← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8889

الفتح المبين بشرح الأربعين

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (662 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وقال بعض السلف: إذا أخطأ العالم (لا أدري). . فقد أُصيبت مقاتله. (قال: فأخبرني عن أمارتها) بفتح الهمزة -إذ هي بكسرها: الولاية- أي: أشراطها وعلاماتها الدالة على اقترابها، وربما روي: "أماراتها". (قال: أن تلد الأمة) أي: القِنَّة و (أل) فيها للماهية ونحوها مما يأتي، دون الاستغراق؛ لعدم اطراد ذلك في كل أَمة. (ربتها) أي: سيدتها -وفي رواية: "ربها" (١) أي: سيدها، وفي أخرى: "بعلها" (٢) بمعنى ربها (٣)، ومنه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أي: ربًا- كناية: إما عن كثرة السراري اللازمة لاستيلائنا على بلاد الكفر، حتى تلد السرية بنتًا. أو ابنًا لسيدها، فيكون ولدها سيدها كأبيه، فالعلامة استيلاؤنا على بلادهم وكثرة الفتوح والتسري. أو عن كثرة بيع المستولدات لفساد الزمان، حتى تشتري المرأة أمها وتسترقَّها جاهلةً أنها أمها، فالعلامة غلبة الجهل الناشئِ عنها بيعُ أم الولد، وهو ممنوعٌ إجماعًا على نزاعٍ فيه. قيل: ويتصور هذا في غير أمهات الأولاد، بأن تلد حرًا بشبهة، أو قِنًّا بنكاحٍ أو زنًا، ثم تُباع بيعًا صحيحًا وتدور في الأيدي حتى يشتريها ولدها، وهذا أكثر وأعم من تقديره في أمهات الأولاد. أو عن كون الإماء يلدْنَ الملوك، فتكون أم الملك من جملة رعيته، وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته، وإنما يظهر هذا على رواية: "ربها" لا: "ربتها" لندرة كون الأنثى ملكة.

стр. 177

أو عن كثرة عقوق الأولاد لأمهاتهم، فيعاملونهم معاملة السيد أمته من الإهانة والسبِّ، ويُستأنس له برواية: "أن تلد المرأة" (١)، وبخبر: "لا تقوم الساعة حتى يكون الولد غيظًا" (٢). أو عن كثرة بيع السراري، حتى يتزوج الإنسان أمه وهو لا يدري، بناء على رواية: "بعلها" وأن المراد به زوجها. ولا دلالة في ذلك لمنع بيع أمهات الأولاد ولا لجوازه، خلافًا لمن زعمه؛ إذ لا يلزم من كون الشيء علامةً للساعة حرمتُهُ ولا ذمُّه؛ لما يأتي في التطاول في البنيان وغيره، وأيضًا: فكما فيه إشارةٌ لا إلى جواز بيعها من جهة أنه جَعْلُ ولدها سيدَها المستلزمِ لملكه لها بعد الموت حتى عتقت، ويلزم من كونها إرثًا جوازُ بيع المستولد لها. . فيه إشارةٌ إلى منع بيعها؛ لأن معنى كون ولدها ربَّها: أنها بولادته عتقت؛ لها: ثبت لها حق العتق فامتنع بيعها، ومن ثَمَّ قال ﷺ في سريته مارية لما ولدت إبراهيم: "أعتقها ولدها" (٣)، فلما تعارض هذان الاحتمالان. . تساقطا، وصار تقديم أحدهما تحكمًا. (وأن ترى الحفاة) جمع حافٍ بالمهملة؛ وهو: من لا نعل برجله. (العراة) جمع عارٍ؛ وهو: من لا شيء على جسده، وفي رواية: "الحفدة" أي: الخَدَمة، و (أل) هنا وإن احتملت الاستغراق إلا أن العادة القطعية دالةٌ على تخصيصه، وأن كل واحدٍ منهم لا يحصل له ذلك؛ فالأَولى: كونها للمعهود عند المخاطبين (٤)، أو لتعريف الماهية. (العالة) بتخفيف اللام جمع عائلٍ، من (عال): افتقر، ومنه: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ و (أعال): كثرت عياله.

стр. 178

(رِعاء) بكسر أوله وبالمد جمع راعٍ، ويجمع أيضًا على رُعاة بضم أوله وهاء آخره مع القصر، والرعي: الحفظ. (الشاء) جمع شاة، وهو من الجموع التي يفرق بينها وبين واحدها بالهاء، وفي رواية لمسلم: "رعاء البُهم" (١) جمع بَهمة بفتح أوله: صغار الضأن والمعز، وقد يخص بالمعز (٢)، وفي رواية للبخاري: "رعاء الإبل البُهم" (٣) بضم أوله جمع بهيم، قيل: مجهول (٤)، والأَولى: أنه الأسود الصرف، وفيه الرفعُ صفة لـ (رعاء) لأن الأدمة غالب ألوان العرب، والجرُّ صفة لـ (الإبل). وخُصَّ مطلق الرعاء؛ لأنهم أضعف الناس، ورعاء الشاء؛ لأنهم أضعف الرعاء، ومن ثَمَّ قيل: رواية: "رعاء الشاء" أنسب بالسياق من رواية: "رعاء الإبل" فإنهم أصحاب فخرٍ وخيلاء، وليسوا عالةً ولا فقراء غالبًا. ويجاب بأن فخرهم إنما هو بالنسبة لرعاء الشَّاء لا لغير الرعاء، فالقصد حاصلٌ بذكر مطلق الرعاء، ولكنه برعاء الشاء أبلغ. فإن قلت: القصة غير متعددة، فكيف الجمع بين الروايتين؟ قلتُ: يحتمل أنه ﷺ جمع بينهما فقال: "رعاء الإبل والشاء" فحفظ راوٍ الأولَ، وآخرُ الثاني. (يتطاولون في البنيان) وهذا كناية عن كون الأسافل يصيرون ملوكًا أو كالملوك؛ أي: إذا رأيت أهل البادية الغالب عليهم الفقر وأشباهَهُم من أهل الحاجة والفاقة قد ملكوا أهل الحاضرة بالقهر والغلبة، فكثرت أموالهم، واتسع في الحطام آمالهم، فتفرق هممهم إلى تشييد المباني، وهدمِ أركان الدين بعدم العمل بآي المثاني. . فذاك من علامات الساعة.

стр. 179

ومن ثَمَّ صح: "لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع" (١) أي: لئيم بن لئيم. وصح أيضًا: "من أشراط الساعة أن توضع الأخيار وترفع الأشرار" (٢). وقد بالغ ﷺ في روايةٍ في تحقيرهم، فوصفهم بأنهم صمٌّ بكمٌ (٣)؛ أي: جهلةٌ رَعَاع، لم يستعملوا أسماعهم ولا ألسنتهم في علمٍ ونحوه من أمر دينهم، فلعدم حصول ثمرتي السمع واللسان صاروا كأنهم عدموهما؛ ومن ثَمَّ قال اللَّه تعالى في حقهم: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ قيل: فيه دليلٌ لكراهة تطويل البناء. اهـ (٤) وفي إطلاقه نظر، بل الوجه: تقييد الكراهة -إن سُلِّمت؛ لما يأتي لا لهذا، فقد مر أن جَعْلَ الشيء من أمارات الساعة لا يقتضي ذمه- بما لا تدعو الحاجة إليه، وعليه يحمل خبر: "يؤجر ابن آدم على كل شيءٍ إلا ما يضعه في هذا التراب" (٥). وخبر أبي داوود: أنه ﷺ خرج فرأى قُبةً مشرِفةً، فقال: "ما هذه؟ " قالوا: هذه لرجلٍ من الأنصار، فجاء فسلَّم على النبي ﷺ ، فأعرض عنه، فعل ذلك مرارًا، فهدمها الرجل (٦). وخبر الطبراني: "كل بناءٍ -وأشار بيده هكذا على رأسه- أكثر من هذا فهو وبالٌ" (٧). وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمار بن أبي عمار قال: (إذا رفع الرجل بناءه فوق سبعة

стр. 180

أذرعٍ. . نُودي: يا أفسق الفاسقين؛ إلى أين؟!) (١) ومثله لا يقال من قِبَل الرأي. واقتصر في الجواب على أَمارتين مع شمول السؤال لأكثر، ومع أن لها أماراتٍ أُخر صغارًا وعظامًا؛ كالدجال، والمهدي، وعيسى صلى اللَّه على نبينا وعليه وسلم، ويأجوج ومأجوج، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وكثرة الهرج، وفيض المال حتى لا يقبله أحد، وانحسار الفرات عن جبلٍ من ذهب، وغير ذلك مما ألَّف الناس في استقصائه كتبًا مدونة. . تحذيرًا للحاضرين وغيرهم عنهما؛ لاقتضاء الحال ذلك؛ إذ لعل منهم من تعاطى شيئًا منهما، فزجره عنه، وإن قلنا: إن جعلَ الشيء أمارة لا يقتضي ذمه؛ لأن معناه -كما هو ظاهر-: أنه لا يستلزمه، وإلا. . فالغالب أنه ذمٌّ له. (ثم انطلق) أي: جبريل (فلبث) (٢) زمنًا (مليًا) بتشديد الياء؛ أي: كثيرًا، من الملوان: الليل والنهار (٣)، وأما المهموز. . فهو من الملاءة؛ أي: اليسار، وفي رواية: (فلبثت) إخبارًا عن نفسه، وبيَّنتْ روايةُ أبي داوود والترمذي وغيرهما أنه لبث ثلاثًا (٤)، وظاهره: أنها ثلاث ليالٍ، وقد ينافيه خبر أبي هريرة: فأدبر الرجل، فقال النبي ﷺ : "ردوه" فأخذوا ليردوه فلم يروا شيئًا (٥)، فقال: "هذا جبريل" (٦). وأُجيب بأنه يحتمل أن عمر لم يحضر قوله هذا، بل كان قد قام فأُخبر به بعد ثلاث.

стр. 181

(ثم قال: يا عمر؛ أتدري من السائل؟) فيه ندبُ تنبيه المعلم تلامذتَه، والكبيرِ مَنْ دونهم على فوائد العلم وغرائب الوقائع؛ طلبًا لنفعهم ومزيد فائدتهم وتيقظهم. (قلت: اللَّه ورسوله أعلم) فيه حسن ما كان عليه الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم من مزيد الأدب معه ﷺ ، برد العلم إلى اللَّه وإليه (١). (قال: هذا جبريل) (٢) اسمٌ أعجميٌّ سريانيٌّ، قيل: معناه: عبد اللَّه، احتجَّت به الحلولية والاتحادية -لعنهم اللَّه تعالى- على مذهبهم الباطل، من جهة أنه روحانيٌّ، وقد خلع صورة الروحانية وظهر بمظهر البشرية (٣). وكان يظهر في صورة دحية، فيَعْلَمُه النبي ﷺ ملَكًا، والناس حوله يعتقدونه بشرًا؛ أي: ولم يره ﷺ على صورته الأصلية إلا مرتين. قالوا: فإذا قَدر على ذلك وهو مخلوق. . فاللَّه أقدر على الظهور في صورة الوجود الكلي أو بعضه، قالوا: ويدل له النصوص الدالة على أنه يَرى ولا يُرى، وما ذاك إلا لأنه ماهيةٌ لطيفةٌ. وجوابه: أن البرهان قاطعٌ باستحالة الحلول والاتحاد عليه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا، فلا نظر لظواهرَ تقتضي خلافه. على أنه لا دلالة لهم في ذلك؛ لأن جبريل جسمٌ نورانيٌّ في غاية اللطافة، فقبلتْ ذاتُه التشكل والانخلاع من طورٍ إلى طورٍ، واللَّه منزهٌ عن الجسمية وسائرِ لوازمها كما مر. وكونه تعالى يَرَى ولا يُرى، أو أقرب إلينا من حبل الوريد، أو بين المصلي وقبلته

стр. 182

لا دليل فيه على كونه ماهيةً بوجهٍ؛ إذ القرب والبينيَّة في ذلك أمرٌ معنويٌّ لا حِسَيٌّ؛ كما دلت عليه النصوص القطعية السمعية، والبراهين العقلية. وظاهر رواية البخاري: أنه لم يعرفه إلا في آخرة الأمر (١)، وورد: "ما جاءني في صورةٍ لم أعرفها إلا في هذه المرة" (٢)، وفي حديث "صحيح ابن حبان": "والذي نفسي بيده؛ ما شُبِّه عليَّ منذ أتاني قبل مَرَّتي هذه، وما عرفته حتى ولَّى" (٣). (أتاكم يعلمكم) بسبب سؤاله، فنسبة التعليم إليه مجاز (٤)، وإلا. . فالمعلِّم لهم حقيقةً هو النبي ﷺ . (دينكم) أي: قواعده وأحكامه، وفي رواية ابن حبان: "يعلمكم أمر دينكم، فخذوا عنه" (٥). وفيه: أن الدين هو مجموع الإسلام والإيمان والإحسان، ولا ينافيه أن الإسلام وحده يسمى دينًا بنص: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ لأنه كما يطلق على ذلك المجموع يطلق على هذا الفرد، إما بالاشتراك، أو الحقيقة والمجاز، أو التواطؤ، أو غير ذلك، ومر أول الكتاب للدين إطلاقات أُخر، فلا يغِبْ عنك استحضارها (٦). قيل: وحكمه إرساله: ليعلمهم أنهم كانوا أكثروا على النبي ﷺ المسائل، فنهاهم كراهيةً لما قد يقع من سؤال تعنُّتٍ أو تجهيل، فألحوا فزجرهم، فخافوا وأحجموا واستسلموا امتثالًا، فلما صدقوا في ذلك. . أرسل لهم من يكفيهم المهمات، ومن ثَمَّ قال لهم ﷺ : "هذا جبريل، أراد أن تعلموا إذ لم تسألوا" (٧).

стр. 183

(رواه مسلم) فهو من أفراده، ولم يخرج البخاري عن عمر فيه شيئًا، وإنما خرَّج هو ومسلم عن أبي هريرة نحوه (١). وهو حديثٌ متفقٌ على عظم موقعه، وكثرة أحكامه؛ لاشتماله على جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة؛ من عقود الإيمان، وأعمال الجوارح، وإخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعةٌ إليه، ومتشعبةٌ منه، فهو جامع لطاعات الجوارح والقلب أصولًا وفروعًا، حقيقٌ بأن يسمى (أم السنة) كما سميت (الفاتحة) (أم القرآن) لتضمنها جمل معانيه. ومن ثَمَّ قيل: لو لم يكن في هذه "الأربعين" بل في السُّنة جميعها غيره. . لكان وافيًا بأحكام الشريعة؛ لاشتماله على جملتها مطابقةً، وعلى تفصيلها تضمنًا، فهو جامعٌ لها علمًا ومعرفةً، وأدبًا ولطفًا، ومرجعُهُ من القرآن والسنة كلُّ آيةٍ أو حديثٍ تضمن ذكر الإسلام، أو الإيمان، أو الإحسان، أو الإخلاص، أو المراقبة، أو نحو ذلك. * * *

стр. 184

الحديث الثالث [أركان الإسلام] عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدِ اللَّهِ بن عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَقُولُ: "بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَي خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَام الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ" أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (١). (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدِ اللَّه بن عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵄ أشار به إلى أنه ينبغي لكل من ذكر صحابيًا أبوه صحابيٌّ أن يترضَّى عنهما. وابن عمر هذا كان من فقهاء الصحابة ومفتيهم وزهادهم، واعتزل الفتنة، فلم يقاتل مع علي ولا مع معاوية ورعًا، ثم لما بانت له الفئة الباغية. . ندم على عدم قتاله مع علي كرم اللَّه تعالى وجهه. ولد قبل البعثة بسنة، أسلم مع أبيه بمكة وهو صغير، وقيل: قبله، وهاجر معه، وقيل: قبله، ولم يشهد بدرًا، وكان عمره عام أُحُدٍ أربعَ عشرة سنة، فاستصغره ﷺ ، ثم في عام الخندق بلغ خمس عشرة سنة، فأجازه ﷺ ، ثم لم يتخلَّف بعدُ عن سرية من سرايا رسول اللَّه ﷺ ، وقال ﷺ لشقيقته حفصة رضي اللَّه تعالى عنها: "إن أخاكِ رجلٌ صالحٌ لو أنه يقوم الليل" (٢) فلم يترك قيامه بعدُ.

стр. 185

قال جابر: (ما منَّا إلا من نال من الدنيا ونالت منه إلا عمر وابنه) (١). وأُولع بالحج أيام الفتنة وبعدها، وكان من أعلم الناس بالمناسك، وكثيرَ الصدقة، سيما بما يستحسنه من ماله، ولمَّا عرفت أرقاؤه منه ذلك. . كانوا يقبلون على الطاعة ويلازمون المسجد؛ ليعتقهم، فقيل له: إنهم يخدعونك، فقال: (مَنْ خدعنا باللَّه انخدعنا له) (٢)، قال نافع: أعتق ألف رقبةٍ أو أَزْيد. قيل: وحج ستين حجة، واعتمر ألف عمرة، وحمل على ألف فرسٍ في سبيل اللَّه تعالى. مات عن ستٍّ وثمانين سنة، وأفتى في الإسلام ستين سنة، توفي بمكة سنة ثلاث وسبعين شهيدًا، فإن الحجَّاج سفِهَ عليه، فقال له عبد اللَّه: (إنك سفيهٌ مسلَّطٌ)، فعَزَّ ذلك عليه، فأمر رجلًا فسمَّ زُجَّ رمحه (٣)، فزحمه في الطواف ووضع الزُّج على قدمه، فمرض أيامًا، ولما دخل الحجَّاج ليعوده فسأله عن الفاعل وقال: قتلني اللَّه إن لم أقتله. . قال: (لستَ بفاعل)، قال: ولِمَ؟ قال: (لأنك الذي أمرتَ به) (٤)، فأوصى أن يدفن في الحِلِّ، فلم تنفذ هذه الوصية، فدفن بذي طُوى في مقبرة المهاجرين، وقيل: بفَخٍّ. روي له عن النبي ﷺ ألف حديثٍ وست مئةٍ وثلاثون حديثًا، اتفق الشيخان منها على مئة وسبعين، وانفرد البخاري بثمانين، ومسلمٌ بأحد وثلاثين. (قال: سمعت رسول اللَّه) وفي نسخة: النبي ﷺ يقول: بُني الإسلام) أي: أُسِّس، واستعمال البناء الموضوع للمحسوسات في المعاني مجازٌ، علاقته المشابهة، شبَّه الإسلامَ ببناءٍ عظيمٍ مُحكَمٍ، وأركانَهُ الآتية بقواعد ثابتةٍ محكمةٍ حاملةٍ لذلك البناء، فتشبيه الإسلام بالبناء استعارةٌ بالكناية، وإثبات البناء له استعارة ترشيحية.

стр. 186

(على) دعائم أو أركان (خمس) وهي خصاله المذكورة، قيل: المراد القواعد، ولذلك لم تلحقها التاء، ولو أراد الأركان. . لألحقها، وفيه نظر؛ لأن المعدود إذا حذف. . يجوز حذف التاء؛ نحو: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، "من صام رمضان، وأتبعه ستًا من شوال. . كان كمن صام الدهر كله" (١)، فلا دليل فيه على أن المراد واحدٌ منهما. نعم؛ في رواية لمسلم: "خمسة" (٢)، وهي صريحةٌ في إرادة الأركان، وتقدير (خمس) وصفًا أصوبُ من تقديره مضافًا؛ لجواز حذف الموصوف إذا علم، بخلاف المضاف إليه، وفي رواية: "خمس دعائم" (٣)، وهي لا تُعيِّن -بل ولا تقتضي- أن المحذوف هو المضاف إليه. (شهادة) بجره مع ما بعده بدلًا من (خمس) وهو الأحسن، ويجوز رفعه بتقدير مبتدأ؛ أي: أحدها، أو خبر، أي: منها، وهو أَولى؛ لإيثارهم حذفه على حذف المبتدأ؛ لأن الخبر كالفضلة بالنسبة إليه. وخُصَّتْ هذه الخمس بكونها أساسَ الدين وقواعدَه، عليها يُبنى وبها يقوم، ولم يضم إليها الجهاد مع أنه المُظْهر للدين، ومع كونه ذروةَ سنام الأمر كما يأتي، وذروة سنامه: أعلى شيء فيه؛ لأنها فروضٌ عينيةٌ لا تسقط، وهو فرض كفايةٍ يسقط بأعذارٍ كثيرةٍ، بل قال كثيرون بسقوط فرضه بعد فتح مكة. قيل: ولأنه لم يكن فُرِضَ إذ ذاك. وأجاب بعضهم بأن فرضيته غير مستمرة؛ لزوالها بنزول عيسى ﵊؛ إذ لم يبق غير ملة الإسلام، بخلاف هذه الخمسة؛ فإن فرضيتها باقيةٌ إلى قيام الساعة، ولا يلزم من كونه ذروة سنامه أنه من أركانه التي بُني عليها.

стр. 187

(أن لا إله إلا اللَّه) وفي روايةٍ للبخاري تعليقًا: "إيمان باللَّه ورسوله" (١)، وفي أخرى لمسلم: "على أن تعبد اللَّه، وتكفر بما دونه" (٢)، وفي أخرى: "على أن توحد اللَّه" (٣) قيل: الأُولى نقلٌ باللفظ، والأخريات نقلٌ بالمعنى. اهـ ولا يتعين ذلك؛ لجواز أنه ﷺ قال كلَّ لفظٍ في مجلس، أو أنه غاير ليفيد أن المدار على وجود الإيمان باللَّه ورسوله، لا خصوصية لفظ الشهادتين، على ما مر في حديث جبريل. (وأن محمدًا عبده ورسوله) مر الكلام عليهما في الخطبة، وعلى هذه الخمس في حديث جبريل، فلا نطيل بإعادته. (وإقام الصلاة) أصله: إقامة؛ فحذفت تاؤه؛ للازدواج مع ما بعده كما وقع في القرآن. (وإيتاء الزكاة) إلى أهلها، فحذف للعلم به (٤)، ورتبت هذه الثلاثة هكذا في سائر الروايات؛ لأنها وجبت كذلك؛ إذ أول ما وجب الشهادتان، ثم الصلاة، ثم الزكاة، قال بعضهم: وفرضها سابقٌ فرضَ الصوم السابق لفرض الحج. اهـ لكن قال بعض المتأخرين المطلعين على الفقه والحديث: لم يتحرر لي وقت فرض الزكاة. أو تقديمًا للأفضل فالأفضل (٥)، والأوكد فالأوكد، قيل: فيستنبط منه أنه: إذا

стр. 188

تعذَّر الجمع بينهما، كمن ضاق عليه وقت صلاة، وتعيَّن عليه فيه أداء زكاةٍ لضرورة المستحِق. . قدم الأوكد، وهو الصلاة. اهـ وليس على إطلاقه، بل القياس: أن المستحِق إن لحقه ضررٌ بتقديم الصلاة. . حرم تقديمها، ووجب إعطاؤه؛ أخذًا من إيجابهم إخراجَها عن وقتها إذا عارضها إنقاذُ نحو غريق، أو خوف انفجار ميتٍ لو ترك تجهيزه لأجلها؛ لأن تداركها ممكنٌ بالقضاء، ولحوق الضرر لا يتدارك، ولو تعارضت صلاة العشاء وإدراك الحج. . وجب تقديمه وتركها؛ لأنه يشق قضاؤه بخلافها. (وحج البيت، وصوم رمضان) فيه أن الشرع تعبَّد الناسَ في أموالهم وأبدانهم، فلذلك كانت العبادة إما بدنيةً محضةً كالصلاة، أو ماليةً كالزكاة، أو مركبةً منهما كالأخيرين؛ لدخول التكفير بالمال فيهما (١). وفي روايات: "وصيام رمضان، وحج البيت" قيل: الأُولى وهمٌ؛ لأن ابن عمر -كما رواه مسلم- زجر من قال له: أتقدِّم الحج على الصوم؟! ثم عكس وقال: هكذا سمعته من رسول اللَّه ﷺ . اهـ (٢) والصواب: أنها ليست وهمًا؛ فإنها صحَّت عن ابن عمر من طريق، قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (والأظهر -واللَّه أعلم-: أن ابن عمر سمعه من النبي ﷺ مرتين، مرةً بتقديم الحج، ومرةً بتقديم الصوم، ورواه أيضًا على الوجهين في وقتين، فلما ردَّ عليه الرجل وقدَّم الحج. . قال ابن عمر: لا ترد على ما لا علم لك به، ولا تتعرَّض لما لا تعرفه، ولا تقدح فيما لا تتحققه، بل تقديم الصوم (٣)، هكذا سمعته من رسول اللَّه ﷺ ، وليس في هذا نفي سماعه على

стр. 189

الوجه الآخر، ويحتمل أنه كان سمعه بالوجهين، ثم لما ردَّ عليه الرجل. . نسي الوجه الذي رده فأنكره). قال: (وأما قول ابن الصلاح: محافظته على ما سمعه، ونهيه عن عكسه حجةٌ لكون الواو للترتيب، وهو مذهب كثيرٍ من فقهاء شافعيين وشذوذٍ نحويين، وعلى مقابله الأصح إنما أنكر؛ لأن رمضان فُرِض في شعبان في السنة الثانية، والحج فُرِض سنة ستٍّ أو تسع، فرُتِّبا ذكرًا لترتيبهما فرضًا، ورواية تقديم الحج كأنها صدرت ممن يرى الرواية بالمعنى، فقدَّم وأخَّر نظرًا إلى جواز تأخير الأول، والأهم في الذكر. . فضعيفٌ؛ لِمَا مر من صحة الأمرين روايةً ومعنًى من غير تنافٍ بينهما، فلا يجوز إبطال إحداهما، ولأن فتح باب احتمال التقديم والتأخير في مثل هذا قدح في الرواة والروايات؛ إذ لو فُتح ذلك. . لم نثق بشيءٍ منها إلا القليل، وهو باطلٌ؛ لما فيه من المفاسد، وتعلُّقِ مَنْ يتعلق به ممن في قلبه مرض) انتهى ملخصًا (١). وهو ظاهرٌ جليٌّ، وتعجَّبَ بعض الشارحين من إنكاره احتمال التقديم والتأخير، واعترضه بما حاصله: نص العلماء على وقوعه في القرآن صريحًا أو احتمالًا؛ نحو: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ إذ الأصل: أحوى غثاء؛ إذ الأحوى: الأخضر الضارب إلى سواد، والغثاء: اليابس المتفتت، وساق آياتٍ كثيرةً أُخر؛ منها: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ الآيةَ، ففيها تقديمٌ وتأخير؛ لاقتضاء نظمها أن السفر والمرض حدثان، وتقديرها: إذا قمتم إلى الصلاة، أو جاء أحدٌ منكم من الغائط، أو لامستم النساء. . فاغسلوا وامسحوا ما ذُكِر، فإن كنتم جنبًا. . فاطَّهروا، وإن كنتم مرضى أو على سفرٍ فلم تجدوا ماءً. . فتيمموا. . . إلخ. ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ظاهرها: اشتراط العَود أيضًا في الكفارة، فيؤخر: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ عن: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ الآيةَ، فيه ذلك؛ أي: له معقباتٌ من أمر اللَّه، يحفظونه من بين يديه ومن خلفه فوق اثنتين؛ أي: اثنتين فما فوق.

стр. 190

قال (١): فإذا كان هذا التقدير عند العلماء في نص القرآن. . فكيف يبعد أن يكون في غيره؟! على أنه جاء في الجملة الواحدة؛ كما في: "ذكاة الجنين ذكاة أمه" (٢) أي: ذى: أمه ذكاةٌ له، على رواية الرفع، ونحو ذلك كثيرٌ، فأراد الإمام النووي رحمه اللَّه تعالى سدَّ بابٍ يتعذَّر سده، ويستحيل رده، فحذارِ حذارِ من الاغترار بهذا القول. اهـ وهو في غاية السقوط؛ لأن النووي لم يمنع جواز التقديم والتأخير من حيث هو، ولا عند مقتضٍ له، وفَهْمُ ذلك من عبارته دليلٌ على مزيد عماية وغباوة، وإنما الذي يدعيه: أنَّا إذا فتحنا احتمال ذلك مع صحة النظم بدونه. . أدَّى إلى إلغاء كثيرٍ من الأدلة؛ لأنا إذا أوردناها. . يقال لنا: يحتمل أن فيها تقديمًا وتأخيرًا، وطروق الاحتمال المؤثر للدليل يسقطه. وصحة هذه الدعوى في غاية الظهور والتحقيق، فاتضح رد تجويز ابن الصلاح لاحتمالهما في الحديث، وبان فساد ما اعتُرِض به عليه، على أن ما ساقه من الآيات إما متعين الحمل عليهما كالآية الثانية (٣)، وإما غير متعيّنة كالرابعة؛ للاستغناء عنهما بحَمْل (مِن) في: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أنها بمعنى (الباء) والبصريون إنما يمنعون تأويل حرفٍ بحرفٍ حيث صحَّ المعنى بدون ذلك التأويل، والخامسةِ؛ لأن حكم الاثنتين (٤) عُلم بالأولى من القياس على الأختين، وإما غير جائزة كالثالثة (٥)؛ لأن نظمها اقتضى شرطية العود للكفارة، وبه قال الشافعي وغيره، فلا يجوز إخراج هذا النظم عن ظاهره إلا بدليل. قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (ولا يعارض ما مر عن ابن عمر رواية "مستخرج أبي عوانة": أنه قال للرجل: اجعل صيام رمضان آخرهن؛ كما سمعتُ من في

стр. 191

رسول اللَّه ﷺ ؛ لاحتمال جريان القضية لرجلين) اهـ (١) وهذا أَولى من جواب ابن الصلاح بأن هذه لا تقاوم روايةَ مسلم السابقة (٢)؛ لأنها وإن لم تقاومها فهي صحيحةٌ أيضًا، فالجمع بينهما أَولى من إلغاء إحداهما. واستفيد من بناء الإسلام على ما مر، مع ما هو معلومٌ أن البيت لا يثبت بدون دعائمه: أن من تركها كلها. . فهو كافر، وكذا من ترك الشهادتين؛ إذ هما الأساس الكلي الحامل لجميع ذلك البناء ولبقية تلك القواعد، كما استفيد من أدلةٍ أخرى؛ كالخبر الصحيح أن: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد" (٣)، فالمراد بـ (الإسلام) فيه: الشهادتان بدليل سياقه، بخلاف من ترك غيرهما؛ فإنه إنما يخرج عن كمال الإسلام بقدر ما ترك منها؛ لبقاء البناء حينئذٍ، ويدخل في الفسق لا في الكفر، إلا إن جحد وجوبه، وعليه حمل الأكثرون خبر مسلم: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" (٤). وخالف الإمام أحمد وآخرون فأخذوا بظاهره من كُفْرِ تاركها مطلقًا، وبالغ إسحاق فقال: عليه إجماع أهل العلم، وقال غيره: عليه جمهور أهل الحديث، وأجرت طائفةٌ ذلك في الأركان الثلاثة، وهو روايةٌ عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه وبعض المالكية، بخلاف متعلق الإيمان السابق في حديث جبريل؛ فإن تَرْكَ واحدٍ منه كفرٌ (٥). وعُلم مما قدمته ثَمَّ في الكلام على حقيقة الإسلام والإيمان: أن من أتى بهما. . مؤمنٌ كامل، ومن تركهما. . كافر كامل، ومن ترك الإسلام وحده. . فاسق، ويسمى مؤمنًا ناقصًا، ومن ترك الإيمان وحده. . منافقٌ، ويسمى مسلمًا ظاهرًا.

стр. 192

تنبيه [ثبوت عموم الحديث ووجوب تكرر الأركان من أدلة أخرى] هذا الحديث وإن كان مطلقًا في الأزمان، إلا أنه ثبت عمومه فيها، ووجوب تكرر تلك الأركان من أدلةٍ أخرى تفصيلية، وهي لشهرتها غنيةٌ عن ذكرها. (أخرجه البخاري) في (الإيمان) و (التفسير) رباعيًا (١)، (ومسلم) في (الإيمان) و (الحج) خماسيًا (٢). وهو حديثٌ عظيم، أحد قواعد الإسلام، وجوامع الأحكام؛ إذ فيه معرفةُ الدين وما يعتمد عليه، ويجمعُ أركانه، وكلها منصوصٌ عليه في القرآن، وهو داخل في ضمن حديث جبريل؛ فلذا اكتفينا بما بسطناه ثَمَّ. * * *

стр. 193

الحديث الرابع [مراحل خلق الإنسان وتقدير رزقه وأجله وعمله] عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثمَّ يَكونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ، فَيَنفُخ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِي أَوْ سَعِيد، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فيَعْمَلُ بعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُوَنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَدْخُلُهَا" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (١). (عن أبي عبد الرحمن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ ابن غافل، بمعجمة وفاء، ابن حبيب الهذلي، وهذيل بن مدركة، وكان أبوه مسعود حالف في الجاهلية عبد الحارث بن زهرة، وأمه أم عبدٍ هذليةٌ أيضًا. أسلم قديمًا بمكة سادس ستةٍ لمَّا مرَّ به ﷺ وهو يرعى غنمًا لعقبة بن أبي مُعَيط، فقال له: "يا غلام؛ هل من لبن؟ " قال: نعم، ولكنِّي مؤتمن (٢)، قال: "فهل من شاةٍ لا ينزو عليها الفحل؟ " فأتاه بها، فمسح ضرعها،

стр. 194

فنزل لبنٌ، فحلبه في إناءٍ، فشرب منه، وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع: "اقلص" فقلص (١). ثم هاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وشهد بدرًا، وبيعة الرضوان، والمشاهد كلَّها، وصلى إلى القبلتين، وكان ﷺ يكرمه ويدنيه ولا يحجبه؛ فلذلك كان كثير الوُلوج عليه ﷺ ، ويمشي أمامه ومعه، ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام، ويُلبسه نعليه إذا قام، فإذا جلس. . أدخلهما في ذراعيه، وكان مشهورًا بين الصحابة ﵃ بأنه صاحب سرِّ رسول اللَّه ﷺ ، وسواكه، ونعليهِ، وطَهورهِ في السفر. وبشَّره ﷺ بالجنة، وقال: "رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد، وسخطت لها ما سخط لها ابن أم عبد" (٢). وكان شبيهًا برسول اللَّه ﷺ في سَمته وهديه ودأبه، وكان خفيف اللحم، شديد الأُدمة، نحيفًا، قصيرًا جدًّا نحو ذراع، ولمَّا ضحك الصحابة ﵃ من دقَّة رِجليه. . قال ﷺ : "لَرِجْلُ عبد اللَّه في الميزان أثقل من أُحُد" (٣). وَلِيَ قضاء الكوفة ومالها في خلافة عمر ﵁ وصدرًا من خلافة عثمان

стр. 195

رضي اللَّه عنه، ثم رجع إلى المدينة ومات بها -وقيل: بالكوفة- سنة اثنتين وثلاثين عن بضعٍ وستين سنة، وصلى عليه الزبير ليلًا، ودفنه بالبقيع بإيصائه له بذلك؛ لكونه ﷺ كان قد آخى بينهما. رُوي له ثمان مئة حديث وثمانية وأربعون، أخرجا منها أربعةً وستين، وانفرد البخاري بأحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين، روى عنه الخلفاء الأربعة، وكثيرون من الصحابة ومن بعدهم رضي اللَّه تعالى عنهم. (قال: حدثنا) أي: أنشأ لنا خبرًا حادثًا، وهذا أصل لما استعمله المحدِّثون من أن (حدثنا) لما سمع من الشيخ، و (أخبرنا) لما قُرئ عليه، و (أنبأنا) لما أجازه، على الخلاف في ذلك (١). (رسول اللَّه ﷺ وهو الصادق) في جميع ما يقوله؛ إذ هو الحق الصدق المطابق للواقع. (المصدوق) فيما أُوحي إليه؛ لأن الملَك يأتيه بالصدق، واللَّه يصدقه فيما وعده به، والجمع بينهما للتأكيد؛ إذ يلزم من أحدهما الآخرُ، وعكس ذلك نحو ابن صياد، فهو كاذبٌ مكذوب، ومن ثَمَّ لما قال للنبي ﷺ : يأتيني صادقٌ وكاذبٌ، وأرى عرشًا على الماء. . قال له: "خُلِّط عليك" (٢). (إن) بكسر الهمزة على حكاية لفظه ﷺ (أحدكم) أي: معشر بني آدم، و (أحد) هنا بمعنى واحد، لا بمعنى (أحد) التي للعموم؛ لأن تلك لا تستعمل إلا في النفي، نحو: لا أحد في الدار، أصله: وحد، قُلبت واوه المفتوحة همزةً على غير قياس لخفَّتها، بخلاف المضمومة كوجوه وأُجْوُه؛ فإنه مقيسٌ

стр. 196

لثقلها (١)، والمكسورة كوسادة وإسادة؛ فإنه قيل: سماعي، وقيل: قياسي. (يُجمع) أي: يضم ويحفظ (خلقه) أي: مادة خلقه؛ وهو الماء الذي يخلق منه (في بطن) أي: رحم (أمه أربعين يومًا) حال كونه (نطفةً) (٢) أي: منيًا في مدة الأربعين، فجمعه فيها: مكثه في الرحم يتخمَّر حتى يتهيأ للخلق، أو ضمُّ متفرقه؛ لأن المني يقع في الرحم حين انزعاجه بالقوة الشهوانية الدافعة متفرقًا، فيجمعه اللَّه تعالى في محل الولادة من الرحم في هذه المدة. ودليله: أنه جاء في بعض طرق هذا الحديث عن ابن مسعود -كما أخرجه ابن أبي حاتم وغيره- تفسيرُ ذلك الجمع بأن النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد اللَّه تعالى أن يخلق منها بشرًا. . طارت في بشرة المرأة تحت كل ظفرٍ وشعرٍ، ثم تمكث أربعين ليلة، ثم تصير دمًا في الرحم، فذلك جمعها، وذلك وقت كونها علقة (٣). وجاء تفسير الجمع بمعنًى آخر عند الطبراني وابن منده بسندٍ على شرط الترمذي والنسائي: أنه ﷺ قال: "إن اللَّه تعالى إذا أراد خَلْق عبدٍ فجامع الرجل المرأة. . طار ماؤه في كل عرقٍ وعضوٍ منها، فإذا كان يوم السابع. . جمعه اللَّه تعالى، ثم أحضره كلُّ عرقٍ له دون آدم" (٤)، [ثم قرأ]: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (٥)، ويشهد لهذا المعنى قوله ﷺ لمن قال له: ولدت امرأتي غلامًا أسود: "لعله نزعه عِرقٌ" (٦). (ثم) عَقِب هذه الأربعين (يكون) في ذلك المحل الذي اجتمعت فيه النطفة (علقة) وهي قطعة في دمٍ لم تيبس (مثل ذلك) الزمن الذي هو أربعون يومًا (ثم) عقب الأربعين الثانية (يكون) في ذلك المحل (مضغة) أي: قطعة لحم قدرَ ما يمضغ (مثل ذلك) الزمن، وهو أربعون.

стр. 197

(ثم) بعد انقضاء الأربعين الثالثة (يرسل) اللَّه (الملك) أي: الموكل بالرحم كما يأتي، وظاهر (ثم) هنا: أن إرساله إنما يكون بعد الأربعين الثالثة، لكن في رواية في "الصحيح": "يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين -وفي أخرى: أو خمس وأربعين ليلة- فيقول: يا رب؛ أشقيٌّ أم سعيدٌ؟ " (١). وفي أخرى: "إذا مرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلةً. . بعث اللَّه إليها ملكًا، فصوَّرها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها" (٢). وفي أخرى لمسلم: "إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة، ثم يتسور عليها الملك" (٣). وفي أخرى له: "إن ملكًا موكلًا بالرحم، إذا أراد اللَّه تعالى أن يخلق شيئًا بإذن اللَّه لبضعٍ وأربعين ليلة. . . " وذكر الحديث (٤). وفي أخرى عند الشيخين: "إن اللَّه تعالى قد وكل بالرحم ملكًا فيقول: أي ربِّ نطفةٌ، أي ربِّ علقةٌ، أي ربِّ مضغةٌ" (٥). وجمع العلماء بينها بأن للملك ملازمة ومراعاة لحال النطفة، فيقول وقت النطفة: يا رب؛ هذه نطفة، وكذا في الآخرين، فكل وقتٍ يقول فيه ما صارت إليه بأمر اللَّه تعالى، واللَّه أعلم. وأول علم المَلَك أنها ولا إذا صارت علقةً، وهو عقب الأربعين الأُولى، وحينئذٍ يكتب الأربعة الآتية على ما يأتي فيه، ثم له فيه تصرفٌ آخر بالتصوير المتكرر، أو المختلف باختلاف الناس على ما يأتي أيضًا. قال القاضي وغيره: (والمراد بإرسال الملك في هذه الأشياء: أمره بها

стр. 198

وبالتصرف فيها بهذه الأفعال، وإلَّا. . فقد صرح في الحديث بأنه موكلٌ بالرحم، وأنه يقول: يا رب؛ نطفة. . . إلخ) (١). (فينفخ فيه الروح) هو ما يحيا به الإنسان، وهو من أمر اللَّه تعالى كما أخبر (٢)، والخلاف في تحقيقه طويلٌ، ولفظه مشتركٌ بين عدة معانٍ، قال القاضي عياض وأقره المصنف وغيره: (وظاهر الحديث: أن الملك ينفخ الروح في المضغة، وليس مرادًا، بل إنما ينفخ فيها بعد أن تتشكَّل بشكل ابن آدم، وتتصوَّر بصورته؛ كما قال اللَّه تعالى: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ (٣) أي: بنفخ الروح فيه. ولك أن تقول: ليس ظاهره ذلك، وإنَّما ظاهره: أن الإرسال بعد الأربعين الثالثة المنقضي اسم المضغة بانقضائها، وتلك البَعْدية لم تُحدَّد، فيحتمل أنه بعد الأربعين الثالثة يصور في زمنٍ يسيرٍ، وبعد تصويره يُرسل الملك لنفخ الروح. ثم رأيت القرطبي في "المفهم" صرَّح بما ذكرته من أن التصوير إنَّما هو في الأربعين الرابعة (٤)، ثم كون التصوير في الأربعين الثالثة أو بعدها -على ما تقرر- ينافيه ما في رواياتٍ أُخر أنه عقب الأربعين الأُولى. وأجاب القاضي عياض بأن هذه الروايات ليست على ظاهرها، بل المراد: أنه يكتب ذلك ويفعله في وقتٍ آخر؛ لأن التصوير عقب الأربعين الأُولى غير موجودٍ عادةً، وإنَّما يقع في الأربعين الثالثة مدةِ المضغة (٥)، كما نصَّت عليه الآية المذكورة: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ (٦)، وفيه نظر وإن أقره المصنف وغيره عليه؛ فإنَّ مجرد التصوير لا يستدعي خلق العظام، فلا دليل في الآية لما ذكره. وحينئذٍ يمكن أن يجمع بأنه عقب الأربعين الأُولى يُرسل الملك لتصوير تلك العلقة

стр. 199

تصويرًا خفيًا، ثم يُرسل في مدة المضغة أو بعدها على ما مر، فيصورها تصويرًا ظاهرًا مقارنًا لخلق عظمها ونحوه، فتأمل ذلك؛ فإني لم أَرَ من صرح به، مع أن الجمع لا يتمُّ إلَّا به. أو يقال: إن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فمنهم من يصور بعد الأربعين الأُولى، ومنهم من لا يصور إلا في الأربعين الثالثة أو بعدها. ثم رأيت في روايةٍ لمسلم ما يدفع الجمع الأول وهي: "إذا مرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة. . بعث إليها ملَكًا، فصورها، وخلق سمعها وبصرها ولحمها وعظامها، ثم يقول: يا رب؛ أذكرٌ أم أنثى؟ فيقضي ربك بما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب؛ أجله، فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب؛ رزقه، فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده، فلا يزيد ولا ينقص" (١)؛ ففيها التصريح بأنَّ خلق العظم يكون عقب الأربعين الأُولى، فإنْ حملنا خلقه هنا على ابتدائه، وبعد الأربعين الثالثة على تمامه. . أمكن ما ذكرناه من الجمع الأول، وإلَّا. . تعيَّن الجمع الثاني. ثم رأيت بعضهم ذكر ما يؤيد ما ذكرته من الجمعين، حيث قال بعد رواية مسلم المذكورة: فأوَّلَها بعضهم على أن الملك يقسم النطفة إذا صارت علقةً إلى أجزاء، فيجعل بعضها للجلد، وبعضها للَّحم، وبعضها للعظم، فيقدر ذلك كله قبل وجوده، وهذا خلاف ظاهر الحديث، بل ظاهره: أنه يصورها ويخلق هذه الأجزاء كلها، وقد يكون ذلك بتصويره وتقسيمه قبل وجود اللحم والعظام، وقد يكون هذا في بعض الأجنَّة دون بعضٍ. ومرت رواية في تفسير الجمع تقتضي أن التصوير يكون يوم السابع، وهو مذهب الأطباء؛ لتصريحهم بأن المني إذا نزل الرحم. . أزبد وأرغى ستةَ أيامٍ أو سبعة، وفيها يصور من غير استمدادٍ من الرحم، ثم يستمد منه، وتبتدأ خطوطه ونقطه بعد ثلاثة أيَّام، ثم بعد ستة أيَّام -وهو خامسَ عشرَ العلوق- ينفذ الدم إلى الجميع، فيصير

стр. 200

علقة، ثم تظهر الأعضاء، ويتنحى بعضها عن مماسَّة بعض، وتمتد رطوبة النخاع، ثم بعد تسعة أيام ينفصل الرأسُ عن المنكبين، والأطرافُ عن الأصابع. قالوا: وأقل مدة يتصور الذكر فيها ثلاثون يومًا، والزمان المعتدل في تصور الجنين خمسةٌ وثلاثون يومًا، وقد يتصور في خمسةٍ وأربعين يومًا. وأجاب بعضهم بجوابٍ آخر غير ما قدمناه، فحَمَلَ حديثَ المتن على أن الجنين يغلب عليه في الأربعين الأُولى وصفُ المني، وفي الأربعين الثَّانية وصفُ العلقة، وفي الثالثة وصفُ المضغة وإن كانتْ خِلْقته قد تمَّت وتمَّ تصويره. وفي روايةٍ في سندها السدي -وهو مختلفٌ في توثيقه- عن ابن مسعود وجماعة من الصّحابة ﵃: أن التصوير لا يكون قبل ثمانين يومًا (١)، وبه أخذ طوائف من الفقهاء، وقالوا: أقل ما يتبيَّن فيه خَلْق الولد أحدٌ وثمانون يومًا؛ لأنَّه لا يكون مضغة إلَّا في الأربعين الثالثة (٢)، ولا يتخلَّق قبل أن يكون مضغة. تنبيه [تعليق الطلاق على الحمل، ومتى تنفخ الروح] قال لزوجته: إن كنت حاملًا فأنت طالق، فولدت لدون ستة أشهر من التعليق. . طلقت، سواء كان يطؤها أم لا؛ لتحقق الحمل حينئذ عند التعليق؛ لأن أقل مدته ستة أشهر، ونازع ابن الرفعة فيما إذا كان يطؤها بأن كمال الولد ونفخ الروح فيه يكون بعد أربعة أشهر؛ كما يشهد به الخبر، فإذا أتت به لخمسة أشهر مثلًا. . احتمل العلوق به بعد التعليق، قال: والستة إنما هي معتبرةٌ لحياة الولد غالبًا. وأجاب عنه أبو زرعة بأن الخبر ليس فيه أن النفخ يكون عقب الأربعة، فإن لفظه: "ثم يأمر اللَّه الملك، فينفخ فيه الروح" و (ثم) تدل على تراخي أمر اللَّه بذلك، ومدته مجهولةٌ، لكن لما استنبط الفقهاء من القرآن -أي: من آية: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ مع آية: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ - أن أقلَّ مدة الحمل

стр. 201

ستةُ أشهر. . علم أنها مدته، وأن نفخ الروح عندها. اهـ وفي ادعائه أن هذا الاستنباط يدل على أن النفخ عند الستة أشهر وقفةٌ، بل لا دلالة له على ذلك بوجهٍ، كما هو ظاهرٌ ممَّا مر ومما سيأتي. والأَولى أن يقال: إن (ثم) دلت على التراخي، ولا تعرف مدته، ولا أنها تختلف باختلاف الأولاد أو لا، فأُنيط بالأمر المحقق وهو الستة؛ لأن العصمة ثابتةٌ بيقين، فلا ترفع إلا به، فاندفع قول ابن الرفعة: إذا أتت به لخمسة أشهر مثلًا. . احتمل العلوق به بعد التعليق. ووجه اندفاعه: أن كل احتمالٍ لا يرفع العصمة، وإنَّما يرفعها أمر محقَّقٌ أو مظنون، وكلاهما مُنْتَفٍ هنا، ولذلك مزيدٌ ذكرته في "شرح الإرشاد" في (باب الطلاق) (١). قال القاضي: (ولم يُختلف أن نفخها بعد مئةٍ وعشرين يومًا، قال القاضي: واتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلَّا بعد أربعة أشهر) (٢) أي: عقبها كما صرَّح به جماعةٌ، وخبر الإمام أحمد المصرِّح بأن الأربعين الرابعة يخلق فيها العظام، ثم بعدها ينفخ الروح. . ضعيف (٣). قال بعضهم: وهو غلطٌ بلا شك؛ فإنها تنفخ بعد الأربعين الثالثة، وعن ابن عباس ﵄: (أنها تنفخ بعد أربعة أشهرٍ وعشرة أيام) (٤) لكن في إسناده نظر، لكن أخذ به الإمام أحمد. ودخوله في الخامس وحركة الجنين في الجوف قرينةٌ غالبًا لذلك النفخ، قيل: وهذا حكمة كون عدة الوفاة أربعة أشهرٍ وعشرًا؛ لأنها بالشروع في الخامس من غير ظهور حملٍ يتبيَّن براءتها منه، والعشرة احتياط، أو أن الروح تنفخ فيها كما قاله ابن المسيب (٥)، وتبعه أحمد، وروي عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما.

стр. 202

ويؤخذ منه: أن السِّقط لا يُصلَّى عليه حتَّى يبلغ تلك المدة؛ لأنَّه قبلها جماد، ومعنى نفخه الروح: أنه سببٌ لخلق الحياة عنده؛ لأنه وضعًا: إخراج ريحٍ من النافخ يتصل بالمنفوخ فيه، وهذا غير مؤثرٍ شيئًا، وما يحدث عنده ليس به، بل بإحداث اللَّه تعالى، فهو مُعرِّفٌ عادي، ونسبة الخلق والتصوير إليه فيما مرَّ مجازية؛ لأنه آلةٌ في التصوير والتشكيل بإقدار اللَّه تعالى له بالأفعال؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾، ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾. والإيجادُ على هذا الترتيب العجيب مع قدرته تعالى على إيجاده كاملًا كسائر المخلوقات في أسرع من لحظةٍ: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ كنايةٌ عن مزيد السرعة (١)، وإلَّا. . فلا قول؛ لأنَّه بمجرد تعلُّقِ الإرادة به يوجد في أقل من زمن (كن) لو تصور. . يمكن (٢) أن يقال في حكمته ما قالوه في خلق السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما في ستة أيَّام؛ وهي تعليمه لعباده التأنِّي في أمورهم. أو يقال: حكمته: إعلام الإنسان بأن حصول الكمال المعنوي له إنَّما يكون بطريق التدريج، نظيرَ حصول الكمال الظاهر له بتدرُّجه في مراتب الخلق، وانتقاله من طورٍ إلى طورٍ إلى أن يبلغ أشده، فكذلك ينبغي له في مراتب السلوك أن يكون على نظير هذا المنوال، وإلَّا. . كان راكبًا متنَ عمياء، وخابطًا خبطَ عشواء (٣). (ويؤمر) الملك، ظاهر سياقه: أن هذا الأمر والكتابة بعد الأربعين الثالثة، ورواية البخاري: "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين، ثم يكون علقةً مثله، ثم يكون مضغةً مثله، ثم يُبعث إليه الملك، فيُؤمر بأربع كلمات: فيكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد، ثم ينفخ فيه الروح" (٤) كالصريحة في ذلك، لكن

стр. 203

في روايات أُخر لمسلم وغيره: أن كتابة تلك الأمور عقب الأربعين الأُولى (١)، وبهذا أخذ جماعةٌ من الصحابة. وجمع بعضهم بأن ذلك بختلف باختلاف الناس؛ فمنهم من يكتب له ذلك عقب الأربعين الأُولى، ومنهم من كتب له ذلك عقب الأربعين الثالثة، ولعل الجمع بهذا أَولى من قول القاضي عياض -وإن أقره المصنف-: إن (ثم يبعث) وما بعده معطوفٌ على (يجمع) ومتعلقاته، لا على (ثم يكون مضغة مثله) بل هو و (ثم يكون علقة مثله) معترضان بين المعطوف والمعطوف عليه (٢)، ومن قول غيره (٣): إنها تكون مرتين: مرة في السماء، وأخرى في بطن الأم. وظاهر رواية البخاري: أن النفخ بعد الكتابة، وفي رواية البيهقي عكسه (٤)، قيل: فإما أن يكون من تصرُّف الرواة، أو المراد: ترتيب الإخبار فقط (٥)، لا ترتيب ما أُخبر به. وأقول: الأَولى: تقديم رواية البخاري؛ لأنها أصح وأثبت. (بأربع كلمات) في خبر "صحيح ابن حبان": "خمس" الثلاثة الآتية، والأثر، والمضجع (٦)؛ أي: القبر، وفي حديث صحيحٍ أيضًا: "أذكرٌ أو أنثى؟ شقيٌّ أو سعيد؟ وما عمره؟ وما أثره؟ وما مصائبه؟ فيقول اللَّه تعالى، ويكتب الملك، فإذا مات الجسد. . دُفن من حيثُ أُخِذ ذلك التراب" (٧) ولا تنافي؛ لأن الزائد على تلك الأربع أُعلم به ﷺ بَعْدُ. (بكتب) بإعادة الجار (٨)، وقيل: مضارع، ولعله رواية أخرى (٩).

стр. 204

(رزقه) قليلًا أو كثيرًا، حلالًا أو حرامًا، ومن أي جهةٍ هو، ونحو ذلك، وهو ما يُتَناول لإقامة البدن وانتفاعه ولو حرامًا، خلافًا للمعتزلة. (وأجله) طويلًا أو قصيرًا، وهو مدة الحياة (وعمله) صالحًا أو فاسدًا، وفي رواية حذفه (١) (وشقي) في الآخرة، خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو شقي (أو سعيد) فيها. والمراد بأمر الملك بذلك: إظهار ذلك له، وأمره بإنفاذه وكتابته، وإلَّا. . فقضاء اللَّه تعالى وعلمه وإرادته لكل ذلك سابق على ذلك في الأزل لقدمه، وفي خبر عند البزار: أن كتابة ذلك ككل ما هو لاقٍ يكون بين عينيه (٢)، وفي حديثٍ آخر: أنه يكتب ذلك في صحيفةٍ بين عيني الولد، وهذه الكتابة غير كتابة المقادير السابقة على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؛ كما في خبر مسلم (٣). وظاهر الحديث: أن كل أحدٍ يكتب فيه ذلك، وتجويزُ بعضهم أن المراد: ذكر جملة ما يؤمر به، لا أن كل شخصٍ يُؤمَر فيه بهؤلاء الأربع. . يحتاج لدليل. وظاهر الحديث أيضًا: الأمر بكتابة تلك الأربع ابتداءً، وليس مرادًا، وإنما المراد -كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة-: أنه يؤمر بذلك بعد أن يسأل عنها فيقول: يا رب؛ ما الرزق؟ ما الأجل؟ ما العمل؟ وهل هو شقيٌّ أو سعيدٌ؟ فمن تلك الأحاديث: "إن النطفة إذا استقرَّت في الرحم. . أخذها الملك بكفِّه فقال: أي رب؛ أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ ما الأجل؟ ما الأثر؟ بأي أرضٍ تموت؟ فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب -أي: اللوح المحفوظ، وقد يطلق على

стр. 205

العلم القديم، وليس مرادًا هنا؛ لأن ذلك لا يطَّلِع عليه غير اللَّه تعالى- فإنك تجد قصَّة هذه النطفة، فينطلق، فيجد قصتها في أُمِّ الكتاب: تُخلَق فتأكل رزقها، وتطأ أثرها، فإذا جاء أجلها. . قُبضت فدُفنت في المكان الذي قُدر لها" (١). وفي أخرى أنه يقول: "يا ردب؛ مُخلَّقة أو غير مُخلَّقة؟ فإن كانت غير مخلقة. . قذفتها الأرحام دمًا، وإن قيل: مخلقة. . قال: يا رب؛ أذكرٌ أم أنثى؟. . . " (٢) وذكر ما مر. واستقرارها: صيرورتها علقة أو مضغة؛ لأنها قبل ذلك غير مجتمعةٍ كما مر، فلا تؤخذ بالكف؛ وسُميت بعد الإستقرار نطفةً باعتبار ما كان. واستفيد من عدم اجتماعها قبل صيرورتها علقةً: أنه لا يدار على إلقائها حكمٌ ما دامت نطفة، فلا تثبت بها أمية ولد، ولا تنقضي بها عدة، قال الحنابلة وغيرهم: ولا يحرم التسبب إلى إلقائها؛ لأنها لم تنعقد بَعْدُ، وقد لا تنعقد ولدًا؛ بخلاف العلقة، لا يجوز إسقاطها لانعقادها؛ أي: وهو يغلب على الظن صيرورتها ولدًا، ومن ثَمَّ جاء في بعض الروايات السابقة: أن الملك لا يعلم أن النطفة ولدٌ حتى تصير علقة. وقولُ جمعٍ من الفقهاء: (يجوز الإسقاط ما لم ينفخ فيه الروح كالعزل) (٣). . ضعيفٌ (٤)؛ إذ لا جامع بينهما؛ فإن غاية ما في العزل تسببٌ إلى منع الانعقاد، فكيف يقاس به ولدٌ انعقد، وربما تصور؟! ويؤيّد ما قررناه من حرمة إسقاط العلقة قول المالكية: يثبت بها الاستيلاد،

стр. 206

فأداروا عليها حكم الوَلَدية، وهو مستلزمٌ لحرمة الإسقاط، ولا ينافيها عدمُ انقضاء العدة بها، وعدم ثبوت الاستيلاد عندنا؛ لأنا وإن منعنا تسميتها ولدًا وحملًا كما يأتي، لا نمنع حرمة إسقاطها؛ لما قررته عند عدم انقضاء العدة بها آنفًا بقولي: (وهو يغلب على الظن. . . إلخ). فإن صارت مضغة، وشهد أربع قوابل بتصويرها، أو بأنها أصل آدمي، ولم يتشككن فيه. . انقضت بها العدة، بخلاف أُمِّيَّة الولد، لا تثبت إلَّا بإلقاء صورةٍ ظاهرة التخطيط. والفرق: أن مدار العدة على تحقُّق براءة الرحم، وهو متحققٌ بإلقاء المضغة المذكورة، ومدار أُمِّيَّة الولد على إلقاء ما يسمى ولدًا، وما لم يظهر التخطيط لا يسمى ولدًا، فإثباتُ المالكية انقضاء العدة، وأُمِّيَّة الولد بوضع العلقة فما فوقها بعيدٌ؛ إذ لا قرينة على الحمل حتى ترفع به العدة المحققة، واحتماله مع عدم القرينة لا أثر له، وأُمِّيَّة الولد لم تثبت إلَّا بوضع الولد، وهو لا يسمى ولدًا إلا إن ظهرت الصورة فيه، ولا يسمى حملًا إلا إن ظهر أو قامت عليه قرينة، فقبل ذلك لا يسماه، فلا يدخل في: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ ونحوه، بل قيل: هذا الحديث يقتضي أنه لا يسمى ولدًا قبل أربعة أشهر؛ لأنه سماه قبلها نطفةً وعلقةً ومضغةً، ولا يُسمى شيءٌ من ذلك بولدٍ لغةً ولا عرفًا، فلا تثبت به أُمِّيَّة الولد. ولا يقال: إنه مشتقٌّ من الولادة؛ وهي: الخروج من الرحم؛ لأنه يلزم عليه صيرورتها أمَّ ولدٍ بخروج النطفة، والقولُ به بعيدٌ عن دليل الشرع، وإنما صار بعض الفقهاء إلى صيرورتها أُمِّ ولدٍ بدون ما ذكرناه؛ حرصًا على عتقها، وتشوفًا إليه ولو بسببٍ ضعيفٍ. اهـ ومنعُه تسميته ولدًا لغةً وعرفًا قبل الأربعة. . ممنوعٌ، بل حيث وجد ما شرطناه فيه آنفًا. . يسمى ولدًا عرفًا (١)؛ بخلاف النطفة، لا تسمى مطلقًا، وكذا العلقة، وضمانه بالجناية نظير ما مر في العدة. وقال علي كرم اللَّه وجهه: (لا يضمن حتى تمضي عليه الأطوار السبعة المذكورة

стр. 207

أولَ "المؤمنين") (١) وهي: السلالة، والنطفة، والعلقة، والمضغة، ثم العظام، ثم كسوَتها لحمًا، ثم إنشاؤها خلقًا آخر. (فو) اللَّه (الذي لا إله غيره) (٢) فيه الحلف من غير استحلاف، ولا كراهة فيه إذا كان لعذر؛ كتأكيد أو ترهيب، أو تعجُّب أو تعجيب كما هنا؛ فإن العرب إذا تعجَّبت من شيء. . أقسمت عليه، وزاد (الذي. . . إلخ) لمناسبة المقام؛ فإنه تعالى المنفرد بالألوهية، المستلزمة لانفراده بخلق الأعمال من خيرٍ وشرٍّ، المعبَّر عنه فيما مر بالإيمان بالقدر، ومن ثَمَّ كان هذا المحلوف عليه مأخوذًا من آيات القدر؛ نحو: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾، وأحاديثِهِ؛ كحديث محاجَّة آدم وموسى عليهما الصلاة والسلام (٣)، وحديث: "كلٌّ ميسرٌ لما خلق له" (٤)، وحديث: "اعملوا على مواقع القدر" (٥). (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون) بالرفع؛ لأن (ما) كفَّت (حتى) (٦) (بينه وبينها إلا ذراع) هو من باب التمثيل المقرر في علم البيان، فهو تمثيل للقرب من موته ودخوله عقبه إحدى الدارين؛ أي: ما بقي بينه وبين أن يصلها إلا كمن بقي بينه وبين مقصده ذراع. (فيسبق عليه الكتاب) أي: المكتوب له في بطن أمه، مستندًا إلى سابق العلم الأزلي فيه، ويصح بقاؤه على مصدريته.

стр. 208

(فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها) تفريعٌ على ما مهَّده ﷺ من كتابة السعادة والشقاوة عند نفخ الروح مطابقين لما في العلم الأزلي؛ لبيان أن الخاتمة إنما هي على وفق تلك الكتابة، ولا عبرة بظواهر الأعمال قبلها بالنسبة لحقيقة الأمر وإن اعتبر بها من حيث كونها علامة كما يأتي بسطه، إما لكفره (١)، فيكون دخولَ خلودٍ، وإما لمعصيته، فيكون دخول تطهيرٍ، قال القاضي وغيره: وهذا نادرٌ جدًا؛ لخبر: "إن رحمتي سبقت غضبي" (٢)، وفي رواية: "تغلب غضبي" (٣)، بخلاف ما بعده؛ فإنه كثيرٌ، فلله الحمد والمِنَّة على ذلك. (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب) بالمعنى السابق (فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها) أي: بحكم القدر الجاري عليه في هذا وما قبله، المستند إلى خلق الدواعي والصوارف في قلبه إلى ما يصدر عنه من أفعال الخير، فمن سبقت له السعادة. . صرف اللَّه تعالى قلبه إلى خيرِ يختم له به، وعكسه بعكسه. وفي بعض روايات هذا الحديث: "وإنما الأعمال بالخواتيم" (٤)، و: "الأعمال بخواتيمها" (٥). وفي حديثٍ صحيحٍ: "اعملوا؛ فكلٌّ ميسرٌ لما خلق له" (٦) أي: فذو السعادة ميسرٌ لعمل أهلها، وذو الشقاوة ميسرٌ لعمل أهلها، وهذا أيضًا فيه إشارة إلى تصريف كلٍّ في أفعاله إلى ما يراد به بحسب القدر الجاري عليه، المستند إلى سابق العلم به بحسب خلق تلك الدواعي والصوارف فيه، المشارِ إليه بقوله ﷺ :

стр. 209

"قلوب الخلق بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء" (١). فتصرُّفه تعالى في خلقه إما ظاهرٌ بخرق العادات كالمعجزة، أو نصبِ الأدلة كالأحكام التكليفية، وإما باطنٌ بتقدير الأسباب نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾، أو بخلق الدواعي والصوارف، نحو قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾، ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾، ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، "يا مقلب القلوب؛ ثبِّت قلبي على دينك" (٢) أي: طاعتك (٣). ومعنى سببية الأعمال (٤) للسعادة والشقاوة الدال عليها الحديث: أنه تعالى خلق الخلق وركَّب فيهم طباع الخير والشر، فعلم ما يكون منهم بحسب مقتضى طباعهم المركوزة فيهم، فلو أسعدهم وأشقاهم اعتمادًا على سابق علمه وحكمته. . لكان في ذلك مأمونًا غير متهمٍ؛ لكنَّه تعالى عادلٌ في حكمه، حكيمٌ في عدله، والحكمة تقتضي اجتناب مظانِّ التُّهم ولو من سُخفاء العقول، فلو عذَّب بعضهم بموجَب علمه فيهم. . لاتهموه، فدفع هذه التهمة بأن كلَّفهم حتى ظهرت معصيتهم على طباعهم المركوزة فيهم من القوة إلى الفعل، وهذا هو سرُّ قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، وقوله ﷺ في أطفال المشركين: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين" (٥) لكن الأصح: أنهم في الجنة. وإنما اقتصر في الحديث على قسمين مع أن الأقسام أربعةٌ؛ لظهور حكم القسمين الآخرين: مَنْ عمل بعمل أهل الجنة أو النار، من أول عمره إلى آخره. وقد اختلف أهل التحقيق؛ فمنهم من راعى حكم السابقة وجعلها نصب عينيه، ومنهم من راعى حكم الخاتمة، والأول أَولى؛ لأنه تعالى سبق في علمه الأزلي سعيد العالم وشقيه، ثم رتَّب على هذا السبق الخاتمةَ عند الموت بحسب صلاح العمل

стр. 210

عندها وفساده، وعلي الخاتمة سعادةَ الآخرة وشقاوتَها، والمبني على المبني على الشيء مبنيٌّ على ذلك الشيء (١)، فحقيقة السعادة أو الشقاوة مبنيةٌ على سابق العلم بها (٢)، فهي إذن أَولى بالخوف منها والمراعاة لها. قال أبو المظفر السمعاني: وسبيلُ باب القدر -أي: المستفاد من الأحاديث والآيات السابقة- التوقيفُ من الكتاب والسنة، فمن عدل عنهما لقياسٍ أو عقلٍ. . ضلَّ وتاهَ، ولم يصِلْ إلى ما يطمئن إليه قلبه؛ لأن القدر سرٌّ من أسرار اللَّه تعالى، ضُربت دونه أستارٌ اختص اللَّه تعالى بها، وحجبها عن عقول خلقه حتى الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين، قيل: ولا ينكشف إلا بعد دخول الجنة. وأفاد الحديث: أن التوبة تهدم ما قبلها من الذنوب، وأن من مات على خيرٍ أو شرٍّ. . أُديرت عليه أحكامه. نعم؛ الميت فاسقًا تحت المشيئة، خلافًا للمعتزلة. وأن عمل مَنْ سبق في علم اللَّه موتُه على الكفر يكون صحيحًا مُقرِّبًا للجنة، حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع، وأن عمل مَنْ سبق في العلم موتُه على الإسلام يكون باطلًا مُقرِّبًا من النار، حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع، لكن لا مطلقًا في هذين، بل باعتبار ما يظهر لنا؛ كما دلَّ عليه خبر مسلم: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار" (٣). أما باعتبار ما في نفس الأمر. . فالأول لم يصح له عملٌ قط (٤)، فلم يقرب من الجنة شيئًا مطلقًا؛ لأنه كافرٌ في الباطن، وأما الثاني. . فعملُه الذي لا يحتاج لنيةٍ صحيحٌ، والذي يحتاج إليها باطلٌ من حيث عدمُ وجودها. هذا فيما صورته سورة خيرٍ، وأما ما عداه. . فلا يؤثر فيه الكفر؛ لخبر: "أسلمت على ما سلف لك من خير" (٥).

стр. 211

وأن العبرة إنما هو بسابق القضاء؛ إذ لا تغيير فيه ولا تبديل، ويوافقه حديث: "الشقي مَنْ شقي في بطن أمه" (١) أي: يظهر من حاله للملائكة، أو لمن شاء من خلقه ما سبق في علم اللَّه الأزلي وقضائِهِ الإلهي، الذي لا يقبل تغييرًا ولا تبديلًا؛ من سعادته، أو شقاوته، ومن رزقه، وأجله، وعمله، ألا ترى الملائكة كيف تستخرج ما عند اللَّه من علم حال النطفة وتقول: يا رب؛ ما الرزق؟ ما الأجل؟ قال: فيقضي ربك ما شاء؛ أي: يُظهر من قضائه وحكمه للملائكة ما سبق به علمه، ونطقت به إرادته (٢)، ويكتب الملك من اللوح المحفوظ كما مر، ثم يخرج بالصحيفة؛ أي: من حال الغيبة عن هذا العالم إلى حال المشاهدة، فيُطلع اللَّه تعالى عليها مَنْ شاء من الملائكة الموكلين بأحواله؛ ليقوموا بما عليهم حسبما سُطِّر في صحيفته. ولا ينافي ذلك كله خبر: "إنما الأعمال بالخواتيم" (٣) لأن ربطها بها إنما هو لكون السابقة مستورةً عنَّا، والخاتمة ظاهرة لنا، فكانت الأعمال بها بالنسبة إلى ما عندنا، واطلاعِنا في بعض الأشخاص والأحوال، وأنه ينبغي ترك الإعجاب بالعمل، والالتفات والركون إليه، وأن يعول على كرم اللَّه تعالى ورحمته، والاعتراف بمنَّته؛ كما قال ﷺ : "لن ينجي أحدًا منكم عملُه. . . " الحديث (٤)، لكن ثبتت الأحاديث بالنهي عن ترك العمل والاتكال على ما سبق به القدر، بل يتعيَّن العمل، كما قال ﷺ : "اعملوا، فكلٌّ ميسرٌ لما خُلق له" (٥)، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. فينبغي التيقُّظ لهذا؛ فإنه مزَلةُ قدَمٍ لمن لا علم عنده ولا يقين، فإن الشيطان

стр. 212

وأعوانه من النفس وغيرها ربما أوحوا إلى الإنسان أنه لا عبرة بالعمل، وإنما العبرة بالسابقة أو الخاتمة على ما مر، فمن سعد ثَمَّ. . لا يضره أيُّ شرٍّ اقترفه، ومن شقي ثَمَّ. . لا ينفعه أيُّ خيرٍ اكتسبه، فيصغَى إليهم؛ لظهور حجتهم وزخرفتها، ويترك أعمال الخير، وينهمك في قبائح الشر، وما دَرَى المسكين أن هذا تمويهٌ عليه، وإضلالٌ له، وغفلةٌ عمَّا وضعه اللَّه تعالى من الأسباب الدالة على مسبباتها، بل والمستلزمة لها عادة (١). وأما انخرامها بموت من كانت أعمالُه صالحةً على الكفر. . ففي غاية الندور، والنادر لا تنخرم به القواعد الكلية، على أن غاية المنهمك في الشر إذا فُرض موتُه على الإسلام النجاةُ من الخلود في النار، على ما فيه من خلافٍ لنحو المعتزلة. وأما حوزه لشيءٍ من الكمالات. . فبعيدٌ عنه، فوجب عليه تحرِّي الأعمال الصالحة، وأن يغلب الرجاء في اللَّه تعالى وفضله بإماتته إياه على الإسلام؛ لأنه على هذا التقدير يكون من ملوك الجنة وساداتهم. فإن فُرض -والعياذ باللَّه تعالى- خلافُ ذلك. . لم تضره تلك الأعمال شيئًا، بل ربما خفَّفت عنه؛ فإن الكافر معاقبٌ على المعاصي مع الكفر، فمن لا معاصي له إنما يعاقب على الكفر فقط (٢)، فلا ضرر في الأعمال الصالحة بوجهٍ، بل إن الغالب -بل المطَّرد- نفعها وحوز الكمالات بسببها، فأي حجةٍ في العدول عنها؟! فظهر لك أن تلك الحجة التي أقامها إبليس إنما هي كلمةُ حقٍّ أُريد بها باطل، فافهم ذلك وتدبَّره؛ فإنه أهم ما يعتني به المكلف، ويجعله نصب عينيه، وإلَّا. . زلَّ به القدم، وندم حيث لا ينفعه الندم، نسأل اللَّه دوام رضوانه، وسوابغ امتنانه، آمين.

стр. 213

وفي "الصحيحين" أنه ﷺ قال: "ما من نفسٍ منفوسةٍ إلا وقد كتب اللَّه مكانها من الجنة والنار" فقال رجلٌ: يا رسول اللَّه؛ أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال: "اعملوا؛ فكلٌ ميسرٌ لما خُلق له، أما أهل السعادة. . فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة. . فييسرون لعمل أهل الشقاوة" ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الآيتينِ (١)، ففيه: أن الكتاب سبق بالسعادة والشقاوة، وأنهما مقدران بحسب الأعمال، وأن كلًّا ميسرٌ لما خُلِق له من الأعمال التي هي سببٌ لهما، وروي هذا المعنى عنه ﷺ من وجوهٍ كثيرةٍ. (رواه البخاري ومسلم) وهو حديثٌ عظيمٌ جليلٌ، يتعلَّق بمبدأ الخلق ونهايته، وأحكام القدر في المبدأ والمعاد، وإنكارُ عمرو بن عبيدٍ من زهَّاد القدرية له من ضلالاته وخرافاته، وحماقته وجهالاته. وأما ما بيَّنه الخطيب الحافظ وبرهن عليه من أن: "فواللَّه الذي لا إله غيره. . . إلخ" من كلام ابن مسعود. . فمردودٌ عليه، وورودُهُ عنه مدرجًا من قوله في رواية لا تقاوم رواية "الصحيحين" هذه الصريحة في رفعه (٢). وعلي التنزل وأنه مدرجٌ من قوله. . فلا ينسب إليه إلا اللفظ، وأما المعنى. . فهو صحيحٌ عنه ﷺ من طرقٍ صحيحةٍ؛ منها للبخاري: "إنما الأعمال بالخواتيم" (٣). ومنها لابن حبان في "صحيحه": "إنما الأعمال بخواتيمها كالوعاء، فإذا طاب أعلاه. . طاب أسفله، وإذا خبث أعلاه. . خبث أسفله" (٤). ومنها لمسلمٍ: "إن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له

стр. 214

بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له بعمل أهل الجنة" (١). وأخرج أحمد: "لا عليكم ألَّا تعجبوا بأحدٍ حتى تنظروا ما يُختم له. . . " الحديث (٢)، وأحمد والترمذي والنسائي عن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما (٣) قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ وفي يده كتابان، فقال: "أتدرون ما هذان الكتابان؟ " قلنا: لا يا رسول اللَّه إلا أن تخبرنا، فقال للذي في يده اليمنى (٤): "هذا كتابٌ من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يُزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا" ثم قال للذي في شماله: "هذا كتابٌ من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا" فقال أصحابه: ففيم العمل -يا رسول اللَّه- إن كان أمرٌ قد فُرغ منه؟ فقال: "سدِّدوا وقاربوا؛ فإنَّ صاحب الجنة يُختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أيَّ عملٍ، وإنَّ صاحب النار يُختم له بعمل أهل النار وإن عمل أيَّ عملٍ" ثم قال ﷺ بيديه فنبذهما، ثم قال: "فرغ ربكم من العباد، فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السعير" (٥) وروي هذا الحديث من وجوهٍ متعددة. وحديث البخاري (٦) في الرجل الذي قاتل المشركين أبلغ القتال، وقوله ﷺ : "إنه من أهل النار" فجُرح فلم يصبر فقتل نفسه؛ فلمَّا بلغ ذلك النبي ﷺ . . قال: "إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو

стр. 215

من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة" (١). وفي قوله فيه: "فيما يبدو للناس" إشارةٌ إلى أن باطن الأمر قد يكون بخلاف ظاهره، وأن خاتمة السوء تكون -والعياذ باللَّه تعالى- بسبب دسيسةٍ باطنيةٍ للعبد، ولا يطلع عليها الناس، وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار وفي باطنه خصلةُ خيرٍ خفيةٌ تغلب عليه آخر عمره، فتوجب له حسن الخاتمة. وحكى عبد العزيز بن [أبي] رَوَّاد قال: حضرت عند محتضرٍ لُقِّن الشهادتين، فقال: هو كافرٌ بهما، فسأل عنه، فإذا هو مدمن خمر، وكان عبد العزيز يقول: (اتقوا الذنوب؛ فإنها هي التي أوقعته) (٢). وأخرج الإمام أحمد والترمذي: أنه ﷺ كان يكثر في دعائه: "يا مقلب القلوب؛ ثبِّتْ قلبي على دينك" فقيل له: يا رسول اللَّه؛ آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: "نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع اللَّه ، يُقلِّبها كيف يشاء" (٣). وأخرج مسلم: "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلبٍ واحدٍ، يصرفه حيث يشاء" ثم قال ﷺ : "اللهم مصرف القلوب؛ صرِّف قلوبنا على طاعتك" (٤). * * *
следующие страницы →