← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8889

الفتح المبين بشرح الأربعين

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (662 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

(لا يقبل) من الأعمال والأموال (إلا طيبًا) أي: لا يثيب إلا على ما يعلمه طيبًا؛ أي: خالصًا من المفسدات كلها كالرياء والعجب، أو حلالًا، سواء أكان بالنسبة لعلمنا أم مشتبهًا، وأما الحرام عنده. . فلا يثيب عليه وإن كان حلالًا عندنا. نعم؛ القياس أن من تصدَّق بما يظنه حلالًا وهو حرامٌ باطنًا أنه يثاب على قصدِهِ الطاعةَ (١)، وبما قررته يندفع ما أطال به بعض الشُّراح هنا في معنى القبول، وإنما لم يقبل اللَّه الصدقة بالمال الحرام؛ لأن المتصدق تصرَّف فيه، وهو ممنوعٌ من التصرف فيه؛ لكونه مِلْكَ الغير، فلو قبل منه. . لزم أن يكون مأمورًا به منهيًا عنه من جهةٍ واحدةٍ، وهو محالٌ، وهذا معنى ما فهم من فحوى الحديث أن بين الطيب لذاته المقتضي للقبول، والخبيث لذاته المقتضي لعدمه تضادًا يحيل اجتماعهما. ثم الصدقة بالمال، الحرام إما أن تكون من نحو الغاصب عن نفسه، فهذا هو المراد من الأحاديث الكثيرة في ذلك، المصرحة بأنه لا يُقبَل منه، وأنه لا يُؤجَر عليه، بل يأثم به، ولا يحصل للمالك بذلك أجرٌ على ما قاله جمعٌ، ونقل عن ابن المسيب. وأما عن صاحبه إذا عجز عن ردِّه إليه وإلى ورثته. . فهذا جائزٌ عند أكثر العلماء، فيكون نفعه له في الآخرة حيث تعذَّر عليه الانتفاع به في الدنيا. وقال الفضيل في مالٍ حرامٍ لا يعرف أربابه: (يُتلف ويُلقى في البحر، وهو بعيد) (٢). وقال الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه: (يحفظ إلى وجود مستحقه إن رُجي) (٣).

стр. 282

تنبيه [علاقة انتفاء القبول بانتفاء الصحة] انتفاء القبول قد يُؤْذن بانتفاء الصحة؛ كما في: "لا يقبل اللَّه صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" (١) ويفسر القبول حينئذٍ بأنه ترتب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء (٢)، وقد لا، كما في الآبق، ومَنْ سخط عليها زوجها، وآتي العرَّاف، وشارب الخمر لا تُقبل لهم صلاةٌ أربعين يومًا، ويُفسَّر القبول حينئذٍ بالثواب، ومنه خبر أحمد الآتي: "من صلَّى في ثوبٍ قيمته عشرة دراهم فيه درهم حرام. . لم يقبل اللَّه له صلاة" (٣) ويميز بين هذينِ الاستعمالينِ بحسب الأدلة الخارجية (٤). وأما القبول من حيث ذاتُهُ. . فلا يلزم من نفيه نفي الصحة وإن لزم من إثباته إثباتُها. قيل: (وللقبول معنًى ثالثٌ؛ وهو الرضا بالعمل، ومدح فاعله، والثناء عليه بين الملائكة، والمباهاة به) انتهى، وفيه نظر؛ لأن مرجع ذلك إلى المعنى الثاني وهو الثواب؛ إذ لا فائدة له إلا إعلام الملائكة بمرتبته ليخصُّوه بمزيد دعاءٍ واستغفارٍ، وهذه الجملة توطئةٌ وتأسيسٌ لما هو المقصود بالذات من سياق هذا الحديث، وهو طيب المطعم لحيازة الكمال المستلزم لإجابة الدعاء غالبًا. واستفيد مما قررته: أن الطيب يأتي بمعنى الطاهر، وبمعنى الحلال -وقد مرَّا- وبمعنى المستلذ طبعًا. (وإن اللَّه) تعالى (أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين) فسوَّى بينهم في الخطاب بوجوب أكل الحلال، وفيه أن الأصل: استواؤهم مع أممهم في الأحكام إلا ما قام الدليل على أنه مختصٌّ بهم.

стр. 283

(فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾) أي: ملكناكم، وقد يأتي في بعض المواضع بمعنى نفعناكم، وهي جمع طيب؛ وهو: الحلال الخالص من الشُّبهة؛ لأن الشرع طيَّبه لآكله وإن لم يستلذه. وعن الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه: أنه المستلذ؛ أي: شرعًا، وإلَّا. . فلذيذ الطعام غير المباح وبالٌ وخسار، فيكون طعامًا ذا غُصَّةٍ وعذابًا، فهو بمعنى ما قبله، خلافًا لمن فهم تغايرًا بينهما (١)، فاعترض الشافعي بأن الخنزير ألذ اللحم على الإطلاق، وهو حرامٌ إجماعًا، ونحو الصَّبِر لا لذة فيه، وهو حلالٌ إجماعًا. نعم؛ قد يراد بالطيب أخص من الحلال، وهو المستلذ طبعًا، وذلك في نحو قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ على أنه كما يحتمل ذلك يحتمل أن يكون تأكيدًا، لكن التأسيس خيرٌ منه. وقد تشير هذه الآية إلى أن الحرام رزقٌ، وهو ما عليه أهل السنة، خلافًا للمعتزلة، ودليلنا من الكتاب: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، ومن السُّنة: "إن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها" (٢) فدل على أن جميع ما أكلته كلُّ نفسٍ رزقُها، حلالًا كان أو حرامًا، وإجماعُ الأمة أن اللَّه تعالى يرزق البهائمَ ما تأكله، والطفلَ ما يشربه من اللبن، وليس بمِلْكٍ لهما، فدلَّ على أن الرزق لا يشترط فيه الملك. قال أبو هريرة: (ثم) بعد ما سبق ذكره استطرد ﷺ الكلام حتى (ذكر الرجل يطيل السفر) صفة لـ (الرجل) لأن (أل) فيه جنسية، فيه إشارة إلى أن السفر بمجرده يقتضي إجابة الدعاء، وبه يُصرِّح حديث أبي داوود والترمذي وابن ماجه: "ثلاث دعواتٍ مستجاباتٍ لا شك فيهنَّ: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر،

стр. 284

ودعوة الوالد لولده" (١) وطوله أقرب إلى الإجابة؛ لأنه مظِنَّة انكسار النفس بطول الغربة عن الأوطان، وتحمُّل المشاق، والانكسار من أعظم أسباب الإجابة. (أشعث) أي: جعد الرأس (أكبر) أي: غيَّر الغبار لونه؛ لطول سفره في الطاعات؛ كحجٍّ، وجهادٍ، وزيارة رحمٍ، وكثرةِ عنائه ومشقته، ومع ذلك لا يُستجاب له؛ لما يأتي، فكيف بمن هو منهمكٌ في الغفلة والمعاصي؟! وفي هذا أيضًا إشارة إلى أن رثاثة الهيئة من أسباب الإجابة، ومن ثَمَّ قال ﷺ : "رُبَّ أشعث أغبر، ذي طمرين، مدفوعٍ بالأبواب، لو أقسم على اللَّه. . لأبره" (٢)؛ ولأجل هذا نُدِب ذلك في الاستسقاء. (يمد) صفة رابعة بالاعتبار السابق (يديه) عند الدعاء (إلى السماء) قائلًا: (يا رب) أعطني كذا (يا رب) جنبني كذا، فيه رفع اليدين في الدعاء، وهو سنةٌ في غير الصلاة، وفيها في القنوت؛ اتباعًا له ﷺ ، وفي الحديث: "إن اللَّه تعالى حيِيٌّ كريمٌ، يستحيي من عبده أن يرفع إليه كفيه ثم يردهما صِفْرًا خائبتين" رواه أحمد وأبو داوود والترمذي وابن ماجه (٣). وحكمته: اعتياد العرب رفعَهما عند الخضوع في المسألة والذِّلة بين يدي المسؤول، وعند استعظام الآمر، والداعي جديرٌ بذلك؛ لتوجهه بين يدي أعظم العظماء، ومن ثم ندب الرفع عند تكبيرة الإحرام، والركوع، والرفع منه، والقيام من التشهد الأول؛ إشعارًا للمصلي بأنه ينبغي له أن يستحضر عظمة مَنْ هو بين يديه، حتى يُقْبل بكلِّيَّته وظاهره وباطنه على ما هو فيه.

стр. 285

وجاء: أنه ﷺ كان عند الرفع تارةً يجعل بطون يديه إلى السماء، وتارة يجعل ظهورهما إليها، وحملوا الأول على الدعاء بحصول مطلوبٍ أو دفع ما قد يقع به من البلاء، والثاني على الدعاء برفع ما وقع به من البلاء، وروى مسلم: أنه ﷺ فعل الثاني في الاستسقاء (١)، وأحمد: أنه ﷺ فعله وهو واقفٌ بعرفة (٢). وجاء أيضًا: أنه رفع يديه وجعل ظهورهما إلى جهة القبلة وهو مستقبلها، وجعل بطونهما مما يلي وجهه (٣)، وورد عكس هذه في الاستسقاء أيضًا (٤). وحكمة رفعهما إلى السماء: أنها قبلة الدعاء، ومن ثَمَّ كانت أفضل من الأرض على الأصح؛ لأنه لم يُعص اللَّه فيها (٥)، وقيل: الأرض أفضل؛ لأنها مدفن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (٦). وفيه أيضًا: الإشارة إلى عظيم جلال اللَّه وكبريائه، وأنه تعالى فوق كل موجودٍ مكانةً واستيلاءً، لا مكانًا وجهةً، تعالى اللَّه عمَّا يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا. وفي تكرير: (يا رب، يا رب) إشارة إلى أن من أسباب الإجابة، بل من أعظمها الإلحاح على اللَّه تعالى بثناءٍ حسن، وذكر فضل كرمه، وعظيم ربوبيته، ومن ثَمَّ خرَّج البزار مرفوعًا: "إذا قال العبد: يا رب، أربعًا. . قال اللَّه : لبيك عبدي، سل تعطه" (٧)، وروى الطبراني وغيره أن قومًا شكوا إليه ﷺ

стр. 286

قحوط المطر، فقال: "اجثوا على الرُّكَب وقولوا: يا رب، يا رب" ففعلوا فسُقُوا (١)؛ ولأجل ذلك كان غالب أدعية القرآن مفتتحًا بذكر الرب. (ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي) بضم أوله المعجم، وكسر ثانيه المعجم المخفف (بالحرام) أحوال؛ أي: أنه يطيل السفر في القُرَب، ويمد يديه إلى ربه يسأل منه، والحال أنه ملابسٌ للحرام أكلًا وغيره (فأنَّى يُستجاب لذلك) أي: فكيف، ومن أين يستجاب لمن هذه صفته، فهو استبعادٌ لإجابة دعائه، مع قبيح ماهو متلبِّسٌ به؛ لأنه ليس أهلًا لها حينئذ لاتصافه بقبيح المخالفات، وليس إحالة لها؛ لإمكانها مع ذلك تفضُّلًا وإنعامًا، فعُلم أن اجتناب الحرام في جميع ذلك شرطٌ لإجابة الدعاء، وأن تناوله مانعٌ لها غالبًا (٢). وسرُّه: أن مبدأ إرادة الدعاء القلبُ، ثم تفيض تلك الإرادة على اللسان، فينطق به، وتناوُلُ الحرام مفسدٌ للقلب كما هو مُدرَكٌ بالوجدان، فيحرم الرِّقةَ والإخلاص، وتصير أعماله صورًا لا روح فيها، وبفساده يفسد البدن كلُّه كما مر، فيكون الدعاء فاسدًا؛ لأنه نتيجة فاسد. وأخرج الطبراني بإسنادٍ فيه نظرٌ عن ابن عباسٍ رضي اللَّه تعالى عنهما قال: تُلِيَتْ عند رسول اللَّه ﷺ هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ فقام سعد بن أبي وقاصٍ وقال: يا رسول اللَّه؛ ادع اللَّه أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال له النبي ﷺ : "يا سعد؛ أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده؛ إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يومًا، وأيما عبد نبت لحمه من سحتٍ. . فالنار أَولى به" (٣). ومن ثَمَّ قيل له: لِمَ تستجابُ دعوتُك من دون الصحابة؟ فقال: (ما رفعت إلى

стр. 287

فمي لقمةً إلا وأنا عالمٌ من أين مجيئها، ومن أين خرجت) (١). وروى أحمد بإسنادٍ فيه نظر أيضًا: "من اشترى ثوبًا بعشرة دراهم في ثمنه درهم حرام. . لم يقبل اللَّه له صلاةً ما كان عليه" (٢). وفي حديثٍ فيه ضعيفٌ: "وإذا خرج -أي: الحاج- بالنفقة الخبيثة، فوضع رِجْله في الغرز -أي: الرِّكاب- فقال: لبيك. . ناداه ملكٌ من السماء: لا لبيك ولا سعديك، زادك حرامٌ، وراحلتك حرامٌ، وسعيك حرامٌ، وحجك غير مبرور" (٣). وبقي للدعاء شروطٌ وآداب ذكرتها مستوعبةً في "شرح العباب" وغيره في أذكار الصلاة، فانظره فإنه مهمٌّ؛ لاشتماله على بيان انقسامه إلى ما هو كفرٌ وحرامٌ ومندوبٌ وعلى غير ذلك من النفائس التي لا يُستغنى عنها، ومن تلك الشروط: ألَّا يدعوَ بحرامٍ ولا بمُحالٍ ولو عادةً؛ لأن الدعاء بها (٤) يشبه التحكم على القدرة القاضية بدوامها، وذلك سوء أدبٍ على اللَّه تعالى، قيل: (إلا بالاسم الأعظم، فيجوز؛ تأسيًا بالذي عنده علمٌ من الكتاب؛ إذ دعا بحضور عرش بلقيس فأُجيب) انتهى، وهو مبنيٌّ على أن شرع من قبلنا شرعٌ لنا، والأصح: خلافه. وأن يكون حاضر القلب موقنًا بالإجابة؛ لخبر: "ادعوا اللَّه وأنتم موقنون بالإجابة؛ فإن اللَّه تعالى لا يسمع دعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ" (٥) وألَّا يستبطئَ الإجابة (٦)؛

стр. 288

لخبر: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل" (١)؛ ولأنه استحثاثٌ للقدرة، وهو سوء أدب. وقد تأتي (أنى) لتعميم الأحوال والمكان والزمان، ومنه: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ أي: محل الولد المشبه بمحل الحرث ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: كيف ومتى وحيث شئتم، لا يحظر عليكم في حالةٍ إلا ما استُثني شرعًا؛ كحيض أو وطء شبهة (٢)، ولا في جهة، بل لكم إتيانهنَّ من أيِّ جهةٍ حيث كان محل الولد هو المأتيَّ. (رواه مسلم) من رواية فضيل بن مرزوق، وهو ثقةٌ وسطٌ وإن لم يخرج له البخاري، ولا يقدح فيه قول الترمذي: حسن غريب (٣). وهو من الأحاديث التي عليها قواعد الإسلام، ومباني الأحكام، وعليه العمدة في تناول الحلال وتجنُّب الحرام، وما أعم نفعه وأعظمه! وممَّا تضمنه: بيان حكم الدعاء، وشرطه الأهم، ومانعه؛ و"الدعاء -كما ورد- مخ العبادة" (٤)؛ لأن الداعي إنما يدعو اللَّه عند انقطاع أمله مما سواه، وذلك حقيقة التوحيد والإخلاص، ولا عبادة فوقهما، فكان مخ العبادة من هذه الحيثية. واستفيد من الحديث الحث على الإنفاق من الحلال، والنهي عن الإنفاق من غيره، وأن المأكول والمشروب والملبوس ونحوها ينبغي أن يكون حلالًا محضًا، وأن مريد الدعاء أَولى بالاعتناء بذلك مَنْ غيره، وأن مَنْ أراد الدعاء أو عبادةً غيره. . لزمه أن يعتني بالحلال في جميع ذلك حتى يُقبَل دعاؤه وعبادته، وأن المؤمن إنما يقبل منه إنفاقُ الطيِّب، فيزكو وينمو، ويبارك فيه. * * *

стр. 289

الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشُّبَه] عَنْ أبي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵄ سِبْطِ رَسُولِ اللَّهَ ﷺ وَرَيْحَانَتِهِ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ (١) (عن أبي محمد الحسن) كناه وسماه بذلك رسول اللَّه ﷺ (ابن علي بن أبي طالب ﵄ وهو (سبط رسول اللَّه ﷺ أي: ابن بنته فاطمة الزهراء رضي اللَّه تعالى عنهما (ورَيحانته) كما جاء في الأحاديث (٢)، شبَّهه لسروره وفرحه به وإقبال نفسه عليه بريحان طيب الرائحة، تهَشُّ إليه النفس وترتاح له، وكفاه فخرًا الحديث الصحيح: أنه رقى المنبر ورسول اللَّه ﷺ يخطب, فأمسكه والتفت إلى الناس ثم قال: "إن ابني هذا سيدٌ، ولعل اللَّه أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" (٣) فكان كذلك؛ فإنه لما تُوفي أبوه رضي اللَّه تعالى عنه. . بايع الناس له، فصار خليفةً حقًا مدةَ ستة أشهر تكملةً للثلاثين سنةً التي أخبر النبي ﷺ أنها مدة الخلافة، وبعدها تكون مُلكًا عضوضًا؛ أي: يعض الناس؛ لجور أهله، وعدم استقامتهم، فلما تمَّتْ تلك المدة. . اجتمع هو ومعاوية رضي اللَّه تعالى عنهما كل في جيشٍ عظيمٍ، فامتثل الحسن

стр. 290

إشارة جدِّه ﷺ ورغب عن الخلافة لمعاوية، فسلَّمها له طوعًا وزهدًا، وصيانةً لدماء المسلمين وأموالهم (١)، فإنه بايعه على الموت أكثر من أربعين ألفًا، وشرط على معاوية رضي اللَّه تعالى عنه شروطًا وفَّى له بمعظمها (٢). ومناقبه كثيرةٌ، وفضائله جمَّةٌ، ومحبة رسول اللَّه ﷺ له، ولأخيه الحسين، ولأبيهما وأمهما، وثناؤه عليهم، ونشره لغرر مآثرهم، وباهر مناقبهم. . من الشهرة عند مَنْ له أدنى ممارسة بالسُّنة بالمحل الأسنى، فإن أردت الوقوف على ذلك مبسوطًا مبينًا مستوعبًا. . فعليك بكتابي "الصواعق المحرقة" فإنه جمع فأوعى. ولد الحسن رضي اللَّه تعالى عنه منتصفَ رمضان سنة ثلاثٍ من الهجرة على الأصح، ومات مسمومًا من زوجته بإرشاءٍ من يزيد بن معاوية لها على ذلك على ما قيل سنةَ أربع، أو خمس، أو تسع وأربعين، أو خمسين، أو أحد وخمسين، أو ثمان وخمسين، ودفن بالبقيع، وقبره مشهورٌ فيه. وكان من الحكماء الكرماء الأسخياء، روى عن النبي ﷺ ثلاثة عشر حديثًا، روى له أصحاب "السنن" الأربعة، وروت عنه عائشة وغيرها. (قال: حفظت من رسول اللَّه ﷺ : دع) أمر ندب؛ لما مر في (الحديث السادس) أن الأصح: ندب توقي الشبهات (٣). (ما يريبك) بفتح أوله وضمه، والفتح أفصح وأشهر، من (راب وأراب)، بمعنى شكَّكَ، وقيل: (راب) لما يتيقن فيه الريبة، و (أراب) لما يتوهم منه. (إلى ما لا يريبك) أي: دع ما تشك فيه من الشُّبهات إلى ما لا تشك فيه من

стр. 291

الحلال البيِّن؛ لما مرَّ في (الحديث السادس): أن من اتَّقى الشُّبهات. . فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومر الكلام على ذلك بما هو شرحٌ لهذا أيضًا؛ لرجوعهما إلى شيءٍ واحد، وهو النهي التنزيهيُّ عن الوقوع في الشبهات. ومن ثم قيل: إنه يجب اجتنابها، وفصَّل آخرون فقالوا: تلحق الشبهة المحتملة الفاحشة بالحرام، بخلاف غيرها، فبيع نحو العِينة مشتبةٌ؛ لأنه حيلةٌ للربا، وهي فيه نافعةٌ عند قومٍ، وغير نافعة عند آخرين، فإن اللَّه تعالى لا تخفى عليه خافية، والأعمال بالنيات، وعليه قال بعضهم: نعم، إن اطلع اللَّه تعالى على نية فاعل ذلك أنها بريئةٌ من الحيلة، وأن قلبه لم ينطوِ على محرَّمٍ. . لم يعاقب، لكنه لم يستبرئ لدينه ولا لعرضه؛ لأنه يُظَنُّ به الربا، وتسوء فيه الظنون، فيطلب منه دفع هذا المريب إلى ما لا يريب. وورد: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس" (١). وقال أبو ذرٍّ رضي اللَّه تعالى عنه: (تمام التقوى: ترك بعض الحلال خوفًا أن يكون حرامًا) (٢). وقيل لابن أدهم رضي اللَّه تعالى عنه: ألا تشرب من ماء زمزم؟ فقال: (لو كان لي دلوٌ. . لشربت) (٣) إشارة إلى أن الدلو من مال السلطان، وهو مشتبه. ومر أنه ﷺ قال لمن أخبرته امرأة سوداء أنها أرضعته وزوجتَهُ: "كيف وقد قيل؟! " فطلقها ورعًا (٤)، ولسودة: "احتجبي منه" (٥) أي: من أخيها الملحق بأبيها شرعًا؛ لكونه فيه شَبَهٌ بيِّن بغيره، فلم تره ولم يرها ورعًا أيضًا، فعلم أن

стр. 292

الريبة تقع في العبادة، والمعاملة، والمناكحات، وسائر أبواب الأحكام، وأن ترك الرِّيبة في ذلك كلِّه إلى يقين الحل هو الورع، وهو عميم النفع، كثير الفائدة، عظيم الجدوى في الدنيا والأخرى، وأنه إذا تعارض شكٌّ ويقينٌ. . قُدِّمَ اليقينُ، وهذه قاعدةٌ عظيمةٌ، يندرج تحتها ما لا يحصى، وتفاصيل ذلك وإن كثرت لكنها لا تخفى على مَنْ عرف الفقه والقاعدة فيها التي ذكرناها. (رواه) الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرة (الترمذي) بكسر الفوقية والميم، وقيل: بضمهما، وقيل: بفتح ثم كسر، كلها مع إعجام الذال، نسبة لمدينةٍ قديمةٍ على طرف جيحون نهر ببلخ، وكان من أوعية الفقه والحديث، مات سنة تسعٍ وسبعين ومئتين، ورواه أيضًا ابن حبان في "صحيحه" والحاكم (١). (و) الإمام أحمد بن شعيب (النسائي) الخراساني، ولد سنة خمس عشرة ومئتين، رحل واجتهد وأتقن إلى أن انفرد فقهًا وحديثًا وحفظًا وإمامة، واستوطن مصر، ومات بالرملة سنة ثلاث وثلاث مئة (٢). (وقال الترمذي: حديث حسن صحيح) أي: ولا يضر توقف أحمد في أبي الحوراء راويه عن الحسن؛ فقد وثقه النسائي وابن حبان (٣)، وبه يندفع قول بعضهم: إنه مجهولٌ لا يعرف. وهذا قطعةٌ من حديثٍ طويلٍ فيه ذكر قنوت الوتر، وعند الترمذي وغيره زيادة فيه وهي: "فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة"، ولفظ ابن حبان: "فإن الخير طمأنينة، وإن الشر ريبة". وقد خرجه أحمد أيضًا عن أنس (٤)، والطبراني عن ابن عمر مرفوعًا (٥)، وبه يرد

стр. 293

قول الدارقطني: إنما يُروى هذا من قول ابن عمر، ويُروى عن مالك من قوله. وروي بإسنادٍ ضعيفٍ عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال لرجل: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" قال: وكيف لي بالعلم بذلك؟ قال: "إذا أردت أمرًا. . فضع يدك على صدرك؛ فإن القلب يضطرب للحرام، ويسكن للحلال، وإن المسلم الوَرِعَ يَدَعُ الصغيرة مخافةَ الكبيرة" زاد الطبراني: قيل له: فمن الوَرِع؟ قال: "الذي يقف عند الشبهة" (١). ثم هذا الحديث قاعدةٌ عظيمةٌ من قواعد الدين، وأصلٌ في الورع الذي عليه مدار اليقين، ومنجٍ من ظُلَم الشكوك والأوهام المانعة لنور اليقين. ومن ثم تنزَّه يزيد بن زريع عن خمس مئة ألف من ميراث أبيه، فلم يأخذها، وكان أبوه يلي الأعمال للسلاطين، وكان يزيد يعمل الخوص ويتقوَّت منه إلى أن مات. وقال الفضيل: (يزعم الناس أن الورع شديد، وما ورد عليَّ أمران إلا أخذت بأشدهما، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك) (٢). وقال حسان بن أبي سنان: (ما شيءٌ أهون من الورع، إذا رابك شيءٌ. . فدعه) (٣) وهذا إنما يَسهُل على مثله رضي اللَّه تعالى عنه. واحتكر المِسْوَر بن مخرمة طعامًا كثيرًا، فرأى سحابًا في الخريف فكرهه، ثم قال: أراني كرهت ما ينفع المسلمين، فآلى ألَّا يربحَ فيه شيئًا، فأخبر بذلك عمر رضي اللَّه تعالى عنه، فقال له: (جزاك اللَّه خيرًا) (٤)؛ وفيه: أن المحتكر ينبغي له أن يتنزَّه عن ربح ما احتكره احتكارًا منهيًا عنه. وسُئلتْ عاشة رضي اللَّه تعالى عنها عن أكل الصيد للمحرم، فقالت: (إنما هي أيامٌ قلائل، فما رابك. . فدعه) (٥) يعني: ما اشتبه عليك هل هو حلالٌ أو حرامٌ. .

стр. 294

فاتركه؛ فإن العلماء اختلفوا في إباحة الصيد للمحرم إذا لم يصده هو، ومن ثَمَّ كان الخروج من الخلاف أفضل؛ لأنه أبعد عن الشبهة. نعم؛ المحققون على أن ما ثبت عنه ﷺ فيه رخصةٌ ليس لها معارضٌ. . اتباعُها أَولى من اجتنابها وإن منعها من لم تبلغه (١)، أو لتأويلٍ بعيدٍ؛ مثاله: من تيقَّن الطهارة وشك في الحدث، فإنه صح أنه ﷺ قال فيه: "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا" (٢) ولا سيما إن كان شكه في الصلاة، فإنه يحرم عليه قطعها وإن أوجبه بعضهم. نعم؛ قيل: ينبغي أن التدقيق في التوقف عن الشبهات إنما يصلح لمن استقامت أحواله كلها، وتشابهت أعماله في التقوى والورع، بخلاف المنهمك في المحرمات، ومن ثَمَّ قال ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما لمن سأله عن دم البعوض من أهل العراق: (يسألونني عن دم البعوض وقد قتلوا الحسين!) قال: وسمعت النبي ﷺ يقول: "هما ريحانتاي من الدنيا" (٣). واستأذن رجلٌ أحمدَ أن يكتب من محبرته، فقال: (اكتب، هذا ورعٌ مظلم) (٤)، وقال لآخر كذلك: (لن يبلغ ورعي ولا ورعك هذا) (٥). * * *

стр. 295

الحديث الثاني عشر [ترك ما لا يعني والاشتغال بما يفيد] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (١): "مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ" حَدِيثٌ حَسَنٌ, رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ هَكَذَا (٢). (عن أبي هريرة رضي اللَّه) تعالى (عنه: أن رسول اللَّه ﷺ قال: من حسن) وجه الإتيان به أن ترك ما لا يعني ليس هو الإسلامَ، ولا جزأه، بل صفته وحسنه، وصفة الشيء ليست ذاته ولا جزأه؛ لأنه: الانقياد لغةً، والأركان الخمسة شرعًا، فهو كالجسم، وترك ما لا يعني كالشكل واللون له، كذا قيل، وفيه ما فيه؛ لأن الإسلام ليس شرعًا: الأركان الخمسة فقط، بل جميع الأعمال الظاهرة الشاملة للترك والفعل، فكان الترك جزءًا منه. فالوجه أن يقال: فائدة الإتيان به الإشارة إلى أنه لا عبرة بصور الأعمال فعلًا وتركًا إلا إذا اتصفت بالحسن؛ بأن وجدت شروط مكملاتها فضلًا عن مصححاتها، وجعَلَ تَرْكَ ما لا يعني من الحسن مبالغةً، مع الإشارة لما قررته. (إسلام المرء) آثره على الإيمان؛ لأنه كما مر: الأعمال الظاهرة (٣)، والفعل والترك إنما يتعاقبان عليها؛ لأنها حركاتٌ اختياريةٌ يتعاقبان فيها اختيارًا، وأما الباطنة الراجعة للإيمان. . فهي اضطراريةٌ تابعةٌ لما يخلقه اللَّه تعالى في النفوس ويوقعه فيها.

стр. 296

(تركه ما لا يعنيه) (١) بفتح أوله، من (عناه الأمر): إذا تعلَّقت عنايته به، وكان من غرضه وإرادته، والذي يعني الإنسان من الأمور: ما يتعلَّق بضرورة حياته في معاشه مما يشبعه من جوعٍ، ويُرويه من عطشٍ، ويستر عورته، ويُعف فرجه، ونحو ذلك مما يدفع الضرورة، دون ما فيه تلذذٌ واستمتاعٌ واستكثارٌ، وسلامتِهِ في معاده، وهو الإسلام والإيمان والإحسان على ما مر بيانه، وذلك يسير بالنسبة إلى ما لا يعنيه، فإذا اقتصر على ما يعنيه. . سلم من سائر الآفات، وجميع الشرور والمخاصمات، وكان ذلك من الفوائد الدالة على حسن إسلامه، ورسوخ إيمانه، وحقيقة تقواه، ومجانبته لهواه؛ لاشتغاله بمصالحه الأخروية، وإعراضه عن أغراضه الدنيوية الشهَوية، من التوسع في الدنيا، وطلب المناصب والرياسات، وحب المحمدة والثناء، والفضول في الكلام والأفعال المباحة، وغير ذلك مما لا يعود عليه منه نفعٌ أُخروي؛ فإنه ضياعٌ للوقت النفيس، الذي لا يمكن أن يعوض فائته فيما لم يُخلَق لأجله. فمَنْ عبد اللَّه تعالى على استحضار قربه من اللَّه تعالى، أو قرب اللَّه تعالى منه، ومشاهدته ذلك بقلبه. . فقد حسن إسلامه كما مر، ولزم من ذلك أن يترك كل ما لا يعنيه في الإسلام، ويشتغل بما يعنيه منه، ويتولَّد من هذين الاستحياءُ من اللَّه تعالى، وتركُ كل ما يستحيى منه. وروى الترمذي وغيره مرفوعا: "الاستحياء من اللَّه تعالى أن يحفظ الرأس وما حوى، ويحفظ البطن وما وعى (٢)، وليذكر الموت والبلى، فمن فعل ذلك. . فقد استحى من اللَّه تعالى حق الحياء" (٣).

стр. 297

تنبيه [تقسيم الأشياء مما يعني الإنسان وما لا] في الحديث إشارة إلى أن الشيء إما أن يعني الإنسان أو لا، وعلى كلٍّ إما أن يتركه أو يفعله، فالأقسام أربعة: فعل ما يعني، وترك ما لا يعني، وهما حسنان، وترك ما يعني، وفعل ما لا يعني، وهما قبيحان. (حديث حسن) بل أشار ابن عبد البر إلى أنه صحيح (رواه الترمذي وغيره) كابن ماجه (١) (هكذا) أي: موصولًا، ولا ينافيه رواية مالك له في "الموطأ" عن الزهري مرسلًا (٢)؛ لأن للزهري فيه إسنادين، أحدهما مرسل، وهو ما رواه مالك، والآخر موصولٌ وصله عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وهو ما رواه الترمذي وغيره، والاتصال مقدَّمٌ على الإرسال، وبذلك يجاب عن قول أحمد والبخاري وابن معين والدارقطني: لا يصح إلا مرسلًا، على أن له طرقًا مرفوعة إذا اجتمعت. . أحدثت له قوة، ولعل هذا من أسباب تحسين المصنف له وإن ضعَّفه قومٌ ووثَّقه آخرون، ومن ثَمَّ قال ابن عبد البر: رواته ثقات. وهذا الحديث ربع الإسلام على ما قاله أبو داوود. وأقول: بل هو نصف الإسلام، بل هو الإسلام كله؛ لأنه لا يخلو عن فعل ما يعني، وترك ما لا يعني، فإن نظرنا لمنطوقه المصرح بالثاني. . كان نصفًا، وبهذا الاعتبار دخلت (من) التبعيضية في (مِنْ حُسْنِ) إشارةً إلى أن ترك ما لا يعني ليس هو الحسن كله، بل بعضه؛ أي: نصفه كما تقرر، وإن نظرنا لمفهومه أيضًا. . كان كلًّا. فتأمل ذلك؛ فإنه حسنٌ بالغ، وإن لم أَرَ من صرَّح به. ولجمعه جميع الإسلام كما قررته مع وجازة لفظه كان من بدائع جوامع كلمه ﷺ التي لم يصح نظيرها عن أحدٍ قبله ﷺ ، وهو أصلٌ كبيرٌ في تأديب النفس وتهذيبها عن الرذائل والنقائص، وترك ما لا جدوى فيه ولا نفع.

стр. 298

وأما ما روي عنه ﷺ أنه قال: "في صحف إبراهيم: من عَدَّ كلامه من عمله قَلَّ كلامه إلا فيما يعنيه" (١). . فهو على تقدير صحته خاصٌّ بذم ما لا يعني من الكلام، وما مر عامٌّ كما قررناه في شرحه، مع أن لفظه أبلغ وأوجز. وروي: (أن رجلًا وقف على لقمان الحكيم وهو في حلقةٍ عظيمةٍ، فقال له: ألست عبد بني فلان؟ قال: بلى، قال: فما الذي بلغ بك إلى ما أرى؟! قال: قدر اللَّه، وصدق الحديث، وتركي ما لا يعنيني) (٢). وفي " الموطأ": (بلغني أنه قيل له: ما بلغ بك ما نرى؟ يريدون الفضل، قال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني) (٣). وعن الحسن: (من علامة إعراض اللَّه تعالى عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه) (٤). ونقل ابن الصلاح عن ابن أبي زيد أنه قال: (جماع آداب الخير وأزِمَّتُهُ تتفرع من أربعة أحاديث: هذا، والذي بعده (٥)، وخبر: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر. . فليقل خيرًا، أو ليصمت"، وخبر: "لا تغضب") (٦). وفي "المسند": "من حسن إسلام المرء قلة الكلام فيما لا يعنيه" (٧). وفي "صحيح ابن حبان" مرفوعًا: "في صحف إبراهيم: وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبًا على عقله أن يكون له ساعات: ساعةٌ يناجي فيها ربه، وساعةٌ يحاسب فيها نفسه، وساعةٌ يتفكر فيها في صنع اللَّه تعالى، وساعةٌ يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب، وعلى العاقل ألَّا يكون ساعيًا إلا لثلاثٍ: تزوُّدٍ لمعادٍ، أو مَرَمَّةٍ

стр. 299

لمعاشٍ (١)، أو لذَّةٍ في غير مُحرَّم، وعلى العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه، مقبلًا على شأنه، حافظًا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله. . قلَّ كلامه إلا فيما يعنيه" (٢) أي: لأن من لم يعدَّ كلامه من عمله. . جازف فيه ولا يتحرَّى. ومن ثَمَّ لما خفي ذلك على معاذٍ رضي اللَّه تعالى عنه. . قال: يا رسول اللَّه؛ أنؤاخذ بكل ما نتكلم به؟ فقال: "ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكبُّ الناسَ على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم" (٣). وروى الترمذي وغيره: "كل كلام ابن آدم عليه لا له (٤) إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذكر اللَّه تعالى" (٥). وأخرج الترمذي: أن رجلًا مات -أي: شهيدًا كما في رواية- فقال آخر: أبشر بالجنّة، فقال ﷺ : "أو لا تدري، فلعله تكلَّم بما لا يعنيه، أو بخل بما لا يغنيه" (٦). وأخرج العقيلي مرفوعًا: "أكثر الناس ذنوبًا أكثرهم كلامًا فيما لا يعنيه" (٧). * * *

стр. 300

الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبُّك الخير للمسلمين] عَنْ أَبِي حَمْزَةَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ خَادِمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (١). (عن أبي حمزة) بمهملة [فميم] فزاي، صح أنه ﷺ كناه بذلك ببقلةٍ كان يجتنيها (٢) (أنس بن مالك ﵁ الأنصاري الخزرجي النجاري (خادم رسول اللَّه ﷺ كما صح عنه: أن النبي ﷺ لما قدم المدينة. . كان عمره عشر سنين (٣)، وأن أمه أمَّ سليم أتت به إلى النبي ﷺ ؛ أي؛ في السنة الأولى من الهجرة، فقالت له: خذه غلامًا يخدمك، فقبله، وقد قالت له يومًا: يا رسول اللَّه؛ ادع اللَّه تعالى له، فقال: "اللهم؛ أكثر ماله وولده، وبارك له فيه، وأدخله الجنة" قال: فلقد رُزقت من صلبي سوى ولد ولدي مئة وخمسة وعشرين -أي ذكورًا، ولم يرزق إلا بنتين على ما قيل- وإنَّ أرضي لَتثمر في السنة مرتين، وأنا أرجو الثالثة (٤). ومن بركة الثانية: أن قهرمانه جاءه (٥) فقال له: عطشت أرضنا، فتوضأ وخرج

стр. 301

إلى البرية، فصلى ركعتين ثم دعا فالْتَأَمت السحابة، ومطرت حتى ملأت جميع أرضه ولم تعْدُها إلا يسيرًا، وذلك في الصيف. وخرج مع النبي ﷺ إلى بدر، وإنما لم يُعدَّ في البدريين؛ لأنه لم يكن في سنِّ مَنْ يقاتل، وغزا مع النبي ﷺ ثمان غزوات، واستمر في خدمته ﷺ إلى أن توفي وهو عنه راضٍ، فاستمر بالمدينة، وشهد الفتوح، ثم قطن بالبصرة، وكان آخر الصحابة بها موتًا سنة تسعين، أو أحدٍ أو ثلاثٍ وتسعين، عن مئة سنة إلا سنة، أو وسنة، أو وسبع سنين، أو وعشرين سنة، وأما آخر الصحابة موتًا مطلقًا. . فهو أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي، توفي سنة مئة. وأوصى ثابتًا البناني أن يجعل تحت لسانه شعرة كانت عنده من شعر رسول اللَّه ﷺ ، ففعل. روى عنه أبو هريرة وغيره، وهو أحد المكثرين، روي له ألفان ومئتا حديثٍ وستةٌ وثمانون، اتفقا منها على مئة وثمانية وستين، وانفرد البخاري بثلاثة وثمانين، ومسلم بأحدٍ وسبعين. (أن رسول اللَّه ﷺ قال: لا يؤمن أحدكم) أي: الإيمان الكامل، ومر الكلام على (أحد) (١) (حتى يحب لأخيه) المسلم من الخير، كما في رواية أحمد والنسائي (٢)، فاندفع قول بعضهم: هذا عامٌّ مخصوصٌ؛ فإن الإنسان يحب لنفسه وطء حليلته، ولا يجوز أن يحبه لأخيه حالَ كونها في عصمته؛ لأنه محرَّمٌ عليه، وليس له أن يحب لأخيه فعل محرمٍ عليه. اهـ وقول بعض آخر: لا بد أن يكون المعنى فيما يباح، وإلَّا. . فقد يكون غيره ممنوعًا منه وهو مباحٌ له. اهـ، وذلك كله غفلةٌ عن رواية النسائي. نعم؛ الظاهر: أن التعبير بـ (الأخ) هنا جَرْيٌ على الغالب؛ لأنه ينبغي لكل مسلمٍ أن يحب للكفار الإسلامَ وما يتفرَّعُ عليه من الكمالات.

стр. 302

(ما) أي: مثل ما (يحب لنفسه) منه فيكون معه كالنفس الواحدة؛ كما حثَّ ﷺ على ذلك بقوله في الحديث الصحيح أيضًا: "المؤمنون كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ. . تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" (١). قال ابن الصلاح: (وهذا قد يُعدُّ من الصعب الممتنع، وليس كذلك؛ إذ القيام بذلك يحصل بأن يحب له حصولَ مثل ذلك من جهةٍ لا يزاحمه فيها بحيث لا ينقص على أخيه شيئًا من النعمة عليه، وذلك سهلٌ على القلب السليم، وإنما يعسر على القلب الدَّغِل) اهـ (٢) وبه يندفع قول غيره: يشبه أن هذه المحبة إنما هي من جهة العقل؛ أي: يحب له ذلك ويؤثره من هذه الجهة، أما التكليف بذلك من جهة الطبع. . فصعبٌ؛ إذ الإنسان مطبوعٌ على حب الاستئثار على غيره بالمصالح، بل على الغبطة والحسد لإخوانه، فلو كُلِّف أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه بطبعه. . لأفضى إلى ألَّا يكمل إيمان أحدٍ إلا نادرًا. اهـ ويؤيد ما قاله ابن الصلاح خبرُ الترمذي وابن ماجة: "أحِبَّ للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا" (٣)، وخبر أحمد: "أفضل الإيمان أن تحب للناس ما تحب لنفسك، وتكره لهم ما تكره لنفسك" (٤)، وخبره أيضًا: "أتحب الجنة؟ " قلت: نعم، قال: "فأحبَّ لأخيك ما تحب لنفسك" (٥)، وخبر مسلم: "يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تَأَمَّرَنَّ على اثنين، ولا تتولَّيَنَّ مال يتيم" (٦). أما إذا انتفت تلك المحبة لنحو غشٍّ أوحسدٍ فلم يحب له مثل ما يحب لنفسه. .

стр. 303

فهو غير مؤمنٍ الإيمان الكامل، ومن ثَمَّ قيل: أفحش الأحوال أن يرى ضانًا على أخيه بأعمال الخير إن لم يوفق هو لها، كما جرى لابن آدم؛ فإنه قتل أخاه من أجل أن تَقَبَّلَ اللَّه تعالى قربانه دونه. والمراد بالمثلية هنا: مطلق المشاركة المستلزمة لكفِّ الأذى والمكروه عن الناس، وتحمل الإنسان على أنه كما يحب أن ينتصف من حقه ومظلمته ينبغي له إذا كانت لأخيه عنده مظلمةٌ أو حقٌّ. . أن يبادر إلى إنصافه من نفسه، ويؤثر الحق وإن كان عليه فيه مشقة. وفي الحديث: "انظر ما تحب أن يأتيه الناس إليك فأته إليهم" (١)، ومن ثَمَّ قيل للأحنف: (ممن تعلمت الحلم؟ قال: من نفسي، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: كنت إذا كرهت شيئًا من غيري. . لم أفعل بأحدٍ مثله) (٢). فلا ينافي كون الإنسان يحب لنفسه أن يكون أفضل الناس، على أن الأكمل خلاف ذلك؛ فقد قال الفضيل بن عياض لسفيان بن عيينة: (إن كنت تودُّ أن يكون الناس مثلك. . فما أديت للَّه الكريم النصيحة، فكيف وأنت تودُّ أنهم دونك؟!) (٣). (رواه البخاري ومسلم) لكن رواية مسلم فيها شك؛ إذ قال: "لأخيه أو جاره" بخلاف رواية البخاري، فإنه لا شك فيها، ولفظ مسلم: "والذي نفسي بيده؛ لا يؤمن عبدٌ حتى يحب لأخيه، أو قال: لجاره ما يحبه لنفسه". ولفظ أحمد: "لا يبلغ عبدٌ حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير" (٤) وهو مبيِّنٌ لمعنى حديث "الصحيحين"، وأن المراد بنفي الإيمان: نفيُ بلوغ حقيقته ونهايته؛ فإنه كثيرًا ما يُنفى لانتفاء بعض أركانه وواجباته، كنفيه عن الزاني والسارق وشارب الخمر في الحديث المشهور (٥).

стр. 304

وذهب جمعٌ من السلف إلى أن مرتكب الكبيرة يُسمَّى مؤمنًا ناقص الإيمان، وآخرون إلى أنه يقال له: مسلم لا مؤمن، قيل: وهو المختار. ومقصود هذا الحديث -كما علم مما قررناه في معناه-: ائتلاف قلوب الناس، وانتظام أحوالهم، وهذا هو قاعدة الإسلام الكبرى التي أوصى اللَّه تعالى بها بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. وإيضاحه: أن كل أحدٍ من الناس إذا أحب لباقيهم أن يكونوا مثله في الخير. . أحسن إليهم، وأمسك أذاه عنهم، فيحبونه، فتسري بذلك المحبة بين الناس، فيسري الخير بينهم، ويرتفع الشر، فتنتظم أمور معاشهم ومعادهم، وتكون أحوالهم على غاية السداد، ونهاية الاستقامة، وهذا هو غاية المقصود من التكاليف الشرعية، والأعمال البدنية والقلبية. وهذا كله إنما يتولد من كمال سلامة الصدر من الغل والغش والحسد؛ فإن الحسد يقتضي أن يكره الحاسد أن يفوقه أحدٌ في خيرٍ أو يساويه فيه؛ لأنه يحب أن يمتاز على الناس بفضائله، والإيمان يقتضي أن يشاركوه كلهم فيما أُعطي من الخير من غير أن ينقص عليه منه شيء. نعم؛ ورد أنه لا حرج على من كره الامتياز بالجمال؛ فروى أحمد والحاكم في "صحيحه": أن مالك بن مرارة قال: يا رسول اللَّه؛ قد قسم لي من الجمال ما ترى، فما أُحبُّ أحدًا من الناس فضلني بشراكين فما فوقهما أليس ذلك هو البغي؟ فقال: "لا، ليس ذلك من البغي، ولكن البغي من بطر، أو قال: سَفِهَ الحقَّ" (١). ومن كمال الإيمان تمني مثل الفضائل الأخروية التي فاقه فيها غيره (٢)؛ كما دلت عليه الأحاديث الشهيرة، وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. . فهو نهي عن الحسد؛ وهو: تمني انتقال نعمة الغير إليه. وما مر عن الفضيل مما يقتضي أن الأكمل محبةُ أن يكون الناس فوقه إنما هو من

стр. 305

جهة أن هذا هو أكمل درجات النصيحة (١)، وإلَّا. . فالمأمور به شرعًا إنما هو محبة أن يكونوا مثله، ومع هذا: فماذا فاقه أحدٌ في فضيلةٍ دينيةٍ. . اجتهد في لحاقه، وحزن على تقصيره، لا حسدًا بل منافسةً وغبطةً؛ ليزداد بذلك الاجتهاد في طلب الفضائل والازدياد منها، والنظر لنفسه بعين النقص، وينشأ من هذا أن يحب للمؤمنين أن يكونوا خيرًا منه؛ فإنه لا يرضى لهم أن يكونوا على مثل حاله. * * *

стр. 306

الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تُهدر] عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بإِحْدَى ثَلَاثٍ: الْثَّيِّبُ الزَّانِي وَالْنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالْتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (١). (عِنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لا يحل) أي: لا يجوز، فلا ينافي وجوب القتل بإحدى الثلاث الآتية؛ لأن الجائز يصدق بالواجب (دم) أصله دميٌ؛ أي: إراقة دمِ (امرئٍ) يقال فيه أيضًا: مَرْءٌ، وهو للذكر، وخص بالذِّكر هنا وفي نظائره؛ لشرفه وأصالته، وغلبة دوران الأحكام عليه، وإلَّا. . فالأنثى كذلك من حيث الحكم. (مسلم) وفي رواية: "يشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه" وهو صفةٌ كاشفةٌ، وخرج به الكافر الحربي، فيحل دمه مطلقًا، لكن إن كان بالغًا عاقلًا؛ لأنه لا شيء يخرجه عما اقتضاه هذا المفهوم، بخلاف الذِّمِّي. (إلا بإحدى) خصالٍ (ثلاث) فيجب على الإمام القتل بها؛ لِمَا فيه من المصلحة العامة؛ وهي حفظ النفوس والأنساب والأديان. (الثيب) أي: خصلته المفهومة من السياق، وهي زِناهُ؛ لتعذُّر إبداله مما قبله بدون هذا التقدير، وكذا يُقدَّر فيما بعده، وهو المحصن (٢).

стр. 307

والمراد به في هذا الباب: الحر، البالغ، العاقل، الواطئ أو الموطوءة في القُبل، في نكاحٍ صحيحٍ وإن حرم لنحو عدةِ شُبهةٍ، فلا يحصل بوطء أمته، ولا بوطءٍ في نكاحٍ فاسدٍ، ولا يشترط لإحصانه الإسلام، وذِكْره في هذا الحديث لا ينافي ذلك كما هو ظاهرٌ للمتأمل، فيرجم ذميٌّ ومرتدٌّ أُحصِنا وإن لم يرضَ الذميُّ بحكمنا. نعم؛ إن أسلم قبل رجمه. . سقط (١). (الزاني) وهو: من أَوْلج أو أُولج فيه حشفة آدميٍّ أو قدرها في قُبل حرامٍ لعينه (٢)، مشتهًى طبعًا، خالٍ عن شبهة الفاعل، والمحل، والطريق، وتفصيل ذلك مذكورٌ في الفروع (٣). ووطء الدبر كالقبل بل أغلظ، لكن حد المفعول به غير حليلة الفاعل الجلدُ والتغريب ولو محصنًا؛ لأنه لا يتصور الإحصان المشترط في الرجم في الدبر المفعول فيه. والمراد بحل دم المحصن الزاني: أنه يجب رجمه بالحجارة حتى يموت، ولا يجوز قتله بغير ذلك إجماعًا (٤). (والنفس) يجوز تذكيرها وتأنيثها (بالنفس) بشروطه المقررة في محلها. منها: أن يكون القتل عمدًا، محضًا، عدوانًا لذاته؛ بأن قصد آدميًا معينًا ولو بالعموم، بأن رمى إلى جماعةٍ قاصدًا أيَّ واحدٍ منهم -بخلاف قصد واحدٍ منهم مُبْهم؛

стр. 308

إذ لا عموم فيه- بما يَقتُلُ غالبًا جارحٍ أو مثقلٍ؛ للحديث الصحيح: أنه ﷺ (رضَّ رأس يهوديةٍ رضَّتْ رأس جاريةٍ بين حجرين) (١) لإقرارها بذلك، لا لنقض عهدها، وإلَّا. . لم يرضَّ رأسها، بل كان يتعيَّن السيف. ومنها: أن يكون القتيل معصومًا بإسلامٍ أو بأمان بذمةٍ أو غيرها، أو بضرب رِقٍّ على كافر. ومنها: أن يكون القاتل مكلفًا، ملتزمًا لأحكام الإسلام. ومنها: مكافأة المجني عليه للجاني من أول أجزاء الجناية رميًا أو جرحًا إلى الموت، فلا يقتل فاضلٌ بمفضول، بخلاف عكسه. والمؤثر من الفضائل: الإسلام، والحرية، والأصالة، والسيادة، فلا يقتل مسلمٌ بأي كافرٍ عندنا كأكثر العلماء؛ لخبر البخاري: "لا يقتل مسلم بكافر" (٢)، وخبرُ: أنه ﷺ (قتل يوم خيبر مسلمًا بكافر). . منقطعٌ (٣)، وغيره ضعيفٌ، ولا يصح في هذا غير خبر البخاري، فوجب الأخذ بعمومه؛ لأنه لم يعارضه شيء، ومن ثَمَّ قال كثيرون من أصحابنا: ينقض حكم حاكمٍ بقتله به. ولا حرٌّ بمن فيه رِقٌّ بأي نوعٍ كان عندنا كأكثر العلماء أيضًا (٤)؛ لأنه مالٌ متقومٌ فألحق بسائر الأموال، وخبر: "من قتل عبده قتلناه" (٥). . منقطع؛ فإن الحسن راويَهُ لم يسمع من سَمُرة إلا حديث العقيقة. ويقاد قِنٌّ بِقِنٍّ مطلقًا إلا ما ملكه؛ كمكاتبٍ بعبده ولو أباه، ويقاد فرعٌ بأصله، ومَحرَمٌ بمحرمه، لا أصلٌ بفرعه ولا له (٦)؛ كقتل زوجة فرعه؛ لإرثه بعض القود

стр. 309

الذي على أبيه، فيسقط، وتفصيل هذه الجمل مذكورٌ في الفروع. (والتارك لدينه) وهو الإسلام؛ لأن الكلام في المسلم، على أنَّ في رواية لمسلم: "التارك للإسلام" (١) بأن يقطعه عمدًا أو استهزاءً بالدين، ويحصل باطنًا باعتقاده ما يوجب الكفر وإن لم يظهره، وظاهرًا إما بفعلٍ كالسجود لمخلوقٍ، أو ذبحٍ على اسمه تقربًا إليه، وطرح نحو قرآنٍ، أو حديثٍ، أو علمٍ شرعي على مستقذرٍ ولو طاهرًا كبزاق، أو طرح المستقذر عليه، وطرح فتوى علمٍ على أرضٍ مع قوله: (أي شيءٍ هذا الشرع؟!). وإما بقولٍ مع اعتقادٍ أو عنادٍ أو استهزاءٍ، وتفصيل ذلك في كتب الفروع، وقد استوفيتُه على المذاهب الأربعة في كتابي "الإعلام بما يقطع الإسلام" فانظره إن أردت أن تقف من هذا الباب على غرائب الفروع، وبدائع التحقيق والاستنباط. وإذا حكمنا بردَّته بواحدٍ من هذه المذكورات ونحوها. . حكمنا بها باطنًا وإن كان مُصدِّقًا بقلبه؛ لأن ملحظ الإكفار بها دلالتها: إما على عدم الانقياد الباطن، وإما على تكذيب الشرع، وكلاهما كفرٌ وإن وجد في القلب تصديق كما مر ذلك مستوفًى في بحث الإيمان (٢). ولا يدخل في التارك لدينه انتقال الكافر من ملَّةٍ إلى أخرى؛ لأن الكلام في المسلم كما مر، ومن ثَمَّ كان الأصح عندنا: أنه لا يقتل، بل يبلغ مأمنه، ثم يصير كحربيٍّ، إن ظفرنا به. . قتلناه إن لم يسلم، أو يبذل جزية. وأفهم الحديث وجوب قتل المرتدة كالمرتد، وهو مذهب الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه وكثيرين، ويصرح به خبر: "من بدَّل دينه. . فاقتلوه" (٣)، ودعوى تخصيصه بغيرها لا دليل عليها، ول انظر لكونها لا منعة فيها فلا يخشى منها إعانة الحربيين؛ لأنه منقوضٌ بنحو أعمى أو هَرِمٍ.

стр. 310

(المفارق) بقلبه واعتقاده، أو ببدنه ولسانه (للجماعة) المعهودين، وهم جماعة المسلمين؛ إما بنحو بدعةٍ كالخوارج المتعرضين لنا، أو الممتنعين من إقامة الحق عليهم المقاتلين عليه، وإما بنحو بغيٍ، أو حرابةٍ، أو صيالٍ، أو عدم ظهور شعار الجماعة في الفرائض، فكل هؤلاء تحلُّ دماؤهم بمقاتلتهم من أجل أنهم تركوا دينهم كالمرتد، لكنهم يفارقونه: بأنه بدَّل كل الدين، وهؤلاء بدَّلوا بعضه وإن كان كلٌّ منه ومنهم مفارقًا للجماعة. فعُلم أن بين ترك الدين من أصله ومفارقة الجماعة عمومًا وخصوصًا مطلقًا؛ لأنه يلزم من الأول الثاني ولا عكس، وبين تركه لا من أصله ومفارقة الجماعة التساوي؛ لأنه يلزم من أحدهما الآخر، وأن هذا القسم الثالث؛ أعني التارك لدينه، المفارق للجماعة باعتبار ما قررناه فيه. . شاملٌ لِمَا عدا القسمين الأولين من كل من جاز قتله كتارك الصلاة، أو قتاله شرعًا بشروطه المقررة عند الفقهاء، وأن الحصر في الحديث حقيقيٌّ؛ إذ لا يشذُّ عنه شيءٌ بملاحظة ما قررناه، فاستفده ورُدَّ به على مَنْ زعم أن الحصر هنا غير حقيقيٍّ (١). فإن قلت: يَرِدُ عليه خبر: "اقتلوا الفاعل -أي: اللائط- والمفعول به" (٢) وأخذ به كثيرٌ كمالك وأحمد، فقالوا: إن اللواط يوجب القتل بكل حالٍ على المحصن وغيره. قلت: لا يَرِدان؛ لدخولهما في الزاني؛ إذ حد الزنا شرعًا عندنا يشملهما كما يشمل الرجل والمرأة، وحينئذٍ فيستفاد من الحديث اشتراط الإحصان فيهما، ونحن نقول به في اللائط، وأما الملوط به. . فلا يقتل عندنا مطلقًا؛ إذ لا يتصور الإحصان منه بالفرج الملوط به؛ لاستحالة إباحته بنكاحٍ صحيحٍ. وذهابُ جمعٍ إلى قتل مَنْ تزوج زوجة أبيه ولو غير محصن، وقتل الساحر، ومن

стр. 311

وطئ بهيمةً، وشارب الخمر في المرة الرابعة، وغير ذلك. . لا يرد علينا (١)؛ لأنهم استندوا في ذلك إلى ما لا تقوم به الحجة من حديثٍ ضعيفٍ، أو منسوخٍ، أو محمولٍ على المُستحِلِّ، بدلائل أخر مقررة في محلها. و (لام) "لدينه" وما بعده مزيدة للتأكيد والتقوية؛ لِتعدي (تَرَكَ) و (فَارَقَ) ونحو اسم فاعلهما إلى المفعول بلا واسطة، واستثناء الأولين من المسلم ظاهرٌ؛ لأنهما حيث لم يستحلا. . لا ينافيان الإسلام، واستثناء الثالث المزيل للإسلام منه إنما هو باعتبار أنه كان مسلمًا قبلُ، ففيه الجمع بين حقيقته ومجازه، وهو جائز، وقُبلت توبته -خلافًا لجمع- دونهما؛ لأن قتلهما بجريمةٍ مضت، فلا يمكن تلافيها بخلافه؛ فإنه لوصفٍ قائمٍ به حالًا، وهو تركه لدينه، فَبِعَوْدِه إليه انتفى ذلك الوصف. (رواه البخاري ومسلم) وهو من القواعد الخطيرة؛ لتعلُّقه بأخطر الأشياء، وهو الدماء، وبيان ما يحلُّ منها وما لا يحل، وأن الأصل فيها: العصمة، وهو كذلك عقلًا؛ لأنه مجبولٌ على محبة بقاء الصور الإنسانية المخلوقة في أحسن تقويم، وشرعًا وهو ظاهرٌ ولو لم يكن من وعيد القاتل إلا قوله ﷺ : "من أعان على قتل مسلمٍ بشطر كلمةٍ. . لقي اللَّه تعالى مكتوبًا بين عينيه: آيسٌ من رحمة اللَّه" (٢). وقد أجمع المسلمون على القتل بكل واحدةٍ من هذه الخصال الثلاثة، ومر في خبر: "أُمرت أن أقاتل الناس. . . " أن هذا الحديث ميينٌ لحق الإسلام المذكور فيه (٣)؛ لأن العصمة الثابتة لمن نطق بالشهادتين إنما تُراعى ما دامت لم تُهتك، وهتكها إنما يتحقَّق بأحد هذه الثلاثة المذكورة في هذا الحديث، ومر في شرح ذلك الحديث بيانُ دلالته على قتل تارك الصلاة كسلًا، ومر قريبًا أن القسم الثالث هنا يشمله وإن لم نقل بكفره، وهو ما عليه أكثر العلماء، فاندفع زعم أن هذا الحديث يفيد عدم قتله، وقال أقلهم بكفره، وأطال إسحاق في الانتصار له وإيرادِ الأدلة عليه بما يرده: أنها جميعها محمولةٌ على المستحِل؛ جمعًا بين الأحاديث.

стр. 312

ويؤيده: أنه صح في السُّنة إطلاق الكفر على معاصٍ كثيرةٍ؛ كإنكار النسب، وقتال المسلم (١)، واتفق الكل على تأويلها؛ لما ذكرناه، فكذا ما ورد في تارك الصلاة. وزَعْمُ امتيازها بخصوصياتٍ لا يمنع ما قلناه؛ لأن موجب التأويل الجمع بين الأدلة المتعارضة في الصلاة وغيرها، فلم يكن حينئذٍ لافتراقها عن غيرها معنًى يوجبه. وفي قتله إشكالٌ لإمام الحرمين ذكره بعض الشُّراح، وساق فيه ما لم يتحرر منه جواب، والإشكال: أنه لا يقتل إلا بعد خروج وقت الجمع، بأن يؤخِّر الظهر لما بعد الغروب، والمغرب لما بعد الفجر، وحينئذٍ يصير قضاء، وهو لا قتل به وإن تضيق (٢). وجوابه: أن قولهم: (لا قتل بالقضاء) محلُّه في قضاءٍ لم يؤمر بأدائه في الوقت، فهذا لا يقتل وإن امتنع من القضاء المضيق؛ لأنه لم يتحقق منه مراغمةٌ تامّةٌ للشرع؛ لأن خروجها عن وقتها شبهة ما في التأخير، بخلاف ما إذا أُمر بها في الوقت فامتنع؛ فإنه لاشبهة له في التاخير بوجهٍ، فتحققت منه مراغمة الشرع بالكلية، فقتل بعد خروج الوقت ما لم يبادر ويصلي. وأجاب بعضهم بما لا يُجدي بل لا يصح؛ وهو أن العصمة في خبر: "أمرت. . . " السابق مشروطةٌ بثلاثة؛ منها إقامة الصلاة، ووجه عدم إجدائه: واضحٌ، وعدمِ صحته: أن الموقوفَ على الثلاثةِ المقاتلةُ، ولا يلزم من جوازها جواز القتل، ألا ترى أن مانعي الزكاة يقاتلون؟! بخلاف مَنْ تركها مِن غير قتال؛ فإنه لا يقتل. * * *

стр. 313

الحديث الخامس عشر [التكلم بخير وإكرام الجار والضيف من الآداب الإسلامية] عَنْ أَبِي هُرَيرَة ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْم الآخِرِ. . فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمَ الآخِرِ. . فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمنُ باللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ. . فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (١). (عن أبي هريرة ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ قال: من كان يؤمن باللَّه) الإيمان الكامل، المنجي من عذابه، الموصل إلى رضاه، فالمتوقف على امتثال الأوامر الثلاثة الآتية كمالُ الإيمان لا حقيقته، أو هو على المبالغة في الاستجلاب إلى هذه الأفعال، كما يقول القائل لولده: إن كنت ابني. . فأطعني؛ تعريضًا وتهييجًا على الطاعة، والمبادرة إليها مع شهود حقوق الأبوة وما يجب لها، لا على أنه بانتفاء طاعته ينتفي أنه ابنه. (واليوم الآخر) وهو يوم القيامة الذي هو محل الجزاء على الأعمال حَسَنِها وقبيحها، ففي ذكره هنا -دون نحو الملائكة مما ذكر معه في الحديث الثاني- تنبيهٌ وإرشادٌ لما أشرت إليه مما يوقظ النفس، ويحرك الهمة للمبادرة إلى امتثال جزاء هذا الشرط، وهو (فليقل) هي (لام) الأمر هنا وفيما يأتي، ويجوز سكونها وكسرها حيث دخلت عليها الفاء أو الواو، بخلافها في: "ليسكت" (٢) فإنها مكسورةٌ لا غير.

стр. 314

(خيرًا) قال الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه: (لكن بعد أن يتفكر فيما يريد أن يتكلم به، فإذا ظهر له أنه خيرٌ محقَّقٌ لا يترتب عليه مفسدة، ولا يجر إلى كلامٍ محرمٍ أو مكروهٍ. . أتى به) (١). (أو ليصمت) من (صمت، وأَصمَت) بمعناه، (يصمُت) بضم الميم، قاله المصنف رحمه اللَّه تعالى (٢)، واعترض بأن المسموع والقياس كسرها؛ إذ قياس (فعَل) المفتوح العين (يفعِل) بكسرها، و (يفعُل) بضمها دخيلٌ فيه، كما نصَّ عليه ابن جنِّي، وإنما يتجه ذلك إن سبرت كتبُ اللغة فلم يُرَ ما قاله، وإلَّا. . فهو حجةٌ في النقل، وهو لم يقل هذا قياسًا حتى يعترض بما ذكر، وإنما قاله نقلًا كما هو ظاهرٌ من كلامه، فوجب قبوله؛ أي: ليسكت إن لم يظهر له ذلك، فيسن له الصمت حتى عن المباح؛ لأنه ربما أدَّى إلى محرَّمٍ أو مكروهٍ، وعلى فرض ألَّا يؤدي إليهما، ففيه ضياع الوقت فيما لا يعني، وقد مر: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (٣). واختلفوا في قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ﴾ الآيةَ، فقيل: يشمل المباح فيكتب، وهو ظاهر الآية، وقيل: لا يكتب إلا ما فيه ثوابٌ أو عقابٌ، وإليه ذهب ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما وغيره (٤). وورد أن في صحف إبراهيم على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة والسلام: "وعلى العبد أن يكون بصيرًا بزمانه، مقبلًا على شأنه، حافظًا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله. . قلَّ كلامه إلا فيما يعنيه" (٥) وترك فضول الكلام مما لا يعني.

стр. 315

وفي الحديث: "ألا أنبئكم بأمرين خفيفين لم يُلْقَ اللَّه تعالى بمثلهما؟! الصمت، وحسن الخلق" (١). وفي "المسند" خبر: "لا يستقيم إيمان عبدٍ حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه" (٢). وروى الطبراني خبر: "لا يبلغ عبدٌ حقيقة التقوى حتى يحترز من لسانه" (٣)، وخبر: "إنك لن تزال سالمًا ما سكتَّ، فإذا تكلمتَ. . كُتب لك أو عليك" (٤). وأحمد والترمذي والنسائي: "إن أحدكم لَيتكلَّم بالكلمة من رضوان اللَّه تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب اللَّه له بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإن أحَدكم لَيتكلَّم بالكلمة من سخط اللَّه تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب اللَّه تعالى عليه بها سخطه إلى يوم القيامة" (٥). والأحاديث في ذلك كثيرةٌ جدًّا، ومن ثم قال وهب بن منبه: (أجمعت الحكماء على أنَّ رأسَ الحكمةِ الصمتُ) (٦). وقال الفضيل: (لا حج ولا رباط ولا جهاد أشد من حبس اللسان) (٧). وقال لقمان لابنه: (لو كان الكلام من فضةٍ. . لكان السكوت من ذَهَبٍ. قال ابن المبارك: معناه: لو كان الكلام بطاعة اللَّه تعالى من فضةٍ. . لكان السكوت عن معصية اللَّه تعالى من ذهب) (٨).

стр. 316

وهو صريحٌ في أن الكفَّ عن المعصية أفضل من عمل الطاعة، وفي أن الصمت أفضل من الكلام، لكن ذهب جماعةٌ من السلف إلى تفضيل الكلام؛ لأن نفعه متعدٍّ، وسيأتي له مزيد بيان. وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه اللَّه تعالى: (الصمت سلامة، وهو الأصل، والسكوت في وقته صفة الرجال، كما أن النطق في وقته من أشرف الخصال، وسمعت أبا علي الدقاق يقول: من سكت عن الحق. . فهو شيطانٌ أخرس). قال: (فأما إيثار أهل المجاهدة السكوتَ. . فلِمَا عرفوا ما في الكلام من الآفات، ثم ما فيه من حظوظ النفس، وإظهار صفات المدح، والميل إلى أن يتميز من بين أشكاله بحسن النطق، وغير هذا من الآفات، وذلك نعت أرباب الرياضة، وهذا أحد أركانهم في حكم المنازلة وتهذيب الخلق) (١). وقال ذو النون: (أصون الناس لنفسه أملكهم للسانه) (٢). وبالجملة: فاللائق بمن يؤمن باللَّه تعالى حقَّ إيمانه، وباليوم الآخر، ووقوع الجزاء فيه أن يستعدَّ له، ويجتهد فيما يدفع به أهواله ومكارهه، فيأتمر بأوامره، وينتهي عن مخالفته، ويعلم أن من أهمِّ ما عليه ضبط جوارحه؛ فإنها رعاياه، وهو مسؤولٌ عنها جارحة جارحة، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الْسَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسئُوَلًاْ﴾. وإن من أكثر المعاصي عددًا وأيسرها وقوعًا معاصي اللسان؛ إذ آفاته تزيد على العشرين، ومن ثَمَّ قال تعالى: ﴿وَقُوْلُوْا قَوْلًا سَدِيِدًا﴾، وقال ﷺ : "أمسك عليك لسانك" (٣)، وقال ﷺ : "وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟! " (٤)، وقال: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من

стр. 317

سخط اللَّه تعالى لا يُلقي لها بالًا يهوي بها في النار سبعين خريفًا" (١). فمن آمن بذلك حق إيمانه. . اتقى اللَّه في لسانه، وقلَّل من كلامه ما استطاع، سيما فيما نُهي عن الكلام فيه، كبعد العِشاء ما لم يتعلق به مصلحةٌ دينيةٌ؛ كالإبلاع عن اللَّه تعالى وعن نبيه ﷺ ، وتعليم العلوم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر عن علم (٢)، والإصلاح بين الناس، وأن يقول التي هي أحسن، وأن يقول للناس حسنًا، ومن أفضل الكلمات كلمة حقٍّ عند من يخاف سطوته في ثباتٍ وسدادٍ، وكالكلام مع حليلته أو ضيفه. أو دنيوية (٣)؛ كما يتعلق بضرورة الإنسان أو مصالحه. وأفاد الحديث: أن قول الخير خيرٌ من الصمت؛ لتقديمه عليه، ولأنه إنما أمر به عند عدم قول الخير، وأن الصمت خيرٌ من قول الشر، وأن قول الخير غنيمة، والسكوت عن الشر سلامة، وأن فوات الغنيمة والسلامة ينافي حال المؤمن، وما يقتضيه شرف الإيمان المشتق من الأمان، ولا أمان لمن فاتته الغنيمة والسلامة، وأن الإنسان إما أن يتكلم أو يسكت، فإن تكلَّم: فإما بخيرٍ وهو رِبحٌ، وإما بشرٍّ وهو خسارة، وإن سكت: فإما عن شرٍّ وهو ربح، وإما عن خيرٍ وهو خسارة، فله في كلامه وسكوته ربحان فينبغي أن يُحصِّلهما، وخسارتان ينبغي أن يجتنبهما. قيل: وهذا الأمر عامٌّ مخصوصٌ بما لو أُكره على قول شر، أو سكوتٍ عن خير، أو نسي، أو خاف على نفسه من قول الخير ونحوه؛ لخبر: "رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه" (٤)، وخبر: "إذا أمرتكم بأمرٍ. . فأتوا منه ما استطعتم" (٥) اهـ. ولا يحتاج لذلك؛ لأن رفع القلم عن الناسي والمكره من القواعد الشرعية

стр. 318

المقررة، فجميع الأوامر والنواهي مخصوصةٌ بها في ذهن كل عالمٍ بذلك معتقدًا له، فلا خصوصية لهذا الحديث بها، على أن التعبير بالخير وبالسكوت في مقابلته الدال على أنه خيرٌ أيضًا دليلٌ على ذلك التخصيص؛ لأن المكره عليه منهما يصير خيرًا؛ أي: مباحًا، وعند النسيان هو خيرٌ أيضًا؛ لارتفاع العقاب، فلا يحتاج مع ذلك إلى دعوى تخصيص. تنبيه [الصمت مطلقًا منهيٌّ عنه، والفرق بينه وبين السكوت] التزام الصمت مطلقًا، واعتقاده قربة إما مطلقًا أو في بعض العبادات كالصوم والحج منهيٌّ عنه؛ ففي خبر أبي داوود: "لا صُمات يومٍ إلى الليل" (١)، وخرج الإسماعيلي النهي عنه في الاعتكاف، وروي أيضًا في الصوم. وآثر (يصمت) على (يسكت) لأنه أخص؛ إذ هو السكوت مع القدرة، وهذا هو المأمور به، وأما السكوت مع العجز لفساد آلة النطق. . فهو الخرس، أو لتوقفها. . فهو العِيُّ، وكلا هذين لا يحسن الأمر معه بالسكوت. (ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر. . فليكرم جاره) بالإحسان إليه، وكفِّ الأذى عنه، وتحمُّل ما يصدر منه، وبالبشر في وجهه (٢)، وغير ذلك من وجوه الإكرام التي لا تحْفى رعايتها على الموفَّقين، قال تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ وهو -أعني الجار- عرفًا: من بينه وبينه دون أربعين دارًا من أيِّ جانبٍ كان من جوانب الدار. وفي (مراسيل الزهري): أن رجلًا أتى النبي ﷺ يشكو إليه جارًا له، فأمر ﷺ بعض أصحابه أن ينادي: "أَلَا إن أربعين دارًا جارٌ" (٣) وبه أخذ جمعٌ من السلف.

стр. 319

وقيل: هو في المسجد مَنْ سمع الأذان أو الإقامة منه، فيقدر كذلك في الدور، وقيل: مَنْ ساكنك في محلةٍ أو بلدٍ. . فهو جارك، والمجاورة مراتب بعضها ألصق من بعض، أدناها الزوجة والقريب، وهو المراد بالجار ذي القربى في الآية، والجار الجنب فيها: الأجنبي، وقيل: الأول المسلم، والثاني الكافر، وقيل: الأول القريب المسكن منك، والثاني البعيد المسكن، وكأن قائله نظر لخبر عائشة: يا رسول اللَّه؛ إن لي جارينِ، فإلى أيِّهما أُهدي؟ قال: "إلى أقربهما منكِ بابًا" (١)، وقيل: الثاني الزوجة. "فالجيران ثلاثة: كافرٌ، فله حقٌّ واحدٌ بالجوار، ومسلمٌ، فله حقان: الجوار، والإسلام، ومسلم قريب، فله ثلاثة حقوق: الجوار، والإسلام، والقرابة"، وهذا حديثٌ له طرقٌ متصلةٌ ومرسلة، لكن لا تخلو كلها عن مقال (٢). والأحاديث في حقوق الجار كثيرة؛ ففي "الصحيحين": "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" (٣). وروى مسلم عن أبي ذرٍّ رضي اللَّه تعالى عنه قال: أوصاني خليلي ﷺ : "إذا طبختَ مرقًا. . فأكثِرْ ماءه، ثم انظر إلى أهل بيتٍ من جيرانك فأصبهم منها بمعروف" (٤)، وفي رواية: "فأكثر ماءها (٥)، وتعاهد جيرانك" (٦). وروى البخاري في "الأدب": "كم من جارٍ متعلقٌ بجاره يوم القيامة يقول: يا رب؛ هذا أغلق بابه دوني فمنع معروفه" (٧). (ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر. . فليكرم ضيفه) الغنيَّ والفقيرَ بالبشر في

стр. 320

وجهه، وطيب الحديث معه، وبالمبادرة بإحضار ما تيسَّر عنده من الطعام من غير كلفةٍ ولا إضرارٍ بأهله، إلا أن يرضوا وهم بالغون عاقلون، وقد بينتُ في الكتاب الآتي حديث الأنصاري المشهور (١)، الذي أثنى اللَّه ورسوله عليه وعلى امرأته بإيثارهما الضيف على أنفسهما وصبيانهما، حيث نَوَّمَتْهم بأمره حتى أكل الضيف (٢). والجواب عما اقتضاه ظاهره من تقديمهما ما يحتاج إليه الصبيان: بأن الضيافة لتأكدها والاختلاف في وجوبها مقدمةٌ، وبأن الصبيان لم تشتد حاجتهم للأكل، وإنما خشيا أن الطعام لو جِيء به للضيف وهم مستيقظون. . لم يصبروا عن الأكل منه وإن كانوا شباعًا على عادة الصبيان، فيشوشوا على الضيف، فنُوِّموا لذلك (٣)، وهذا ظاهرٌ، خلافًا لمن توقف فيه. والضيف لغةً: يشمل الواحد والجمع، مِن (أضفته وضَيَّفته): إذا أنزلته بك ضيفًا، و (ضِفته وتضيَّفته): إذا نزلت عليه ضيفًا. ومعنى الحديث: أن من التزم شرائع الإسلام. . تأكَّد عليه إكرام جاره وضيفه وبرهما لعظيم حقهما، كما أعلم به ﷺ ، وأكَّد على عظيم رعايته في أحاديث كثيرة، بيَّنتُها في كتابي "حقائق الإنافة في الصدقة والضيافة" فإنه جمع في ذلك من الأحاديث النبوية والأحكام الفقهية ما تقر به العيون، وينتفع به المتقون؛ إذ الصدقة لا سيما للجار والضيافة من مكارم أخلاق المؤمنين، ومن محاسن الدين، وسنن النبيين، ومن ثَمَّ قال ﷺ : "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" وقد مر، وفيه إشارة ما إلى ما بالغ به بعضُ الأئمة من إثبات الشُّفعة له. ورُوي: أن إبراهيم صلى اللَّه عليه وعلى نبينا وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وسلم كان يُسمَّى أبا الضيفان (٤)، وكان يمشي الميل والميلين في طلب من يتغدَّى معه (٥).
следующие страницы →