← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8889

الفتح المبين بشرح الأربعين

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (662 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ومن روى أن جبريل إنما سأل عن شرائع الإسلام لا عن الإسلام. . فقد وهِم؛ لأن هذا لم يصح عند أحدٍ من أئمة الحديث. (فقال رسول اللَّه ﷺ مجيبًا له عن ماهية الإسلام وحقيقته، مبادرًا من غير استفسارٍ عن أن السؤال عن ذلك أو عن شروطه أو أركانه أو غيرهما من لواحقه، إشارةً إلى أن للمسؤول من مفتٍ وغيره أن يجيب على ما فهمه بالقرينة؛ إذ هي كالنَّصِّ، فجاز الاعتماد عليها سؤالًا وجوابًا، ومن ثَمَّ لو قيل لمفتٍ: أيجوز كذا؛ فأشار بما يشار به كـ (نعم). . جاز الاعتماد على أنه أفتى بالجواز (١). (الإسلام) هو لغة: الطاعة والانقياد، وشرعًا: الانقياد إلى الأعمال الظاهرة؛ كما بيَّن ذلك ﷺ بقوله: (أن تشهد أن) مخففة من الثقيلة (لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه) ظاهره -إن لم يحمل (تشهد) على (تعلم) بدليل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ -: أنه لا بد في الإسلام من لفظ: (أشهد) بأن يقول: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه. فلو قال: (أعلم) بدل: (أشهد)، أو أسقطهما فقال: (لا إله إلا اللَّه، محمد رسول اللَّه). . لم يكن مسلمًا، وتوافقه رواية: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا. . . " الحديث (٢)، وهو ما اعتمده بعض المتأخرين منَّا، ويؤيده أن الشارع تعبَّد بلفظ: (أشهد) في أداء الشهادة، فلا يكفي (أعلم) ونحوها وإن رادفت (أشهد) أي: في إفادة مطلق العلم، لا مطلقًا، لأن الشهادة أخصُّ منه، فكل شهادةٍ علمٌ، ولا عكس، واستدل له بكلام "الروضة" في الكفارة (٣).

стр. 142

لكن رواية: "حتى يقولوا. . . إلخ" (١) ظاهرةٌ في عدم اشتراط لفظ: (أشهد) وأن المراد به في أحاديثه: (يقول) ولم يعكس (٢)؛ لأن حمل (أشهد) على (يقول) عليه قرينةٌ خارجيةٌ هي: أن هذه الكلمة تُسمى كلمة الشهادة وإن أسقط منها (أشهد)، وحمل (يقول) على (أشهد) لا قرينة عليه خارجيةٌ. وأيضًا فالاحتياطُ في المشهود به المبني على المشاحَّة غالبًا ثَمَّ. . اقتضى تضييقَ طرقه (٣)، والاقتصارَ فيه على الوارد، والاحتياط للدخول في الإسلام والعصمة المتشوف إليهما الشارع. . اقتضى توسعةَ طرقه، فعملنا بالاحتياط المذكور في البابينِ (٤)، وكلام "الروضة" في الإيمان يقتضي عدم الاشتراط (٥). ويؤيده اكتفاؤهم في حق مَنْ لم يَدِنْ بشيءٍ بـ (آمنت) وكذا (أُومن -إن لم يرد به الوعد- باللَّه)، أو (أسلمت للَّه)، أو (اللَّه خالقي)، أو (ربي)، ثم يأتي بالشهادة الأخرى، فإذا اكتفوا بنحو: (اللَّه خالقي) مع أنه لا شيء فيه من الوارد نظرًا للمعنى دون اللفظ. . فأولى الاكتفاء بـ (لا إله إلا اللَّه) كما هو واضحٌ؛ لأنه وُجد فيه لفظُ الوارد نظرًا لرواية: "يقولوا" ومعناه. فعلم أنهم لم يتعبدوا هنا بلفظ الوارد، فيكفي بدل (إله): (بارئ) أو (رحمن) أو (رازق)، وبدل (اللَّه): (محيي) أو (مميت) إن لم يكن طبائعيًا (٦)، أو أحدُ تلك الثلاثة (٧) أو (من في السماء) دون (ساكن السماء) أو (من آمن به المسلمون).

стр. 143

وبدل (محمد): (أحمد) و (أبو القاسم)، وبدل (إلا): (غير) و (سوى) و (عدا)، وبدل (رسول): (نبي). ولبعض أئمتنا رأيٌ ثالثٌ؛ وهو اشتراط (أشهد) أو مرادفها كـ (أعلم)، وأنه يشترط ترتيبهما وإن لم تقتضه (الواو)، فلا يصح الإيمان بالنبي قبل الإيمان باللَّه. نعم؛ لا تشترط الموالاة بينهما، ولا العربية وإن أحسنها، وأنه لا بد من مجموعهما في الإسلام، فلا يكفي أحدهما (١)، خلافًا لما شذَّ به بعض أصحابنا أنه يكفي: (لا إله إلا اللَّه) وحدها، وأنه لا يشترط زيادة عليهما وهي البراءة من كل دينٍ يخالف دين الإسلام، ومحله: إن أنكر أصل رسالة نبينا محمدٍ ﷺ ، فإن خصَّصها بالعرب. . اشترط زيادة إقراره بعمومها (٢). ويزيد حتمًا مَنْ كفر بإنكار معلومٍ من الدين بالضرورة: اعترافَهُ بما كفر بإنكاره، أو التبري من كل ما يخالف الإسلام، والمشركُ: وكفرت بما كنت أشركتُ به، والمُشَبِّهُ: البراءة من التشبيه بما لم يعلم مجيء محمدٍ ﷺ بنفيه. (وتقيمَ الصلاة) معطوف على (تشهد) خلافًا لمن زعم رفع هذا وما بعده استئنافًا، وكأنه نظر إلى أنه يكفي في إجراء أحكام الإسلام الشهادتان وحدهما. وجوابه: أن الانقياد له أقلُّ وهو هذا، وأكملُ وهو ما ذكر في الحديث، فكان عطف ما بعد: (أن تشهد) عليه ليفيد هذا الأكمل. . أَولى؛ أي: يأتي بها محافظًا على أركانها وشروطها، أو على مكملاتها، أو يداوم عليها، فـ (تقيم) من التقويم والتعديل، أو من الإقامة؛ أي: الملازمة والاستمرار، أو التشمير والنهوض.

стр. 144

وحملُه على (تقوم إليها)، أو (تقيم لها)، من (الإقامة) أخت الأذان. . بعيدٌ لغةً ومعنًى. وهي لغةً: الدعاء، وقيل: الدعاء بخيرٍ، وشرعًا: أقوالٌ وأفعالٌ غالبًا مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، فدخلت صلاة الأخرس، ومن لم يلزمه إلا إجراؤها على قلبه؛ إذ لا تسقط ما دام العقل موجودًا. ووجوبُ تركها أو قطعها لنحو إنقاذ غريقٍ، أو تجهيز ميتٍ خِيفَ انفجاره. . عذرٌ في الإخراج عن الوقت إذا توقَّف ذلك عليه، لا في مطلق الترك. وأصلها: فَعَلَة بفتحات، ولامها واو (١). واختار بعض المحققين: أنها مأخوذةٌ من الصَّلى: عرق متصل بالظَّهْر يفترق من عند عجب الذنَب، ويمتدُّ منه عرقان، في كل وَرِكٍ عِرقٌ، يقال لهما: الصلوان، فإذا ركع المصلي. . انحنى صَلاه وتحرك، ومنه سُمِّي ثاني خيل السباق مُصَلِّيًا؛ لأنه يأتي مع صَلَوي السابق. وعلم مما مر: أنها بمعنى الدعاء حقيقة لغوية، مجاز عرفي علاقته تشبيه الداعي في تخشعه ورغبته بالمصلي. (وتؤتي الزكاة) من الأنواع الواجبة فيها إجماعًا؛ وهي: الأنعام، والتمر، والعنب، والحبوب المقتاتة اختيارًا، والنقدان، وزكاة الفطر، وخلاف ابن اللبان من أصحابنا فيها لغوٌ؛ لأنه غير مجتهدٍ في غير علم الفرائض، أو على خلاف (٢)، كزكاة التجارة وبقية الفواكه ونحوها بالنسبة لمن اعتقد وجوبها لاجتهاد أو تقليد. وهي لغةً: النماء والتطهير، وشرعًا: اسم للمُخْرَج من المال؛ لأنه إنما يؤخذ من نامٍ ببلوغه النصابَ، أو لأنه يُنَمِّي الأموالَ بالبركة، وحسناتِ مؤديها بالتكثير، أو لأنه يطهرها من الخبائث الحسية والمعنوية، ونفسَ المزكي من رذيلة البخل وغيره، أو لأنه يزكيه ويشهد بصحة إيمانه. وإنكار وجوبها في المُجمَعِ عليه كفرٌ؛ لأنها من المعلوم من الدين بالضرورة.

стр. 145

(وتصوم) من الصوم؛ وهو لغة: الإمساك، وشرعًا: إمساكٌ مخصوصٌ. (رمضان) صريح في عدم كراهة إطلاق ذلك مطلقًا، وهو الأصح، وقيل: يكره مطلقًا، وقيل: إن لم تدل قرينةٌ على أن المراد غير اللَّه تعالى؛ لأنه من أسمائه، ويرده الأخبار الصحيحة: "إذا جاء رمضان. . فتحت أبواب الجنة" (١)، وزعمُ أنه من أسمائه تعالى غيرُ صحيحٍ، كيف ولم يرد فيه إلا أثر ضعيف؟! وأسماء اللَّه تعالى توقيفيةٌ لا تطلق إلا بخبر صحيح، بل لو صح فيه الخبر. . لم تلزمه الكراهة؛ لتوقفها على النهي الصحيح. ذكره المصنف (٢)، ونازعه بعض الشُّرَّاح من المالكية بما لا ينفع دليلًا؛ إذ حاصله: أن أئمتهم لا يقولون شيئًا إلا بدليل وإن لم يعلم. وسمي شهر الصوم به؛ لأنهم لما أرادوا وضع أسماء الشهور. . وافق اشتداد حرِّ الرمضاء فيه، وهو مبنيٌّ على أن اللغات غير توقيفية، والأصح: خلافه. (وتحج البيت) أي: تقصده بنسك حج وعمرة؛ إذ هي واجبةٌ أيضًا عندنا للخبر الصحيح: هل على النساء جهاد يا رسول اللَّه؟ قال: "نعم، جهادٌ لا قتال فيه؛ الحج والعمرة" (٣)، فهو صريح في وجوبهما، وما عارضه محتملٌ فقُدِّم هذا عليه، ثم رأيت ابن حبان زاد في روايته: "وتعتمر وتغتسل من الجنابة، وأن تتم الوضوء" وقال: تفرد بهذا سليمان التيمي (٤). (إن استطعت إليه سبيلًا) أي: طريقًا؛ بأن تجد زادًا وراحلةً بشروطهما المقررة في محلها، وصح عند الحاكم وغيره: أنه ﷺ فسر بهما السبيل في الآية (٥)، لكن ضعفه آخرون، فلا يجب على عاجزٍ عن مؤنته أو مؤنةِ مَنْ تلزمه مؤنته، ولا على عاجزٍ عن الراحلة إن كان بينه وبين مكة مرحلتان وإن قدر على

стр. 146

المشي؛ إذ لا يسمى مستطيعًا حينئذ؛ لكثرة المشقة عليه، لكن يندب للقادر؛ خروجًا من خلاف مَنْ أوجبه عليه. وإنما قيد بالاستطاعة في الحج مع أن ما مر مقيدٌ بها أيضًا؛ اتباعًا للنظم القرآني؛ فإنه لم يقيد بهذا اللفظ غيره، أو إشارةً إلى أن فيه من المشاقِّ ما ليس في غيره. أقول: وأيضًا فعدمها في نحو الصلاة والصوم لا يسقط فرضهما بالكلية، وإنما يسقط وجوب أدائه، بخلافها في الحج؛ فإن عدمها يسقط وجوبه بالكلية. (قال) أي: جبريل: (صدقت، قال) عمر: (فعجبنا له) أي: منه، أو لأجله (يسأله ويصدقه) إذ سؤاله يقتضي عدم علمه، وتصديقه يقتضي علمه، أو أن كلامه دالٌّ على خبرته بالمسؤول عنه، مع أنه لم يكن إذ ذاك مَنْ يعرف هذا غير رسول اللَّه ﷺ ، فساغ التعجب منه، ثم زال بإعلامهم أنه جبريل؛ لأنه بان به أنه عالمٌ في صورة متعلمٍ ليعلمهم. فإن قلت: تفسير الإسلام هنا بالأعمال ينافي ما يأتي مبسوطًا أنه الاستسلام والانقياد. قلنا: لا شك أنه يطلق عليها شرعًا كما أنه يطلق على الاستسلام والانقياد لغةً وشرعًا، وما يأتي من أن بين الإسلام والإيمان تلازمًا أو ترادفًا. . إنما هو بناءً على معناه الثاني، وأما على معناه الأول -أعني أنه الأعمال الظاهرة-. . فالإيمان ينفك عنه؛ إذ قد يوجد التصديق مع الاستسلام الباطن بدون الأعمال، أما الإسلام بمعنى الأعمال المشروعة. . فلا يمكن أن ينفك عن الإيمان؛ لاشتراطه لصحتها، وهي لا تشترط لصحته، خلافًا للمعتزلة (١). (قال: فأخبرني عن الإيمان) هو لغةً: مطلق التصديق، من (آمن) بوزن أفعل، لا فاعل، وإلَّا. . لجاء مصدره فعالًا، وهمزته للتعدية، كأن المصدِّق جعل

стр. 147

الغير آمنًا من تكذيبه، أو للصيرورة كأنه صار ذا أمنٍ من أن يكذبه غيره، ويضمن معنى (اعترفَ) و (أقرَّ) فيُعدَّى بالباء كما يأتي، و (أذعنَ) و (قَبِل) فيُعدَّى باللام؛ نحو: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾. وشرعًا: التصديق بالقلب فقط؛ أي: قبوله وإذعانه لما علم بالضرورة أنه من دين محمد ﷺ كما سيأتي بسطه، ثم ما لوحظ إجمالًا كالملائكة والكتب والرسل. . كفى الإيمان به إجمالًا، وما لوحظ تفصيلًا كجبريل وموسى والإنجيل. . اشترط الإيمان به تفصيلًا؛ حتى إن من لم يصدق بمعينٍ من ذلك. . فهو كافر. وهذا الذي قررته هو معنى قول بعض الشراح: (يجب الإيمان بجميع الملائكة والكتب والرسل إيمانًا كليًا، فمَنْ ثبت بعينه وباسمه كجبريل. . وجب الإيمان به عينًا، ومَنْ لم يعرف اسمه. . آمنَّا به إجمالًا، وكذلك الكتب والأنبياء والرسل؛ مَنْ علم اسمه. . وجب الإيمان بعينه، ومَنْ لا. . آمنا به إجمالًا) اهـ ولا يكفي لوجوب الإيمان بشيءٍ معينٍ حتى يكون إنكاره كفرًا ثبوتُهُ، بل لا بد من تواتر وجوده حتى يقطع به (١). وحد الإيمان بما ذكرناه هو مختار جمهور الأشاعرة، وعليه الماتريدية (٢)، وقيل: يشترط أن ينضم لذلك إقرار اللسان وعمل سائر الجوارح، فيكفر من أخلَّ بواحدٍ من هذه الثلاثة، وهو مذهب الخوارج، فلا صغيرة عندهم، وقيل: يعتبر ضمهما إليه على وجه التكميل لا الركنية، وهو مذهب المحدثين؛ لأنه ﷺ فسَّره في حديث وفد عبد القيس، وحديث: "الإيمان بضع وسبعون شعبة" الآتيينِ بما فيهما (٣). وما يروى: أن الإيمان إقرار باللسان، وعمل بالأركان، واعتقادٌ بالجَنَان إنما هو من كلام بعض السلف، وقيل: هو التلفُّظ بالشهادتين، ثم إن طابقه تصديق القلب. .

стр. 148

فمنجٍ (١)، وإلَّا. . فمخلِّدٌ في النار، وهو مذهب الكرامية، وفي المعنى ليس لهم كبير خلاف، لأنا نوافقهم على ما بعد (ثُمَّ) (٢). وقيل: تصديقٌ بالجَنَان، وإقرارٌ باللسان، ونُقِل عن أبي حنيفة رضي اللَّه تعالى عنه، واشتهر عن أصحابه وبعض محققي الأشاعرة؛ لأن التصديق لمَّا اعتبر بكلٍّ منهما. . كان كلٌّ منهما جزءًا من مفهوم الإيمان، لكن تصديق القلب ركنٌ لا يحتمل السقوط، وتصديق اللسان يسقط لنحو خرسٍ أو إكراهٍ. واستدلَّ لركنيته عند القدرة بخبر: "حتى يقولوا" أو: "يشهدوا" السابق، ويُردُّ: بأنه لا يدل لخصوص ركنية القول التي النزاعُ فيها، بل كما يحتملها يحتمل ما قلناه: إنه شرطٌ لإجراء أحكام الإسلام، ويدل له أنه فيه رَتَّب على القول الكفَّ عن الدم والمال دون النجاة في الآخرة الذي هو محل النزاع. وأما ما وقع في "شرح مسلم" للمصنف من نقله اتفاق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن مَنْ آمن بقلبه، ولم ينطق بلسانه مع قدرته كان مخلدًا في النار (٣). . فمعترضٌ بأنه لا إجماع على ذلك (٤)، وبأن لكلٍّ من الأئمة الأربعة قولًا: إنه مؤمن عاصٍ بترك التلفظ، بل الذي عليه جمهور الأشاعرة وبعض محققي الحنفية -كما قاله المحقق الكمال ابن الهمام وغيره- أن الإقرار باللسان إنما هو شرطٌ لإجراء أحكام الدنيا فحسب (٥). قيل: لو أُجريت عليه لنطقه بلسانه وهو كافر باطنًا؛ كنكاح مسلمة، وأخذِ ميراثِ

стр. 149

قريب مسلم، ثم زال كفره القلبي. . احتمل حلُّ الوطءِ والأخذِ؛ لقيام التلفظ به المقتضي لإجراء الأحكام عليه. والأظهر -أي: بل الصواب-: عدم حل الوطء إلا بعد تجديد النكاح، وعدم حل الأخذ من تركة قريبه المسلم؛ لأنا إنما لم نؤاخذه بما في باطنه أولًا؛ لعدم ظهوره لغيره، وأما بالنسبة له. . فهو كظاهره، ونظيره: الحكم بشاهدَيْ زورٍ في النكاح (١)؛ فإنه لا يحل لمن علم بالزور العمل بقضية ذلك الحكم على الصحيح عند أكثر العلماء، بل الصواب الموافق للكتاب والسنة (٢). وعلى القول بتوقف الإيمان عليه: يكفي أن يُسمِع به نفسه، واتفق القائلون بأن الإقرار لا يعتبر على اشتراط ترك العناد بأن يعتقد أنه متى طُولب به. . أتى به، فإن طولب به فامتنع عنادًا. . كفر، كما لو سجد لصنمٍ، أو استخفَّ بنبيٍّ، أو بالكعبة، ونحو ذلك من المكفرات. واستشكل الحكم بكفره بأحد هذه المذكورات مع كونه مصدقًا بقلبه (٣)؛ لما يلزم عليه أن تعريف الإيمان بالتصديق غير مانع لصدقه على هذا، مع انتفاء الإيمان عنه. وجوابه: يعلم من تقرير مهماتٍ يتعيَّن التفطُّن لها؛ وهي أنهم اختلفوا في التصديق بالقلب الذي هو تمام مفهوم الإيمان عند الأشاعرة، أو جزء مفهومه عند غيرهم، فقيل: هو من باب العلوم والمعارف. ورُدَّ: بأنا نقطع بكفر كثيرٍ من أهل الكتاب مع علمهم بحقيَّة رسالته ﷺ وما جاء به (٤)؛ قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾، ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ الآيةَ، وبأن الإيمان مكلفٌ به، والتكليف إنما يتعلَّق

стр. 150

بالأفعال الاختيارية، والعلمُ بصدق مدعي النبوة عند وجود سببه وهو مشاهدة المعجزة. . حاصلٌ قهرًا عليه. وقيل: هو من باب الكلام النفسي، وعليه إمام الحرمين وغيره (١)، وظاهر كلام الشيخ أبي الحسن الأشعري أنه كلامٌ للنفس، وأن المعرفة شرطٌ فيه؛ إذ المرادُ بكلام النفسِ: الاستسلامُ الباطن والانقياد لقبول الأوامر والنواهي، وبالمعرفةِ: إدراكُ مطابقة دعوى النبي ﷺ للواقع؛ أي: لتجليها للقلب وانكشافها له، وذلك الاستسلام إنما يحصل بعد حصول هذه المعرفة. ويحتمل أن كلًّا من هذينِ المذكورينِ ركنٌ (٢)، فلا بد من المعرفة -إن جعلناها شرطًا أو ركنًا- ومن ضم الاستسلام لها؛ لما مرَّ من ثبوتها مع الكفر، وقهرًا على النفس، وتعلقُ التكليف بها مع ثبوتها قهرًا في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ أريد به تحصيل أسبابها من القصد إلى النظر في آثار القدرة الدالة على وجوده تعالى ووحدانيته، وتوجيه الحواس إليها، وترتيب المقدمات المأخوذة من ذلك على الوجه المؤدي إلى المقصود. وظاهر كلام "شرح المقاصد": أنه لا يكتفى بذلك العلم القهري، بل لا بد من تحصيله بَعْدُ بطريق الاستدلال، ورُدَّ: بأن حصول الاستسلام الباطني بعد حصول العلم القهري حصولٌ للمقصود مغنٍ عن استحصاله بتعاطي أسبابه، فالوجه: الاكتفاء بحصول القهري المنضم إليه الاستسلام، والتكليفُ بتعاطي الأسباب إنما هو لمن لم يحصل له ذلك العلم القهري. وأخذ بعضهم من أنه لا بد من ضمِّ الاستسلام إلى المعرفة أن مفهوم الإسلام لغةً -الذي هو هذا الاستسلام- جزءٌ من مفهوم الإيمان، وأطلق بعضهم اسم المرادف عليهما (٣).

стр. 151

والأظهر -كما قال بعض المحققين-: أنهما متلازما المفهوم، فلا يعتبر شرعًا في الخارج إيمانٌ بلا إسلامٍ (١)، ولا عكسه، وأن التصديق قولٌ للنفس مغايرٌ للمعرفة وإن نشأ عنها؛ إذ هو لغة: نسبة الصِّدق بالقلب أو اللسان إلى القائل، وهو فعلٌ، وهي ليست فعلًا، بل من قبيل الكيف (٢)، فكلٌّ منها ومن الاستسلام خارجٌ عن مفهوم التصديق لغةً وإن اعتُبِرا شرعًا في الإيمان. ثم اعتبارهما فيه شرعًا إما على أنهما جزآن لمفهومه شرعًا، أو شرطان لاعتباره لإجراء أحكامه شرعًا، والثاني هو الراجح؛ لأن الأول يلزمه نقل الإيمان عن معناه اللغوي إلى معنًى آخر شرعي، والنقل خلاف الأصل، فلا يصار إليه بغير دليل، بل الدليل على خلافه؛ لأنه كثر في الكتاب والسنة طلبه من العرب، ولم يستفسر مَنْ أجاب إليه عن معناه اللغوي. ووقوعُ استفساره عن بعضهم إنما هو عن متعلقه؛ بدليل أن جبريل لما سأل عنه. . أجابه ﷺ بذكر المتعلق حيث (قال: أن تؤمن. . . إلى آخره) ففسَّره بمتعلقاته، ولم يفسر لفظه، بل أعاده بقوله: "أن تؤمن" لأنه كان معروفًا عندهم، لا نزاع في أنه لغةً: لمطلق التصديق، وشرعًا: تصديقٌ بأمورٍ خاصةٍ، وهي المعلومة من الدين بالضرورة كما مر. فهو تصديقٌ بها بالمعنى اللغوي، وانتفاؤه بانتفاء المعرفة، والاستسلام لا يستلزم جزئيتهما؛ لمفهومه شرعًا؛ لجواز كونهما شرطين له شرعًا، فظهر أنه يمكن ثبوت التصديق لغةً بدونهما (٣)، وأن هذا الثبوت يمكن مجامعة الكفر له (٤)؛ إذ لا مانع عقلًا أن يصدق جبارٌ نبيا ويقتله لنحو حمقٍ أو غلبة هوًى، فقتله لا يدل على انتفاء

стр. 152

التصديق به من أصله كما ظنه بعض الأئمة، بل على أن ما عنده من التصديق غير منجٍ له شرعًا من الخلود في النار. فالحاصل: أن اللَّه رتب على التلبس بالإيمان لازمًا لا يتخلَّف عنه، هو سعادة الأبد، وعلى ضده شقاوته، وهي لازم الكفر شرعًا، وأنه اعتُبِرَ في ترتُّب لازم الإيمان وجودُ أمورٍ بعدمها يترتب لازم الكفر. فمنها: تعظيمه ، وتعظيم نحو أنبيائه، وترك السجود لنحو صنم، والاستسلام باطنًا لقبول أوامره ونواهيه، الذي هو معنى الإسلام لغة. ومن ثَمَّ اتفق أهل الحق -وهم فريقا الأشاعرة والحنفية- على أنه لا عبرة بإيمانٍ بلا إسلامٍ وعكسه؛ إذ لا ينفك أحدهما عن الآخر، فعُلم أنه باختلال واحدٍ من تلك الأمور ينتفي لازم الإيمان، لكن الحنفية أشد مبالغةً في رعاية ذلك التعظيم. ومن ثَمَّ كفَّروا بألفاظٍ وأفعالٍ كثيرة؛ نظرًا منهم إلى أنها تدلُّ على الاستخفاف بالدين؛ كتعمد صلاةٍ بلا وضوء، ودوام ترك سنةٍ استخفافًا بها واستقباحها؛ كإحفاء الشارب (١)، وتحنيك العمامة؛ أي: جعل طرفها تحت حلقه، وغير ذلك مما ذكرنه في كتابي الآتي (٢). وإذا ظهر لك بيان حقيقة الإيمان وما يتعلق بها. . فلا بد لك من معرفة متعلقه الذي يجب الإيمان به، وهو -كما عرف من حده السابق-: ما جاء به محمد ﷺ ، فيجب التصديق بكل ما جاء به من اعتقاديٍّ؛ وهو ما قصد منه اعتقاده، أو عمليٍّ؛ وهو ما قصد منه العمل. ومعنى التصديق به: اعتقاد أنه حقٌّ وصدقٌ كما أخبر به ﷺ ، وتفاصيل هذينِ كثيرةٌ جدًّا؛ إذ هي حاصل ما في الكتب الكلامية ودواوين السنة،

стр. 153

فاكتُفِيَ بالإجمال، وهو أن يقرَّ بـ (لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه) إقرارًا مطابقًا لقلبه واستسلامه. وأما التفاصيل: فما لاحظه منها ببصيرته؛ بأن جذبه جاذبٌ إلى متعلقه. . وجب الإيمان به، فإن جحده. . فتارةً ينفي جحده الاستسلام، أو يوجب تكذيبه ﷺ ، فيكون جحده كفرًا، وتارةً لا ينفي جحده الأول، ولا يوجب الثاني، فيكون جحده فسقًا، فالذي ينفي الاستسلام سائر الأقوال والأفعال المكفِّرة (١). وقد ألفتُ فيها كتابًا حافلًا لا يُستغنى عنه، سميته: "الإعلام بما يقطع الإسلام" وبينتُ فيه أكثر الأحكام على المذاهب الأربعة، فعليك بتحصيله إن أردت الاعتناء بأمر دينك. والذي يوجب التكذيب هو إنكار ما عُلم من دين محمد ﷺ بالضرورة، بأن يعلمه بالبديهة حتى العامة الذين يخالطون المسلمين؛ كالوحدانية، والنبوة، والبعث، والجزاء، ووجوب نحو الصلاة، وحرمة نحو الخمر، ووطء الحائض، وحل نحو البيع، والنكاح، ونَدْبِ نحو الرواتب، وغير ذلك مما استوعبتُ أكثره في بعض الفتاوى. وجعل في "الروضة" حرمة نكاح المعتدة من غيره ممَّا لم يعلم بالضرورة (٢)، وهو مشكلٌ جدًّا، وأي فرقٍ بينه وبين حرمة وطء الحائض؟! بل حرمة ذلك أظهر للعامة من حرمة هذا كما هو جليٌّ لمن سبر أحوالهم، وكأن العذرَ فيه جهلُ أكثرهم بتفاصيل العدة وما تنقضي به، وهو مفضٍ إلى جهل تحريم نكاحها في كثيرٍ من الصور (٣).

стр. 154

وتحريمُ مُجمَعٍ على حِلِّه وعكسُه. . مكفرٌ أيضًا. فإن قلت: لا فائدة للتقييد بالعلم مع اشتراط المخالطة السابقة؛ لأنه متى علم فأنكر. . كفر وإن لم يخالط، ومتى لم يعلم. . لم يكفر وإن خالط. قلت: هو كذلك، لكن المخالط لا يُصدَّق ظاهرًا في دعوى الجهل، بخلاف غيره، وقد يكون الشيء متواترًا معلوما بالضرورة عند قومٍ دون غيرهم، فيكفر من تواتر عنده دون غيره. أما المجمع عليه غير المعلوم بالضرورة؛ كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب. . فلا كفر بإنكاره عندنا، وكفَّره الحنفية إن علم ثبوته قطعًا، أو ذكر له أهل العلم أنه قطعيٌّ فاستمر على جحده عنادًا (١). فمن تلك المتعلقات التي يجب الإيمان بها وعُلمت من الدِّين بالضرورة: الإيمان (باللَّه) أي: بأنه تعالى واحدٌ في ذاته وصفاته وأفعاله، لا شريك له في الألوهية -وهي استحقاق العبادة- منفردٌ بخلق الذوات بصفاتها وأفعالها، وبقِدَم ذاته وصفاته الذاتية، قال الحنفية: وأفعاله ككونه خالقا ورازقًا (٢)؛ فإن هذا الوصف ثابتٌ له في الأزل، والأشعرية يردون ذلك إلى صفات القدرة. وبأن ذاته لها صفات: حياةٌ منزهة عن الروح (٣)، وعلمٌ بلا ارتسامٍ لصورةٍ في قلبٍ ولا دماغ، وإنما هو صفة تتميز بها الأشياء، وتتعلق بكل جزءٍ كان أو هو كائنٌ قبل وجوده بعلمٍ واحدٍ؛ إذ كلٌّ من صفاته لا تكثُّرَ فيه، وإنما التكثُّر في التعلُّقات

стр. 155

والمتعلقات، لم يتجدَّد له علم بحسب تجدد المعلوم، وقدرة على الممكنات، وإرادة لجميع الكائنات لم تتجدد له إرادة بتجدد المرادات. وبأن الطاعات بإرادته ومحبته ورضاه وأمره، والمعاصي بإرادته دون محبته ورضاه وأمره، والكل بقضائه وقدره. وسمعٌ بلا صماخ لكل خفيٍّ، وبصرٌ بلا حدقةٍ -تعالى اللَّه عنهما- لكل موجود، وكلامٌ قائمٌ بذاته منزهٌ عما يعتري كلامنا النفسي من الخرس الباطني، وهو عدم الاقتدار على إرادة الكلام النفسي، ليس بصوتٍ ولا حرفٍ. وبأنه تعالى منزهٌ عن قيام حادثٍ به؛ كحركةٍ أو سكونٍ أو تحيزٍ، فصفاته ليست أعراضًا، ولا عين ذاته ولا غيرها، بناء على أن الغيرين ما ينفك أحدهما عن الآخر. وبأنه أحدث العالم باختياره من غير أن يحصل له به كمالٌ لم يكن قبله، ولم يتجدد له بإيجاده اسمٌ ولا صفةٌ، بل لم يزل بأسمائه وصفات ذاته، لا شبيه له في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله. وبأنه منزهٌ عن الجهة والجسمية وصفاتهما ولوازمهما، وكل سمة نقصٍ، أو لا كمال فيها. وبأنه لا يكون في ملكه إلا ما يشاء من خيرٍ وشرٍّ، ونفعٍ وضرٍّ، بل لا تقع لمحة ناظرٍ، ولا فلتة خاطرٍ إلا بإرادته تعالى. وبأنه الغَنِيُّ المطلق، فكل موجودٍ مفتقرٌ إليه تعالى في وجوده وبقائه، وسائر ما يمده به. ويجمع ذلك كله: أنه تعالى متصفٌ بكل كمال، منزَّهٌ عن كل وصفٍ لا كمال فيه، واجب الوجود لذاته، منفردٌ باستحقاق العبودية على العالم، إذ هو مالكهم حقيقة؛ لأنه الذي أوجدهم من العدم، وبالألوهية والقدم والبقاء وبالخلق والقدرة؛ لثبوت إسناد جميع الحوادث إليه تعالى، مع مشاهدة كمال الإحسان في خلقها وترتيبها. وبالإرادة؛ لأن تخصيص بعض الممكنات بالوقت الذي أوجده فيه دون ما قبله أو ما بعده ليس إلا لمعنًى هو الإرادةُ.

стр. 156

(وملائكته) (١) جمع مَلَكٍ على غير قياس، أو جمع مَلْأَك على مَفْعَل؛ إذ هو من الألوكة، وهي الرسالة، ثم خُفف بنقل الحركة والحذف، فصار ملكًا، وقيل فيه غير ذلك، وتاؤه لتأنيث الجمع، وقيل: للمبالغة، غلبت في الأجسام النورانية المبرأة من الكدورات الجسمانية، القادرة على التشكل بالأشكال المختلفة؛ أي: بأنهم عبادٌ له -لا كما زعم المشركون: من تألُّهِهِمْ- مكرمون، لا كما زعم اليهود من تنقيصهم ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. وبأنهم سفراء اللَّه تعالى بينه وبين خلقه، متصرفون فيهم كما أذن، صادقون فيما أخبروا به عنه، وأنهم بالغون من الكثرة ما لا يعلمه إلا اللَّه تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾، "أطَّتِ السماء، وحُقَّ لها أن تئط؛ ما من موضع قدمٍ إلا وفيه ملَكٌ ساجدٌ أو راكع" (٢). (وكتبه) أي: بأنها كلام اللَّه تعالى الأزلي القديم، القائم بذاته، المنزه عن الحرف والصوت، وبأنه تعالى أنزلها على بعض رسله بألفاظٍ حادثةٍ في ألواح، أو على لسان الملك، وبأن كل ما تضمنته حقٌّ وصدقٌ، وبأن بعض أحكامها نُسخ وبعضها لم ينسخ. قال الزمخشري وغيره: (وهي مئة كتاب وأربعة كتب، أُنزل منها خمسون على شيث، وثلاثون على إدريس، وعشرةٌ على آدم، وعشرةٌ على إبراهيم، والتوراة، والزبور، والإنجيل، والفرقان) (٣). (ورسله) أي: بأنه أرسلهم إلى الخلق؛ لهدايتهم وتكميل معاشهم ومعادهم،

стр. 157

وأيدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم، فبلَّغوا عنه رسالاته، وبيَّنوا للمكلفين ما أمروا ببيانه، وأنه يجب احترام جميعهم، ولا نفرق بين أحدٍ منهم كما في الإيمان به (١)، وأنه تعالى نزَّههم عن كل وصمةٍ ونقصٍ (٢)، فهم معصومون من الصغائر والكبائر قبل النبوة وبعدها على المختار، بل هو الصواب، وما وقع في قصصٍ يذكرها المفسرون، وفي كتب قصص الأنبياء مما يخالف ذلك. . لا يعتمد عليه، ولا يلتفت إليه وإن جلَّ ناقلوه كالبغوي والواحدي، وما جاء في القرآن من إثبات العصيان لآدم، ومن معاتبة جماعة منهم على أمورٍ فعلوها. . فإنما هو من باب أن للسيد أن يخاطب عبده بما شاء، وأن يعاتبه على خلاف الأولى معاتبةَ غيره على المعصية. وقد قدمنا أنهم أفضل من سائر الملائكة بدليله، فإذا فضلوا المعصومين. . لزم كونهم معصومين بالأولى. (واليوم الآخر) وهو من الموت إلى آخر ما يقع يوم القيامة، وصف بذلك؛ لأنه لا ليلَ بعده، ولا يقال: يومٌ إلا لما يعقبه ليلٌ؛ أي: بوجوده، وما اشتمل عليه من سؤال الملكين، ونعيم القبر وعذابه، والجزاء، والبعث، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة، والنار، وغير ذلك مما بيَّنه الأصوليون بأدلته والرد على المخالفين فيه. وفي رواية: "والبعث الآخر" (٣)، ووصفُه بالآخر إما تأكيدٌ كأمس الدابر، أو احترازٌ عن غير الآخر؛ لأنه إحياءٌ بعد إماتةٍ، وقد كنَّا ميتين قبل نفخ الروح فأُحيينا بنفخها، ثم متنا، ثم أُحيينا لسؤال الملكين، ثم متنا، ثم أُحيينا للحشر، فهذا هو الآخر. (وتؤمن بالقدر خيره وشره) حلوه ومره، وفي رواية لمسلم: "وبالقدر كله" (٤)

стр. 158

أي: بأن ما قدره اللَّه في أزله لابد من وقوعه، وما لم يقدره يستحيل وقوعه، وبأنه تعالى قدر الخير والشر قبل خلق الخلق، وأن جميع الكائنات بقضائه وقدره وإرادته؛ لقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ بنصب (كل) كما أجمع عليه السبعة، وحينئذٍ فقد نص على عموم الخلق؛ إذ تقديره: إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر، وبرفعها يزول هذا المعنى (١)؛ إذ تقديره حينئذ: إنا كلُّ شيءٍ مخلوقٌ لنا بقدر، فتأمله. ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، ولإجماع السلف والخلف على صحة قول القائل: ما شاء اللَّه. . كان، وما لم يشأ. . لم يكن، ولخبر: "كل شيءٍ بقدر حتى العجز والكيس" (٢). والقضاء عند الأشعرية: إرادته الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال، والقدر: إيجاده إياها على قدرٍ مخصوصٍ وتقديرٍ معينٍ في ذواتها وأفعالها؛ أو القضاء: علمه أزلًا بالأشياء على ما هي عليه، والقدر: إيجاده إياها على ما يطابق العلم. وأنه يرحم من يشاء من خلقه فضلًا، ويعذب من يشاء منهم عدلًا، كل نعمةٍ منه فضلٌ، وكل نقمةٍ منه عدلٌ: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. وأنه أعلم بطبائع خلقه منهم: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ فما فعل فيهم. . فهو غير ملوم، ولا يطلعون على علمه (٣)، ولا على عدله. وأن له تكليفهم بما شاء من الأفعال مع تقدير أسباب منعهم منها، وهو المسمى:

стр. 159

بتكليف ما لا يطاق (١)، ومن ثم قال بعض العلماء: يجب السكوت عن (كيف) في صفاته، وعن (لِمَ) في أفعاله. واعلم: أن الإيمان بالقدر على قسمين: أحدهما: الإيمان بأنه تعالى سبق في علمه ما يفعله العباد من خيرٍ وشرٍّ، وما يُجازَون عليه، وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه، وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه. ثانيهما: أنه تعالى خلق أفعال عباده كلَّها من خيرٍ وشرٍّ وكفرٍّ وإيمانٍ، وهذا القسم تنكره القدرية كلهم، والأول لا ينكره إلا غلاتهم، وكفَّرهم بإنكاره كثيرون، ومحل الخلاف حيث لم ينكروا العلم القديم، وإلَّا. . كفروا كما نصَّ عليه الشافعي وأحمد وغيرهما. (قال: صدقت) قيل: ويؤخذ من الحديث تكفير القدرية بإنكار القدر؛ لأنه جعل الإيمان به من جملة أركان الدين التي يكفر منكر واحدٍ كل منها، ويشهد له تبرئة ابن عمر منهم، وخبر: "القدرية مجوس هذه الأمة" (٢)، والأشبه: عدم كفرهم؛ لتعارض شُبَهٍ عندهم، فلهم نوع عذر. اهـ والحاصل: أن أهل السنة: اختلفوا في تكفير المخالف في العقائد بعد الاتفاق على أن ما كان من ضروريات الدين يكفر مخالفه، كالقول بقدم العالم، ونفي حشر الأجساد، ونفي علمه تعالى بالجزئيات، وإثبات أنه تعالى موجبٌ بالذات لا بالاختيار، تعالى اللَّه عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا، بخلاف ما ليس

стр. 160

من ضرورياته؛ كنفي المعتزلة مبادئ الصفات من نحو العلم والقدرة، مع إثباتهم لها بقولهم: عالم قادر ونحوهما، وكقولهم: إن الشر غير مرادٍ له تعالى، وإن القرآن مخلوق، فقيل بكفرهم؛ لأن نفي مبادئ الصفات وعموم الإرادة جهلٌ باللَّه تعالى، ولخبر: (من قال: القرآن مخلوق. . فهو كافر) (١). والمختار الذي عليه جمهور المتكلمين والفقهاء: أنه لا يكفر أحدٌ من المخالفين في غير الضروري. والجهل به تعالى من بعض الوجوه غير مكفر، وليس أحدٌ من أهل القبلة يجهله تعالى إلا كذلك؛ فإنهم على اختلاف مذاهبهم اعترفوا بأنه تعالى قديمٌ أزليٌّ، عالمٌ قادر، موجدٌ لهذا العالَم، والخبر المذكور غير ثابت، أو المراد بالمخلوق فيه المختلَق؛ أي: المفترى، ومدعي ذلك كافرٌ إجماعًا. نعم؛ يُبدَّعون ويُفسَّقون؛ لوجوب إصابة الحق عينًا في مسائل الخلاف في أصول الدين. ووجه تشبيه القدرية بالمجوس: أن المعتزلة الذين هم القدرية أنكروا إيجاد الباري تعالى فعلَ العبد، فجعله بعضهم -كالجبائية- غيرَ قادر على عينه، وجعله بعضهم -كالبلخي وأتباعه- غيرَ قادرٍ على مثله، وجعلوا العبد قادرًا على فعله، فهو إثباتٌ للشريك كقول المجوس، فالإيمان والكفر عندهم من فعل العبد، لا من الرب . ويقوي القولَ بتكفيرهم بذلك -وإن كان المختارُ خلافَه- أنهم خرقوا ببدعتهم هذه إجماعَ متقدمي الأمة على الابتهال إليه تعالى أن يرزقهم الإيمان، ويجنبهم الكفر. هذا، واعلم: أن وجوب الإيمان باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر لا يشترط فيه أن يكون عن نظيرٍ واستدلالٍ، بل يكفي اعتقاد جازمٌ بذلك، إذ المختار الذي عليه السلف، وأئمة الفتوى من الخلف، وعامة الفقهاء: صحةُ إيمان المقلد،

стр. 161

ونقلُ المنعِ عن إمام السنة الشيخ أبي الحسن الأشعري. . كذبٌ، عليه؛ كما قاله الأستاذ أبو القاسم القشيري. على أنه يقِلُّ أن يُرى مقلدٌ في الإيمان باللَّه تعالى؛ لأنا نجد كلام العوام محشوًا بالاستدلال بوجود هذا العالم على وجوده تعالى وصفاته من نحو العلم والإرادة والقدرة، وليس هذا تقليدًا؛ إذ هو أن يسمع مَنْ نشأ بقُلة جبلٍ الناسَ يقولون: للخلقِ ربٌّ خلقهم وخلَقَ كلَّ شيءٍ من غير شريكٍ له، ويستحقُّ العبادة عليهم، فيجزم بذلك؛ إجلالًا لهم عن الخطأ، وتحسينًا للظن بهم، فإذا تمَّ جزمه بأن لم يُجوِّز نقيضَ ما أخبروا به. . فقد حصل واجب الإيمان وإن فاته الاستدلال؛ لأنه غير مقصودٍ لذاته، بل للتوصل به للجزم وقد حصل. وقضية هذا التعليل: أنه لا يعصي بتركه الاستدلالَ؛ لما تقرر من حصول المقصود بالذات بدونه، لكن نقل بعضهم الإجماع على تأثيمه بتركه. ووجهه: أن جزمه حينئذٍ لا ثقة به؛ إذ لو عرضت له شبهةٌ. . فات وبقي متردِّدًا، بخلاف الجزم الناشئ عن الاستدلال لا يفوت بذلك. ومما يَرِد أيضًا على زاعم بطلان إيمان المقلد: أن الصحابة رضوان اللَّه عليهم فتحوا أكثر بلاد العجم، وقَبِلوا إيمان عوامِّهم كأجلاف العرب، وإن كان تحت السيف، أو تبعًا لكبيرٍ منهم أَسْلَمَ، ولم يأمروا أحدًا منهم أسلم بترديد نظرٍ، ولا سألوه عن دليل تصديقه، ولا أرجؤوا أمره حتى ينظر، والعقل في نحو هذا يجزم بعدم وقوع الاستدلال منهم؛ لاستحالته حينئذ، فكان ما أطبقوا عليه ليلًا أيَّ دليلٍ على صحة إيمان المقلد. وخلاف الباقلاني والإسفراييني وأبي المعالي في أول قوليه تبعوا فيه ما ابتدعه المعتزلة، وأحدثوا القول به بعد انقضاء أئمة السلف، ومن المحال -قيل: والهذيان- أن يُشترط لصحة الإيمان ما لم يعرفوه وهُمْ مَنْ هُمْ فهمًا عن اللَّه ، وأخذًا عن رسوله، وتبليغًا لشريعته، واتباعًا لسنته وطريقته. وأما البراهين التي حررها المتكلمون، ورتبها الجدليون. . فإنما أحدثها

стр. 162

المتأخرون، ولم يخض في شيءٍ منها السلفُ الصالحون، ومن ثَمَّ اختار الغزالي وغيره في العوام الذين لا أهلية فيهم لفهمها أنهم لا يخوضون فيها؛ أي: يحرم عليهم ذلك إن خافوا منه تمكُّنَ شبهةٍ منهم يعسر زوالها من قلوبهم. تنبيه [تلازم مفهوم الإيمان والإسلام وتأويل ما ورد من تغايرهما] مر أن الأظهر أن الإيمان والإسلام متلازما المفهوم (١)، فلا ينفك أحدهما عن الآخر وإن اختلف المفهومان، أو مترادفان، فلا يوجد شرعًا إيمانٌ من غير إسلامٍ ولا عكسه كما مر عن أهل الحق، وأن الإسلام يطلق على الأعمال شرعًا، كما يطلق على الانقياد لغةً وشرعًا، وأن الإيمان يُطلق عليها شرعًا باعتبار أنه يتعلق بها. إذا تقرر ذلك. . فحيث ورد ما يدل على تغايرهما؛ كما في هذا الحديث وقولِهِ تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ الآيةَ؛ فهو باعتبار أصل مفهومهما، فأصح التفسيرين ما قاله ابن عباس وغيره: أنهم لم يكونوا منافقين، بل كان إيمانهم ضعيفًا (٢)، ويدل عليه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخره الدالُّ على أن معهم من الإيمان ما يقبل به أعمالهم، وحينئذٍ يؤخذ من الآية أنه يجوز نفي الإيمان عن ناقصه. ومما يصرح به: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (٣)، وفيه قولان لأهل السنة: أحدهما هذا، والثاني: لا ينفى عنه اسم الإيمان من أصله، ولا يطلق عليه مؤمن؛ لإيهامه كمال إيمانه، بل يقيد، فيقال: مؤمنٌ ناقصُ الإيمان. وهذا بخلاف اسم الإسلام؛ لأنه لا ينتفي بانتفاء ركني من أركانه؛ بل ولا بانتفاء جميعها ما عدا الشهادتين؛ وكأن الفرق: أن نفيه يتبادر منه إثبات الكفر مبادرةً ظاهرة، بخلاف نفي الإيمان.

стр. 163

وحيث ورد ما يدل على اتحادهما؛ كقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآيةَ. . فهو باعتبار تلازم المفهومين أو ترادفهما، ومن هنا قال كثيرون: إنهما على وِزان الفقير والمسكين، فإذا أفرد أحدهما. . دخل فيه الآخر، ودلَّ بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، وإن قرن بينهما. . تغايرا (١)؛ كما في خبر أحمد: "الإسلام علانية، والإيمان في القلب" (٢). وحيث فسَّرنا الإيمان بالأعمال. . فهو باعتبار إطلاقه على متعلقاته؛ لما مر أنه تصديقٌ بأمورٍ مخصوصة. ومنه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ اتفقوا على أن المراد به هنا: الصلاة. ومنه: حديث وفد عبد القيس: "هل تدرون ما الإيمان؟ " قالوا: لا، قال: "شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خُمُسًا من المغنم" (٣)، ففسَّر فيه الإيمان بما فسَّر به الإسلام في حديث جبريل الذي نحن فيه، فاستفيد منهما إطلاق الإيمان والإسلام على الأعمال شرعًا باعتبار أنها متعلق مفهوميهما المتلازمين، وهما التصديق والانقياد. فتأمل ذلك حق التأمل؛ ليندفع به عنك ما أطال به الشُّراح هنا مما لا طائل تحت أكثره، ومنه: دعوى الاضطراب في حديث وفد عبد القيس؛ ومعارضته لحديث جبريل، وبينوا ذلك بوجوهٍ لا حاجة إليها بعد ما قررناه. ثم رأيت بعضهم وافق ما ذكرته فقال: قد يتوسع فيطلق الإيمان على الإسلام كما في حديث وفد عبد القيس؛ لأنه يكون عنه غالبًا وهو مظهره، وقد صح: "الإيمان

стр. 164

بضع وسبعون شعبة، أدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأعلاها شهادة أن لا إله إلا اللَّه" (١)، وهذا أولى من دعوى اضطراب متنه من جهة أنه أمرهم بأربع ولم يأمرهم إلا بالإيمان وحده، وفسره بخمس. ويطلق الإسلام على مسمى الإسلام والإيمان؛ ومنه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وخبر أحمد: أي الإسلام أفضل؟ قال: "الإيمان" (٢)، وخبر ابن ماجه: ما الإسلام؟ قال: "تشهد أن لا إله إلا اللَّه، وتشهد أني رسول اللَّه، وتؤمن بالأقدار كلها، خيرها وشرها، حلوها ومرها" (٣). وقد أُطلق الإيمان كذلك أيضًا كما روي: "الإيمان اعتقاد بالقلب، وإقرارٌ باللسان، وعملٌ بالأركان" (٤) وهذه الإطلاقات الثلاثة تجَوُّزٌ وتوسُّع، وبها ينزاح كثيرٌ من الإشكال الناشئ عن ذلك الاستعمال. ومنه -أعني: ما أطالوا به- أن الجواب بقوله: "أن تؤمن باللَّه. . . إلخ" فيه تعريف الشيء بنفسه، ثم ردوه بأن الإيمان لغة: مطلق التصديق، وشرعًا: تصديقٌ بأمورٍ مخصوصةٍ، فكأنه قال: الإيمان شرعًا: هو التصديق لغةً وزيادة، وهي: التصديق بتلك الأمور الخاصة. ومنه: أن مسماهما لغةً غيره شرعًا، ففيه إثبات الحقائق الشرعية (٥)، وهو الراجح، على أن الخلاف هنا لا طائل تحته؛ لاتفاقهم على أنه يستفاد من الأسماء الشرعية زيادة على أصل الوضع، وأما كون تلك الزيادة هل صيرتها موضوعًا شرعًا أو لا وإنما هي صفات على وضعها اللغوي (٦)، والشارع إنما تصرَّف في شروطها وأحكامها. . فالأمر فيه قريبٌ وإن كان الراجح الأول؛ لتصرُّف الشارع فيها بالتخصيص كالإسلام والإيمان؛ لأنهما يعمان لغةً: كل انقيادٍ وتصديقٍ، لكن الشارع

стр. 165

قصرهما على انقيادٍ وتصديقٍ مخصوصٍ، فهو نظير جعلِ العربِ الدابةَ لغةً: لكل ما دبَّ على وجه الأرض، ثم خصَّصها عُرْفُهم بذوات الأربع. واعلم: أن مسائل الإيمان والإسلام والكفر والنفاق عظيمةٌ جدًّا، فيتعين على كل أحدٍ الاعتناءُ بتحقيقها؛ فإن اللَّه علَّق بها السعادة والشقاوة، والاختلافُ في مسمياتها أولُ اختلافٍ وقع في هذه الأمة بين الصحابة والخوارج المكفرين لعصاة الموحدين، ثم حدث خلاف المعتزلة وقولهم: إن مرتكب الكبيرة لا مؤمنٌ ولا كافرٌ، فيخلد في النار (١)، ثم خلاف المرجئة وقولهم: إن الفاسق كامل الإيمان. وهنا مسائل تتعلق بالإيمان، وتمس الحاجة إلى معرفتها، وهي أربع: الأولى: في قبوله الزيادة والنقص، أنكرهما أبو حنيفة وأتباعه، واختاره من الأشاعرة إمام الحرمين وآخرون، قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (وعليه أكثر المتكلمين) وأثبتهما جمهور الأشاعرة؛ قال المصنف: (وهو مذهب السلف والمحدثين) (٢). قال الفخر الرازي وغيره: والخلاف مبنيٌّ على أن الطاعة إن أخذت في مفهومه. . قبلهما، وإلَّا. . فلا؛ لأنه اسمٌ للتصديق الجازم مع الإذعان، وهذا لا يتغير بضم طاعةٍ ولا معصيةٍ إليه. ورُدَّ: بأن القائلين بهما معترفون بأنه مجرد التصديق، وحمَلَهُم على ذلك ظواهرُ الكتاب والسنة؛ نحو: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾، وغير ذلك مما ذكره

стр. 166

البخاري وغيره، قالوا: ولا مانع عقلًا من قبول التصديق لهما؛ لأن اليقين الأخص من التصديق متفاوت القوة (١)، ألا ترى إلى ما بين أجلى البديهيات ككون الواحد نصف الاثنين، وأخفى النظريات القطعية ككون العالم حادثًا، وأيضًا فكل أحدٍ يقطع بأن تصديقنا ليس كتصديق أبي بكر، وبأن تصديقه ليس كتصديق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. والمانعون لهما يقولون: نحن لا نمنعهما إلا بالنسبة لذات التصديق دون آثاره الخارجة عنه، وتفاوت اليقين السابق ليس تفاوتًا في شدةٍ وضعفٍ، بل في ظهور انكشافٍ أو تقدُّمٍ أو تأخرٍ، قالوا: وزيادته في الأدلة هي زيادة إشراقه في القلب وثمراته، كدوام حضوره بتوالي أشخاصه؛ إذ هو عَرَضٌ لا يبقى زمانينِ، وتواليهما لاستمرار شهود موجَبه مع شهود الجلال والكمال (٢)، وهذا يختص كماله بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ويشاركهم أكابر المؤمنين في نوعٍ منه، فثبت لهم أعداد من الإيمان لا تثبت لغيرهم. وقضية ذلك: أن استمرارَ حضور الجزم زيادةُ قوةٍ في ذاته وليس كذلك، فإن أراد الأولون هذا بقولهم (٣) بزيادة قوته. . فلا خلاف في المعنى؛ لاتفاق الفريقينِ على ثبوت التفاوت في الإيمان بهذا الأمر المعين، وإنما الخلاف حينئذٍ في أن هذا المعيَّن؛ هل هو داخلٌ في ماهية التصديق أو خارجٌ عنها؟ ولا عبرة به؛ لأنه ليس خلافًا في نفس التفاوت؛ قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (قال محققو أصحابنا المتكلمين: نفس التصديق لا يقبلهما، والإيمان الشرعي يقبلهما بزيادة ثمراته، وهي الأعمال ونقصها، قالوا: وفي هذا توفيقٌ بين ظواهر النصوص التي جاءت بالزيادة واللغة، وهو وإن كان ظاهرًا حسنًا فالأظهر -واللَّه أعلم-: أن نفس التصديق يزيد

стр. 167

بكثرة النظر وتظاهر الأدلة (١)؛ إذ لا يمكن إنكار أن إيمان الصديقين أقوى من إيمان نحو المؤلفة، ومن ثَمَّ قال البخاري: عن ابن أبي مُليكة: أدركت ثلاثين صحابيًا كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم من أحدٍ يقول: إن إيمانه على إيمان جبريل وميكائيل) انتهى ملخصًا (٢). وإن كانت زيادة إشراقه غير زيادة قوته. . فالخلاف ثابت، لا يقال: تقرر أن الإيمان لا يتحقق بدون القطع وعدم التردد، وقول سيدنا إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ يقتضي عدم الاطمئنان قبل ذلك، فلا قطع؛ لأنا نقول: ليس المراد ظاهره، بل هو مؤولٌ بأمورٍ، أحسنها ما قاله العز بن عبد السلام: أنه قاطعٌ بالإحياء عن دليله، لكنه اشتاق إلى مشاهدة كيفية هذا الأمر العجيب، الذي هو جازمٌ بثبوته، فهو كمن علم ببستانٍ في غاية النُّضرة والخضرة، فنازعته نفسه في مشاهدته، فإنها لا تسكن ولا تطمئن إلا إن شاهدته، فطلب بذلك سكونَ قلبه عن المنازعة إلى رؤية تلك الكيفية المطلوب رؤيتها (٣)، أو أنه طلب العلم البديهي بعد العلم الاستدلالي. الثانية: قال جمعٌ من الحنفية: الإيمان مخلوقٌ، وكلام أبي حنيفة صريحٌ فيه، وقال آخرون منهم: غير مخلوق، وهما متفقان على أن أفعال العباد كلَّها مخلوقةٌ للَّه ، وبالغ جمعٌ منهم فكفَّروا مَنْ قال بخلقه؛ لما يلزم عليه من خلق كلامه ؛ لأنه قال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فالمتكلم بها قاطعٌ بكلامه بما ليس بمخلوق، كما أن قارئآيةٍ يصير قارئًا لكلامه حقيقة. ورُدَّ: بأن هذا جهلٌ وغباوةٌ؛ إذ الإيمان وفاقًا: التصديق بالجَنان، أو مع الإقرار باللسان، وكل منهما فعل العبد، وهو مخلوقٌ للَّه ، وأيضًا: فقد قال الفقهاء: لا يكون المقروء قرآنًا إلا بالقصد، وأيضًا يلزمهم أن كل ذاكرٍ، بل كل

стр. 168

متكلمٍ وافق كلامه أجزاءً من القرآن قد قام به ما ليس بمخلوقٍ من معاني كلامه تعالى، وذلك مما لا يقوله ذو لبٍّ، وأيضًا: المتلفظ بالشهادتين لم يقصد به قراءة، بل إقرار بالتصديق. والحاصل: أن الواجب اعتقاده أن كل ما قام بقارئ القرآن حادثٌ؛ لأنه إن قام به مجرد التلفظ والملفوظ (١)؛ لعدم فهمه لما يقرأه. . فظاهر؛ إذ التلفظ أمرٌ اعتباري، وهو حادثٌ؛ لأنه مسبوق بما يعتبر به، والملفوظ سبقه العدم، فيستحيل قدمه، وإن قام به مع ذلك الفهم والتدبر. . فهو إنما يحدث في نفسه صورة معاني نظم القرآن، وغايتها أن تدلَّ على المعنى القائم بذاته ، وليست هو (٢)؛ للقطع بحدوثها وبعدم انفكاكه عن الذات الواجب الوجود، ولتغايرهما؛ إذ هو مدلولٌ لفعل القارئ، صفةٌ للكلام النفسي، والقائم بنفس القارئ هو صفةٌ للعلم بتلك المعاني النظمية، لا للكلام؛ بدليل أن القائم بقارئ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ليس طلب إقامتها، بل العلم بأنه طلب ذلك. قيل: وهذا ينافيه قولهم: القراءة -وهي أصوات القارئ- حادثةٌ؛ لوجوبها تارةً وحرمتها أخرى (٣)، والمقروء بالألسنة، المكتوب في المصاحف، المسموع بالأسماع، المحفوظ في الصدور. . قديمٌ؛ لاقتضاته قيام المعنى القديم بنفس الإنسان؛ لأن المحفوظ مودعٌ في قلبه. ورُدَّ: بأنهم لم يريدوا بهذا اللفظ ظاهره؛ لتصريحهم بما يدل على أنهم تساهلوا فيه إذ قالوا عقبه: ليس المقروء المذكور حالًّا في قلبٍ ولا لسانٍ ولا مصحفٍ، فأرادوا بالمقروء: المعلوم بالقراءة، والمكتوب: المفهوم من الخط، والمسموع: المفهوم من الألفاظ المسموعة، فالحالُّ في القلب هو نفس فهمه والعلم به، لا متعلقهما؛ إذ هو المعنى القديم القائم بذاته . وقد نقل بعض أهل السُّنة أنهم منعوا من إطلاق القول بحلول كلامه

стр. 169

في لسانٍ أو قلبٍ أو مصحفٍ ولو مع إرادة اللفظ؛ لئلا يسبق الوهم إلى إرادة النفسي القديم. ثم ما مر من القول بعدم خلق الإيمان لم ينفرد به الحنفية، بل نقله الأشعري عن أحمد وجماعةٍ من أهل الحديث ومال إليه، لكن وجَّهه بغير ما مر، وهو أن المراد بالإيمان حينئذٍ: ما دلَّ عليه وصفُه تعالى بالمؤمن، فإيمانه هو تصديقه في الأزل بكلامه القديم لإخباره بوحدانيته، وليس تصديقه هذا محدثًا ولا مخلوقًا، تعالى أن يقوم به حادث؛ بخلاف تصديقه لرسله بإظهار المعجزة، فإنه من صفات الأفعال، وهي حادثةٌ عند الأشاعرة، قديمةٌ عند الماتريدية. وبذلك علم أنه لا خلاف في الحقيقة؛ لأنه إن أُريد بالإيمان المكلف به. . فهو مخلوقٌ قطعًا، أو ما دل عليه وصفه بالمؤمن. . فهو غير مخلوقٍ قطعًا. الثالثة: منع جماعةٌ منهم أبو حنيفة وأصحابه: أنا مؤمنٌ إن شاء اللَّه، وإنما يقال: أنا مؤمن حقًّا، وأجازه آخرون (١). قال السبكي: (وهم أكثر السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، والشافعية والمالكية والحنابلة، ومن المتكلمين الأشعرية والكُلَّابية (٢)، وهو قول سفيان الثوري) اهـ (٣)

стр. 170

وفي "شرح مسلم": (عن أكثر أصحابنا المتكلمين: لا يقول: أنا مؤمنٌ مقتصرًا عليه، بل يضم إليه: "إن شاء اللَّه تعالى"، وعن الأوزاعي وغيره: التخيير، وهو حسنٌ صحيحٌ؛ إذ مَنْ أطلق. . نَظَرَ إلى أنه جازمٌ في الحال، ومَنْ قال: إن شاء اللَّه. . إما للتبرك، أو للجهل بالخاتمة، والكافر في التقييد بـ "إن شاء اللَّه" كالمسلم) انتهى ملخصا" (١). وليس الخلاف فيمن يأتي بـ (إن شاء اللَّه) شاكًا في ثبوت الإيمان له حالًا؛ لأنه كافر، بل هو فيمن هو جازمٌ به حالًا، غير أن بقاءه على الموت عليه غير معلومٍ له. ووجه جوازه: أنه ليس القصد بالاستثناء فيه إلا التبرك؛ اتباعًا لقوله : ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فإنه يعمُّ طلب الاستثناء حتى في قطعيِّ الحصول، وقد صرَّح به فيه (٢) في: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ مع أن خبره تعالى قطعيُّ الصدق؛ تعليمًا وتأديبًا لعباده في صرف الأمور كلِّها إلى مشيئته. ووجه ربطه بالمشيئة: أن المعتبر في النجاة هو الموت على الإيمان، وهذا غير معلوم، وهو أمرٌ مستقبَلٌ، فصح ربطه بها لا تعليقًا، بل تبركًا واتباعًا وفَرَقًا من سوء الخاتمة (٣). وأما توجيهُ منعه بأنَّ تركَهُ أَبعدُ عن التهمة بعدم الجزم به في الحال الذي هو كفر، وبتقدير أنه قصد غير التعليق، فربما اعتادت نفسه التردُّد في الإيمان؛ لكثرة إشعار النفس بواسطة الاستثناء بتردُّدها في ثبوت الإيمان واستمراره. . فجوابه: أنه لا تهمة مع القرائن القطعية بانتفائها. وأيضًا: إشعار اللفظ بما مر إنما هو بالنظر للتعليق، وليس الكلام فيه؛ إذ الفَرْض أنه إنما قصد التبرك؛ لما مر، على أنه لو فرض أنه أطلق فلم يقصد تعليقًا ولا تبركًا. .

стр. 171

فالذي يظهر: أنه لا إثم عليه أيضًا؛ لأن الفرض أنه جازمٌ بالإيمان في الحال، وإيهام لفظه تدفعه قرائن أحواله. الرابعة: الإيمان باقٍ حكمًا شرعيًا مع النوم والغفلة والإغماء والجنون والموت وإن ضادت التصديق والمعرفة، ونظير ذلك بقاء نحو النكاح وسائر العقود في هذه الأحوال. (قال: فأخبرني عن الإحسان) (أل) فيه للعهد الذهني المذكور في الآيات الكثيرة؛ نحو: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، و ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ فلمَّا كثر تكرره وعظم ثوابه. . سأل عنه جبريل؛ ليُعلِمهم بعظيم ثوابه وكمال رفعته. وهو مصدر: أحسنت كذا وفي كذا؛ إذا أحسنتَهُ وكملتَهُ (١)، متعديًا بهمزة، من (حسن كذا)، وبحرف الجر كـ (أحسنت إليه) إذا فعلتَ معه ما يحسن فعله، والمراد هنا: الأول؛ إذ حاصله راجعٌ إلى إتقان العبادات بأدائها على وجهها المأمور، مع رعاية حقوق اللَّه تعالى فيها، ومراقبته، واستحضار عظمته وجلاله ابتداءً واستمرارًا، وهو على قسمين (٢): أحدهما: غالبٌ عليه مشاهدة الحق؛ كما (قال) ﷺ : (أن تعبد اللَّه) من (عبد): أطاع، والتعبد: التنسك، والعبودية: الخضوع والذل (كأنك تراه) وهذا من جوامع الكلم؛ لأنه جمعَ -مع وجازته- بيانَ مراقبةِ العبد ربَّه في إتمام الخضوع والخشوع وغيرهما في جميع الأحوال، والإخلاصِ له في جميع الأعمال، والحث عليهما (٣)، مع بيان سببهما الحامل عليهما؛ لملاحظة أنه لو قُدِّر أن أحدًا قام في عبادةٍ وهو يعاين ربه . . لم يترك شيئًا مما يقْدِر عليه من

стр. 172

الخضوع، والخشوع، وحسن الصمت، واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن الوجوه. والثاني: من لا ينتهي إلى تلك الحالة، لكن يغلب عليه أن الحق له مُطَّلعٌ عليه، ومشاهدٌ له، وقد بينه ﷺ بقوله: (فإن لم تكن تراه. . فإنه يراك) (١) مشيرًا إلى أنه ينبغي للعبد أن يكون حاله مع فرض عدم عِيانه لربه كهو مع عيانه؛ لأنه مطلع عليه في الحالين؛ إذ هو قائم على كل نفسٍ بما كسبت، مشاهدٌ لكل أحدٍ من خلقه في حركته وسكونه، فكما أنه لا يُقْدِم على تقصيرٍ في الحال الأول. . كذلك لا ينبغي له أن يُقْدِم عليه في الحال الثاني؛ لما تقرر من استوائهما بالنسبة إلى اطلاع اللَّه وعلمه وشهود عظيم كماله وباهر جلاله . وقد ندبَ أهلُ الحقائق إلى مجالس الصالحين؛ لأنه لاحترامه لهم وحيائه منهم لا يقدم على تقصيرٍ في حضرتهم، وإلى أن العبد ينبغي له أن يكون في عبادة ربه كضعيفٍ بين يدي جبار؛ فإنه حينئذ يتحرَّى ألَّا يصدر منه سوءُ أدبٍ بوجهٍ. ثم هذان الحالان هما ثمرتا معرفة اللَّه وخشيته ، ومن ثَمَّ عبَّر بها عن العمل في خبر: "أن تخشى اللَّه كأنك تراه" (٢) مجازًا عن المسبب باسم السبب (٣). قيل: وينبغي أن يكون الجواب قد انتهى عند قوله: (تراه) (٤) وما بعده

стр. 173

مستأنفٌ؛ لأن الأولى من جنس مقدور العبدا؛ لجواز أن يوجد وألَّا يوجد، بخلاف الثاني؛ فإنه يرى الكائنات جملةً وتفصيلًا على الدوام، لا يشذُّ عن نظره شيءٌ في وقتٍ من الأوقات. اهـ وجوابه: يعلم مما قررته في معناه من أن المطلوب به (١) استحضار أنه بين يدي الحق بمرأىً منه ومسمعٍ؛ ليكسبه ذلك غاية الكمال في عباداته، والإعراض عن عاداته، واستحضارُ ذلك مقدور للعبد ومكملٌ له فكُلِّف به، ولا يلزم من نظر اللَّه للعبد وأحواله أن العبد يستحضر ذلك، فظهر أنه من تتمة الجواب، وأنه ليس أمرًا مستأنفًا وإن تتابع على تلك المقالة جماعةٌ من الشُّراح. ثم رأيت بعضهم قال: إنه تعليلٌ لما في قبله؛ فإن العبد إذا أُمِرَ بمراقبة اللَّه في عبادته واستحضار قربه منه حتى كأنه يراه. . شقَّ عليه ذلك، فيستعين عليه بإيمانه بأن اللَّه مطلع عليه لا يخفى عليه منه شيءٌ؛ ليسهل عليه الانتقال إلى ذلك المقام الأكمل، الذي هو مقام الشهود الأكبر. ومن البعيد وَقفُ بعض الصوفية على (تراه) الثاني (٢)؛ لظنهم أن المراد: أنك إذا فنيت عن نفسك فلم ترها شيئًا. . شاهدت ربك؛ لأنها الحجاب بينك وبين شهوده، والمعنى وإن صح إلا أن لفظ الحديث لا ينطبق عليه، فتنزيله عليه جهل من قائله بقواعد العربية وأساليبها (٣). قيل: وفي الحديث دلالةٌ على أن رؤيته في الدنيا ممكنةٌ عقلًا؛ لأن

стр. 174

(لم) لنفي الممكن (١)، كـ (زيد لم يقم) بخلاف (لا) كـ (الحجر لا يطير) اهـ وإمكانها في الدنيا عقلًا هو الحق، ومن ثَمَّ سألها موسى ﵊، ومحالٌ أن يسأل نبيٌّ ما لا يجوز على اللَّه ؛ لأن ذلك جهلٌ باللَّه تعالى وبما يجب له ويستحيل عليه، والنبي معصومٌ منه قطعًا. أما في الآخرة. . فهي ممكنةٌ بل واقعةٌ؛ كما صرحت به النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية التي كادت تتواتر، وخلاف المعتزلة في ذلك لسوء جهلهم، وفرط عنادهم، وتصرفهم في النصوص بأرائهم القاصرة الفاسدة، نعوذ باللَّه من أحوالهم (٢). (قال: صدقت) (٣) وأخَّر هذا عن الإسلام والإيمان؛ لأنه غاية كمالهما، بل والمُقَوِّم لهما؛ إذ بعدمه يتطرق إلى الإسلام -بمعنى الأعمال الظاهرة- الرياءُ والشرك، وإلى الإيمان النفاقُ، فيظهره رياءً أو خوفًا، ومن ثَمَّ قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ فشرَطَهُ فيهما. وفي هذا وما قبله دليلٌ على أن الاسم غير المسمى؛ لأن جبريل أتى في سؤاله بأسامٍ: هي الإسلام وتالياه، فأُجيب بمسمياتها، ولو اتَّحدا. . لعلَّمها جبريل مَنْ علَّمه بأسمائها، وهذه مسألةٌ طويلة الذيل، وليس للخلاف فيها كبير فائدة؛ فلذا أضربنا عن حكايته، واقتصرنا على الأصح منه بدليله، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ (٤) إن جعلنا (اسم) فيه صلة. . فظاهر، أو غير صلة. . فمعناه: أنه يجب تنزيه الاسم كما يجب تنزيه مسماه، وهو الذات الواجب الوجود؛ لأن الأصح: أن أسماء اللَّه تعالى توقيفية، فلا يجوز أن يسمى إلا بما صح عن الشارع أنه من أسمائه.

стр. 175

ومعنى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ بعد قوله: ﴿بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ أي: يا أيها الذي اسمه يحيى. ثم المغايرة بينهما ذاتيةٌ، فالاسم: الموضوع للذات تعريفًا أو تخصيصًا، والمسمَّى: الموضوع له، والتسمية: الوضع، والمسمِّي -بكسر الميم-: الواضع، والوضع: تخصيص لفظٍ بمعنًى بحيث إذا أُطلق ذلك اللفظ. . فُهم ذلك المعنى. (قال: فأخبرني عن الساعة) (١) أي: عن زمن وجود يوم القيامة، سُمِّي بها مع طول زمنه اعتبارًا بأول أزمنته؛ فإنها تقوم بغتةً في ساعة، حتى إن من تناول لقمةً لا يمهل حتى يبتلعها: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾. وهي لغة: قطعةُ زمنٍ غير معينٍ ولا محدودٍ، وفي اصطلاح المؤقتِين ونحوهم: جزءٌ من أربعةٍ وعشرين جزءًا من الليل والنهار. (قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل) أي: بل كلانا سواء في عدم علم زمن وجودها: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، ﴿إنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ الآيات. وفي "الصحيح": "مفاتيح الغيب خمسٌ لا يعلمهنَّ إلا اللَّه" وتلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآيةَ (٢)، وروى أحمد "أُوتيت مفاتيح كل شيءٍ إلا الخمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآيةَ (٣). ففيه أنه ينبغي للمفتي والعالم وغيرهما إذا سُئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم، وأن ذلك لا ينقصه، بل يُستدل به على ورعه وتقواه ووفور علمه، ومن ثَمَّ قال علي كرم اللَّه وجهه: (وابَرْدها على كبدي؛ إذا سئلتُ عما لا أعلم أن أقول: لا أعلم) (٤).

стр. 176

وقال بعض السلف: إذا أخطأ العالم (لا أدري). . فقد أُصيبت مقاتله. (قال: فأخبرني عن أمارتها) بفتح الهمزة -إذ هي بكسرها: الولاية- أي: أشراطها وعلاماتها الدالة على اقترابها، وربما روي: "أماراتها". (قال: أن تلد الأمة) أي: القِنَّة و (أل) فيها للماهية ونحوها مما يأتي، دون الاستغراق؛ لعدم اطراد ذلك في كل أَمة. (ربتها) أي: سيدتها -وفي رواية: "ربها" (١) أي: سيدها، وفي أخرى: "بعلها" (٢) بمعنى ربها (٣)، ومنه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أي: ربًا- كناية: إما عن كثرة السراري اللازمة لاستيلائنا على بلاد الكفر، حتى تلد السرية بنتًا. أو ابنًا لسيدها، فيكون ولدها سيدها كأبيه، فالعلامة استيلاؤنا على بلادهم وكثرة الفتوح والتسري. أو عن كثرة بيع المستولدات لفساد الزمان، حتى تشتري المرأة أمها وتسترقَّها جاهلةً أنها أمها، فالعلامة غلبة الجهل الناشئِ عنها بيعُ أم الولد، وهو ممنوعٌ إجماعًا على نزاعٍ فيه. قيل: ويتصور هذا في غير أمهات الأولاد، بأن تلد حرًا بشبهة، أو قِنًّا بنكاحٍ أو زنًا، ثم تُباع بيعًا صحيحًا وتدور في الأيدي حتى يشتريها ولدها، وهذا أكثر وأعم من تقديره في أمهات الأولاد. أو عن كون الإماء يلدْنَ الملوك، فتكون أم الملك من جملة رعيته، وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته، وإنما يظهر هذا على رواية: "ربها" لا: "ربتها" لندرة كون الأنثى ملكة.

стр. 177

أو عن كثرة عقوق الأولاد لأمهاتهم، فيعاملونهم معاملة السيد أمته من الإهانة والسبِّ، ويُستأنس له برواية: "أن تلد المرأة" (١)، وبخبر: "لا تقوم الساعة حتى يكون الولد غيظًا" (٢). أو عن كثرة بيع السراري، حتى يتزوج الإنسان أمه وهو لا يدري، بناء على رواية: "بعلها" وأن المراد به زوجها. ولا دلالة في ذلك لمنع بيع أمهات الأولاد ولا لجوازه، خلافًا لمن زعمه؛ إذ لا يلزم من كون الشيء علامةً للساعة حرمتُهُ ولا ذمُّه؛ لما يأتي في التطاول في البنيان وغيره، وأيضًا: فكما فيه إشارةٌ لا إلى جواز بيعها من جهة أنه جَعْلُ ولدها سيدَها المستلزمِ لملكه لها بعد الموت حتى عتقت، ويلزم من كونها إرثًا جوازُ بيع المستولد لها. . فيه إشارةٌ إلى منع بيعها؛ لأن معنى كون ولدها ربَّها: أنها بولادته عتقت؛ لها: ثبت لها حق العتق فامتنع بيعها، ومن ثَمَّ قال ﷺ في سريته مارية لما ولدت إبراهيم: "أعتقها ولدها" (٣)، فلما تعارض هذان الاحتمالان. . تساقطا، وصار تقديم أحدهما تحكمًا. (وأن ترى الحفاة) جمع حافٍ بالمهملة؛ وهو: من لا نعل برجله. (العراة) جمع عارٍ؛ وهو: من لا شيء على جسده، وفي رواية: "الحفدة" أي: الخَدَمة، و (أل) هنا وإن احتملت الاستغراق إلا أن العادة القطعية دالةٌ على تخصيصه، وأن كل واحدٍ منهم لا يحصل له ذلك؛ فالأَولى: كونها للمعهود عند المخاطبين (٤)، أو لتعريف الماهية. (العالة) بتخفيف اللام جمع عائلٍ، من (عال): افتقر، ومنه: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ و (أعال): كثرت عياله.

стр. 178

(رِعاء) بكسر أوله وبالمد جمع راعٍ، ويجمع أيضًا على رُعاة بضم أوله وهاء آخره مع القصر، والرعي: الحفظ. (الشاء) جمع شاة، وهو من الجموع التي يفرق بينها وبين واحدها بالهاء، وفي رواية لمسلم: "رعاء البُهم" (١) جمع بَهمة بفتح أوله: صغار الضأن والمعز، وقد يخص بالمعز (٢)، وفي رواية للبخاري: "رعاء الإبل البُهم" (٣) بضم أوله جمع بهيم، قيل: مجهول (٤)، والأَولى: أنه الأسود الصرف، وفيه الرفعُ صفة لـ (رعاء) لأن الأدمة غالب ألوان العرب، والجرُّ صفة لـ (الإبل). وخُصَّ مطلق الرعاء؛ لأنهم أضعف الناس، ورعاء الشاء؛ لأنهم أضعف الرعاء، ومن ثَمَّ قيل: رواية: "رعاء الشاء" أنسب بالسياق من رواية: "رعاء الإبل" فإنهم أصحاب فخرٍ وخيلاء، وليسوا عالةً ولا فقراء غالبًا. ويجاب بأن فخرهم إنما هو بالنسبة لرعاء الشَّاء لا لغير الرعاء، فالقصد حاصلٌ بذكر مطلق الرعاء، ولكنه برعاء الشاء أبلغ. فإن قلت: القصة غير متعددة، فكيف الجمع بين الروايتين؟ قلتُ: يحتمل أنه ﷺ جمع بينهما فقال: "رعاء الإبل والشاء" فحفظ راوٍ الأولَ، وآخرُ الثاني. (يتطاولون في البنيان) وهذا كناية عن كون الأسافل يصيرون ملوكًا أو كالملوك؛ أي: إذا رأيت أهل البادية الغالب عليهم الفقر وأشباهَهُم من أهل الحاجة والفاقة قد ملكوا أهل الحاضرة بالقهر والغلبة، فكثرت أموالهم، واتسع في الحطام آمالهم، فتفرق هممهم إلى تشييد المباني، وهدمِ أركان الدين بعدم العمل بآي المثاني. . فذاك من علامات الساعة.

стр. 179

ومن ثَمَّ صح: "لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع" (١) أي: لئيم بن لئيم. وصح أيضًا: "من أشراط الساعة أن توضع الأخيار وترفع الأشرار" (٢). وقد بالغ ﷺ في روايةٍ في تحقيرهم، فوصفهم بأنهم صمٌّ بكمٌ (٣)؛ أي: جهلةٌ رَعَاع، لم يستعملوا أسماعهم ولا ألسنتهم في علمٍ ونحوه من أمر دينهم، فلعدم حصول ثمرتي السمع واللسان صاروا كأنهم عدموهما؛ ومن ثَمَّ قال اللَّه تعالى في حقهم: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ قيل: فيه دليلٌ لكراهة تطويل البناء. اهـ (٤) وفي إطلاقه نظر، بل الوجه: تقييد الكراهة -إن سُلِّمت؛ لما يأتي لا لهذا، فقد مر أن جَعْلَ الشيء من أمارات الساعة لا يقتضي ذمه- بما لا تدعو الحاجة إليه، وعليه يحمل خبر: "يؤجر ابن آدم على كل شيءٍ إلا ما يضعه في هذا التراب" (٥). وخبر أبي داوود: أنه ﷺ خرج فرأى قُبةً مشرِفةً، فقال: "ما هذه؟ " قالوا: هذه لرجلٍ من الأنصار، فجاء فسلَّم على النبي ﷺ ، فأعرض عنه، فعل ذلك مرارًا، فهدمها الرجل (٦). وخبر الطبراني: "كل بناءٍ -وأشار بيده هكذا على رأسه- أكثر من هذا فهو وبالٌ" (٧). وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمار بن أبي عمار قال: (إذا رفع الرجل بناءه فوق سبعة

стр. 180

أذرعٍ. . نُودي: يا أفسق الفاسقين؛ إلى أين؟!) (١) ومثله لا يقال من قِبَل الرأي. واقتصر في الجواب على أَمارتين مع شمول السؤال لأكثر، ومع أن لها أماراتٍ أُخر صغارًا وعظامًا؛ كالدجال، والمهدي، وعيسى صلى اللَّه على نبينا وعليه وسلم، ويأجوج ومأجوج، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وكثرة الهرج، وفيض المال حتى لا يقبله أحد، وانحسار الفرات عن جبلٍ من ذهب، وغير ذلك مما ألَّف الناس في استقصائه كتبًا مدونة. . تحذيرًا للحاضرين وغيرهم عنهما؛ لاقتضاء الحال ذلك؛ إذ لعل منهم من تعاطى شيئًا منهما، فزجره عنه، وإن قلنا: إن جعلَ الشيء أمارة لا يقتضي ذمه؛ لأن معناه -كما هو ظاهر-: أنه لا يستلزمه، وإلا. . فالغالب أنه ذمٌّ له. (ثم انطلق) أي: جبريل (فلبث) (٢) زمنًا (مليًا) بتشديد الياء؛ أي: كثيرًا، من الملوان: الليل والنهار (٣)، وأما المهموز. . فهو من الملاءة؛ أي: اليسار، وفي رواية: (فلبثت) إخبارًا عن نفسه، وبيَّنتْ روايةُ أبي داوود والترمذي وغيرهما أنه لبث ثلاثًا (٤)، وظاهره: أنها ثلاث ليالٍ، وقد ينافيه خبر أبي هريرة: فأدبر الرجل، فقال النبي ﷺ : "ردوه" فأخذوا ليردوه فلم يروا شيئًا (٥)، فقال: "هذا جبريل" (٦). وأُجيب بأنه يحتمل أن عمر لم يحضر قوله هذا، بل كان قد قام فأُخبر به بعد ثلاث.
следующие страницы →