← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8889

الفتح المبين بشرح الأربعين

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (662 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وإذا بان أن صلاح القلب أعظم المصالح، وفساده أشد المفاسد. . فلا بد من معرفة ما به صلاحه ليطلب، وما به فساده ليجتنب، فالذي به صلاحه: علوم؛ وهي: العلم باللَّه تعالى، وصفاته، وأسمائه، وتصديق رسله فيما جاؤوا به مع العلم بأحكامه ومراده منها، والعلم بمساعي القلوب من خواطرها، وهمومها، ومحمود أوصافها ومذمومها. وأعمال؛ وهي: تحلِّيه بمحمودِ تلك الأوصاف، وتخلِّيه عن مذمومها، ومنازلته للمقامات، وترقِّيه عن مفضول المنازلات. وأحوال؛ وهي: مراقبة اللَّه تعالى أو شهوده بحسب تهيئه واستعداده، كما مر في شرح قوله ﷺ : "أن تعبد اللَّه كأنك تراه" (١)، وتفصيل ذلك في كتب العارفين كـ"الإحياء" و"قوت القلوب" فاطلبه؛ فإنه مهمٌّ. قيل: وممَّا يصلحه تدبُّر القرآن، وخلو الجوف، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين (٢)، ورأسُ ذلك الأعظمُ: تحرِّي أكل الحلال، واجتناب الشبهات؛ فإنها تورثه قسوةً وظُلمةً، وتجره إلى الحرام كما مر، وقد قال ﷺ فيمن غُذِي بالحرام: "يقول: يا رب، يا رب، فأنَّى يُستجاب لذلك؟! " (٣). وقال: "كل لحمٍ نبت من سُحتٍ. . فالنار أَولى به" (٤). وروى الترمذي عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن الرجل لَيُصيب الذنب فيسودّ قلبه، فإن هو تاب. . صقل قلبه" قال: "وهو الران الذي ذكره اللَّه تعالى في كتابه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ " (٥).

стр. 247

وإلى هذا المعنى أشار ﷺ بقوله: "ألا وإن في الجسد مضغة. . . إلخ" بعد قوله: "الحلال بيِّن. . . إلخ" إشعارًا بأن أكل الحلال يُنوِّره ويُصلحه، وأكل الشبهة والحرام يُصْدئه ويقسيه ويظلمه، وقد وجد ذلك أهلُ الورع، حتى قال بعض أكابرهم: شربت من ركوة جنديٍّ شربةً، فعادت قسوتها على قلبي أربعين صباحًا. ثم القلب لغةً: مشتركٌ بين كوكبٍ معروف، والخالص، واللب، ومنه قلب النخلة، بتثليث أوله، ومصدر قلبت الشيءَ: رددته على بدئه، والإناءَ: قلبته على وجهه، وقلبت الرجل عن رأيه: صرفته عنه، ثم نُقل وسُمي به تلك المضغة السابقة؛ لسرعة الخواطر فيه، وترددها عليه، كما قيل: [من الطويل] وما سُمِّيَ الإنسان إلا لنسيهِ ... ولا القلب إلا أنه يتقلَّبُ وفي الحديث: "إن القلب كريشةٍ بأرض فلاةٍ تقلبها الرياح" (١) لكنهم التزموا فتح (قافه) فرقًا بينه وبين أصله، ومن ثَمَّ قيل: ينبغي للعاقل أن يحذر من سرعة انقلاب قلبه؛ فإنه ليس بين القلْب والقلَب إلا التفخيم (٢). (رواه البخاري ومسلم) وقد أجمع العلماء على عظيم موقع هذا الحديث وكثرة فوائده؛ إذ منها: الحث على فعل الحلال، واجتناب الحرام، والإمساك عن الشبهات، والاحتياط للدين والعرض، وعدم تعاطي ما يسيء الظن أو يوقع في محذور، والأخذ بالورع، وأنه لا ورع في ترك المباح، وسد الذرائع وأكثرت منه المالكية، وتعظيم القلب، والسعي فيما يصلحه ويفسده، وأنه محل العقل، وأن العقوبة من جنس الجناية، وضرب الأمثال للمعاني الشرعية العملية، وأن الأعمال القلبية أفضل من البدنية، وأنها لا تصلح إلا به، وغير ذلك.

стр. 248

وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام؛ لأنه ﷺ نبَّه فيه على صلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها، وعلى أنه ينبغي أن يحافظ على صلاح ذلك وخلوصه من الشُّبَهِ؛ ليحمي دينه وعرضه، وحذَّر من مواقعة الشُّبَه، وأوضح ذلك بضرب ذلك المثل العظيم، ثم بيَّن أهم الأمور، وهو مراعاة القلب، الذي بصلاحه تنصلح سائر أموره الظاهرة والباطنة، وبفساده تفسد جميعها. ومن ثم قيل: جَعْلُ طائفةٍ هذا الحديثَ ثلثَ الإسلام أو ربعَهُ استرواحٌ (١)، وإلَّا. . فلو أمعنوا النظر فيه من أوله إلى آخره. . لوجدوه متضمنًا لعلوم الشريعة كلها ظاهرها وباطنها؛ لأنه بُيِّنَ فيه الحلالُ وقسيماه مع ما يتعلَّق بها مما أشرنا إليه في شرحها، وصلاح القلب وفساده، وأعمال الجوارح التابعة له، والورع الذي هو أساس الخيرات، ومنبع سائر الكمالات. ومن ثم قال الحسن: (أدركنا قومًا كانوا يتركون سبعين بابًا من الحلال خشية الوقوع في بابٍ من الحرام) (٢). وهذه الجملة التي اشتمل عليها مستلزمةٌ لمعرفة تفاصيل الشريعة كلها أصولها وفروعها. * * *

стр. 249

الحديث السابع [النصيحة عماد الدين] عَنْ أَبِي رُقَيَّةَ تَمِيم بْنِ أَوْسٍ الدَّارِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ" قُلْنَا لِمَنْ؟ قَالَ: "للَّهِ, وَلِكِتَابِهِ, وَلِرَسُولِهِ, وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (عن أبي رقية) بضم الراء وفتح القاف وتشديد الياء، ابنةٌ له لم يولد له غيرها. (تميم بن أوس) بن حارثة، وقيل: خارجة بن سُود، وقيل: سواد بن جذيمة بن دَرَّاع بن عدي بن الدار (الداري) -نسبةً إلى جدٍّ له كما ذكرناه- القحطانيِّ، ويقال له أيضًا: الديري، نسبةً إلى ديرٍ كان يتعبَّد فيه. (رضي اللَّه) تعالى (عنه) كان نصرانيًا، وقدم المدينة فأسلم، وذكر للنبي ﷺ قصة الجساسة والدجال؛ إذ وجده هو وأصحابه في البحر، فحدَّثَ النبيُّ ﷺ بذلك على المنبر، وعُدَّ ذلك من مناقبه؛ إذ لم يقع نظيره لغيره (٢). قال ابن السكن: أسلم سنة تسع هو وأخوه نعيم، ولهما صحبة. وقال ابن إسحاق: قدم المدينة وغزا مع النبي ﷺ . وقال أبو نعيم: كان راهب أهل عصره، وعابد أهل فِلَسْطين.

стр. 250

وهو أول من أسرج السراج في المسجد، وأول من قصَّ في زمن عمر بإذنه (١)، انتقل إلى الشام بعد قتل عثمان، وسكن فلسطين، وكان ﷺ أقطعه بها قريةً، ولبعض محققي المتأخرين من المحدثين فيها تأليف. وكان كثير التهجد، يختم القرآن في ركعة، قام ليلة بـ: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ الآيةَ حتى أصبح. مات سنة أربعين، ودفن ببيت جبرين أو جبريل من بلاد فلسطين، وهي قريةٌ من قرى الخليل. روي له ثمانية عشر حديثًا، لمسلم منها واحدٌ وهو هذا، وهو صاحب الجام (٢) الذي نزل فيه وفي صاحبه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية، كما في "الترمذي" وغيره عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما (٣)، وقولُ الذهبي عن مقاتل بن حيان: إنه غيره. . مردودٌ (٤). ولقد قال عمر لبعض من قدم عليه: (اذهب فانزل على خير أهل المدينة) فنزل على تميم قال: فبينما نحن نتحدَّث إذ خرجت نارٌ بالحرَّة، فجاء عمر إلى تميم فقال: (يا تميم؛ اخرج) فصغَّر نفسه، ثم قام فحاشها حتى أدخلها الباب الذي خرجت منه (٥)، ثم اقتحم في أثرها، ثم خرج فلم تضره (٦). (أن النبي ﷺ قال: الدين) مرت معانيه أول الخطبة، والمراد هنا: الملة، وهي دين الإسلام؛ أي: عماده وقوامه ومعظمه كـ "الحج عرفة" (٧)،

стр. 251

فالحصر مجازيٌّ، بل حقيقيٌّ؛ نظرًا لما سنقرره في معنى النصيحة؛ فإنها لم تُبقِ من الدِّين شيئًا. (النصيحة) هي كالنُّصح بضم النون، مصدر (نصح) وقيل: الأول اسم مصدر، والثاني مصدر، هي لغة: الإخلاص والتصفية، من (نصحتُ له القول والعمل): أخلصته، ونصحت العسل: صفيته، شبهوا تخليص الناصح قولَهُ من الغشِّ بتخليص العسل من شمعه، أو من (النَّصح) بفتح النون؛ وهو: الخياطة، والمنصحة: الإبرة؛ والنِّصَاح: الخيط، والناصح: الخياط، شبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح ولَمِّ شَعَثِه بما تسده الإبرة، وتضمه من خرق الثوب وخلله، و (نصحت له) أفصح من (نصحته). وشرعًا: إخلاص الرأي من الغش للمنصوح وإيثارُ مصلحته، ومن ثَمَّ كانت هذه الكلمة مع وجازة لفظها كلمةً جامعةً، معناها: حيازة الخير للمنصوح له، بل ليس في كلام العرب أجمع منها ومن كلمة الفلاح لخيري الدنيا والآخرة. ودلَّتْ هذه الجملة على أن النصيحة تُسمى دينًا وإسلامًا، وعلى أن الدين يقع على العمل كما يقع على القول. (قلنا) معشرَ السامعين: النصيحة (لمن؟) فيه إشارة إلى أن للعالم أن يَكِلَ فهم ما يُلقيه إلى السامع، فلا يزيد له في البيان حتى يسأله؛ لتَشَوُّف نفسه حينئذٍ إليه، فيكون أوقع في نفسه ممَّا إذا هجمه من أول وهلة. (قال) ﷺ : (للَّه) بالإيمان به، ونفي الشريك عنه، وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بجميع صفات الكمال والجلال، وتنزيهه عن جميع النقائص وما لا كمال فيه من الأوصاف، والقيام بطاعته، وتجنُّب معصيته، والحب والبغض فيه، وموالاة من أطاعه، ومعاداة من عصاه، والرغبة في محابِّه، والبُعد عن مساخطه، والاعتراف بنعمته، وشكره عليها، والدعاء إلى جميع ذلك وتعليمه، والإخلاص فيه للَّه عن كل نقصٍ ووصفٍ ليس ببالغ في الكمال المطلق أقصاه وغايَتَهُ، وحفيقة هذه الأوصاف راجعةٌ إلى العبد في نصحه نفسه، وإلَّا. . فهو

стр. 252

تعالى غنيٌّ عن نصح الناصحين، ثم النصيحة الواجبة من ذلك هي شدة عناية الناصح بإيثاره محبة اللَّه تعالى، بفعله جميعَ ما افترض، واجتنابه جميعَ ما حرَّم، والنافلة ما عدا ذلك. (ولكتابه) مفرد مضاف، فيعم سائر كتبه المنزلة؛ بأن يؤمن بأنها من عنده وتنزيله، ويُميِّز القرآنَ بأنه لا يشبهه شيءٌ من كلام الخلق، ولا يقدر أحدٌ منهم على الإتيان بمثل أقصر سورةٍ منه، وبأن يتلوه حق تلاوته: خشوعًا، وتدبُّرًا، ورعايةً لما يجب له مما اتفق عليه القرَّاء، ويذبَّ عنه تأويل المحرفين، وطعن الطاعنين، ويُصدِّق بجميع ما فيه، ويقف مع أحكامه، ويتفهم أمثاله وعلومه، وينشرها، ويبحث عن عمومه وخصوصه، وناسخه ومنسوخه، ومطلقه ومقيده، وظاهره ومجمله، ونحو ذلك، ويعتني بمواعظه، ويتفكَّر في عجائبه، ويعمل بمحكمه، ويؤمن بمتشابهه مع التنزيه عمَّا يوهمه ظاهره مما لا يليق بعظيم جلال اللَّه وعليِّ كماله، تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا، ويمسك عن الخوض في تفسيره ما دام لم تجتمع فيه آلاته، ويدعو إلى جميع ذلك ويحض عليه، ويُرغِّب الناس في مسابقتهم إليه. (ولرسوله) ﷺ بتصديق رسالته، والإيمان بجميع ما جاء به، وطاعته في أمره ونهيه، ونصرة دينه حيًا وميتًا، ومعاداة مَنْ عاداه، وموالاة مَنْ والاه، وإعظام حقه وتوقيره، وإحياء سنته بنشرها وتصحيحها، ونفي التُّهَم عنها، وانتشار علومها، والتفقه في معانيها، والإمساك عن الخوض فيها بغير علم، والدعاء إليها، والتلطُّف في تعليمها، وإظهار إعظامها وإجلالها، وإجلال أهلها من حيث انتسابُهم إليها، والتأدب بآدابه عند قراءتها، ومحبة آله وأصحابه، ومجانبة من ابتاع في سنته، أو انتقص أحدًا من صحابته، والدعاء إلى جميع ذلك سرًا وعلنًا، ظاهرًا وباطنًا. (ولأئمة المسلمين) وهم الخلفاءُ ونوابُهم، بطاعتهم فيما يوافق الحق؛ كالصلاة خلفهم، والجهاد معهم، وأداء الصدقات إليهم إن طلبوها، أو كانوا عادلين، وترك الخروج عليهم وإن جاروا، والدعاء بالصلاح لهم، ومعاونتهم عليه، وتنبيههم له،

стр. 253

وتذكيرهم باللَّه وأحكامه وحكمه ومواعظه، لكن برفقٍ ولطفٍ، وإعلامهم بما غفلوا عنه، أو لم يبلغهم من حقوق المسلمين، وتألُّف قلوب الناس لطاعتهم، وعدم إغرائهم بالثناء الكاذب عليهم. والعلماءُ بقبول ما رووه، وتقليدهم في الأحكام، وإحسان الظن بهم، وإجلالهم وتوقيرهم، والوفاءِ بما يجب لهم على الكافَّة من الحقوق التي لا تخفى على الموفقين. (وعامتهم) بإرشادهم لمصالحهم في أمر آخرتهم ودنياهم، وإعانتهم عليها بالقول والفعل، وستر عوراتهم، وسدِّ خلاتهم (١)، ودفع المضارِّ عنهم، وجلب المنافع إليهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر بشروطه المقررة في محلِّها (٢)، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وتعهدهم بالموعظة الحسنة، وترك غشهم وحسدهم، وأن يحبَّ لهم ما يحب لنفسه من الخير، ويكره لهم ما يكره لنفسه من الشر، والذب عن أموالهم وأعراضهم، وحثهم على التخلق بجميع ما مر في تفسير النصيحة، اقتداءً بما كان عليه السلف الصالح رضي اللَّه تعالى عنهم، بل منهم من بلغت به النصيحة إلى أن أضرت بدنياه ولم يبالِ بذلك. وكان السلف إذا أرادوا نصيحة أحدٍ. . وعظوه سرًّا، حتى قال بعضهم: مَنْ وعظ أخاه سرًا. . فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس. . فإنما وبَّخه، ومن ثم قال الفضيل: (المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير) (٣). ثم هي قد تجب عينًا، وقد تجب على الكفاية كما يعلم من أقسامها التي ذكرناها. نعم؛ شرط وجوبها بقسميه: أن يأمن من لحوق ضررٍ له في نفسه، أو نحو ماله، لا العلم بقبول نصحه؛ لِمَا صرحوا به من وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن علم أنه لا يسمع له، ومن ثَمَّ يندب له السلام ولو على من علم منه أنه لا يرد.

стр. 254

(رواه مسلم) منفردًا به عن تميم، وليس له في "صحيحه" عنه سواه، وأخرجه البخاري تعليقًا (١)، لأن في رواته مَنْ ليس على شرطه، وورد عن غير تميم، كابن عمر من طرقٍ لا بأس بها (٢)، وكأبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنهم (٣). ثم هذا الحديث وإن أوجز لفظًا لكنه أطنبُ فائدةً ومعنًى؛ لأن سائر السُّنَن وأحكام الشريعة أصولًا وفروعًا داخلةٌ تحته، بل تحت كلمةٍ منه؛ وهي: (ولكتابه) لأنه اشتمل على أمور الدين جميعها أصلًا وفرعًا، وعملًا واعتقادًا، فإذا آمن به وعمل بما تضمنه على ما ينبغي مما أشرنا إليه في النُّصح له. . فقد جمع الشريعة بأسرها ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وبهذا يُردُّ على من قال: إنه ربع الإسلام. * * *

стр. 255

الحديث الثامن [حرمة دم المسلم وماله] عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاِتلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيموا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ. . عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (١). (عن) عبد اللَّه (بن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: أُمرت) (٢) أي: أمرني اللَّه تعالى؛ إذ ليس فوق رتبته ﷺ من يأمره إلا اللَّه تعالى، ومن ثَمَّ لم يأت فيه الاحتمال في قول الصحابي: أمرنا، أو: نهينا؛ لأن فوقه من يمكن إضافة الأمر إليه غير النبي ﷺ من نحو خليفةٍ، ومعلمٍ، ووالدٍ، ورئيسٍ، لكن لما بَعُدَ هذا وكان الظاهر من حال الصحابي أنه لا يطلق ذلك إلا إذا كان الآمر أو الناهي هو النبي ﷺ . . كان الأصح: أن له حكم المرفوع، وكأنه قال: أمرنا، أو: نهانا النبي ﷺ . وحذف الفاعل هنا تعظيمًا، من قولهم: أمر بكذا، ولا يذكرون الآمر تعظيمًا له وتفخيمًا. (أن) أي: بأن؛ لأن الأصل في (أمر) أن يتعدَّى لمفعولينِ، ثانيهما بحرف الجر، فـ (أمرتُك الخيرَ) قليلٌ (٣).

стр. 256

(أقاتل الناس) أي: عبدة الأوثان منهم دون أهل الكتاب؛ لأنهم يقولون: لا إله إلا اللَّه، ثم يقاتِلون، ولا يُرفع عنهم السيف حتى يقروا بالشهادتين، قاله الخطابي (١). لكنه إنما يجيء في رواية أبي هريرة؛ لاقتصارها على: (لا إله إلا اللَّه)، أما على رواية ابن عمر. . فالمراد بهم: جميع الكفار، وتارك الصلاة، أو الزكاة وإن كانوا مسلمين كما دل عليه الحديث، ويأتي موضَّحًا في شرحه، فتخصيص جمع من الشُّراح الناسَ هنا بما قاله الخطابي وَهَمٌ؛ لِمَا عرفت. وإنما لم تدخل الجن، مع أن لفظ (الناس) قد يشملهم، كما قاله الجوهري، ورسالته ﷺ عامة لهم إجماعًا؛ لأنه لم يرد أنه ﷺ قاتل نوعًا منهم داعيًا لهم للتوحيد، كما فعل ذلك بالإنس، وإنما الذي جاء: أن جماعاتٍ منهم كجن نصيبين وغيرهم أسلموا على يديه ﷺ من غير قتال. (حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه) مرَّ في بحث الإسلام الكلام على الشهادتين وما يشترط فيهما، فراجعه (٢)، وصريح هذا أن الآتي بهما مؤمنٌ حقًا، وإن كان مقلدًا بالمعنى الذي قررناه ثَمَّ في مبحث الإيمان مع دليله، قال المصنف: (وهو مذهب المحققين، والجماهير من السلف والخلف، واشتراط تعلُّمِ أدلة المتكلمين ومعرفة اللَّه تعالى بها، وإلَّا. . لم يكن من أهل القبلة. . خطأٌ ظاهرٌ؛ فإن المراد: التصديق الجازم، وقد حصل، ولأنه ﷺ اكتفى بالتصديق بما جاء به، ولم يشترط المعرفة بالدليل، وقد تظاهرت بهذا أحاديث في "الصحيح" يحصل بمجموعها التواتر والعلم القطعي) اهـ (٣) (و) حتى (يقيموا الصلاة) أي: يأتوا بها على الوجه المأمور به، أو يداوموا

стр. 257

عليها، كما مر بسطه، وفيه دليلٌ لقتل تاركها غير الجاحد لوجوبها (١)، وهو ما عليه أكثر العلماء؛ لأنه غيَّا الأمر بالقتال بفعلها، فما لم يفعلها. . فهو مقاتَل وجوبًا (٢)، ويلزم من قتاله قتله غالبًا أو احتمالًا، فدلَّ على جوازِ بل وجوبِ قتله، وسياقُ الحديثِ وإن كان في الكافر، لكن المسلم أَولى منه بذلك؛ لأنه تركها مع اعتقاده وجوبها، بخلاف الكافر، ومن ثم قضى المرتد بعد إسلامه ما فاته زمن ردته، بخلاف الكافر الأصلي، وأيضًا: الغاية هنا في معنى الشرط، وحينئذٍ فكفُّ القتال مشروطٌ بالشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والمشروط ينتفي بانتفاء أحد شروطه، فإذا انتفى فعل الصلاة. . وجد القتال المقتضي لجواز، بل وجوب القتل كما مر. (و) حتى (يؤتوا الزكاة) إلى مستحقيها، ومثلها في قتال الممتنعين منها بقيةُ شرائع الإسلام، وإنما لم نقل بأن تاركها يقتل وإن قال به جماعة؛ لأنه إن امتنع. . أمكن تخليصها منه بالقتال، وإلَّا. . أمكن تخليصها بلا قتال، فلم يجز القتل هنا حينئذ؛ إذ لا ضرورة إليه، بخلافه في تارك الصلاة؛ لأنه إذا امتنع. . لم يمكن استيفاؤها منه، فغلظت عقوبته بالقتل ما لم يتب بأن يصلي. (فإذا) آثرها على (إنْ) مع أن المقام لها (٣)؛ لأن فعلهم متوقعٌ؛ لأنه علم إجابة بعضهم فغلَّبهم لشرفهم، أو تفاؤلًا، نحو: غفر اللَّه لك. (فعلوا ذلك) جميعه؛ أي: أتوا به: قولًا كان وهو الشهادتان، أو: فعلًا وقولًا وهو الصلاة، أو: فعلًا محضًا وهو الزكاة، (عصموا) منعوا وحفظوا، ومنه: اعتصمت باللَّه؛ أي: امتنعت بلطفه من معصيته، والعصام: ما يربط به فم القِربة لمنعه سيلان مائها. (منِّي دماءهم وأموالهم) وهي: كل ما صح إيراد نحو البيع عليه، وأُريد بها هنا

стр. 258

ما هو أعم من ذلك حتى يشمل الاختصاصات، ولا ينافي ما تقرر من توقف العصمة على هؤلاء الثلاثة ما هو معلومٌ بالضرورة: أنه ﷺ كان يعصم الدم بالشهادتين، ومن ثم اشتد نكيره على أسامة؛ لقتله مَنْ قالهما (١)، ولم يشترط على مريد الإسلام التزام صلاةٍ ولا زكاة، بل روى أحمد: أنه قَبِلَ إسلامَ مَنِ اشترط أن لا زكاة ولا جهاد (٢)، ومن اشترط ألَّا يصلي إلا صلاتين (٣)، ومن اشترط أن يسجد من غير ركوع (٤)، ومن ثم قال أحمد: يصح الإسلام على الشرط الفاسد، ثم يُؤمَر بشرائع الإسلام كلها. وخبر: (لم يكن ﷺ يقبل من أجابه إلى الإسلام إلا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. . .) الحديث. . ضعيفٌ جدًا (٥). ووجه عدم المنافاة: أنه وإن كان يقبل مجرد النطق بالشهادتين، لكنه لا يقر مَنْ نطق بهما على ترك صلاةٍ ولا زكاةٍ، ومن ثَمَّ أمر معاذًا لمَّا بعثه النبي ﷺ إلى اليمن أن يدعوهم أولًا إلى الشهادتين، وأن مَنْ أطاعه بهما. . أعلمه بالصلاة، ثم بالزكاة (٦). وبهذا عُلِم الجمع بين هذه الرواية ورواية أبي هريرة الآتيةِ المفيدةِ العصمةَ بمجرد النطق بالشهادتين؛ لأن معناها كما عُرف أنه بهما يعصم، ويحكم بإسلامه، ثم إن أتى بشرائع الإسلام. . فظاهر، وإلَّا. . قُوتل ذو المنعة. وزعْمُ أنه يقاتل حتى يأتي بالثلاثة ابتداءً التزامًا وفعلًا (٧)، فيكون حجة على خطاب الكفار بالفروع. . منظرٌ فيه بما في خبر مسلم يوم خيبر حين أعطى الراية لعليٍّ ﵁ ثم قال: على ماذا أقاتلهم؟ قال: "على أن يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن

стр. 259

محمدًا رسول اللَّه، فإذا فعلوا ذلك. . عصموا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها" (١)، فجعل مجرد الإجابة إليهما عاصمةً للنفوس والأموال إلا بحقِّها، ومنه الامتناع من الصلاة أو الزكاة بعد الإسلام كما فهمتِ الصحابةُ في القصة الآتية، فعلم أنه ﷺ كان يعصم بمجرد الشهادتين. ثم إن أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة؟ وإلَّا. . لم يمتنع من قتالهم (إلا بحق الإسلام) فلا يعصم حينئذٍ دمه ولا ماله، وفسر هذا الحق في حديثٍ بأنه: (زنًا بعد إحصان، أو كفرٌ بعد إيمان، أو قتل النفس التي حرم اللَّه تعالى) (٢). وقضيته: أن الزاني والقاتل تباح أموالهما، وليس مرادًا، فكأنه غلَّب الكافر عليهما، وبه يردُّ على من قال: فيه دليلٌ على كفر تارك الصلاة؛ لأن مفهومه أنهم إذا لم يفعلوا ذلك. . لم يعصموا مني دماءهم وأموالهم بحق الكفر؛ لأن حق الإسلام ذكر بعد (إلا) وما بعدها يخالف ما قبلها. اهـ على أنه يلزم عليه كفر تارك الصلاة (٣)، وهو ضعيفٌ جدًا؛ وأيضًا فلا يُحتاج لهذا التكلف لو سُلِّمت صحته؛ لما في حديث مسلمٍ من التصريح بكفر تارك الصلاة (٤)، لكن حمله الجمهور على المستحل. ثم الحكم عليهم بما ذكر إنما هو باعتبار الظاهر (و) أما باعتبار البواطن والسِّرِّ. . فأمرهم ليس إلى الخلق؛ إذ (حسابهم) أي: حساب بواطنهم وسرائرهم (على اللَّه) (٥) إذ هو المطلع وحده على ما فيها من إيمانٍ وكفرٍ ونفاقٍ وغير ذلك. فمن أخلص في إيمانه. . جازاه جزاء المخلصين، ومن لا. . أجرى عليه في الدنيا

стр. 260

أحكام المسلمين، وكان في الآخرة من أسوأ الكافرين، فرب عاصٍ في الظاهر يصادف عند اللَّه خيرًا، وبالعكس. ومن ثَمَّ صح أنه ﷺ قال: "إنكم لتختصمون إليَّ، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض. . . " الحديث (١)، وقال: "نحن نحكم بالظاهر، واللَّه يتولى السرائر" (٢)، وقال: "ما أُمرت أن أشق عن قلوب الناس ولا بطونهم" (٣)، وقال: "فهلَّا شققت عن قلبه. . . " الحديث (٤)، وقال تعالى: ﴿فَإِن تَابُوا﴾ أي: أسلموا ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾. وما فهم منهما من أن من ترك واحدة من الثلاثة لا يُخلَّى سبيله وليس بأخٍ لنا. . موافقٌ للحديث الذي نحن فيه، وبهما يظهر قول الشافعي ومالك: يقتل تارك الصلاة وإن اعتقد وجوبها كما مر، ويُرَدُّ قول المرجئة: إنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة. وفي تلك الأحاديث والآيتين دليلٌ أيضًا على أن من أظهر الإسلام وأسرَّ الكفر. . قُبِلَ إسلامه ظاهرًا، وهو ما ذهب إليه الجمهور، وقال مالك وأحمد: لا تقبل توبة الزنديق، ولأصحابنا فيه خمسة أوجه؛ أصحها: قبول توبته مطلقًا وإن تكررت أو كانت تحت السيف، أو كان داعية إلى الضلال. (رواه البخاري) بلفظه المذكور جميعه (ومسلم) ما عدا قوله: "إلا بحق الإسلام" وعجيبٌ من المصنف رحمه اللَّه تعالى مع شدة تحقيقه وحفظه كيف أوهم أن كلًّا من الشيخينِ خرجه جميعه (٥).

стр. 261

وهو حديثٌ عظيمٌ مشتملٌ من قواعد الدين على مهماتها كما ظهر بما قررناه في شرحه وما يأتي أيضًا، وفيه بيانٌ واضحٌ أن للإيمان أجزاءً وشُعَبًا: منها ما هو فرضٌ على كل مكَّلفٍ في كل حالٍ وهو الأُولى (١)، أو في بعضها وهو الثانية (٢)، وما هو فرضٌ على بعض الآدميين ولو غير مكلف وهو الثالثة. والمراد بوجوبها على غير المكلف: وجوبها في ماله، والمخاطب بإخراجها منه وليُّه، فيلزمه -إن لم يكن حنفيًا- إخراجُها فورًا وإن منعه الإمام. واستفيد من تلك الثلاثة: أنه يلحق بكل واحدةٍ منها في كونه جزءًا وشعبةً من الإيمان ما هو في معناه. وفيه زيادة على حديث أبي هريرة الذي روياه أيضًا: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك. . عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" (٣)، وفي رواية: "حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه، فمن قال لا إله إلا اللَّه. . عصم مني. . . إلخ" (٤)، وخرجه مسلم عن جابر بهذا اللفظ، وزاد: ثم قرأ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (٥) على حديث أنسٍ الذي رواه مسلم، وإن كان الآخر فيه زيادة أيضًا وهو: "أُمرت أن أقاتل المشركين حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك. . حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين" (٦).

стр. 262

وليس في الأحاديث الثلاثة ذكر الصوم والحج، مع ذكرهما في حديث جبريل السابق والذي بعده، فيحتمل أن هذه الثلاثة كانت قبل فرضهما، وحينئذٍ فيُستفاد من ذَينِك الحديثين ضم الصوم والحج إلى ما في هذه الأحاديث، فيُعْطَيان حكمه من المقاتلة عليهما، والعصمة بفعلهما (١)، على أن لك أن تقول: إنهما داخلان في قوله في حديث أبي هريرة: "وبما جئت به" فإنه شاملٌ لذَيْنِك وغيرهما من جميع ما عُلِم من دينه ﷺ بالضرورة، وبهذا يزول ذلك التكلُّف، ويتضح الأمر. ثم رأيت المصنف رحمه اللَّه تعالى صرَّح بذلك فقال بعد الثلاثة المذكورة في حديث ابن عمر: (لا بد مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به ﷺ كما في رواية أبي هريرة: "ويؤمنوا بما جئت به") اهـ (٢) ويحمل تعميمه على ما ذكرته من المعلوم من الدين بالضرورة (٣)؛ لما مر في بحث الإيمان في حديث جبريل (٤). وما حكي عن سفيان بن عيينة: أن حديث أبي هريرة كان أول الإسلام قبل فرض الصلاة والصيام والزكاة والهجرة. . يرده أن رواته إنما صحبوه ﷺ بالمدينة، بل لم يصحبه أبو هريرة إلا في فتح خيبر سنة سبع، على أن قوله: "عصموا مني. . . إلخ" صريحٌ في أنه كان مأمورًا بالقتال، وهو لم يؤمر به إلا بعد وصوله للمدينة وإقامته فيها نحو السنة. هذا ومن العجب أن حديث ابن عمر هذا الذي ساقه المصنف نصٌّ في قتال مانعي الزكاة ولم يبلِّغه أبا بكر وعمر رضي اللَّه تعالى عنهما مع تشاجرهما في قتالهم واختلاف رأيهما فيه، فاستدل أبو بكر بالحديث الثاني فقال: الزكاة من حقها، وبقياسها على

стр. 263

الصلاة، وعمر بأنه اقتصر على قول: لا إله إلا اللَّه، وهم يقولونها؛ أي: مع الشهادة الأخرى؛ للقطع بأن تلك لا تكفي وحدها، أو أنهما لتلازمهما عبَّر بإحداهما عن الجميع، ولعل ابن عمر لم يعلم بما وقع بينهما لمرضٍ أو سفرٍ، أو كان ناسيًا إذ ذاك لمروِيِّه. ورواية ابن خزيمة في "صحيحه" وغيره: أن أبا بكر استدل بحديث ابن عمر (١)، قال أئمة الحفاظ: إنها خطأ، ولم يكن حديث ابن عمر عنده منه شيء؛ وإلَّا. . لم يحتج للاستنباط والقياس السابقَينِ. وبهذا يعلم جلالة علم أبي بكر رضي اللَّه تعالى عنه، ودقيق استنباطه وقياسه الصريح في أن قتال تارك الصلاة كان مجمعًا عليه بين الصحابة، وفي أن العموم الذي احتج به عمر يُخَصُّ بالقياس؛ فإنه فيهما وافق هذا النص دون عمر، مع ما علم من موافقاته الكثيرة للنصوص، ليمتاز عليه أبو بكر في أخص الأوصاف وأجلها، وهو العلم، وقد بسطت الكلام على علمه وموافقات عمر في كتابي "الصواعق المحرقة لإخوان الشياطين والابتداع والضلال والزندقة" (٢). هذا ولا بأس ببسط قضيتهما في ذلك؛ فإنه وقع فيها خبط، وحاصلها -كما قال الخطابي وغيره-: أنه ﷺ لما توفي واستُخْلِف أبو بكر بعده. . ارتد بعض العرب، ومنع الزكاة بعضهم، فعزم أبو بكر على قتال الجميع، فنازعه عمر في المانعين، واستدل كلٌّ منهما بما مر، وكان الحق مع أبي بكر كما تقرر. ثم المرتدون منهم من عاد إلى ما كان عليه من عبادة الأوثان، ومنهم من تابع مسيلمة في دعواه النبوة؛ كبني حنيفة وقبائل غيرهم، ومنهم من تابع الأسود العنسي في دعواه إياها باليمن، ولم يبقَ مسجدٌ يعبد اللَّه تعالى فيه في بسيط الأرض إلا مسجدا مكة والمدينة، ومسجدٌ بجُواثا من أرض البحرين به جمعٌ من الأزد محصورون إلى أن فتح اللَّه تعالى اليمامة بقتل مسيلمة اللعين. ومانعو الزكاة منهم من أنكر فرضها ووجوب أدائها إلى الإمام، وهم في الحقيقة

стр. 264

أهل بغيٍ ولم يُدْعَوا به حينئذٍ؛ لدخولهم في غمار أهل الردة، فأطلقت عليهم، ومن ثم لما انفرد البغاة في زمن علي كرم اللَّه وجهه. . سُمُّوا بغاة، ومنهم من سمح بها لأبي بكر إلا أن رؤساءهم منعوهم، وهؤلاء هم الذين وقعت فيهم المناظرة السابقة، ثم بان لعمر صواب رأي أبي بكر، فوافقه على قتالهم لا تقليدًا (١) -لأن المجتهد لا يقلد مجتهدًا- بل لِما اتضح عنده من الدليل الذي ذكره أبو بكر. وقد زعم من لا خلاق له ولا دين من الرافضة -وإنما رأس مالهم البهت والكذب- أن قتاله إياهم كان عسفًا وظلمًا، وأنه أول من سبى المسلمين مع وجود شُبَه قامت عندهم يعذرون بها، وترفع السيف عنهم، وهي قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية، فالخطاب خاصٌّ به ﷺ ، وليس لأحدٍ من التطهير والتزكية والصلاة على المتصدق ما له ﷺ . وهذا الزعم واضح البطلان؛ لما مر أن منهم من ارتد بدعائه إلى نبوة من مر، ومنهم من أنكر الشرائع كلها، فهؤلاء هم الذين رأى أبو بكر سبيهم، ووافقه أكثر الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم، ومنهم علي كرم اللَّه وجهه الواجبُ العصمةِ عندهم؛ فإنه استولد جاريةً من سبي بني حنيفة وأولدها محمدَ ابن الحنفية الذي يزعم بعض الرافضة ألوهيته. قال الخطابي: (ثم لم ينقضِ عصرُ الصحابة حتى أجمعوا على أن المرتد لا يُسبى) (٢) أي: ومن ثم لما استخلف عمر. . ردَّ عليهم سبيهم، لكن أصبغَ -من أصحاب مالك- قائلٌ برأي أبي بكر من سبي أولاد المرتدين، وهو قياس قولِ مَنْ قال من أصحابنا: إنهم كالكفار الأصليين، فحكاية الخطابي الإجماع لم تتم له. وإنما أُضيفت الردة لمانعي الزكاة مع بقاء إيمانهم؛ إرادةً لمعناها اللغوي، أو لمشاركتهم أهلها في منع بعض حقوق الدين، وما ذكروه في الآية جهلٌ منهم؛ فإن خطاب القرآن إما عامٌّ نحو: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، وإما خاصٌّ به صلى اللَّه عليه

стр. 265

وسلم، وهو ما صرح له فيه بذلك نحو: ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ , ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فإن لم يصرح له فيه بذلك. . عَمَّ أمته نحو: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾، ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ الآية، ومنه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية، فالإمام بعده مثله فيه. وفائدة خطابه: تعليم الأمة سلوك طريقته ﷺ ، ومن هذا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآيةَ، فخُوطب بالنبوة خصوصًا، وبالحكم عمومًا، بل قد يُخاطَب ويُراد غيره نحو: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ الآيةَ (١). وما ذكروه من التطهير وغيره. . يُنال بطاعة اللَّه تعالى ورسوله ﷺ ؛ إذ كل ثوابٍ مقيدٌ لعمل برٍّ كان في زمنه ﷺ . . باقٍ غيرُ منقطع. ويسن لآخذ الصدقة الدعاءُ لمؤدِّيها باليُمْنِ والبركة في ماله، ويرجى أن يستجيب اللَّه له. لا يقال: إنكار فرض الزكاة كفرٌ، فكيف مر أنهم بغاة؟! لأنا نقول هذا بالنسبة لزماننا؛ فإنها فيه صارت معلومةً من الدين بالضرورة، وكل ما هو كذلك. . إنكاره كفر، بخلافها ذلك الزمن؛ لقرب عهدهم بالإسلام مع جهلهم بالأحكام واحتمال النسخ، على أن إنكار المعلوم من الدين بالضرورة في زمننا من قريب العهد بالإسلام وممن لم يخالط المسلمين. . لا يكون كفرًا (٢). وهذا أوجه من قول القاضي عياض: (إن منكري وجوبها من قسم المرتدين، إلا أن يريد ما قررناه في معنى ذلك، لكنه بعيدٌ من قوله: إن أبا بكر قاتلهم لكفرهم) (٣).

стр. 266

تنبيه [لزوم موافقة المجتهدين لأمر الإمام المجتهد العادل وحكمه] استفيد مما مر عن عمر من موافقته أبا بكر على القتال والسبي، ثم ردِّه سبيهم إليهم لما استخلف: أن الإمام المجتهد العادل إذا أمر بأمرٍ، أو حكم بحكمٍ اعتقده صوابًا. . لزم المجتهدين -وإن رأوا خلاف رأيه- وغيرَهم موافقتُهُ، وأن عمر وافقه على القتال ظاهرًا وباطنًا، وعلى السبي ظاهرًا فقط؛ بدليل ردِّهِ بعدُ، ويحتمل أنه كان موافقًا عليه باطنًا أيضًا، ثم تغيَّر اجتهاده وإن سلَّمنا أنهم أجمعوا مع أبي بكر عليه بناءً على أن انقراض العصر شرطٌ في حجية الإجماع، على أن الذي صححه القرطبي: أنه لا إجماع على السبي ولا على عدمه (١)، وعليه فلا وجه لمنع تغير اجتهاد عمر بأنه يلزم عليه خرق إجماع الصحابة مع أبي بكر على السبي. * * *

стр. 267

الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطُّع] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَخْرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ. . فَاجْتَنِبُوهُ, وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ. . فَافْعَلُوا (١) مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ؛ فَإِنَّمَا أَهْلِكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ, وَاخْتِلافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (٢). (عن أبي هريرة) جره هو الأصل، وصوَّبه جماعة؛ لأنه جزء العلم، واختار آخرون منعَ صرفه كما هو الشائع على ألسنة العلماء من المحدِّثين وغيرهم؛ لأن الكل صار كالكلمة الواحدة، واعترض بأنه يلزم عليه رعاية الحال والأصل معًا في كلمةٍ واحدةٍ، بل في لفظ (هريرة) إذا وقعت فاعلًا مثلًا؛ فإنها تعرب إعراب المضاف إليه نظرًا للأصل، وتمنع من الصرف نظرًا للحال، ونظيرُه خفيٌّ. اهـ ويجاب بأن الممتنع رعايتهما من جهةٍ واحدةٍ لا من جهتين كما هنا، وكان الحامل عليه الخِفَّةُ، واشتهار هذه الكنية، حتى نُسي الاسم الأصلي بحيث اختلفوا فيه اختلافًا كثيرًا كما سيأتي. وسبب تلقيبه بذلك: ما رواه ابن عبد البر عنه أنه قال: كنت أحمل يومًا هرةً في كمي، فرآني النبي ﷺ فقال لي: "ما هذه؟ " فقلت: هرة، فقال: "يا أبا هريرة" (٣).

стр. 268

وفي رواية ابن إسحاق: وجدت هرةً فحملتها في كمي، فقيل لي: ما هذه؟ فقلت: هرة، فقيل لي: فأنت أبو هريرة (١)، ورجَّح بعضهم الأول. وقيل: كان يلعب بها وهو صغير، وقيل: كان يحسن إليها، وقيل: المكني له بذلك والده. واختُلف في اسمه واسم أبيه على خمسةٍ وثلاثين قولًا، أصحها -كما قاله المصنف-: ما ذكره هنا بقوله: (عبد الرحمن) روى ابن إسحاق عنه: أنه أُبدل به في الإسلام عن عبد شمس اسمه في الجاهلية (ابن صخر ﵁ الدوسي. أسلم عام خيبر، وشهدها مع رسول اللَّه ﷺ ، ثم لازمه الملازمة التامة رغبةً في العلم، راضيًا بشبع بطنه، وكان يدور معه حيثما دار، ومن ثَمَّ كان أحفظَ الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم، وقد شهد له رسول اللَّه ﷺ أنه حريصٌ على العلم والحديث، وقال: قلت: يا رسول اللَّه؛ إني سمعتُ منك حديثًا كثيرًا، وإني أخشى أن أنساه، فقال: "ابسط رداءك" فبسطته، فضرب بيده فيه ثم قال: "ضمه" فضممتُه، فما نسيتُ شيئًا بعده (٢). قال البخاري: روى عنه أكثرُ من ثمان مئة ما بين صحابيٍّ وتابعيٍّ. استعمله عمر على البحرين، ثم عزله، ثم راوده على العمل فأبى، ولم يزل يسكن المدينة، وبها توفي سنة سبعٍ أو ثمانٍ أو تسع وخمسين عن ثمانٍ وسبعين سنة، ودُفن بالبقيع، وما اشتُهر أن قبره بقرب عسقلان لا أصل له، وإنما ذاك صحابيٌّ آخر اسمه جَنْدرة. روي له خمسة آلافٍ وثلاثُ مئةِ حديثٍ وأربعةٌ وسبعون حديثًا، اتفقا منها على ثلاث مئةٍ وخمسةٍ وعشرين، وانفرد البخاريُّ بثلاثةٍ وتسعين، ومسلمٌ بمئةٍ وتسعين. (قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: ما نهيتكم) هذا الخطاب ونحوه يختص لغةً بالموجودين عند نزوله، وشموله لمن بعدهم؛ لما هو معلومٌ من الدين بالضرورة أن هذه الشريعة عامةٌ إلى يوم القيامة.

стр. 269

(عنه. . فاجتنبوه) دائمًا على كل تقديرٍ مما دام منهيًا عنه حتمًا في الحرام، وندبًا في المكروه؛ إذ لا يمتثل مقتضى النهي إلا بترك جمبع جزئياته، وإلَّا. . صدق عليه أنه عاصٍ، أو مخالفٌ. وأيضًا: فترك المنهي عنه هو استصحاب حال عدمه، أو الاستمرار على عدمه، وليس في ذلك ما لا يستطاع حتى يسقط التكليف به، ونظر فيه بأن الداعي للمعصية قد يقوى حتى لا يستطاع الكف عنها، ويرد: بأن هذا نادرٌ، فلا يُعوَّل عليه وإن سُلِّم أنه يوجد كثيرًا مَنْ يجتهد في الطاعة ولا يقوى على ترك المعصية، فخرج نحو أكل الميتة للاضطرار، وشرب الخمر لإساغة اللقمة، أو لإكراهٍ، والتلفظ بكلمة الكفر للإكراه؛ لعدم النهي عن هذه حينئذٍ. (وما أمرتكم به. . فأتوا) (١) وجوبًا في الواجب، وندبًا في المندوب (منه ما استطعتم) أي: أطقتم؛ لأن فعله هو إخراجه من العدم إلى الوجود، وذلك يتوقف على شرائط وأسباب؛ كالقدرة على الفعل ونحوها، وبعض ذلك يُستطاع وبعضه لا يُستطاع، فلا جرَمَ سقط التكليف بما لا يستطاع منه؛ لأن اللَّه تعالى أخبر أنه لا يُكلِّف نفسًا إلا وسعها (٢). وأيضًا: يصدق عليه أنه امتثل الأمر المطلق مع الإتيان بالمستطاع الصادق عليه اسمه؛ كيوم، وركعتين، وأقل مُتَمَوَّل في: صُمْ، وصَلِّ، وتصدَّقْ، فإن قيَّد أو وصف. . لم يصدق الامتثال إلا بالإتيان به بجميع قيوده أو أوصافه، وإن كان من أشق التكاليف. وهذا من قواعد الإسلام المهمة، ومما أُوتيه ﷺ من جوامع الكلم؛ لأنه يدخل فيه ما لا يُحصى من الأحكام، وبه وبالآية الموافقة له يُخَصُّ عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.

стр. 270

فإذا عجز عن ركنٍ أو شرطٍ لنحو وضوءٍ أو صلاةٍ، أو قدر على غسلِ أو مسحِ بعضِ أعضاء الوضوء أو التيمم، أو على ستر بعض العورة، أو على بعض الفطرة -لا عن الرقبة في الكفارة؛ لأن لها بدلًا- أو بعض (الفاتحة) أو إزالة بعض المنكر. . أتى بالممكن، وصحَّت عبادته مع وجوب القضاء تارةً، وعدمِهِ أخرى، كما هو مقرَّرٌ في الفروع. ويُؤخَذ من هذا القاعدةُ المشهورة: أن درء المفاسد أَولى من جلب المصالح، فإذا تعارضت مصلحةٌ ومفسدةٌ. . قدم دفعها؛ لأن اعتناء الشارع بالمنهيات أشدُّ منه بالمأمورات كما عُلِم مما تقرر، ومن ثمَّ سُومح في ترك الواجب بأدنى مشقة؛ كالقيام في فرض الصلاة، وفطر رمضان، والعدول إلى التيمم (١)، ولم يسامح في الإقدام على منهيٍّ، وخصوصًا الكبائر إلا إذا تحققت الضرورة (٢). وقد تُراعى المصلحة لغلبتها على المفسدة؛ ومنه الصلاة مع اختلال بعض شروطها، فإن فيها مفسدةً هي الإخلال بإجلال اللَّه تعالى عن أن يُناجى إلا على أكمل الأحوال، ومع ذلك يجب فعلها تقديمًا لمصلحتها، وكالكذب للإصلاح، فإنه جائزٌ؛ لأن مصلحته حينئذٍ تربو على مفسدته، وهذا النوع راجع في الحقيقة إلى ارتكاب أخفِّ المفسدتين. ثم هذا الحديث موافقٌ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وأما: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ فقيل: منسوخ، والأصح، بل الصواب -وبه جزم المحققون-: أن تلك مُبيِّنةٌ لهذه، قاله المصنف (٣). وإنما يتمُّ هذا على تفسير: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ بامتثال أمره، واجتناب نهيه، أما على المشهور من تفسيره: بأن يذكر فلا ينسى، ويطاع فلا يعصى. . فالأوجه: النسخ؛

стр. 271

فإن هذه لمَّا نزلت. . تحرَّجت الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم منها، وقالوا: أيُّنا يطيق ذلك، فنزلت تلك، ولتوقف المأمور به على فعل، بخلاف المنهي عنه، فإنه كفٌّ محضٌ، قال في ذاك: "فأتوا منه ما استطعتم"، وفي هذا: "فاجتنبوه". وعن أحمد رضي اللَّه تعالى عنه: أنه يؤخذ من الحديث أن النهي أشد من الأمر؛ لأنه لم يرخص في شي: منه، والأمر مقيدٌ بالاستطاعة، وقريبٌ من هذا قول بعضهم: أعمال البِرِّ يعملها البارُّ والفاجر، والمعاصي لا يتركها إلا صدِّيق. قيل: وتفضيل ترك المنهي على فعل الطاعة إنما أُريد به على نوافلها، وإلَّا. . فجنس الواجب لكون العمل فيه مطلوبًا لذاته أفضلُ من ترك المحرَّم؛ لأن المطلوب عدمه، ومن ثَمَّ لم يحتج لنيةٍ، ولذلك كان ترك الواجب قد يكون كفرًا كترك التوحيد، بخلاف ارتكاب المنهي؛ فإنه لا يقتضي الكفر بنفسه. انتهى، وفيه نظر (١). (فإنما) وجه تفريع ما بعدها على ما قبلها: أن الأمر والنهي الصَّادرينِ منه ﷺ لما كانا مظِنَّةً لكثرة السؤال عنهما: هل يقتضيان التكرار مثلًا؟ وكان في كثرته كثرة الجواب، فيضاهي ذلك قصة بقرة بني إسرائيل التي أُمروا فيها بذبح بقرةٍ، فتعنَّتوا ولم يُبادروا إلى مقتضى اللفظ من ذبح أي بقرةٍ كانت، بل شدَّدوا على أنفسهم بكثرة تكرار السؤال، فشدَّد اللَّه عليهم بزيادة الأوصاف حتى لم يجدوا متصفًا بها إلا بقرةً واحدةً، فشروها بملء جلدها ذهبًا، فندموا على ذلك. . فخاف ﷺ على أمته من مثل ذلك، ومن ثم قال: (أهلك الذين من قبلكم كثرةُ مسائلهم واختلافُهم) بالضم؛ لأنه أبلغ في ذم الاختلاف؛ إذ لا يتقيد حينئذ بـ (كثرة) بخلافه لو جُرَّ. (على أنبيائهم) استُفيد منه تحريم الاختلاف، وكثرة المسائل من غير ضرورة؛ لأنه توعَّد عليه بالهلاك، والوعيدُ على الشيء دليلٌ لتحريمه، بل لكونه كبيرةً على الخلاف فيه.

стр. 272

ووجهه فى الاختلاف: أنه سبب تفرُّقِ القلوب، ووهن الدين، كما جرى للخوارج حين تبرأ بعضهم من بعضٍ. . وهن أمرهم، وذلك حرامٌ، فسببه المؤدي إليه حرامٌ. وفي كثرة السؤال: أنه من غير ضرورة مشعرٌ بالتعنُّت، ومفضٍ إليه، وهو حرامٌ أيضًا، وقد نهى الشارع عن: قيل وقال، وكثرة السؤال (١)، وروى أحمد: أنه ﷺ (نهى عن الأغلوطات) (٢) وهي صعاب المسائل. وورد: "سيكون أقوامٌ من أمتي يغلطون فقهاءهم بعضل المسائل، أولئك شرار أمتي" (٣). وقال الحسن: (شرار عباد اللَّه الذين يتبعون شرار المسائل، يُعَمُّون بها عباد اللَّه) (٤). وقال الأوزاعي: (إن اللَّه إذا أراد أن يحرم عبده بركة العلم. . ألقى على لسانه المغاليط؛ فلقد رأيتهم أقل الناس علمًا) (٥). وكان أفاضل الصحابة ﵃ كزيد بن ثابت وأُبيِّ بن كعب إذا سُئلوا عن شيءٍ. . قالوا: أَوَقَعَ؟ فإن قيل: نعم. . أفتوا فيها، أو ردوها إلى مَنْ يُفتي فيها، وإن قيل: لا. . قالوا: دعها حتى تقع (٦)، وكانوا يكرهون السؤال عما لم يقع، بل لعن عمر ﵁ سائلًا عما لم يكن، وهذا الحكم يرجع إلى قوله تعالى:

стр. 273

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ , ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ الآيتينِ ونحوهما. وبما تقرر: علم أنه لا يحتاج إلى قول من قال: إن كراهة المسائل وقتها مختصٌّ بزمنه ﷺ ؛ لما يُخشى حينئذٍ من تحريمٍ أو إيجابٍ يحصل به مشقة، وهذا أُمن بوفاته ﷺ . واعلم: أن الناس انقسموا في هذا الباب: فمنهم مَنْ سدَّ بابها حتى قلَّ فهمه وعلمه بحدود ما أنزل اللَّه، وصار حامل فقهٍ غير فقيه، وهم من أتباع أهل الحديث. ومنهم من توسَّع في البحث عما لم يقع، واشتغلوا بتكلُّف الجواب عنه، وكثرة الخصومة فيه، والجدال عليه، حتى تفرقت قلوبهم، واستغرقها بسببه الأهواء والشحناء، والعداوة والبغضاء، ويقترن ذلك كثيرًا بنية المغالبة، وطلب العلو والمباهاة، وصرف وجوه الناس إليهم، وهذا مما ذمَّه العلماء، ودلَّتِ السُّنَّةُ على قبحه وتحريمه كما مر. وأما فقهاء الحديث العاملون به. . فوجَّهوا همَّتهم إلى البحث عن معاني القرآن والسنة، وكلام الصحابة والتابعين، ومسائل الحلال والحرام، وأصول السُّنة، والزهد والرقائق، ونحو ذلك مما فيه صفاء القلوب، والإخلاص لعلام الغيوب، جعلنا اللَّه تعالى منهم بمنه وكرمه (١). (رواه البخاري ومسلم) وهو حديث عظيم من قواعد الدين وأركان الإسلام، فينبغي حفظه والاعتناء به، لكن مسلم ذكره في بعض طرقه مطولًا؛ ولفظه: عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: خطبنا رسول اللَّه ﷺ فقال: "يا أيها الناس؛ قد فرض اللَّه تعالى عليكم الحج فحُجُّوا" فقال رجلٌ: أكل عامٍ يا رسول اللَّه؟ فسكت حتى قالها مرارًا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لو قلتُ: نعم. . لوجبتْ، ولما استطعتم" ثم قال: "ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك

стр. 274

من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيءٍ. . فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيءٍ. . فدعوه" (١). ولكون هذا كالشارح للحديث الأول تكلَّم عليه جمعٌ من الشُّرَّاح بما حاصله: أن السائل هو الأقرع بن حابس، قيل: وفيه دليلٌ للقول الضعيف: إنه يتوقف في الأمر فيما زاد على مرةٍ على البيان، فلا يحكم باقتضائه ولا منعه؛ إذ لو كان مطلقه يقتضي التكرار أو عدمه. . لم يسأل الأقرع عن ذلك، ولقيل له: لا حاجة للسؤال، بل مطلقه محمولٌ على كذا. والأصح: أنه لا يقتضي التكرار (٢)، ولا دلالة في الحديث للوقف؛ لاحتمال أن السؤال للاستظهار، أو للاحتياط؛ فإنه وإن لم يقتضِ التكرار قد يستعمل فيه، سيما والحج لغةً: قصدٌ فيه تكرارٌ يقوي احتمال التكرار عند السائل من هذه الحيثية أيضًا. وفي قوله ﷺ : "لو قلت: نعم. . لوجبت" دليلٌ لجواز الاجتهاد له، وهو الأصح (٣)، و: "ذروني ما تركتكم" دليلٌ لعدم الحكم قبل ورود الشرع، وهو الأصح. ومعناه: لا تكثروا من الاستفصال عن المواضع التي تفيد بوجهٍ ما ظاهر وإن صلحت لغيره (٤)، كما في: "فحجوا" فإنه وإن أمكن أن يراد به التكرار ينبغي أن يكتفى بما يصدق عليه اللفظ، وهو المرة الواحدة؛ فإنها مفهومةٌ من اللفظ قطعًا، وما زاد. . مشكوكٌ فيه، فيعرض عنه، ولا يكثر السؤال؛ لئلا يكثر الجواب، فيحصل التعنُّت والمشقة، كما مر عن بني إسرائيل، ومن ثم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 275

الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآيةَ، نزلت -كما في "البخاري"- لمَّا أكثروا عليه ﷺ السؤال تعنتًا واستهزاءً، كقول بعضهم: مَنْ أبي؟ أين ضلَّت ناقتي؟ (١) وجاء من غير وجهٍ أنها نزلت لمَّا سألوه عن الحج وقالوا: أفي كل عام؟ (٢) وفي روايةٍ: أنه ﷺ خرج وهو غضبان محمَرٌّ وجهُه، حتى صعِد المنبر، فقام إليه رجلٌ فقال: أين أبي؟ قال: "في النار" فقام آخر فقال: من أبي؟ قال: "أبوك حذافة" وكان الناس يسبونه وينسبونه لغيره، فجثا عمر على ركبتيه واعتذر عنهم حتى سكن غضبه (٣)، فنزلت نهيًا لهم أن يسألوا -كما سألت النصارى في (المائدة) فأصبحوا بها كافرين- ومعلمةً لهم بأنهم ينتظرون نزول القرآن، فإنهم لا يسألون عن شيءٍ إلا وجدوا تِبيانه، قاله ابن عباس (٤). ومعناه: أن جميع ما يحتاج إليه من الدين لا بد أن يبين في القرآن ابتداءً من غير مسألةٍ، وحينئذٍ فلا حاجة للسؤال، سيما عمَّا لم يقع، وإنما المحتاجُ إليه فهمُ ما أخبر اللَّه تعالى به ورسوله، ثم اتباعه والعمل به، كما أشار إليه ﷺ بقوله في حديث مسلم السابق: "إذا نهيتكم عن شيءٍ. . . إلخ" (٥) بخلاف من صرف همته عند سماع الأمر والنهي إلى فرض ما قد يقع وقد لا، فإنه مما يثبط عن الجد (٦) في امتثال الأمر والنهي. والحاصل: أنه لا مانع من تعدُّدِ سبب النزول، وأن منه ما يسوء السائل جوابه، مثل: هل هو في الجنة أو النار؟ وهل أبوه من ينسب إليه أو غيره؟ وما كان منه على وجه التعنت والعبث والاستهزاء، كما كان يفعله كثير من المنافقين وغيرهم، وما كان فيه سؤال آية واقتراحها على وجه التعنت، كما كان يسأله المشركون وأهل الكتاب.

стр. 276

وما كان سؤالًا عما أخفاه اللَّه تعالى كأمر الساعة والروح، أو عن كثيرٍ من الحلال والحرام مما يخشى أن يكون السؤال سببًا لنزول التشديد فيه، كهو عن الحج، هل يجب كل عام؟ ومن ثم صح: "إن أعظم المسلمين في المسلمين جُرمًا من سأل عن شيءٍ لم يُحرَّم، فحُرِّم من أجل مسألته" (١). ولما سُئل ﷺ عن اللعان. . كره المسائل وعابها حتى ابتلي السائل عنه قبل وقوعه بذلك في أهله (٢)، ولم يرخص في السؤال إلا لوفود الأعراب؛ لتألُّفِهم، بخلاف المقيمين عنده؛ لرسوخ الإيمان في قلوبهم. وصح عن النَّوَّاس بن سمعان: (أقمت مع رسول اللَّه ﷺ بالمدينة سنةً ما يمنعني من المسألة إلا الهجرة، كان أحدُنا إذا هاجر. . لم يسأل النبي ﷺ (٣). وعن أنس: (نُهينا أن نسأل رسول اللَّه ﷺ عن شيءٍ، وكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع) (٤). وروى أحمد: (أنهم رشوا أعرابيًا بُردًا (٥) حتى يسأل لهم) (٦). نعم؛ ربما سألوا عما لم يقع، نحو: (إنا لاقو العدوِّ غدًا، وليس معنا مُدَى، أفنذبح بالقصب؟) (٧). وسأل حذيفة عن الفتن وما يفعل فيها (٨). وآثرَ (تركتكم) على (وَذَرْتُكم) ماضي (ذروني) لأن العرب لم تستعمله إلا في

стр. 277

الشعر اغتناءً عنه بـ (تَرَكَ)، وكذا (ودع) ماضي (يدع). ومعنى "فرض اللَّه عليكم الحج": أوجبه، ومن ثَمَّ أجمعوا على وجوبه، وأنه مرةً في العمر بأصل الشرع، والأصح: أنه على التراخي؛ لأن الأمر لا يقتضي الفور على الأصح، ولأنه ﷺ أخَّره عن سَنَة إيجابه، ومن ثم قال القائلون بفوريته: يجوز تأخيره السنة والسنتين (١). وشرط وجوبه: التكليف اتفاقًا، والاستطاعة، وكذا الحرية عند الجمهور، والإسلام شرطٌ قيل: للوجوب، وقيل: للأداء (٢)، والاستطاعة فسرت في حديثٍ: بالزاد والراحلة، لكن مرَّ أن منهم من صحَّحه ومنهم من ضعفه (٣). ومن ثم اختلفوا فيهما، فقال مالك: من اعتاد السؤال ببلده. . لا يحتاج لوجود زاد، ومن قدر على المشي. . يلزمه وإن بعدت المسافة، واحتج بأنه يسمى مستطيعًا عرفًا، وخالفه الشافعي والأكثرون، فقالوا: لا يجب المشي على البعيد -وهو عندنا: مَنْ بينه وبين مكة مرحلتان وإن قدر- ولا السؤال مطلقًا، وقالوا: إنه لا يُسمَّى في العرف مستطيعًا إلا إن وجد الزادَ مطلقًا، والراحلةَ إن بَعُدَ عن مكة، فأصل اختلافهم في الحكم اختلافهم في العرف. واختلفوا أيضًا فيمن لم يستطع الحج بنفسه لعجزه عن الثبوت على المركوب، هل يخاطب بالحج فيُحَجُّ عنه في حياته بإذنه، وبعد موته من تركته أو لا؟ قال بالأول الأكثرون ومنهم الشافعي، وبالثاني مالك. ومآل اختلافهم هنا للعرف أيضًا؛ فإن الأولين يعدونه مستطيعًا بغيره ويقولون: الاستطاعة بالغير كهي بالنفس، ومالك يقول: غير مستطيع؛ لأن الاستطاعة حيث أُطلقت إنما تنصرف للاستطاعة بالنفس. وحديثُ الخثعمية وقولها: يا رسول اللَّه؛ إن فريضة اللَّه على عباده أدركت

стр. 278

أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: "نعم" (١)، وفي روايةٍ: لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعير، وفي أُخرى: عليه فريضة اللَّه في الحج، وفي أخرى: "فحجي عنه" (٢). . ظاهرٌ في الدلالة للأولين (٣)، وتكلَّف المالكية للجواب عنه بما يأباه ظاهره، ومنه (٤): أن ظاهر الاستطاعة في القرآن يخالفه، فقُدِّم لتواتره. ويجاب عنه بأنه مبنيٌّ على ما مر لهم أن المفهوم من الاستطاعة عرفًا: الاستطاعة بالنفس، ومرَّ أنه محل النزاع، وأنه يحتمل أن معنى (أدركتْهُ) أنه فرض وهو مريضٌ، وترده الرواية الأخيرة، وأن هذا ظنٌّ منها وليس مطابقًا للواقع، ويرد: بأن هذا مجرد دعوى، وإلَّا. . فسكوته ﷺ على سؤالها وإجابته عليه ظاهر في تقريره وصحته، وأنَّ أمرها بالحج إنما هو من باب التطوع وإيصال الخير للميت، بدليل قوله للأخرى لما قالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج، أفأحج عنها؟ قال: "حجي عنها، أرأيت لو كان على أمكِ دينٌ أكنت قاضيتَه عنها؟ " قالت: نعم (٥). ويرد بأن الأصل في الأمر: الوجوب، وهو عندنا واجبٌ على وارثٍ خلَّف ميِّتُه تركةً، وقد مات وعليه حجة إسلامٍ، أو نذرٍ، فالأمر على قواعدنا باقي على حقيقته في الحديثينِ، وعلى قواعدهم مخرجٌ عنها، وإخراجه عنها يحتاج لدليلٍ يخرجه عنها، ومجردُ دعوى أنه من ذلك الباب ليس دليلًا، ودعوى اختصاصه بها، أو أنه مضطربٌ غيرُ مقبولة؛ إذ الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، والاضطرابُ على نحو ما في هذا الحديث غيرُ مؤثر. وفي الحديث ردٌّ على مَنْ منع حجَّ المرأة عن الرجل، والحج عن الغير مطلقًا،

стр. 279

وحكي عن مالك، والذي عليه الشافعيُّ وجمهور الفقهاء جوازُه عمَّن عليه فرضٌ ولو قضاءً أو نذرًا وإن لم يوصِ به، وعمن أوصى به ولو تطوعًا، وعن حيٍّ معضوبٍ بإذنه (١)، ويدل له خبر: "إن اللَّه تعالى يدخل بالحجة الواحدة الجنة ثلاثةً: الميت، والحاج، والمنفذ لذلك" (٢) ولا يضر أن في إسناده أبا معشر، لأنه يحتج به؛ لأنه مع تضعيف الأكثرين له يُكتَب حديثه. وخبر: أنه ﷺ سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة، قال: "من شبرمة؟ " قال: أخٌ لي، فقال: "حججتَ عن نفسكَ؟ " قال: لا، قال: "حج عن نفسك، ثم عن شبرمة" (٣). والجمهور على كراهة إجارة الإنسان نفسه للحج، وينبغي حمله على مَنْ قصد الدنيا، أما مَنْ قصد الآخرة لاحتياجه للأجرة ليصرفها في واجبٍ أو مندوبٍ. . فلا كراهة في حقه. * * *

стр. 280

الحديث العاشر [كسب الحلال سبب لإجابة الدعاء, وأكل الحرام يمنعها] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمنِينَ بمَا أَمَرَ بهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ "، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟! رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (عن أبي هريرة رضي اللَّه) تعالى (عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : إن اللَّه تعالى طيبٌ) أي: طاهرٌ منزَّهٌ عن النقائص وكلِّ وصفٍ خلا عن الكمال المطلق، أو طيب الثناء، أو مستلَذُّ الأسماء عند العارفين بها، وعلى كلٍّ فهو من أسمائه الحسنى؛ لصحة الحديث به كالجميل (٢). قيل: ومثلهما النظيف، ورُدَّ: بأن حديثه لم يصح؛ أي: وهو: "إن اللَّه طيبٌ يحب الطيب، نظيفٌ يحب النظافة، جوادٌ يحب الجواد" خرَّجه الترمذي، وفي إسناده مقال (٣).

стр. 281

(لا يقبل) من الأعمال والأموال (إلا طيبًا) أي: لا يثيب إلا على ما يعلمه طيبًا؛ أي: خالصًا من المفسدات كلها كالرياء والعجب، أو حلالًا، سواء أكان بالنسبة لعلمنا أم مشتبهًا، وأما الحرام عنده. . فلا يثيب عليه وإن كان حلالًا عندنا. نعم؛ القياس أن من تصدَّق بما يظنه حلالًا وهو حرامٌ باطنًا أنه يثاب على قصدِهِ الطاعةَ (١)، وبما قررته يندفع ما أطال به بعض الشُّراح هنا في معنى القبول، وإنما لم يقبل اللَّه الصدقة بالمال الحرام؛ لأن المتصدق تصرَّف فيه، وهو ممنوعٌ من التصرف فيه؛ لكونه مِلْكَ الغير، فلو قبل منه. . لزم أن يكون مأمورًا به منهيًا عنه من جهةٍ واحدةٍ، وهو محالٌ، وهذا معنى ما فهم من فحوى الحديث أن بين الطيب لذاته المقتضي للقبول، والخبيث لذاته المقتضي لعدمه تضادًا يحيل اجتماعهما. ثم الصدقة بالمال، الحرام إما أن تكون من نحو الغاصب عن نفسه، فهذا هو المراد من الأحاديث الكثيرة في ذلك، المصرحة بأنه لا يُقبَل منه، وأنه لا يُؤجَر عليه، بل يأثم به، ولا يحصل للمالك بذلك أجرٌ على ما قاله جمعٌ، ونقل عن ابن المسيب. وأما عن صاحبه إذا عجز عن ردِّه إليه وإلى ورثته. . فهذا جائزٌ عند أكثر العلماء، فيكون نفعه له في الآخرة حيث تعذَّر عليه الانتفاع به في الدنيا. وقال الفضيل في مالٍ حرامٍ لا يعرف أربابه: (يُتلف ويُلقى في البحر، وهو بعيد) (٢). وقال الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه: (يحفظ إلى وجود مستحقه إن رُجي) (٣).

стр. 282

تنبيه [علاقة انتفاء القبول بانتفاء الصحة] انتفاء القبول قد يُؤْذن بانتفاء الصحة؛ كما في: "لا يقبل اللَّه صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" (١) ويفسر القبول حينئذٍ بأنه ترتب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء (٢)، وقد لا، كما في الآبق، ومَنْ سخط عليها زوجها، وآتي العرَّاف، وشارب الخمر لا تُقبل لهم صلاةٌ أربعين يومًا، ويُفسَّر القبول حينئذٍ بالثواب، ومنه خبر أحمد الآتي: "من صلَّى في ثوبٍ قيمته عشرة دراهم فيه درهم حرام. . لم يقبل اللَّه له صلاة" (٣) ويميز بين هذينِ الاستعمالينِ بحسب الأدلة الخارجية (٤). وأما القبول من حيث ذاتُهُ. . فلا يلزم من نفيه نفي الصحة وإن لزم من إثباته إثباتُها. قيل: (وللقبول معنًى ثالثٌ؛ وهو الرضا بالعمل، ومدح فاعله، والثناء عليه بين الملائكة، والمباهاة به) انتهى، وفيه نظر؛ لأن مرجع ذلك إلى المعنى الثاني وهو الثواب؛ إذ لا فائدة له إلا إعلام الملائكة بمرتبته ليخصُّوه بمزيد دعاءٍ واستغفارٍ، وهذه الجملة توطئةٌ وتأسيسٌ لما هو المقصود بالذات من سياق هذا الحديث، وهو طيب المطعم لحيازة الكمال المستلزم لإجابة الدعاء غالبًا. واستفيد مما قررته: أن الطيب يأتي بمعنى الطاهر، وبمعنى الحلال -وقد مرَّا- وبمعنى المستلذ طبعًا. (وإن اللَّه) تعالى (أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين) فسوَّى بينهم في الخطاب بوجوب أكل الحلال، وفيه أن الأصل: استواؤهم مع أممهم في الأحكام إلا ما قام الدليل على أنه مختصٌّ بهم.

стр. 283

(فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾) أي: ملكناكم، وقد يأتي في بعض المواضع بمعنى نفعناكم، وهي جمع طيب؛ وهو: الحلال الخالص من الشُّبهة؛ لأن الشرع طيَّبه لآكله وإن لم يستلذه. وعن الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه: أنه المستلذ؛ أي: شرعًا، وإلَّا. . فلذيذ الطعام غير المباح وبالٌ وخسار، فيكون طعامًا ذا غُصَّةٍ وعذابًا، فهو بمعنى ما قبله، خلافًا لمن فهم تغايرًا بينهما (١)، فاعترض الشافعي بأن الخنزير ألذ اللحم على الإطلاق، وهو حرامٌ إجماعًا، ونحو الصَّبِر لا لذة فيه، وهو حلالٌ إجماعًا. نعم؛ قد يراد بالطيب أخص من الحلال، وهو المستلذ طبعًا، وذلك في نحو قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ على أنه كما يحتمل ذلك يحتمل أن يكون تأكيدًا، لكن التأسيس خيرٌ منه. وقد تشير هذه الآية إلى أن الحرام رزقٌ، وهو ما عليه أهل السنة، خلافًا للمعتزلة، ودليلنا من الكتاب: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، ومن السُّنة: "إن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها" (٢) فدل على أن جميع ما أكلته كلُّ نفسٍ رزقُها، حلالًا كان أو حرامًا، وإجماعُ الأمة أن اللَّه تعالى يرزق البهائمَ ما تأكله، والطفلَ ما يشربه من اللبن، وليس بمِلْكٍ لهما، فدلَّ على أن الرزق لا يشترط فيه الملك. قال أبو هريرة: (ثم) بعد ما سبق ذكره استطرد ﷺ الكلام حتى (ذكر الرجل يطيل السفر) صفة لـ (الرجل) لأن (أل) فيه جنسية، فيه إشارة إلى أن السفر بمجرده يقتضي إجابة الدعاء، وبه يُصرِّح حديث أبي داوود والترمذي وابن ماجه: "ثلاث دعواتٍ مستجاباتٍ لا شك فيهنَّ: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر،

стр. 284

ودعوة الوالد لولده" (١) وطوله أقرب إلى الإجابة؛ لأنه مظِنَّة انكسار النفس بطول الغربة عن الأوطان، وتحمُّل المشاق، والانكسار من أعظم أسباب الإجابة. (أشعث) أي: جعد الرأس (أكبر) أي: غيَّر الغبار لونه؛ لطول سفره في الطاعات؛ كحجٍّ، وجهادٍ، وزيارة رحمٍ، وكثرةِ عنائه ومشقته، ومع ذلك لا يُستجاب له؛ لما يأتي، فكيف بمن هو منهمكٌ في الغفلة والمعاصي؟! وفي هذا أيضًا إشارة إلى أن رثاثة الهيئة من أسباب الإجابة، ومن ثَمَّ قال ﷺ : "رُبَّ أشعث أغبر، ذي طمرين، مدفوعٍ بالأبواب، لو أقسم على اللَّه. . لأبره" (٢)؛ ولأجل هذا نُدِب ذلك في الاستسقاء. (يمد) صفة رابعة بالاعتبار السابق (يديه) عند الدعاء (إلى السماء) قائلًا: (يا رب) أعطني كذا (يا رب) جنبني كذا، فيه رفع اليدين في الدعاء، وهو سنةٌ في غير الصلاة، وفيها في القنوت؛ اتباعًا له ﷺ ، وفي الحديث: "إن اللَّه تعالى حيِيٌّ كريمٌ، يستحيي من عبده أن يرفع إليه كفيه ثم يردهما صِفْرًا خائبتين" رواه أحمد وأبو داوود والترمذي وابن ماجه (٣). وحكمته: اعتياد العرب رفعَهما عند الخضوع في المسألة والذِّلة بين يدي المسؤول، وعند استعظام الآمر، والداعي جديرٌ بذلك؛ لتوجهه بين يدي أعظم العظماء، ومن ثم ندب الرفع عند تكبيرة الإحرام، والركوع، والرفع منه، والقيام من التشهد الأول؛ إشعارًا للمصلي بأنه ينبغي له أن يستحضر عظمة مَنْ هو بين يديه، حتى يُقْبل بكلِّيَّته وظاهره وباطنه على ما هو فيه.

стр. 285

وجاء: أنه ﷺ كان عند الرفع تارةً يجعل بطون يديه إلى السماء، وتارة يجعل ظهورهما إليها، وحملوا الأول على الدعاء بحصول مطلوبٍ أو دفع ما قد يقع به من البلاء، والثاني على الدعاء برفع ما وقع به من البلاء، وروى مسلم: أنه ﷺ فعل الثاني في الاستسقاء (١)، وأحمد: أنه ﷺ فعله وهو واقفٌ بعرفة (٢). وجاء أيضًا: أنه رفع يديه وجعل ظهورهما إلى جهة القبلة وهو مستقبلها، وجعل بطونهما مما يلي وجهه (٣)، وورد عكس هذه في الاستسقاء أيضًا (٤). وحكمة رفعهما إلى السماء: أنها قبلة الدعاء، ومن ثَمَّ كانت أفضل من الأرض على الأصح؛ لأنه لم يُعص اللَّه فيها (٥)، وقيل: الأرض أفضل؛ لأنها مدفن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (٦). وفيه أيضًا: الإشارة إلى عظيم جلال اللَّه وكبريائه، وأنه تعالى فوق كل موجودٍ مكانةً واستيلاءً، لا مكانًا وجهةً، تعالى اللَّه عمَّا يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا. وفي تكرير: (يا رب، يا رب) إشارة إلى أن من أسباب الإجابة، بل من أعظمها الإلحاح على اللَّه تعالى بثناءٍ حسن، وذكر فضل كرمه، وعظيم ربوبيته، ومن ثَمَّ خرَّج البزار مرفوعًا: "إذا قال العبد: يا رب، أربعًا. . قال اللَّه : لبيك عبدي، سل تعطه" (٧)، وروى الطبراني وغيره أن قومًا شكوا إليه ﷺ
следующие страницы →