← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8889

الفتح المبين بشرح الأربعين

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (662 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

(ومع هذا) المقرر من جواز العمل بالضعيف في الفضائل إجماعًا (فليس اعتمادي على هذا الحديث) وحده حتى يرد عليَّ الإشكال السابق (بل على قوله ﷺ في الأحاديث الصحيحة: "لِيبلغِ الشاهدُ منكمُ الغائبَ") أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" في خطبته في حجة الوداع (١)، وأخرجه ابن منده في "مستخرجه" عن ثمانية عشر صحابيًا. (وقوله ﷺ : "بلِّغوا عنِّي ولو آية" (٢)، وقوله ﷺ : (نضَّر اللَّه) بتخفيف الضاد المعجمة، ورجَّحه بعضهم، وعليه جرى الروياني من أصحابنا في "بحره" (٣) -وبتشديدها قال المصنف رحمه اللَّه تعالى، وهو الأكثر (٤) - وفيه أيضًا: (أنضر) من النضارة؛ وهي: حُسْن الوجه وبريقُه، فهو على حدِّ قوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾. ومن ثَمَّ قال بعضهم: إني لأرى في وجوه أهل الحديث -وعبَّر بعضهم بأهل العلم- نضرةً وجمالًا (٥) لهذا الحديث، يعني: إنها دعوةٌ أُجيبتْ (٦).

стр. 107

وقال بعضهم: (ليس هذا من الحسن في الوجه، وإنما معناه: حسَّن اللَّه وجهه في خَلْقه؛ أي: في جاهه وقَدْره، فهو مثل قوله ﷺ : "اطلبوا الحوائج إلى حسان الوجوه" (١) يعني: الوجوه من الناس وذوي الأقدار) انتهى، وهو تأويلٌ بعيدٌ مخالفٌ للظاهر من غير حاملٍ عليه، وليس نظيرَ حديث: "اطلبوا الحوائج" لذكر الوجوه فيه المحتمل لأن يراد بها جمع (وجه) من الوجاهة؛ وهي: التقدُّم وعلو القدر. وحكى ابن العربي عن ابن بُشْكوال: أنه بالصاد المهملة، وهو شاذٌّ. (امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها) رواه الترمذي عن ابن مسعود، وقال: حسن صحيح، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه" عن جبير بن مطعم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأبو داوود، وابن ماجه، والترمذي عن زيد بن ثابت، وقال: حسن (٢). وفي روايةٍ صحيحةٍ: "نضر اللَّه امرأ سمع منَّا حديثًا فأداه عنَّا كما سمعه، فربَّ مبلَّغ -أي: بفتح اللام- أوعى من سامع" (٣). وفي أخرى صحيحةٍ أيضًا: "نضر اللَّه رجلًا سمع منا كلمةً فبلغها كما سمعها، فرب مبلَّغٍ أوعى من سامع" (٤). قال الروياني في "بحره": (في الخبر: بيان أن الفقه هو الاستنباط والاستدراك لمعاني الكلام، وفي ضِمْنه وجوب التفقهِ والحثِّ على استنباط معاني الحديث) اهـ (٥)

стр. 108

وليس في قوله: "كما سمعها" منعٌ لرواية الحديث بالمعنى بشروطه (١)، خلافًا لمن زعمه؛ لأن المراد: أداء حكمها لا لفظها؛ بدليل قوله في آخر الحديث: "فرب حامل فقهٍ غير فقيه، ورب حامل فقهٍ إلى مَنْ هو أفقه منه" (٢) والفقه: اسمٌ للمعنى لا لِلَّفظ. * * *

стр. 109

[بيان سبب تأليف "الأربعين" وشرطه فيها] ثُمَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ جَمَعَ الأَرْبَعِين في أُصُولِ الدِّينِ، وَبَعْضُهُمْ فِي الْفُرُوعِ، وَبَعْضُهُمْ فِي الْجِهَادِ، وَبَعْضُهُمْ فِي الزُّهْدِ، وَبَعْضُهُمْ فِي الآدَابِ، وَبَعْضُهُمْ فِي الْخُطَبِ، وَكُلُّهَا مَقَاصِدُ صَالِحَةٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ قَاصِدِيهَا. وَقَدْ رَأَيْتُ جَمْعَ أَرْبَعِينَ أَهَمَّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ؛ وَهِيَ أَرْبَعُونَ حَدِيثًا مُشْتَمِلَةً عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ، وَكُلُّ حَدِيثٍ مِنْهَا قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ، وَقَدْ وَصَفَهُ الْعُلَمَاءُ بأَنَّ مَدَارَ الإِسْلَامِ عَلَيْهِ أَوْ هُوَ نِصْفُ الإِسْلَامِ أَوْ ثُلُثُهُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ. ثُمَّ أَلْتَزِمُ فِي هَذَهِ الأَرْبَعِينَ أَنْ تَكُونَ صَحِيحَةً وَمُعْظَمُهَا فِي "صَحِيحَي الْبُخَارِي وَمُسْلِمٍ"، وَأَذْكُرُهَا مَحْذُوفَةَ الأَسَانِيدِ؛ لِيَسْهُلَ حِفْظُهَا وَيَعُمَّ الانْتِفَاعُ بِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ أتبِعُهَا بِبَابٍ فِي ضَبْطِ خَفِيِّ أَلْفَاظِهَا. وَيَنْبَغِي لِكُلِّ رَاغِبٍ فِي الآخِرَةِ أَنْ يَعْرِفَ هَذِهِ الأَحَادِيثَ؛ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْمُهِمَّاتِ، وَاحْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى جَمِيعِ الطَّاعَاتِ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ. وَعَلَى اللَّهِ اعْتِمَادِي، وَإِلَيْهِ تَفْوِيضِي وَاسْتِنَادِي، وَلَهُ الْحَمْدُ وَالنِّعْمَةُ، وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ. (ثم من العلماء من جمع الأربعين في أصول الدين، وبعضهم) جمعها (في الفروع) أي: المسائل الفقهية (وبعضهم في الجهاد، وبعضهم في الزهد، وبعضهم في الآداب) (١) وبعضهم في فضائل سورٍ أو عملٍ أو قبيلةٍ أو نحوها.

стр. 110

(وبعضهم) جمعها (في الخطب) جمع خطبة من الخَطْب؛ لأن العرب كانوا إذا ألمَّ بهم الخطب -وهو الأمر المهم-. . خطبوا له، فيجتمع بعضهم إلى بعض، ويحتالون في دفعه. (وكلها مقاصد صالحة) لشمول الأحاديث السابقة لجميعها (رضي اللَّه) تعالى (عن قاصديها، وقد رأيتُ) من الرأي (جمع أربعين أهم من هذا كلِّه، وهي أربعون حديثًا مشتملة على جميع ذلك) (١) لاشتمالها على جميع أصول الشريعة وفروعها، وآدابها وأخلاقها، ووسائلها ومقاصدها؛ لأن منها ما يرجع إلى تصحيح النية والتقوى في السر والعلن، والزهد في الدنيا وقصر الأمل، وترك ما لا يعني من الفضول، والاشتغال بالذكر، والاستعداد للِّقاء، والتواضع للخلق، وحسن التخلُّق معهم بالآداب الشرعية، والانقباض عنهم فيما لا يعني، وإرادة الخير لهم باطنًا، ومساعدتهم ظاهرًا حسب الإمكان، وغير ذلك من المصالح الدينية والدنيوية؛ إذ الشريعة منحصرةٌ في بيان مصالحهما. ولا يَرِدُ على قوله: (وهي أربعون حديثًا) زيادتُهُ حديثينِ: إما لأن العدد لا مفهوم له كما قال به جمعٌ من الأصوليين، بل هو الصحيح، أو أن ذكر القليل لا ينفي الكثير (٢)؛ كما قيل به في رواية: "صلاة الجماعة تعدل صلاة الواحد بخمسةٍ وعشرين" (٣) مع رواية: "سبعة وعشرين" (٤)، أو أنه هنا كان عزمُهُ الاقتصارَ على الأربعين، فعند فراغها عنَّ له زيادة الحديثين الأخيرين؛ لحكمةٍ هي: أن أحدهما من باب الوعظ بمخالفة الهوى ومتابعة الشرع، ففيه حثٌّ على العمل بجميع الأحاديث السابقة، فكان في تعقيبها به تمام المناسبة، وثانيهما من باب الرجاء والدعاء والاستغفار والإطماع في الرحمة، ففيه تأنيس النفس وعدم نفرتها من التشديدات

стр. 111

الواقعة في خلال تلك الأحاديث السابقة، بل والحث على الإقبال عليها؛ رجاء أن يكون ذلك مكفِّرًا لما فرط منه، ففي التعقيب به تمام المناسبة أيضًا. (وكل حديثٍ منها قاعدةٌ عظيمةٌ من قواعد الدين) القاعدة: أمرٌ كليٌّ يُتَعرف منه أحكام جزئياتِ موضوعِه، كـ: الأمر للوجوب، فإن جزئيات موضوعها وهو الأمر يعرف أحكامها منها بضم الدليل التفصيلي إليها هكذا، نحو: ﴿وَأَقِيمُواْ ألصَّلَوةَ﴾ أمر، والأمر للوجوب، فـ (أقيموا) للوجوب، وبهذا يُعلم أن القاعدة بهذا المعنى ليست مرادةً للمصنف؛ لأن تلك الأحاديث كلها من باب الأحكام التفصيلية دون القواعد الإجمالية، وإنما أراد بالقاعدة الأصلَ الذي يرجع إليه غالب الأحكام أو كثيرٌ منها. (وقد وصفه العلماء بأن مدار) غالب أحكام (الإسلام عليه) لاستنباطها منه ابتداء، أو بواسطة مقدماتٍ كما يأتي بسطه في شرحها. (أو هو نصف الإسلام أو ثلثه أو نحو ذلك) كالربع، فكل واحدٍ من هذه الأربعين وُصف بأحد هذه الأوصاف الأربعة، كما ذكره ابن الصلاح في أكثرها؛ فإنه ذكر أقوال الأئمة في تعيينها واختلافهم في أعيانها، فبلغ ما قيل فيه ذلك سبعةً وعشرين، كلها مندرجة في هذه الأربعين، منها عشرون صحيحة، وسبعة حسنة، وبلَّغها المصنف في "أذكاره" إلى ثلاثين، وزاد عليها هنا اثني عشر وذكر في السابع والعشرين حديثين؛ لاجتماعهما على معنًى واحد (١). وسيتلى عليك في شرح كل منها -إن شاء اللَّه تعالى- ما يظهر به وجه كونه قاعدةً عظيمةً من قواعد الدين. ومما ينتظم في سلكها: الحديث المتفق عليه: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي. . فلأولى رجل ذكر" (٢)؛ لأنه جامعٌ لقواعد الفرائض التي هي نصف العلم. "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (٣).

стр. 112

"إن اللَّه إذا حرَّم شيئًا. . حرم ثمنه" (١)، "كل مسكرٍ حرام" (٢)، "ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًا من بطنه" (٣)، "أربع من كنَّ فيه. . كان منافقًا. . . " الحديث (٤)، "لو أنكم توكلون على اللَّه حقَّ توكله. . لرزقكم كما يرزق الطير" (٥)، "لا يزال لسانك رطبًا من ذكر اللَّه" (٦). (ثم) بعد جمع هذه الأربعين (ألتزم في) أسانيد (هذه الأربعين أن تكون صحيحةً) بالمعنى الأعم الشامل للحسن؛ إذ يطلق عليه أنه صحيحٌ حقيقةً عند بعضهم، ومجازًا عند الباقين؛ لمشابهته له في وجوب العمل به. (ومعظمها) أي: غالبها (في "صحيحي البخاري ومسلم") اللذينِ هما أصح الكتب كما يأتي. (وأذكرها محذوفة الأسانيد) لأنه ليس لها بالنسبة لأكثر الناس فائدةٌ بعد أن عُلمت صحتُها (٧)، و (ليسهل حفظها) لقلة ألفاظها وحينئذٍ يكثر حفاظها (ويعم الانتفاع بها) كما هو مشاهَدٌ؛ لخلوص نية جامعها، وحقيقة التجائه إلى اللَّه تعالى. (إن شاء اللَّه تعالى) أتى بها؛ للتبرك امتثالًا لأمره تعالى حيث أمر أشرف خلقه

стр. 113

بالإتيان بها لذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، ومن ثم سُنَّت في الأمور المستقبلة دون الماضية، كما استُفيد من الآية، فلا يقال: فعلت كذا أمس إن شاء اللَّه تعالى. (ثم أُتبعها ببابٍ في ضبط خفيِّ ألفاظها) جميعه، وبعض الواضح منها كما ذكره أول هذا الباب، وسأنقل منه ما يُحتاج إليه إلى مواضعه من هذا الشرح إن شاء اللَّه تعالى (١). (وينبغي لكل راغبٍ في) عمل أو ثواب (الآخرة أن يعرف هذه الأحاديث) ويبحث عن أحكامها، ومعانيها، وما نصَّتْ عليه، وأشارت إليه (لما اشتملت عليه من المهمات، واحتوت عليه من التنبيه على جميع الطاعات، وذلك ظاهرٌ لمن تدبَّره) مستحضرًا ما قدمناه آنفًا في شرح قوله: (مشتملة على جميع ذلك) ونزيد هنا إيضاحًا: أن الشريعة إنما وردت لبيان مصالح الناس، وانتظام أحوالهم في معاشهم ومعادهم، وانتظام حال الأول إنما يتم بوضع قانون المعاملات على وفق العدل والإنصاف، وانتظام حال الثاني إنما يوجد بالتوحيد، ويتم بالطاعات القلبية؛ كالإخلاص والنية، والعلمية والعملية، وهذه الأحاديث منها ما هو ناصٌّ على الأول بأقسامه، ومنها -وهو أكثرها- ما هو ناصٌّ على الثاني بأقسامه، كما سيتضح لك بأزيد من ذلك عند تقرير كلٍّ منها. (وعلى اللَّه) لا على غيره، كما أفاده تقديم المعمول (اعتمادي) في هذا الجمع وغيره (وإليه) لا إلى غيره (تفويضي واستنادي، وله) دون غيره (الحمد) ملكًا واستحقاقًا واختصاصًا (والنعمة) إيجادًا وإيصالًا إلى خلقه بسائر أنواعها كما مر، وغيرُهُ وإن وُجد له حمدٌ أو مِنهُ نعمةٌ فإنما هو باعتبار الصورة دون الحقيقة؛ كما مر بيانه واضحًا سوطًا (٢). (وبه) أي: بسبب تفضُّله ومِنَّته على من يشاء من خلقه (التوفيق) وهو: خلق

стр. 114

قدرة الطاعة في العبد، ويرادفه باعتبار المآل اللُّطف؛ وهو: صلاح ما به العبد عند خاتمة عمره، فمآلهما واحدٌ وإن اختلف مفهومهما كما تقرر. (والعصمة) أي: الحفظ عن الوقوع في المخالفات، ويؤخذ من كلامه: أنه يجوز لنا الدعاء بالعصمة، وهو ظاهر إن أُريد بها الحفظ من الذنب مع جواز وقوع خلافه، وهذا هو الثابت لغير الأنبياء، وأما الثابت للأنبياء عليهم الصلاة والسلام. . فهو الحفظ مع استحالة وقوع خلافه، وأما مَنْ منع الدعاء بها مطلقًا، واعترَضَ على الشيخ الأستاذ أبي الحسن الشاذلي في الدعاء بها في "حزبه". . فلم يصب؛ إذ لا دليل يعضده، ولا قياس يساعده (١). * * *

стр. 115

الحديث الأول [الأعمال بالنيات] عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ، وَإنَّمَا لِكُلِّ آمْرِئٍ مَا نَوَي، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ. . فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَن كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ أمْرَأة يَنْكِحُهَا. . فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ" رَوَاهُ إِمَامَا الْمُحَدِّثينَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ بَرْدِزْبَهْ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ بْنِ مُسلِمٍ الْقُشَيْرِيُّ النَّيْسَابُورِي ﵄ فِي "صَحِيحَيْهِمَا" اللَّذَيْنِ هُمَا أَصَحُّ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ (١). ابتدأ به اقتداءً بالسلف؛ فإنهم كانوا يحبون ذلك تنبيهًا للطالب على مزيد الاعتناء والاهتمام بحسن النية، والإخلاص في الأعمال؛ فإنه روحها الذي به قِوامها، وبفقده تصير هباءً منثورًا (٢). رواه من الأئمة الحفَّاظ فوق ثلاث مئة نَفْسٍ، وقيل: سبع مئة، عن سعيد بن يحيى بن سعيد الأنصاري (٣)، عن محمد بن إبراهيم التيمي، ولم يروه عنه غير

стр. 116

الأنصاري، عن علقمة، ولم يروه عنه غير التيمي (١). (عن أمير المؤمنين) ولم يروه عنه غير علقمة، وهو أول من سُمِّي به من الخلفاء؛ لاستثقالهم (خليفةَ خليفةِ رسول اللَّه) ﷺ (٢)، لا مطلقًا؛ فقد سُمي به عبد اللَّه بن جحش رضي اللَّه تعالى عنه حين أَمَّره النبي ﷺ على السرية التي أرسلها أول مقدمه المدينة، وفيها أُنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] الآيتينِ (٣). (أبي حفصٍ عمر بن الخطاب) بن نُفَيْل بن عبد العُزى العدوي القرشي، يجتمع مع النبي ﷺ في كعب بن لؤي، كناه النبي ﷺ بأبي حفص؛ وهو لغةً: الأسد، ولقَّبه بالفاروق؛ لفرقانه بين الحق والباطل بإسلامه؛ إذ أَمْرُ المسلمين قبله كان على غايةٍ من الخفاء، وبعده على غايةٍ من الظهور. أسلم بعد أربعين رجلًا وإحدى عشرة امرأةً، سنة ستٍّ من النبوة، وبُويع له بالخلافة يوم موت الصديق رضي اللَّه تعالى عنهما، وهو يوم الثلاثاء لثمانٍ بقين من جمادى الأولى، سنة ثلاث عشرة من الهجرة، بعهدٍ منه إليه، ففتح الفتوح العظيمة الكثيرة؛ كما أشار ﷺ إلى ذلك بحديث البئر المشهور (٤).

стр. 117

وقد ذكرتُ بقية أحواله ومناقبه وعظيم سيرته الحسنة الحميدة في كتابي "الصواعق المحرقة لإخوان الشياطين أهل الضلالة والابتداع والزندقة" (١). واستشهد على يد نصرانيٍّ اسمه أبو لؤلؤة (٢)، يوم الأربعاء، لأربعٍ بقين من ذي الحجة، سنة ثلاثٍ وعشرين من الهجرة، وهو ابن ثلاثٍ وستين على الصحيح. (رضي اللَّه) تعالى (عنه قال) دون غيره؛ إذ لم يروِ هذا الحديثَ غيرُه من طريقٍ صحيحٍ وإن رواه نحو عشرين صحابيًا، فهو -وإن أجمعوا على صحته- فردٌ غريبٌ باعتبار أوله، بل تكررت الغرابة فيه أربع مراتٍ كما مر (٣)، وهو مشهورٌ باعتبار آخره وليس بمتواتر؛ لأن شرط المتواتر: أن يوجد فيه عدد التواتر في جميع طبقاته. (سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: إنما) هي لتقوية الحكم الذي في حيِّزها اتفاقًا، ومن ثَمَّ وجب أن يكون معلومًا للمخاطب، أو منزَّلًا منزلته، ولإفادةِ الحصر وضعًا على الأصح فيهما عند جمهور الأصوليين (٤)، خلافًا لجمهور النحاة، وهو إثبات الحكم لما بعدها ونفيه عمَّا عداه؛ وذلك لأنها وردت في كلامهم له غالبًا، والأصل: الحقيقة، وجواز غلبة الاستعمال في غير ما وضعت له خلاف الأصل، فلا بد له من دليل، ولأنها -بناءً على أنها غيرُ بسيطةٍ- مركبةٌ من (إنَّ) الإثباتية و (ما) النافية. . فإما أن تنفي الحكم عمَّا بعدها وتثبته لغيره، وهو باطلٌ إجماعًا، وإما عكسه، وهو المطلوب.

стр. 118

فإن قلنا ببساطتها. . تعيَّن الأول، وورودها لغير الحصر نادرٌ، على أن الحصر إما حقيقيٌّ نحو: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾، وإما إضافيٌّ نحو: ﴿إِنَمَا اَللَّهُ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾؛ لأن صفاته تعالى لا تنحصر في ذلك، وإنما قصد به الرد على منكري التوحيد، ومنه: "إنما الربا في النسيئة" (١)، بل فهم منه ابن عباسٍ رضي اللَّه تعالى عنهما الحصر الحقيقي، فقصر الربا عليه (٢)، وقال الجمهور: إن كان إضافيًا. . فظاهرٌ، أو حقيقيًا. . فمفهومه منسوخٌ بأدلةٍ أخرى. وإنما حَسُن: (هل قام عمرو) بعد: (إنما قام زيد) ولم يكن تحصيلًا للحاصل (٣)؛ لأنها قد يتجوز بها لغير الحصر، وتراخيها فيه عن: (ما قام إلا زيد) لأنه قدر مشترك بينهما، واختص الثاني بزيادة قوة فيه؛ لزيادة حروفه، نظير (سوف) و (السين) في التنفيس؛ ولأنه فيه لفظيٌّ للتصريح بـ (ما) و (إلا) جمعًا بين النفي والإثبات بالمطابقة، وفي (إنما) معنوي. وقولُ شارحٍ: الأنسب أنها ليست للحصر مطلقًا؛ لخبر: "ما من نبىٍّ من الأنبياء إلا وقد أُوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أُوتيتُه وحيًا" (٤)، ويلزم من كونها للحصر نفي المعجزة عن غير القراَن، وأنه يمتنع الاحتجاج بغيره؛ لنفي المعجزة عنه. . ليس في محله (٥)؛ لما قررناه من أن الحصر يكون إضافيًا، وهو هنا كذلك، فحصر المعجزة في القرآن ليس لنفيها عن غيره، بل لتمييزه عن سائر المعجزات بأنه المعجزة الكبرى الدائمة المحفوظة من التغيير والتبديل، التي لم يُقهَر المعاندون بمثلها، فصارت المعجزات كلها كأنها في ضمنه فحصرت فيه.

стр. 119

ونظيره: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: إنما الكاملون في الإيمان (١)، ﴿إِنَّمَاَ أَنتَ مُنذِرٌ﴾ أي: بالنسبة لمن لا يؤمن، "إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إليَّ" (٢) أي: بالنسبة لعدم الاطلاع على بواطن الأمور، ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أي: بالنسبة لمن آثرها. والمُحكَّم في ذلك القرائن والسياق، فحيث عيَّنَّا الحصر في شيءٍ مخصوصٍ. . فهو إضافيٌّ، وإلَّا. . فهو حقيقيٌّ. فإن قلت: حَذفُ (إنما) في روايةٍ صحيحةٍ يدلُّ على عدم اعتبار الحصر (٣). قلت: ممنوع؛ لأن روايةَ ذكرِها فيها زيادة، وزيادةُ الثقةِ مقبولةٌ. (الأعمال) هي: حركات البدن، فتدخل فيها الأقوال، ويتجوز بها عن حركات النفس، وآثرها على الأفعال؛ لئلا تتناول أفعال القلوب، وهي لا تحتاج لنيةٍ كما يأتي، و (أل) فيها للعهد الذِّهني، أي: غير العادية؛ لعدم توقف صحتها على نية، أو للاستغراق، وهو ما حكي عن جمهور المتقدمين، ولا يرد عليه نحو الأكل من العاديات، ونحو قضاء الديون من الواجبات؛ لأن من أراد الثواب عليه. . احتاج إلى نيةٍ كما يأتي، لا مطلقًا؛ لحصول المقصود بوجود صورته. (بالنيات) بالتشديد من (نوى): قصد، فأصل (نية): نِوْيَة، ثم أُعلت كسيدة، وقيل بالتخفيف، من (ونى): أبطأ؛ لأنه يحتاج في تصحيحها إلى نوع إبطاء؛ أي: بسببها، أو مصاحبة لها، فعلى الأول هي جزءٌ من العبادة، وهو الأصح، وعلى الثاني هي شرطٌ (٤)، وأُفردت في روايةٍ (٥)؛ لأنها مصدر، وجُمعت في هذه؛ لاختلاف أنواعها.

стр. 120

وهي لغة: القصد؛ أي: عزم القلب، وشرعًا: قصده المقترن بالفعل؛ أي: إلا في الصوم ونحو الزكاة؛ للعسر، فهو محلها، لكن يسنُّ مساعدة اللسان له. وقيل: محلها الدماغ، ورُدَّ بأن هذا لا مجال للرأي فيه، بل يتوقَّف على السمع، والأدلة السمعية دالة على الأول؛ منها خبر: "التقوى ههنا" وأشار بيده إلى صدره ثلاثًا (١)، وأيضًا: فالإخلاص اللازم لها محلُّه القلب اتفاقًا. ومتعلَّقُ هذا الظرفِ الصحةُ؛ إذ هي أكثر لزومًا للحقيقة، فالحمل عليها أَولى؛ لأن ما كان ألزم للشيء. . كان أقرب خطورًا بالبال عند إطلاق اللفظ، لا الكمالُ، فلا يصح عملٌ -كالوضوء، خلافًا لأبي حنيفة رضي اللَّه تعالى عنه، ولا نسلم أن الماء مطهرٌ بطبعه، وكالتيمم، خلافًا للأوزاعي- إلا بنيةٍ، ما لم يقم دليلٌ على التخصيص. وممَّا يعيِّن تقدير الصحة وأن الحصر فيها عامٌّ إلا لدليلٍ. . خبرُ البيهقي: "لا عمل لمن لا نية له" (٢)، وخبرُ غيره: اليس للمرء من عمله إلا ما نواه، لا عمل إلا بنية) (٣)، والخبر الصحيح: "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللَّه إلا أُجِرْتَ عليها" (٤)، وخبر ابن ماجه: "إنما يبعث الناس على نياتهم" ورواه مسلم بمعناه (٥). وشُرِعت تمييزًا للعبادة من العادة؛ كالغسل يكون تنظيفا وعبادة، أو لرتب العبادة بعضها عن بعض؛ كالتيمم يكون للجنابة والحدث وصورتهما واحدة، وكالصلاة تكون فرضًا ونفلًا.

стр. 121

فلا تجب في عبادةٍ لا تكون عادةً ولا تلتبس بغيرها (١)؛ كالإيمان باللَّه ، والمعرفة، والخوف، والرجاء، والنية، والقراءة، والأذكار، حتى خطبة الجمعة على الأوجه؛ لتميُّزها بصورتها مع لزوم التسلسل أو الدور لو توقفتِ النيةُ على نية، ولزوم التناقضِ المحالِ لو توقفتِ المعرفةُ عليها؛ إذ هي قصد المنوي، ولا يقصد إلا ما يعرف، فيلزم أن يكون الإنسان عارفًا باللَّه تعالى قبل معرفته له، فيكون عارفًا به غير عارفٍ به في حالةٍ واحدةٍ. نعم؛ تجب في قراءةٍ نَذَرها ومثلها كما هو ظاهرٌ كل ذِكْرٍ نذره؛ ليتميز الفرض حينئذٍ من غيره، ولا تجب في التروك؛ كترك الزنا إلا لحصول ثواب الترك (٢)؛ لأن القصد اجتناب المنهي، وهو حاصلٌ بانتفاء وجوده وإن لم تكن نية. ولتردد إزالة النجاسة بين الفعل والترك اختلفوا في اشتراطها فيه، ورجَّح الأكثرون عدمه تغليبًا لمشابهة التروك؛ إذ هي أقرب إليها منها إلى الفعل، وألحقوا به غسلَ الميت؛ إذ القصد منه التنظيف، والخروجَ من الصلاة؛ لأنه تركٌ أيضًا، ولا تجب نيةُ تفرقةِ صومِ نحو التمتع (٣). واستشكل بنية الجمع في جمع التقديم، ومن ثَمَّ اختار البُلقيني عدمَ وجوبها فيه أيضًا، ويرد: بأن الجمع ضم إحداهما إلى الأخرى، فهو فعلٌ حقيقة، بخلاف التفريق؛ فإنه تركٌ حقيقةً، أو أقرب إلى الترك، فاتضح ما قالوه، وبطل ما اختاره. وإنما لم تجب في جمع التأخير؛ لأن وقت الثانية يصلح للأولى من غير عذرٍ، بخلاف عكسه، وعند عدم الصلاحية لا بد من نيةٍ تُميزه عن التلاعب. ومطلق النية في كلامه ﷺ وكلام السلف والعارفين يُراد بها غالبًا

стр. 122

تمييز المقصود بالعمل، وهل هو اللَّه تعالى وحده، أو غيره، أو مع غيره؟ فهي حينئذٍ بمعنى الإرادة، وبها عبر عنها في القرآن كثيرًا، نحو: ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾، ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾، والفرق بينهما إنما يأتي على المعنى السابق عند الفقهاء. ثم هذا الحديث قد تواتر النقل عن الأئمة بتعظيم موقعه، وكثرة فوائده، وأنه أصل عظيم من أصول الدين، ومن ثَمَّ خطب به ﷺ كما في رواية البخاري فقال: "يا أيها الناس؛ إنما الأعمال بالنيات" (١)، وخطب به عمر رضي اللَّه تعالى عنه على منبر رسول اللَّه ﷺ كما أخرجه أيضًا (٢). ولذلك قال أبو عبيد: (ليس في الأحاديث أجمع وأغنى وأكثر فائدةً منه، ومن ثَمَّ قال أبو داوود: إنه نصف العلم) (٣). ووجهه: أنه أجلُّ أعمال القلب والطاعة المتعلقة بها (٤)، وعليه مدارها، فهو قاعدة الدين، ومن ثَمَّ كان أصلًا في الإخلاص أيضًا، وأعمالُ القلب تقابل أعمال الجوارح، بل تلك أجلُّ وأفضل، بل هي الأصل، فكان نصفًا، بل أعظم النصفين كما تقرر. وقال كثيرون منهم الشافعي: (إنه ثلث العلم) (٥).

стр. 123

قال البيهقي: (لأن كسب العبد إما بقلبه، أو بلسانه، أو بجوارحه، فالنية أحدها وأرجحها؛ لأنهما تابعان لها صحةً وفسادًا، وثوابًا وحرمانًا، ولا يتطرق إليها رياءٌ ونحوه بخلافهما، ومن ثَمَّ ورد: "نية المؤمن خيرٌ من عمله") (١) وهو ضعيفٌ لا موضوع، خلافًا لمن زعمه (٢). ويدل لخيريَّتها خبرُ أبي يعلى: "يقول اللَّه تعالى للحفظة يوم القيامة: اكتبوا لعبدي كذا وكذا من الأجر، فيقولون: ربنا؛ لم نحفظ ذلك عنه، ولا هو في صحفنا" (٣). وقال الإمام الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه أيضًا: (إنه يدخل في سبعين بابًا)، ولم يُرِدْ به المبالغة، خلافًا لمن وهم فيه (٤)؛ لأن من تدبَّر مسائل النية في متفرقات الأبواب. . وجدها تزيد على ذلك؛ إذ تدخل في ربع العبادات بكماله، وكنايات العقود، والحلول، والإقرار، والأيمان، والظهار، والقذف، والأمان، والردة، وفي الهدايا، والضحايا، والنذور، والكفارات، والجهاد، وسائر القُرَب؛ كنشر العلم، وكل ما يتعاطاه الحُكَّام، بل وسائر المباحات إذا قصد بها التقوي على

стр. 124

الطاعة، أو التوصل إليها؛ كالوطء بقصد إقامة السُّنة، أو الإعفاف، أو تحصيل الولد، وفي تمييز العمد من قسيميه (١)، وفي منع القطع إذا أخذ نحو الدائن مال مدينه بقصد الاستيفاء، وقصد دين الرهن عند الأداء، واللقطة للتملك أو الحفظ، وفسخ من أسلم على أكثر من أربعٍ بقصد الطلاق اختيارًا للنكاح، ولا بقصده اختيارًا للفراق (٢)، ووطء زوجته معتقدًا أنها أجنبيةٌ، وشربُ ماءٍ يظن أنه خمرٌ، وقتل قاتل مورثه يظن أنه معصوم، فيفسق؛ لقصده نحو الزنا، ولا يحدُّ؛ لمصادفته المحل المباح. لكن قال ابن عبد السلام: (يكون عذابه متوسطًا بين الكبيرة والصغيرة) (٣) لأنه يترتَّب على المفاسد غالبًا، ولم يترتب هنا مفسدةٌ كبيرة، وفي عكسه لا يأثم ولا يحدُّ اعتبارًا بنيته. ولو خاطب امرأةً بـ (أنت طالق) أو قِنًا بـ (أنت حرٌّ). . طلقت وعتق وإن ظنهما أجنبيينِ؛ لمصادفته المحل الغير المتوقف على نية، فلم تؤثر فيه عند وجود الصريح نفيًا ولا إثباتًا. وتدخل في غير ذلك ممَّا لا يخفى عليك استحضاره بعد ما تقرر، فعلم أنه إنما أراد التحديد بالسبعين بالنسبة إلى جملة الأبواب، وأما بالنسبة إلى جزئيات المسائل. . فذلك لا ينحصر. (وإنما لكل امرئ ما) أي: جزاء الذي (نوى) دون ما لم ينوه، ودون ما نواه غيره له، فاستفيد من هذه الجملة -دون التي قبلها- وجوبُ التعيين في نية ما يلتبس دون غيره؛ كالطهارة، والزكاة، والكفارة، والنسك؛ للخبر الصحيح -خلافًا لمن

стр. 125

طعن فيه- أنه ﷺ سمع رجلًا يلبِّي بالحج عن رجلٍ فقال له: "أحججت عن نفسك؟ " قال: لا، قال: "هذه عن نفسك، ثم حجَّ عن الرجل" (١)، ووجه فهم ذلك من هذه الجملة الثانية: أن أصل النية فيما يلتبس عُلِم من الجملة الأولى، ومنع الاستنابة في النية علم من الجملة الثانية. نعم؛ يستثنى منه نية الوكيل في تفرقة الزكاة إذا فُوضت إليه؛ لأنها حينئذٍ تابعة، ومن ثَمَّ لو استناب غيره في نية الزكاة وحدها. . لم يصح كما هو ظاهر، وإنما اعتبرت نية الولي عن الصبي للنسك، والحاج عن غيره، ومغسل نحو المجنونة؛ لعدم تأهُّل المنوي عنهم لها، فأُقيمت نيةُ الناوي عنهم مقام نيتهم. وأوقع بعض العلماء الطلاق والنذر بالنية المجردة عملًا بعموم الحديث، وأباه الأكثرون؛ لأنهما من وظائف اللسان لغةً وشرعًا، فلا تؤثر فيهما النية المجردة. وقيل: مفاد الأُولى أن صلاح العمل وفساده بحسب النية الموجدة له، ومفاد الثانية أن جزاء العامل بحسب نيته من خيرٍ أو شرٍّ، وهاتان كلمتان جامعتان وقاعدتان كليتان لا يشدُّ عنهما شيء. قيل: ويؤخذ منهما بطلان حِيَل نحو الربا؛ لأنه المنوي دون البيع، ويردُّ: بأنا وإن سلمنا أنه المنوي وحده فلا تؤثر فيه؛ لأن نيته إنما هي عند المواطأة، وهي سابقة لعقد البيع، فلا تؤثر فيه؛ لأن نيته إنما تؤثر إن اقترنت بالفعل؛ إذ ذاك هو حقيقتها كما مر. على أن لنا أدلةً ظاهرةً على جواز الحيل (٢)؛ منها: حديث خيبر المشهور؛

стр. 126

وهو: "بع الجَمْع -أي: الجيد (١) - بالدراهم، ثم اشترِ بها جنيبًا" (٢) وهو الرديء (٣)، وإنما أمرهم بذلك؛ لأنهم كانوا يبيعون الصاعين من هذا بالصاع من ذلك، فعلَّمهم ﷺ الحيلة المانعة من الربا. ومن ثَمَّ أخذ السبكي منه عدم كراهة هذه الحيلة، فضلًا عن حرمتها؛ لأن القصد هنا بالذات تحصيل أحد النوعين دون الزيادة، فإن قصدها. . كرهت الحيلة الموصلة إليها، ولم يحرم؛ لأنه توصُّل بغير طريقٍ محرمٍ، فعلم أن كل ما قصد التوصل إليه من حيث ذاتُهُ لا من حيث كونُهُ حرامًا. . جاز بلا كراهة، وإلَّا. . كره، إلا أن يحرم طريقه فيحرم؛ كتعدي اليهود في السبت، فإن القصد منعهم من الاستيلاء على الصيد فيه، ودخولُه في حفرهم التي هيؤوها له قبل يوم السبت استيلاءٌ منهم عليه فيه، فلم تفدهم الحيلة شيئًا. وقول ابن حزم: (كلُّ عقدٍ حيلةٌ إلى محرم) ليس في محلِّه؛ لأن الوطء المتوصل إليه بالنكاح ليس محرمًا، إنما المحرم الزنا، فالأعم إذا شَمَل صورةً مباحةً وصورةً محرمةً. . لا يوصف بالتحريم، ولا التوصلُ إليه بالطريق الشرعي تحيُّلٌ على التحريم (٤). ثم لمّا كان في تينك الجملتين نوع إجمال. . ذكر ﷺ عقبهما مفرعًا عليهما تفصيل بعض ما تضمنتاه زيادةً للإيضاح، ونصًا على صورة السبب الباعث على هذا الحديث، وهي على ما روي -وإن قال بعض المحدثين: لم نر له

стр. 127

سندًا صحيحًا-: أن رجلًا من مكة كان يهوى امرأةً تُسمى أم قيس (١)، فخطبها فامتنعت حتى تهاجر، فلما هاجرت إلى المدينة. . هاجر لأجلها (٢)، فعرَّض به تنفيرًا عن مثل قصده فقال: (فمن كانت هجرته) وهي -أعني الهجرة- لغةً: الترك، وشرعًا: مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام خوف الفتنة، ووجوبها باقٍ. وخبر: "لا هجرة بعد الفتح" (٣) المراد به: لا هجرة بعد فتح مكة منها؛ لأنها صارت دار الإسلام (٤). وحقيقةً: مفارقة ما يكرهه اللَّه تعالى إلى غيره؛ للحديث الآتي: "والمهاجر من هجر ما نهى اللَّه عنه" (٥). وكانت أول الإسلام إما من مكة إلى الحبشة، أو منها ومن غيرها إلى المدينة، والمراد بها هنا: الانتقال من الوطن إلى غيره، سواء مكة وغيرها، وصورة السبب لا تخصص، لكنها داخلةٌ قطعًا. (إلى اللَّه ورسوله) قصدًا ونيةً (فهجرته إلى اللَّه ورسوله) ثوابًا وأجرًا، فليس الشرط هنا عين الجزاء؛ لأنهما -وإن اتحدا لفظًا- اختلفا معنًى، وهو كافٍ في اشتراط تغاير الجزاء والشرط، والمبتدأ والخبر.

стр. 128

(ومن كانت هجرته لدنيا) بضم أوله -وحكي كسره- وبقصره من غير تنوين؛ إذ هو غير منصرف؛ للزوم ألف التأنيث فيه، وحكي تنوينه، من (الدنو) لسبقها الدار الآخرة، وهي: سائر المخلوقات الموجودة قبل الآخرة. وقيل: الأرض مع الهواء والجو. و (اللام) للتعليل، أو بمعنى (إلى) كقوله: (فهجرته إلى ما هاجر إليه) والأول أظهر، وستأتي حكمة التغاير بينهما. (يصيبها) شبَّه تحصيلها عند امتداد الأطماع إليها بإصابة الغرض بالسهم، بجامع سرعة الوصول وحصول المقصود. (أو امرأة ينكحها) (١) أي: يتزوجها كما في رواية (٢). وذكر الدنيا (٣): إما زيادة على السبب؛ تحذيرًا من قصدها، نظير: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" (٤) بعد السؤال عن طهورية ماء البحر، وإما لأن أم قيس انضم لجمالها مالٌ فقصدهما مهاجرها، وإما لأن السبب قصده نكاحها وقصد غيره دنيا (٥).

стр. 129

(فهجرته إلى ما هاجر إليه) عبر بـ (إلى) هنا وبـ (اللام) ثَمَّ؛ ليفيد أن من كانت هجرته لأجل تحصيل ذلك. . كان هو نهاية هجرته، لا يحصل له غيره، وإنما اتحد الشرط والجزاء لفظًا ثَمَّ (١) -تبركًا بذكر اللَّه ورسوله، وتعظيمًا لهما بتكراره، ولكونه أبلغ في الهجرة إليهما؛ إذ من يسعى لخدمة ملكٍ تعظيمًا له أَجْزلُ عطاءً ممَّن يسعى لينال كسرةً من مأدبته- لا هنا (٢)؛ إظهارًا لعدم الاحتفال بأمرهما، وتنبيهًا على أن العدول عن ذكرهما أبلغ في الزجر عن قصدهما، فكأنه قال: إلى ما هاجر إليه، وهو حقيرٌ مهينٌ لا يجدي. ولأن ذكرهما يستحلى عند العامة، فلو كرر. . ربما عَلِقَ بقلب بعضهم، فيهش له ويرضى به، ويظنه العيش الكامل، فضرب عنهما صفحًا؛ لإزالة هذا المحذور، وذَمُّ قاصد إحداهما (٣) -وإن قصد مباحا- لأنه خرج لطلب فضيلة الهجرة ظاهرًا، وأبطن خلافه؛ فلذلك توجَّه عليه الذم، وأيضًا: أغراض الدنيا لا تنحصر (٤)، فأتى بما يشملها، وهو ما هاجر إليه، بخلاف الهجرة إلى اللَّه ورسوله؛ فإنه لا تعدُّدَ فيها، فأُعيدا بلفظهما تنبيهًا على ذلك. فائدة [تأثير الرياء على ثواب الأعمال] العمل إما رياء محض (٥)؛ بأن يراد به غرضٌ دنيويٌّ فقط ولو مباحًا، فهو حرامٌ لا ثواب فيه، وإما مشوب برياءٍ ولا ثواب فيه أيضًا، للخبر الصحيح: "من عمل عملًا أشرك فيه غيري. . فانا منه بريءٌ، هو للذي أشرك" (٦) وحَمْلُ الغزاليِّ الإشراكَ

стр. 130

فيه على المساواة محله في إشراك دنيوي لا رياء فيه (١)، على أن هذا لا يؤثر في منع الثواب مطلقًا؛ كما يدل عليه نص الشافعي والأصحاب: أن من حج بنية التجارة. . كان له ثوابٌ بقدر قصده الحج، كما بيَّنتُ ذلك مع هذه المسألة بما لم أُسبق إليه في "حاشيتي" على "إيضاح المصنف في المناسك" (٢)، فعلم أن من قصد بجهاده إعلاء كلمة اللَّه تعالى ونيل نحو غنيمة. . نقص أجره، ولم يبطل؛ لخبر مسلم: "إن الغزاة إن غنموا. . تعجَّلوا ثلثي أجرهم، وإلَّا. . تمَّ لهم أجرهم" (٣). وبه يتبيَّن حمل الأحاديث الكثيرة المصرِّحة بأن إرادة المجاهد الدنيا تُحبط أجره على ما إذا تمحَّض الجهاد للدنيا، ومن عقد عملًا للَّه ثم طرأ له خاطرُ رياءٍ؛ فإن دفعه. . لم يضر إجماعًا، وإن استرسل معه. . ففيه خلاف، والذي رجَّحه أحمد وجماعةٌ من السلف ثوابه بنيته الأولى، ومحله: في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة والحج، دون نحو القراءة، ففيه لا أجر فيما بعد حدوث الرياء. ولو تمَّ عمله خالصًا فأُثني عليه ففرح. . لم يضر؛ لخبر مسلم: "تلك عاجل بشرى المسلم" (٤). (رواه إماما المحدثين) ورعًا وزهدًا واجتهادًا في تخريج الصحيح وإيداعه -دون غيره- كتابيهما، حتى ائْتمَّ بهما في ذلك الأئمة الذين حذوا حذوهما.

стр. 131

(أبو عبد اللَّه محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة (١) بن بَرْدِزْبه) بموحدة مفتوحة، فمهملة ساكنة، فمهملة مكسورة، فزاي ساكنة، فموحدة مفتوحة، وهو بالعربية: الزراع (البخاري) الجُعفي، مولاهم (٢)، كتب عن أحمد ابن حنبل، ويحيى بن معين، وخلائق يزيدون على ألف، وروى عنه مسلم خارج "صحيحه" وأبو زرعة، والترمذي، وابن خزيمة، قيل: والنسائي. ولد ثالث عشر شوال، سنة أربعٍ وتسعين ومئة، ومات ليلة السبت ليلة عيد الفطر سنة ستٍّ وخمسين ومئتين، ودفن بخرْتَنْك؛ قرية على فرسخين من سَمَرْقَنْد. ومناقبه جمّةٌ أُفردت بالتآليف، وحُكي أنه عمي صبيًا، فرأى في نومه إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، فتفل في عينيه، أو دعا له فأبصر، فمن ثَمَّ: لم يُقرأ كتابُه في كربٍ إلا فُرِّج. (وأبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري) نسبةً إلى قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، قبيلةٌ كبيرةٌ، وقُشير أيضًا بطنٌ من أسلم، منهم سلمة بن الأكوع رضي اللَّه تعالى عنه. (النيسابوري) ولد سنة أربع ومئتين، ومات في رجب سنة إحدى وستين ومئتين، وأخذ عن أحمد وحرملة وخلائق، وروى عنه الترمذي حديثًا واحدًا (٣). ([﵄] في "صحيحيهما") (٤) المشهورينِ كنارٍ على علم، وهو -أعني الحديث المذكور- في سبع مواضع من "صحيح البخاري" (٥).

стр. 132

(اللذين هما أصح الكتب) بلا شكٍّ ولا مرية، كما أطبق عليه مَنْ بعدهما سيما المحدثون، حيث جعلوا الصحيح سبعة أقسام: ما اتفقا عليه، فما انفرد به البخاري، فمسلم، فما على شرطهما (١)، فما على شرط البخاري، فمسلم، فما صححه معتبرٌ وسَلِمَ عن المعارض. وقول الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه: (لا أعلم كتابًا بعد كتاب اللَّه تعالى أصح من "موطأ مالك" رضي اللَّه تعالى عنه) (٢) إنما كان قبل ظهورهما، فلما ظهرا. . كانا بذلك أحق وأولى. وللأئمة اختلافٌ طويلٌ في الترجيح بينهما، فالجمهور على أن ما أسنده البخاري في "صحيحه" -دون التعاليق والتراجم (٣)، وأقوال الصحابة والتابعين- أصح مما في "مسلم" لأنه كان أعلم منه بالفن اتفاقًا، مع كونه تلميذه وخِريجه، ومن ثَمَّ قال الدارقطني: (لولاه. . ما راح مسلمٌ ولا جاء) (٤). وهذا وإن لم يلزم منه أرجحية المصنَّف، إلا أنها الأصل، وبعض المغاربة يعكس، ونقل عن ابن حزم، وعن أبي علي النيسابوري شيخ الحاكم، وعلَّله بعضهم بأنه ليس فيه بعد الخطبة غير الحديث السرد، وهو غير مجدٍ؛ إذ لا ارتباط لذلك بالأصحِّيَّة التي الكلام فيها على أن قول أبي علي: (ما تحت أديم السماء كتابٌ أصح من "كتاب مسلم") (٥) ليس صريحًا في أصحيته على "البخاري"؛ لصدقه

стр. 133

بالمساواة، ونظيره قوله ﷺ : "ما أقلَّتِ الغبراء، ولا أظلَّتِ الخضراء أصدق لهجةً من أبي ذرٍّ" (١) فإنه ليس صريحًا في أنه أصدق العالم أجمع؛ لأن نفي أصدقية أحدٍ عليه لا يستلزم نفي مساواة غيره له في الصدق، وقيل: هما سواء. وأقول: البخاري أرجح من حيث انفراده بدقة الاستنباط، والغوص على المعاني الغريبة، ومسلم أرجح من حيث جمع الطرق واستيفاؤها بحسب الإمكان، والإشارة إلى ما بينها مما تعظم فوائده عند أهل فن الحديث، وأما من حيث الصحة. . فلا شك أن البخاري فيها أرجح؛ لأن شرطه -وهو أنه لا بد من تحقُّقِ اللقي- آكد وأحوط من شرط مسلم، وهو الاكتفاء بإمكانه، وإن أطال في خطبة "صحيحه" في الرد عليه في اشتراطه ذلك. ثم رأيت المصنف أشار للأول بقوله: ("كتاب البخاري" أكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة) (٢)، والحافظَ أبا بكر الإسماعيلي صرَّح به فقال ما حاصله: إن مسلمًا رام ما رام البخاري؛ لكنه لم يضايق نفسه مضايقته، بل لم يبلغ أحدٌ مبلغه في التشديد، واستنباط المعاني، واستخراج لطائف فقه الحديث، وتراجم الأبواب الدالة على ما له وصلة بالحديث. وغيرهما صرَّح بالثاني فقال: الإسناد الصحيح مداره على الاتصال وعدالة الراوي، و"كتاب البخاري" أعدل رواةً، وأشد اتصالًا. وبيانه: أن الذي انفرد بالإخراج لهم دون مسلم أربع مئة وخمسةٌ وثلاثون رجلًا، المُتكلَّم فيه بالضعف منهم نحو الثمانين، والذين انفرد مسلم بهم ستُّ مئة وعشرون، المُتكلَّم فيه منهم مئةٌ وستون على الضِّعف، ولا شك أن من سلم من التكلم فيه رأسًا أقوى ممَّن تُكُلِّم فيه وإن لم يُعَوَّل على ما تكلَّم به فيه، على أن المتكلَّم فيهم في البخاري لم يكثر من تخريج أحاديثهم، بخلاف مسلم، وأيضًا أكثرهم شيوخه الذين هو أعرف بهم من غيره؛ لكونه لقيهم وخَبَرهُم وخَبَرَ حديثهم، وأما المتكلَّم فيهم في

стр. 134

مسلم. . فأكثرهم من المتقدمين الذين لم يَخبُرهم. وأيضًا فالبخاري غالبًا إنما يخرج للمتكلَّم فيهم في الاستشهاد ونحوه، بخلاف مسلم. وأما ما يتعلق بالاتصال. . فمسلمٌ كان مذهبه -بل نقل فيه الإجماع في أول "صحيحه"- أن الإسناد المعَنْعَن له حكم الاتصال إذا تعاصر المعنعِن والمعنعَن عنه وإن لم يثبت اجتماعهما (١)، والبخاري لا يحمله على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما ولو مرةً واحدةً (٢). ومن ثَمَّ قال النووي رحمه اللَّه تعالى: (وهذا المذهب يرجح "كتاب البخاري" وإن كنا لا نحكم على مسلم بعمله في "صحيحه" بهذا المذهب؛ لكونه يجمع طرقًا كثيرةً يتعذَّر معها وجود هذا الحكم الذي جوَّزه) اهـ (٣) وجمعه لتلك الطرق إنما هو غالبًا؛ ففيما لم يجمع فيه طرقًا جلالته قاضيةٌ بأنه إنما جرى على الأحوط من ثبوت الاتصال. واقتفى المصنف رحمه اللَّه تعالى أثر إمامه الشافعي في قوله: (بعد كتاب اللَّه تعالى) فقال: (المصنفة) ليحترز بذلك عنه أيضًا (٤). * * *

стр. 135

الحديث الثاني [مراتب الدين: الإسلام والإيمان والإحسان] عَنْ عُمَرَ ﵁ أَيْضًا قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ. . إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لَا يُرَي عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ؛ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا" قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ؛ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ! قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ، قَالَ: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّه "قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ، قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ. . فَإنَّهُ يَرَاكَ" قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: "مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ" قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتهَا، قَالَ: "أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ" ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَبِثَ مَلِيًّا (١)، ثُمَّ قَالَ: " يَا عُمَرُ؛ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢).

стр. 136

(عن عمر) بن الخطاب ﵁ [أيضًا] قال: بينما) (١) هي -كـ (بينا) الواقعة في روايةٍ أخرى- (بين) الظرفية التي لا تكون إلا بين اثنين فأكثر، زِيدَ عليها (ما) أو الألف؛ لتكفَّها عن جرِّها لمَا وليها، ومن ثَمَّ رُفع على الابتداء فيهما، لكن وجوبًا في (بينما)، وجوازًا في (بينا) بل الأحسن: جرُّ المصدر بعدها نظرًا إلى أن ألفها ملحقةٌ لإشباع الفتحة، وأنها مضافةٌ إليه، ورفعُه نظرًا إلى أنها زِيدت لمنع الإضافة، وينحصر ما يليها في المصدر والجملة؛ لأنها جوابٌ، فاشترط فيما يليها أن يُعطى معنى الفعل، وشذَّ من قال: إن ألفها للتأنيث. (نحن) ضمير للمتكلم المعظم نفسه، أو ومعه غيره. (عند) (٢) ظرف مكانٍ غير متمكن (٣)، ولا يدخل عليها حرف جرٍّ غير (من) (٤) وتعم المملوك الحاضر والغائب، بخلاف (لدى) تختصُّ بالحاضر. (رسول اللَّه ﷺ ذات يوم) تأنيث (ذو) بمعنى صاحب؛ أي: بينما نحن عنده في ساعةٍ ذات مرة من يومٍ، فحذف ذلك لوضوح المراد منه، على حدِّ قوله: (تضوع المسك منها نسيمَ الصبا) (٥) أي: تضوعًا مثل تضوُّعِ نسيم الصبا. (إذ) ظرف زمانٍ ماضٍ غير متمكن، يضاف للجملتين، وقد تفيد الشرط إذا وليتها (ما) وقد تبدل اشتمالًا من مفعول، نحو: ﴿إِذِ اَنتَبَذَت﴾ وتكون مفعولًا به كما قال الزمخشري وغيره (٦)، وتعليلية، وللمفاجأة كما هنا؛ أي: كان طلوعه علينا بين أثناء أزمنة كوننا عند النبي ﷺ ، وخالف ذلك أبو حيان، فقال في

стр. 137

"بحره": (وهو ملازمٌ للظرفية، إلا أن يضاف إليه زمان، ولا يكون مفعولًا به، ولا حرفًا للتعليل، أو المفاجأة، ولا ظرف مكان، خلافًا لزاعمي ذلك، وزعمُ أبي عبيدة وابن قتيبة زيادتَها ليس بشيءٍ، على أنهما ضعيفانِ في علم النحو، وزعم أنها بمعنى: "قد" ليس بشيءٍ أيضًا) (١). و (إذا) وإن كانت للمفاجأة كـ (إذ) لكنها تفارقها في أنها لا تكون ظرفًا للماضي، ولا تدخل على الجملة الإسمية (٢)، وفيها معنى الشرط غالبًا، وخرج به المؤقتة كـ (آتيك إذا طلع الفجر) والمعاقبة لـ (إذ) نحو: ﴿وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾، والمقدر ما يليها بالحال نحو: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ أي: غاشيًا؛ فإنها حينئذ تتمحَّض للظرفية. وذكرُ (إذ) هنا مع رواية: (بينما) و (بينا) يردُّ على الحريري زعمه أن (بينا) لا يتلقى بها، ولا بـ (إذا) بخلاف (بينما) (٣)، ويرد عليه أيضًا الحديث الصحيح: "بينا أنا نائمٌ إذ جيء بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي" (٤). (طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى) بضم التحتية أوله، أبلغ من (نرى) بالنون (عليه أثر السفر) وفي رواية النسائي عن أبي هريرة وأبي ذرٍّ ﵄: (أحسن الناس وجهًا، وأطيب الناس ريحًا، كأن ثيابه لا يمسها دنس) (٥).

стр. 138

ففيه ندب تنظيف الثياب، وتحسين الهيئة بإزالة ما يؤخذ للفطرة، وتطييب الرائحة عند الدخول للمسجد، وعلى نحو العلماء، وندب ذلك للعلماء والمتعلِّمين؛ لأنه معلِّمٌ؛ بدليل: "يعلمكم دينكم"، ومتعلِّمٌ بمقاله وحاله، ومن ثَمَّ استحبَّ عمر ﵁ البياض للقارئ، واستحبه بعض أئمتنا لدخول المسجد. أقول: ينبغي ندبه لكل اجتماعٍ ما عدا العيد إذا كان عنده أرفع منه؛ لأنه يوم زينةٍ وإظهارٍ للنعمة. (ولا يعرفه منا أحدٌ) (١) لا ينافي أنه كان يأتي النبي ﷺ في صورة دحية الكلبي رضي اللَّه تعالى عنه؛ لأن ذلك كان غالبًا لا دائمًا، وأيضًا زاد في العماية عليهم؛ إذ هيئته هيئة حضريٍّ ساكنٍ معهم بالمدينة، وهم عارفون بمن فيها، وسؤاله سؤال أعرابيٍّ جاهلٍ بالدين لا إلمامَ له بالمدينة، وإلَّا. . لما جهل ذلك، وهذا صريحٌ في أنهم رأوه (٢)، وأما ما وقع عند أحمد عن غير عمر: (ونسمع رجْعَ النبي ﷺ ولا نرى الذي يكلِّمه ولا نسمع كلامه) (٣). . فيرده حديث عمر هذا الأصح منه. (حتى جلس إلى) قد يشكل التعبير بها هنا؛ لأنها لانتهاء الغاية، وهو إنما يكون في ممتدٍّ كالسفر، دون الجلوس؛ إذ لا امتداد فيه، فلتكن بمعنى (عند) أو (مع). (النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه) صريحٌ في أنه جلس بين

стр. 139

يديه دون جانبه، وهي جِلْسة المتعلِّم، لكنه بالغ في القُرْب حتى وضع كفَّيه على ما يأتي جريًا على ما بينهما قبلُ من مزيد الودِّ والأُنس حين يلقي عليه الوحي؛ تنبيهًا على أنه ينبغي للسائل قوة النفس، وعدم فعل ما يَمنع عنه كمالَ التلقي من نحو الالتهاء عمَّا هو بصدده (١)، وللمسؤول ألَّا يعاتبه حينئذ وإن لم يسلك الأدب ظاهرًا. (ووضع كفيه على فخذيه) أي: فخذي النبي ﷺ كما صرحتْ به روايةُ النسائي، وفيها: أنه ﷺ كان يجلس مع أصحابه، فلا يعرفه الغريب، فبُنيتْ له مصطبة من طين (٢)، فجاءه جبريل وهو عليها فقال: السلام عليكم يا محمد، فردَّ ﵇، فقال: أدنو يا محمد؟ قال: "ادنه" فما زال يقول: (أدنو) مرارًا، ويقول له: "ادن" حتى وضع يديه على ركبتي النبي ﷺ (٣)، ففيه سنة الابتداء بالسلام، وتعميم الحاضرين به، ثم تخصيص رأس القوم. قلت: يحتمل أنه أراد بـ (عليكم) النبي ﷺ وحده؛ بدليل: يا محمد، ففيه ندب السلام على الواحد بصيغة الجمع (٤)، وبه صرح أصحابنا نظرًا لمن معه من الملائكة، واستئذان الكبير في القرب منه وإن جلس للناس (٥)، وتكريره تعظيمًا له واحترامًا، وجوازُ تخصيص المعلم بمحلٍّ من المسجد مرتفع؛ لضرورة التعليم أو غيره. قلت: وجواز بناء مصطبةٍ في المسجد بهذا القصد، وهو متجهٌ إن لم يحصل بها تضييقٌ.

стр. 140

(وقال: يا محمد) قد يستشكل بحرمة ندائه ﷺ به؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ مع أن المقام مقام تعليم، ويجاب بأنا لا نسلم حرمة ذلك على الملائكة، فكان في ندائه بذلك -مع ما سيعلم به الصحابة ﵃ من أنه جبريل- إعلامٌ لهم بأن الملائكة لا يدخلون في هذا الخطاب، على أنه يحتمل أن حرمة ذلك إنما عرضت بعد، فلا إشكال أصلًا. ثم رأيت بعضهم أجاب بأنه قصد مزيد التعمية عليهم، فناداه بما كان يناديه به أجلاف الأعراب. وفيه أيضًا: جواز نداء العالم والكبير باسمه ولو من المتعلم، ومحله: إن لم يعلم كراهته لذلك، ولا كان على سبيل الوضع من قدره؛ لمخالفته ما اعتيد من النداء لأولئك بالألقاب المعظمة. (أخبرني عن الإسلام) في رواية الترمذي تقديم الإيمان كما في رواية "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁ (١)، قيل: وهي أَولى؛ لموافقتها القرآن في نحو: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ الآيةَ، ﴿إِنَّمَا ألمؤْمُنون﴾ الآيتينِ أول (الأنفال) ولعل الأُولى روايةٌ بالمعنى. اهـ (٢) وفي رواية أبي هريرة: (ما الإسلام) هنا، و (ما الإيمان) فيما يأتي، وهي تدل على أنه إنما سأل عن شرح ماهيتهما، لا عن شرح لفظهما لغةً، وإلَّا. . لم يُجِب بما يأتي، ولا عن حكمهما؛ لأن (ما) في أصلها إنما يسأل بها عن الحقائق والماهيات. ولما كان الإيمان لغة معلومًا عندهما (٣). . أعاد لفظه في الجواب ببيان متعلقاته، وقصره عليها توسعًا كما يأتي.

стр. 141

ومن روى أن جبريل إنما سأل عن شرائع الإسلام لا عن الإسلام. . فقد وهِم؛ لأن هذا لم يصح عند أحدٍ من أئمة الحديث. (فقال رسول اللَّه ﷺ مجيبًا له عن ماهية الإسلام وحقيقته، مبادرًا من غير استفسارٍ عن أن السؤال عن ذلك أو عن شروطه أو أركانه أو غيرهما من لواحقه، إشارةً إلى أن للمسؤول من مفتٍ وغيره أن يجيب على ما فهمه بالقرينة؛ إذ هي كالنَّصِّ، فجاز الاعتماد عليها سؤالًا وجوابًا، ومن ثَمَّ لو قيل لمفتٍ: أيجوز كذا؛ فأشار بما يشار به كـ (نعم). . جاز الاعتماد على أنه أفتى بالجواز (١). (الإسلام) هو لغة: الطاعة والانقياد، وشرعًا: الانقياد إلى الأعمال الظاهرة؛ كما بيَّن ذلك ﷺ بقوله: (أن تشهد أن) مخففة من الثقيلة (لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه) ظاهره -إن لم يحمل (تشهد) على (تعلم) بدليل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ -: أنه لا بد في الإسلام من لفظ: (أشهد) بأن يقول: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه. فلو قال: (أعلم) بدل: (أشهد)، أو أسقطهما فقال: (لا إله إلا اللَّه، محمد رسول اللَّه). . لم يكن مسلمًا، وتوافقه رواية: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا. . . " الحديث (٢)، وهو ما اعتمده بعض المتأخرين منَّا، ويؤيده أن الشارع تعبَّد بلفظ: (أشهد) في أداء الشهادة، فلا يكفي (أعلم) ونحوها وإن رادفت (أشهد) أي: في إفادة مطلق العلم، لا مطلقًا، لأن الشهادة أخصُّ منه، فكل شهادةٍ علمٌ، ولا عكس، واستدل له بكلام "الروضة" في الكفارة (٣).

стр. 142

لكن رواية: "حتى يقولوا. . . إلخ" (١) ظاهرةٌ في عدم اشتراط لفظ: (أشهد) وأن المراد به في أحاديثه: (يقول) ولم يعكس (٢)؛ لأن حمل (أشهد) على (يقول) عليه قرينةٌ خارجيةٌ هي: أن هذه الكلمة تُسمى كلمة الشهادة وإن أسقط منها (أشهد)، وحمل (يقول) على (أشهد) لا قرينة عليه خارجيةٌ. وأيضًا فالاحتياطُ في المشهود به المبني على المشاحَّة غالبًا ثَمَّ. . اقتضى تضييقَ طرقه (٣)، والاقتصارَ فيه على الوارد، والاحتياط للدخول في الإسلام والعصمة المتشوف إليهما الشارع. . اقتضى توسعةَ طرقه، فعملنا بالاحتياط المذكور في البابينِ (٤)، وكلام "الروضة" في الإيمان يقتضي عدم الاشتراط (٥). ويؤيده اكتفاؤهم في حق مَنْ لم يَدِنْ بشيءٍ بـ (آمنت) وكذا (أُومن -إن لم يرد به الوعد- باللَّه)، أو (أسلمت للَّه)، أو (اللَّه خالقي)، أو (ربي)، ثم يأتي بالشهادة الأخرى، فإذا اكتفوا بنحو: (اللَّه خالقي) مع أنه لا شيء فيه من الوارد نظرًا للمعنى دون اللفظ. . فأولى الاكتفاء بـ (لا إله إلا اللَّه) كما هو واضحٌ؛ لأنه وُجد فيه لفظُ الوارد نظرًا لرواية: "يقولوا" ومعناه. فعلم أنهم لم يتعبدوا هنا بلفظ الوارد، فيكفي بدل (إله): (بارئ) أو (رحمن) أو (رازق)، وبدل (اللَّه): (محيي) أو (مميت) إن لم يكن طبائعيًا (٦)، أو أحدُ تلك الثلاثة (٧) أو (من في السماء) دون (ساكن السماء) أو (من آمن به المسلمون).

стр. 143

وبدل (محمد): (أحمد) و (أبو القاسم)، وبدل (إلا): (غير) و (سوى) و (عدا)، وبدل (رسول): (نبي). ولبعض أئمتنا رأيٌ ثالثٌ؛ وهو اشتراط (أشهد) أو مرادفها كـ (أعلم)، وأنه يشترط ترتيبهما وإن لم تقتضه (الواو)، فلا يصح الإيمان بالنبي قبل الإيمان باللَّه. نعم؛ لا تشترط الموالاة بينهما، ولا العربية وإن أحسنها، وأنه لا بد من مجموعهما في الإسلام، فلا يكفي أحدهما (١)، خلافًا لما شذَّ به بعض أصحابنا أنه يكفي: (لا إله إلا اللَّه) وحدها، وأنه لا يشترط زيادة عليهما وهي البراءة من كل دينٍ يخالف دين الإسلام، ومحله: إن أنكر أصل رسالة نبينا محمدٍ ﷺ ، فإن خصَّصها بالعرب. . اشترط زيادة إقراره بعمومها (٢). ويزيد حتمًا مَنْ كفر بإنكار معلومٍ من الدين بالضرورة: اعترافَهُ بما كفر بإنكاره، أو التبري من كل ما يخالف الإسلام، والمشركُ: وكفرت بما كنت أشركتُ به، والمُشَبِّهُ: البراءة من التشبيه بما لم يعلم مجيء محمدٍ ﷺ بنفيه. (وتقيمَ الصلاة) معطوف على (تشهد) خلافًا لمن زعم رفع هذا وما بعده استئنافًا، وكأنه نظر إلى أنه يكفي في إجراء أحكام الإسلام الشهادتان وحدهما. وجوابه: أن الانقياد له أقلُّ وهو هذا، وأكملُ وهو ما ذكر في الحديث، فكان عطف ما بعد: (أن تشهد) عليه ليفيد هذا الأكمل. . أَولى؛ أي: يأتي بها محافظًا على أركانها وشروطها، أو على مكملاتها، أو يداوم عليها، فـ (تقيم) من التقويم والتعديل، أو من الإقامة؛ أي: الملازمة والاستمرار، أو التشمير والنهوض.

стр. 144

وحملُه على (تقوم إليها)، أو (تقيم لها)، من (الإقامة) أخت الأذان. . بعيدٌ لغةً ومعنًى. وهي لغةً: الدعاء، وقيل: الدعاء بخيرٍ، وشرعًا: أقوالٌ وأفعالٌ غالبًا مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، فدخلت صلاة الأخرس، ومن لم يلزمه إلا إجراؤها على قلبه؛ إذ لا تسقط ما دام العقل موجودًا. ووجوبُ تركها أو قطعها لنحو إنقاذ غريقٍ، أو تجهيز ميتٍ خِيفَ انفجاره. . عذرٌ في الإخراج عن الوقت إذا توقَّف ذلك عليه، لا في مطلق الترك. وأصلها: فَعَلَة بفتحات، ولامها واو (١). واختار بعض المحققين: أنها مأخوذةٌ من الصَّلى: عرق متصل بالظَّهْر يفترق من عند عجب الذنَب، ويمتدُّ منه عرقان، في كل وَرِكٍ عِرقٌ، يقال لهما: الصلوان، فإذا ركع المصلي. . انحنى صَلاه وتحرك، ومنه سُمِّي ثاني خيل السباق مُصَلِّيًا؛ لأنه يأتي مع صَلَوي السابق. وعلم مما مر: أنها بمعنى الدعاء حقيقة لغوية، مجاز عرفي علاقته تشبيه الداعي في تخشعه ورغبته بالمصلي. (وتؤتي الزكاة) من الأنواع الواجبة فيها إجماعًا؛ وهي: الأنعام، والتمر، والعنب، والحبوب المقتاتة اختيارًا، والنقدان، وزكاة الفطر، وخلاف ابن اللبان من أصحابنا فيها لغوٌ؛ لأنه غير مجتهدٍ في غير علم الفرائض، أو على خلاف (٢)، كزكاة التجارة وبقية الفواكه ونحوها بالنسبة لمن اعتقد وجوبها لاجتهاد أو تقليد. وهي لغةً: النماء والتطهير، وشرعًا: اسم للمُخْرَج من المال؛ لأنه إنما يؤخذ من نامٍ ببلوغه النصابَ، أو لأنه يُنَمِّي الأموالَ بالبركة، وحسناتِ مؤديها بالتكثير، أو لأنه يطهرها من الخبائث الحسية والمعنوية، ونفسَ المزكي من رذيلة البخل وغيره، أو لأنه يزكيه ويشهد بصحة إيمانه. وإنكار وجوبها في المُجمَعِ عليه كفرٌ؛ لأنها من المعلوم من الدين بالضرورة.

стр. 145

(وتصوم) من الصوم؛ وهو لغة: الإمساك، وشرعًا: إمساكٌ مخصوصٌ. (رمضان) صريح في عدم كراهة إطلاق ذلك مطلقًا، وهو الأصح، وقيل: يكره مطلقًا، وقيل: إن لم تدل قرينةٌ على أن المراد غير اللَّه تعالى؛ لأنه من أسمائه، ويرده الأخبار الصحيحة: "إذا جاء رمضان. . فتحت أبواب الجنة" (١)، وزعمُ أنه من أسمائه تعالى غيرُ صحيحٍ، كيف ولم يرد فيه إلا أثر ضعيف؟! وأسماء اللَّه تعالى توقيفيةٌ لا تطلق إلا بخبر صحيح، بل لو صح فيه الخبر. . لم تلزمه الكراهة؛ لتوقفها على النهي الصحيح. ذكره المصنف (٢)، ونازعه بعض الشُّرَّاح من المالكية بما لا ينفع دليلًا؛ إذ حاصله: أن أئمتهم لا يقولون شيئًا إلا بدليل وإن لم يعلم. وسمي شهر الصوم به؛ لأنهم لما أرادوا وضع أسماء الشهور. . وافق اشتداد حرِّ الرمضاء فيه، وهو مبنيٌّ على أن اللغات غير توقيفية، والأصح: خلافه. (وتحج البيت) أي: تقصده بنسك حج وعمرة؛ إذ هي واجبةٌ أيضًا عندنا للخبر الصحيح: هل على النساء جهاد يا رسول اللَّه؟ قال: "نعم، جهادٌ لا قتال فيه؛ الحج والعمرة" (٣)، فهو صريح في وجوبهما، وما عارضه محتملٌ فقُدِّم هذا عليه، ثم رأيت ابن حبان زاد في روايته: "وتعتمر وتغتسل من الجنابة، وأن تتم الوضوء" وقال: تفرد بهذا سليمان التيمي (٤). (إن استطعت إليه سبيلًا) أي: طريقًا؛ بأن تجد زادًا وراحلةً بشروطهما المقررة في محلها، وصح عند الحاكم وغيره: أنه ﷺ فسر بهما السبيل في الآية (٥)، لكن ضعفه آخرون، فلا يجب على عاجزٍ عن مؤنته أو مؤنةِ مَنْ تلزمه مؤنته، ولا على عاجزٍ عن الراحلة إن كان بينه وبين مكة مرحلتان وإن قدر على
следующие страницы →