← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8889

الفتح المبين بشرح الأربعين

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (662 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وأن العبرة إنما هو بسابق القضاء؛ إذ لا تغيير فيه ولا تبديل، ويوافقه حديث: "الشقي مَنْ شقي في بطن أمه" (١) أي: يظهر من حاله للملائكة، أو لمن شاء من خلقه ما سبق في علم اللَّه الأزلي وقضائِهِ الإلهي، الذي لا يقبل تغييرًا ولا تبديلًا؛ من سعادته، أو شقاوته، ومن رزقه، وأجله، وعمله، ألا ترى الملائكة كيف تستخرج ما عند اللَّه من علم حال النطفة وتقول: يا رب؛ ما الرزق؟ ما الأجل؟ قال: فيقضي ربك ما شاء؛ أي: يُظهر من قضائه وحكمه للملائكة ما سبق به علمه، ونطقت به إرادته (٢)، ويكتب الملك من اللوح المحفوظ كما مر، ثم يخرج بالصحيفة؛ أي: من حال الغيبة عن هذا العالم إلى حال المشاهدة، فيُطلع اللَّه تعالى عليها مَنْ شاء من الملائكة الموكلين بأحواله؛ ليقوموا بما عليهم حسبما سُطِّر في صحيفته. ولا ينافي ذلك كله خبر: "إنما الأعمال بالخواتيم" (٣) لأن ربطها بها إنما هو لكون السابقة مستورةً عنَّا، والخاتمة ظاهرة لنا، فكانت الأعمال بها بالنسبة إلى ما عندنا، واطلاعِنا في بعض الأشخاص والأحوال، وأنه ينبغي ترك الإعجاب بالعمل، والالتفات والركون إليه، وأن يعول على كرم اللَّه تعالى ورحمته، والاعتراف بمنَّته؛ كما قال ﷺ : "لن ينجي أحدًا منكم عملُه. . . " الحديث (٤)، لكن ثبتت الأحاديث بالنهي عن ترك العمل والاتكال على ما سبق به القدر، بل يتعيَّن العمل، كما قال ﷺ : "اعملوا، فكلٌّ ميسرٌ لما خُلق له" (٥)، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. فينبغي التيقُّظ لهذا؛ فإنه مزَلةُ قدَمٍ لمن لا علم عنده ولا يقين، فإن الشيطان

стр. 212

وأعوانه من النفس وغيرها ربما أوحوا إلى الإنسان أنه لا عبرة بالعمل، وإنما العبرة بالسابقة أو الخاتمة على ما مر، فمن سعد ثَمَّ. . لا يضره أيُّ شرٍّ اقترفه، ومن شقي ثَمَّ. . لا ينفعه أيُّ خيرٍ اكتسبه، فيصغَى إليهم؛ لظهور حجتهم وزخرفتها، ويترك أعمال الخير، وينهمك في قبائح الشر، وما دَرَى المسكين أن هذا تمويهٌ عليه، وإضلالٌ له، وغفلةٌ عمَّا وضعه اللَّه تعالى من الأسباب الدالة على مسبباتها، بل والمستلزمة لها عادة (١). وأما انخرامها بموت من كانت أعمالُه صالحةً على الكفر. . ففي غاية الندور، والنادر لا تنخرم به القواعد الكلية، على أن غاية المنهمك في الشر إذا فُرض موتُه على الإسلام النجاةُ من الخلود في النار، على ما فيه من خلافٍ لنحو المعتزلة. وأما حوزه لشيءٍ من الكمالات. . فبعيدٌ عنه، فوجب عليه تحرِّي الأعمال الصالحة، وأن يغلب الرجاء في اللَّه تعالى وفضله بإماتته إياه على الإسلام؛ لأنه على هذا التقدير يكون من ملوك الجنة وساداتهم. فإن فُرض -والعياذ باللَّه تعالى- خلافُ ذلك. . لم تضره تلك الأعمال شيئًا، بل ربما خفَّفت عنه؛ فإن الكافر معاقبٌ على المعاصي مع الكفر، فمن لا معاصي له إنما يعاقب على الكفر فقط (٢)، فلا ضرر في الأعمال الصالحة بوجهٍ، بل إن الغالب -بل المطَّرد- نفعها وحوز الكمالات بسببها، فأي حجةٍ في العدول عنها؟! فظهر لك أن تلك الحجة التي أقامها إبليس إنما هي كلمةُ حقٍّ أُريد بها باطل، فافهم ذلك وتدبَّره؛ فإنه أهم ما يعتني به المكلف، ويجعله نصب عينيه، وإلَّا. . زلَّ به القدم، وندم حيث لا ينفعه الندم، نسأل اللَّه دوام رضوانه، وسوابغ امتنانه، آمين.

стр. 213

وفي "الصحيحين" أنه ﷺ قال: "ما من نفسٍ منفوسةٍ إلا وقد كتب اللَّه مكانها من الجنة والنار" فقال رجلٌ: يا رسول اللَّه؛ أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال: "اعملوا؛ فكلٌ ميسرٌ لما خُلق له، أما أهل السعادة. . فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة. . فييسرون لعمل أهل الشقاوة" ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الآيتينِ (١)، ففيه: أن الكتاب سبق بالسعادة والشقاوة، وأنهما مقدران بحسب الأعمال، وأن كلًّا ميسرٌ لما خُلِق له من الأعمال التي هي سببٌ لهما، وروي هذا المعنى عنه ﷺ من وجوهٍ كثيرةٍ. (رواه البخاري ومسلم) وهو حديثٌ عظيمٌ جليلٌ، يتعلَّق بمبدأ الخلق ونهايته، وأحكام القدر في المبدأ والمعاد، وإنكارُ عمرو بن عبيدٍ من زهَّاد القدرية له من ضلالاته وخرافاته، وحماقته وجهالاته. وأما ما بيَّنه الخطيب الحافظ وبرهن عليه من أن: "فواللَّه الذي لا إله غيره. . . إلخ" من كلام ابن مسعود. . فمردودٌ عليه، وورودُهُ عنه مدرجًا من قوله في رواية لا تقاوم رواية "الصحيحين" هذه الصريحة في رفعه (٢). وعلي التنزل وأنه مدرجٌ من قوله. . فلا ينسب إليه إلا اللفظ، وأما المعنى. . فهو صحيحٌ عنه ﷺ من طرقٍ صحيحةٍ؛ منها للبخاري: "إنما الأعمال بالخواتيم" (٣). ومنها لابن حبان في "صحيحه": "إنما الأعمال بخواتيمها كالوعاء، فإذا طاب أعلاه. . طاب أسفله، وإذا خبث أعلاه. . خبث أسفله" (٤). ومنها لمسلمٍ: "إن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له

стр. 214

بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له بعمل أهل الجنة" (١). وأخرج أحمد: "لا عليكم ألَّا تعجبوا بأحدٍ حتى تنظروا ما يُختم له. . . " الحديث (٢)، وأحمد والترمذي والنسائي عن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما (٣) قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ وفي يده كتابان، فقال: "أتدرون ما هذان الكتابان؟ " قلنا: لا يا رسول اللَّه إلا أن تخبرنا، فقال للذي في يده اليمنى (٤): "هذا كتابٌ من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يُزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا" ثم قال للذي في شماله: "هذا كتابٌ من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا" فقال أصحابه: ففيم العمل -يا رسول اللَّه- إن كان أمرٌ قد فُرغ منه؟ فقال: "سدِّدوا وقاربوا؛ فإنَّ صاحب الجنة يُختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أيَّ عملٍ، وإنَّ صاحب النار يُختم له بعمل أهل النار وإن عمل أيَّ عملٍ" ثم قال ﷺ بيديه فنبذهما، ثم قال: "فرغ ربكم من العباد، فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السعير" (٥) وروي هذا الحديث من وجوهٍ متعددة. وحديث البخاري (٦) في الرجل الذي قاتل المشركين أبلغ القتال، وقوله ﷺ : "إنه من أهل النار" فجُرح فلم يصبر فقتل نفسه؛ فلمَّا بلغ ذلك النبي ﷺ . . قال: "إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو

стр. 215

من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة" (١). وفي قوله فيه: "فيما يبدو للناس" إشارةٌ إلى أن باطن الأمر قد يكون بخلاف ظاهره، وأن خاتمة السوء تكون -والعياذ باللَّه تعالى- بسبب دسيسةٍ باطنيةٍ للعبد، ولا يطلع عليها الناس، وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار وفي باطنه خصلةُ خيرٍ خفيةٌ تغلب عليه آخر عمره، فتوجب له حسن الخاتمة. وحكى عبد العزيز بن [أبي] رَوَّاد قال: حضرت عند محتضرٍ لُقِّن الشهادتين، فقال: هو كافرٌ بهما، فسأل عنه، فإذا هو مدمن خمر، وكان عبد العزيز يقول: (اتقوا الذنوب؛ فإنها هي التي أوقعته) (٢). وأخرج الإمام أحمد والترمذي: أنه ﷺ كان يكثر في دعائه: "يا مقلب القلوب؛ ثبِّتْ قلبي على دينك" فقيل له: يا رسول اللَّه؛ آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: "نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع اللَّه ، يُقلِّبها كيف يشاء" (٣). وأخرج مسلم: "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلبٍ واحدٍ، يصرفه حيث يشاء" ثم قال ﷺ : "اللهم مصرف القلوب؛ صرِّف قلوبنا على طاعتك" (٤). * * *

стр. 216

الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة] عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ. . فَهُوَ رَدٌّ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (١)، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا. . فَهُوَ رَدٌّ" (٢). (عن أم المؤمنين) أي: في الاحترام والتعظيم وحرمة النكاح، دون نحو النظر والخلوة، وكذا سائر أمهات المؤمنين، وهو ﷺ أبو المؤمنين في الرأفة والرحمة، ونفي أبوته في الآية أُريد به نفي أُبوَّةِ النسب والتبنِّي. (أم عبد اللَّه) كناها ﷺ بابن أختها أسماء عبد اللَّه بن الزبير رضي اللَّه تعالى عنهم، وأبعدَ مَنْ قال: بِسِقْط لها. (عائشة) الصديقة بنت الصديق، الحبيبة بنت الحبيب ﵂ تزوجها ﷺ بمكة وهي بنت ستٍّ، بعد تزوجه بسَوْدة بشهرٍ، وقبل الهجرة بثلاث سنين، ودخل بها في المدينة في شوال منصَرفَهُ من بدر، سنة اثنتين من الهجرة وهي بنت تسع سنين (٣)، وتوفي ﷺ وهي بنت ثمان عشرة سنة.

стр. 217

وعاشت بعده أربعين سنة؛ فإنها توفيت سنة سبع أو ثمان وخمسين، لثلاث عشرة بقيت من رمضان بعد الوتر، وصلَّى عليها أبو هريرة؛ لإمارته على المدينة حينئذٍ من قِبَل مروان. روى لها ألفًا حديث ومئتان وعشرة، وقيل: ألف وعشرة، اتفقا منها على مئة وأربعة وسبعين، وانفرد البخاري بأربعة وسبعين (١)، ومسلم بثمانية وستين. (قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : من أحدث) أي: أنشأ واخترع من قِبَل نفسه (في أمرنا) أي: شأننا الذي نحن عليه؛ وهو ما شرعه اللَّه تعالى ورسوله ﷺ ، واستمر العمل به، ومن ثَمَّ جاء في رواية: "ديننا"، ويطلق ويراد به مصدر (أمَرَ) لكن هذا يجمع على أوامر (٢). (هذا) إشارة لجلالته، ومزيد رفعته وتعظيمه، على حد: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ وإن اختلفا في أداة الإشارة؛ إذ تلك أدل على ذلك من هذا، وقد تأتي الإشارة به للتحقير. (ما ليس منه) مما ينافيه، أو لا يشهد له شيءٌ من قواعده وأدلته العامة (فهو رَدٌّ) أي: مردودٌ على فاعله؛ لبطلانه وعدم الاعتداد به، سواء كانت منافاته لما ذكر لعدم مشروعيته بالكلية، كنذر القيام وعدم الاستظلال، ومن ثَمَّ أبطل ﷺ نذر ذلك (٣)، أو للإخلال بشرطه أو ركنه، عبادةً كانت أو عقدًا، فلا ينقل الملك مطلقًا على الأصح (٤) من خلافٍ طويلٍ فيه للعلماء (٥)، أو للزيادة على المشروع

стр. 218

فيه في نحو الصلاة دون نحو الوضوء، أو لارتكابه منهياته (١)، كالصلاة بنحو مغصوبٍ أو فيه، والحج بمالٍ حرامٍ، والذبح بمغصوب؛ والاعتكاف مع اقتراف كبيرة، والصوم مع نحو كذب، والبيع مع نحو النجش وغيره مما نُهي عنه لأمرٍ خارجٍ، وهبةِ بعض الأولاد على رأيٍ ضعيفٍ في الجميع (٢). والأصح: الصحة؛ لأن النهي في هذه لأمرٍ خارجٍ بخلافه للذات؛ فإنه يبطلها؛ كذبح المحرم للصيد، ولبسه للخف بلا عذر، فلا يمسح عليه، وجماعِ الصائم، أو الحاجِّ قبل التحلُّل. أما ما لا ينافي ذلك بأن شهد له شيءٌ من أدلة الشرع أو قواعده. . فليس يُردُّ على فاعله، بل هو مقبولٌ منه، وذلك كبناء نحو الربط وخانات السبل (٣)، وسائر أنواع البِرِّ التي لم تُعهَد في الصدر الأول؛ فإنه موافقٌ لما جاءت به الشريعة من اصطناع المعروف، والمعاونة على البِر والتقوى، وكالتصنيف في جميع العلوم النافعة الشرعية على اختلاف فنونها، وتقرير قواعدها، وكثرة التفريعات، وفرض ما لم يقع وبيان حكمه، وتفسير القرآن والسنة (٤)، والكلام على الأسانيد والمتون، وتتبع كلام العرب نثره ونظمه، وتدوين كل ذلك، واستخراج علوم اللغة؛ كالنحو والمعاني، والبيان والأوزان، فذلك كله وما شاكله معلومٌ حُسْنُه، ظاهرٌ فائدته؛ معينٌ على معرفة كتاب اللَّه تعالى وفهم معاني كتابه، وسنة رسوله ﷺ ، فيكون مأمورًا به. وكتفريع الأصول والفروع، وما يحتاجان إليه من الحساب وغيره من العلوم الآلية، وككتابة القرآن في المصاحف، ووضع المذاهب وتدوينها، وتصنيف الكتب ومزيد إيضاحها وتبيينها، وغير ذلك مما مرجعه ومنتهاه إلى الدين بواسطةٍ أو وسائط؛ فإنه مقبولٌ من فاعله، مثابٌ ممدوحٌ عليه.

стр. 219

ومن ثَمَّ استجاز كثيرًا منه الصحابةُ رضوان اللَّه تعالى عليهم (١)، كما وقع لأبي بكر وعمر وزيد بن ثابت رضي اللَّه تعالى عنهم في جمع القرآن؛ فإن عمر أشار به على أبي بكر؛ خوفًا من اندراس القرآن بموت الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم لمَّا كثر فيهم القتلُ يوم اليمامة وغيره، فتوقَّف لكونه صورةَ بدعة، ثم شرح اللَّه صدره لفعله؛ لأنه ظهر له أنه يرجع إلى الدين، وأنه غير خارجٍ عنه، ومن ثَمَّ لمَّا دعا زيد بن ثابت وأمره بالجمع. . قال له: (كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول اللَّه ﷺ ؟!) فقال: (واللَّه إنه حقٌّ) ولم يزل يراجعه حتى شرح اللَّه صدره للذي شرح له صدرهما (٢). وكما وقع لعمر رضي اللَّه تعالى عنه في جمع الناس لصلاة التراويح في المسجد، مع تركه ﷺ لذلك بعد أن كان فعله لياليَ؛ وقال -أعني عمرَ ﵁: (نعمت البدعة هي) (٣) أي: لأنها وإن أُحدثت ليس فيها رَدٌّ لِمَا مضى، بل موافقةٌ له؛ لأنه ﷺ علَّل الترك بخشية الافتراض، وقد زال ذلك بوفاته ﷺ . وقال الشافعي ﵁: (ما أُحدث وخالف كتابًا أو سنةً أو إجماعًا أو أثرًا. . فهو البدعة الضَّالة، وما أُحدث من الخير ولم يخالف شيئًا من ذلك. . فهو البدعة المحمودة) (٤). والحاصل: أن البدع الحسنة متفقٌ على ندبها؛ وهي: ما وافق شيئًا ممَّا مرَّ ولم

стр. 220

يلزم من فعله محذورٌ شرعيٌّ، ومنها ما هو فرض كفاية؛ كتصنيف العلوم ونحوها مما مر. قال الإمام أبو شامة شيخ المصنف رحمهما اللَّه تعالى: (ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل كل عامٍ في اليوم الموافق ليوم مولده ﷺ من الصدقات، والمعروف، وإظهار الزينة والسرور؛ فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان إلى الفقراء مشعرٌ بمحبته ﷺ ، وتعظيمه، وجلالته في قلب فاعل ذلك، وشكرِ اللَّه على ما منَّ به من إيجاد رسوله ﷺ ، الذي أرسله رحمة للعالمين ﷺ (١). وأن البدع السيئة -وهي: ما خالف شيئًا من ذلك صريحًا أو التزامًا- قد تنتهي إلى ما يوجب التحريم تارةً، والكراهة أخرى، وإلى ما يظن أنه طاعةٌ وقُربةٌ: فمن الأول: الانتماء إلى جماعةٍ يزعمون التصوف، ويخالفون ما كان عليه مشايخ الطريق من الزهد والورع وسائر الكمالات المشهورة عنهم، بل كثيرٌ من أولئك إباحيَّة لا يُحرِّمون حرامًا؛ لتلبيس الشيطان عليهم أحوالَهم القبيحة الشنيعة، فهم باسم الفسق أو الكفر أحق منهم باسم التصوف أو الفقر (٢). ومنه: ما عمَّ به الابتلاء، من تزيين الشيطان للعامة تخليقَ حائطٍ أو عمودٍ (٣)، وتعظيمَ نحو عينٍ أو حجرٍ أو شجرةٍ لرجاء شفاءٍ أو قضاء حاجة، وقبائحهم في هذا ظاهرةٌ غنيةٌ عن الإيضاح والبيان. وقد صحَّ: أن الصحابة ﵃ مروا بشجرة سدرة قبل حنين، كان المشركون يعظمونها، وينوطون بها أسلحتهم -أي: يعلقونها بها- فقالوا: يا رسول اللَّه؛ اجعل لنا ذات أنواطٍ كما لهم ذات أنواط، فقال رسول اللَّه صلى اللَّه

стр. 221

عليه وسلم: "اللَّه أكبر، هذا كما قال قوم موسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ لتركبنَّ سَنَن مَنْ كان قبلكم" (١). ومن الثاني -ومنشؤه أن الشرع يخص عبادةً بزمنٍ، أو مكانٍ، أو شخصٍ، أو حالٍ، فيعمِّمونها جهلًا وظنًا أنها طاعة مطلقًا-: نحو صوم يوم الشَّك، أو التشويق، والوصال، وغيرها، مما لو قيل لهم: لا تفسدوا في الأرض. . قالوا: إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون. ومنه: التعريف بغير عرفة عند جمعٍ من السلف (٢)، لكن استحسنه آخرون منهم، فخفَّ أمره إلا في نحو ما يفعل ببيت المقدس؛ لاقترانه بمفاسد كثيرة، كما نبَّه عليه العلماء. ومنه: الصلاة ليلة الرغائب أولَ جمعةٍ في رجب، وليلة النصف من شعبان، فهما بدعتان مذمومتان، خلافًا لمن استحسنهما، وحديثهما موضوعٌ، كما بيَّنه المصنفُ رحمه اللَّه تعالى في "شرح المهذب" (٣) وغيرُه ممن قبله وبعده، وردُّوا على ابن الصلاح رجوعه عن موافقتهم إلى الانتصار لهما، وأبطلوا جميع ما استدل به، وهو كما قالوا (٤)، وهو في الثَّانية على كيفيات: مئة ركعة بألف ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وثنتي عشرة ركعة في كل ركعةٍ ثلاثون مرة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وأربع عشرة ركعة، ثم يجلس فيقرأ (الفاتحة) و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوّذتين كلًّا أربعة عشر، و (آية الكرسي) مرة، و ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ الآيةَ، وكلها موضوعة. والكلام في خصوص إحيائهما بالكيفية المشهورة بين العوام دون غيرهما من الليالي، فلا ينافيه ما جاء في ليلة نصف شعبان، كخبر: "قوموا ليلها، وصوموا يومها" (٥)، وكخبر: (أنه تعالى يغفر ليلتها لأكثر من عدد شعر غنم

стр. 222

كلب) (١)، وخبر: (أنه تعالى يغفر ليلتها لجميع خلقه إلا لمشركٍ أو مشاحنٍ) (٢)، على أن هذه الثلاثة ضعيفةٌ بالمرة، وإن أخرج الأول الترمذي (٣)، ومن ثَمَّ قال ابن العربي رحمه اللَّه تعالى: (ليس فيها حديثٌ يساوي سماعه) (٤). نعم؛ أخرج البيهقي أنه ﷺ صلى ليلته وقال: "في هذه الليلة يكتب كل مولودٍ وهالكٍ من بني آدم، وفيها تُرفع أعمالهم، وتنزل أرزاقهم"، وأنه قال: "إن للَّه تعالى في هذه الليلة عتقاء من النار بعدد شعر غنم كلب" (٥) قال: (وفي إسنادهما بعض من يجهل، وإذا انضم أحدهما إلى الآخر. . أجدى بعض القوة) اهـ ولا شاهد فيهما، وإن أجدى بعض القوة؛ إذ ليس فيهما صلاة مخصوصة، وقيام الليل سُنَّةٌ مطلقًا، فصلاته ﷺ فيها كصلاته في غيرها؛ فإنه كان لا يتركها لوجوبها عليه (٦). ومنه: الوقود ليلة عرفة، والمشعر الحرام، والاجتماع ليالي الختوم آخر رمضان، ونصب المنابر والخطب عليها؛ فيكره ما لم يكن فيه اختلاط الرجال بالنساء؛ بأن تتضامَّ أجسامهم؛ فإنه حرامٌ وفسقٌ. قيل: ومن البدع: صوم رجب، وليس كذلك، بل هو سنةٌ فاضلةٌ، كما بينتُه في "الفتاوى" وبسطت الكلام فيه (٧). وقولُ بعض الشافعية: منها: مداومة الإمام على قراءة (السجدة) و (هل أتى)

стр. 223

في صبح الجمعة. . ليس في محله، كما بينتُه في "شرح العباب" وغيره، وروى الطبراني: أنه ﷺ (كان يقرؤهما فيه كل جمعة) (١). وكذا قوله: منها: الاضطجاع بين سنة الفجر وفرضه، كيف وقد صحَّ عنه ﷺ فعله (٢)، والأمر بها؟! ومن ثَمَّ أوجبه بعض الظاهرية. (رواه البخاري ومسلم) وهو قاعدةٌ عظيمةٌ من قواعد الإسلام، بل من أعظمها، وأعمها نفعًا من جهة منطوقه؛ لأنه مقدمةٌ كليةٌ في كل دليلٍ يستنتج منه حكمٌ شرعي، كما يقال في الوضوء بماء مغصوبٍ، أو نجسٍ، أو بلا نيةٍ، وفي الصلاة مع نحو كشف العورة، وفي بيع نحو النجس (٣)، ونكاح نحو الشغار: هذا أمرٌ ليس من الشرع، وليس عليه أمره، وكل ما كان كذلك. . فهو باطلٌ، فهذا العمل باطلٌ ومردودٌ. أما الكبرى. . فلا نزاع فيها (٤)، وأما الصغرى (٥). فدليلها ما نحن فيه (٦)، ومن جهة مفهومه؛ إذ مفهومه: أن كل عملٍ غير محدثٍ صحيحٌ مقبولٌ، فيقال في نحو الوضوء مثلًا بدون نحو مضمضة: هذا عليه أمر الشرع، وكل ما كان كذلك. . صحيحٌ، فهذا صحيحٌ. أما الكبرى. . فثابتةٌ بمفهوم هذا الحديث، وأما الصغرى. . فيثبتها المستدل بدليلها. قال بعض الأئمة: وهو ثلث الإسلام، وكأن وجهه أن أحكام الشرع إما منصوصة نصًا لا يحتمل التأويل، أو يحتمله، أو مستنبطة ومآلها إليه منطوقًا أو مفهومًا، كما قررناه، على أنه يصح أن يكون نصف الأدلة؛ لأن الدليل إنما يتركَّب من صغرى

стр. 224

وكبرى، ثم المطلوب إما إثبات الحكم أو نفيه، وهذا الحديث مقدمةٌ في إثبات كل حكمٍ شرعيٍّ ونفيه باعتبار منطوقه ومفهومه، كما مر، فلو وجد حديث مقدمة صغرى لإثباتِ أو نفي كل حكمٍ شرعي. . لَاسْتَقَلَّا بأدلة الأحكام (١)، لكن هذا لم يوجد، فكان ذلك نصفًا بهذا الاعتبار. وقال بعضهم: إنه مما ينبغي حفظه وإذاعته؛ فإنه أصلٌ عظيمٌ في إبطال جميع المنكرات، وحوادث الضلالات؛ إذ هو من جوامع كلمه ﷺ ، واستمداده من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآيةَ. قال مجاهد: (السبل: البدع والشبهات) (٢). وروى الدارمي: أنه ﷺ خطَّ خطًا ثم قال: "هذا سبيل اللَّه" ثم خطَّ خطوطًا عن يمينه وعن شماله ثم قال: "هذه سُبُلٌ، على كل سبيل منها شيطانٌ يدعو إليه" ثم تلا هذه الآية (٣). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه في "الرسالة": (إلى ما قال اللَّه والرسول) (٤). ويوافقه قوله ميمون بن مهران من فقهاء التابعين: (الردُّ إلى اللَّه: إلى كتابه وإلى رسوله؛ فإذا قبض. . إلى سنته) (٥). وقد كان ﷺ يقول في خطبته: "خير الحديث كتاب اللَّه، وخير الهُدَى هُدَى محمدٍ ﷺ (٦)، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ

стр. 225

بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالةٌ" رواه مسلم (١)، زاد البيهقي: "وكل ضلالةٍ في النار" (٢). وفي الحديث الصحيح: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم والمحدثات؛ فإن كل محدثةٍ بدعةٌ" (٣). وروى الدارمي: أن ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه أنكر على جماعةٍ اجتمعوا في المسجد يعدُّون الأذكار بالحصى، وأشار إليهم بأن يعدوا سيئاتهم، وأنهم مفتتحو باب ضلالة (٤). وينبغي حمل إنكاره على هذه الهيئة المخصوصة، وإلَّا. . فالسُّبحة ورد لها أصلٌ أصيلٌ عن بعض أمهات المؤمنين، وأقرَّها النبي ﷺ على ذلك (٥). وأخرج البيهقي أن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قال: (إن أبغض الأمور إلى اللَّه تعالى البدع، وإن من البدع الاعتكاف في المساجد التي في الدور) (٦). وينبغي حمله على المعتَزَلات المهَيَّأة للصلاة؛ فإن هذه لا يصح الاعتكاف فيها؛ بخلاف ما وُقف منها مسجدًا. وأخرج أبو داوود عن حذيفة: (كل عبادةٍ لم تفعلها الصحابة. . فلا تفعلوها) أي: إلَّا إن دلَّ عليها دليلٌ آخر، وإلَّا. . فكم من عباداتٍ صحَّت عنه ﷺ قولًا وفعلًا ولم تنقل عن أحدٍ منهم (٧). وورد أنه ﷺ قال: "عملٌ قليلٌ في سُنَّةٍ خيرٌ من عملٍ كثيرٍ في بدعة" (٨).

стр. 226

(وفي روايةٍ لمسلم: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا) أي: حكمنا وإذننا، بخلاف غيره مما مر، ومن ثَمَّ سُرَّ رسول اللَّه ﷺ بأخذ خالد رضي اللَّه تعالى عنه اللواء في مؤتة مع عدم أمره له، ومدحه على ذلك؛ لأنه من المصالح العامة، وهي لا تتوقف على أمرٍ بها بخصوصها، وكذا يقال في كل تخصيصٍ لدليلٍ عامٍّ بدليلٍ خاص أو عام؛ لأنه حينئذ عليه أمر الشرع، بخلافه لغير دليل. ومدح ﷺ بلالًا على صلاته ركعتين كلَّما توضأ (١)، مع أنه لم يأخذهما عنه ﷺ نصًا، بل استنباطًا من الأمر بمطلق الصلاة. (فهو رد) أي: مردودٌ عليه، وإن لم يكن هو المحدِث له، فاستُفيد منها زيادة على ما مر، وهي الرد لِمَا قد يحتج به بعض المبتدعة من أنه لم يخترِع، وإنما المخترع مَن سبقه، ويحتج بالرواية الأولى، فيرد عليه بهذه الصريحة في رد المحدثات المخالفة للشريعة بالطريقة التي قدمناها، سواء أحدثها الفاعل، أو سُبِق بإحداثها. وفي الحديث دلالةٌ للقاعدة الأصولية: أن مطلق النهي يقتضي الفساد؛ لأن المنهي عنه مخترعٌ محدثٌ، وقد حُكم عليه بالرد المستلزم للفساد، وزَعْمُ أن القواعد الكلية لا تثبت بخبر الآحاد. . باطلٌ لا يُعوَّل عليه. وفيه أيضًا: دلالة على عدم انعقاد العقود الممنوعة، وعدم ترتُّب أثرها عليه (٢). * * *

стр. 227

الحديث السادس [الابتعاد عن الشُّبهات] عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الْحَلَالَ بَيَّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ. . فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ. . وَقَعَ فِي الْحَرَام، كالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّه مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ. . صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ. . فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (١). (عن أبي عبد اللَّه النعمان بن بشير) بفتح الموحدة، الأنصاري الخزرجي، وأمه صحابية، أخت عبد اللَّه بن رواحة، وأبوه بشير صحابيٌّ أيضًا (٢)، وهو القائل: (يا رسول اللَّه؛ عَلِمْنَا كيف نسلِّم عليك، فكيف نصلِّي عليك إذا نحن صلينا عليك. . .) الحديث (٣)، فلذلك قال المصنف: (رضي اللَّه) تعالى (عنهما).

стр. 228

ولد على رأس أربعة عشر شهرًا من الهجرة على الأصح، وهو أول مولودٍ ولد في الأنصار بعد قدومه ﷺ المدينة، كما أن عبد اللَّه بن الزبير رضي اللَّه تعالى عنهما المولودَ معه في عامه أولُ مولودٍ ولد للمهاجرين. قيل: روي له مئة حديثٍ وأربعة عشر حديثًا. ولي الكوفة لمعاوية، ثم ولي حمص ودعا لابن الزبير، فطلبه أهلها فقتلوه بقريةٍ من قراها سنة أربع وستين. ولم ينفرد برواية هذا الحديث، بل رواه أيضًا سبعةٌ من أكابر الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم (١). (قال: سمعت) في روايةٍ: أنه أهوى إلى أذنيه بإصبعيه (٢)، ففيها تأكيد التصريح بسماعه من النبي ﷺ ، وهذا هو الصحيح، ولا التفات إلى خلافٍ فيه، قاله المصنف (٣). (رسول اللَّه ﷺ يقول: إن الحلال) هو كالحل ضد الحرام لغةً وشرعًا، ويأتي (حِلٌّ) بمعنى مقيم؛ كما في: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. (بَيِّن) أي: ظاهر، وهو ما نص اللَّه تعالى أو رسوله ﷺ ، أو أجمع المسلمون على تحليله بعينه، أو جنسه، ومنه أيضًا: ما لم يُعلَم فيه منعٌ على أشهر القولين كما يأتي. (وإن الحرام بَيِّن) وهو ما نُصَّ أو أُجمع على تحريمه بعينه أو جنسه، أو على أن فيه حدًا، أو تعزيرًا، أو وعيدًا. ثم التحريم: إما لمفسدةٍ أو مضرَّةٍ خفيةٍ كالزنا، ومذكَّى المجوس، وإما لمفسدةٍ أو مضرةٍ واضحةٍ كالسم، والخمر. وبيانه: أن المُنتَفع به إما معدنٌ، أو نباتٌ، أو حيوانٌ، وتوابعه، فالمعادن

стр. 229

بأسرها حلالٌ إلا الضارَّ، على أنه لا يختص بها، بل لو ضرَّ العسل بعض المحرورين. . حرم عليه أكله، والنبات كذلك، إلا ما زال الحياةَ كالسم، أو العقلَ كالخمر، وسائر المسكرات، والمخدرات؛ كالحشيشة، والأفيون، والبنج، وكذا جوزة الطيب، كما أفتيتُ به، ونقلت فيه نص أرباب المذاهب الثلاثة: الشافعية، والمالكية، والحنابلة، وأن ذلك هو مقتضى كلام الحنفية، فاشدد يديك على هذه الفائدة؛ لئلا تقع فيما وهم فيه كثيرون من أنه لا كلام فيها لأحد (١). وأما الحيوان: فكل ما ورد النص على أكله. . فهو حلالٌ كالخيل؛ فقد صحَّتِ الأحاديث بأكلها، وبتحريم الحمر الأهلية، وتحريمُها -أعني الخيل- وتحليلُ النبيذ منابذٌ للسنة الصريحة، وكل ما ورد النص على عدم أكله. . فهو حرام، وما لا نص فيه. . يُرجَع إلى ذوي الطباع السليمة من العرب، فما استخبثوه. . حرامٌ، وما لا. . حلالٌ، وأكل النجس حرامٌ كاستعماله إلا لنحو اضطرارٍ أو تداوٍ؛ لجوازه بصِرْف سائر النجاسات إلا الخمر. وإما لخللٍ في وضع اليد عليه (٢)؛ كالمأخوذ بنحو غصبٍ، أو سرقةٍ، أو عقدٍ فاسدٍ، أو نحو ذلك مما حظره الشرع، بخلافه بنحو عقدٍ صحيحٍ، أو إرثٍ، أو أخذٍ من مباحٍ، أو من غير معصوم، أو ممتنع من نحو زكاة، أو وفاء دَينٍ (٣)، فهذه كلها حلالٌ بيِّن. (وبينهما أمور) (٤) أي: شؤون وأحوال (مشتبهاتٌ) جمع مشتبهٍ؛ وهو: كل ما ليس بواضح الحل والحرمة مما تنازعته الأدلة، وتجاذبته المعاني والأسباب، فبعضها يعضده دليل الحرام، وبعضها يعضده دليل الحلال، ومن ثَمَّ فسر أحمد وإسحاق وغيرهما المشتبه بما اختلف في حل أكله كالخيل، أو شربه كالنبيذ، أو لبسه كجلود السباع، أو كسبه كبيع العِينة (٥).

стр. 230

وفسره أحمد مرة باختلاط الحلال والحرام، وحكم هذا أنه يخرج قدر الحرام، ويأكل الباقي عند كثيرين من العلماء، سواء أقل الحرام أم أكثر. ومن المشتبه معاملة مَنْ في ماله حرام؛ فالورع تركها مطلقًا وإن جازت، وقيل -واعتمده الغزالي-: إن كان أكثر ماله الحرام. . حرمت معاملته (١). ثم الحصر في الثلاثة صحيحٌ؛ لأنه إن نُصَّ أو أُجمِع على الفعل. . فالحلال، أو على المنع جازمًا. . فالحرام، أو سُكِت عنه أو تعارض فيه نصَّان ولم يعلم المتأخر منهما. . فالمشتبه، ولكونه أشكل الثلاثة مسَّتِ الحاجة إلى مزيد بيانه وإيضاحه، فنقول: علم مما مر: أن الحلال المطلق: ما انتفى عن ذاته الصفات المحرِّمة، وعن أسبابه ما يجر إلى خللٍ فيه. ومنه: صيدٌ احتُمِل أنه صِيدَ وانفلت من صائده (٢)، ومُعارٌ احتُمِل موت المعير وانتقاله إلى ورثته (٣)، وليس هذا مشتبهًا، فلا ورع في العمل بذلك الاحتمال؛ لأنه هَوَسٌ؛ لعدم اعتضاده بشيء، مع أن الأصل: عدمه، وإنما المشتبه: الذي يتجاذبه سببان متعارضان يؤديان إلى وقوع التردُّد في حلِّه وحرمته كما مر. وأن الحرام: ما في ذاته صفةٌ محرمةٌ كالإسكار، أو في سببه ما يجر إليه خللًا كالبيع الفاسد.

стр. 231

ومنه: ما تحقَّقت حرمته واحتمل حلُّه كمغصوبٍ احتمل إباحة مالكه، فهو حرامٌ صِرف وليس من المشتبه، لما قررناه في نظيره؛ إذِ الذي فيهما احتمالٌ محضٌ لا سبب له في الخارج إلا مجرد التجويز العقلي، وهو لا عبرة به، فليسا من المشكوك فيه. وأما المشتبه بالمعنى الذي قررناه آنفًا. . فهو أقسامٌ أربعة: الأول: الشك في المحلل والمحرم، فإن تعادلا. . استصحب السابق، وإن كان أحدهما أقوى لصدوره عن دلالةٍ معتبرةٍ في العين. . فالحكم له، فلو رمى صيدًا فجرحه، فوقع في ماءٍ أو نارٍ، أو على طرف سطحٍ، أو جبلٍ، فسقط منه، أو على شجرةٍ فصدمه غصنها، أو أرسل كلبه وشَرِكه فيه كلبٌ آخر وشكَّ في قاتله منهما. . حرم؛ لأن الأصل: التحريم، فلا يزال بالشك في المبيح. ولو جرح طير الماء وهو على وجهه ومات، أو جرحه وهو خارج الماء فوقع فيه، أو وهو في مائه والرامي في سفينةٍ في الماء. . حلَّ (١)، أو في البَرِّ. . فلا إن لم ينتهِ بالجرح إلى حركة مذبوح. الثاني: الشك في طروِّ محرِّمٍ على الحل المتيقَّن، فالأصل: الحل، فلو قال: إن كان ذا الطائر غرابًا. . فامرأتي طالق، وقال آخر: إن لم يكن هو. . فامرأتي طالق، والتبس أمره. . لم يُقضَ بالتحريم على واحدٍ منهما على الأصح؛ لأن كلًّا منهما على يقين الحل بالنظر إلى نفسه؛ إذ لم يعارضه بالنظر إليه وحده شيءٌ، وإنما عارضه يقين التحريم بالنظر إلى ضم غيره إليه، ولا مسوغ لهذا الضم؛ لأن المكلف إنما يكلف بما يخصه هو على انفراده، ومن ثَمَّ لو قالهما واحدٌ في زوجتيه؛ كأن علَّق طلاق إحداهما بكونه غرابًا، وأخرى بكونه غيره. . لزمه اجتنابهما؛ لأن إحداهما طلقت منه يقينًا، وأصل الحلِّ فيهما عارضه يقينُ التحريم في إحداهما بالنظر إليه وحده، فارتفع به ذلك الأصل. الثالث: أن يكون الأصل التحريم، ثم يطرأ ما يقتضي الحل بظنٍّ غالبٍ، فإن

стр. 232

اعتبر سبب الظن شرعًا. . حلَّ وأُلغي النظر لذلك الأصل، وإلَّا. . فلا، فلو أرسل كلبًا على صيدٍ ثم غاب عنه بعد جرحه. . حلَّ إن كان الجرح مذففًا (١)، سواء أكان فيه أثر غيره أم لا، وكذا إن كان الجرح غير مذففٍ ولم يكن فيه أثر غيره، بخلاف ما لو غاب عنه قبل جرحه، ثم وجده مجروحًا ميتًا؛ فإنه يحرم وإن تضمَّخ الكلب بدمه. ولو وُجدت شاةٌ مذبوحة ولم يُدْرَ مَنْ ذبحها، فإن كان أهل البلد مسلمين فقط، أو كانوا أغلب. . حلَّتْ، وإن كان نحو المجوس أكثر، أو استويا. . حرمت؛ لأن أصل التحريم حينئذٍ لم يعارضه أقوى منه. الرابع: أن يعلم الحل ويغلب على الظن طروُّ محرِّمٍ، فإن لم تستند غَلَبَتُه لعلامةٍ تتعلَّق بعينه. . لم يعتبر، ومن ثَمَّ حكمنا بطهارة ثياب الخمَّارين، والجزارين، والكفرة المتدينين باستعمال النجاسة، وإن استندت لعلامةٍ تتعلَّق بعينه. . اعتُبرتْ وأُلغي أصل الحل؛ لأنها أقوى منه، فلو رأى ظبيةً تبول في ماءٍ كثيرٍ، فوجده عقب البول متغيرًا، أو شك هل تغيره به، أو بمكثٍ مثلًا، وأمكن تغيره به. . فهو نجسٌ؛ بخلاف ما لو وجده متغيرًا بعد مدة، أو وجده عقبه غير متغير، ثم ظهر التغير، أو لم يمكن التغير به لقلته؛ فإنه طاهرٌ عملًا بالأصل الذي لم يعارضه حينئذٍ ما هو أقوى منه. والحاصل: أنه إذا تعارض أصلان، أو أصلٌ وظاهرٌ. . فقال جماعةٌ من متأخري الخراسانيين: إن في كل مسألةٍ من ذلك قولين، لكن قال المصنف رحمه اللَّه تعالى في "شرح المهذب": (هذا الإطلاق ليس على ظاهره؛ فإن لنا مسائل يعمل فيها بالظاهر بلا خلاف (٢)، كشهادة عدلين؛ فإنها تفيد الظنَّ ويعمل بها بالإجماع، ولا نظر إلى أصل براءة الذمة، ومسألة بول الظبية وأشباهها (٣)، ومسائل يعمل فيها بالأصل بلا خلاف، كمن ظن حدثًا، أو طلاقًا، أو عتقًا، أو أصَلَّى ثلاثًا أم أربعًا (٤)؛ فإنه يعمل بالأصل بلا خلاف).

стр. 233

قال: (والصواب في الضابط: ما حرَّره ابن الصلاح فقال: إذا تعارض أصلان، أو أصلٌ وظاهرٌ. . وجب النظر في الترجيح، كما في تعارض الدليلين، فإن تردَّد في الراجح. . فهي مسائل القولين، وإن ترجَّح دليل الظاهر. . حكم به بلا خلاف، وإن ترجح دليل الأصل. . حكم به بلا خلاف) اهـ (١) فالأقسام حينئذ أربعة: أولها: ما ترجح فيه الأصل جزمًا، وضابطه: أن يعارضه احتمالٌ مجرد كما مر (٢). ثانيها: ما ترجح فيه الظاهر جزمًا، وضابطه: أن يستند إلى سببٍ نصبه الشارع، كشهادة العدلين، واليد في الدعوى، ورواية الثقة، وإخباره بدخول وقت، أو برؤية ماءٍ، وإخبارها بحيضها في العدة. أو عُرِف عادةً (٣)، كأرضٍ بشط نهرٍ الظاهرُ أنها تغرق وتنهار في الماء، فلا يجوز استئجارها، ومثَّل الزركشي له باستعمال السرجين في أواني الفخار، فيحكم بنجاستها قطعًا، ونقله عن الماوردي، وبالماء الهارب من الحمام؛ لاطراد العادة بالبول فيه، وفيه نظر كما بينته في شرحي "الإرشاد" و"العباب" وعلي تسليمه فيُعفى عن تلك الأواني؛ كما نصَّ عليه الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه، فإنه لمَّا دخل مصر. . سُئِل عنها فقال: إذا ضاق الأمر. . اتسع. أو ضم إليه ما يعضده (٤)، كما مر في بول الظبية. ثالثها: ما ترجح فيه الأصل على الأصح، وضابطه: أن يستند الاحتمال فيه إلى سببٍ ضعيف، وأمثلته لا تكاد تنحصر، ومنها ما مر في نحو ثياب الخمارين، وما لو أدخل كلبٌ رأسه في إناءٍ وأخرجه وفمه رَطْبٌ ولم يعلم ولوغه. . فهو طاهر.

стр. 234

وما لو تنحنح إمامه فظهر منه حرفان، فلا يفارقه؛ لأن الأصل: بقاء صلاته، ولعله معذور. وما لو امتشط مُحرِمٌ فرأى شعرًا، وشك هل نتفه أو انتتف. . فلا فدية عليه؛ لأن النتف لم يتحقق، والأصل: براءة الذمة. رابعها: ما ترجح فيه الظاهر على الأصح، وضابطه: أن يكون سببًا قويًا منضبطًا، فلو شك بعد الصلاة في ترك ركني غير النيَّة والتحرُّم، أو شرطٍ كأن تيقَّن الطهارة وشك في ناقضها. . لم تلزمه الإعادة؛ لأن الظاهر: مضي عبادته على الصحة، أو شك بعد فراغ (الفاتحة)، أو الاستنجاء، أو غسل الثوب: في بعض كلماتها، أو هل استجمر بحجرين أو ثلاث، أو هل استوعب الثوب (١). . لم يؤثر لذلك، ولو اختلفا في صحةِ عقدٍ صُدِّق مدعيها؛ لأن الظاهر: جريان العقود بين المسلمين على قانون الشرع، وفي تعارض الأصلين تارةً يجزم بأحدهما، وتارةً يجري خلافٌ ويرجح ما عضده ظاهرٌ أو غيره. قال ابن الرفعة: ولو كان في جهةٍ أصلٌ، وفي أخرى أصلان. . قُدِّما جزمًا. قال الإمام: وليس المراد بتعارضهما تقابلَهما على جهةٍ واحدةٍ في الترجيح؛ فإن هذا كلامٌ متناقض، بل المراد: التعارض بحيث يَتَخَيَّل الناظرُ في ابتداء نظره [تساويهما] (٢)، فإذا حقَّق فكره. . رجَّح. (لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناس) أي: من حيث الحلُّ والحرمة لخفاء النص فيه؛ لكونه لم ينقله إلا القليل، أو لتعارض نصَّينِ فيه من غير معرفة المتأخر، أو لعدم نصٍّ

стр. 235

صريحٍ فيه، وإنما يؤخذ من عمومٍ أو مفهومٍ أو قياسٍ، وهذا يكثر اختلافُ أفهامِ العلماء فيه، أو لاحتمال الأمر فيه للوجوب والندب (١)، والنهي للكراهة والحرمة، أو لنحو ذلك. ومع هذا فلا بد في الأمة من عالم يوافق الحقَّ قولُه، فيكون هو العالم بهذا الحكم، وغيره يكون الأمر مشتبهًا عليه كما يأتي. وخرج بالحيثية التي ذكرتُها علمهُنَّ من حيث إشكالهنَّ؛ لترددهنَّ بين أمورٍ محتملة؛ لأن علم كونهنَّ مشتبهات يستلزم علمهنَّ من هذه الحيثية. أما النادر من الناس وهم الراسخون في العلم. . فلا يشتبه عليهم ذلك؛ لعلمهم من أيِّ القسمين هو بنصٍّ، أو إجماعٍ، أو قياسٍ، أو استصحابٍ، أو غير ذلك. فإذا تردَّد شيءٌ بين الحل والحرمة، ولم يكن فيه نصٌّ ولا إجماعٌ. . اجتهد فيه المجتهد، وأخذ بأحدهما بالدليل الشرعي، فيصير مثله (٢). وقد يكون دليله غير خالٍ عن الاحتمال، فيكون الورع تركه، كما يرشد إليه قوله: "فمن اتقى الشبهات. . . إلخ"، وما لم يظهر للمجتهد فيه شيءٌ فهو باقٍ على اشتباهه بالنسبة للعلماء وغيرهم، ومثله ما لم يتنازعه شيءٌ مما مر، لكن لم يتيقَّن سبب حله ولا حرمته؛ كشيءٍ وجده ببيته ولم يدر هل هو له أو لغيره، وتقوى الشبهة بأن يكون هناك محظورٌ من جنسه ويشك هل هو منه أو من غيره؟ وحينئذٍ اختلفوا فيما يؤخذ به، فقيل: بحله؛ لقوله ﷺ الآتي: "كالراعي. . . إلخ" فتكره مواقعته، والورع تركها؛ لأنه -أعني الورع- عند ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما ومن تبعه: تركُ قطعة من الحلال خوف الوقوع في الحرام. وقيل: بحرمته؛ لأنه يوقع في الحرام، ولقوله ﷺ الآتي: "فمن اتقى الشبهات. . . إلخ". وقيل: لا يقال فيه واحدٌ منهما؛ لأنه ﷺ جعله قسيمًا لهما.

стр. 236

قال القرطبي: (والصواب: الأول) (١)، وقال المصنف: (الظاهر: أن هذا الخلاف مخرجٌ على الخلاف المعروف في الأشياء قبل ورود الشرع، وفيه أربعة مذاهب، والأصح: أنها لا يحكم فيها بحلٍّ ولا حرمةٍ، ولا إباحةٍ ولا غيرها؛ لأن التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلا بالشرع) اهـ (٢)، واعترضه جماعةٌ من المتأخرين كما بيَّنتُه مع الجواب عنه في "شرح العباب" في (باب النجاسة). قال القرطبي: (ودليل الحل: أن الشرع أخرجها من قسم الحرام، وأشار إلى أن الورع تركها بقوله ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك") (٣). ومن عبَّر بـ (أنها حلال يتورع عنها). . أراد بـ (الحلال) مطلق الجائز الشامل للمكروه، بدليل قوله: (يتورع عنها) لا المباح المستوي الطرفين؛ لأنه لا يتصور فيه ورعٌ ما داما مستويين، بخلاف ما إذا ترجَّح أحدهما؛ فإنه إن كان الراجح الترك. . كُره، أو الفعل. . نُدب. لا يقال: هو ﷺ وأكثر أصحابه زهدوا في التنعُّم في المأكل وغيره مع إباحته؛ لأنا نمنع إباحته بأنهم إنما زهدوا في مُترجِّح الترك شرعًا، وهذه حقيقة المكروه، لكنه تارةً يكرهه الشرع لذاته؛ كأكل متروك التّسمية عندنا، وتارةً يكرهه لخوف مفسدةٍ تترتَّب عليه؛ كالقُبْلة لصائمٍ لم تحرِّك شهوته (٤)، وتركهم التنعم من هذا؛ لأنه يترتب عليه مفاسد حالية كالركون للدنيا، ومآلية كالحساب عليه في الآخرة، وعدم القيام بشكره، وغير ذلك. والدليلُ على أن ترك الشبهات ورعٌ: قولُه ﷺ لمن تزوج امرأةً -فقالت له سوداء: قد أرضعتكما-: "أليس وقد قيل؟! دعها عنكَ" (٥).

стр. 237

وقوله لزوجته سودة رضي اللَّه تعالى عنها لمَّا اختصم أخوها عبد وسعد بن أبي وقاص في ابنِ وليدةِ أبيها زمعة (١)، فألحقه ﷺ بأبيها بحكم الفراش، ولكنه رأى فيه شبهًا بيِّنًا بعتبة أخي سعد: "احتجبي منه يا سودة" (٢). قال جمهور العلماء: الإفتاء الأول تحرزٌ عن الشبهة، وحثٌّ على الأحوط؛ خوفًا من الوقوع في فرجٍ محرمٍ بتقدير صدق المرضعة، لا تحريمٌ صِرْفٌ؛ للإجماع على أن شهادة امرأةٍ واحدةٍ غيرُ كافيةٍ في مثل ذلك، والثاني كذلك؛ لأنه حكم بأنه أخوها، فأَمْرُها بالاحتجاب منه مجردُ احتياط؛ نظرًا إلى ما فيه من الشَّبَهِ البيِّنِ بعتبة، المقتضي كونَهُ أجنبيًا عنها، وهذا مُؤْذِنٌ بأنه ﷺ لم يعلم باطن الأمر، وإلَّا. . لما أمرها بذلك، ودالٌّ على أنه ينبغي للمفتي أن يجيب بالاحتياط في النوازل المحتملة للتحريم والتحليل؛ لاشتباه أسبابها عليه وإن علم حكمها يقينًا باعتبار ظاهر الشرع، وممَّن صرَّح بما مر تصويبه (٣) ابنُ المنذر، حيث قال: ما تيقن حرمته وشك في بقاء سبب تحريمه باقٍ على أصل تحريمه، وعكسه في الحلال؛ لخبر: "فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا" (٤). وما احتملهما ولا مرجح لأحدهما. . الأحسن: التنزه عنه، كما تنزه ﷺ عن تمرةٍ ساقطةٍ في بيته وقال: "لولا أخشى أن تكون من الصدقة. . لأكلتها" (٥). وإذا تقرر أن المشتبه مترددٌ بين الحرام والحلال؛ لتعارض سببهما، وتنازع دليلهما، وأن الأَوْلى والأحوط: التنزه عنه خوفًا من الوقوع في الحرام على أحد التقديرين، وعلم أن المشتبهات على قسمين بالنسبة لمن هي مشتبهة عليه (٦)، وعلي

стр. 238

ثلاثة أقسام لا بالنسبة لذلك (١): مُتَّقِيها (٢)، والواقعِ فيها مع اشتباهها عليه، والواقعِ فيها لا مع اشتباه، بأن يعلم حكمها. . اقتصر ﷺ على القسمين الأولين، وحذف هذا الثالث؛ لظهور حكمه فقال: (فمن اتقى) من التقوى، وهي لغة: جعل النفس في وقايةٍ مما يخاف، وشرعًا: حفظ النفس عن الآثام وما يجرُّ إليها، وهي في عرف الصوفية -قدس اللَّه تعالى أرواحهم-: التبري مما سوى اللَّه بالمعنى المعروف المقرر عندهم. وعدل إلى (اتقى) عن (ترك) المرادف له هنا؛ ليفيد أن تركها إنما يعتد به في استبراء الدين والعرض إن خلا عن رياء ونحوه وإن صحبه قصد براءة أحدهما فقط. (الشبهات) فيه إيقاع الظاهر موقع المضمر؛ تفخيمًا لشأن اجتناب الشبهات؛ إذ هي المشتبهات بعينها، والشبهة: ما يُخيَّل للناظر أنه حجةٌ وليس كذلك، وأُريد بها هنا ما مر في تعريف المشتبه. (فقد استبرأ) بالهمز، وقد يُخفَّف؛ أي: طلب البراءة (لدينه) من الذم الشرعي وحصَّلَها له، كاستبرأ من البول: حصَّل البراءة منه. (وعرضه) بصونه عن كلام الناس فيه بما يَشينه ويَعيبه، فهو هنا الحسب؛ وهو: ما يعده الإنسان من مفاخره ومفاخر آبائه، وصونه عن الشين والعيب من آكد ما يعتني به ذوو المروءات والهمم. وقيل: النفس؛ لأنها التي يتوجَّه إليها الذم والمدح من الإنسان، وفسَّره بعضهم بما يعمهما، فقال: هو موضع الذم والمدح من الإنسان، وذلك إما في نفسه، أو سلفه، أو أهله، وحينئذٍ يسلم من العذاب والذم والعيب على كل تقدير، ويدخل في زمرة المتقين الفائزين بثناء اللَّه تعالى وثوابه، وثناء رسله وخلقه، وروى الترمذي: "لا يكفي أحدًا أن يكون من المتقين حتى يترك ما لا بأس به؛ حذرًا مما به بأس" (٣).

стр. 239

وجاء في الأثر: (من وقف موقف تهمةٍ -وفي رواية: من عرض نفسه للتهم- فلا يأمن من إساءة الظن به) (١). وقد قال ﷺ لمن رأياه مع امرأةٍ فَهَرْوَلَا: "على رِسْلكما؛ إنها صفية" خوفًا عليهما لمن يظنا به شيئًا فيهلكا، ولم ينظر إلى أن وقوع ذلك منهما بعيدٌ جدًا، ومن ثَمَّ لما أشارا لذلك. . قال لهما: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" (٢). وفي عطف العِرض على الدين دليلٌ على أنَّ طلبَ براءتِهِ مطلوب ممدوحٌ كطلب براءة الدين، ومن ثَمَّ ورد: "ما وقي به العرض. . فهو صدقة" (٣)، وعلي طلب نزاهته (٤) مما يظنه الناس شبهة ولو ممن علم عدمها في نفس الأمر. ومن ثَمَّ لما خرج أنس رضي اللَّه تعالى عنه لصلاة الجمعة، فرأى الناس راجعين منها. . دخل محلًّا لا يرونه وقال: (من لا يستحيي من الناس لا يستحيي من اللَّه) (٥)، ورفْعُ الطبراني له غير صحيحٍ (٦). ولو أمره أحد أبويه بأخذ أو بأكل شبهة. . فقال الإمام أحمد: لا يطيعهما، وقال بعض السلف: يطيعهما، وتوقَّف آخرون (٧).

стр. 240

ولاستحالة اتقاء ما لا يعرف كان اتقاء الشبهات يستدعي تفاصيلها بذكر جُملٍ منها، وهي أن الشيء إذا لم يتنازعه دليلان. . فهو حلالٌ بيِّن، أو حرامٌ بيِّن، وإن تنازعه سبباهما؛ فإن كان سبب التحريم مجرد توهمٍ وتقدير، لا مستند له، كترك النكاح من نساء بلدٍ كبير خشية أن له فيها محرمًا بنسبٍ، أو رضاعٍ، أو مصاهرةٍ، واستعمال ماء بمجرد احتمال وقوع نجاسة فيه. . أُلغي ولم يلتفت إليه بكل حال (١)؛ لأن ذلك التجويز هَوَسٌ، فالورع فيه وسوسةٌ شيطانية؛ إذ ليس فيه من معنى الشبهة شيءٌ، وليس منه تركه ﷺ لأكل التمرة السابق ذكرها آنفًا؛ لأن احتمال كونها من الصدقة غير بعيد؛ لكثرة إتيانهم بصدقاتِهم التمرِ للمسجد، وحجرته ملتصقةٌ به، فخشي انتثار تمرةٍ منه إلى حجرته، أو أن نحو صبيٍّ دخل بها، فهو احتمالٌ قريبٌ، فتورَّع نظرًا له. وإن كان سببه له نوعَ قوةٍ. . فالورع مراعاته؛ كما مر في قضية المرضعة وسودة، ومن ثَمَّ سن مراعاة الخلاف الذي لم يعارض سنةً صحيحةً، ولا ضعُف مدركه جدًا؛ لاحتمال أنه الحق؛ إذ المصيب في الفروع واحدٌ لا بعينه، فإن لم يكن له نوع قوة. . لم يتوقف لأجله؛ لأنه ملحقٌ بالقسم الأول. وإن تكافأ السببان. . تأكد الورع فيه، ولم يجب التوقف فيه إلى الترجيح، خلافًا لبعضهم؛ لأن الأصل: الحل، فاندفع قوله: الإقدامُ على أحد الأمرين من غير رجحانٍ حكمٌ بغير دليلٍ فيحرم؛ إذ لا دليل مع التعارض، ولعل من حرَّم مواقعة الشبهة. . أراد هذا النوع، ومن كرهها. . أراد الذي قبله. اهـ (ومن وقع في الشبهات. . وقع في الحرام) (٢) أي: كان بصدد الوقوع فيه؛ لأن من أكثر تعاطيها. . ربما صادف الحرام المحض وإن لم يتعمَّده، وقد يأثم بذلك إذا نسب إلى تقصير، ولأن التجرؤ عليها مع اعتياد مواقعتها يوجب تساهلًا وجراءةً

стр. 241

يحملانه عادةً على الحرام المحض (١)، ومن ثَمَّ قيل: الصغيرة تجرُّ للكبيرة، وهي تجر للكفر، وهو معنى قول السلف -وقيل: إنه حديث-: (المعاصي بريد الكفر) (٢)، المؤيد بقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وبرواية "الصحيحين" في هذا الحديث: "ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم. . أوشَكَ أن يواقع ما استبان" (٣) أي: الحرام الذي ظهر. وبرواية غيرهما: "ومن يخالط الريبة. . يوشك أن يجسر على الحرام المحض" (٤) والجَسور: المقدام الذي لا يهاب شيئًا، ولا يراقب أحدًا. وفي بعض المراسيل: "من يرعى بجانب الحرام. . يوشك أن يخالطه، ومن تهاون بالمحقرات. . يوشك أن تخالطه الكبائر" (٥). ثم ضرب ﷺ مثلًا لمحارم اللَّه فيه أحسن التنبيه، وآكد التحذير، وأصله: أن ملوك العرب كانوا يحمون مراعيَ لمواشيهم، ويتوعَّدون من دخلها بالعقوبة، فيَبْعُد الناس عنها؛ خوفًا من تلك العقوبة، فقال: (كالراعي) أصله: الحافظ لغيره، ومنه قيل للوالي: راعي، وللعامة: رعية، وللزوجة والقِنِّ: راعيان في مال الزوج والسيد، ونحو ذلك، ثم خُصَّ عرفًا بحافظ الحيوان كما هنا. (يرعى حول الحمى) أي: المحمي؛ وهو: المحظور على غير مالكه (٦). (يوشِك) بكسر الشين مضارع أوشك بفتحها، وهو من أفعال المقاربة، ومعناها

стр. 242

هنا: يسرع (أن يرتع) بفتح التاء فيه وفي ماضيه. "فيه" أي: تأكل ماشيته منه فيعاقب، وأصله: الإقامة والتبسُّط في الأكل والشرب، ومنه قول إخوة يوسف: ﴿نرتع ونلعب﴾ (١)، فكما أن الراعي الخائف من عقوبة السلطان يبعد؛ لأنه يلزم من القرب غلبة الوقوع وإن أكثر الحذر، فيعاقب. . كذلك حمى اللَّه ، أي: محارمه التي حظرها، لا ينبغي قرب حماها، فضلًا عنها؛ لغلبة الوقوع فيها حينئذ، فيستحق العقوبة، وإنما الذي ينبغي تحري البعد عنها وعما يجر إليها من الشبهات ما أمكن، حتى يسلم من ورطتها، ومن ثَمَّ قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ نهى عن المقاربة حذرًا من المواقعة، وقد حُرِّمت أشياء كثيرة مع أنه لا مفسدة فيها؛ لأنها تجر إليها؛ كقليل المسكر، وقُبْلة الصائم ممن خاف، والخلوة بالأجنبية. قال شارح مالكي: (فيه دليل لسد الذرائع) اهـ، وفي إطلاقه نظر؛ لأنه إن أُريد مطلق سدها. . فواضح؛ إذ المذاهب الأربعة لا تخلو من ذلك، وإن أُريد خصوصه عند مالك. . فلا دليل فيه لهذا الخصوص. (أَلَا) حرف استفتاح كـ (أَمَا) لكن الأُولى يتعيَّن كسر (إن) بعدها، والثانية يجوز فيها الكسر والفتح، كالواقعة بعد (إذا)، والقصد به (٢) إعلام السامع بأن ما بعده مما ينبغي أن يصغي إليه، ويفهمه، ويعمل به لعظم موقعه. (وإن لكل ملِك) من ملوك العرب (حمى) يحميه عن الناس، ويتوعَّد من دخل إليه، أو قرب منه بالعقوبة الشديدة، وقد حمى ﷺ حرم المدينة عن أن يُقطَع شجرُه، أو يصاد صيده (٣)، وحمى عمر ﵁ لإبل الصدقة أرضًا ترعى فيها (٤).

стр. 243

(ألا وإن حمى اللَّه محارمه) (١) أي: المعاصي التي حرمها، وهي الجناية على النفس والعرض والمال وغيرها؛ كالقتل، والزنا، والسرقة، والقذف، والخمر، والكذب، والغيبة، والنميمة، وأكل المال بالباطل، وأشباه ذلك. وتُطلَق المحارم على المنهيات مطابقة، وعلي ترك المأمورات استلزامًا، والإطلاق الأول أشهر، وعلي كل تقديرٍ فكل هذه حمى اللَّه تعالى، مَنْ دخله بارتكابه شيئًا من المعاصي. . استحق العقوبة، ومن قاربه. . يوشك أن يقع فيه، فمن احتاط لنفسه. . لم يقاربه، ولا يتعلق بشيءٍ يقربه من المعصية، ولا يدخل في شيءٍ من الشبهات. وفي هذا السياق منه ﷺ إقامة برهانٍ عظيمٍ على اجتناب الشبهات؛ إذ حاصله: أن اللَّه مَلِك، وكل ملكٍ له حمًى يخشى من قربانه؛ لإيقاعه في أليم عذابه ممن قرب منه، فاللَّه له حمًى يُخشى منه كذلك، وهذا قطعي المقدمتين والنتيجة، فلا مساغ للتشكيك فيه. وفي ذلك أيضًا: ضرب المثل بالمحسوس؛ ليكون أشد تصورًا للنفس، فيحملها على أن تتأدَّب مع اللَّه ، كما تتأدب الرعايا مع ملوكهم. ثم حضَّ ﷺ وحثَّ وأكَّد على السعي في صلاح القلب وحمايته من الفساد، وبين أنه مع صغر حجمه سائر البدن تابع له صلاحًا وفسادًا فقال: (ألا وإن في الجسد) أي: البدن (مضغةً) هي: قدر ما يمضغ، كما مر، لكنها وإن صغرت في الحجم هي عظيمة في القدر، ومن ثَمَّ كانت (إذا صلحت) بفتح لامه وضمها، والفتح أشهر، كذا أطلقه كثيرون، وظاهره: أنه لا فرق بين أن يصير سجيةً وأن لا (٢)، لكن قيَّد جمعٌ الضمَّ بما إذا صار سجية، وكذا يقال في (فَسَد). وصلاحها بصلاح المعنى القائم بها، الذي هو مَلْحَظُ التكليف، ومن ثَمَّ كان الذي عليه الجمهور: أن العقل في القلب، كما يصرح به ترتب صلاح البدن -ومن جملته

стр. 244

الدماغ- وفسادِه على صلاح القلب وفساده في قوله ﷺ : (صلح الجسد كله، وإذا فسدت. . فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) وذلك لأنه مبدأ الحركات البدنية، والإرادات النفسانية؛ فإن صدرت عنه إرادةٌ صالحة. . تحرك البدن حركةً صالحة، وإن صدرت عنه إرادةٌ فاسدة. . تحرك البدن حركةً فاسدة، فهو كملك والأعضاء كالرعية، ولا شك أن الرعية تصلح بصلاح الملك، وتفسد بفساده، أو كعينٍ والبدن كمزرعة، فإن عذب ماؤها. . عذب الزرع، وإن مَلُح. . مَلُح، أو كأرضٍ والأعضاء كنباتٍ: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾. وشاهد ذلك: أنه ﷺ شُقَّ قلبه الكريم أربع مرات، عند انتقاله في الأطوار التي كل طورٍ منها يحتاج لتطهير، كما بيَّنتُه في "شرح شمائل الترمذي" (١) فشق عند طفوليته، ثم قرب بلوغه، ثم عند بلوغه أشدَّه أول ما أُوحي إليه، ثم عند الإسراء به، وأخرج منه علقة سوداء، وقيل له: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسل بماء زمزم (٢)، الذي هو أشرف المياه (٣)، ومن هذا أخذ البلقيني أنه أفضل من ماء الكوثر، ونُوزع فيه بما رددته في "شرح العباب"، فلمَّا طهر قلبه ﷺ ؛ وبُولغ في تطهيره بما لم يبالغ به في غيره. . كان أفضل العالمين، ونبي الأنبياء والمرسلين ﷺ . والحاصل: أن القلب محل الاعتقادات والعلوم والأفعال الاختيارية، فلكونه محلًّا لهذه الخصوصية الإلهية التي تدرك بها الكليات والجزئيات، ويفرق بها بين الواجب والجائز والمستحيل. . امتاز به الإنسان عن بقية أنواع الحيوان؛ لأنه وإن وجد لها شكله، وقام بها ما تدرك به مصالحها ومنافعها، وتميز به بين مفاسدها ومضارها إلا أن هذا إدراكٌ جزئي طبيعي، وشتان ما بينه وبين الإدراك الكلي العلمي

стр. 245

الاختياري؛ ولهذا المعنى امتاز أيضًا عن بقية الأعضاء بكونه أشرفها، ومن ثَمَّ كانت مسخَّرةً ومطيعةً له، فما استقر فيه. . ظهر عليها، وعملت بمقتضاه، إن خيرًا. . فخيرٌ، وإن شرًا. . فشرٌّ، فكان صلاحها بصلاحه، وفسادها بفساده. وبهذا ظهر أن الحواس معه كالحُجَّاب مع الملِك؛ لأنها تدرك المعلومات أولًا، ثم تؤديها إليه ليحكم عليها، ويتصرف فيها، فهي آلاتٌ وخَدَمٌ له، وهي كما مر معه كملكٍ مع رعيته، إن صلح. . صلحوا، وإن فسد. . فسدوا، ثم يعود صلاحهم وفسادهم إليه بزيادة المصالح أو المضار الراجعة منها إليه، ومن ثَمَّ لم يكن بين تبعيتها له وتأثره بأعمالها تنافٍ؛ لما بينهما من تمام الملازمة وشدة الارتباط. وقيل: بل هي معه كملك بنيت له خمس طاقات، يشاهد من كلٍّ منها مالا يشاهده من الأخرى؛ بدليل أن النائم لو فتحت عينه. . لم يدرك شيئًا حتى يستيقظ، فحينئذٍ يدرك، فلا إدراك للحواس بذاتها، وإنما المدرِك هو من ورائها. ورُدَّ: بأن البهائم لا قلب لها بالمعنى الذي قررناه، وتدرك بالحواس، وكذلك المجنون، فدل على أنها مستقلةٌ بالإدراك، وعدم إدراك النائم يحتمل أنه لمعنًى قائم بنفس تلك الحواس، لا لعدم إدراك القلب. وقد يسمى العقل قلبًا مبالغة؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أي: عقل، فلقيامه به وعدم انفكاكه عنه صار كأنه هو، ومن ثَمَّ أضاف تعالى إليه العقل، كما أضاف الإسماع إلى الأذن، والإبصار إلى العين، فقال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. وبهذه أيضًا يرد على مَنْ قال: إنه في الدماغ، ونسب لأبي حنيفة رضي اللَّه تعالى عنه، وعليه الأطباء، واحتجاجُهم بأنه إذا فسد. . فسد العقل غيرُ مفيد؛ لأن اللَّه أجرى العادة بفساده عند فساد الدماغ مع أنه ليس فيه، ولا امتناع من ذلك، قال الماوردي: لا سيما على أصولهم في الاشتراك الذي يذكرونه بين الدماغ والقلب، وهم يجعلون بين رأس المعدة والدماغ اشتراكًا، وفيه بسطٌ بينته في "شرح العباب" أوائلَ الخطبة.

стр. 246

وإذا بان أن صلاح القلب أعظم المصالح، وفساده أشد المفاسد. . فلا بد من معرفة ما به صلاحه ليطلب، وما به فساده ليجتنب، فالذي به صلاحه: علوم؛ وهي: العلم باللَّه تعالى، وصفاته، وأسمائه، وتصديق رسله فيما جاؤوا به مع العلم بأحكامه ومراده منها، والعلم بمساعي القلوب من خواطرها، وهمومها، ومحمود أوصافها ومذمومها. وأعمال؛ وهي: تحلِّيه بمحمودِ تلك الأوصاف، وتخلِّيه عن مذمومها، ومنازلته للمقامات، وترقِّيه عن مفضول المنازلات. وأحوال؛ وهي: مراقبة اللَّه تعالى أو شهوده بحسب تهيئه واستعداده، كما مر في شرح قوله ﷺ : "أن تعبد اللَّه كأنك تراه" (١)، وتفصيل ذلك في كتب العارفين كـ"الإحياء" و"قوت القلوب" فاطلبه؛ فإنه مهمٌّ. قيل: وممَّا يصلحه تدبُّر القرآن، وخلو الجوف، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين (٢)، ورأسُ ذلك الأعظمُ: تحرِّي أكل الحلال، واجتناب الشبهات؛ فإنها تورثه قسوةً وظُلمةً، وتجره إلى الحرام كما مر، وقد قال ﷺ فيمن غُذِي بالحرام: "يقول: يا رب، يا رب، فأنَّى يُستجاب لذلك؟! " (٣). وقال: "كل لحمٍ نبت من سُحتٍ. . فالنار أَولى به" (٤). وروى الترمذي عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن الرجل لَيُصيب الذنب فيسودّ قلبه، فإن هو تاب. . صقل قلبه" قال: "وهو الران الذي ذكره اللَّه تعالى في كتابه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ " (٥).

стр. 247

وإلى هذا المعنى أشار ﷺ بقوله: "ألا وإن في الجسد مضغة. . . إلخ" بعد قوله: "الحلال بيِّن. . . إلخ" إشعارًا بأن أكل الحلال يُنوِّره ويُصلحه، وأكل الشبهة والحرام يُصْدئه ويقسيه ويظلمه، وقد وجد ذلك أهلُ الورع، حتى قال بعض أكابرهم: شربت من ركوة جنديٍّ شربةً، فعادت قسوتها على قلبي أربعين صباحًا. ثم القلب لغةً: مشتركٌ بين كوكبٍ معروف، والخالص، واللب، ومنه قلب النخلة، بتثليث أوله، ومصدر قلبت الشيءَ: رددته على بدئه، والإناءَ: قلبته على وجهه، وقلبت الرجل عن رأيه: صرفته عنه، ثم نُقل وسُمي به تلك المضغة السابقة؛ لسرعة الخواطر فيه، وترددها عليه، كما قيل: [من الطويل] وما سُمِّيَ الإنسان إلا لنسيهِ ... ولا القلب إلا أنه يتقلَّبُ وفي الحديث: "إن القلب كريشةٍ بأرض فلاةٍ تقلبها الرياح" (١) لكنهم التزموا فتح (قافه) فرقًا بينه وبين أصله، ومن ثَمَّ قيل: ينبغي للعاقل أن يحذر من سرعة انقلاب قلبه؛ فإنه ليس بين القلْب والقلَب إلا التفخيم (٢). (رواه البخاري ومسلم) وقد أجمع العلماء على عظيم موقع هذا الحديث وكثرة فوائده؛ إذ منها: الحث على فعل الحلال، واجتناب الحرام، والإمساك عن الشبهات، والاحتياط للدين والعرض، وعدم تعاطي ما يسيء الظن أو يوقع في محذور، والأخذ بالورع، وأنه لا ورع في ترك المباح، وسد الذرائع وأكثرت منه المالكية، وتعظيم القلب، والسعي فيما يصلحه ويفسده، وأنه محل العقل، وأن العقوبة من جنس الجناية، وضرب الأمثال للمعاني الشرعية العملية، وأن الأعمال القلبية أفضل من البدنية، وأنها لا تصلح إلا به، وغير ذلك.

стр. 248

وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام؛ لأنه ﷺ نبَّه فيه على صلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها، وعلى أنه ينبغي أن يحافظ على صلاح ذلك وخلوصه من الشُّبَهِ؛ ليحمي دينه وعرضه، وحذَّر من مواقعة الشُّبَه، وأوضح ذلك بضرب ذلك المثل العظيم، ثم بيَّن أهم الأمور، وهو مراعاة القلب، الذي بصلاحه تنصلح سائر أموره الظاهرة والباطنة، وبفساده تفسد جميعها. ومن ثم قيل: جَعْلُ طائفةٍ هذا الحديثَ ثلثَ الإسلام أو ربعَهُ استرواحٌ (١)، وإلَّا. . فلو أمعنوا النظر فيه من أوله إلى آخره. . لوجدوه متضمنًا لعلوم الشريعة كلها ظاهرها وباطنها؛ لأنه بُيِّنَ فيه الحلالُ وقسيماه مع ما يتعلَّق بها مما أشرنا إليه في شرحها، وصلاح القلب وفساده، وأعمال الجوارح التابعة له، والورع الذي هو أساس الخيرات، ومنبع سائر الكمالات. ومن ثم قال الحسن: (أدركنا قومًا كانوا يتركون سبعين بابًا من الحلال خشية الوقوع في بابٍ من الحرام) (٢). وهذه الجملة التي اشتمل عليها مستلزمةٌ لمعرفة تفاصيل الشريعة كلها أصولها وفروعها. * * *

стр. 249

الحديث السابع [النصيحة عماد الدين] عَنْ أَبِي رُقَيَّةَ تَمِيم بْنِ أَوْسٍ الدَّارِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ" قُلْنَا لِمَنْ؟ قَالَ: "للَّهِ, وَلِكِتَابِهِ, وَلِرَسُولِهِ, وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (عن أبي رقية) بضم الراء وفتح القاف وتشديد الياء، ابنةٌ له لم يولد له غيرها. (تميم بن أوس) بن حارثة، وقيل: خارجة بن سُود، وقيل: سواد بن جذيمة بن دَرَّاع بن عدي بن الدار (الداري) -نسبةً إلى جدٍّ له كما ذكرناه- القحطانيِّ، ويقال له أيضًا: الديري، نسبةً إلى ديرٍ كان يتعبَّد فيه. (رضي اللَّه) تعالى (عنه) كان نصرانيًا، وقدم المدينة فأسلم، وذكر للنبي ﷺ قصة الجساسة والدجال؛ إذ وجده هو وأصحابه في البحر، فحدَّثَ النبيُّ ﷺ بذلك على المنبر، وعُدَّ ذلك من مناقبه؛ إذ لم يقع نظيره لغيره (٢). قال ابن السكن: أسلم سنة تسع هو وأخوه نعيم، ولهما صحبة. وقال ابن إسحاق: قدم المدينة وغزا مع النبي ﷺ . وقال أبو نعيم: كان راهب أهل عصره، وعابد أهل فِلَسْطين.

стр. 250

وهو أول من أسرج السراج في المسجد، وأول من قصَّ في زمن عمر بإذنه (١)، انتقل إلى الشام بعد قتل عثمان، وسكن فلسطين، وكان ﷺ أقطعه بها قريةً، ولبعض محققي المتأخرين من المحدثين فيها تأليف. وكان كثير التهجد، يختم القرآن في ركعة، قام ليلة بـ: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ الآيةَ حتى أصبح. مات سنة أربعين، ودفن ببيت جبرين أو جبريل من بلاد فلسطين، وهي قريةٌ من قرى الخليل. روي له ثمانية عشر حديثًا، لمسلم منها واحدٌ وهو هذا، وهو صاحب الجام (٢) الذي نزل فيه وفي صاحبه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية، كما في "الترمذي" وغيره عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما (٣)، وقولُ الذهبي عن مقاتل بن حيان: إنه غيره. . مردودٌ (٤). ولقد قال عمر لبعض من قدم عليه: (اذهب فانزل على خير أهل المدينة) فنزل على تميم قال: فبينما نحن نتحدَّث إذ خرجت نارٌ بالحرَّة، فجاء عمر إلى تميم فقال: (يا تميم؛ اخرج) فصغَّر نفسه، ثم قام فحاشها حتى أدخلها الباب الذي خرجت منه (٥)، ثم اقتحم في أثرها، ثم خرج فلم تضره (٦). (أن النبي ﷺ قال: الدين) مرت معانيه أول الخطبة، والمراد هنا: الملة، وهي دين الإسلام؛ أي: عماده وقوامه ومعظمه كـ "الحج عرفة" (٧)،
следующие страницы →