضل، وكذلك أصحابه من بعده تأسياً به ﷺ ، ثم روى بسنده حديث أبي مسعود هذا وقال بعد روايته: هذا طرف من حديث طويل في شرح الأوقات، وهو حديث ثابت مخرج في الصحيحين بدون هذه الزيادة، وهذا إسناد رواته عن آخره ثقات، والزيادة عن الثقة مقبولة. وقال المنذري في تلخيص السنن نحو هذا. وقال الخطابي: هو صحيح الإسناد. وقال ابن سيد الناس: إسناده حسن. وقال الشوكاني: رجاله في سنن أبي داود رجال الصحيح، وقد أعل بعضهم حديث أبي مسعود هذا بما قد رده شيخنا في أبكار المنن (ص٧١-٧٣) وفي شرح الترمذي (ج١:ص١٤٣) فارجع إليهما. وقد خالف الحنفية أحاديث التغليس، وقالوا باستحباب الإسفار، واستدلوا لذلك بحديث رافع بن خديج الآتي: أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر، وسيأتي كلام فيه فانتظر. وأجابوا عن أحاديث التغليس بأجوبة كلها مخدوشة مردودة. فمنها أن هذه الأحاديث محمولة على الخصوصية، وفيه أن هذا مجرد دعوى لا دليل عليه بل يبطله عمل الخلفاء الراشدين من بعده. ومنها أنها منسوخة فكان التغليس في ابتداء حين كن يحضرن الجماعات، ثم لما أمرن بالقرار في البيوت انتسخ ذلك، وفيه ما في الأول مع أنه لم يثبت منعهن من المساجد بل ثبت النهي عن منعهن من المساجد كما لا يخفى. ومنها أنها محمولة على عذر الخروج إلى سفر، وفيه أنه ﷺ قد داوم على التغليس في الحضر والسفر، ولازمه حتى فارق الدنيا، فلو كان مستحباً لما اجتمع الصحابة على الإسفار. وقد روى الطحاوي عن إبراهيم النخعي قال: ما اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ على شيء ما اجتمعوا على التنوير، وفيه أن دعوى إجماع الصحابة على الإسفار باطلة جداً يبطلها عمل الخلفاء الراشدين، ومن سواهم من الصحابة والتابعين بالتغليس. ومنها أنها محمولة على أطول القراءة كسورة البقرة، فيحمل على الخصوصية أيضاً لقوله ﷺ :صل بالقوم صلاة أضعفهم، وفيه أنه قد تقدم أنه ﷺ كان يصلي في الصبح ما بين الستين إلى المائة، وهذا لا يخالف قوله: صل بالقوم صلاة أضعفهم، فلا حاجة إلى حمل تغليسه على الخصوصية (متفق عليه) وأخرجه أيضاً مالك، وأحمد، والترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم.

стр. 717

٦٠١- (١٣) وعن قتادة، عن أنس: ((أن نبي الله ﷺ وزيد بن ثابت تسحرا، فلما فرغا من سحورهما، قام نبي الله ﷺ إلى الصلاة، فصلى. قلنا؛ لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة.؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية)) رواه البخاري. ٦٠٢- (١٤) وعن أبي ذر، قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((كشف أنت إذا كانت عليك أمراء يميتون الصلاة، أو يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ ــ ٦٠١- قوله: (وعن قتادة) بفتح القاف، ابن دعامة – بكسر المهملة، وخفة العين – ابن قتادة السدوسي، يكنى أبا الخطاب البصري الأعمى، أحد ألأئمة الأعلام، ثقة، ثبت، حافظ مدلس، روى عن أنس، وابن المسيب، والحسن، وابن سيرين، وغيرهم. يقال: ولد أكمه. قال سعيد بن المسيب لما رأى جودة حفظه وإتقانه: ما أظن أن الله خلق مثلك. وقال أيضا: ما أتاني عراقي أحسن من قتادة. وقال ابن سيرين: قتادة أحفظ الناس. قال ابن مهدي: قتادة أحفظ من خمسين مثل حميد. وقال قتادة: ما سمعت أذناي شيئاً إلا وعاه قلبي. قيل: مات بواسط في الطاعون سنة (١١٧) أو (١١٨) وهو ابن (٥٥) أو (٥٦) أو (٥٧) سنة بعد الحسن بسبع سنين. (تسحرا) أي أكلا السحور. (من سحورهما) بفتح السين اسم لما يتسحر به، وقيل بضمها وهو مصدر. (إلى الصلاة) أي صلاة الصبح. (فصلى) أي إماماً وهو معه. (كم كان) أي مقدار، قال ابن الملك: اشتق منه مبتدأ وخبرها الجملة أي أيّ زمان كان. (قال: قدر) بالنصب خبر لكان المقدر، أي كان ما بينهما قدر، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي الفاضلة قدر (ما يقرأ الرجل خمسين آية) فيه دليل على استحباب التغليس، وأن أول وقت الصبح طلوع الفجر؛ لأنه الوقت الذي يحرم فيه الطعام والشراب، والمدة التي بين الفراغ من السحور والدخول في الصلاة وهي قراءة الخمسين آية أو نحوها لعلها مقدار ما يتوضأ، فأشعر بذلك أن أول وقت الصبح أول ما يطلع الفجر، وفيه أنه ﷺ كان يدخل فيها بغلس. (رواه البخاري) وأخرجه أيضا النسائي في الصيام. ٦٠٢- قوله: (كيف أنت) أي كيف الحال والأمر بك. (إذا كانت عليك أمراء) قال الطيبي: أي ما حالك حين ترى من هو حاكم عليك متهاوناً في الصلاة يؤخرها عن أول وقتها وأنت غير قادر على مخالفته؟ إن صليت معه فاتتك فضيلة أول الوقت، وإن خالفته خفت أذاه وفاتتك فضيلة الجماعة. فسأل كيف أفعل حينئذٍ، و"عليك" خبر كان، أي كانت الأمراء مسلطين عليك قاهرين لك، وفي الحديث إخبار بالغيب، وقد وقع في زمن بني أمية فكان معجزة. (يميتون الصلاة) أي يؤخرونها ويجعلونها كالميت الذي خرجت روحه. (أو يؤخرون الصلاة) وفي بعض النسخ أو يؤخرونها، وأو للشك من الراوي. (عن وقتها) قال الطيبي: شبه إضاعة الصلاة وتأخيرها عن وقتها بجيفة ميت تنفر عنها الطباع كما شبه المحافظة عليها وأداءها في وقت اختيارها بذي حياة له نضارة وطراوة في عنفوان شبابه، ثم أخرجها مخرج

стр. 718

قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها. فإن أدركتها معهم، فصل، فإنها لك نافلة)) رواه مسلم. ٦٠٣- (١٥) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح. ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر)) . ــ الاستعارة وجعل القرينة يميتون؛ لأنه غير لازم المشبه به. قال النووي: المراد بتأخيرها تأخيرها عن وقتها المختار؛ لأنهم لم يكونوا يؤخرونها عن جميع وقتها. قلت: ظاهر الحديث إخراج الصلاة وتأخيرها عن جميع وقتها، وعليه حمله النسائي. وقد صح أن الحجاج وأميره الوليد وغيرهما كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، فينبغي أن يحمل هذا الحديث على الواقع. قال الحافظ في الفتح: قد صح أن الحجاج وأميره الوليد وغيرهما كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، والآثار في ذلك مشهورة، ثم ذكرها. (فما تأمرني) أي فما الذي تأمرني أن أفعل في ذلك الوقت؟. (فإن أدركتها) بأن حضرتها. (معهم فصل فإنها) أي الصلاة التي صليت مع الأمراء. (لك نافلة) يعني صل الصلاة في أول الوقت، فإن صادفتهم بعد ذلك وقد صلوا أجزأتك صلاتك، وإن أدركت الصلاة معهم فصل معهم، وتكون هذه الثانية نافلة لك. والحديث يدل على مشروعية الصلاة لوقتها وترك الإقتداء بالأمراء إذا أخروها عن أول وقتها، وأن المؤتم يصليها منفرداً، ثم يصليها مع الإمام لئلا تتفرق الكلمة وتقع الفتنة، فيجمع بين فضيلتي أول الوقت والجماعة. وقوله: فإنها لك نافلة. صريح في أن الصلاة التي يصليها مرتين تكون الأولى فريضة، والثانية نفلاً. وفي الحديث دليل على أنه لا بأس بإعادة الصبح والعصر وسائر الصلوات؛ لأن النبي أطلق الأمر بالإعادة، ولم يفرق بين الصلاة والصلاة، فيكون مخصصاً لحديث: لا صلاة بعد العصر وبعد الفجر. (رواه مسلم) وأخرجه أيضا الترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه. ٦٠٣- قوله: (من أدرك ركعة) بأن أتى بها بواجباتها من الفاتحة، واستكمال الركوع والسجود، ومفهومه أن من أدرك أقل من ركعة لا يكون مدركاً للوقت، وأن صلاته تكون فضاء، وإليه ذهب الجمهور، وقيل: تكون أداء. والحديث يرده. (من الصبح) أي من صلاة الصبح. (قبل أن تطلع الشمس) أي وأضاف إليها أخرى بعد طلوعها. (فقد أدرك الصبح) أي أدرك صلاة الصبح أداء لوقوع ركعة في الوقت، فالإتيان ببعضها قبل خروج الوقت ينسحب حكمه على ما بعد خروجه فضلاً من الله، فيكون الكل أداء. وقيل: أي تمكن من إدراكها بأن يضم إلى الركعة المؤداة بقية الصلاة. وليس المراد أن الركعة تكفي عن الكل. وهذا لصاحب العذر كالرجل ينام عن الصلاة، أو ينساها فيذكر، أو يستيقظ عند طلوع الشمس وغروبها. قال النووي: وقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز تعمد التأخير إلى هذا الوقت-انتهى.

стр. 719

قال الحافظ: الإدراك الوصول إلى الشيء، فظاهره أنه يكتفي بذلك، وليس ذلك مراداً بالإجماع، فقيل: يحمل على أنه أدرك الوقت، فإذا صلى ركعة أخرى فقد كملت صلاته، وهذا قول الجمهور، وقد صرح بذلك في رواية الدراوردي عن زيد بن أسلم، أخرجه البيهقي من وجهين، ولفظه: من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، وركعة بعد ما تطلع الشمس، فقد أدرك الصلاة. وأصرح منه رواية أبي غسان محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم عن عطاء وهو ابن يسار، عن أبي هريرة بلفظ: من صلى ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، ثم صلى ما بقي بعد غروب الشمس فلم يفته العصر. وقال مثل ذلك في الصبح، وفي رواية للبخاري يعني التي بعد هذا الحديث: فليتم صلاته، وللنسائي من وجه آخر: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة كلها إلا أنه يقضي ما فاته. وللبيهقي من وجه آخر: من أدرك ركعة من الصبح فليصل إليها أخرى. ويؤخذ من هذا الرد على الطحاوي حيث خص الإدراك باحتلام الصبي، وطهر الحائض وإسلام الكافر، ونحوها، وأراد بذلك نصرة مذهبه في أن من أدرك من الصبح ركعة تفسد صلاته؛ لأنه لا يكملها إلا في وقت الكراهة – انتهى. والحديث يدل على أن من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل طلوع الشمس فقد أدرك صلاة الصبح ولا تبطل بطلوعها، كما أن من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل غروب الشمس فقد أدرك صلاة العصر ولا تبطل بغروبها، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وهو الحق، وخالف أبوحنيفة هذا الحديث فقال: من طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الصبح بطلت صلاته. واحتج في ذلك بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس. وأجيب عنه بأن أحاديث النهي عامة تشمل ذوات الأسباب المتقدمة وغير ذوات الأسباب من النوافل والفرائض. وحديث أبي هريرة هذا خاص ليس فيه إلا ذكر صلاة ذات سبب متقدم، فتحمل أحاديث النهي على ما لا سبب له من النوافل جمعاً بين الحديثين، فإن الجمع بالتخصيص أولى من ادعاء النسخ، قاله الحافظ. قال الشوكاني: هذا جمع بما يوافق مذهب الحافظ، والحق أن أحاديث النهي عامة تشمل كل صلاة، وهذا الحديث خاص فيبني العام على الخاص، ولا يجوز في ذلك الوقت شيء من الصلوات إلا بدليل يخصه، سواء كان من ذوات الأسباب أوغيرها-انتهى. وقال النووي: قال أبوحنيفة: تبطل صلاة الصبح بطلوع الشمس؛ لأنه دخل وقت النهي الصلاة بخلاف غروب الشمس. (ففرق بين فجر اليوم وعصره) والحديث حجة عليه-انتهى. قال القاري بعد ذكر كلام النووي ما نصه: وجوابه ما ذكره صدر الشريعة (في شرح الوقاية) : أن المذكور في كتب أصول الفقه أن الجزء المقارن للأداء سبب لوجوب الصلاة، وآخر وقت العصر وقت ناقص إذ هو وقت عبادة الشمس، فوجب ناقصاً، فإذا أداه أداه كما وجب فإذا اعترض الفساد بالغروب لا تفسد، والفجر كل وقته وقت كامل؛ لأن الشمس لا تعبد قبل طلوعها، فوجب كاملاً، فإذا اعترض الفساد بالطلوع تفسد؛ لأنه لم يؤديها كما وجب، فإن قيل: هذا تعليل في معرض النص، قلنا: لما وقع التعارض بين هذا الحديث وبين النهي الواردة عن الصلاة في الأوقات الثلاثة رجعنا إلى القياس كما هو حكم التعارض، والقياس رجح هذا الحديث في صلاة العصر، وحديث النهي في صلاة الفجر، وأما سائر الصلوات فلا تجوز في الأوقات الثلاثة المكروهة لحديث النهي الوارد، إذ لا معارض لحديث النهي فيها. قلت: قد رد هذا التقرير المزخرف الشيخ عبد الحي اللكنوي

стр. 720

وهو من الحنفية في حاشيته على شرح الوقاية حيث قال: فيه بحث، وهو أن المصير إلى القياس عند تعارض النصين إنما هو إذا لم يمكن الجمع بينهما، وأما إذا أمكن يلزم أن يجمع بينهما، وههنا العمل بكليهما ممكن بأن يخص صلاة العصر والفجر الوقتيتان من عموم حديث النهي، ويعمل بعمومه في غيرهما، وبحديث الجواز فيهما إلا أن يقال حديث الجواز خاص، وحديث النهي عام، وكلاهما قطعيان عند الحنفية، ومتساويان في الدرجة والقوة، فلا يخص أحدهما الآخر، وفيه أن قطعية العام كالخاص ليس متفقاً عليه بين الحنفية، فإن كثيراً منهم وافقوا الشافعية في كون العام ظنياً كما هو مبسوط في شروح المنتخب الحسامي وغيرها-انتهى. وقال صاحب الكوكب الدري بعد ذكر وجه الفرق بين الفجر والعصر بنحو ما ذكره صدر الشريعة ما لفظه: هذا ما قالوا، وأنت تعلم ما فيه من الاختلال وتزويق المقال، فإن قولهم: النهي عن الأفعال الشرعية يقتضي صحتها في أنفسها، ينادي بأعلى نداء على جواز الصلاتين كلتيهما وإن اعتراهما حرمة بعارض التشبه بعبدة الشمس، فادعاء المعارضة بينهما باطل، وإن قطع النظر عن ذلك فلا وجه لعدم الجواز في الفجر والجواز في العصر، فإن الوقت شرط لكلتيهما، فإذا غربت الشمس بأداء ركعة أو ركعتين لم يبق الوقت المشروط لصحة الباقي، فكيف يمكن لهم القول بأن الصلاة تامة، إذ ليس ذلك إلا قولاً بعدم اشتراط الوقت، فعلى هذا يلزم عليهم جواز صلاة من شرع في الصلاة وثوبه نجس بقدر الدرهم أو دونه، ثم بعد أدائه ركعة وضع عليه رجل شيئاً نجساً ليس ذلك إلا أداء الصلاة على الكيفية التي التزمها، أو من أخذ في الصلاة وهو يدافعه الأخبثان، فلما قضى ركعة أو ركعتين بال أو تغوط، أو ليس نظير ما قالوا، فإنه أدى صلاته بعد الحدث على نحو مما التزمه. (إلى آخر ما قال وأطال في الرد عليهم) قلت: ويلزمهم أيضاً أن يقولوا بفساد صلاة العصر إذا شرع فيها في الجزء الصحيح الكامل أي قبل الاصفرار ومدها إلى أن غربت، مع أنها لا تكره عندهم فضلاً عن أن تفسد. وما اعتذروا عنه بعذر الخشوع والخضوع لا ينفع كما أقربه صاحب فيض الباري، فإن الاحتراز عن المد إلى غروب الشمس ليس مما يتعذر كما لا يخفى على المنصف غير المتعسف. واختار صاحب الكوكب في معنى الحديث ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة من جواز الصلاتين العصر والصبح، وفراغ الذمة لمن صلى في هذين الوقتين، وإن لم يخل فعله ذلك من الكراهة، واعلم أن الحنفية قد عجزوا عن دفع إلزام العمل ببعض هذا الحديث وترك بعضه مع أن النقص قارن العصر ابتداء والفجر بقاء، ولذلك ذهب الطحاوي إلى عدم جواز عصر يومه كالفجر خلافاً لمذهب الحنفية. قال صاحب الفيض: إن الحديث لا يفرق بين الفجر والعصر، وظاهره موافق لما ذهب إليه الجمهور، وتفريق الحنفية باشتمال العصر على الوقت الناقص دون الفجر عمل بإحدى القطعتين وترك الأخرى بنحو من القياس، وذا لا يرد على الطحاوي، فإنه ذهب إلى النسخ بالكلية بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، إلا أن المعروف من مذهب الحنفية خلافه، فإنهم قائلون في العصر بصحتها كما في الحديث، قال: فلم أر جواباً شافياً عنه في أحد من كتب الحنفية بعد، ثم حمل هو هذا الحديث على المسبوق، وقال: إن المراد بالإدراك إدراك الجماعة لا إدراك الوقت، وإن الصلاة كلها في الوقت قبل الطلوع في الفجر، وقبل الغروب في العصر، ومعنى الحديث: من أدرك ركعة من الصبح مع الإمام وركعة أخرى بعد انصرافه، وكلتاهما في الوقت قبل الطلوع، وكذا في العصر أدرك

стр. 721

متفق عليه. ٦٠٤- (١٦) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس، فليتم صلاته. وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس، فليتم صلاته)) رواه البخاري. ــ ركعة مع الإمام وثلاث ركعات بعد سلامه لكن الصلاة كلها وقعت في الوقت قبل الغروب، وهذا كما ترى تحريف للحديث وإبطال لمؤداه، لا توجيه له مع أنه يبطل شرحه ويهدمه، كما اعترف به هو ما تقدم من رواية البيهقي بلفظ: من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، وركعة بعد ما تطلع الشمس، فقد أدرك الصلاة، هذا. وقد أطال الكلام في الجواب عن هذه الرواية وتقرير ما رامه من تحريف الحديث، وأتى بكلام كله تكلفات ودعاوي محضة، ونسبة الوهم وسوء الفهم والاختصار إلى الرواة من غير دليل وبرهان. واعلم أيضاً أن إدراك الركعة قبل خروج الوقت لا يختص بصلاة الفجر والعصر؛ لما ثبت عند الشيخين وغيرهما من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة. وهو أعم من حديث الباب. قال الحافظ: ويحتمل أن تكون اللام عهدية، ويؤيده أن كلاً منهما من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة، وهذا مطلق وذاك يعني حديث الباب مقيد فيحمل المطلق على المقيد – انتهى. ويمكن أن يقال أن حديث الباب دل بمفهومه على اختصاص ذلك الحكم بالفجر والعصر، وهذا الحديث دل بمنطوقه على أن حكم جميع الصلوات لا يختلف في ذلك، والمنطوق أرجح من المفهوم فيتعين المصير إليه، ولاشتماله على الزيادة التي ليست منافيه للمزيد، كذا في النيل. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً مالك وأحمد والترمذي وأبوداود والنسائي، وابن ماجه وغيرهم. ٦٠٤- قوله: (إذا أدرك أحدكم سجدة) أي ركعة كما ذكره المجد بن تيمية في المنتقى، ومسلم في صحيحه، وقد ثبت عند الإسماعيلي بلفظ "ركعة" مكان سجدة، فدل على أن الاختلاف في اللفظ وقع من الرواة، وقد تقدم الرواية بلفظ: من أدرك ركعة، قال الحافظ: ولم يختلف على راويها في ذلك، فكان عليها الاعتماد، قال الخطابي: المراد بالسجدة الركعة بركوعها وسجودها، والركعة إنما يكون تمامها بسجودها، فسميت على هذا المعنى سجدة – انتهى. (فليتم صلاته) أي ليكملها بالباقية، ويكون الكل أداء. (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي، وفي الباب عن عائشة عند أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه. ومناسبة هذا الحديث وما قبله لعنوان الباب غير ظاهرة، وإنما ذكرهما استطراداً، أو يقال: فيهما إشارة إلى أن من أخر الصلاة إلى آخر أجزاء وقتها بسبب السهو والنسيان أو النوم لا يكون مقصراً، ويصدق عليه أنه عجلها في الجملة حيث أداها قبل الفوت.

стр. 722

٦٠٥- (١٧) وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نسي صلاة، أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، وفي رواية: لا كفارة لها إلا ذلك)) متفق عليه. ٦٠٦- (١٨) وعن أبي قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس في النوم تفريط، ــ ٦٠٥- قوله: (من نسي صلاة) أي تركها نسياناً. (أو نام عنها) ضمن نام معنى غفل أي غفل عنها في حال نومه، قاله الطيبي. أو نام غافلاً عنها. (فكفارتها) هذا يدل على أنه لا يخلو عن تقصير ما يترك المحافظة، لكن يكفي في نحو تلك الخطيئة القضاء، وما سيجئ أنه لا تفريط في النوم فبالنظر إلى الذات. (أن يصليها إذا ذكرها) أي بعد النسيان أو النوم، وقيل: فيه تغليب للنسيان، فعبر بالذكر وأراد به ما يشمل الاستيقاظ، والأظهر أن يقال: أن النوم لما كان يورث النسيان غالباً قابلهما بالذكر. وظاهر الحديث أنه يصليها إذا ذكرها، أي وإن كان عند طلوع الشمس أو عند غروبها أو عند استواءها. وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، فجعلوا هذا الحديث وما في معناه مخصصاً لأحاديث النهي عن الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة. ووقع في رواية لغير الشيخين "فوقتها حين يذكرها لا وقت لها إلا ذلك"، وهذا يفيد أن ذلك وقتها أداء لا قضاء، فتكون أحاديث الباب مخصصة لما ورد من توقيت الصلاة وتعيين أوقاتها ابتداء وانتهاء، فيقال إلا الصلاة التي سها عنها المصلى أو نسيها أو نام عنها، فإن فعلها عند الذكر هو وقت أداءها ولو بعد خروج الوقت المضروب لتلك الصلاة، فإن حين التذكر والاستيقاظ هو وقت أدائها. (وفي رواية) أي للشيخين. قال الطيبي: أراد أنه زاد في رواية أخرى هذه العبارة، لا أن هذه الرواية بدل على الرواية السابقة؛ لأن اسم الإشارة يقتضي مشاراً إليه، وهو قوله: فليصلها إذا ذكرها. جيء بالثانية تأكيداً وتقريراً على سبيل الحصر، لئلا يتوهم أن لها كفارة غير القضاء. (لا كفارة لها إلا ذلك) قال الخطابي في المعالم: يريد أنه لا يلزمه في تركها غرم أو كفارة من صدقة أو نحوها كما تلزمه في ترك الصوم في رمضان من غير عذر الكفارة، وكما تلزم المحرم إذا ترك شيئاً من نسكه كفارة وجبران من دم أو طعام ونحوه. وقال الطيبي: يحتمل ذلك وجهين: أحدهما أنه لا يكفرها غير قضائها، والآخر أنه لا يلزمه في نسيانها غرامة ولا زيادة تضعيف ولا كفارة من صدقة ونحوها كما يلزم في ترك الصوم. (متفق عليه) أي بروايته إلا أن لفظ الرواية الأولى لفظ مسلم. والحديث أخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه. ٦٠٦- قوله: (ليس في النوم) أي في حاله (تفريط) أي تقصير، ينسب إلى النائم في تأخيره الصلاة، وكذا في النسيان، ولم يذكر لأنه في معناه، ولهذا ذكره في التفريغ، وليس المراد أن نفس فعل النوم والمباشرة بأسبابه لا يكون فيه تفريط أي تقصير، فإنه قد يكون فيه تفريط إذا كان في وقت يقتضي فيه النوم إلى فوات الصلاة كالنوم قبل العشاء، وإنما المراد أن ما فات حالة النوم فلا تفريط في فوته فإنه فات بلا اختيار، وأما المباشرة بالنوم فالتفريط فيها تفريط حالة

стр. 723

إنما التفريط في اليقظة. فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى قال: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ رواه مسلم. ﴿الفصل الثاني﴾ ٦٠٧- (١٩) عن علي: ((أن النبي ﷺ قال: يا علي! ثلاث ــ اليقظة، قاله السندي. (إنما التفريط في اليقظة) بفتح القاف، أي إنما يوجد التقصير في حال اليقظة، بأن يفعل ما يؤدي إلى النوم أو النسيان، كاضطجاع عند غلبة النوم والاشتغال بما يترتب عليه النسيان من المشاغل كلعب الشطرنج ونحوه فيكون مقصراً حينئذٍ ويأثم بذلك. قال الشوكاني: ظاهر الحديث أنه لا تفريط في النوم سواء كان قبل دخول وقت الصلاة أو بعده قبل تضييقه. وقيل: إنه إذا تعمد النوم قبل تضييق الوقت واتخذ ذلك ذريعة إلى ترك الصلاة لغلبة ظنه أنه لا يستيقظ إلا وقد خرج الوقت كان آثماً. والظاهر أنه لا إثم عليه بالنظر إلى النوم؛ لأن فعله في وقت يباح فعله، فيشمله الحديث. وأما إذا نظر إلى التسبب به للترك، فلا إشكال في العصيان بذلك، ولا شك في إثم من نام بعد تضييق الوقت لتعلق الخطاب به، والنوم مانع من الامتثال، والواجب إزالة المانع. (أقم الصلاة لذكري) اللام فيه للوقت، وهو بالإضافة إلى ياء المتكلم وهي القراءة المشهورة لكن بظاهرها لا يناسب المقصود، فأوله بعضهم بأن المعنى: وقت ذكر صلاتي، على حذف المضاف، أو المراد بالذكر المضاف إلى الله تعالى ذكر الصلاة لكون ذكر الصلاة يفضي إلى فعلها المفضي إلى ذكر الله تعالى فيها، فصار وقت ذكر الصلاة كأنه وقت لذكر الله، فقيل في موضع أقم الصلاة لذكرها: لذكر الله. وقراءة ابن شهاب للذكرى بلام الجر ثم لام التعريف وآخره ألف مقصورة، وهي قراءة شاذة لكنها موافقة للمطلوب هنا بلا تكلف، قاله السندي. وقال الطيبي: الآية تحتمل وجوهاً كثيرة من التأويل، لكن الواجب أن يصار إلى وجه يوافق الحديث؛ لأنه حديث صحيح، ثم ذكر التوجيهين الذي تقدما في كلام السندي، قال: أو وضع ضمير الله موضع ضمير الصلاة لشرفها وخصوصيتها. والحديث يدل على أن شرع من قبلنا شرع لنا؛ لأن المخاطب بالآية المذكورة موسى ﵊، وهو الصحيح في الأصول ما لم يرد ناسخ. (رواه مسلم) فيه نظر؛ لأن اللفظ المذكور ليس لمسلم بل هو للنسائي والترمذي، إلا أنه ليس عندهما: فإن الله تعالى يقول: ﴿أقم الصلاة لذكري﴾ [٢٠: ١٤] قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود وابن ماجه. قال الحافظ: إسناد أبي داود على شرط مسلم، ورواه مسلم بنحوه في قصة نومهم في صلاة الفجر، ولفظه: ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلها حيث ينتبه لها، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها. ٦٠٧- قوله: (ثلاث) أي من المهمات وهو المسوغ للإبتداء، والمعنى: ثلاثة أشياء، وهي الصلاة، والجنازة،

стр. 724

لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤاً)) رواه الترمذي. ــ والمرأة، ولذا ذكر العدد. (لا تؤخرها) بالرفع إما خبر لثلاث أو صفة، أي فإن في التأخير آفات بل تعجل فيها، وهذه الأشياء مستثناه من حديث: العجلة من الشيطان. (الصلاة) بالرفع أي منها، أو أحدها، أو هي. وقيل: بالنصب بتقدير أعني. (إذا أتت) بالتائين مع القصر، من الإتيان، أي جاءت، يعني وقتها. قال التوربشتي: في أكثر النسخ المقروءة، أي للمصابيح "أتت" بتاءين، وكذا عند أكثر المحدثين، وهو تصحيف، والمحفوظ من ذوي الإتفاق "آتت" على وزن حانت وبمعناه ذكره الطيبي. والظاهر أنهما روايتان صحيحتان ومعناهما متقارب. قال ابن العربي في عارضة الأحوذى (ج١: ص٢٨٤) : كذا رويته بالتاءين كل واحد منهما معجمة باثنتين من فوقها، وروي "إذا آنت" بنون وتاء معجمة من فوقها بمعنى حانت. تقول: آن الشيء بئين أيناً أي حان يحين حيناً – انتهى. وكذا قال ابن سيد الناس كما ذكره السيوطي في قوت المغتذي. وقال الأبهرى: "إذا أنت" بفتح الهمزة من أنى يأنى، وهو أيضاً بمعنى حان، ومنه قوله تعالى. ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم﴾ [٥٧: ١٦] . (والجنازة) بكسر الجيم وفتها لغتان للميت في النعش. (إذا حضرت) ؛ لأن تأخيرها قد يؤدي إلى التغير فالتعجيل فيها أحب، وأيضاً إن كانت خيراً فالتقديم إليه أحب، وإن كانت شراً فتبعيده أول كما في حديث: لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس، عند أبي داود. وكما في حديث أسرعوا بالجنازة، عند الشيخين. وفيه دليل على أن الصلاة على الجنازة لا تكره في الأوقات المكروهة، ذكره الطيبي. قال القاري: وهو كذلك عندنا، يعني الحنفية أيضاً، إذا حضرت في تلك الأوقات من الطلوع والغروب ولاستواء، وأما إذا حضرت قبلها وصلى عليها في تلك الأوقات، فمكروهة، وكذا حكم سجدة التلاوة، وأما بعد الصبح وقبله، وبعد العصر فلا يكرهان مطلقاً. (والأيم) بفتح الهمزة وكسر الياء المشددة، هي التي لا زوج لها بكراً كانت أو ثيباً، مطلقة كانت أو متوفى عنها. (كفؤاً) بضم الكاف وسكون الفاء، المثل والنظير، وفي النكاح أن يكون الرجل مثل المرأة في الإسلام، والصلاح. وقيل: في الحرية، والنسب، وحسن الكسب والعمل، والأول هو المعتمد. (رواه الترمذي) في الصلاة من حديث سعيد بن عبد الله الجهني، عن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب. قال الترمذي: هذا حديث غريب حسن. على ما في النسخة المصرية المطبوعة بتعليق العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر. وقد نقل هذا الحديث الزيلعي في نصب الراية (ج١: ص٢٤٤) عن الترمذي، ونقل أنه قال: حديث غريب، وما أرى إسناده بمتصل. وهكذا نقل الحافظ في التلخيص (ص٩٦) أيضاً. قال صاحب التعليق المذكور: ليس في شيء من النسخ التي معي من الترمذي عبارة "وما أرى إسناده بمتصل"، وكذلك قال شيخنا في شرح الترمذي: إن هذه العبارة ليست في النسخ المطبوعة والقلمية الموجودة عندنا. قال صاحب التعليق: وأنا أظن أن الحافظ الزيلعي انتقل نظره حين الكتابة إلى كلام الترمذي على حديث عائشة الآتي، وأن الحافظ ابن حجر نقل منه تقليداً له فقط – انتهى. وقال الحافظ في الدراية: أخرجه الترمذي والحاكم بإسناد ضعيف. قلت: الظاهر أن هذا الحديث لا ينحط عن درجة الحسن، وأن سنده متصل، فإن سعيد بن عبد الله الجهني

стр. 725

٦٠٨- (٢٠) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الآخر عفو الله)) رواه الترمذي. ــ ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ: إنه مقبول. ومحمد بن عمر بن علي صدوق، وعمر بن علي ثقة، وقد سمع من أبيه على بن أبي طالب، قاله أبوحاتم، فاتصل سنده. والحديث أخرجه أيضاً أحمد، والنسائي في مسند علي، وأخرج ابن ماجه منه النهي عن تأخير الجنازة فقط، وأخرجه الحاكم في النكاح (ج٢: ص١٦٢) مطولاً وقال: هذا حديث غريب صحيح ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. ٦٠٨- قوله: (الوقت الأول من الصلاة) من تبعيضية، والتقدير من أوقات الصلاة، قاله القاري. وقال الطيبي: من بيان للوقت- انتهى. وخص منه بعض الأوقات كالعشاء والظهر في شدة الحر. (رضوان الله) أي يحصل بأدائها فيه رضوان الله تعالى عن فاعلها، وهو خبر إما بحذف مضاف، أي الوقت الأول سبب رضوان الله لما فيه من المبادرة إلى الطاعة، وهي مؤدية إلى رضاه، أو على المبالغة، أي الوقت الأول عين رضا الله تعالى عنه. (والوقت الآخر) أي بحيث يحتمل أن يكون خروجاً عن الوقت، أو المراد به وقت الكراهة نحو الاصفرار في العصر، والتجاوز عن نصف الليل في العشاء، قاله القاري. (عفو الله) ولا عفو إلا عن ذنب. قال المناوي: والعفو يكون عن المقصرين، فأفاد أن تعجيل الصلاة أول وقتها أفضل- انتهى. وقال الشافعي: ولا يؤثر على رضوان الله شيء؛ لأن العفو لا يكون إلا عن تقصير، نقله البيهقي، زاد في حديث أبي محذورة عند الدارقطني بسند ضعيف جدا: وأوسطه رحمة الله، أي يحصل لفاعل الصلاة فيه رحمته، ومعلوم أن رتبة الرضوان أبلغ. (رواه الترمذي) وكذا الدارقطني والبيهقي كلهم من طريق يعقوب بن الوليد المدني، عن عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر. ونقل البيهقي عن أبي أحمد بن عدي الحافظ أنه قال: هذا الحديث بهذا الإسناد باطل، ثم قال البيهقي: هذا حديث يعرف بيعقوب بن الوليد المدني، ويعقوب منكر الحديث، ضعفه يحيى بن معين، وكذبه أحمد بن حنبل، وسائر الحفاظ، ونسبوه إلى الوضع نعوذ بالله من الخذلان. وقال في المعرفة: حديث "الصلاة في أول وقتها رضوان الله" إنما يعرف بيعقوب بن الوليد، وقد كذبه أحمد بن حنبل، وسائر الحفاظ. قال: وقد روي هذا الحديث بأسانيد كلها ضعيفة، وإنما يروى عن أبي جعفر محمد بن على من قوله- انتهى. قال الزيلعي في نصب الراية (ج١: ص١٢٧) بعد ذكر كلام البيهقي هذا: وأنكر ابن القطان في كتابه على أبي محمد عبد الحق كونه أعل الحديث بالعمري، وسكت عن يعقوب، قال: ويعقوب هو علة، فإن أحمد قال فيه: كان من الكذابين الكبار، وكان يضع الحديث. وقال أبوحاتم: كان يكذب، والحديث الذي رواه موضوع، وابن عدي إنما أعله به، وفي بابه، ذكره- انتهى. والعجب من الترمذي أنه سكت عن هذا الحديث، ولم يعله بيعقوب ولا بالعمري.

стр. 726

٦٠٩- (٢١) وعن أم فروة، قالت: ((سئل النبي ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لأول وقتها)) . رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، وقال الترمذي: لا يروى الحديث إلا من حديث عبد الله بن عمر العمري، وهو ليس بالقوي عند أهل الحديث. ــ ٦٠٩- قوله: (عن أم فروة) ذكر ابن عبد البر والطبراني أن أم فروة هذه بنت أبي قحافة أخت أبي بكر الصديق لأبيه، كانت ممن بايع تحت الشجرة، وكانت من المهاجرات، وتبعهما على ذلك المنذري، وابن العربي، وغيرهما من العلماء، ووهموا وغلطوا من قال: إنها أنصارية. ورجح الحافظ وغيره أنها غير أخت أبي بكر الصديق، وأنها أنصارية، أخذ ذلك من ظاهر بعض الروايات أنها جدة القاسم بن غنام الأنصاري، أو عمته. والراجح عندنا هو القول الأول. والظاهر أنها جدة القاسم بن غنام من جهة أمه أو أم أبيه، ففي رواية للحاكم عن القاسم بن غنام الأنصاري، عن جدته أم أبيه الدنيا، عن أم فروة جدته، عن رسول الله ﷺ . وفي رواية أخرى له عن القاسم بن غنام، عن جدته الدنيا، عن جدته أم فروة. وكانت ممن بايعت النبي ﷺ ، وكانت من المهاجرات الأول، فهذا يدل على غلط من ظن أنها أنصارية. (أي الأعمال أفضل) أي أكثر ثواباً. (الصلاة لأول وقتها) اللام بمعنى في، قاله ابن الملك. وقال الطيبي: اللام للتأكيد، فيه دليل على أن الصلاة لأول الوقت أفضل الأعمال، لكن الحديث ضعيف كما سيأتي، لكن له شاهد من حديث ابن مسعود عند الحاكم والدارقطني والبيهقي، وأيضاً المحافظة منه ﷺ على الصلاة أول الوقت دالة على أفضليته. (رواه أحمد) (ج٦: ص٣٧٤، ٣٧٥، ٤٤٠) . (والترمذي وأبوداود) وسكت عنه هو والمنذري. (وقال الترمذي: لا يروى الحديث) أي هذا الحديث. (إلا من حديث عبد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب المدني، وفي كلام الترمذي هذا نظر؛ لأنه رواه عن القاسم بن غنام غيره أيضاً، فقد رواه عنه عبيد الله بن عمر العمري عند الحاكم، والدارقطني، والضحاك بن عثمان عند الدارقطني، ونسب الحافظ رواية الضحاك هذه في الإصابة للطبراني. (وهو ليس بالقوي عند أهل الحديث) قد اختلف في جرحه وتعديله، فضعفه الحاكم، وابن حبان، وابن المديني، وأبوحاتم، وصالح جزرة، ويحيى بن سعيد، والنسائي، والبخاري فيما حكاه الترمذي عنه، ووثقه أحمد بن حنبل، وابن معين، وابن عدي، ويعقوب بن شيبة، والعجلى. وقال الذهبي في الميزان: صدوق في حفظه شيء. وقال الخليلي: ثقة، غير أن الحفاظ لم يرضوا حفظه. ثم إنه يظهر من كلام الترمذي الذي نقله المصنف أن الحديث قد تفرد به عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف، فيكون الحديث ضعيفاً، لكن الظاهر أن سبب ضعف الحديث كونه مضطرب الإسناد، كما قال الترمذي بعد ذلك: واضطربوا عنه في هذا الحديث، واختلف في أن اضطرابه من قبل عبد الله بن عمر العمري أو من قبل شيخه القاسم بن غنام، والظاهر أن اضطراب سنده من جهة القاسم بن غنام، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وذكره العقيلي في الضعفاء، وقال في حديثه اضطراب. وقال الحافظ: صدوق مضطرب الحديث، وتفصيل الاضطراب أنه ورد

стр. 727

٦١٠- (٢٢) وعن عائشة ﵂، قالت: ((ما صلى رسول الله ﷺ صلاة لوقتها الآخر مرتين حتى قبضه الله تعالى)) رواه الترمذي. ــ في بعض الروايات عن القاسم، عن جدته أم فروة. وفي بعضها "عن عمته أم فروة" بدون واسطة، وفي بعضها "عن بعض أمهاته"، وفي بعضها "عن بعض أهله"، وفي بعضها "عن عماته"، وفي بعضها "عن أهل بيته"، كل هؤلاء عن أم فروة، وتقدمت روايتا الحاكم وهما أوضح الروايات في ذلك. والذي يظهر أن القاسم بن غنام يروي الحديث تارة فيذكر الواسطة المبهمة، ويرويه أخرى فيحذفها، ويقول عن أم فروة. قال الزيلعي في نصب الراية (ج١: ص٢٤١) : ذكر الدارقطني في كتاب العلل في هذا الحديث اختلافاً كثيراً واضطراباً، ثم قال: والقول قول من قال عن القاسم، عن جدته الدنيا، عن أم فروة- انتهى. وهكذا رواه الحاكم في المستدرك، والدارقطني في سننه. قال في الإمام: وما فيه من الاضطراب في إثبات الواسطة بين القاسم وأم فروة، وإسقاطها يعود إلى العمري، وقد ضعف، ومن أثبت الواسطة يقضي على من أسقطها، وتلك الواسطة مجهولة- انتهى. فالحديث ضعيف بكل حال لجهل الواسطة بين القاسم بن غنام وبين أم فروة. ٦١٠- قوله: (ما صلى رسول الله ﷺ صلاة لوقتها الآخر مرتين) الخ. يعني أنه صلى بعض الصلوات في أخر وقتها لكنه لم يقع له ذلك أكثر من مرة إلى أن توفاه الله تعالى. قيل: وتلك المرة هي التي صلاها ﷺ للتعليم حين جاء رجل سائل عن أوقات الصلاة، فكان كل صلاة في آخر وقته. وأما حديث إمامة جبريل فخارج عن المبحث؛ لأنه لم يكن اختياراً منه، أو المقصود المبالغة في عدم وقوع ذلك منه ﷺ ، فلا يحتاج إلى الجواب عما وقع ذلك منه أحياناً، يعني أن أوقات صلاته ﵊ كلها كانت في وقتها الاختياري إلا ما وقع من التأخير إلى آخره نادراً لبيان الجواز، ووقع في بعض نسخ الترمذي: لوقتها الآخر إلا مرتين. بزيادة إلا، وهو يوافق ما نقله الزيلعي في نصب الراية (ج١: ص٢٤٤) وصاحب جمع الفوائد (ج١: ص٦٠) كلاهما عن الترمذي. والظاهر أن المراد منه حين إمامة جبريل وسؤال الرجل، لكن الظاهر أن يكون المراد غير ما هو للتعلم والتعليم، أو لم يفعل من حين تزوجها فأخبرت بما أحاط به علمها، كذا قيل. (رواه الترمذي) وقال غريب، وفي بعض النسخ "حسن غريب" قال: وليس إسناده بمتصل. وأخرجه أيضاً الدارقطني، والحاكم، والبيهقي كلهم من طريق سعيد بن أبي هلال، عن إسحاق بن عمر، عن عائشة. قال الزيلعي في نصب الراية (ج١: ص٢٤٤) : قال البيهقي: وهو مرسل، إسحاق بن عمر لم يدرك عائشة، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: إسحاق بن عمر روى عنه سعيد بن هلال مجهول- انتهى. وكذلك قال ابن القطان في كتابه: أنه منقطع، وإسحاق بن عمر مجهول، وأخرجه أيضاً الدارقطني عن عمرة عن عائشة نحوه، وفي سنده معلى بن عبد الرحمن،

стр. 728

٦١١- (٢٣) وعن أبي أيوب قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يزال أمتي بخير، أو قال: على الفطرة، ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم)) رواه أبوداود. ــ قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: متروك الحديث، وأخرجه أيضاً عن أبي سلمة، عن عائشة نحوه، وفيه الواقدي، وهو معروف عندهم- انتهى مختصراً. قال العلامة أحمد محمد شاكر في تعليقه على الترمذي (ج١: ص٣٢٩) : قد ترك الزيلعي أصح إسناد لهذا الحديث، فقد روى الحاكم (ج١: ص١٩٠) من طريق أبي النضر هاشم بن القاسم قال: حدثنا الليث بن سعد، عن أبي النضر، عن عمرة، عن عائشة قالت: ما صلى رسول الله ﷺ الصلاة لوقتها الآخر حتى قبضه الله. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي (ج١: ص٤٣٥) عن الحاكم، وأبوالنضر شيخ الليث هو سالم أبوالنضر مولى عمر بن عبيد الله، وهو مجمع على توثيقه، وهذا الحديث هو الذي أشار الزيلعي إلى أن الدارقطني رواه من طريق معلى بن عبد الرحمن، عن الليث، وهو في سنن الدارقطني (ص٩٢) وقد أشار البيهقي إلى رواية معلى، ومعلى هذا ليس بثقة كان يضع الحديث، ولكن الرواية صحت برواية أبي النضر هاشم بن القاسم عن الليث- انتهى. ٦١١- قوله: (لا يزال) بالتحتية وفي رواية لأحمد، وكذا في أبي داود بالمثناة الفوقية. (أمتي بخير أو قال على الفطرة) أي السنة المستمرة، أو الإسلام أو الاستقامة، أو للشك من الراوي. (إلى أن تشتبك النجوم) أي تظهر جميعا، ويختلط بعضها ببعض لكثرة ما ظهر منها، وهو كناية عن الظلام. فيه دليل على استحباب المبادرة والتعجيل بصلاة المغرب وكراهة تأخيرها إلى اشتباك النجوم، وقد عكست الروافض القضية، فجعلت تأخير صلاة المغرب إلى اشتباك النجوم مستحباً، والحديث يرده. قال النووي في شرح المسلم: إن تعجيل صلاة المغرب عقيب غروب الشمس مجمع عليه. قال: وقد حكي عن الشيعة فيه شيء لا التفات إليه، ولا أصل له. وأما الأحاديث الواردة في تأخير المغرب إلى قرب غروب الشفق فكانت لبيان آخر الوقت؛ لأنها كانت جوابا للسائل عن الوقت، وأحاديث التعجيل عامتها إخبار عن عادة رسول الله ﷺ المتكررة التي واظب عليها إلا لعذر فالاعتماد عليها. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥: ص٤١٧، ٤٢٢) والحاكم في المستدرك (ج١: ص١٩٠) وقال: صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبي، وفي سنده عندهم محمد بن إسحاق، وهو مدلس لكنه صرح بالتحديث، قال الزيلعي: قال الشيخ في الإمام: وقد خولف ابن إسحاق في هذا الحديث، قال ابن أبي حاتم: ورواه حيوة وابن لهيعة، عن يزيد بن حبيب، عن أسلم أبي عمران التجيبي، عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ أنه قال: بادروا بصلاة المغرب قبل طلوع النجوم، قال أبوزرعة: وحديث حيوة أصح- انتهى كلامه. قلت: حديث ابن لهيعة أخرجه أحمد (ج٥: ص٤١٥) وأخرج أحمد أيضاً (ج٥: ص٤٢١) من حديث ابن أبي ذئب، عن يزيد بن أبي حبيب عن رجل عن أبي أيوب بنحوه.

стр. 729

٦١٢- (٢٤) ورواه الدارمي عن العباس. ٦١٣- (٢٥) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه)) رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه. ٦١٤- (٢٦) وعن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أعتموا بهذه الصلاة؛ فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم، ولم تصلها أمة قبلكم)) ــ ٦١٢- قوله: (ورواه الدارمي عن العباس) وكذا روى ابن ماجه والحاكم وابن خزيمة في صحيحه وأبوبكر البزار كلهم من حديث إبراهيم بن موسى، عن عباد بن العوام، عن عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن، الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب. قال البوصيري في الزائد: إسناده حسن، وجعله الحاكم شاهداً صحيحاً لحديث أبي أيوب المتقدم ووافقه الذهبي. وقال أبوبكر البزار: لا نعلمه يروى عن العباس إلا من هذا الوجه، ورواه غير واحد عن عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن مرسلاً. قال الترمذي: وحديث العباس قد روى عنه موقوفاً وهو أصح، قال ابن سيد الناس: ومراد البزار بالمرسل هنا الموقوف؛ لأنه متصل الإسناد إلى العباس. وذكر الخلال بعد إيراد هذا الحديث: قال أبوعبد الله: هذا حديث منكر. كذا في النيل. ٦١٣- قوله: (إلى ثلث الليل أو نصفه) قال ميرك: "أو" يحتمل التنويع، أي إلى ثلث الليل في الصيف ونصف الليل في الشتاء. وقيل: بمعنى بل، والظاهر أنه شك من الراوي، أي سعيد بن أبي سعيد المقبري، أو من الرواة عنه، وأخرجه الحاكم من طريق عبد الرحمن السراج، عن سعيد، عن أبي هريرة. وفيه إلى نصف الليل بغير شك. والحديث صريح في أن التأخير في العشاء أولى من التعجيل، ولا يعارضه ما تقدم من أحاديث أفضلية أول الوقت؛ لأنها عامة، وحديث أبي هريرة هذا وما في معناه من الأحاديث الدالة على تأخير العشاء خاصة، فيجب بناء العام عليها. (رواه أحمد والترمذي) وقال: حديث حسن صحيح. (وابن ماجه) وأخرجه أيضاً الحاكم (ج١: ص١٤٦) . ٦١٤- قوله: (أعتموا) بفتح الهمزة وكسر التاء، أمر من باب الإفعال. (بهذه الصلاة) أي العشاء والباء للتعدية، أي أدخلوها في العتمة، أو للمصاحبة، أي أدخلوا العتمة متلبسين بهذه الصلاة، فالجار والمجرور حال، يقال: أعتم الرجل إذا دخل في العتمة، وهي ثلث الليل الأول بعد غيبوبة الشفق، أو مطلق الظلمة بعد غيبوبته، وقيل: هو مأخوذ من العتم الذي هو الإبطاء، والمعنى أخروا العشاء الآخرة. وفيه دليل على استحباب تأخير صلاة العشاء عن أول وقتها، وتنبيه على أفضلية التأخير، وهو مقيد إلى الثلث أو النصف لما تقدم. (قد فضلتم) بصيغة المجهول من التفضيل. (بها) أي بصلاة العشاء. (على سائر الأمم) أي جميعها أو باقيها. (ولم تصلها أمة قبلكم) التوفيق بينه وبين قوله في حديث جبريل: هذا

стр. 730

رواه أبوداود. ٦١٥- (٢٧) وعن النعمان بن بشير قال: ((أنا أعلم بوقت هذه الصلاة صلاة العشاء الآخرة: كان رسول الله ﷺ يصليها لسقوط القمر لثالثة)) . ــ وقت الأنبياء من قبلك. أن صلاة العشاء كانت تصليها الرسل نافلة لهم أي زائدة، ولم تكتب على أممهم كالتهجد، فإنه وجب على رسول الله ﷺ ولم يجب علينا، قاله الطيبي. وقال ميرك: يحتمل أنه أراد أنه لم تصلها على النحو الذي تصلونها من التأخير وانتظار الاجتماع في وقت حصول الظلام وغلبة المنام على الأنام، كذا في المرقاة. (رواه أبوداود) وسكت عليه هو والمنذري. ٦١٥- قوله: (وعن النعمان) بضم النون. (بن بشير) مكبراً، ابن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي أبوعبد الله المدني، له ولأبويه صحبة، وأمه عمرة بنت رواحة. ولد على رأس أربعة عشر شهراً من الهجرة، وهو أول مولود ولد في الأنصار بعد قدوم النبي ﷺ ، سكن الشام، ثم ولى إمرة كوفة. ثم حمص. وكان فصيحاً. له مائة وأربعة وعشرون حديثاً، اتفقا على خمسة, وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بأربعة، قتله خالد بن خلى الكلاعي بحمص يوم راهط سنة (٦٤) أو (٦٥) أو (٦٦) وله (٦٤) سنة. (أنا أعلم بوقت هذه الصلاة) هذا من باب التحدث بنعمة الله عليه بزيادة العلم، مع ما فيه من حمل السامعين على اعتماد مرويه، ولعل وقوع هذا القول منه بعد موت غالب أكابر الصحابة وحفاظهم الذين هم أعلم بذلك منه، قاله القاري. ويحتمل أنه قال ذلك على ظن أنه لم يضبط وقت صلاة العشاء من الصحابة أحد كما ضبطه هو بناء على أنه بحث عنه واستقرأه واجتهد في علمه ومشاهدته ما لم ير شيئاً من ذلك لأحد غيره من الصحابة. (صلاة العشاء) بالجر على البدل، وبالنصب بتقدير أعني. (الآخرة) احتراز عن المغرب. (لسقوط القمر) اللام للوقت أي وقت غروبه وغيبته. (لثالثه) أي في ليلة ثالثه من الشهر، وهو متعلق بسقوط القمر، وقيل صفة للقمر أي لسقوط القمر الكائن لليلة ثالثة من الشهر. والحاصل أنه ﷺ كان يصلي العشاء وقت مغيب القمر في الليلة الثالثة من الشهر، وكان هذا هو الغالب، وإلا فقد علم أنه كان يعجل تارة ويؤخر أخرى حسب ما يرى من المصلحة. قال العلامة في تعليقه على الترمذي: قد استدل بعض علماء الشافعية بهذا الحديث على استحباب تعجيل العشاء. انظر المجموع للنووي (ج٣: ص٥٥-٥٨) وتعقبهم ابن التركماني في الجوهر النقي (ج١: ص٤٥) فقال: إن القمر في الليلة الثالثة يسقط بعد مضيى ساعتين ونصف ساعة ونصف سبع ساعة من ساعات تلك الليلة المجزأة على ثنتي عشرة ساعة، والشفق الأحمر يغيب قبل ذلك بزمن كثير، فليس في ذلك دليل على التعجيل عند الشافعية، ومن يقول بقولهم. قال: وقد يظهر هذا النقد صحيحاً دقيقاً في بادي الرأي، وهو صحيح من جهة أن الحديث لا يدل على تعجيل العشاء، وخطأ من جهة حساب غروب القمر، فلعل ابن التركماني راقب غروب القمر في ليلة ثالثة من بعض الشهور، ثم ظن أن موعد غروبه متحد في كل ليلة

стр. 731

رواه أبوداود، والدارمي. ــ ثالثة من كل شهر، وليس الأمر كذلك. ثم نقل لإثبات خطأ ابن التركماني جدولين لأوقات غروب القمر في الليالي الثالثة من شهور سنة ١٣٤٥هـ. وسنة ١٣٥٦هـ. بحساب مدينة القاهرة ذكر فيهما أوقات العشاء، وأوقات الفجر، وأوقات غروب القمر بالساعة العربية. بتقسيم اليوم والليلة إلى ٢٤ ساعة واحتساب مبدأها من غروب الشمس. قال: ومنه يظهر خطأ ابن التركماني، فإنك إذا قسمت الوقت بين غروب الشمس وبين طلوع الفجر إلى اثنى عشر قسماً – سماها ابن التركماني ساعات – وجدت أن القمر يغرب في بعض الليالي الثالثة قبل الوقت الذي ذكر، وفي بعض الليالي بعده. ومنه يظهر أيضاً أن النعمان بن بشير لم يستقرأ أوقات صلاة النبي ﷺ العشاء استقراء تاماً، ولعله صلاها في بعض المرات في ذلك الوقت، فظن النعمان أن هذا الوقت يوافق غروب القمر لثالثة دائماً، ومما يؤيد ذلك أن رسول الله ﷺ لم يكن يلتزم وقتاً معيناً في صلاتها، كما قال جابر بن عبد الله في ذكر أوقات صلاة النبي ﷺ : والعشاء أحياناً يؤخرها، وأحياناً يعجل، إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطأوا أخر. وهو حديث صحيح أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبوداود والنسائي. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري. (والدارمي) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤: ص٢٧٤) والترمذي والحاكم (ج١: ص١٩٤) والبيهقي (ج١: ص٤٤٨، ٤٤٩) . قال ابن العربي في عارضة الأحوذى (ج١: ص٢٧٧) : حديث النعمان حديث صحيح وإن لم يخرجه الإمامان فإن أباداود خرجه عن مسدد، والترمذي عن ابن أبي الشوارب كلاهما عن أبي عوانة، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية، عن بشير بن ثابت، عن حبيب بن سالم، فأما حبيب بن سالم مولى النعمان بن بشير، فقال أبوحاتم: هو ثقة، وأما بشير بن ثابت، فقال: يحيى بن معين: إنه ثقة. ولا كلام فيمن دونهما، وإن كان هشيم قد رواه عن أبي بشر، عن حبيب بن سالم بإسقاط بشير. وما ذكرناه أصح. وكذلك رواه شعبة وغيره، وخطأ من أخطأ في الحديث لا يخرجه عن الصحة – انتهى. قلت: حديث شعبة أخرجه أحمد (ج٤: ص٢٧٢) عن يزيد بن هارون، والحاكم (ج١: ص١٩٤) من طريق يزيد بن هارون، عن شعبة، عن أبي بشر نحو رواية أبي عوانة. وحديث هشيم أخرجه أيضاً أحمد (ج٤: ص٢٧٠) وأبوداود الطيالسي كلاهما عن هشيم، وأخرجه الحاكم (ج١: ص١٩٤) من طريق عمرو بن عون، عن هشيم، عن أبي بشر، عن حبيب بن سالم بغير ذكر واسطة بشير بن ثابت، قال الحاكم: تابعه رقبة مصقلة، عن أبي بشر، هكذا اتفق رقبة وهشيم على رواية هذا الحديث عن أبي بشر، عن حبيب بن سالم، وهو إسناد صحيح، وخالفهما شعبة وأبوعوانة فقالا: عن أبي بشر، عن بشير بن ثابت، عن حبيب بن سالم – انتهى. ورقبة بن مصقلة ثقة، وروايته عند النسائي عن محمد بن قدامة، عن جرير بن عبد الحميد. عن رقبة. وهذا كما ترى قد اختلفت الرواية عن أبي بشر، فبعضهم رواه عنه، عن حبيب بن سالم بلا واسطة، وبعضهم رواه عنه، عن بشير بن ثابت، عن حبيب. وقد رجح الترمذي وتابعه ابن العربي رواية من زاد عن بشير بن ثابت. قال الترمذي: وحديث أبي عوانة أصح عندنا؛ لأن يزيد بن هارون روى عن شعبة، عن أبي بشر نحو رواية أبي عوانة،

стр. 732

٦١٦- (٢٨) وعن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر)) ــ وصرح ابن العربي كما تقدم بأن هشيماً أخطأ في روايته، ولكن متابعة رقبة بن مصقلة له تبعد احتمال الخطأ. والظاهر أن أبا بشر سمعه من حبيب وسمعه من بشير بن ثابت عن حبيب، فكان يرويه مرة هكذا ومرة هكذا كما تراه كثيراً في صنيع الرواة، والإسناد صحيح في الحالين كذا حققه صاحب التعليق، وهو تحقيق جيد. ٦١٦- قوله: (أسفروا بالفجر) أي صلوا صلاة الفجر إذا أضاء الفجر وأشرق. (فإنه) أي الإسفار بالفجر. (أعظم للأجر) احتج به الحنفية على أفضلية تأخير الفجر إلى الإسفار. وأجيب عنه بأن استمرار صلاته ﷺ بغلس ومداومته على التغليس يشعر بأن المراد بأسفروا غير ظاهره، فقيل: يحمل على التأخير حتى يتبين وينكشف بحقيقة الأمر، ويعرف يقيناً طلوع الفجر، وعلى هذا "أعظم" ليس للتفضيل. وقيل: يحمل على الليالي المقمرة؛ لأن أول الفجر لايتضح معها لغلبة نور القمر لنوره. وقيل: يحمل على الليالي القصيرة لإدراك النوم الصلاة كما في حديث معاذ بن جبل قال: بعثنى رسول الله ﷺ إلى اليمن فقال: يا معاذ إذا كان في الشتاء فغلس بالفجر، وأطل القراءة قدر ما يطيق الناس ولا تملهم، وإذا كان الصيف فأسفر بالفجر، فإن الليل قصير والناس ينامون، فأمهلهم حتى يدركوا. ذكره البغوي في شرح السنة، وأخرجه بقي بن مخلد في مسنده، وأبونعيم في الحلية. وقيل: المراد طولوا القراءة في صلاة الصبح حتى تخرجوا منها مسفرين، وهو الأوفق بحديث: ما أسفرتم بالفجر فإنه أعظم للأجر، قال الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين بعد ذكر حديث رافع بن خديج ما لفظه: وهذا بعد ثبوته إنما المراد به الإسفار دواماً لا ابتداء فيدخل فيها مغلساً، ويخرج منها مسفراً كما كان يفعله ﷺ ، فقوله موافق لفعله لا مناقض له، وكيف يظن به المواظبة على فعل ما الأجر الأعظم في خلافه – انتهى. وهذا هو الذي اختباره الطحاوي في شرح الآثار، وبسط الكلام فيه، وقال في آخره: فالذي ينبغي الدخول في الفجر في التغليس والخروج منها في وقت الإسفار، على موافقة ما روينا عن رسول الله ﷺ وأصحابه، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن – انتهى. ولا يخدش هذا الجواب حديث عائشة المتقدم: فتنصرف النساء ما يعرفن من الغلس؛ لأنه يمكن أن يقال: إنه كان أحياناً. وقيل في جواب حديث رافع هذا: أن قوله: أسفروا بالفجر، مروي بالمعنى، والأصل أصبحوا بالصبح، كما في رواية أبي داود. قال الجزري: أي صلوها عند طلوع الصبح، يقال: أصبح الرجل إذا دخل في الصبح – انتهى. قال السيوطي في حاشية أبي داود: وبهذا يعرف أن رواية من روى هذا الحديث بلفظ "أسفروا بالفجر" مروية بالمعنى، وأنه دليل على أفضلية التغليس بها لا على التأخير إلى الإسفار-انتهى. وقال السندي في حاشية ابن ماجه: تعين أن "أسفروا " منقول بالمعنى، محتاج إلى الدليل، إذ يمكن العكس. نعم! قد سقط استدلال من يقول بالإسفار بلفظ "أسفروا"؛ لاحتمال أنه من تصرف الرواة، والأصل أصبحوا، كما سقط استدلال من يقول بالتغليس بلفظ "أصبحوا" لاحتمال أنه من تصرف الرواة، إلا أن يقال

стр. 733

رواه الترمذي، وأبوداود، والدارمي، وليس عند النسائي: فإنه أعظم للأجر. ﴿الفصل الثالث﴾ ٦١٧- (٢٩) عن رافع بن خديج، قال: ((كنا نصلي العصر مع رسول الله ﷺ ، ثم تنحر الجزور فتقسم عشر قسم، ثم تطبخ، فنأكل لحماً نضيجاً قبل مغيب الشمس)) ــ الموافق لأدلة التغليس لفظ أصبحوا، وتلك أدلة كثيرة، ولا دليل على الإسفار إلا هذا الحديث بلفظ "أسفروا" والأصل عدم التعارض، فالظاهر أن الأصل لفظ "أصبحوا" الموافق لباقي الأدلة لا لفظ "أسفروا" المعارض، وإنما جاء لفظ "أسفروا" من تصرف الرواة، لكن قد يقال "أسفروا" هو الظاهر لا "أصبحوا"؛ لأنه لو كان "أصبحوا" صحيحاً لكان مقتضى قوله "أعظم للأجر" أنه بلا إصباح تجوز الصلاة وفيها أجر دون أجر، ويمكن الجواب بأن معنى "أصبحوا" تيقنوا بالإصباح بحيث لا يبقى فيه أدنى وهم، ولو كان ذلك الوهم غير مناف للجواز، وذلك لأنه إذا قوى الظن بطلوع الفجر يجوز الصلاة ويثاب عليها، لكن التأخير حتى يتبين وينكشف بحيث لا يبقى وهم ضعيف فيه أولى وأحسن، فأجره أكثر، وعلى هذا المعنى حمل الإسفار إن صح توفيقاً بين الأدلة – انتهى كلام السندي. قلت: أحسن الأجوبة وأسلمها وأولاها ما قاله الإمام ابن القيم بأن المراد الإسفار دواماً لا ابتداء، والله أعلم. (رواه الترمذي) وقال حديث حسن صحيح. (وأبوداود) وسكت عليه هو والمنذري. (والدارمي) وأخرجه أيضاً الطيالسي وأحمد (ج٣: ص٤٦٥، وج٤: ص١٤٠، ١٤٢، ١٤٣) وابن ماجه والبيهقي وابن حبان والطبراني والطحاوي في معاني الآثار، قال الحافظ في الفتح: رواه أصحاب السنن، وصححه غير واحد. ٦١٧- قوله: (الجزور) بفتح الجيم، قال الطيبي: هو البعير ذكراً كان أو أنثى إلا أن اللفظ مؤنثة، يقال: هذه الجزور وإن أردت ذكراً – انتهى. وقال النووي: الجزور-بفتح الجيم- لا يكون إلا من إلإبل، وقال المجد في القاموس: الجزور البعير، أو خاص بالناقة المجزورة، الجمع جزائر، وجزر، وجزرات. (فتقسم عشر قسم) بكسر القاف وفتح السين، جمع قسمة. (ثم تطبخ) بالتأنيث، وفي بعض النسخ "نطبخ" بالنون، وكذا وقع في صحيح مسلم، وهو من باب نصر ومنع. (لحماً نضيجاً) أي مشوياً، وقال الجزري: النضيج المطبوخ، فعيل بمعنى مفعول. (قبل مغيب الشمس) قال الطيبي: في تخصيص القسم بالعشر، والطبخ بالنضج، وعطف تنحر على نصلي إشعار بإمتداد الزمان، وأن الصلاة واقعة أول الوقت. قلت: الحديث يدل على مشروعية المبادرة بصلاة العصر وتعجيلها، فإن نحر الجزور ثم قسمتها ثم طبخها ثم أكلها نضجاً، ثم الفراغ من ذلك قبل غروب الشمس من أعظم المشعرات بالتبكير بصلاة العصر، فهو من حجيج

стр. 734

متفق عليه. ٦١٨- (٣٠) وعن عبد الله بن عمر، قال: ((مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله ﷺ صلاة العشاء الآخرة، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده، فلا ندري: أشيء شغله في أهله أو غير ذلك؟ فقال حين خرج: إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم، ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة. ثم أمر المؤذن، فأقام الصلاة وصلى)) رواه مسلم. ــ الجمهور، وهو يرد ما قاله أبوحنيفة من أن أول وقت العصر مصير ظل الشيء مثليه، وقد خالفه الناس في ذلك، ومن جملة المخالفين له أصحابه، وقد تقدم البسط في ذلك. (متفق عليه) أخرجه البخاري في كتاب الشركة، وهو من الأحاديث المذكورة في غير مظنتها، وأخرجه مسلم في الصلاة، واللفظ له، وفي الباب عن أنس عند مسلم. ٦١٨- قوله: (مكثنا) بفتح الكاف وضمها، أي لبثنا في المسجد. (ذات ليلة) أي ليلة من الليالي (صلاة العشاء) ظرف لننتظر أي ننتظر رسول الله ﷺ وقت صلاة العشاء. (الآخرة) بالجر على النعت، ولعل تأنيثها باعتبار مرادف العشاء، وهو العتمة، وجوز النصب على أنها صفة الصلاة أو بتقدير أعني. (حين ذهب) أي مضى. (أو بعده) عطف على حين ذهب وأو للشك من الراوي. (أشيء شغله) أي عن تقديمها المعتاد. (أو غير ذلك) بأن قصد بتأخيرها إحياء طائفة كثيرة من أول الليل بالسهر في العبادة التي هي انتظار الصلاة. وغير بالرفع عطف على شيء، وبالجر عطف على أهله، قاله القاري. (فقال حين خرج) من الحجرة الشريفة. (ما ينتظرها أهل دين غيركم) ؛ لأنها صلاة مخصوصة بهذه الأمة كما في حديث معاذ بن جبل المتقدم، أي فانتظاركم لها شرف مخصوص بكم فلا تكرهوه. قال القاري: غيركم بالرفع على البدل، وبالنصب على الاستثناء، والأول هو المختار، أي انتظار هذه الصلاة من بين سائر الصلوات من خصوصياتكم التي خصكم الله بها، فكلما زدتم يكون الأجر أكمل مع أن الوقت زمان يقتضي الاستراحة، فالمثوبة على قدر المشقة-انتهى. (ولولا أن يثقل) بصيغة التذكير أي التأخير أو هذا الفعل، وفي سنن أبي داود: تثقل، بالتأنيث أي الصلاة هذه الساعة. (لصليت بهم) أي دائماً. (هذه الساعة) قال الطيبي: أي لزمت على صلاتها في مثل هذه الساعة. وفي الحديث أنه يستحب للإمام والعالم إذا تأخر عن أصحابه، أو جرى منه ما يظن أنه يشق عليهم أن يعتذر إليهم ويقول: لكم في هذا مصلحة من جهة كذا، أو كان لي عذر، أو نحو هذا. وفيه أيضاً التصريح بأن ترك التأخير إنما هو للمشقة والثقل على الأمة. واختلفوا هل الأفضل تقديمها أم تأخيرها ويأتي أيضاح القول الحق فيه في شرح حديث أبي سعيد الآتي. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أبوداود والنسائي.

стр. 735

٦١٩- (٣١) وعن جابر بن سمرة، قال: ((كان رسول الله ﷺ يصلي الصلوات نحوا من صلاتكم، وكان يؤخر العتمة بعد صلاتكم شيئاً، وكان يخفف الصلاة)) رواه مسلم. ٦٢٠- (٣٢) وعن أبي سعيد، قال: ((صلينا مع رسول الله ﷺ صلاة العتمة، فلم يخرج حتى مضى نحو من شطر الليل، فقال: خذوا مقاعدكم، فأخذنا مقاعدنا، فقال: إن الناس قد صلوا وأخذوا مضاجعهم، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة، ولولا ضعف الضعيف وسقم السقيم، لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل) ــ ٦١٩- قوله: (نحواً) أي قريباً. (من صلاتكم) أي في هذه الأوقات المعتادة لكم. (وكان يؤخر العتمة) أي العشاء، وإطلاق العتمة على العشاء لبيان الجواز وأن النهي للتنزيه لا للتحريم، أو للتعريف؛ لأنها أشهر عندهم. (بعد صلاتكم) في وقتكم المعتاد. (شيئاً) أي يسيراً أو كثيراً. (وكان يخفف الصلاة) وفي صحيح مسلم: وكان يخفف في الصلاة. أي بزيادة "في" قال ابن حجر: أي إذا كان إماماً، وذلك أغلبي أيضاً لما يأتي أنه ﵊ طول بهم حيث قرأ الأعراف في ركعتي المغرب-انتهى. والحديث يدل على استحباب مطلق التأخير للعشاء، وهو مقيد بنصف الليل أو ثلثه. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي مختصراً بلفظ: كان رسول الله ﷺ يؤخر العشاء الآخرة. ٦٢٠- قوله: (صلينا) أي أردنا أن نصلي جماعة. (نحو) أي قريب. (من شطر الليل) أي نصفه. (فقال) أي فخرج فقال: (خذوا) أي الزموا. (فأخذنا مقاعدنا) أي ما تفرقنا عن أماكننا. (إن الناس) أي غير أهل مسجد النبي ﷺ . (قد صلوا) بفتح اللام. (وأخذوا مضاجعهم) أي مكانهم للنوم يعني وناموا. (لن تزالوا) وفي بعض نسخ أبي داود: لم تزالوا. (في صلاة) أي حكماً وثواباً، والتنكير للتعميم لئلا يتوهم خصوص الحكم بصلاة العشاء، أي أى صلاة انتظرتموها فأنتم فيها مادمتم تنتظرونها. (ولولا ضعف الضعيف) الخ. هو بضم أو فتح فسكون، والسقم بضم فسكون أو بفتحتين، ومقتضى الموافقة أن يختار فيهما الضم مع السكون، ثم السقم هو المرض، والضعف أعم فقد يكون بدونه، أي لولا مخافة المشقة عليهما. زاد أحمد في روايته: وحاجة ذي الحاجة. (لأخرت) أي دائما. (هذه الصلاة) أي العشاء. (إلى شطر الليل) أي نصفه أو قريباً منه وهو الثلث. والحديث فيه تصريح بأفضلية التأخير لولا ضعف الضعيف، وسقم السقيم، وحاجة ذي الحاجة، وهو من حجج من قال: بأن التأخير أفضل، قال الحافظ في الفتح بعد ذكر حديث أبي سعيد هذا وحديث أبي هريرة المتقدم بلفظ "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه" ما نصه: فعلى هذا من وجد به قوة على تأخيرها، ولم يغلبه النوم، ولم يشق على أحد من المأمورين، فالتأخير في حقه أفضل، وقد قرر النووي ذلك في شرح مسلم، وهو اختيار كثير من أهل الحديث من الشافعية وغيرهم، والله أعلم. ونقل انب المنذر عن الليث وإسحاق: أن

стр. 736

رواه أبوداود والنسائي. ٦٢١- (٣٣) وعن أم سلمة، قالت: ((كان رسول الله ﷺ أشد تعجيلا للظهر منكم، وأنتم أشد تعجيلاً للعصر منه)) رواه أحمد، والترمذي. ــ المستحب تأخير العشاء إلى قبل الثلث، وقال الطحاوي: يستحب إلى الثلث، وبه قال مالك وأحمد وأكثر الصحابة والتابعين، وهو قول الشافعي في الجديد، وقال في القديم التعجيل أفضل، وكذا قال في الإملاء، وصححه النووي، وجماعة، وقالوا: إنه مما يفتى به في القديم، وتعقب بأنه ذكره في الإملاء وهو من كتبه الجديدة والمختار من حيث الدليل أفضلية التأخير، ومن حيث النظر التفضيل، والله أعلم-انتهى كلام الحافظ. (رواه أبوداود) وسكت عليه هو والمنذري. (والنسائي) وأخرجه أيضاً أحمد وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه، وغيرهم، واللفظ المذكور لأبي داود. وقال الشوكاني: وإسناده صحيح. ٦٢١- قوله: (كان رسول الله ﷺ أشد تعجيلاً للظهر منكم) فيه دليل على استحباب تعجيل الظهر، ونحوه ما روى الترمذي عن عائشة: ما رأيت أحداً أشد تعجيلا للظهر من رسول الله ﷺ ، ولا من أبي بكر، ولا من عمر. قال ابن قدامة في المغنى: لا نعلم في استحباب لتعجيل الظهر في غير الحر والغيم خلافاً-انتهى. (وأنتم أشد تعجيلا للعصر منه) قال الطيبي: ولعل هذا للإنكار عليهم بالمخالفة. قال القاري: الظاهر أن الخطاب لغير الأصحاب، قال: وفي الجملة يدل الحديث على استحباب تأخير العصر كما هو مذهبنا. قلت: وكذا استدل به العيني في البناية شرح الهداية على أفضلية تأخير العصر. وقد أجاب عن هذا الاستدلال الشيخ عبد الحي اللكنوي فقال: ولا يخفى على الماهر ما في الاستناد بهذا الحديث، فإنه إنما يدل على كون التعجيل في الظهر أشد من التعجيل في العصر، لا على استحباب التأخير. وقال شيخنا في شرح الترمذي بعد نقل كلام القاري: ليس فيه دلالة على استحباب تأخير العصر، نعم فيه أن الذين خاطبتهم أم سلمة كانوا أشد تعجيلاً للعصر منه ﷺ ، وهذا لايدل على أنه ﷺ كان يؤخر العصر، حتى يستدل به على استحباب التأخير. وقال صاحب العرف الشذى ما لفظه: حديث الباب ظاهره مبهم والتأخير ههنا إضافي، وإطلاق الألفاظ الإضافية ليست بفاصلة-انتهى. ثم قال بعد هذا الاعتراف: نعم يخرج شيء لنا-انتهى. قال شيخنا: لا يخرج لكم شيء من هذا الحديث أيها الأحناف، كيف وظاهره مبهم، والتأخير فيه إضافي، وأطلق فيه اللفظ الإضافي، وهو ليس بفاصل، وقد ثبت بأحاديث كثيرة صحيحة صريحة استحباب التعجيل، وترك الأحاديث الصحيحة الصريحة في أفضلية التعجيل، والتشبث بمثل هذا الحديث ليس إلا من أثر التقليد، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. (رواه أحمد) (ج٦: ص٢٨٩، ٣١٠) . (والترمذي) قال العلامة أحمد محمد شاكر في تعليقه على الترمذي: لم أجده في شيء من الكتب الستة وغيرها إلا في الترمذي ومسند أحمد.

стр. 737

٦٢٢- (٣٤) وعن أنس، قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا كان الحر أبرد بالصلاة وإذا كان البرد عجل)) رواه النسائي. ٦٢٣- (٣٥) وعن عبادة الصامت، قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((إنها ستكون عليكم بعدي أمراء يشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها حتى يذهب وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها. فقال رجل: يا رسول الله ﷺ ! أصلي معهم؟ قال: نعم)) رواه أبوداود. ــ ٦٢٢- قوله: (أبرد) من الإبراد وهو الدخول في البرد، والباء للتعدية أي أدخلها في البرد، وأخرها عن شدة الحر في أول الزوال، وكان حد التأخير غالباً أن يظهر الفئ للجدر. (بالصلاة) أي بصلاة الظهر، ففي رواية الإسماعيلي والبيهقي: كان إذا كان الشتاء بكر بالظهر، وإذا كان الصيف أبرد بها. والحديث فيه دليل على استحباب تأخير الظهر عن أول وقته في الحر، وقد تقدم الكلام فيه. واختلفوا في مشروعية الإبراد بالجمعة، وليس عند القائلين بالإبراد بالجمعة نص، إنما هو بالقياس على الظهر. (رواه النسائي) قال المجد بن تيمية في المنتقى: وللبخاري نحوه يعني حديث أنس الذي أخرجه البخاري في "باب إذا اشتد الحر يوم الجمعة" لفظ: كان النبي ﷺ إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة. وسيأتي في باب الخطبة والصلاة من أبواب الجمعة. ٦٢٣- قوله: (إنها) الضمير للقصة ويفسرها ما بعدها. (يشغلهم) بفتح الياء والغين المعجمة، ويجوز أن يكون بضم الياء وكسر الغين، وفي سنن أبي داود بالتاء بدل التحتية، أي يمنعهم. (أشياء) أي أمور. (عن الصلاة) أي عن أداء جنس الصلاة. (حتى يذهب وقتها) أي وقتها مطلقاً، فإنهم كانوا يخرجونها عن جميع وقتها كما تقدم. وقيل وقتها المستحب المختار. (فصلوا) أي إذا كان كذلك فصلوا أنتم أي في بيوتكم كما في حديث ابن مسعود عند ابن ماجه. (الصلاة لوقتها) أي ولو منفردين لكن على وجه لا يترتب عليه فتنة ومفسدة. (أصلي) بحذف حرف الاستفهام. (معهم) أي مع الإمام والجماعة إذا أدركتها معهم. (قال: نعم) ؛ لأنها زيادة خير ودفع شر، زاد أحمد وكذا أبوداود "إن شئت" بعد قوله نعم. ولا أدري لِم لم يذكرها المصنف، وفي لفظ لأحمد: واجعلوا صلاتكم معهم تطوعاً. والحديث فيه دليل على وجوب تأدية الصلاة لوقتها وترك ما عليه أمراء الجور من التأخير، وعلى استحباب الصلاة معهم؛ لأن الترك من دواعي الفرقة، وعدم الوجوب لقوله في هذا الحديث: إن شئت، وقوله: تطوعاً، وفيه دليل على أن المعادة نافلة، وأن إمامة الفاسق تجوز، وسيأتي الكلام عليه. (رواه أبوداود) وسكت عليه هو والمنذري، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥: ص٣١٤، ٣١٥) وابن ماجه، قال الشوكاني: الحديث رجال إسناده في سنن أبي داود ثقات. قلت: الحديث حسن أو صحيح، ويشهد له حديث

стр. 738

٦٢٤- (٣٦) وعن قبيصة بن وقاص، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يكون عليكم أمرآء من بعدي يؤخرون الصلاة، فهي لكم، وهي عليهم؛ فصلوا معهم ما صلوا القبلة)) رواه أبوداود. ٦٢٥- (٣٧) وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار: ((أنه دخل على عثمان وهو محصور، فقال: إنك إمام عامة، ــ أبي ذر المقدم، وحديث ابن مسعود عند ابن ماجه، وحديث قبيصة الآتي وغير ذلك من الأحاديث التي ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١: ص٣٢٤، ٣٢٥) . ٦٢٤- قوله: (وعن قبيصة) بفتح أوله وكسر الموحدة. (بن وقاص) بفتح الواو وتشديد القاف السلمي، ويقال: الليثي وهو أصح، صحابي نزل البصرة، له هذا الحديث فقط، لا يعرف له غير هذا الحديث الواحد، ذكره في الصحابة البخاري، وابن أبي خيثمة، وأبوعلي بن السكن، وأبوزرعة الرازي، وغيرهم. (يؤخرون الصلاة) أي عن وقتها. (فهي لكم وهي عليهم) أي الصلاة المؤخرة عن الوقت نافعة لكم؛ لأن تأخيركم للضرورة تبعاً لهم ومضرة عليهم؛ لأنهم يقدرون على عدم التأخير وإنما شغلهم أمور الدنيا عن أمر العقبى. وقال الطيبي: أي إذا صليتم أول وقتها ثم صليتم معهم تكون منفعة صلاتكم لكم، ومضرة الصلاة ووبالها عليهم لما أخروها، كما في الفصل الأول في الحديث الثالث عشر. (فصلوا) بضم اللام. (معهم) أي مع الأمراء. (ما صلوا) بفتح اللام. (القبلة) أي ماداموا مصلين متوجهين إلى القبلة، وهي الكعبة الحرام، يعني ما داموا مسلمين صلوا معهم الصلاة وإن أخروها عن أوقاتها. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري. ٦٢٥- قوله: (وعن عبيد الله) بالتصغير. (بن عدي) بفتح العين وكسر الدال وتشديد الياء. (بن الخيار) بكسر الخاء معجمة وتخفيف الياء التحتية، ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي المدني، يقال: قتل أبوه ببدر كافراً، ولد عبيد الله في زمن النبي ﷺ ، وذكره ابن حبان في الصحابة، وقال: له رؤية، ثم ذكره في ثقات التابعين. وذكره الحافظ في الإصابة في القسم الثاني من حرف العين، وقال في التقريب: كان هو في الفتح مميزاً فعد في الصحابة لذلك، وعده العجلي وغيره في ثقات التابعين، مات في خلافة الوليد بن عبد الملك، وقيل سنة (٩٠) . قال ابن إسحاق: حدثني الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار. وكان من فقهاء قريش وعلمائهم، وقد أدرك أصحاب النبي ﷺ متوافرين. (أنه دخل على عثمان) قيل: كان عثمان من أقارب عبيد الله بن عدي. (وهو محصور) أي محبوس في داره، ممنوع عن أموره، حصره أهل الفتنة من قبل اختلاط فسقة، اجتمعوا عليه من مصر وغيرها لإرادة خلعه أو قتله، لما زعموا من أمره بقتل محمد بن أبي بكر وغير ذلك مما هو بريء منه. (إمام عامة) أي جماعة، يعني أنت أمير المؤمنين

стр. 739

ونزل بك ما ترى، ويصلي لنا إمام فتنة، ونتحرج، فقال: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساؤا فاجتنب إساءتهم)) رواه البخاري. ــ وخليفة المسلمين وإمامهم لإجماع أهل الشورى وغيرهم على إمامته. وفي رواية الإسماعيلي: وأنت الإمام، أي الإمام الأعظم. (ونزل بك ما ترى) أي من الحصار وخروج الخوارج عليك. (ويصلي لنا) أي يؤمنا. (إمام فتنة) أي رئيسها عبد الرحمن بن عديس البلوي أحد رؤوس المصريين الذين جلبوا على عثمان أهل مصر وحصروه في داره، أو هو كنانة بن بشر أحد رؤوسهم أيضاً، قال الحافظ وهو المراد هنا. (ونتحرج) وفي رواية عند الإسماعيلي وأبي نعيم: وإنا لنتحرج من الصلاة معه، والتحرج التأثم أي نخاف الوقوع في الإثم بمتابعته، وأصل الحرج الضيق ثم استعمل للإثم؛ لأنه يضيق على صاحبه. (الصلاة أحسن ما يعمل الناس) الصلاة مبتدأ وقوله: أحسن مضاف إلى ما بعده خبره، أى الصلاة أفضل أعمال المسلمين. (فإذا أحسن الناس فأحسن معهم) ظاهره أنه أذن ورخص له في الصلاة معهم، كأنه يقول: لا يضرك كونه مفتوناً بفسق، بل إذا أحسن فوافقه على إحسانه واترك ما افتتن به. قال الطيبي: وفيه دليل على جواز الصلاة خلف الفرقة الباغية وكل فاجر-انتهى. (وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم) من قول أو فعل أو اعتقاد. لا صلاة التي هي أحسن أنواع الإحسان معهم، وفيه التحذير من الفتنة والدخول فيها، ومن جميع ما ينكر من قول أو فعل أو اعتقاد، وفي هذا الأثر الحض على شهود الجماعة ولاسيما في زمن الفتنة لئلا يزداد تفرق الكلمة، وفيه أن الصلاة خلف من تكره الصلاة خلفه أولى من تعطيل الجماعة. واعلم أنهم اختلفوا في صحة إمامة الفاسق بجارحة واعتقاد، والراجح عندي أنه يجوز الإئتمام بالفاسق إذا لم يكن فسقه بجوارحه أو اعتقاده من الأمور التي يكفر بها صاحبها، لما لم يصح شيء في المنع عن الإئتمام بهم، وقد ورد ما يدل على صحة إمامته عند أبي داود وغيره، وهو وإن كان ضعيفاً لكنه قد تأيد بما كان عليه السلف الصالح من الصلاة خلف الأمراء المشتهرين بظلم العباد والإفساد في البلاد، وبما هو الأصل والأصيل، وهو أن من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره، فلا نتنقل عن هذا الأصل إلى غيره إلا لدليل ناهض، نعم يجب أن يجعل المصلون إمام صلاتهم من خيارهم عند القدرة، كما أخرجه الدارقطني عن ابن عباس مرفوعاً: اجعلوا أئمتكم خياركم، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم، وفي إسناده سلام بن سليمان المدائني وهو ضعيف، وأخرج الحاكم في ترجمة مرثد الغنوي عنه ﷺ : إن سركم أن تقبل صلاتكم فليؤمكم خياركم، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم. ولكن ليس محل النزاع إلا أنه لا يصح أن يكون الفاسق ومن في حكمه إماماً، لا في أن الأولى أن يكون الإمام من الخيار، فإن ذلك لا خلاف فيه، وسيأتي بسط الكلام في هذه المسألة في باب الإمامة إن شاء الله تعالى. (رواه البخاري) في باب إمامة المفتون والمبتدع، قال: وقال لنا محمد بن يوسف: حدثنا الأوزاعي قال: حدثنا الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، الخ. وإنما عبر بصيغة "قال لنا" ولم يقل حدثنا أو أخبرنا مع متصل من حيث اللفظ والمعنى؛ لأن المتن

стр. 740

(٣) باب فضائل الصلاة ﴿الفصل الأول﴾ ٦٢٦- (١) عن عمارة بن رويبة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها. يعني الفجر والعصر)) ــ موقوف. قال الحافظ: والذي ظهر لي باستقراء أنه لا يعبر بهذه الصيغة إلا إذا كان المتن موقوفاً، أو كان فيه راو ليس على شرطه، والذي هنا من قبيل الأول، وقد وصله الإسماعيلي، ورواه أبونعيم الأصبهاني. (باب فضائل الصلاة) كذا وقع في بعض النسخ، وفي بعضها "باب في فضل الصلوات في مواقيتها"، وفي بعضها "باب" لا غير، وهو بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هذا باب، ويجوز فيه الوقف على سبيل تعداد الكلمات فلا إعراب له حينئذٍ؛ لأن الإعراب لا يكون إلا بعد العقد والتركيب، قال ابن حجر: أي في متمات فضائل الصلوات وأوقاتها، ووقع في المصابيح فصل لا غير، قال ابن الملك: إنما أفرد هذا الفصل عما تقدم؛ لأن أحاديثه من جنس آخر-انتهى. ٦٢٦- قوله: (عن عمارة) بضم العين وتخفيف الميم. (بن رويبة) بضم الراء وفتح الواو وسكون التحتية بعدها موحدة. الثقفي، يكنى أبا زهير الكوفي. صحابي نزل الكوفة. له تسعة أحاديث، انفرد له مسلم بحديثين، تأخر إلى ما بعد السبعين. (لن يلج) أي لن يدخل. (النار) أي أصلاً للتعذيب، وقيل: أو على وجه التأبيد (صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها يعني الفجر والعصر) أي داوم على أدائهما، وخص الصلاتين بالذكر؛ لأن وقت الصبح وقت لذيذ السكرى والنوم. والقيام فيه أشق على النفس من القيام في غيره. ووقت صلاة العصر وقت قوة الاشتغال بالتجارة، وحينئذٍ يحمى البيع والشراء، فمن يتلهى عنه إلا من كمل دينه. قال تعالى. ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة﴾ [٢٤: ٣٧] ، والمسلم إذا حافظ عليهما مع ما فيه من التثاقل والشاغل كان الظاهر من حاله أن يحافظ على غيرهما أشد محافظة، وما عسى أن يقع منه تفريط، ولأن الوقتين مشهودان يشهدهما ملائكة الليل والنهار، ويرفعون فيهما أعمال العباد إلى الله تعالى، فبالحري أن من داوم عليهما لا يدخل النار أصلا، ويدخل الجنة لصيرورة ذلك مكفر الذنوب، وإن كان هذا ينافي ما عليه الجمهور من اختصاص كفارة الصلاة بالصغائر، ولكن فضل الله واسع، وقيل: خصتا بالذكر؛ لأن أكرم أهل الجنة على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية، كما في حديث ابن عمر عند أحمد والترمذي، وقوله ﷺ : إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، الخ. يدل على رؤية الله تعالى والنظر إلى وجهه قد يرجى نيله بالمحافظة على
следующие страницы →