← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8889

الفتح المبين بشرح الأربعين

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (662 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الأقوال فيه وأجمعها: أنه الدائم القائم بتدبير خلقه وحفظه؛ قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآيةَ، ويقال فيه: قيَّام وقَيِّم، وبهما قُرئ شاذًا (١). (السماوات) جمع سماء؛ وهي: الجِرم المعهود، ويُطلق لغةً على كل مرتفعٍ. (والأرَضين) بفتح الراء وقد تسكَّن، وجَمَعَها -وإن كان خلف ما في الآيات- إشارةً إلى أن الأصح: أنهنَّ سبعٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: عددًا لا هيئةً وشكلًا فقط، خلافًا لمن زعمه؛ للحديث المتفق عليه: "من ظلم قِيد شبرٍ -بكسر القاف؛ أي: قدر شبر-. . طُوِّقه من سبع أرضين" (٢). وزَعْمُ أن المراد سبعٌ من سبع أقاليم خروج عن الظاهر بغير دليل، على أن الأصل في العقوبات المماثلة، ولا تتم إلا إن طُوِّق الشبر من سبع طبقات الأرض، وفي حديث البيهقي: "اللهم؛ رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن" (٣)، وجَمْعُها بالياء والنون شاذٌّ، قيل: وحكمته: أن يكون عوضًا عما فاتها من ظهور علامة التأنيث. (مدبر) مصرِّف أمور (الخلائق) أي: المخلوقات بحسب ما تقتضيه حكمته البالغة، ومن عبَّر بالمصلحة. . أراد التدبير الدنيوي؛ لأن عموم رحمته تعالى اقتضت إقامة المصالح الدنيويةِ على المؤمن والكافر، لا الأخروي (٤)؛ لأن غاية الكفار النارُ المؤبدة عليهم، فالمدبِّر: العالم بأدبار الأمور وعواقبها، ومقدر المقادير ومجريها. وحملُ (الخلائق) على أنه جمع (خليقة) بمعنى الطبع خلافُ الظاهر. (أجمعين) تأكيدٌ ناصٌّ على شمول تدبيره تعالى لكل مخلوق. (باعث) مرسل (الرسل) جمع رسول؛ وهو: إنسانٌ حرٌّ ذكرٌ من بني آدم، أُوحي إليه بشرعٍ وأُمر بتبليغه، سواء كان له كتالب أنزل عليه ليبلغه -ناسخًا لشرع من

стр. 72

قبله أو غير ناسخٍ له- أو على مَنْ قبله وأُمر بدعوة الناس إليه، أم لم يكن له ذلك؛ بأن أُمر بتبليغ الموحى إليه من غير كتاب، ولذلك كثرت الرسل؛ إذ هم ثلاث مئة وثلاثة عشر، وقلَّت الكتب؛ إذ هي: التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان، وصحف آدم، وشيث، وإدريس، وإبراهيم، وهو أخص من النبي؛ فإنه: إنسانٌ حرٌّ ذكرٌ من بني آدم، أُوحي إليه بشرعٍ وإن لم يؤمر بتبليغه. (صلواته) أي: رحمته المقرونة بتعظيم، وخُصَّ لفظها بهم (١)؛ تعظيمًا لهم، وتمييزًا لرتبتهم على غيرهم، وتنظير بعض الشُّرَّاح في تفسيرهم لها بالرحمة؛ لأنها عطفت عليها في: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ ولأنها مستحيلةٌ في حقه تعالى، وتصويبه أنها المغفرة. . غيرُ سديد (٢)؛ لأنها أخص من مطلق الرحمة، وعطف العام على الخاص صحيحٌ مفيد؛ ولأن المراد بها -كما مر- في حقه تعالى: غايتُها كسائر الصفات المستحيل ظاهرها عليه تعالى. (وسلامه) أي: تسليمه إياهم من كل آفةٍ ونقصٍ (عليهم) وهذه كجملة (الحمد للَّه) خبريةٌ لفظًا، إنشائيةٌ معنًى (إلى) متعلقٌ بـ (باعث) (المكلَّفين) جمع مكلفٍ؛ وهو: البالغ العاقل من الإنس، وكذا من الجن بالنسبة لنبينا ﷺ ؛ إذ هو مرسلٌ إليهم إجماعًا، خلافًا لمن وهم فيه، كما بيَّنه السبكي في "فتاويه" (٣)، وأما بقية الرسل. . فلم يرسل أحدٌ منهم إليهم؛ كما قاله الكلبي، وروي عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما (٤).

стр. 73

وإيمانهم بالتوراة -كما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ الآيةَ- لا يدل على أنهم كانوا مكلَّفين به؛ لجواز إيمانهم به تبرعًا منهم، وليس منهم رسولٌ عن اللَّه عند جماهير العلماء، وأما قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾. . فالمراد به: من أحدكم، وهم الإنس، على حدِّ قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾، ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾، وكذا من الملائكة بالنسبة لنبينا أيضًا؛ لأنه مرسلٌ إليهم عند جماعةٍ من أئمتنا المحققين (١)؛ كما يدل عليه خبر مسلم: "وأُرسلتُ إلى الخلق كافة" (٢)، بل أخذ بعض المحققين من أئمتنا بعمومه حتى للجمادات؛ بأن ركِّب فيها عقلٌ حتى آمنتْ به (٣). وقول الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ الشامل لهم (٤): (أجمعنا على أن المراد الإنس والجن دون الملائكة) (٥). . مردودٌ، أو مراده به إجماع الخصمين؛ إذ (أجمعنا) إنما يقال لذلك غالبًا، لا إجماع كل الأمة، على أن هذا لا يؤخذ من مثل الرازي، بل من مثل ابن المنذر وابن جرير. وأما غير نبينا. . فغير مرسلٍ إليهم قطعًا. إذا تقرر ذلك. . فإطلاق المصنف بعْثَ الرسل إلى المكلفين ليس المراد به عمومه كما عرفت. فإن قلت: تكليف الملائكة من أصله مختلَفٌ فيه. قلت: الحق تكليفهم بالطاعات العملية؛ قال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، بخلاف نحو الإيمان؛ لأنه ضروريٌّ فيهم، فالتكليف وبه تحصيلٌ

стр. 74

للحاصل وهو محال، والتكليف: إلزام ما فيه كُلفة، وهو الواجب والحرام، دون المندوب والمكروه؛ إذ لا تكليف فيهما حقيقة. (لهدايتهم) مصدرُ مضافٌ للفاعل أو المفعول؛ أي: لأجل دلالتهم إياهم على سلوك سبيل الهدى، وتجنُّب طريق الردى، ثم بعد هذه الدلالة منهم مَنْ تحصل له الهداية بمعنى الوصول وهم المؤمنون، ومنهم من لا تحصل له وهم الكافرون، ودليل إطلاقها عليهما خلافًا للمعتزلة: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي: دللناهم ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى﴾ أي: الضلال ﴿عَلَى الْهُدَى﴾ أي: الإسلام، والذي للرسل هو الأول، وأما الثاني .. فيختص به تعالى؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾. وبما قررته عُلم أن (اللام) في كلام المصنف لبيان حكمة الإرسال وغايته، لا للعلَّة الباعثة عليه؛ لأن أفعاله تعالى لا تُعلَّل بالأغراض؛ لِمَا يلزم على ذلك الذي ذهب إليه المعتزلة قبَّحهم اللَّه تعالى مما هو مقرر في محله. (وبيان شرائع) جمع شريعةٍ، فعيلة بمعنى مفعولة، من (شرعَ): بيَّن؛ وهي لغةً: مشرعة الماء؛ أي: مورد الشارب، واصطلاحًا: وضعٌ إلهيٌّ سائقٌ لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم. (الدين) الإضافة فيه بيانيةٌ كما عُلم من تفسير الشريعة بما ذكر؛ إذ هو هنا: ما شرعه اللَّه تعالى لنا من الأحكام، وهذه الأحكام المشروعة هي ذلك الوضع الإلهي. . . إلخ. ويصح أن تكون على معنى (اللام) (١): بأن يراد بالشرائع الأحكام، وبالدين الملة والإسلام؛ قال اللَّه تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. ويطلق أيضًا على العادة، والسيرة، والحساب، والقهر، والقضاء، والحكم،

стр. 75

والطاعة، والحال، والجزاء، ومنه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، "كما تدين تدان" (١)، والسياسة، والرأي. ودان: عصى وأطاع، وذلَّ وعزَّ، فهو من الأضداد. قيل: ولو قال: (ببيان). . كان أحسن؛ ليكون ذاكرًا للهداية وسببها، وليس في محله؛ لما تقرر أن الهداية هنا بمعنى الدلالة، وهي بيان الشرائع، فكيف يجعل ذلك البيان سببًا لها؟! فالصواب: ما فعله المصنف؛ لأنه من باب عطف الرديف؛ إيضاحًا وتنبيهًا على المراد. (بالدلائل) متعلق بـ (بيان) جمع دليل، وهو لغةً: المرشد، واصطلاحًا: ما يمكن التوصُّل بصحيح النظر فيه إلى علمٍ أو ظنٍّ، نقليًا كان -وهو الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، ونحو الاستصحاب- أو عقليًا وهو البرهان الآتي. (القطعية) وهي الأدلة المؤدية إلى العلم؛ للقطع بمقدماتها، نحو: كل إنسانٍ جسمٌ، وكل جسمٍ مركبٌ، فكل إنسانٍ مركب. فإن قلت: أكثر أدلة الشريعة ظنيةٌ؛ لأن مقدماتها كذلك، نحو: الطمأنينة ركنٌ في الصلاة، وكل ركنٍ واجبٌ، والوضوء عبادةٌ، وكل عبادةٍ تُشترط لها النية، فكان ينبغي له حذف (القطعية). قلت: إنما صارت ظنية بالنسبة إلينا، بخلافها بالنسبة لمن سمعها من النبي ﷺ ؛ فإنها بالنسبة إليه قطعيةٌ، والكلام إنما هو في بيان الرسل للشرائع، وذلك جميعه قطعي. ويصح أن يراد بدلائلهم معجزاتهم الدالة على صدقهم، وكلها قطعية؛ لاستفادتها من دليل مؤلَّفٍ من مقدمتين قطعيتين، نحو: الرسل جاؤوا بالمعجزات، وكل من جاء بالمعجزات صادق، فالرسل صادقون، أما الصغرى. . فضروريةٌ حسية، والكبرى ضروريةٌ عقلية؛ إذ المعجزة خارقةٌ للعادة، وخرقها لا يقدر عليه إلا اللَّه ، وهو لا يؤيد بذلك كاذبًا، وقد أيَّدهم اللَّه بها، فلم يكونوا كاذبين، بل صادقين.

стр. 76

(وواضحات البراهين) أي: البراهين الواضحة التي لا إشكال فيها، جمع برهانٍ؛ وهو لغة: الحجة، واصطلاحًا: ما تركَّب من مقدمتين متى سلمنا (١). . لزمهما لذاتهما قول ثالث؛ كالعالَم متغير، وكل متغيرٍ حادثٌ، ينتج: العالم حادث، على ما هو مقررٌ في محله من كتب الميزان (٢). (أحمده) أي: أصفه بجميع صفاته الجميلة، وذكر الحمد مرتين؛ للجمع بين نوعيه الواقع في مقابلة صفاته تعالى، والواقع في مقابلة نعمه التي من جملتها التوفيق لهذا التأليف، وهذا الثاني هو الشكر كما، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، وخص الأول بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار، والثاني بالفعلية الدالة على التجدُّد والتعاقب؛ لقدم الصفات واستمرارها، وتجدد النِّعم وتعاقبها، وفي الأبلغ من الحمدينِ كلامٌ بينته في شرحي "الألفية" و"الإرشاد" (٣). (على جميع نعمه) جمع نعمة؛ وهي: بين العيش وخِصْبه (٤)، أو الشيء المُنعَم به؛ إذ كثيرًا ما يأتي (فِعْل) بمعنى المفعول، كالذِّبْح والنِّقْض والرِّعْي والطِّحْن (٥)، ومع ذلك لا ينقاس، وقال الفخر الرازي: (هي المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير، وقيل: لا بد من تقييد المنفعة بالحسنة؛ لأنه لا يستحق الشكر إلا بها، والحق عدم اعتبار هذا القيد؛ لجواز أن يستحق الشكر بالإحسان وإن كان فعله محذورًا (٦)؛ لأن جهة استحقاق الشكر غير جهة استحقاق الذم، ولهذا

стр. 77

استحقَّ الفاسق الشكر بإنعامه، والذم بمعصيته) (١). واختلفوا: هل للَّه نعمةٌ على كافرٍ في الدنيا؟ فقيل: نعم، وعليه الباقلاني، وقال الفخر الرازي: إنه الأصوب؛ لقوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ وذكر آياتٍ كثيرةً فيها دلالة لذلك (٢)، وقيل: لا (٣)؛ لأنه وإن وصلت إليه نِعَمٌ لكنها قليلةٌ حقيرةٌ لا اعتداد بها؛ لأدائها إلى الضرر الدائم في الآخرة، فهي كحلوٍ فيه سمٌّ، ومن ثَمَّ قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ الآيةَ، والخلاف لفظي؛ إذ لا نزاع في وصول نِعَمٍ إليه، وإنما النزاع في أنها إذا حصل عقبها ذلك الضرر الأبدي. . هل تسمى حينئذٍ في العرف نِعمًا أو لا؟ فهو نزاعٌ في مجرد التسمية (٤). وأوَّلَ بعضُ المحققين النعمةَ في نحو كلام المصنف هنا بالإنعام؛ نظرًا إلى أن الحمد على الوصفِ القائمِ بذاته تعالى الدائمِ المستمرِّ أَبلغُ منه على أثره الواصل إلينا. واعلم: أن كل ما يصل إلى الخلق من النفع ودفع الضرر منه تعالى؛ كما قال : ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ أي: إما ظاهرًا كالخلق، وإما باطنًا كالواصلة من غيره ظاهرًا؛ فإنه الخالق لهما ولداعية الإنعام في قلبه بها، لكن لمَّا أُجريت على يديه. . استحق نوعَ شكرٍ بها، وأما حقيقة الشكر. . فهي تعالى فقط؛ لأنه المنعم بالحقيقة، ونعمه تعالى غير متناهية: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾. والأمرُ بتذكرها في قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ لأنها وإن لم تتناهَ باعتبار الأشخاص والأنواع إلا أنها متناهيةٌ بحسب الأجناس، وذلك كافٍ في التذكر المفيد للعلم بوجود الصانع الحكيم.

стр. 78

(وأسأله المزيد) أي: الزيادة (من فضله) أي: ما تفضَّل به على عباده من إسداء غاية الإحسان إليهم، فـ (مِنْ) للتعدية، ويصح كونها للتعليل؛ أي: من أجل اتصافه بسائر صفات الكمال، ولا يُسأل بالحقيقة إلا مَنْ هو كذلك. (وكرمه) فيه الوجهان المذكوران، والفضل لغةً: ضد النقص، والإفضال: الإحسان، والكرم: نقيض اللؤم، ويقال: كرم -بسكون الراء- كعدل للمذكر والمؤنث. ولمَّا ورد أنه ﷺ قال: "كل خطبةٍ ليس فيها تشهدٌ فهي كاليد الجذماء" (١). . تأسَّى المصنف به فقال: (وأشهد) أي: أعلم وأُبين (أَنْ لا إله) أي: لا معبود بحقٍّ في الوجود (إلا اللَّه الواحد) في ذاته -فلا يقبل قسمةً ولا تجزؤًا- وصفاتِهِ وأفعالِهِ، فلا نظير له، ولا شريك له في ملكه، ولا معين له في فعله. (القهَّار) الغالب الذي لا يُغلَب، والقوي الذي لا يَضعُف، مأخوذٌ من (قهره): غلبه، و (أقهرته): وجدته مقهورًا، والقُهْر -بالضم-: الاضطرار. (الكريم) الذي لا تنقطع نِعمه العظمى عمَّن التجأ إليه في مهماته، التي من جملتها تيسير مثل هذا الكتاب، بل ولا عمَّن أعرض عن طاعته وشكره. (الغفار) الستَّار لذنوبِ من أراد من عباده، فلا يفضَحُه بالهتك في الدنيا، ولا بالعذاب في الأُخرى. (وأشهد أن محمدًا) علمٌ منقولٌ من اسم مفعولِ المضعَّف، موضوع لمن كثرت خصاله الحميدة، سُمي به نبينا ﷺ بإلهامٍ من اللَّه تعالى لجده عبد المطلب بذلك؛ ليكون على وفق تسميته تعالى له به قبل الخلق بألفي عام، على ما ورد عند أبي نعيم (٢).

стр. 79

وروى ابن عساكر عن كعب الأحبار: (أن آدم رآه مكتوبًا على ساق العرش، وفي السماوات، وعلى كل قصرٍ وغرفةٍ في الجنة، وعلى نحور الحور العين، وعلى ورق شجرة طوبى (١)، وسدرة المنتهى، وأطراف الحجب، وبين أعين الملائكة) (٢). ولم يُسمَّ أحد قبله به، لكن لما قَرُب زمنه ﷺ ، ونشر أهل الكتاب نعته. . سمى قومٌ أولادَهم به رجاءَ النبوة لهم، واللَّه أعلم حيث يجعل رسالاته، وعِدَّتهم خمسة عشر كما بيَّنه بعض المحققين (٣). (عبدُهُ) قدَّمه امتثالًا لما في الحديث الصحيح: "ولكن قولوا: عبد اللَّه ورسوله" (٤)؛ ولأنه أحب الأسماء إلى اللَّه وأرفعها إليه، ومن ثَمَّ وصفه اللَّه تعالى به في أشرف المقامات، فذكره في إنزال القرآن عليه في: ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾، ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾، ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾، وفي مقام الدعوة إليه في: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾، وفي مقام الإسراء والوحي إليه في: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾، فلو كان له وصفٌ أشرف منه. . لذكره به في تلك المقامات العلية، ومن ثَمَّ خُير ﷺ بين أن يكون نبيًا ملكًا، أو نبيًا عبدًا، فاختار الثاني (٥)، وسليمان ﵊ سأل الأول (٦)، فانظر بُعدَ ما بين المرتبتين. وسبب أشرفية هذا الوصف: أن الألوهية والسيادة والربوبية إنما هي بالحقيقة للَّه لا غير، والعبودية بالحقيقة لمن دونه؛ ففي الوصف بها إشارةٌ أيُّ إشارةٍ إلى غاية كماله تعالى وتعاليه، واحتياج غيره إليه في سائر أحواله. (ورسولُه) تفسيره كالنبي ﷺ بما يعلم منه أن بينهما عمومًا

стр. 80

مطلقًا، وآثر ذكره إشارةً إلى ردِّ ما عليه ابن عبد السلام من تفضيل النبوة -لتعلُّقها بالحق- على الرسالة؛ لتعلقها بالخلق (١). ووجه ردِّه: أن الرسالة فيها التعلُّقان كما هو ظاهر، والكلام في نبوة الرسول مع رسالته، وإلَّا. . فالرسول أفضل من النبي قطعًا. (وحبيبُهُ) الأكبر؛ إذ محبة اللَّه للعبد المستفادة من قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ على حسب معرفته به، وأعرف الناس به نبينا محمد ﷺ ، فهو أحبُّهم له، وأحقُّهم باسم الحبيب، وسيأتي الكلام على المحبة في حديث: "ازهد في الدنيا يحبك اللَّه" (٢). و (حبيب) فعيل من (أحبه) فهو محبٌّ، أو (حبَّه يحِبُّه) بكسر الحاء، فهو محبوب. (وخليلُهُ) الأعظم، فعيل بمعنى مفعول أيضًا، من الخَلَّة -بالفتح-: وهي الحاجة؛ ولذا وُصف بها إبراهيم ﵊ لمَّا قَصَر حاجته على ربه حين جاءه جبريل -على نبينا وعليهما أفضل الصلاة والسلام- وهو في المنجنيق ليُرمى به في النار، فقال له: (ألك حاجة؟ فقال: أما إليك. . فلا) (٣). أو بالضم؛ وهي: تخلُّل مودةٍ في القلب لا تدع فيه خلاءً إلا ملأته؛ لِمَا خالَلَهُ من أسرار الهيبة، ومكنون الغيوب والمعرفة؛ لاصطفائه عن أن يطرقه نظرٌ لغيره، ومن ثَمَّ قال ﷺ : "لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي. . لاتخذت أبا بكر خليلًا" (٤). واختلفوا أيهما أرفع؛ مقام المحبة أو الخلة؟ فقال قومٌ: المحبة أرفع؛ لخبر البيهقي أنه تعالى قال ليلة الإسراء: يا محمد؛ سَلْ تُعطَ، فقال: "يا رب؛ إنك

стр. 81

اتخذت إبراهيم خليلًا، وكلمت موسى تكليمًا" فقال: ألم أعطِكَ خيرًا من هذا؟!. . . إلى قوله: واتخذتك حبيبًا، أو ما في معناه (١). ولأن الحبيب يصل بلا واسطة، بخلاف الخليل؛ قال تعالى في ذكر نبينا ﵊: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾، وفي إبراهيم ﵊: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، والخليل قال: ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾، وفي المحنة قال: "حسبي" (٢)، والحبيب قيل له: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾. وقال قوم: الخلة أرفع، ورجَّحه جماعة متأخرون كالبدر الزركشي وغيره؛ لأن الخلة أخص من المحبة؛ إذ هي توجد بها (٣)، فهي نهايتها، ومن ثَمَّ أخبر نبينا ﷺ بأن اللَّه اتخذه خليلًا، ونفى أن يكون له خليلٌ غير ربه، مع إخباره بحبِّه لجماعةٍ من أصحابه. وأيضًا: فإنه تعالى يحب التوابين، والمتطهرين، والصابرين، والمحسنين، والمتقين، والمقسطين، وخلته خاصة بالخليلين، قال ابن القيم: (وظَنُّ أن المحبة أرفع، وأن إبراهيم خليل، ومحمدًا حبيب. . غلط وجهل) ورَدُّوا ما احتج به الأولون مما مر (٤)، بأنه إنما يقتضي تفضيل ذات محمد على ذات إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، مع قطع النظر عن وصف المحبة والخلة، وهذا لا نزاع فيه، إنما النزاع في الأفضلية المستندة إلى أحد الوصفين، والذي قامت عليه الأدلة استنادها إلى وصف الخلة الموجودة في كل من الخليلين، فخلة كلٍّ منهما أفضل من محبته، واخْتَصَّا بها؛ لتوفر معناها السابق فيهما أكثر من بقية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولكون هذا التوفر في نبينا أكثر منه في إبراهيم. . كانت خلته أرفع من خلة إبراهيم صلى اللَّه عليهما وسلم.

стр. 82

(أفضل المخلوقين) كلهم، بشهادة قوله ﷺ : "أنا سيد الناس يوم القيامة" رواه البخاري (١)، وقوله: "أنا سيد العالمين" رواه البيهقي (٢)، و (العالمون) وإن اختصَّ بالعقلاء على ما مر فهم أفضل أنواع المخلوقات، فإذا فضل هذا النوعَ. . فقد فضل سائر الأنواع بالضرورة. وقوله: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر (٣)، وما من نبيٍّ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي" رواه الترمذي (٤)، ومن آخر هذا وصريح الأولَينِ عُلِمت أفضليته على آدم، فقوله: "أنا سيد ولد آدم" إما للتأدُّب مع آدم، أو لأنه عُلِم فضلُ بعض بنيه عليه كإبراهيم، فإذا فضل نبيُّنا الأفضلَ من آدم. . فقد فضل آدم بالأَولى. ولا ينافي التفضيل بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾، ولا ينافي الأحاديث الصحيحة من قوله ﷺ : "لا تفضلوني" (٥)، وفي رواية: "لا تخيروني على الأنبياء"، وفي أخرى: "لا تخيروا بين الأنبياء" (٦). ولا ينافي تفضيل نبينا عليهم قوله في الحديث المتفق عليه: "من قال: أنا خيرٌ من يونس بن متى. . فقد كذب" (٧)؛ وذلك لأن عدم التفرقة بينهم إنما هو في الإيمان بهم وبما جاؤوا به.

стр. 83

وأما النهي. . فإما عن تفضيلٍ في ذات النبوة أو الرسالة؛ إذ هم فيها سواء، أو عن تفضيل يؤدي إلى تنقيصِ بعضهم، أو على التواضع منه بقوله: "لا تفضلوني على الأنبياء"، وإما قبل علمه بتفضيله عليهم وإن استبعد بأن راويَهُ أبو هريرة، وما أسلم إلا سنة سبعٍ، فيبعد أنه لم يعلمه إلا بعد هذا. وأجاب جمعٌ كمالكٍ وإمام الحرمين عن خبر يونس بما حاصله: أن تفضيل نبينا ﷺ بالأمور الحِسِّية كالشفاعة الكبرى، وكونه تحت لوائه، والإسراء به إلى فوق سبع سماوات مع النزول بيونس إلى قعر البحر. . معلومٌ بالضرورة، فلم يبقَ إلا النهي بالنسبة إلى القرب والبعد من اللَّه المتوهم التفاوت فيه بين من فوق السماوات، ومن في قعر البحر، فبيَّن ﷺ أنهما حينئذٍ بالنسبة إلى القرب والبعد من اللَّه على حد سواء؛ لتعاليه تعالى عن الجهة والمكان علوًا كبيرًا، ففيه أبلغ ردٍّ على الجِهَوية والمجسمة، قاتلهم اللَّه تعالى ما أجهلهم! لا يقال: هو تعالى فضَّل الملأ الأعلى على الحضيض الأدنى (١)، فكيف لا يفضله باعتبار ذلك؟! لأنا نقول: ليس النهي عن مطلق التفضيل، بل عن تفضيلٍ مقيدٍ بالمكان يفهم منه القرب المكاني، فهو لم يفضله باعتبار استواء الجهتين بالنسبة إلى وجود الحق . واعلم: أن في حديث: "أنا سيد العالمين" أبلغَ ردٍّ على المعتزلة (٢) في تفضيلهم الملائكةَ على الأنبياء كان و"افقهم الباقلاني والحليمي رحمهما اللَّه تعالى، قالوا: لأنهم أرواحٌ منزَّهةٌ عن الشر بسائر مبادئه وغاياته، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام يتعلمون منهم، وقُدِّموا في القرآن والسنة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الذكر (٣). والجواب: أن ذلك التنزيه هو المقتضي لمفضوليتهم؛ لأن غيرهم لمَّا اكتسب الفضائل والكمالات العلمية والعملية مع ما رُكِّب فيهم من الشهوة والهوى، وسُلِّط

стр. 84

عليهم من الشيطان وجنوده، وقام بهم من العوائق والموانع والأشغال الضرورية المانعة عن اكتساب شيءٍ من تلك الكمالات. . كان اكتسابهم لها مع ذلك أشق وأدخل في الإخلاص، فكانوا أفضل. والتعلم منهم؛ لأنهم واسطةٌ في التبليغ، والعادة قاضية بأن المرسل إليه في نحو ذلك أفضل من الرسول. والتقديم في الذكر؛ لتقدُّمهم في الوجود. وأما قوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ الآيةَ (١). . فإن العادة في مثله وإن اقتضت الترقي من الأدنى إلى الأعلى كما في: (لا يستنكف من هذا وزير ولا سلطان). . فلا دلالة فيه؛ لأنه ردٌّ على النصارى حيث استعظموا المسيح عن العبادة؛ لإثباتهم له البُنُوَّة لكونه مجردًا لا أب له، ويحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، فردَّ عليهم بأنه لا يستنكف من ذلك ولا من هو أعلى منه في هذا المعنى، وهم الملائكة الذين لا أب لهم ولا أم، ويقدرون بإذن اللَّه على أفعالٍ أقوى وأعجب من إبراء ذينك، فالترقي والعلو إنما هو في أمر التجرد وإظهار الآثار القوية، لا في مطلق الشرف والكمال، فلا دلالة في الآية على أفضلية الملائكة. ومعنى تفضيل البشر عليهم: أن خواصَّهم -وهم الأنبياء لا غير- أفضل من خواص الملائكة؛ وهم جبريل، وإسرافيل، وميكائيل، وعزرائيل، وحملة العرش، والمقربون، والكروبيون، والروحانيون (٢)، وخواصُّهم أفضل من عوام البشر إجماعًا، بل ضرورةً، وعوام البشر وهم الصلحاء دون الفسقة -كما قاله البيهقي وغيره- أفضل من عوامهم (٣).

стр. 85

(المكرَّمُ) على سائر الرسل (بالقرآن) مصدر (قرأ) إذا جمع؛ لجمعه السور المختلفة وعلوم الأولين والآخرين، وقيل: إذا أَلَّف؛ لحسن نظمه وتأليفه. (العزيزِ) الممتنع -لرصانة مبانيه، ووصولها إلى أعلى درجات الفصاحة والبلاغة، وصحة معانيه، واشتمالها على أشتات العلوم وبدائع الحكم، وغير ذلك مما لا يحيط به إلا المتفضل بإنزاله عن الطعن فيه (١)، والإزراء عليه؛ لأنه تعالى تكفَّل بحفظ عن تعنُّت المعاندين (٢)، وكيد الجاحدين، فهو كريمٌ عليه، ممتنعٌ من الشيطان وجنوده. (المعجزةِ) وهي من حيث هي: الأمر الخارق للعادة، المقرون بالتحدي، الدالُّ على صدق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وسمي معجزةً؛ لعجز البشر عن الإتيان بمثله، فعلم أنه لا بد فيها من أن تكون خارقةً للعادة، وأن تقترن بالتحدي، وهو طلب المعارضة والمقابلة؛ وقال المحققون: هو دعوى الرسالة، وأن يأمن المتحدي من أن يعارض بمثل ما أتى به، وأن يقع ما يأتي به على وفق دعواه. فخرج الخارقُ من غير تحدٍّ، فيسمى كرامة، والخارقُ المتقدم على التحدي كإظلال الغمام -فإنه لم يقع له ﷺ إلا قبل النبوة خلافًا لمن وهِمَ فيه- فيسمى إرهاصًا؛ أي: تأسيسًا للنبوة، والمتأخر عنه؛ نحو ما رُئي بعد وفاته ﷺ من نُطْقِ بعضِ الموتى بالشهادتين وشبهه مما تواترت به الأخبار (٣)، فيسمى كرامة، والخارقُ الذي لا تؤمن معارضته، فيسمى سحرًا (٤).

стр. 86

وجوَّز قومٌ قلبَ الأعيان وإحالة الطباع به كصيرورة الإنسان حمارًا، ومنعه آخرون، قالوا: وإلَّا. . لم يكن فرقٌ بين النبي والساحر، ويردُّ بوضوح الفرق بينهما؛ فإنَّ قَلْبها عند التحدي لا يمكن معارضته؛ لاطِّراد العادة الإلهية بأن مدعي النبوة كاذبًا لا يظهر على يديه خارقٌ كذلك مطلقًا، وعند عدمه يمكن المعارضة بتعلم ذلك السحر، فظهر أن قيد اللتحدي لا بد منه، لكنه لا يشترط عند كل معجزة (١)؛ لأن أكثر معجزاته ﷺ صدر من غير تحدٍّ، بل قيل: إنه لم يتحدَّ بغير القرآن وتمنِّي الموت، وإنما الشرط وقوعها ممن سبق منه دعوى التحدي، فتأمل ذلك؛ لتدفع به ما أطال به النقَّاش في "تفسيره" من إبطال اشتراط ذلك وتزييفه. والخارقُ المكذِّب للمتحدي به (٢)؛ كما وقع لمسيلمة اللعين أنه تفل في بئرٍ ليكثر ماؤها فغار، ولا يَرِد ما سيقع على يد الدجال من الخوارق العجيبة؛ لأنه مدَّعٍ للربوبية لا الرسالة، فالعقل يستقل بكذب دعواه، فلا يؤثر فيه ظهور تلك على يديه، بخلاف مدعي الرسالة؛ فإن العقل لا يستقل بكذبه، فلم يمكن ظهور خارقٍ على يديه. ثم هذه الشروط جميعها موجودةٌ في القرآن، فكان معجزةً، بل هو أظهر وأعجب حتى من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص؛ لأنه دعاهم إلى معارضته بالإتيان بمثل أقصر سورة منه، ففروا إلى سفك دمائهم، وسبي حريمهم، وجَلائهم عن وطنهم، ولم يدَّعِ أحدٌ منهم القدرة على ذلك مع كونهم أهل البلاغة، وأرباب الفصاحة، ورؤساء البيان، والمتقدمين في اللَّسَن، فهذا أعجب مِن عجزِ مَنْ شاهد المسيح يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص؛ لأنهم لم يطمعوا فيه، ولا تعاطوا نحوه، وقريش كانوا يتعاطون الفصاحة والبلاغة، فعَجْزُهُم مع ذلك عن المعارضة، وفرارهم إلى ما ذُكِر .. دليلٌ قاطعٌ على نبوة المتحدي به، ومن ثَمَّ نادى عليهم ﷺ بعجزهم قبل المعارضة بقوله عن اللَّه : ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾، ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ الآيةَ، فلولا عِلْمه بأنه على بينةٍ من ربه،

стр. 87

وأنه لا يقع فيما أخبر به خُلف، وإلَّا. . لم يأذن له عقله الذي هو أكمل العقول بالقطع في شيءٍ أنه لا يكون وهو يكون. ثم وجوه إعجاز القرآن لا تنحصر: فمنها: إيجازه وبلاغته، ومن ثَم لمَّا سمع أعرابيٌّ قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾. . سجد، وقال: (سجدت لفصاحة هذا الكلام!) (١). ولمَّا سمع الأصمعي من جارية خماسيّةٍ أو سداسيّةٍ فصاحةً (٢)، فعجب منها. . فقالت: (أَوَ يُعدُّ هذا فصاحةً بعد قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ الآيةَ؛! فجمع فيها بين أمرين، ونهيين، وخبرين، وبِشارتين) (٣). وقد قال بعض بطارقة الروم لما أسلم لعمر: (إن آية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ جمعت ما أُنزل، على عيسى ﵊ من أحوال الدنيا والآخرة) (٤). ومنها: خروجه عن جنس كلام العرب نظمًا ونثرًا، وخُطبًا وشعرًا، ورجزًا وسجعًا، فلا يدخل في شيء منها مع كون ألفاظه وحروفه من جنس كلامهم؛ ومن ثَمَّ لم يهتدوا لمثله حتى يأتوا به. ومنها: أن قارئه لا يمله، وسامعه لا يمجُّه، بل لا يزال مع تكريره وترديده غضًّا طريًا، تتزايد حلاوته، وتتعاظم محبته، يُؤنَس به في الخلوات، ويُستراح بتلاوته من

стр. 88

شدائد الأزمات، ومن ثَمَّ وصفه ﷺ بأنه: "لا يَخلق على كثرة الردِّ، ولا تنقضي عِبَره، ولا تفنى عجائبه، هو الفصل ليس بالهزل، لا تشبع منه العلماء، ولا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، هو الذي لم تنتهِ الجن حين سمعته أن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ " (١). ومنها: ما فيه من الإخبار بما كان مما علموه ومما لم يعلموه، وشهادته على اليهود بأنهم لا يتمنون الموت، وعلى قريش بأنهم لا يأتون بمثل شيءٍ منه. ومنها: اشتماله على علوم الأولين والآخرين، مع كون الآتي به أقام بينهم أربعين سنةً قبل تكلُّمه به أميًا لا يحسن نظم كتاب، ولا عقد حساب، ولا يتعلَّم سحرًا، ولا ينشد شعرًا، ولا يحفظ خبرًا، ولا يروي أثرًا، إلى أن اكرمه اللَّه بهذه المعجزة العظمى التي لم يأت بمثلها رسولٌ غيره، كيف وجميع كتبهم يمكن أدنى الفصحاء أن يأتي بمثلها؟! إذ لا إعجاز في لفظها. ومن ثَمَّ صح عنه ﷺ : "ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أُوتي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أُوتيت وحيًا يوحى، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة" (٢)؛ وذلك لأن إكرامه ﷺ بهذه المعجزة (المستمرةِ) الدائمة (على تعاقب) أي: توالي (السنين) يستلزم بالضرورة كثرتهم؛ لمشاهدة أهل كل زمنٍ لها، فيحملهم ذلك على الإيمان به، بخلاف باقي معجزات الرسل؛ لانقطاعها بموتهم، وباقي معجزات نبينا ﷺ ، فإنه لولا تصديق القرآن لها. . لما آمن بها إلا قليلٌ؛ لانقطاع وجودها، وعدم إحساس الناس بها. (و) المكرم (بالسُّنن) جمع سُنَّةٍ؛ وهي لغةً: الطريقة، واصطلاحًا: أقواله ﷺ وأفعاله وأحواله. ووجه إكرامه ﷺ بها: أنها إنباءٌ عن وحيٍ أو إلهامٍ من اللَّه ، أو اجتهاد حقًّ مطابقٍ للواقع، وما ينطق عن الهوى.

стр. 89

(المستنيرة) أي: ذات النور المكني به عما تضمنته واشتملت عليه من هداية الضالين، وإيقاظ الغافلين. ثم استنارتُها وإن ظهرت لكل أحدٍ إلا أنها لا تتم ولا تتضح كمالَ الاتضاح إلا (للمسترشدين) أي: طلاب الرشاد، وهو ضد الغي. (المخصوصُ) (١) من بيز، سائر الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام (بجوامع الكلم) كما قال ﷺ في خبر: "أُعطيت خمسًا لم يعطهُنَّ أحدٌ من الأنبياء قبلي" (٢) وذكر منها: "وأوتيت جوامع الكلم، واختصر لي الكلام اختصارًا" (٣) أي: أوتيت الكلم الجوامع؛ لقلة لفظها، وكثرة معانيها، وفي خبر "الصحيحين": "بعثت بجوامع الكلم" (٤)، وفي خبر أحمد: "أوتيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه" (٥). ولا يختص بالقرآن، خلافًا لمن زعمه، فقد جمعَ الأئمةُ -كابن السني، والقضاعي، وابن الصلاح، وآخرين- من كلامه المفرد الموجزِ البديعِ الذي لم يُسبَقْ إليه دواوينَ (٦)، وفي "الشفا" منه ما يشفي العليل (٧).

стр. 90

ومما ليس فيه: ١ - "إنما الأعمال بالنيات" فإن تحته كنوزًا من العلم كما يأتي (١). ٢ - "الولد للفراش وللعاهر الحجر" (٢). ٣ - "كل الصيد في جوف الفَرا" (٣) وهو بفتح الفاء: حمار الوحش. ٤ - "الحرب خدعة" (٤) أي: بتثليث أوله. ٥ - إياكم وخضراءَ الدمن؛ المرأة الحسناء في المنبت السوء" (٥). ٦ - "ليس الخُبْر كالمعاينة" (٦). ٧ - المجالس بالأمانة" (٧). ٨ - "البلاء موكَّلٌ بالمنطق" (٨) وزَعْمُ ابنِ الجوزي وضعَه مردودٌ (٩)

стр. 91

٩ - "الحياء خيرٌ كله" (١). ١٠ - "الخيل في نواصيها الخير" (٢). ١١ - "من غشنا. . فليس منا" (٣). ١٢ - "المستشار مؤتمن" (٤). ١٣ - "الندم توبة" (٥). ١٤ - "الدالُّ على الخير كفاعله" (٦). ١٥ - "كل معروفٍ صدقة" (٧). ١٦ - "حبك الشيء يعمي ويصم" (٨) وليس بموضوع، بل حسن، خلافًا لمن وهم فيه (٩). ١٧ - "زر غبًا تزدد حبًا" (١٠).

стр. 92

١٨ - "من يشادَّ هذا الدين .. غلبه" (١). ١٩ - "القناعة مالٌ لا ينفد، وكنزٌ لا يفنى" (٢). ٢٠ - "الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة، والتودُّد إلى الناس نصف العقل، وحسن السؤال نصف العلم" (٣). ٢١ - "النساء حبائل الشيطان" (٤). ٢٢ - "حسن العهد من الإيمان" (٥). ٢٣ - "منهومان لا يشبعان: طالب علمٍ وطالب دنيا" (٦). ٢٤ - "اليمين حنثٌ أو ندم" (٧). ٢٥ - "جفَّ القلم بما أنت لاقٍ" (٨). (وسماحة الدين) كما قال ﷺ : " بُعثت بالحنيفية السمحة" أي: السهلة، رواه الطبراني في "الكبير"، وكذا أحمد في "مسنده" وزاد: "ولم أُبعث بالرهبانية والبدعة" (٩).

стр. 93

ورُويا أيضًا أنه قيل له: يا رسول اللَّه؛ أيُّ الأديان أحبُّ إلى اللَّه؟ قال: "الحنيفية السمحة" (١). وروى أحمد أنه ﷺ قال: "يا أيها الناس؛ إن دين اللَّه يسرٌ" قالها ثلاثًا (٢)، وأنه قال ﷺ : "خير دينكم أيسره" قاله ثلاثًا (٣)، وأنه قال لمَّا نظرت عائشة ﵂ إلى لعب الحبشة: "لتعلم يهودُ أن في ديننا فسحةً، إني أُرسلت بحنيفية سمحة" (٤). وروى عبد الرزاق: "أحب الأديان إلى اللَّه الحنيفية السمحة" قيل: وما هي الحنيفية السمحة؟ قال: "الإسلام الواسع" (٥). وصح عن أُبيٍّ رضي اللَّه تعالى عنه: أقرأني رسول اللَّه ﷺ : (إن الدين عند اللَّه الحنيفية السمحة، لا اليهودية، ولا النصرانية) (٦) وهذا مما نُسخ لفظه وبقي معناه؛ لحديث البخاري (٧): "الدين يسر" (٨) فلا أسمح من دينه ﷺ كما يفيد ذلك قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر﴾، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾، ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِم﴾ أي: كتعين قرض الجلد إذا أصابه بولٌ، وقتل النفس في التوبة، والقَوَد في القتل (٩)، ولا تجزئ الدية، وكان من أذنب منهم. . أصبح ذنبه مكتوبًا على بابه، فيقام عليه حدُّه (١٠).

стр. 94

ولمَّا قرأ الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾. . . إلخ. . أجاب اللَّه تعالى دعاءهم بقوله: (وقد فعلت) رواه مسلم (١). (صلوات اللَّه وسلامه عليه) مر معناهما (٢)، وأتى بالصلاة بعد الحمد؛ لقوله ﷺ : "كل أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدأ فيه بحمد اللَّه والصلاة عليَّ. . فهو أبتر ممحوقٌ من كل بركة" (٣) وسنده ضعيفٌ، لكنه في الفضائل، وهي يعمل فيها بالضعيف. وفي حديث: "من صلى على رسول اللَّه ﷺ في كتابٍ. . صلَّت عليه الملائكة غدوةً ورواحًا ما دام اسم رسول اللَّه ﷺ في ذلك الكتاب" (٤)، وقد نازع ابن القيم في رفعه، وقال: (الأشبه: أنه من كلام جعفر بن محمد لا مرفوعًا) (٥). (وعلى سائر) أي: باقي، من (السؤر) بالهمز: بقية نحو الماء، ويأتي -خلافًا للحريري- بمعنى الجميع (٦)، من سور المدينة؛ لأنه جامعٌ محيطٌ بها.

стр. 95

(النبيين والمرسلين) مرَّ حدهما وما بينهما من العموم والخصوص (١). (وآل) أصله: أهل؛ لتصغيره على (أُهيل)، أُبدلت هاؤه همزة، ثم هي ألفًا، وقيل: (أَوَل)، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، والأصح: جواز إضافته إلى الضمير. (كلٍّ) أي: كل واحدٍ من النبيين، فحذف المضاف إليه؛ لدلالة السياق عليه. وآل النبي ﷺ عند الإمام الشافعي: مؤمنو بني هاشم والمطلب، كما دلَّ عليه مجموع أحاديث صحيحة، لكن بالنسبة إلى الزكاة والفيء دون مقام الدعاء، ومن ثم اختار الأزهري وغيره من المحققين أنهم هنا كل مؤمنٍ تقي؛ لحديثٍ فيه (٢). وآل إبراهيم: إسماعيل وإسحاق وغيرهما. (وسائر الصالحين) وهم القائمون بحقوق اللَّه وحقوق العباد، فدخل الصحابة كلهم؛ لثبوت وصف الصلاح والعدالة لجميعهم، ودخل غيرهم ممَّن اتَّصف بذلك، جعلنا اللَّه تعالى منهم، آمين (٣). * * *

стр. 96

[روايات حديث: "من حفظ على أمتى أربعين حديثًا "] أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵃ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَاتٍ بِرِوَايَاتٍ مُتنَوِّعَاتٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثًا مِنْ أَمرِ دِينِهَا. . بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي زُمْرَةِ الْفُقَهَاءِ وَالْعُلَمَاءِ"، وَفِي رِوَايَةٍ: "بَعَثَهُ اللَّه تَعَالَى فَقِيهًا عَالِمًا"، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: "وَكُنْتُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَافِعًا وَشَهِيدًا"، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "قِيلَ لَهُ: ادْخُلْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتَ"، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ: "كُتِبَ فِي زُمْرَةِ الْعُلَمَاءِ، وَحُشِرَ فِي زُمرَةِ الشُّهَدَاءِ"، وَاتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَإِنْ كَثُرَتْ طُرُقُهُ. (أما بعد) كلمةٌ يؤتى بها للانتقال من أسلوبٍ إلى آخر، وأَتى بها تأسيًا به ﷺ ؛ فإنه كان يأتي بها في خُطَبه ونحوها كما صح عنه، بل رواه عنه اثنان وثلاثون صحابيًا (١). والمبتدئ بها داوود ﵊، فهي فصل الخطاب الذي أُوتيه (٢)؛ لأنها تفصل بين المقدمات والمقاصد والخُطب والمواعظ، أو قسٌّ، أو كعب بن

стр. 97

لؤي، أو يعرب بن قحطان، أو سحبان بن وائل (١)، وعليها ففصل الخطاب الذي أوتيه داوود: "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر" (٢). وفي (دالها) لغات، ليس هذا محل بسطها (٣)، ولكون (أما) نائبةٌ عن اسم شرطٍ هو (مهما). . أجيبت بـ (الفاء) إذ التقدير: مهما يكن من شيءٍ بعد ما تقدَّم من الحمد والتشهد، والصلاة والسلام. . (فقد رَوَينا) النون لإظهار نعمة التلبُّس بالعلم المتأكد تعظيم أهله (٤)؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ مع الأمن من الإعجاب ونحوه، وإلا. . كان مذمومًا، وأيضًا: فالعرب -كما في "البخاري"- تؤكد فعل الواحد فتجعله بلفظ الجمع؛ ليكون أثبت وأوكد (٥). و (رَوَينا) بفتح أوَّليه مع تخفيف الواو عند الأكثر، من (روى): إذا نقل عن غيره، وقال جمعٌ: الأجود: ضم الراء وكسر الواو مشددةً؛ أي: روت لنا مشايخنا (٦)؛ أي: نقلوا لنا فسمعنا. (عن علي بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبي الدرداء، وابن عمر، وابن عباس، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري) بالمهملة، ويروي، أيضًا -كما قاله المنذري وغيره- عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وأبي أمامة، وجابر بن سمرة، ونويرة، وسلمان الفارسي ﵃ من طرق كثيراتٍ برواياتٍ متنوعاتٍ: أن رسول اللَّه ﷺ قال: من حفظ) أي: نقل، وإن لم يحفظ اللفظ ولا عرف المعنى؛ إذ به يحصل انتفاع المسلمين، بخلاف

стр. 98

حِفظ ما لم يُنقل إليهم، قاله المصنف رحمه اللَّه تعالى (١). (على أمتي أربعين حديثًا من) تبعيضية (أمر) شأن (دينها. . بعثه اللَّه تعالى يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء) واعترض تفسيره الحفظَ بما ذكر بأن البعث في زمرة الفقهاء والعلماء يستدعي حفظ المعاني؛ إذ لا يُسمَّى فقيهًا عالمًا إلا به. وقد يُجاب بأن بَعْث الحافظ في زمرتهم لا يستدعي أنه مساوٍ لهم، بل يكفي أنه منسوبٌ إليهم نسبةً ما، ألا ترى أن المرء يحشر مع من أحب وإن لم يعمل بعملهم (٢)، ولا شك أن الناقل المذكور منسوبٌ إليهم كذلك فحشر معهم. ولا يعترض عليه أيضًا بتفسير البخاري (أحصاها) في حديث: "إن للَّه تسعةً وتسعين اسمًا، من أحصاها. . دخل الجنة" بمن حفظها مستظهرًا (٣)؛ لأن المدار ثَمَّ على التبرُّك بذكرها، والتعبُّد بلفظها، ولا يتمُّ ذلك إلا بحفظها عن ظهر قلب، والمدار هنا على نفع المسلمين، وهو لا يحصل إلا بالنقل، بخلاف مجرد الحفظ من غير نقلٍ؛ فإنه لا نفع لهم به، فلم يشمله الحديث؛ إذ المقرر: أنه يجوز أن يستنبط من النص معنًى يخصصه، على أن أصل الحفظ: ضبط الشيء ومنعه من الضياع. فمن حفظ الأربعين في كتابه، ثم نقلها إليهم. . دخل في ذلك الوعد وإن لم يحفظها عن ظهر قلب، ومن حفظها بقلبه ولم ينقلها. . لم يشمله الوعد، قيل: وإن كتبها في عشرين كتابًا، وفيه نظر؛ لأن كتابتها نقلٌ لها. ثم نقلها إن كان بطريق استخراجها وتدوينها كما فعل البخاري ومسلم ومن شابههما. . كان مقتضيًا لدخول فاعله في ذلك الوعد السابق بلا توقف، وإن كان بأخذها من

стр. 99

دواوين أولئك كنقل المصنف هذه الأربعين منها. . كان في دخول فاعله في ذلك الوعد نظر؛ إذ لم يحفظه هو على الأمة، وإنما حافِظُه صاحب الكتاب المدون المفروغ منه الذي تعب في تخريجه وإسناده، وعلى تسليم دخوله فليس كدخول المُسنِد المجتهد، وإنما له أجر إفراد الحديث من ذلك الديوان، وتقريب تناوله على من أراده، لا أجر إسنادٍ واجتهادٍ. وحاصله: أنه إن لم يحفظ الحفظ التام. . فلا يدخل في الوعد الدخولَ التام، هذا مقتضى النظر، وخبر: "ثوابك على قدر نَصَبك" (١)، وقد يتفضَّل اللَّه تعالى عليه بالأجر التام وإن لم يحفظ الحفظ التام؛ لخبر مسلم: "من سأل اللَّه الشهادة خالصًا من قلبه. . بلَّغه اللَّه منازل الشهداء وإن مات على فراشه" (٢) كذا قاله بعض الشارحين. ويردُّ تنظيرُه (٣): بأن الذي في الحديث ترتيب الوعد بحشره مع من ذكر على مجرد الحفظ المراد به النقل كما مر، وأما التخريج والإسناد. . فلا دخل لهما في ترتيب الوعد بوجه، وحينئذٍ فالمصنف ونحو البخاري يدخلون في هذا الوعد على حدٍّ سواء، لا تفاوت بينهم فيه؛ لاستوائهما في شرطه، وهو مجرد النقل، وأما تمييز نحو البخاري بالتخريج والإسناد. . فذاك له ثوابٌ آخر يتميز به، ولا كلام لنا فيه، فاندفع ما نظر به ذلك الشارح وجميع ما فرَّعه عليه، فتأمله. تَنبيهَان أحدهما [عدم التفرقة فيمن حفظ أربعين صحيحة وحسنة، وضعيفة في الفضائل] لا فرق بين حفظ أربعين صحيحةً وحسنةً، وكذا ضعيفة في الفضائل؛ للعمل بها فيها لا في الحلال والحرام؛ لامتناع العمل بها فيهما، فلم يحفظ على الأمة ما ينفعهم، بل ما يضرُّهم.

стр. 100

ثانيهما [حفظ الأربعين مختصٌّ بالحديث الشريف] لا شاهد في الحديث؛ لقول إِلْكِيَا من أصحابنا (١): (من حفظ أربعين مسألة. . فهو فقيه) (٢) لأن الوعد السابق يحصل بحفظ أربعين حديثًا ولو في مسألةٍ واحدةٍ، ومع ذلك يحشر في زمرة الفقهاء؛ لما مر: أن الحشر في زمرتهم لا يستدعي إلا أن يكون بينه وبينهم نوع نسبةٍ دون حقيقة المساواة، ونظَّر فيه الرافعي أيضًا (٣): بأن حفظ الشيء غير حفظه على الغير. قيل: وجه إيثار هذا العدد بذلك: ما أشار إليه بشر الحافي رحمه اللَّه تعالى بقوله: (يا أهل الحديث؛ اعملوا من كل أربعين حديثًا بحديث) (٤)؛ كما قال ﷺ : "أدُّوا ربع عشر أموالكم؛ من كل أربعين درهمًا درهم" (٥) أي: بشرط بلوغ دراهمه مئتي درهم؛ إذ لا وجوب في أقلَّ منها، فهي -أعني: الأربعين- أقل عددٍ له ربع عشرٍ صحيح، فكما دلَّ حديث الزكاة على تطهير ربع العشر للباقي. . كذلك العمل بربع عشر الأربعين يخرج باقيها عن أن يكون غير معمولٍ بها، فخُصَّت بالذِّكر إشارةً لذلك.

стр. 101

وفي الحديث الحسن: "إنكم في زمانٍ من ترك منكم عشر ما أمر به. . هلك، ثم يأتي زمانٌ من عمل منهم بعشر ما أُمر به. . نجا" (١). (وفي رواية: "بعثه اللَّه تعالي فقيهًا عالما"، وفي رواية أبي الدرداء: "وكنت له يوم القيامة شافعًا وشهيدًا" (٢)، وفي رواية ابن مسعود: "قيل له: ادخل من أي أبواب الجنة شئت" (٣)، وفي رواية ابن عمر: "كتب في زمرة العلماء، وحشر في زمرة الشهداء") (٤) وبين الثانية -أعني: "فقيهًا عالمًا" والتي قبلها نوعُ تخالفٍ، بناءً على ما قدمناه: أن الحشر في زمرتهم لا يستدعي مساواتَه لهم، وبين هاتين والأخيرة ذلك أيضًا، وقد يجمع بأن حُفَّاظ الأربعين مختلفو المراتب؛ فمنهم من يحشر في زمرة الفقهاء والعلماء وهم الأدنون، ومنهم الفقيه العالم وهم الأعلون، ومنهم المتوسط وهو الذي كُتب في زمرة العلماء، وحُشر في زمرة الشهداء؛ إذ الكَتْب في زمرة قومٍ يقتضي أنه منهم، بخلاف الحشر. وأما رواية: "شافعا وشهيدًا"، وأنه يقال له: "ادخل من أي أبواب الجنة شئت". . فيأتيان في الجميع. (واتفق الحفَّاظ على أنه) أي: الحديث المذكور (حديثٌ ضعيفٌ وإن كثرت طرقه) ومن جملة من أوضح ضعفها: ابن الجوزي في "علله المتناهية" وبرهن عليه (٥)، وكذا الحافظ المنذري، فقال: (ليس في جميع طرقه ما يقوى وتقوم به الحجة؛ إذ لا يخلو طريقٌ منها أن يكون فيها مجهولٌ، أو معروفٌ مشهورٌ بالضعف)، ولمَّا أخرجه ابن عبد البر من حديث مالك. . قال: (هذا غير محفوظٍ ولا معروفٍ عنه، ومن رواه عنه. . فقد أخطأ عليه) وقال في "كتاب العلم":

стр. 102

(إسناده ضعيف) (١)، وقال ابن السكن في بعض رواة بعض طرقه: (إنه منكر الحديث، وليس يروى من وجهٍ يثبت) (٢)، وقال الدارقطني في "علله": (كل طرقه ضعاف) (٣)، والبيهقي: (أسانيده كلها ضعيفة) (٤)، وابن عساكر: (فيها كلها مقال (٥). ولا يرد على قول المصنف: (الحفاظ) قولُ الحافظ أبي طاهر السِّلَفي في "أربعينه": (إنه روي من طرقٍ وثقوا بها، وركنوا إليها، وعرفوا صحتها، وعولوا عليها) انتهى؛ لأنه معترَضٌ وإن أجاب عنه المنذري بأنه يمكن أن يكون سلك في ذلك مسلك من رأى أن الأحاديث الضعيفة إذا انضم بعضها إلى بعض. . أحدثت قوةً، ولا يرد على المصنف ذكرُ ابن الجوزي له في "الموضوعات" لأنه تساهُلٌ منه، فالصواب: أنه ضعيفٌ لا موضوعٌ. فإن قلت: سلَّمنا عدم وضعه، لكنه شديد الضعف، والحديث إذ اشتدَّ ضعفه. . لا يُعمل به ولا في الفضائل، كما قاله السبكي وغيره، وحينئذٍ فكيف عمِلَ به جمعٌ من الأئمة أتعبوا أنفسهم في تخريج الأربعينيات اعتمادًا عليه؟! قلتُ: لا نسلم أنه شديد الضعف؛ لأنه الذي لا يخلو طريقٌ من طرقه عن كذَّابٍ أو متهمٍ بالكذب، وهذا ليس كذلك، كما دلَّ عليه كلام الأئمة، ولئن سلمنا ذلك. . فهم لم يعتمدوا في ذلك عليه، بل على ما سيذكره المصنف من الأحاديث الصحيحة، وأما خبر: (من حفظ على أمتى حديثًا واحدًا. . كان له كأجر أحد وسبعين نبيًا صديقًا). . فهو موضوع. * * *

стр. 103

[ذكر بعض من صنف أربعين حديثًا] وَقَدْ صَنَّفَ الْعُلَمَاءُ ﵃ فِي هَذَا الْبَابِ مَا لَا يُحْصَى مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ، فَأَوَّلُ مَنْ عَلِمْتُهُ صَنَّفَ فِيهِ: عَبْدُ اللَّهِ بنُ المُبَارَكِ، ثُمَّ مُحَمَّد بْنُ أَسْلَمَ الطُّوسِيُّ الْعَالِمُ الْرَّبَّانِيُّ، ثُمَّ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ النَّسَوِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الآجُرِّيٌّ، وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الأَصْفَهَانِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْمَالِينِيُّ، وَأَبُو عُثْمَانَ الصَّابُوييُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنْ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ، وَخَلَائِقُ لَا يُحْصَونَ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتأَخِّرِينَ. وَقَدِ اسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى فِي جَمْعِ أَرْبَعِينَ حَدِيثًا؛ اقْتِدَاءً بِهَؤُلَاءِ الأَئِمَّةِ الأَعْلَامِ، وَحُفَّاظِ الإِسْلَامِ، وَقَدِ اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الْعَمَلِ بالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ، وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ اعْتِمَادِي عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، بَلْ عَلَى قَوْلهِ ﷺ فِي الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ: "لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ"، وَقَوْلِهِ ﷺ : "نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا". (وقد صنف العلماء ﵃ في هذا الباب ما لا يحصى من المصنفات) أي: فلي بهم أسوةٌ في ذلك (فأول من علمته صنف فيه: عبد اللَّه بن المبارك، ثم محمد بن أسلم الطُّوسي) بضم الطاء (العالم الرباني) هو: مَنْ أُفيضت عليه المعارف الإلهية فعرف بها ربه، وربى الناس بعلمه. (ثم الحسن سفيان النَّسوي) بنون فمهملة مفتوحتين، نسبة إلى نَسا. (وأبو بكر الآجري) بهمزة مفتوحة ممدودة.

стр. 104

(وأبو بكر محمد بن إبراهيم الأصفهاني) بكسر الهمزة وفتحها، وبالفاء لا الباء (١). (والدارقطني) بفتح الراء، نسبة إلي دار القطن، محلَّةٌ كبيرةٌ ببغداد. ([والحاكم وأبو نعيم] (٢) وأبو عبد الرحمن) محمد بن الحسين (السُّلَمي) بضم السين وفتح اللام، نسبة إلي سليم بن منصور، قبيلة مشهورة. (وأبو سعيد) الذي قاله السمعاني: أبو سعد أحمد بن محمد (٣) (المالينيُّ) بفتح الميم وكسر اللام ثم تحتية ثم نون، نسبة إلي مالين (٤)، قرى مجتمعة من أعمال هراة، وهو راوية ابن عديٍّ الحافظ، (وأبو عثمان الصابوني) نسبة إلي عمله (٥). (ومحمد بن عبد اللَّه الأنصاري (٦)، و) الإمام الجليل، الحافظ الكبير (أبو بكر البيهقي) نسبة إلي بيهق، قرية بناحية نيسابور، أحد أئمة الشافعية، (وخلائق لا يحصون من المتقدمين والمتأخرين) (٧). ولما كانت الاستخارة مطلوبةً في جميع الأمور، وحديثها ثابتٌ في

стр. 105

"الصحيح" (١)، قيل: ولأنها استشارة الرب، والمستشار مؤتمن، ويروى: "من سعادة ابن آدم الرضا بالقضاء والقدر، واستخارة اللَّه تعالى في أموره، ومن شقاوته ترك ذلك" (٢). . قدَّمها المصنف على هذا التأليف؛ لتعود بركتها عليه، كما قال: (وقد استخرت اللَّه تعالى) أي: طلبت منه خير الأمرين (في جمع أربعين حديثًا؛ اقتداءً بهؤلاء الأئمة الأعلام، وحفَّاظ الإسلام) إذ الاقتداء بالأئمة فيما يفعلونه من الخير مطلوبٌ ما لم يكن محل اجتهاد، ويؤدي اجتهاد مَنْ فيه أهلية الاجتهاد إلى خلافهم. (وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال) لأنه إن كان صحيحًا في نفس الأمر. . فقد أعطي حقه من العمل به، وإلَّا. . لم يترتب على العمل به مفسدة تحليلٍ ولا تحريم، ولا ضياع حقٍّ للغير، وفي حديث ضعيف: "من بلغه عني ثواب عمل فعمله. . حصل له أجره وإن لم أكن قلته" (٣) أو كما قال. وأشار المصنف رحمه اللَّه تعالى بحكاية الإجماع على ما ذكره إلى الرد على من نازع فيه بأن الفضائل إنما تُتَلقى من الشرع، فإثباتها بالحديث الضعيف اختراعُ عبادة، وشرع في الدين ما لم يأذن به اللَّه. ووجه ردِّه: أن الإجماع لكونه قطعيًا تارةً، وظنيًا ظنًا قويًا أخرى لا يُردُّ بمثل ذلك لو لم يكن عنه جوابٌ، فكيف وجوابه واضح؟! إذ ذاك ليس من باب الاختراع والشرع المذكورَينِ، وإ نما هو ابتغاء فضيلةٍ ورجاؤها بأمارةٍ ضعيفةٍ من غير ترتُّب مفسدةٍ عليه كما تقرر.

стр. 106

(ومع هذا) المقرر من جواز العمل بالضعيف في الفضائل إجماعًا (فليس اعتمادي على هذا الحديث) وحده حتى يرد عليَّ الإشكال السابق (بل على قوله ﷺ في الأحاديث الصحيحة: "لِيبلغِ الشاهدُ منكمُ الغائبَ") أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" في خطبته في حجة الوداع (١)، وأخرجه ابن منده في "مستخرجه" عن ثمانية عشر صحابيًا. (وقوله ﷺ : "بلِّغوا عنِّي ولو آية" (٢)، وقوله ﷺ : (نضَّر اللَّه) بتخفيف الضاد المعجمة، ورجَّحه بعضهم، وعليه جرى الروياني من أصحابنا في "بحره" (٣) -وبتشديدها قال المصنف رحمه اللَّه تعالى، وهو الأكثر (٤) - وفيه أيضًا: (أنضر) من النضارة؛ وهي: حُسْن الوجه وبريقُه، فهو على حدِّ قوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾. ومن ثَمَّ قال بعضهم: إني لأرى في وجوه أهل الحديث -وعبَّر بعضهم بأهل العلم- نضرةً وجمالًا (٥) لهذا الحديث، يعني: إنها دعوةٌ أُجيبتْ (٦).

стр. 107

وقال بعضهم: (ليس هذا من الحسن في الوجه، وإنما معناه: حسَّن اللَّه وجهه في خَلْقه؛ أي: في جاهه وقَدْره، فهو مثل قوله ﷺ : "اطلبوا الحوائج إلى حسان الوجوه" (١) يعني: الوجوه من الناس وذوي الأقدار) انتهى، وهو تأويلٌ بعيدٌ مخالفٌ للظاهر من غير حاملٍ عليه، وليس نظيرَ حديث: "اطلبوا الحوائج" لذكر الوجوه فيه المحتمل لأن يراد بها جمع (وجه) من الوجاهة؛ وهي: التقدُّم وعلو القدر. وحكى ابن العربي عن ابن بُشْكوال: أنه بالصاد المهملة، وهو شاذٌّ. (امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها) رواه الترمذي عن ابن مسعود، وقال: حسن صحيح، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه" عن جبير بن مطعم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأبو داوود، وابن ماجه، والترمذي عن زيد بن ثابت، وقال: حسن (٢). وفي روايةٍ صحيحةٍ: "نضر اللَّه امرأ سمع منَّا حديثًا فأداه عنَّا كما سمعه، فربَّ مبلَّغ -أي: بفتح اللام- أوعى من سامع" (٣). وفي أخرى صحيحةٍ أيضًا: "نضر اللَّه رجلًا سمع منا كلمةً فبلغها كما سمعها، فرب مبلَّغٍ أوعى من سامع" (٤). قال الروياني في "بحره": (في الخبر: بيان أن الفقه هو الاستنباط والاستدراك لمعاني الكلام، وفي ضِمْنه وجوب التفقهِ والحثِّ على استنباط معاني الحديث) اهـ (٥)

стр. 108

وليس في قوله: "كما سمعها" منعٌ لرواية الحديث بالمعنى بشروطه (١)، خلافًا لمن زعمه؛ لأن المراد: أداء حكمها لا لفظها؛ بدليل قوله في آخر الحديث: "فرب حامل فقهٍ غير فقيه، ورب حامل فقهٍ إلى مَنْ هو أفقه منه" (٢) والفقه: اسمٌ للمعنى لا لِلَّفظ. * * *

стр. 109

[بيان سبب تأليف "الأربعين" وشرطه فيها] ثُمَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ جَمَعَ الأَرْبَعِين في أُصُولِ الدِّينِ، وَبَعْضُهُمْ فِي الْفُرُوعِ، وَبَعْضُهُمْ فِي الْجِهَادِ، وَبَعْضُهُمْ فِي الزُّهْدِ، وَبَعْضُهُمْ فِي الآدَابِ، وَبَعْضُهُمْ فِي الْخُطَبِ، وَكُلُّهَا مَقَاصِدُ صَالِحَةٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ قَاصِدِيهَا. وَقَدْ رَأَيْتُ جَمْعَ أَرْبَعِينَ أَهَمَّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ؛ وَهِيَ أَرْبَعُونَ حَدِيثًا مُشْتَمِلَةً عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ، وَكُلُّ حَدِيثٍ مِنْهَا قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ، وَقَدْ وَصَفَهُ الْعُلَمَاءُ بأَنَّ مَدَارَ الإِسْلَامِ عَلَيْهِ أَوْ هُوَ نِصْفُ الإِسْلَامِ أَوْ ثُلُثُهُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ. ثُمَّ أَلْتَزِمُ فِي هَذَهِ الأَرْبَعِينَ أَنْ تَكُونَ صَحِيحَةً وَمُعْظَمُهَا فِي "صَحِيحَي الْبُخَارِي وَمُسْلِمٍ"، وَأَذْكُرُهَا مَحْذُوفَةَ الأَسَانِيدِ؛ لِيَسْهُلَ حِفْظُهَا وَيَعُمَّ الانْتِفَاعُ بِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ أتبِعُهَا بِبَابٍ فِي ضَبْطِ خَفِيِّ أَلْفَاظِهَا. وَيَنْبَغِي لِكُلِّ رَاغِبٍ فِي الآخِرَةِ أَنْ يَعْرِفَ هَذِهِ الأَحَادِيثَ؛ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْمُهِمَّاتِ، وَاحْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى جَمِيعِ الطَّاعَاتِ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ. وَعَلَى اللَّهِ اعْتِمَادِي، وَإِلَيْهِ تَفْوِيضِي وَاسْتِنَادِي، وَلَهُ الْحَمْدُ وَالنِّعْمَةُ، وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ. (ثم من العلماء من جمع الأربعين في أصول الدين، وبعضهم) جمعها (في الفروع) أي: المسائل الفقهية (وبعضهم في الجهاد، وبعضهم في الزهد، وبعضهم في الآداب) (١) وبعضهم في فضائل سورٍ أو عملٍ أو قبيلةٍ أو نحوها.

стр. 110

(وبعضهم) جمعها (في الخطب) جمع خطبة من الخَطْب؛ لأن العرب كانوا إذا ألمَّ بهم الخطب -وهو الأمر المهم-. . خطبوا له، فيجتمع بعضهم إلى بعض، ويحتالون في دفعه. (وكلها مقاصد صالحة) لشمول الأحاديث السابقة لجميعها (رضي اللَّه) تعالى (عن قاصديها، وقد رأيتُ) من الرأي (جمع أربعين أهم من هذا كلِّه، وهي أربعون حديثًا مشتملة على جميع ذلك) (١) لاشتمالها على جميع أصول الشريعة وفروعها، وآدابها وأخلاقها، ووسائلها ومقاصدها؛ لأن منها ما يرجع إلى تصحيح النية والتقوى في السر والعلن، والزهد في الدنيا وقصر الأمل، وترك ما لا يعني من الفضول، والاشتغال بالذكر، والاستعداد للِّقاء، والتواضع للخلق، وحسن التخلُّق معهم بالآداب الشرعية، والانقباض عنهم فيما لا يعني، وإرادة الخير لهم باطنًا، ومساعدتهم ظاهرًا حسب الإمكان، وغير ذلك من المصالح الدينية والدنيوية؛ إذ الشريعة منحصرةٌ في بيان مصالحهما. ولا يَرِدُ على قوله: (وهي أربعون حديثًا) زيادتُهُ حديثينِ: إما لأن العدد لا مفهوم له كما قال به جمعٌ من الأصوليين، بل هو الصحيح، أو أن ذكر القليل لا ينفي الكثير (٢)؛ كما قيل به في رواية: "صلاة الجماعة تعدل صلاة الواحد بخمسةٍ وعشرين" (٣) مع رواية: "سبعة وعشرين" (٤)، أو أنه هنا كان عزمُهُ الاقتصارَ على الأربعين، فعند فراغها عنَّ له زيادة الحديثين الأخيرين؛ لحكمةٍ هي: أن أحدهما من باب الوعظ بمخالفة الهوى ومتابعة الشرع، ففيه حثٌّ على العمل بجميع الأحاديث السابقة، فكان في تعقيبها به تمام المناسبة، وثانيهما من باب الرجاء والدعاء والاستغفار والإطماع في الرحمة، ففيه تأنيس النفس وعدم نفرتها من التشديدات
следующие страницы →